• فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) ۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
  • Translate

    الجمعة، 1 مايو 2026

    ج1. الي اخر ج11. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي

    ج1.  كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي 
     
     بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ قال الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَفْضَلُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبُرْهَانُ الْمُحَقِّقِينَ كَهْفُ الْأَئِمَّةِ وَالْفُضَلَاءِ زُبْدَةُ نَحَارِيرِ الْعُلَمَاءِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَعُمْدَةُ فُضَلَاءِ الزَّمَانِ بَدْرُ الدِّينِ أبو عبد اللَّهِ محمد بن الْفَقِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عبد اللَّهِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ وفي دَارِ الْخُلْدِ مَأْوَاهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي أَسَّسَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ بِأُصُولِ أَسَاسِهِ وَمَلَّكَ من شَاءَ قِيَادَ قِيَاسِهِ وَوَهَبَ من اخْتَصَّهُ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ على أَفْرَادِ أَفْرَاسِهِ وَأَوْلَى عِنَانَ الْعِنَايَةِ من وَفَّقَهُ لِاقْتِبَاسِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له شَهَادَةً يَتَقَوَّمُ منها الْحَدُّ بِفُصُولِهِ وَأَجْنَاسِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي رَقَى إلَى السَّبْعِ الطِّبَاقِ بِبَدِيعِ جِنَاسِهِ وَآنَسَ من الْعُلَا نُورًا هَدَى الْأُمَّةَ بِإِينَاسِهِ صلى اللَّهُ عليه وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلم تَسْلِيمًا كَثِيرًا ما قَامَتْ النُّصُوصُ بِنَفَائِسِ أَنْفَاسِهِ وَاسْتُخْرِجَتْ الْمَعَانِي من مِشْكَاةِ نِبْرَاسِهِ أَمَّا بَعْدُ فإن أَوْلَى ما صُرِفَتْ الْهِمَمُ إلَى تَمْهِيدِهِ وَأَحْرَى ما عُنِيَتْ بِتَسْدِيدِ قَوَاعِدِهِ وَتَشْيِيدِهِ الْعِلْمُ الذي هو قِوَامُ الدِّينِ وَالْمَرْقَى إلَى دَرَجَاتِ الْمُتَّقِينَ وكان عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ جَوَادَهُ الذي لَا يُلْحَقُ وَحَبْلَهُ الْمَتِينَ الذي هو أَقْوَى وَأَوْثَقُ فإنه قَاعِدَةُ الشَّرْعِ وَأَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ كُلُّ فَرْعٍ وقد أَشَارَ الْمُصْطَفَى صلى اللَّهُ عليه وسلم في جَوَامِعِ كَلِمِهِ إلَيْهِ وَنَبَّهَ أَرْبَابُ اللِّسَانِ عليه فَصَدَرَ في الصَّدْرِ الْأَوَّلِ منه جُمْلَةٌ سَنِيَّةٌ وَرُمُوزٌ خَفِيَّةٌ حتى جاء الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ محمد بن إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه فَاهْتَدَى بِمَنَارِهِ وَمَشَى إلَى ضَوْءِ نَارِهِ فَشَمَّرَ عن سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ وَجَاهَدَ في تَحْصِيلِ هذا الْغَرَضِ السَّنِيِّ حَقَّ الْجِهَادِ وَأَظْهَرَ دَفَائِنَهُ وَكُنُوزَهُ وَأَوْضَحَ إشَارَاتِهِ وَرُمُوزَهُ وَأَبْرَزَ مُخَبَّآتِهِ وَكَانَتْ مَسْتُورَةً وَأَبْرَزَهَا في أَكْمَلِ مَعْنًى وَأَجْمَلِ صُورَةً حتى نَوَّرَ بِعِلْمِ الْأُصُولِ دُجَى الْآفَاقِ وَأَعَادَ سُوقَهُ بَعْدَ الْكَسَادِ إلَى نَفَاقٍ وَجَاءَ من بَعْدَهُ فَبَيَّنُوا وَأَوْضَحُوا وَبَسَطُوا وَشَرَحُوا حتى جاء الْقَاضِيَانِ قَاضِي السُّنَّةِ أبو بَكْرِ بن الطَّيِّبِ وَقَاضِي الْمُعْتَزِلَةِ عبد الْجَبَّارِ فَوَسَّعَا الْعِبَارَاتِ وَفَكَّا الْإِشَارَاتِ وَبَيَّنَا الْإِجْمَالَ وَرَفَعَا الْإِشْكَالَ وَاقْتَفَى الناس بِآثَارِهِمْ وَسَارُوا على لَاحِبِ نَارِهِمْ فَحَرَّرُوا وَقَرَّرُوا وَصَوَّرُوا فَجَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَمَنَحَهُمْ بِكُلِّ مَسَرَّةٍ وَهَنَاءٍ ثُمَّ جَاءَتْ أُخْرَى من الْمُتَأَخِّرِينَ فَحَجَرُوا ما كان وَاسِعًا وَأَبْعَدُوا ما كان شَاسِعًا وَاقْتَصَرُوا على بَعْضِ رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَكَثَّرُوا من الشُّبَهِ وَالدَّلَائِلِ وَاقْتَصَرُوا على نَقْلِ مَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ من الْفِرَقِ وَتَرَكُوا أَقْوَالَ من لِهَذَا الْفَنِّ أَصَّلَ وَإِلَى حَقِيقَتِهِ وَصَّلَ فَكَادَ يَعُودُ أَمْرُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَتَذْهَبُ عنه بَهْجَةُ الْمُعَوَّلِ فَيَقُولُونَ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ أو وِفَاقًا للجباني ( ( ( للجبائي ) ) ) وَتَكُونُ لِلشَّافِعِيِّ مَنْصُوصَةً وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالِاعْتِنَاءِ مَخْصُوصَةً وَفَاتَهُمْ من كَلَامِ السَّابِقِينَ عِبَارَاتٌ رَائِقَةٌ وَتَقْرِيرَاتٌ فَائِقَةٌ وَنُقُولٌ غَرِيبَةٌ وَمَبَاحِثُ عَجِيبَةٌ مَنْهَجُ الْمُؤَلِّفِ وَمَصَادِرُهُ وقد اجْتَمَعَ عِنْدِي بِحَمْدِ اللَّهِ من مُصَنَّفَاتِ الْأَقْدَمِينَ في هذا الْفَنِّ ما يَرْبُو على الْمِئِينَ وما بَرِحَتْ لي هِمَّةٌ تَهُمُّ في جَمْعِ أَشْتَاتِ كَلِمَاتِهِمْ وَتَجُولُ وَمِنْ دُونِهَا عَوَائِقُ الْحَالِ تَحُولُ إلَى ان مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَيْلِ الْمُرَادِ وَأَمَدَّ بِلُطْفِهِ بِكَثِيرٍ من الْمَوَادِّ فَمَخَضْتُ زُبْدَ كُتُبِ الْقُدَمَاءِ وَوَرَدْتُ شَرَائِعَ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْعُلَمَاءِ وَجَمَعْت ما انْتَهَى إلَيَّ من أَقْوَالِهِمْ وَنَسَجْت على مِنْوَالِهِمْ وَفَتَحْت منه ما كان مُقْفَلًا وَفَصَّلْت ما كان مُجْمَلًا بِعِبَارَةٍ تُسْتَعْذَبُ وَإِشَارَةٌ لَا تُسْتَصْعَبُ وَزِدْت في هذا الْفَنِّ من الْمَسَائِلِ ما يُنِيفُ على الْأُلُوفِ وَوَلَّدْت من الْغَرَائِبِ غير الْمَأْلُوفِ وَرَدَدْت كُلَّ فَرْعٍ إلَى أَصْلِهِ وَشَكْلٍ قد حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَكْلِهِ وَأَتَيْت فيه بِمَا لم اسبق إلَيْهِ وَجَمَعْت شَوَارِدَهُ الْمُتَفَرِّقَاتِ عليه بِمَا يُقْضَى منه الْعَجَبُ وَإِنَّ اللَّهَ يَهَبُ لِعِبَادِهِ ما يَشَاءُ أَنْ يَهَبَ وَأَنْظِمُ فيه بِحَمْدِ اللَّهِ ما لم يَنْتَظِمْ قَبْلَهُ في سِلْكٍ وَلَا حَصَلَ لِمَالِكٍ في مِلْكٍ وكان من الْمُهِمِّ تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَخِلَافِ أَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُخَالِفِينَ من أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ وَلَقَدْ رَأَيْت في كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْخَلَلَ في ذلك وَالزَّلَلَ في كَثِيرٍ من التَّقْرِيرَاتِ وَالْمَسَالِكِ فَأَتَيْت الْبُيُوتَ من أَبْوَابِهَا وَشَافَهْت كُلَّ مَسْأَلَةٍ من كُتَّابِهَا وَرُبَّمَا أَسُوقُهَا بِعِبَارَاتِهِمْ لِاشْتِمَالِهَا على فَوَائِدَ وَتَنْبِيهًا على خَلَلٍ نَاقِلٍ وما تَضَمَّنَتْهُ من الْمَآخِذِ وَالْمَقَاصِدِ فَمِنْ كُتُبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه الرِّسَالَةُ واخْتِلَافُ الحديث وَأَحْكَامُ الْقُرْآنِ وَمَوَاضِعُ مُتَفَرِّقَةٌ من الْأُمِّ وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ لِلصَّيْرَفِيِّ وَلِلْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَلِلْجُوَيْنِيِّ وَلِأَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ وَكِتَابُ الْقِيَاسِ لِلْمُزَنِيِّ وَكِتَابُ الرَّدِّ على دَاوُد في إنْكَارِهِ الْقِيَاسَ لِابْنِ سُرَيْجٍ وَكِتَابُ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ له أَيْضًا وَكِتَابُ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ لِلصَّيْرَفِيِّ وَكِتَابُ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَأَبِي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بن الْقَاضِي في رِيَاضِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَأَبِي عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُحَمَّدِ بن يحيى بن سُرَاقَةَ الْعَامِرِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بن كَجٍّ وَأَبِي بَكْرِ بن فُورَكٍ وَالْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّيْخِ أبي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٍ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ في الْأُصُولِ وَالتَّحْصِيلِ لِلْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ وَشَرْحُ الْكِفَايَةِ وَالْجَدَلِ لِلْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَاللُّمَعُ وَشَرْحُهَا لِلشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَالتَّبْصِرَةُ وَالْمُلَخَّصُ وَالْمَعُونَةُ وَالْحُدُودُ وَغَيْرُهَا من كُتُبِهِ وَكِتَابُ الشَّيْخِ أبي نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَكِتَابُ أبي الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيِّ من أَصْحَابِنَا وَالْأَوْسَطُ لِابْنِ بَرْهَانٍ وَالْوَجِيزُ له وَالْقَوَاطِعُ لِأَبِي الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ وهو أَجَلُّ كِتَابٍ لِلشَّافِعِيَّةِ في أُصُولِ الْفِقْهِ نَقَلَاتٍ وَحِجَاجًا وَكِتَابُ التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ لِلْقَاضِي أبي بَكْرٍ وهو أَجَلُّ كِتَابٍ صُنِّفَ في هذا الْعِلْمِ مُطْلَقًا وَالتَّلْخِيصُ من هذا الْكِتَابِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَمْلَاهُ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ والبرهان لِلْإِمَامِ وَشُرُوحُهُ وقد اعْتَنَى بِهِ الْمَالِكِيُّونَ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وابن الْعَلَّافِ وابن الْمُنِيرِ وَنَكَتَ عليه الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْمُقْتَرِحُ جَدُّ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ لِأُمِّهِ وَمُخْتَصَرُ النُّكَتِ لِابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ الإسكندراني وَمُخْتَصَرُهُ لِابْنِ الْمُنِيرِ وَالْمُسْتَصْفَى لِلْغَزَالِيِّ وقد اعْتَنَى بِهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا فَشَرَحَهُ أبو عبد اللَّهِ الْعَبْدَرِيُّ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمُسْتَوْفَى وَنَكَتَ عليه ابن الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَغَيْرُهُ وَاخْتَصَرَهُ ابن رُشْدٍ وابن شَاسٍ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وابن رَشِيقٍ وَالْمَحْصُولُ وَمُخْتَصَرَاتُهُ وَشُرُوحِهِ لِلْأَصْفَهَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَالْأَحْكَامُ لِلْآمِدِيِّ وَمُخْتَصَرُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالنِّهَايَةُ لِلصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ وَالْفَائِقُ وَالرِّسَالَةُ السَّيْفِيَّةُ له وابن دَقِيقِ الْعِيدِ في الْعُنْوَانِ وَشَرْحُ الْعُمْدَةِ وَشَرْحُ الْإِلْمَامِ وَبِهِ خَتَمَ التَّحْقِيقَ في هذا الْفَنِّ وفي مَوْضِعٍ من شَرْحِ الْإِلْمَامِ يقول أُصُولُ الْفِقْهِ هو الذي يَقْضِي وَلَا يُقْضَى عليه وَمِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كِتَابُ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَاللُّبَابُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْبُسْتِيِّ الْجُرْجَانِيِّ وَكِتَابُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَتَقْوِيمُ الْأَدِلَّةِ لِأَبِي زَيْدٍ وَالْمِيزَانُ لِلسَّمَرْقَنْدِيِّ وَالْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ لِأَبِي الْفَضْلِ الْخُوَارِزْمِيَّ وَكِتَابُ الْعَالَمِيِّ وَالْبَدِيعُ لِابْنِ السَّاعَاتِي وكان اعلم أَهْلِ زَمَانِهِ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَمِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ الْجَامِعُ لِأَبِي عبد اللَّهِ مُحَمَّدِ بن أَحْمَدَ بن مُجَاهِدِ بن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيِّ الْبَصْرِيِّ وَنَقَلْت عنه بِالْوَاسِطَةِ وَالْمُلَخَّصُ لِلْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْإِفَادَةُ وَالْأَجْوِبَةُ الْفَاخِرَةُ له وَالْفُصُولُ لِأَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ وَالْمَحْصُولُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَكِتَابُ أبي الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيِّ شَارِحِ مُسْلِمٍ وَالْقَوَاعِدُ لِلْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُ وَمِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ التَّمْهِيدُ لِأَبِي الْخَطَّابِ وَالْوَاضِحُ لِابْنِ عَقِيلٍ وَالرَّوْضَةُ لِلْمَقْدِسِيِّ وَمُخْتَصَرُهَا لِلطُّوفِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَمِنْ كُتُبِ الظَّاهِرِيَّةِ كِتَابُ أُصُولِ الْفَتْوَى لِأَبِي عبد اللَّهِ مُحَمَّدِ بن سَعِيدٍ الدَّاوُدِيِّ وهو عُمْدَةُ الظَّاهِرِيَّةِ فِيمَا صَحَّ عن دَاوُد وَكِتَابُ الْإِحْكَامِ لِابْنِ حَزْمٍ وَمِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْعُمْدَةُ لِأَبِي الْحُسَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ له وَالْوَاضِحُ لِأَبِي يُوسُفَ عبد السَّلَامِ وَالنُّكَتُ لِابْنِ الْعَارِضِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمِنْ كُتُبِ الشِّيعَةِ الذَّرِيعَةُ لِلشَّرِيفِ الرَّضِيِّ وَالْمَصَادِرُ لِمَحْمُودِ بن عَلِيٍّ الْحِمْصِيِّ وهو على مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ وَغَيْرُ ذلك مِمَّا هو مُبَيَّنٌ في مَوَاضِعِهِ وَسَمَّيْته الْبَحْرَ الْمُحِيطِ وَاَللَّهَ أَسْأَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُقَرَّبًا لِلْفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ فَصْلٌ أَوَّلُ من صَنَّفَ في الْأُصُولِ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه أَوَّلُ من صَنَّفَ في أُصُولِ الْفِقْهِ صَنَّفَ فيه كِتَابَ الرِّسَالَةِ وَكِتَابَ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَاخْتِلَافِ الحديث وَإِبْطَالِ الِاسْتِحْسَانِ وَكِتَابَ جِمَاعِ الْعِلْمِ وَكِتَابَ الْقِيَاسِ الذي ذَكَرَ فيه تَضْلِيلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُجُوعَهُ عن قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ ثُمَّ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُونَ في الْأُصُولِ قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ لم نَكُنْ نَعْرِفُ الْخُصُوصَ وَالْعُمُومَ حتى وَرَدَ الشَّافِعِيُّ وقال الْجُوَيْنِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ لم يَسْبِقْ الشَّافِعِيَّ أَحَدٌ في تَصَانِيفِ الْأُصُولِ وَمَعْرِفَتِهَا وقد حكى عن ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُ عُمُومٍ وَعَنْ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لم يُقَلْ في الْأُصُولِ شيئا ولم يَكُنْ لهم فيه قَدَمٌ فَإِنَّا رَأَيْنَا كُتُبَ السَّلَفِ من التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ فما رَأَيْنَاهُمْ صَنَّفُوا فيه أَلَا تَرَى أَنَّ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ كان أَكْبَرَ سِنًّا منه وكان مُتَقَدِّمًا في الْعِلْمِ وكان يَأْخُذُ بِرِكَابِهِ فَيَتْبَعُهُ وَيَتَعَلَّمُ منه 1 هـ وَلَيْسَ كما قال بَلْ هو أَصْغَرُ من الشَّافِعِيِّ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ ابا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ كان يَتْبَعُ الشَّافِعِيَّ في الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ وَرُبَّمَا يُخَالِفُهُ في الْأُصُولِ كَقَوْلِهِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ في الْفُرُوعِ وَلَيْسَ ذلك مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَكَقَوْلِهِ لَا صيغه لِلْعُمُومِ قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَنُقِلَ مُخَالَفَتُهُ أُصُولَ الشَّافِعِيِّ وَنُصُوصَهُ وَرُبَّمَا يَنْسُبُ الْمُبْتَدَعُونَ إلَيْهِ ما هو بَرِيءٌ منه كما نَسَبُوا إلَيْهِ أَنَّهُ يقول ليس في الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ وَلَا في الْقُبُورِ نَبِيٌّ وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ في الْإِيمَانِ وَنَفْيُ قُدْرَةِ الْخَالِقِ في الْأَزَلِ وَتَكْفِيرُ الْعَوَامّ وَإِيجَابُ عِلْمِ الدَّلِيلِ عليهم وقد تَصَفَّحْت ما تَصَحَّفْت من كُتُبِهِ وَتَأَمَّلْت نُصُوصَهُ في هذه الْمَسَائِلِ فَوَجَدْتهَا كُلَّهَا خِلَافَ ما نُسِبَ إلَيْهِ وقال ابن فُورَكٍ في كِتَابِ شَرْحِ كِتَابِ الْمَقَالَاتِ لِلْأَشْعَرِيِّ في مَسْأَلَةِ تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ اعْلَمْ أَنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ يَذْهَبُ في الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ أَيْضًا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَنَصُّ قَوْلِهِ في كِتَابِ التَّفْسِيرِ في بَابِ إيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ على الْمَأْمُومِ خِلَافُ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ وفي إثْبَاتِ آيَةِ الْبَسْمَلَةِ في كل سُورَةٍ آيَةً منها قُرْآنًا مُنَزَّلًا فيها وَلِذَلِكَ قال في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ بموافقه أُصُولَهُ فَصْلٌ في بَيَانِ شَرَفِ عِلْمِ الْأُصُولِ اعْلَمْ أَنَّ الْعُلُومَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ الْأَوَّلُ عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالثَّانِي لُغَوِيٌّ كَعِلْمِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالصَّرْفِ وَالْمَعَانِي وَالْبَيَانِ وَالْعَرُوضِ وَالثَّالِثُ الشَّرْعِيُّ وهو عِلْمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَصْنَافِ ثُمَّ أَشْرَفُ الْعُلُومِ بَعْدَ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ وَمَعْرِفَةُ ذلك بِالتَّقْلِيدِ وَنَقْلُ الْفُرُوعِ الْمُجَرَّدَةِ يَسْتَفْرِغُ جَمَامَ الذِّهْنِ وَلَا يَنْشَرِحُ بها الصَّدْرُ لِعَدَمِ أَخْذِهِ بِالدَّلِيلِ وَشَتَّانَ بين من يَأْتِي بِالْعِبَادَةِ تَقْلِيدًا لِإِمَامِهِ بِمَعْقُولِهِ وَبَيْنَ من يَأْتِي بها وقد ثَلَجَ صَدْرُهُ عن اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّاسُ في حَضِيضٍ عن ذلك إلَّا من تَغَلْغَلَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ وَكَرَعَ من مَنَاهِلِهِ الصَّافِيَةِ وَأَدْرَعَ مَلَابِسَهُ الضَّافِيَةَ وَسَبَحَ في بَحْرِهِ وَرَبِحَ من مَكْنُونِ دُرِّهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ الْمَدَارِكِ وهو من أَنْفَسِ كُتُبِهِ وَالْوَجْهُ لِكُلِّ مُتَصَدٍّ لِلْإِقْلَالِ بِأَعْبَاءِ الشَّرِيعَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِحَاطَةَ بِالْأُصُولِ شَوْقَهُ الْآكَدَ وَيَنُصَّ مَسَائِلَ الْفِقْهِ عليها نَصَّ من يُحَاوِلُ بِإِيرَادِهَا تَهْذِيبَ الْأُصُولِ وَلَا يَنْزِفُ جَمَامَ الذِّهْنِ في وَضْعِ الْوَقَائِعِ مع الْعِلْمِ بِأَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ مع الذُّهُولِ عن الْأُصُولِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى خَيْرُ الْعِلْمِ ما ازْدَوَجَ فيه الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ وَاصْطَحَبَ فيه الرَّأْيُ وَالشَّرْعُ عِلْمُ الْفِقْهِ وَأُصُولُ الْفِقْهِ من هذا الْقَبِيلِ فإنه يَأْخُذُ من صَفْوِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ سَوَاءَ السَّبِيلِ فَلَا هو تَصَرَّفَ بِمَحْضِ الْعُقُولِ بِحَيْثُ لَا يَتَلَقَّاهُ الشَّرْعُ بِالْقَبُولِ وَلَا هو مَبْنِيٌّ على التَّقْلِيدِ الذي لَا يَشْهَدُ له الْعَقْلُ بِالتَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ وَلِأَجْلِ شَرَفِ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَرِفْعَتِهِ وَفَّرَ اللَّهُ دَوَاعِيَ الْخَلْقِ على طُلْبَتِهِ وكان الْعُلَمَاءُ بِهِ أَرْفَعَ مَكَانًا وَأَجَلَّهُمْ شَأْنًا وَأَكْثَرَهُمْ أَتْبَاعًا وَأَعْوَانًا وقال أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ الْأُصُولُ اعْلَمْ ان النَّصَّ على حُكْمِ كل حَادِثَةٍ عَيْنًا مَعْدُومٌ وَأَنَّ لِلْأَحْكَامِ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَأَنَّ الْفُرُوعَ لَا تُدْرَكُ إلَّا بِأُصُولِهَا وَأَنَّ النَّتَائِجَ لَا تُعْرَفُ حَقَائِقُهَا إلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِمُقَدِّمَاتِهَا فَحُقَّ أَنْ يُبْدَأَ بِالْإِبَانَةِ عن الْأُصُولِ لِتَكُونَ سَبَبًا إلَى مَعْرِفَةِ الْفُرُوعِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ في نِسْبَةِ الْأُصُولِ إلَى الْفِقْهِ فَقِيلَ عِلْمُ الْأُصُولِ بِمُجَرَّدِهِ كَالْمَيْلَقِ الذي يُخْتَبَرُ بِهِ جَيِّدُ الذَّهَبِ من رَدِيئِهِ وَالْفِقْهُ كَالذَّهَبِ فَالْفَقِيهُ الذي لَا أُصُولَ عِنْدَهُ كَكَاسِبِ مَالٍ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وَلَا ما يَدَّخِرُ منه مِمَّا لَا يَدَّخِرُ وَالْأُصُولِيُّ الذي لَا فِقْهَ عِنْدَهُ كَصَاحِبِ الْمَيْلَقِ الذي لَا ذَهَبَ عِنْدَهُ فإنه لَا يَجِدُ ما يَخْتَبِرُهُ على مَيْلَقِهِ وَقِيلَ الْأُصُولِيُّ كَالطَّبِيبِ الذي لَا عَقَارَ عِنْدَهُ وَالْفَقِيهُ كَالْعَطَّارِ الذي عِنْدَهُ كُلُّ عَقَارٍ وَلَكِنْ لَا يَعْرِفُ ما يَضُرُّ وَلَا ما يَنْفَعُ وَقِيلَ الْأُصُولِيُّ كَصَانِعِ السِّلَاحِ وهو جَبَانٌ لَا يُحْسِنُ الْقِتَالَ بِهِ وَالْفَقِيهُ كَصَاحِبِ سِلَاحٍ وَلَكِنْ لَا يُحْسِنُ إصْلَاحَهَا إذَا فَسَدَتْ وَلَا جِمَاعَهَا إذَا صَدَعَتْ فَإِنْ قِيلَ هل أُصُولُ الْفِقْهِ إلَّا نُبَذٌ جُمِعَتْ من عُلُومٍ مُتَفَرِّقَةٍ نُبْذَةٌ من النَّحْوِ كَالْكَلَامِ على مَعَانِي الْحُرُوفِ التي يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَيْهَا وَالْكَلَامِ في الِاسْتِثْنَاءِ وَعَوْدِ الضَّمِيرِ لِلْبَعْضِ وَعَطْفِ الْخَاصِّ على الْعَامِّ وَنَحْوِهِ ونبذه من عِلْمِ الْكَلَامِ كالكلا م في الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَكَوْنِ الْحُكْمِ قَدِيمًا وَالْكَلَامِ على إثْبَاتِ النَّسْخِ وَعَلَى الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ وَنُبْذَةٌ من اللُّغَةِ كَالْكَلَامِ في مَوْضُوعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَصِيَغِ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَنُبْذَةٌ من عِلْمِ الحديث كَالْكَلَامِ في الْأَخْبَارِ فَالْعَارِفُ بِهَذِهِ الْعُلُومِ لَا يَحْتَاجُ إلَى أُصُولِ الْفِقْهِ في شَيْءٍ من ذلك وَغَيْرُ الْعَارِفِ بها لَا يُغْنِيهِ أُصُولُ الْفِقْهِ في الْإِحَاطَةِ بها فلم يَبْقَ من أُصُولِ الْفِقْهِ إلَّا الْكَلَامُ في الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالتَّعَارُضِ وَالِاجْتِهَادِ وَبَعْضِ الْكَلَامِ في الْإِجْمَاعِ من أُصُولِ الدِّينِ أَيْضًا وَبَعْضِ الْكَلَامِ في الْقِيَاسِ وَالتَّعَارُضِ مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْفَقِيهُ فَفَائِدَةُ أُصُولِ الْفِقْهِ بِالذَّاتِ حِينَئِذٍ قَلِيلَةٌ فَالْجَوَابُ مَنْعُ ذلك فإن الْأُصُولِيِّينَ دَقَّقُوا النَّظَرَ في فَهْمِ أَشْيَاءَ من كَلَامِ الْعَرَبِ لم تَصِلْ إلَيْهَا النُّحَاةُ وَلَا اللُّغَوِيُّونَ فإن كَلَامَ الْعَرَبِ مُتَّسِعٌ وَالنَّظَرُ فيه مُتَشَعِّبٌ فَكُتُبُ اللُّغَةِ تَضْبِطُ الْأَلْفَاظَ وَمَعَانِيَهَا الظَّاهِرَةَ دُونَ الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ التي تَحْتَاجُ إلَى نَظَرِ الْأُصُولِيِّ بِاسْتِقْرَاءٍ زَائِدٍ على اسْتِقْرَاءِ اللُّغَوِيِّ مِثَالُهُ دَلَالَةُ صِيغَةِ افْعَلْ على الْوُجُوبِ ولا تَفْعَلْ على التَّحْرِيمِ وَكَوْنُ كُلٍّ وَأَخَوَاتِهَا لِلْعُمُومِ وَنَحْوُهُ مِمَّا نَصَّ هذا السُّؤَالُ على كَوْنِهِ من اللُّغَةِ لو فَتَّشْت لم تَجِدْ فيها شيئا من ذلك غَالِبًا وَكَذَلِكَ في كُتُبِ النُّحَاةِ في الِاسْتِثْنَاءِ من أَنَّ الْإِخْرَاجَ قبل الْحُكْمِ أو بَعْدَهُ وَغَيْرُ ذلك من الدَّقَائِقِ التي تَعَرَّضَ لها الْأُصُولِيُّونَ وَأَخَذُوهَا من كَلَامِ الْعَرَبِ بِاسْتِقْرَاءٍ خَاصٍّ وَأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ لَا تَقْتَضِيهَا صِنَاعَةُ النَّحْوِ وَسَيَمُرُّ بِك منه في هذا الْكِتَابِ الْعَجَبُ الْعُجَابُ المقدمات تعريف أصول الفقه أصول الفقه مركب تتوقف معرفته على معرفة مفرداته من حيث التركيب لا من حيث كل وجه تعريف الأصل فالأصول جمع أصل وأصل الشيء ما منه الشيء أي مادته كالوالد للولد والشجرة للغصن ورده القرافي باشتراك من بين الابتداء والتبعيض وبأنه لا يصح هنا معنى من معانيها وأجاب الأصفهاني عن الأول بأن الاشتراك لازم لكن يصار إليه في الحدود حيث لا يمكن التعبير بغيره وعن الثاني بأن من لابتداء الغاية وقال الآمدي ما استند الشيء في تحقيقه إليه وقال أبو الحسين ما يبني عليه غيره وتبعه ابن الحاجب في باب القياس ورد بأنه لا يقال إن الولد يبنى على الوالد بل يقال فرعه وقال الإمام هو المحتاج إليه ورد بأنه إن أريد احتياج الأثر إلى المؤثر لزم إطلاقه على الله تعالى وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء لزم إطلاقه على الجزاء والشرط وقد التزمه في المباحث المشرقية فقال لا تبعد تسمية الشروط واندفاع الموانع أصولا باعتبار توقف وجود الشيء عليها وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام كل ما أثمر معرفة شيء ونبه عليه فهو أصل له فعلوم الحس أصل لأنها تثمر معرفة حقائق الأشياء وما عداه فرع له وقال القفال الشاشي الأصل ما تفرع عنه غيره والفرع ما تفرع عن غيره وهذا أسد الحدود فعلى هذا لا يقال في الكتاب إنه فرع أصله الحس لأن الله تعالى تولاه وجعله أصلا دل العقل عليه قال والكتاب والسنة أصل لأن غيرهما يتفرع عنهما وأما القياس فيجوز أن يكون أصلا على معنى أن له فروقا تنشأ عنه ويتوصل إلى معرفتها من جهته كالكتاب أصل لما ينبني عليه وكالسنة أصل لما يعرف من جهتها وهو فرع على معنى أنه إنما عرف بغيره وهو الكتاب أو غيره وكذلك السنة والإجماع قال وقيل إن القياس لا يقال له أصل ولا فرع لأنه فعل القائس ولا توصف الأفعال بالأصل والفرع وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي الأصل ما عرف به حكم غيره والفرع ما عرف بحكم غيره قياسا عليه وقال الماوردي في الحاوي قيل الأصل ما دل عليه غيره والفرع ما دل على غيره فعلى هذا يجوز أن يقال في الكتاب إنه فرع لعلم الحس لأنه الدال على صحته هذا الاعتراض يصلح أن يدخل به كثير من العبارات السالفة على اختلافها فليتأمل وقال ابن السمعاني في القواطع قيل الأصل ما انبنى عليه غيره وقيل ما يقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه وهما مدخولان لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال كدية الجنين والقسامة وتحمل العاقلة فهذه أصول ليست لها فروع فالأولى أن يقال الأصل كل ما ثبت دليلا في إيجاب حكم من الأحكام ليتناول ما جلب فرعا أو لم يجلب ويطلق في الاصطلاح على أمور أحدها الصورة المقيس عليها على الخلاف الآتي إن شاء الله تعالى في القياس في تفسير الأصل الثاني الرحجان كقولهم الأصل في الكلام الحقيقة أي الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز الثالث الدليل كقولهم أصل هذه المسألة من الكتاب والسنة أي دليلها ومنه أصول الفقه أي أدلته الرابع القاعدة المستمرة كقولهم إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل وهذه الأربعة ذكرها القرافي وفيه نظر لأن الصورة المقيس عليها ليست معنى زائدا لأن أصل القياس اختلف فيه هل هو محل الحكم أو دليله أو حكمه وأيا ما كان فليس معنى زائدا لأنه إن كان أصل القياس دليله فهو المعنى السابق وإن كان محله أو حكمه فهما يسميان أيضا دليلا مجازا فلم يخرج الأصل عن معنى الدليل وبقي عليه أمور أحدها التعبد كقولهم إيجاب الطهارة بخروج الخارج على خلاف الأصل يريدون أنه لا يهتدي إليه القياس الثاني الغالب في الشرع ولا يمكن ذلك إلا باستقراء موارد الشرع الثالث استمرار الحكم السابق كقولهم الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له الرابع المخرج كقول الفرضيين أصل المسألة من كذا عدد الأصول التي يبنى الفقه عليها ثم اختلفوا في عدد الأصول فالجمهور على أنها أربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس قال الرافعي في باب القضاء وقد يقتصر على الكتاب والسنة ويقال الإجماع يصدر عن أحدهما والقياس الرد إلى أحدهما فهما أصلان قال في المطلب وفيه منازعة لمن جوز انعقاد الإجماع لا عن أمارة ولا عن دلالة وجوز القياس على المحل المجمع عليه واختصر بعضهم فقال أصل ومعقول أصل فالأصل للكتاب والسنة والإجماع ومعقول الأصل هو القياس قال ابن السمعاني وأشار الشافعي إلى أن جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والإجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس وزاد بعضهم العقل فجعلها خمسة وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة والإجماع والقياس واللغة والصحيح أنها أربعة وأما العقل فليس بدليل يوجب شيئا أو يمنعه وإنما تدرك به الأمور فحسب إذ هو آلة العارف وكذلك الحس لا يكون دليلا بحال لأنه يقع به درك الأشياء الحاضرة وأما اللغة فهي مدركة اللسان ومطية لمعاني الكلام وأكثر ما فيه معرفة سمات الأشياء ولا حظ له في إيجاب شيء وقال الجيلي في الإعجاز أربعة الكتاب والسنة والقياس ودليل البقاء على النفي الأصلي وردها القفال الشاشي إلى واحد فقال أصل السمع هو كتاب الله تعالى وأما السنة والإجماع والقياس فمضاف إلى بيان الكتاب لقوله تعالى ^ تبيانا لكل شيء ^ النحل 89 وقوله ^ وما فرطنا في الكتاب من شيء ^ الأنعام 38 وروي عن ابن مسعود أنه لعن الواصلة والمستوصلة وقال ما لي لا ألعن من لعنه الله فقالت امرأة قرأت كتاب الله فلم أجد فيه ما تقول فقال إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه ! ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ! الحشر 7 وأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة فأضاف عبد الله بن مسعود بلطيف حكمته قول الرسول إلى كتاب الله وعلى هذا إضافة ما أجمع عليه مما لا يوجد في الكتاب والسنة نصا قلت ووقع مثل ذلك للشافعي في مسألة قتل المحرم للزنبور قال الأستاذ أبو منصور وفي هذا دليل على أن الحكم المأخوذ من السنة أو الإجماع أو القياس مأخوذ من كتابه سبحانه لدلالة كتابه على وجوب اتباع ذلك كله تعريف الفقه والفقه لغة اختلف فيه فقال ابن فارس في المجمل هو العلم وجرى عليه إمام الحرمين في التلخيص وإلكيا الهراسي وأبو نصر بن القشيري والماوردي إلا أن حملة الشرع خصصوه بضرب من العلوم ونقل ابن السمعاني عن ابن فارس أنه إدراك علم الشيء وقال الجوهري وغيره هو الفهم وقال الراغب هو التوسل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي المحكم لابن سيده الفقه العلم بالشيء والفهم له والظاهر أن مراده بهما واحد وهو الفهم لأنه فسر الفهم بمعرفة الشيء بالقلب ومعرفة الشيء بالقلب هو العلم به ومثله قول الأزهري فهمت الشيء عقلته وعرفته وأصرح منه قول الجوهري فهمت الشيء فهما علمته وظهر بهذا أن الفهم المفسر به الفقه ليس فهم المعنى من اللفظ ولا فهم غرض المتكلم ونقل الفقه إلى علم الفروع بغلبه الاستعمال كما أشار إليه ابن سيده حيث قال غلب على علم الدين لسيادته وشرفه كالنجم على الثريا والعود على المندل قال ابن سراقة وقيل حده في اللغة العبارة عن كل معلوم تيقنه العالم به عن فكر وقال أبو الحسين في المعتمد وتبعه في المحصول فهم غرض المتكلم ورد بأنه يوصف بالفهم حيث لا كلام وبأنه لو كان كذلك لم يكن في نفي الفقه عنهم منقصة ولا تعيير لأنه غير متصور وقد قال تعالى ! ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) ! الإسراء 44 وقال ابن دقيق العيد وهذا تقييد للمطلق بما لا يتقيد به وقال الشيخ أبو إسحاق وصاحب اللباب من الحنفية فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال فقهت أن السماء فوقنا قال القرافي وهذا أولى ولهذا خصصوا اسم الفقه بالعلوم النظرية فيشترط كونه في مظنة الخفاء فلا يحسن أن يقال فهمت أن الاثنين أكثر من الواحد ومن ثم لم يسم العالم بما هو من ضروريات الأحكام الشرعية فقيها فإن احتج له بقوله تعالى ^ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول ^ هود 91 وقوله ^ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا النساء 78 قلنا هذا يدل على أن الفهم من الخطاب يسمى فقها لا على أنه لا يسمى فقها إلا ما ما كان كذلك وقد قال تعالى ^ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ^ الأعراف 179 وهذا لا يختص بالفهم من الخطاب بل عدم الفهم مطلقا من الأدلة العقلية والسمعية وطرق الاعتبار ثم المراد من الفهم الإدراك لا جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص ما يرد عليه من المطالب خلافا للآمدي الذهن والذهن عبارة عن قوة النفس المستعدة لاكتسابها الحدود الوسطى والآراء وقال ابن سراقة الفهم عبارة عن إتقان الشيء والثقة به على الوجه الذي هو به عن نظر ولذلك يقال نظرت ففهمت ولا يقال في صفات الله سبحانه فهم يقال فقه بالكسر فهو فاقه إذا فهم وفقه بالفتح فهو فاقه أيضا إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالضم فهو فقيه إذا صار الفقه له سجيه واستعمل لاسم فاعله فقيه لأن فعيلا قياس في اسم فاعل فعل ووقع في عبارة بعضهم أنه اختير له فعيل لأن فعيلا للمبالغة فاستعمالها فيمن صار الفقه له سجية أولى وهذا ليس بصحيح أعني دعوى أن فعيلا هاهنا للمبالغة لأن الألفاظ المستعملة للمبالغة هي التي كانت على صيغة فحولت عنها إلى تلك الألفاظ للمبالغة ولذلك يقع في كلامهم ما حول للمبالغة من فاعل إلى مفعال أو فعيل أو فعول أو فعل وأما فقيه فهو قياس لأن فعيلا مقيس في فعل فهو مستعمل فيما هو قياسه من غير تحويل نحو عليم وشفيع فإن المتكلم يحولهما عن شافع وعالم لقصد المبالغة ولا مخلص عن هذا إلا ان يدعى أنه خولف تقديرا بمعنى أن الواضع حوله عن فاعل لقصد المبالغة فإن قلت ليس من شرط الفقيه أن يكون له سجية ولهذا قال الرافعي في الوقف على الفقهاء إنه يدخل فيه من حصل منه شيئا وإن قل وقضيه هذا حصوله بمسمى مسألة واحدة قلت ليس كذلك لما سأذكره من كلام الشيخ أبي إسحاق والغزالي وابن السمعاني وغيرهم من الأئمة ولعل مراده من حصل حتى صار له سجية وإن قلت الفقه في الاصطلاح وأما في اصطلاح الأصوليين فالعلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية فالعلم جنس والمراد به الصناعة كما تقول علم النحو أي صناعته وحينئذ فيندرج فيه الظن واليقين وعلى هذا فلا يرد سؤال الفقه من باب الظنون ومن أورده فهو اختيار منه لاختصاص العلم بالقطعي وخرج بالأحكام العلم بالذوات والصفات والأفعال وبالشرعية العقلية والمراد بها ما يتوقف معرفتها على الشرع وبالعملية عن العلمية ككون الإجماع وخبر الواحد حجة قاله الإمام وقال الأصفهاني خرج به أصول الفقه فإنه ليس بعملي أي ليس علما بكيفية عمل قال ابن دقيق العيد وفيه نظر لأن الغاية المطلوبة منها العمل فكيف يخرج بالعملية وقال الباجي هو احتراز عن أصول الدين واعلم أن أصول الدين منه ما ثبت بالعقل وحده كوجود الباري ومنه ما ثبت بكل من العقل والسمع كالوحدانية وهذان خارجان بقوله الشرعية ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع كمسألة أن الجنة مخلوقة وأن الصراط حق وهذا من الفقه لوجوب اعتقاده وعدل الآمدي وابن الحاجب عن لفظ العملية إلى الفرعية لأن النية من مسائل الفقه وليست عملا وليس بجيد لأنها عمل والظاهر أن لفظ العملية أشمل لدخول وجوب اعتقاد مسائل الديانات التي لا تثبت إلا بالسمع فإنها من الفقه كما سبق بخلاف الفرعية وبالمكتسب علم الله تعالى وما يلقيه في قلب الأنبياء والملائكة من الأحكام بلا اكتساب وبالأخير عن اعتقاد المقلد فإنه مكتسب من دليل إجمالي قاله الإمام وقيل علم المقلد لم يدخل في الحد بل هو احتراز عن علم الخلاف وأما عند الفقهاء فقال القاضي الحسين الفقه افتتاح علم الحوادث على الإنسان أو افتتاح شعب أحكام الحوادث على الإنسان حكاه البغوي عنه في تعليقه وقال ابن سراقة حده في الشرع عبارة عن اعتقاد علم الفروع في الشرع ولذلك لا يقال في صفاته سبحانه وتعالى فقيه قال وحقيقة الفقه عندي الاستنباط قال الله تعالى ! ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ! النساء 83 واختيار ابن السمعاني في القواطع أنه استنباط حكم المشكل من الواضح قال وقوله صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه غير فقيه أي غير مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له استدلال واستنباط فيها وقال في ديباجة كتابه وما أشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر فطنته استخرج درا وغيره مستخرج آجرا ومن المحاسن قول الإمام أبي حنيفة الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها قيل وأخذه من قوله تعالى ^ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت 286 وقال الغزالي في الإحياء في بيان تبديل أسامي العلوم إن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على وقائعها وإنما هو في العصر الأول اسم لمعرفة دقائق آفات النفوس والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا قال تعالى ^ ليتفقهوا في الدين ولينذروا ^ التوبة 123 والإنذار بهذا النوع من العلم دون تفاريع السلم والإجارة وعن أبي الدرداء لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا وسأل فرقد السنجي الحسن عن شيء فقال إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن ثكلتك أمك وهل رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه هو الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بذنبه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف ولذلك قال الحليمي في المنهاج إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح حادث قال والحق أن اسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله ووحدانيته وتقديسه وسائر صفاته وإلى معرفة أنبيائه ورسله عليهم السلام ومنها علم الأحوال والأخلاق والآداب والقيام بحق العبودية وغير ذلك قلت ولهذا صنف أبو حنيفة كتابا في أصول الدين وسماه الفقه الأكبر تنبيه علم من تعريفهم الفقه باستنباط الأحكام أن المسائل المدونة في كتب الفقه ليست بفقه اصطلاحا وأن حافظها ليس بفقيه وبه صرح العبدري في باب الإجماع من شرح المستصفى قال وإنما هي نتائج الفقه والعارف بها فروعي وإنما الفقيه هو المجتهد الذي ينتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة فيتلقاها منه الفروعي تقليدا ويدونها ويحفظها ونحوه قول ابن عبد السلام هم نقله فقه لا فقهاء وقال الشيخ أبو إسحاق في كتاب الحدود الفقيه من له الفقه فكل من له الفقه فقيه ومن لا فقه له فليس بفقيه قال والفقيه هو العالم بأحكام أفعال العباد التي يسوغ فيها الاجتهاد وقال الغزالي إذا لم يتكلم الفقيه في مسألة لم يسمعها ككلامه في مسألة سمعها فليس بفقيه حكاه عنه ابن الهمداني في طبقات الحنفية وقال ابن سراقة الفقيه من حصل له الفقه وذكر الشافعي في الرسالة صفة المفتي وهو الفقيه فذكر سبع عشرة خصلة تأتي في باب الاجتهاد إن شاء الله تعالى أصول الفقه لغة ما استند إليه الفقه ولم يتم إلا به وفي الاصطلاح مجموع طرق الفقه من حيث إنها على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال وحالة المستدل بها فقولنا مجموع ليعمها فإذن بعضها بعض أصول الفقه لا كلها وقولنا طرق ليعم الدليل والأمارة على اصطلاح الأصوليين وخرج بالإجمال أدلة الفقه من حيث التفصيل فلا يقال لها في عرف الأصوليين أصول فقه وإن كان التحقيق يقتضي ذلك إذ هو أقرب إلى الفقه وأقل تخصيصا ولأنه يوافق قولنا هذا الحديث أصل لهذا الحكم ولهذا الباب وحينئذ فاتخاذ الأدلة في آحاد مسائل الفروع من أصول الفقه ويكون الإجمال شرطا في علم أصول الفقه لا أنه شرط فيها أو جزء منها قال ابن دقيق العيد ويمكن الاقتصار على الدلائل وكيفية الاستفادة منها والباقي كالتابع والتتمة لكن لما جرت العادة بإدخاله في أصول الفقه وضعا أدخل فيه حدا قلت وعليه جرى الشيخ في اللمع والغزالي في المستصفى وابن برهان في الأوسط وقال أصول الفقه أدلة الفقه على طريق الإجمال وكيفية الاستدلال به وما يتبع ذلك 1 هـ بل قد يقال الدليل هو الأصل بالذات والباقي بالتبع لضرورة الاستدلال بالدليل قال صاحب المعتمد والمراد بكيفية الاستدلال هاهنا الشروط والمقدمات وترتيبها معه ليستدل بالطرق على الفقه هذا ما أطبق عليه الأصوليون والفقهاء يطلقون ذلك على القواعد الكلية التي تندرج فيها الجزئيات كقولهم الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن وقولهم يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء وغير ذلك من القواعد العامة التي يندرج فيها الفروع المنتشرة وعليه سمى الشيخ عز الدين كتابه القواعد ويقال إنه أول من أخترع هذه الطريقة ويوجد في كلام الإمام والغزالي متفرقات منها هل الأصول هذه الحقائق أنفسها أو العلم بها طريقان وكلام القاضي أبي بكر يقتضي أنه العلم بالأدلة وعليه البيضاوي وابن الحاجب وغيرهما وقطع الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين في البرهان والرازي والآمدي بأنه نفس الأدلة ووجه الخلاف أنه كما يتوقف الفقه على هذه الحقائق يتوقف أيضا على العلم بها فيجوز حينئذ إطلاق أصول الفقه على القواعد أنفسها وعلى العلم بها والثاني أولى لوجوه أحدها أن أصول الفقه ثابت في نفس الأمر من تلك الأدلة وإن لم يعرفه الشخص وثانيها أن أهل العرف يجعلون أصول الفقه للمعلوم فيقولون هذا كتاب أصول الفقه وثالثها أن الأصول في اللغة الأدلة فجعله اصطلاحا نفس الأدلة أقرب إلى المدلول اللغوي وهذا بخلاف الفقه فإنه اسم للعلم كما سبق والتحقيق أنه لا خلاف في ذلك ولم يتواردوا على محل واحد فإن من أراد اللقبي وهو كونه علما على هذا الفن حده بالعلم ومن أراد الإضافي حده بنفس الأدلة ولهذا لما جمع ابن الحاجب بينهما عرف اللقبي بالعلم والإضافي بالأدلة نعم الإمام في المحصول عرف اللقبي بالأدلة يجب تأويله على إرادة العلم بها ثم المراد بالأدلة الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال وقال إمام الحرمين والغزالي هي ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع ومنعا أن تكون القوانين الكلية الظنية من أصول الفقه وقال في التلخيص الذي ارتضاه المحققون أن ما لا ينبغي فيه العلم كأخبار الآحاد والمقاييس لا يعد من أصول الفقه فإن قيل فأخبار الآحاد والمقاييس لا تفضي إلى العلوم وهي من أدلة أحكام الشرع قيل له إنما يتعلق بالأصول تثبيتها أدلة على وجوب الأعمال وذلك مما يدرك بالأدلة القاطعة وأما العمل المتلقى منها فيتعلق بالفقه دون أصوله وقال في البرهان فإن قيل معظم المسائل الشرعية ظنون قلنا ليست الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون ولذلك قال المحققون أخبار الآحاد والأقيسة لا توجب العمل لذاواتها وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل وهو الأدلة القطعية على وجوب العمل عند رواية الآحاد وقيام الأقيسة قال وهما وإن لم يوجدا إلا في أصول الفقه لكن حظ الأصولي إبانه القاطع في العمل بها ولكن لا بد من ذكرها ليبني المدلول عليه ويرتبط الدليل به وتبعه ابن القشيري وقال أطلق الفقهاء لفظ الدليل على أخبار الآحاد والقياس وهو خلاف هين وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْغَرَضُ من أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ وَمَعْرِفَةُ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ لِأَنَّ من اسْتَقْرَأَ أَبْوَابَهُ وَجَدَهَا إمَّا دَلِيلًا على حُكْمٍ أو طَرِيقًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ كَمَعْرِفَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْعِلَلِ والرحجان ( ( ( والرجحان ) ) ) وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعْرِفَةٌ مُحِيطَةٌ بِالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ على الْأَحْكَامِ وَمَعْرِفَةُ الْأَخْبَارِ وَطُرُقِهَا مَعْرِفَةٌ بِالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الدَّلَائِلِ الْمَنْصُوصَةِ على الْأَحْكَامِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ في هذه الْعُلُومِ كَأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالطِّبِّ هل هِيَ مَنْقُولَةٌ أو لَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فيه احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ كَالْعَقَبَةِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ من الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةِ قال وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَرْجَحُ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْغَلَبَةِ يَتَقَيَّدُ بِمَا فيه الْأَلِفُ وَاللَّامُ أو الْإِضَافَةُ وَأَسْمَاءُ هذه الْعُلُومِ تُطْلَقُ عُرْفًا مع التَّنْكِيرِ وَالْقَطْعِ عن الْإِضَافَةِ كما تَقُولُ فُلَانٌ يَعْرِفُ فِقْهًا وَنَحْوًا قُلْت وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ ابن سِيدَهْ وَغَيْرُهُ كما سَبَقَ وَبِالثَّانِي صَرَّحَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ في الْكَلَامِ على الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَالطُّرْطُوشِيُّ في أَوَائِلِ كِتَابِهِ وقال فَيَكُونُ من الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ وهو مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وما رَجَّحَ بِهِ الثَّانِي فيه نَظَرٌ لِأَنَّهُ مع التَّنْكِيرِ لم يَخْرُجْ عن الْعِلْمِيَّةِ فإن الْعِلْمَ يُنْكِرُ تَحْقِيقًا أو تَقْدِيرًا الثَّانِي إذَا ثَبَتَ أنها مَنْقُولَةٌ فَهِيَ أَسْمَاءُ أَجْنَاسٍ أو أَعْلَامُ أَجْنَاسٍ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَبُولِهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ وَالْعِلْمُ لَا يَقْبَلُهُ وَلِاشْتِهَارِهَا في الْعُرْفِ كَاشْتِهَارِ لَفْظِ الدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وقد ثَبَتَ أنها لَيْسَتْ بِعَلَمٍ هذا إذَا كانت غير مَعْرِفَةٍ أَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ فَهُوَ مَعْرِفَةٌ بِالْإِضَافَةِ وَنُقِلَ إلَى هذا الْعَلَمِ الْخَاصُّ أو غَلَبَ عليه فَهُوَ عَلَمُ جِنْسٍ لِأَنَّهُ الْمُمَيِّزُ لِهَذَا الْجِنْسِ بِخُصُوصِهِ من غَيْرِهِ من الْأَجْنَاسِ الثَّالِثُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ يُطْلَقُ مُضَافًا وَمُضَافًا إلَيْهِ وَيُطْلَقُ عَلَمًا على هذا الْعِلْمِ الْخَاصِّ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فَمِنْهُمْ من عَرَّفَ الْإِضَافِيَّ وَمِنْهُمْ من عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ وَمِنْهُمْ من جَمَعَ بين النَّوْعَيْنِ وَالصَّوَابُ تَعْرِيفُ اللَّقَبِيِّ وَلَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ وَأَمَّا جَزَاؤُهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ على حِدَتِهِ إنَّمَا هو كَغُلَامِ زَيْدٍ إذَا سَمَّيْت بِهِ لم يَتَطَلَّبْ مَعْنَى الْغُلَامِ وَلَا مَعْنَى زَيْدٍ وَلَيْسَ لنا حَدَّانِ إضَافِيٌّ وَلَقَبِيٌّ وَإِنَّمَا هو اللَّقَبِيُّ فَقَطْ فَصْلٌ الْغَرَضُ من عِلْمِ الْأُصُولِ وَحَقِيقَتُهُ وَمَادَّتُهُ وموضوعة وَمَسَائِلُهُ يَجِبُ على كل طَالِبِ عِلْمٍ أَنْ يَعْلَمَ ما الْغَرَضُ منه وما هو وَمِنْ أَيْنَ وَفِيمَ وَكَيْفَ يُحَصَّلُ حتى يَتَمَكَّنَ له الطَّلَبُ وَيَسْهُلَ وَالْأَوَّلُ فَائِدَتُهُ وَالثَّانِي حَقِيقَتُهُ وَمَبَادِئُهُ وَالثَّالِثُ مَادَّتُهُ التي منها يَسْتَمِدُّ وَالرَّابِعُ موضوعة وَالْخَامِسُ مَسَائِلُهُ أَمَّا الْفَائِدَةُ فَهِيَ الْغَايَةُ الْمُوَصِّلَةُ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَلِلسَّبَبِ الْغَائِيِّ اعْتِبَارَانِ أَوَّلُ الْفِكْرِ وَيُسَمَّى الْبَاعِثَ وَمُنْتَهَاهُ وهو آخِرُ الْعَمَلِ وَيُسَمَّى الْفَائِدَةَ وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ وهو اقْتِنَاصُهُ بِحَدٍّ أو رَسْمٍ أو تَقْسِيمٍ وَالْقَصْدُ بِهِ الْإِرْشَادُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَإِيضَاحُهُ قال الْمَازِرِيُّ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ في التَّعْلِيمِ لِلْغَيْرِ وَأَمَّا الطَّالِبُ لِنَفْسِهِ إذَا لَاحَ له حَقِيقَةُ ما يَطْلُبُ صَحَّ طَلَبُهُ وَإِنْ لم يُحْسِنْ عِبَارَةً عنه صَالِحَةً لِلْحَدِّ فَلَا يَكُونُ هذا شَرْطًا إلَّا في حَقِّ من أَرَادَ التَّعْلِيمَ لَا التَّعَلُّمَ وَأَمَّا الْمَادَّةُ فذكر إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَابِعُوهُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ مُسْتَمَدٌّ من ثَلَاثَةِ عُلُومٍ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ أَمَّا الْكَلَامُ فَلِتَوَقُّفِ الْأَدِلَّةِ على مَعْرِفَةِ الْبَارِي تَعَالَى بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ من ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رَسُولِهِ وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ على أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ على دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُبَيَّنٌ في عِلْمِ الْكَلَامِ فَيُسَلَّمُ هُنَا وَتَخُصُّ النَّظَرَ في دَلِيلِ الْحُكْمِ هُنَا بِعِلْمِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُخَاطَبٍ وَقُدْرَةِ الْعَبْدِ كَسْبًا لَيُكَلَّفَ وَتَعَلُّقِ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِيُوجَدَ الْحُكْمُ وَرَفْعِ التَّعَلُّقِ فَيُنْسَخَ وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ لِيُبَيِّنَّ وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فلان الْأَدِلَّةَ جَاءَتْ بِلِسَانٍ الْعَرَبِ وَهِيَ تَشْتَمِلُ على ثَلَاثَةِ فُنُونٍ عِلْمِ النَّحْوِ وهو عِلْمُ مَجَارِي أَوَاخِرِ الْكَلِمِ رَفْعًا وَنَصْبًا وَجَرًّا وَجَزْمًا وَعِلْمُ اللُّغَةِ وَهِيَ تَحْقِيقُ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ في ذَوَاتِهَا وَعِلْمُ الْأَدَبِ وهو عِلْمُ نَظْمِ الْكَلَامِ وَمَعْرِفَةُ مراتبة على مُقْتَضَى الْحَالِ وَإِنَّمَا يَكُونُ هذا مَادَّةً لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْأُصُولِ وهو الْخِطَابُ دُونَ مَسَائِلِ الْأَخْبَارِ وَالْإِجْمَاعُ وَالنَّسْخُ وَالْقِيَاسُ وَهِيَ مُعْظَمُ الْأُصُولِ ثُمَّ إنَّ الْمَادَّةَ فيه لَيْسَتْ على نَظِيرِ الْمَادَّةِ من الْكَلَامِ فإن الْعِلْمَ بها مَادَّةٌ لِفَهْمِ الْأَدِلَّةِ وَأَمَّا الْفِقْهُ فلانه مَدْلُولُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَأُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ وَلَا يُعْلَمُ الدَّلِيلُ مُجَرَّدًا من مَدْلُولِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ في وَجْهِ اسْتِمْدَادِهِ من عِلْمِ الْكَلَامِ إنَّ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ فيه أَلْفَاظٌ لَا تُعْلَمُ مُسَمَّيَاتُهَا من غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ لَكِنَّهَا تُؤْخَذُ مُسَلَّمَةً فيه على أَنْ يُبَرْهِنَ في غَيْرِهِ من الْعُلُومِ أو تَكُونَ مُسَلَّمَةً في نَفْسِهَا وَهِيَ الْعِلْمُ وَالظَّنُّ وَالدَّلِيلُ وَالْأَمَارَةُ وَالنَّظَرُ لِأَنَّ لَفْظَ الطُّرُقِ يَشْمَلُ ذلك كُلَّهُ وَالْحُكْمُ أَيْضًا إذْ لَا بُدَّ فيه من خِطَابٍ شَرْعِيٍّ وَلَا يَثْبُتُ ذلك بِالدَّلِيلِ في غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ وما ذُكِرَ منه غَيْرُ ما عَدَّدْنَاهُ فَهُوَ تَبَعٌ وَلَا بُدَّ من مَعْرِفَةِ هذه الْأُمُورِ في مَعْرِفَةِ هذا الْعِلْمِ لِيَتَوَقَّفَ منه إذَنْ على بَعْضِهِ لَا على كُلِّهِ وَإِلَى هذا أَشَارَ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ اسْتِمْدَادَ أُصُولِ الْفِقْهِ من شَيْءٍ وَاحِدٍ وهو قَوْلُ الرَّسُولِ الذي دَلَّ التَّكَلُّمُ على صدقة فَيُنْظَرُ في وَجْهِ دَلَالَتِهِ على الْأَحْكَامِ إمَّا بِمَلْفُوظِهِ أو بِمَفْهُومِهِ أو بِمَعْقُولِ مَعْنَاهُ ومستنبطة وَلَا يُجَاوِزُ نَظَرُ الْأُصُولِيِّ ذلك قَوْلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَفِعْلَهُ قال وَقَوْلُ الرَّسُولِ إنَّمَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ وَكَوْنُهُ حُجَّةً من عِلْمِ الْكَلَامِ وَهَذَا ليس بِمَرَضِيٍّ فإن من جُمْلَةِ ما يُوجَدُ فيه من عِلْمِ الْكَلَامِ مَعْرِفَةَ الْعِلْمِ وَالظَّنَّ وَالدَّلِيلَ وَالنَّظَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا سَبَقَ وَقَوْلُهُ بِأَنَّ نَظَرَ الْأُصُولِيِّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ مَمْنُوعٌ فإنه يَنْظُرُ في الِاسْتِصْحَابِ وَالْأَفْعَالِ قبل الشَّرْعِ وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا ليس بِقَوْلِ الرَّسُولِ وَلَا فِعْلَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَادَّةَ على قِسْمَيْنِ إسْنَادِيَّةٍ مُقَوَّمَةٍ فَالْمُقَوَّمَةُ دَاخِلَةٌ في أَجْزَاءِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ وَهِيَ الْفِقْهُ وَالْإِسْنَادِيَّة ما اسْتَنَدَتْ إلَى الدَّلِيلِ كَعِلْمِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أُصُولَ الْفِقْهَ وَإِنْ لم يَعْلَمْ عِلْمَ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا عِلْمُ الْكَلَامِ دَلِيلُ الْمُعْجِزَةِ وهو دَلِيلُ الْأُصُولِ فَاسْتَنَدَ إلَى الدَّلِيلِ وَكَذَلِكَ مَادَّةُ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُجْعَلُ الْفِقْهُ مَادَّةً لِلْأُصُولِ وهو فَرْعُ الْأُصُولِ وَمَادَّةُ كل شَيْءٍ أَصْلُهُ فَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ أَصْلًا وَالْأَصْلُ فَرْعًا أَجَابَ الْمُقْتَرِحُ في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ الْفِقْهُ في الْأُصُولِ من حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَيُذْكَرُ الْوَاجِبُ بِمَا هو وَاجِبٌ وَالْمَنْدُوبُ بِمَا هو مَنْدُوبٌ لِأَنَّ هذا الْقَدْرَ مُبَيِّنٌ حَقِيقَةَ الْأُصُولِ وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يُذْكَرَ جُزْئِيَّاتُ الْمَسَائِلِ فإن ذِكْرَهَا يُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ على الْفِقْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَتَوَقَّفُ على مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ إذْ يَسْتَحِيلُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهَا أُصُولَ فِقْهٍ ما لم يُتَصَوَّرْ الْفِقْهُ لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى مَعْرِفَةٍ إضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَعَرَّفَ بها وَلَا يُمْكِنُ التَّعْرِيفُ إلَّا على تَقْدِيرِ سَبْقِ مَعْرِفَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُرَكَّبِ يَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ بِمُفْرَدَاتِهِ ضَرُورَةً وَأَمَّا الْمَوْضُوعُ فَشَيْءٌ يَبْحَثُ عن أَوْصَافِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُعْتَبَرَةِ في ذلك الْعِلْمِ وهو مَعْنَى قَوْلِ الْمَنْطِقِيِّينَ مَوْضُوعُ كل عِلْمٍ ما يُبْحَثُ فيه عن أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ أَيْ ما يَلْحَقُ الشَّيْءَ لِذَاتِهِ كَالتَّعَجُّبِ اللَّاحِقِ لِلْإِنْسَانِ لِذَاتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ أو لِجُزْئِهِ كَالْمَشْيِ اللَّاحِقِ له بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا أو لِأَمْرٍ يُسَاوِيهِ كَالضَّحِكِ اللَّاحِقِ له بِوَاسِطَةِ التَّعَجُّبِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْرَاضُهُ الذاتيه وقد يَكُونُ لِأَعَمَّ دَاخِلٍ فيه كَالْحَرَكَةِ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّهُ مَهْجُورٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَوْضُوعَاتِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ إلَيْهِ فَمَوْضُوعُ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ وَمَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةِ وَمَوْضُوعُ الْهَنْدَسَةِ الْمِقْدَارُ وَمَوْضُوعُ الطِّبِّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ فإن هذه الْأَشْيَاءَ هِيَ مَجَالُ الْبَحْثِ في هذه الْعُلُومِ يُبْحَثُ فيها عن أَعْرَاضِ هذه الْأَشْيَاءِ اللَّاحِقَةِ بها كما أَنَّهُمْ شَبَّهُوا ما يُبْحَثُ في كل عِلْمٍ عن أَعْرَاضِهِ وَأَحْوَالِهِ بِمَادَّةٍ حِسِّيَّةٍ يَضَعُهَا إنْسَانٌ بين يَدَيْهِ لِيُوقِعَ فيها أَثَرًا ما كَالْخَشَبِ الذي يُؤَثِّرُ فيه النَّجَّارُ حتى يَصِيرَ سَرِيرًا أو بَابًا وَكَالْفِضَّةِ التي يُؤَثِّرُ فيها الصَّائِغُ حتى يَصِيرَ خَاتَمًا أو سِوَارًا وَنَحْوَهُ وَأَمَّا مَبَادِئُ كل عِلْمٍ فَهِيَ حُدُودُ مَوْضُوعِهِ وَأَجْزَائِهِ وَأَعْرَاضِهِ مع الْمُقَدِّمَاتِ التي تُؤَلَّفُ عنها قِيَاسَاتُهُ وَذَلِكَ كَحَدِّ الْبَدَنِ وَأَعْضَائِهِ وما يَعْرِضُ لها من صِحَّةٍ وَسَقَمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الطِّبِّ وَحَدُّ الْفِعْلِ وَأَصْنَافُهُ وَأَشْخَاصُهُ وما يَعْرِضُ له من حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَنَحْوِ ذلك بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الْفِقْهِ وَحَدُّ اللَّفْظِ وما يَعْرِضُ من صَوَابٍ وَخَطَأٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّحْوِ وهو جَمْعُ مَبْدَأٍ ومبدا الشَّيْءِ هو مَحَلُّ بِدَايَتِهِ وَسُمِّيَتْ حُدُودُ مَوْضُوعِ الْعِلْمِ وَأَجْزَاؤُهُ وَمُقَدِّمَاتُهُ التي هِيَ مَادَّةُ قِيَاسَاتِهِ مَبَادِئَ لِأَنَّهُ عنها وَمِنْهَا يَنْشَأُ وَيَبْدُو وَأَمَّا مَسَائِلُ كل عِلْمٍ فَهِيَ مَطَالِبُهُ الْجُزْئِيَّةُ التي يُطْلَبُ إثْبَاتُهَا فيه كَمَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا لِلْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِهَا لِأُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمَوْضُوعُ قد يَكُونُ وَاحِدًا كَالْعَدَدِ لِلْحِسَابِ وقد يَكُونُ كَثِيرًا وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ أَيْ مُشَارَكَةٌ إمَّا في ذَاتِيٍّ كما إذَا جُعِلَ الِاسْمُ وَالْفِعْلُ وَالْحَرْفُ مَوْضُوعَاتِ النَّحْوِ لِاشْتِرَاكِهَا في الْجِنْسِ وهو الْكَلِمَةُ وَإِمَّا في عَرَضِيٍّ كما إذَا جُعِلَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ وَأَجْزَاؤُهُ وَالْأَدْوِيَةُ وَالْأَغْذِيَةُ مَوْضُوعَاتِ الطِّبِّ لِاشْتِرَاكِهَا في غَايَةٍ وَهِيَ الصِّحَّةُ وَمَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ قد اجْتَمَعَ فيه الْأَمْرَانِ فإنه إمَّا وَاحِدٌ وهو الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ من جِهَةِ إنَّهُ مُوَصِّلٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَإِمَّا كَثِيرٌ وهو أَقْسَامُ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ من هذه الْجِهَةِ لِاشْتِرَاكِهَا إمَّا في جِنْسِهَا وهو الدَّلِيلُ أو في غَايَتِهَا وهو الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَاخْتَلَفُوا هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ أَكْثَرُ من مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا فَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا غير أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْرَكَهُ في أَمْرٍ ذَاتِيٍّ أو عَرَضِيٍّ كَالطِّبِّ يُبْحَثُ فيه عن أَحْوَالِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَعَنْ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا وَقِيلَ يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الِانْتِشَارِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ من الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلًا وهو إنْ كان الْمَبْحُوثُ عنه في ذلك الْعِلْمِ إضَافِيًّا جَازَ كما أَنَّهُ يُبْحَثُ في الْأُصُولِ عن إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْحُكْمِ وَالْمَنْطِقُ يُبْحَثُ فيه عن إيصَالِ تَصَوُّرٍ أو تَصْدِيقٍ إلَى تَصَوُّرٍ أو تَصْدِيقٍ وقد يَكُونُ بَعْضُ الْعَوَارِضِ التي لها مَدْخَلٌ في الْمَبْحُوثِ عنه نَاشِئَةً عن أَحَدِ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَبَعْضُهَا عن الْآخَرِ فَمَوْضُوعُ هذا الْعِلْمِ كِلَا الْمُتَضَايِفَيْنِ وَإِنْ كان غير إضَافِيٍّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ ثُمَّ إنْ كان إضَافِيًّا فَقَدْ يَكُونُ الْمُضَافُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ مَوْضُوعَ ذلك الْعِلْمِ كَأُصُولِ الْفِقْهِ وقد يَكُونُ أَحَدُهُمَا كَعِلْمِ الْمَنْطِقِ فإن مَوْضُوعَهُ الْقَوْلُ الشَّارِحُ وَالدَّلِيلُ من حَيْثُ إنَّهُ يُوَصِّلُ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ الدَّلِيلُ يُطْلَقُ في اللُّغَةِ على أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الرُّشْدُ لِلْمَطْلُوبِ على مَعْنَى أَنَّهُ فَاعِلُ الدَّلَالَةِ وَمُظْهِرُهَا فَيَكُونُ مَعْنَى الدَّلِيلِ الدَّالَّ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ كَعَلِيمٍ وَقَدِيرٍ مَأْخُوذٌ من دَلِيلِ الْقَوْمِ لِأَنَّهُ يُرْشِدُهُمْ إلَى مَقْصُودِهِمْ قال الْقَاضِي وَالدَّالُّ نَاصِبُ الدَّلَالَةِ وَمُخْتَرِعُهَا وهو اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَمَنْ عَدَاهُ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ وَعِنْدَ الْبَاقِينَ الدَّالُّ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ وَاسْتُبْعِدَ إذْ الْحَاكِي وَالْمُدَرِّسُ لَا يُسَمَّى دَالًّا وهو ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الدَّالُّ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ على وَجْهِ التَّمَسُّكِ بها وَيُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلًا بِالْإِضَافَةِ وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ في كِتَابِ الْحُدُودِ قال وَلَا حُجَّةَ في قَوْلِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى يا دَلِيلَ الْمُتَحَيِّرِينَ لِأَنَّ ذلك ليس من قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا أَحَدٍ من الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا هو من قَوْلِ أَصْحَابِ الْعَكَّاكِينَ وَحَكَى غَيْرُهُ في جَوَازِ إطْلَاقِ الدَّلِيلِ على اللَّهِ وَجْهَيْنِ مُفَرَّعَيْنِ على أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ هل تَثْبُتُ قِيَاسًا أَمْ لَا لَكِنْ صَحَّ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَدْعُوَ فَيَقُولَ يا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي على طَرِيقِ الصَّادِقِينَ الثَّانِي ما بِهِ الْإِرْشَادُ أَيْ الْعَلَامَةُ الْمَنْصُوبَةُ لِمَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْعَالَمُ دَلِيلُ الصَّانِعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ حَقِيقَةُ الدَّلِيلِ الدَّالُّ وَقِيلَ بَلْ الْعَلَامَةُ الدَّالَّةُ على الْمَدْلُولِ بِنَاءً على اسْتِعْمَالِ الْمَعْنَيَيْنِ في اللُّغَةِ وقال صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِلدَّالِ حَقِيقَةً وَصَارَ في الْعُرْفِ اسْمًا لِلِاسْتِعْمَالِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وفي الِاصْطِلَاحِ الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فيه إلَى الْمَطْلُوبِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيُسَمَّى دَلَالَةً وَمُسْتَدَلًّا بِهِ وَحُجَّةً وَسُلْطَانًا وَبُرْهَانًا وَبَيَانًا وَكَذَلِكَ قال الْقَاضِي أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ قال وَسَوَاءٌ أَوْجَبَ عِلْمَ الْيَقِينِ أو دُونَهُ انْتَهَى وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ يُسَمَّى الدَّلِيلُ حُجَّةً وَبُرْهَانًا وَقِيلَ بَلْ هُمَا اسْمٌ لِمَا دَلَّ عليه صِحَّةُ الدَّعْوَى وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في الْفَرْقِ بين الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّلِيلَ ما دَلَّ على مَطْلُوبِك وَالْحُجَّةُ ما مَنَعَ من ذلك وَالثَّانِي الدَّلِيلُ ما دَلَّ على صَوَابِك وَالْحُجَّةُ ما دَفَعَ عَنْك قَوْلَ مُخَالِفِك 1 هـ وَخَصَّ الْمُتَكَلِّمُونَ اسْمَ الدَّلِيلِ ما دَلَّ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ من السَّمْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ وَأَمَّا الذي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَيُسَمُّونَهُ أَمَارَةً وَحَكَاهُ في التَّلْخِيصِ عن مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُصَنِّفُونَ في أُصُولِ الْفِقْهِ يُطْلِقُونَ الدَّلِيلَ على الْأَعَمِّ من ذلك وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا كَالشَّيْخِ أبي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَحَكَاهُ عن أَصْحَابِنَا وَسُلَيْمٍ الرَّازِيّ وَأَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ من الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَاضِي أبي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ وَالزَّاغُونِيِّ من الْحَنَابِلَةِ وَحَكَاهُ في التَّلْخِيصِ عن جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن أَهْلِ اللُّغَةِ وَحُكِيَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ عن بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ قِيلَ وَلَعَلَّ منشأة قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ الْأَدِلَّةَ الظَّنِّيَّةَ لَا تُحَصِّلُ صِفَاتٍ تَقْتَضِي الظَّنَّ كما تَقْتَضِي الْأَدِلَّةُ الْيَقِينِيَّةُ الْعِلْمَ وَإِنَّمَا يُحَصِّلُ الظَّنَّ اتِّفَاقًا عِنْدَهَا وَلِهَذَا يَقُولُونَ إنَّ الظَّنِّيَّاتِ ليس فيها تَرْتِيبٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَلَيْسَ فيها خَطَأٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ كما يقول ذلك الْمُصَوِّبَةُ وقال ابن الصَّبَّاغِ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ في إطْلَاقِ اسْمِ الدَّلِيلِ على الظَّنِّيِّ وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الْفَصْلُ بين الْمَعْلُومِ وَالْمَظْنُونِ فَأَمَّا في أَصْلِ الْوَضْعِ فلم يَخْتَلِفُوا في أَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى دَلِيلًا وَضْعًا وَكَذَلِكَ قال ابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ الْفُقَهَاءُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُتَكَلِّمُونَ وهو رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ عِيَارِ النَّظَرِ قال أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ مَعْنَى الدَّلِيلِ مُظْهِرُ الدَّلَالَةِ وَمِنْهُ دَلِيلُ الْقَوْمِ وقال إنَّ تَسْمِيَةَ الدَّلَالَةِ دَلِيلًا مَجَازٌ وَإِنْ كان إذَا قِيلَ له لو كان الدَّلِيلُ مُظْهِرَ الدَّلَالَةِ لَوَجَبَ على الْمَسْئُولِ عن الدَّلَالَةِ إذَا قِيلَ له ما الدَّلِيلُ أَنْ يَقُولَ أنا لِأَنَّهُ هو الْمُظْهِرُ لِلدَّلَالَةِ أَجَابَ بانه لو قِيلَ من الدَّلِيلُ قال أنا وإذا وَقَعَ السُّؤَالُ بِحَرْفِ ما عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّؤَالُ عن الدَّلَالَةِ لِأَنَّ ما إنَّمَا يُسْأَلُ بِهِ عَمَّا لَا يُوصَفُ بِالتَّمْيِيزِ وقال عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ الدَّلِيلَ هو الدَّلَالَةُ وهو ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ ما لَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ وَعَلَى هذا فَتَسْمِيَةُ الدَّالِّ على الطَّرِيقِ دَلِيلًا مجازا 1 هـ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الدَّلَالَةُ مَصْدَرُ قَوْلِك دَلَّ يَدُلُّ دَلَالَةً وَيُسَمَّى دَلِيلًا مَجَازًا من بَابِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ رَجُلٌ صَوْمٌ وَأَمَّا الدَّالُّ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه فَقِيلَ هو الدَّلِيلُ وَقِيلَ هو النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ وهو اللَّهُ تَعَالَى الذي نَصَبَ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ قال الْإِمَامُ وَلَيْسَ لِلدَّلِيلِ تَحْصِيلٌ سِوَى تَجْرِيدِ الْفِكْرِ من ذِي فِكْرَةٍ صَحِيحَةٍ إلَى جِهَةٍ يَتَطَرَّقُ إلَى مِثْلِهَا تَصْدِيقٌ أو تَكْذِيبٌ أَقْسَامُ الدَّلِيلِ وَيَنْقَسِمُ الدَّلِيلُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ سَمْعِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَوَضْعِيٍّ فَالسَّمْعِيُّ هو اللَّفْظِيُّ الْمَسْمُوعُ وفي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هو الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَالِاسْتِدْلَالَ وَأَمَّا عُرْفُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّهُمْ إذَا أَطْلَقُوا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ فَلَا يُرِيدُونَ بِهِ غير الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعَ قَالَهُ الْآمِدِيُّ في الْأَبْكَارِ الثَّانِي الْعَقْلِيُّ وهو ما دَلَّ على الْمَطْلُوبِ بِنَفْسِهِ من غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى وَضْعٍ كَدَلَالَةِ الْحُدُوثِ على الْمُحْدِثِ وَالْإِحْكَامِ على الْعَالِمِ الثَّالِثُ الْوَضْعِيُّ وهو ما دَلَّ بِقَضِيَّةِ اسْتِنَادِهِ وَمِنْهُ الْعِبَارَاتُ الدَّالَّةُ على الْمَعَانِي في اللُّغَاتِ قال وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ على صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال ما دَلَّ عَقْلًا لَا يَتَبَدَّلُ وما دَلَّ وَضْعًا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَدَّلَ لَكِنَّ الْإِمَامَ في الْإِرْشَادِ اخْتَارَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَقْلِيَّةٌ وهو قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وسياتي عن ابْنِ الْقَطَّانِ أَيْضًا وقال الْآمِدِيُّ في الْأَبْكَارِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُنَا وَالْقَاضِي وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُعْجِزَةِ على صِدْقِ الرَّسُولِ لَيْسَتْ دَلَالَةً عَقْلِيَّةً وَلَا سَمْعِيَّةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ ما يَدُلُّ عَقْلًا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَيَرْتَبِطُ بِمَدْلُولِهِ لِذَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ وقد تَقَعُ الْخَوَارِقُ عِنْدَ تَصَرُّمِ الدُّنْيَا مع عَدَمِ دَلَالَتِهَا على تَصْدِيقِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ فإنه لَا إرْسَالَ وَلَا رَسُولَ إذْ ذَاكَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ السَّمْعِيَّةَ مُتَوَقِّفَةٌ على صدقة فَلَوْ تَوَقَّفَ صِدْقُ الرَّسُولِ عليها لَكَانَ دَوْرًا بَلْ دَلَالَتُهَا على صدقة غَيْرُ خَارِجٍ عن الدَّلَالَاتِ الْوَضْعِيَّةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ فَكَانَتْ نَازِلَةً من اللَّهِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ صَدَقَ ثُمَّ الْعَقْلِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى ما يَقْتَضِي الْقَطْعَ كَالْأَدِلَّةِ في أُصُولِ الْعَقَائِدِ وَإِلَى ما لَا يَقْتَضِيهِ وَكَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى ما يَقْتَضِي الْقَطْعَ وهو يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ وَإِلَى ما لَا يَقْتَضِيهِ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْمُقَايِسِ السَّمْعِيَّةِ فَكَمَا لَا يُوصَفُ بِاقْتِضَاءِ الْعِلْمِ لَا يُوصَفُ بِاقْتِضَاءِ غَلَبَةِ الظَّنِّ قال وَهَذَا مِمَّا يَزِلُّ فيه مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَلَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِحُصُولِ الظَّنِّ في أَثَرِهَا من غَيْرِ تَضَمُّنِهَا وَيَتَنَوَّعُ الْعَقْلِيُّ إلَى اسْتِقْرَائِيٍّ وَتَمْثِيلِيٍّ وَاقْتِرَانِيٍّ وَاسْتِثْنَائِيٍّ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ وَيَتَأَلَّفُ الْمُتَّصِلُ من الْمُتَلَازِمَاتِ وَالْمُنْفَصِلُ من الْمُتَضَادَّاتِ وَنَوَّعَهَا الْأَصْحَابُ أَرْبَعَةً بِنَاءُ الْغَائِبِ على الشَّاهِدِ وَإِنْتَاجُ الْمُقَدِّمَاتِ النَّتَائِجَ وَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمُتَّفَقِ عليه على الْمُخْتَلَفِ فيه وَنَازَعَ ابن الْقُشَيْرِيّ في الْأَوَّلِ وقال عِنْدَنَا لَا أَصْلَ لِبِنَاءِ الْغَائِبِ على الشَّاهِدِ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ بَاطِلٌ وَإِنْ قام دَلِيلٌ على الْمَطْلُوبِ في الْغَائِبِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ الشَّاهِدِ وَإِلَّا فَذِكْرُ الشَّاهِدِ لَا مَعْنَى له وَلَيْسَ في الْمَعْقُولَاتِ قِيَاسٌ قال وَكَذَا قِيَاسُ الْمُخْتَلَفِ فيه على الْمُتَّفَقِ عليه بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ في الْمَعْقُولَاتِ وَسَتَأْتِي هذه الْمَسْأَلَةُ في كِتَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُشْتَرَطُ في الدَّلِيلِ الْوُجُودُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمِيًّا وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ الْآيَاتِ على كَذِبِ الْمُتَنَبِّئِ وَبِعَدَمِ الْأَدِلَّةِ وَالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ على انْحِصَارِ أَوْصَافِ الْأَجْنَاسِ فِيمَا أَدْرَكْنَاهُ وَالدَّلِيلُ لَا يَقْتَضِي مَدْلُولَهُ وَلَا يُوجِبُهُ إيجَابَ الْعِلَّةِ مَعْلُولَهَا بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَدْلُولِ على ما هو بِهِ كَالْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحُدُوثَ لَمَّا دَلَّ على الْمُحْدِثِ اسْتَحَالَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُوجِبُهُ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ على ما هو بِهِ وَالْقَصْدُ بهذا التَّحَرُّزُ من قَوْلِ بَعْضِهِمْ الدَّلِيلُ يُوجِبُهُ كَذَا وَالدَّلَالَةُ تَقْتَضِي مَدْلُولَهَا كَذَا وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُحْتَاجًا لِدَلِيلٍ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ قال فَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا الْأَدِلَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى ما هو بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ وَإِلَى ما هو في ثَوَانِي الْعَقْلِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ وَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ في مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّا إذَا أَقَمْنَا دَلِيلًا على حُدُوثِ الْعَالَمِ مَثَلًا فَهَلْ الْمَدْلُولُ حُدُوثُ الْعَالَمِ أو الْعِلْمُ بِحُدُوثِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ أَنَّ حُدُوثَ الْأَكْوَانِ دَالٌّ على حُدُوثِ الْجَوَاهِرِ سَوَاءٌ نَظَرَ النَّاظِرُ أو لَا وَاخْتَلَفُوا في الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ هل تُفِيدُ الْقَطْعَ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا نعم وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَعَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي أنها لَا تُفِيدُ وَالثَّالِثُ وهو اخْتِيَارُ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ أنها تُفِيدُ الْقَطْعَ إنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ مُشَاهَدَةٌ أو معقوله كَالتَّوَاتُرِ وَلَا تفيد ( ( ( يفيد ) ) ) الْيَقِينَ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ أُمُورٍ عَشَرَةٍ عِصْمَةِ رُوَاةِ نَاقِلِيهَا وصحه إعْرَابِهَا وَتَصْرِيفِهَا وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ اللَّفْظِيِّ قِيلَ ولم يذكر النَّسْخَ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عِنْدَهُ في التَّخْصِيصِ بِالْأَزْمَانِ قال الْقُرْطُبِيُّ في أُصُولِهِ وما ذَكَرَهُ صَحِيحٌ غير أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ في حُصُولِ الْيَقِينِ حُصُولُ هذه الْأُمُورِ مُفَصَّلَةً في الذِّهْنِ فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قد حَكَمَ على الْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بها بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ لَا أَقَلَّ منها وَلَا أَكْثَرَ وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ الذي لم يَجِدْ الْهَدْيَ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ لم يَخْطِرْ لنا تَفْصِيلُ هذه الْأُمُورِ بِالْبَالِ وَهَذَا كما يقول في الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِنْ لم يَشْعُرْ الذِّهْنُ بِتَفْصِيلِ شُرُوطِهِ حَالَةَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ وَكَذَا الْقَوْلُ في الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ فإنه قد يَحْصُلُ لنا الْيَقِينُ بِهِ قبل إحْضَارِ تِلْكَ الْأُمُورِ بِالْبَالِ قال وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا على ذلك لِئَلَّا يَسْمَعَ الْقَاصِرُ كَلَامَ الْإِمَامِ هذا فَيَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ حتى يَخْطِرَ له تِلْكَ الْأُمُورُ بِبَالِهِ وَيَعْتَبِرَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا فَتَشُكَّ نَفْسُهُ مِمَّا حَصَلَ له من الْيَقِينِ من الْأَدِلَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَنَّ تِلْكَ الْأُمُورِ أو بَعْضِهَا بِالدَّلِيلِ ظَنٌّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ قَرَائِنُ عَقْلِيَّةٌ أو حَالِيَّةٌ فَيَحْصُلُ الْيَقِينُ منها انْتَهَى وردة غَيْرُهُ بِأَنَّ بَعْضَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ قد بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي قَطْعِيَّةَ جَمِيعِ النَّقْلِيَّاتِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ من التَّرَاكِيبِ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِمَدْلُولِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ جَمِيعَ التَّوَاتُرَاتِ وقال غَيْرُهُ الْمَقْصُودُ من هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ إذَا أَدَّى إلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ وَقَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ على نَفْيِ ذلك الْأَمْرِ فإن الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ في هذا الْمَحَلِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُعَارِضٌ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ كما يُتَصَوَّرُ الْمُعَارَضَةُ بين الْعَقْلِيِّ وَالنَّقْلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ مَسْأَلَةٌ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَنْكَرَ دَاوُد وَأَصْحَابُهُ أَدِلَّةَ الْعُقُولِ وَذَهَبَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ إلَى أنها صَحِيحَةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُحْوِجْنَا إلَيْهَا لِأَنَّ أَوَّلَ مَحْجُوجٍ بِالسَّمْعِ آدَم عليه السَّلَامُ حَيْثُ قِيلَ له لَا تَأْكُلْ فَدَلَّ على أَنَّ أَدِلَّةَ الْعَقْلِ قد كُفِينَا الْأَمْرَ فيها وَاسْتَقْلَلْنَا بِالسَّمْعِ قال وَعِنْدَنَا أَنَّ دَلَائِلَ الْعُقُولِ صَحِيحَةٌ بها نَدْرِي الْأَشْيَاءَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُعْجِزَةِ إنَّمَا دَلَّ عليها الْعَقْلُ وقال تَعَالَى ^ فما أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ من شَيْءٍ ^ الأحقاف 26 ولم يُرِدْ سُبْحَانَهُ بِالْأَفْئِدَةِ قِطْعَةَ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّمْيِيزَ وَبِهَذِهِ الْآيَةِ اُحْتُجَّ على أَنَّ مَحَلَّ الْعَقْلِ الْفُؤَادُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الذي عليه الْإِسْلَامِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْعُقُولَ طُرُقُ الْمَعْلُومَاتِ قال وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ من الْمُحَدِّثِينَ ذلك وَقَالُوا لَا يُعْرَفُ شَيْءٌ إلَّا من قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم فَرْعٌ قَضَايَا الْعُقُولِ وَقَضَايَا الْعُقُولِ ضَرْبَانِ ما عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وهو مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ على خِلَافِ ما هو بِهِ كَالتَّوْحِيدِ فَيُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَإِنْ كان عن اسْتِدْلَالٍ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وما عُلِمَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وهو ما يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ على خِلَافِ ما هو بِهِ كَآحَادِ الْأَنْبِيَاءِ إذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ فَيُوجِبُ عِلْمَ الِاسْتِدْلَالِ وَلَا يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ لِحُدُوثِهِ عن دَلِيلِ الْعَقْلِ لَا عن ضَرُورَتِهِ وَاخْتُلِفَ في أُصُولِ النُّبُوَّاتِ على الْعُمُومِ هل تُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أو بِدَلِيلِهِ على اخْتِلَافِهِمْ في التَّعَبُّدِ بِالشَّرَائِعِ هل اقْتَرَنَ بِالْعَقْلِ أو يَعْقُبُهُ فَذَهَبَ من جَعَلَهُ مُقْتَرِنًا بِالْعَقْلِ إلَى إثْبَاتِ عُمُومِ النُّبُوَّاتِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَذَهَبَ من جَعَلَهُ مُتَأَخِّرًا عن الْعَقْلِ إلَى إثْبَاتِهَا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ضَابِطٌ الْبَاحِثُ عن الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْبَاحِثُ عن الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا في إثْبَاتِهِ أو في نَفْيِهِ فَفِي الْأَوَّلِ لَا بُدَّ له من دَلِيلٍ مُثْبِتٍ وهو الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وما يَتْبَعُ ذلك كما سَيَأْتِي وفي الثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ دَلِيلٍ فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عنه بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَمَعْنَى ذلك أَنَّ ما لم يَتَعَرَّضْ له الشَّرْعُ بَاقٍ على النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ على ما تَقَرَّرَ وَلِهَذَا الْمَعْنَى سَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ دَلِيلًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِوُجُودِ دَلِيلٍ بَاقٍ وَذَلِكَ الدَّلِيلُ إمَّا أَنْ لَا يَسْتَلْزِمَ النَّفْيَ لِمَعْقُولِيَّتِهِ أو يَسْتَلْزِمَ وَالْأَوَّلُ نُصُوصُ الْأَدِلَّةِ وَالثَّانِي هو الْمَانِعُ وَفُقْدَانُ الشَّرْطِ فَائِدَةٌ أَدِلَّةُ النَّفْيِ أَوْسَعُ من أَدِلَّةِ الْإِثْبَاتِ أَدِلَّةُ النَّفْيِ أَوْسَعُ من أَدِلَّةِ الثُّبُوتِ لِأَنَّ كُلَّ ما يَدُلُّ على الثُّبُوتِ يَدُلُّ على النَّفْيِ وقد يَدُلُّ الشَّيْءُ على النَّفْيِ وَلَا يَدُلُّ على الثُّبُوتِ أَصْلًا كَالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَا دَلِيلَ على النَّافِي النَّظَرُ لُغَةً الِانْتِظَارُ وَتَقْلِيبُ الْحَدَقَةِ نحو الْمَرْئِيِّ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّأَمُّلُ وَيَتَمَيَّزُ بِالْمُعَدِّي من حُرُوفِ الْجَرِّ وفي الِاصْطِلَاحِ الْفِكْرُ الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أو ظَنٍّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ الْفِكْرُ هو انْتِقَالُ النَّفْسِ من الْمَعَانِي انْتِقَالًا بِالْقَصْدِ وَذَلِكَ قد يَكُونُ بِطَلَبِ عِلْمٍ أو ظَنٍّ فَيُسَمَّى نَظَرًا وقد لَا يَكُونُ كَأَكْثَرِ حديث النَّفْسِ فَلَا يُسَمَّى نَظَرًا بَلْ تَخَيُّلًا وَفِكْرًا وَالْفِكْرُ أَعَمُّ من النَّظَرِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَصْدَ النَّاظِرِ الِانْتِقَالُ من أَجْزَاءِ الْحَدِّ وقال في الْبُرْهَانِ حَقِيقَةُ النَّظَرِ تُرَدَّدُ في أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ وَمَرَاتِبِهَا وقال فِيمَا بَعْدُ عِنْدَنَا مُبَاحَثَةٌ في أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَسَالِيبِهَا وقد اعْتَرَفَ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ تَنْقَسِمُ إلَى هَاجِمٍ عليه وَيُسَمَّى ضَرُورِيًّا وَإِلَى ما يَحْتَاجُ إلَى فِكْرٍ فَيُسَمَّى نَظَرِيًّا قِيلَ وَهَذَا نَقْضٌ لِقَوْلِهِ إنَّ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ وَأَمَّا حَصْرُ النَّظَرِ في الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يَسْتَقِيمُ فإنه قد يَكُونُ في غَيْرِ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرُورَةً ثُمَّ هو مَنْقُوضٌ بِالشَّكِّ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ النَّظَرُ هو الْفِكْرُ الذي يَطْلُبُ بِهِ من قام بِهِ عِلْمًا أو ظَنًّا وهو مُطَّرِدٌ في الْقَاطِعِ وَالظَّنِّيِّ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِهِ من بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ فإنه لَا يُطْلَبُ بها بَلْ عِنْدَهَا فَيَكُونُ شَرْطًا لِلطَّلَبِ كَذَا حَكَاهُ عنه الْآمِدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ وَأَجَابَ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ عليه ثُمَّ اخْتَارَ خِلَافَهُ وَلَيْسَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ حَدَّانِ مُخْتَلِفَانِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هو الْفِكْرُ في الشَّيْءِ الْمَنْظُورِ فيه طَلَبًا لِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ أو صِفَةٍ من صِفَاتِهِ وقد يُفْضِي إلَى الصَّوَابِ إذَا رُتِّبَ على وَجْهِهِ وقد يَكُونُ خَطَأً أذا خُولِفَ تَرْتِيبُهُ وقال الْغَزَالِيُّ في الِاقْتِصَادِ إذَا أَرَدْت إدْرَاكَ الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ فَعَلَيْك وَظِيفَتَانِ إحْدَاهُمَا إحْضَارُ الْأَصْلَيْنِ أَيْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ في ذِهْنِك وَهَذَا يُسَمَّى فِكْرًا وَالْآخَرُ يَسُوقُك إلَى التَّفَطُّنِ لِوُجْهَةِ لُزُومِ الْمَطْلُوبِ من ازْدِوَاجِ الْأَصْلَيْنِ وَهَذَا يُسَمَّى طَلَبًا قال فَلِذَلِكَ من جَرَّدَ الْتِفَاتَهُ إلَى الْوَظِيفَةِ الْأُولَى جَدَّ النَّظَرَ بِأَنَّهُ الْفِكْرُ وَمَنْ جَرَّدَ الْتِفَاتَهُ إلَى الثَّانِيَةِ قال إنَّهُ طَلَبُ عِلْمٍ أو غَلَبَةُ ظَنٍّ قال وَمَنْ الْتَفَتَ إلَى الْأَمْرَيْنِ جميعا قال إنَّهُ الْفِكْرُ الذي يَطْلُبُ بِهِ من قام بِهِ عِلْمًا أو غَلَبَةَ ظَنٍّ قالوا وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ له صُورَةٌ في الْقَلْبِ وَلِذَلِكَ وَرَدَ تَفَكَّرُوا في آلَاءِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ وقال بَعْضُ الْأَذْكِيَاءِ الْفِكْرُ مَقْلُوبُ الْفَرْكِ غير أَنَّ الْفِكْرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا في الْمَعَانِي وقال الْقَاضِي أبو يَعْلَى في كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ الْكَبِيرِ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ مَعْنًى غَيْرُ الْفِكْرِ وَالرَّوِيَّةِ بَلْ يُوجَدُ عَقِبَهُ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُفَكِّرُ أَوَّلًا في الْجِسْمِ هل هو قَدِيمٌ أو حَادِثٌ وما دَامَ مُفَكِّرًا فَهُوَ شَاكٌّ ثُمَّ يَنْظُرُ بَعْدَ ذلك في الدَّلِيلِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ وَالْفِكْرُ مُتَغَايِرَيْنِ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَالْفَرْقُ بين الْجِدَالِ وَالنَّظَرِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّظَرَ طَلَبُ الصَّوَابِ وَالْجِدَالَ نُصْرَةُ الْقَوْلِ وَالثَّانِي النَّظَرُ الْفِكْرُ بِالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ وَالْجِدَالُ الِاحْتِجَاجُ بِاللِّسَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَسْأَلَةٌ أَقْسَامُ النَّظَرِ وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ إمَّا جَازِمٌ أو لَا وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا مُطَابِقٌ أو لَا وَإِنْ شِئْت قُلْت إمَّا صَحِيحٌ أو فَاسِدٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا جَازِمٌ أو غَيْرُ جَازِمٍ فَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ هو النَّظَرُ الْمُطَابِقُ وَالْفَاسِدُ هو الذي لم يُفِدْ الْمَطْلُوبَ إمَّا لِلْخَطَأِ في التَّرْتِيبِ أو أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ شَيْءٌ فَأَفَادَ غَيْرَهُ أو لم يُفِدْ شيئا أو بِغَيْرِ ذلك وَقَسَّمَهُ الْآمِدِيُّ إلَى صَحِيحٍ وهو ما قد وَقَفَ النَّاظِرُ فيه على وَجْهِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ وَنَاقَضَ ذلك بِقَوْلِهِ إنَّ الصَّحِيحَ منه يُفِيدُ الْعِلْمَ مع أَنَّهُ لَا يَرَى الظَّنَّ عِلْمًا بَلْ ضِدًّا لِلْعِلْمِ وهو أَحَدُ طُرُقِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ النَّافِينَ لِلْحَقَائِقِ وَالسُّمَنِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَشَرْطُهُ الْعَقْلُ وَانْتِفَاءُ ما فيه كَالْغَفْلَةِ وَهَلْ السَّهْوُ عن النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالنِّسْيَانُ له ضِدٌّ له أَمْ لَا فيه احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي أبي يَعْلَى وَعِنْدَهُ لَا يَكُونُ غَيْرُ الْعِلْمِ ضِدًّا له لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الظَّنَّ ليس عِلْمًا وَأَنْ لَا يَكُونَ جَاهِلًا بِالْمَطْلُوبِ وَلَا عَالِمًا بِهِ من كل الْوُجُوهِ وَلَا من وَجْهٍ تَطْلُبُهُ لاستحاله تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ إنَّهُ يُنَافِي الْعِلْمَ بِمَا يَنْظُرُ فيه لِأَنَّ النَّظَرَ طَلَبٌ وَطَلَبُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَيُنَافِي الْجَهْلَ بِهِ لِأَنَّ الْجَاهِلَ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ عَالِمًا وهو يَصْرِفُهُ عن الطَّلَبِ قِيلَ لَكِنْ هذا في الْمُرَكَّبِ وهو يُنَافِي الْبَسِيطَ أَيْضًا ولم يَذْكُرْهُ وَأَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ في الدَّلِيلِ لَا في شُبْهَةٍ بِمَعْنَى أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُ على الدَّلِيلِ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ الدَّلِيلَ لم يَصِحَّ نَظَرُهُ وَلِهَذَا أَخْطَأَ من أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لم يُوَفَّقْ في نَظَرِهِ لِإِصَابَةِ الدَّلِيلِ وَإِنَّمَا وَقَعَ على شُبْهَةٍ أَدْرَكَ الدَّلِيلَ غَيْرُهُ وَأَنْ يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الدَّلِيلِ وَتَرْتِيبُهُ على حَقِيقَةٍ بِتَقْدِيمِ ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرِ ما يَجِبُ تَأْخِيرُهُ وَأَنْ يَعْلَمَ الْوُجُوهَ التي تَدُلُّ منها الْأَدِلَّةُ وَلَا يَكْفِيهِ الْعِلْمُ بِذَاتِ الدَّلَالَةِ مع الذُّهُولِ عن الْوَجْهِ الذي منه تَدُلُّ الدَّلَالَةُ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ عِلْمَ الِاكْتِسَابِ لَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو الْمَنْصُورِ يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ غَائِبًا عن الْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ أو الْبَدَاهَةِ لَا مَدْخَلَ لِلنَّظَرِ فيه ثُمَّ يَعْلَمُ الضَّرُورِيَّاتِ الْحِسِّيَّةَ وَالْبَدِيهِيَّةَ وَإِلَّا لم يَتَمَكَّنْ من رَدِّ الْغَائِبِ إلَى مَحْسُوسٍ أو مَعْلُومٍ بِالْبَدَاهَةِ ثُمَّ يَعْلَمُ وُجُودَ الدَّلِيلِ على ما يَسْتَدِلُّ بِهِ عليه ثُمَّ يَعْلَمُ وَجْهَ تَعَلُّقِ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ وَمِنْ ثَمَّ لم يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال على صِدْقِ الرَّسُولِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ من لَا يَعْرِفُ وُجُودَ الْقُرْآنِ في الْعَالَمِ وَلَا من عَرَفَ وُجُودَهُ ولم يَعْلَمْ أَنَّهُ ظَهَرَ على يَدَيْهِ وَلَا من عَرَفَ ظُهُورَهُ عليه ولم يَعْلَمْ أَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ فَعَجَزُوا عن مُعَارَضَتِهِ بمثله قال وَمِنْ شَرْطِهِ إذَا كان دَلِيلُهُ يَدُلُّ على شَيْئَيْنِ فاكثر أَنْ يُجْرِيَهُ فِيهِمَا فَأَمَّا أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ في أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ وَيَمْنَعَ من الِاسْتِدْلَالِ بِهِ في الْآخَرِ فإنه مُفْسِدٌ لِلدَّلِيلِ على غَيْرِ نَفْسِهِ وَلِهَذَا لم يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ على أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ لِأَنَّ الْمُحْكَمَاتِ كما دَلَّتْ على كَوْنِ فَاعِلِهَا عَالِمًا دَلَّتْ على أَنَّ له عِلْمًا فإذا لم يُجْرُوا هذه الدَّلَالَةَ في عِلْمِ الْبَارِي لم يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُ بها على كَوْنِهِ عَالِمًا قُلْت وَمِنْهُ اسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ على صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ ليس له الْإِقْبَاضُ وَالْحَدِيثُ كما دَلَّ على جَوَازِ الْعَقْدِ دَلَّ على جَوَازِ الْإِقْبَاضِ فإذا لم يَسْتَدِلُّوا بِهِ على عَدَمِ امْتِنَاعِ الْإِقْبَاضِ لم يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ على جَوَازِ الْعَقْدِ وإذا اجْتَمَعَتْ هذه الشُّرُوطُ كان النَّظَرُ مُثْمِرًا لِلْعِلْمِ وَمُنْتِجًا له وَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ منها كان فَاسِدًا ولم يَقَعْ بَعْدَهُ عِلْمٌ قال أبو يَعْلَى في الْمُعْتَمَدِ وَكُلُّ جُزْءٍ من النَّظَرِ الصَّحِيحِ يَتَضَمَّنُ جُزْءًا من الْعِلْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ كُلَّ جُزْءٍ من النَّظَرِ لَا يَتَضَمَّنُ جُزْءًا من الْعِلْمِ بَلْ لَا يُثْمِرُ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ فإذا اسْتَوْفَى النَّظَرَ حَصَلَ بَعْدَهُ الْعِلْمُ وَهَذَا كَالنَّظَرِ في حُدُوثِ الْعَالَمِ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ أَوَّلًا في إثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ فإذا نَظَرْنَا فيه حَصَلَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْعَرَضِ فَقَطْ ثُمَّ نَنْظُرُ ثَانِيًا في حُدُوثِهِ فَنَعْلَمُ حُدُوثَهُ وَرُبَّمَا تَكُونُ الْأَدِلَّةُ على وُجُودِ الْأَعْرَاضِ أو حُدُوثِهَا مَبْنِيَّةً على أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَجِبُ النَّظَرُ فيها فَيَحْصُلُ لنا الْعِلْمُ بِكُلٍّ من النَّظَرِ في تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عِلْمًا وَكَذَلِكَ النَّظَرُ في سَائِرِ الْأَدِلَّةِ قُلْت وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فإنه إنْ أُرِيدَ عِلْمٌ ما فَالْحَقُّ ما قَالَهُ أبو يَعْلَى وَإِنْ أُرِيدَ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ فَالْحَقُّ ما قَالَهُ الْآخَرُونَ وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْفِقْهِيُّ أَنَّ الْحَدَثَ هل يَرْتَفِعُ عن كل عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أو يَتَوَقَّفُ على تَمَامِ الْأَعْضَاءِ مسألة النَّظَرُ مُكْتَسَبٌ النَّظَرُ مُكْتَسَبٌ بِالِاتِّفَاقِ وإذا وُجِدَ بِشُرُوطِهِ أَفَادَ الْعِلْمَ وَقَالَتْ الْحُكَمَاءُ النَّظَرُ في الْإِلَهِيَّاتِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِنَّمَا يُفِيدُ في الْهَنْدَسِيَّاتِ وَالْحِسَابَاتِ وَيَقَعُ الْعِلْمُ عَقِبَهُ على الْمَشْهُورِ وَقِيلَ مع آخِرِ جُزْءٍ من أَجْزَائِهِ حَكَاهُ عبد الْجَلِيلِ في شَرْحِ اللَّامِعِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَاخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ حُصُولِهِ على أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَبِهِ قال الْأَشْعَرِيُّ إنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ عَادَةً بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَحُصُولِ الشِّبَعِ عَقِبَ الْأَكْلِ وَالرَّيِّ عَقِبَ الشُّرْبِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَكَانَ خَرْقُهُ جَائِزًا وَعَدَمُهُ مُمْكِنًا وَهَاهُنَا حُصُولُ الْعِلْمِ وَاجِبٌ لَا مَحَالَةَ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَحْصُلَ عَقِبَ كَمَالِ النَّظَرِ وَالثَّانِي وهو مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِالتَّوَلُّدِ وهو الْحَاصِلُ عن الْمَقْدُورِ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ كَحَرَكَةِ السَّهْمِ عن الرمى وَيَجِبُ وُقُوعُهُ بَعْدَ النَّظَرِ كَوُقُوعِ الْمَعْلُولِ بَعْدَ الْعِلَّةِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ عَقْلًا بِإِيجَابٍ ذَاتِيٍّ أَيْ ذَاتُهُ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَضَمُّنِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ الذي لَا بُدَّ منه لَا يَكُونُ النَّظَرُ عِلَّةً وَلَا مُوَلَّدًا وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقال الْآمِدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ من فُرُوعِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا على أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ مُوَلِّدٍ لِلْعِلْمِ بِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ على أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَفْعَلُ إلَّا ما هو قَادِرٌ عليه وَأَنَّ قُدْرَةَ الْإِنْسَانِ لَا تُوجَدُ قبل مَقْدُورِهَا وإذا ثَبَتَ لنا هذا الْأَصْلُ بِدَلِيلٍ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَقِبَ النَّظَرِ من فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لو كان من فِعْلِهِ لَوَجَبَ كَوْنُهُ قَادِرًا عليه بِقُدْرَةٍ تقارنة أو تُقَارِنُ الْقُدْرَةَ على سَبَبِهِ الذي هو النَّظَرُ وهو مُحَالٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَقَدُّمَ الْقُدْرَةِ على مَقْدُورِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مسألة الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ النَّظَرِ اُخْتُلِفَ في الْعِلْمِ الْحَاصِلِ عَقِبَ النَّظَرِ فَمَنْ قال في الْأُولَى بِالتَّضَمُّنِ أو الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ قال إنَّهُ ضَرُورِيٌّ وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَمَنْ قال إنَّهُ بِالْعَادَةِ فَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لِجَوَازِ خَرْقِهَا فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ عن كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا إذْ الضَّرُورِيُّ هو الذي يَلْزَمُ النَّفْسَ لُزُومًا لَا يَتَأَتَّى منه الِانْفِكَاكُ عَقْلًا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَحَيْثُ قُلْنَا إنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ يَتَضَمَّنُ تَرْتِيبَ الْعِلْمِ بَعْدَهُ فَالنَّظَرُ الْفَاسِدُ وفي الشُّبْهَةِ لَا يقتضى الْجَهْلَ وَلَا الشَّكَّ وَلَا شيئا من أَضْدَادِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتَعَلَّقُ بِمَدْلُولِهِ وَالشُّبْهَةُ لَا تَعَلُّقَ لها بِأَضْدَادِ الْعُلُومِ مسألة النظر واجب شرعا النَّظَرُ وَاجِبٌ شَرْعًا قال ابن الْقُشَيْرِيّ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قام على وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ وما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ الْأَصَحُّ أَنَّ النَّظَرَ لَا يَجِبُ على الْمُكَلَّفِينَ إلَّا ان يَكُونُوا شَاكِّينَ فِيمَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فَيَلْزَمُهُمْ الْبَحْثُ عنه وَالنَّظَرُ فيه إلَى أَنْ يَعْتَقِدُوهُ أو يَعْرِفُوهُ قال وَمَعْرِفَةُ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وما يَمْتَنِعُ عليه يَتَعَلَّقُ بِالْخَاصَّةِ وَهُمْ قَائِمُونَ بِهِ عن الْعَامَّةِ لَا في تَعْرِيفِ ذلك لهم وَمِنْ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنَّمَا هُمْ مُكَلَّفُونَ بِاعْتِقَادِهِ وقال بَعْضُ نُبَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ هذا الذي قَالُوهُ من وُجُوبِ النَّظَرِ مَبْنِيٌّ على ان كُلَّ إنْسَانٍ ابْتِدَاءً غَيْرُ عَارِفٍ بِاَللَّهِ حتى يَنْظُرَ وَيَسْتَدِلَّ فَيَكُونُ النَّظَرُ أَوَّلَ الطَّاعَاتِ وَهَذَا خِلَافُ ما عليه السَّلَفُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فإنه لَا يُوجَدُ قَطُّ إنْسَانٌ إلَّا وهو يَعْرِفُ رَبَّهُ عز وجل وَلَا يُعْرَفُ له حَالٌ لم يَكُنْ فيها مُقِرًّا حتى يَنْظُرَ وَيَسْتَدِلَّ اللَّهُمَّ إلَّا من عَرَضَ له ما أَفْسَدَ فِطْرَتَهُ ابْتِدَاءً فَيَحْتَاجُ معه إلَى النَّظَرِ نعم النَّظَرُ الصَّحِيحُ يُقَوِّي الْمَعْرِفَةَ وَيُثَبِّتُهَا فإن الْمَعَارِفَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ على الْأَصَحِّ قلت وَهَذَا جُمُوحٌ إلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ ضَرُورِيَّةٌ لَا نَظَرِيَّةٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ إذْ لو كانت ضَرُورِيَّةً لَكَانَ التَّكْلِيفُ بها مُحَالًا وَنَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِمَعْرِفَتِهِ قال تَعَالَى ! ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) ! محمد 19 وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ تَفْرِيقًا على الْقَوْلِ بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى على بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا أَحَدُهَا أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وهو الْمَنْقُولُ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَالثَّانِي أَنَّهُ النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وهو الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَالثَّالِثُ الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ وهو اخْتِيَارُ الْإِمَامِ في الْإِرْشَادِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى ذلك وهو اخْتِيَارُ أَصْحَابِ الحديث وَالْخَامِسُ قَوْلُ أبي هَاشِمٍ الشَّكُّ وَنُقِلَ عن ابْنِ فُورَكٍ لِامْتِنَاعِ النَّظَرِ من الْعَالِمِ فإن الْحَاصِلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبٌ وَلَا يَمْتَنِعُ من الشَّاكِّ وَزَيَّفَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ في الْعَقْلِ الْهُجُومُ على النَّظَرِ من غَيْرِ سَبْقِ تَرَدُّدٍ وَالسَّادِسُ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالسَّابِعُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالثَّامِنُ قَبُولُ الْإِسْلَامِ وَالْعَزْمُ على الْعَمَلِ ثُمَّ النَّظَرُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالتَّاسِعُ اعْتِقَادُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ وَالْعَاشِرُ التَّقْلِيدُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ النَّظَرُ وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ الشَّكِّ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فَيَلْزَمُ الْبَحْثُ عنه حتى يَعْتَقِدَهُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ رُبَّمَا تَتَدَاخَلُ وَتَخْتَلِفُ في الْعِبَارَةِ وقال الرَّازِيَّ في التَّحْصِيلِ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْوَاجِبِ الْوَاجِبُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ فَلَا شَكَّ في أَنَّهُ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَ من يَجْعَلُهَا مَقْدُورَةً وَالنَّظَرُ عِنْدَ من لَا يَجْعَلُهَا مَقْدُورَةً وَإِنْ أُرِيدَ من الْوَاجِبِ كَيْفَ كان فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْقَصْدُ قُلْت بَلْ مَعْنَوِيٌّ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ النَّظَرِ على من أَوْجَبَهُ دُونَ من لَا يُوجِبُهُ وقال صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ النَّظَرُ فَمَنْ أَمْكَنَهُ زَمَانٌ يَسَعُ النَّظَرَ التَّامَّ ولم يَنْظُرْ فَهُوَ عَاصٍ وَمَنْ لم يُمْكِنْهُ أَصْلًا فَهُوَ كَالصَّبِيِّ وَمَنْ أَمْكَنَهُ ما يَسَعُ لِبَعْضِ النَّظَرِ دُونَ تَمَامِهِ فَفِيهِ احْتِمَالٌ وَالْأَظْهَرُ عِصْيَانُهُ كَالْمَرْأَةِ تُصْبِحُ طَاهِرَةً فَتُفْطِرُ ثُمَّ تَحِيضُ فَإِنَّهَا عَاصِيَةٌ وَإِنْ ظَهَرَ أنها لم يُمْكِنْهَا إتْمَامُ الصَّوْمِ وقال ابن فُورَكٍ بِسَبَبِ هذا الْخِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ في الْمَعْرِفَةِ أَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ أو كَسْبِيَّةٌ فَمَنْ قال ضَرُورِيَّةٌ قال أَوَّلُ فَرْضٍ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ وَمَنْ قال كَسْبِيَّةٌ قال أَوَّلُ فَرْضٍ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى الْمَعْرِفَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ في أَوَّلِ الْكَلَامِ على الْقِيَاسِ أَنْكَرَ أَهْلُ الحديث وَكَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ قَوْلَ أَهْلِ الْكَلَامِ إنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ النَّظَرُ وَقَالُوا إنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ مَعْرِفَةُ اللَّهِ على ما وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَلَوْ قال الْكَافِرُ أَمْهِلُونِي لِأَنْظُرَ فَأَبْحَثَ فإنه لَا يُمْهَلُ وَلَا يُنْظَرُ وَلَكِنْ يُقَالُ له أَسْلِمْ في الْحَالِ وَإِلَّا فَأَنْتَ مَعْرُوضٌ على السَّيْفِ قال وَلَا أَعْرِفُ في ذلك خِلَافًا بين الْفُقَهَاءِ وقد نَصَّ عليه ابن سُرَيْجٍ انْتَهَى وهو عَجِيبٌ فَقَدْ حَكَوْا في كِتَابِ الرِّدَّةِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ فقال عَرَضَتْ لي شُبْهَةٌ فَأَزِيلُوهَا لِأَعُودَ إلَى ما كُنْت عليه هل يُنَاظَرُ لِإِزَالَتِهَا فيه وَجْهَانِ وقال الْقَاضِي أبو يَعْلَى في الْمُعْتَمَدِ إذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ أَوَّلَ النَّظَرِ فإنه يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عليه وَعَلَى تَرْكِ ما بَعْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ على تَرْكِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ عِقَابًا أَعْظَمَ من عِقَابِ تَرْكِ النَّظَرِ الثَّانِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مثله خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ إنَّمَا يُعَاقَبُ على تَرْكِ فِعْلِ الْأَوَّلِ غير أَنَّ عِقَابَهُ عَظِيمٌ يَجْرِي مَجْرَى الْعِقَابِ على تَرْكِ كل النَّظَرِ مَسْأَلَةٌ النَّظَرُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ قد سَبَقَ أَنَّ النَّظَرَ الْفَاسِدَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ وهو الْمَشْهُورُ وَقِيلَ يَسْتَلْزِمُهُ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَسَادَ إنْ كان مَقْصُورًا على الْمَادَّةِ اسْتَلْزَمَ الْجَهْلَ لِأَنَّ من اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَاعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ قَدِيمٍ غَنِيٌّ عن الْغَيْرِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ غَنِيٌّ عن الْمُؤَثِّرِ وهو جَهْلٌ مُحَالٌ وَإِنْ كان الْفَسَادُ مَقْصُورًا على الصُّورَةِ أو يَشْمَلُ الصُّورَةَ وَالْمَادَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُ كَقَوْلِنَا لَا شَيْءَ من الْإِنْسَانِ بِحَجَرٍ وَكُلُّ حَجَرٍ جَمَادٌ يَلْزَمُ لَا شَيْءَ من الْإِنْسَانِ بِجَمَادٍ عِلْمًا وَإِنْ كانت صُورَةُ الْقِيَاسِ غير صَحِيحَةٍ لِعَدَمِ إيجَابِ الصُّغْرَى ضَابِطٌ الْإِدْرَاكُ الْإِدْرَاكُ بِلَا حُكْمٍ تَصَوُّرٌ وَمَعَ الْحُكْمِ تَصْدِيقٌ لَكِنْ مَجْمُوعُهُمَا أو الْحُكْمُ وَحْدَهُ فيه خِلَافٌ فَذَهَبَ الْقُدَمَاءُ إلَى أَنَّهُ الْحُكْمُ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ وهو جَهْلٌ إنْ كان جَازِمًا غير مُطَابِقٍ وَتَقْلِيدٌ إنْ طَابَقَ وَإِنْ لم يَكُنْ لِمُوجِبٍ وَعِلْمٌ إنْ كان لِمُوجِبٍ عَقْلِيٍّ أو حِسِّيٍّ أو مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا وهو الْمُتَوَاتِرَات وَإِنْ لم يَكُنْ جَازِمًا فَإِنْ تَسَاوَى طَرَفَاهُ فَهُوَ الشَّكُّ وَإِلَّا فالراحج ( ( ( فالراجح ) ) ) ظَنٌّ صَادِقٌ إنْ طَابَقَ أو كَاذِبٌ إنْ لم يُطَابِقْ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ وَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْقَائِلِ اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ حَادِثٌ وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ له من سَبَبٍ فَكَيْفَ يَقُولُونَ في الِاعْتِقَادِ له بِالْمُوجِبِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ ما ذَكَرْنَا وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ ليس عن بُرْهَانٍ حِسِّيٍّ أو عَقْلِيٍّ أو مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا وَأُورِدَ بِأَنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ لَا حُكْمَ فيه فَكَيْفَ يُورَدُ في قِسْمِ الْحُكْمِ وَأَيْضًا فَالْوَهْمُ يُنَافِي الْحُكْمَ بِالشَّيْءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّاكَّ له حُكْمَانِ مُتَسَاوِيَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاكِمٌ بِجَوَازِ وُقُوعِ هذا النَّقِيضِ بَدَلًا عن النَّقِيضِ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ وَالظَّانُّ حَاكِمٌ وَيَلْزَمُ منه وُجُودُ الْوَهْمِ وَحُكْمُهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ يَكُونُ مَرْجُوحًا فَظَهَرَ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ وَكَذَلِكَ الْوَاهِمُ نعم جَعْلُهُمْ التَّقْلِيدَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ لَا لِمُوجِبٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ التَّقْلِيدِ بَلْ يَخُصُّ الصَّحِيحَ منه وَجَعْلُهُمْ الْجَهْلَ هو الْحُكْمَ الْجَازِمَ من غَيْرِ مُطَابَقَةٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْجَهْلِ بَلْ يَخُصُّ الْمُرَكَّبَ وَيَخْرُجُ عنه الْجَهْلُ الْبَسِيطُ الذي هو عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا من شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَسَمَّى الدَّارِمِيُّ من أَصْحَابِنَا الْوَهْمَ تَجْوِيزًا قال النَّوَوِيُّ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الشَّكُّ وَالظَّنُّ مُتَرَادِفَانِ قُلْت وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ في الْأَحْدَاثِ لَا مُطْلَقًا أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ يُرِيدُونَ التَّسَاوِيَ او الْمَرْجُوحَ وَإِلَّا فَهُوَ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ كما قَالَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الِاعْتِكَافِ قال الدَّارِمِيُّ وَمَنْ قال بهذا يسمى الرَّاجِحَ غَالِبَ الظَّنِّ ثُمَّ رُجِّحَ أَنَّ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ هو الشَّكُّ وَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالزَّائِدُ في الرُّجْحَانِ غَالِبُ الظَّنِّ مسألة في العلم قال أبو بكر النقاش سمي علما لأنه علامة يهتدي بها العالم إلى ما قد جهله الناس وهو كالعلم المنصوب بالطريق واختلفوا في العلم المنقسم إلى تصور خاص أو تصديق خاص وهما اللذان يوجبان لمن قام به تمييزا لا يحتمل النقيض هل يحد أم لا يحد والقائلون بأنه لا يحد ومنهم أبو الحسين البصري اختلفوا فيتوجهه فقيل لأن المنطقيين اشترطوا في الحد الجنس الأقرب وإن لم يوجد ذلك في العلم واشترطوا ذكر جميع الذاتيات كما يقال عرضي لون سواد والأول جنس أقرب وفي العلم لا يقال عرضي علم فلهذا لا يحد وقال الأصوليون لأنه لم يوجد له عبارة دالة على حقيقته وماهيته فلا يحد وقال أبو الحسين بن اللبان لأنه أظهر الأشياء فلا معنى لحده بما هو أخفى منه حكاه بعض شراح اللمع وحكي عن ابن مجاهد الطائي أنه منع إطلاق الحد في العلم وإنما يقال حقيقة العلم كذا لأن الحقائق لا يختلف القديم والحادث بخلاف العلم قال والذي ذكره أصحابنا إنما هو مجاز فأجروا الحد مجرى الاسم توسعا وقال الرازي ضروري إذ به تعرف الأشياء فلو عرف العلم لوجب أن يعرف بغيره لاستحاله تعريف الشيء بنفسه والغرض أن غيره متوقف عليه فيلزم الدور ثم قال في موضع آخر هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب كما سبق في الضابط فكأنه قال بأنه ضروري ويحد وهذا تناقض فإن قيل الذهني تعريفه تصديقي والمدعى معرفته تصوري فلا تناقض قلنا إن كان كذلك لكن التعريف للنسبة في التصديق تعريف لتصور لأن النسبة ليست تصديقا بل مقررة وقال غيره ضروري ولا يحد وهو قضية نقل ابن الحاجب عنه والموجود في المحصول ما ذكرته أولا وقال إمام الحرمين والقشيري والغزالي يعسر تعريفه بالحد الحقيقي وإنما يعرف بالتقسيم والمثال ثم يعرض في روم التوصل إليه إلى انتفاء الفرق بينه وبين أضداده واعترض عليهم الآمدي بأن القسمة المذكورة إن لم تكن مميزة له عما سواه فليست معرفة وإن كانت مميزة فذلك رسم وهذا إنما يرد لو أحالا الرسم وهو غير ظاهر من كلامهم والمختار أنه يعرف بالحد الحقيقي كغيره فقال القدماء هو معرفة المعلوم على ما هو به وأورد بأنه تعريف الشيء بنفسه وبما لا يعرف إلا بعد معرفته وهو باطل لأن المعلوم مشتق من العلم ورتبة المشتق في المعرفة متأخرة عن رتبة المشتق منه وقد أخذ في تعريف العلم فيلزم ما ذكرنا وأجيب بأنهم تجوزوا في المعلوم وقيل إنه منقوض بعلم الله فإنه لا يسمى معرفة إجماعا كما قاله الآمدي وبمعرفة المقلد إذ ليست علما وبأن فيه زيادة وهو قوله على ما هو به إذ المعرفة عندهم هي العلم والعلم إنما يكون مطابقا واحدا ولهذا قال الإمام لو اقتصر على قوله معرفة لكفى وقيل ذكرت للإشعار بأنها من الصفات المتعلقة وللإشارة إلى نفي قول من يقول بوجود علم ولا معلوم وهم بعض المعتزلة واستحسن ابن عقيل قول بعضهم إنه وجدان النفس الناطقة الأمور بحقائقها وهذا تعريف المجهول بمثله أو دونه فإن العلم أظهر من وجدان النفس أو مثله ثم هو غير جامع لخروج علم الله وغير مانع لوجدان المقلد وليس بعلم وقال القفال الشاشي إثبات الشيء على ما هو به وقال ابن السمعاني الأحسن أنه إدراك العلوم على ما هو به والأولى كما قاله في التلخيص إنه معرفة العلوم فيشمل الموجود والمعدوم ولا نظر إلى الاشتقاق حتى يلزم الدور قال ولو قلت ما يعلم به العلوم لكان أسد وقد أومأ شيخنا أبو الحسن إلى أنه ما أوجب لمحله الاتصاف بكونه عالما وقيل تبين المعلوم على ما هو به وقيل هو المعرفة ورد بأنه لا يقال لعلم الله معرفة ولا يقال له عارف وحكى الأستاذ أبو إسحاق في كتاب شرح ترتيب المذهب إجماع المتكلمين على أن الله تعالى لا يسمى عارفا ودفع الاستدلال بحديث تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة بأنه لا يقطع به ونقل المقترح في شرح الإرشاد عن القاضي أنه سمى علم الله معرفة لهذا الحديث ثم ضعفه بأن الخطاب لم يسق لبيان العلم ولا أطلق لفظ المعرفة هاهنا عليه وإنما أراد ثمرة العلم وهو الإقبال في الإلطاف عليه ولهذا لا يسمى الباري عارفا انتهى وقيل المراد المجازاة وخرج عليه قول ابن الفارض قلبي يحدثني بأنك متلفي روحي فداك عرفت أم لم تعرف مسألة تفاوت العلوم هل تَتَفَاوَتُ الْعُلُومُ فيه قَوْلَانِ قال في الْبُرْهَانِ وَأَئِمَّتُنَا على التَّفَاوُتِ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ وقال الْأُرْمَوِيُّ في التَّحْصِيلِ إنَّهُ الْحَقُّ وقال ابن التِّلِمْسَانِيُّ الْمُحَقِّقُونَ على عَدَمِ تَفَاوُتِهَا وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقَاتِ وَاخْتَارَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في كِتَابِ التَّرْجِيحِ وَالْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَالْأَنْبَارِيُّ في شَرْحِهِ وَنَقَلَ في الْبُرْهَانِ في التَّرْجِيحِ عن الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمَعْقُولَاتِ لَا تَرْجِيحَ فيها قُلْت بِنَاءً على انه لَا يُمْكِنُ تَعَارُضُهَا بِخِلَافِ تَفَاوُتِهَا في رُتْبَتِهَا فإنه مُمْكِنٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في تَفْسِيرِهِ عَدَمَ التَّفَاوُتِ في نَفْسِ الْعِلْمِ بَلْ في طريقة بِالنِّسْبَةِ إلَى كَثْرَةِ الْمُقَدِّمَاتِ وَقِلَّتِهَا وَوُضُوحِهَا وَخَفَائِهَا وقال الْقَرَافِيُّ وَقَعَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ بين الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَالْأَفْضَلِ الْخُونَجِيِّ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ عَدَمَ التَّفَاوُتِ وَعَكَسَ الْخُونَجِيُّ قال الْقَرَافِيُّ وَلِأَجْلِ التَّفَاوُتِ قال أَهْلُ الْحَقِّ رُؤْيَةُ اللَّهِ يَعْنِي في الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عِبَارَةٌ عن خَلْقِ عِلْمٍ بِهِ هو أَجْلَى من مُطْلَقِ الْعِلْمِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إدْرَاكِ الْحِسِّ إلَى الْمُحَسِّ بِهِ قال وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ قال وَهَذِهِ عَقَائِدُ لَا تَتَأَتَّى إلَّا على الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّفَاوُتِ ا 1 هـ وَظَاهِرُ كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ لَا تَتَفَاوَتُ قال وَإِنَّمَا جاء ذلك من جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ الدَّلَائِلِ أَوْضَحُ من بَعْضٍ كَالْبَصَرِ الْمُدْرِكِ لِمَا قَرُبَ إلَيْهِ إدْرَاكًا بِخِلَافِ ما بَعُدَ منه عن الْمَسَافَةِ وَإِنْ كان الْإِدْرَاكُ من جَوْهَرٍ وَاحِدٍ فَمِنْهُ ما يَقَعُ جَلِيًّا وَمِنْهُ ما يَقَعُ مع التَّحْدِيقِ وَالتَّأَمُّلِ وَكَذَلِكَ مَنْزِلَةُ الْفِكْرِ وَالتَّدَبُّرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ تَفَاوُتُهَا فإنه قال امْتَحَنَ اللَّهُ عبادة وَفَرَّقَ بين وُجُوهِ الْعِلْمِ فَجَعَلَ منه الْخَفِيَّ وَمِنْهُ الْجَلِيَّ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ لو كانت كُلُّهَا جَلِيَّةً لَارْتَفَعَ التَّنَازُعُ وَزَالَ الِاخْتِلَافُ وما اُحْتِيجَ إلَى تَدَبُّرٍ وَفِكْرٍ وَلَبَطَلَ الِابْتِلَاءُ ولم يَقَعْ الِامْتِحَانُ وَلَا وُجِدَ شَكٌّ وَلَا ظَنٌّ وَلَا جَهْلٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ حِينَئِذٍ يَكُونُ طَبَقًا وَلَوْ كانت كُلُّهَا خَفِيَّةً لم يُتَوَصَّلْ إلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ منها إذْ الْخَفِيُّ لَا يُعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا لَكَانَ جَلِيًّا قال اللَّهُ تَعَالَى ! ( هو الذي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ! آل عمران 7 قال وإذا ثَبَتَ أَنَّهُ ليس بِخَفِيٍّ وَلَا جَلِيٍّ ثَبَتَ أَنَّ منه ما هو جَلِيٌّ وَمِنْهُ ما هو خَفِيٌّ 1 هـ فَحَصَلَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا التَّفَاوُتُ وَعَلَى هذا وَقَعَ الْفَرْقُ بين عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ وَحَقِّ الْيَقِينِ وقد أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابن حِبَّانَ في صَحِيحِهِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ليس الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ إنَّ مُوسَى لم يُلْقِ الْأَلْوَاحَ لَمَّا سمع عن قَوْمِهِ وَأَلْقَاهَا حين رَآهُمْ وقال أَئِمَّةُ الْحَقِيقَةِ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ إنْ كان بِالْأَدِلَّةِ فَهُوَ عِلْمُ الْيَقِينِ فإذا قَوِيَ فَهُوَ عَيْنُ الْيَقِينِ فإذا فَنِيَ فيه فَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ وَيُقَالُ عِلْمُ الْيَقِينِ كَالنَّاظِرِ إلَى الْبَحْرِ وَعَيْنُ الْيَقِينِ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ وَحَقُّ الْيَقِينِ كَمَنْ غَرِقَ في الْبَحْرِ 1 هـ وقد أُورِدَ على الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ التَّفَاوُتِ أَنَّهُ يَكُونُ عِلْمُ الْأُمَمِ مُمَاثِلًا لِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ صلى اللَّهُ عليهم وسلم وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَهُمْ مُفَاوِتٌ لِعِلْمِنَا وَكَذَلِكَ رُجْحَانُ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ على بَعْضِهِمْ في الْمَعَارِفِ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اطَّلَعَ على صِفَةٍ لِلْبَارِي تَعَالَى لم يَطَّلِعْ عليها غَيْرُهُ فَيَكُونُ ذلك رَاجِعًا إلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ بِمَعْلُومٍ آخَرَ وَلَيْسَ ذلك تَفَاوُتًا في الْعِلْمِ الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَلِمَ رَبُّهُ بِوُجُوهِ أَدِلَّةٍ لم نَطَّلِعْ نَحْنُ على جَمِيعِهَا فَيَرْجِعُ التَّفَاوُتُ إلَى أَعْدَادِ الْمَعْلُومِ لَا إلَى نَفْسِ الْعِلْمِ وَأَمَّا رُجْحَانُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ فَمَحْمُولٌ على زِيَادَةِ الْمَعَارِفِ وَتَوَالِيهَا إذَا حَصَلَتْ بِلَا فَتْرَةٍ وَلَا غَفْلَةٍ ثُمَّ إذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بهذا الِاعْتِبَارِ تَفَاوَتَ الْعَارِفُونَ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْغَفْلَةِ وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ الْمَعَارِفِ وَكَثْرَتِهَا وَلِهَذَا قال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى كَثْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ لَا إلَى التَّفَاوُتِ في الْعِلْمِ الْوَاحِدِ بِالْمَعْلُومِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كانت الْإِشَارَةُ إلَى هذا لَقَالَ لو تَعْلَمُونَ كما أَعْلَمُ فَهَذِهِ عِبَارَةُ التَّفَاوُتِ في نَفْسِ الْعِلْمِ وقال أَيْضًا في التَّفَاوُتِ بِاعْتِبَارِ اعْتِرَاضِ الْغَفَلَاتِ قِلَّةً وَكَثْرَةً لو تَكُونُونَ كما تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ مُشِيرًا إلَى أَنَّ الْغَفْلَةَ تَخْتَلِسُهُمْ في غَيْبَتِهِمْ عنه وَتَتَحَامَاهُمْ بِحَضْرَتِهِ تِلْكَ الْحَضْرَةُ الْمُقَدَّسَةُ صَلَوَاتُ اللَّه على صَاحِبِهَا وَسَلَامُهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا تَعَذَّرَ التَّفَاوُتُ في ذَوَاتِ الْعُلُومِ فَلِمَ لَا أُضِيفَ التَّفَاوُتُ إلَى طُرُقِهَا فَمِنْهَا الْبَدِيهِيُّ وَمِنْهَا النَّظَرِيُّ قُلْنَا إذَا حُقِّقَتْ الْحَقَائِقُ فَكُلُّ عِلْمٍ نَظَرِيٍّ يَتَوَقَّفُ على عِلْمٍ بِمُقَدِّمَتَيْنِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَإِنْ قُلْت فَنَرَى بَعْضَ الْمَعَارِفِ يَصْعُبُ وَبَعْضُهَا يَسْهُلُ قُلْت ذلك التَّفَاوُتُ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ نَشَأَ عن كَثْرَةِ الْمُقَدِّمَاتِ لِلْعِلْمِ الْوَاحِدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ مَعْلُومَاتٌ تَرَتَّبَ بَعْضُهَا على بَعْضٍ وَلِكُلِّ مَعْلُومٍ مُقَدِّمَتَانِ فما جاء التَّفَاوُتُ إلَّا من جِهَةِ كَثْرَةِ الْمُحَصَّلِ من الْمَعَارِفِ وَقِلَّتِهِ لَا من بُعْدِ الطَّرِيقِ وَقُرْبِهَا وَالْمَعْلُومُ وَاحِدٌ مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ الْعِلْمُ إمَّا قَدِيمٌ فَلَا يُوصَفُ بِنَظَرٍ وَلَا ضَرُورَةٍ لِتَعَالِي اللَّهِ عن الضَّرُورَةِ وَالِاحْتِيَاجِ إلَى النَّظَرِ وهو وَاحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْلُومَاتِ على حَقَائِقِهَا تَعَلُّقًا سَابِقًا له حُكْمُ الْإِحَاطَةِ بِمَعْلُومَاتِهِ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا إذْ ليس يَتَوَقَّفُ على ارْتِسَامِ صُوَرِهَا وَلَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِهَا وَلَا يُوصَفُ بِالْكَسْبِ وَلَا بِالضَّرُورَةِ بَلْ عِلْمٌ حُضُورِيٌّ وَوَاجِبِيٌّ ذَاتِيٌّ قال صَاحِبُ التَّلْوِيحَاتِ كُنْت مُتَفَكِّرًا في الْعِلْمِ الْقَدِيمِ وَكَيْفَ صُورَةُ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومَاتِ فَأَخَذَتْنِي سِنَةٌ من نَوْمٍ فَخَطَرَ لي شَيْخٌ له أُبَّهَةٌ جَمِيلَةٌ فَعَرَضْت عليه ما أنا فيه مُفَكِّرًا فقال لي أَتَعْقِلُ ذَاتَك فَقُلْت له نعم فقال تَعَقُّلُك بِاكْتِسَابِ صُورَةٍ خَارِجَةٍ عن ذَاتِك فَقُلْت له لَا فقال هذا حَلُّ ما أنت فيه مُفَكِّرٌ ثُمَّ قال لي هذا التَّعَقُّلُ الْوَاجِبِيُّ الْحُضُورِيُّ الذَّاتِيُّ ثُمَّ تَرَكَنِي وَانْصَرَفَ فَيَا لَهْفَ نَفْسِي على تِلْكَ السِّنَةِ الْعِلْمُ الْحَادِثُ وَإِمَّا حَادِثٌ وَيَنْقَسِمُ إلَى ضَرُورِيٍّ وَإِلَى نَظَرِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ كَفَى مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ في الْجَزْمِ بِهِ فَضَرُورِيٌّ وَإِلَّا فَنَظَرِيٌّ وَلَا خِلَافَ كما قَالَهُ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ في انْقِسَامِ التَّصْدِيقِ إلَيْهِمَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في التَّصَوُّرِ فَقِيلَ ليس منه كَسْبِيٌّ بَلْ جَمِيعُ التَّصَوُّرَاتِ لَا تُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ في الْمُحَصَّلِ فقال إنَّ التَّصَوُّرَاتِ كُلَّهَا بَدِيهِيَّةٌ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يَنْقَسِمُ إلَى الْكَسْبِيِّ وَالْبَدِيهِيِّ قِيلَ وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ بُطْلَانُهُ لِأَنَّهُ يَكَادُ يَكُونُ من قِسْمَيْ الضَّرُورِيِّ لِأَنَّهَا لو كانت بَدِيهِيَّةً لَمَا وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا طَالِبَةً لِتَصَوُّرِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ وَلَمَا طَلَبَتْ أَيْضًا حُدُوثَ الْعَالَمِ أو إمْكَانَهُ وَلَمَا اخْتَلَفَتْ الْعُقَلَاءُ في ذلك وهو بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَا جَرَمَ في غَيْرِ هذا الْكِتَابِ وَافَقَ الْجُمْهُورَ فَالتَّصَوُّرُ الْبَدِيهِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالنَّظَرِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْمَلَكِ وَالرُّوحِ وَالتَّصْدِيقُ الْبَدِيهِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَالنَّظَرِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ قِيلَ الضَّرُورِيُّ هو الذي لَا يَرِدُ عليه شَكٌّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الذي لَا يَقَعُ عن نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْلِيِّ منه أَمَّا الْحِسِّيُّ فَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسَاتِ وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا فَإِنْ كان الْحِسِّيُّ سَمْعًا فَهُوَ الْمُتَوَاتِرَاتُ وَإِلَّا فَالتَّجْرِيبَاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ قد يَحْصُلُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالتَّجْرِبَةُ مَرَّاتٍ وَصَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَعْضِ كُتُبِهِ وابن الْقُشَيْرِيّ إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ جَلِيَّةٌ وَأَنَّ النَّظَرَ هو التَّرَدُّدُ في انحاء الضَّرُورِيَّاتِ غير أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ لَمَّا انْقَسَمَتْ إلَى مَهْجُومٍ عليه في الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَإِلَى ما يَحْتَاجُ فيه إلَى فِكْرٍ سَمَّى أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ ضَرُورِيًّا وَالْآخَرَ نَظَرِيًّا قال ابن الْقُشَيْرِيّ ثُمَّ الضَّرُورِيُّ يَقَعُ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقًا ابْتِدَاءً من غَيْرِ نَظَرٍ مُتَقَدِّمٍ عليه وَأَمَّا النَّظَرِيُّ فَعِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ مَقْدُورٌ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أنها مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يَتَعَلَّقُ بها اكْتِسَابٌ قال وَهَذَا الذي كنا سَمِعْنَاهُ قَدِيمًا من مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ لِأَنَّ من تَمَّمَ نَظَرَهُ حَصَلَ له الْعِلْمُ شَاءَ أو أبي فَلَوْ كان الْعِلْمُ مُكْتَسَبًا له لَتَوَقَّفَ على اخْتِيَارِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في كِتَابِهِ الْجَامِعِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعُلُومَ الْحَادِثَةَ بِأَسْرِهَا ضَرُورِيَّةٌ وَإِنَّمَا الْمَقْدُورُ طَلَبُهَا بِالنَّظَرِ الْمُفْضِي إلَيْهَا فإذا تَمَّ النَّظَرُ وَانْدَفَعَ عن مَرَاسِمِهِ أَضْدَادُ الْعِلْمِ بِالْمَنْظُورِ فيه حَصَلَ الْعِلْمُ لَا مَحَالَةَ من غَيْرِ إيثَارٍ وَدَرْكُ اقْتِدَارِهِ وهو بِالْقُدْرَةِ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُلُومَ التي تَعْقُبُ النَّظَرَ تَقَعُ وُقُوعَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وما عَدَاهَا من الْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ فَقَدْ ظَنَّ أَمْرًا بَعِيدًا ثُمَّ إنَّ الْأُسْتَاذَ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ لم يُتَابَعْ عليه فقال يَجُوزُ فَرْضُ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ على رَأْيِ الْجُمْهُورِ من غَيْرِ تَقَدُّمِ نَظَرٍ عليه فَيَكُونُ الْعِلْمُ في حَقِّ من اقْتَدَرَ عليه ولم يَنْظُرْ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْوَاقِعَةِ على مُوجِبِ إيثَارِ الْمُتَّصِفِ بها وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ سَدِيدٍ وَتَحَصَّلَ لنا مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ تَصَوُّرُهَا وَتَصْدِيقُهَا وَلَيْسَ هذا قَوْلًا بِإِنْكَارِ النَّظَرِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ إذَا تَمَّ وَقَعَ الْعِلْمُ عَقِبَهُ ضَرُورَةً لَا مَقْدُورًا الثَّانِي كُلُّهَا كَسْبِيَّةٌ الثَّالِثُ وهو الصَّحِيحُ بَعْضُهَا ضَرُورِيٌّ وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ الرَّابِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَبِالِاعْتِقَادَاتِ الصَّحِيحَةِ ضَرُورِيٌّ وَغَيْرُهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا وَيَرِدُ عليه أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُثَابٌ عليها وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ الْخَامِسُ التَّصَوُّرَاتُ ضَرُورِيَّةٌ وَالتَّصْدِيقَاتُ مُنْقَسِمَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ في الْمُحَصَّلِ وَيَرِدُ عليه ما أُورِدَ على الذي قَبْلَهُ وَلَعَلَّهُ يقول إنَّ الْمَعْرِفَةَ ضَرُورِيَّةٌ وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَاتَّفَقَتْ الْأَشَاعِرَةُ على أَنَّ ما كان نَظَرِيًّا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ ضَرُورِيًّا لِأَنَّهُ ليس فيه إلَّا خَلْقُ الْمَقْدُورِ بِدُونِ الْقُدْرَةِ وَلَا امْتِنَاعَ منه لِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ عِنْدَنَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَهَذَا الْإِجْمَاعُ من طَرِيقِ الْإِمْكَانِ وَأَمَّا طَرِيقُ الْوُجُودِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا الْيَوْمَ على أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ في الدُّنْيَا مُكْتَسَبَةٌ لَا تَقَعُ إلَّا عن نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَإِنَّمَا تَقَعُ في الْآخِرَةِ ضَرُورِيَّةً وَاخْتَلَفُوا هل يَقَعُ مَقْدُورًا مُكْتَسَبًا من غَيْرِ نَظَرٍ فَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الضَّرُورِيُّ نَظَرِيًّا فيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ ما كان من الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يَتِمُّ الْعَقْلُ إلَّا بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ نَظَرِيًّا وما ليس كَذَلِكَ يَجُوزُ وَطُرُقُ الْعِلْمِ على الْمَشْهُورِ مُنْحَصِرَةٌ في ثَلَاثَةٍ عَقْلٍ وَسَمْعٍ وَحِسٍّ وَعَنَوْا بِالْحِسِّ عُلُومَ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْعَادَاتِ وَاضْطَرَبُوا في عُلُومِ الْإِلْهَامِ وَالتَّوَسُّمِ والمحادثه قال الْغَزَالِيُّ لَعَلَّهُمْ عَنَوْا بِالْإِلْهَامِ أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ مُخْتَرَعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ يَنْحَصِرُ في الْحِسِّ وَالِاسْتِدْلَالِ قال وَالسَّمْعُ دَاخِلٌ في جُمْلَةِ عُلُومِ الْحِسِّ لِأَنَّ الْمَسْمُوعَ مَحْسُوسٌ ثُمَّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ صَوَابِهِ وَخَطَئِهِ تُدْرَكُ بِالِاسْتِدْلَالِ وَنُقِلَ عن بَعْضِ الْأَوَائِلِ حَصْرُهَا في الْحِسِّ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وهو غَلَطٌ في النَّقْلِ عَنْهُمْ بَلْ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمَعْلُومَ ما يَتَشَكَّلُ في الْحَوَاسِّ وما لَا يَتَشَكَّلُ وَيُفْضِي إلَيْهِ نَظَرُ الْعَقْلِ فَهُوَ مَعْقُولٌ فَاصْطَلَحُوا على الْفَرْقِ بين الْمَعْلُومِ وَالْمَعْقُولِ فَتَوَهَّمَ من سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ لَا مَعْلُومَ إلَّا الْمَحْسُوسُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ إلَّا بِالْحِسِّ وَتُوُهِّمَ من قَوْلِهِمْ إنَّ النَّظَرِيَّاتِ مَعْقُولَاتٌ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ إلَّا بِالنَّظَرِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ في إدْرَاكِ الْحَوَاسِّ هل هو من قَبِيلِ الْعُلُومِ وَآخِرُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ ليس منها وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَطْلَقُوا الْخِلَافَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا إدْرَاكُ الْحِسِّ الْمَحْسُوسِ وَالثَّانِي الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسِ وَالثَّالِثُ الْعِلْمُ بِعُلُومٍ أُخْرَى تَنْشَأُ عن الْمَحْسُوسِ وَالرَّابِعُ لَا إشْكَالَ في أَنَّهُ عِلْمٌ وهو مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ قَطْعًا وَهَلْ الثَّانِي يُخَالِفُ الْأَوَّلَ أو هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ هذا مَحَلُّ الْخِلَافِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ في هذا الْخِلَافِ فقال أبو الْقَاسِمُ الْإِسْكَافُ إنَّهُ لَفْظِيٌّ وَإِنَّ الْفَرِيقَيْنِ على أَنَّ الْمُدْرَكَ وَالْمَعْلُومَ وَاحِدٌ وَالْإِدْرَاكُ وَالْعِلْمُ بِالْمُدْرَكِ مُخْتَلِفَانِ وقال تِلْمِيذُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ مَعْنَوِيٌّ على الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ كما أَنَّ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ وَالْحَادِثَ يَجْمَعُهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مع الْقَطْعِ بِاخْتِلَافِهِمَا وَحَكَى الْقَرَافِيُّ قَوْلَيْنِ في أَنَّ الْإِدْرَاكَ لِلْحَوَاسِّ أو لِلنَّفْسِ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ الذي قَالَهُ الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ وَنَرْتَضِيهِ أَنَّ جُمْلَةَ الطُّرُقِ التي يُدْرَكُ بها الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَالِاسْتِدْلَالِيَّة تَنْحَصِرُ في أَدِلَّةٍ خَمْسَةٍ الْعُقُولِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ قال وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَطْلُبُهُ الْمُنَجِّمُونَ من مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ بِذَهَابِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَجْمِ كَذَا الرُّؤْيَا وَأَمَّا الرُّؤْيَا فَقَدْ جاء في الحديث إنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ من سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا من النُّبُوَّةِ وَهَذِهِ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ كُلُّهَا طُرُقُ عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ فإن لهم طُرُقًا في الْعُلُومِ لَا نَصِلُ إلَى شَيْءٍ منها إلَّا بِالْخَبَرِ قال وهو مِثْلُ ما يَعْرِفُونَ من كَلَامِ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ وَالْوَحْيِ وَغَيْرِ ذلك وَالرُّؤْيَا من تِلْكَ الْجُمْلَةِ قال وقد اجْتَهَدْت في تَحْصِيلِ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ ما هِيَ فَبَلَغْت منها إلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وقد ذَكَرْتهَا في كِتَابِ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ وأنا في طَلَبِ الْبَاقِي قال وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالرُّؤْيَا شَيْءٌ حتى لو رَأَى وَاحِدٌ في مَنَامِهِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَهُ بِحُكْمٍ من الْأَحْكَامِ لم يَلْزَمْهُ ذلك انْتَهَى قُلْت وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ في ذلك وَجْهًا وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالْمَنَامِ إلَّا في حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ أو بِتَقْرِيرِهِمْ وَعَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ إنْ كان أَمَرَهُ بِأَمْرٍ ثَبَتَ عنه في الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ كَالْأَمْرِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أو مَنْدُوبٍ لم يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ لم يَثْبُتْ عنه في الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ اُسْتُحِبَّ الْعَمَلُ بِهِ قُلْت وَمِنْ ثَمَّ لم يَجِبْ الْحَدُّ على من قَذَفَ امْرَأَةً بِأَنَّهَا وُطِئَتْ في النَّوْمِ وَلَا عليه إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى في النَّوْمِ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ أَنَّ رَجُلًا قال لِرَجُلٍ إنَّهُ وَطِئَ أُمَّهُ في النَّوْمِ فَحَمَلَهُ إلَى عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه فقال أَقِمْهُ في الشَّمْسِ وَاضْرِبْ ظِلَّهُ قال الشَّافِعِيُّ وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ فصل في مراتب العلوم قال أَئِمَّتُنَا مَرَاتِبُ الْعُلُومِ عَشَرَةٌ الْأُولَى عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَلِذَاتِهِ الثَّانِيَةُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَانْحَطَّتْ هذه عن الْأُولَى لِلْحَاجَةِ فيها إلَى الْفِكْرِ في ذَوَاتِ الْمُتَضَادَّاتِ وَتَضَادِّهَا الثَّالِثَةُ الْعِلْمُ بِالْمُحَسَّاتِ وَانْحَطَّتْ عن الثَّانِيَةِ لِتَطَرُّقِ الْآفَاتِ إلَى الْحَوَاسِّ الرَّابِعَةُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ وَانْحَطَّتْ عَمَّا قَبْلَهَا لِإِمْكَانِ التَّوَاطُؤِ على الْمُخْبِرِينَ وَأَيْضًا لَا بُدَّ من فِكْرٍ وَلِهَذَا قال الْكَعْبِيُّ إنَّ الْعِلْمَ عَقِبَهُ نَظَرِيٌّ الْخَامِسَةُ الْعِلْمُ بِالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَانْحَطَّتْ لِمَا فيها من الْمُعَانَاةِ وَالْمَقَاسَاتِ وَتَوَقُّعِ الْغَلَطَاتِ السَّادِسَةُ الْعِلْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَخَجَلِ الْخَجِلِ وَكَوَجَلِ الْوَجِلِ وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ وَانْحَطَّتْ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ في مَحَالِّ الْأَحْوَالِ السَّابِعَةُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَانْحَطَّتْ لِأَنَّ النَّظَرِيَّ مُنْحَطٌّ عن الضَّرُورِيِّ الثَّامِنَةُ الْعِلْمُ بِجَوَازِ النُّبُوَّاتِ وَجَوَازِ وُرُودِ الشَّرَائِعِ التَّاسِعَةُ الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ إذَا وَقَعَتْ الْعَاشِرَةُ الْعِلْمُ بِوُقُوعِ السَّمْعِيَّاتِ وَمُسْتَنَدُهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ يَنْضَبِطُ بِالضَّابِطِ سَبَبُهُ الذِّهْنُ قَبْلَهُ وَالْعِلْمُ الْعَادِيُّ يُخَلِّي الْعَكْسَ لَا يَنْضَبِطُ سَبَبُهُ حتى يَحْصُلَ هو فإذا حَصَلَ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَهُ قد كَمُلَ وَلَوْ رُوجِعْنَا في أَوَّلِ زَمَنِ كَمَالِهِ لم يَكُنْ لنا شُعُورٌ بِهِ حَالَةَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرَاتِ فإن السَّامِعَ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى في الظُّنُونِ تَرَقِّيًا خَفِيًّا حتى يَنْتَهِيَ إلَى عَدَدٍ حَصَلَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَوْ قِيلَ له أَيُّ عَدَدٍ حَصَلَ لَك عِنْدَهُ الْعِلْمُ لم يَفْطِنْ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ الْعَادِيَّةُ بِجُمْلَتِهَا وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ من الْعُلُومِ ما يَقُومُ بِالنَّفْسِ وَلَا تَشْعُرُ النَّفْسُ بِهِ أَوَّلَ قِيَامِهِ وهو من الْعَجَبِ الثَّانِي أَنَّ هذه الْعُلُومَ تَتَفَاوَتُ كما بَيَّنَّا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالْحِسِّيَّاتِ رَاجِحَةٌ على النَّظَرِيَّاتِ وَأَمَّا أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ تَتَرَجَّحُ على الْحِسِّيَّاتِ أو الْعَكْسُ فَمَحَلُّ نَظَرٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُ الْبَدِيهِيَّاتِ على بَعْضٍ وَكَذَا الضَّرُورِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ فإن كُلَّ ما كان مُقَدِّمَاتُهُ أَجْلَى وَأَقَلَّ كان رَاجِحًا على ما ليس كَذَلِكَ وَلِهَذَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةً بين عِلْمِهِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَأَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ من الْجُزْءِ وَبَيْنَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَالْخَلَاءِ وَغَيْرِهِمَا من الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مع أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينِيًّا على اعْتِقَادِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ ذلك في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ ليس كَذَلِكَ في نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّا نَقُولُ يَلْزَمُ مِثْلُهُ في كل نَظَرِيٍّ فلم يَحْصُلْ الْجَزْمُ بِشَيْءٍ منها الثَّالِثُ قال الْإِمَامُ في بَابِ الْأَخْبَارِ من الْبُرْهَانِ الْعُلُومُ الْحَاصِلَةُ عن حُكْمِ الْعَادَاتِ مَبْنِيَّةٌ على قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَا تَنْضَبِطُ انْضِبَاطَ الْمَحْدُودَاتِ وَهَذَا كَالْعِلْمِ بِخَجَلِ الْخَجِلِ وَوَجِلِ الْوَجِلِ وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ فإذا وُجِدَتْ هذه الْقَرَائِنُ تَرَتَّبَ عليها عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ لَا يَأْبَاهَا إلَّا جَاحِدٌ وَلَوْ رَامَ وَاجِدُهَا ضَبْطَهَا لم يَقْدِرْ وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه من شَاهَدَ رَضِيعًا قد الْتَقَمَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ ورآى منه آثَارَ الِامْتِصَاصِ وَحَرَكَةَ الْغَلْصَمَةِ لم يَسْتَرِبْ في وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ وَحَلَّ له أَنْ يَشْهَدَ شَهَادَةً تَامَّةً بِالرَّضَاعِ وَلَوْ أَنَّهُ لم يَشْهَدْ بِالرَّضَاعِ وَلَكِنْ شَهِدَ بِالْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ له على الشَّهَادَةِ لم يَثْبُتْ الرَّضَاعُ وَذَلِكَ لِأَنَّ ما يَسْمَعُهُ الْقَاضِي وَصْفًا لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْعِيَانِ وَاَلَّذِي يُفْضِي بِالْعَايِنِ إلَى دَرْكِ الْيَقِينِ يَدِقُّ مُدْرَكُهُ عن عِبَارَةِ الْوَصَّافِينَ وَلَوْ قِيلَ لِأَذْكَى خَلْقِ اللَّهِ قَرِيحَةً وَأَحَدِّهِمْ ذِهْنًا افْصِلْ بين حُمْرَةِ وَجْنَةِ الْغَضْبَانِ وَبَيْنَ حُمْرَةِ الْمَوْعُوكِ لم تُسَاعِدْهُ عِبَارَةٌ فإن الْقَرَائِنَ لَا يَبْلُغُهَا غَايَاتُ الْعِبَارَاتِ وَمِنْ ثَمَّ لم يَتَوَقَّفْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ على عَدَدٍ مَحْصُورٍ وَلَكِنْ إذَا ثَبَتَ قَرَائِنُ الصِّدْقِ ثَبَتَ الْعِلْمُ بِهِ مَسْأَلَةٌ الِاخْتِلَافُ في الْمُحِسَّاتِ اخْتَلَفُوا في الْمُحِسَّاتِ فَقِيلَ كُلُّهَا في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مُقَدَّمَانِ ثُمَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من قَدَّمَ الْبَصَرَ على السَّمْعِ لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَمِنْهُمْ من سَوَّى بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ من قَدَّمَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْأَشِعَّةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِلتَّعْرِيجَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَلِأَنَّ السَّمْعَ لَا يَخْتَصُّ دَرْكُهُ بِجِهَةٍ بِخِلَافِ الْبَصَرِ وَاخْتَارَ ابن قُتَيْبَةَ هذا وقال قَدَّمَ اللَّهُ السَّمْعَ على الْبَصَرِ فقال ^ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ يونس 42 ثُمَّ قال ^ وَمِنْهُمْ من يَنْظُرُ إلَيْك ^ يونس 43 وقال إنَّ اللَّهَ لم يَبْعَثْ أَصَمَّ وَمِنْ الْأَنْبِيَاءِ عُمْيَانًا وقال أَئِمَّتُنَا وَهَذَا فُضُولٌ منه وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَقَدَّمَ أبو الْحَسَنِ ما يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ على ما يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ وَقَدَّمَ الْقَلَانِسِيُّ ما يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ على ما يُعْلَمُ بِالْمُحِسَّاتِ لِأَنَّ تَعَرُّضَ الْحَوَاسِّ لِلْآفَاتِ أَكْثَرُ من تَعَرُّضِ الْعَقْلِ لها قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَكُلُّ هذا تَكْثِيرُ الْجَوْزِ بِالْعَفِنِ وقد أخترنا أَنَّ الْعُلُومَ ضَرُورِيَّةٌ لَا تَقْدِيمَ وَلَا تَأْخِيرَ نعم قد يَطُولُ الطَّرِيقُ وَيَقْصُرُ فَيَتَرَتَّبُ الْأَمْرُ لِذَلِكَ وَأَمَّا الْعُلُومُ في أَنْفُسِهَا فَلَا تَرَتُّبَ فيها مسألة تعليق العلم بأكثر من معلوم واحد مَنَعَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِأَكْثَرَ من مَعْلُومٍ وَاحِدٍ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا لَا يَتَلَازَمُ وَأَجَازَ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ الْحَادِثِ بِمَعْلُومَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُعْلَمَ أَحَدُهُمَا وَيُجْهَلَ الْآخَرُ وَهِيَ مَعْلُومَاتُ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ كَالْعِلْمِ بِفَوْقٍ فإنه يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْلَمَ فَوْقَ من يَجْهَلُ تَحْتَ بِخِلَافِ ما لَا يَتَلَازَمُ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلِأَنَّهُ من اتِّحَادِ الْعُلُومِ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنْ يُعْلَمَ ضِدَّانِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ وَأَمَّا أبو الْحَسَنِ الْبَاهِلِيُّ أُسْتَاذُ الْقَاضِي فإنه اخْتَارَ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِمَعْلُومَاتٍ وَمَنَعَهُ في النَّظَرِيَّاتِ مسألة هل يقارن العلم بالجملة الجهل بالتفصيل يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ في الْجُمْلَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل يُقَارِنُ الْعِلْمُ بِالْجُمْلَةِ الْجَهْلَ بِالتَّفْصِيلِ فَرَآهُ الْقَاضِي مُقَارِنًا له ولم يَرَهُ الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وهو الْأَصَحُّ لِأَنَّا نَعْلَمُ كَوْنَ هذا الْعَرْضِ عَرْضًا وَنَجْهَلُ كَوْنَهُ سَوَادًا وَتَارَةً يُعْلَمُ كَوْنُهُ عَرَضًا وَنَعْلَمُ كَوْنَهُ سَوَادًا فَلَيْسَ من ضَرُورَةِ الْعِلْمِ بِالْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَهْلُ بِالْوَصْفِ الْحَاضِرِ قال الْمَازِرِيُّ وَمِنْ هذا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ ما أَطْلَقَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْتَرْسِلُ عِلْمُهُ على ما لَا يَتَنَاهَى من غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِتَفَاصِيلِ آحَادِهِ قال وَدِدْت لو مَحَوْته بِدَمِي وفي نُسْخَةٍ بِمَاءِ عَيْنِي وَكَذَا قال غَيْرُهُ وَظَنُّوا أَنَّ الْإِمَامَ يُوَافِقُ الْفَلَاسِفَةَ في نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَهَذَا سُوءُ فَهْمٍ عن الرَّجُلِ وَلَيْسَ ذلك مُرَادَهُ وَيَتَحَاشَى عنه بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الْعِلْمَ هل يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى تَعَلُّقًا إجْمَالِيًّا أو تَفْصِيلِيًّا فَهُوَ يقول كما أَنَّ ما لَا يَتَنَاهَى لَا يَدْخُلُ في الْوُجُودِ كَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ وَهُمَا سَوَاءٌ في الِاسْتِحَالَةِ لِأَنَّهُ لو دخل في الْعِلْمِ لَكَانَ إمَّا أَنْ يَبْقَى من الْمَعْلُومَاتِ شَيْءٌ أَمْ لَا فَإِنْ لم يَبْقَ شَيْءٌ فَقَدْ تَنَاهَى وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فما حَصَلَتْ الْإِحَاطَةُ وَهَذَا الذي أَرَادَهُ رضي اللَّهُ عنه وهو شَنَّعَ عليه فيه أَيْضًا لَكِنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ فإن مُنْكِرَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ يقول لَا يَعْلَمُ شيئا منها أَصْلًا لَا ما دخل في الْوُجُودِ وَلَا ما لم يَدْخُلْ وَأَمَّا هذا الذي أَرَادَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لم يَدْخُلْ في الْوُجُودِ لِعَدَمِ تَنَاهِيهِ أَمَّا ما دخل الْوُجُودَ فإنه يُعْلَمُ وهو قَرِيبٌ من مَذْهَبِ جَهْمٍ وَهِشَامٍ غير أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِعُلُومٍ حَادِثَةٍ وَالْإِمَامُ يقول بِعِلْمٍ وَاحِدٍ قَدِيمٍ وقد صَرَّحَ في الْبُرْهَانِ أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَقِّ فقال في النَّسْخِ في الْكَلَامِ مع الْيَهُودِ وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ النَّسْخَ يَمْتَنِعُ من جِهَةِ إفْضَائِهِ إلَى الْبَدَاءِ وَالْقَدِيمُ مُتَعَالٍ عنه فَلَا حَقِيقَةَ لِهَذَا فإن الْبَدَاءَ إذَا أُرِيدَ بِهِ تَبْيِينُ ما لم يَكُنْ مُبَيَّنًا في عِلْمِهِ فَلَيْسَ هذا من شَرْطِ النَّسْخِ فإن الرَّبَّ تَعَالَى كان عَالِمًا في أَزَلِهِ بِتَفَاصِيلِ ما لم يَقَعْ فِيمَا لَا يَزَالُ انْتَهَى وفي هذا الْكَلَامِ أَخْذٌ بيده وهو مُتَأَخِّرٌ عن الذي قَالَهُ في صَدْرِ الْكِتَابِ وَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عن وَالِدِهِ الْإِمَامِ ضِيَاءِ الدِّينِ عن أبي الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيِّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ كان يقول لِلَّهِ تَعَالَى مَعْلُومَاتٌ لَا نِهَايَةَ لها وَلَهُ في كل وَاحِدٍ من تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ مَعْلُومَاتٌ أُخْرَى لَا نِهَايَةَ لها على الْبَدَلِ وهو تَعَالَى عَالِمٌ بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ على التَّفْصِيلِ وَإِنَّمَا أَوْضَحْت ذلك لِبَيَانِ أَنَّ الْإِمَامَ لم يَخْرُجْ عن عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ على ظَاهِرِهَا وَلَا مُتَعَلَّقَ فيها عليه وهو من جَلِيلِ ما يُسْتَفَادُ مَسْأَلَةٌ هل يُوجَدُ عِلْمٌ لَا مَعْلُومَ له لم يَقُلْ ذلك إلَّا أبو هَاشِمٍ فإنه قال الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ عِلْمٌ بِلَا مَعْلُومٍ وهو ظَاهِرُ الْفَسَادِ مَسْأَلَةٌ طُرُقُ مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ قال الْمُتَكَلِّمُونَ يُعْرَفُ الشَّيْءُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا بآثارة كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَصْنُوعِ على الصَّانِعِ وَبِالْمَبْنِيِّ على الْبَانِي الثَّانِي بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ الثَّالِثُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَيُعْرَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِآثَارِهِ بِلَا خِلَافٍ قال اللَّهُ تَعَالَى ! ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ ) ! فصلت 53 وَاخْتَلَفُوا هل يُعْرَفُ بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ فَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ في أَكْثَرِ كُتُبِهِ وفي بَعْضِهَا أَنَّهُ يُعْرَفُ وَنُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِهِ وَيُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ من الْأَصْحَابِ وَالثَّالِثُ أَقْوَى من الثَّانِي وَالثَّانِي من الْأَوَّلِ وقال بَعْضُهُمْ لَا نُسَلِّمُ قُوَّةَ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدَةِ على مَعْرِفَةِ الذَّاتِ مُطْلَقًا بَلْ فيه تَفْصِيلٌ وهو أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ في حَقِّ عَارِفٍ لِلذَّاتِ أَقْوَى منها في مَعْرِفَتِهَا بِخِلَافِ من لم يَعْرِفْ الذَّاتَ قِيلَ وَهَذَا لَا مَحِيصَ عنه فإن من وُضِعَ بين يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ من بلخش وَبِنَفْشِ وَزُجَاجٍ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَهَا لَا تُفِيدُهُ الْمُشَاهَدَةُ في مَعْرِفَةِ الذَّاتِ شيئا وَأَبْلَغُ من ذلك أَنَّا نُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عن غَيْرِهِ من الْحَيَوَانَاتِ بِالْمُشَاهَدَةِ وقد حَارَتْ الْأَلْبَابُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَيَتَرَتَّبُ على هذا أَنَّ اكْتِفَاءَ الْأَصْحَابِ بِالرُّؤْيَةِ كَالصِّفَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا في حَقِّ الْعَالِمِ بِالْمَوْصُوفِ لِتُزِيلَ الرُّؤْيَةُ الضَّرَرَ عنه أَمَّا في حَقِّ من لَا تُفِيدُهُ الرُّؤْيَةُ فَلَا يُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بها وَيُؤَيِّدُهُ ما نُشَاهِدُهُ في الْعُقَلَاءِ من مُعَانَدَتِهِمْ على ما لَا يَعْرِفُونَ لَا يَكْتَفُونَ بِرُؤْيَتِهِمْ بَلْ يَسْتَصْحِبُونَ الْخَبِيرِينَ بِذَلِكَ وقد حَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ التَّصْرِيَةِ وَجْهًا أَنَّ الْعِيَانَ لَا يَكْفِي في حَقِّ من لَا يُفِيدُهُ الْعِيَانُ مَعْرِفَةً وَأَنَّهُ يُخَرَّجُ على الْخِلَافِ في بَيْعِ الْغَائِبِ وَلَا أَثَرَ لِعِيَانِهِ قال وَهَذَا الْوَجْهُ فِيمَا لو اشْتَرَى زُجَاجَةً ظَنَّهَا جَوْهَرَةً وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ في فَتَاوِيهِ إحْدَاهُمَا لو رَأَى الْعَيْبَ ولم يَعْلَمْ أَنَّهُ عَيْبُ فإنه يَثْبُتُ له الْخِيَارُ إذَا كان يَخْفَى على مِثْلِهِ الثَّانِيَةُ لو رَأَى الْعَيْبَ وَعَلِمَ أَنَّهُ عَيْبٌ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ غير الْعَيْبِ الذي في نَفْسِ الْأَمْرِ وَرَضِيَ بِمَا ظَنَّهُ لَا بِمَا هو عَيْبٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ ثَبَتَ له الْخِيَارُ إذَا كان الذي في نَفْسِ الْأَمْرِ أَشَدَّ ضَرَرًا وَفِيمَا قَالَهُ هذا الْفَاضِلُ نَظَرٌ فَقَدْ أَطْبَقَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ على أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِالْمُشَاهَدَةِ هو أَتَمُّ النَّظَرِ في حَقِّ كل أَحَدٍ يُنْعِمُ اللَّهُ عليه سُبْحَانَهُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ قبل ذلك لِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ فيه عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ هذا الْمَرْئِيَّ هو الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَلَا بُدَّ من ذلك لِأَنَّ الْإِحَاطَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّكْيِيفِ مُسْتَحِيلَةٌ في حَقِّهِ سُبْحَانَهُ فَلَا بُدَّ من هذا الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِتَصِحَّ الرُّؤْيَةُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وتمثيلة بِالْجَوَاهِرِ الثَّلَاثَةِ ضَعِيفٌ إذْ مع الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا يَبْقَى مِثَالٌ بَلْ قد قال الْأَئِمَّةُ مَعَارِفُ الْآخِرَةِ كُلُّهَا ضَرُورِيَّةٌ في حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ اللَّهُمَّ إلَّا ان نَقُولَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الذي يَخْلُقُهُ اللَّهُ لهم كَافٍ في مَعْرِفَةِ الذَّاتِ ثُمَّ تَنْضَمُّ إلَيْهِ الْمُشَاهَدَةُ فَيَكُونُ أَتَمَّ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ ثُمَّ ما رَأَيْته من أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الرُّؤْيَةُ لَا يُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بها في حَقِّهِ وَأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَزُولُ عنه بِذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ في أَنَّ الْغَبْنَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ إذَا كان بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ فَصَاعِدًا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ وَعَنْ أَحْمَدَ كَمَالِكٍ وَعَنْهُ يُثْبِتُ إذَا كان بِمِقْدَارِ السُّدُسِ وَالدَّلِيلُ على أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ قَضِيَّةُ حِبَّانَ بن مُنْقِذٍ وَأَنَّهُ كان يُخْدَعُ في الْبَيْعِ فقال له صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَشَرَعَ له اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَوْ كانت الْخَدِيعَةُ تُثْبِتُ الْخِيَارَ لَمَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ وَلَا إلَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ بَلْ كان خِيَارُ الْغَبْنِ كَافِيًا فَدَلَّ على أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ على ان الرُّؤْيَةَ بِالصِّفَةِ لَا تُفِيدُ إلَّا في حَقِّ الْعَالِمِ بِالْمَوْصُوفِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ السَّلَامَةُ عن الْعُيُوبِ فَلَا يُغْتَفَرُ فيها ما يُغْتَفَرُ في غَيْرِهَا مَسْأَلَةٌ الْجَهْلُ الْجَهْلُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا من شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَيُسَمَّى بَسِيطًا وَقِيلَ لَا يُطْلَقُ عليه جَهْلٌ وَاخْتَارَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ على ما سَيَأْتِي وَقِيلَ إنَّ هذا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الظَّنِّ عِنْدَ من لَا يَرَاهُ عِلْمًا وَالشَّكُّ وَالْغَفْلَةُ وَإِصْلَاحُهُ عَدَمُ كل عِلْمٍ أو ظَنٍّ أو شَكٍّ أو وَقْفٍ عَمَّا من شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أو مَظْنُونًا أو مَشْكُوكًا او مَوْقُوفًا فيه مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الِاعْتِقَادُ الْبَاطِلُ وَيُسَمَّى مُرَكَّبًا وقال الْآمِدِيُّ اعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ على خِلَافِ ما هو عليه في نَفْسِ الْأَمْرِ وَنُقِضَ بِالنَّظَرِ الْمُطَابِقِ عَكْسًا فإن النَّاظِرَ ما لم يَكُنْ عَالِمًا أو ظَانًّا فَهُوَ جَاهِلٌ لِكَوْنِهِ ضِدًّا لَهُمَا عِنْدَهُ فَيَكُونُ النَّاظِرُ إذَنْ جَاهِلًا مع أَنَّ اعْتِقَادَهُ مُطَابِقٌ وهو بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ عَدَمِيٌّ يُقَابِلُ الْعِلْمَ تَقَابُلَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ وَبِالثَّانِي وُجُودِيٌّ يُقَابِلُ الْعِلْمَ تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ وَالثَّانِي يُقَالُ فيه أَخْطَأَ وَغَلِطَ وَمُخَاطَبَتُهُ مُخَاطَبَةُ عِنَادٍ وَمُخَاطَبَةُ الْأَوَّلِ مُخَاطَبَةُ تَعْلِيمٍ قال الرَّازِيَّ وَاَلَّذِي يُمْكِنُهُ طَلَبُ الْعِلْمِ هو صَاحِبُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فإنه لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ البتة لِأَنَّهُ وَإِنْ كان لَا يَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْلَمُ فَصَارَ صَارِفًا له عن طَلَبِهِ وَهَلْ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا ذَاتِيَّةٌ أو لِلصَّارِفِ فيه احْتِمَالَانِ وقال السَّمْعَانِيُّ في الْكِفَايَةِ اُخْتُلِفَ في الْجَهْلِ فَقِيلَ هو عَدَمُ الْعِلْمِ وهو بَعِيدٌ وَقِيلَ تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ بِخِلَافِ ما هو بِهِ وَقِيلَ اعْتِقَادُ الْمَعْلُومِ على خِلَافِ ما هو عليه انْتَهَى وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْجَهْلُ اعْتِقَادُ الْمَعْلُومِ على خِلَافِ ما هو بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِقَادِ في حَدِّ الْجَهْلِ 1 هـ وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْمُرَكَّبِ فَقَطْ إذْ الْبَسِيطُ لَا اعْتِقَادَ فيه أَلْبَتَّةَ فكانه ليس بِجَهْلٍ عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ فِعْلُ جَمَاعَةٍ من أَئِمَّتِنَا وَحَكَوْا خِلَافًا عن الْمُعْتَزِلَةِ في أَنَّ الْجَهْلَ هل هو مِثْلُ الْعِلْمِ فَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ على أَنَّهُ مِثْلٌ له وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ من اعْتَقَدَ كَوْنَ زَيْدٍ في الدَّارِ مَثَلًا وَلَيْسَ هو فيها فإن اعْتِقَادَهُ الْأَوَّلَ الذي هو جَهْلٌ من جِنْسِ الثَّانِي الذي عَلِمَهُ وما بِهِ الِافْتِرَاقُ من كَوْنِ زَيْدٍ في الدَّارِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَعَدَمُهُ في الْأُخْرَى أَنَّهُ خَارِجٌ عن مُوجِبِ الِاخْتِلَافِ بين الِاعْتِقَادَيْنِ وقد أَجْمَعُوا على أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ لِلشَّيْءِ على وَفْقِ ما هو عليه مِثْلُ الْعِلْمِ وَهَذَا الْكَلَامُ من الْمُعْتَزِلَةِ لَسْنَا نُوَافِقُهُمْ عليه غير أَنَّا نَقُولُ اتَّفَقُوا على أَنَّ هذا مَخْصُوصٌ بِالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ أَمَّا الْبَسِيطُ إنْ قِيلَ إنَّهُ جَهْلٌ فَلَا خِلَافَ في كَوْنِهِ ليس مِثْلًا لِلْعِلْمِ فإن عَدَمَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ تَنْبِيهٌ من تَصَوَّرَ في الذَّاتِ أَوْصَافًا لم تَكُنْ فَهَلْ هو جَاهِلٌ بِالذَّاتِ من حَيْثُ إنَّهَا ذَاتٌ أو بها من حَيْثُ إنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِخِلَافِ ما اعْتَقَدَ وقد يُقَالُ الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ هل هو جَهْلٌ بِالْمَوْصُوفِ مُطْلَقًا أو من بَعْضِ الْوُجُوهِ الظَّاهِرُ الثَّانِي وَمِنْ ثَمَّ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ وقد اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا نَكَحَ امْرَأَتَيْنِ وَشَرَطَ فِيهِمَا الْإِسْلَامَ أو في إحْدَاهُمَا النَّسَبَ أو الْحُرِّيَّةَ فَاخْتُلِفَ هل يَصِحُّ النِّكَاحُ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ هو الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ مَأْخَذُهُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عليه مُعَيَّنٌ لَا يَتَبَدَّلُ بِالْخَلَفِ في الصِّفَةِ وَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ مَأْخَذُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ كَاخْتِلَافِ الْعَيْنِ وَأَخَذَ ابن الرِّفْعَةِ من هذا الْخِلَافِ تَكْفِيرَ مُنْكِرِي صِفَاتِ اللَّهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ التَّكْفِيرِ كما أَنَّ الْأَصَحَّ هُنَا صِحَّةُ النِّكَاحِ لَكِنَّ الْمَذْكُورَ في الْبَيْعِ إذَا قال بِعْتُك هذا الْفَرَسَ فَكَانَ بَغْلًا أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الصِّحَّةِ مسألة الظن الظَّنُّ هو الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ من اعْتِقَادَيْ الطَّرَفَيْنِ وَكَذَا رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ لَا اعْتِقَادُ الرَّاجِحِ أو الرُّجْحَانِ فَاعْتِقَادُ الرُّجْحَانِ لِمَا في نَفْسِ الْأَمْرِ إمَّا مُحَقَّقٌ عن بُرْهَانٍ وهو الْعِلْمُ أو لَا وهو التَّقْلِيدُ وَالْجَهْلُ فَهُوَ مُتَعَلَّقُ نَفْسِ الرحجان ( ( ( الرجحان ) ) ) وهو في نَفْسِهِ ثَابِتٌ لَا رحجان ( ( ( رجحان ) ) ) فيه وَأَمَّا رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ بِأَنْ يَكُونَ في النَّفْسِ احْتِمَالَانِ مُتَعَارِضَانِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَرْجَحُ في نَظَرِهِ فَالْأَوَّلُ قد يَكُونُ مَوْجُودًا في الْخَارِجِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا في الذِّهْنِ وَقِيلَ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَقْوَى من الْآخَرِ وَنُقِضَ بِالْجَزْمِ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ وَلَيْسَ بِظَنٍّ وَقِيلَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْمُجَوَّزَيْنِ وَفِيهِ إجْمَالٌ لِأَنَّ التَّغْلِيبَ إمَّا في نَفْسِ الْمُجَوَّزِ وَإِمَّا في نَفْسِ الْأَمْرِ وقد يَكُونُ جَزْمًا وقد لَا يَكُونُ وَالثَّانِي قَرِيبٌ وقال الْآمِدِيُّ أَخِيرًا إنَّهُ تَرَجُّحُ أَحَدِ مُمْكِنَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ في النَّفْسِ على الأخر من غَيْرِ قَطْعٍ وَتَارَةً إنَّهُ تَرَجُّحُ وُقُوعِ أَحَدِ مُمْكِنَيْنِ على الْآخَرِ من غَيْرِ قَطْعٍ وَقَوْلُهُ من غَيْرِ قَطْعٍ يَعْنِي عِنْدَ ذِكْرِ الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ من غَيْرِ قَطْعٍ بِالتَّرْجِيحِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَرَدُّدٌ بين إرَادَةِ رُجْحَانِ الِاعْتِقَادِ وهو الْحَقُّ وَبَيْنَ رُجْحَانِ الْمُعْتَقَدِ أو اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ وَلَيْسَ ذلك ظَنًّا مَسْأَلَةٌ الظَّنُّ طَرِيقُ الْحُكْمِ وهو طَرِيقٌ لِلْحُكْمِ إذَا كان عن أَمَارَةٍ وَلِهَذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَخَبَرِ الْمُقَوِّمِينَ وَالْقِيَاسِ وَإِنْ كانت عِلَّةُ الْأَصْلِ مَظْنُونَةً وَشَرَطَ ابن الصَّبَّاغِ في الْعِدَّةِ لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ وُجُودَ أَمَارَةٍ صَحِيحَةٍ وَعَدَمَ الْقُدْرَةِ على الْعِلْمِ كما يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ مع عَدَمِ النَّصِّ وَالْأَوَّلُ يُوَافِقُ تَصْحِيحَ الْفُقَهَاءِ في الِاجْتِهَادِ في الْأَوَانِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الظَّنِّ من غَيْرِ أَمَارَةٍ وَالثَّانِي يُخَالِفُ تَجْوِيزَهُمْ الِاجْتِهَادَ في الْأَوَانِي مع الْقُدْرَةِ على الْيَقِينِ قال وَالظَّنُّ يَقَعُ عِنْدَ الْأَمَارَةِ كما يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَ الدَّلِيلِ وقال صَاحِبُ الْعُمْدَةِ لَا يَقَعُ عن الْأَمَارَةِ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِاخْتِيَارِ النَّاظِرِ في الْأَمَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يَنْظُرُونَ في الْأَمَارَةِ وَيَخْتَلِفُونَ في الظَّنِّ وَلَوْ كان كما ذُكِرَ لَعُمِلَ بِالظَّنِّ من غَيْرِ أَمَارَةٍ مَسْأَلَةٌ تَفَاوُتُ الظُّنُونِ وفي تَفَاوُتِ الظُّنُونِ قَوْلَانِ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ في تَفَاوُتِ الْعُلُومِ فَقِيلَ لَا تَتَفَاوَتُ كما لَا تَتَفَاوَتُ الْعُلُومُ وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ الْأَدِلَّةُ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ بَلْ الظَّنُّ يَقْبَلُ الْأَشَدِّيَّةَ وَالْأَضْعَفِيَّةَ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَرُبَّ شَكٍّ في أَصْلِ الشَّيْءِ وَشَكٍّ في وَصْفِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْأَصْلِ فَالشَّكُّ في الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ يُقَابِلُهُ احْتِمَالَانِ وَالشَّكُّ في الْوَصْفِ خَاصَّةً يُقَابِلُهُ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ وَلِهَذَا قال مَالِكٌ رضي اللَّهُ عنه من شَكَّ هل طَلَّقَ أَمْ لَا فَشَكُّهُ وسوسه فَيَسْتَصْحِبُ الْحِلَّ وَلَوْ حَلَفَ يَقِينًا ثُمَّ شَكَّ هل حَنِثَ أَمْ لَا فَشَكُّهُ هَاهُنَا مُعْتَبَرٌ يُوجِبُ الِانْكِفَافَ وَالْحَظْرَ وَهَلْ هو وُجُوبُ قَضَاءٍ أو وُجُوبُ إرْشَادٍ لَا إلْزَامٌ من الْقَاضِي فيه خِلَافٌ لِلْمَالِكِيَّةِ قال ابن الْمُنِيرِ فَإِنْ قُلْت هل يَقِفُ أَحَدٌ إذَا ظَنَّ شيئا ما على قَدْرِ ذلك الظَّنِّ كما يَقِفُ على أَصْلِ الظَّنِّ قُلْت لَا يَقِفُ أَحَدٌ على ذلك إلَّا تَقْرِيبًا إنَّمَا الذي يُتَوَقَّفُ علية يَقِينًا هو الْعِلْمُ وَمِثَالُهُ في الْمَحْسُوسَاتِ أَنَّ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ مَوْجُودٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَيُثْبِتُهُ الْعَقْلُ وَلَكِنْ لَا يُثْبِتُهُ الْحِسُّ وَإِنْ أَثْبَتَ تَفَاوُتًا بين الْأَجْرَامِ صِغَرًا وَكِبَرًا لَكِنَّهُ إثْبَاتٌ بِالتَّقْرِيبِ لَا بِتَحْقِيقِ أَعْدَادِ الْجَوَاهِرِ بِأَعْدَادِ الْجَوَاهِرِ كَإِنْكَارِ الظُّنُونِ وَلِهَذَا يقول الْفُقَهَاءُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ في الْأَجْوَدِ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عليه تَحْقِيقًا إذْ ما من أَجْوَدَ مَفْرُوضٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَجْوَدُ منه وَمِنْهُمْ من أَجَازَهُ تَنْزِيلًا لِلَّفْظِ على الْقَرِيبِ وَعَلَى ذلك يُحْمَلُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ هذا الظَّنُّ أَعْلَى الظُّنُونِ يَعْنُونَ من أَعْلَى الظُّنُونِ الْوَاضِحَةِ فيه مسالة أَقْسَامُ الظَّنِّ وَأَقْسَامُهُ خَمْسَةٌ أَوَّلُهَا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عن أُمُورٍ مُسَلَّمَةٍ وهو الْعِلْمُ الظَّنِّيُّ الذي مُسْتَنَدُهُ قَضِيَّةٌ أو قَضَايَا مُسَلَّمَةٌ بِأَنْفُسِهَا ثَانِيهَا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عن أُمُورٍ مَشْهُورَةٍ وهو ظَنٌّ مُطَابِقٌ مُسْتَنِدٌ إلَى أُمُورٍ مَشْهُورَةٍ بِالتَّصْدِيقِ عِنْدَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ وَثَالِثُهَا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عن أُمُورٍ مَقْبُولَةٍ في الْعَقْلِ بِسَبَبِ حُسْنِ الظَّنِّ بِمَنْ أُخِذَتْ عنه رَابِعُهَا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عن قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ وهو ظَنٌّ مُطَابِقٌ مستندة قَرَائِنُ أَحْوَالٍ ظَاهِرَةٍ خَامِسُهَا ما كان عن وَهْمٍ في غَيْرِ مَحْسُوسٍ وهو ما أَوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِهِ قُوَّةُ الْوَهْمِ وَجَعَلَهُ من الْعِلْمِ الظَّنِّيِّ وَلَيْسَ بِهِ تَجَوُّزٌ مَسْأَلَةٌ الشَّكُّ الشَّكُّ قال الْعَسْكَرِيُّ أَصْلُهُ من قَوْلِهِمْ شَكَكْت الشَّيْءَ إذَا جَمَعْته بِشَيْءٍ يَدْخُلُ فيه وَالشَّكُّ هو اجْتِمَاعُ شَيْئَيْنِ في الضَّمِيرِ وقال أبو هَاشِمٍ في أَحَدِ قَوْلَيْهِ اعْتِقَادَانِ يَتَعَاقَبَانِ لَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَأَفْسَدُوهُ بِمَا إذَا زَالَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِاعْتِقَادٍ آخَرَ وقال في قَوْلِهِ الْآخَرِ عَدَمُ الْعِلْمِ وهو فَاسِدٌ لِحُصُولِهِ من الْجَمَادِ وَالنَّائِمِ وَلَا يُوصَفُ بِالشَّكِّ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ اسْتِوَاءُ مُعْتَقَدَيْنِ في نَفْسِ الْمُسْتَرِيبِ مع قطعة أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ اسْتِوَاءُ وَقَوْلُهُ الْمُسْتَرِيبِ فإن أَحَدَهُمَا يُغْنِي عن الْآخَرِ إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِرَابَةٌ مع ظُهُورِ أَحَدِهِمَا وَلَا اسْتِوَاءٌ مع عَدَمِ اسْتِرَابَةٍ وَأَيْضًا فَغَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا ظُنَّ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ فإنه خَرَجَ بِقَوْلِهِ مع قَطْعِهِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وقال الْآمِدِيُّ وَصْفُ كُلٍّ من الْأَمْرَيْنِ بِكَوْنِهِ مُعْتَقَدًا وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَلُّقُ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِهِ وَذَلِكَ مع الِاسْتِوَاءِ مُحَالٌ وقد يَمْنَعُ الِاسْتِحَالَةَ إذْ الِاعْتِقَادُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في الْجَازِمِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هو الِاسْتِرَابَةُ في مُعْتَقَدَيْنِ وَأَفْسَدَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ جَمْعٌ بين الِاسْتِرَابَةِ وَالِاعْتِقَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهَذَا الْإِفْسَادُ فَاسِدٌ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ لِأَنَّ الِاسْتِرَابَةَ في تَعْيِينِ الْمُرَادِ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَالِاعْتِقَادَ لصلاحيه إرَادَةِ كل وَاحِدٍ وقد يَكُونُ من غَيْرِ جَزْمٍ فَيَكُونُ ذلك تَرَادُفًا نعم هو غَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا كانت الِاسْتِرَابَةُ في غَيْرِ نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ من وَقْفٍ وَشَكٍّ وَغَيْرِهِ وَغَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الِاسْتِرَابَةِ في مُعْتَقَدَيْنِ في وَقْتَيْنِ فإنه ليس بِشَكٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجْتَمِعَانِ وُقُوعًا وقال الْآمِدِيُّ الْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّكَّ التَّرَدُّدُ في أَمْرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَا تَرْجِيحَ لِوُقُوعِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ في النَّفْسِ انْتَهَى وَيَرِدُ على الْجَمِيعِ التَّقَيُّدُ بِالْأَمْرَيْنِ فإن الشَّكَّ قد يَكُونُ بين أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ كما لو شَكَّ هل زَيْدٌ قَائِمٌ أو قَاعِدٌ أو نَائِمٌ وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الشَّكَّ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا التَّرَدُّدُ في ثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ تَرَدُّدًا على السَّوَاءِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ بَلْ يَحْكُمُ بِأَحَدِهِمَا مع تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ تَجْوِيزَ اسْتِوَاءٍ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَرْقُ ما بين الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فإن الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قد يَكُونُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ على الِاحْتِمَالَيْنِ وقد يَكُونُ لِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ عَلَيْهِمَا وَأَمَّا الثَّانِي فإنه لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَإِلَّا لم يَكُنْ ذلك الْحُكْمُ يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالتَّشَهِّي قال وَاَلَّذِي يَدُلُّ على أَنَّ الْأَوَّلَ شَكٌّ وَإِنْ لم يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ من تَوَقَّفَ عن الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ يُقَالُ إنَّهُ شَاكٌّ في وُجُودِهِ وَنَفْيِهِ انْتَهَى وَنَبَّهَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ على فَائِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الشَّكَّ لَا بُدَّ وان يَكُونَ مع قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ من الْأَمْرَيْنِ وقال هو اعْتِقَادُ أَنْ يَتَقَاوَمَ سَبَبُهُمَا ذَكَرَهُ في النِّهَايَةِ في أَبْوَابِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ على أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ في الْأَمْرَيْنِ من غَيْرِ قِيَامِ ما يَقْتَضِي ذلك لَا يُسَمَّى شَكًّا وَكَذَلِكَ من غَفَلَ عن شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَسْأَلُ عنه لَا يُسَمَّى شَاكًّا وَكَلَامُ الرَّاغِبِ يُوَافِقُهُ فإنه قال هو اعْتِدَالُ النَّقِيضَيْنِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَتَسَاوِيهِمَا وَذَلِكَ قد يَكُونُ لِوُجُودِ أَمَارَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ عِنْدَهُ في النَّقِيضِ أو لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِيهِمَا وَالشَّكُّ رُبَّمَا كان في الشَّيْءِ هل هو مَوْجُودٌ أو لَا وَرُبَّمَا كان في جِنْسِهِ أَيْ أَيُّ جِنْسٍ هو وَرُبَّمَا كان في بَعْضِ صِفَاتِهِ وَرُبَّمَا كان في الْغَرَضِ الذي لِأَجْلِهِ وُجِدَ وَالشَّكُّ ضَرْبٌ من الْجَهْلِ وهو أَخَصُّ منه لِأَنَّ الْجَهْلَ قد يَكُونُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالنَّقِيضِ أَصْلًا فَكُلُّ شَكٍّ جَهْلٌ وَلَيْسَ كُلُّ جَهْلٍ شَكًّا قال تَعَالَى وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ منه مُرِيبٍ وَأَصْلُهُ إمَّا من شَكَكْت الشَّيْءَ أَيْ خَرَقْته فَكَانَ الشَّكُّ الْخَرْقَ في الشَّيْءِ وَكَوْنَهُ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ الرَّائِي مُسْتَقَرًّا يَثْبُتُ فيه وَيَعْتَمِدُ عليه وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا من الشَّكِّ وهو لُصُوقُ الْعَضُدِ بِالْجَنْبِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَلَاصَقَ النَّقِيضَانِ فَلَا يَدْخُلُ الْفَهْمُ وَالرَّأْيُ لِتَخَلُّلِهِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا يَقُولَانِ الْتَبَسَ الْأَمْرُ وَاخْتَلَطَ وَأَشْكَلَ وَنَحْوَهُ من الِاسْتِعَارَاتِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْإِحْيَاءِ في الْبَابِ الثَّانِي في مَرَاتِبِ الشُّبُهَاتِ الشَّكُّ عِبَارَةٌ عن اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ نَشَآ عن سَبَبَيْنِ وقال في الْبَابِ الثَّالِثِ في الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ إنَّهُ عِبَارَةٌ عن اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَهُمَا سَبَبَانِ مُتَقَابِلَانِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بين ما لَا يُدْرَى وَبَيْنَ ما لَا يُشَكُّ فيه وقال قبل ذلك إذَا دَخَلْت بَلَدًا غَرِيبًا وَدَخَلْت سُوقًا وَوَجَدْت قَصَّابًا أو خَبَّازًا أو غَيْرَهُ وَلَا عَلَامَةَ تَدُلُّ على كَوْنِهِ مُرِيبًا أو خَائِنًا وَلَا ما لَا يَدُلُّ على نَفْيِهِ فَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى حَالُهُ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ مَشْكُوكٌ فيه وقال في الْبَابِ الثَّانِي لو سُئِلَ الْإِنْسَانُ عن صَلَاةِ الظُّهْرِ التي أَدَّاهَا قبل هذا بِعِدَّةِ سِنِينَ كانت أَرْبَعًا أو ثَلَاثًا لم يَتَحَقَّقْ قَطْعًا أنها أَرْبَعُ وإذا لم يَقْطَعْ جُوِّزَ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا وَهَذَا التَّجْوِيزُ لَا يَكُونُ شَكًّا إذَا لم يَحْضُرْهُ سَبَبٌ أَوْجَبَ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا فَلْيُفْهَمْ حَقِيقَةُ الشَّكِّ حتى لَا يَشْتَبِهُ بِالْوَهْمِ وَالتَّجْوِيزِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَسْأَلَةٌ الشَّكُّ لَا يُبْنَى عليه حُكْمٌ وَالشَّكُّ لَا يَنْبَنِي عليه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إذَا كان هُنَاكَ أَصْلٌ اُسْتُصْحِبَ على خِلَافِهِ وَاسْتَثْنَى ابن الْقَاصِّ في التَّلْخِيصِ من ذلك إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وقد خُولِفَ فيها مَسْأَلَةٌ الْوَهْمُ الْوَهْمُ هو الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ قال ابن الْخَبَّازِ وهو كَنُفُورِ النَّفْسِ من الْمَيِّتِ مع الْعِلْمِ بِعَدَمِ بَطْشِهِ وَنُفُورِهَا من شُرْبِ الْجَلَّابِ في قَارُورَةِ الْحَجَّامِ وَلَوْ غُسِلَتْ أَلْفَ مَرَّةٍ وَلَا يَنْبَنِي عليه شَيْءٌ من الْأَحْكَامِ إلَّا في قَلِيلٍ كَوَهْمِ وُجُودِ الْمَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِهِ فإنه يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ عِنْدَنَا وَنِيَّةُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا فَيَأْتِي بِهِ وَنَحْوُهُ مَسْأَلَةٌ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ السَّهْوُ ما تَنَبَّهَ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ وَالْخَطَأُ ما لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ أو يَتَنَبَّهُ بَعْدَ إتْعَابٍ قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ في الْمِفْتَاحِ وَقِيلَ السَّهْوُ الذُّهُولُ عن الْمَعْلُومِ وَظَاهِرُ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ تَرَادُفُهُ مع النِّسْيَانِ وقال ابن الْأَثِيرِ في النِّهَايَةِ السَّهْوُ في الشَّيْءِ تَرْكُهُ من غَيْرِ عِلْمٍ وَالسَّهْوُ عنه تَرْكُهُ مع الْعِلْمِ خَاتِمَةٌ لَا شَكَّ في أَنَّ الْعِلْمَ وَجَمِيعَ أَضْدَادِهِ ما خَلَا الشَّكَّ فيها حُكْمٌ وَأَمَّا الشَّكُّ فَاخْتَلَفُوا فيه وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ بِكُلٍّ من الْأَمْرَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ إذَا عَلِمْت ذلك فَالْمَحْكُومُ بِهِ في الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالظَّنِّ هو الْمَعْلُومُ وَالْمُعْتَقَدُ وَالْمَظْنُونُ وَالْمَحْكُومُ بِهِ في الشَّكِّ إنْ قُلْنَا إنَّهُ حُكْمٌ الْأَمْرُ أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِمَا أو نَفْيَ غَيْرِهِمَا وَأَمَّا الْوَهْمُ فَهَلْ الْمَحْكُومُ بِهِ الْمَوْهُومُ أو الْمَظْنُونُ فيه بَحْثٌ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا إشْكَالٌ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ الْمَوْهُومُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الظَّانُّ ليس حَاكِمًا لِمَا يُقَابِلُ ظَنَّهُ فَيَكُونُ حَاكِمًا بِالضِّدَّيْنِ مَعًا يَحْكُمُ بِالْقِيَامِ مَثَلًا رَاجِحًا وَبِعَدَمِ الْقِيَامِ مَرْجُوحًا وَكَيْفَ يَحْكُمُ الذِّهْنُ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَهْمُ مَعْدُودًا في الْقِسْمَةِ الْحُكْمِيَّةِ وهو مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ وإذا قُلْنَا بِأَنَّ الشَّكَّ لَا حُكْمَ فيه لِمَا يَلْزَمُ من الْحُكْمِ مع الْمُسَاوَاةِ فَلَأَنْ يَقُولُوا بِامْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِالْمَرْجُوحِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى خَاتِمَةٌ أُخْرَى الْجَهْلُ وَالظَّنُّ وَالشَّكُّ أَضْدَادُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ الْجَهْلَ مُمَاثِلٌ لِلْعِلْمِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ لِلشَّيْءِ على ما هو عليه مِثْلُ الْعِلْمِ خَاتِمَةٌ أُخْرَى يُطْلَقُ الْعِلْمُ على الظَّنِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ إذْ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ في ذلك لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَقَوْلِهِ وما شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا سَمَّوْا غير الْمُطَابِقِ عِلْمًا فَكَيْفَ الظَّنُّ الْمُطَابِقُ وَأُقِرُّوا عليه وَالْأَصْلُ في الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَقَوْلِهِ وَلَا تَقْفُ ما ليس لَك بِهِ عِلْمٌ وقد يَجُوزُ أَنْ يَقْفُوَ ما يَظُنُّهُ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ وَيُطْلَقُ الظَّنُّ على الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ أَيْ يَعْلَمُونَ إذْ الظَّنُّ في ذلك غَيْرُ كَافٍ وَيُطْلَقُ الظَّنُّ على غَيْرِ الْمُطَابِقِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَيُطْلَقُ الشَّكُّ على الظَّنِّ وَعَلَيْهِ غَالِبُ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا شَكَّ أحدكم في صَلَاتِهِ فلم يَدْرِ كَمْ صلى لِأَنَّ الشَّكَّ وَالظَّنَّ فيه سَوَاءٌ في الْحُكْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الظَّنُّ وَأَنْ يُرَادَ الشَّكُّ وَالظَّنُّ مَقِيسٌ عليه وَأَنْ يُرَادَ الْأَعَمُّ مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ مَجَازٌ الْمَشْهُورُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ مَجَازٌ وَيَتَلَخَّصُ من كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ فيه ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الشَّكِّ مَجَازٌ في الْيَقِينِ وَالثَّانِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَنْشَأُ خِلَافٌ فِيمَا إذَا قُلْت ظَنَنْت ظَنًّا هل يَتَعَيَّنُ لِلْيَقِينِ بِالتَّأْكِيدِ أو الِاحْتِمَالُ بَاقٍ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا لَا حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا في الشَّكِّ وَهَذَا قَوْلُ أبي بَكْرٍ الْعَبْدَرِيِّ وقال وَلَا يُعَوَّلُ على حِكَايَةِ من حَكَى ظَنَّ بِمَعْنَى تَيَقَّنَ بَلْ الظَّنُّ وَالْيَقِينُ مُتَنَافِيَانِ فَصْلٌ الْعَقْلُ الْعَقْلُ لُغَةً الْمَنْعُ وَلِهَذَا يَمْنَعُ النَّفْسَ من فِعْلِ ما تَهْوَاهُ مَأْخُوذٌ من عِقَالِ النَّاقَةِ الْمَانِعِ لها من السَّيْرِ حَيْثُ شَاءَتْ وهو أَصْلٌ لِكُلِّ عِلْمٍ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وكان بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يُسَمِّيهِ أُمَّ الْعِلْمِ وَكَثُرَ الِاخْتِلَافُ فيه حتى قِيلَ إنَّ فيه أَلْفَ قَوْلٍ وقال بَعْضُهُمْ سَلْ الناس إنْ كَانُوا لَدَيْك أَفَاضِلًا عن الْعَقْلِ وَانْظُرْ هل جَوَابٌ يُحَصَّلُ وقد تَكَلَّمَ فيه أَصْنَافُ الْخَلْقِ من الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ كُلُّ وَاحِدٍ ما يَلِيقُ بِصِنَاعَتِهِ فَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَشَأْنُهُمْ الْكَلَامُ في الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا وَمَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهَا وَالْعَقْلُ مَوْجُودٌ وَالْأَطِبَّاءُ شَأْنُهُمْ الْخَوْضُ فِيمَا يُصْلِحُ الْأَبْدَانَ وَالْعَقْلُ سُلْطَانُ الْبَدَنِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ هُمْ أَهْلُ النَّظَرِ وَالنَّظَرُ أَبَدًا يَتَقَدَّمُ الْعَقْلَ وَالْفُقَهَاءُ تَكَلَّمُوا فيه من حَيْثُ إنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ فقال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه آلَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ يُمَيَّزُ بها بين الْأَشْيَاءِ وَأَضْدَادِهَا وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْعُقُولُ التي رَكَّبَهَا اللَّهُ فِيهِمْ لِيَسْتَدِلُّوا بها على الْعَلَامَاتِ التي نَصَبَهَا لهم على الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا مَنًّا منه وَنِعْمَةً قَالَهُ ابن سُرَاقَةَ وَهَذَا النَّصُّ مَوْجُودٌ في الرِّسَالَةِ قال الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِهَا بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْعَقْلَ مَعْنًى رَكَّبَهُ اللَّهُ في الْإِنْسَانِ أَيْ خَلَقَهُ فيه لَا أَنَّهُ فِعْلُ الْإِنْسَانِ كما زَعَمَ بَعْضُ الناس وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ رُوِيَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ آلَةُ التَّمْيِيزِ قُلْت وَهَذَا مَوْجُودٌ في الرِّسَالَةِ حَيْثُ قال دَلَّهُمْ على جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِالْعُقُولِ التي رُكِّبَتْ فِيهِمْ الْمُمَيِّزَةِ بين الْأَشْيَاءِ وَأَضْدَادِهَا إلَخْ وَقِيلَ قُوَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُفْصَلُ بها بين حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ وَقِيلَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بين حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ وقال الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْعَقْلُ هو الْعِلْمُ وَكَذَا قال ابن سُرَاقَةَ هو في الْحَقِيقَةِ ليس بِشَيْءٍ غير الْعِلْمِ لَكِنَّهُ عِلْمٌ على صِفَةٍ فَجَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ بِحِسٍّ وَغَيْرِهِ إلَيْهِ مَرْجِعُهَا وهو يُمَيِّزُهَا وَيَقْضِي عليها وَحُجَّتُهُ مَأْخُوذَةٌ من قِبَلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ ذلك في الْإِنْسَانِ انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ الْعَقْلُ هو الْعِلْمُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا من حَيْثُ كَوْنُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلْمًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين أَصْحَابِنَا وهو قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ من الْإِسْلَامِيِّينَ وَبِهِ قالت الْمُعْتَزِلَةُ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ بين الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ فَقَالُوا الْعَقْلُ جَوْهَرٌ مَخْلُوقٌ في الْإِنْسَانِ وهو مَرْكَزُ الْعُلُومِ وَلَا يُسْتَفَادُ الْعَقْلُ إنَّمَا تُسْتَفَادُ الْعُلُومُ ا هـ وَكَذَلِكَ نَقَلَ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ عن أَهْلِ الْحَقِّ تَرَادُفَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ قال فَقَالُوا وَاخْتِلَافُ الناس في الْعُقُولِ لِكَثْرَةِ الْعُلُومِ وَقِلَّتِهَا وقال عَلِيُّ بن حَمْزَةَ الطَّبَرِيُّ نُورٌ وَبَصِيرَةٌ في الْقَلْبِ مَنْزِلَتُهُ الْبَصَرُ من الْعَيْنِ قال ابن فُورَكٍ هو الْعِلْمُ الذي يُمْتَنَعُ بِهِ من فِعْلِ الْقَبِيحِ وَذَهَبَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ إلَى أَنَّهُ غَرِيزَةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلَى الْمَعْرِفَةِ وَمَثَّلَهُ بِالْبَصَرِ وَمَثَّلَ الْعِلْمَ بِالسِّرَاجِ فَمَنْ لَا بَصَرَ له لَا يَنْتَفِعُ بِالسِّرَاجِ وَمَنْ له بَصَرٌ بِلَا سِرَاجٍ لَا يَرَى ما يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَصَرَّحَ بِمُخَالَفَةِ الْعَقْلِ الْعِلْمَ وَكَذَا قال أَحْمَدُ الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ قال الْقَاضِي أَيْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلَيْسَ اكْتِسَابًا قال الْأُقْلِيشِيُّ وَهَذِهِ الْغَرِيزَةُ لَيْسَتْ حَاصِلَةً لِلْبَهِيمَةِ على ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ من الْمُحَقِّقِينَ وَاسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَاعْتَقَدَهُ رَأْيًا إذْ أَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ لم يُفَرِّقُوا بين الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ في السَّجِيَّةِ وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا في الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَهِيَ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ التي مَنْشَؤُهَا من الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لَكِنَّهُ في الشَّامِلِ حَكَاهُ ثُمَّ قال إنَّهُ لَا يَرْضَاهُ وَإِنَّهُ يَتَّهِمُ النَّقَلَةَ عنه فيه وَأَطَالَ في رَدِّهِ وَصَارَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وأبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَخَرَجَتْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلًا مع عَدَمِ جَمِيعِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْضُهَا لِأَنَّهُ لو كان جَمِيعُهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ بِالْمُدْرِكَاتِ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ الْمُتَعَلِّقِ بها غير عَاقِلٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَذَلِكَ نَحْوُ الْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْلُومَ لَا يَخْرُجُ عن أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أو مَعْدُومًا وَأَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَخْلُو عن الِاتِّصَافِ بِالْقِدَمِ أو بِالْحُدُوثِ وَالْعِلْمِ بِمَجَارِي الْعَادَاتِ الْمُدْرَكَاتِ بِالضَّرُورَةِ كَمُوجِبِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ الصَّادِرَةِ عن الْمُشَاهَدَاتِ إلَى غَيْرِ ذلك من الْعُلُومِ التي يُخَصُّ بها الْعُقَلَاءُ وَحَاصِلُهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ وَقِيلَ إنَّهُ عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ كُلُّهُ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ فَقُلْت له أَفَتَخُصُّ هذا النَّوْعَ من الضَّرُورَةِ بِوَصْفٍ قال يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ما صَحَّ مع الِاسْتِنْبَاطِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ ليس بِالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ إذْ الْإِنْسَانُ يُوصَفُ بِالْعَقْلِ مع ذُهُولِهِ عن الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بَعْدَ إبْطَالِهِ قَوْلَ الْقَاضِي في الْعَقْلِ وَعِنْدَ هذا ظَهَرَ أَنَّ الْعَقْلَ غَرِيزَةٌ تَلْزَمُهَا هذه الْعُلُومُ الْبَدِيهِيَّةُ مع سَلَامَةِ الْآلَاتِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْعِبَارَةُ الْوَجِيزَةُ فيه عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ بِاسْتِحَالَةِ مُسْتَحِيلَاتٍ وَجَوَازِ جَائِزَاتٍ أو نُورٌ يُقْبِلُ من النُّورِ الْأَعْلَى بِمِقْدَارِ ما يَحْتَمِلُهُ وهو مَوْجُودٌ بِالْمَجْنُونِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ هذا الْقَائِلِ لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَبُولِ حَائِلٌ كما في نُورِ الشَّمْسِ مع السَّحَابِ وقال الْغَزَالِيُّ هو غَرِيزِيٌّ وَضَرُورِيٌّ وَهُمَا نَظَرِيٌّ وَتَجْرِيبِيٌّ وَالْعِلْمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَهُمَا مُكْتَسَبَانِ وقال ابن فُورَكٍ هو الْعِلْمُ الذي يُمْتَنَعُ بِهِ عن فِعْلِ الْقَبِيحِ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ التي لَا خُلُوَّ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ عنها بَعْدَ كَمَالِ آلَةِ الْإِدْرَاكِ وَعَدَمِ أَضْدَادِهَا وَلَا يُشَارِكُهُ فيها شَيْءٌ من الْحَيَوَانَاتِ وَحَكَاهُ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ له قَوْلَانِ ثُمَّ هو غَيْرُ جَامِعٍ لِلْعَقْلِ الثَّابِتِ لِلصِّبْيَانِ فَإِنَّهُمْ عُقَلَاءُ بِالْإِجْمَاعِ كما قَالَهُ الْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ في كِتَابِ الْعُدَّةِ مع انْتِفَاءِ ما ذَكَرَهُ لِامْتِنَاعِ صِحَّةِ نَفْيِ الْعَقْلِ عَنْهُمْ مُطْلَقًا وَإِلَّا لَزِمَ جَوَازُ وَصْفِهِمْ بِضِدِّهِ وهو الْجُنُونُ وَذَلِكَ مُحَالٌ وَغَيْرُ مَانِعٍ لِعُلُومِ الْمَجَانِينِ التي لَا خُلُوَّ لِأَنْفُسِهِمْ عنها كَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ من الْوَاحِدِ وَنَحْوَهُ مع أَنَّهُمْ غَيْرُ عُقَلَاءَ وقال الْجِيلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ الْإِعْجَازِ فَرْقٌ بين الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَيَظْهَرُ شَرَفُ الْعَقْلِ من حَيْثُ إنَّهُ مَنْبَعُ الْعِلْمِ وَأَسَاسُهُ وَالْعِلْمُ يَجْرِي منه مَجْرَى الثَّمَرَةِ من الشَّجَرَةِ قال وفي الحديث أَوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ وقال وَعِزَّتِي وَجَلَالِي ما خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ مِنْك بِك آخُذُ وَبِك أُعْطِي وَبِك أُعَاقِبُ فَإِنْ قُلْت إنْ كان الْعَقْلُ عَرَضًا فَكَيْفَ يُخْلَقُ قبل الْأَجْسَامِ وَإِنْ كان جَوْهَرًا فَكَيْفَ يَكُونُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا بِمُتَحَيِّزٍ قُلْنَا هذا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ قال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَدَّ الْمَلَائِكَةُ وَاجْتَهَدُوا في طَاعَةِ اللَّهِ بِالْعَقْلِ وَجَدَّ الْمُؤْمِنُونَ من بَنِي آدَمَ على قَدْرِ عُقُولِهِمْ على أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ قال إنَّ الْجَوْهَرَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَا تَنَاقُضَ بين قَوْلِنَا إنَّهُ نَوْعٌ من الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا إنَّهُ خُلِقَ قبل الْأَشْيَاءِ انْتَهَى الْعَقْلُ ضَرْبَانِ ثُمَّ هو ضَرْبَانِ غَرِيزِيٌّ وهو أَصْلٌ وَمُكْتَسَبٌ وهو فَرْعٌ فَأَمَّا الْغَرِيزِيُّ فَهُوَ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ وَأَمَّا الْمُكْتَسَبُ فَهُوَ الذي يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَقُوَّةِ النَّظَرِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْمُكْتَسَبُ عن الْغَرِيزِيِّ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْغَرِيزِيُّ عن الْمُكْتَسَبِ لِأَنَّ الْغَرِيزِيَّ أَصْلٌ يَصِحُّ قِيَامُهُ بِذَاتِهِ وَالْمُكْتَسَبَ فَرْعٌ لَا يَصِحُّ قِيَامُهُ إلَّا بِأَصْلِهِ وَمِنْ الناس من امْتَنَعَ من تَسْمِيَةِ الْمُكْتَسَبِ عَقْلًا لِأَنَّهُ من نَتَائِجِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالنِّزَاعِ في التَّسْمِيَةِ إذَا كان الْمَعْنَى مُسَلَّمًا وَاخْتُلِفَ فيه في أُمُورٍ تَفَاوُتُ الْعُقُولِ أَحَدُهَا هل يَتَفَاوَتُ وَالْأَصَحُّ كما قَالَهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ فَلَا يَتَحَقَّقُ شَخْصٌ أَعْقَلُ من شَخْصٍ وَإِنْ أُطْلِقَ ذلك كان تَجَوُّزًا أو صَرْفًا إلَى كَثْرَةِ التَّجَارِبِ قال فَإِنَّا بَعْدَ أَنْ قُلْنَا إنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّفَاوُتُ فيها وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ من الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ وَقِيَاسُ من فَسَّرَ الْعَقْلَ بِالْعِلْمِ أَنَّهُ يَجْرِي فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ في تَفَاوُتِ الْعُلُومِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْغَرِيزِيُّ فَلَا يَتَفَاوَتُ أو التَّجْرِيبِيُّ فَلَا شَكَّ في تَفَاوُتِهِ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابن سُرَاقَةَ حَيْثُ قال هو على ضَرْبَيْنِ منه مَخْلُوقٌ في الْإِنْسَانِ وَمِنْهُ يَزْدَادُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالِاعْتِبَارِ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا من أَفْعَالِ الْقُلُوبِ وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ وَافِرُ الْعَقْلِ وَفُلَانٌ نَاقِصُ الْعَقْلِ الثَّانِي اخْتَلَفُوا في مَحَلِّهِ فَقِيلَ لَا يُعْرَفُ مَحَلُّهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا كما نَقَلَهُ ابن الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِسَائِرِ الْعُلُومِ وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ الدِّمَاغُ وَالْأَوَّلُ مَنْقُولٌ عن أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالثَّانِي مَنْقُولٌ عن أبي حَنِيفَةَ حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عنه وَرَوَاهُ ابن شَاهِينِ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ أَيْضًا وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بين الرَّأْسِ وَالْقَلْبِ وقال الْأَشْعَرِيُّ لَك حَاسَّةٌ منه نَصِيبٌ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا رَابِعًا وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ في بَابِ أَسْنَانِ إبِلِ الْخَطَأِ أَنَّهُ لم يَتَعَيَّنْ لِلشَّافِعِيِّ مَحَلُّهُ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا خَامِسًا وَقِيلَ الصَّدْرُ وَلَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ الْقَلْبَ وَقِيلَ هو مَعْنًى يُضِيءُ في الْقَلْبِ وَسُلْطَانُهُ في الدِّمَاغِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَوَاسِّ في الرَّأْسِ وَلِهَذَا قد يَذْهَبُ بِالضَّرْبِ على الدِّمَاغِ حَكَاهُ ابن سُرَاقَةَ قال وقال آخَرُونَ من أَصْحَابِنَا هو قُوَّةٌ وَبَصِيرَةٌ في الْقَلْبِ مَنْزِلَتُهُ منه مَنْزِلَةُ الْبَصَرِ من الْعَيْنِ وَنَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ في أَدَبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا على فَائِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْخِلَافَ في الْغَرِيزِيِّ أَمَّا التَّجْرِيبِيُّ فَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ قَطْعًا الثَّانِيَةُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ مُفَرَّعٌ على الْقَوْلِ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بين حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ وَأَنَّ من نَفَى كَوْنَهُ جَوْهَرًا أَثْبَتَ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ وقال الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافُ في أَنَّ الْعَقْلَ مَحَلُّهُ مَاذَا مِمَّا يَلْتَبِسُ على كَثِيرٍ فَإِنَّهُمْ إنْ عَنَوْا بِهِ الْقُوَّةَ النَّاطِقَةَ على ما يَظْهَرُ من كَلَامِهِمْ فَخَطَأٌ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لها آلَةٌ وَلَا هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى عُضْوٍ من الْأَعْضَاءِ وَإِنَّمَا الذي يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ فيه هل هِيَ الْقُوَّةُ الْمُفَكِّرَةُ التي تُنْسَبُ إلَى الدِّمَاغِ وَهِيَ مُلْتَبِسَةٌ بِالْقُوَّةِ النَّاطِقَةِ من وَجْهَيْنِ كَوْنُهَا مُخْتَصَّةً بِالْإِنْسَانِ وَكَوْنُهَا مُمَيِّزَةً وَلِهَذَا الِالْتِبَاسِ ظَنُّوا أنها الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ وَحَكَوْا فيها الْخِلَافَ وَاَلَّذِي غَلَّطَهُمْ في ذلك عَكْسُ الْقَضِيَّةِ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ مِثْلَ نَفْسِهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كانت الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ مُمَيِّزَةً مُخْتَصَّةً بِالْإِنْسَانِ عَكَسُوا الْقَضِيَّةَ فَقَالُوا كُلُّ قُوَّةٍ مُمَيِّزَةٍ خَاصَّةٍ بِالْإِنْسَانِ فَهِيَ قُوَّةٌ نَاطِقَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ في الْإِنْسَانِ قُوَّةٌ أُخْرَى مُمَيِّزَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ وَلَيْسَتْ النَّاطِقَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هذه مَوْجُودَةٌ في الْإِنْسَانِ لها آلَةٌ جُسْمَانِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ قُوَى النَّفْسِ فَهَذِهِ إذَنْ يَجِبُ النَّظَرُ في آلَتِهَا الدِّمَاغِ أو الْقَلْبِ فَأَمَّا الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ التي سَمَّوْهَا عَقْلًا فَلَيْسَتْ قُوَّةً في جِسْمٍ أَصْلًا وَلَا هِيَ جِسْمٌ وَلَا لها آلَةٌ جُسْمَانِيَّةٌ وَالْفَرْقُ بين تَمْيِيزَيْهِمَا أَنَّ تَمْيِيزَ الْمُفَكِّرَةِ شَخْصِيٌّ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ مَعْنَى الشَّيْءِ الْمُخَيَّلِ الْمُشَخَّصِ تَمْيِيزًا شَخْصِيًّا فَهِيَ تَالِيَةٌ لِلْقُوَّةِ الْمُتَخَيِّلَةِ كما أَنَّ الْمُتَخَيِّلَةَ تَالِيَةٌ لِلْقُوَّةِ الْحِسِّيَّةِ فَهِيَ إذَنْ أَكْثَرُ رُوحَانِيَّةً من التَّخَيُّلِيَّةِ وَلِهَذَا اخْتَصَّتْ بِالْإِنْسَانِ وَتَمْيِيزُ النَّاطِقَةِ كُلِّيٌّ وَهِيَ عَرِيَّةٌ من مُخَالَطَةِ الْجِسْمِ وَلَيْسَتْ من جِنْسِ الْقُوَى الْحَادِثَةِ الشَّخْصِيَّةِ فَافْتَرَقَا وَلَيْسَتْ رُوحَانِيَّتُهَا كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ شَارَكَ فيها الْإِنْسَانُ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ وما يَتَفَرَّعُ على الْخِلَافِ في أَنَّ مَحَلَّهُ مَاذَا ما لو أُوضِحَ رَجُلٌ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْعَقْلِ وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ عليه مَنْفَعَةً لَيْسَتْ في عُضْوِ الشَّجَّةِ تَبَعًا لها وقال أبو حَنِيفَةَ إنَّمَا عليه الْعَقْلُ فَقَطْ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَجَّ رَأْسَهُ وَأَتْلَفَ عليه الْعَقْلَ الذي هو مَنْفَعَةٌ في الْعُضْوِ الْمَشْجُوجِ وَدَخَلَ أَرْشُ الشَّجَّةِ في الدِّيَةِ النَّظَرُ في حَقِيقَتِهِ وَأَقْسَامِهِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ حَقِيقَةُ الْحَدِّ أَمَّا حَقِيقَتُهُ فَالْقَوْلُ الدَّالُّ على مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَقِيلَ خَاصِّيَّةُ الشَّيْءِ على الْخِلَافِ في تَفْسِيرِ ما هو الْغَرَضُ بِالْحَدِّ هل حَصْرُ الذَّاتِيَّاتِ أو مُجَرَّدُ التَّمْيِيزِ كَيْفَ اتَّفَقَ أو الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ لِوَصْفٍ خَاصٍّ وهو يَرْجِعُ إلَى وَصْفِ الْمَحْدُودِ دُونَ قَوْلِ الْوَاصِفِ الْحَادِّ عِنْدَ مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ كما قال الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال إنَّهُ قَوْلُ مُعْظَمِ أَئِمَّتِنَا وقال الْقَاضِي يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الْوَاصِفِ وهو عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْمُفَسِّرُ لِاسْمِ الْمَحْدُودِ وَصِفَتِهِ على وَجْهٍ يَخُصُّهُ وَيَحْصُرُهُ فَلَا يَدْخُلُ فيه ما ليس منه وَلَا يَخْرُجُ منه ما هو منه قال الْإِمَامُ وهو مُنْفَرِدٌ بِذَلِكَ من بَيْنِ أَصْحَابِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْحَدُّ وَالْحَقِيقَةُ عِنْدَنَا بِمَعْنًى لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ مَانِعَةٌ له من الِالْتِبَاسِ بِغَيْرِهِ نَاطِقَةٌ بِمَا ليس منه من الدُّخُولِ في حُكْمِهِ وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ هو الْجَوَابُ الصَّحِيحُ في سُؤَالٍ ما هو إذَا أَحَاطَ بِالْمَسْئُولِ عنه وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْحَدَّ قد يُذْكَرُ ابْتِدَاءً من غَيْرِ تَقَدُّمِ سُؤَالٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ حَدَّ الشَّيْءِ مَعْنَاهُ الذي لِأَجْلِهِ اسْتَحَقَّ الْوَصْفَ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ وَتَسْمِيَةُ الْعِبَارَةِ عن الْحَدِّ مَجَازٌ وَمَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَالْحَدِّ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ يُسْتَعْمَلُ في الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ وَلَفْظَ الْحَدِّ يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ في الْحُجَّةِ قال وَاخْتَلَفُوا في الْعِلْمِ بِالْمَحْدُودِ هل يَجُوزُ حُصُولُهُ لِمَنْ لم يَكُنْ عَارِفًا بِحَدِّهِ وَحَقِيقَتِهِ أَجَازَهُ قَوْمٌ وقال أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ وَلِذَلِكَ قالوا إنَّ من لم يَعْلَمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عِلْمًا وَقَدْرًا وَحَيَاةً لم يَعْلَمْهُ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْعَالِمِ عَالِمًا عِلْمٌ بِعِلْمِهِ وَالنَّافِي لِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَيَاتِهِ غَيْرُ عَالِمٍ بِكَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا وَهَذَا قَوْلٌ يَطَّرِدُ على أَصْلِنَا في جَمِيعِ الْحُدُودِ وَفَرَّقَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْقُدَمَاءِ بين الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ قال الْحَدُّ ما اُسْتُعْمِلَ في الشَّيْءِ نَفْسِهِ وَالْحَقِيقَةُ ما جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ في الشَّيْءِ وَضِدِّهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ الشَّيْءُ له في الْوُجُودِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ الْأُولَى حَقِيقَتُهُ في نَفْسِهِ وَالثَّانِيَةُ ثُبُوتُ مِثَالِ حَقِيقَتِهِ التي تَدُلُّ عليه من الذِّهْنِ الذي يُعَبَّرُ عنه بِالْعِلْمِ وَالثَّالِثَةُ تَأْلِيفُ صَوْتٍ بِحُرُوفٍ تَدُلُّ عليه وهو الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ على الْمِثَالِ الذي في النَّفْسِ وَالرَّابِعَةُ تَأْلِيفُ رُقُومٍ تُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ تَدُلُّ على اللَّفْظِ وهو الْكِتَابَةُ قال وَالْعَادَةُ لم تَجْرِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْحَدِّ على الْعِلْمِ وَلَا على الْكِتَابَةِ بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بين الْحَقِيقَةِ وَاللَّفْظِ وقال الْعَبْدَرِيُّ وما أَخَذُوهُ من حَدِّ الْحَدِّ هل الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الذي في النَّفْسِ خَاصَّةً أَمْ اللَّفْظُ الدَّالُّ على ما في النَّفْسِ فَالْجَوَابُ فيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْمَعْنَى الذي في النَّفْسِ خَاصَّةً وَالثَّانِي الْمُرَادُ الْمَعْنَيَانِ جميعا لَا على أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا بَلْ على أَنَّهُ يُقَالُ على الْمَعْنَى الذي في النَّفْسِ فإنه أَوْلَى وَيُقَالُ على اللَّفْظِ بِحُكْمِ التَّبَعِ لِدَلَالَتِهِ على ما في النَّفْسِ مَذَاهِبُ اقْتِنَاصِ الْحَدِّ وفي اقْتِنَاصِ الْحَدِّ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْعَبْدَرِيُّ في الْمُسْتَوْفَى في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى أَحَدُهَا وهو مَذْهَبُ أَفْلَاطُونَ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِالتَّقْسِيمِ بِأَنْ تَأْخُذَ جِنْسًا من أَجْنَاسِ الْمَحْدُودِ وَتَقْسِمَهُ بِفُصُولِهِ الذَّاتِيَّةِ له ثُمَّ تَنْظُرَ الْمَحْدُودَ تَحْتَ أَيِّ فَصْلٍ هو من تِلْكَ الْفُصُولِ فإذا وَجَدْته ضَمَمْتَ ذلك الْفَصْلَ إلَى الْجِنْسِ الذي كُنْت أَخَذْته ثُمَّ تَنْظُرَ فَإِنْ كان مُسَاوِيًا لِلْمَحْدُودِ فَقَدْ وُجِدَ جِنْسُ الْحَدِّ وَفَصْلُهُ وَكَمَلَ الْحَدُّ وَإِنْ لم يَكُنْ مُسَاوِيًا له عَلِمْت أَنَّ ذلك الْجِنْسَ وَالْفَصْلَ إنَّمَا هو حَدٌّ لِجِنْسِ الْمَحْدُودِ لَا لِلْمَحْدُودِ فَتَأْخُذَ اسْمَ ذلك الْجِنْسِ بَدَلَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ وَتَقْسِمَهُ أَيْضًا إلَى فُصُولِهِ الذَّاتِيَّةِ ثُمَّ تَنْظُرَ الْمَحْدُودَ تَحْتَ أَيِّ فَصْلٍ فَتَأْخُذَهُ وَتَقْسِمَهُ إلَى ما تَقَدَّمَ من الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ ثُمَّ تَنْظُرَ هل هو مُسَاوٍ لَفْظًا وَحْدَهُ أَمْ لَا فَإِنْ سَاوَاهُ فَقَدْ تَمَّ الْحَدُّ وَإِلَّا فَعَلْت كما تَقَدَّمَ هَكَذَا وَالثَّانِي في مَذْهَبِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِطَرِيقِ التَّرْكِيبِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ أَقْرَبُ من طَرِيقِ الْقِسْمَةِ وهو أَنْ تُجْمَعَ الْأَوْصَافُ التي تَصْلُحُ أَنْ تُحْمَلَ على الشَّيْءِ الْمَحْدُودِ كُلُّهَا ثُمَّ تَنْظُرَ ما فيها ذَاتِيٌّ وما فيها عَرَضِيٌّ فَتَطْرَحَ الْعَرَضِيَّ ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الذَّاتِيِّ فَتَأْخُذَ منها الْمَقُولَ في جَوَابِ ما هو فَتَجْمَعَهَا كُلَّهَا ثُمَّ تَطْرَحَ الْأَعَمَّ فَالْأَعَمَّ حتى تَنْتَهِيَ إلَى الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الْفُصُولِ فَتَجْمَعَهَا أَيْضًا كُلَّهَا ثُمَّ تَطْرَحَ الْأَبْعَدَ فَالْأَبْعَدَ حتى تَنْتَهِيَ إلَى الْفَصْلِ الْقَرِيبِ جِدًّا وَحِينَئِذٍ فَيَكْمُلُ وَالثَّالِثُ مَذْهَبُ بُقْرَاطِيسَ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِالْبُرْهَانِ وقد أَبْطَلُوهُ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا سُلِكَ في اقْتِنَاصِهِ الْقِسْمَةُ أو التَّرْكِيبُ وكان لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ تَصَفُّحِ جَمِيعِ ذَاتِيَّاتِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ وَحْدَهُ كان الْحَدُّ الْمُقْتَنَصُ بهذا الطَّرِيقِ مَعْلُومًا فَأَوَّلُ الْعَقْلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ فَإِذَنْ اقْتِنَاصُ الْحَدِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا بُدَّ في طَلَبِ الْبُرْهَانِ من وَسَطٍ يُحْمَلُ على الْمَحْكُومِ عليه على أَنَّهُ حَدٌّ له لَا على أَنَّهُ جِنْسٌ له وَلَا فَصْلٌ وَيُحْمَلُ عليه الْحُكْمُ على أَنَّهُ حَدٌّ له أَيْضًا مِثَالُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ حَدَّ الْعِلْمِ الْمَعْرِفَةُ فَيُقَالَ لنا وما الدَّلِيلُ عليه فَلَا بُدَّ أَيْضًا من طَلَبِ وَسَطٍ يُحْمَلُ على الْعِلْمِ على أَنَّهُ حَدٌّ له وَتُحْمَلُ الْمَعْرِفَةُ عليه على أنها حَدٌّ له أَيْضًا وَلْيَكُنْ ذلك الْحَدُّ الِاعْتِقَادَ فَنَقُولُ لِكُلِّ عِلْمٍ بِالِاعْتِقَادِ يُؤْخَذُ له على أَنَّهُ حَدٌّ وَكُلُّ اعْتِقَادٍ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ له على أَنَّهُ حَدٌّ فَالْمَعْرِفَةُ تُؤْخَذُ له على أنها حَدٌّ فَإِذَنْ كُلُّ عِلْمٍ فَالْمَعْرِفَةُ تُؤْخَذُ له على أنها حَدٌّ فَيُنَازَعُ في كل وَاحِدٍ من مُقَدِّمَتَيْ هذا الدَّلِيلِ لِأَنَّهَا حَدٌّ وَيُطْلَبُ الْبُرْهَانُ كما طُلِبَ على الْحَدِّ الْأَوَّلِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّنَهَا بِدَلِيلَيْنِ فَيُنَازَعُ أَيْضًا في كل مُقَدِّمَةٍ من مُقَدِّمَتَيْ كل وَاحِدٍ من ذَيْنِك الدَّلِيلَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَلَّلَ الْأَمْرُ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وهو مُحَالٌ وَإِمَّا أَنْ يَقِفَ عِنْدَ أَمْرٍ بَيِّنٍ بِنَفْسِهِ مَسْأَلَةٌ صُعُوبَةُ الْحَدِّ ادَّعَى ابن سِينَا أَنَّ الْحُدُودَ في غَايَةِ الصُّعُوبَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تَفْصِيلًا حتى يُعْلَمَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين الْأَشْيَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ في شَيْءٍ وَاحِدٍ من الْمَاهِيَّةِ وَالْقَدْرُ الذي بِهِ يَنْفَصِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ منها عن الْأُخْرَى وَلَا شَكَّ في صُعُوبَةِ مَعْرِفَتِهَا على هذا الْوَجْهِ وَبِهِ يَضْعُفُ تَرْكِيبُ الْحُدُودِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ في الْخَارِجِ الْمُطَابِقَةِ لها وَنَاقَضَهُ أبو الْبَرَكَاتِ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِهِ الْمُعْتَبَرِ فقال الْحُدُودُ في غَايَةِ السُّهُولَةِ لِأَنَّ الْحُدُودَ هِيَ حُدُودُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَسْمَاءُ أَسْمَاءُ الْأُمُورِ الْمَعْقُولَةِ وَكُلُّ أَمْرٍ مَعْقُولٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُعْقَلَ أَنَّ كَمَالَ الْمُشْتَرَكِ أَيْشٍ هو وَكَمَالُ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ أَيْشٍ هو فَكَانَ الْحَدُّ سَهْلًا من هذا الْوَجْهِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَلِجُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَضَايِقِ وَيَمْنَعُ كَوْنَ الْحَدِّ هو الدَّالُّ على حَقِيقَةِ الشَّيْءِ بَلْ هو تَفْصِيلُ ما دَلَّ اللَّفْظُ عليه إجْمَالًا وقال في الْمُلَخَّصِ الْإِنْصَافُ أَنَّهُ إنْ كان الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ منه تَفْصِيلَ مَدْلُولِ الِاسْمِ كان سَهْلًا وَإِنْ كان الْغَرَضُ مَعْرِفَةَ الْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ كان ذلك في غَايَةِ الصُّعُوبَةِ فَحَصَلَ من هذا أَنَّ الْحُدُودَ الْكَاشِفَةَ لِلْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ لَيْسَتْ عِبَارَةً عن تَفْصِيلِ ما دَلَّ اللَّفْظُ عليه إجْمَالًا بَلْ الْحَدُّ هو الْقَوْلُ الدَّالُّ على مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَصَنَّفَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ رِسَالَةً بَيَّنَ فيها صُعُوبَةَ الْحَدِّ وقال الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى الْعِلَّةُ في عُسْرِ حَدِّ بَعْضِ الْمُدْرَكَاتِ هو أَنَّ أَصْلَ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ كُلِّهَا الْحَوَاسُّ فإذا قَوِيَ الْحِسُّ على إدْرَاكِ أَمْرٍ مِمَّا اتَّضَحَتْ فُصُولُهُ الذَّاتِيَّةُ عِنْدَ الْعَقْلِ فَأَدْرَكَ حَقِيقَةَ مَاهِيَّتِهِ سَاغَ له حَدُّهُ وإذا ضَعُفَ الْحِسُّ عن إدْرَاكِ شَيْءٍ مِمَّا خَفِيَتْ فُصُولُهُ الذَّاتِيَّةُ عن الْعَقْلِ فلم يُدْرِكْ حَقِيقَتَهُ وَمَاهِيَّتَهُ لم يُقْدَرْ على حَدِّهِ وَمِنْ ذلك الرَّوَائِحُ وَالطُّعُومُ لَمَّا ضَعُفَ الْحِسُّ عن إدْرَاكِهَا عَسِرَ حَدُّهَا وقال ابن تَيْمِيَّةَ عُسْرُ الْحَدِّ مَبْنِيٌّ على اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ تَصَوُّرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَصْلُ غَلَطِهِمْ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عليهم ما في الْأَذْهَانِ بِمَا في الْأَعْيَانِ فإن هذه الْأُمُورَ قَائِمَةٌ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ سَوَاءٌ طَابَقَ أَمْ لَا وَلَيْسَ هو تَابِعًا لِلْحَقَائِقِ في نَفْسِهَا تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ الْقَصْدُ من الْحَدِّ بَانَ مِمَّا سَبَقَ عن كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْقَصْدَ من الْحَدِّ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلِهَذَا قال الْأَنْصَارِيُّ في شَرْحِ الْإِرْشَادِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَصْدُ من التَّحْدِيدِ في اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْفَرْقُ بِخَاصَّةِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ التي يَقَعُ بها الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ا هـ وَلِهَذَا كان الِاضْطِرَادُ وَالِانْعِكَاسُ لَا يَتِمُّ الْحَدُّ إلَّا بِهِمَا وَأَمَّا الْمَنَاطِقَةُ فَقَالُوا إنَّ فَائِدَةَ الْحَدِّ التَّصْوِيرُ وَبَنَوْا على ذلك أُمُورًا سَتَأْتِي قال أبو الْعَبَّاسِ بن تَيْمِيَّةَ في كِتَابِ الرَّدِّ عليهم وَاَلَّذِي عليه جَمِيعُ الطَّوَائِفِ أَنَّ فَائِدَتَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وهو قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَنَّفَ في هذا الْبَابِ من أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُجَوِّزُ الْحَدَّ إلَّا بِمَا يُمَيِّزُ الْمَحْدُودَ لَكِنَّهُ لم يَهْتَدِ إلَى ما صَارَ إلَيْهِ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ في هذا الْمَقَامِ وهو مَوْضِعٌ شَرِيفٌ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِهِ فإن بِسَبَبِ إهْمَالِهِ دخل الْفَسَادُ في الْمَعْقُولِ وَالْأَدْيَانِ على كَثِيرٍ إذْ خَلَطُوا ما ذَكَرَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ في الْحُدُودِ بِالْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ وَصَارُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْحُدُودِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقَائِقِ وَطُولُ الْكَلَامِ في ذلك مِمَّا يُوقَفُ عليه من كَلَامِهِ قُلْت وَبَنَى الْمَنْطِقِيُّونَ على هذا الْأَصْلِ قَوَاعِدَ إحْدَاهَا قالوا الْحَدُّ لَا يُكْتَسَبُ بِالْبُرْهَانِ أَيْ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِبُرْهَانٍ وَعَقَدُوا الِاسْتِدْلَالَ عليه بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْبُرْهَانَ إنَّمَا يَكُونُ في الْقَضَايَا التي فيها حُكْمٌ وَالْحَدُّ لَا حُكْمَ فيه لِأَنَّهُ تَصَوُّرٌ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّا إذَا قُلْنَا الْإِنْسَانُ مَثَلًا حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَلَهُ أَرْبَعُ اعْتِبَارَاتٍ أَحَدُهَا تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ وهو تَصَوُّرٌ لَا حُكْمَ فيه فَلَا يُسْتَدَلُّ عليه وَلَا يُمْنَعُ ثَانِيهَا دَعْوَى الْحَدِّيَّةِ وَهَذَا يُمْنَعُ وَيُسْتَدَلُّ بِبَيَانِ صَلَاحِيَةِ هذا الْحَدِّ لِلتَّعْرِيفِ من اطِّرَادِهِ وَانْعِكَاسِهِ وَصَرَاحَةِ أَلْفَاظِهِ ثَالِثَهَا دَعْوَى الْمَدْلُولِيَّةِ وهو أَنَّ هذا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْمَعْنَى لُغَةً أو شَرْعًا فَهَذَا يُمْنَعُ وَيُسْتَدَلُّ عليه وَهَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في كِتَابِهِ نِهَايَةِ الْعُقُولِ وَكَذَلِكَ قَيَّدَ بِهِ ابن الْحَاجِبِ إطْلَاقَهُمْ مَنْعَ اكْتِسَابِهِ بِالْبُرْهَانِ قال أَمَّا لو أُرِيدَ بِالْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ مَدْلُولُهُ لُغَةً أو شَرْعًا فَلَا بُدَّ له من النَّقْلِ رَابِعَهَا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ ذَاتَ الْإِنْسَانِ مَحْكُومٌ عليها بِالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ فَيَتَوَجَّهُ عليه الْمَنْعُ وَالْمُطَالَبَةُ وَلَا يَكُونُ ذلك حَدًّا بَلْ دَعْوًى ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَيْضًا وقال في الْمُلَخَّصِ هذا بِحَسَبِ الِاسْمِ أَمَّا إذَا كان بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ وهو أَنْ يُشِيرَ إلَى مَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ وَيَزْعُمَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ مُرَكَّبَةٌ من كَذَا وَكَذَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فيه من الْحُجَّةِ وَاَلَّذِي أَطْلَقَهُ هُنَا ابن سِينَا في كُتُبِهِ امْتِنَاعُ الِاكْتِسَابِ لِلْحَدِّ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ مُطْلَقًا وَذُكِرَ عن أَفْلَاطُونَ أَنَّهُ يُكْتَسَبُ بِالْقِسْمَةِ وَزَيَّفَهُ فَإِنْ قِيلَ ما ذَكَرْتُمُوهُ يَتَوَجَّهُ عليه النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ على الْحَدِّ وقد اتَّفَقَ النُّظَّارُ على تَوَجُّهِهِمَا ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْحَدَّ ما لم يَنْضَمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ من الدَّعَاوَى فإنه لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ النَّقْضُ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ النَّقْضُ على تَسْلِيمِ بُعْدِ الْحَدِّ مِثَالُهُ إذَا قِيلَ الْعِلْمُ هو الذي يَصِحُّ من الْمَوْصُوفِ بِهِ أَحْكَامُ الْفِعْلِ فإذا قِيلَ هذا مَنْقُوضٌ بِالْعِلْمِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَالَاتِ فإنه عِلْمٌ وَلَا يُفِيدُ أَحْكَامًا فَهَذَا النَّقْضُ إنَّمَا يَسْلَمُ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُحَالَاتِ فَلَوْ لم تَسْلَمْ هذه الدَّعْوَى لم يُمْكِنْ تَوَجُّهُ النَّقْضِ إلَيْهِ قال وَكَذَا الْمُعَارَضَةُ لَا يُمْكِنُ الْقَدَحُ بها في الْحَدِّ إلَّا عِنْدَ تَسْلِيمِ الدَّعْوَى وَإِلَّا فَالْحَقَائِقُ غَيْرُ مُتَعَانِدَةٍ في مَاهِيَّاتِهَا فإن من عَارَضَ هذا الْحَدَّ بِأَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْمُقْتَضِي سُلُوكَ النَّفْسِ فَلَيْسَ بين هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ تَعَانُدٌ وإذا لم يَكُنْ بين الْحَقِيقَتَيْنِ مُنَافَاةٌ لم تَتَحَقَّقْ الْمُعَارَضَةُ في الْحُدُودِ الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ في الْحَقِيقَةِ مَبْنِيَّةٌ على ما قَبْلَهَا أَنَّ الْحَدَّ لَا يُمْنَعُ فإن الْمَنْعَ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الدَّلِيلِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُبَرْهَنُ عليه فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ وَبَيَانُ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَنَّهُ في إقَامَةِ الدَّلِيلِ عليه يَفْتَقِرُ إلَى إثْبَاتِ مُقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ في إثْبَاتِ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَفْتَقِرُ إلَى إثْبَاتِ مُقَدِّمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَهَكَذَا إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَيَلْزَمُ إمَّا الدَّوْرُ أو التَّسَلْسُلُ وَهُمَا بَاطِلَانِ وقال أبو الْعَبَّاسِ بن تَيْمِيَّةَ يَجُوزُ مَنْعُ الْحَدِّ لِأَنَّهُ دَعْوَى فَجَازَ أَنْ يُصَادَمَ بِالْمَنْعِ كَغَيْرِهِ من الدَّعَاوَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فإن مَرْجِعَ الْمَنْعِ طَلَبُ الْبُرْهَانِ وهو لَا يُمْكِنُ على ما قَرَّرُوهُ وَلَيْسَ كُلُّ دَعْوَى تُصَادَمُ بِالْمَنْعِ بِدَلِيلِ الْأَوَّلِيَّاتِ فإن الْكَلَامَ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا ولم يُسْمَعْ مَنْعُهَا وقال الْجَاجَرْمِيُّ في رِسَالَتِهِ إنَّ هذا يَنْشَأُ عن حَدِّ الْحَدِّ ما هو حتى يُنْظَرَ فيه أَنَّهُ هل يُمْنَعُ أَمْ لَا وَالْحَدُّ قد يَكُونُ حَقِيقِيًّا وقد يَكُونُ رَسْمِيًّا الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ وَالْحَدُّ الرَّسْمِيُّ فَنَقُولُ الْحَادُّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هذا اللَّفْظَ وهو قَوْلُنَا إنْسَانٌ مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ أو يَدَّعِيَ أَنَّ ذَاتَ الْإِنْسَانِ مَحْكُومٌ عليها بِالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ أو يُرِيدَ بِقَوْلِهِ من الْإِنْسَانِ إنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ الْإِشَارَةَ إلَى هذه الْمَاهِيَّةِ الْمُتَصَوَّرَةِ من غَيْرِ حُكْمٍ عليها بِنَفْيٍ أو إثْبَاتٍ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ دَعْوَى فَلِمَاذَا لَا يُمْنَعُ وما الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الدَّعَاوَى لِأَنَّهُ في إقَامَةِ الدَّلِيلِ على كل مُقَدِّمَةٍ يَفْتَقِرُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَدُورُ وَلَا يَتَسَلْسَلُ بَلْ يَنْتَهِي إلَى مُقَدِّمَةٍ أَوَّلِيَّةٍ أو قَطْعِيَّةٍ وَكَذَا هُنَا قال وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ما ذَكَرْنَا إجْمَاعُ النُّظَّارِ على النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ على الْحَدِّ وما يَتَوَجَّهُ عليه النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ يَتَوَجَّهُ عليه الْمَنْعُ لِأَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ في الرُّتْبَةِ عن الْمَنْعِ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ لَا نِزَاعَ في أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ نحو الْخَبَرِ وَلَا خَبَرَ هُنَاكَ ا هـ وَهَذَا يَنْظُرُ لِمَا سَبَقَ في طَلَبِ الْبُرْهَانِ عليه وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ على تَوْجِيهِ الْمُعَارَضَةِ أَخَذَهُ من كَلَامِ الْإِمَامِ السَّابِقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ الْمُعَارَضَةَ فيه قال لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْمُعَارِضِ قَبْلَهُ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ حَدَّيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ لِمَحْدُودٍ وَاحِدٍ وهو مُحَالٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ إنْ كانت في حَدٍّ رَسْمِيٍّ فَلَا نُبْطِلُهُ فإنه يَجُوزُ فيه التَّعَدُّدُ على ما سَيَأْتِي لِتَعَدُّدِ اللَّوَازِمِ وَإِنْ كانت في الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ وَقُلْنَا ليس لِشَيْءٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ فَالْمُعَارَضَةُ إبْطَالٌ وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَلَا إبْطَالَ فيها وَأَمَّا الْحَدُّ اللَّفْظِيُّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْمَنْعِ فيه وَلَا لِلْمُعَارَضَةِ قَطْعًا وقال الرَّشِيدُ الْحَوَارِيُّ إنَّمَا تَدْخُلُهُ الْمُعَارَضَةُ بِحَدٍّ أَرْجَحَ منه أو النَّقْضُ كما لو قِيلَ حَدُّ الْغَصْبِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ على مَالٍ لِلْغَيْرِ وقال الْخَصْمُ بَلْ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مع إزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ فيقول هذا يَبْطُلُ بِالْغَاصِبِ من الْغَاصِبِ فإنه لم يُوجَدْ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ وَالْغَصْبُ مُحَقَّقٌ قال وقد يَتَكَايَسُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ الْحَدُّ لَا يُمْنَعُ بَعْدَمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَدًّا وَلَكِنْ لِمَ قُلْت إنَّمَا ذَكَرْته حَدٌّ وَهَذَا لَا وَجْهَ له لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ الْحَدُّ لَا يُمْنَعُ أَيْ ما يُدَّعَى كَوْنُهُ حَدًّا لَا يُمْنَعُ وَإِلَّا كُلُّ ما صَحَّ كَوْنُهُ حَدًّا فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ ثُمَّ كُلُّ دَعْوَى ادَّعَاهَا الْإِنْسَانُ وَصَحَّ أَنَّ الْأَمْرَ كما يَقُولُهُ فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ فَلَا يَخْتَصُّ هذا بِالْحَدِّ التَّنْبِيهُ الثَّانِي حَدُّ الشَّيْءِ بِحَدَّيْنِ فَأَكْثَرَ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ حَدَّانِ فَأَكْثَرُ وَحَكَى الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في كِتَابِهِ الْإِفَادَةِ فيه خِلَافًا وَاخْتَارَ الْجَوَازَ قال وَلَا يَمْتَنِعُ في اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ عِدَّةُ أَوْصَافٍ كُلُّ وَاحِدٍ منها يَحْصُرُهُ وَكَمَا قالوا في الْحَرَكَةِ نَقْلَةٌ وَزَوَالٌ وَذَهَابٌ في جِهَةٍ وَقَوْلُهُمْ إنَّ التَّعَدُّدَ يُؤَدِّي إلَى الْمُنَاقَضَةِ وَيَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَقًّا مَمْنُوعٌ ا هـ وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تُفِيدُ أَنَّ نِزَاعَهُمْ في الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ وَعَلَى هذا احْتِجَاجُهُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَقْوَى لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في جَوَازِ التَّعَدُّدِ في اللَّفْظِيِّ وَالرَّسْمِيِّ وقد نَبَّهَ ابن الْحَاجِبِ على أَنَّ امْتِنَاعَ تَعَدُّدِ الْحَدَّيْنِ الذَّاتِيَّيْنِ مَبْنِيٌّ على تَفْسِيرِ الذَّاتِيِّ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِيِّ قبل فَهْمِهِ فإن الْقَصْدَ بِهِ فَهْمُ ذَاتِيَّاتِهِ على سَبِيلِ التَّفْصِيلِ وَلَا يَحْصُلُ ذلك حين فُهِمَ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهَا لِأَجْلِ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ وَوُجُودُ اشْتِمَالِهِ على ذلك مَانِعٌ من التَّعَدُّدِ وَسَكَتَ عَمَّا يَقْتَضِيهِ التَّعْرِيفَانِ الْأَخِيرَانِ لِلذَّاتِيِّ بَلْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا لَا يَقْتَضِيَانِ امْتِنَاعَ التَّعَدُّدِ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ خِلَافٌ في التَّعَدُّدِ في الْحَقِيقِيِّ وقد صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ في الرَّسْمِيِّ وَاللَّفْظِيِّ أَمَّا اللَّفْظِيُّ فَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ الْأَسَامِي الْمَوْضُوعَةِ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَأَمَّا الرَّسْمِيُّ فَلِأَنَّ عَوَارِضَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَلَوَازِمَهُ قد تَكْثُرُ بِخِلَافِ الْحَقِيقِيِّ فإن الذَّاتِيَّاتِ مَحْصُورَةٌ فَإِنْ لم يَذْكُرْهَا لم يَكُنْ حَدًّا حَقِيقِيًّا وَإِنْ ذَكَرَ مَعَهَا زِيَادَةً فَهِيَ حَشْوٌ فَإِذَنْ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يَتَعَدَّدُ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ الْفَصْلُ هل هو عِلَّةٌ لِوُجُودِ الْجِنْسِ ؟ اخْتَلَفُوا أَنَّ الْفَصْلَ هل هو عِلَّةٌ لِوُجُودِ الْجِنْسِ فقال ابن سِينَا وَغَيْرُهُ نعم لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ جِنْسٍ مُجَرَّدٍ عن الْفُصُولِ كَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَخَالَفَهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ من ذَاتٍ وَصِفَةٍ أَخَصُّ منها كَالْحَيَوَانِ الْكَاتِبِ يَكُونُ الذَّاتُ جِنْسَهَا وَالصِّفَةُ فَصْلَهَا مع امْتِنَاعِ كَوْنِ الصِّفَةِ عِلَّةً لِلذَّاتِ لِتَأَخُّرِهَا عنها وَهَذَا يُعَكِّرُ عليه أَنَّ تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ اعْتِبَارِيَّةٌ وَالْكَلَامُ في الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَيَتَفَرَّعُ على الْعِلَّةِ أَحْكَامٌ منها أَنَّ الْفَصْلَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْعِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ جِنْسًا له بِاعْتِبَارٍ آخَرَ كما ظَنَّ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّاطِقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ فَصْلٌ لِلْإِنْسَانِ وَإِلَى الْمَلَكِ جِنْسٌ له وَالْحَيَوَانُ بِالْعَكْسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَصْلَ لو كان جِنْسًا لَكَانَ مَعْلُولًا لِلْجِنْسِ الْمَعْلُولِ له فَيَكُونُ الْمَعْلُولُ عِلَّةً لِعِلَّتِهِ وهو مُمْتَنِعٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَارِنُ إلَّا جِنْسًا وَاحِدًا فإنه لو قَارَنَ جِنْسَيْنِ في مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ حتى يَلْتَئِمَ من الْفَصْلِ وَأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ مَاهِيَّةٌ وَمِنْهُ وَمِنْ الْآخَرِ أُخْرَى لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ لِمَاهِيَّةٍ وَاحِدَةٍ جِنْسَانِ في مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عن الْعِلَّةِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْفَصْلِ في كل وَاحِدٍ من الْمَاهِيَّتَيْنِ وَعَدَمِ جِنْسِ ما لَزِمَهَا في الْأُخْرَى وَمِنْهَا أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَوِّمُ إلَّا نَوْعًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قد ثَبَتَ امْتِنَاعُ أَنْ يُقَارِنَهُ إلَّا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْفَصْلَ الْقَرِيبَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا فإنه لو تَعَدَّدَ لَزِمَ تَوَارُدُ عِلَّتَيْنِ على مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَكْثِيرَ الْفُصُولِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَصْلَ لَا تَجُوزُ زِيَادَتُهُ على وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَقُومُ لِوُجُودِ حِصَّةِ النَّوْعِ من الْجِنْسِ فَإِنْ كَفَى الْوَاحِدُ في التَّقْوِيمِ اُسْتُغْنِيَ عن الْآخَرِ وَإِلَّا لم يَكُنْ فَصْلًا وَحَيْثُ وُجِدَ في كَلَامِ الْعُلَمَاءِ تَعَدُّدُ الْفُصُولِ بِقَوْلِهِمْ فَصْلٌ ثَانٍ وَثَالِثٌ فَلَا تَحْقِيقَ في هذه الْعِبَارَةِ فإن الْمَجْمُوعَ فَصْلٌ وَاحِدٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا جَعَلُوهُ فَصْلًا هو جُزْءُ الْفَصْلِ وَلَمَّا ذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى بُطْلَانِ قَاعِدَةِ الْعِلِّيَّةِ جَوَّزَ الْفُرُوعَ الثَّلَاثَةَ الْأَوَّلُ لِجَوَازِ تَرْكِيبِ الشَّيْءِ من أَمْرَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ من الْآخَرِ من وَجْهٍ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ فَالْمَاهِيَّةُ إذَنْ تَرَكَّبَتْ مِنْهُمَا لِكَوْنِ الْحَيَوَانِ جِنْسًا وَالْأَبْيَضِ فَصْلًا لها بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَوَانِ الْأَسْوَدِ وَبِالْعَكْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمَادِ الْأَبْيَضِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسًا وَفَصْلًا وهو الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَفَصْلًا يُقَارِنُ جِنْسَيْنِ له من الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وهو الْحُكْمُ الثَّانِي الْمُسْتَلْزِمُ لِلثَّالِثِ وقال ابن وَاصِلٍ ذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْفَصْلَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ قد يَكُونُ جِنْسًا له وَيَجُوزُ اقْتِرَانُهُ بِجِنْسَيْنِ فَيَكُونُ مُقَوِّمًا لِنَوْعَيْنِ وَذَلِكَ في الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ من قَيْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ من الْآخَرِ من وَجْهٍ كَالْحَيَوَانِ الْأَبْيَضِ فإن الْحَيَوَانَ يَصْدُقُ على الْأَبْيَضِ وَغَيْرِهِ وَالْأَبْيَضَ يَصْدُقُ على الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ جَعَلْت الْحَيَوَانَ جِنْسًا لِهَذِهِ الْمَاهِيَّةِ كان الْأَبْيَضُ فَصْلًا لها وَإِنْ جَعَلْت الْأَبْيَضَ جِنْسًا لها كان الْحَيَوَانُ فَصْلًا قال ابن وَاصِلٍ وَاَلَّذِي نَقُولُهُ إنَّا نَمْنَعُ أَنَّ مَاهِيَّتَهُ في نَفْسِ الْأَمْرِ تَتَأَلَّفُ عن هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ وَإِنَّمَا يَتَأَلَّفُ عنهما مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ وَكَلَامُنَا إنَّمَا هو في الْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ في الْخَارِجِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ شيئا منها يَتَرَكَّبُ مِمَّا هذا شَأْنُهُ أَقْسَامُ الْحَدِّ وَأَمَّا أَقْسَامُهُ فَحَقِيقِيٌّ وَرَسْمِيٌّ وَمِنْهُمْ من يقول ثَلَاثَةٌ وَيَزِيدُ اللَّفْظِيَّ وَعَلَيْهِ جَرَى ابن الْحَاجِبِ وما ذَكَرْنَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْحَدَّ نُطْقٌ يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْمَنْطُوقِ بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ حَاصِلٍ من اللَّفْظِيِّ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فَالْحَقِيقِيُّ هو ما اشْتَمَلَ على مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْخَاصَّةِ وَالرَّسْمِيُّ ما اشْتَمَلَ على عَوَارِضِهِ وَخَوَاصِّهِ اللَّازِمَةِ وَرُبَّمَا قِيلَ إنَّهُ اللَّفْظُ الشَّارِحُ لِلشَّيْءِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُهُ عن غَيْرِهِ وهو الْمَوْجُودُ في أَكْثَرِ التَّعْرِيفَاتِ فإن الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ يَعِزُّ وُجُودُهُ كما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فَلِذَلِكَ كان الْأَكْثَرُ هو الرَّسْمِيُّ فإن الْحَقِيقِيَّ يَتَوَقَّفُ على مَعْرِفَةِ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ وَغَيْرِهَا وَتَرْتِيبِهَا على الْوَجْهِ الصَّحِيحِ وقد يَتَعَذَّرُ بَعْضُ ذلك وَمِنْهُمْ من يقول ليس الْحَدُّ إلَّا وَاحِدًا وهو الْحَقِيقِيُّ وَأَمَّا التَّعْرِيفُ بِالرَّسْمِ وَاللَّفْظِ فَلَا يُسَمَّى حَدًّا فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ فذكر الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحَدَّ يُطْلَقُ على مُسَمَّيَاتِهِ بِالِاشْتِرَاكِ كَدَلَالَةِ الْعَيْنِ على الْبَاصِرَةِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِهِمَا وَالْحَقُّ أَنَّ دَلَالَتَهُ عليها دَلَالَةُ التَّوَاطُؤِ كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْحَيَوَانِ على ما تَحْتَهُ من الْأَنْوَاعِ ثُمَّ الذي اصْطَلَحَ عليه الْجُمْهُورُ أَنَّ التَّعْرِيفَ إنْ كان بِالْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَالْفَصْلِ فَهُوَ الْحَدُّ التَّامُّ وهو تَعْرِيفٌ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ وَإِنْ كان بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مُسَاوٍ لِلْمَاهِيَّةِ فَهُوَ الْحَدُّ النَّاقِصُ كَالتَّعْرِيفِ بِالْفَصْلِ فَقَطْ كَالنَّاطِقِ أو بِالْجِنْسِ بِالْبَعِيدِ معه كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ وَإِنْ كان التَّعْرِيفُ بِجُزْءِ الْمَاهِيَّةِ مع الْخَارِجِ عنها فَهُوَ الرَّسْمُ التَّامُّ كَالْحَيَوَانِ الضَّاحِكِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذلك الْجُزْءُ أَعَمَّ أَمَّا لو قُلْت النَّاطِقُ الضَّاحِكُ فَالْحَدُّ هو النَّاطِقُ وَالضَّاحِكُ حِينَئِذٍ ليس من أَقْسَامِ التَّعْرِيفَاتِ وَإِنْ كان التَّعْرِيفُ بِالْخَارِجِ وَحْدَهُ فَهُوَ الرَّسْمُ النَّاقِصُ كَالضَّاحِكِ وَإِنْ كان بِتَبْدِيلِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَجْلَى منه عِنْدَ السَّامِعِ فَهُوَ اللَّفْظِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اللُّغَةِ وَلَيْسَ من الْحُدُودِ في شَيْءٍ وَمَنْ اشْتَرَطَ الْأَجْلَى يَعْلَمُ أَنَّ الْوَاقِعَ في كُتُبِ اللُّغَةِ من تَعْرِيفِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ بِالْآخَرِ مع اسْتِوَائِهِمَا في الشُّهْرَةِ لَا يُسَمَّى حَدًّا لَفْظِيًّا اصْطِلَاحًا كَيْفِيَّةُ تَرْكِيبِ الْحَدِّ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَرْكِيبِهِ فَمِنْ شَيْئَيْنِ وَهُمَا مَادَّتُهُ وَصُورَتُهُ وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِنْسُهُ وَفَصْلُهُ وَأَمَّا جِنْسُهُ فَيَقُومُ مَقَامَ مَادَّتِهِ ذلك الْمُعَيَّنُ وَأَمَّا فَصْلُهُ فَيَقُومُ مَقَامَ صُورَتِهِ ذلك الْمُعَيَّنُ كَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ على ذِكْرِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ ولم يَتَعَرَّضَا لِلْفَاعِلِيَّةِ وَالْغَائِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِيُبَيِّنَ صُورَةَ الشَّيْءِ إذْ الصُّورَةُ إنَّمَا هِيَ كَمَالُ وُجُودِ الشَّيْءِ وَهِيَ أَشْرَفُ ما بِهِ قِوَامُهُ فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ تُوجَدَ أَجْزَاءُ الْحَدِّ من جِهَةِ الصُّورَةِ لَا من جِهَةٍ غَيْرِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا أُوجِدَ الْحَدُّ بِجِنْسِهِ وَفَصْلِهِ صُوِّرَ الشَّيْءُ بِصُورَتِهِ التي هِيَ أَكْمَلُ من مَادَّتِهِ وَأَرَدْنَا كَمَالَ الْحَدِّ بِذِكْرِ بَاقِي أَسْبَابِ وُجُودِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُذْكَرَ في الْحَدِّ على جِهَةِ التَّبَعِ فَيَكُونُ الْحَدُّ حِينَئِذٍ كَامِلًا قد كَمُلَتْ فيه جَمِيعُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ الدَّاخِلَةِ في ذَاتِهِ وَهُمَا مَادَّتُهُ وَصُورَتُهُ وَالْخَارِجَةُ عن ذَاتِهِ وَهُمَا فَاعِلُهُ وَغَايَتُهُ وَكَذَا قال الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى قال وَتَرْتِيبُهُ فيها على تَرْتِيبِهَا في السَّبَبِيَّةِ فَتُؤْخَذُ الصُّورَةُ أَوَّلًا التي هِيَ أَقْوَى سَبَبَيْ الشَّيْءِ الدَّاخِلَيْنِ في ذَاتِهِ ثُمَّ تُتْبَعُ بِالْمَادَّةِ ثُمَّ بِالْخَارِجَيْنِ عن ذَاتِهِ فَيَكُونُ هذا الْحَدُّ أَكْمَلَ الْحُدُودِ وَلَوْ اقْتَصَرْنَا على صُورَتِهِ لَكَفَى لَكِنَّ هذا أَكْمَلُ انْتَهَى شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَدِّ وَأَمَّا شُرُوطُ صِحَّتِهِ فَمِنْهَا ما يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَمِنْهَا ما يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى فَمِنْ الْمَعْنَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَهَذَا هو الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الِاطِّرَادُ وَمَانِعًا عن دُخُولِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ في الْحَدِّ وهو الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الِانْعِكَاسُ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وقال الْغَزَالِيُّ وابن الْحَاجِبِ الْمُطَّرِدُ هو الْمَانِعُ وَالْمُنْعَكِسُ هو الْجَامِعُ وَهَذَا هو الصَّوَابُ أَوْفَقُ لِلِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ فإن الْمَفْهُومَ من قَوْلِنَا اطَّرَدَ كَذَا أَنَّهُ وُجِدَ وَاسْتَمَرَّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّرْدِ الْوُجُودَ في جَمِيعِ الصُّوَرِ وَإِنَّمَا صَوَّبْنَا الثَّانِيَ لِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِ بِالِاطِّرَادِ أَنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْمَحْدُودِ مُطَّرِدٌ وَهَذَا الذي تَحَقَّقَ وَصْفُهُ بِالْحَدِّ فَالْمُرَادُ اطِّرَادُ التَّعْرِيفِ تَنْبِيهٌ هل الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ شَرْطُ الصِّحَّةِ أو دَلِيلُهَا خِلَافٌ حَكَاهُ الْأَنْبَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ فَإِنْ كان شَرْطًا لم يَلْزَمْ من وُجُودِهِ صِحَّةُ الْحَدِّ وَيَلْزَمُ من الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ وَإِنْ كان دَلِيلُ الصِّحَّةِ لَزِمَ من الْوُجُودِ الصِّحَّةُ ولم يَلْزَمْ من الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ قال وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ لِأَنَّا نَجِدُ حُدُودًا مُطَّرِدَةً وَمُنْعَكِسَةً وَلَا يَحْصُلُ منها مَقْصُودُ الْبَيَانِ وهو الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ كَقَوْلِنَا الْعِلْمُ ما عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا فَهَذَا وَإِنْ كان يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ عُرِفَتْ صِحَّتُهُ بِاطِّرَادِهِ وَانْعِكَاسِهِ فَتَجَوُّزٌ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَجْمَعُوا على أَنَّ شَرْطَ الْحَدِّ الِاطِّرَادُ وَالِانْعِكَاسُ وما اطَّرَدَ ولم يَنْعَكِسْ جَرَى مَجْرَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أو الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ أَخْفَى من الْمَحْدُودِ وَلَا مُسَاوِيًا له في الْخَفَاءِ وَعِبَارَةُ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ بِأَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ أَوْضَحَ منه وَأَسْبَقَ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ وَأَنْ يَكُونَ شَائِعًا في جَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَحْدُودِ وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يَكُونُ عِلَّتَهُ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ تَنْبِيهٌ الْخَفَاءُ هل يُعْتَبَرُ الْخَفَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ أو إلَى كل أَحَدٍ مِثَالُهُ النَّفْسُ أَخْفَى من النَّارِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا عَرَّفَ نَفْسَهُ أَجْلَى من النَّارِ فَهَلْ تُحَدُّ له النَّارُ بِأَنَّهَا جِسْمٌ كَالنَّفْسِ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا على اخْتِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ فَعِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ لَا بُدَّ في الْحَدِّ من التَّرْكِيبِ وَمَنَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ منهم إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ عن كَثِيرٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ قال وَإِلَيْهِ يَمِيلُ شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَمَنْ مَنَعَهُ اعْتَبَرَهُ بِالْعِلَّةِ وهو فَاسِدٌ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَرْكِيبِ الْحَدِّ من وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ فَمَنَعَ الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْجَمْعَ بين مَعْنَيَيْنِ في حَدٍّ وَاحِدٍ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عن الْآخَرِ وَلِهَذَا اخْتَارَ في حَدِّ الْجِسْمِ أَنَّهُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ وَاخْتَارَ الْبَاقُونَ من أَصْحَابِنَا تَرْكِيبَ الْحَدِّ من وَصْفَيْنِ وَأَكْثَرَ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَزَعَمَتْ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُرَكَّبًا من جِنْسٍ وَفَصْلٍ وَزَعَمُوا أَنَّ ما اطَّرَدَ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَانْعَكَسَ فَهُوَ رَسْمٌ لَا حَدٌّ وَلِهَذَا قالوا إنَّ قَوْلَنَا الْإِنْسَانُ هو الضَّاحِكُ رَسْمٌ وَقَوْلُهُمْ الْإِنْسَانُ حَيٌّ نَاطِقٌ مَائِتٌ حَدٌّ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ من جِنْسٍ وَفَصْلٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّهُ ليس الْمُرَادُ بِمَنْعِ التَّرْكِيبِ تَكْلِيفَ الْمَسْئُولِ أَنْ يَأْتِيَ في حَدِّ ما يُسْأَلُ عنه بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ إذْ الْمَقْصُودُ اتِّحَادُ الْمَعْنَى بِدُونِ اللَّفْظِ وَالْعِبَارَاتُ لَا تُقْصَدُ لِأَنْفُسِهَا وَلَيْسَتْ هِيَ حُدُودًا بَلْ مُنْبِئَةٌ عن الْحُدُودِ تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَنَّ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ في مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وقال الْمُقْتَرِحُ لم يَتَوَارَدْ كَلَامُهُمَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ بَلْ الْمُرَادَانِ مُتَغَايِرَانِ فَمُرَادُ الْمَنْطِقِيِّينَ بِالتَّرْكِيبِ هو الْمُرَكَّبُ من جِنْسٍ وَفَصْلٍ وهو صَحِيحٌ في الْحَدِّ وَالتَّرْكِيبُ الذي أَرَادَهُ الْأُصُولِيُّونَ هو تَدَاخُلُ الْحَقَائِقِ وهو مُبْطِلٌ لِلْمَحْدُودِ مِثَالُهُ إذَا حُدَّ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ الذي يَصِحُّ من الْمُتَّصِفِ بِهِ إحْكَامُ الْفِعْلِ وَإِتْقَانُهُ فَيُقَالُ هذا فيه تَرْكِيبٌ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فيه الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ فَتَكُونُ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ عِلْمًا وَلِأَنَّهُ إنْ كانت الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ دَاخِلَتَيْنِ في الْعِلْمِ لَزِمَ التَّرْكِيبُ الْمُفْسِدُ لِلْحَدِّ وَإِنْ كَانَتَا خَارِجَتَيْنِ عن الْعِلْمِ فَالْعِلْمُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَصِحُّ بِهِ الْإِحْكَامُ لِأَنَّ الْعَالِمَ الْعَاجِزَ لَا يُتَصَوَّرُ منه الْإِحْكَامُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ فَرْعٌ التَّحْدِيدُ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ قال الْأُسْتَاذُ اخْتَلَفُوا في التَّحْدِيدِ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ فَالْمَانِعُونَ من تَرْكِيبِ الْحَدِّ مَنَعُوهُ وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ من أَجَازَ التَّرْكِيبَ نحو الْخَبَرُ ما كان صِدْقًا أو كَذِبًا وَحَقِيقَةُ الْوُجُودِ ما كان قَدِيمًا أو مُحْدَثًا وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ في أَنَّ التَّقْسِيمَ في الْحَدِّ هل يُفْسِدُهُ أَحَدُهَا نعم لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عنه بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَالتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ لِأَنَّ حَرْفَ أو لِلتَّرَدُّدِ وهو مُنَافٍ لِلتَّعْرِيفِ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا وَلَا تَرَدُّدَ فيه وَالثَّالِثُ وَصَحَّحَهُ إنْ كان التَّقْسِيمُ من نَفْسِ الْحَدِّ أَفْسَدَهُ وَإِنْ كان خَارِجًا عنه لِمَقْصُودِ الْبَيَانِ لم يُفْسِدْهُ قال وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّقْسِيمُ من نَفْسِ الْحَدِّ إذَا كان بِحَيْثُ إذَا أُسْقِطَ من الْحَدِّ وَرَدَ عليه ما يُبْطِلُهُ وَمِنْهَا قالوا لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَدَّرَ الْحُدُودُ بِلَفْظَةِ كُلٍّ هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وكان مَقْصُودُهُمْ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ أَيْ كل وَاحِدٍ لِأَنَّ الْحَدَّ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ صَادِقًا على كُلٍّ منها مِثَالُهُ الْإِنْسَانُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ بِاعْتِبَارِ كل وَاحِدٍ فَيَكُونُ الْحَدُّ مَنْطِقِيًّا على كل فَرْدٍ فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا صَادِقًا على ذَوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وهو بَاطِلٌ لِأَنَّك تَكُونُ حَكَمْت على زَيْدٍ مَثَلًا بِأَنَّهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ وَغَيْرُهُ يُشَارِكُهُ في ذلك فَيَكُونُ غير مَانِعٍ وَيَجِبُ تَنْزِيلُ إطْلَاقِهِمْ الْمَنْعَ على هذا أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعِيِّ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ كُلٍّ في الْحُدُودِ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ حِينَئِذٍ الْمَاهِيَّةُ الْمُرَكَّبَةُ من أَجْزَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُرَادَةٍ بِلَفْظِ كُلٍّ وَالْحَدُّ لِمَجْمُوعِهَا إذْ لَا مَانِعَ أَنْ تُحِدَّ شيئا وَاحِدًا مُرَكَّبًا من أَجْزَاءٍ خَارِجِيَّةٍ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَجُوزُ تَصْدِيرُ حَدِّهِ بِلَفْظَةِ كُلٍّ لِأَنَّ الْحَدَّ فيه ليس بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ وكل مَوْضُوعُهَا كُلِّيَّةٌ وَمِنْ اللَّفْظِيَّةِ تَوَقِّي الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ الْوَحْشِيَّةِ وَالِاشْتِرَاكِ والإجمال وَالتَّكْرَارِ وَالْمَجَازِ غَيْرِ الشَّائِعِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ لِبُعْدِ الْبَيَانِ فَإِنْ اقْتَرَنَتْ قَرِينَةُ مَعْرِفَةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ قال الْأَنْبَارِيُّ وَالصَّحِيحُ الْقَبُولُ وَالْأَحْسَنُ التَّرْكُ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ كان اللَّفْظُ نَصًّا فَهُوَ أَحْسَنُ ما يُسْتَعْمَلُ في الْحُدُودِ وَكَذَا إنْ كان ظَاهِرًا وَاحْتِمَالُهُ بَعِيدٌ فَإِنْ كان مُشْتَرَكًا أو مُلْتَبِسًا فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ مُجَرَّدًا عن الْقَرِينَةِ بِحَالٍ وَاخْتَلَفُوا في صِحَّتِهِ مع الْقَرِينَةِ الْمَقَالِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعِلْمُ الثِّقَةُ بِالْمَعْلُومِ فإن الثِّقَةَ مُشْتَرَكَةٌ بين الْأَمَانَةِ وَالْعِلْمِ لَكِنَّ ذِكْرَ الْمَعْلُومِ يَقْطَعُ ذلك الِاشْتِرَاكَ وَيُبَيِّنُ مَقْصُودَ الْمُتَكَلِّمِ منه وَهَلْ يَكُونُ اقْتِرَانُ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ بين الْمُتَخَاطِبِينَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ هذا أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فيه ا هـ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ اخْتَلَفُوا في التَّحْدِيدِ بِالْمَجَازِ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَصْفِ اللَّازِمِ وَالْمَجَازُ غَيْرُ لَازِمٍ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّبْيِينُ وقال الْمُقْتَرِحُ اخْتَلَفُوا في أَلْفَاظِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ هل تُسْتَعْمَلُ في الْحُدُودِ فَقِيلَ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا لِمَا فيه من اللَّبْسِ عِنْدَ السَّامِعِ وَقِيلَ نعم لِأَنَّهَا تَدْخُلُ على الْجُمْلَةِ وَفَصَّلَ آخَرُونَ بين الْمُسْتَعْمَلِ الْمَشْهُورِ وَبَيْنَ ما ليس كَذَلِكَ فَإِنْ كان مَشْهُورًا اُسْتُعْمِلَ وهو رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ وَالْغَزَالِيِّ في الْمُسْتَصْفَى فقال يَجِبُ طَلَبُ النَّهْيِ ما أَمْكَنَ فَإِنْ أَعْوَزَك النَّصُّ وَافْتَقَرْت إلَى الِاسْتِعَارَةِ فَاطْلُبْ من الِاسْتِعَارَاتِ ما هو أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْغَرَضِ انْتَهَى وَيَجِبُ أَنْ يُبْتَدَأَ بِالْأَعَمِّ ثُمَّ بِالْأَخَصِّ في الْحُدُودِ التَّامَّةِ لِأَنَّ الْأَعَمَّ منها هو الْجِنْسُ فَلَا يُقَالُ مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ من الْعِنَبِ بَلْ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْأَخَصِّ مع الْغَفْلَةِ عن الْأَعَمِّ فإذا ذُكِرَ الْأَخَصُّ أَوَّلًا تَعَذَّرَ الْفَهْمُ حتى يُذْكَرَ الْأَعَمُّ ثُمَّ يُفْهَمُ الْأَخَصُّ فَيَتَرَاخَى الْفَهْمُ عن الذَّاكِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ الْأَعَمُّ أَوَّلًا وَلِأَنَّ بِتَقْدِيمِ الْأَخَصِّ يَخْتَلُّ الْجُزْءُ الصُّورِيُّ من الْحَدِّ فَلَا يَكُونُ تَامًّا مُشْتَمِلًا على جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ وَأَمَّا غَيْرُ التَّامِّ فَتَقْدِيمُ الْأَعْرَفِ أَوْلَى وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ مَسْأَلَةٌ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ في الْحَدِّ وَلَا خِلَافَ كما قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَنَّ النُّقْصَانَ في الْحَدِّ زِيَادَةٌ في الْمَحْدُودِ وَاخْتَلَفُوا في الزِّيَادَةِ فيه فقالت الْأَوَائِلُ وَكَثِيرٌ من الْأُصُولِيِّينَ إنَّهُ نُقْصَانٌ في الْمَحْدُودِ أَيْضًا وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إنْ كان جُزْءًا منه فَكَذَلِكَ كَحَدِّهِمْ الْجَوْهَرَ بِالْمُتَلَوِّنِ بِالسَّوَادِ لِأَنَّ السَّوَادَ جُزْءٌ من اللَّوْنِ وَلَوْ طَرَحَ هذه الزِّيَادَةَ وقال الْجَوْهَرُ هو الْمُتَلَوِّنُ لَكَانَ حَدُّهُ أَعَمَّ وَأَوْضَحَ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عِنْدِي أَنَّ الزِّيَادَةَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا نَقْصٌ من الْمَحْدُودِ كَقَوْلِنَا في الْحَرَكَةِ إنَّهَا نَقْلَةٌ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أو الشِّمَالِ وَهَذَا يُخْرِجُ كُلَّ نَقْلَةٍ لَا إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ عن أَنْ تَكُونَ حَرَكَةً وَالثَّانِي لَا يَنْقُصُ بَلْ يَكُونُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءً كَقَوْلِنَا في الْحَرَكَةِ إنَّهَا فِعْلُ نَقْلَةٍ أو عَرْضُ نَقْلَةٍ فَائِدَةٌ إعْرَابُ الصِّفَاتِ في الْحُدُودِ كان بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يقول إنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ في الْحُدُودِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْرَبَ أَخْبَارًا ثَوَانِيَ بَلْ يَتَعَيَّنُ إعْرَابُهَا صِفَةً لِمَا يَلْزَمُ على الْأَوَّلِ من اسْتِقْلَالِ كل خَبَرٍ بِالْحَدِّ وَمِنْ هُنَا مَنَعَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ حُلْوٌ حَامِضٌ خَبَرَيْنِ وَأَوْجَبَ الْأَخْفَشُ أَنْ يُعْرَبَ حَامِضٌ صِفَةً وَالْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَبَرٌ لَا يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بمثله في نَحْوِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لِأَنَّ حُلْوٌ حَامِضٌ ضِدَّانِ فَالْعَقْلُ يَصْرِفُ عن تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَا مَقْصُودَيْنِ بِالذَّاتِ وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قُصِدَ مَعْنَاهُ فَلَا تُوقِعُ في الْغَلَطِ بِخِلَافِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ ليس في اللَّفْظِ وَلَا في الْعَقْلِ إذَا كَانَا خَبَرَيْنِ ما يَصْرِفُ كُلًّا مِنْهُمَا عن الِاسْتِقْلَالِ وَلِأَمْرٍ آخَرَ وهو أَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ من حُلْوٍ حَامِضٍ كَالْخَبَرِ الثَّانِي ليس له حُكْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ حتى نُقِلَ عن الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ ضَمِيرًا وما شَأْنُهُ ذلك لَا يَدْخُلُ في الْحُدُودِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ مَثَلًا مَقْصُودٌ وَحْدَهُ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ دخل بِالْجِنْسِ كَذَا ثُمَّ خَرَجَ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ كَذَا ثُمَّ بِالْفَصْلِ الثَّانِي كَذَا فَقَدْ جَعَلْت لِكُلٍّ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَأْنُ حُلْوٍ حَامِضٍ فلم يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ فَيَفْسُدُ الْحَدُّ أو يَكُونُ الثَّانِي صِفَةً وهو الْمُدَّعَى فَلْيُتَأَمَّلْ ذلك الْقِسْمَةُ وَعِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالتَّقْسِيمِ إلَى دَرْكِ الْحَقِيقَةِ كَالْحَدِّ وَسَبَقَ عن الْأُسْتَاذِ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فيه بِنَاءً على الْخِلَافِ في جَوَازِ التَّرْكِيبِ في الْحَدِّ وَالنَّظَرِ في حَدِّهَا وَأَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ صِحَّتِهَا أَمَّا حَدُّهَا فَتَكْثِيرُ الْوَاحِدِ تَقْدِيرًا وَهِيَ نَوْعَانِ قِسْمَةُ تَمْيِيزٍ وَقِسْمَةُ ثَوَابِتَ وَالثَّوَابِتُ ما عَادَ الْمُسْتَدْعَى منها إلَى الِاشْتِرَاكِ في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَالتَّمْيِيزُ بِعَكْسِهِ وقد بَلَّغَهَا الْقُدَمَاءُ إلَى أَنْوَاعٍ ثَمَانِيَةٍ الْأَوَّلُ قِسْمَةُ الْجِنْسِ إلَى الْأَنْوَاعِ كَقِسْمَةِ الْحَادِثِ إلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَقِسْمَةِ الْعَرَضِ في الِاصْطِلَاحَاتِ إلَى أَنْوَاعِهِ وَكَتَقْسِيمِ الْكَلِمَةِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ وَتَقْسِيمِ الْفُرْقَةِ عن النِّكَاحِ إلَى طَلَاقٍ وَفَسْخٍ وَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إلَى فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ الثَّانِي قِسْمَةُ النَّوْعِ إلَى الْأَشْخَاصِ كَقِسْمَةِ السَّوَادِ إلَى سَوَادِ الْقَارِ وَسَوَادِ الزِّنْجِيِّ الثَّالِثُ قِسْمَةُ الْكُلِّ إلَى الْأَجْزَاءِ كَقِسْمَةِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إلَى الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ وَإِلَى الرَّأْسِ وَالْيَدِ الرَّابِعُ قِسْمَةُ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ الْخَامِسُ قِسْمَةُ الْجَوْهَرِ إلَى الْأَعْرَاضِ كَقَوْلِهِمْ الْجِسْمُ منه أَحْمَرُ وَأَسْوَدُ السَّادِسُ قِسْمَةُ الْعَرَضِ إلَى الْجَوَاهِرِ كَقَوْلِهِمْ الْأَبْيَضُ إمَّا ثَلْجٌ أو قُطْنٌ السَّابِعُ قِسْمَةُ الْعَرَضِ إلَى أَعْرَاضٍ كَقَوْلِهِمْ الْخَلْقُ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ قالوا وَإِلَى هذه الْجِهَاتِ يَنْقَسِمُ كُلُّ مُنْقَسِمٍ وَفِيمَا ذَكَرُوهُ ضَرْبٌ من التَّدَاخُلِ الثَّامِنُ قِسْمَةُ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ شُرُوطُ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا شُرُوطُ صِحَّتِهَا فَعَدَمُ التَّدَاخُلِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّنَافُرِ فَالتَّدَاخُلُ كَقَوْلِك الْجَوْهَرُ لَا يَخْلُو من أَنْ يَقُومَ بِهِ لَوْنٌ أو سَوَادٌ وَالتَّنَافُرُ قد يَكُونُ في الْمَعْنَى فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ كَقَوْلِك الْكَوْنُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَرَكَةً أو سُكُونًا أو سَوَادًا فَإِنَّك أَدْخَلْت في جِنْسِ الْكَوْنِ نَوْعًا من أَنْوَاعِ اللَّوْنِ فَتَنَافُرُ جِنْسِهِ من حَيْثُ لم يَكُنْ نَوْعًا له وَيَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ وقد يَكُونُ في نَظْمِ الْكَلَامِ وَصِفَتِهِ كَقَوْلِك لَا يَخْلُو اللَّوْنُ الْقَائِمُ بِالْجَوْهَرِ من أَنْ يَكُونَ سُكُونًا أو يَكُونَ الْجَوْهَرُ مُتَحَرِّكًا مَسْأَلَةٌ تَوَقُّفُ الْمَطْلُوبِ التَّصْدِيقِيِّ على مُقَدِّمَتَيْنِ يَتَوَقَّفُ الْمَطْلُوبُ التَّصْدِيقِيِّ على مُقَدِّمَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا وَلَا النُّقْصَانُ عنهما وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ قالوا وَهُمَا كَالشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ قالوا وَالْمُقَدِّمَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُنْتِجُ كما لَا يُنْتِجُ ذَكَرٌ دُونَ أُنْثَى وَلَا عَكْسُهُ وَإِنَّمَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ بِازْدِوَاجِ مُقَدِّمَتَيْنِ وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْتَاجُ الْمُقَدِّمَةِ الْوَاحِدَةِ وقد اُسْتُنْكِرَ عليه إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كانت مَشْهُورَةً وَيَكُونُ حَذْفُهَا إذْ ذَاكَ من الدَّلِيلِ اخْتِصَارًا لَا اقْتِصَارًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَهَذَا كما لو اسْتَدْلَلْنَا على وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا الزَّكَاةَ فإنه مُتَوَقِّفٌ على مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَحُذِفَتْ هذه اخْتِصَارًا وَلِهَذَا يُسَمَّى بِالْمُضْمَرِ قالوا وَإِنَّمَا تُحْذَفُ لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إمَّا الِاخْتِصَارُ وَإِمَّا أَنَّهُ لو صُرِّحَ بها لَمَنَعَهَا الْخَصْمُ كَقَوْلِنَا النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ فَلَوْ صُرِّحَ بِالْكُبْرَى وَهِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ لَمَنَعَهَا الْخَصْمُ وَإِمَّا لِأَنَّهَا كَاذِبَةٌ فَتُضْمَرُ لِئَلَّا يَظْهَرَ كَذِبُهَا فَيَكُونَ إخْفَاؤُهَا أَرْوَجَ لِلْمُغَالَطَةِ هذا إذَا كان الْمَحْذُوفُ الْكُبْرَى فَإِنْ حُذِفَتْ الصُّغْرَى سُمِّيَ قِيَاسَ الرَّمْيِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَحُذِفَتْ الْمُقَدِّمَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ النَّاطِقَةُ بِرَفْعِ الثَّانِي وَهِيَ لَكِنَّهُمَا لم تَفْسُدَا إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فَحُذِفَ منه وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لم يَبْتَغُوا مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولُ وَكُلٌّ من الْمُقَدِّمَتَيْنِ يَنْقَسِمُ إلَى مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ أَيْ مَحْكُومٍ عليه وَمَحْكُومٍ بِهِ قالوا وَالنُّحَاةُ يُسَمُّونَهُمَا الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ قال الْمَنْطِقِيُّونَ وَلَا بُدَّ من نِسْبَةِ تَوَسُّطٍ بين الْمَحْمُولِ وَالْمَوْضُوعِ وَإِلَّا لم تَكُنْ قَضِيَّةٌ وَاللَّفْظُ الدَّالُّ على هذه النِّسْبَةِ يُسَمَّى رَابِطَةً فَإِنْ صُرِّحَ بها كَقَوْلِنَا زَيْدٌ هو كَاتِبٌ سُمِّيَتْ ثُلَاثِيَّةً وَإِنْ أُسْقِطَتْ اعْتِمَادًا على فَهْمِ الْمَعْنَى نحو زَيْدٌ كَاتِبٌ سُمِّيَتْ ثُنَائِيَّةً وَهِيَ الرَّابِطَةُ من جُمْلَةِ الْأَدَوَاتِ في غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ أَمَّا لُغَةُ الْعَرَبِ فَمِنْهُمْ من يَجْعَلُهَا أَدَاةً وَمِنْهُمْ من يَجْعَلُهَا اسْمًا على ما عُرِفَ من الْخِلَافِ بين النَّحْوِيِّينَ في ضَمِيرِ الْفَصْلِ وقد رَدَّ السُّهَيْلِيُّ في نَتَائِجِ الْفِكْرِ قَوْلَ الْمَنَاطِقَةِ في هذا بِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ على أَنَّ الْخَبَرَ إذَا كان اسْمًا مُفْرَدًا جَامِدًا لم يَحْتَجْ إلَى رَابِطَةٍ تَرْبِطُهُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَيْهِ من حَيْثُ كان لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ كما زَعَمَ الْمَنْطِقِيُّونَ أَنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا لَا بُدَّ منه مُظْهَرًا أو مُضْمَرًا قال وَكَيْفَ يَكُونُ مُضْمَرًا وَيَدُلُّ على ارْتِبَاطٍ أو غَيْرِهِ وَالْمُخَاطَبُ لَا يَسْتَدِلُّ إلَّا بِلَفْظٍ يَسْمَعُهُ لَا بِشَيْءٍ يُضْمِرُهُ في نَفْسِهِ وَلَوْ احْتَجْنَا إلَى هو مُضْمَرَةً أو مُظْهَرَةً لَاحْتَجْنَا إلَى هو أُخْرَى يُرْبَطُ الْخَبَرُ بها وَذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ مَسْأَلَةٌ النَّتِيجَةُ تَتْبَعُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمُقَدِّمَاتُ إنْ كانت قَطْعِيَّةً أو ظَنِّيَّةً فَالنَّتِيجَةُ كَذَلِكَ وَإِنْ كان بَعْضُهَا قَطْعِيًّا وَبَعْضُهَا ظَنِّيًّا فَهِيَ ظَنِّيَّةٌ وَالنَّتِيجَةُ أَبَدًا تَتْبَعُ أَخَسَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ في الْكَمِّ وَالْكَيْفِ جميعا وقد قِيلَ إنَّ الزَّمَانَ لَتَابِعٌ لِلْأَنْذَلِ تَبَعَ النَّتِيجَةِ لِلْأَخَسِّ الْأَرْذَلِ الْأَحْكَامُ فَصْلٌ في الْأَحْكَامِ قال اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ أَحْسَنُ من اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقد بَيَّنَّا أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ فَلَا بُدَّ من تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فَنَقُولُ هو لُغَةً الْمَنْعُ وَالصَّرْفُ وَمِنْهُ الْحَكَمَةُ لِلْحَدِيدَةِ التي في اللِّجَامِ وَبِمَعْنَى الْإِحْكَامِ وَمِنْهُ الْحَكِيمُ في صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ وفي الِاصْطِلَاحِ خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أو التَّخْيِيرِ فَيَخْرُجُ الْمُتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْمُكَلَّفِ نَحْوُ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ كان قد تُقَابَلُ الْأَفْعَالُ بِالْأَقْوَالِ في الْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ وَقَوْلُنَا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ فيه تَجَوُّزٌ فإنه لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَعْدُومٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ وَالْمَعْدُومُ ليس بِفِعْلٍ حَقِيقَةً وَلَوْ اُحْتُرِزَ عنه لَقِيلَ الْمُتَعَلَّقُ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا وَأُشِيرَ بِالتَّعَلُّقِ إلَى أَنَّ حَاصِلَ الْحُكْمِ مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ له تَأْثِيرٌ في ذَاتِ الْحَاكِمِ أو الْمَحْكُومِ عليه أو فيه وَنَعْنِي بِالِاقْتِضَاءِ ما يُفْهَمُ من خِطَابِ التَّكْلِيفِ من اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ أو التَّرْكِ وَبِالتَّخْيِيرِ التَّسْوِيَةَ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالْمُرَادُ بِأَوْ أَنَّ ما يَتَعَلَّقُ على أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ كان حُكْمًا وَإِلَّا فَلَا يَرِدُ سُؤَالُ التَّرْدِيدِ في الْحَدِّ هذا إنْ قُلْنَا إنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَمَنْ لم يَرَ ذلك اسْتَغْنَى عن ذِكْرِ التَّخْيِيرِ أَمَّا تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ تَكْلِيفُ الْوَلِيِّ بِأَدَائِهِ من مَالِ الصَّبِيِّ وَمِنْهُمْ من قال خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ لِيَدْخُلَ الصَّبِيُّ وَهَذَا نَشَأَ من الْخِلَافِ في أَنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الْوَلِيِّ أو بِأَمْرِ الشَّارِعِ وزاد بَعْضُهُمْ في الْحَدِّ التَّامِّ الْعَقْلَ لِيَخْتَصَّ بِالْمُمَيِّزِ وَالْخِطَابُ يُمْكِنُ معه لِفَهْمِهِ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ في حَقِّهِ التَّكْلِيفُ وَعَبَّرَ ابن بَرْهَانٍ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَانْفَصَلَ عن سُؤَالِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخِطَابِ الْوَضْعِ في حَقِّ غَيْرِ الْإِنْسَانِ من الْبَهَائِمِ قال لِأَنَّ ذلك يُنْسَبُ إلَى تَفْرِيطِ الْمَالِكِ في حِفْظِهَا حتى لو قَصَدَ التَّفْرِيطَ لم يَكُنْ لِفِعْلِهَا حُكْمٌ وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ بَلْ السُّؤَالُ بَاقٍ لِأَنَّ فِعْلَهَا مُعْتَبَرٌ في التَّضْمِينِ إمَّا بِكَوْنِهِ شَرْطًا وَإِمَّا سَبَبًا وَالشَّرْطِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَوْلَا فِعْلُهَا إمَّا مُضَافًا وَإِمَّا مُسْتَقِلًّا لم يَجِبْ الضَّمَانُ أو نَقُولُ هو عِلَّةٌ بِدَلِيلِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ معه وُجُودًا وَعَدَمًا لَا يُقَالُ الْخِطَابُ قَدِيمٌ فَكَيْفَ يُعْرَفُ الْحُكْمُ الْحَادِثُ لِأَنَّا نَمْنَعُ كَوْنَ الْحُكْمِ حَادِثًا وَقَوْلُ الرَّازِيَّ هُنَا إنَّ الْحَادِثَ هو التَّعَلُّقُ فيه نَظَرٌ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَتَوَقَّفُ على وُجُودِ الْمُنْتَسِبِينَ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْحُكْمِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذلك في الذِّهْنِ لَا في الْخَارِجِ فَلَا يَلْزَمُ حُدُوثُهُ وَلِأَنَّ النِّسْبَةَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا يُوصَفُ بِحُدُوثٍ وَلَا عَدَمٍ وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ في الْوَسِيطِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ قَدِيمٌ وَبِهِ جَزَمَ الرَّازِيَّ في كِتَابِ الْقِيَاسِ في الْمَحْصُولِ فَحَصَلَ في الْمُتَعَلَّقِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَدِيمٌ حَادِثٌ لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِلتَّعْلِيقِ اعْتِبَارَيْنِ أَحَدُهُمَا قِيَامُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ بِالذَّاتِ وهو قَدِيمٌ وَالثَّانِي تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ وهو الْحَادِثُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ وَالْقَوْلُ بِحُدُوثِ التَّعَلُّقِ يُلَائِمُ قَوْلَ من يقول إنَّ اللَّهَ ليس آمِرًا في الْأَزَلِ وهو الْقَلَانِسِيُّ وأبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ يَأْبَاهُ تَنْبِيهٌ تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ عُلِمَ من تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالتَّعَلُّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في بَابِ الْمُجْمَلِ أَنَّ نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ أَنَّهُ من بَابِ الْحَذْفِ بِقَرِينَةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ وَلَكِنَّ هذا ليس مُتَّفَقًا عليه فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ كما يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ خُرُوجُهَا من أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كما أَنَّ حُرْمَةَ الْفِعْلِ خُرُوجٌ من الْأَعْيَانِ شَرْعًا وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ إذَا أُضِيفَا إلَى الْأَعْيَانِ فَهِيَ أَوْصَافٌ لها كما تَكُونُ أَوْصَافًا لِلْأَفْعَالِ في قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ قال وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إضَافَةَ التَّحْرِيمِ إلَى الْأَعْيَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً على أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ قَبِيحٌ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ منهم أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مَعًا إذَا كان لِمَعْنًى في الْعَيْنِ أُضِيفَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ كما يُقَالُ جَرَى الْمِيزَابُ وقال حُرِّمَتْ الْمَيْتَةُ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لِمَعْنًى فيها وَلَا يُقَالُ حَرُمَتْ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا احْتِرَامُ الْمَالِكِ فَحَصَلَ في تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْأَعْيَانِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ وَذِكْرُ هذه الْمَسْأَلَةِ هُنَا من الْغَرَائِبِ وَذَكَرَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ أَنَّ الشَّيْءَ قد يُوصَفُ بِمَا يَعُودُ إلَى نَفْسِ الذَّاتِ أو صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ أو مَعْنَوِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ أو صِفَةٍ تُعَلَّقُ لَا يَرْجِعُ منها شَيْءٌ إلَى الذَّاتِ وقد اُخْتُلِفَ في الْأَحْكَامِ هل يَكْتَسِبُ بها الذَّوَاتُ صِفَةً أَمْ لَا الْجُمْهُورُ على أنها من صِفَاتِ التَّعَلُّقِ فإذا قِيلَ هذا نَجِسٌ فَلَيْسَ النَّجَاسَةُ وَلَا كَوْنُهُ نَجِسًا رَاجِعًا إلَى نَفْسِهِ وَلَا إلَى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ أو مَعْنَوِيَّةٍ لِلذَّاتِ بَلْ هِيَ حَالَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ على حَدٍّ سَوَاءٍ لم يُفِدْ هذا الْحُكْمُ صِفَةً زَائِدَةً قَائِمَةً بها لِأَجْلِ الْحُكْمِ وَمَعْنَى النَّجَاسَةِ تَعَلُّقُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّهَا مُجْتَنَبَةٌ في الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ وَكَذَا قَوْلُنَا شُرْبُ الْخَمْرِ حَرَامٌ ليس الْمُرَادُ تَجَرُّعَهَا وَحَرَكَاتُ الشَّارِبِ وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ رَاجِعٌ إلَى تَعَلُّقِ قَوْلِ اللَّهِ في النَّهْيِ عن شُرْبِهَا وقد تَحَقَّقَ في عِلْمِ الْكَلَامِ أَنَّ صِفَاتِ التَّعَلُّقِ لَا تَقْتَضِي إفَادَةَ وَصْفٍ عَائِدٍ إلَى الذَّاتِ وَهَذَا كَمَنْ عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا قَاعِدٌ بين يَدَيْهِ فإن عِلْمَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَيْدٍ لم يُغَيِّرْ من صِفَاتِ زَيْدٍ شيئا وَلَا حَدَثَتْ لِزَيْدٍ صِفَةٌ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى اسْتِفَادَةِ الذَّوَاتِ من الْأَحْكَامِ فَائِدَةً وَرَأَوْا أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْوُجُوبَ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ وَقَدَّرُوهُ وَصْفًا ذَاتِيًّا قال الْقَاضِي وَاعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِضَرْبٍ من الْجَهْلِ وهو أَنَّهُ لو تُوُهِّمَ عَدَمُ الْفِعْلِ لَعُدِمَتْ أَحْكَامُهُ بِأَسْرِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحْكَامُهُ هِيَ هو قال وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَأَحْكَامِهَا وَأَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا هِيَ هِيَ لِأَنَّهُ لو تُصُوِّرَ عَدَمُ الْجِسْمِ لَعُدِمَتْ أَحْوَالُهُ وَأَلْوَانُهُ وَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِبَارَةً عن أَفْعَالِهِ وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ وَنَسَبَ غَيْرُهُ هذا إلَى الْمُعْتَزِلَةِ فقال الْأَحْكَامُ تَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ وَهِيَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَهِيَ نَفْسِيَّةٌ وقال الْغَزَالِيُّ وَقَوْلُنَا الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ تَجَوُّزٌ فإنه جَمَادٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابٌ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ تَنَاوُلُهَا وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْحُكْمُ لَا يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْمَحْكُومِ وَلَا إلَى صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ له إنْ قُلْنَا إنَّهَا زَائِدَةٌ على الذَّاتِ أو صِفَةٌ عَرَضِيَّةٌ له وَإِنَّمَا هو تَعَلُّقُ أَمْرِ اللَّهِ بِالْمُخَاطَبِ وَهَذَا التَّعَلُّقُ مَعْقُولٌ من غَيْرِ وَصْفٍ مُحْدَثٍ لِلْمُتَعَلَّقِ بِهِ كَالْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ وإذا سَمِعْت الْفَقِيهَ يقول حَقِّي يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ ثَبَتَ لِمَعْنًى في الْعَيْنِ كَالْخَمْرِ حُرِّمَتْ لِمَعْنًى فيها فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ تَابِعًا لِلْمَعْنَى فَكَانَتْ على حَالِ ما يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَإِنْ لم تَتَعَلَّقْ بها حَقِيقَةً قال وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ في الشَّرْعِ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ في مَوَاضِعَ وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ له في أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ قُلْت وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَنَحْوَهُ هل هو مُجْمَلٌ فَمَنْ قال بِإِضَافَةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إلَى الْأَعْيَانِ نَفَى الْإِجْمَالَ وَمَنْ لم يَقُلْ بِهِ أَثْبَتَهُ وَعُلِمَ من تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ ليس بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ الْأَمْرُ فيه بَاقٍ على ما كان قبل الشَّرْعِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحُكْمِ الْخِطَابُ وهو مَفْقُودٌ فيه وقد جَمَعَ الْجَدَلِيُّونَ في هذه الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ مَسْأَلَةٌ نَفْيُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ اُخْتُلِفَ في نَفْيِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَلَقًّى من خِطَابِ الشَّارِعِ وَالثَّانِي ليس بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ فيه على ما كان قبل الشَّرْعِ وَالثَّالِثُ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إلَى تَقْسِيمِهِ إلَى نَفْيِ حُكْمٍ مَسْبُوقٍ بِالْإِثْبَاتِ من الشَّرْعِ وَإِلَى تَقْرِيرٍ على النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ قبل الشَّرْعِ فَالْأَوَّلُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْإِثْبَاتِ وَالثَّانِي مَحْضُ تَقْرِيرٍ على انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فَهُوَ يُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُخَاطِبْنَا فيه وَكَثِيرًا ما يُخْبِرُ الشَّرْعُ عن الْحَقَائِقِ وَلَا يَكُونُ ذلك حُكْمًا شَرْعِيًّا وهو تَعَلُّقُ الْخِطَابِ وقد يُسَمَّى حُكْمًا لَا على أَنَّهُ عَلَامَةٌ على الْحُكْمِ كَقَوْلِ الشَّارِعِ لَا زَكَاةَ في الْمَعْلُوفَةِ وَنَظَائِرِهِ حَكَى هذه الْمَذَاهِبَ الْبَرَوِيُّ في الْمُقْتَرِحِ قال وَاَلَّذِي كان يَنْصُرُهُ محمد بن يحيى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَنَفْيِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ وَنَفْيِ الزَّكَاةِ عن عَبِيدِ الْخِدْمَةِ سَوَاءٌ تَلَقَّيْنَاهُ من مَوَارِدِ النُّصُوصِ أو من مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَاحْتُجَّ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ على أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ في الْبَحْثِ عن مَظَانِّ الْأَدِلَّةِ فلم يَظْفَرْ بِمَا يَدُلُّ على الْحُكْمِ فَهُوَ مُتَقَيِّدٌ بِالْقَطْعِ بِالنَّفْيِ وَالْعَمَلِ بِهِ وما ذَاكَ إلَّا لِلْإِجْمَاعِ الدَّالِّ على نَصٍّ بَلَغَهُمْ عن الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ إنَّكُمْ إذَا لم تَجِدُوا دَلِيلَ الثُّبُوتِ فَاجْزِمُوا بِالنَّفْيِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِنَا خِطَابُ الْجَزْمِ بِالنَّفْيِ فَتَوًى وَعَمَلًا وَلَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ غَيْرُ هذا وَأَيْنَ هذا من عَدَمِ الْحُكْمِ قبل الشَّرْعِ قال وَهَذَا النَّفْيُ مُمْكِنٌ تَلَقِّيهِ من النَّصِّ أو الْإِجْمَاعِ فَأَمَّا من الْقِيَاسِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ كان النَّفْيُ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لم يَجُزْ فيه قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَإِنْ كان الْمَانِعُ طَرَأَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ جَرَى فيه جَمِيعُ الْأَقْيِسَةِ وقال شَارِحُ الْمُقْتَرَحِ أبو الْعِزِّ الْمُخْتَارُ عِنْدِي من هذه الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ ليس حُكْمًا شَرْعِيًّا لِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالنَّفْيُ ليس فِعْلًا لِيَكُونَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ حُكْمًا فَهُوَ في الْحَقِيقَةِ خَبَرٌ عن انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ وَقَوْلُنَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ فَلَا يَكُونُ حُكْمًا وما احْتَجَّ بِهِ محمد بن يحيى مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ الْفَتْوَى بِالنَّفْيِ وهو حُكْمُ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ من نَفْيِ الْحُكْمِ سَبِيلٌ فَإِنْ تَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ لنا بِالنَّفْيِ مع أَنَّ النَّفْيَ ليس من فِعْلِ الْمُكَلَّفِ ليس بِسَدِيدٍ فَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ منه لَا تَخْفَى مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ هل هو قَطْعِيٌّ أَمْ ظَنِّيٌّ أَطْلَقَ ابن بَرْهَانٍ في كِتَابِهِ الْكَبِيرِ هُنَا أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا قَطْعِيٌّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فإنه عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ وَبَيَّنَ مُرَادَهُ بِهِ في بَابِ الْقِيَاسِ فقال الْحُكْمُ قَطْعِيٌّ في الْأَحْوَالِ كُلِّهَا سَوَاءٌ أُضِيفَ إلَى الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ أو الظَّنِّيِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَطْعِيٌّ ثَابِتٌ عِنْدَ الظَّنِّ لَا بِالظَّنِّ وَالْقَطْعُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ انْتَهَى يُرِيدُ أَنَّ الظَّنَّ في الشَّرْعِيَّاتِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ في الْقَطْعِيَّاتِ وَالْحُكْمُ قَطْعِيٌّ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ غَلَبَاتِ الظُّنُونِ قَطْعِيٌّ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الظَّنُّ وَمِثَالُهُ حُكْمُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الشُّهُودِ ظَنِّيٌّ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ وَاجِبٌ قَطْعِيٌّ وهو حَاصِلُ كَلَامِ الْمَحْصُولِ في جَوَابِهِ عن قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ من بَابِ الظُّنُونِ بِنَاءً على أَنَّ الْحُكْمَ مَبْنِيٌّ على مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ وما انْبَنَى على الْقَطْعِيِّ قَطْعِيٌّ لِأَنَّهُ يُبْنَى على حُصُولِ الظَّنِّ وَحُصُولُهُ وِجْدَانِيٌّ وَعَلَى أَنَّ ما غَلَبَ على الظَّنِّ فَحُكْمُ اللَّهِ فيه الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ إجْمَاعِيَّةٌ وما أُجْمِعَ عليه فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ على مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ وَاللَّازِمُ منه أَنَّهُ قَطْعِيٌّ لَكِنَّ الْحَقَّ انْقِسَامُ الْحُكْمِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ من الْأَقْدَمِينَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ في كِتَابِ الْحُدُودِ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ قال وَإِنَّمَا قالوا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مع أَنَّ فيه ظَنِّيَّاتٍ كَثِيرَةً لِأَنَّ ما كان فيه من الظَّنِّيَّاتِ فَهِيَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْعِلْمِيَّاتِ وقال ابن التِّلِمْسَانِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ على ما نُبَيِّنُ في بَابِ الِاجْتِهَادِ وَوُجُوبُ اعْتِقَادِ أَنَّ هذا حُكْمُ اللَّهِ أو الْفَتْوَى بِهِ أو الْقَضَاءُ غَيْرُ نَفْسِ الْحُكْمِ بِأَنَّ هذا حَلَالٌ أو حَرَامٌ أو صَحِيحٌ أو فَاسِدٌ لِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقَاتِ فيها وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ من الْأَحْكَامِ ما يَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ حَصَلَ الْعِلْمُ بِمُقْتَضَاهَا وَذَلِكَ في الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِنُصُوصٍ احْتَفَتْ بِقَرَائِنَ تَدْفَعُ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَعَارِضَةَ عنها بِانْحِصَارِ تَعْيِينِ الْمَدْلُولِ في وَاحِدٍ وَمِنْهُ ما ثَبَتَ بِأَخْبَارِ آحَادٍ أو نُصُوصٍ لم تَعْتَضِدْ بِمَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَاتِ فَتِلْكَ الْأَحْكَامُ مَظْنُونَةٌ لَا مَعْلُومَةٌ قال وَهَذَا هو الْحَقُّ الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ لو كانت بِأَسْرِهَا مَعْلُومَةً لَمَا انْقَسَمَتْ الطُّرُقُ إلَى الْأَدِلَّةِ وَالْأَمَارَةِ وَلَمَا انْتَظَمَ قَوْلُهُمْ في الْمُقَدِّمَاتِ إنْ كانت عِلْمِيَّةً فَالنَّتِيجَةُ عِلْمِيَّةٌ وَإِنْ كانت ظَنِّيَّةً فَالنَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةٌ وَإِنْ كان بَعْضُهَا عِلْمًا وَبَعْضُهَا ظَنِّيًّا فَالنَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةٌ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّ الْأَحْكَامَ تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَاتِرَاتٍ وَهِيَ مَقْطُوعٌ بها وَإِلَى ما ليس كَذَلِكَ وَهِيَ مَظْنُونَةٌ وَبُرْهَانُهُ أَنَّ الظَّنَّ من الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ أَيْ لَا بُدَّ له من مَظْنُونٍ وَمُتَعَلَّقُهُ الْحُكْمُ الْمُتَعَيِّنُ أو الْأَحْكَامُ التي هِيَ غَيْرُ بَالِغَةٍ حَدَّ التَّوَاتُرِ عن صَاحِبِ الشَّرْعِ فَنُرَكِّبُ قِيَاسًا فَنَقُولُ هذه الْأَحْكَامُ أو هذا الْحُكْمُ الْمُعَيَّنُ مُتَعَلِّقُ الظَّنِّ وما هو مُتَعَلِّقُ الظَّنِّ فَهُوَ مَظْنُونٌ أو هذا الْحُكْمُ مَظْنُونٌ ثُمَّ نَقُولُ هذه الْأَحْكَامُ مَظْنُونَةٌ وَلَا شَيْءَ من الْمَظْنُونِ بِمَعْلُومٍ فَلَا شَيْءَ من هذه الْأَحْكَامِ بِمَعْلُومٍ وَأَمَّا الدَّلِيلُ الذي ذَكَرَهُ الرَّازِيَّ فَإِنَّمَا يُنْتِجُ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ مَعْلُومٌ وهو بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيًّا مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ حُكْمٌ من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ هو الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ التي في أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ التي تُقَامُ عليها الْأَدِلَّةُ الْعِلْمِيَّةُ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ هذا أَنَّا نَبْنِي هذه الْمَسْأَلَةَ على ما نَخْتَارُهُ وهو أَنَّ لِلَّهِ حُكْمًا مُعَيَّنًا في الْوَاقِعَةِ وهو مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنْصُوبٌ عليه الدَّلَائِلُ فَمَنْ أَصَابَ ذلك الْحُكْمَ فَهُوَ مُصِيبٌ مُطْلَقًا وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَلِلَّهِ عليه حُكْمٌ آخَرُ شَرْطُهُ عَدَمُ إدْرَاكِ ذلك الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وهو وُجُوبُ الْمَصِيرِ إلَى ما غَلَبَ على ظَنِّهِ وَهَذَا الْحُكْمُ مَعْلُومٌ وَلَيْسَ يَلْزَمُ من كَوْنِ هذا مَعْلُومًا كَوْنُ الْأَوَّلِ مَعْلُومًا وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ الْمُخْتَارُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى في الْوَاقِعَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا طَلَبَ الْعِبَادَ أَنْ يَقِفُوا عليه بِدَلَائِلِهِ الْمَنْصُوبَةِ وَلَيْسَ هذا بِالْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فإذا لم يَقَعْ الْعُثُورُ عليه أو ظُنَّ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُهُ نَشَأَ هَاهُنَا حُكْمٌ آخَرُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وهو وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَلْيُسَمَّ هذا بِالْحُكْمِ الْفَرْعِيِّ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الرَّدُّ على أَنَّ الْأَحْكَامَ مَعْلُومَةٌ من حَيْثُ إنَّهَا مَبْنِيَّةٌ على مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ وما كان مَبْنِيًّا على مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ فَهُوَ مَعْلُومٌ فَالْفِقْهُ مَعْلُومٌ وَقُرِّرَ كَوْنُهَا مَبْنِيَّةً على مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ بِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ على قِيَامِ الظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ وَعَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَائِمٌ على أَنَّ الْوَاجِبَ على الْمُجْتَهِدِ اتِّبَاعُ ظَنِّهِ فَيُرَتَّبُ هذا الْحُكْمُ على مُقَدِّمَةٍ وِجْدَانِيَّةٍ وَمُقَدِّمَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ وَكِلْتَاهُمَا قَطْعِيَّتَانِ فَنَقُولُ الذي ثَبَتَ من هذا أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ قَطْعِيٌّ لِأَنَّا نَقُولُ هَكَذَا الظَّنُّ بهذا الْحُكْمِ حَاصِلٌ قَطْعًا وإذا حَصَلَ الظَّنُّ بِحُكْمٍ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ فيه قَطْعًا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ في هذا الْحُكْمِ قَطْعًا لَكِنَّ هذه النَّتِيجَةَ مَسْأَلَةٌ من مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ قَطْعًا الْخِطَابُ عَرَّفَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ بِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ منه إفْهَامُ من هو مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ وَعَرَّفَهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ ما يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ من قَصَدَ إفْهَامَهُ مُتَهَيِّئًا أَمْ لَا قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِمَدْلُولِ ما يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ هو النَّفْسِيُّ وَالنَّفْسِيُّ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَصْدَ الْخِطَابِ مع النَّفْسِ أو الْعَيْنِ سَوَاءٌ وفي وَصْفِ كَلَامِ اللَّهِ في الْأَزَلِ بِالْخِطَابِ خِلَافٌ الصَّحِيحُ وَبِهِ قال الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ يُسَمَّى خِطَابًا عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطَبِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وهو الصَّحِيحُ وَجَزَمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ بِالْمَنْعِ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ إلَّا من مُخَاطِبٍ وَمُخَاطَبٍ وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْحَادِثِ وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى ثُمَّ قال وَهَلْ يُسَمَّى أَمْرًا فيه خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ إذْ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ أَوْصَى أَوْلَادَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِمَالِهِ فُلَانٌ أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِكَذَا وَإِنْ كان بَعْضُهُمْ مُجْتَنًّا في الْبَطْنِ أو مَعْدُومًا وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ خَاطَبَهُمْ إلَّا إذَا حَضَرُوهُ وَسَمِعُوهُ انْتَهَى وَهَذَا بَنَاهُ على أَنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ وقال في الِاقْتِصَادِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُطْلَقُ على اللَّهِ تَعَالَى في الْأَزَلِ آمِرٌ وَنَاهٍ وَإِنْ كان لَا مَأْمُورَ هُنَاكَ كما جُوِّزَ تَسْمِيَتُهُ قَادِرًا قبل وُجُودِ الْمَقْدُورِ قال وَالْبَحْثُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى اللُّغَةِ من حَيْثُ جَوَازُ الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا من جِهَةِ الْمَعْنَى فَالِاقْتِضَاءُ الْقَدِيمُ مَعْقُولٌ وَإِنْ كان سَابِقًا على وُجُودِ الْمَأْمُورِ كما في حَقِّ الْوَلَدِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ خِطَابُ الشَّرْعِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ وَمُتَعَلَّقُهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ لِأَنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ يَدُلُّ عليه وَإِطْلَاقُ التَّكْلِيفِ على الْكُلِّ مَجَازٌ من بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ في الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هو لِلْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمُ وَالنِّسْيَانُ يُؤَثِّرُ في هذا الْقِسْمِ وَلِهَذَا لَا يَأْثَمُ النَّاسِي بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَلَا بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ الثَّانِي خِطَابُ الْوَضْعِ الذي أخبرنا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَهُ وَيُسَمَّى خِطَابَ الْإِخْبَارِ وهو خَمْسَةٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْوَصْفَ الظَّاهِرَ الْمُنْضَبِطَ الْمُتَضَمِّنَ حِكْمَةَ الذي رُبِطَ بِهِ الْحُكْمُ إنْ نَاسَبَ الْحُكْمَ فَهُوَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ وَالْمُقْتَضِي وَإِنْ نَافَاهُ فَالْمَانِعُ وَتَالِيهِ الشَّرْطُ ثُمَّ الصِّحَّةُ ثُمَّ الْعَزِيمَةُ وَتُقَابِلُهَا الرُّخْصَةُ فَالْأَوَّلُ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ وَنِصَابُ الزَّكَاةِ وَالثَّانِي كَالدَّيْنِ في الزَّكَاةِ وَالْقَتْلِ في الْمِيرَاثِ وَالنَّجَاسَةِ في الصَّلَاةِ وَالثَّالِثُ كَالْحَوْلِ في الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ في الصَّلَاةِ وَالرَّابِعُ الْحُكْمُ على الشَّيْءِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ وَالْخَامِسُ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَسَنَتَكَلَّمُ على جُمْلَةِ الْأَقْسَامِ في فَصْلِ خِطَابِ الْوَضْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وزاد الْجِيلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ الْإِعْجَازِ وَالْقَرَافِيُّ التَّقْدِيرَاتِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَبِالْعَكْسِ فَالْأَوَّلُ كَالنَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عنها تُقَدَّرُ في حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ وَالثَّانِي كَالْمِلْكِ الْمَقْدُورِ في قَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِكَذَا فَيُقَدِّرُ له الْمِلْكَ حتى يَثْبُتَ وَلَاءُ الْعِتْقِ له وَيُقَدَّرُ الْمِلْكُ في دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قبل مَوْتِهِ حتى يَصِحَّ فيها الْإِرْثُ وَتَقْدِيرُ الْمِلْكِ قُبَيْلَ الشَّهَادَةِ قال الْجِيلِيُّ ثُمَّ التَّقْدِيرُ يَنْقَسِمُ إلَى تَقْدِيرِ صِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ في الْمَحَلِّ يَظْهَرُ أَثَرُهَا في الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ كَتَقْدِيرِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ وَإِلَى تَقْدِيرِ أَعْيَانٍ مَحْسُوسَةٍ هِيَ في نَفْسِهَا مَعْدُومَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ في الذِّمَّةِ كَتَقْدِيرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ في الْحَيَوَانَاتِ وَالْحُكْمُ يُطْلَقُ على هذه الْجِهَاتِ كُلِّهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا وَافْتِرَاقًا وما وَقَعَ بِهِ الِاتِّفَاقُ إنَّمَا هو الْخِطَابُ فَقَطْ وُجُوهُ الِافْتِرَاقِ بين الْخِطَابَيْنِ وَيَفْتَرِقَانِ من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَالْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ أو الصَّبِيُّ شيئا ضَمِنَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْوَلِيُّ في مَالِ الصَّبِيِّ الثَّانِي أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْكَسْبِ بِخِلَافِ الْوَضْعِيِّ وَلِهَذَا لو قَتَلَ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ على الْعَاقِلَةِ وَإِنْ لم يَكُنْ الْقَتْلُ مُكْتَسَبًا لهم فَوُجُوبُ الدِّيَةِ عليهم ليس من بَابِ التَّكْلِيفِ لِاسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ هذا الْحَقِّ في ذِمَّتِهِمْ الثَّالِثُ أَنَّ الْوَضْعِيَّ خَاصٌّ بِمَا رُتِّبَ الْحُكْمُ فيه على وَصْفٍ أو حِكْمَةٍ إنْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بها فَلَا يَجْرِي في الْأَحْكَامِ الْمُرْسَلَةِ الْغَيْرِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَوْصَافِ وَلَا في الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ التي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا وَلِهَذَا لو أَحْرَمَ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ في مَالِهِ على الْأَصَحِّ وَوَجَّهَهُ ابن الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّيْدَ على الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ من قَتْلِهِ تَعَبُّدًا فَلَا يَجِبُ إلَّا على مُكَلَّفٍ قُلْت وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ من ظَنَّ أَنَّهُ من بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ وقال الْأَرْجَحُ فيه الضَّمَانُ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ الْأَقْيَسُ وَلَيْسَ كما قال الرَّابِعُ أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ هو الْأَصْلُ وَخِطَابَ الْوَضْعِ على خِلَافِهِ فَالْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ أو حَرَّمْت وَأَمَّا جَعْلُهُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ عَلَمًا على الرَّجْمِ وَالْقَطْعِ فَبِخِلَافِ الْأَصْلِ نعم خِطَابُ الْوَضْعِ يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ الْآيَةَ وَنَحْوِهِ من الْخِطَابَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ بِخِلَافِ خِطَابِ اللَّفْظِ فإنه لَا يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ الْوَضْعِ كما لو قال لَا يُتَوَضَّأُ إلَّا من حَدَثٍ فإن هذا خِطَابٌ لَفْظِيٌّ يُعْقَلُ تَجَرُّدُهُ عن سَبَبِ وَضْعٍ أو غَيْرِهِ وَيُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ على الْوَضْعِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمِنْهُمْ من يُقَدِّمُ الْوَضْعِيَّ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ على فَهْمٍ وَتَمَكُّنٍ حَكَاهُ الْآمِدِيُّ في بَابِ التَّرَاجِيحِ الْخَامِسُ أَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يُشْتَرَطُ فيه قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ عليه وَلَا عِلْمُهُ فَيُورَثُ بِالسَّبَبِ وَيُطْلَقُ بِالضَّرَرِ وَإِنْ كان الْوَارِثُ وَالْمُطْلِقُ عليه غير عَالِمَيْنِ وَلَوْ أَتْلَفَ النَّائِمُ شيئا أو رَمَى إلَى صَيْدٍ في مِلْكِهِ فَأَصَابَ إنْسَانًا ضَمِنَهُ وَإِنْ لم يَعْلَمَا وَتَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عليها وَتَحْرُمُ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا وَإِنْ كانت لَا تَعْلَمُ وَيُسْتَثْنَى من عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ لَا يَجِبُ على الْمُخْطِئِ في الْقَتْلِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَحَدِّ الزِّنَى لَا يَجِبُ في الشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَلَا من أُكْرِهَ على الزِّنَى لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ على الِامْتِنَاعِ الثَّانِي الْأَسْبَابُ النَّاقِلَةُ لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا يُشْتَرَطُ فيها الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ فَلَوْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ وهو لَا يَعْلَمُ بِمُقْتَضَاهُ لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا لم يَلْزَمْهُ مُقْتَضَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عن تَرَاضٍ على الوصف الذي يظن أنه أمارة ثم يؤمر بتعديته وهو حكم السببية ولا معنى للحكم الثابت بالأسباب إلا هذا . أ هـ . والتحقيق : أنه لا يحتاج إلى غير إثبات الحكم ؛ لأنه المقصود . فلا حاجة إلى أن يقول : لله في كل واقعة حكمان : أحداهما : نصب الشيء سببا . والثاني : إثبات الحكم ؛ إذ المقصود حاصل بإثبات الحكم فلا حاجة إلى الوضع الثاني وهو نصب الشيء سببا . وهذا كما يقول في باب القياس : عرفنا أن النص حجة ثم النص إنما كان معرفا وهذا حكم من جهة الشارع وراء ثبوت الحكم فكذلك ههنا فإنه المقصود الأعلى . تنبيهان التنبيه الأول : خطاب الشارع إما لفظي أو وضعي : ما ذكرناه من تقسيم الخطاب إلى تكليفي ووضعي تابعناهم فيه وفيه نظر لأن مقصود خطاب الوضع الطلب كما بينا . فالأحسن أن يقال : خطاب الشارع ما لفظي أو وضعي . أي : ثابت بالألفاظ نحو وأقيموا الصلاة ( سورة البقرة : 43 ) أو عند الأسباب كقوله : إذا زالت الشمس وجبت الظهر . فاللفظ أثبت وجوب الصلاة والوضع عين وقت وجوبها . التَّنْبِيهُ الثَّانِي اُسْتُشْكِلَ جَعْلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ جِنْسًا لِلْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وما أُلْحِقَ بِهِ من خِطَابِ الْوَضْعِ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا على نَوْعَيْنِ خَارِجِيَّيْنِ فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الذي هو الْجِنْسُ صَادِقًا على خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ أو سِتَّةٍ وَالْأَنْوَاعُ مُخْتَلِفَةُ الْحَقَائِقِ جَزْمًا فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ مُخْتَلِفَاتِ الْحَقَائِقِ لِنَوْعِيَّتِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الذي هو الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الذي هو كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَاحِدَةً بَلْ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ على أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ وَإِنْ قِيلَ لَا أَجْعَلُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ جِنْسًا لِلْخَمْسَةِ أو السِّتَّةِ بَلْ أَجْعَلُهُ عَرَضًا عَامًّا فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الْعَرَضَ الْعَامَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا على نَوْعَيْنِ وَإِلَّا لَكَانَ خَاصَّةً فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ فيعود الإشكال . فصل فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ ذَكَرَهُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ قال الْقَاضِي خِطَابُ اللَّهِ إذَا اتَّصَلَ بِالْخَلْقِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِلَا وَاسِطَةٍ مُوسَى عليه السَّلَامُ وَالْمَلَائِكَةِ وَمَنْ يُحَمِّلُهُمْ اللَّهُ وَحْيَهُ وَلَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ إلَّا الِاضْطِرَارَ فإذا خَاطَبَ اللَّهُ عَبْدًا خَلَقَ له عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ مُخَاطِبَهُ هو اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّ اللَّهَ الذي يُسْمِعُ كَلَامَ اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُخَالِفُ الْأَجْنَاسَ فَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ وَالْعِبَارَاتِ وَلَا تَدُلُّ عليه دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ وقال الْقَلَانِسِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بن سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا من سَلَفِنَا إنَّ نَفْسَ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ يَعْقُبُ الْعِلْمَ بِهِ لَا مَحَالَةَ قال الْقَاضِي وَهَذَا مِمَّا لَا أَرْتَضِيهِ وَأُجَوِّزُ سَمَاعَ اللَّهِ مع الذُّهُولِ عن كَوْنِهِ كَلَامًا لِلَّهِ وَالثَّانِي مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْمُخَاطَبِ بِوَاسِطَةٍ فَهَذَا مُرَتَّبٌ على الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ أَوَّلًا وَوُجُوبِ عِصْمَتِهِ عن الْخَلْفِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذلك بِالْمُعْجِزَةِ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ خِطَابِ الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ فَيَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى شِفَاهٍ وَوِجَاهٍ وَإِلَى ما يُبَلَّغُ عنه فَأَمَّا ما خَاطَبَ من عَاصَرَهُ وِجَاهًا فَمِنْهُ نَصٌّ وَمِنْهُ ظَاهِرٌ وَمُجْمَلٌ وَكَذَا ما يُبَلَّغُ عنه وَالْمُجْمَلُ إنَّمَا يَتَّفِقُ في الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وما يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا في التَّكَالِيفِ أَعْنِي إذَا لم يَتَّفِقْ الِاسْتِفْسَارُ في عَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَسْأَلَةٌ لَا حَاكِمَ إلَّا الشَّرْعُ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ الشَّرْعِ فَلَا حَاكِمَ على الْمُكَلَّفِينَ إلَّا الشَّرْعُ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ حَكَّمُوا الْعَقْلَ وقد اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ عن حِكَايَةِ مَذْهَبِهِمْ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ قالت الْمُعْتَزِلَةُ الْعَقْلُ يُوجِبُ وَلَا يَعْنُونَ هَاهُنَا إيجَابَ الْعِلَّةِ مَعْلُولَهَا أو أَنَّ الْعَقْلَ يَأْمُرُ فإن الِاقْتِضَاءَ منه غَيْرُ مَعْقُولٍ وهو عَرَضٌ وَالْأَمْرُ يَسْتَدْعِي الرُّتْبَةَ فَإِذَنْ الْمَعْنِيُّ بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ يُعْلِمُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ عليه وَالْمَعْنِيُّ بِوُجُوبِهِ عِلْمُهُ بِاقْتِرَانِ ضَرَرٍ بِتَرْكِهِ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَهَذَا منهم ادِّعَاءُ الْعِلْمِ ضَرُورَةً على وَجْهٍ يَشْتَرِكُ الْعُقَلَاءُ فيه ثُمَّ قال وقد مَالَ إلَى ما ذَكَرُوهُ طَوَائِفُ من الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ من حَيْثُ إنَّ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ نِظَامُ الْمَعِيشَةِ وَعِمَارَةُ الدُّنْيَا هو أَقْرَبُ إلَى الِاعْتِدَالِ وَحُسْنِ النِّظَامِ من الذي يَتَضَمَّنُ خَرَابَ الدُّنْيَا وَهَذَا الْمَذْهَبُ لَا شَكَّ في بُطْلَانِهِ قَطْعًا وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ الْعَقْلُ يَسْتَقِلُّ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ من حَيْثُ إنَّ الِاتِّبَاعَ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ وَالِامْتِنَاعُ من الِاتِّبَاعِ مَحْضُ ضَرَرٍ وَلَا يَتَأَتَّى ذلك إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ على يَدِهِ لِيُصَدِّقَهُ وَهَذَا الْعِلْمُ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ من جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ من جِهَةِ أَنَّهُ لو لم يُقَدِّرْ ذلك لم تَكُنْ مَعْرِفَةُ الصِّدْقِ من جَائِزَاتِ الْعَقْلِ وَذَلِكَ مُحَالٌ وَاَلَّذِي يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ وَنَفْعٌ مَحْضٌ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ حُكْمٌ وما يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ من عِلَّةٍ وَتَسَبُّبٍ وَالْأَدِلَّةُ على عِلَّةِ الْحُكْمِ وقال ابن بَرْهَانٍ اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ أَطْلَقُوا أَقْوَالَهُمْ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ لم يُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فإن الْعَقْلَ عِبَارَةٌ عن بَعْضِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَالْعِلْمُ لَا يُوجِبُ الْمَعْلُومَ إيجَابَ الْعِلَّةِ الْمَعْلُولَ وَإِنَّمَا عَنَوْا بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ يَكْشِفُ عن حُسْنِ الْحَسَنِ وَقُبْحِ الْقَبِيحِ فَعِنْدَ ذلك انْقَسَمُوا فَمِنْهُمْ من ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَسَنَ حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ وَمِنْهُمْ من صَارَ إلَى أَنْ قَبَّحَ الصِّفَةَ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُنَا قالوا إنَّ الْحَسَنَ ما حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحَ ما قَبَّحَهُ وما عَنَوْا بِهِ الْإِيجَابَ وَإِنَّمَا عَنَوْا بِهِ أَنَّ الْحَسَنَ هو الْمَقُولُ فيه لَا تَفْعَلْ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ عِنْدَنَا لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لَكِنْ نَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ حَقَائِقُ ثَابِتَةٌ في أَنْفُسِهَا دَالَّةٌ على مَدْلُولَاتِهَا وَمُقْتَضِيَةٌ أَحْكَامَهَا إلَّا أَنَّا لَا نَعْتَقِدُ ذلك وَالْمُعْتَزِلَةُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلْعَقْلِ أَحْكَامًا وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الناس وقال النَّظَرُ في الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَالٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْبَرَاهِمَةُ إلَى أَنَّ الْعُقُولَ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وَجْهِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ على الْعَقْلِ فقالت الْمُعْتَزِلَةُ هو خَاطِرٌ من قِبَلِ اللَّهِ يَدْعُوهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَشَرَعَ الرُّسُلُ ما قَبُحَ في الْعَقْلِ كَذَبْحِ الْبَهَائِمِ وَتَسْخِيرِ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافِهِ =======================================ج2. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي قالوا وَإِنَّمَا حَسُنَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لِلْغَرَضِ الْمَقْصُودِ منه وَخَالَفَهُمْ أبو هَاشِمٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِذَلِكَ لم يَكُنْ مَعْلُومًا جَوَازُ حُسْنِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الْخَاطِرِ فقال النَّظَّامُ هو جِسْمٌ مَحْسُوسٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ خَاطِرًا لِطَاعَةٍ وَخَاطِرًا لِمَعْصِيَةٍ في قَلْبِ الْعَاقِلِ فَيَدْعُوهُ بِأَحَدِ الْخَاطِرَيْنِ إلَى طَاعَتِهِ لِيَفْعَلَهَا وَيَدْعُوهُ بِالْآخَرِ لِيَتْرُكَهَا وقال الْجُبَّائِيُّ يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ في خَرْقِ أُذُنِ الْإِنْسَانِ إلَى مَوْضِعِ سِنِّهِ أو قَلْبِهِ فَيَهْمِسُ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَدْعُو إلَيْهِ قال فَالْخَاطِرُ الذي من قِبَلِ اللَّهِ كَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ وقال ابْنُهُ أبو هَاشِمٍ هو قَوْلٌ خَفِيٌّ يُلْقِيهِ اللَّهُ في قَلْبِهِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَكَذَلِكَ الْخَاطِرُ الذي يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ في قَلْبِ الْعَاقِلِ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهَذِهِ التُّرَّهَاتِ قال وَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ في الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ صِحَّةُ ما يَصِحُّ كَوْنُهُ وَوُجُوبُ وُجُودِ ما يَجِبُ وُجُودُهُ وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِ ما يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَصِحَّةُ ما يَصِحُّ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ جَوَازًا بِكُلِّ ما وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ من وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَمَسْنُونٍ فَقَدْ كان في الْعَقْلِ جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ على الْوَجْهِ الذي وَرَدَ بِهِ وكان فيه أَيْضًا جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ ما أَوْجَبَهُ وَإِيجَابِ ما حَرَّمَهُ ولم يَكُنْ فيه دَلَالَةٌ على وُجُوبِ فِعْلٍ وَلَا على تَحْرِيمِهِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَقَالُوا أَيْضًا لو تَوَهَّمْنَا خَلْقَ الْعَاقِلِ قبل وُرُودِ السَّمْعِ عليه وَاسْتَدَلَّ ذلك الْعَاقِلُ على مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَوَصَلَ إلَيْهَا لم يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ ثَوَابًا وَلَوْ جَحَدَهُ بِهِ وَكَوْنُهُ لم يَسْتَحِقَّ عِقَابًا وَلَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ أَبَدًا في النَّارِ لَكَانَ عَدْلًا وَإِنَّمَا كان كَإِيلَامِ الطِّفْلِ في الدُّنْيَا وَالْعِقَابُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا من تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ خِطَابًا أو بِوَاسِطَةِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ عَصَاهُ هذا قَوْلُ شَيْخِنَا أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَكُلُّ من لم يَتَمَعْزَلْ من أَصْحَابِ الرَّأْيِ وقال في كِتَابِ التَّحْصِيلِ إنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الحديث وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في تَعْلِيقِهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الحديث عَامَّةً إنَّهُ لَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ قبل السَّمْعِ وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عليه ذلك قبل وُرُودِ السَّمْعِ وَقَبْلَ وُرُودِ الدَّعْوَةِ وَإِلَّا فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ من قَتَلَ مِمَّنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لَا دِيَةَ عليه لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ مُرْتَدٌّ مُعَانِدٌ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في تَلْخِيصِ كِتَابِ الْقَاضِي بَحْثُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَرْجِعُ إلَى ما يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ في التَّكْلِيفِ وَهُمَا رَاجِعَانِ إلَى حُكْمِ الرَّبِّ شَرْعًا لَا إلَى وَصْفِ الْعَقْلِ وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ قُبْحَ الْقَبِيحِ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِ وَالْأَكْثَرُونَ منهم صَارُوا إلَى مِثْلِ ذلك في الْحُسْنِ وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَقَالُوا لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حُسْنٌ وَلَا قُبْحٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ ما وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهِ وَالْقَبِيحَ ما وَرَدَ بِذَمِّهِ فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ على التَّحْقِيقِ هو عَيْنُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الشَّرْعِيَّيْنِ وقد أَطْبَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ على أَنَّ حُسْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالشُّكْرِ وَقُبْحَ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ مِمَّا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وقال عبد الْجَلِيلِ في شَرْحِ اللُّمَعِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ على أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا ما يُعْلَمُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ وَلَا مَجَالَ لِلسَّمْعِ فيه كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْعِلْمِ وَالثَّانِي ما يُعْلَمُ قُبْحُهُ بِالْعَقْلِ وهو ضِدُّ ما ذَكَرْنَا من الْجَوْرِ وَكُفْرِ الْمُنْعِمِ وَالْجَهْلِ وَهَذَانِ الضَّرْبَانِ يُعْلَمَانِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَالثَّالِثُ ما في مَعْلُومِ اللَّهِ أَنَّ فِعْلَهُ يُؤَدِّي إلَى فِعْلِ ما هو حَسَنٌ في الْعَقْلِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حُسْنَهُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالرَّابِعُ ما هو في مَعْلُومِ اللَّهِ أَنَّهُ قَبِيحٌ وَلَا يُعْلَمُ حتى يَرِدَ السَّمْعُ فَيَكُونَ تَرْكُهُ دَاعِيًا إلَى الْقُبْحِ في الْعَقْلِ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ قُبْحُهُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ هذا مَذْهَبُهُمْ في تَقْسِيمِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وقال الْإِمَامُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ الشَّيْءُ عِنْدَنَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ لِنَفْسِهِ بَلْ إنَّمَا تَرْجِعُ الْأَحْكَامُ إلَى قَوْلِ الشَّارِعِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يَتَوَقَّفُ إدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ على السَّمْعِ بَلْ يُدْرَكَانِ بِالْعَقْلِ ثُمَّ منها ما يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَالْكُفْرِ وَالضَّرَرِ الْمَحْضِ وَمِنْهَا ما يُدْرَكُ بِنَظَرِهِ كَوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ قال وَمَنْ قال من أَئِمَّتِنَا لَا يُدْرَكُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَهُوَ مُتَجَوِّزٌ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ على الشَّرْعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن الْحَسَنَ عِبَارَةٌ عن نَفْسِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ على فَاعِلِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ وقال في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْنَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّهُ يُقَبَّحُ كَذَا أو يُحَسَّنُ كَذَا عَقْلًا أَنَّهُ يُدْرَكُ ذلك مِنْهُمَا من غَيْرِ إخْبَارِ مُخْبِرٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّكْلِيفَ مُخْتَصٌّ بِالسَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ وَأَنَّ الْعَقْلَ بِذَاتِهِ ليس بِدَلِيلٍ على تَحْسِينِ شَيْءٍ وَلَا تَقْبِيحِهِ وَلَا حَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَلَا يُعْرَفُ شَيْءٌ من ذلك حتى يَرِدَ السَّمْعُ فيه وَإِنَّمَا الْعَقْلُ آلَةٌ تُدْرَكُ بها الْأَشْيَاءُ فَيُدْرَكُ بِهِ حُسْنٌ وَقُبْحٌ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ ذلك بِالسَّمْعِ وقد ذَهَبَ إلَى هذا الْمَذْهَبِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُمْ الَّذِينَ امْتَازُوا عن مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ من أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ مَدْخَلًا في التَّكْلِيفِ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ وَضَرْبٌ عُلِمَ بِالسَّمْعِ فَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ فَهُوَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ وَالصِّدْقُ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ وَغَيْرُ ذلك وَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالشَّرْعِ فَنَحْوُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْمَعْلُومُ قُبْحُهُ بِالشَّرْعِ فَكَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ قالوا وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ يَكُونُ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا في الْعَقْلِ إيجَابِهِ وَقَضِيَّتِهِ وَزَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ على مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَاجِبٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ قبل وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ وَدُعَاءِ الشَّرْعِ إلَيْهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ وَذَهَبَ إلَيْهِ من أَصْحَابِنَا أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وأبو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْقَاضِي أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُمْ وَالْحَلِيمِيُّ من الْمُتَأَخِّرِينَ وَذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ من أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيِّينَ منهم وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَبَّخَ الْكُفَّارَ على تَرْكِهِمْ الِاسْتِدْلَالَ بِعُقُولِهِمْ على وَحْدَانِيِّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ في أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ فقال لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وقال لِأُولِي النُّهَى وقال أَفَلَا تَعْقِلُونَ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَقَالُوا لو كنا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ قال وَالصَّحِيحُ هو الْأَوَّلُ وَإِيَّاهُ نَخْتَارُ وَنَزْعُمُ أَنَّهُ شِعَارُ السُّنَّةِ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى وما كنا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا ولم يَقُلْ حتى نُرَكِّبَ عُقُولًا وقال حِكَايَةً عن الْمَلَائِكَةِ في خِطَابَاتِهِمْ مع أَهْلِ النَّارِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ وقال تَعَالَى أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ فَدَلَّ على أَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا لَزِمَتْهُمْ بِالسَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ وقال تَعَالَى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَدَلَّ على أَنَّهُ لَا حُجَّةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ بِحَالٍ وَأَمَّا الْآيَاتُ التي ذَكَرُوهَا فَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْعَقْلَ آلَةُ تَمْيِيزٍ وَبِهِ تُدْرَكُ آلَةُ الْأَشْيَاءِ وَيُتَوَصَّلُ إلَى الْحُجَجِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ في أَنَّهُ بِذَاتِهِ هل يَسْتَقِلُّ بِإِيجَابٍ شَيْءٍ آخَرَ أو تَحْرِيمِهِ قال وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا فيها على هذا الْقَدْرِ وَذَكَرْنَاهَا في أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ في مَسَائِلَ من الْفِقْهِ انْتَهَى وما نَقَلَهُ عن الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَالصَّيْرَفِيُّ رَأَيْته في كِتَابَيْهِمَا في الْأُصُولِ أَمَّا الْقَفَّالُ فقال أَحْكَامُ الشَّرْعِ ضَرْبَانِ عَقْلِيٌّ وَاجِبٌ وَسَمْعِيٌّ مُمْكِنٌ فَالْأَوَّلُ ما لَا يَجُوزُ تَغَيُّرُهُ وَلَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُ اسْتِبَاحَةِ ما يَحْظُرُ وَلَا حَظْرُ ما أُوجِبَ فِعْلُهُ كَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْعَدْلِ وَنَحْوِهِ وقد يَرِدُ السَّمْعُ بهذا النَّوْعِ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لِمَا وَجَبَ بِالْعَقْلِ وَالثَّانِي كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وهو مَوْقُوفٌ على تَجْوِيزِ الْعَقْلِ وَقَبُولِهِ إيَّاهُ فِيمَا جَوَّزَهُ الْعَقْلُ فَهُوَ مَقْبُولٌ وما رَدَّهُ فَمَرْدُودٌ وَمَتَى وَرَدَ السَّمْعُ بِإِيجَابِهِ صَارَ وَاجِبًا إلَى أَنْ يَلْحَقَهُ النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ هذا كَلَامُهُ وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فقال في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ الْكِتَابُ أو السُّنَّةُ أو الْإِجْمَاعُ بِمَا يَدْفَعُهُ الْعَقْلُ وإذا اسْتَحَالَ ذلك فَكُلُّ عِبَادَةٍ جاء بها الْقُرْآنُ أو السُّنَّةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا مُؤَكِّدٌ لِمَا في الْعَقْلِ إيجَابُهُ أو حَظْرُهُ أو إبَاحَتُهُ كَتَحْرِيمِ الشِّرْكِ وَإِيجَابِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالثَّانِي ما في الْعَقْلِ جَوَازُ مَجِيئُهُ وَمَجِيءِ خِلَافِهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَالسَّمْعُ يُرَقِّيهَا من حَيِّزِ الْجَوَازِ إلَى الْوُجُوبِ قال وَلَا يَأْتِي الْخَبَرُ بِخِلَافِ ذلك قال وَالدَّلِيلُ على أَنَّ الْعَقْلَ حَاكِمٌ على ما يَرِدُ بِهِ السَّمْعُ أَنَّهُ الْمُمَيِّزُ بين الْأَشْيَاءِ الْوَارِدَةِ عليه قال وَجِمَاعُ نُكْتَةِ الْبَابِ أَنَّ الذي يَرِدُ السَّمْعُ مِمَّا يُثْبِتُهُ الْعَقْلُ إنَّمَا يَأْتِي تَنْبِيهًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ من شَيْءٍ وَإِنَّمَا أتى بِالشَّيْءِ الذي الْعَقْلُ عَامِلٌ فيه وقد يُفَكِّرُ الْإِنْسَانُ في خَلْقِ نَفْسِهِ وَخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَتَدَبُّرِ آثَارِ الصَّنْعَةِ فَيَسْتَدِلُّ على أَنَّ لها صَانِعًا حَكِيمًا فَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ تَنْبِيهَ السَّمْعِ بَيِّنٌ في الْعَقْلِ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَدَّوْا هذا إلَى غَيْرِهِ فَقَالُوا يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا وَبِالْقِيَاسِ عَقْلًا وَنُقِلَ ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرُوا في الِاعْتِذَارِ عن مُوَافَقَتِهِمْ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذلك كان في أَوَّلِ أَمْرِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا عنه قال ابن عَسَاكِرَ في تَأْرِيخِهِ كان الْقَفَّالُ في أَوَّلِ أَمْرِهِ مَائِلًا عن الِاعْتِدَالِ قَائِلًا بِالِاعْتِزَالِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ الثَّانِي قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في كِتَابِهِ التَّقْرِيبِ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في تَعْلِيقِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَهُ في شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ نَحْوًا من هذا أَيْضًا وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمَّا حَكَيْنَا هذه الْمَذَاهِبَ عُلِمَ أَنَّ هذه الطَّائِفَةَ من أَصْحَابِنَا كَابْنِ سُرَيْجٍ كَانُوا قد بَرَعُوا ولم يَكُنْ لهم قَدَمٌ رَاسِخٌ في الْكَلَامِ وَطَالَعُوا على الْكِبَرِ كُتُبَ الْمُعْتَزِلَةِ فَاسْتَحْسَنُوا عِبَارَاتِهِمْ غير عَالِمِينَ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مَقَالَاتُهُمْ من قُبْحِ الْقَوْلِ وَلَا يَخْفَى ما في هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَحْسَنُ تَنْزِيلُهُ على ما سَنَذْكُرُهُ في الْمَنْقُولِ عن أبي حَنِيفَةَ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْعُقُولَ بِمُجَرَّدِهَا تُحَسِّنُ وَتُقَبِّحُ وَأَنَّ كَثِيرًا من الْحَسَنِ يُعْلَمُ حُسْنُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَضَرُورَتِهِ دُونَ أَدِلَّتِهِ وَكَذَلِكَ الْقَبِيحُ مِثْلُ وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَقُبْحِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ من الْحَنَفِيَّةِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ أُصُولَ الْوَاجِبَاتِ وَالْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ في الْأَفْعَالِ كُلِّهَا مُدْرَكَةٌ بِالْعَقْلِ سَوَاءٌ وَرَدَ عليها حُكْمُ اللَّهِ بِالتَّقْرِيرِ أو لم يَرِدْ وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ أنها لَا تُعْرَفُ إلَّا بِالشَّرْعِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ في حُكْمِ دَلَالَاتِ الْعُقُولِ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في حُكْمِ دَلَالَاتِ الْعُقُولِ على الْمَشْرُوعَاتِ الدِّينِيَّةِ لَوْلَا الشَّرِيعَةُ على أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ لَغْوٌ لِأَنَّ اللَّهَ لم يَدْعُنَا وَالْعُقُولُ بِمُجَرَّدِهَا وَالثَّانِي أنها حَسَنَةٌ بِالْعَقْلِ لَوْلَا الشَّرِيعَةُ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ فَالْعِبَادَاتُ كانت تَجِبُ لَوْلَا الشَّرْعُ لَا زَاجِرَ عنها إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْكَانِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَإِنَّمَا سَقَطَ لَا لِضَرُورَةٍ بِالشَّرْعِ تَيْسِيرًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ الْمُعَجَّلَةُ فما وَجَبَتْ إلَّا شَرْعًا الرَّابِعُ قال وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ على الْعَبْدِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَاعْتِقَادَ وُجُوبِ الطَّاعَةِ على نَفْسِهِ من أَمْرٍ وَنَهْيٍ لَكِنَّهُ تَقِفُ نَفْسُهُ لِلْبِدَارِ إلَى ما يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَاهُ من غَيْرِ أَنْ يَقْدُمَ على شَيْءٍ بِالِاسْتِبَاحَةِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ لَا لِقُبْحِ هذه الْمَشْرُوعَاتِ قبل الْأَمْرِ بَلْ يُمْنَعُ الْعَقْلُ مَعْرِفَةَ حُسْنِهَا قال وهو مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا وَلِهَذَا كان بَعْثُ الرُّسُلِ على اللَّهِ حَقًّا وَاجِبًا لِيُمَكِّنَهُمْ الْإِقْدَامَ على الْعِبَادَةِ وَالتَّوَقُّفُ لِلطَّاعَةِ ضَرْبُ عِنَادٍ فَإِنَّهَا تَمْثِيلُ الْعَقْلِ فَكَانَ يَلْزَمُ ذلك بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ مع اعْتِقَادِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِلْعِبَادَةِ الْمُطْلَقَةِ وَأَنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ يُبَيِّنُ ذلك وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا وَأَمَّا الْإِقْدَامُ على الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَلَا يَأْتِي بِهِ إلَّا بَعْدَ الشَّرْعِ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ من الناس أَنَّ مَذْهَبَ أبي حَنِيفَةَ كَمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَيَنْصَبُّ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيَّةِ لِقَوْلِ أبي حَنِيفَةَ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ في الْجَهْلِ بِخَالِقِهِ وَقَوْلِهِ لو لم يَبْعَثْ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ على الْخَلْقِ مَعْرِفَتُهُ بِعُقُولِهِمْ لَكِنَّ هذا الْكَلَامَ قد فَسَّرَهُ أبو عبد اللَّهِ أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ الصَّابُونِيُّ وهو الْعُمْدَةُ عِنْدَهُمْ قال ليس تَفْسِيرُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِالْعَقْلِ أَنْ يُسْتَحَقَّ الْعِقَابُ بِالْعَقْلِ وَالثَّوَابُ بِالْعَقْلِ إذْ هُمَا لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بِالسَّمْعِ لَكِنَّ تَفْسِيرَهُ عِنْدَنَا نَوْعُ تَرْجِيحٍ ا هـ وَالْأَحْسَنُ في مَعْنَاهُ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْزِيلٌ ثَالِثٌ في إيضَاحٍ آخَرَ وقال بَعْضُ مُحَقِّقِي الْحَنَفِيَّةِ عِنْدَنَا الْحَاكِمُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ هو اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُقَالُ إنَّ هذا مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَرْقُ هو أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بَعْدَ الشَّرْعِ وَعِنْدَنَا قد يَعْرِفُهُمَا الْعَقْلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِهِمَا إمَّا بِلَا كَسْبٍ كَحُسْنِ تَصْدِيقِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَإِمَّا مع كَسْبٍ كَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْمُسْتَفَادِ من الْأَدِلَّةِ وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وقد لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّ كَأَكْثَرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَنَا من مَدْلُولَاتِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ من مُوجِبَاتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ بَرْهَانٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ قالوا إنَّ الْعَقْلَ مُوجِبٌ وَحَاكِمٌ وَتَبِعَهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَصِيرُ مَطْلَعُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الشَّرْعَ مُثْبِتٌ أو مُقَرِّرٌ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ فَسَلَكُوا طَرِيقًا لَخَصُّوا فيها مَحَلَّ النِّزَاعِ فَقَالُوا الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يُطْلَقَانِ بِمَعَانٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا ما يُلَائِمُ الطَّبْعَ وَيُنَافِرُهُ كَالْحَلَاوَةِ وَالْمَرَارَةِ وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَلَيْسَ هذا مَحَلَّ النِّزَاعِ لِاخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ الثَّانِي كَوْنُ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ أو نَقْصٍ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَهُمَا بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ عَقْلِيَّانِ أَيْ يُعْرَفَانِ بِالْعَقْلِ بِلَا خِلَافٍ الثَّالِثُ كَوْنُ الْفِعْلِ مُوجِبًا لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ فَعِنْدَنَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِهِ فَالنِّزَاعُ في كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلَّقَ الذَّمِّ عَاجِلًا وَالْعِقَابِ آجِلًا وَقَضِيَّةُ هذا أَنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجِبُهُ لِتَصْرِيحِهِ بِالتَّعَلُّقِ وَنَازَعَهُ الْقَرَافِيُّ فقال النِّزَاعُ في كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقًا لِلذَّمِّ أو الْعِقَابِ يُشْعِرُ بِأَنَّ تَرَتُّبَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ على الْفِعْلِ يُنَازَعُ فيه وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُمْ إذْ يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَيُوجِبَ وَلَا يُعَجِّلُ ذَمًّا بَلْ يَحْصُلُ الْوَعِيدُ من غَيْرِ ذَمٍّ وَيَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَ وَلَا يُوجِدَ عِقَابًا بَلْ يُعَجِّلُهُ عَقِبَ الذَّنْبِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في كَوْنِ الْفِعْلِ مُتَعَلَّقًا بِالْمُؤَاخَذَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَيْفَ كانت ذَمًّا أو غَيْرَهُ عَاجِلَةً أو آجِلَةٍ هل يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِذَلِكَ أَمْ لَا قُلْت وَجَعَلَ الْمُقْتَرِحُ في شَرْحِ الْإِرْشَادِ من صُوَرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ ما يُتَعَارَفُ قبل الشَّرْعِ من الْمَيْلِ إلَى الْفِعْلِ وَالنَّفْرَةِ عنه قال فَالْمُعْتَزِلَةُ يَدَّعُونَ أَنَّ ذلك اسْتِحْثَاثُ الْعَقْلِ على الْفِعْلِ وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ مِمَّا جُبِلَ عليه الْحَيَوَانُ من شَهْوَةِ ما يَنْفَعُهُ وَكَرَاهَةِ ما يَضُرُّهُ ا هـ وَهَذَا صَرِيحٌ في نَقْلِ الْخِلَافِ في الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ التي جَعَلَهَا الْإِمَامُ مَحَلَّ وِفَاقٍ ثُمَّ قال فَرَّعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ الْعَقْلَ مِمَّا يَسْتَحِثُّ على الْفِعْلِ لِأَنَّهُ على صِفَةٍ في نَفْسِهِ لِأَجْلِهَا يَحُثُّ على فِعْلِهِ ثُمَّ اضْطَرَبُوا في هذه الصِّفَةِ فقال قُدَمَاؤُهُمْ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ وقال مُتَأَخِّرُوهُمْ تَابِعَةٌ لِلْحُدُوثِ ثُمَّ قالوا إنَّمَا نهى الشَّرْعُ عن الْفِعْلِ لِأَنَّهُ على صِفَةٍ في نَفْسِهِ لِأَجْلِهَا يَقْبُحُ أو لِأَنَّهُ يُؤَدَّى فَيَقْبُحُ في نَفْسِهِ قال وَأَصْلُ هذه الْمَسْأَلَةِ أَخَذَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ من الْفَلَاسِفَةِ فَإِنَّهُمْ قالوا الْعِلْمُ مَحْمُودٌ لِذَاتِهِ وَالْجَهْلُ مَذْمُومٌ لِذَاتِهِ وَسَائِرُ الْأَفْعَالِ لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ مَحْمُودَةً لِذَاتِهَا وَلَا مَذْمُومَةً لِذَاتِهَا بَلْ لِعُرُوضِ عَرَضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَأَخَذَ الْمُعْتَزِلَةُ بهذا الْمَذْهَبِ في الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَعَدُّوهُ إلَى سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَعَبَّرَ بَعْضُ الناس عن مَذْهَبِ الْقَوْمِ بِأَنْ قال عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُدْرَكُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَقْلًا من غَيْرِ أَنْ يُتَوَقَّفَ على إخْبَارٍ على مُخْبِرٍ وَلَيْسَ في هذا إفْصَاحٌ عن أَنَّهُمْ يَرُدُّونَهُ إلَى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ أو صِفَةٍ تَابِعَةٍ لِلْحُدُوثِ أو غَيْرِ ذلك وَيُقَالُ لِمَنْ قال إنَّهَا صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ صِفَةُ النَّفْسِ ما يَتْبَعُ النَّفْسَ في الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَيَلْزَمُ منه إثْبَاتُ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ في الْقَدِيمِ ثُمَّ يَلْزَمُ منه اسْتِحْقَاقُ الذَّمِّ على الْمَعْدُومِ وَذَلِكَ مُحَالٌ ثُمَّ قَسَّمُوا الْأَفْعَالَ إلَى قِسْمَيْنِ وَقَالُوا منها ما يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَمِنْهَا ما لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فيه حُسْنًا وَلَا قُبْحًا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ لِخَفَاءِ وَصْفِهِ عن الْعُقُولِ وَلَيْسَ هو ثَابِتًا بِالْخِطَابِ وَإِنَّمَا الشَّرْعُ كَاشِفٌ عن حَقِيقَتِهِ لَمَّا قَصُرَ الْعَقْلُ عنه قال في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ وَلِكُلِّ مَذْهَبٍ سَيِّئَةٌ وَحَسَنَةٌ فَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُمْ نَفَوْا الْحَسَنَ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وفي حَقِّنَا فَحَسَنَتُهُمْ كَوْنُهُمْ نَفَوْهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَسَيِّئَتُهُمْ كَوْنُهُمْ نَفَوْهُ في حَقِّنَا وَمَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ إثْبَاتُ الْحَسَنِ في حَقِّ اللَّهِ وفي حُقُوقِنَا وَسَيِّئَتُهُمْ كَوْنُهُمْ أَثْبَتُوهُ في حَقِّ الْبَارِي وَحَسَنَتُهُمْ كَوْنُهُمْ أَثْبَتُوهُ في حَقِّنَا فَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَذْهَبًا بين مَذْهَبَيْنِ وهو الْجَامِعُ لِمَحَاسِنِ الْمَذَاهِبِ فَأَثْبَتَهُ في حَقِّنَا وَنَفَاهُ في حَقِّ الْبَارِي انْتَهَى تَنْبِيهٌ الْعَقْلُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ ظَاهِرُ النَّقْلِ السَّابِقِ عَنْهُمْ أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ على جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْآيَةِ وما كنا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا يَقْتَضِيهِ يَقْتَضِيهِ وَالتَّحْقِيقُ في ذلك عن الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْفِعْلَ إنْ اشْتَمَلَ على مَصْلَحَةٍ خَالِصَةٍ أو رَاجِحَةٍ اقْتَضَى الْعَقْلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَلَبَهُ وَإِنْ اشْتَمَلَ على مَفْسَدَةٍ خَالِصَةٍ أو رَاجِحَةٍ اقْتَضَى الْعَقْلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَلَبَ تَرْكَهُ وَإِنْ تَكَافَأَتْ مَصْلَحَةُ الْفِعْلِ وَمَفْسَدَتُهُ أو تَجَرَّدَ عنهما أَصْلًا كان مُبَاحًا وَلَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا عِنْدَهُمْ لِثُبُوتِهِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ له بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ أَنْ لَا يَدَعَ مَصْلَحَةً في وَقْتٍ ما إلَّا أَوْجَبَهَا وَأَثَابَ عليها وَلَا يَدَعَ مَفْسَدَةً في وَقْتٍ ما إلَّا حَرَّمَهَا وَعَاقَبَ عليها تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ حَكِيمًا وَإِلَّا لَفَاتَتْ الْحِكْمَةُ في جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ فَعِنْدَهُمْ إدْرَاكُ الْعَقْلِ لِمَا ذَكَرْنَا من قِبَلِ الْوَاجِبَاتِ لِلْعَقْلِ لَا من قِبَلِ الْجَائِزَاتِ كما نَقُولُ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّ الْأَوْصَافَ مُسْتَقِلَّةٌ بِالْأَحْكَامِ وَلَا أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ وَيُحَرِّمُ وَهَذَا هو الْحَقُّ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ وَتَلْخِيصِ النِّزَاعِ وهو الْمَفْهُومُ من كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ السَّابِقِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ أَيْضًا وَالْأُصُولِيُّونَ النَّاقِلُونَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قد أَحَالُوا الْمَعْنَى وَنَقَلُوا عن الْمُعْتَزِلَةِ ما لَا يَنْبَغِي لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَهُ إيضَاحٌ آخَرُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لَا يُعْلَمَانِ إلَّا من جِهَةِ الشَّرْعِ قد تَقَرَّرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إنَّمَا هو في الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَعْنَى تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَنَقُولُ بين الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَبَيْنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ تَلَازُمٌ ما وَاتَّفَقَ الْمُعْتَزِلِيُّ مع السُّنِّيِّ على أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ حُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَافْتَرَقَا في أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ يَرَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مُلَازِمٌ لها فَحَكَمَ بِثُبُوتِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ قبل الشَّرْعِ لِثُبُوتِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ قَبْلَهُ فإذا جاء الشَّرْعُ بَعْدَ ذلك كان مُؤَكِّدًا لِحُكْمِ الْعَقْلِ وَأَمَّا السُّنِّيُّ فإنه يَرَى أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا يُعْلَمَانِ إلَّا من جِهَةِ الشَّرْعِ فَنَفَى الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ قبل الشَّرْعِ وَهَذَا وَنَحْوُهُ من قَاعِدَةِ أَنَّ ما بِهِ الِاتِّفَاقُ قد يَكُونُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ في النَّسْخِ وَالْبَدَاءِ وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَخْرُجُ لنا في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّ حُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عليها شَرْعِيَّانِ وهو قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالثَّانِي عَقْلِيَّانِ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّالِثُ أَنَّ حُسْنَهَا وَقُبْحَهَا ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ يَتَوَقَّفُ على الشَّرْعِ فَنُسَمِّيهِ قبل الشَّرْعِ حَسَنًا وَقَبِيحًا وَلَا يَتَرَتَّبُ عليه الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ وهو الذي ذَكَرَهُ أَسْعَدُ بن عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيّ من أَصْحَابِنَا وأبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ وَذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَحَكَوْهُ عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا وهو الْمَنْصُورُ لِقُوَّتِهِ من حَيْثُ النَّظَرُ وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَسَلَامَتُهُ من التَّنَاقُضِ وَإِلَيْهِ إشَارَاتُ مُحَقِّقِي مُتَأَخِّرِي الْأُصُولِيِّينَ وَالْكَلَامِيِّينَ فَلْيُتَفَطَّنْ له فَهَاهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إدْرَاكُ الْعَقْلِ حُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا وَالثَّانِي أَنَّ ذلك كَافٍ في الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَإِنْ لم يَرِدْ شَرْعٌ وَلَا تَلَازُمٌ بين الْأَمْرَيْنِ بِدَلِيلِ ذلك أَنْ لم يَكُنْ رَبُّك مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ أَيْ بِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ أَيْ لم يَأْتِهِمْ الرُّسُلُ وَالشَّرَائِعُ وَمِثْلُهَا وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أَيْ من الْقَبَائِحِ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا الْآيَةَ وَأَمَّا الْآيَاتُ التي احْتَجَّ بها الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ شَرْعِيٌّ إنَّمَا تَدُلُّ على نَفْيِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِقَوْلِهِ وما كنا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا فَأَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ قبل الْبَعْثَةِ وقال تَعَالَى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَلَوْ كان له الْحُجَّةُ عليهم قبل الْبَعْثَةِ لَمَا قال إنَّمَا أَبْعَثُ الرُّسُلَ لِأَقْطَعَ بها حُجَّةَ الْمُحْتَجِّ إذَا تَلَخَّصَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَهُ مَآخِذُ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُسْنَ عِنْدَهُمْ صِفَةٌ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ كَوْنَهُ حَسَنًا وَالْقُبْحَ صِفَةٌ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ كَوْنَهُ قَبِيحًا حَمْلًا لِلْأَفْعَالِ على الْأَجْسَامِ فإن الْحُسْنَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بها وَكَذَلِكَ الْقُبْحُ وَعِنْدَنَا الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إنَّمَا هو صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ إضَافِيَّةٌ حَاصِلَةٌ بين الْفِعْلِ وَاقْتِضَاءِ الشَّرْعِ إيجَادَهُ أو الْكَفَّ عنه فإذا قال الشَّارِعُ صَلِّ قُلْنَا الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ وإذا قال لَا تَزْنِ قُلْنَا الزِّنَى قَبِيحٌ وما ذَكَرُوهُ من أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ صِفَتَانِ لِلْفِعْلِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الصِّفَاتِ أَعْرَاضٌ وَالْفِعْلَ عَرَضٌ وَالْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِالْجَوَاهِرِ فَكَيْفَ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ الثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ عِنْدَهُمْ مُقَرِّرًا لِحُكْمِ الْعَقْلِ وَمُؤَكِّدًا له وَعِنْدَنَا وَرَدَ الشَّرْعُ كَاسْمِهِ شَارِعًا لِلْأَحْكَامِ ابْتِدَاءً وَتَحْقِيقُ ذلك أَنَّ الْعَقْلَ اُحْتِيجَ إلَيْهِ قبل الشَّرْعِ لِتَقْرِيرِ مُقَدِّمَاتِهِ فَالتَّوْحِيدُ وَجَوَازُ الْبَعْثَةِ وَالنَّظَرُ في الْمُعْجِزَاتِ كَالثَّابِتِ لِلشَّرْعِ في ذلك فإذا قَرَّرَهَا انْعَزَلَ وَصَارَ مَأْمُورًا بِامْتِثَالِ ما يَصْدُرُ عنها وَلِهَذَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْمِلَّةِ أَنَّ النبي الصَّادِقَ إذَا أَخْبَرَ خَبَرًا لَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَتِلْكَ خَصِيصَةُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ التي مَدَحَ اللَّهُ بها الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا قَلَّدُوا عُقُولَهُمْ أَنْكَرُوا عَذَابَ الْقَبْرِ وَسُؤَالَ مُنْكِرٍ وَنَكِيرٍ وَوَزْنَ الْأَعْمَالِ وَوَقَعُوا في عِقَالِ الضَّلَالِ حَيْثُ عَدَلُوا عن قَوْلِ الْمَعْصُومِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ التَّأْكِيدُ وَالتَّأْسِيسُ كان التَّأْسِيسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَنَظِيرُهُ إذَا تَعَارَضَ حَدِيثَانِ وَأَحَدُهُمَا مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ نَاقِلٌ عن حُكْمِهِ وَالْآخَرُ مُوَافِقٌ له مُقَرِّرٌ لِحُكْمِهِ هل يُقَدَّمُ الْمُقَرِّرُ لِأَنَّهُمَا دَلِيلَانِ يَعْضُدُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أو النَّاقِلُ لِأَنَّهُ أَفَادَ فَائِدَةً زَائِدَةً قَوْلَانِ الثَّالِثُ اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مُلَازِمٌ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَعِنْدَنَا لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا الرَّابِعُ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ ليس بِاخْتِيَارِهِ عِنْدَنَا فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ يَرْجِعَانِ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عنه تَنْبِيهٌ الْعَقْلُ مُدْرِكٌ لِلْحُكْمِ لَا حَاكِمٌ إدْرَاكُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ في الْقِيَاسِ أو دُخُولُ الْفَرْعِ الْخَاصِّ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ وَإِنْ كان بِالْعَقْلِ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ مُدْرِكٌ لِلْحُكْمِ لَا أَنَّهُ حَاكِمٌ وَكَذَلِكَ تَرَتُّبُ النَّتِيجَةِ بَعْدَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ وَلَا يُقَالُ أَوْجَبَهُ وقد أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ في الْمُخْتَصَرِ الْقَوْلَ بِتَعْصِيَةِ النَّاجِشِ وهو الذي يَزِيدُ في السِّلْعَةِ لَا لِغَرَضٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ وَشَرَطَ في تَعْصِيَةِ من بَاعَ على بَيْعِ أَخِيهِ الْعِلْمَ بِوُرُودِ النَّهْيِ عنه فقال الشَّارِحُونَ السَّبَبُ في ذلك أَنَّ النَّجْشَ خَدِيعَةٌ وَتَحْرِيمُ الْخَدِيعَةِ وَاضِحٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ لم يُعْلَمْ فيه خَبَرٌ بِخُصُوصِهِ وَالْبَيْعُ على بَيْعِ الْأَخِ إنَّمَا عُرِفَ من الْخَبَرِ الْوَارِدِ فيه فَلَا يَعْرِفُهُ من لَا يَعْرِفُ الْخَبَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخِدَاعِ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَإِنْ لم يَرِدْ شَرْعٌ قال الرَّافِعِيُّ في شَرْحِ الْوَجِيزِ وَهَذَا ليس من مُعْتَقَدِنَا انْتَهَى وإذا فَهِمْته على أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ تَحْرِيمَ الْخِدَاعِ من غَيْرِ اسْتِقْلَالٍ في ذلك لم يَبْقَ اعْتِرَاضٌ وَمِنْ فُرُوعِ هذا الْأَصْلِ عَدَمُ صِحَّةِ إسْلَامِ الصَّبِيِّ عِنْدَنَا لِأَنَّ صِحَّتَهُ فَرْعُ تَقَدُّمِ الْإِلْزَامِ بِهِ وَلَا إلْزَامَ مع الصَّبِيِّ شَرْعًا وقال أبو حَنِيفَةَ يَصِحُّ بِنَاءً على أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ على الصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ في إبْطَالِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَدَمُ وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ بِأَنْ يُقَالَ خَلْقُ الْعَالَمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ أو لَا فَإِنْ كان فَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى فِعْلَ الْمَصَالِحِ دُهُورًا لَا نِهَايَةَ لها وَإِنْ لم يَكُنْ كان خَلْقُهُ عَرِيًّا عن الْمَصَالِحِ فإن اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ مَلْزُومًا لِلْمَصَالِحِ أو لَا تَكُونُ رِعَايَتُهَا وَاجِبَةً وإذا تَقَرَّرَ عَدَمُ وُجُوبِهَا فَلَا يَجِبُ في الْعَقْلِ أَنَّ اللَّهَ يَرْبِطُ أَحْكَامَهُ فيها بَلْ يُجَوِّزُ ذلك وَيَقْتَضِيهِ فَبَطَلَ قَاعِدَةُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ لِأَنَّ وُجُوبَ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ عَقْلًا هو عَيْنُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وقد فَرَّعَ الْأَصْحَابُ على هذا الْأَصْلِ مَسْأَلَتَيْنِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى شُكْرُ الْمُنْعِمِ شُكْرُ الْمُنْعِمِ وهو الثَّنَاءُ عليه بِذِكْرِ آلَائِهِ وَإِحْسَانِهِ حَسَنٌ قَطْعًا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَأَمَّا وُجُوبُهُ فَإِنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْعِ وَلَا يَجِبُ عَقْلًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَقْلًا لَكِنَّهُ وُجُوبُ اسْتِدْلَالٍ لَا ضَرُورِيٍّ وَوَافَقَهُمْ على ذلك جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا الْأَقْدَمِينَ منهم أبو الْعَبَّاسِ بن الْقَاصِّ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فقال الزُّبَيْرِيُّ الْعِبَادَاتُ من قِبَلِ السَّمْعِ لَا تَرِدُ إلَّا على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ضَرْبٌ يَرِدُ بِإِيجَابِ ما تَقَدَّمَ في الْعَقْلِ وُجُوبُهُ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالثَّانِي يَرِدُ بِحَظْرِ ما تَقَدَّمَ في الْعَقْلِ وُجُوبُهُ كَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَالثَّالِثُ يَرِدُ لِمَا في الْعَقْلِ جَوَازُ مَجِيئِهِ كَالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وقال ابن الْقَاصِّ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ الْأَشْيَاءُ في الْعَقْلِ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ فَضَرْبٌ أَوْجَبَهُ الْعَقْلُ وَضَرْبٌ نَفَاهُ وَضَرْبٌ أَجَازَهُ وَأَجَازَ خِلَافَهُ فما أَوْجَبَهُ الْعَقْلُ فَهُوَ وَاجِبٌ كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ قال فَأَمَّا الضَّرْبَانِ الْأَوَّلَانِ فَحُجَّةُ اللَّهِ فِيهِمَا قَائِمَةٌ على كل ذِي لُبٍّ قبل مَجِيءِ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ وَلَا يَجِيءُ سَمْعٌ إلَّا مُطَابِقًا ا هـ وقال أبو الْحَسَنِ بن الْقَطَّانِ لَا خِلَافَ أَنَّ ما كان لِلْعَقْلِ فيه حُكْمٌ أَنَّهُ ما كان عليه مِثْلُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَنَحْوِهِ ا هـ وقال الْقَفَّالُ في مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ في كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْعُقُولُ تَدُلُّ على وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ عن الْقَفَّالِ وابن أبي هُرَيْرَةَ مِنَّا قال وكان ذلك مَذْهَبَ الصَّيْرَفِيِّ وَرَجَعَ عنه قال ولم يُخَالِفُوا أُصُولَنَا في غَيْرِ هذا الْمَوْضِعِ وَوَافَقُونَا في بَاقِي الْمَسَائِلِ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ بَاطِلٌ في قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا من الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ لَمَّا نَظَرُوا إلَى أَسْئِلَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِيجَابِ الشُّكْرِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ اعْتَقَدُوا أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَمَعْرِفَةَ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَأَنَّ له مُحْدِثًا وَأَنَّ له مُنْعِمًا أَنْعَمَ عليه كُلَّهَا وَاجِبٌ بِالْعَقْلِ قبل الشَّرْعِ وَهُمْ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وأبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ قال وأبو عَلِيٍّ السَّقَطِيُّ يَعْنِي الطَّبَرِيَّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ الْقَطَّانِ كان صَاحِبَ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وكان يَدُقُّ عليه في هذا الْفَصْلِ قال وَحَكَى أبو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَقَعَ إلَى أبي الْحَسَنِ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ وأبو الْحَسَنِ كَلَّمَهُ في هذا الْفَصْلِ ولم يَنْجَعْ منه فقال أبو الْحَسَنِ لِأَبِي عَلِيٍّ أنت تَشْنَؤُنِي أَيْ تَبْغُضُنِي قال فَوَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ قال أبو سَهْلٍ وَكُنَّا نَتَعَصَّبُ لِلشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ فَمَضَيْنَا وَقَعَدْنَا على رَأْسِ الْقَنْطَرَةِ التي كانت على طَرِيقِ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَهِيَ قَنْطَرَةٌ بِبَغْدَادَ يُقَالُ لها الصَّرَاةُ وَكُنَّا نَنْتَظِرُهُ لِنَنْتَفِعَ بِهِ وَأَمَّا أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فَقَدْ وَقَعَ إلَى الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَلَحَّ معه في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال له أبو الْحَسَنِ أَبِجَدٍّ تَقُولُ إنَّ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرَهَا وَشَرَّهَا قال نعم فقال أبو الْحَسَنِ إذَا كانت الْعِلَّةُ في إيجَابِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ الْمُنْعِمُ الذي خَلَقَهُ قد أَرَادَ منه الشُّكْرَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ منه أَنْ لَا يَشْكُرَهُ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عن شُكْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ ما ليس بِحَسَنٍ كما قالت الْمُعْتَزِلَةُ وَإِمَّا أَنْ لَا تَأْمَنَ أَنَّهُ قد أَرَادَ مِنْك تَرْكَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وإذا شَكَرْته عَاقَبَك فَلَا يَجِبُ عَلَيْك شُكْرُ الْمُنْعِمِ لِهَذَا الْجَوَازِ فَتَرَكَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ هذا الْمَذْهَبَ وَرَجَعَ عنه وَأَمَّا أبو عَلِيٍّ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ فلم يَثْبُتْ عَنْهُمْ الرُّجُوعُ عن هذه الْمَقَالَةِ قُلْت قال الطُّرْطُوشِيُّ في الْعُمَدِ هذا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً إلَّا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ تَلَعْثَمُوا في هذا الْأَصْلِ في أَوَّلِ أَمْرِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا عنه إلَى الْحَقِّ وَهُمْ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وأبو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ ثُمَّ قال الْأُسْتَاذُ كانت الْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَوَائِلُ منهم على أَنَّ وُجُوبَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ كما قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ من أَصْحَابِنَا فَصَارُوا كلهم في آخِرِهِمْ إلَى أَنَّهُ مَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَإِلْزَامَاتٌ وَرَدَتْ عليهم انْتَهَى كَلَامُهُ وقد تَضَمَّنَ فَوَائِدَ جَلِيلَةً وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ قَصَدَ الْأَوَائِلُ من أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِمْ إنَّا لَا نَعْرِفُ الْقُبْحَ وَالْعَدْلَ وَالظُّلْمَ إلَّا بِالشَّرْعِ فَقَطْ مُخَالَفَةَ الْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ ما قَبَّحَهُ الْعُقُولُ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِتَحْسِينِهِ لَا أَنَّا لَا نَعْرِفُ مَعَانِيَ هذه الْأَلْفَاظِ قبل الشَّرْعِ من اللُّغَةِ بَلْ نَعْرِفُهَا قبل الشَّرْعِ وَنَعْلَمُ تَوَاطُؤَهُمْ على التَّقْبِيحِ وَالتَّحْسِينِ في أَشْيَاءَ نَعْرِفُهَا وَاخْتِلَافَهُمْ في أَشْيَاءَ أُخْرَى وَأَنَّ عُقَلَاءَهُمْ حَكَمُوا كَذَلِكَ قال وَمَنْ قال إنَّا لَا نَعْرِفُ مَقَاصِدَهُمْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ قبل الشَّرِيعَةِ لم يَتَمَكَّنْ من الْكَلَامِ فيها وَالْمُنَاظَرَةِ مع الْخُصُومِ فإنه مَتَى جَرَى في كَلَامِهِ أَنَّ الشَّرْعَ يُقَبِّحُهُ أو يُحَسِّنُهُ مَنَعَهُ منه فقال أَيُّ شَيْءٍ تَعْنِي بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُهُ حتى يَرِدَ الشَّرْعُ فَيَتَعَذَّرَ الْكَلَامُ عليه قال وَأَوَّلُ ما وَرَدَ أبو عَمْرٍو الْبِسْطَامِيُّ بِنَيْسَابُورَ حَضَرَ بَعْضَ مَجَالِسِ الْكَلَامِ لِبَعْضِ الْعَلَوِيَّةِ فَسُئِلَ عن هذه الْمَسْأَلَةِ فقال لَا أَعْرِفُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ قبل الشَّرِيعَةِ فَأَوْرَدَ عليه هذا السُّؤَالَ فَالْتَبَكَ فيه وَتَخَبَّطَ ولم يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ منه ثُمَّ قال يَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَنَا في قَوْلِنَا إنَّمَا نَعْرِفُ مَعَانِيَ هذه الْأَلْفَاظِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّا نَقُولُ ما قَضَى الْعَقْلُ بِقُبْحِهِ جَازَ أَنْ تَرِدَ الشَّرِيعَةُ بِاسْتِحْسَانِهِ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ وكان أبو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ من أَصْحَابِنَا يَقُولَانِ بِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَوُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ على مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ من جِهَةِ الْعَقْلِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ ثُمَّ إنَّ الصَّيْرَفِيَّ نَاظَرَ الْأَشْعَرِيَّ في ذلك وَاسْتَدَلَّ على وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ بِالْعَقْلِ بِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ مِمَّا يُخَافُ منه الضَّرَرُ قال فإذا خَطَرَ بِبَالِ الْعَاقِلِ أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ له صَانِعٌ قد أَنْعَمَ عليه وَأَرَادَ منه الشُّكْرَ على نِعَمِهِ وَالِاسْتِدْلَالَ على مَعْرِفَتِهِ لَزِمَهُ الشُّكْرُ وَالْمَعْرِفَةُ فقال له الْأَشْعَرِيُّ هذا الِاسْتِدْلَال يُنَافِي أَصْلَك لِأَنَّك اسْتَدْلَلْت على وُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ بِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُنْعِمُ قد أَرَادَ ذلك وَإِرَادَةُ اللَّهِ لَا تَدُلُّ على وُجُوبِهِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قد أَرَادَ حُدُوثَ كل ما عَلِمَ حُدُوثَهُ من خَيْرٍ وَشَرٍّ وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ الْمَعَاصِي وَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ عز وجل حُدُوثَهَا فَعَلِمَ الصَّيْرَفِيُّ مُنَافَاةَ اسْتِدْلَالِهِ على مَذْهَبِهِ وَرَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ قبل الشَّرْعِ ا هـ زَادَ الطُّرْطُوشِيُّ أَنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ الِاسْتِدْرَاكَ رَجَعَ فيه عن قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ إنَّهُ أَلْحَقَ بِحَاشِيَةِ الْكِتَابِ نَحْنُ وَإِنْ كنا نَقُولُ بِشُكْرِ الْمُنْعِمِ فَإِنَّمَا نَقُولُهُ عِنْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ قال وَكَذَا الْقَلَانِسِيُّ كان يقول بِهِ ثُمَّ لَمَّا تَحَقَّقَ له ما فيه من التَّهَافُتِ رَجَعَ عنه الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ حُكْمُ أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ إنَّ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ لَا حُكْمَ لها قبل وُرُودِ الشَّرْعِ عِنْدَنَا بِنَاءً على أَنَّ الْأَحْكَامَ هِيَ الشَّرَائِعُ وَعِنْدَهُمْ الْأَحْكَامُ هِيَ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ فَقَالُوا الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ إمَّا حَسَنٌ بِالْعَقْلِ كَإِسْدَاءِ الْخَيْرَاتِ أو قَبِيحٌ بِالْعَقْلِ كَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَهَذَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا عِنْدَهُمْ كما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فيه بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ كَفُضُولِ الْحَاجَاتِ وَالتَّنَعُّمَاتِ وَالْأَوَّلُ وَاجِبٌ أو مَنْدُوبٌ أو مُبَاحٌ وَالثَّانِي حَرَامٌ أو مَكْرُوهٌ وَالثَّالِثُ فيه خِلَافٌ هل هو وَاجِبٌ أو مُبَاحٌ أو على الْوَقْفِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَمَّا الْأَفْعَالُ الِاضْطِرَارِيَّةُ كَالتَّنَفُّسِ وَنَحْوِهِ فَحَسَنَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَكَذَا حَرَّرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ مَحَلَّ الْوِفَاقِ من الْخِلَافِ وَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فإنه عَمَّمَ الْخِلَافَ في جَمِيعِ الْأَفْعَالِ وهو مُنَافٍ لِقَوَاعِدِ الِاعْتِزَالِ من جِهَةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْحَظْرِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ إنْقَاذِ الْغَرْقَى وَإِطْعَامِ الْجَوْعَانِ وَكِسْوَةِ الْعُرْيَانِ وَالْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْعَقْلِ وَالْفَسَادِ في الْأَرْضِ وَالْخِلَافُ ظَاهِرٌ فِيمَا لم يَطَّلِعْ الْعَقْلُ على مَفْسَدَتِهِ وَلَا مَصْلَحَتِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا تُنَافِي الْأُصُولُ قَوَاعِدَ الْقَوْمِ قال الْقَرَافِيُّ لَكِنَّ طَرِيقَةَ الْإِمَامِ يُسَاعِدُهَا النَّقْلُ فإن أَبَا الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّ في كِتَابِ الْمُعْتَمَدِ حَكَى عن شِيعَتِهِ الْمُعْتَزِلَةِ الْخِلَافَ مُطْلَقًا من غَيْرِ تَقْيِيدٍ كما حَكَى الْإِمَامُ وَوَافَقَهُ الْقَرَافِيُّ أَخِيرًا لِهَذَا قُلْت لَكِنَّ ابْنَ بَرْهَانٍ وَابْنَ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرَهُمَا من الْأَئِمَّةِ إنَّمَا حَكَوْا الْخِلَافَ عَنْهُمْ فِيمَا لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فيه بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ قال جُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ الشُّكْرُ وما في مَعْنَاهُ وَاجِبٌ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَهُ هل هو حَرَامٌ أو مُبَاحٌ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ مِمَّنْ يُوَافِقُ الْمُعْتَزِلَةَ لَا خِلَافَ أَنَّ ما كان لِلْعَقْلِ فيه حُكْمٌ أَنَّهُ على ما كان عليه قبل وُرُودِ الشَّرْعِ مِثْلُ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَكُفْرِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ إنَّ التَّنَفُّسَ في الْهَوَاءِ وَالِانْتِقَالَ من مَكَان إلَى مَكَان آخَرَ ليس من مَحَلِّ الْخِلَافِ لَكِنَّ صَاحِبَ الْمَصَادِرِ من الشِّيعَةِ حَكَى الْخِلَافَ عن الْمُعْتَزِلَةِ هل هو في الْحَالَتَيْنِ أو في الِاخْتِيَارِيَّةِ قَوْلَانِ وقال سُلَيْمٌ أَيْضًا في ذَيْلِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ الْخِلَافُ إنَّمَا هو فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ وَحَظْرِهِ كَالْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ أَمَّا ما لَا يَجُوزُ عنه الْحَظْرُ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وما لَا يَجُوزُ عليه الْإِبَاحَةُ كَالْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْهِ فَلَا خِلَافَ فيه وَكَذَلِكَ جَعَلَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْخِلَافَ في مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ قال وَهِيَ كُلُّ ما جَازَ أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ بِتَحْلِيلِهِ أو تَحْرِيمِهِ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ من الشِّيعَةِ لَا خِلَافَ بين الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُضِرَّةَ على الْحَظْرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْأَفْعَالِ التي يَصِحُّ الِانْتِفَاعُ بها وَلَا ضَرَرَ فَبِهَا مِمَّا لَا يُعْلَمُ وُجُوبُهُ وَلَا نَدْبُهُ على ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَذَكَرَهَا وقال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ من الْمُتَأَخِّرِينَ فُرُوعُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ حُكْمُ الْأَشْيَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ هُمْ يُثْبِتُونَهُ مُطْلَقًا في كل مَسْأَلَةٍ من الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ غير أَنَّ فيها ما يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَمِنْهَا ما يُدْرَكُ بِنَظَرِهِ وَمِنْهَا ما لَا يُدْرَكُ بِهِمَا فَتَجِيءُ الرُّسُلُ مُنَبِّهَةً عليه في الْأُولَيَيْنِ مُقَرِّرَةً وفي الثَّالِثِ كَاشِفَةً وَعِنْدَنَا لَا يُعْرَفُ وُجُوبٌ وَلَا تَحْرِيمٌ في شَيْءٍ من ذلك بِالْعَقْلِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إنْشَاءً جَدِيدًا وَقِيلَ بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ وَكُنَّا قَبْلَهُ مُتَوَقِّفِينَ في الْجَمِيعِ قال وَهَذَا الذي قُلْنَاهُ هو مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ وقال صَاحِبُ رَوْضَةِ النَّاظِرِ وَجَنَّةِ الْمَنَاظِرِ من الْحَنَابِلَةِ الْأَفْعَالُ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ هل هِيَ على الْإِبَاحَةِ أو الْحَظْرِ قال الْقَاضِي فيه قَوْلَانِ يُومِئُ إلَيْهِمَا في كَلَامِ أَحْمَدَ وقال ابن عَقِيلٍ هُمَا رِوَايَتَانِ قال وَهَذَا النَّقْلُ يُشْكِلُ مع اسْتِقْرَارِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنْ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ في التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع إذَا ثَبَتَ هذا فَنَقُولُ في الْأَعْيَانِ الْمُنْتَفَعِ بها قبل وُرُودِ الشَّرْعِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أنها على الْإِبَاحَةِ وَبِهِ قال مُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ كما قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ إنَّهُ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيّ وَعَنْ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ من أَصْحَابِنَا قال وَحُكِيَ عن ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا وهو قَوْلُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ أبو عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ من قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا في كِتَابِهِ عن كَثِيرٍ من أَصْحَابِنَا منهم أبو الطَّيِّبِ بن الْخَلَّالِ وَغَيْرُهُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَحَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ عن أبي الْفَرَجِ الْمَالِكِيِّ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى وهو الصَّحِيحُ وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ من الْمُعْتَزِلَةِ إنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ وَبِهِ قال أبو عَلِيٍّ وَابْنُهُ أبو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّانِ وأبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَنَصَرَهُ عبد الْجَبَّارِ وَالثَّانِي أنها على الْحَظْرِ وَبِهِ قال مُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ وقال أبو عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ من أَصْحَابِنَا إنَّهُ الْحَقُّ وَبِهِ قال أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَعَلِيُّ بن أَبَانَ الطَّبَرِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَمِمَّنْ حَكَاهُ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَحَكَاهُ أَيْضًا عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قال إلَّا أَنَّهُمْ خَصُّوا التَّنَفُّسَ بِالْهَوَاءِ وَالِانْتِقَالِ من مَكَان إلَى مَكَان فَقَالُوا هو على الْإِبَاحَةِ وَحُكِيَ عن الْمَالِكِيَّةِ وَفُهِمَ من مَذْهَبِ عبد الْمَلِكِ في الْمَوَّازِيَّةِ وقد سُئِلَ عن الطِّفْلِ هل هو حَلَالٌ فقال لَا إنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّهُ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْحَظْرِ فَمِنْهُمْ من قال كُلُّ ما لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إلَّا بِهِ وَلَا يَتِمُّ الْعَيْشُ إلَّا معه على الْإِبَاحَةِ وما عَدَاهُ على الْحَظْرِ وَمِنْهُمْ من سَوَّى بين الْكُلِّ في الْحَظْرِ انْتَهَى وهو كما قال من وُجُودِ الْخِلَافِ فَقَدْ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ كان أَوَائِلُ الْقَدَرِيَّةِ يُطْلَقُ أَنَّ الْبَغْدَادِيِّينَ أنها على الْحَظْرِ وَالْبَصْرِيِّينَ على الْإِبَاحَةِ وَفَصَّلَهُ أبو هَاشِمٍ وكان مُوَفَّقًا في تَحْقِيقِ الْمَذَاهِبِ فقال الْأَشْيَاءُ قبل الشَّرْعِ عِنْدَ الْبَغْدَادِيِّينَ كَالْكَعْبِيِّ وَأَتْبَاعِهِ على الْحَظْرِ في ما عَدَا ما لِلْإِنْسَانِ منه فِكَاكٌ وَلَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ فَأَمَّا ما يَكُونُ مُضْطَرًّا كَالتَّنَفُّسِ وَالْكَوْنِ فَلَا قال الْأُسْتَاذُ وكان الدَّقَّاقُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْكَعْبِيِّ وَيَقُولُ إنَّهَا على الْحَظْرِ وكان أبو حَامِدٍ من أَجِلَّاءِ أَصْحَابِ الحديث يَذْهَبُ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ وَيَقُولُ إنَّهَا على الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا بَيَّنَّا مَذْهَبَهُمَا على أُصُولِ الِاعْتِزَالِ فَنَظَرَ إلَى أَقَاوِيلِهِمَا من لَا مَعْرِفَةَ له بِالْأُصُولِ فَظَنَّهُمَا من أَصْحَابِنَا لِانْتِسَابِهِمَا في الْفُرُوعِ إلَى الشَّافِعِيِّ وهو أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَفْعَالُ الْعُقَلَاءِ قبل الشَّرْعِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ قبل الشَّرْعِ فَمِنْهُمْ من قال إنَّهَا على الْحَظْرِ وَمِنْهُمْ من قال على الْإِبَاحَةِ ا هـ وَحَكَى الْبَاجِيُّ الْقَوْلَ بِالْحَظْرِ عن الْأَبْهَرِيِّ وَحَكَى عبد الْوَهَّابِ عنه الْوَقْفَ الثَّالِثُ أنها على الْوَقْفِ لَا نَقُولُ إنَّهَا مُبَاحَةٌ وَلَا مَحْظُورَةٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وهو قَوْلُ كَثِيرٍ من أَصْحَابِنَا منهم أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْفَارِسِيُّ وأبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَبِهِ قال الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَبِهِ قال بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ ابن حَزْمٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وقال إنَّهُ الْحَقُّ الذي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ إلَّا أَنَّ طَرِيقَ الْوَقْفِ مُخْتَلِفٌ فَعِنْدَنَا لِعَدَمِ دَلِيلِ الثُّبُوتِ وهو الْخَبَرُ عن اللَّهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِبَارَةٌ عن الْخِطَابِ فَحَيْثُ لَا خِطَابَ لَا حُكْمَ وَقِيلَ لِأَنَّهُ ليس لِلَّهِ هُنَاكَ حُكْمٌ أَصْلًا وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ من حُكْمٍ عِنْدَ اللَّهِ وقد تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عليه لِخَفَائِهِ فَيُوقَفُ في الْجَوَابِ إلَى الشَّرْعِ سَبَبُ الْوَقْفِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ وَالْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ اخْتَلَفُوا في سَبَبِهِ فقالت الْأَشَاعِرَةُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَغَيْرَهُ من الْأَحْكَامِ أُمُورٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا شَرْعَ فَتَنْتَفِي هذه الْأَحْكَامُ وقال بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ على أَحَدِهَا مع تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ دَلِيلًا بِالْوَقْفِ لِأَجَلِ عَدَمِ الدَّلِيلِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وَقَوَّاهُ وَنَقَلَهُ عن الْمُفِيدِ من الشِّيعَةِ وقال الْبَاجِيُّ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن ابْنِ عَتَّابٍ قال وكان يَحْكِيهِ عن الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَبِهِ قال أبو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ وهو مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ مَعْنَى الْوَقْفِ عِنْدَنَا أَنَّا إذَا سَبَرْنَا أَدِلَّةَ الْعُقُولِ دَلَّتْنَا على أَنَّهُ لَا وَاجِبَ على أَحَدٍ قبل الشَّرْعِ في التَّرْكِ وَالْفِعْلِ ثُمَّ الْفَرْقُ بين قَوْلِهِمْ وَقَوْلِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ عِنْدَهُمْ كُلُّ من اعْتَقَدَ فيه نَوْعًا من الِاعْتِقَادِ لم يَتَوَجَّهْ عليه الذَّمُّ وَالْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ لَا يُجَوِّزُونَ اعْتِقَادَ الْحَظْرِ في الْإِبَاحَةِ وَمَنْ قَالَهُ وَاعْتَقَدَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَتَوَجَّهَ عليه الذَّمُّ انْتَهَى فَظَنَّ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ اتِّحَادَ الْمَذْهَبَيْنِ فقال إنَّ الْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ قالوا إنَّ من تَأَوَّلَ شيئا أو فَعَلَ فِعْلًا لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَثِمَ حتى يَدُلَّ دَلِيلُ الشَّرْعِ عليه فَكَأَنَّهُمْ وَافَقُوا في الْحُكْمِ وَخَالَفُوا في الِاسْمِ وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ عن الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وقال الْأُسْتَاذُ في مَوْضِعٍ آخَرَ ذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ في الْعَقْلِ بِمُجَرَّدِهِ دَلِيلًا على أَنْ لَا وَاجِبَ على الْإِنْسَانِ قبل بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَأَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْنَا ما شَاءَ مِمَّا أَمْكَنَ بِرَسُولٍ بَعَثَهُ قالوا وَلَوْ اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ من غَيْرِ وُجُوبٍ عليه أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى جَمِيعِ ما ذَكَرْنَاهُ بِمَا نَصَبَهُ عليه من الْأَدِلَّةِ وَيَسْتَحِيلُ قَلْبُهَا عَمَّا هِيَ عليها قال وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ على الْوَقْفِ قبل الشَّرْعِ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ كُلَّ من فَعَلَ شيئا قبل وُرُودِ الرُّسُلِ عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَا يُقْطَعُ له بِثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ قُلْت وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْفِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لَا التَّرَدُّدُ في أَنَّ الْأَمْرَ ما هو أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وأبو الْفَتْحِ بن بَرْهَانٍ فقال الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ لم يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ الْوَقْفَ حُكْمٌ ثَابِتٌ وَلَكِنْ عَنَوْا بِهِ عَدَمَ الْحُكْمِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ليس مَعْنَى الْوَقْفِ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهِ لِأَنَّ الْوَقْفَ حُكْمُ نَقْلِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْمَانِعُ من الْقَوْلِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مَانِعٌ من الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْوَقْفِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لِلشَّيْءِ بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ لَكِنْ يُتَوَقَّفُ في الْحُكْمِ لِشَيْءٍ ما إلَى أَنْ يَرِدَ بِهِ الشَّرْعُ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على أَنَّ الْعَقْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ على حُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ وَإِنَّمَا ذلك مَوْكُولٌ إلَى الشَّرْعِ فَنَقُولُ الْمُبَاحُ ما أَبَاحَهُ الشَّرْعُ وَالْمَحْظُورُ ما حَظَرَهُ فإذا لم يَرِدْ الشَّرْعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لم يَبْقَ إلَّا الْوَقْفُ إلَى أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ بِحُكْمٍ فيه ا هـ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ تَأْوِيلُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْوَقْفُ لَا يَرْجِعُ إلَى إثْبَاتِ صِفَةٍ هِيَ عليها في الْعَقْلِ وَلَكِنْ إلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فيها غَيْرُ مَحْكُومٍ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ أو مَحْظُورٌ خِلَافًا لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَحْكُومٌ له بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَعَبَّرْنَا عن نَفْيِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا على الْوَقْفِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ من قال إذَا كان هذا من حُكْمِهَا ثَابِتًا عِنْدَكُمْ في الْعَقْلِ فَقَدْ جَعَلْتُمْ لها حُكْمًا ثَالِثًا في الْعَقْلِ وَأَنَّ ذلك نَقْضٌ لِقَوْلِكُمْ لَا حُكْمَ لها في الْعَقْلِ لِأَنَّ غَرَضَنَا من ذلك ما ذَكَرْنَا من أَنَّهُ لَا حُكْمَ لها بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ وَهَذَا خِلَافٌ في عِبَارَةٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ حَكَى في الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ الْإِبَاحَةَ وَالْحَظْرَ وَالثَّالِثَ الْوَقْفَ على الْأَدِلَّةِ فما قام عليه الدَّلِيلُ وَنَفَى النَّافِي على ما كان عليها قال وهو قَوْلُ من قال إنَّهَا لَيْسَتْ مَحْظُورَةً وَلَا مُبَاحَةً وَالرَّابِعُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَحْتَاجُ إلَى مُبِيحٍ وَالْحَظْرَ يَحْتَاجُ إلَى حَاظِرٍ فَيُشِيرُ بِمَا يُوجِبُ حُكْمَهُ فِيهِمَا انْتَهَى وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هو في تَفْسِيرِ الْوَقْفِ كما سَبَقَ ثُمَّ قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال إنَّ تَحْرِيكَ الْيَدِ وَنَحْوَهُ قد حَصَلَ الْإِذْنُ فيه بِالْعَقْلِ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ لَا تَنْفَكُّ من حَرَكَةٍ ثُمَّ نَقَلَ عن أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ كان يَذْهَبُ إلَى بُطْلَانِ الْعَقْلِ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا يَتَعَقَّلُ بِالشَّرْعِ قال وَهَذَا لَا يُنَازِعُهُ فيه أَحَدٌ وَإِنَّمَا نَقُولُ له هل لِلْعَقْلِ في هذا لو انْفَرَدَ وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ فَإِنْ قال لَا قُلْنَا ليس كَلَامُنَا فيه وَإِنْ أَرَادَ الْجَوَازَ أَقَمْنَا الْأَدِلَّةَ على أَنَّ لِلْعَقْلِ دَخْلًا في الْجَوَازِ انْتَهَى وقال الْمَازِرِيُّ الرَّاجِحُ عِنْدَنَا الْوَقْفُ وَنَعْنِي بِهِ الْقَطْعَ على أَنْ لَا حُكْمَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ في حَقِّنَا قال وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ بين الْقَائِلِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْقَائِلِ بِالْوَقْفِ لَفْظِيٌّ وَظَنَّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْإِبَاحَةِ هَاهُنَا اسْتِوَاءَ الْفِعْلِ وَتَرْكَهُ في بَابِ الذَّمِّ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ غَيْرَهُ من أَئِمَّتِنَا النَّاقِلِينَ لِهَذَا الْمَذْهَبِ عن الْمُعْتَزِلَةِ لم يَحْمِلْهُ على ذلك وَاعْلَمْ أَنَّ من قال من أَصْحَابِنَا بِالْحَظْرِ أو الْإِبَاحَةِ ليس مُوَافِقًا لِلْمُعْتَزِلَةِ على أُصُولِهِمْ بَلْ لِمُدْرِكٍ شَرْعِيٍّ أَمَّا التَّحْرِيمُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لهم وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ قبل الْحِلِّ التَّحْرِيمُ فَدَلَّ على أَنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا على الْحَظْرِ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جميعا فَهَذِهِ مَدَارِكُ شَرْعِيَّةٌ دَالَّةٌ على الْحَالِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فَلَوْ لم تَرِدْ هذه النُّصُوصُ لَقَالَ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ لَا عِلْمَ لنا بِتَحْرِيمٍ وَلَا إبَاحَةٍ بِخِلَافِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمُدْرِكُ عِنْدَنَا الْعَقْلُ وَلَا يَضُرُّنَا عَدَمُ وُرُودِ الشَّرْعِ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ تَفْرِيعُ مَسْأَلَةِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ على التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ إنَّ الْأَصْحَابَ جَعَلُوا مَسْأَلَةَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْأَفْعَالَ مُفَرَّعَةً على التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الشُّكْرَ هو اجْتِنَابُ الْقَبِيحِ وَارْتِكَابُ الْحَسَنِ وهو عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهَا فَرْعُهَا وَإِلَى ذلك أَشَارَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ فقال هذه الْمَسْأَلَةُ عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَلَا نَقُولُ هِيَ فَرْعُهَا إذْ لَا بُدَّ وَأَنْ يُتَخَيَّلَ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ وَهِيَ هِيَ بَيَانُهُ أَنَّا نَقُولُ مُعَاشِرَ الْمُعْتَزِلَةِ إنْ عَنَيْتُمْ بِالشُّكْرِ قَوْلَ الْقَائِلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالشُّكْرُ لِلَّهِ فَقَدْ ارْتَكَبْتُمْ مُحَالًا إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي لِإِيجَابِ كَلِمَةٍ وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالشُّكْرِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فَبَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ الشُّكْرَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ مَعْرِفَةٍ وَلِهَذَا قِيلَ أَعْرَفُ اللَّهِ أَشْكَرُ فَإِنْ قالوا عَنَيْنَا بِوُجُوبِهِ عَقْلًا ما عَنَيْتُمْ أَنْتُمْ بِوُجُوبِهِ سَمْعًا قُلْنَا نَحْنُ نَعْنِي بِوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ سَمْعًا امْتِثَالَ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءَ عن نَوَاهِيهِ قالوا فَنَحْنُ أَيْضًا نُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِتْيَانَ بِمُسْتَحْسَنَاتِ الْعُقُولِ وَالِامْتِنَاعَ عن مُسْتَقْبَحَاتِهَا فَقَدْ تَبَيَّنَ بهذا التَّفْسِيرِ أَنَّ هذه هِيَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ فَبُطْلَانُ مَذْهَبِهِمْ هُنَا مَعْلُومٌ من تِلْكَ إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَفْرَدُوا هذه من تِلْكَ الْجُمْلَةِ لِعِبَارَاتٍ رَشِيقَةٍ تَخْتَصُّ بها وَمَعَانٍ مُوَفَّقَةٍ نَذْكُرُهَا يَظْهَرُ منها سُقُوطُ كَلَامِهِمْ فيها وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ما لَا يَقْضِي الْعَقْلُ فيها بِشَيْءٍ لَا يُتَّجَهُ تَفْرِيعُهُ على الْأَصْلِ السَّابِقِ فإن الْأَصْلَ إنَّمَا هو حَيْثُ يَقْضِي الْعَقْلُ هل يَتْبَعُ حُكْمَهُ وَإِنَّمَا الْأَصْحَابُ قالوا هَبْ أَنَّ ذلك الْأَصْلَ صَحِيحٌ فَلِمَ قَضَيْتُمْ حَيْثُ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ وَلَيْسَ هذا تَفْرِيعًا على هذا الْأَصْلِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي فَائِدَةُ هذه الْمَسْأَلَةِ قال بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا مَعْنَى لِلْكَلَامِ في هذه الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ من حَيْثُ إنَّهُ ما خَلَا زَمَانٌ من سَمْعٍ لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الْكَلَامُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ لو لم يَكُنْ سمع حَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ ثُمَّ قال وهو بَعِيدٌ فإنه يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ خُلِقَ في جَزِيرَةٍ ولم يُبَلَّغْ أَهْلُهَا دَعْوَةَ الْمِلْكِ فَهَلْ يَعْلَمُ أَهْلُهَا إبَاحَةَ هذه الْأَجْنَاسِ أَمْ لَا وَإِنْ حَاوَلَ مُحَاوِلٌ تَرْتِيبَ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ على هذه الْمَسْأَلَةِ لم يَعْدَمْهَا فإن ما لم يُوجَدْ فيه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كان على حُكْمِ الْعُقُولِ من الْإِبَاحَةِ في رَأْيٍ أو على الْحَظْرِ في رَأْيٍ وَإِنْ كان من الْعُلَمَاءِ من لَا يُجَوِّزُ خُلُوَّ وَاقِعَةٍ عن حُكْمٍ لِلَّهِ مُتَلَقًّى من الشَّرْعِ كَالصَّيْرَفِيِّ وهو اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وهو الْحَقُّ عِنْدَنَا فَعَلَى هذا الشَّافِعِيُّ يَبْنِي على الْإِبَاحَةِ تَلَقِّيًا من الْأَئِمَّةِ وأبو حَنِيفَةَ يَبْنِي على الْحَظْرِ تَلَقِّيًا من الشَّرْعِ فَلَا مَخْرَجَ عن الشَّرْعِ ا هـ وَحَكَى ابن فُورَكٍ عن ابْنِ الصَّائِغِ أَنَّهُ قال لم يَخْلُ الْعَقْلُ قَطُّ من السَّمْعِ وَلَا نَازِلَةٌ إلَّا وَفِيهَا سَمْعٌ أو لها تَعَلُّقٌ بِهِ أو لها حَالٌ يُسْتَصْحَبُ قال فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ على هذا وَيُغْنِي عن النَّظَر في حَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَوَقْفٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَائِدَةُ هذه الْمَسْأَلَةِ مع قَوْلِنَا إنَّهُ لم يَخْلُ زَمَانُ الْعُقَلَاءِ عن شَرْعٍ وَتَكْلِيفٍ من اللَّهِ يَظْهَرُ في حَادِثَةٍ تَقَعُ ليس فيها نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فيها عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْوَقْفَ مع نَفْيِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عَمَّنْ اعْتَقَدَ فيها حَظْرًا أو إبَاحَةً أو وَقْفًا وَيَكُونُ حُكْمُهَا الْحَظْرَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ قَبْلَهُ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ فَائِدَةُ هذه الْمَسْأَلَةِ في الْفِقْهِ أَنَّ من حَرَّمَ شيئا أو أَبَاحَهُ فقال طَلَبْت دَلِيلَ الشَّرْعِ فلم أَجِدْهُ فَبَقِيتُ على حُكْمِ الْعَقْلِ من تَحْرِيمٍ أو إبَاحَةٍ هل يَصِحُّ ذلك أَمْ لَا وَهَلْ هذا دَلِيلٌ يَلْزَمُ خَصْمُهُ أَمْ لَا وَهَذَا أَمْرٌ يَحْتَاجُ الْفَقِيهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَالْوُقُوفِ على حَقِيقَتِهِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ سَمِعْت ابْنَ دَاوُد يَحْتَجُّ على إبَاحَةِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ في غَيْرِ الشُّرْبِ فقال الْأَصْلُ في الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ الشُّرْبِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى ما عَدَاهُ على التَّحْلِيلِ فقال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِهَذَا الْمُحْتَجِّ مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّ هذه الْأَشْيَاءَ مَوْقُوفَةٌ على ما يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ إبَاحَتِهَا بهذا الطَّرِيقِ وَلَا تَكُونُ إبَاحَتُهَا بِعَدَمِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَوْلَى من حَظْرِهَا وَبَطَلَ بهذا حُجَّةُ الْمُحْتَجِّ ا هـ وَمِمَّا يَتَخَرَّجُ على هذا ما لو لم يَجِدْ الْعَامِّيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَاقِعَةً له وَلَا نَاقِلَ حُكْمِهَا قال ابن الصَّلَاحِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ فَتْرَةِ الشَّرِيعَةِ وَحَمْلُهَا كما قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَالصَّحِيحُ منه لَا تَكْلِيفَ حَكَاهُ عنه في الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ وَخَرَّجَ في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عليه النَّبَاتَ الْمَجْهُولَ سَمِيَّتَهُ وَاللَّبَنَ الْمَجْهُولَ كَوْنُهُ لَبَنَ مَأْكُولٍ أو غَيْرِهِ وَرَجَّحَ الْإِبَاحَةَ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ اللَّبَنَ قد عُلِمَ حُكْمُ الشَّرْعِ فيه وما يُبَاحُ منه وما يَحْرُمُ فَالْمَوْجُودُ فيه حُكْمٌ وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بين تَحْرِيمٍ وَإِبَاحَةٍ فَلَا يَحْسُنُ تَخْرِيجُهُ على هذا الْأَصْلِ وَأَمَّا النَّبَاتُ فَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ فيه كَحَيَوَانٍ لم يَرِدْ فيه نَصٌّ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ وقد ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في الْأَطْعِمَةِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ خَرَّجَهُ على هذا الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ خَرَّجَ عليه الْمَاوَرْدِيُّ الشَّعْرَ الْمَشْكُوكَ في طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ وَالنَّهْرَ الْمَشْكُوكَ في كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أو مُبَاحًا وهو تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ لِمَا بَيَّنَّا في اللَّبَنِ الْمَجْهُولِ وَلَوْ وَقَعَ رَجُلٌ على طِفْلٍ من الْأَطْفَالِ إنْ أَقَامَ على أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ من جِيرَانِهِ قَتَلَهُ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في قَوَاعِدِهِ قد قِيلَ ليس في الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهِيَ بَاقِيَةٌ على الْأَصْلِ في انْتِفَاءِ الشَّرَائِعِ قبل نُزُولِهَا ولم نَرَ لِلشَّرِيعَةِ التَّخْيِيرَ بين هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ فَلَوْ كان بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْكَافِرِ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً من قَتْلِ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُ ذلك لِأَنَّا نُجَوِّزُ قَتْلَ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ عِنْدَ التَّتَرُّسِ بِهِمْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ ذلك في أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَبَنَى في مَوْضِعٍ آخَرَ على هذا الْأَصْلِ ما إذَا لم يَكُنْ في الْفِعْلِ مَصْلَحَةٌ ما وَلَا مَفْسَدَةٌ ما كَتَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ في الْهَوَاءِ لِغَيْرِ دَفْعٍ وَلَا نَفْعٍ قال فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُقَرَّرٌ على ما كان قبل وُرُودِ الشَّرْعِ إذْ ليس في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ما يَدُلُّ على أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَلَا مَطْلُوبُ التَّرْكِ وَلَا مَأْذُونٌ فيه بَلْ يَكُونُ كَفِعْلِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَبَنَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ على هذا الْخِلَافِ أَيْضًا تَقْرِيرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْرَهُ على فِعْلٍ من الْأَفْعَالِ هل يَدُلُّ على الْجَوَازِ من جِهَةِ الشَّرْعِ أو من جِهَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَكَوْنُ الْأَصْلِ هو الْإِبَاحَةَ فَإِنْ قُلْنَا أَصْلُ الْأَشْيَاءِ على التَّحْرِيمِ دَلَّ التَّقْرِيرُ على الْجَوَازِ شَرْعًا وَإِنْ قُلْنَا أَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ فَلَا وَسَيَأْتِي في كِتَابِ السُّنَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَخْرِيجَ هذه الْفُرُوعِ كُلِّهَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ الْمُخَرَّجَ عليه مَمْنُوعٌ في الشَّرْعِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ على تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ لِبَيَانِ إبْطَالِ أَصْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ فإن الشَّرْعَ عِنْدَهُمْ كَاشِفٌ لَا يُمْكِنُ وُرُودُهُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَمَنْ أَطْلَقَ من الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ يَنْبَغِي حَمْلُهُ على أَنَّهُ هل يَجُوزُ الْهُجُومُ عليه ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى الْبَحْثِ عن الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ فَإِنْ لم نَجِدْ ما يَدُلُّ على تَحْرِيمِهِ فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحَلَالَ هل هو ما لم يَدُلَّ دَلِيلٌ على تَحْرِيمِهِ أو ما دَلَّ دَلِيلٌ على إبَاحَتِهِ الثَّانِي أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا قبل الشَّرْعِ وَهَذِهِ حَوَادِثُ بَعْدَ الشَّرْعِ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ ما أَشْكَلَ أَمْرُهُ يُشْبِهُ الْحَادِثَةَ قبل الشَّرْعِ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا قِيَامُ الدَّلِيلِ بَعْدَ الشَّرْعِ فِيمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ أَنَّهُ على الْعَفْوِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ تَصْحِيحُ الْوَقْفِ هل يَسْتَقِيمُ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَصْحِيحُ الْوَقْفِ في هذه الْمَسْأَلَةِ مع ما سَيَأْتِي في الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ فيها أَنَّ الْأَصْلَ في الْمَنَافِعِ هو الْإِبَاحَةُ على الصَّحِيحِ قُلْت الْخِلَافُ هُنَا فِيمَا قبل الشَّرْعِ وَهُنَاكَ فِيمَا بَعْدَ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ وَلِهَذَا عَبَّرُوا ثُمَّ بِالْإِبَاحَةِ التي هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَجْمَعُوا كما قال الْغَزَالِيُّ في آخِرِ الْمَنْخُولِ على جَوَازِ فُتُورِ الشَّرِيعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى من قَبْلَنَا خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بِالْمَصَالِحِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَرِيعَتِنَا فَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ وَفَرَّقَ بِأَنَّ هذه الشَّرِيعَةَ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ وَلَوْ فَتَرَتْ بَقِيَتْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال وَالْمُخْتَارُ أنها كَشَرْعِ من قَبْلَنَا في ذلك إذْ ليس في الْعَقْلِ ما يُحِيلُهُ وفي الحديث يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَخْتَلِفُ رَجُلَانِ في فَرِيضَةٍ فَلَا يَجِدَانِ من يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا له لَحَافِظُونَ فَيُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالْقُرْآنِ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ هذا كُلُّهُ في الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ أَمَّا الْوُقُوعُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَغْلِبُ على الظَّنِّ وهو أَنَّ الْقِيَامَةَ إنْ قَامَتْ على قُرْبٍ فَلَا تَفْتُرُ الشَّرِيعَةُ وَلَوْ امْتَدَّتْ إلَى خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ مَثَلًا لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ مُتَوَفِّرَةٌ على نَقْلِهَا في الْحَالِ فَلَا تَضْعُفُ إلَّا على التَّدْرِيجِ وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَنُ فَالْغَالِبُ فُتُورُهُ إذْ الْهِمَمُ مَصِيرُهَا إلَى التَّرَاجُعِ ثُمَّ إذَا فَتَرَتْ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ وَهِيَ الْأَحْكَامُ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَزَعَمَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ يُكَلَّفُونَ الرُّجُوعَ إلَى مَحَاسِنِ الْعُقُولِ قال وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنَا فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ ا هـ وَهَذِهِ تَرْجِعُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ في الِاجْتِهَادِ في خُلُوِّ الْعَصْرِ عن الْمُجْتَهِدِ مسألة ( ( ( في ) ) ) تَقْدِيرِ خلو واقعة عن حكم لله في تقدير خُلُوِّ وَاقِعَةٍ عن حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مع بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ على نِظَامِهَا قال الْغَزَالِيُّ قد جَوَّزَهُ الْقَاضِي حتى كَادَ يُوجِبُهُ وقال الْمَآخِذُ مَحْصُورَةٌ وَالْوَقَائِعُ لَا ضَبْطَ لها فَلَا تَسْتَوْفِيهَا مَسَالِكُ مَحْصُورَةٌ قال وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا إحَالَةُ ذلك وُقُوعًا في الشَّرْعِ لَا جَوَازًا في الْعَقْلِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ على طُولِ الْأَعْصَارِ ما انْحَجَزُوا عن وَاقِعَةٍ وما اعْتَقَدُوا خُلُوَّهَا عن حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ كَانُوا يَهْجُمُونَ عليها هُجُومَ من لَا يَرَى لها حَصْرًا وَرَأَيْت في كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ لِابْنِ سُرَيْجٍ ليس شَيْءٌ إلَّا وَلِلَّهِ عز وجل فيه حُكْمٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى يقول إنَّ اللَّهَ كان على كل شَيْءٍ حَسِيبًا وكان اللَّهُ على كل شَيْءٍ مُقِيتًا وَلَيْسَ في الدُّنْيَا شَيْءٌ يَخْلُو من إطْلَاقٍ أو حَظْرٍ أو إيجَابٍ لِأَنَّ جَمِيعَ ما على الْأَرْضِ من مَطْعَمٍ أو مَشْرَبٍ أو مَلْبَسٍ أو مَنْكَحٍ أو حُكْمٍ بين مُتَشَاجِرَيْنِ أو غَيْرِهِ لَا يَخْلُو من حُكْمٍ وَيَسْتَحِيلُ في الْعُقُولِ غَيْرُ ذلك وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه أَعْلَمُهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ كَيْفَ دَلَائِلُ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ مَسْأَلَةٌ أَحْكَامُ الشَّرْعِ ثَابِتَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ لنا بِقَوْلِ اللَّهِ أو بِقَوْلِ رَسُولِهِ أو بِإِجْمَاعٍ أو قِيَاسٍ فَهُوَ دَائِمٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَمَّا قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَنْزِلُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ فَقِيلَ يَضَعُهَا عليهم بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَهَا فَلَا يَقْبَلُ منهم إلَّا الْإِسْلَامَ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ نَزَلَ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا وَمِنْ شَرِيعَتِهِ إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ وَقِيلَ بَلْ من شَرِيعَتِهِ في ذلك الْوَقْتِ عَدَمُ التَّقْرِيرِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ ما أتى بها وهو قبل شَرْعِ الْجِزْيَةِ وَقَضِيَّتُهُ بَقَاؤُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمَا سَلَفَ وفي الْبَابِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أبو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ في مُعْجَمِهِ حدثنا يحيى بن عُثْمَانَ بن صَالِحٍ الْبَصْرِيُّ حدثنا نُعَيْمُ بن حَمَّادٍ الْمَرْوَزِيِّ حدثنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن أبي الزِّنَادِ عن الْأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْتُمْ في زَمَانٍ من تَرَكَ عُشْرَ ما أُمِرَ بِهِ هَلَكَ وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ من عَمِلَ بِعُشْرِ ما أُمِرَ بِهِ نَجَا وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ عن سُفْيَانَ نُعَيْمُ بن حَمَّادٍ الْمَرْوَزِيِّ وكان يقول هذا الْحَدِيثُ يُنْكِرُونَهُ عَلَيَّ وَإِنَّمَا كُنْت مع سُفْيَانَ فَمَرَّ يَمْشِي فَأَنْكَرَهُ ثُمَّ حدثني بِهِ وَحَكَى الْعَبَّاسُ بن مُصْعَبٍ أَنَّ نُعَيْمًا هذا نَاقَضَ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ وَوَضَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ كِتَابًا في الرَّدِّ على الْجَهْمِيَّةِ وَخَرَجَ إلَى مِصْرَ وَأَقَامَ بها نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ حُمِلَ إلَى الْعِرَاقِ مع الْبُوَيْطِيِّ في امْتِحَانِ الْقُرْآنِ مُقَيَّدَيْنِ فَمَاتَ نُعَيْمٌ في الْحَبْسِ بِسُرَّ من رَأَى سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَتَيْنِ وَنُقِلَ عن الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ أَنَّهُ قال يَحْدُثُ لِلنَّاسِ في كل زَمَانٍ من الْأَحْكَامِ ما يُنَاسِبُهُمْ وقد يَتَأَيَّدُ هذا بِمَا في الْبُخَارِيِّ عن عَائِشَةَ أنها قالت لو عَلِمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما أَحْدَثَتْهُ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ من الْمَسَاجِدِ وَقَوْلُ عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ على قَدْرِ ما أَحْدَثُوا من الْفُجُورِ أَيْ يُجَدِّدُونَ أَسْبَابًا يَقْضِي الشَّرْعُ فيها أُمُورًا لم تَكُنْ قبل ذلك لِأَجْلِ عَدَمِهِ منها قبل ذلك لَا لِأَنَّهَا شَرْعٌ مُجَدَّدٌ فَلَا نَقُولُ إنَّ الْأَحْكَامَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّورَةِ الْحَادِثَةِ وقال الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَالِسِيُّ وَكُنْت أَنْفِرُ من هذا الْقَوْلِ وَأُعَلِّلُ فَسَادَهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ شَرَعَ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مع عِلْمِهِ بِفَسَادِ الْأَمْرِ فِيهِمْ ثُمَّ رَأَيْت في النِّهَايَةِ قد قَرَّرَ ما في نَفْسِي فقال قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ لو كانت قَضَايَا الشَّرْعِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الناس وَتَنَاسُخِ الْعُصُورِ لَانْحَلَّ رِبَاطُ الشَّرْعِ قال وَلَمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ مَقَالَاتِ الْأَصْحَابِ في التَّعْزِيرِ رُوِيَ الْحَدِيثُ في نَفْيِ الزِّيَادَةِ على عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ثُمَّ قال وَلَوْ بَلَغَ الشَّافِعِيُّ لَقَالَ بِهِ انْتَهَى وقد أَكْثَرَ الرُّويَانِيُّ في الْحِلْيَةِ من اخْتِيَارَاتِ خِلَافِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيَقُولُ في هذا الزَّمَانِ وقال الْعَبَّادِيُّ في فَتَاوِيهِ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ من حَجِّ التَّطَوُّعِ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَهِيَ تُحْتَمَلُ في هذا الزَّمَانِ وَأَفْتَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بِالْقِيَامِ لِلنَّاسِ وقال لو قِيلَ بِوُجُوبِهِ في هذه الْأَزْمِنَةِ لَمَا كان بَعِيدًا وَكُلُّ ذلك فَإِنَّمَا هو اسْتِنْبَاطٌ من قَوَاعِدِ الشَّرْعِ لَا أَنَّهُ خَارِجٌ عن الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ فَاعْلَمْ ذلك فإنه عَجِيبٌ سقط مسألة مُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ على ما عَدَا الْمَذْكُورِ ذَكَرَهَا ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ذَيَّلَ هذه فقال مُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عِنْدَنَا على سُقُوطِ ما عَدَا الْمَذْكُورِ كما يَدُلُّ عِنْدَ من يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ على الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا هو بِحَسَبِ الْحَالِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ على ضُرُوبٍ أَمَّا سُكُوتُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الشَّيْءِ يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ وَلَا يُنْكِرُهُ فَدَلِيلُ الْجَوَازِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِ السُّنَّةِ وَأَمَّا الشَّيْءُ إذَا كان له أَصْلٌ في الْوُجُوبِ أو السُّقُوطِ فإن السُّكُوتَ عنه في بَعْضِ الْأَحْوَالِ اسْتِغْنَاءٌ بِمَا تَقَدَّمَ من الْبَيَانِ فيه وَلَيْسَ تَكْرِيرُ الْبَيَانِ وَاجِبًا في كل حَالٍ وَمَرَاتِبُ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّكُوتِ تَخْتَلِفُ فَأَقْوَى ما يَكُونُ منه إذَا كان صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ جَاهِلًا بِأَصْلِ الْحُكْمِ في الشَّيْءِ ولم يَكُنْ من أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ كَالْأَعْرَابِيِّ الذي سَأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقد أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ الْجُبَّةُ فقال انْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ وَسَكَتَ عن الْكَفَّارَةِ فَدَلَّ على سُقُوطِهَا عن الْجَاهِلِ وَالسَّاهِي وَلَوْ كانت وَاجِبَةً لَذَكَرَهَا إذْ لم يَكُنْ يَجُوزُ إهْمَالُ ذِكْرِهَا تَعْوِيلًا على مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْحُكْمِ وَدُونَ هذا في الْمَرْتَبَةِ خَبَرُ الْأَعْرَابِيِّ الْمُجَامِعِ في شَهْرِ رَمَضَانَ فَكَانَ قَوْلُهُ افْعَلْ كَذَا دَلِيلًا على أَنَّهُ يُجْزِئُ عنه وَعَنْ زَوْجَتِهِ وَإِنَّمَا كان هذا أَضْعَفُ من دَلَالَةِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ السَّائِلَ في هذا الْخَبَرِ قد أَنْبَأَ عن عِلَّتِهِ فإنه ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لِقَوْلِهِ هَلَكْت وَأَهْلَكْت وإذا كان الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ من أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ كان دَلِيلُ السُّكُوتِ فيه أَوْهَى وَأَضْعَفَ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا خَرَجَ عن السَّبِيلَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ الْأَحْدَاثَ في كِتَابِهِ ولم يذكر هذا وما كان رَبُّك نَسِيًّا فإن قَوْمًا من أَصْحَابِنَا تَعَلَّقُوا بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ إلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا وَجَّهَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ على طَهَارَتِهِ وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِحَدَثٍ وما لم تَقُمْ دَلَالَةٌ على الْحَدَثِ فَأَصْلُ الطُّهْرِ كَافٍ فيه وقد قال عليه السَّلَامُ لَا يَنْصَرِفُ حتى يَسْمَعَ صَوْتًا وَمَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ وما سَكَتَ عنه فَهُوَ عَفْوٌ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ على عُمُومِهِ فَائِدَةٌ ادَّعَى الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ له الْإِقْدَامُ على فِعْلِ شَيْءٍ حتى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فيه وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِتَصْرِيحِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ في الْإِقْدَامِ إذْ ذَاكَ إذْ لَا حُكْمَ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِجْمَاعُ مَحْمُولٌ على ما إذَا أَقْدَمَ بِلَا سَبَبٍ وَمَحَلُّ عَدَمِ الْحَرَجِ ما إذَا أَقْدَمَ مُسْتَنِدًا إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَقِيلَ بَلْ الْمَنْفِيُّ في كَلَامِهِمْ هو الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ وهو حَقٌّ إذْ الْغَرَضُ أَنْ لَا حُكْمَ فَلَا جَوَازَ لَكِنَّهُ إذَا أَقْدَمَ فَلَا يُعَاقَبُ إذْ لَا حُكْمَ مسألة تعريف الحسن والقبح كان من حقها أن تذكر صدر الأصل السابق وهو تعريف الحسن والقبح قد أطلق الأصوليون القول بمقابلة الحسن بالقبيح وإنما يقابل الحسن بالسيئ والقبيح بالجميل كما قال الله تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها وقال ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ومن حكم التقابل مقابلة الأعم بالأعم والأخص بالأخص والقبيح أخص من السيئ كما أن الجميل أخص من الحسن وأبلغ من المدح معه ولذلك يقال حسن جميل ولا يقال جميل حسن لأنه لا ينزل من الأعلى إلى الأدنى بخلاف العكس وأما حقيقتهما في الاصطلاح فيؤول إلى تعلق الخطاب بالشيء على صفة وليسا راجعين إلى الذوات كما سبق خلافا للمعتزلة والكرامية والروافض حيث قالوا إلى نفس الذوات الحسنة والقبيحة ويرون ذلك من صفات نفوسها هذا قول القدماء منهم وذهب بعضهم إلى اختصاص هذا المعنى بالقبيح فرأوه راجعا إلى الذات بخلاف الحسن وعكس بعضهم فرأى الحسن يرجع إلى الذات بخلاف القبيح وأنكر إمام الحرمين هذه المذاهب الثلاثة وزعم أنهم إنما يريدون بما أطلقوه من صرف الحسن والقبح إلى أعين الذات أن ذلك يستدرك فيها بالعقول من غير حاجة إلى بعث الرسول انتهى وقال قوم من المعتزلة العقل يقتضي لذاته صفة وتلك الصفة توجب الحسن أو القبح كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المقتضي عدم المفسدة وكالزنى المشتمل على اختلاط الأنساب المقتضي ترك تعهد الأولاد قال الجبائي وأتباعه بوجوه واعتبارات بمعنى أن لكل صفة لكن هي غير حقيقية وفي كلام الأحكام ما يظهر منه أن مذهب الجبائي الذي قبل هذا وقد اضطرب أصحابنا في الفصل بينهما فقيل الحسن ما طلبه الشرع وأثنى عليه فيتناول الواجب والمندوب والقبيح ما طلب تركه وذم فاعله فيتناول الحرام والمكروه قاله ابن القشيري وابن السمعاني في القواطع ونقله ابن برهان عن أصحابنا وأورد المباح وأجيب بإثبات الواسطة وأنه لا حسن ولا قبيح كقول بعض المعتزلة وجزم به إمام الحرمين في التلخيص في الباب المفرق بين الإباحة والأمر وجرى عليه ابن القشيري وقال ابن برهان بل أذن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله فهو داخل في الحسن ا هـ وهذا إنما يتحقق على رأي الكعبي في قوله إن في كل مباح ترك حرام ولهذا الإشكال قال الأستاذ أبو إسحاق الحسن هو المأذون فيه شرعا فدخل المباح ونوقش بأن المباح يقتضي وصفا زائدا على الماهية ومجرد الإذن لا يدل على ذلك وقال الإمام في التلخيص الحسن كل فعل لنا الثناء شرعا على فاعله به والقبيح كل فعل لنا الذم شرعا لفاعله به قال والقاضي يقول ما أمر بمدح فاعله وفيها شيء لأن المباح حسن ولا يمدح فاعله والذي ارتضيناه أسد وقد سبق عنه التصريح في موضع آخر من التلخيص أنه لا حسن ولا قبيح وقال الإمام في المحصول القبيح ما نهي عنه شرعا والحسن ما لا يكون منهيا عنه شرعا ويندرج فيه أفعال الله تعالى وأفعال المكلفين من الواجب والمندوب والمباح وأفعال الساهي والنائم والهائم قال وهو أولى من قول من قال الحسن ما كان مأذونا فيه شرعا لأنه يلزم عليه أن لا تكون أفعال الله حسنة وخص ابن السمعاني التقسيم بأفعال المكلفين وقال أما ما لا صفة زائدة على وجوده كبعض أفعال الساهي والنائم فلا يوصف بحسن ولا قبيح إذا لم يكن فيه مضرة ولا منفعة فإن كان فقد قيل يوصف بهما وقيل لا يوصف بشيء منهما وهو الأولى لأن الحسن والقبيح يتبع التكليف فمن ليس بمكلف لا يوصف فعله بشيء منهما قال وهكذا كل فعل يصدر ممن لا تكليف عليه قلت هذا أحسن من جعل الإمام والبيضاوي له من قسم الحسن ولم يجعل الآمدي هذا خلافا بين الأصحاب بل إطلاقات الأصحاب باعتبارات فقال في الأبكار مذهب أهل الحق من الأشاعرة وغيرهم أن الحسن والقبيح ليس وصفا ذاتيا بل لإطلاق لفظ الحسن والقبيح عندهم باعتبارات غير حقيقية بل إضافية يمكن تغيرها وتبدلها وهي ثلاثة الأول أن الأفعال تنقسم إلى ما وافق الغرض فيسمى حسنا وإلى ما خالف الغرض فيسمى قبيحا وإلى ما لا يوافق ولا يخالف عبثا الثاني إطلاق الحسن على ما أمر الشرع بالثناء على فاعله ويدخل فيه الواجب والمندوب وفعل الله ويخرج منه المباح ولو قيل ما يجوز الثناء على فاعله لدخل المباح وإطلاق القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله ويدخل الحرام ويخرج المكروه والمباح لكن المكروه إن لم يكن قبيحا بهذا الاعتبار فليس حسنا باعتبار أن لفاعله أن يفعله أو أنه موافق للغرض الثالث إطلاق الحسن على ما لفاعله أن يفعله ويدخل فيه مع فعل الله الواجب والمندوب والمباح قال واتفقوا على أن فعل الله حسن بكل حال وأنه موصوف بذلك أبدا سرمدا وافق الغرض أو خالف وأن ذلك مما لا يتغير ولا يتبدل بنفسه ولا إضافة لكن إن كان بعد ورود الشرع ففعله موصوف بكونه حسنا بالاعتبارين الأخيرين وإن كان قبل الشرع فموصوف بكونه حسنا بالاعتبار الأخير فيهما ا هـ وأما المعتزلة فاختلفوا أيضا فقال بعضهم القبيح ما ليس للمتمكن منه أن يفعله والحسن ما يقابله فعلى هذا المباح حسن ونازع المازري في دخول الواجب فيه لأنه عليه أن يفعله ولا يقال إن له أن يفعله وهو قريب وقال جماعة منهم أبو الحسين في المعتمد الواقع على صفة توجب المدح حسن وعلى صفة توجب الذم قبيح وما لا يشتمل على أحدهما كالمكروه والمباح فليس بحسن ولا قبيح وأصل هذا التفسير منهم مبني على أن العقل له التحسين والتقبيح والمراد من الذم كما قاله الآمدي الإخبار المنبئ عن نقص حال المخبر عنه مع القصد لذلك ولولا القصد لما كان ذما قال وقد زيد في القبيح ما يستحق فاعله الذم ما لم يمنع منه مانع وقيدوه بذلك لأن من أصلهم أن الصغائر قبيحة غير أنها لا تستحق على فعلها الذم إذا صدرت ممن يجتنب الكبائر وأصل هذا الاختلاف منهم يرجع إلى تفسير الحسن والقبح هل يختص بصفة موجبة لتحسينه وتقبيحه وهو مذهب الجبائي أو لا فمن قال يختص فسره بالأول ومن قال لا يختص فسره بالثاني ا هـ والمختار أن حسن الشيء شرعا لا يرجع إلى وصف تضمنه من الحسن ولكن معناه إذن الشرع فيه ودفع العقاب عنه أَقْسَامُ الْحَسَنِ وَقَسَّمَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما حَسَّنَهُ الشَّرْعُ لِمَعْنًى في عَيْنِهِ كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَضِدُّهُ من الْقَبِيحِ الزِّنَى وَالْقَتْلُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَتَغَيَّرُ عن وَصْفِهِ بِتَقْدِيرٍ الثَّانِي ما حَسُنَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمَالِ الْغَيْرِ وَحُسْنُهَا من حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَكَذَا الصَّوْمُ فإنه تَرْكُ الْأَكْلِ وَلَكِنْ حَسُنَ بِوَاسِطَةِ قَهْرِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَضِدُّهُ من الْقَبِيحِ كَلِمَةُ الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا قَبُحَتْ لِدَلَالَتِهَا على سُوءِ الِاعْتِقَادِ وَهَذَا النَّوْعُ قد يُزَايِلُهُ وَصْفُ الْقُبْحِ بِالْإِكْرَاهِ وَكَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ فإنه حَرَامٌ نَظَرًا إلَى التَّنَاوُلِ وقد يَحِلُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الثَّالِثُ ما حَسُنَ لِمَعْنًى في غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَتِمُّ إلَّا بِفِعْلٍ مَقْصُودٍ من الْعَبْدِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْوُضُوءِ على رَأْيٍ فَلَا جُرْمَ انْحَطَّ عن الْقِسْمَيْنِ لِلتَّوَسُّطِ حتى اُخْتُلِفَ في كَوْنِهِ عِبَادَةً أَمْ لَا وَيَأْتِي ضِدُّهُ في الْقَبِيحِ فَائِدَةٌ الْأَفْعَالُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ تَلَخَّصَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْأَفْعَالَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ حَسَنٌ بِلَا خِلَافٍ وهو الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَقَ نَقْلُ الْآمِدِيِّ فيه الْإِجْمَاعَ الثَّانِي حَسَنٌ على الْأَصَحِّ وهو الْمُبَاحُ الثَّالِثُ قَبِيحٌ بِلَا خِلَافٍ وهو الْحَرَامُ الرَّابِعُ قَبِيحٌ على الْأَصَحِّ وهو الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إنْ فَسَّرْنَا الْقَبِيحَ بِمَا نُهِيَ عنه شَرْعًا وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِمَا يُذَمُّ فَلَا يُوصَفُ بِهِ وَكَذَا لَا يُوصَفُ بِالْحَسَنِ إذْ لَا يُثْنَى على فَاعِلِهِ وهو ما جَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَثْبَتَ بِهِ الْوَاسِطَةَ بين الْحَسَنِ وَالْقُبْحِ الْخَامِسُ ما لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ منها على الْأَصَحِّ وهو فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وِفَاقًا لِابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَالْخِلَافُ فيه عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ في الْأَبْكَارِ مسألة الْأَمْرُ لَا يقتضي حسن المأمور به الأمر لا يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّ الْحُسْنَ لَا يَرْجِعُ إلَى وَصْفِ الْفِعْلِ بَلْ إلَى الْأَمْرِ بِالثَّنَاءِ على فَاعِلِهِ وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ قال الْقَاضِي وَحِكَايَتُهُ هَكَذَا غَلَطٌ عليهم وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ مُرَادًا لِلْآمِرِ ثُمَّ قالوا لَمَّا تَعَلَّقَتْ إرَادَتُنَا بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لم يَدُلَّ تَعَلُّقُ أَمْرِنَا بِالْمَأْمُورِ على حُسْنِهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يُرِيدُ إلَّا الْحَسَنَ وَتَعَلُّقُ أَمْرِهِ بِالْمَأْمُورِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُرَادًا له ثُمَّ حَيْثُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْقَبِيحَ فَيُتَوَصَّلُ إلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبِيحًا وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حُسْنَهُ وَلَكِنْ إنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالثَّنَاءِ على فَاعِلِهِ فَنَحْكُمُ بِحُسْنِهِ لِلْأَمْرِ الثَّانِي فصل خطاب التكليف إذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا حَاكِمَ إلَّا الشَّرْعُ فَلْنَشْرَعْ في تَبْيِينِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ خِطَابِ الْوَضْعِ فَنَقُولُ الْخِطَابُ إنْ اقْتَضَى الْفِعْلَ اقْتِضَاءً جَازِمًا فَإِيجَابٌ أو غير جَازِمٍ فَنَدْبٌ وَإِنْ اقْتَضَى التَّرْكَ جَازِمًا فَتَحْرِيمٌ أو غير جَازِمٍ فَكَرَاهَةٌ وَإِنْ اقْتَضَى التَّخْيِيرَ فَإِبَاحَةٌ فَالْأَحْكَامُ إذَنْ خَمْسَةٌ هذا هو الْمَشْهُورُ وَرَأَيْت في تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ في أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ أنها ثَلَاثَةٌ وَاجِبٌ وَمَحْظُورٌ وَمُبَاحٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْوَاجِبِ الطَّلَبَ بِالْمَحْظُورِ الْمَمْنُوعِ وَقِيلَ اثْنَانِ حَرَامٌ وَمُبَاحٌ وَفُسِّرَتْ الْإِبَاحَةُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عن الْإِقْدَامِ على الْفِعْلِ فَيَنْدَرِجُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ وَبَقِيَ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا خِلَافُ الْأَوْلَى وهو قِسْمٌ من أَقْسَامِ الْمَكْرُوهِ لَكِنْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ ما وَرَدَ فيه نَهْيٌ مَقْصُودٌ وَخِلَافُ الْأَوْلَى بِخِلَافِهِ فَتَرْكُ صَلَاةِ الضُّحَى خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ وَالتَّقْبِيلُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ وَكَذَا الْحِجَامَةُ إنْ لم نَقُلْ تُفْطِرُ وَكَذَا تَفْصِيلُ أَعْضَاءِ الْعَقِيقَةِ قال في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِأَنَّهُ لم يَثْبُتْ فيه نَهْيٌ مَقْصُودٌ الثَّانِي أَنَّ من الْأَحْكَامِ ما لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ على أَصَحِّ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مع أَنَّ لِلَّهِ فيها حُكْمًا فصل في الواجب الْوُجُوبُ لُغَةً اللُّزُومُ وَمِنْهُ وَجَبَ الْبَيْعُ إذَا لَزِمَ وَالسُّقُوطُ وَمِنْهُ فإذا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا وَالثُّبُوتُ وَمِنْهُ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك وفي الِاصْطِلَاحِ لنا إيجَابٌ وَوُجُوبُ وَاجِبٍ فَالْإِيجَابُ الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ منه صِفَةٌ فإن الْقَوْلَ ليس لِمُتَعَلَّقِهِ منه صِفَةٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَعْدُومِ وَالْوُجُوبُ تَعَلُّقُهُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَالْوَاجِبُ نَفْسُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وهو الْمَقْصُودُ هَاهُنَا بِالتَّحْدِيدِ وقد ذَكَرُوا فيه حُدُودًا فقالت الْقُدَمَاءُ ما يُعَاقَبُ تَارِكُهُ وَاعْتُرِضَ بِجَوَازِ الْعَفْوِ وَأُجِيبُ إنَّمَا يَرِدُ لو أُرِيدَ إيجَابُ الْعِقَابِ وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَمَارَةٌ أو سَبَبٌ لِلْعِقَابِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِمَانِعٍ وهو الْعَفْوُ وَمِنْهُمْ من اعْتَذَرَ بِأَنَّ الْخُلْفَ في الْوَعِيدِ كَرَمٌ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ الْخُلْفُ فيه لِذَاتِهِ وَأَجَابَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بِحَمْلِ الْعِقَابِ على تَرْكِ جِنْسِ ذلك الْفِعْلِ وَحِينَئِذٍ لَا يَبْطُلُ بِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ إلَّا إذَا وَقَعَ الْعَفْوُ عن كل فَرْدٍ من أَفْرَادِ التَّارِكِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كل الْأَفْرَادِ من الْوَاجِبَاتِ لَا يَصِحُّ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ على عِقَابِ بَعْضِ الْعُصَاةِ وَأَجَابَ الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّهُ ليس في الشَّرِيعَةِ تَوَعُّدٌ بِالْعِقَابِ مُطْلَقٌ بَلْ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتُوبَ الْمُكَلَّفُ وَلَا يُعْفَى عنه وقد قال الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ لو أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا شيئا لَوَجَبَ وَإِنْ لم يَتَوَعَّدْ بِالْعِقَابِ على تَرْكِهِ فَالْوُجُوبُ إنَّمَا هو بِإِيجَابِهِ لَا بِالتَّوَعُّدِ لَكِنَّ هذا مَرْدُودٌ إذْ لَا يُعْقَلُ وُجُوبٌ بِدُونِ تَوَعُّدٍ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ عن الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ عَرَّفُوهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ على تَرْكِهِ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في كِتَابِ الْإِيمَانِ من تَعْلِيقِهِ عن أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ حَدُّوا الْوَاجِبَ بِمَا يُخْشَى الْعِقَابُ على تَرْكِهِ قال وَلَا يَلْزَمُ عليه الْقَصْرُ في السَّفَرِ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ إلَى بَدَلٍ انْتَهَى وَزَيَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِمَا يُظَنُّ وُجُوبُهُ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فإنه يَخَافُ الْعِقَابَ على تَرْكِهِ مع انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ وَقِيلَ هو الْمَطْلُوبُ جَزْمًا ثُمَّ الْعِقَابُ أو اللَّوْمُ أو الذَّمُّ يَكُونُ من إشَارَةِ تَعْرِيفٍ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِآثَارِهِ وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ ما قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ أَنَّهُ الذي يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ ما فَالْمُرَادُ بِالذَّمِّ ما يُنَبِّئُ عن اتِّضَاحِ حَالِ الْغَيْرِ وَتَارِكُ الْوَاجِبِ وَإِنْ عُفِيَ عنه فَالذَّمُّ من الشَّارِعِ لَا يَنْفَكُّ عنه وَأَقَلُّهُ أَنَّهُ يُسَمِّيهِ عَاصِيًا وهو ذَمٌّ قَطْعًا وَلَا يُكْرِمُهُ مِثْلَ إكْرَامِ الْآتِي بِهِ وَإِنْ عُفِيَ عنه إذْ يَسْلُبُهُ مَنْصِبَ الْعَدَالَةِ وَقِيلَ شَرْعًا لِيُوَافِقَ مَذْهَبَنَا وَبِوَجْهٍ ما لِيَدْخُلَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَالْمُخَيَّرُ وَالْفَرْضُ على الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كان لَا يُذَمُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ في أَوَّلِ الْوَقْتِ مع اتِّصَافِهَا بِالْوُجُوبِ فيه لو وَقَعَتْ لَكِنْ لو تَرَكَهَا في جَمِيعِ الْوَقْتِ أو في أَوَّلِهِ ولم يَعْزِمْ على فِعْلِهِ فِيمَا بَعْدَهُ لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَإِنْ كان لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ على رَأْيِ الْجَاعِلِ لِلْعَزْمِ بَدَلًا عنه وَكَذَا الْقَوْلُ في الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَأَنَّهُ لو تَرَكَ كُلَّ الْخِصَالِ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ وَإِنْ كان لَا يَسْتَحِقُّ ذلك على تَرْكِ بَعْضِهَا وَفِعْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ وَكَذَا الْقَوْلُ في فَرْضِ الْكِفَايَةِ فإنه لو تَرَكَهُ الْبَعْضُ وَقَامَ بِهِ الْبَعْضُ لَا يُذَمُّ تَارِكُهُ أَمَّا لو تَرَكَهُ الْجَمِيعُ حَرَجُوا جميعا وَلَا يَرِدُ عليه النَّائِمُ وَالنَّاسِي وَصَوْمُ الْمُسَافِرِ كما قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ في حَقِّهِمْ على قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْقَاضِي منهم أَمَّا على رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ لَا يُذَمُّونَ على بَعْضِ الْوُجُوهِ فإنه لو انْتَبَهَ أو تَذَكَّرَ ذُمَّ فَإِنْ قُلْت الذَّامُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الشَّرْعِ أو أَهْلُ الشَّرْعِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّارِعَ ما نَصَّ على ذَمِّ كل تَارِكٍ بِعَيْنِهِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّرْعِ فَإِنَّمَا يَذُمُّونَ من عَلِمُوا أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فَذَمُّهُمْ مَوْقُوفٌ على مَعْرِفَتِهِمْ بِالْوَاجِبِ فَلَوْ عَرَفَ بِهِ لَدَارَ وَالْجَوَابُ ما قَالَهُ السُّهْرَوَرْدِيّ نَخْتَارُ أَنَّ الذَّامَّ هو الشَّارِعُ بِصِيَغِ الْعُمُومِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ وَلِأَنَّ التَّارِكَ عَاصٍ وَكُلُّ عَاصٍ مَذْمُومُ الْعَامَّةِ سَلَّمْنَا وَلَا دَوْرَ لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْوَاجِبِ مَوْقُوفٌ على تَصَوُّرِ الذَّمِّ وَتَصَوُّرُ الذَّمِّ من أَهْلِ الشَّرْعِ ليس مَوْقُوفًا على تَصَوُّرِ الْوَاجِبِ فَلَا دَوْرَ وَأَوْرَدَ في الْمَحْصُولِ السُّنَّةَ فإن الْفُقَهَاءَ قالوا إنَّ أَهْلَ مَحَلَّةٍ لو اتَّفَقُوا على تَرْكِ سُنَّةِ الْفَجْرِ بِالْإِصْرَارِ فَإِنَّهُمْ يُحَارَبُونَ بِالسِّلَاحِ وَهَذَا لم يَقُولُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ بَلْ بِالْآذَانِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا من الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ وَمَعَ ذلك فَالصَّحِيحُ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهَا لَا يُقَاتَلُونَ على تَرْكِهَا خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَإِنْ جَرَيْنَا على هذا الْقَوْلِ فَالْمُقَاتَلَةُ على ما يَدُلُّ عليه التَّرْكُ من الِاسْتِهَانَةِ بِالدِّينِ لَا على خُصُوصِيَّةِ تَرْكِ السُّنَّةِ من حَيْثُ هِيَ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ قد يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الْفَرْضَ على ما لَا بُدَّ منه دُونَ ما يَلْحَقُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ كَقَوْلِهِمْ وُضُوءُ الصَّبِيِّ فَرْضٌ وَلِهَذَا حَكَمُوا على مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ كَوُضُوءِ الْبَالِغِ لِلنَّفْلِ وقد يُطْلِقُونَهُ على ما قُصِدَ بِهِ مُشَاكَلَةُ الْفَرْضِ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ أو مَصْلَحَةٍ لم تَتَحَقَّقْ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ لم يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ كَالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ وَلِهَذَا يَنْوِي بها الْفَرْضَ في الْأَصَحِّ وَصَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ على الْمَيِّتِ تَقَعُ فَرْضًا وَإِنْ سَقَطَ الطَّلَبُ بِالْأُولَى وَغَيْرِ ذلك التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَقْسَامُ الْوَاجِبِ الْوُجُوبُ يُطْلَقُ تَارَةً بِمَعْنَى الثُّبُوتِ في الذِّمَّةِ وهو شَائِعٌ في إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ وَتَارَةً بِمَعْنَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وهو اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَالْوَاجِبُ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ وَيُطَالَبُ بِأَدَائِهِ كَالدَّيْنِ على الْمُوسِرِ وَنَحْوِهِ وَثَانِيهَا ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ وَلَا يُطَالَبُ بِأَدَائِهِ كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ الثَّالِثُ ما لَا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ وَلَكِنْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا إنَّ الدَّعْوَى بِالدِّيَةِ الْمَأْخُوذَةِ من الْعَاقِلَةِ لَا تَتَوَجَّهُ عليهم بَلْ على الْجَانِي نَفْسِهِ ثُمَّ هُمْ يَدْفَعُونَهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا كَذَا قَالَهُ ابن الْقَاصِّ في كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ في بَابِ صِفَةِ الْيَمِينِ على الْبَتِّ وفي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ وَكَقَوْلِ أبي إِسْحَاقَ في اللُّقَطَةِ إذَا تَلِفَتْ لَا يَضْمَنُ حتى يُطَالِبَ بها الْمَالِكُ وقد يَجِيءُ خِلَافُهُ في الْقِسْمِ الثَّانِي أَعْنِي هل يَثْبُتُ الْوُجُوبُ مع عُسْرِ الْأَدَاءِ أو يُشْتَرَطُ له إمْكَانُ الْأَدَاءِ من الْخِلَافِ في زَكَاةِ الثَّمَرِ أنها تَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ مع أَنَّ الْأَدَاءَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْجَفَافِ وَحَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أنها لَا تَجِبُ إلَّا بِالْجَفَافِ وَزَعَمَ أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ في وَقْتِ وُجُوبِ تَأْدِيَتِهَا وَلَا يَتَقَدَّمُ على الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ وهو يُشْبِهُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِمْكَانَ من شَرَائِطِ الرُّجُوبِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فإنه لَا يُنْكَرُ بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ مع عُسْرِ الْأَدَاءِ كما في الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ وَجَزَمَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ شَرْطٌ في وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَأَمَّا في الزَّكَاةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ ليس من شَرَائِطِ الْوُجُوبِ بَلْ الضَّمَانَ قال في الْبَسِيطِ وَوُجُوبُ الْحَقِّ في الذِّمَّةِ يَتَمَيَّزُ عن أَدَائِهِ وَإِخْرَاجِهِ فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ مُتَوَقِّفٌ على الْإِمْكَانِ أَمَّا ثُبُوتُ الْوُجُوبِ في الذِّمَّةِ فَيَنْبَنِي على السَّبَبِ وقد جَرَى مسألة الفرق بين الوجوب ووجوب الاداء لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بين الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ وَلَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فإن مَعْنَاهُ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا في الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إلَى التَّفْرِقَةِ وَقَالُوا الْوُجُوبُ شَغْلُ الذِّمَّةِ بِالْمَلْزُومِ وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ على الْأَهْلِيَّةِ وَوُجُودِ السَّبَبِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عن الْوَاجِبِ بِوَاسِطَةِ الْأَدَاءِ وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ على الْأَهْلِيَّةِ وَالسَّبَبِ وَالْخِطَابِ وَاسْتِطَاعَةِ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ مع تَوَهُّمِ الِاسْتِطَاعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ تَنْبِيهٌ قال الْقَرَافِيُّ ليس كُلُّ وَاجِبٍ يُثَابُ على فِعْلِهِ وَلَا كُلُّ مُحَرَّمٍ يُثَابُ على تَرْكِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ فَكُلُّهَا وَاجِبَةٌ وإذا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ غَافِلًا عن امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فيها وَقَعَتْ وَاجِبَةً مُجْزِئَةً وَلَا يُثَابُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عن عُهْدَتِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا وَإِنْ لم يَشْعُرْ فَضْلًا عن الْقَصْدِ إلَيْهَا حتى يَنْوِيَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فيها فَلَا ثَوَابَ حِينَئِذٍ نعم مَتَى اقْتَرَنَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ في الْجَمِيعِ حَصَلَ الثَّوَابُ انْتَهَى وَظَاهِرُهُ تَقْسِيمُ الْوَاجِبِ إلَى ما يُثَابُ عليه وَإِلَى ما يَنْتَفِي عنه الثَّوَابُ وَكَذَا الْحَرَامُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْوَاجِبَ هو الْمَأْمُورُ بِهِ جَزْمًا وَشَرْطُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ فيه فَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ في فِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ وَعَدَمِهِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ ذُهُولُ النِّيَّةِ لَا أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْحَرَامَ مُنْقَسِمَانِ في أَنْفُسِهِمَا مسألة أسماء الواجب من أَسْمَاءِ الْوَاجِبِ الْمَحْتُومُ وَالْمَكْتُوبُ وَالْفَرْضُ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بين الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ شَرْعًا وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ في اللُّغَةِ إذْ الْفَرْضُ في اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ وَمِنْهُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ وَالْوُجُوبُ لُغَةً قد سَبَقَ وَمِنْ الدَّلِيلِ على تَرَادُفِهِمَا حَدِيثُ قال هل عَلَيَّ غَيْرُهَا قال لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ فلم يَجْعَلْ بين الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَاسِطَةً بَلْ الْخَارِجُ عن الْفَرْضِ دَاخِلٌ في التَّطَوُّعِ وَوَرَاءَ ذلك مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ ما ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ تَشَوُّفًا منهم إلَى رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ ذلك هو الذي يُعْلَمُ من حَالِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيْنَا وَالْوَاجِبُ ما ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَلَيْنَا وَلَا نُسَمِّيهِ بِالْفَرْضِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيْنَا كَالْوِتْرِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَخَصَّهُ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ بِالثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال وهو كَالْفَرْضِ في لُزُومِ الْعَمَلِ وَالنَّافِلَةِ في حَقِّ الِاعْتِقَادِ حتى لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ قال وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ على النَّصِّ نَسْخٌ وَالْمَكْتُوبَاتُ مَعْلُومَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ فَالزِّيَادَةُ عليها تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِهَا عُلِمَ تَحْرِيمَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلِذَلِكَ لم تُجْعَلْ رُتْبَتُهَا في الْوُجُوبِ رُتْبَةَ الْفَرِيضَةِ حتى لَا تَصِيرَ زِيَادَةً عليها قُلْنَا الْفَرْضُ الْمُقَدَّرُ أَعَمُّ من كَوْنِهِ عِلْمًا أو ظَنًّا وَالْوَاجِبُ هو السَّاقِطُ أَعَمُّ من كَوْنِهِ عِلْمًا أو ظَنًّا فَتَخْصِيصُ كُلٍّ من اللَّفْظَيْنِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ تَحَكُّمٌ قال أَصْحَابُنَا منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَلَوْ عَكَسُوا الْقَوْلَ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ لَفْظَ الْوُجُوبِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْفَرْضِ فإنه يَحْتَمِلُ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالتَّقْدِيرُ قد يَكُونُ في الْمَنْدُوبِ فَإِنْ أَرَادُوا إلْزَامَ غَيْرِهِمْ بهذا الِاصْطِلَاحِ لِمُوَافَقَةِ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا بَيَّنَّا وَإِنْ قَصَدُوا اصْطِلَاحَهُمْ عليه فَلَا مُشَاحَّةَ في الِاصْطِلَاحِ وَلَا يُنْكَرُ انْقِسَامُ الْوَاجِبِ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ فيه وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ إنْ كان ما قَالَهُ رَاجِعًا إلَى مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ فَالْأَمْرُ فيه قَرِيبٌ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ في مِثْلِهِ التَّحَرُّزُ عن اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى عن اخْتِلَاطِ الِاصْطِلَاحَيْنِ فإنه يُوقِعُ غَلَطًا مَعْنَوِيًّا وَأَيْضًا فَالْمُصْطَلَحُ على شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلَى أَمْرَيْنِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحُهُ حَسَنًا أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُخَالِفَ الْوَضْعَ الْعَامَّ لُغَةً أو عُرْفًا الثَّانِي أَنَّهُ إذَا فَرَّقَ بين مُتَقَارِنَيْنِ يُبْدِي مُنَاسَبَةً لِلَفْظِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَاهُ وَإِلَّا كان تَخْصِيصُهُ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بِعَيْنِهِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ ليس أَوْلَى من الْعَكْسِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ الذي فَعَلَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ من هذا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْفَرْضَ بِالْمَعْلُومِ قَطْعًا من حَيْثُ إنَّ الْوَاجِبَ هو السَّاقِطُ وَهَذَا ليس فيه مُنَاسَبَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل لَفْظَةٍ مع مَعْنَاهَا الذي ذَكَرُوهُ وَلَوْ عَكَسُوا الْأَمْرَ لَمَا امْتَنَعَ فَالِاصْطِلَاحُ عليه ليس بِذَلِكَ الْحَسَنِ ا هـ وقد نُقِضَ عليهم فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَعْدَةَ في الصَّلَاةِ فَرْضًا وَمَسْحَ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضًا ولم يَثْبُتْ بِقَاطِعٍ قال الْقَاضِي وَجَعَلُوا الْوُضُوءَ من الْفَصْدِ فَرْضًا مع أَنَّهُ لم يَثْبُتْ بِقَطْعِيٍّ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةَ على من بَلَغَ في الْوَقْتِ بَعْدَمَا أَدَّى الصَّلَاةَ وَالْعُشْرَ في الْأَقْوَاتِ وَفِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قال إِلْكِيَا وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ عِنْدَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ سَوَاءٌ ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ رَاجِعٌ إلَى التَّسْمِيَةِ وَقِيلَ بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في التَّكْفِيرِ على تَقْدِيرِ الْجُحُودِ فإن من جَحَدَ قَطْعِيًّا كَفَرَ أو ظَنِّيًّا فَلَا وَلَيْسَ هذا من ضَرُورِيَّاتِ الْفَرْقِ قال ابن بَرْهَانٍ بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ يَنْبَنِي على أَنَّ الْأَحْكَامَ عِنْدَنَا بِأَسْرِهَا قَطْعِيَّةٌ وَعِنْدَهُمْ تَنْقَسِمُ إلَى ما ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ وَإِلَى ما ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وقد سَبَقَ ما فيه وَحَكَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ ما أُجْمِعَ على وُجُوبِهِ وَالْوَاجِبَ ما كان مُخْتَلِفًا في وُجُوبِهِ الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّ الْفَرْضَ ما ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْوَاجِبَ ما ثَبَتَ من غَيْرِ وَحْيٍ مُصَرِّحٍ بِهِ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَأَلْزَمَهُمْ الْقَاضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَدِيَةِ الْأَصَابِعِ وَالْعَاقِلَةِ فَرْضًا وَأَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ التَّبَايُعِ وَنَحْوِهِ من الْمَنْدُوبَاتِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ فَرْضًا وَفَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ إلَّا من اللَّهِ وَالْإِيجَابَ يَكُونُ من اللَّهِ وَمِنْ غَيْرِهِ يُقَالُ فَرَضَ اللَّهُ كَذَا وَأَوْجَبَ وَلَا يُقَالُ فَرَضَ السَّيِّدُ على عَبْدِهِ وَإِنَّمَا يُقَال أَوْجَبَ أو فَرَضَ الْقَاضِي له كَذَا وقد فَرَّقَ أَصْحَابُنَا بين الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ في بَابِ الصَّلَاةِ فَسَمَّوْا الْفَرْضَ رُكْنًا وَالْوَاجِبَ شَرْطًا مع اشْتِرَاكِهِمَا في أَنَّهُ لَا بُدَّ منه وفي بَابِ الْحَجِّ حَيْثُ قالوا الْوَاجِبُ ما يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ وَالرُّكْنُ ما لَا يُجْبَرُ وَهَذَا ليس في الْحَقِيقَةِ فَرْقًا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى تَخْتَلِفُ الذَّوَاتُ بِحَسَبِهِ وَإِنَّمَا هِيَ أَوْضَاعٌ نُصِبَتْ لِلْبَيَانِ وَعِبَارَةُ التَّنْبِيهِ تَقْتَضِي أَنَّ الْفَرْضَ أَعَمُّ من الْوَاجِبِ فإنه قال في بَابِ فُرُوضِ الْحَجِّ وَذِكْرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ من وَاجِبَاتِهِ وَهِيَ مُؤَوَّلَةٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عن الْعَبَّادِيِّ فِيمَنْ قال الطَّلَاقُ وَاجِبٌ عَلَيَّ تَطْلُقُ أو فَرْضٌ لَا تَطْلُقُ وَلَيْسَ هذا بِمُنَافٍ لِلتَّرَادُفِ بَلْ لِأَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى ذلك وهو أَمْرٌ خَارِجٌ عن مَفْهُومِ اللُّغَةِ الْمَهْجُورِ وقد رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ في الزِّيَادَاتِ وَخَصَّهَا بِأَهْلِ الْعِرَاقِ لِلْعُرْفِ فِيهِمْ بِذَلِكَ قال وَهَكَذَا جَوَابُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ مسألة بعض الواجبات أوجب من بعض قال الْقَاضِي يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ أَوْجَبُ من بَعْضٍ كَالسُّنَنِ بَعْضُهَا آكَدُ من بَعْضٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَنْصَرِفُ عِنْدَهُمْ إلَى صِفَةِ الذَّاتِ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ يَجُوزُ ذلك عِنْدَنَا فما كان اللَّوْمُ على تَرْكِهِ أَكْثَرَ كان أَوْجَبَ فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ أَوْجَبُ من الْوُضُوءِ مَسْأَلَةٌ تَرَتُّبُ الذَّمِّ أو الْعِقَابِ على التَّرْكِ يَتَحَقَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبٌ بِدُونِ تَرْجِيحٍ في فِعْلِهِ بِتَرَتُّبِ ذَمٍّ أو عِقَابٍ على تَرْكِهِ وقال الْقَاضِي إذَا أَوْجَبَ اللَّهُ شيئا وَجَبَ وَإِنْ لم يَتَوَعَّدْ بِالْعِقَابِ على تَرْكِهِ إذْ الْوُجُوبُ بِإِيجَابِهِ لَا بِالْعِقَابِ بَلْ يَكْفِي في الْوُجُوبِ الطَّلَبُ الْجَازِمُ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِقَابِ وَالتَّوَعُّدِ بِنَاءً على أَنَّ الرُّجْحَانَ ليس مُنْحَصِرًا فيها بَلْ قد يَكُونُ بِأَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَفِعْلُهُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَهَذَا حَقٌّ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ قد يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَأَنْ يَتَرَجَّحَ الْفِعْلُ على التَّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَيَكُونُ مَقْصُودًا من نَفْيِ التَّوَعُّدِ نَفْيُ الْمُرَجِّحِ لَا نَفْيُ خُصُوصِهِ إذْ قَوْلُهُ إذْ الْوُجُوبُ بِإِيجَابِهِ مُشْعِرٌ بِهِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا مَرَّ في تَعْرِيفِهِ الْوَاجِبَ وقال الْعَبْدَرِيُّ في الْمُسْتَوْفَى إنَّ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي إذَا حُقِّقَ هو مَقَامُ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ من الْمُؤْمِنِينَ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مَقَامُ الصَّالِحِينَ فَلَا تَنَافِيَ بين الْقَوْلَيْنِ وقال الرَّازِيَّ في الْمُنْتَخَبِ تَحَقُّقُ الْعِقَابِ على التَّرْكِ ليس شَرْطًا في الْوُجُوبِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وهو قَوْلُ الْقَاضِي قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا وَهْمٌ على الْغَزَالِيِّ ولم يَقُلْ إنَّ الْعِقَابَ لَا بُدَّ منه في تَرْكِ كل الْوَاجِبِ بَلْ مَعْنَى هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ هل يَكْفِي في تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ الطَّلَبُ الْجَازِمُ الذي لم يَخْطُرْ بِبَالِ الطَّالِبِ الْإِذْنَ بِالتَّرْكِ كما في دُعَائِنَا لِلَّهِ تَعَالَى أو يُقَال الْوُجُوبُ مُرَكَّبٌ من رُجْحَانِ الْفِعْلِ مع قَيْدِ الْمُؤَاخَذَةِ على التَّرْكِ إمَّا الذَّمَّ أو غَيْرُهُ هذا هو مَحَلُّ النِّزَاعِ وقال الْهِنْدِيُّ هذا النَّقْلُ عن الْغَزَالِيِّ سَهْوٌ من الْإِمَامِ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ نَفَى الْوُجُوبَ عِنْدَ نَفْيِ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا لَا عِنْدَ نَفْيِ الْعِقَابِ فصل انقسام الواجب الواجب ينقسم بحسب فاعله إلى واجب على العين وواجب على الكفاية وبحسب ذاته إلى واجب معين وواجب مخير وبحسب وقته إلى واجب مضيق وواجب موسع ويجب فعله في وقته وبعد ذلك إلى أداء وقضاء فنقول مسألة الواجب المخير إيجاب شيء مبهم من أشياء محصورة كخصال الكفارة وجزاء الصيد وفدية الأذى جائز عقلا خلافا لبعض المعتزلة حيث ذهب إلى امتناعه عقلا زاعما لزوم اجتماع النقيضين لتناقض الوجوب والتخيير جهلا منهم بالفرق بين ما هو واجب وما هو مخير على ما سيأتي تحقيقه وإذا قلنا بجوازه فهو يقتضي وجوب واحد منها لا بعينه وأي واحد منها فعل سقط الفرض لاشتماله على الواجب لا أنه واجب ولا يوصف الجميع بالوجوب هذا هو الصحيح عندنا كما قاله القاضي أبو الحسين بن القطان وغيره ونقله الشيخ أبو حامد الإسفراييني عن مذهب الفقهاء كافة والقاضي أبو بكر عن إجماع سلف الأمة قال ابن القشيري ونعني بهذا أن ما من واحد إلا ويتعلق به براءة الذمة ولسنا نعني أن الواجب واحد معين في حكم الله ملتبس علينا وإلا لزم تكليف ما لا يطاق وحكي عن عبد الجبار أيضا والثاني وبه قال المعتزلة الكل واجب ثم منهم من يقتصر عليه ومنهم من زاد وقال الكل واجب على التخيير والبدل وإذا فعل بعضها سقط به وجوب باقيها وحكاه القاضي عن الجبائي وابنه وبعض أصحابه وبعض الفقهاء قال صاحب المصادر واختاره الشريف المرتضى قال الباجي واختاره ابن خويز منداد من مالكية العراق قال وإليه ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة والثالث أن الواجب واحد معين عند الله غير معين عند المكلف لكن علم الله أنه لا يختار إلا فعل ما هو واجب عليه واختياره معرف لنا أنه الواجب في حقه وعلى هذا فيختلف بالنسبة إلى المكلفين حكاه ابن القطان مع جلالته وقال في المحصول إن أصحابنا ينسبونه إلى المعتزلة والمعتزلة إلى أصحابنا واتفق الفريقان على فساده ولذلك قال صاحب المصادر لو ذهب ذاهب إلى أن الواجب فيها واحد معين عند الله غير معين عندنا كان خلافا من جهة المعنى وجرى مجرى تكليف ما لا يطاق هذا مما لا يذهب إليه أحد انتهى وقد علمت فساده والرابع أن الواجب واحد معين عند الله تعالى لا يختلف فإن فعله المكلف فذاك وإلا وقع نفلا وسقط الواجب به وعلى الأول وهو قول الأصحاب فهل يتعين بفعل المكلف أو باختياره وجهان والأول حكاه أبو الخطاب الحنبلي في تمهيده وابن السمعاني في القواطع وأغرب فنسبه إلى الأصحاب وقال الباجي إنه قول معظم أصحاب مالك والثاني حكاه أبو يوسف في الواضح فقال ذهب الفقهاء إلى أن المأمور به واحد ويتعين باختيار المكلف فكأنهم قالوا إن الواجب ما في علم الله أن المكلف يختاره قيل ويلزم عليه أن المكلف إذا مات قبل الفعل ولم يفعله عنه غيره أن لا وجوب وهو خلاف الإجماع ويجيء قول آخر وهو الوقف فإن فعل واحدا منها فهو الواجب كما قال أبو إسحاق المروزي إن مالك النصاب يتخير بين إخراج الزكاة من عين المال ومن غيره فإذا أخرجها من عين المال تبين أن الوجوب تعلق بالعين وإن أخرجها من غيرها تبينا أنها لم تجب في العين ويجيء قول آخر إنه إذا كان أحد الخصال أدون كان هو الواجب فإن فعل الأكمل سقط به وهذا كما في زكاة البقر فإن خبر معاذ دل على أن الواجب في ثلاثين تبيع أو تبيعة ونص الشافعي في المختصر والأصحاب أن الواجب التبيع وأنه إذا أخرج التبيعة كان أولى وأسقط الواجب ويكون متطوعا بالزيادة إلا أن يقال سبب ذلك قيام الإجماع على أن الواجب في الثلاثين تبيع إذا علمت هذا فالكلام بعده في مواضع أحدها تحقيق موضع الخلاف الثاني هل هو معنوي أو لفظي الثالث في كيفية الثواب والعقاب بالنسبة إلى الجميع أو البعض الرابع في شروط التخيير تحقيق موضع الخلاف أما الأول وهو تحقيق موضع الخلاف وتحرير معنى الإبهام فأما عندنا فالواجب أحد الخصال ولا تخيير فيه وتخيير المكلف إنما هو في تعيين الواجب للوجود لا للوجوب فإن الجهة الشخصية لا يتعلق بها وجوب ولهذا قال الشافعي في المئتين من الإبل يتخير بين الأربع حقاق وخمس بنات لبون لأنه صلى الله عليه وسلم نطق بالتخيير فقال فإذا بلغت مئتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون فأوجب أحدهما وخير في تعيين الواجب وقال ابن الحاجب متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها وقال الأصفهاني شارح المحصول لا نقول في الواجب المخير هو القدر المشترك بل الواجب هو حصة منه يصدق عليها القدر المشترك ولا سبيل إلى القول بإيجاب المشترك ويكون من صور التخيير بين الخصال الثلاث بأنه واحد ولا يتصور التخيير في الواحد وأما على قول المعتزلة يجب الجميع على التخيير فظاهره متناقض في نفسه إذ معنى وجوب الجميع أنه لا يبرأ إلا بفعلها ومقتضى التخيير أن يبرأ بفعل أيها شاء ولا يجتمعان وإنما مرادهم بوجوب الجميع أنه لا يجوز ترك الجميع وهو صحيح لكن لا يلزم منه وجوب فعل الجميع أو وجوب الجميع على البدل لا على الجمع بمعنى إن لم يفعل هذا فعل هذا وهو مذهب الجمهور وكان الغلط في هذه المسألة إما من المعتزلة حيث ظنوا أن الوجوب مع التخيير لا يجتمعان أو من الناقلين عنهم بأن وافقوهم على عبارة موهمة والذي نقله القاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة عنهم أن الجميع واجب على البدل وقد حرر بعض المتأخرين ذلك فقال القدر المشترك يقال على المتواطئ كالرجل ولا إبهام فيه وأن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء كأحد الرجلين والفرق بينهما أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية والثاني فيه أحد الشخصين بعينه وإن لم يعين ولذلك يسمى مبهما لأنه انبهم علينا أمره والأول لم يقل أحد إن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير فلا يقال فيه واجب مخير ولا يتأتى فيه الخلاف الذي في المخير وأكثر أوامر الشريعة من ذلك والثاني متعلق الخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وسمي الواجب المخير قال وبهذا تبين أن تزويج أحد الخاطبين وإعتاق واحد من الجنس اللذين ذكرهما ابن الحاجب وكذا نصب أحد المستعدين للإمامة إذا شغر الوقت عن إمام الذي ذكره البيضاوي ليس مما نحن فيه لأنه مما يتعلق الوجوب فيه بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات وإنما مثاله أهل الشورى الذين جعل عمر الأمر فيهم لتعلق الأمر بأعيانهم وقال العبدري في المستوفى الخلاف في هذه المسألة إنما وقع من جهة الإجمال الذي في اللفظ فإنه يحتمل أن يكون المراد المخير فيه وأن يكون المراد المخير في أنواعه إن كان ذا أنواع وفي أشخاصه إن كان ذا أشخاص فيقال لا شك إن أردت المخير فيه فالعين واحد لا يصح التخيير فيها وإن أردت التخيير في أنواعه وأشخاصه فأنواع الشيء الواحد بالجنس وأشخاصه يصح التخيير فيها وبه ينقطع النزاع ويرتفع الخلاف قلت والصواب أن الخلاف بين الفريقين محقق فإن الذي يقتضيه كلام الفقهاء أن الواجب كل خصلة على تقدير عدم الأخرى وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة من الجنس والذي تقتضيه قواعد المعتزلة أن الواجب القدر المشترك بين الخصال وهذان معنيان متغايران يمكن أن يذهب لكل منهما قائل وظهر بذلك أن قول المعتزلة أولى أن يسمى إبهاما والفقهاء أولى أن يسمى كل واحد والمعتزلة إنما قصدوا الفرار من قولنا أحدها واجب لعدم جواز التخيير بين الواجب وغيره وأصحابنا لا يراعون الحسن والقبح ويجوزون التخيير بين ما فيه مصلحة وما لا مصلحة فيه ومع ذلك جعلوا الواجب مبهما فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرق في المعنى تنبيه لا يخفى تخصيص الخلاف بما إذا كان كل منهما مطلوبا أما إذا كان المطلوب في الحقيقة أحدها ولم يقصد بالتخيير ظاهره بل التهديد فالواجب من ذلك واحد قطعا ومثاله قوله تعالى فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ونحو هذا فاصبروا أو لا تصبروا وغير ذلك ولم أر من تعرض له هل الخلاف لفظي أو معنوي وأما الثاني وهو أنه هل الخلاف لفظي أو معنوي اختلف في ذلك فقال القاضي والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين إنه لفظي واختاره ابن القشيري وابن برهان في الأوسط وابن السمعاني في القواطع وسليم الرازي في التقريب وأبو الحسين البصري في المعتمد والإمام الرازي في المحصول قالوا لا خلاف بين الفريقين لاتفاق الكل على أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها ولا يجوز تركه كذلك وأنه إذا أتي بواحد منها كفى ذلك في سقوط التكليف ولكن مراد المعتزلة أن ما من واحد يفعل إلا يقع واجبا وإليه أشار عبد الجبار في العمدة ولهذا لم يصحح الإمام النقل عن أبي هاشم وليس كما زعم فقد حكاه صاحب المعتمد وهو القدوة عندهم وأصوله تقتضي ما نقل عنه وأن الوجوب عنده يتبع الحسن الخاص فيجب عند التخيير استواء الجميع في الحسن الخاص وإلا وقع التخيير بين الحسن وغيره وقال صاحب الواضح قد أعيت هذه المسألة العلماء من قبل ومن بعد فما أحد تصور الخلاف فيها وفي الجملة فلا خلاف أن المكلف لا يجب عليه أن يأتي بها كلها ولا أنه لا يجوز الإخلال في الجميع ولا أنه إذا أتى بشيء منها أجزأه ولا أنه لا يقع التخيير بين واجب وغيره من مباح أو ندب وحينئذ فلا أعرف موضع الخلاف وكذا قال صاحب المصادر قد دارت رءوس المختلفين في هذه المسألة وأعيتهم ولا فائدة لها معنوية للاتفاق على ما ذكر ا هـ وقال القاضي أبو الطيب الطبري بل الخلاف في المعنى لأنا نخطئهم في إطلاق اسم الوجوب على الجميع لإجماع المسلمين على أن الواجب في الكفارة أحد الأمور وقال الأصفهاني الذي يظهر من كلام الغزالي وابن فورك أن الخلاف معنوي وهو اختيار الآمدي وابن التلمساني وعبارة بعضهم تدل عليه فإنه قال الأمر بواحد من الأشياء يقتضي واحدا من حيث هو أحدها وقال بعض المعتزلة أيضا الواجب منها واحد معين عند الله وإن وقع غيره وقع نفلا وسقط به الواجب ومنهم من قال الواجب أحدها ولكن على البدل وإذا تقرر ما ذكر من الفرق بين أن تراد مع القدر المشترك الخصوصيات أو لا أمكن أن يقال في خصال الكفارة احتمالان أحدهما أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال والثاني أن كل خصلة واجبة على تقدير أن لا يفعل غيرها والأوفق لقواعد المعتزلة الأول وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير حتى يكون هو الموصوف بالحسن والأوفق لقواعدنا أن يصح ذلك وغيره ويظهر أثرها فيما لو فعل خصلة فعلى هذا هو الواجب وعلى الأول ينبغي أن يقال الواجب تأدى بها لا أنها هي الواجب وقال الهندي الصواب أن الخلاف معنوي ويظهر له فوائد في الخارج إحداها أنه إذا فعل خصلة يقال على ما اخترناه إنها الواجب وعلى المعنى الآخر يتأدى بها الواجب الثانية إذا فعل الجميع معا يثاب على الجميع ثواب الواجب لأن كل واحدة لم يسبقها غيرها وعلى رأيهم يثاب على واحدة فقط كذا نقل الإمام في البرهان والآمدي عنهم وكأنهم يعنون ثواب الواجب الثالثة إذا ترك الجميع وقلنا للإمام المطالبة بالكفارات أجبر على فعل واحد منها من غير تعيين على رأينا كما نقول القاضي يكره المولي على أحد الأمرين من الفيئة أو الطلاق وأما على رأيهم فينبغي أن يجبره على واحد بعينه هذا ما ظهر لي ولم أره منقولا الرابعة مات وعليه الكفارة المخيرة ولم يوص بإخراجها وعدل الوارث عن أعلى الأمور أي العتق فوجهان أصحهما الجواز قال الماوردي ويشبه أن يكونا مخرجين من الخلاف المذكور إن قلنا إن الجميع واجب فله إسقاط الوجوب بإخراج واحد وإن قلنا أحدها لا بعينه لم يجزئ لأنه لم يتعين في الوجوب وهذا فيه نظر فقد يقال بمثله عند فعل أدناها إذا لم يتعين أيضا وإن كان وجه عدم الإجزاء عدم التعيين لم يختص بالعتق وإن كان العدول إلى الأعلى مع إمكان براءة الذمة بالأدنى فهذا مأخذ غير ما نحن فيه وأيضا التصرف عن الميت لا ضرورة به إلى فعل ما لا إثم في تركه وإن وصفناه بالوجوب الخامسة لو أوصى في الكفارة المخيرة بخصلة معينة وكانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين فهل يعتبر من رأس المال فيه وجهان أحدهما نعم لأنه تأدية واجب وهذا هو قياس كون الواجب أحدها وأصحهما اعتباره من الثلث لأنه غير متحتم وتحصل البراءة بدونه وهما مبنيان على هذا الخلاف فإن قلنا الكل واجب فالجميع من رأس المال وإن قلنا الواجب مبهم فالزائد من الثلث ويطرقه النظر السابق السادسة حلف لا مال له وقد جنى جناية موجبة للقصاص فإن قلنا الواجب القصاص عينا لم يحنث وإن قلنا الواجب أحدهما لا بعينه حنث كما قاله الرافعي وتوقف فيه السابعة لو جنى على المفلس أو على عبده وقلنا الواجب أحد الأمرين وأن في المخير يجب الجميع فليس له القصاص وإن قلنا بالآخر كان له الثامنة إذا طلق إحدى امرأتيه أو أعتق أحد عبديه إن قلنا الواجب مبهم فالطلاق وقع مبهما فلا يقع إلا عند التعيين وإن قلنا وقع على كل واحدة فمن حين اللفظ وهو الصحيح التاسعة تيمم قبل الاستنجاء لا يجزئه على الأصح لأنه مأمور بأحد الأمرين الحجر أو الماء ويجب عليه لأجل وجوب الماء الطلب فيبطل تيممه إذ لا تيمم مع وجوب الطلب كيفية الثواب والعقاب وأما الثالث فقال القاضي من حجج أصحابنا قولهم إنه لو أقدم على الخصال الثلاث في الكفارة معا ويتصور ذلك بأن ينصب في تأديتها وكلاء فتتفق أفعالهم في وقت واحد فقد قالوا أجمع أنها إذا وقعت فالواجب منها واحد وانفصل أبو هاشم عن هذا بناء على أصله بأن ما اتصف بالوجود لا يتصف بالوجوب فإن الوجوب من أحكام التكليف ولا يتعلق التكليف بالشيء مع حدوثه وإنما يتعلق به قبل حدوثه لأن القدرة قبيل الاستطاعة عنده ورده القاضي بأنه لو لم يصفها بالوجوب عند الوجود فنقول في كل ما وجب قبل حدوثه إذا حدث أنه كان واجبا وإذا وجدت الخصال الثلاث في الكفارة فلا يمكن أن يقول كلها واجبة حتى يثاب على كل واحد منها ثواب الواجب وما نقله القاضي عن أصحابنا من أن الواجب واحد إذا أتي بالجميع منتقد فقد قال ابن برهان في الأوسط عندنا أنه إذا فعل الجميع أثيب ثواب أعلاها فإن امتنع من الكل أثم بترك أدناها وقال القاضي أبو الطيب محققا لذلك يأثم بمقدار عقاب أدناها لا أنه نفس عقاب أدناها وقال ابن السمعاني في القواطع نحوه فقال قال أصحابنا إذا فعل الجميع فالواجب أعلاها لأنه يثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب فانصرف الواجب إلى أعلاها ليكثر ثوابه وإن ترك الجميع عوقب على أدناها ليقل وباله ووزره لأن الوجوب سقط بفعل الأدنى انتهى وظن بعضهم تفرد ابن السمعاني بذلك وقال إنما هذا قول القاضي أبي بكر قلت وقد سبق موافقة ابن برهان له والقاضي أبي الطيب وقاله ابن التلمساني في شرح المعالم فقال إذا أتى بالخصال معا فإنه يثاب على كل واحد منها لكن ثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع ولا يحصل إلا على واحد فقط وهو أعلاها إن تفاوتت لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك فإضافة غيره إليه لا تنقصه وإن تساوت فإلى أحدها وإن ترك الجميع عوقب على أقلها لأنه لو اقتصر عليه لأجزأه قلت وهذا نظير القول المحكي في الصلاة المعادة أن الفرض أكملها والقول بأنه إحداهما لا بعينها والله يحتسب ما شاء منهما نظير القول الذي حكاه القاضي أولا عن أصحابنا وحكوا هناك وجها أن كليهما فرض ولم يقولوا به هنا لئلا يؤدي إلى قول المعتزلة وحكى القاضي قولا ثالثا أن الذي يقع واجبا هو العتق فإنه أعظم ثوابا لأنه أنفع وأشق على النفوس ورد عليه بأنه قد لا يكون كذلك وقد يجيء فيما سبق قول رابع أنه لا يثاب ويعاقب إلا على أحدها لأنه الواجب لا بعينه ويجيء خامس أنه يثاب ثواب الواجب على أدناها لأنه لو اقتصر عليه أجزأه وعلى الثاني ثواب التطوع وهذا هو ظاهر نص الشافعي فيما نقله المتولي في كتاب النذر فيما إذا التزم في اللجاج فقال وإن كان الملتزم من جنس ما يجزئ في الكفارة فإن اقتصر على القدر المأمور به في الكفارة أجزأه وإن وفى بما قال كانت الزيادة عليه تطوعا نص عليه ا هـ وقال أبو الحسين في المعتمد قال شيوخنا يستحق الذم والعقاب على أدونها عقابا لأنه لو فعله لم يعاقب قال لكنه يستحق ذلك على الإخلال بأجمعها لا بواحد منها قالوا وإذا فعلها استحق ثواب الواجب على أعظمها لأنه لو فعله وحده لكان واجبا ولا يستحق عليه ذلك الثواب وقال صاحب المصادر إذا ترك الكل استحق مقدارا واحدا من العقاب على ترك الكل بمعنى أنه ترك ثلاث واجبات عليه على التخيير ولا يصح أن يقال يعاقب على أدناها لأنه إذا ترك الكل يضاعف عذابه فلا يكون هناك مقادير من العقاب بعضها أعلى وبعضها أدنى بخلاف ما إذا جمع بين الكل لأن هناك يتضاعف الثواب فيستحق على كل واحد ثوابا فيصح أن يقال يثاب على أعلاها وقال المازري إذا فعل الجميع فاختلف في الذي يتعلق به الوجوب منها فقيل أعلاها وهو رأي القاضي أبي بكر وأشار عبد الجليل إلى مناقشة في هذا فقال القاضي يقول إن جمع بينهما في الترك ينطلق الإثم بأدناها فيجب عليه أن يقول إذا جمع بينهما في الفعل تعلق الوجوب أيضا بأدناها ومنهم من قال الوجوب يتعلق بواحد لا بعينه انتهى وما ناقض فيه عبد الجليل مردود فقد سبق في كلام ابن السمعاني توجيه الفرق تنبيهان التنبيه الأول قال في المحصول إنه يستحب الجمع بين خصال الكفارة ويشهد له استحباب إعادة الصلاة لمن صلاها بل أولى لأن التنبيه الثاني هذا كله إذا فعل الكل في وقت واحد فلو أتى بالكفارة المخيرة على الترتيب فقال الباجي وغيره الأول هو الواجب وقد يقال لا تقع الثانية عن الكفارة وقد يقال بالوقوع كمن صلى على الجنازة ثانيا وقد يقال باحتمال ثالث إنها إن اقترنت بمعنى يقتضي الطلب وقعت عن الكفارة ثم هل تكون واجبة يمكن تخريجه على الصلاة المعادة وفيها أربعة أوجه شُرُوطُ التَّخْيِيرِ وَأَمَّا الرَّابِعُ وهو شُرُوطُ التَّخْيِيرِ وقد ذَكَرُوا له شُرُوطًا أَحَدُهَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا يَصِحُّ اكْتِسَابُهُ الثَّانِي أَنْ تَتَسَاوَى الْأَشْيَاءُ في الرُّتْبَةِ من جِهَةِ التَّخْيِيرِ في الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَسَوَاءٌ كانت مُتَضَادَّةً أو مُخْتَلِفَةً فَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بين قَبِيحٍ وَمُبَاحٍ وَلَا بين وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَإِلَّا لَانْقَلَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَلَا بين حَرَامٍ وَوَاجِبٍ فإن التَّخْيِيرَ بين التَّحْرِيمِ وَنَقِيضِهِ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ وَالتَّخْيِيرُ بين الْوَاجِبِ وَتَرْكِهِ يَرْفَعُ الْوُجُوبَ وَلِهَذَا إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ تَسَاقَطَا وَامْتَنَعَ التَّخْيِيرُ وَلِهَذَا أَيْضًا رَدُّوا على دَاوُد اسْتِدْلَالَهُ على وُجُوبِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ تَخْيِيرٌ بين النِّكَاحِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْيَمِينِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ إجْمَاعًا فَلِذَلِكَ ما خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وقد اُسْتُشْكِلَ على ذلك قَضِيَّةُ تَخْيِيرِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بين الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ فَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ في تَحْرِيمِ ما يَحْرُمُ وَتَحْلِيلُ ما يَحِلُّ إلَى اجْتِهَادِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَسَدَادِ نَظَرِهِ الْمَعْصُومِ فلما نَظَرَ فِيهِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَتَحْلِيلِ اللَّبَنِ فَوَافَقَ الصَّوَابَ قلت وَأَصْلُ السُّؤَالِ غَيْرُ وَارِدٍ إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بين مُبَاحٍ وَحَرَامٍ إذْ تِلْكَ الْخَمْرَةُ من الْجَنَّةِ لَا يُقَالُ لو كان كَذَلِكَ لم يَجْتَنِبهَا لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا شَابَهَتْ الْخَمْرَةَ الْمُحَرَّمَةَ تَجَنَّبَهَا وَذَلِكَ أَبْلَغُ في الْوَرَعِ وَأَدَقُّ سَلَّمْنَا إلَّا أَنَّ الْخَمْرَ كانت حِينَئِذٍ مُبَاحَةٌ لِأَنَّهَا إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ وَالْإِسْرَاءُ كان بِمَكَّةَ فَإِنْ قُلْتَ قَوْلُ جِبْرِيلَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ له حين اخْتَارَ اللَّبَنَ أَصَبْتَ يَدُلُّ على أَنَّ اخْتِيَارَ الْخَمْرِ خَطَأٌ عُصِمَ منه صلى اللَّهُ عليه وسلم قلت يُؤْنَسُ فيها بِالتَّحْرِيمِ الْمُسْتَقْبَلِ وَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْغَزَالِيَّ في الْمُسْتَصْفَى عِنْدَ الْكَلَامِ في تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَشَارَ إلَى احْتِمَالٍ بِالتَّخْيِيرِ وَإِنْ لم يَتَسَاوَيَا في الرُّتْبَةِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يُنَاقِضُ جَوَازَ التَّرْكِ مُطْلَقًا أَمَّا جَوَازُهُ بِشَرْطٍ فَلَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ على التَّرَاخِي وإذا أَخَّرَ ثُمَّ مَاتَ قبل الْأَدَاءِ لم يَعْصِ إذَا أَخَّرَ مع الْعَزْمِ على الِامْتِثَالِ فَظَهَرَ أَنَّ تَرْكَهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ لَا يُنَاقِضُ الْوُجُوبَ بَلْ الْمُسَافِرُ يُخَيَّرُ بين أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا فَرْضًا وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ رَكْعَتَيْنِ وَاجِبَتَيْنِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُمَا وَلَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِ التَّرَخُّصِ ثَانِيهِمَا لَا يَرِدُ على هذا الشَّرْطِ التَّخْيِيرُ بين خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِأَنَّهَا مُخَيَّرٌ فيها وَلَيْسَ الْجَمِيعُ بِوَاجِبٍ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ أَنَّهُ ما من وَاحِدَةٍ يُمْكِنُ الْإِقْدَامُ عليها إلَّا وَتَقَعُ وَاجِبًا قال الْقَاضِي وَهَذَا مُرَادُنَا بِالتَّسَاوِي الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ مُتَمَيِّزَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بين مُتَسَاوِيَيْنِ من جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَتَخَصَّصُ أَحَدُهُمَا عن الْآخَرِ بِوَصْفٍ كما لو خُيِّرَ بين أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مع تَسَاوِيهِمَا في كل النُّعُوتِ هذا مِمَّا لَا يُدْرَكُ في حُكْمِ التَّكْلِيفِ وَإِنْ كان الْمُتَمَاثِلَانِ مُتَغَايِرَيْنِ كما أَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ مُتَغَايِرَانِ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا وَاحِدًا بِأَنْ يَتَأَتَّى الْإِتْيَانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا في وَقْتٍ وَاحِدٍ بَدَلًا عن أَغْيَارِهَا فَلَوْ ذُكِرَ لِلْمُخَاطَبِ فِعْلَانِ مُؤَقَّتَانِ بِوَقْتَيْنِ فَلَا يَكُونُ ذلك تَخَيُّرًا فإنه في وَقْتِ الْإِمْكَانِ لَا يَتَمَكَّنُ من الْفِعْلِ الثَّانِي لِيَتَنَجَّزَ وفي الثَّانِي لَا يَتَمَكَّنُ من الْأَوَّلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُ التَّخْيِيرِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذلك في وَصْفَيْنِ يَجُوزُ ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا بَدَلًا عن الثَّانِي مع تَقْدِيرِ اتِّحَادِ الْوَقْتِ هَكَذَا شَرَطَهُ الْقَاضِي وَبَنَاهُ على أَصْلِهِ في وُجُوبِ الْعَزْمِ بَدَلًا عن الْفِعْلِ وَنَازَعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ في هذا الشَّرْطِ فإنه لو قال خِطْ هذا الْقَمِيصَ يوم السَّبْتِ أو هذا الْقَبَاءَ يوم الْأَحَدِ كان تَخْيِيرًا صَحِيحًا وقد وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ في الصَّوْمِ في السَّفَرِ وقد يَقَعُ التَّخْيِيرُ بين الضِّدَّيْنِ كَقُمْ أو اُقْعُدْ أو خِلَافَيْنِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ أو مِثْلَيْنِ كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ غَدًا أو بَعْدَ غَدٍ وَزَعَمَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ لَا يَرِدُ التَّكْلِيفُ إلَّا على الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَفِيهِ نَظَرٌ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَبِهَذَا يُرَدُّ على الرَّافِعِيِّ وَصَاحِبِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ حَيْثُ جَعَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ أو الْمَسْحَ على الْخُفِّ من الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فإنه لَا يَمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ مَثَلًا بَلْ مَسْحُ الْخُفِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشُرُوطٍ وإذا لَبِسَهُ بِشَرْطِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مع دَوَامِ اللُّبْسِ التَّخْيِيرُ بَلْ وَاجِبُهُ الْمَسْحُ فَإِنْ نُزِعَ فَالْغَسْلُ وَلِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ جَوَازِ الْمَسْحِ على الْخُفِّ إلَّا أَنْ يُقَال إنَّ الرِّجْلَ تُغْسَلُ وَهِيَ في الْخُفِّ تَنْبِيهٌ مَنْعُ التَّخْيِيرِ بين الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ مَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّخْيِيرَ بين الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ قال ابن الرِّفْعَةِ وهو مَمْنُوعٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بين إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَقَصْرِهَا وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عليه مُخَيَّرٌ بين صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وهو مُخَيَّرٌ بين الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ فُرُوعٌ إذَا خُيِّرَ الْعَبْدُ بين الْأَشْيَاءِ فما عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ منه فَهُوَ مُرَادُهُ منه فَالْإِرَادَةُ مع الْعِلْمِ في قَرْنٍ قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ بِنَاءً على أَنَّ أَصْلَنَا في أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمْ هُمْ إذَا خُيِّرَ بين الْأَشْيَاءِ وَكُلُّ وَاحِدٍ منها مُرَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَوْ أتى بِالْجَمِيعِ أُثِيبَ على الْجَمِيعِ وما كان حَسَنًا كان مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ خُيِّرَ بين شَيْئَيْنِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالتَّزْوِيجِ بين الْأَكْفَاءِ وَنَصْبِ الْأَئِمَّةِ فَوَاحِدٌ مُرَادٌ وَالْجَمْعُ مَكْرُوهٌ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا تَعْيِينُ خَصْلَةٍ من خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إذَا عَيَّنَ الْمُكَلَّفُ خَصْلَةً من الْخِصَالِ هل تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فيه خِلَافٌ من الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِالْعِتْقِ في الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ هل يُعْتَبَرُ من رَأْسِ الْمَالِ أو من الثُّلُثِ ثُمَّ رَأَيْت في تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ في بَابِ النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ خَصْلَةٌ بِالنَّذْرِ لِمَا فيه من تَغْيِيرِ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الشُّرُوعُ بِخَصْلَةٍ هل يُعَيِّنُهَا لو شَرَعَ في خَصْلَةٍ هل تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ حتى لو تَرَكَهَا ثُمَّ أَرَادَ فِعْلَ غَيْرِهَا لَا يُجْزِئُهُ اعْتِبَارُ الْعَارِضِ أو لَا تَتَعَيَّنُ اسْتِصْحَابًا لِلثَّابِتِ لم أَرَ فيها أَيْضًا تَصْرِيحًا تَذْنِيبٌ إذَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ وَاحِدًا من أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ وَأَمْكَنَ التَّلْفِيقُ فَهَلْ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ منها مُبْهَمٌ أو الْوَاجِبُ من كل وَاحِدٍ جُزْءٌ لم أَرَ لِلْأُصُولِيِّينَ فيها كَلَامًا وَيُخَرَّجَ من كَلَامِ أَصْحَابِنَا في الْفُرُوعِ فيها وَجْهَانِ فإن الْوَاجِبَ شَاةٌ في أَرْبَعِينَ شَاةً وَاخْتَلَفُوا هل الْوَاجِبُ مَثَلًا جُزْءٌ من كل حَيَوَانٍ أو حَيَوَانٌ مُبْهَمٌ فيه وَجْهَانِ وَفَرَّعُوا عليه ما إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ خَرَجَ على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أو بِالثَّانِي فقال الصَّيْدَلَانِيُّ يَبْطُلُ في الْجَمِيعِ قَطْعًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ قال ابن الرِّفْعَةِ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كان النِّصَابُ مُخْتَلِفًا كما إذَا اشْتَمَلَ على كِبَارٍ وَصِغَارٍ فَالْحُكْمُ كما قال وَإِنْ كان غير مُخْتَلِفٍ لِلتَّسَاوِي في الْأَسْنَانِ وَتَقَارُبِ الصِّفَاتِ فَيَكُونُ في صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا عَدَا قَدْرَ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ فإن الْمَاوَرْدِيَّ قد ذَكَرَ هذا التَّفْصِيلَ بِعَيْنِهِ في نَظِيرِهِ وهو ما إذَا قال بِعْتُك هذه الشَّاةَ وَمِنْ نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ ما لو بَاعَهُ صَاعًا من صُبْرَةٍ مَعْلُومَةِ الصِّيعَانِ فإنه يَصِحُّ وَهَلْ يَنْزِلُ على الْإِبْهَامِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ حتى يَبْقَى الْبَيْعُ ما بَقِيَ صَاعٌ أو على الْإِشَاعَةِ وهو الْجُزْءُ الذي ذلك الصَّاعُ نِسْبَتُهُ إلَى جُمْلَةِ الصُّبْرَةِ فَيَكُونُ الْمَبِيعُ على هذا عُشْرَ الصُّبْرَةِ حتى لو تَلِفَ بَعْضُهَا تَلِفَ منه بِقَدْرِهِ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَبِهِ يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ في مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ فَائِدَةٌ مُعْظَمُ الْعِبَادَاتِ على التَّخْيِيرِ قال الْقَاضِي وَالْإِمَامُ في التَّخْلِيصِ مُعْظَمُ الْعِبَادَاتِ في الشَّرْعِ على التَّخْيِيرِ إلَّا ما شَذَّ وَنَدَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِأَيِّ مَاءٍ شَاءَ وَيُصَلِّي في أَيِّ مَكَان مع أَيٍّ لَبُوسٍ شَاءَ وَمَنْ لَزِمَهُ عِتْقٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ من أَيِّ الرِّقَابِ الْمُجْزِئَةِ وَمَنْ لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بين أَعْيَانِ الدَّرَاهِمِ تَنْبِيهٌ جَوَازُ الْجَمْعِ بين ما وَقَعَ فيه التَّخْيِيرُ ما وَقَعَ فيه التَّخْيِيرُ قد يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَقْلًا وَشَرْعًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وقد يُمْنَعُ عَقْلًا وَشَرْعًا كَالتَّأْجِيلِ وَالتَّعْجِيلِ بِمِنًى وقد يُمْكِنُ عَقْلًا لَا شَرْعًا كَالتَّزْوِيجِ من الْخَاطِبِينَ وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ عَقِيمٌ وَقَسَّمَ الصَّيْرَفِيُّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ إلَى ما يَرْجِعُ لِشَهْوَةِ الْمُكَلَّفِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ وَلَا يَجِبُ عليه مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ وَلَا لِلْمَسَاكِينِ وَإِلَى ما يَجِبُ فيه اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْمَلِينَ كَتَخْيِيرِ الْإِمَامِ في الْكَافِرِ الْأَسِيرِ بين الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالرِّقِّ وَكَأَخْذِ الصَّدَقَةِ إذَا اجْتَمَعَ بَنَاتُ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ في فَرْضِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصْلَحَ لِلْمَسَاكِينِ إذَا كان ذلك الْوَسَطُ مَالَهُ تَتِمَّةٌ وُجُوبُ الْأَشْيَاءِ قد يَكُونُ على التَّخْيِيرِ وُجُوبُ الْأَشْيَاءِ على الْمُكَلَّفِ قد يَكُونُ على التَّخْيِيرِ وقد يَكُونُ على التَّرْتِيبِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَرَامًا كَالتَّزْوِيجِ من الْكُفْأَيْنِ وقد يَكُونُ مُبَاحًا كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ بَعْدَ ثَوْبٍ وقد يَكُونُ نَدْبًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ كَذَا قَالَهُ في الْمَحْصُولِ وفي الْأَوَّلِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ من بَابِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا من الْمُخَيَّرِ نعم نَظِيرُهُ لو قال أَعْتِقْ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ وَكَذَا تَمْثِيلُهُ الثَّانِي بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّهُ أَيْضًا من الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِثَوْبٍ زَائِدٍ على الثِّيَابِ الْمُسَوَّمَةِ وَأَيْضًا فَالْمُبَاحُ لُبْسُ الثَّانِي ثُمَّ الزَّائِدُ ليس بِسَاتِرٍ لِلْعَوْرَةِ وَحُكْمُهُ بِالنَّدْبِ على الثَّالِثِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ولم نَرَ من صَرَّحَ بِهِ وقد يُسْتَدَلُّ بِالِاحْتِيَاطِ له وَبِالْقِيَاسِ على تَعْدَادِ الرِّقَابِ فِيمَنْ عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ وَيُسْتَدَلُّ لِهَذَا بِأَنَّ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها حين كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَكَانَتْ نَذَرَتْ تَرْكَ كَلَامِهِ أَعْتَقَتْ رِقَابًا كَثِيرَةً وَلَعَلَّ مُرَادَ الْإِمَامِ أَنَّ الْجَمْعَ قبل فِعْلِهِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ إذَا فَعَلَهُ بَعْدَ فِعْلِ غَيْرِهِ يَقَعُ مُسْتَحَبًّا بِنَاءً على ثَوَابِ النَّدْبِ كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ وَيَشْهَدُ له تَمْثِيلُهُمْ لِلْمُخَيَّرِ الْمُبَاحِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ بَعْدَ آخَرَ وَأَحْسَنُ من هذا أَنْ يُمَثَّلَ له بِالْجَمْعِ بين الْمَاءِ وَالْحَجَرِ في الِاسْتِنْجَاءِ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ حَرَامًا كَالْمُضْطَرِّ الْوَاجِدِ مُذَكَّاةً وَمَيْتَةً كَذَا مَثَّلَهُ في الْمَحْصُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَرَامَ إنَّمَا هو أَكْلُ الْمَيْتَةِ إذْ لَا تَدْخُلُ الْمُذَكَّاةُ في الْحُرْمَةِ وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ إنَّمَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ دَائِرَةٍ بين الْمُفْرَدَيْنِ وقد يَكُونُ مُبَاحًا وَمَثَّلَهُ في الْمَحْصُولِ بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَغَلِطَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَخْتَصُّ بِحَالِ الْعَجْزِ وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا خَافَ من اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِمَرَضٍ ولم يَنْتَهِ خَوْفُهُ إلَى الْقَطْعِ أو الظَّنِّ بِالضَّرَرِ الْمَانِعِ من جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فإنه مُبَاحٌ له التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ الْخَوْفِ وَلَا يَمْتَنِعُ الْوُضُوءُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ فإذا تَوَضَّأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ جَازَ ثُمَّ خَدَشَ فيه بِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بَطَلَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا قلت وَفِيهِ نَظَرٌ فإنه لَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ ذلك إذْ الْمُبِيحُ قَائِمٌ وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصُوَرٍ أَحَدُهَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ فإنه يُبَاحُ له التَّيَمُّمُ فَلَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ قبل الدُّخُولِ في الصَّلَاةِ أَرَادَ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشِرَاءِ الْمَاءِ وَالْوُضُوءِ بِهِ جَازَ الثَّانِيَةُ لو كان معه مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ لَاحْتَاجَ إلَى شِرَائِهِ بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِهِ فإنه يَتَخَيَّرُ بين أَنْ يَسْتَعْمِلَ ما معه في الْوُضُوءِ وَيَشْتَرِي الْمَاءَ لِلشُّرْبِ وَبَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ في هذه الْحَالَةِ ولم نُوجِبْ عليه اسْتِعْمَالَ ما معه وَشِرَاءَ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا ارْتَفَعَ سِعْرُهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ وَحَاجَتُهُ إلَى الشُّرْبِ مُقَدَّمَةٌ على الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الذي معه فَإِنْ قِيلَ إذَا تَوَضَّأَ بَطَلَ التَّيَمُّمُ إذْ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مع وُجُودِ الْمَاءِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانُهُ بَلْ التَّيَمُّمُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يُبْطِلُهُ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ إدْخَالُ عِبَادَةٍ على أُخْرَى وَهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ التَّيَمُّمُ لَا يَصِحُّ مع وُجُودِ الْمَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الذي يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ أَمَّا ما يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ معه كَهَذِهِ الصُّوَرِ التي صَوَّرْنَاهَا فَلَا وَيُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْضًا مع تَأَخُّرِ التَّيَمُّمِ في صُوَرٍ إحْدَاهَا إذَا وَجَدَ مَاءً لِلْوُضُوءِ ثُمَّ لم يُوجَدْ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ لِلْجُمُعَةِ فإنه يَتَيَمَّمُ عن الْغُسْلِ وَمِثْلُهُ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ وَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ الثَّانِيَةُ لو تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَرَادَ التَّجْدِيدَ فلم يَجِدْ مَاءً فإنه يَتَيَمَّمُ عِوَضًا عن تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ كما يَتَيَمَّمُ لِلْغُسْلِ عن الْجُمُعَةِ هذا هو الذي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ الثَّالِثَةُ ما ذَكَرَهُ ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ الْوَدَائِعِ في الْمَاءِ الْمُخْتَلَفِ في طَهُورِيَّتِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالنَّبِيذِ الذي يُجَوِّزُ أبو حَنِيفَةَ الطَّهَارَةَ بِهِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ خُرُوجًا من الْخِلَافِ الرَّابِعَةُ الرَّائِدُ لِلْجُمُعَةِ إذَا وَجَدَ ما لَا يَكْفِيهِ لِلْغُسْلِ وَيَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ وَكَذَلِكَ مَرِيدُ الْإِحْرَامِ كُلُّ التَّيَمُّمِ هَاهُنَا عن الْغُسْلِ وَهَذِهِ صُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا في الدَّوَامِ ولم يذكر صُورَةَ ما يَجِبُ فيه الْجَمْعُ بين التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ وَذَلِكَ إذَا كان بِعُضْوِهِ جِرَاحَةٌ فإنه يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ عن الْجَرِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ سَكَتَ في هذا الْقِسْمِ عن الْمَكْرُوهِ الْجَمْعِ وَالْوَاجِبِ الْجَمْعِ فَأَمَّا وُجُوبُ الْجَمْعِ مع التَّرْتِيبِ فَلَا يُمْكِنُ وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا في الْمُرَتَّبِ فَكَلَحْمِ الْجَلَّالَةِ وَالْمُذَكَّى لِلْمُضْطَرِّ فَائِدَةٌ الْفَرْقُ بين قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ الْوَاجِبُ هذا وَالْآخَرُ بَدَلٌ عن هذا كما في الْقَتْلِ الْعَمْدِ هل الْوَاجِبُ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عنه أو أَحَدُهُمَا أَنَّ الثَّانِيَ فيه تَرْتِيبٌ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْأَوَّلُ لَا تَرْتِيبَ فيه فَائِدَةُ ثَانِيَةٌ حُكِيَ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قال إذَا أَمَرَ اللَّه بِأَشْيَاءَ وَعَطَفَ بَعْضَهَا على بَعْضٍ نَظَرْت فَإِنْ بَدَأَ بِالْأَغْلَظِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْأَخَفَّ كان دَلِيلًا على التَّرْتِيبِ بِدَلِيلِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْأَخَفِّ كان دَلِيلًا على التَّخْيِيرِ بِدَلِيلِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ وقد يُورَدُ عليه كَفَّارَةُ قَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهَا مَبْدُوءَةٌ بِالْأَغْلَظِ وهو إيجَابُ مِثْلِ الصَّيْدِ مع أنها لِلتَّخْيِيرِ نعم حَكَى أبو ثَوْرٍ عن الشَّافِعِيِّ أنها على التَّرْتِيبِ لِأَنَّ كَفَّارَاتِ النُّفُوسِ لَا تَخْيِيرَ فيها كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ وقال أبو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ في تَفْسِيرِهِ كَلِمَةُ أو مَتَى ذُكِرَتْ بين الْأَجْزِيَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَسْبَابِ فَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ كَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَإِلَّا فَلِلتَّخْيِيرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ كُلُّ شَيْءٍ في الْقُرْآنِ فيه أو فَهُوَ على التَّخْيِيرِ قال ابن جُرَيْجٍ إلَّا قَوْله تَعَالَى إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَيْسَ بِمُخَيِّرٍ فيها قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبِمَا قال ابن جُرَيْجٍ أَقُولُ أَيْ إنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ بَلْ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحُرْمَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ فإن أَصَحَّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَخَيَّرُ في ذلك بِنَاءً على أَنَّ أو فيه لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ أَيْ صَاعًا من تَمْرٍ إنْ كان غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ أو من شَعِيرٍ إنْ كان غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ تَنْبِيهٌ تَمْثِيلُ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِآيَةِ الْكَفَّارَةِ اسْتَشْكَلَ الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى تَمْثِيلَ الْأَئِمَّةِ لِلْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِآيَةِ الْكَفَّارَةِ من جِهَةِ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ نَصُّوا على أَنَّ أو تَكُونُ في الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وفي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلتَّخْيِيرِ أو لِلْإِبَاحَةِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا إذَا فَعَلَ الْمَأْمُورَ الْفِعْلَيْنِ في التَّخْيِيرِ كان عَاصِيًا وإذا فَعَلَهُمَا أو أَحَدَهُمَا في الْإِبَاحَةِ كان مُطِيعًا قال فَالشَّائِعُ في اللُّغَةِ أَنْ تُسَمَّى الْكَفَّارَةُ وَاجِبًا مُبَاحَةٌ أَنْوَاعُهُ لَا وَاجِبَ مُخَيَّرٍ في أَنْوَاعِهِ وَهَذَا السُّؤَالُ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْبَسِيطِ عن النَّحْوِيِّينَ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا في الْمَحْظُورِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْآخَرُ يَبْقَى مَحْظُورًا لَا يَجُوزُ له فِعْلُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَا عَدَا الْوَاجِبِ تَبَرُّعًا وَلَا يُمْنَعُ من التَّبَرُّعِ وَالْأَحْسَنُ في الْجَوَابِ أَنَّ الْمَمْنُوعَ منه في الْجَمْعِ الْإِتْيَانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ على أَنَّهُ الْوَاجِبُ أَمَّا لو أتى بِالْجَمِيعِ لَا على هذا الْمَعْنَى فَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا وَأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ في وَاحِدٍ منها وَجَوَازُ غَيْرِهَا إنَّمَا هو بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ حتى لو لم يَكُنْ مُبَاحًا لم يَجُزْ كما إذَا قال بِعْ هذا الْعَبْدَ أو ذَاكَ فَائِدَةٌ الْأَبْدَالُ تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في الْقَوَاعِدِ الْأَبْدَالُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ في وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بها إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلَاتِهَا في بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْيَانِ بها وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا في الْأَجْرِ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْأَجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ وَلَيْسَ الصَّوْمُ في الْكَفَّارَةِ كَالْإِعْتَاقِ وَلَا الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ كما أَنَّهُ ليس التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ إذْ لو تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ لَمَا شُرِطَ في الِانْتِقَالِ إلَى الْأَبْدَالِ فَقْدُ الْمُبْدَلَاتِ ا هـ وهو حَسَنٌ وَيَرِدُ عليه أُمُورٌ منها الْجُمُعَةُ بَدَلٌ من الظُّهْرِ على رَأْيٍ مع أَنَّ حُكْمَهَا على عَكْسِ ما ذُكِرَ من اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ فإنه هُنَا أَعْنِي الْجُمُعَةَ لَا تُعْدَلُ إلَى الْبَدَلِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ فَمَنْ لَازَمَهُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ هَاهُنَا أَفْضَلَ من الْمُبْدَلِ فإنه إنَّمَا يَعْدِلُ من شَيْءٍ إلَى آخَرَ لِلْأَفْضَلِيَّةِ غَالِبًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ على ما إذَا كان سَبَبُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُتَّحِدًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ أو على الْغَالِبِ أو على ما إذَا كان الْبَدَلُ أَخَصَّ من الْمُبْدَلِ كَالتَّيَمُّمِ مع الْوُضُوءِ ثُمَّ الْمَسْحُ على الْخُفِّ قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ من غَسْلِ الرِّجْلِ وقال الرَّافِعِيُّ الْوَاجِبُ على الْمُكَلَّفِ في الْوُضُوءِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْغَسْلُ أو الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَالْحَقُّ خِلَافُهُ كما سَبَقَ في شُرُوطِ التَّخْيِيرِ مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عن وَقْتِهِ وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ على وَقْتِهِ فَإِنْ كان الْغَرَضُ منه إيقَاعَ الْفِعْلِ جَمِيعِهِ في الزَّمَنِ الذي لَا يَسَعُهُ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ يُجَوِّزُهُ من يُجَوِّزُهُ وَيَمْنَعُهُ من يَمْنَعُهُ وَإِنْ كان الْغَرَضُ أَنْ يَبْتَدِئَ في ذلك الْوَقْتِ وَيُتِمَّ بَعْدَهُ أو أَنْ يَتَرَتَّبَ في ذِمَّتِهِ وَيَفْعَلَهُ كُلَّهُ بَعْدَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ كَإِيجَابِ الظُّهْرِ على من زَالَ عُذْرُهُ آخِرَ الْوَقْتِ فَأَدْرَكَ قَدْرَ رَكْعَةٍ من آخِرِهِ وَكَذَا تَكْبِيرَةٌ على الْأَظْهَرِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ قَدْرَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ وَيُسَمَّى بِالْمِعْيَارِ كَالصَّوْمِ الْمُعَلَّقِ بِمَا بين طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَكَوَقْتِ الْمَغْرِبِ على الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وَكَمَا لو اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِلْعَمَلِ فيه وَهَذَا لَا نِزَاعَ فيه الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ التَّسَاوِيَ إلَى ما يَكُونُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَإِلَى ما لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَضَائِهِ وَأَثْبَتُوا من الْأَقْسَامِ ما لَا يُعْلَمُ زِيَادَتُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ وهو الْوَاجِبُ الْمُشْكِلُ كَالْحَجِّ وَإِمَّا نَاقِصٌ عنه كَالصَّلَاةِ وَيُسَمَّى الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وقد اُخْتُلِفَ فيه فَمِنْهُمْ من أَنْكَرَهُ وَمِنْهُمْ من اعْتَرَفَ بِهِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ وَالْإِشْكَالُ فيه وفي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ سَوَاءٌ إذْ لِأَجْلِهِ أَنْكَرَهُ من أَنْكَرَهُ هُنَا وهو أَنَّ الْوُجُوبَ يَلْزَمُهُ الْمَنْعُ من التَّرْكِ وَكُلُّ جُزْءٍ من أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عن الْفِعْلِ وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ وَحَلُّ الْإِشْكَالِ فِيهِمَا أَنْ يُقَالَ كُلُّ فَرْدٍ من هذه الْأَفْرَادِ أَعْنِي من أَفْرَادِ الْوَقْتِ وَأَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ له جِهَةُ عُمُومٍ وهو كَوْنُهُ أَحَدَ هذه الْأَشْيَاءِ وَجِهَةُ خُصُوصٍ وهو ما بِهِ يَتَمَيَّزُ عن غَيْرِهِ وَمُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ جِهَةُ الْعُمُومِ وَتِلْكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِوَجْهٍ فإنه إنَّمَا يُتْرَكُ في الْمُوَسَّعِ بِإِخْلَاءِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ عن الْعِبَادَةِ وفي الْمُخَيَّرِ تَرْكُ كل فَرْدٍ من الْأَفْرَادِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فلم يُوجَدْ الْمُنَافِي لِلْوُجُوبِ فَهُوَ جَائِزُ التَّرْكِ فِيمَا جَعَلْنَاهُ مُتَعَلَّقَ الْوُجُوبِ أَمَّا جِهَةُ الْخُصُوصِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِجَوَازِ تَرْكِهَا إلَى غَيْرِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ في الْمَسْأَلَتَيْنِ جميعا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَلِأَجْلِ هذا الْإِشْكَالِ اضْطَرَبَ الْمُحَصِّلُونَ في الْجَوَابِ عنه فَقِيلَ إنَّمَا يَعْصِي بِتَفْوِيتِهِ وَلَا تَفْوِيتَ إلَّا بِالْمَوْتِ وَالزَّمَانُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ وَالْوَاجِبُ لَا يُنْسَبُ إلَى زَمَانٍ كما إذَا لم يَكُنْ مُقَيَّدًا وَقِيلَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى بَدَلٍ وهو الْعَزْمُ على فِعْلِهِ في الثَّانِي فَقِيلَ لهم الْعَزْمُ نَتِيجَةُ الِاعْتِقَادِ ضَرُورَةً لَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَقِيلَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَلَا يُتَخَيَّلُ ذلك مع التَّمَكُّنِ ا هـ إذَا عَرَفْت هذا فقال الْجُمْهُورُ إنَّ الْمُوَسَّعَ مَوْجُودٌ وَالْوَقْتُ جَمِيعُهُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ على مَعْنًى في أَيِّ جُزْءٍ منه أَوْقَعَهُ تَأَدَّى الْوَاجِبُ وَجَوَّزُوا التَّأْخِيرَ عن أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَضِيقَ أو يَغْلِبَ على ظَنٍّ فَوَاتُهُ بَعْدَهُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هذا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَذَهَبَ إلَيْهِ من أَهْلِ الرَّأْيِ محمد بن شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ ا هـ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن أبي زَيْدٍ منهم أَيْضًا وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي شُجَاعٍ وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ الْجِبَائِيَّيْنِ وَأَصْحَابِنَا وَوَجْهُ هذا الْقَوْلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ لِأَنَّ ذلك من وَضْعِ الشَّارِعِ وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ الِارْتِفَاقُ فيه كما في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبِ أَحَدُهَا وَلَا يَتَعَيَّنُ منها شَيْءٌ بِتَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ نَصًّا وَلَا قَصْدًا بِأَنْ يَنْوِيَهُ بَلْ يَخْتَارُ أَيَّهَا شَاءَ فَيَفْعَلُهُ فَيَصِيرُ هو الْوَاجِبَ جواز ترك الواجب الموسع أول الوقت وهؤلاء المعترفون بالواجب الموسع اختلفوا في جواز تركه أول الوقت بلا بدل مع اتفاقهم على أنه يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء كان فقال جمهور الفقهاء لا يشترط البدل ولا يعصي حتى يخلو الوقت كله عنه العزم على الفعل وجمهور المتكلمين على أنه لا يجوز تركه إلى بدل وهو العزم على الفعل في ثاني الحال وإذا تضيق الوقت تعين الفعل حتى يتميز بذلك الواجب عن فعل النفل فلو مات في أثناء الوقت مع العزم لم يعص وهذا ما صار إليه الأستاذ أبو بكر بن فورك والقاضي أبو بكر ونقله عن المحققين ونقله صاحب الواضح عن أبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار المعتزليين وحكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى وأنكره الباقون كأبي الحسين البصري واختاره الآمدي والبصري فقالوا لا حاجة إلى العزم بل يجوز التأخير بدونه وهما وجهان لأصحابنا حكاهما القاضيان الطبري والماوردي وغيرهما والصحيح منهما كما قاله النووي وجوب العزم ولهذا أوجبوه على المسافر في جمع التأخير ونظير هذا المديون لا يجب عليه الأداء ما لم يطالب ويجب عليه العزم على أدائه عند المطالبة وممن أنكر العزم على القاضي إمام الحرمين لتخيله أمرين نسبهما إليه أحدهما أنه ظن أنه أخذ العزم من الصيغة ولا ظهور له منها فإذا كان يتوقف فيما لم يظهر قاطع فيه على أحد المحتملين فكيف لا يتوقف فيما لم يظهر له فيه احتمال وثانيهما أنه ظن أنه جعل العزم بدلا من نفس الفعل حتى إذا وجب العزم سقط وجوب نفس الفعل وليس كذلك فإنما أخذ القاضي العزم من دليل العقل الذي هو أقوى من دليل الصيغة من جهة أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب والعزم عنده بدل من تقديم الفعل الواجب فإذا عزم فقد سقط وجوب التقديم لا بدل من نفس الفعل وكذا أنكره الإمام أبو نصر بن القشيري قال ولعله يقول حكم العزم الأول ينسحب على جميع الأوقات فلا يجب تذكره في كل حال كالنية في الصلاة قال وعنده أن دليل العزم لا يتلقى من اللفظ بل من دليل آخر وهو خروج عظيم وأدنى ما فيه التزام أمر لم يشعر به اللفظ قال ومن عجيب الأمر توقف القاضي في صيغة افعل إذا وردت على التردد ثم التزام إثبات العزم الذي ليس في اللفظ إشعار به ثم إنه وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا على التعيين قال وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت إلا تيقن الامتثال فيه وأطنب إلكيا الهراسي في تزييف القول بالعزم وقال يجب طرحه وقال القاضي أبو الطيب لم يذكره أصحابنا المتقدمون ولا يحفظ عن الشافعي واختار الغزالي طريقة وسطى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك فلا يجب عليه العزم وبين من خطر بباله الفعل والترك فهذا وإن لم يعزم على الفعل عزم على الترك ضرورة فيجب عليه العزم على الفعل واستحسنه القرافي في قواعده وهو في الحقيقة راجع لمذهب القاضي إذ ليس لنا قائل بوجوب العزم مع الغفلة لأنه محال وقال المازري لما كان القاضي وابن فورك يريان أن من مات في أثناء الوقت قبل الفعل لا يأثم ألزموا الجمع بين إباحة الشيء والتأثيم منه لأنا نجوز له التأخير فكيف نؤثمه اعتذر عن هذا الإلزام بأن أثبتوا العزم على إيقاع الفعل بدلا من تقديم إيقاعه ورأوا أن التأخير لم يسقط وجوبه إلا بإثبات عوض منه وهو العزم فأشبه تخيير الحانث بين الإطعام والكسوة فإن الإطعام وإن لم نؤثمه في تركه إذا لم يفعله وعوض عنه الكسوة لم يخرج عن حقيقة الوجوب ألبتة وإنما يسقط إلى بدل وأنكر إمام الحرمين إثبات العزم هنا ولم يره انفصالا عن الإلزام قال المازري وكان دار بيني وبين الشيخ أبي الحسن اللخمي في هذا مقال فإنه أنكر إيجاب العزم واستبعده كما استبعده الإمام فلم يكن إلا قليلا حتى قرأ القارئ في البخاري حديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما الحديث وفيه تعليل النبي صلى الله عليه وسلم بكون المقتول في النار لكونه حريصا على قتل صاحبه فقلت هذا يدل للقاضي فلم يجب بغير الاستبعاد وذكر الإمام عن القاضي أنه يقول بالعزم وتردد المكلف بين العزم والفعل كل وقت إلى آخر زمن الإمكان ثم قال ولا يظن بهذا الرجل العظيم يعني القاضي أنه يوجب العزم تكريرا وإنما يراه يجب مرة واحدة ويستحب حالة هذه الأزمنة كالنية المنسحب حكمها من أول العبادة على أثنائها وهذا خلاف ما حكي عنه أولا ا هـ والقائلون بالعزم اختلفوا فقيل هو بدل من نفس الفعل الذي هو الصلاة وغيرها وهو قول الجبائي واقتصر عليه الشيخ في اللمع لأن الواجب لا يجوز تركه وقيل إنما وجب ليتميز الواجب عن غيره واختاره القاضي أبو الطيب لأن العزم لو كان بدلا لسقط به الوجوب وقيل هو بدل من فعلها أول الوقت لا من فعلها لأنه لو كان بدلا منها لسقطت قالوا ومعنى قولنا إنه بدل من فعلها في أول الوقت الأول أنه بدل من فعل لو وقع لبرئت ذمته وهو غير الفعل الذي يقع من بعد حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص في الكلام على أن الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو التراخي وقال أبو الحسين في المعتمد المثبتون للبدل اختلفوا هل هو من فعل الله سبحانه أو من فعلنا فقال أبو علي وأبو هاشم إن بدل الصلاة أول الوقت ووسطه هو العزم على أدائها في المستقبل وقال بعض أصحابنا إن لها في أول الوقت ووسطه بدلا يفعله الله سبحانه يقوم مقام الصلاة وهو ضعيف لأنه يلزم عنه أن لا يحسن لتكليف الصلاة من يعلم الله أنه يخترم في الوقت لأنه يقوم فعل الله سبحانه مقام فعله في المصلحة الحاصلة قبل خروج الوقت فلو كلفه الصلاة لكان إنما كلفه بمجرد الثواب فقط واعلم أن أصحابنا اتفقوا في الأمر المطلق على وجوب العزم عند ورود الأمر وكأن الفرق أن المقيد بوقت موسع لما كان آخر وقته معلوما بأن ذلك مع اعتقاد وجوبه ينافي العزم على الفعل بخلاف الأمر المطلق فإن العزم فيه ينوب مناب تعجيل الفعل وتعيين الوقت ذكره بعض شراح اللمع الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فَاخْتَلَفُوا على خَمْسَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنْ أُخِّرَ عنه فَقَضَاءٌ غير أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ وَحَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ عن بَعْضِ الناس وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا الْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ وَالْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ فلم يَنْفَرِدْ إذَنْ بِنَقْلِهِ كما زَعَمَ بَعْضُهُمْ حتى قال السُّبْكِيُّ سَأَلْت ابْنَ الرِّفْعَةِ وهو أَوْحَدُ الشَّافِعِيَّةِ في زَمَانِهِ فقال تَتَبَّعْت هذا في كُتُبِ الْمَذْهَبِ فلم أَجِدْهُ وقال ابن التِّلِمْسَانِيِّ هذا لَا يُعْرَفُ في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَعَلَّ من عَزَاهُ إلَيْهِمْ الْتَبَسَ عليه بِوَجْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ وهو أَنَّ الذي يَفْضُلُ فِيمَا زَادَ على صَلَاةِ جِبْرِيلَ في الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ يَكُونُ قَضَاءً انْتَهَى وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَهُ مُوَسَّعٌ وَمِنْهُمْ من أَخَذَهُ من تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ على الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ هذا تَضْيِيقٌ وَمِنْهُمْ من أَخَذَهُ من قَوْلِهِمْ تَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ فَظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ فَوَقَعَ الِالْتِبَاسُ في الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وَقِيلَ بَلْ أَخَذَهُ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا من عَفْوِهِ وَقِيلَ بَلْ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ في الْخَامِسِ في كِتَابِ الْحَجِّ نُقِلَ عن بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَعْضِ من يُفْتِي أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عن أَوَّلِ وَقْتِهَا يُصَيِّرُهَا قَضَاءً وَتَأْخِيرَ الْحَجِّ وما أَشْبَهَهُ وَهَذَا الْأَخْذُ فَاسِدٌ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يقول إنَّ الْوَقْتَ يَخْرُجُ وَيَصِيرُ قَضَاءً بَعْدَ أَوَّلِهِ كما نَقَلَ الْإِمَامُ بَلْ إنَّهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَلْزَمُ من الْعِصْيَانِ خُرُوجُ الْوَقْتِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هذا الْقَائِلَ يقول بِالتَّأْثِيمِ إذَا أَخَّرَهُ عن أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ نَقَلَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ على أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ عن أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عن هذا الْقَوْلِ أَنَّهُ في آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَ الْأَدَاءِ وما نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَثْبَتُ لَكِنْ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ أُخِّرَتْ كانت قَضَاءً قال وَهَذَا الْقَائِلُ يُجَوِّزُ التَّأْخِيرَ قال وقد نُقِلَ عن مَالِكِ بن أَنَسٍ قَرِيبٌ من ذلك في الْحَجِّ وَجُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعُمُرِ وَرَأَى مِثْلَ ذلك في الصَّلَاةِ ا هـ قال ابن الْقُشَيْرِيّ هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عنه وَالثَّانِي أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَأَوَّلُهُ سَبَبٌ لِلْجَوَازِ وهو ما مَالَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الرَّأْيِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن بَعْضِهِمْ وَهَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَنَقَلَهُ في الْمُعْتَمَدِ عن أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ من الْعِرَاقِيِّينَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ أَنَّ عليه أَكْثَرَ الْحَنَفِيَّةِ فإنه حَكَى الْقَوْلَ بِالتَّوْسِعَةِ عن مُحَمَّدِ بن شُجَاعٍ ثُمَّ قال وقال غَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا إنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِهِ وَإِنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ لم يَجِبْ عليه غَيْرُهُ ثُمَّ قال وَاَلَّذِي حَصَّلْنَاهُ عن شَيْخِنَا أبي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْوَقْتَ جَمِيعَهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ فيه بِأَحَدِ وَقْتَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ بِالْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فيه لِلصَّلَاةِ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ في أُصُولِهِ نُقِلَ عن ابْنِ شُجَاعٍ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ جُزْءٍ من الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وهو الصَّحِيحُ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ يُنْكِرُونَ هذا وَيَقُولُونَ الْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ في أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ بِدَلِيلِ ما لو حَاضَتْ في آخِرِ الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ ا هـ وَنَصَّ الدَّبُوسِيُّ في تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ على الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ وَأَبْطَلَ الْقَوْلَ بِتَعَلُّقِهِ بِآخِرِهِ وقال شَارِحُ الْهِدَايَةِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ وفي أَوَّلِهِ نَافِلَةٌ قَوْلٌ ضَعِيفٌ نُقِلَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ مَنْقُولًا عن أبي حَنِيفَةَ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ا هـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَذْهَبِنَا وَأَنَّ هذا الْقَوْلَ يُرْوَى عن بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِهِ فِيمَا لو فَعَلَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَقِيلَ تَقَعُ وَاجِبَةً بِكُلِّ حَالٍ فَعَلَى هذا تَجِبُ الصَّلَاةُ إمَّا بِفِعْلِهَا أو بِمَجِيءِ آخِرِ الْوَقْتِ وَقِيلَ تَقَعُ نَافِلَةً بِكُلِّ حَالٍ إلَّا أنها تَمْنَعُ من وُجُوبِ الصَّلَاةِ عليه في آخِرِ الْوَقْتِ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ عِنْدَنَا وَقِيلَ يُرَاعَى فَإِنْ لَحِقَ آخِرَهُ وهو بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ كان فَرْضًا وَإِلَّا فَلَا حَكَى الثَّلَاثَةَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْأَخِيرَيْنِ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ منهم وقال الْقَاضِي عن الثَّالِثِ إنَّهُ الذي عَوَّلَ عليه الدَّهْمَاءُ من أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ منه قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ وَالرَّابِعُ كَذَلِكَ وَآخِرِهِ إذَا بَقِيَ قَدْرُ صَلَاةٍ فَإِنْ عَجَّلَ فَنَفْلٌ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْخَامِسُ أَنَّهُ إنْ كان مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ وَاجِبًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ نُقِلَ عن الْكَرْخِيِّ وَعِنْدَهُ الصَّلَاةُ في أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا تُوصَفُ بِالنَّفْلِ وَلَا الْفَرْضِ وهو نَظِيرُ وَجْهٍ عِنْدَنَا في الْمُعَادَةِ أَنَّهُ يَنْوِي بها فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَالسَّادِسُ أَنَّهُ إنْ كان مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ كان ما فَعَلَهُ مُسْقِطًا لِلْفَرْضِ تَعْجِيلًا نَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَالسَّابِعُ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ وَقْتًا تَعَيَّنَ إلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ فَيَتَعَيَّنَ بِالتَّضْيِيقِ وهو مَذْهَبُ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنه أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُخْتَصًّا بِالْجُزْءِ الذي يَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَآخِرُ الْوَقْتِ الذي يَسَعُ الْفِعْلَ وَلَا يَفْضُلُ عنه وَحَكَاهُ أبو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ عن الْكَرْخِيِّ وَادَّعَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وهو لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ كُلُّ جُزْءٍ من الْوَقْتِ على الْبَدَلِ إنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِلَّا فَآخِرُهُ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْوَقْتِ سَبَبًا وَإِلَّا لَزِمَ الْوُجُوبُ بَعْدَهُ وقال وَإِنَّمَا عَدَدْت هذه الْفِرْقَةَ من الْمُنْكِرِينَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مع قَوْلِهِمْ إنَّ الصَّلَاةَ مَهْمَا أُدِّيَتْ في الْوَقْتِ كانت وَاجِبَةً وَأَدَاءً لِأَنَّهُمْ لم يُجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ فَاضِلًا عن الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْقَائِلِينَ بِهِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ ذلك وَالثَّامِنُ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِجُزْءٍ من الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كما تَعَلَّقَ في الْكَفَّارَاتِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَتَأَدَّى الْوُجُوبُ فِيهِمَا بِالْغَيْرِ حَكَاهُ الْمَجْدُ بن تَيْمِيَّةَ عن بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ قال وهو أَصَحُّ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا في الْكَفَّارَاتِ فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا عليه وَالتَّاسِعُ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ من الْوَقْتِ له حَظٌّ في الْوُجُوبِ وَلَا نَقُولُ وَجَبَ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ حتى لو أَدْرَكَ جَمِيعَ الْوَقْتِ نَقُولُ وَجَبَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ وَهَذَا كَالْقِيَامِ يَجِبُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ فَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فَالْكُلُّ وَاجِبٌ قال وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ تَتِمَّاتُ الْأُولَى هل يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ حَيْثُ قُلْنَا بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فَهَلْ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ فيه بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ أو لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ فيه مَذْهَبَانِ الْأَوَّلُ هو أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالثَّانِي قَوْلُ أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَحُكِيَ نَحْوُهُ عن أبي حَنِيفَةَ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مَذْهَبُنَا أنها تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَكَذَا قال الدَّارِمِيُّ في الِاسْتِذْكَارِ تَجِبُ عِنْدَنَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِقَدْرِ فِعْلِهَا وَكَذَا قال غَيْرُهُمَا من الْأَصْحَابِ وَحَكَوْا معه وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ قبل إمْكَانِ الْأَدَاءِ إلْحَاقًا لِأَوَّلِ الْوَقْتِ بِآخِرِهِ وهو قَوْلُ أبي يحيى الْبَلْخِيّ من أَصْحَابِنَا وَخَطَّئُوهُ بِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ في آخِرِ الْوَقْتِ دُونَ أَوَّلِهِ وَالثَّانِي لَا يَسْتَقِرُّ حتى يُدْرِكَ مع الْوَقْتِ أَدَاءَ جُزْءٍ وهو قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قالوا لِأَنَّهُ لو اسْتَقَرَّ فَرْضُهَا في أَوَّلِ الْوَقْتِ بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ لم يَجُزْ أَنْ يَقْصُرَهَا إذَا سَافَرَ في آخِرِ وَقْتِهَا لِاسْتِقْرَارِ فَرْضِهَا فلما جَازَ له الْقَصْرُ دَلَّ على أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِآخِرِ الْوَقْتِ قال الْأَصْحَابُ وَلَيْسَ جَوَازُ الْقَصْرِ آخِرَ الْوَقْتِ دَلِيلًا على أَنَّ الْفَرْضَ لم يَسْتَقِرَّ لِأَنَّ الْقَصْرَ من صِفَاتِ الْأَدَاءِ قالوا وَهَذَا من ابْنِ سُرَيْجٍ رُجُوعٌ إلَى مَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ في وُجُوبِهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ الثَّانِيَةُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِآخِرِ الْوَقْتِ يُجَوِّزُونَ فِعْلَهُ أَوَّلَهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في تَسْمِيَتِهِ وَاجِبًا وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في حُكْمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عن أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ إلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ على الصَّحِيحِ وَالثَّانِي أَنَّ الْفِعْلَ إذَا كان مِمَّا يَجِبُ قَضَاؤُهُ فإذا مَضَى من أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ مِقْدَارُ زَمَنِ الْإِمْكَانِ ثُمَّ زَالَ التَّكْلِيفُ بِجُنُونٍ أو حَيْضٍ أو غَيْرِهِ حتى فَاتَ وَقْتُهُ وَجَبَ قَضَاؤُهُ على قَوْلِنَا وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ على قَوْلِهِمْ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ قد يَكُونُ مَحْدُودًا وقد يَكُونُ وَقْتُهُ الْعُمُرَ إذَا أَثْبَتْنَا الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فَقَدْ يَكُونُ مَحْدُودًا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ كَالصَّلَاةِ وقد يَكُونُ وَقْتُهُ الْعُمُرَ كَالْحَجِّ وَقَضَاءِ الْفَائِتِ من الصَّلَاةِ بِعُذْرٍ فإنه على التَّرَاخِي على الصَّحِيحِ وَسَمَّوْهُ الْحَنَفِيَّةُ الْمُشَكِّكَ لِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا من الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ وَمِنْ الصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّنَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يَقَعُ فيها إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُسَمَّى مُوَسَّعًا بِالْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ ليس له وَقْتٌ مَنْصُوصٌ عليه وَالتَّوْسِيعُ وَالتَّضْيِيقُ إنَّمَا يَكُونَانِ في الْوَقْتِ وَلَكِنْ جَرَيْنَا في هذا التَّقْسِيمِ على عِبَارَةِ الْجُمْهُورِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَيَتَضَيَّقُ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالِانْتِهَاءِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَفْضُلُ زَمَانُهُ عنه وَثَانِيهِمَا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لِعَدَمِ الْبَقَاءِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فإنه مَهْمَا غَلَبَ ذلك على ظَنِّهِ يَجِبُ عليه الْفِعْلُ قَبْلَهُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَعْصِي فيه بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا بِخُرُوجِ وَقْتِهِ وَالثَّانِي بِتَأْخِيرِهِ عن وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ بَعْدَهُ كَالْمُوَسَّعِ بِالْعُمُرِ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الِاتِّفَاقُ على عِصْيَانِهِ في هذه الْحَالَةِ سَوَاءٌ بَقِيَ بَعْدُ أَمْ لَا وَلَوْ مَاتَ في أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لم يَعْصِ على الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَعْصِي قال في الْمُسْتَصْفَى وهو خِلَافُ إجْمَاعِ السَّلَفِ قال بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وقد جَازَ له التَّأْخِيرُ فَإِنْ قال جَازَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ قُلْنَا مُحَالٌ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عنه وَأَمَّا الثَّانِي وهو في الْمُوَسَّعِ في الْعُمُرِ فَيَعْصِي فيه بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالتَّأْخِيرِ عن وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ بَعْدَهُ وَالثَّانِي بِالْمَوْتِ على الصَّحِيحِ سَوَاءٌ غَلَبَ على ظَنِّهِ قبل ذلك الْبَقَاءُ أَمْ لَا لِأَنَّ التَّأْخِيرَ له مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وهو مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ عنه مَسْتُورَةٌ وَالثَّانِي لَا يَمُوتُ عَاصِيًا وهو أَشْكَلُ مِمَّا قَبْلَهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ فيه بين الشَّيْخِ فَيَعْصِي وَالشَّابُّ فَلَا وهو اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَرَفْعُ الْإِشْكَالِ عنه سَنَذْكُرُهُ وَهَذَا الْقِسْمُ يُخَالِفُ ما قَبْلَهُ فإن الْمَوْتَ في أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي بِهِ على الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ بِأَنَّ بِالْمَوْتِ خَرَجَ وَقْتُ الْحَجِّ وَبِالْمَوْتِ في أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لم يَخْرُجْ وَقْتُهَا وَنَظِيرُ الْحَجِّ أَنْ يَمُوتَ آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فإنه يَعْصِي بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وإذا قُلْنَا يَعْصِي فَلَهُ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَعْزِمَ على الْفِعْلِ فَإِنْ عَزَمَ عليه وَمَاتَ في أَثْنَائِهِ فَلَا يَعْصِي بِالْإِجْمَاعِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَصْفَى وَالْآمِدِيَّ قال الْغَزَالِيُّ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْثِمُونَ من مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ مِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ من وَقْتِ الزَّوَالِ وَكَانُوا لَا يَنْسُبُونَهُ إلَى تَقْصِيرٍ لَا سِيَّمَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَنَهَضَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَاتَ في الطَّرِيقِ بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وقد جُوِّزَ له التَّأْخِيرُ في فِعْلِ ما يَجُوزُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَعْصِيَتِهِ انْتَهَى وَالثَّانِي أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ إمْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِنْ مَاتَ قبل الْإِمْكَانِ لم يَعْصِ بِلَا خِلَافٍ نعم حَكَوْا عن أبي يحيى الْبَلْخِيّ من أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا وَلَيْسَ إمْكَانُ الْأَدَاءِ مُعْتَبَرًا وَلَعَلَّهُ يَقْرَبُ من التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وقد اسْتَصْعَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصْفَ الصَّلَاةِ بِالْوُجُوبِ في أَوَّلِ الْوَقْتِ مع الْقَوْلِ بِأَنَّ من مَاتَ في أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي فإنه يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ وقال لَا مَعْنَى له إلَّا على تَأْوِيلٍ وهو أنها لو أُقِيمَتْ لَوَقَعَتْ على مَرْتَبَةِ الْوَاجِبَاتِ وَرَدَّهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وقال التَّأْخِيرُ على هذا الْوَجْهِ ليس فيه تَفْوِيتُ الْمَأْمُورِ بِهِ فإذا مَاتَ بَغْتَةً فَهُوَ غَيْرُ مُفَوِّتٍ له لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَّرَ من وَقْتٍ إلَى مِثْلِهِ وَهَذَا لَا يُعَدُّ تَفْوِيتًا لِأَنَّهُ فَعَلَ ما كان مُطِيقًا له إلَّا أَنَّهُ صَارَ فَائِتًا بِمَعْنًى من قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا من قِبَلِ الْعَبْدِ فلم يَجُزْ وَصْفُهُ بِالْعِصْيَانِ وَهَذَا كَالْأَمْرِ الْمُضَيَّقِ إذَا لم تُسَاعِدْهُ الْحَيَاةُ في ذِمَّتِهِ وَزَعَمَ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ أَنَّ الْمُوَسَّعَ بِالْعُمُرِ إنَّمَا يَتَضَيَّقُ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وهو التَّأْخِيرُ عن وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ فيه قال وَلَوْ لم نَقُلْ بِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ أَبَدًا وهو بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حَقِيقَةَ الْوُجُوبِ وَإِمَّا إلَى زَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وهو بَاطِلٌ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ فلم يَبْقَ إلَّا أَنْ نَقُولَ يَجُوزُ له التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبْقَى سَوَاءٌ بَقِيَ أَمْ لَا وإذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَصَى بِالتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ مَاتَ أَمْ لَا وَهَذَا الذي قَالَهُ قَوْلٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْصِي بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ غَلَبَ على ظَنِّهِ الْبَقَاءُ أَمْ لَا وَلَا يَلْزَمُهُ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ لِأَنَّهُ كان يُمْكِنُهُ الْمُبَادَرَةُ فَالتَّمْكِينُ مَوْجُودٌ وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ الْجَوَازِ وَالْوُجُوبُ مُحَقَّقٌ مع التَّمَكُّنِ فَيَعْصِي وَيَكُونُ التَّأْخِيرُ له ظَاهِرًا وَبَاطِنًا على رَأْيِ الْإِمَامِ وَظَاهِرًا فَقَطْ على رَأْيِ الْفُقَهَاءِ وَالْبَاطِنُ مَجْهُولُ الْحَالِ وإذا قُلْنَا بِالْعِصْيَانِ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ ذلك من أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ أو من آخِرِهَا أو لَا يُضَافُ إلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا الثَّانِي وَغَلِطَ الْمُقْتَرِحُ في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ حَيْثُ قال وَتَوَهَّمَ الْإِمَامُ أَنَّ من مَاتَ ولم يَحُجَّ انْبَسَطَتْ الْمَعْصِيَةُ على جَمِيعِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَأَنَّهُ عَاصٍ في كل زَمَنٍ ولم يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا يَعْصِي بِتَرْكِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ انْتَهَى بَقِيَ الْإِشْكَالُ في قَوْلِهِمْ جَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَأَنَّ ذلك رَبْطٌ لِلتَّكْلِيفِ بِمَجْهُولٍ قال ابن الْقُشَيْرِيّ هذا هَوَسٌ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ جَهَالَةٌ تَمْنَعُ فَهْمَ الْخِطَابِ أو إمْكَانَ الِامْتِثَالِ فَأَمَّا تَكْلِيفُهُ الْمَرْءَ شيئا مع تَقْدِيرِ عُمُرِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَتَنْبِيهُهُ أَنَّهُ إذَا امْتَثَلَهُ خَرَجَ عن الْعُهْدَةِ وَإِنْ أُخْلِيَ الْعُمُرُ منه تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ فَلَا اسْتِحَالَةَ فيه وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ مُتَعَلَّقُ الْجَوَازِ وَالْجَوَازُ ليس بِتَكْلِيفٍ بَلْ مُبَاحٌ وَلَا يَلْزَمُ من تَرْكِ الْمُبَاحِ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الشَّكُّ في الْإِبَاحَةِ وقال ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ سَأَلَ أبو بَكْرٍ محمد بن دَاوُد من أَجَازَ تَأْخِيرَ الْحَجِّ فقال مَتَى صَارَ الْمُؤَخِّرُ لِلْحَجِّ إلَى أَنْ مَاتَ عَاصِيًا أَفِي حَيَاتِهِ هذا غَيْرُ قَوْلِكُمْ أو بَعْدَ مَوْتِهِ فَالْمَوْتُ لَا يُثْبِتُ على أَحَدٍ مَعْصِيَةً لم تَكُنْ لَازِمَةً في حَيَاتِهِ فَأَجَابَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ الشَّافِعِيُّ فقال إنَّمَا كان له التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ قبل أَنْ يَمُوتَ فلما مَاتَ قبل أَنْ يَفْعَلَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لم يَكُنْ مُبَاحًا له التَّأْخِيرُ قال ابن حَزْمٍ وَنَحْنُ نَقُولُ لم يُحَقِّقْ أبو الْحُسَيْنِ الْجَوَابَ على أُصُولِ الشَّافِعِيِّ فَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا في آخِرِ أَوْقَاتِ صِحَّتِهِ التي كان فيها قَادِرًا على الطَّلَاقِ قال وَنَحْنُ نُجِيبُ عن جَوَابِهِ فَنَقُولُ قال اللَّهُ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا فَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِالتَّرْكِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ ليس له تَرْكُهُ ولم يُطْلِعْ اللَّهُ أَحَدًا على وَقْتِ مَوْتِهِ وَلَا عَرَّفَهُ بِآخِرِ أَوْقَاتِ مَوْتِهِ وَلَا قَامَتْ عليه حُجَّةٌ وَلَا يُوصَفُ بِالْعِصْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذلك الْوَقْتِ فَبَقِيَ سُؤَالُ أبي بَكْرٍ بِحَسَبِهِ انْتَهَى وَلَيْسَ كما قال وَيُقَالُ لِأَبِي بَكْرٍ قَوْلُك إنَّ تَعْصِيَتَهُ في حَيَاتِهِ خِلَافُ قَوْلِكُمْ مَمْنُوعٌ بَلْ هو قَوْلُنَا وَتُنْسَبُ الْمَعْصِيَةُ إلَى آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ على الصَّحِيحِ وَجَوَابُ ابْنِ الْقَطَّانِ كَأَنَّهُ فَرَّعَهُ على الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ من أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَلِهَذَا تَوَجَّهَ عليه سُؤَالُ ابن حَزْمٍ بِصُورَةِ الطَّلَاقِ وَنَحْنُ إذَا فَرَّعْنَا على الْأَصَحِّ فَهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَرَتَّبَ عليه الْحُكْمُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ في الْوَقْتِ الذي يَسَعُهُ فَقُبَيْلَ الْمَوْتِ في مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ هو آخِرُ تَمَكُّنِهِ فَوَقَعَ حِينَئِذٍ كَذَلِكَ آخِرَ سِنِي الِاسْتِطَاعَةِ وَقْتَ تَمَكُّنِهِ فَيَعْصِي إذْ ذَاكَ وَخَرَجَ الْجَوَابُ بِذَلِكَ على أُصُولِ الشَّافِعِيِّ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَامِ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ تَارِكِ الْحَجِّ عَاصِيًا فَقَدْ تَخَبَّطَ فيه الْأَصْحَابُ وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ له التَّأْخِيرُ وَلَا يُوصَفُ بِالْعِصْيَانِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ الْمَوْتُ فإذا غَلَبَ وَأَخَّرَ وَمَاتَ لَقِيَ اللَّهَ عَاصِيًا وَإِنْ مَاتَ بَغْتَةً قبل أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا فَإِنْ قالوا قد تَرَكَ وَاجِبًا عليه إلَى أَنْ مَاتَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَاصِيًا قُلْنَا نعم تَرَكَ وَاجِبًا مُوَسَّعًا عليه وقد كان يَنْتَظِرُ تَضْيِيقَهُ عليه بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْهُودٌ في غَالِبِ أَحْوَالِ الناس فَإِنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ من قَبْلِ أَنْ يَبْلُغَ الْمَعْهُودَ من أَجْنَاسِهِ لم يَكُنْ عليه عَتْبٌ ولم يَعْصِ لِأَنَّهُ كان على عَزْمٍ إذَا تَضَيَّقَ لَا يُؤَخَّرُ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ لِلْقَضَاءِ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ لِلْقَضَاءِ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بين الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَهِيَ قَضَاءُ رَمَضَانَ هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْصِيَةِ كَالصَّلَاةِ وَبِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْفَوَاتِ كَالْحَجِّ وقد قال الْأَصْحَابُ لو مَاتَ بين الرَّمَضَانَيْنِ لم يَعْصِ لَكِنْ يُطْعَمُ عنه وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ لَا يَجِبُ عليه شَيْءٌ لَا الْإِطْعَامُ وَلَا الصِّيَامُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحْدُودٌ بِمَا بين الرَّمَضَانَيْنِ فإذا مَاتَ في أَثْنَائِهِ لم يَلْزَمْهُ لِعَدَمِ تَرَبُّطِهِ كما لو مَاتَ في أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ مَعْلُومٌ وَلَا حَدَّ لِانْتِهَائِهِ حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي التَّوْسِيعُ في السُّنَّةِ كَالْوَاجِبِ التَّوْسِيعُ كما يَكُونُ في الْوَاجِبِ يَكُونُ في السُّنَّةِ كَالْأُضْحِيَّةِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ صَيْرُورَةُ الْوَاجِبِ على التَّرَاخِي وَاجِبًا على الْفَوْرِ كُلُّ وَاجِبٍ على التَّرَاخِي فإنه يَصِيرُ وَاجِبًا على الْفَوْرِ إذَا ضَاقَ وَقْتُهُ وَمِنْ ثَمَّ لو تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا وَجَبَ قَضَاؤُهَا على الْفَوْرِ لِأَنَّ وَقْتَهَا لَمَّا ضَاقَ صَارَ على الْفَوْرِ مَسْأَلَةٌ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ هو إمَّا أَجْزَاءُ الْوَاجِبِ أو شُرُوطُهُ أو الشَّرْعِيَّةُ أو ضَرُورَاتُهُ الْعَقْلِيَّةَ أو الْحِسِّيَّةَ لَا تَنْفَكُّ عن هذه الثَّلَاثَةِ فَالْأَوَّلُ وَاجِبٌ بِخِطَابِ الِاقْتِضَاءِ وَالثَّانِي بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالثَّالِثُ لَا خِطَابَ فيه فَلَا وُجُوبَ فيه لِأَنَّ الْوُجُوبَ من أَحْكَامِ الشَّرْعِ إذَا عَرَفْت هذا فَنَقُولُ ما يَتَوَقَّفُ عليه الْوَاجِبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ عليه في وُجُوبِهِ أو في إيقَاعِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ وُجُوبِهِ فَأَمَّا ما يَتَوَقَّفُ عليه إيجَابُ الْوَاجِبِ فَلَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأَمْرَ حِينَئِذٍ مُقَيَّدٌ لَا مُطْلَقٌ وَسَوَاءٌ كان سَبَبًا أو شَرْطًا أو انْتِفَاءَ مَانِعٍ فَالسَّبَبُ كَالنِّصَابِ يَتَوَقَّفُ عليه وُجُوبُ الزَّكَاةِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ على الْمُكَلَّفِ لِتَجِبَ عليه الزَّكَاةُ وَالشَّرْطُ كَالْإِقَامَةِ هِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إذَا عَرَضَ مُقْتَضَى السَّفَرِ يَجِبُ عليه فِعْلُ السَّفَرِ وَالْمَانِعُ كَالدَّيْنِ فَلَا يَجِبُ نَفْيُهُ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ وَأَمَّا ما يَتَوَقَّفُ عليه إيقَاعُ الْوَاجِبِ وَدُخُولُهُ في الْوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ فَإِنْ كان جُزْءًا فَلَا خِلَافَ في وُجُوبِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ من أَجْزَائِهَا ضِمْنًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كان خَارِجًا كَالشَّرْطِ وَالسَّبَبِ كما إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فَهَلْ يَدُلُّ الْأَمْرُ بها على اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ هذا مَوْضِعُ النِّزَاعِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عنه بِالْمُقَدِّمَةِ لِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ خَارِجَةٌ عن الشَّيْءِ مُتَقَدِّمَةٌ عليه بِخِلَافِ الْجُزْءِ فإنه دَاخِلٌ فيه الْمَذَاهِبُ في الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ وفي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا لَكِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا من الشُّرُوطِ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بها أَمَّا ما لَا يُمْكِنُ من الْآلَاتِ وَالذَّوَاتِ فَتُخَرَّجُ على جَوَازِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ هذا الشَّرْطَ من مَنْعَ تَكْلِيفَ ما لَا يُطَاقُ هذا هو الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ قالوا وَسَوَاءٌ كان شَرْطًا أو سَبَبًا وكان الشَّرْطُ شَرْعِيًّا كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ أو عَقْلِيًّا كَتَرْكِ أَضْدَادِ الْوَاجِبِ أو عَادِيًا كَغَسْلِ جُزْءٍ من الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ وإذا قُلْنَا بهذا فَاخْتَلَفُوا في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوُجُوبَ هل يُتَلَقَّى من نَفْسِ الصِّيغَةِ أو من دَلَالَتِهَا أَشَارَ ابن السَّمْعَانِيِّ إلَى حِكَايَةِ الْأَوَّلِ وهو ضَعِيفٌ وَالْجُمْهُورُ على الثَّانِي وَنَصَرَهُ ابن بَرْهَانٍ قال لم يَدُلَّ عليه من حَيْثُ اللَّفْظُ وَإِنَّمَا دَلَّ عليه من حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ ما كان مَسْمُوعًا في اللَّفْظِ وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلشَّرْطِ لَفْظًا يَخُصُّهُ ولم يُسْمَعْ ذلك فَوَجَبَ أَنَّ دَلَالَتَهُ من حَيْثُ الْمَعْنَى وَيُخَرَّجُ من اخْتِلَافِ عِبَارَاتِهِمْ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ وَالثَّانِي بِالتَّضَمُّنِ وهو ما صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ والتلخيص وقد يُسْتَشْكَلُ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ جُزْءَ الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَدُلُّ بِالتَّضَمُّنِ وَإِيضَاحُهُ أَنَّ إيجَابَ الطَّهَارَةِ دَلَّ عليه قَوْله تَعَالَى إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فَالصَّلَاةُ وَجَبَتْ مُقَيَّدَةٌ بِالْغَسْلِ الذي هو الْوُضُوءُ فإذا اسْتَقَرَّ ذلك ثُمَّ وَرَدَ قَوْلُهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَجَبَ حَمْلُهُ على الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ بِالطَّهَارَةِ وَالدَّالُّ على الصَّلَاةِ وَجَبَ حَمْلُهُ على الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ بِالطَّهَارَةِ وَالدَّالُّ على الصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ دَالٌّ على قَيْدِهَا بِالتَّضَمُّنِ كَقَوْلِهِ أَعْتِقْ الرَّقَبَةَ الْمُؤْمِنَةَ ثُمَّ يقول أَعْتِقْ الرَّقَبَةَ فَمُطْلَقُ الرَّقَبَةِ دَالٌّ على الْإِيمَانِ بِالتَّضَمُّنِ الثَّانِي إذَا قُلْنَا إنَّهُ وَجَبَ من دَلَالَتِهِ فَهَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أو لِغَيْرِهِ على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ في الِاسْتِذْكَارِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ وَرَجَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عليه عَادَةً كَغَسْلِ شَيْءٍ من الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ وَاسْتِصْحَابِ الْإِمْسَاكِ عن الْمُفْطِرِ في جُزْءٍ من أَوَّلِ اللَّيْلِ أَنَّهُ وَجَبَ لِنَفْسِهِ وَحَكَى قَوْلًا أَنَّهُ نَدْبٌ لَا وَاجِبٌ وَزَيَّفَهُ بِأَنَّهُ إذَا لم يَقْدِرْ على الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَتَعَطَّلَ الْوَاجِبُ فما مَعْنَى وَصْفِهِ بِالتَّطَوُّعِ وَزَعَمَ الْإِبْيَارِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ الْخِلَافَ فيه عن بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَزَعَمَ تِلْمِيذُهُ ابن الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ السَّبَبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ بهذا صَرَّحَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ فقال الذي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ إنْ كان سَبَبًا كَالرَّمْيِ في الْإِصَابَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسَبَّبِ أَمْرٌ بِالسَّبَبِ في الْمَعْنَى وَعَلَى هذا فَإِيجَابُ الْمُسَبَّبِ إيجَابٌ لِسَبَبِهِ وَإِبَاحَتُهُ إبَاحَةٌ لِسَبَبِهِ وَحَظْرُهُ حَظْرٌ لِسَبَبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِوُجُودِهِ بِدُونِهِ وَإِنْ كان شَرْطًا شَرْعِيًّا كَالْوُضُوءِ أو غير شَرْعِيٍّ كَالْمَشْيِ إلَى عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا فَهُوَ في الْمَعْنَى أَمْرٌ بِالشَّرْطِ هذا بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ ذلك وَإِنْ وَرَدَ مَشْرُوطًا بِاتِّفَاقِ حُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ فَلَيْسَ أَمْرًا بِالْمُقَدِّمَةِ كَالْأَمْرِ بِالْحَجِّ بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ ا هـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا مُنَافَاةَ بين ما نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وابن الْحَاجِبِ وما نَقَلَهُ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في أَنَّ إيجَابَ الْمُسَبَّبِ هل هو دَالٌّ على إيجَابِ السَّبَبِ وَمَحَلُّ الْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْمُسَبَّبُ فَقَدْ وَجَبَ السَّبَبُ لَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وَلِهَذَا قال في الْمُنْتَهَى فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ كما أَنَّ أَسْبَابَ الْحَرَامِ حَرَامٌ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ ليس بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ عن أَصْحَابِنَا لِأَنَّ هذه الشَّرَائِطَ لها صِيَغٌ بِخُصُوصِهَا وَاخْتِلَافُ الصِّيَغِ يَدُلُّ على اخْتِلَافِ الْمَصُوغِ له وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نُنْكِرُ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُقْتَضِيَةً لِلطَّهَارَةِ بِالدَّلَالَةِ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ كَوْنَهُ من حَيْثُ الصِّيغَةُ مُقْتَضِيَةً له وقد قال أَصْحَابُنَا إنَّ الصَّلَاةَ بِصِيغَتِهَا تَدُلُّ على الدُّعَاءِ فَقَطْ وما زَادَ على الدُّعَاءِ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَا من جِهَةِ الصِّيغَةِ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذلك الشَّرْطَ هل نَصِفَهُ الْآنَ بِالنَّدْبِ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى تَحْصِيلِ أَمْرٍ وَاجِبٍ أو بِالْإِبَاحَةِ لم أَرَ من تَعَرَّضَ له وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ في اسْتِحْبَابِ النَّذْرِ أو إبَاحَتِهِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ سَبَبَ الْمَأْمُورِ بِهِ فَيَجِبُ أو شَرْطَهُ فَلَا يَجِبُ وهو اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمَصَادِرِ كما سَبَقَ وَالْفَرْقُ أَنَّ وُجُودَ السَّبَبِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُسَبَّبِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ إنْ كان سَبَبًا أو شَرْطًا فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ كان غَيْرَهُمَا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ يَجِبُ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ إذَا كان الْفِعْلُ يَتَأَتَّى بِدُونِهِ عَقْلًا أو عَادَةً لَكِنْ الشَّرْعُ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْفِعْلِ كَالْوُضُوءِ وَأَمَّا ما لم يَتَأَتَّ اسْمُ الْفِعْلِ إلَّا بِهِ عَقْلًا أو عَادَةً كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ في نَفْسِهِ وَلَا نُسَمِّيهِ شَرْطًا إذْ لَا يَتِمُّ عَادَةً غَسْلُ الْوَجْهِ إلَّا بِغَسْلِ شَيْءٍ من الرَّأْسِ وَبِهَذَا أَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وابن بَرْهَانٍ وَتَبِعَهُمْ ابن الْحَاجِبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ يُمْكِنُ دُخُولُهُ في الْأَمْرِ بِالْمَشْرُوطِ هَاهُنَا كما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ بِخِلَافِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ نحو غَسْلِ جُزْءٍ من الرَّأْسِ فإنه لم يَقَعْ من الشَّرْعِ نَصٌّ على إيجَابِهِ بَلْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مُطْلَقًا وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِغَسْلِ جُزْءٍ من الرَّقَبَةِ فَبِهَذَا افْتَرَقَ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ وَغَيْرُهُ هذا تَحْرِيرُ النَّقْلِ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْهَبُ السَّادِسُ الْوَقْفُ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ إلْزَامًا لِلْوَاقِفِينَ في صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِشَرْطِ تَحْصِيلِ الْمُقَدِّمَةِ وَلَا بِأَمْرٍ خِلَافَهُ فَيَجِبُ الْوَقْفُ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنْ كان ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ مُلَازِمًا في الذِّهْنِ بِحَيْثُ إنَّ الْمُكَلَّفَ حَالَ اسْتِمَاعِ الْأَمْرِ يَنْتَقِلُ ذِهْنُهُ إلَى ذلك الشَّيْءِ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ لم يَكُنْ مُلَازِمًا بَلْ يَتَوَقَّفُ عليه عَقْلًا أو شَرْعًا فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ وَاجِبًا من تِلْكَ الصِّيغَةِ بَلْ من الْمُرَكَّبِ من الْأَمْرِ وَالْعَقْلِ أو من الْأَمْرِ وَالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وقال أبو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيّ مُجَلِّيًا لِعِبَارَةِ الْإِمَامِ ليس الْخِلَافُ في الْعَادِي كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ شَيْءٍ من الرَّأْسِ لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ لِأَنَّ ذلك الْقَدْرَ لَا يَلْزَمُ قَطْعًا أَيْ من جِهَةِ الصِّيغَةِ وَلَيْسَ من قَبِيلِ الشَّرَائِطِ بَلْ من قَبِيلِ ما يُؤَوَّلُ إلَى الْمُعْتَادِ قال فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا مُتَلَقًّى من صِيغَةِ الْأَمْرِ وهو الْمَقْصُودُ وَالثَّانِي ما ثَبَتَ شَرْطًا في الْعِبَادَةِ وفي الْمَأْمُورِ بِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ جُزْءًا منه كَالْوُضُوءِ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا بِالطَّهَارَةِ وَكَذَا وَضْعُ الشَّرَائِطِ وَالثَّالِثُ ما يَتَعَلَّقُ بِالْإِمْكَانِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ لَا مَشْرُوطًا وَلَا شَرْطًا وَلَكِنَّهُ في عِلْمِ الْجِبِلَّةِ يُضَاهِي الشُّرُوطَ وَإِنْ لم يَكُنْ شَرْطًا شَرْعِيًّا وَهَذَا يَلْتَفِتُ على الِانْتِهَاءِ عن أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ في مُحَاوِلَةِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ا هـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَادِيَ لَا يُسَمَّى شَرْطًا وَلَا يَجِبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ وَهَذَا هو تَقْرِيرُ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَزَادَهُ ابن بَرْهَانٍ إيضَاحًا فقال تَحَصَّلْنَا على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا يَتَأَتَّى فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا بها أَحَدُهَا ما كان من أَبْعَاضِهِ وَأَجْزَائِهِ كَأَجْزَاءِ الصَّلَاةِ من الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَالْأَمْرُ يَتَنَاوَلُهَا وَدَلَّ عليها لَفْظًا الثَّانِي ما كان من شَرَائِطِهِ وَأَسْبَابِهِ كَالطَّهَارَةِ وَالْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَالْأَمْرُ تَنَاوَلَهَا وَدَلَّ عليها مَعْنًى لَا لَفْظًا وَالثَّالِثُ ما كان من ضَرُورَاتِهِ كَأَخْذِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ في صَوْمِ الْيَوْمِ وَأَخْذِ جُزْءٍ من الرَّأْسِ في غَسْلِ الْوَجْهِ فَالْأَمْرُ ما تَنَاوَلَهُ وَلَا دَلَّ عليه من جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا من جِهَةِ الْمَعْنَى وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِأَنَّهُ من ضَرُورَاتِ الْمَأْمُورِ جِبِلَّةً وَخِلْقَةً وَالْفَرْقُ بين هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ ما كان من ضَرُورَاتِ الْمَأْمُورِ يُتَصَوَّرُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِدُونِهِ وما كان من شَرَائِطِهِ وَأَسْبَابِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إتْيَانُ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا إذَا أُتِيَ بِهِ مِثَالُهُ أَنَّا لو قَدَّرْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ في الْوَاحِدِ مِنَّا إدْرَاكَ أَوَّلِ جُزْءٍ من النَّهَارِ حتى تُطْبَقَ النِّيَّةُ عليه صَحَّ صَوْمُهُ ولم يَجِبْ عليه إمْسَاكُ جُزْءٍ من اللَّيْلِ وَلِذَلِكَ لو قَدَرَ على غَسْلِ ما هو الْفَرْضُ لم يَجِبْ عليه غَسْلُ جُزْءٍ من الرَّأْسِ وَهَكَذَا في سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ فإنه لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْأَمْرِ إلَّا بِهِ فَكَانَ الْأَمْرُ دَالًّا عليه مَعْنًى ولم يَكُنْ دَالًّا على الْأَوَّلِ لَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا من جِهَةِ الْمَعْنَى تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ قد تُطْلَبُ فَائِدَةُ هذا الْخِلَافِ فإن الصُّورَةَ مَفْرُوضَةٌ حَيْثُ دَلَّ الدَّلِيلُ من خَارِجٍ على أَنَّهُ شَرْطٌ وَحِينَئِذٍ فما فَائِدَةُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِالْمَشْرُوطِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ الْفِعْلُ الْوَاجِبُ عليه هل نَقُولُ إنَّهُ يُثَابُ على الْوَاجِبِ وَعَلَى تَحْصِيلِ السَّبَبِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِلْقُرْبَةِ وَهَلْ يُثَابُ عليه ثَوَابَ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ عليه الْوُجُوبُ فَقَدْ تَوَقَّفَ عليه فِعْلُ الْوَاجِبِ فيه نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ وقال الْقَرَافِيُّ لَا نِزَاعَ في أَنَّ الْمَقَاصِدَ تَتَوَقَّفُ على الْوَسَائِلِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ إذَا تُرِكَتْ الْوَسِيلَةُ مع الْمَقَاصِدِ هل يُعَاقَبُ عِقَابَيْنِ على الْوَسِيلَةِ وَالْمَقْصِدِ وإذا فَعَلَهُمَا هل يُثَابُ ثَوَابَيْنِ عَلَيْهِمَا وَتَعَدُّدُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَا دَلِيلَ عليه وَإِنَّمَا دَلَّ الدَّلِيلُ على التَّوَقُّفِ وهو مُسَلَّمٌ إجْمَاعًا فَمِنْ أَيْنَ لنا أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ تَارِكَ الْجُمُعَةِ وَتَارِكَ الْحَجِّ على تَرْكِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى تَرْكِ السَّعْيِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ آمِرًا بِهِمَا مع السُّكُوتِ عن السَّعْيِ وَلَك أَنْ تَقُولَ تَخْرِيجُ الْعِقَابِ على ذلك وَاضِحٌ وَأَمَّا تَخْرِيجُ الثَّوَابِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يُثَابَ عليه وَإِنْ لم يَكُنْ وَاجِبًا كما تَقَدَّمَ ثُمَّ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لها إلَّا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ في الْآخِرَةِ وَيَبْقَى نَظِيرُ فَائِدَةِ الْخِلَافِ في خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ وَأَقُولُ له فَوَائِدُ في الدُّنْيَا منها أُجْرَةُ الْكَيَّالِ على بَائِعِ الْمَكِيلِ وَأُجْرَةُ الْوَزَّانِ على الْمُشْتَرِي لِلثَّمَنِ وإذا الْتَزَمَ نَقْلَ مَتَاعِهِ إلَى مَكَان فَعَلَيْهِ الظُّرُوفُ وإذا نَسِيَ صَلَاةً من الْخَمْسِ صَلَّاهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وإذا خَفِيَ عليه مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ من الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ وَغَيْرَ ذلك من الْفُرُوعِ الْمُنْتَشِرَةِ التي تَرَتَّبَ فيها الْوَاجِبُ على غَيْرِهِ والتنبيه الثَّانِي وُجُوبُ الشَّرْطِ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ إنَّ هذا الْوُجُوبَ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ فإن إيجَابَ الصَّلَاةِ ثَابِتٌ بِخِطَابٍ سَمْعِيٍّ وَذَلِكَ الْإِيجَابُ مع الْخِطَابِ الدَّالِّ على كَوْنِ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ الْوُضُوءِ وَلَا نَعْنِي بِالسَّمْعِ إلَّا هذا وَنَازَعَ صَاحِبُ التَّنْقِيحَاتِ في ذلك من جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ منه الْمُعَاقَبَةُ على التَّرْكِ الذي هو خَاصِّيَّةُ الْوُجُوبِ وهو ضَعِيفٌ لِمَا فيها من الِاسْتِلْزَامِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْوَسِيلَةَ في الْوَاجِبِ وُجُوبُهَا عَقْلِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ وَكَذَلِكَ وَسِيلَةُ تَرْكِ الْحَرَامِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ هل هو في الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ أَمْ في اللِّسَانِيِّ يُحْتَمَلُ الْأَوَّلُ على مَعْنَى أَنَّهُ يَقُومُ بِالذَّاتِ مَعْنَى إيجَابِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ يَسْتَلْزِمَانِ مَعْنًى ثَالِثًا وهو إيجَابُ الْوُضُوءِ وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي على أَنَّ مَجْمُوعَ الْخِطَابَيْنِ يَدُلُّ على إيجَابِ الصَّلَاةِ الْتِزَامًا وَلَا يُتَصَوَّرُ دَلَالَتُهُمَا عليه مُطَابِقَةً لِعَدَمِ الْوَضْعِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ ما الْفَرْقُ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ فإن اخْتِيَارَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ ليس نَهْيًا عن ضِدِّهِ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ هذا كُلُّهُ فِيمَا هو مُقَدَّمَةٌ وَوَسِيلَةٌ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عليه وُجُودُ الْوَاجِبِ إمَّا شَرْعًا كَالْوُضُوءِ مع الصَّلَاةِ أو عَقْلًا كَالسَّيْرِ إلَى الْحَجِّ وَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لَازِمًا لِفِعْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عليه الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ لَا نَفْسُ وُجُودِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ إمَّا لِالْتِبَاسِ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ كَالْإِتْيَانِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إذَا تَرَكَ وَاحِدَةً وَنَسِيَ عَيْنَهَا فإن الْعِلْمَ بِأَنَّهُ أتى بِالصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِالْخَمْسِ وَإِمَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ إلَّا إذَا أتى بِغَيْرِهِ لِتَقَارُبِ ما بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَدٌّ بِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ كَسَتْرِ شَيْءٍ من الرُّكْبَةِ لِسَتْرِ الْفَخِذِ وَغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَدٌّ بِفَرْقٍ فَالْعِلْمُ بِسَتْرِ جَمِيعِ الْفَخِذِ الذي هو وَاجِبٌ إنَّمَا يَحْصُلُ بِشَيْءٍ من الرُّكْبَةِ لِلتَّقَارُبِ الْمَذْكُورِ التَّنْبِيهُ السَّادِسُ إنَّمَا تَجِبُ الْمُقَدِّمَةُ حَيْثُ لم يُعَارِضْهَا أَقْوَى منها مِثَالُهُ يَجِبُ على الْمَرْأَةِ كَشْفُ الْوَجْهِ في الْإِحْرَامِ وَجَوَّزُوا لها أَنْ تَسْتُرَ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ منه الذي يَلِي الرَّأْسَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالسِّتْرِ إلَّا بِسَتْرِهِ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ السِّتْرَ أَحْوَطُ من الْكَشْفِ التَّنْبِيهُ السَّابِعُ ما ذَكَرْنَاهُ في الْمَأْمُورِ من أَنَّهُ إذَا كان لَا يَتَأَتَّى أَدَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَجْرِي مِثْلُهُ في النَّهْيِ وهو ما إذَا لم يُمْكِنْ الْكَفُّ عن الْمَحْظُورِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا ليس بِمَحْظُورٍ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في مَبَاحِثِ الْمَحْظُورِ مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ لَا يَدُلُّ على كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاجِبًا وَلَا نَدْبًا الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ إذَا كان على جِهَةِ النَّدْبِ لَا يَدُلُّ على كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاجِبًا وَلَا نَدْبًا بَلْ يَتَوَقَّفُ على الدَّلِيلِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَنْدُوبَةً وَالْمَوْصُوفُ وَاجِبًا كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ في الصَّلَاةِ وَتَكُونُ الصِّفَةُ كَالْمَوْصُوفِ مَنْدُوبًا كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَإِنْ كان على جِهَةِ الْوُجُوبِ كَالْأَمْرِ بِالطُّمَأْنِينَةِ في الرُّكُوعِ يَدُلُّ على وُجُوبِ الْمَوْصُوفِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِتْيَانُ إلَّا بِهِ قَالَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ مَسْأَلَةٌ حَقَائِقُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ مُتَبَايِنَةٌ حَقَائِقُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ من حَيْثُ تَمَامُهَا مُتَبَايِنَةٌ فَلَا يَجْتَمِعُ شَيْءٌ منها مع الْآخَرِ وهو وَاضِحٌ من حُدُودِهَا وقال من لم يَتَحَقَّقْ تَبَايُنَ الْحَقَائِقِ إنَّ إيجَابَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْفُقَهَاءِ وَمُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ قال وَأَنْكَرَ الْقَاضِي إطْلَاقَ هذا وقال لَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ إذْ لَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الْوُجُوبِ جَوَازًا وَتَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ جَائِزًا وَالْأَحْكَامِ مَضْبُوطَةً ثُمَّ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَا يَتَحَقَّقُ خِلَافٌ في هذه الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يقول حَقِيقَةُ الْجَائِزِ أو الْمُبَاحِ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ وَغَرَضُ الْخَصْمِ أَنَّ ما يُلَامُ على تَرْكِهِ وَيَقْتَضِي اللُّزُومَ أَنْ يَكُونَ فيه تَحْرِيضٌ على فِعْلِهِ وَمِنْ ضَرُورَةِ ما يُحَرِّضُ على فِعْلِهِ أَنْ يَجُوزَ لَك الْإِقْدَامُ عليه وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ غير أَنَّ غَرَضَ الْمُوجِبِ الْإِلْزَامُ وَالْبَاقِي يَقَعُ ضِمْنًا وَلَكِنْ على هذا يَنْبَغِي لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ يَدُلُّ على النَّدْبِ وَالْجَوَازِ وَالْمَحْكِيُّ قَصْرُ الْخِلَافِ على الْجَوَازِ إذَا عَرَفْت هذا فَلَوْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ في شَيْءٍ ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ فَهَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ أَمْ لَا فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَبْقَى الْجَوَازُ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِلْأَكْثَرِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَظْرِ حَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وهو غَرِيبٌ الثَّالِثُ يَبْقَى النَّدْبُ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ في الْمُعْتَمَدِ قال وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ فإن صِيَامَ عَاشُورَاءَ لَمَّا نُسِخَ بَقِيَ صِيَامُهُ مُسْتَحَبًّا وَلَمَّا نُسِخَ فَرْضُ قِيَامِ اللَّيْلِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بَقِيَ مُسْتَحَبًّا وَكَذَلِكَ الضِّيَافَةُ كانت وَاجِبَةً في أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ كُلُّ حَقٍّ كان في الْمَالِ بِالزَّكَاةِ وَبَقِيَ ذلك كُلُّهُ مُسْتَحَبًّا فَيَجُوزُ على هذا الْأَصْلِ أَنْ يُحْتَجَّ بِالْآثَارِ الْمَنْسُوخَةِ على الِاسْتِحْبَابِ وَعَلَى الْجَوَازِ قال هَكَذَا حَكَى محمد بن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عن الْمَذْهَبِ قال الطُّرْطُوشِيُّ وَصَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ في الْمُسْتَصْفَى وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ أَنَّهُ لم يَصِرْ إلَى النَّدْبِ أَحَدٌ الرَّابِعُ أَنَّهُ إذَا نُسِخَ لم يَبْقَ منه شَيْءٌ ولم يَثْبُتْ نَدْبٌ وَلَا إبَاحَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ قال وَمَنَعُوا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ على الْجَوَازِ فَضْلًا عن النَّدْبِ وَالْخَامِسُ لَا تَبْقَى الْإِبَاحَةُ التي تَثْبُتُ في ضِمْنِ الْوُجُوبِ بَلْ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى ما كان قَبْلَهُ من تَحْرِيمٍ أو إبَاحَةٍ وَصَارَ الْوُجُوبُ بِالنَّسْخِ كَأَنْ لم يَكُنْ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن بَرْهَانٍ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ قال إلَّا أَنْ يَأْتِيَ ما يَدُلُّ على الْإِبَاحَةِ وَاخْتَارَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ أَيْضًا قال وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ يَبْقَى الْجَوَازُ لَسَاغَ أَنْ يُقَالَ يَبْقَى النَّدْبُ لَا سِيَّمَا وَالِاقْتِضَاءُ كَائِنٌ في النَّدْبِ كما أَنَّهُ كَائِنٌ في الْوُجُوبِ وَاحْتَجَّ له الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِلْوُجُوبِ وَالْجَوَازُ إنَّمَا دخل فيه بِطَرِيقِ التَّبَعِ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَيَمْتَنِعُ فِعْلُهُ وإذا انْتَفَى اللَّفْظُ فَلَا يَبْقَى ما كان في ضِمْنِهِ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ من مَشَايِخِهِمْ قال وَبَنَوْا على هذا الْخِلَافِ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم من حَلَفَ على يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها فَلْيُكَفِّرْ عن يَمِينِهِ ثُمَّ لْيَأْتِ الذي هو خَيْرٌ فإن صِيغَةَ الْأَمْرِ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ سَابِقٌ على الْحِنْثِ وقد قام الْإِجْمَاعُ على عَدَمِ وُجُوبِهِ فَبَقِيَ الْجَوَازُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ولم يَبْقَ عِنْدَنَا ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِبَقَاءِ الْجَوَازِ اخْتَلَفُوا في الْمُرَادِ بِهِ هل هو عَدَمُ الْحَرَجِ عن الْفِعْلِ فَقَطْ أو رَفْعُهُ عن الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ لِأَنَّ الْجَوَازَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْحَرَجِ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ ما تَسَاوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَهُوَ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ فإذا ارْتَفَعَ قَيْدُ الْمَنْعِ من التَّرْكِ بَقِيَ الْجَوَازُ قَطْعًا وَالثَّانِي ليس جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَلْزَمُ من ارْتِفَاعِ قَيْدِ الْمَنْعِ من التَّرْكِ بَقَاءُ التَّسَاوِي قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ الْخِلَافُ في الصُّورَةِ الْأُولَى وهو أَنَّهُ إذَا قِيلَ أَوْجَبْت عَلَيْك الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ ثُمَّ قال نَسَخْت الْوُجُوبَ هل يُبَاحُ له الْإِقْدَامُ على الْفِعْلِ أَمْ لَا وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ في الْمُسْتَصْفَى صَرِيحٌ في أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ شَرْعًا فإنه قال في الرَّدِّ عليهم حَقِيقَةُ الْجَوَازِ التَّخْيِيرُ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بِتَسْوِيَةِ الشَّارِعِ وقال ابن التِّلِمْسَانِيِّ أَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُ الْخِلَافَ لَفْظِيًّا لِأَنَّهُمَا لم يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فإن الْغَزَالِيَّ عَنَى بِالْجَوَازِ الذي لَا يَبْقَى بَعْدَ رَفْعِ الْوُجُوبِ التَّخْيِيرَ وَلَا شَكَّ في أَنَّهُ ليس جُزْءًا لِلْوَاجِبِ بَلْ هو قَسِيمُهُ وَمُقَابِلُهُ وَمَنْ قال يَبْقَى لم يَعْنِ بِالْجَوَازِ الْجُزْءَ بَلْ عَنَى بِهِ رَفْعَ الْحَرَجِ وَلَا شَكَّ في أَنَّهُ جُزْءٌ من الْوَاجِبِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ فيه نَظَرٌ لِأَنَّ الرَّازِيَّ يقول يَبْقَى الْجَوَازُ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ قال وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ وَأَنَّ ما قَالَهُ ابن التِّلِمْسَانِيُّ ليس بِحَقٍّ وقال الْقَرَافِيِّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ بِمَعْنَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وهو بَعِيدٌ قال وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ ثُمَّ يقول الْآمِرُ رَفَعْت الْوُجُوبَ فَقَطْ أَمَّا إنْ نُسِخَ الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيمِ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ قَطْعًا أو قال رَفَعْت جُمْلَةَ ما دَلَّ الْأَمْرُ السَّابِقُ من جَوَازٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ على الْجَوَازِ قَطْعًا قُلْت الْغَزَالِيُّ مُنَازِعٌ في أَصْلِ بَقَاءِ الْجَوَازِ لِقَوْلِهِ إنَّ الْحَالَ يَعُودُ إلَى ما قَبْلُ من تَحْرِيمٍ أو إبَاحَةٍ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كان الْحَالُ قبل الْوُجُوبِ تَحْرِيمًا فَعِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ يَكُونُ الْفِعْلُ الْآنَ مُحَرَّمًا كما كان أو لَا وَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجَوَازِ الذي كان دَاخِلًا في ضِمْنِ الْوُجُوبِ بَاقٍ يُصَادِمُ ما دَلَّ على التَّحْرِيمِ فَالْخِلَافُ مَمْنُوعٌ قَطْعًا وَلِلْمَسْأَلَةِ الْتِفَاتٌ إلَى بَحْثٍ عَقْلِيٍّ وهو أَنَّ الْفَصْلَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ حِصَّةِ النَّوْعِ من الْجِنْسِ وَيَلْزَمُ من عَدَمِ الْفَصْلِ عَدَمُ حِصَّةِ النَّوْعِ من الْجِنْسِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ من عَدَمِ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْمَعْلُولِ وابن سِينَا هو الْقَائِلُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَالرَّازِيَّ يُخَالِفُهُ فيها وَيَقُولُ ذلك غَيْرُ لَازِمٍ وَإِلَى بَحْثٍ أُصُولِيٍّ وهو أَنَّ الْمُبَاحَ هل هو جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ وَالْجَائِزُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ أَمْ لَا وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ ما لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ مع جَوَازِ تَرْكِهِ وَبِالْأَهَمِّ ما لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَيَدْخُلُ فيه الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَلِهَذَا قَدَّمْت ذِكْرَ هذه الْمَسْأَلَةِ عليها وَعَبَّرَ عنها شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ في كِتَابِهِ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ هل يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْأَدَاءِ أَمْ لَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ عليه فإن من أَفْسَدَ حَجَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَدَاءِ شَرْعًا وَلَا يَكُونُ الْمُؤَدَّى جَائِزًا وَعَبَّرَ عنه الْإِمَامُ محمد بن يحيى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ في كِتَابِهِ الْمُحِيطِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فقال هل الْفَرْضُ دَاخِلٌ في جِنْسِ النَّفْلِ على مَعْنَى أَنَّهُ نَفْلٌ وَزِيَادَةٌ أو هُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ خِلَافٌ وَفَرَّعَ عليه ما إذَا قام عن السُّجُودِ نَاسِيًا وَقَصَدَ الِاسْتِرَاحَةَ فَإِنْ قُلْنَا النَّفَلُ دَاخِلٌ في حَقِيقَةِ الْفَرْضِ فلم تَكُنْ الِاسْتِرَاحَةُ فيه مُنَاقِضَةً لِنِيَّةِ الْفَرْضِ الْبَاقِيَةِ كُلِّهَا بَلْ تَعَرَّضَتْ لِبَعْضِهَا فَصَحَّتْ الْجِلْسَةُ عن الْفَرْضِ بِالنِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَإِنْ جَعَلْنَا النَّفَلَ غير الْفَرْضِ فلم يُجْزِ عن الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ انْتَهَى وَيَتَخَرَّجُ عليه الْمَسَائِلُ الْمَعْدُودَةُ في إقَامَةِ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ كَاللُّمْعَةِ وَغَيْرِهَا تَنْبِيهٌ إذَا سَقَطَ الْأَمْرُ بِالنَّسْخِ وَقُلْنَا إنَّهُ سَقَطَ الْجَوَازُ فَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ حُكْمُهُ قِيلَ إلَى ما قبل الْوُجُوبِ من تَحْرِيمٍ أو إبَاحَةٍ فَإِنْ لم يَكُنْ له أَصْلٌ فِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ هل هِيَ على الْوَقْفِ أو الْحَظْرِ أو الْإِبَاحَةِ قال أَصْحَابُنَا وَذِكْرُ هذه الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَوْلَى من ذِكْرِهَا في النَّسْخِ لِأَنَّهُ نَظَرٌ في حَقِيقَةِ الْجَوَازِ لَا في حَقِيقَةِ النَّسْخِ قَاعِدَةٌ تَجْمَعُ مَسَائِلَ جَائِزُ التَّرْكِ مُطْلَقًا ليس بِوَاجِبٍ وَتَجَوَّزْنَا بِمُطْلَقًا عن فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ وَيَتَفَرَّعُ عليه مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الزِّيَادَةُ على أَقَلِّ ما يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ على أَقَلِّ ما يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ فِيمَا لَا يَتَقَدَّرُ بِمُعَيَّنٍ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَتَطْوِيلِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَأُلْحِقَ بها إمْسَاكُ بَعْضِ اللَّيْلِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ إذَا لم نُوجِبْهُ كما حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَالْغَزَالِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُمْ وقال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقِيلَ الْكُلُّ وَاجِبٌ إذْ ليس بَعْضٌ أَوْلَى فَكَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ كما نَقَلَهُ في الْبَحْرِ عنه في بَابِ الْكِتَابَةِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِوَضْعِ بَعْضِ النُّجُومِ وَيُحْكَى عن الْكَرْخِيِّ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ إلَى الْجُمْهُورِ منهم وقال حتى قالوا إنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَبُ من الصَّبِيِّ حَتْمًا وَلَوْ أتى بِهِ وَقَعَ وَاجِبًا وَعَلَى هذا فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِحْبَابِ قبل الْإِيقَاعِ أَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيَقَعُ فَرْضًا وَقِيلَ عليه إنَّ حُكْمَ مَسْحِ الْبَعْضِ الْمُجْزِئِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَأَيُّ خَصْلَةٍ فَعَلَهَا حُكِمَ بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ قال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ أَحَدًا قال فِيمَا إذَا صلى مُنْفَرِدًا ثُمَّ صلى تِلْكَ الصَّلَاةَ فَرْضًا في جَمَاعَةٍ وَقُلْنَا الثَّانِيَةُ هِيَ الْفَرْضُ إنَّهُ وَجَبَ عليه أَحَدُ الظُّهْرَيْنِ على التَّخْيِيرِ كما في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وفي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ وهو التَّفْصِيلُ فَإِنْ كان لو اقْتَصَرَ على الْبَعْضِ أَجْزَأَهُ فَالزَّائِدُ ليس بِوَاجِبٍ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَسُبُعُ الْبَدَنَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَإِلَّا فَالْكُلُّ فَرْضٌ كما لو أَخْرَجَ بَعِيرًا عن الشَّاةِ في الْخُمُسِ لِأَنَّهُ لو اقْتَصَرَ على خُمُسِ بَعِيرٍ فَقَطْ لم يُجْزِئْهُ قَطْعًا وَادَّعَى النَّوَوِيُّ في مَوْضِعٍ من شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا على تَصْحِيحِهِ قال ابن بَرْهَانٍ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا ما تَتَنَاوَلُهُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ وَعِنْدُهُمْ تَتَنَاوَلُهَا قُلْت وَعَقَدَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ مَسْأَلَةَ الْأَمْرِ بِفِعْلِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أَدْنَى ما يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ ذلك الْفِعْلِ قال وَمِنْ الناس من قال يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَكْثَرِ وَزَيَّفَهُ ثُمَّ قال مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ فَلَزِمَهُ أَدْنَى ما يَقَعُ عليه اسْمُ ذلك الْفِعْلِ فَزَادَ عليه فَالزِّيَادَةُ تَطَوُّعٌ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ ا هـ فَجَعَلَ الْخِلَافَ في هذه مُفَرَّعًا على الْقَوْلِ بِوُجُوبِ أَدْنَى الِاسْمِ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ قال الْغَزَالِيُّ الْخِلَافُ يُتَّجَهُ فِيمَا وَقَعَ مُتَعَاقِبًا كَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْقِيَامِ وَأَمَّا ما وَقَعَ بِجُمْلَتِهِ مَعًا وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ عن بَعْضٍ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّعْبِيرِ فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ قَدْرُ الْأَصْلِ منه وَاجِبٌ وَالْبَاقِي نَدْبٌ قُلْت وقد حَكَوْا طَرِيقَيْنِ في مَسْحِ الرَّأْسِ هل مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً حتى إذَا وَقَعَ مُرَتَّبًا يَكُونُ نَفْلًا جَزْمًا أَمْ الْخِلَافُ في الصُّورَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ الثَّانِي كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَكِنْ الْأَقْوَى الْأَوَّلُ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي زَعَمَ السُّهْرَوَرْدِيّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْوُجُوبِ بِمَاذَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ منها زِيَادَةُ الثَّوَابِ فإن ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ من ثَوَابِ النَّفْلِ وَمِنْهَا إذَا مَسَحَ على شَعْرٍ ثُمَّ حَلَقَ بَعْضَهُ فإن من يَرَى أَنَّهُ إذَا حُلِقَ كُلُّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ قد يقول إذَا قُلْنَا الْكُلُّ وَاجِبٌ لَزِمَهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ في الْمَوْضِعِ الذي حَلَقَهُ وَلَا سِيَّمَا على قَوْلِ من زَعَمَ أَنَّ ذلك كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ فإنه بِفِعْلِهَا يَكُونُ مُعَيِّنًا لِوُجُوبِهَا كما قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إذَا فُعِلَ في أَوَّلِ وَقْتِهِ ثُمَّ فَسَدَ أو أُفْسِدَ ثُمَّ أتى بِهِ في بَقِيَّةِ الْوَقْتِ يَكُونُ قَضَاءً لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فيه تَعَيَّنَ قَالَهُ في الْمَطْلَبِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ في زَائِدٍ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ الْوَاجِبِ منه أَمَّا ما لَا يُمْكِنُ فإنه وَاجِبٌ تَبَعًا غير مَقْصُودٍ يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَنَاوَلُ ما هذه صِفَتُهُ مع كَوْنِهِ ضِدَّ الْمُوجِبِ الْآخَرِ كَإِمْسَاكِ جُزْءٍ من اللَّيْلِ قبل الْفَجْرِ وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَأَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مع جِنْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْلَى وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا أَمْكَنَ الِاقْتِصَارُ على الْأَصْلِ فَإِنْ لم يُمْكِنْ إلَّا بِفِعْلِ الْكُلِّ فَالْكُلُّ وَاجِبٌ قَطْعًا لِأَنَّ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَهَذَا كما في جَزَاءِ الصَّيْدِ يَصُومُ عن كل مُدٍّ يَوْمًا وإذا انْكَسَرَ مُدٌّ صَامَ يَوْمًا كَامِلًا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَيَقَعُ فَرْضًا قَطْعًا وَكَذَلِكَ قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ فِيمَا لو نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَاعْتَكَفَ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ أَجْزَأَهُ أو أَطْوَلَ الْأَيَّامِ وَقَعَ الْجَمِيعُ فَرْضًا أَيْ من غَيْرِ تَخْرِيجٍ على الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الصَّوْمُ وَاجِبٌ على أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ قال كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ الصَّوْمُ وَاجِبٌ على الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ مع أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ لهم لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فقال ذَكَرَ أَصْحَابُنَا في أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ لَا يَتَحَتَّمُ عليهم الصَّوْمُ في الْحَالِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أو من لَا يَجُوزُ له الصَّوْمُ في الْحَالِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عليهم وَيَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وهو قَضَاءٌ وقال أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ على الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ قال وَالْقَوْلُ بِإِيجَابِهِ على الْحَائِضِ مُشْكِلٌ جِدًّا ثُمَّ وَجَّهَهُ وقال في الْمُسْتَصْفَى في الْمُسَافِرِ مَذْهَبَانِ ضَعِيفَانِ أَحَدُهُمَا مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ في سَفَرٍ وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْوَاجِبَ أَيَّامٌ أُخَرٌ وَلَكِنْ لو صَامَ رَمَضَانَ صَحَّ وكان مُعَجِّلًا لِلْوَاجِبِ كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ على الْحَوْلِ وهو فَاسِدٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تُفْهِمُ إلَّا الرُّخْصَةَ في التَّأْخِيرِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ عن بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ على الْمُسَافِرِ صَوْمُ أَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَمْرِ أو شَهْرُ الْقَضَاءِ وَأَيٌّ ما صَامَ كان أَصْلًا كَالْأَنْوَاعِ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ عن الْأَشْعَرِيَّةِ قال وَقَالُوا في الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مع الْعُذْرِ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ اخْتَلَفُوا في الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحَائِضِ الَّذِينَ لَا يَلْزَمُهُمْ فِعْلُ الصَّوْمِ في الْحَالِ لِأَجْلِ عُذْرِهِمْ هل يَجِبُ عليهم الصَّوْمُ في الْحَالِ أو بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عليهم في الْحَالِ إلَّا أَنَّهُمْ يَجُوزُ لهم تَأْخِيرُهُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْعُذْرُ وقال أَهْلُ الْعِرَاقِ الصَّوْمُ وَاجِبٌ على الْمُسَافِرِ في الْحَالِ دُونَ الْمَرِيضِ قالوا وَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ عليها وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ بِدْعَةٌ وقال ابن جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ في الْفُرُوقِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ إنَّ الْمُسَافِرَ يُخَيَّرُ بين الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ الْوَاجِبَ غَيْرُ كَوْنِهِ وَاجِبًا فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْيِيرُ بين وَاجِبٍ وَمُبَاحٍ بَلْ الْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بين فِعْلِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ فِعْلِ الْعَزْمِ على قَضَائِهِ فَيَكُونُ الْعَزْمُ بَدَلًا عن الصَّوْمِ من الْوَقْتِ وَحَاصِلُهُ الْوُجُوبُ في حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَأَمَّا الْحَائِضُ فَفِي وُجُوبِهِ عليها وَجْهَانِ صَحَّحَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ الْوُجُوبَ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَ عن الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أنها لَا تُخَاطَبُ بِهِ وهو الذي نَصَرَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ إنَّهُ الْأَصَحُّ إذْ الْقَضَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ قُلْت وهو الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ فقال وقد ذُكِرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَالِغِينَ قال الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا التَّنْزِيلُ في الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ على الْبَالِغِينَ الْعَالِمِينَ دُونَ من لم يَبْلُغْ وَمَنْ بَلَغَ مِمَّنْ غُلِبَ على عَقْلِهِ من ذَوِي الْحَيْضِ في أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ هذا لَفْظُهُ وقال الْآمِدِيُّ وَالْحَقُّ في ذلك إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْمَانِعِ فَحَقٌّ وَإِنْ أُرِيدَ أنها تُؤْمَرُ بِالْإِتْيَانِ بِالصَّوْمِ حَالَةَ الْحَيْضِ فَبَاطِلٌ وهو يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَيْضًا وَقِيلَ بَلْ يَظْهَرُ في النِّيَّةِ إذَا قُلْنَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَحَكَى إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وُجُوبَهُ عليها بِمَعْنَى تَرَتُّبِهِ في ذِمَّتِهَا لَا وُجُوبِ أَدَائِهِ وَلِهَذَا يُسَمَّى ما تُؤَدِّيهِ بَعْدَ الْحَيْضِ قَضَاءً وَرَأَيْت من يَحْكِي ذلك عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ لَا يَعْنِي غير ذلك فَبَقِيَ الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ قبل الطُّهْرِ أَمْ لَا وَنَظِيرُ هذا أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ هل يُوصَفُ قبل الْحُلُولِ بِالْوُجُوبِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ عن الْقَفَّالِ في بَابِ الدَّعَاوَى وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا ما لو ادَّعَى عليه دَيْنًا مُؤَجَّلًا قبل الْمَحِلِّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ في الْجَوَابِ لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إلَيْك الْآنَ وَيَحْلِفُ عليه وَهَلْ يقول لَا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقًا قال الْقَفَّالُ فيه وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ على هذا قُلْت وَالْمَسْأَلَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ على الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ في صِحَّةِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ كما حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ في كِتَابِ التَّدْبِيرِ أنها لَا تُسْمَعُ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بها إلْزَامٌ وَمُطَالَبَةٌ فَلَا فَائِدَةَ فيها الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ قال الْكَعْبِيُّ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَرْكُ الْحَرَامِ وهو وَاجِبٌ فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في بَحْثِ الْمُبَاحِ فَصْلٌ في فَرْضِ الْكِفَايَةِ قال الْغَزَالِيُّ في تَعْرِيفِهِ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرَادُ حُصُولُهُ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ عَيْنُ من يَتَوَلَّاهُ فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ وَمَعْنَى هذا أَنَّ الْمَقْصُودَ من فَرْضِ الْكِفَايَةِ وُقُوعُ الْفِعْلِ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فإن الْمَقْصُودَ منه الْفَاعِلُ وَجَعَلَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ لَكِنْ الْحَقُّ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَنْقَطِعُ النَّظَرُ عن فَاعِلِهِ بِدَلِيلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ نعم ليس الْفَاعِلُ فيه مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ إذْ لَا بُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ من فَاعِلٍ وَالْقَصْدُ بِالذَّاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ دِينِيٍّ بَنَاهُ على رَأْيِهِ أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وما بِهِ قِوَامُ الْمَعَاشِ ليس من فَرْضِ الْكِفَايَةِ كما صَرَّحَ بِهِ في الْوَسِيطِ تَبِعَا لِإِمَامِهِ لَكِنْ الصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَلِهَذَا لو تَرَكُوهُ أَثِمُوا وما حَرُمَ تَرْكُهُ وَجَبَ فِعْلُهُ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا بُدَّ من وُقُوعِهِ غير أَنَّ الْأَوَّلَ شَمِلَ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ وَالثَّانِيَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ عِنْدَ التَّرْكِ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منه تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ من حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَالْوُجُوبُ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ لَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ على الْأَصَحِّ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هل يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أو الْبَعْضِ اخْتَلَفُوا هل يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أو الْبَعْضِ على قَوْلَيْنِ مع الِاتِّفَاقِ على أَنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ يَجِبُ على الْجَمِيعِ لِتَعَذُّرِ خِطَابِ الْمَجْهُولِ بِخِلَافِ خِطَابِ الْمُعَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ فإنه مُمْكِنٌ كَالْكَفَّارَةِ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في مَوَاضِعَ من الْأُمِّ منها قَوْلُهُ حَقٌّ على الناس غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عليه وَدَفْنُهُ لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ وإذا قام منهم من فيه كِفَايَةٌ أَجْزَأَهُ عَنْهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ وهو كَالْجِهَادِ عليهم حَقٌّ أَنْ لَا يَدَعُوهُ وإذا انْتَدَبَ منهم من يَكْفِي النَّاحِيَةَ التي يَكُونُ بها الْجِهَادُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَالْفَضْلُ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ على أَهْلِ التَّخَلُّفِ عَنْهُمْ وقال في بَابِ السَّلَفِ فِيمَنْ حَضَرَ كِتَابَ حَقٍّ بين رَجُلَيْنِ وَلَوْ تَرَكَ كُلُّ من حَضَرَ الْكِتَابَ خِفْت أَنْ يَأْثَمُوا بَلْ لَا أَرَاهُمْ يَخْرُجُونَ من الْإِثْمِ وَأَيُّهُمْ قام بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَذَكَرَ مثله في الشُّهُودِ إذَا دُعُوا لِلْأَدَاءِ وَجَرَى عليه الْأَصْحَابُ في طُرُقِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ من الْأُصُولِيِّينَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ قالوا وَالْجُمْلَةُ مُخَاطَبَةٌ فإذا وَقَعَتْ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ وَمَتَى لم تَقَعْ الْكِفَايَةُ فَالْكُلُّ آثِمُونَ وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن أَصْحَابِنَا وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ من جِهَةِ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا في السُّقُوطِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ثُمَّ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ وَجَبَ على الْجَمِيعِ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ عن الْقَاضِي أَنَّهُ وَجَبَ على عَيْنِ كل وَاحِدٍ وَلَا بُدَّ من تَأْوِيلِهِ وَيَخْرُجُ من ذلك إذَا قُلْنَا إنَّهُ وَاجِبٌ على الْجَمِيعِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ على جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ من حَيْثُ إنَّهُ جَمِيعٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ وَاجِبٌ على كل وَاحِدٍ فَإِنْ قام بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عن الْجَمِيعِ وَإِنْ لم يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ الْجَمِيعُ وَيَظْهَرُ تَغَايُرُ الْقَوْلَيْنِ في كَيْفِيَّةِ التَّأْثِيمِ عِنْدَ التَّرْكِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَأْثِيمُ كل وَاحِدٍ يَكُونُ وَاقِعًا بِالذَّاتِ وَعَلَى الثَّانِي بِالْعَرَضِ وقد ضَعَّفَ صَاحِبُ التَّنْقِيحَاتِ الْقَوْلَ الثَّانِيَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ إذَا تَعَيَّنَ على كل وَاحِدٍ بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ الشَّيْءُ مِمَّا يَفُوتُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِسْقَاطُهُ عن الْبَاقِينَ رَفْعٌ لِلطَّلَبِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ فَيَكُونُ نَسْخًا وَلَا يَصِحُّ دُونَ خِطَابٍ جَدِيدٍ وَلَا خِطَابَ فَلَا نَسْخَ فَلَا سُقُوطَ بِخِلَافِ ما إذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وهو وُجُوبُهُ على الْجَمِيعِ من حَيْثُ هو جَمِيعٌ فإنه لَا يَلْزَمُ هذا الْإِشْكَالُ إذْ لَا يَلْزَمُ من إيجَابِ الْحُكْمِ على جُمْلَةٍ إيجَابُهُ على كل وَاحِدٍ وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الثَّانِي فإن تَكْلِيفَ الْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ لَا يُعْقَلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فيه الْأَفْرَادُ رَجَعَ لِقَوْلِنَا وَقَوْلُهُ يَلْزَمُ منه رَفْعُ الطَّلَبِ قبل الْأَدَاءِ وهو إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّسْخِ مَمْنُوعٌ فإن رَفْعَ الطَّلَبِ كما يَكُونُ بِالنَّسْخِ يَكُونُ بِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ وهو كَذَلِكَ فإن اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ كما أَوْجَبَ دَفْنَهُ سَتْرًا له فإذا قام بِذَلِكَ طَائِفَةٌ زَالَتْ الْعِلَّةُ فَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ كما أَنَّهُ يَسْقُطُ وُجُوبُ الدَّفْنِ إذَا احْتَرَقَ الْمَيِّتُ أو أَكَلَهُ السَّبُعُ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فيه تَجَوُّزٌ فإن عِلَّةَ السُّقُوطِ بِالْحَقِيقَةِ هِيَ انْتِفَاءُ عِلَّةِ الْوُجُوبِ لَا فِعْلُ الْبَعْضِ لَكِنْ لَمَّا كان فِعْلُ الْبَعْضِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ نُسِبَ السُّقُوطُ إلَيْهِ تَجَوُّزًا هذا إنْ عَلَّلْنَا أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَقَاصِدِ وَمَنْ لم يُعَلِّلْهَا بِالْمَقَاصِدِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ بَعْضِهِمْ أَمَارَةً على سُقُوطِ الْفَرْضِ عن الْبَاقِينَ وقد أَوْرَدَ على هذا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لو كان وَاجِبًا على الْكُلِّ لَمَا سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ لِأَنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ وَتَارِكُ الْوَاجِبِ مُسْتَحِقُّ الْعِقَابِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَعَلَّقٌ بِالْجَمِيعِ وَلَا يَلْزَمُ من تَعَلُّقِهِ بِالْجَمِيعِ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَأَيْضًا فإن سُقُوطَهُ عن الْبَاقِينَ لَتَعَذُّرِ التَّكْلِيفِ بِهِ وَالتَّكْلِيفُ تَارَةً يَسْقُطُ بِالِامْتِثَالِ وَتَارَةً يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ وقال الْمُتَوَلِّي هل نَقُولُ إذَا فَعَلَهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عنه وَعَنْهُمْ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُمْ أو نَقُولُ بِأَنَّ آخِرَ الْأَمْرِ أَنَّ الْوُجُوبَ لم يَتَنَاوَلْ سِوَى من فَعَلَهُ فيه خِلَافٌ قُلْت وهو يُشْبِهُ الْقَوْلَ الْمَحْكِيَّ في الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ وَاجِبٌ على الْبَعْضِ وَعَلَى هذا فَهَلْ هو مُبْهَمٌ أو مُعَيَّنٌ قَوْلَانِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ هل هو من قام بِهِ أو مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ دُونَ الناس قَوْلَانِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَجْهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِطَائِفَةٍ مُبْهَمَةٍ وَيَتَعَيَّنُ بِالْفِعْلِ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ تَفْصِيلًا بين أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يَجِبُ وَإِلَّا وَجَبَ وَاسْتَحْسَنَهُ قال وَالْخِلَافُ عِنْدِي لَفْظِيٌّ لَا فَائِدَةَ فيه قُلْت وقد يُقَالُ بِأَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ هل يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَمَنْ قال يَجِبُ على الْجَمِيعِ أَوْجَبَهُ بِالشُّرُوعِ لِمُشَابِهَتِهِ فَرْضَ الْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ إذَا فَعَلَتْهُ طَائِفَةٌ ثُمَّ فَعَلَتْهُ أُخْرَى هل يَقَعُ فِعْلُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ وَكَلَامُ الْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ مُضْطَرِبٌ في الْمَسْأَلَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يقول على الْبَعْضِ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُتَنَاوِلًا لِجَمَاعَةٍ لَا على سَبِيلِ الْجَمْعِ وَمُرَادُهُ بِالْجَمْعِ أَعَمُّ من التَّعْمِيمِ وَالِاجْتِمَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَسَمَهُ إلَيْهِمَا فقال في التَّنَاوُلِ على سَبِيلِ الْجَمْعِ إنَّهُ مُمْكِنٌ فَقَدْ يَكُونُ فِعْلُ بَعْضِهِمْ شَرْطًا في فِعْلِ الْبَعْضِ وقد لَا يَكُونُ ما ليس على سَبِيلِ الْجَمْعِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ على الْجَمِيعِ لَا جميعا وَلَا إنْسَانًا وَإِنَّمَا على الْبَعْضِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فَمَتَى حَصَلَ ذلك بِالْبَعْضِ لم يَلْزَمْ الْبَاقِينَ وَلَوْ كان على الْجَمِيعِ لَمَا قال لم يَلْزَمْ الْبَاقِينَ بَلْ كان يقول سَقَطَ عن الْبَاقِينَ غير أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ السُّقُوطِ بَعْدَ ذلك فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ لِيُجْمَعَ كَلَامَاهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَثِمُوا إذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمُوا وَإِنْ قُلْنَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَعْضِ وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ في بَابِ الْأَذَانِ من النِّهَايَةِ بِأَنَّ تَعْطِيلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ من الْجَمِيعِ بِمَثَابَةِ تَعْطِيلِ الْوَاحِدِ فَرْضَ الْعَيْنِ فَلِهَذَا يَنَالُ الْكَافَّةَ الْحَرَجُ في فَرْضِ الْكِفَايَةِ كما يَنَالُهُ الْوَاحِدَ في فَرْضِ الْعَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ لو اتَّفَقُوا على تَرْكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ قُوتِلُوا وَشَبَّهَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ ذلك بِمَنْ ضَمِنَ أَلْفًا عن الْمَدْيُونِ ثُمَّ تَمَنَّعَ مع الْمَضْمُونِ عنه عن الْأَدَاءِ فَيَعْصِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَرْكِ أَدَاءِ الْأَلْفِ الْمُلْتَزَمَةِ وَإِنْ كان يَقْصِدُ الْمُطَالِبُ مِنْهُمَا أَلْفًا فلما عَمَّهُمَا الْوُجُوبُ عَمَّتْهُمَا الْمَعْصِيَةُ بِالتَّرْكِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا وَجْهَيْنِ في تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ هل يَعُمُّهُمْ الْإِثْمُ أو يَخْتَصُّ بِاَلَّذِينَ نُدِبُوا إلَيْهِ من أَهْلِ الْمَيِّتِ قال النَّوَوِيُّ وَأَصَحُّهُمَا يَأْثَمُ كُلُّ من لَا عُذْرَ له الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ التَّكْلِيفُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنُوطٌ بِالظَّنِّ لَا بِالتَّحْقِيقِ التَّكْلِيفُ بِهِ مَنُوطٌ بِالظَّنِّ لَا بِالتَّحْقِيقِ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قام بِهِ غَيْرُهُ سَقَطَ عنه الْفَرْضُ وَإِنْ أَدَّى ذلك إلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَحَدٌ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لم يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ وَجَبَ عليه فِعْلُهُ وَإِنْ أَدَّى ذلك إلَى فِعْلِ الْجَمِيعِ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْغَيْرَ هل يَفْعَلُ أو لَا غَيْرُ مُمْكِنٍ إنَّمَا الْمُمْكِنُ تَحْصِيلُ الظَّنِّ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْوُجُوبُ على الْكُلِّ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَيْسَ منه تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُمْكِنُ إلَى حُصُولِ الْعِلْمِ ثُمَّ نَقُولُ إنَّمَا لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِعَدَمِ فِعْلِ الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ في الْمِثَالِ الذي ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ قال لو غَلَبَ على ظَنِّهَا أَنَّ غَيْرَهَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ سَقَطَ أَيْ في الظَّاهِرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاضِي فَيُمْكِنُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ سُقُوطُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً إذَا أتى بِهِ دَفْعَةً جَمِيعُ من خُوطِبَ بِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ وَحَصَلَ ثَوَابُهُ لهم وَيَقَعُ فِعْلُ كُلٍّ فَرْضًا إذْ ليس بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِوَصْفِهِ بِالْقِيَامِ بِالْفَرْضِ من الْبَعْضِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَرْضِيَّةِ لِلْجَمِيعِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْجَنَائِزِ عن الْأَئِمَّةِ ثُمَّ قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هو كَإِيصَالِ الْمُتَوَضِّئِ الْمَاءَ إلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ دَفْعَةً وقد اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْجَمِيعَ فَرْضٌ أو الْفَرْضَ ما يَقَعُ عليه الِاسْمُ فَقَطْ وَلَكِنْ قد يُخَيَّلُ لِلْفَطِنِ فَرْقٌ وَيَقُولُ مَرْتَبَةُ الْفَرْضِيَّةِ فَوْقَ رُتْبَةِ السُّنَّةِ وَكُلُّ مُصَلٍّ في الْجَمْعِ الْكَبِيرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْرَمَ رُتْبَةَ الْفَرْضِيَّةِ وقد قام بِمَا أُمِرَ بِهِ وَهَذَا لَطِيفٌ لَا يَصِحُّ مِثْلُهُ في الْمَسْحِ وَمِنْ هُنَا قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ اخْتَلَفُوا في أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا بَاشَرَهُ أَكْثَرُ من يَحْصُلُ بِهِ تَأَدِّي الْفَرْضِ هل يُوصَفُ فِعْلُ الْجَمِيعِ بِالْفَرْضِيَّةِ قال وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا إنَّهُ يُسْتَحَبُّ في حَقِّ من حَصَلَتْ له الْكِفَايَةُ بِغَيْرِهِ أَرَدْنَا بِهِ يُسْتَحَبُّ الشُّرُوعُ وَالِابْتِدَاءُ ولم نُرِدْ بِهِ أَنَّهُ يَقَعُ مُسْتَحَبًّا في حَقِّهِ إذَا شَرَعَ فيه مع غَيْرِهِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ يَسْقُطُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِمَنْ فَعَلَهُ أَوَّلًا إذَا أَتَوْا بِهِ على التَّعَاقُبِ فَإِنْ فَعَلَهُ من يَسْتَقِلُّ بِهِ ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ آخَرُونَ سَقَطَ بِالْأَوَّلِينَ وَوَقَعَ فِعْلُ الْآخَرِينَ فَرْضًا كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ في بَابِ الْأَذَانِ من التَّحْرِيرِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فيه وَجْهَيْنِ وَفَصَّلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فقال إنْ لَحِقُوا بِهِمْ قبل تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كان ما فَعَلُوهُ فَرْضًا وَإِنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِغَيْرِهِمْ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ لم تَحْصُلْ بَعْدُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَذَكَرَ له أَمْثِلَةً منها أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعَدُوِّ من يَسْتَقِلُّ بِدَفْعِهِمْ ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ آخَرُونَ قبل انْقِضَاءِ الْقِتَالِ فَيُكْتَبُ لهم أَجْرُ الْفَرْضِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ في الثَّوَابِ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ من تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ الْوَاجِبَةُ ثُمَّ من يَلْحَقُ بِهِ من يَشْتَغِلُ بِهِ فَيَكُونُ فَرْضًا لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لم تَكْمُلْ بَعْدُ وَمِنْهَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لو أَحْرَمَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ قبل تَسْلِيمِ الْأُولَى كَانُوا كَمَنْ صلى دَفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنْ أَحْرَمُوا بَعْدَهُ قال الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إنَّ الثَّانِيَةَ تَكُونُ فَرْضًا أَيْضًا إذْ لَا تَقَعُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ نَافِلَةً قال النَّوَوِيُّ وَلَا خِلَافَ فيه وَلَيْسَ كما قال لِمَا سَيَأْتِي عن الرُّويَانِيِّ وَمِنْهَا لو رَدَّ الْجَمِيعُ السَّلَامَ كَانُوا مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ كَانُوا مَعًا أو مُتَعَقِّبِينَ صَرَّحُوا بِهِ في السِّيَرِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ وَفِعْلُ الْبَعْضِ مُسْقِطٌ لِلْحَرَجِ فَهَلْ ذلك بِالشُّرُوعِ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ الْقَطْعِ فيه تَرَدُّدٌ وَالصَّوَابُ الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ بِنَاؤُهُ على أَنَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ هل يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ أَيْ بَعْضِ مُكَلَّفٍ لِيَخْرُجَ ما قام بِهِ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ فإنه لَا يُسْقِطُ شيئا وَلِهَذَا لو سَلَّمَ على جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَأَجَابَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُمْ بِجَوَابِهِ على الْأَصَحِّ وَقَالُوا إذَا حَجَّ عن الْمَيِّتِ لَا يَسْتَأْجِرُ صَبِيًّا لِأَنَّهُ ليس من أَهْلِ فَرْضِ الْإِسْلَامِ نعم تَسْقُطُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِصَلَاةِ الصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ عِنْدَ وُجُودِ الرِّجَالِ على الْأَصَحِّ وقال في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ الصَّبِيَّ إذَا أَذَّنَ وَقُلْنَا الْأَذَانُ فَرْضُ كِفَايَةٍ حَصَلَ الْفَرْضُ بِأَذَانِهِ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ سُقُوطُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ هل يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ لم أَرَ من تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ في تَذْكِرَةِ الْخِلَافِ في مَسْأَلَةِ تَغْسِيلِ الشَّهِيدِ الْجُنُبِ فقال غُسْلُ الْمَلَائِكَةِ لَا يُسْقِطُ ما تُعُبِّدَ بِهِ الْآدَمِيُّ في حَقِّ الْمَيِّتِ وَقِيَاسُ سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ هل يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْجِنِّ لم أَرَ فيه تَصْرِيحًا وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ على الْخِلَافِ في تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَسَنَذْكُرُهُ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ على الْمَشْهُورِ قَالَهُ ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَأَشَارَ في بَابِ اللَّقِيطِ إلَى أَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ إنَّمَا هو بَحْثٌ لِلْإِمَامِ وَلِهَذَا قالوا يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِحُضُورِ الصَّفِّ وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْجِنَازَةِ على الْأَصَحِّ بِالشُّرُوعِ وَأَمَّا تَجْوِيزُهُمْ الْخُرُوجَ من صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مع الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فَبَعِيدٌ ولم يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ في هذه الْقَاعِدَةِ شيئا بِخُصُوصِهِ وَإِنَّمَا صَحَّحُوا في أَفْرَادِ مَسَائِلِهَا ما يُخَالِفُ الْآخَرَ وَحُكِيَ عن الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ إذَا أَنِسَ من نَفْسِهِ النَّجَابَةَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عليه الْقَطْعُ وَصَحَّحَا خِلَافَهُ لِأَنَّ الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فيه بِخِلَافِ الْجِهَادِ وقال الْقَاضِي الْبَارِزِيُّ في تَمْيِيزِهِ وَلَا يَلْزَمُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ على الْأَصَحِّ إلَّا في الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ا هـ وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ في الْوَجِيزِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وقال في الْوَسِيطِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ وقال الْقَفَّالُ لَا يَلِيقُ بِأَصْلِ الشَّافِعِيِّ تَعْيِينُ الْحُكْمِ بِالشُّرُوعِ فإن الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ الْمَشْرُوعِ فيه وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ فيه وقال الْإِمَامُ في بَابِ الْتِقَاطِ الْمَنْبُوذِ وَمَنْ لَابَسَ فَرْضًا من فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وكان مُتَمَكِّنًا من إتْمَامِهِ فَإِنْ أَرَادَ الْإِضْرَابَ عنه فَقَدْ نَقُولُ ليس له ذلك وَيَصِيرُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْمُلَابَسَةِ مُتَعَيِّنًا وَهَذَا فيه نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ سَأَذْكُرُهُ في بَابِ السِّيَرِ قُلْت وَهَذَا كُلُّهُ في الْمَفْعُولِ أَوَّلًا أَمَّا لو شَرَعَ فيه بَعْدَ أَنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ هل يَلْزَمُ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ لو شَرَعَ في صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَمَا صلى عليها فَرْضَ الْكِفَايَةِ هل له الْخُرُوجُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ يَنْبَنِيَانِ على أَصْلٍ وهو أَنَّ هذه الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَقَعُ فَرْضًا أَمْ لَا وَفِيهِ جَوَابَانِ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَرْضًا لِأَنَّ الْفَرْضَ ما لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ على الْإِطْلَاقِ ا هـ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ في سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ في هذه الصُّورَةِ بِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ هل يَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ هل يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ فيه خِلَافٌ صَنَّفَ فيه ابن التِّلِمْسَانِيِّ وقد ذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ لو أَمَرَ شَخْصًا بِتَجْهِيزِ مَيِّتٍ تَعَيَّنَ عليه وَلَيْسَ له اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ وَلَا أُجْرَةَ له الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْلَى من الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ قِيلَ الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْلَى من الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ فيها الْفَرْضَ عن نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ وفي فَرْضِ الْعَيْنِ يُسْقِطُ الْفَرْضَ عن نَفْسِهِ فَقَطْ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في كِتَابِهِ الْمُحِيطِ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِهِ الْغِيَاثِيِّ وهو ظَاهِرٌ على الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْكِفَايَةِ على الْبَعْضِ وَوَهَمَ بَعْضُهُمْ فَحَكَى عن من ذَكَرَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ من فَرْضِ الْعَيْنِ وهو غَلَطٌ فإن كَلَامَهُمْ إنَّمَا هو في الْقِيَامِ بهذا الْجِنْسِ أَفْضَلُ من ذلك ثُمَّ عِبَارَةُ الْجُوَيْنِيِّ وَلِلْقَائِمِ بِهِ مَزِيَّةٌ وَلَا يَلْزَمُ من الْمَزِيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ ما يُنَازِعُ في ذلك فَفِي الْأُمِّ إنَّ قَطْعَ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أو الرَّوَاتِبِ مَكْرُوهٌ إذْ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَجَرَى عليه الْأَصْحَابُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ في بَابِهِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْإِحْيَاءِ في شُرُوطِ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْخِلَافِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِهِ وهو من فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ من لم يَتَفَرَّغْ عن فُرُوضِ الْأَعْيَانِ قال وَمَنْ عليه فَرْضُ عَيْنٍ فَاشْتَغَلَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَزَعَمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَقُّ فَهُوَ كَذَّابٌ وَمِثَالُهُ من تَرَكَ الصَّلَاةَ في نَفْسِهِ وَتَبَحَّرَ في تَحْصِيلِ الثِّيَابِ وَنَسْجِهَا قَصْدًا لِسَتْرِ الْعَوْرَاتِ ا هـ وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُخَصِّصُهُ بِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ أَوَّلًا أَمَّا من فَعَلَهُ ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ في حَقِّهِ أَفْضَلَ من فَرْضِ الْعَيْنِ لِأَنَّ السُّقُوطَ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ كنا نُسَمِّي فِعْلَ الْآخَرِينَ فَرْضًا على رَأْيٍ وقال الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الزَّمْلَكَانِيِّ ما ذَكَرَ من تَفْضِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ على فَرْضِ الْعَيْنِ مَحْمُولٌ على ما إذَا تَعَارَضَا في حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ ذلك إلَّا عِنْدَ تَعَيُّنِهَا وَحِينَئِذٍ هُمَا فَرَضَا عَيْنٍ وما يَسْقُطُ الْحَرَجُ عنه وَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى وَأَمَّا إذَا لم يَتَعَارَضَا وكان فَرْضُ الْعَيْنِ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصٍ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ له من يَقُومُ بِهِ فَفَرْضُ الْعَيْنِ أَوْلَى الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ يُتَصَوَّرُ الْمُخَيَّرُ في الْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ كما يُتَصَوَّرُ الْمُخَيَّرُ في الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ كما سَبَقَ في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ كَذَلِكَ في الْوَاجِبِ على الْكِفَايَةِ ولم أَرَ من ذَكَرَهُ وقد ظَفِرْت له بِمِثَالٍ وهو قَوْله تَعَالَى وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ منها أو رُدُّوهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرُقَهُ الْخِلَافُ أَنَّهُ هل الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ أو وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ اُسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بين قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ لو صلى على الْجِنَازَةِ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ وَقَعَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا أَيْضًا وإذا سَقَطَ الْفَرْضُ بِالْأُولَى كَيْفَ تَقَعُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ فَرْضًا وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ في بَابِ الْجَنَائِزِ من شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فقال عِبَارَةُ الْمُحَقِّقِينَ يَسْقُطُ الْحَرَجُ عن الْبَاقِينَ أَيْ لَا حَرَجَ عليهم في تَرْكِ هذا الْفِعْلِ فَلَوْ فَعَلُوهُ وَقَعَ فَرْضًا كما لو فَعَلُوهُ مع الْأَوَّلِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمَّا عِبَارَةُ من يقول سَقَطَ الْفَرْضُ عن الْبَاقِينَ فَمَعْنَاهُ سَقَطَ حَرَجُ الْفَرْضِ وَإِثْمُهُ ا هـ قُلْت وَهِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وَيَشْهَدُ له ما قَالَهُ الْمُتَوَلِّي إنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تَنْوِي بِصَلَاتِهِمْ الْفَرْضَ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِهِمْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الْحَرَجَ لَا الْفَرْضَ وَهَذَا قد يُنْكِرُهُ الشَّادِي في الْعِلْمِ وَيَقُولُ لَا مَعْنَى لِلْفَرْضِ إلَّا الذي يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فإذا كان بَعْدَ فِعْلِ الْأُولَى لَا يَلْحَقُ الثَّانِيَةَ حَرَجٌ على التَّرْكِ فَلَا مَعْنَى لِبَقَاءِ الْفَرْضِ في حَقِّهِمْ وقد أُجِيبُ عنه بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا ما يَحْصُلُ تَمَامُ الْمَقْصُودِ منه وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فَهَذَا هو الذي يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَالثَّانِي يَتَجَدَّدُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكْرَارِ الْفَاعِلِينَ له كَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَحِفْظِ الْقُرْآنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الشَّفَاعَةُ فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ وَنَحْوُهَا كُلُّ أَحَدٍ مُخَاطَبٌ بِهِ وإذا وَقَعَ يَقَعُ فَرْضًا تَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ أو لم يَتَقَدَّمْهُ وَلَا يَجُوزُ له تَرْكُهُ إلَّا بِشَرْطِ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ فإذا قام غَيْرُهُ بِهِ جَازَ التَّرْكُ وَارْتَفَعَ الْحَرَجُ فَصْلٌ في الْحَرَامِ وهو لُغَةً الْمَنْعُ قال اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَّمْنَا عليه الْمَرَاضِعَ من قَبْلُ أَيْ حَرَمْنَاهُ رَضَاعَهُنَّ وَمَنَعْنَاهُ مِنْهُنَّ إذْ لم يَكُنْ حِينَئِذٍ مُكَلَّفًا وقَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا على الْكَافِرِينَ وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ فإن حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا على شَجْوِهِ إلَّا بَكَيْت على عَمْرٍو وَعَلَيْهِ خَرَجَ قَوْله تَعَالَى وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَيْ وَوَاجِبٌ على قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عن الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ وَحُكِيَ ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنه وفي الِاصْطِلَاحِ ما يُذَمُّ فَاعِلُهُ شَرْعًا من حَيْثُ هو فِعْلٌ وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْقَبِيحُ وَالْمَنْهِيُّ عنه وَالْمَحْظُورُ وقال أبو عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ الْحَرَامُ يَكُونُ مُؤَبَّدًا وَالْمَحْظُورُ قد يَكُونُ إلَى غَايَةٍ حَكَاهُ عنه الْعَسْكَرِيُّ في فُرُوقِهِ وفي النُّكَتِ لِابْنِ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيِّ حَكَى الشَّيْخُ أبو عبد اللَّهِ يَعْنِي الْبَصْرِيَّ عن فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مُحَرَّمٌ في الْقَبِيحِ إذَا كان طَرِيقُ قُبْحِهِ مَقْطُوعًا بِهِ وَيَقُولُونَ مَكْرُوهٌ فِيمَا كان طَرِيقُهُ مُجْتَهَدًا فيه كَسُؤْرِ كَثِيرٍ من السِّبَاعِ قال ابن سُرَاقَةَ وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ في كَثِيرٍ من كُتُبِهِ مَكْرُوهًا أَيْضًا تَوَسُّعًا وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ تَنْبِيهٌ الْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِلذَّمِّ الْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِلذَّمِّ وَالْإِثْمِ لَا طَرْدًا وَلَا عَكْسًا فَقَدْ يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ على ما ليس بِحَرَامٍ كما إذَا قَدِمَ على زَوْجِهِ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً وقد يَحْرُمُ ما ليس فيه إثْمٌ كما إذَا قَدِمَ على أَجْنَبِيَّةٍ يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ وَتَحْقِيقُ ذلك أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ تَابِعَانِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ الْأَبْضَاعَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَزْوَاجَ في أَحْوَالٍ بِشُرُوطٍ وَحَرَّمَهَا بِدُونِ ذلك غير أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا جَعَلَ الْإِثْمَ يَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ فإذا قَدِمَ الْعَبْدُ على فِعْلٍ يَعْتَقِدُهُ حَلَالًا وهو حَرَامٌ لَا إثْمَ عليه تَخْفِيفًا على الْعَبْدِ وإذا أَقْدَمَ على فِعْلٍ يَظُنُّهُ حَرَامًا وهو حَلَالٌ عَاقَبَهُ على الْجُرْأَةِ فَمَعْنَى قَوْلِنَا هذا الْفِعْلُ حَرَامٌ أَنَّ الشَّارِعَ له تَشَوُّفٌ إلَى تَرْكِهِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا حَلَالٌ خِلَافُ ذلك وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ يُطْلَقَانِ تَارَةً على ما فيه إثْمٌ وما ليس فيه وهو مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ بِقَوْلِهِمْ الْحَرَامُ ما يُذَمُّ عليه وَتَارَةً على ما لِلشَّارِعِ فيه تَشَوُّفٌ إلَى تَرْكِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَطْءُ الشُّبْهَةِ أَعْنِي شُبْهَةَ الْمَحَلِّ حَرَامٌ مع الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا إثْمَ فيه وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ أَجْمَعُوا على أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ في حَالِ الِاضْطِرَارِ على رَأْيٍ وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ إلَيْهِ في حَدِّ الْحَرَامِ بِأَنَّهُ ما يُذَمُّ فَاعِلُهُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُذَمُّ بِالْقُوَّةِ أو يَكُونَ الْمُرَادُ يُذَمُّ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِحَالِهِ وَإِنْ اسْتَنْكَرْت إطْلَاقَ الْحُرْمَةِ على كُلٍّ من الْمَعْنَيَيْنِ فَانْظُرْ إلَى قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ لو اشْتَبَهَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ حُرِّمَتَا على مَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عنهما وَقَوْلُهُ إذَا قال إحْدَاكُمَا طَالِقٌ حُرِّمَتَا تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ فَإِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ في الْفَرْعَيْنِ حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ الْإِثْمِ على الْجُرْأَةِ وَهِيَ التي في عِلْمِ اللَّهِ أنها الزَّوْجَةُ في الْأُولَى وَاَلَّتِي سَيُعَيِّنُهَا في الثَّانِيَةِ وَالْأُخْرَى حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ أنها أَجْنَبِيَّةٌ فَقَوْلُهُمْ حُرِّمَتَا على مَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالْإِقْدَامِ على كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُمْ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ على الْمَعْنَى الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَثْبَتُوا التَّحَرُّمَ لِلزَّوْجَةِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَصَرَفُوهُ عنها بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي وما ذَكَرْنَاهُ ليس ذَهَابًا إلَى مُوَافَقَةِ من يقول الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ يُوصَفُ بِهِمَا الذَّوَاتُ بَلْ هو تَوَسُّطٌ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ يُوصَفُ بِهِمَا ذَوَاتُ الْأَفْعَالِ طَابَقَتْ الِاعْتِقَادَ أَمْ لَا وَهَذَا إذَا تَبَيَّنَ لَك في الْحَرَامِ نَقَلْته إلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَانْظُرْ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ قال الْفُقَهَاءُ يَجِبُ الصَّوْمُ على الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فَرُبَّ وَاجِبٍ يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِتَرْكِهِ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ وَيَكُونُ في نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا وَبِالْعَكْسِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ فِيمَنْ صلى وهو يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَعَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ غير أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُ فَهَذَا تَرَكَ الْوَاجِبَ وَلَا عِقَابَ عليه لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى تَشَوُّفِ الشَّارِعِ ولم يَتْرُكْهُ بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ مَسْأَلَةٌ الْحُرْمَةُ لَا تُلَازِمُ الْفَسَادَ الْحُرْمَةُ لَا تُلَازِمُ الْفَسَادَ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحَرَّمًا مع الصِّحَّةِ كَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَثَوْبِ الْحَرِيرِ وَفَائِدَةُ التَّحْرِيمِ سُقُوطُ الثَّوَابِ مَسْأَلَةٌ ما لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ ما لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ في مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ كما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ فَالْأَوَّلُ ما كان من أَجْزَائِهِ كَالزِّنَى فإن النَّهْيَ عنه نَهْيٌ عن أَجْزَائِهِ وَهِيَ الْإِيلَاجَاتُ وَالْإِخْرَاجَاتُ وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَقُولَ لَا تَزْنِ وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لَا تُولِجْ وَلَا تُخْرِجْ وَالثَّانِي ما كان من شُرُوطِهِ وَأَسْبَابِهِ كَمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ من الْمُفَاخَذَةِ وَالْقُبْلَةِ وَسَائِرِ الدَّوَاعِي بَعْدَ ذلك وَمِنْهُ الْعَقْدُ على الْأُمِّ فإنه لَمَّا كان سَبَبَ الْوَطْءِ وهو مَنْهِيٌّ عنه كان الْعَقْدُ الذي هو سَبَبٌ إلَيْهِ مَنْهِيًّا عنه الثَّالِثُ ما كان من ضَرُورَاتِهِ كما إذَا اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ في بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ حَرُمَ عليه نِكَاحُهُنَّ وَإِنْ كنا نَعْلَمُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَجْنَبِيَّاتِ ليس بِحَرَامٍ لَكِنْ لَمَّا اخْتَلَطَتْ بِهِنَّ الْأُخْتُ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ كان تَحْرِيمُ الْأَجْنَبِيَّاتِ من ضَرُورَاتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ وَلِهَذَا لو تَعَيَّنَتْ حَرُمَ نِكَاحُهَا على الْخُصُوصِ وَيَقْرُبُ من هذا الْقِسْمِ ما لو وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ في الْمَاءِ فإن من أَصْحَابِنَا من أَجْرَاهُ على هذا الْأَصْلِ وقال الْمَاءُ طَاهِرٌ في عَيْنِهِ ولم يَصِرْ نَجَسًا بِحَالٍ وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ مُجَاوِرَةٌ فلم يُنْهَ عن اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَسِ فَكَانَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ من ضَرُورَاتِهِ اسْتِعْمَالُ النَّجَسِ إلَّا أَنَّ هذا لَا يَلِيقُ بِأُصُولِ الشَّافِعِيِّ بَلْ هو أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّ قَاعِدَتَهُ أَنَّ الْمَاءَ جَوْهَرٌ طَاهِرٌ وَالطَّاهِرُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ نَجَسًا في عَيْنِهِ بِالنَّجَاسَةِ لِأَنَّ قَلْبَ الْأَعْيَانِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ الْخَلْقِ بَلْ هو بَاقٍ على أَصْلِ الطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا هو نَهْيٌ عن اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَيُسْتَدَلُّ على هذا بِفَضْلِ الْمُكَاثَرَةِ فإنه لو كُوثِرَ عَادَ طَهُورًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ صَارَ =================================================ج3. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الْمَاءُ عَيْنُهُ نَجَسًا بِالْمُخَالَطَةِ لَمَا تَصَوَّرَ انْقِلَابُهُ طَاهِرًا بِالْمُكَاثَرَةِ قال وهو بَاطِلٌ فإن الْمَائِعَ اللَّطِيفَ إذَا وَقَعَتْ فيه نَجَاسَةٌ خَالَطَتْ أَجْزَاؤُهُ أَجْزَاءَهَا وَامْتَزَجَتْ بِهِ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْكُلِّ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا مَعْنَى لها إلَّا الِاجْتِنَابَ وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الِاجْتِنَابِ ثَابِتٌ في الْكُلِّ وقد وَافَقَ على حِكَايَةِ هذا الْخِلَافِ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فقال فَمِنْهُمْ من قال يَصِيرُ كُلُّهُ نَجَسًا وهو اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا وَقِيلَ إنَّمَا حَرُمَ الْكُلُّ لِتَعَذُّرِ الْإِقْدَامِ على الْمُبَاحِ قال وهو يَلِيقُ بِمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ قُلْت وهو الذي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وما أَوْرَدَهُ ابن بَرْهَانٍ في الِاعْتِرَاضِ عليهم رَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ وُجُوبَ الِاجْتِنَابِ عِنْدَ اخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مُتَّفَقٌ عليه وَإِنَّمَا الْكَلَامُ في عِلَّةِ الِاجْتِنَابِ ما هِيَ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ اخْتَلَفُوا في اخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ فَقِيلَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ على كل حَالٍ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ النَّجَاسَةَ مُسْتَهْلَكَةً وَاخْتَلَفُوا في الْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ على اسْتِهْلَاكِهَا فَمِنْهُمْ من قال هِيَ عَدَمُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ وَمِنْهُمْ من قال هِيَ كَثْرَةُ الْمَاءِ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَمِنْهُمْ من قَدَّرَ الْكَثْرَةَ بِالْقُلَّتَيْنِ وَمِنْهُمْ من قَدَّرَهَا بِغَيْرِ ذلك إذَا عَلِمْت هذا فَنَقُولُ إذَا لم يُمْكِنْ الْكَفُّ عن الْمَحْظُورِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا ليس بِمَحْظُورٍ كما إذَا اخْتَلَطَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ يَقَعُ في الْمَاءِ الْقَلِيلِ أو الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِطَ وَيَمْتَزِجَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ فَيَجِبُ الْكَفُّ عن اسْتِعْمَالِهِ وَيُحْكَمُ بِتَحْرِيمِ الْكُلِّ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَكَذَا لَا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِالْمَمْنُوعِ أَصَالَةً ذَكَرَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ في أَنَّ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ حَكَى الْخِلَافَ في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيمِ على ما سَبَقَ أَمَّا إذَا لم يَخْتَلِطْ بِدُخُولِ أَجْزَاءِ الْبَعْضِ في الْبَعْضِ فَهُوَ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَجِبُ الْكَفُّ عن الْكُلِّ كَالْمَرْأَةِ التي هِيَ حَلَالٌ تَخْتَلِطُ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُطَلَّقَةُ بِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ فَيَحْرُمُ إحْدَاهَا بِالْأَصَالَةِ وَهِيَ الْمُحَرَّمَةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمَيِّتَةُ وَالْأُخْرَى بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْمُذَكَّاةُ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالْأَصَالَةِ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَلَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إلَّا بِاجْتِنَابِ ما اشْتَبَهَ بِهِ وما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقِيلَ تُبَاحُ الْمُذَكَّاةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ وَلَكِنْ يَجِبُ الْكَفُّ عنهما قال الْغَزَالِيُّ وَأَمَّا تَوَهُّمُ هذا من ظَنَّ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهُمَا أَيْ قَائِمٌ بِذَاتِهِمَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بِالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ وَهُمَا الْإِذْنُ في الْفِعْلِ وَوُجُوبُ الْكَفِّ وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ وقد يُقَالُ إنَّ مُرَادَ هذا الْقَائِلِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُذَكَّاةِ بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ وَهُمَا في نَفْسِ الْأَمْرِ مُبَاحَتَانِ فَالْخِلَافُ إذَنْ لَفْظِيٌّ الثَّانِي ما يُسْقِطُ حُكْمَ التَّحْرِيمِ كما إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسَاءِ بَلْدَةٍ عَظِيمَةٍ فَيُجْعَلُ كَالْعَدَمِ وَيُبَاحُ له نِكَاحُ أَيِّ امْرَأَةٍ أَرَادَ الثَّالِثُ ما يُتَحَرَّى فيه كَالثِّيَابِ وَالْأَوَانِي قال الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وكان الْقِيَاسُ عَدَمَ التَّحَرِّي لِأَنَّ تَرْكَ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ لَا يَتَأَتَّى بِيَقِينٍ إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ قال وَهَاهُنَا فيه خِلَافٌ يَعْنِي هل يَتَوَقَّفُ على الِاجْتِهَادِ أَمْ يَجُوزُ الْهُجُومُ بِمُجَرِّدِ الظَّنِّ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ وَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لو قال لِزَوْجَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ولم يَنْوِ مُعَيَّنَةً حُرِّمَتَا جميعا إلَى حِينِ التَّعْيِينِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةَ وَغَيْرَهَا وإذا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وقال قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَحِلُّ قَبْلَهُمَا وَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّهُ لم يُبَيِّنْ له مَحَلًّا فَصَارَ كما إذَا بَاعَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ حُرِّمَتَا جميعا وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ مَحَلِّ الطَّلَاقِ ثُمَّ عليه التَّعْيِينُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمَنْعُ في ذلك مُوجَبُ ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَمَّا الْمُضِيُّ إلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ وَالْأُخْرَى مَنْكُوحَةٌ كما تَوَهَّمُوهُ في اخْتِلَاطِ الْمَنْكُوحَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَنْقَدِحُ هَاهُنَا لِأَنَّ ذلك جَهْلٌ من الْآدَمِيِّ عَرَضَ بَعْدَ التَّعْيِينِ أَمَّا هذا فَلَيْسَ مُتَعَيِّنًا في نَفْسِهِ بَلْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى مُطْلَقًا لِإِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ا هـ وما قَالَهُ أَوَّلًا من احْتِمَالِ حِلِّ الْوَطْءِ هو الْمَنْقُولُ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ من أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ عنه ابن هُبَيْرَةَ في كِتَابِ الْخِلَافِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قِيلَ بِحِلِّ وَطْءِ إحْدَاهُمَا بِنَاءً على أَنَّ الْوَطْءَ لِإِحْدَاهُمَا تَعْيِينٌ لِلطَّلَاقِ في الْأُخْرَى كما هو أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لم يَبْعُدْ ثُمَّ إذَا عَيَّنَ إحْدَاهُمَا في نِيَّتِهِ قال الْإِمَامُ في بَابِ الشَّكِّ في الطَّلَاقِ من النِّهَايَةِ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ التَّحْرِيمَ ما لم يُقَدِّمُ بَيَانًا قال وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا عَرَفَ الْمُطَلَّقَةَ حَلَّ له وَطْءُ الْأُخْرَى في الْبَاطِنِ وهو مَمْنُوعٌ من غِشْيَانِهِمَا جميعا أَمَّا إذَا غَشِيَ إحْدَاهُمَا فما سَبَبُ الْمَنْعِ حِينَئِذٍ ثُمَّ حَمَلَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ على ما إذَا ظَهَرَتْ الْوَاقِعَةُ لِلْحَاكِمِ ولم يَثْبُتْ عِنْدَهُ تَعْيِينٌ بِالنِّيَّةِ أَمَّا لو قال لها وَلِأَجْنَبِيَّةٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ وَجْهَانِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْعِتْقِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لو قال لِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لم يَكُنْ له حُكْمٌ ثُمَّ قال وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ فإن الْوَجْهَيْنِ في نَظِيرِهِ من الطَّلَاقِ مُتَّفِقَانِ على أَنَّ له حُكْمًا وَأَثَرًا مَسْأَلَةٌ لو تَعَدَّى عَمَّا أُبِيحَ له سَبَقَ في الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا أتى بِالْقَدْرِ الزَّائِدِ هل يَقَعُ الْجَمْعُ فَرْضًا أَمْ لَا وَنَظِيرُهُ هُنَا لو تَعَدَّى عَمَّا أُبِيحَ له كما لو كَشَفَ الْعَوْرَةَ في الْخَلْوَةِ زَائِدًا على الْحَاجَةِ هل يَأْثَمُ على الْكُلِّ أو على الزَّائِدِ فَقَطْ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بن الْوَكِيلِ عن بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَأَنْكَرُوهُ عليه وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ من قَاعِدَةٍ في الْفِقْهِ وَهِيَ أَنَّ تَعَدِّيَ الْمُسْتَحِقِّ هل يَبْطُلُ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ أو يَبْقَى معه الْمُسْتَحَقُّ وَيَبْطُلُ الزَّائِدُ فيه خِلَافٌ في بَابِ الْقَسْمِ وَبَابِ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ إذَا نُسِخَ التَّحْرِيمُ هل تَبْقَى الْكَرَاهَةُ سَبَقَ في الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ هل يَبْقَى الْجَوَازُ وَنَظِيرُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ إذَا نُسِخَ التَّحْرِيمُ هل تَبْقَى الْكَرَاهَةُ ولم يَتَعَرَّضْ الْأُصُولِيُّونَ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ بين الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ اشْتِرَاكًا في الْجِنْسِ وهو مُطْلَقُ الْمَنْعِ وَامْتَازَ الْحَرَامُ بِالْجُرْمِ فإذا ارْتَفَعَ الْجُرْمُ يَبْقَى مُطْلَقُ الْمَنْعِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ فإن مَأْخَذَ الْخِلَافِ هُنَاكَ أَنَّ الْمُبَاحَ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ ولم يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ جِنْسٌ لِلْحَرَامِ مَسْأَلَةٌ الْحَرَامُ وَالْوَاجِبُ مُتَنَاقِضَانِ قد تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَرَامَ وَالْوَاجِبَ مُتَنَاقِضَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فَالْحَرَامُ بِالشَّخْصِ لَا يَكُونُ حَرَامًا وَوَاجِبًا من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا إذَا جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ يُقَالُ بِالتَّشْكِيكِ على الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ وَعَلَى الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ وَعَلَى الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ فَأَمَّا الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ كَمُطْلَقِ السُّجُودِ فَاخْتَلَفُوا هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عنه بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ وَاجِبٌ وَبَعْضَهَا حَرَامٌ فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ وَاحْتَجُّوا بِوُقُوعِهِ فإن السُّجُودَ لِلَّهِ وَاجِبٌ وَلِلصَّنَمِ حَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ قال اللَّهُ تَعَالَى لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ فَالسُّجُودُ نَوْعٌ وَاحِدٌ قد أُمِرَ بِبَعْضِهِ وَنُهِيَ عن بَعْضِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَنْهِيَّ عنه تَعْظِيمُ الصَّنَمِ لَا نَفْسُ السُّجُودِ لِأَنَّ ذلك مُحَالٌ لِنَصِّ الْآيَةِ وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ على أَنَّ السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ عَاصٍ بِنَفْسِ السُّجُودِ وَالْقَصْدِ جميعا على ما حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحُكِيَ عن أبي هَاشِمٍ أَنَّهُ قال لَا يَحْرُمُ السُّجُودُ بَلْ الْمُحَرَّمُ الْقَصْدُ إلَى ذلك بِنَاءً على أَصْلِهِ أَنَّ أَفْرَادَ النَّوْعِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَأَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ أَيْ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ليس له إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ أو له جِهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنْ لم يَكُنْ له إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا خِلَافَ في امْتِنَاعِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عنه إلَّا على رَأْيِ من يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ وَإِنْ كان له جِهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ من جِهَةٍ وَيُنْهَى عنه من جِهَةٍ كَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا يَصِحُّ لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْجِهَاتِ يُوجِبُ التَّغَايُرَ لِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ وَالْإِضَافَاتِ وَذَلِكَ يَدْفَعُ التَّنَاقُضَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ من حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بها وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا في الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ مَنْهِيٌّ عنها فَهُمَا مُتَعَلِّقَانِ مُتَغَايِرَانِ وَجَعَلُوا اخْتِلَافَ الْجِهَتَيْنِ كَاخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ من الْجِهَتَيْنِ مُنْفَكَّةٌ عن الْأُخْرَى وَاجْتِمَاعُهُمَا إنَّمَا وَقَعَ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ فَلَيْسَا مُتَلَازِمَيْنِ فَلَا تَنَاقُضَ وَذَهَبَ أبو عَلِيٍّ وأبو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّانِ وأبو شِمْرٍ الْحَنَفِيُّ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ إلَى أنها غَيْرُ مُجْزِئَةٍ وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عن أَصْبَغَ من أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ قال أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وَاخْتَارَهُ ابن الْعَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في النُّكَتِ وقال لَا وَجْهَ لِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ في إجْزَائِهَا مع خِلَافِ الزَّيْدِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وأبو شِمْرٍ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ لِذَلِكَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ في تَعْلِيقِهِ وَجْهًا عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَكَذَا ابن الصَّبَّاغِ في فَتَاوِيهِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وهو مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ لَا تَقَعُ مَأْمُورًا بها وَلَكِنْ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَهَا لَا بها كما يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالْأَعْذَارِ الطَّارِئَةِ من الْجُنُونِ وَغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا سَبَبًا لِسُقُوطِ الْفَرْضِ أو أَمَارَةً عليه على نَحْوٍ من خِطَابِ الْوَضْعِ لَا عِلَّةً لِسُقُوطِهِ لِأَنَّ ذلك يَسْتَدْعِي صِحَّتَهَا هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عنه في الْبُرْهَانِ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وَالسُّهْرَوَرْدِي وَنَقَلَ الْهِنْدِيُّ عنه لَا يَصِحُّ وقال في النِّهَايَةِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ على أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بها لَكِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا أَمْ لَا فقال الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ يَسْقُطُ عِنْدَهَا لَا بها وقال الْبَاقُونَ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ لَا بها وَلَا عِنْدَهَا بَلْ يَجِبُ عليهم الْقَضَاءُ هَكَذَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يقول بِذَلِكَ لو ثَبَتَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ على سُقُوطِ الْقَضَاءِ فَأَمَّا إذَا لم يَثْبُتْ ذلك فَلَا يقول بِسُقُوطٍ بها وَلَا عِنْدَهَا ا هـ وهو ظَاهِرُ نَقْلِ الْمُسْتَصْفَى وَلِهَذَا قال الْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ هِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْفُقَهَاءِ ثُمَّ إنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ على عَدَمِ الْقَضَاءِ قُلْنَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بها وَإِنْ لم يَصِحَّ هذا الْإِجْمَاعُ وهو الْأَصَحُّ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ انْتَهَى وَالْإِجْمَاعُ لم يَنْقُلْهُ الْقَاضِي صَرِيحًا وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِمَسْلَكٍ اسْتِنْبَاطِيٍّ على زَعْمِهِ فقال لم يَأْمُرْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ الْعُصَاةَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ التي أَقَامُوهَا في الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَرَدَّ عليه الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ كان في السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ في التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِدُونِ ما فَرَضَهُ الْقَاضِي وَضَعَّفَهُ الْإِبْيَارِيُّ قال وَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ بِدُونِهِ وَكَيْفَ لَا يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ في هذا وقال الْغَزَالِيُّ خِلَافُ أَحْمَدَ لَا يَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ بَلْ الْإِجْمَاعُ السَّالِفُ حُجَّةٌ عليه لِأَنَّ الظَّلَمَةَ لم يُؤْمَرُوا بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ مع كَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَلَوْ أُمِرُوا بِهِ لَانْتَشَرَ وَلَمَّا صَحَّتْ أَدِلَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ الْقَاضِي من لُزُومِ تَوَارُدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ في الْفِعْلِ الْوَاحِدِ الِاخْتِيَارِيِّ قال بها فَحَكَمَ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ وَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ إجْمَاعُ السَّلَفِ على أَنَّهُمْ لم يَأْمُرُوا بِالْقَضَاءِ في الْبُقَعِ الْمَغْصُوبَةِ قال إنَّ الْإِجْزَاءَ يَحْصُلُ عِنْدَهَا لَا بها قِيلَ فَإِنْ صَحَّ هذا الْإِجْمَاعُ فَلَا مَحِيصَ عَمَّا قال فإنه إعْمَالٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ من الدَّلِيلَيْنِ في مَحَلِّهِ وَأَنَّى يَصِحُّ هذا الْإِجْمَاعُ وَخِلَافُ أَحْمَدَ قد مَلَأَ الْأَسْمَاعَ فَلَوْ سَبَقَهُ إجْمَاعٌ لَكَانَ أَجْدَرَ من الْقَاضِي بِمَعْرِفَتِهِ وَمِمَّنْ مَنَعَ الْإِجْمَاعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا من الْأَئِمَّةِ وقال إلْكِيَا مُسْتَنَدُهُ في سُقُوطِ الْقَضَاءِ إجْمَاعُ الْأَوَّلِينَ وَالْإِجْمَاعُ إنْ لم يَسْلَمْ في هذه الصُّورَةِ مُمْكِنٌ تَحْقِيقُهُ مِمَّنْ عليه دَيْنٌ وهو مُمَاطِلٌ يُصَلِّي مع الْمَطْلِ فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ وَإِمْكَانُ الْإِجْمَاعِ هَاهُنَا بَعِيدٌ وقال الْمُقْتَرِحُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَسِرٌ جِدًّا لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ لَا يَصِحُّ إلَّا مع تَقْدِيرِ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ وَالْغَصْبُ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ كان قَلِيلَ الْوُقُوعِ ا ه وَعَلَى تَقْدِيرِ اطِّلَاعِهِمْ عليه فَالْإِجْمَاعُ ليس بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْقَاضِي وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ في بَابِ الْآنِيَةِ من شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ أَصْحَابَنَا يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ على الصِّحَّةِ قبل مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَهَذَا لو تَمَّ دَفَعَ مَذْهَبَ الْقَاضِي لِأَنَّهُ يُوَافِقُ على عَدَمِ الصِّحَّةِ وقال ابن بَرْهَانٍ مَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ هل عَادَ لِعَيْنِ الصَّلَاةِ أو لِأَمْرٍ خَارِجٍ عنها فَمَنْ قال بِالْأَوَّلِ أَبْطَلَهَا وَقِيلَ بَلْ أَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ هل يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ فَعِنْدَنَا لَا يَتَنَاوَلُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ مُحَرَّمًا وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَتَنَاوَلُهُ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بين طَلَبِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ في فِعْلٍ وَاحِدٍ من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِفِعْلٍ إذَا فَعَلَهُ على وَجْهٍ كَرِهَ الشَّرْعُ إيقَاعَهُ عليه لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وَقِيلَ يَتَوَجَّهُ على الْقَائِلِينَ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ يَوْمِ النَّحْرِ نَقْضًا إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُهُمْ الْغَصْبُ مُنْفَكٌّ عن الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْوُقُوعِ يوم النَّحْرِ تَخْصِيصٌ لِلدَّعْوَى بِمَا يُجَوِّزُ انْفِكَاكَ الْجِهَتَيْنِ فيه وَيَتَوَجَّهُ على الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ صَوْمُ يَوْمٍ خِيفَ على نَفْسِهِ الْهَلَاكُ فيه بِسَبَبِ الصَّوْمِ فإنه حَرَامٌ مع الصِّحَّةِ وَكَذَا إذَا صلى في الْبَلَدِ الذي حَرُمَ عليه الْمُقَامُ فيه لِأَجْلِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فإن الصَّلَاةَ تَصِحُّ إجْمَاعًا وَعَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ نَقَلَ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا يَجُوزُ عَقْلًا وَشَرْعًا وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وَالثَّالِثُ يَجُوزُ عَقْلًا لَا شَرْعًا وَالرَّابِعُ يَجُوزُ شَرْعًا لَا عَقْلًا قال وهو بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ يَصِحُّ عِنْدَهَا لَا بها وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عن أَحْمَدَ في الصِّحَّةِ ثَالِثُهَا إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لم يَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هذه الْمَسْأَلَةِ هل هِيَ من مَسَائِلِ الْقَطْعِ أو الِاجْتِهَادِ فقال الْقَاضِي الصَّحِيحُ أنها من مَسَائِلِ الْقَطْعِ وَبِهِ جَزَمَ في الْمُسْتَصْفَى وقال الْمُصِيبُ فيها وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ أَخَذَهُ من الْإِجْمَاعِ وهو قَطْعِيٌّ وَمَنْ أَبْطَلَ أَخَذَهُ من التَّضَادِّ الذي بين الْقُرْبَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَيَدَّعِي اسْتِحَالَتَهُ عَقْلًا فَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ فَكَأَنَّهُ قال انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على أنها قَطْعِيَّةٌ وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ في التَّعْيِينِ فائدتان الْأُولَى إذَا قُلْنَا يَصِحُّ فَحَكَى النَّوَوِيُّ عن الْفَتَاوَى التي نَقَلَهَا الْقَاضِي أبو مَنْصُورٍ عن عَمِّهِ أبي نَصْرِ بن الصَّبَّاغِ أَنَّ الْمَحْفُوظَ من كَلَامِ أَصْحَابِنَا بِالْعِرَاقِ أنها صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بها الْفَرْضُ وَلَا ثَوَابَ فيها وَإِنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ في كِتَابِهِ الْكَامِلِ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ الثَّوَابُ وَيَكُونُ مُثَابًا على فِعْلِهِ عَاصِيًا بِمُقَامِهِ قال الْقَاضِي أبو الْمَنْصُورِ وَهَذَا هو الْقِيَاسُ إذَا صَحَّحْنَا انْتَهَى قال ابن الرِّفْعَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُثَابُ يَعْتَضِدُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ في أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ أَجْرَ الْعَمَلِ الْوَاقِعِ قَبْلَهَا في الْإِسْلَامِ وَلَا تَجِبُ عليه الْإِعَادَةُ الثَّانِيَةُ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ في الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا وقال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ عِنْدِي أَنَّ هذا إنَّمَا هو في صَلَاةِ الْفَرْضِ لِأَنَّ فيها مَقْصُودَيْنِ أَدَاءَ ما وَجَبَ وَحُصُولَ الثَّوَابِ فإذا انْتَفَى الثَّوَابُ صَحَّتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ الْآخَرِ وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ في سُقُوطِ خِطَابِ الشَّرْعِ حُصُولَ الثَّوَابِ وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ إنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ أَجْرَ الْأَعْمَالِ الْوَاقِعَةِ في الْإِسْلَامِ وَلَا يَجِبُ عليه إعَادَتُهَا لو أَسْلَمَ وَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ أُخِذَتْ منه الزَّكَاةُ قَهْرًا لَا يُثَابُ عليها لِفَقْدِ النِّيَّةِ منه وَسَقَطَ بها خِطَابُ الشَّرْعِ عنه لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ السَّهْمَانِ وَلِهَذَا قال ابن الْخَطِيبِ وَإِنْ قام الْإِجْمَاعُ على عَدَمِ وُجُوبِ إعَادَتِهَا فَنَقُولُ سَقَطَ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بها وَلِهَذَا قال في التَّنْبِيهِ فَإِنْ صلى لم يُعِدْ ولم يَقُلْ صَحَّتْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ في الْمُهَذَّبِ وإذا كان كَذَلِكَ فَصَلَاةُ النَّفْلِ لَا مَقْصُودَ فيها غير الثَّوَابِ فإذا لم يَحْصُلْ لَا تَنْعَقِدُ وَإِطْلَاقُ من أَطْلَقَ مَحْمُولٌ على التَّقْيِيدِ بِالْفَرْضِ ا ه فَرْعٌ كَوْنُ الْوَاحِدِ وَاجِبًا وَحَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ قال الْجُمْهُورُ الْمُجَوِّزُونَ كَوْنُ الْوَاحِدِ وَاجِبًا وَحَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ هذا إذَا أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَكًّا عن الْآخَرِ أَمَّا إذَا لم يُمْكِنْ ذلك بِحَيْثُ لَا يَخْلُو الْمُخَاطَبُ عنهما بِأَنْ يَقُولَ لَا تَنْطِقْ وَلَا تَسْكُتْ وَلَا تَتَحَرَّكْ وَلَا تَسْكُنْ فَإِنْ مَنَعْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ مَنَعْنَاهُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَوَّزْنَاهُ عَقْلًا لَكِنَّهُ لم يَقَعْ فَعَلَى هذا من تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً أو تَخَطَّى زَرْعَ غَيْرِهِ ثُمَّ تَابَ وَتَوَجَّهَ لِلْخُرُوجِ وَاخْتَارَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ أو أَدْخَلَ فَرْجَهُ في مُحَرَّمٍ ثُمَّ خَرَجَ فَخُرُوجُهُ وَاجِبٌ لَا تَحْرِيمَ فيه وَإِنْ وُجِدَ فيه اعْتِبَارَانِ الشَّغْلُ وَالتَّفْرِيغُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِالتَّفْرِيغِ إلَّا بِالشَّغْلِ قال الْقَاضِي هذا هو الْمُخْتَارُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في كَفِّ الزَّانِي عن الزِّنَى قال ابن بَرْهَانٍ وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عليه كَافَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال أبو هَاشِمٍ خُرُوجُهُ كَلُبْثِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ في مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَذَلِكَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عنه بهذا الِاعْتِبَارِ وَمَأْمُورٌ بِهِ لِأَنَّهُ انْفِصَالٌ عن الْمُكْثِ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عنه وَحَكَاهُ الْقَاضِي عن أبي الشَّمِر من الْأُصُولِيِّينَ وهو في الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لِجَمْعِهِ بين النَّقِيضَيْنِ فإنه مَنْهِيٌّ عن الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ في فِعْلٍ وَاحِدٍ وقد بَنَاهُ أبو هَاشِمٍ على أَصْلِهِ الْفَاسِدِ في الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَأَصْلُهُ الْفَاسِدُ من مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ هل يَبْقَى مُسْتَمِرًّا أو يَنْقَطِعُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ كان مُتَعَمِّدًا لِتَوَسُّطِهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يَعْصِي بِمَا تَوَرَّطَ بِهِ من الْعُدْوَانِ السَّابِقِ وقال وهو مُرْتَبِكٌ في الْمَعْصِيَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ مع انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَاصٍ في خُرُوجِهِ وَلَا نَهْيَ عليه فَسُقُوطُ النَّهْيِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَتَعْصِيَتُهُ لِتَسَبُّبِهِ الْأَوَّلِ وهو بَعِيدٌ إذْ ليس في الشَّرْعِ مَعْصِيَةٌ من غَيْرِ نَهْيٍ وَلَا عِقَابٌ من غَيْرِ نَهْيٍ وهو قَرِيبٌ من مَذْهَبِهِ في مَسْأَلَةِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ قال وَكَذَلِكَ من غَصَبَ مَالًا وَغَابَ بِهِ ثُمَّ تَابَ وَتَوَجَّهَ رَاجِعًا وَكَذَا اسْتَبْعَدَهُ ابن الْحَاجِبِ وَضَعَّفَهُ الْغَزَالِيُّ لِاعْتِرَافِهِ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ فَالْمَعْصِيَةُ إلَى مَاذَا تَسْتَنِدُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ إلَّا بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عنه أو تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ وقد سَلِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ فَانْتَهَضَ الدَّلِيلُ عليه فَإِنْ قِيلَ فيه جِهَتَانِ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِافْتِرَاغِ مِلْكِ الْغَيْرِ وَالنَّهْيُ عن اللُّبْثِ كَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ سَوَاءٌ كما قَالَهُ في الْبُرْهَانِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْخُرُوجَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فإن الِامْتِثَالَ مُمْكِنٌ وَإِنَّمَا جاء الِاتِّحَادُ من جِهَةِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَا خَيْرَ لِلْعَبْدِ فيه فَلَا يُكَلَّفُ قلت وقد تَعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فقال في كِتَابِ الْحَجِّ في الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ وَلَا رُخْصَةَ له في تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ على غَسْلِهِ وَهَذَا مُرَخَّصٌ له في التَّيَمُّمِ إذَا لم يَجِدْ مَاءً وَلَوْ غَسَلَ الطِّيبَ غَيْرُهُ كان أَحَبَّ إلَيَّ وَإِنْ غَسَلَهُ هو بيده يَفْتَدِي من غَسْلِهِ قِيلَ إنَّ عليه غَسْلَهُ وَإِنْ مَاسَّهُ فَلَا إنَّمَا مَاسَّهُ لِيُذْهِبَهُ عنه ثُمَّ يُمَاسُّهُ لِيَتَطَيَّبَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُهُ وَهَذَا ما وَجَبَ عليه الْخُرُوجُ منه خَرَجَ منه كما يَسْتَطِيعُ وَلَوْ دخل دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنٍ لم يَكُنْ جَائِزًا له وكان عليه الْخُرُوجُ منها ولم أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ وَإِنْ كان يَمْشِي ما لم يُؤْذَنْ له وَلِأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ من الذَّنْبِ لَا لِلزِّيَادَةِ منه فَهَكَذَا هذا الْبَابُ كُلُّهُ ا هـ لَفْظُهُ وهو صَرِيحٌ في أَنَّ من تَوَرَّطَ في الْوُقُوعِ في حَرَامٍ فَيَتَخَلَّصُ منه لَا يُوصَفُ حَالَةَ التَّخَلُّصِ بِالْإِثْمِ لِأَنَّهُ تَارِكٌ له فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ كما لو خَرَجَ من الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الدُّخُولِ وقال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في كِتَابِ الصَّوْمِ من الْفُرُوقِ قد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على تَأْثِيمِ من دخل أَرْضًا غَاصِبًا ثُمَّ قال فإذا قَصَدَ الْخُرُوجَ منها لم يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ ا هـ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ نَفْسَ إشْغَالِ الْحَيِّزِ بَاقٍ على تَحْرِيمِهِ وَنَفْسَ الِانْتِقَالِ هو جَائِزٌ بَلْ هو وَاجِبٌ إذْ هو وَسِيلَةٌ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ وَمِثْلُهُ لو قال إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ هل يَمْتَنِعُ عليه الْوَطْءُ قال ابن خَيْرَانَ نعم لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ وَالنَّزْعَ يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وقال عَامَّةُ الْأَصْحَابِ بَلْ يَجُوزُ وَنَصَّ عليه في الْأُمِّ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَقَعُ في النِّكَاحِ وَاَلَّذِي يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ هو النَّزْعُ وَالنَّزْعُ تَرْكُ الْمَأْثَمِ وَالْخُرُوجُ عن الْمَعْصِيَةِ ليس بِحَرَامٍ قال الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ ذلك ما لو قال لِرَجُلٍ اُدْخُلْ دَارِي وَلَا تُقِمْ فيها ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ غَرَضَهُ يَظْهَرُ بِمَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا أبو هَاشِمٍ فَحَارَتْ فيها عُقُولُ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ من تَوَسَّطَ جَمْعًا من الْجَرْحَى وَجَثَمَ على صَدْرِ وَاحِدٍ منهم وَعَلِمَ أَنَّهُ لو بَقِيَ على ما هو عليه لَهَلَكَ من تَحْتَهُ وَلَوْ انْتَقَلَ لَهَلَكَ آخَرُ يَعْنِي مع تَسَاوِي الرَّجُلَيْنِ في جَمِيعِ الْخِصَالِ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لم أَتَحَصَّلْ فيها من قَوْلِ الْفُقَهَاءِ على ثَبْتٍ وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عن صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مع اسْتِمْرَارِ حُكْمِ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ وَوَجْهُ السُّقُوطِ اسْتِحَالَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَاسْتِمْرَارُ الْعِصْيَانِ لِتَسَبُّبِهِ إلَى ما لَا يَخْلُصُ منه وَلَوْ فُرِضَ إلْقَاءُ رَجُلٍ على صَدْرِ آخَرَ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْوَاقِعِ اخْتِيَارٌ فَلَا تَكْلِيفَ وَلَا عِصْيَانَ وقال الْغَزَالِيُّ يَحْتَمِلُ ذلك وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يَمْكُثُ فإن الِانْتِقَالَ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ وَيُحْتَمَلُ التَّخْيِيرُ وقال في الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلَّهِ فيه فَلَا يُؤْمَرُ بِمُكْثٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَكِنْ إنْ تَعَدَّى في الِابْتِدَاءِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْعُدْوَانِ وَإِنْ لم يَتَعَدَّ فَلَا تَكْلِيفَ عليه وَنَفَى الْحُكْمُ حُكْمَ اللَّهِ في هذه الصُّورَةِ وقال في آخِرِ الْكِتَابِ حُكْمُ اللَّهِ فيه أَنْ لَا حُكْمَ وهو نَفْيُ الْحُكْمِ هذا ما قَالَهُ الْإِمَامُ فيه ولم أَفْهَمْهُ بَعْدُ وقد كَرَّرْتُهُ عليه مِرَارًا وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ذلك قبل وُرُودِ الشَّرَائِعِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ فإنه جَمَعَ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كان لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مُحَقَّقَةٌ لَا دَلِيلَ عليها قال الْإِبْيَارِيُّ وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ مع الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ هذا لَا أَفْهَمُهُ يَعْنِي لَا لِعَجْزِ السَّامِعِ عن فَهْمِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ غير مَفْهُومٍ في نَفْسِهِ ا هـ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت انْتِفَاءَ الْحُكْمِ يَعْنِي الْحُكْمَ الْخَاصَّ وَهِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ وَتَكُونُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ حُكْمًا لِلَّهِ بهذا الِاعْتِبَارِ وقد قال في كِتَابِ الصَّدَاقِ من النِّهَايَةِ ليس يَبْعُدُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عنه فِيمَا فَعَلَهُ وَهَذَا حُكْمٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ انْتِقَالُك ابْتِدَاءُ فِعْلٍ مِنْك وَاسْتِقْرَارُك في حُكْمِ اسْتِدَامَةِ ما وَقَعَ ضَرُورِيًّا وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَجِبُ في مِثْلِ ذلك إذَا كان مُمْكِنًا وإذا امْتَنَعَ بِإِيجَابِهِ بِحَالٍ وَالْمُمْتَنِعُ شَرْعًا كَالْمُمْتَنِعِ حِسًّا وَطَبْعًا قال وَهَذَا في الدِّمَاءِ لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ فَالتَّحْقِيقُ فيها ليس بِالْبِدْعِ فَلَوْ وَقَعَ بين أَوَانٍ وَلَا بُدَّ من انْكِسَارِ بَعْضِهَا أَقَامَ أو انْتَقَلَ فَيَتَعَيَّنُ في هذه الصُّورَةِ التَّخْيِيرُ ا هـ وقد سَأَلَ الْغَزَالِيُّ الْإِمَامَ في كِبَرِهِ عن هذا فقال له كَيْفَ تَقُولُ لَا حُكْمَ وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عن حُكْمٍ فقال حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ فقلت له لَا أَفْهَمُ هذا وقال ابن بَرْهَانٍ إنْ تَسَبَّبَ إلَى الْوُقُوعِ أَثِمَ بِالنَّسَبِ وَإِلَّا فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ وقال ابن عَقِيلٍ من الْحَنَابِلَةِ إنْ وَقَعَ على الْجَرْحَى بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ الْمُكْثُ وَلَا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بِسُقُوطِهِ وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِاسْتِمْرَارٍ وَكُرْهٍ أو بِانْتِقَالِهِ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَلَا يَجُوزُ له أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى آخَرَ قَطْعًا وقال ابن الْمُنِيرِ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ يُحْتَمَلُ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عليه لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِالِاخْتِيَارِ مُهْلِكٍ وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ فإنه أَشْبَهُ بِالْعَدَمِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَنْتَقِلُ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ في سَلَامَةِ الْمُنْتَقِلِ عنه وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَهْلِكَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ أو يَمُوتَ بِأَجَلِهِ قبل الْجُثُومِ إلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِتَعَادُلِ الْمَفْسَدَتَيْنِ قال وَلَعَمْرِي لقد دَلَّسَ بِفَرْضِهَا لِأَنَّهُ لَا يَضِيقُ كما زَعَمَ إلَّا بِأَنْ نَفْرِضَ جَوْهَرَيْنِ مُفْرَدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ قد جَثَمَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ على أَحَدِهِمَا فَإِنْ بَقِيَ أَهْلَك وَإِنْ انْتَقَلَ فَرَّ من انْتِقَالِهِ عن الْجَوْهَرِ الْأَوَّلِ وهو زَمَنُ جُثُومِهِ على الْجَوْهَرِ الثَّانِي لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ وَهَذَا فَرْضٌ مُسْتَحِيلٌ فإن الْأَجْسَامَ أَوْسَعُ من ذلك وَأَزْمِنَةُ انْتِقَالِهَا مَعْدُودَةٌ فَهُوَ إذَا انْتَقَلَ مَضَتْ أَزْمِنَةٌ بين الِانْتِقَالِ وَالْجُثُومِ هو فيها سَالِمٌ من الْقَضِيَّتَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ الثَّانِي قبل الْجُثُومِ عليه فَيَسْلَمُ من الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا فَالِانْتِقَالُ مُتَرَجِّحٌ فَيَتَعَيَّنُ وَكَذَلِكَ مُتَوَسِّطُ الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ حُكْمُ اللَّهِ عليه وُجُوبُ الْخُرُوجِ وَيَكُونُ بِهِ مُطِيعًا لَا عَاصِيًا قال وَالْعَجَبُ من قَوْلِ الْإِمَامِ في مَسْأَلَةِ أبي هَاشِمٍ لَا تَكْلِيفَ على الْمُتَوَسِّطِ وَبِخُلُوِّ الْوَاقِعَةِ مع الْتِزَامِهِ في بَابِ الْقِيَاسِ عَدَمَ الْخُلُوِّ وَاحْتِجَاجِهِ بِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ تَكْمِيلٌ تَضَادُّ الْمَكْرُوهِ وَالْوَاجِبِ كما يَتَضَادُّ الْحَرَامُ وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ وَالْوَاجِبُ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ فَإِنْ انْصَرَفَتْ الْكَرَاهَةُ عن ذَاتِ الْوَاجِبِ إلَى غَيْرِهِ صَحَّ الْجَمْعُ كَكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ في الْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا وقال الرَّافِعِيُّ الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مَسْأَلَةٌ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَحْرُمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ من أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ وَمِنْهُمْ من مَنَعَ ذلك وقال لم تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ وَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفُورًا على جَعْلِ أو بِمَعْنَى الْوَاوِ وَمِنْهُمْ من مَنَعَ ذلك من جِهَةِ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ إذَا قَبُحَ أَحَدُهُمَا قَبُحَ الْآخَرُ فَيَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيِّ في أُصُولٍ عن بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلَ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ مُحْتَجًّا أَنَّ النَّهْيَ في الْآيَةِ عن طَاعَتِهِمَا جميعا قال وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ على أَنَّ الْمُرَادَ في الشَّرْعِ النَّهْيُ عن طَاعَتِهِمَا جميعا لم تُحْمَلْ الْآيَةُ على ذلك وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَوُقُوعُهُ وَعَلَى هذا فَاخْتَلَفُوا فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْكُلِّ بَلْ الْمُحَرَّمُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ وَيَجُوزُ له فِعْلُ أَحَدِهِمَا وَإِنَّمَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عن الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كما في جَانِبِ الْإِيجَابِ كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال الْمُعْتَزِلَةُ الْكُلُّ حَرَامٌ كَقَوْلِهِمْ في جَانِبِ الْإِيجَابِ الْكُلُّ وَاجِبٌ لَكِنَّهُمْ لم يُوجِبُوا الْجَمْعَ هُنَاكَ وَهُنَا أَوْجَبُوا اجْتِنَابَ الْكُلِّ فَيَبْقَى النِّزَاعُ هُنَا مَعْنَوِيًّا بِخِلَافِ ما قَالُوهُ وَتَوَقَّفَ فيه الْهِنْدِيُّ إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ قال وَالْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بين الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ كما يَتْبَعُ الْحُسْنَ الْخَاصَّ عِنْدَهُمْ فَكَذَا التَّحْرِيمُ يَتْبَعُ الْقُبْحَ الْخَاصَّ فَإِنْ وَجَبَ الْكَفُّ عن الْجَمِيعِ بِنَاءً على اسْتِوَائِهِمَا في الْمَعْنَى الذي يُوجِبُ التَّحْرِيمَ فَلْيَجِبْ فِعْلُ الْجَمِيعِ في صُورَةِ الْوُجُوبِ بِنَاءً على اسْتِوَائِهِمَا في الْمَعْنَى الذي يَقْتَضِي الْإِيجَابَ قُلْت مَأْخَذُ الْخِلَافِ هُنَا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا مُتَعَلَّقَ التَّحْرِيمِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ وَنَقُولُ مُتَعَلِّقُ أَحَدِ الْخُصُوصِيَّيْنِ وَإِنْ شِئْت قُلْت إحْدَى الْحِصَّتَيْنِ الْمُعَيَّنَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ من الْمُتَأَخِّرِينَ فإنه فَرَّقَ بين الْأَمْرِ الْمُخَيَّرِ بين وَاحِدٍ من الْأَشْيَاءِ وَالنَّهْيِ الْمُخَيَّرِ فإن الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْهُومِ أَحَدِهَا وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلَّقُ التَّخْيِيرِ وَلَا يَلْزَمُ من إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ الْخُصُوصِيَّاتِ كما مَضَى وَأَمَّا النَّهْيُ فإنه إذَا تَعَلَّقَ بِالْمُشْتَرَكِ لَزِمَ منه تَحْرِيمُ الْخُصُوصِيَّاتِ لِأَنَّهُ لو دخل منه فَرْدٌ إلَى الْوُجُودِ لَدَخَلَ في ضِمْنِهِ الْمُشْتَرَكُ الْمُحَرَّمُ وَوَقَعَ الْمَحْذُورُ كما إذَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ يَلْزَمُ تَحْرِيمُ السَّمِينِ منه وَالْهَزِيلِ وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا لَاقَى في الْمَجْمُوعِ عَيْنًا لَا الْمُشْتَرَكَ بين الْأَفْرَادِ فَالْمَطْلُوبُ منه أَنْ لَا يَدْخُلَ مَاهِيَّةُ الْمَجْمُوعِ في الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةُ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ جُزْءٍ منها وَأَيُّ أُخْتٍ تَرَكَهَا خَرَجَ عن عُهْدَةِ الْمَجْمُوعِ فَلَيْسَ كَالْأَمْرِ وقال الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ من الْمُتَأَخِّرِينَ الْحَقُّ نَفْيُ التَّحْرِيمِ الْمُخَيَّرِ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ في الْأُخْتَيْنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كما نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا إحْدَاهُمَا وَلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فإن الْوَاجِبَ إمَّا أَحَدُهَا أو كُلٌّ مِنْهُمَا على التَّخْيِيرِ وفي كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ إشَارَةٌ إلَيْهِ وما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مَأْخَذُهُ من قَوْلِهِ إنَّ النَّهْيَ عن نَوْعٍ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عن كل أَفْرَادِهِ إذْ في كل فَرْدٍ النَّهْيُ مِثْلُ لَا تَزْنِ فَلَا شَيْءَ من الزِّنَى بِحَلَالٍ وَإِلَّا لَصَدَقَ أَنَّهُ زِنًى وَالْأَمْرُ على هذا الْوَجْهِ غير أَنَّ قَوْمًا يَتَلَقَّوْنَ ذلك من كَوْنِ النَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ وَآخَرُونَ يَتَلَقَّوْنَهُ من أَنَّ النَّهْيَ عن الْكُلِّ يَسْتَلْزِمُ بَعْضَ أَفْرَادِهِ وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ من الْمُعْتَزِلَةِ النَّهْيُ عن أَشْيَاءَ على التَّخْيِيرِ إنْ كان على سَبِيلِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُلُوُّ منها كُلِّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفُورًا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عن الْجَمِيعِ وَإِلَّا لم يَحْسُنْ النَّهْيُ عن كُلِّهَا كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ في يَدِك حَرَكَةً وَلَا سُكُونًا وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الذي يَقْتَضِيهِ رَأْيُ أَصْحَابِنَا في النَّهْيِ عن أَشْيَاءَ على التَّخْيِيرِ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عنه وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْأَضْدَادُ بِجُمْلَتِهَا قَبِيحَةً وَلَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ عن وَاحِدٍ منها فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُنْهَى عنها بِأَجْمَعَ فإذا نهى عن ضِدَّيْنِ قد يَنْفَكُّ عنهما إلَى ثَالِثٍ صَحَّ وَيَصِحُّ منه فِعْلُهَا جميعا لِأَنَّ أَيَّ وَاحِدٍ منها فَعَلَهُ كان قَبِيحًا وَالنَّهْيُ عنهما مع تَضَادِّهِمَا عن الْجَمْعِ لَا يَحْسُنُ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا ليس في الْمَقْدُورِ وما لَا يَقْدِرُ عليه لَا يُكَلَّفُ بِهِ وَمَتَى ما أَمَرَ بِشَيْئَيْنِ ضِدَّيْنِ كان له فِعْلُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ ما قَدَّمْنَاهُ من أَنَّهُ إذَا لَزِمَ الْمُكَلَّفَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ كَانَا وَاجِبَيْنِ على التَّخْيِيرِ فإذا نُهِيَ عن أَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ النَّهْيِ فَأَمَّا النَّهْيُ عن شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا على التَّخْيِيرِ فَلَا يَصِحُّ وَيُفَارِقُ الْأَمْرَ في ذلك وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ مِمَّا يُفَارِقُ الْأَمْرَ النَّهْيُ أَنَّهُ إذَا نُهِيَ عن أَشْيَاءَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ لم يَجُزْ له فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَفْظُ التَّخْيِيرِ فيه كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم الْآيَةَ مَسْأَلَةٌ هل يُقَالُ هذا أَحْرَمُ من هذا سَبَقَ في بَحْثِ الْوَاجِبِ خِلَافٌ في أَنَّهُ هل يُقَالُ هذا أَوْجَبُ من هذا أَجْرَاهُ ابن بَزِيزَةَ في شَرْحِ الْأَحْكَامِ في أَنَّهُ هل يُقَالُ هذا أَحْرَمُ من هذا أَمْ لَا قال وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَقُولٌ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أو كَثْرَةِ الزَّوَاجِرِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الطَّلَبِ وقد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على أَنَّ الزِّنَى بِالْأُمِّ أَشَدُّ من الزِّنَى بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ الزِّنَى في الْمَسْجِدِ آثَمُ من الزِّنَى في الْكَنِيسَةِ وقد رَدَّ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ شِدَّةَ التَّحْرِيمِ فيه إلَى أَنَّهُ فَعَلَ حَرَامَيْنِ وَالْكَلَامُ لم يَقَعْ إلَّا في مَحَلٍّ وَاحِدٍ ا هـ خَاتِمَةٌ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ من فِعْلِ الْحَرَامِ قِيلَ تَرْكُ الْوَاجِبِ في الشَّرِيعَةِ بَلْ وفي الْعَقْلِ أَعْظَمُ من فِعْلِ الْحَرَامِ لِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ أَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ وَتَرْكَ الْمُحَرَّمِ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وَلِهَذَا قال تَعَالَى إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ فَبَيَّنَ أَنَّ ما في الصَّلَاةِ من ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ مِمَّا فيها من النَّهْيِ عن الْفَحْشَاءِ الثَّانِي أَنَّ أَعْظَمَ الْحَسَنَاتِ هو الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وهو أَدَاءُ وَاجِبٍ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ كُفْرٌ فَصْلٌ في الْمُبَاحِ وهو ما أُذِنَ في فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ من حَيْثُ هو تَرْكٌ له من غَيْرِ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِاقْتِضَاءِ مَدْحٍ أو ذَمٍّ فَخَرَجَ بِالْإِذْنِ بَقَاءُ الْأَشْيَاءِ على حُكْمِهَا قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فإنه لَا يُسَمَّى مُبَاحًا وَخَرَجَ فِعْلُ اللَّهِ فَلَا يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَقِّ كما قَالَهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وَالْأُسْتَاذُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مَأْذُونٌ له فيه وَقَوْلُنَا من حَيْثُ هو تُرِكَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ قد يَتْرُكُ الْمُبَاحَ بِالْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سَوَاءً بَلْ يَكُونُ تَرْكُهُ وَاجِبًا وَإِنَّمَا يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ إذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ بمثله كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وقد يُتْرَكُ بِالْوَاجِبِ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمُتَعَيَّنِ عليه وقد يُتْرَكُ بِمَنْدُوبٍ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وقد يُتْرَكُ بِالْحَرَامِ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْكَذِبِ وَالْقَذْفِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُكْمَ الْمُبَاحِ يَتَغَيَّرُ بِمُرَاعَاةِ غَيْرِهِ فَيَصِيرُ وَاجِبًا إذَا كان في تَرْكِهِ الْهَلَاكُ وَيَصِيرُ مُحَرَّمًا إذَا كان في فِعْلِهِ فَوَاتُ فَرِيضَةٍ أو حُصُولُ مَفْسَدَةٍ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَيَصِيرُ مَكْرُوهًا إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ نِيَّةُ مَكْرُوهٍ وَيَصِيرُ مَنْدُوبًا إذَا قَصَدَ بِهِ الْعَوْنَ على الطَّاعَةِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْإِحْيَاءُ بَعْضُ الْمُبَاحِ يَصِيرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عليه صَغِيرَةً كَالتَّرَنُّمِ بِالْغِنَاءِ وَلَعِبِ الشَّطْرَنْجِ وَكَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً من أَصْحَابِنَا حَدُّوا الْمُبَاحَ بِأَنَّهُ الذي لَا حَرَجَ في فِعْلِهِ وَلَا في تَرْكِهِ مع قَوْلِهِمْ إنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَالْجَمْعُ بين الْكَلَامَيْنِ عَسِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبَاحَ بهذا التَّفْسِيرِ يَدْخُلُ فيه فِعْلُ اللَّهِ وَفِعْلُ السَّاهِي وَالْغَافِلِ وَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ في ذلك لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بها فإذا شَمِلَتْ الْإِبَاحَةُ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ التي تَمْنَعُ كَوْنَهَا مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ امْتَنَعَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الْإِبَاحَةِ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَإِلَّا لَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَفْعَالُ وقد تَقَرَّرَ أنها مُتَعَلِّقَةٌ بها وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْحَلَالُ وَالْمُطْلَقُ وَالْجَائِزُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ كُلُّ مُبَاحٍ جَائِزٌ وَلَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ مُبَاحًا فَإِنَّا نَقُولُ في أَفْعَالِ اللَّهِ إنَّهَا جَائِزٌ حُدُوثَهَا وَلَا نَقُولُ إنَّهَا مُبَاحَةٌ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وهو سُبْحَانَهُ يُرِيدُ الْمُبَاحَ إذَا وَقَعَ لِتَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ ثَمَّتَ بِكُلِّ الْمُرَادَاتِ وَخَالَفَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْمُبَاحِ وَلَا كَارِهٍ له وَنَشَأَ من هذه الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قالوا لو أَرَادَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فِعْلَ شَيْءٍ وَرَدَتْ فيه صِيغَةُ الْأَمْرِ لم يَكُنْ ذلك إلَّا تَكْلِيفًا مَسْأَلَةٌ ما يُطْلَقُ عليه الْمُبَاحُ يُطْلَقُ الْمُبَاحُ على ثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْأَوَّلُ وهو الْمُرَادُ هُنَا ما صَرَّحَ فيه الشَّرْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بين الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ لِلْمُسَافِرِ إنْ شِئْت فَصُمْ وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ الثَّانِي ما سَكَتَ عنه الشَّرْعُ فَيُقَالُ اسْتَمَرَّ على ما كان وَيُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ على أَحَدِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثِ وهو ما جَازَ فِعْلُهُ اسْتَوَى طَرَفَاهُ أو لَا وقد يُطْلَقُ الْمُبَاحُ على الْمَطْلُوبِ وَمِنْهُ قَوْلُنَا الْحَلْقُ في الْحَجِّ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ فيه أَنَّهُ ليس بِشَرْطٍ في التَّحْلِيلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وقد يَجْرِي في كَلَامِ الْفُقَهَاءِ جَازَ له أو لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ الْوُجُوبَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كان الْفِعْلُ دَائِرًا بين الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فَيَسْتَفِيدُ بِقَوْلِهِمْ يَجُوزُ نَفْيُ الْحُرْمَةِ فَيَبْقَى الْوُجُوبُ وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ رَمَضَانَ بِالْحِسَابِ إنَّهُ يَجُوزُ له الصَّوْمُ لِأَنَّ مِثْلَ هذا الْفِعْلِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ وَكَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ في الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ لِأَنَّهُ لو صَحَّ وَجَبَ مَسْأَلَةٌ من صِيَغِ الْمُبَاحِ وَمِنْ صِيَغِهِ أَعْنِي الْمُبَاحَ رَفْعُ الْحَرَجِ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِلسَّائِلِ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ وَمِنْ صِيَغِهِ في الْقُرْآنِ نَفْيُ الْجُنَاحِ وَمِنْ ثَمَّ صَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقَصْرَ مُبَاحٌ لَا وَاجِبٌ من قَوْله تَعَالَى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا من الصَّلَاةِ وَالْجُنَاحُ الْإِثْمُ وَهَذَا من صِفَةِ الْمُبَاحِ لَا الْوَاجِبِ وَأُجِيبُ عن قَوْله تَعَالَى إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عليه أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا نُزُولُهَا على سَبَبٍ وهو ظَنُّهُمْ أَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ جَائِزٍ وَثَانِيهِمَا أنها نَزَلَتْ في أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قبل وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مَسْأَلَةٌ الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ يَلْتَفِتُ إلَى تَفْسِيرِ الْمُبَاحِ إنْ عَرَّفَهُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ وهو اصْطِلَاحُ الْأَقْدَمِينَ فَنَفْيُ الْحَرَجِ ثَابِتٌ قبل الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ من الشَّرْعِ وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِعْلَامِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ فَالْإِعْلَامُ بِهِ إنَّمَا يُعْلَمُ من الشَّرْعِ فَيَكُونُ شَرْعِيًّا مَسْأَلَةٌ الْإِبَاحَةُ لَيْسَتْ بِتَكْلِيفٍ الْإِبَاحَةُ وَإِنْ كانت شَرْعِيَّةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِتَكْلِيفٍ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ فإنه قال إنَّهُ تَكْلِيفٌ على مَعْنَى أَنَّا كُلِّفْنَا اعْتِقَادَ إبَاحَتِهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لِلْإِبَاحَةِ ليس بِمُبَاحٍ بَلْ وَاجِبٍ وَكَلَامُنَا في الْمُبَاحِ وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هو تَكْلِيفٌ بِمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَحِلُّ له الْإِقْدَامُ على فِعْلٍ حتى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فيه وقد يَنْفَصِلُ عن هذا بِأَنَّ الْعِلْمَ بِحُكْمِ الْمُبَاحِ خَارِجٌ عن نَفْسِ الْمُبَاحِ قال الْمَازِرِيُّ وقد غَلَّطَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ وَقَعَ فيه حَيْثُ قال في حَدِّ الْفِقْهِ إنَّهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ وفي الْفِقْهِ مُبَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ قال بَعْضُهُمْ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِدُخُولِ الْمُبَاحِ في التَّكْلِيفِ هل دخل فيه بِإِذْنٍ أو أَمْرٍ على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا بِإِذْنٍ لِيَخْرُجَ عن حُكْمِ النَّدْبِ وَالثَّانِي بِأَمْرٍ دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ كما أَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ دُونَ أَمْرِ الْوَاجِبِ وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى خُرُوجِهِ من التَّكْلِيفِ بِإِذْنٍ أو أَمْرٍ لِاخْتِصَاصِ التَّكْلِيفِ بِمَا تَضَمَّنَهُ ثَوَابٌ أو عِقَابٌ مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ لَا يُسَمَّى قَبِيحًا أَجْمَعُوا على أَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُسَمَّى قَبِيحًا وَاخْتَلَفُوا هل يُسَمَّى حَسَنًا أَمْ لَا وهو مُفَرَّعٌ على تَعْرِيفِ الْحَسَنِ وقد سَبَقَ مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ هل هو جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ فيه خِلَافٌ سَبَقَ في إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ هل يَبْقَى الْجَوَازُ مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ هل هو مَأْمُورٌ بِهِ الْمُبَاحُ هل هو مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافٌ يَنْبَنِي على أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ في مَاذَا هل هو نَفْيُ الْحَرَجِ عن الْفِعْلِ أو حَقِيقَةٌ في الْوُجُوبِ أو في النَّدْبِ أو في الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فَعَلَى الْأَوَّلِ هو مَأْمُورٌ بِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ ليس مَأْمُورًا بِهِ من حَيْثُ هو خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ حَيْثُ قال كُلُّ فِعْلٍ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَرَكَ بِهِ الْحَرَامَ وَحَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ عن أبي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِفِعْلِهِ مُطِيعًا بِنَاءً على قَوْلِهِ إنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ وَصَرَّحَ الْقَاضِي عن الْكَعْبِيِّ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ بِأَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ الْأَمْرِ بِالنَّدْبِ وَالنَّدْبَ دُونَ الْأَمْرِ بِالْإِيجَابِ قال الْقَاضِي وهو وَإِنْ أَطْلَقَ الْأَمْرَ على الْمُبَاحِ فَلَا يُسَمَّى الْمُبَاحُ وَاجِبًا وَلَا الْإِبَاحَةُ إيجَابًا وَتَبِعَهُ في هذا الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ وَعَلَى هذا فَلَا يَكُونُ الْكَعْبِيُّ مُفَاجِئًا بِإِنْكَارِ الْمُبَاحِ وهو قَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ عنه في الْبُرْهَانِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ أَنَّهُ بَاحَ بِإِنْكَارِ الْمُبَاحِ في الشَّرِيعَةِ وقال هو وَاجِبٌ وَكَذَا نَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ والأوسط وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمْ وَالْأَلْيَقُ بِهِ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَنَسَبَهُ إلَى مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ فلم يَنْفَرِدْ بِهِ إذَنْ كما قال بَعْضُهُمْ فَقَدْ قال بِهِ أبو الْفَرَجِ من الْمَالِكِيَّةِ حَكَاهُ عنه الْبَاجِيُّ ثُمَّ قال إنْ كان مُرَادُهُمْ بِكَوْنِ الْمُبَاحِ مَأْمُورًا بِهِ أَنَّهُ مَأْذُونٌ في فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَالْخِلَافُ في الْعِبَارَةِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْإِبَاحَةَ لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءٌ له على جِهَةِ الْإِيجَابِ أو النَّدْبِ وَأَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ خَيْرٌ من تَرْكِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وقال الْإِبْيَارِيُّ ذَهَبَ الْكَعْبِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا مُبَاحَ في الشَّرِيعَةِ وَلَهُ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا وهو الصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَكِنَّهُ دُونَ النَّدْبِ كما أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَكِنْ دُونَ الْوَاجِبِ وَهَذَا بَنَاهُ على أَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ وَيَحْسُنُ أَنْ يَطْلُبَهُ الطَّالِبُ لِحُسْنِهِ وَهَذَا هو الذي اعْتَمَدَهُ في الْفَتْوَى وهو غَيْرُ مَعْقُولٍ فإن هذا الْمَطْلُوبَ إمَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ فِعْلُهُ على تَرْكِهِ أو لَا فَإِنْ لم يَتَرَجَّحْ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ تَرَجَّحَ فَإِنْ لَحِقَ الذَّمُّ على تَرْكِهِ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمَنْدُوبُ وَمَنْ تَخَيَّلَ وَاسِطَةً فَلَا عَقْلَ له انْتَهَى وَأَلْزَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَصْحَابَنَا الْمَصِيرَ إلَى مَقَالَةِ الْكَعْبِيِّ من قَوْلِهِمْ النَّهْيُ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ من حَيْثُ إنَّ الزِّنَى لَمَّا كان مَنْهِيًّا عنه فإن الْقَوَاطِعَ عنه بِالِاشْتِغَالِ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ وَلَكِنْ مع هذا كَوْنِ حُكْمِهَا عِنْدَ الْكَعْبِيِّ أو أَحَدِهَا وَاجِبًا على الْمُكَلَّفِ الْتَبَسَ بِهِ لِيَكُونَ قَاطِعًا له عن الزِّنَى وَيُخَيَّرُ في الْأَشْغَالِ الْقَاطِعَةِ فما اخْتَارَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهِ منها تَعَيَّنَ وُجُوبُهُ كما يقول أَصْحَابُنَا إنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ الذي له أَضْدَادٌ كَثِيرَةٌ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ التي يَكُونُ التَّلَبُّسُ بها يَقْطَعُهُ عن ذلك الْمَنْهِيِّ عنه وَيَكُونُ مُخَيَّرًا في التَّلَبُّسِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَيَجْرِي مَجْرَى التَّخْيِيرِ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْحَقُّ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ بِخِطَابِ الْإِبَاحَةِ إنَّمَا هو ذَاتُهُ من غَيْرِ اعْتِبَارٍ آخَرَ فَأَمَّا من جِهَةِ أَنَّهُ شَاغِلٌ عن الْمَعَاصِي فَلَيْسَ هذا بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ وَلَا هو الْمَطْلُوبُ من الْمُكَلَّفِ وما صَوَّرَهُ الْكَعْبِيُّ من كَوْنِ ذلك ذَرِيعَةً وَوَسِيلَةً فَلَا نُنْكِرُهُ وَلَكِنْ الْمُنْكَرُ قَصْدُ الشَّارِعِ إلَيْهِ وَلِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ على أَنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَأَنَّهُ نَقِيضُ الْوَاجِبِ وَكَوْنُهَا وُصْلَةً لَا يَغْلِبُ حُكْمُهَا الْمَقْصُودَ الْمَنْصُوصَ عليه شَرْعًا وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ مَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ يَتَّجِهُ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بين ذلك الْمَذْهَبِ وَخِلَافِ الْكَعْبِيِّ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الْوَاجِبَ ما تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابٌ مَقْصُودٌ وَالْإِبَاحَةُ مَقْصُودَةٌ في الْإِبَاحَاتِ ولم يُشْرَعْ لِلنَّهْيِ عن الْمَحْظُورَاتِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ لَا تَزْنِ وَلَا تَسْرِقْ لم يُطْلَقْ له الرَّوَاحُ وَالْمَجِيءُ من غَيْرِ خُطُورِ النَّهْيِ عن السَّرِقَةِ وَلَيْسَ الْوُجُوبُ وَصْفًا رَاجِعًا إلَى الْعَيْنِ حتى يُقَالَ لَا أَثَرَ لِقَصْدِ الْمُخَاطَبِ فيه وَلَعَلَّ الْكَعْبِيَّ يَعْتَقِدُ الْوُجُوبَ وَصْفًا رَاجِعًا إلَى الْعَيْنِ كما قالوا في الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ أو يُخَالِفُ في الْعِبَارَةِ قال وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةِ إذْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ نعم قد يَتَعَلَّقُ بِهِ فَوَائِدُ شَرْعِيَّةٌ فإن النَّاوِيَ لِلصَّوْمِ لَا يَقْصِدُ الْإِمْسَاكَ لَيْلًا وَلَا يَنْوِي بِصَوْمِهِ تَقَرُّبًا وقد يُقَالُ ذلك لِأَنَّ الْوَاجِبَ منه مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مِقْدَارُهُ فَيُقَالُ الْمَجْهُولُ كَيْفَ يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا إمْكَانَ فيه وَالْمُخَالِفُ فيه يقول لَا جَرَمَ هذا النَّوْعُ وَآخِرُ جُزْءٍ من الرَّأْسِ لَا يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُمَا لَا يَتَبَيَّنُ فَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَتَبْقَى تَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ من هذه الْجِهَةِ وَإِلَّا فما عَلِمَ الْحَكِيمُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى أَدَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَجْعَلُهُ وَاجِبًا انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ بَنَى الْكَعْبِيُّ مَذْهَبَهُ على أَصْلٍ إذَا سَلِمَ له فَالْحَقُّ ما قَالَهُ وهو أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَا مُخَلِّصَ من مَذْهَبِهِ إلَّا بِإِنْكَارِ هذا الْأَصْلِ انْتَهَى وَكَذَا قال الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ احْتَجَّ الْكَعْبِيُّ بِأَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ تَرْكُ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ ما من مُبَاحٍ إلَّا وهو تَرْكٌ لِمَحْظُورٍ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْمُبَاحِ وَاجِبًا من جِهَةِ وُقُوعِهِ تَرْكًا لِمَحْظُورٍ وَأُجِيبُ عنه بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ من فِعْلِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ لِجَوَازِ تَرْكِهِ بِوَاجِبٍ أو مَنْدُوبٍ فَلَا يَكُونُ تَرْكًا لِلْحَرَامِ بَلْ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُهُ وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمُبَاحُ الذي بِهِ يُتْرَكُ الْحَرَامُ قال ابن الْحَاجِبِ وَفِيهِ إقْرَارٌ بِأَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحِ وَاجِبٌ قال الْآمِدِيُّ هذا الْجَوَابُ صَادِرٌ مِمَّنْ لم يَعْلَمْ كَلَامَهُ فإنه إذَا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ التَّلَبُّسِ بِضِدِّهِ من أَضْدَادِهِ وقد تَقَرَّرَ أَنَّ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَالتَّلَبُّسُ بِضِدٍّ من أَضْدَادِهِ وَاجِبٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا مُضَيَّقًا كَإِنْقَاذِ أَعْمَى من بِئْرٍ وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ أَنَّهُ حَرَامٌ قال ابن الْحَاجِبِ وهو يَلْتَزِمُهُ قال وَلَا مُخَلِّصَ عنه إلَّا بِأَنَّ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ من عَقْلِيٍّ أو عَادِيٍّ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَعَلَّ هذا هو الذي دَعَاهُ إلَى ذلك في مَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا السُّؤَالَ اسْتَصْعَبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَزَعَمُوا أَنَّ كَلَامَ الْكَعْبِيِّ صَحِيحٌ حتى قال الْآمِدِيُّ عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي حَلُّهُ وَنَحْنُ نَقُولُ قَوْلُهُ إنَّ الْحَرَامَ إذَا تُرِكَ بِهِ حَرَامٌ آخَرُ يَكُونُ وَاجِبًا من جِهَةٍ أُخْرَى يُقَالُ عليه إنَّ التَّفْصِيلَ بِالْجِهَتَيْنِ إنَّمَا هو في الْعَقْلِ دُونَ الْخَارِجِ فَلَيْسَ لنا في الْخَارِجِ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَكُونُ وَاجِبًا حَرَامًا لِاسْتِحَالَةِ تَقَوُّمِ الْمَاهِيَّةِ بِفَصْلَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَهُمَا فَصْلُ الْوُجُوبِ وَفَصْلُ الْحُرْمَةِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُقَالُ على قَوْلِهِ إنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ في الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وقد عُلِمَ بِالْبَدِيهَةِ امْتِنَاعُ تَقْوِيمِ الْمَاهِيَّةِ بِفَصْلَيْنِ أو فُصُولٍ مُتَعَانِدَةٍ وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ مُمَيِّزَانِ ذَاتِيَّانِ بِخِلَافِ الْمُمَيِّزَيْنِ الْعَرَضِيَّيْنِ الْخَاصَّيْنِ وَاللَّازِمَيْنِ وَأَيْضًا نَقُولُ قَوْلُهُ فِعْلُ الْمُبَاحِ تَرْكُ الْحَرَامِ قُلْنَا تَرْكُهُ له بِخُصُوصِهِ أو تَرْكٌ له مع غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ منه كَوْنُ الْفِعْلِ وَاجِبًا وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ تَرْكٌ لِجَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَالْمُبَاحَةِ غير الْفِعْلِ الْمُتَلَبَّسِ بِهِ وَتَرْكُ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ لَا يَتَعَيَّنُ بِهِ ضِدٌّ مُعَيَّنٌ عَمَلًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ على الْكَافِرِ فإنه لم يَتَعَيَّنْ من مَفْهُومِهِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ على الْمُسْلِمِ ثُمَّ نَقُولُ ما ذَكَرْتُمْ وَإِنْ دَلَّ على وُجُوبِهِ قُلْنَا ما يَدُلُّ على إبَاحَتِهِ من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ الذي ليس بِمُضَيَّقٍ وَلِتَرْكِ الْحَرَامِ وإذا تَعَارَضَتْ اللَّوَازِمُ تَسَاقَطَتْ فَيَبْقَى الْمُبَاحُ على إبَاحَتِهِ الثَّانِي أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعَارُضِ اللُّزُومِ الذي اسْتَلْزَمَهُ لَوَازِمُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَمَتَى تَعَارَضَتْ اللَّوَازِمُ تَسَاقَطَتْ الثَّالِثِ أَنَّا لو فَرَضْنَا جَمِيعَ الْأَفْعَالِ دَائِرَةً أَخَذَتْ الْأَفْعَالُ الْمُبَاحَةُ خُمْسَهَا فإذا حَصَلَ الْفِعْلُ الْمُتَلَبَّسُ بِهِ فَهُوَ مَرْكَزُ الدَّائِرَةِ وإذا كان مَثَلًا مُبَاحًا بِالذَّاتِ الذي أَقَرَّ الْكَعْبِيُّ بِهِ حَصَلَ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ نِسْبَةٌ إلَى كل خُمْسٍ من أَجْزَاءِ الدَّائِرَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَتَسَاقَطَتْ النِّسَبُ الْخَمْسُ وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ الذَّاتِيَّةُ الثَّانِي من أَدِلَّةِ الدَّائِرَةِ إذَا تَلَبَّسَ الْمُتَلَبِّسُ حَصَلَتْ له الْإِبَاحَةُ بِالذَّاتِ وَبِالنِّسْبَةِ حَصَلَ منه الْوُجُوبُ نَاشِئًا عن النِّسْبَةِ وَكُلُّ ما كان فيه أَمْرَانِ يَقْتَضِيَانِ حُكْمَيْنِ عَارَضَهُمَا أَمْرٌ مُسَاوٍ لِأَحَدِهِمَا يَقْتَضِي نَفْيَ ذلك الْحُكْمِ فإنه مُرَجِّحٌ وُقُوعَ نَقِيضِ الْأَمْرَيْنِ فَيَرْجَحُ الْقَوْلُ بِإِبَاحَةِ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ الثَّالِثِ أَنْ تَقُولَ هذا الْفِعْلُ فيه إبَاحَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَإِبَاحَةٌ نِسْبِيَّةٌ وَفِيهِ وُجُوبٌ نِسْبِيٌّ مُعَارِضٌ لِلْإِبَاحَةِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ الذَّاتِيَّةُ الرَّابِعِ أَنْ تَقُولَ الْإِبَاحَةُ النِّسْبِيَّةُ تُرَجَّحُ بِانْفِرَادِهَا على الْوُجُوبِ النِّسْبِيِّ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ النِّسْبِيَّةَ مُتَوَقِّفَةٌ على النِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْوُجُوبُ يَتَوَقَّفُ على تَرْكِ الْحَرَامِ وَالْحَرَامُ مُتَوَقِّفٌ على النِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَرْجَحُ الْإِبَاحَةُ وقد رُدَّ مَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ أَيْضًا بِاسْتِلْزَامِ كَوْنِ الْمَنْدُوبِ وَاجِبًا إذْ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَقْسَامِ مع نَقَائِضِهَا وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ انْتِقَالٍ عن تَحْرِيمٍ من قِيَامٍ أو قُعُودٍ أو نَوْمٍ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وهو خَرْقُ الْإِجْمَاعِ وَيَلْزَمُ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ عن الْقَتْلِ بِالزِّنَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فَيَجْمَعُ بين النَّقِيضَيْنِ وهو مُحَالٌ وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَمَنْ سُبِقَ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وقال بَعْضُهُمْ الْمُبَاحُ أَحَدُ أَضْدَادِ الْمُحَرَّمِ وَالتَّلَبُّسُ بِأَحَدِهَا وَاجِبٌ وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْوُجُوبِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وهو قَوِيُّ الْإِشْكَالِ على مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْوَاصِفِينَ كُلَّ وَاحِدٍ من التَّخْيِيرِ بِالْوُجُوبِ لَا على مَذْهَبِ من يقول الْوَاجِبُ الْمُسَمَّى فإنه لَا يَلْزَمُهُ وَصْفُ أَحَدِ الْمُبَاحَاتِ على التَّعْبِيرِ بِالْوُجُوبِ فَصْلٌ في الْمَنْدُوبِ وهو ما يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَلَا يُذَمُّ تَارِكُهُ من حَيْثُ هو تَارِكٌ له فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ ما لو أَقْدَمَ على ضِدٍّ من أَضْدَادِ الْمَنْدُوبِ وهو مَعْصِيَةٌ في نَفْسِهِ فَيَلْحَقُهُ الْإِثْمُ إذَا تَرَكَ الْمَنْدُوبَ من حَيْثُ عِصْيَانُهُ لَا من حَيْثُ تَرْكُهُ الْمَنْدُوبَ قَالَهُ في التَّلْخِيصِ قال وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ ما يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَلَا يُذَمُّ تَارِكُهُ بَاطِلٌ لِصِدْقِهِ على فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُسَمَّى نَدْبًا كما لَا يُسَمَّى مُبَاحًا وَالنَّدْبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ أَسْمَاءٌ مُتَرَادِفَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وفي الْمَحْصُولِ لَفْظُ السُّنَّةِ يَخْتَصُّ في الْعُرْفِ بِالْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِنَا هذا الْفِعْلُ وَاجِبٌ أو سُنَّةٌ وَمِنْهُمْ من قال السُّنَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَنْدُوبِ بَلْ تَتَنَاوَلُ ما عُلِمَ وُجُوبُهُ أو نَدْبِيَّتُهُ ا هـ وقال الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ ما عَدَا الْفَرَائِضَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ سُنَّةٌ وَهِيَ ما وَاظَبَ عليها النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمُسْتَحَبٌّ وهو ما فَعَلَهُ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِهِ ما أَمَرَ بِهِ ولم يُنْقَلْ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَتَطَوُّعَاتٌ وهو ما لم يَرِدْ فيه بِخُصُوصِهِ نَقْلٌ بَلْ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَرَدَّهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في الْمِنْهَاجِ بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَجَّ في عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَفْعَالُهُ فيها سُنَّةٌ وَإِنْ لم تَتَكَرَّرْ وَالِاسْتِسْقَاءُ من الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةُ لم يُنْقَلْ إلَّا مَرَّةً وَذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ا هـ وفي وَجْهٍ ثَالِثٍ أَنَّ النَّفَلَ وَالتَّطَوُّعَ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ وَهُمَا ما سِوَى الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَنَحْوُ ذلك أَنْوَاعٌ لها وفي وَجْهٍ رَابِعٍ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ السُّنَّةُ ما اُسْتُحِبَّ فِعْلُهُ وَكُرِهَ تَرْكُهُ وَالتَّطَوُّعُ ما اُسْتُحِبَّ فِعْلُهُ ولم يُكْرَهْ تَرْكُهُ وفي وَجْهٍ خَامِسٍ حَكَاهُ في بَابِ الْوُضُوءِ من الْمَطْلَبِ السُّنَّةُ ما فَعَلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْمُسْتَحَبُّ ما أَمَرَ بِهِ سَوَاءٌ فَعَلَهُ أو لَا أو فَعَلَهُ ولم يُدَاوِمْ عليه فَالسُّنَّةُ إذًا مَأْخُوذَةٌ من الْإِدَامَةِ وَقِيلَ السُّنَّةُ ما تُرَتَّبُ كَالرَّوَاتِبِ مع الْفَرَائِضِ وَالنَّفَلُ وَالنَّدْبُ ما زَادَ على ذلك حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ النَّفَلُ قَرِيبٌ من النَّدْبِ إلَّا أَنَّهُ دُونَهُ في الرُّتْبَةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ما ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهُ في الْأَمْرِ وَبَالَغَ الشَّرْعُ في التَّخْصِيصِ منه يُسَمَّى سُنَّةً وما كان في أَوَّلِ هذه الْمَرَاتِبِ تَطَوُّعًا وَنَافِلَةً وما تَوَسَّطَ بين هَذَيْنِ فَضِيلَةً وَمُرَغَّبًا فيه وَفَرَّقَ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ بين السُّنَّةِ وَالْهَيْئَةِ بِأَنَّ الْهَيْئَةَ ما يَتَهَيَّأُ بها فِعْلُ الْعِبَادَةِ وَالسُّنَّةَ ما كانت في أَفْعَالِهَا الرَّاتِبَةِ فيها وَجَعَلَ التَّسْمِيَةَ وَغَسْلَ الْكَفَّيْنِ في الْوُضُوءِ من الْهَيْئَاتِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ وقال ابن الْعَرَبِيِّ أخبرنا الشَّيْخُ أبو تَمَّامٍ بِمَكَّةَ قال سَأَلْت الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ بِبَغْدَادَ عن قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ وَنَفْلٌ وَهَيْئَةٌ فقال هذه عَامِّيَّةٌ في الْفِقْهِ وما يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إلَّا فَرْضٌ لَا غَيْرُ قال وقد اتَّبَعَهُمْ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فذكر أَنَّ في الصَّلَاةِ سُنَّةً وَهَيْئَةً وَأَرَادَ بِالْهَيْئَةِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ وَنَحْوَهُ قال وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى السُّنَّةِ قال وَأَمَّا أنا فَقَدْ سَأَلْت عن هذا أُسْتَاذِي الْقَاضِي أَبَا الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيَّ بِالْبَصْرَةِ فقال هذه أَلْقَابٌ لَا أَصْلَ لها وَلَا نَعْرِفُهَا في الشَّرْعِ قُلْت له قد ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ عبد الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ فقال الْجَوَابُ عَلَيْكُمْ قال ابن الْعَرَبِيِّ وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا النُّظَّارُ فَقَالُوا السُّنَّةُ ما صَلَّاهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في جَمَاعَةٍ وَدَاوَمَ عليها وَلِهَذَا لم يَجْعَلْ مَالِكٌ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ سُنَّةً وَالْفَضِيلَةُ ما دخل في الصَّلَاةِ وَلَيْسَ من أَصْلِ نَفْسِهَا كَالْقُنُوتِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ قال وَهَذَا خِلَافٌ لَفْظِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا في الثَّوَابِ فَالسُّنَّةُ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَالنَّدْبُ وَمُتَعَلِّقُهُ من الثَّوَابِ أَكْثَرُ من غَيْرِهِ وقد رَكِبَ الشَّافِعِيُّ مَسْلَكًا ضَيِّقًا فَأَطْلَقَ على الْجَمِيعِ سُنَّةً ثُمَّ قال إنَّ تَرْكَ السُّورَةِ لَا يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ وَتَرْكَ الْقُنُوتِ يَقْتَضِي حتى قال أَصْحَابُنَا لَا يُوجَدُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مَسْأَلَةٌ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً في قَوْلِ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَنَقَلَهُ عن أبي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَكَثِيرٍ من الْأَصْحَابِ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْأَمْرِ وَدَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ فإن ذلك لَا يَجْعَلُهُ مَجَازًا لِأَنَّهُ حَمْلٌ على بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ وَإِخْرَاجُ الْبَعْضِ فَكَانَ حَقِيقَةً كَلَفْظِ الْعُمُومِ إذَا خُصَّ في بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ وَبِهِ قال أبو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَلِهَذَا قَسَّمُوا الْأَمْرَ إلَى وَاجِبٍ وَنَدْبٍ وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ وقال الْكَرْخِيّ وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ ليس مَأْمُورًا بِهِ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وأبو إِسْحَاقَ وأبو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وقال ابن الْعَرَبِيِّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وقال الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في كُتُبِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال ليس مَأْمُورًا بِهِ وهو خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ ثَبَتَ هذا كان في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ قال ابن الصَّبَّاغِ وَقَوْلُنَا إنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ يَدُلُّ على أَنَّهُ ليس مَأْمُورًا بِهِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَمْرَ إنْ كان حَقِيقَةً في الْوُجُوبِ فَقَطْ فَالْمَنْدُوبُ ليس مَأْمُورًا بِهِ وَإِلَّا فَمَأْمُورٌ بِهِ قال وَالْعَجَبُ من قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فإنه من جُمْلَةِ الْوَاقِفِيَّةِ في مُقْتَضَى الْأَمْرِ فَكَيْفَ اخْتَارَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ وكان من حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فيه فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مع الْقَوْلِ بِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ حَقِيقَةٌ في الْوُجُوبِ وَهَذَا السُّؤَالُ يَخُصُّ الْآمِدِيَّ وَابْنَ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُمَا زَعَمَاهُ كَذَلِكَ قُلْنَا الْكَلَامُ هُنَا في الْأَمْرِ هو صِيغَةُ أ م ر لَا في صِيغَةِ افْعَلْ وَالْأَمْرُ مَقُولٌ على الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِالْحَقِيقَةِ وافعل يَخْتَصُّ بِالْوُجُوبِ وَمِنْهُمْ من قال الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَكُونُ إلَّا إيجَابًا وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ في مُطْلَقِ الْأَمْرِ لَا في الْمُطْلَقِ وَأَمَّا كَوْنُهُ حَقِيقَةً أو مَجَازًا فَهُوَ بَحْثٌ آخَرُ وقد أَجَابَ عنه أبو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ من الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ مُشَكَّكٌ كَالْوُجُودِ وَالْبَيَاضِ وَأَجَابَ الْقَاضِي منهم بِأَنَّ النَّدْبَ بَعْضُ الْوُجُوبِ فَهُوَ كَدَلَالَةِ الْعَلَمِ على بَعْضِهِ وهو ليس بِمَجَازٍ وَإِنَّمَا الْمَجَازُ دَلَالَتُهُ على غَيْرِهِ قِيلَ وَالْمَنْدُوبُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إلَّا أَنَّ إطْلَاقَهُ على الْوَاجِبِ أَوْلَى أو هو الظَّاهِرُ من الْإِطْلَاقِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ إذْ الْمَنْدُوبُ مَطْلُوبٌ بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ فَعَلَى هذا مَطْلُوبُ هذه الْمَسْأَلَةِ هل اقْتِضَاءُ الشَّرْعِ لِلْمَنْدُوبِ أَمْرٌ حَقِيقَةً أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَلَهُ فَوَائِدُ أَحَدُهَا قال الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ إنَّمَا جَعَلَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ لَفْظِيًّا لِتَعَلُّقِهِ بِبَحْثِ اللُّغَةِ وَإِلَّا فَفَائِدَتُهَا في الْأُصُولِ أَنَّهُ إذَا قال الرَّاوِي أُمِرْنَا أو أَمَرَنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا فَإِنْ قُلْنَا لَفْظُ الْأَمْرِ يَخْتَصُّ بِالْوُجُوبِ كان اللَّفْظُ ظَاهِرًا في ذلك حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خُولِفَ فيها من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْبَحْثُ الْعَقْلِيُّ هل وَجَدَ في النَّدْبِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالثَّانِي هل يُسَمَّى النَّدْبُ أَمْرًا وَهَذَا بَحْثٌ لُغَوِيٌّ وقد نُوزِعَ في الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَكَذَا جَعَلَ ابن بَرْهَانٍ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ ما لو قال الصَّحَابِيُّ أُمِرْنَا أو أَمَرَنَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو نَهَانَا فَعِنْدَنَا يَجِبُ قَبُولُهُ وقال الظَّاهِرِيَّةُ لَا يُقْبَلُ حتى يُعْقَلَ لَفْظُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ عِنْدَهُمْ ليس بِمَأْمُورٍ بِهِ وَعِنْدَنَا مَأْمُورٌ بِهِ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْأَمْرِ وَدَلَّ دَلِيلٌ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِهِ الْوُجُوبَ فَمَنْ قال بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَمَلَهُ على النَّدْبِ ولم يَحْتَجْ في ذلك إلَى دَلِيلٍ لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُ حَقِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْإِطْلَاقِ وَالْأُخْرَى بِالتَّقْيِيدِ وَكَمَا حُمِلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ على إحْدَاهُمَا حُمِلَ عِنْدَ التَّقْيِيدِ على الْأُخْرَى وَمَنْ قال إنَّهُ مَجَازٌ لم يَحْمِلْهُ عليه إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ على الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلَالَةٍ ذَكَرَهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الثَّالِثَةُ لِحَمْلِ لَفْظِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ على الْوُجُوبِ أو النَّدْبِ وَجْهَانِ وقال في الْمَحْصُولِ مَنْشَأُ الْخِلَافِ هَاهُنَا أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ في مَاذَا فَإِنْ كان حَقِيقَةً في التَّرْجِيحِ الْمُطْلَقِ من غَيْرِ إشْعَارٍ بِجَوَازِ الْمَنْعِ من التَّرْكِ وَلَا بِالْمَنْعِ منه فَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ وَإِنْ كان حَقِيقَةً في التَّرْجِيحِ الْمَانِعِ من النَّقِيضِ فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ إنْ كان حَقِيقَةً في الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بين الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كان مَأْمُورًا بِهِ وَإِنْ كان حَقِيقَةً في الْوُجُوبِ فَلَا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ على أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَأَمَرْتُهُمْ أَمْرَ إيجَابٍ لَا أَمْرَ نَدْبٍ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ في مُسْنَدِهِ لَفَرَضْتُ عليهم فُرُوعٌ الْمَنْدُوبُ حَسَنٌ بِلَا خِلَافٍ وهو من التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْقَاضِي خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وهو مَبْنِيٌّ على تَفْسِيرِ التَّكْلِيفِ وَسَيَأْتِي وَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَإِلَّا لَنَاقَضَ أَصْلَ نَدْبِيَّتِهِ وَأَمَّا وُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ فَلِاخْتِصَاصِهِ بِأَنَّ فَرْضَهُ كَنَفْلِهِ نِيَّةً وَكَفَّارَةً وَغَيْرِهِمَا وَمِنْهُمْ من جَعَلَهَا مُفَرَّعَةً على مَسْأَلَةِ الْكَعْبِيِّ وهو أَنَّ ما جَازَ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ وَاجِبًا وَالْحَقُّ خِلَافُهُ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْكَعْبِيِّ ما يَجُوزُ تَرْكُهُ وَالْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ هُنَا لَا يُجَوِّزُ التَّرْكَ فَلَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهَا عليها قال ابن الْمُنِيرِ وَوَقَعَ لي مَأْخَذٌ لَطِيفٌ لِمَالِكٍ في أَنَّ الشَّرْعَ يُلْزِمُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا عِبَادَاتٌ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فَلَوْ رَكَعَ إنْسَانٌ فَتَرَكَ السُّجُودَ لم يَكُنْ مُتَعَبِّدًا أَلْبَتَّةَ فإذا شَرَعَ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَجَبَ عليه الْإِتْمَامُ وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ على مُعْتِقِ الْبَعْضِ أَصْلًا في هذا فإن حَاصِلَهُ إيجَابُ الْإِتْمَامِ على من شَرَعَ وَيَكُونُ نَظِيرَ عِتْقِ مُشْكِلٍ في الْعِبَادَاتِ من حَيْثُ قَبْلُ التَّجْزِئَةِ ابْتِدَاءً وَاسْتَقَرَّتْ فيه التَّنَفُّلُ على الرَّاحِلَةِ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ فإنه يَقْتَصِرُ على بَعْضِ الْأَرْكَانِ وَيَنْتَقِلُ من الْإِتْمَامِ إلَى الْإِيمَاءِ قلت وهو يَرْجِعُ لِمُنَاسَبَةٍ مُتَدَافِعَةٍ كما تَرَى وقال ابن عبد الْبَرِّ من احْتَجَّ على الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فإنه جَاهِلٌ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فيها على قَوْلَيْنِ فَأَكْثَرُهُمْ قالوا لَا تُبْطِلُوهَا بِالرِّيَاءِ وَأَخْلِصُوهَا وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَقِيلَ لَا تُبْطِلُوهَا بِالْكَبَائِرِ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وقد يُقَالُ اللَّفْظُ عَامٌّ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ وفي الِاسْتِذْكَارِ لِلدَّارِمِيِّ في بَابِ الِاعْتِكَافِ إذَا دخل في عَمَلِ تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَوَاهُ وَاجِبًا فَحَكَى أبو حَامِدٍ أَنَّ الْمَرْوَزِيِّ قال يَجِبُ وقال غَيْرُهُ لَا يَجِبُ وَهَلْ يَجِبُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ يُنْظَرُ فَإِنْ كان من الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ وَجَبَ كما لو أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِسْقَاءِ في الْجَدْبِ تَجِبُ طَاعَتُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ من الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ لَا يَجِبُ كما لو أَمَرَهُمْ بِالْعِتْقِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ من الِاسْتِسْقَاءِ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَتَوَقَّفَ فيه بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ ليس من الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ فَهُوَ يُشْبِهُ أَمْرَهُ بِالصَّدَقَةِ وَذَكَرُوا في السِّيَرِ أَنَّ الْإِمَامَ يَأْمُرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَهَلْ هو وَاجِبٌ أو مُسْتَحَبٌّ فيه وَجْهَانِ قال في الرَّوْضَةِ قُلْت الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْأَمْرِ وَإِنْ قُلْنَا صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالطَّاعَةِ لَا سِيَّمَا ما كان شِعَارًا ظَاهِرًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَنْدُوبِ آكَدَ من بَعْضٍ وَلِهَذَا يَقُولُونَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا يَجِيءُ فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْوَاجِبِ كما اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَالْمُرَادُ تَفَاصِيلُ الْأُجُورِ وَالثَّوَابِ وَإِنْ تَسَاوَتْ في التَّرْكِ وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ السُّنَنَ إلَى أَبْعَاضٍ وَهَيْئَاتٍ فَخَصُّوا ما تَأَكَّدَ أَمْرُهُ بِاسْمِ الْبَعْضِ كَأَنَّهُ لِتَأَكُّدِهِ صَارَ كَالْجُزْءِ وهو اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لَا خَفَاءَ أَنَّ مَرَاتِبَ السُّنَنِ مُتَفَاوِتَةٌ في التَّأْكِيدِ وَانْقِسَامِ ذلك إلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ وَنَازِلَةٍ وَذَلِكَ بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ على الطَّلَبِ فَمِنْ الناس من قال لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا أَنَّهُمْ رُبَّمَا فَرَّقُوا بِلَفْظِ الْهَيْئَاتِ قال وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ بين السُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ كما يَفْعَلُهُ الْمَالِكِيَّةُ فلم أَرَهُ إلَّا في كَلَامِ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ فإنه حَكَى وَجْهَيْنِ في أَنَّ غَسْلَ الْكَفِّ من سُنَنِ الْوُضُوءِ أو من فَضَائِلِهِ مَسْأَلَةٌ لَا يُتْرَكُ الْمَنْدُوبُ إذَا صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ وَلَا يُتْرَكُ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ خِلَافًا لِابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَلِهَذَا تُرِكَ التَّرْجِيعُ في الْأَذَانِ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتُ في الصُّبْحِ وَالتَّخَتُّمُ في الْيَمِينِ وَتَسْطِيحُ الْقُبُورِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَرَكَ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ له ذلك لِأَنَّهُ مُشَرِّعٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَتْرُكُ سُنَّةً صَحَّتْ عنه وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ بين السُّنَنِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَبَيْنَ الْهَيْئَاتِ التَّابِعَةِ فقال لَا يُتْرَكُ الْقُنُوتُ إذَا صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ بِخِلَافِ التَّسْطِيحِ وَالتَّخَتُّمِ في الْيَمِينِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا هَيْئَاتٌ تَابِعَةٌ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا مَسْأَلَةٌ لَا يُتْرَكُ الْمَنْدُوبُ لِخَوْفِ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ وَلَا يُتْرَكُ لِخَوْفِ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَوَافَقَهُ من أَصْحَابِنَا أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ في الِاسْتِذْكَارِ أَنَّهُ قال لَا أُحِبُّ أَنْ يُدَاوِمَ الْإِمَامُ على مِثْلِ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْعَامَّةُ وُجُوبَهُ مَسْأَلَةٌ سُنَّةُ الْعَيْنِ وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ وَكَمَا يَنْقَسِمُ الْفَرْضُ إلَى عَيْنٍ وَكِفَايَةٍ فَكَذَلِكَ السُّنَّةُ وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ أَنْ يَقَعَ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَيَنْقَطِعَ دَلَالَةُ النَّصِّ على الِاسْتِحْبَابِ فِيمَا زَادَ على ذلك وَلَا يَبْقَى مُتَسَحَّبًا بَلْ دَاخِلًا في حَيِّزِ الْمُبَاحِ أو غَيْرِهِ بِخِلَافِ سُنَّةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا بِفِعْلِ الْبَعْضِ الِاسْتِحْبَابُ مَوْجُودٌ في حَقِّ الْبَاقِينَ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَمِثَالُ سُنَّةِ الْعَيْنِ الْوِتْرُ وَصِيَامُ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَمِثَالُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالتَّشْمِيتُ وَكَذَا الْأُضْحِيَّةَ كما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عن الْأَصْحَابِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ إذَا ضَحَّى الرَّجُلُ في بَيْتِهِ فَقَدْ وَقَعَ اسْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ حَكَاهُ في الرَّوْضَةِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ وفي حديث الْأَعْرَابِيِّ ما يَقْتَضِيهِ وَكَذَا ما يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا يُنْدَبُ إلَيْهِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُفَارِقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ سُنَّةَ الْكِفَايَةِ في أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يُنَافِيهِ الِاسْتِحْبَابُ في حَقِّ من زَادَ على الْقَدْرِ الذي سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ على الْكِفَايَةِ يُنَافِيهَا الِاسْتِحْبَابُ فِيمَا زَادَ من ذلك الْوَجْهِ الذي اقْتَضَى الِاسْتِحْبَابَ وَهُنَا فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا الْمَشْهُورُ وُقُوعُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ الْمَشْهُورُ وُقُوعُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ وَخَالَفَ في ذلك الشَّاشِيُّ وقال في كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ما نَصُّهُ لم نَرَ في أُصُولِ الشَّرْعِ سُنَّةً على الْكِفَايَةِ بِحَالٍ وَالسُّنَنُ مَعْلُومَةٌ وَيُخَالِفُ الْفَرْضُ حَيْثُ انْقَسَمَ إلَى عَيْنٍ وَكِفَايَةٍ فإن في الْكِفَايَةِ فَائِدَةً وَهِيَ السُّقُوطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ على الْبَاقِينَ وَالسُّنَّةُ لَا يَظْهَرُ لها أَثَرٌ في كَوْنِهَا على الْكِفَايَةِ لِأَنَّهَا لَا إثْمَ في تَرْكِهَا فَتَسْقُطُ كَمَنْ تَرَكَ بِفِعْلِ من فَعَلَ وَإِنَّمَا هِيَ ثَوَابٌ يَحْصُلُ له بِالسَّلَامِ مَثَلًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ له ثَوَابٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ من غَيْرِ فِعْلٍ يُوجَدُ من جِهَةٍ تُسَاوِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا دخل الْمَسْجِدَ جَمَاعَةٌ سُنَّ لهم تَحِيَّةٌ بِالْمَسْجِدِ وَلَا تَسْقُطُ سُنَّةُ التَّحِيَّةِ في حَقِّ بَعْضِهِمْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَهَذَا لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مُوَجَّهٌ على الْجَمَاعَةِ احْتِيَاطًا لِيَحْصُلَ ذلك الْفَرْضُ فإذا فَعَلَ بَعْضُهُمْ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَسَقَطَ عن الْبَاقِينَ وَالسُّنَّةُ إنَّمَا أُمِرَ بها اسْتِحْبَابًا لِحَظِّ الْمَأْمُورِ في تَحْصِيلِ الثَّوَابِ له فَلَا يَحْصُلُ له ثَوَابٌ بِمَا لَا كَسْبَ له فيه ا هـ الثَّانِيَةُ سُنَّةُ الْكِفَايَةِ أَهَمُّ من سُنَّةِ الْعَيْنِ قد سَبَقَ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَهَمُّ من فَرْضِ الْعَيْنِ من جِهَةِ إسْقَاطِ الْحَرَجِ عن الْكُلِّ فَيَنْبَغِي على هذا أَنْ يُقَالَ بمثله هُنَا في سُنَّةِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ لَكِنْ لَا حَرَجَ هُنَا فَلْيَكُنْ أَفْضَلِيَّةُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ من جِهَةِ تَحْصِيلِهِ الثَّوَابَ لِلْجَمِيعِ وَفِيهِ بُعْدٌ كما تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لم يَفْعَلْهُ وقد نَقَلَ النَّوَوِيُّ في كِتَابِ الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ لو اشْتَرَكَ غَيْرُهُ في ثَوَابِ أُضْحِيَّتِهِ وَذَبَحَ عن نَفْسِهِ جَازَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَضْحِيَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ فَائِدَةٌ الْعِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى الْعِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى وقال بَعْضُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ بِمَا افْتَقَرَ من الطَّاعَاتِ إلَى النِّيَّةِ قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ قال وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْمُطَاعِ وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْمُرَادِ وَقِيلَ مُخَالَفَةُ الْمَعَاصِي وَهَذَا بِنَاءً منهم على أَنَّ الْأَمْرَ شَرْطُهُ الْإِرَادَةُ قال وَالْعِبَادَةُ ما كان طَاعَةً لِلَّهِ مَنْوِيًّا بِهِ سَوَاءٌ كان فِعْلًا كَالصَّلَاةِ أو تَرْكًا كَالزِّنَا وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْوُضُوءُ ليس بِعِبَادَةٍ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ وَلَنَا أَنَّ الْعِبَادَةَ مُشْتَقَّةٌ من التَّعَبُّدِ وَعَدَمُ النِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ عِبَادَةً وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَعِنْدِي أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالطَّاعَةَ وَالْقُرْبَةَ إنَّمَا يَكُونُ فِعْلًا وَتَرْكًا إذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ ذلك تَعَبُّدًا أو تَرَكَهُ تَعَبُّدًا فَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ لَا بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ أو تَرَكَ شيئا من الْمُحَرَّمَاتِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعَبُّدِ فَلَا يَكُونُ ذلك عِبَادَةً منه لِقَوْلِهِ تَعَالَى ذلك خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا صَحَّتْ من غَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّ طَرِيقَهَا التَّرْكُ فَصَحَّ وَإِنْ لم يَقْصِدْ بِهِ التَّعَبُّدَ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْفِعْلِ وَلَكِنْ لَا يُثَابُ عليه إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الْإِزَالَةَ لِلصَّلَاةِ أو لِأَجْلِ النَّهْيِ عنه فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عِبَادَةً وَأَمَّا الْقُرْبَةُ فقال الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيِّ ما كان مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ منه رَجَاءَ الثَّوَابِ من اللَّهِ تَعَالَى حَكَاهُ عنه الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الْأَسْرَارِ قال وَلَا يَرِدُ عليه قَضَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منها وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ النَّفْعُ لِلْآدَمِيِّ خَاتِمَةٌ السُّنَّةُ لَا تَعْدِلُ الْوَاجِبَ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في الْأَمَالِي قال الْبَيْهَقِيُّ لَا يَعْدِلُ شَيْءٌ من السُّنَنِ وَاجِبًا أَبَدًا وهو مُشْكِلٌ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مُرَتَّبَانِ على حَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ ثَمَنُ دِرْهَمٍ من الزَّكَاةِ تَرْبُو مَصْلَحَتُهُ على مَصْلَحَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ تَطَوُّعًا وَأَنَّ قِيَامَ الدَّهْرِ لَا يَعْدِلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ هذا خِلَافُ الْقَوَاعِدِ ا هـ وَفِيهِ أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ إشْكَالَهُ هذا يَرْجِعُ بِالْإِشْكَالِ على مَنْعِهِ السَّابِقِ كَمَزِيَّةِ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ على فَرْضِ الْعَيْنِ لِتَوَفُّرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مُتَقَابِلَةً لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ وَلَيْسَتْ مَفْسَدَةُ تَرْكِ النُّهُوضِ بِمُهِمَّاتِ شَعَائِرِ الدِّينِ أَقَلَّ من مَفْسَدَةِ التَّارِكِ لِفَرْضِ عَيْنٍ بَلْ أَكْثَرُ لِمَا فيه من خَرْمِ نِظَامِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ الثَّانِي أَنَّ ما مَثَّلَ بِهِ قد يَلْتَزِمُ إذْ تَرْكُ التَّطَوُّعِ صَدَقَةً كان أو صَلَاةً لَا إثْمَ فيه وَإِنْ كَثُرَ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَإِنْ قَلَّ فَنَاسَبَ تَأَكُّدُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ فَلَا يَمْتَنِعُ إطْلَاقُ التَّفْضِيلِ الثَّالِثُ في كَلَامِ أَصْحَابِنَا في الْفُرُوعِ صُوَرٌ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ النَّفْلِ على الْفَرْضِ منها أَنَّ إبْرَاءَ الْمُعْسِرِ أَفْضَلُ من إنْظَارِهِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَزِيَادَةٍ وَمِنْهَا ما قَالَهُ في الْأَذْكَارِ أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ أَفْضَلُ لِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فيه وَمِنْهَا أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ وَالْإِمَامَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ على ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيهِمَا مع تَرْجِيحِهِ الْأَذَانَ وَمِنْهَا ما صَحَّحَهُ أَيْضًا من تَفْضِيلِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ على الْغُسْلِ من غُسْلِ الْمَيِّتِ مع وُجُوبِهِ في الْقَدِيمِ فَصْلٌ في الْمَكْرُوهِ وهو لُغَةً ضِدُّ الْمُرَادِ وَيُطْلَقُ في حَقِّ اللَّهِ على مَعْنَى الْإِرَادَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ أَيْ أَرَادَ التَّثْبِيطَ فَمَنَعَ الِانْبِعَاثَ فَسُمِّيَتْ إرَادَةَ كَرَاهَةٍ بِاعْتِبَارِ ضِدِّهِ لِأَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْمُتَضَادَّانِ وَلَا يُعْتَبَرُ هذا الْمَعْنَى في الشَّرْعِيَّاتِ لِأَنَّا لَا نَشْتَرِطُ في الْأَمْرِ الْإِرَادَةَ وَلَا في النَّهْيِ الْكَرَاهَةَ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ من التَّنْفِيرِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَكَرَّهَ إلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَيُطْلَقُ على أَرْبَعَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْحَرَامُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى كُلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا أَيْ مُحَرَّمًا وَوَقَعَ ذلك في عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في بَابِ الْآنِيَةِ وَأَكْرَهُ آنِيَةَ الْعَاجِ وفي بَابِ السَّلَمِ وَأَكْرَهُ اشْتِرَاطَ الْأَعْجَفِ وَالْمَشْوِيِّ وَالْمَطْبُوخِ لِأَنَّ الْأَعْجَفَ مَعِيبٌ وَشَرْطُ الْمَعِيبِ مُفْسِدٌ قال الصَّيْدَلَانِيُّ وهو غَالِبٌ في عِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَرَاهَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمْ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هذا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فَكَرِهُوا إطْلَاقَ لَفْظِ التَّحْرِيمِ الثَّانِي ما نُهِيَ عنه نَهْيَ تَنْزِيهٍ وهو الْمَقْصُودُ هُنَا الثَّالِثُ تَرْكُ الْأَوْلَى كَصَلَاةِ الضُّحَى لِكَثْرَةِ الْفَضْلِ في فِعْلِهَا وَحَكَى الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ أَنَّ تَرْكَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ مع أَنَّهُ لَا نَهْيَ فيه قال وَهَذَا عِنْدِي جَارٍ في كل مَسْنُونٍ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ مَقْصُودًا قلت وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ على أَنَّ تَرْكَ غُسْلِ الْإِحْرَامِ مَكْرُوهٌ وَفَرَّقَ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذي قَبْلَهُ أَنَّ ما وَرَدَ فيه نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَالُ فيه مَكْرُوهٌ وما لَا يُقَالُ فيه خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ وَفَرَّقَ محمد بن الْحَسَنِ صَاحِبُ أبي حَنِيفَةَ بين الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ كَرَاهَةِ تَحْرِيمٍ فقال الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ وَالْحَرَامُ ما ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَالْوَاجِبِ مع الْفَرْضِ الرَّابِعُ ما وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ في تَحْرِيمِهِ كَلَحْمِ السَّبُعِ وَيَسِيرِ النَّبِيذِ هَكَذَا عَدَّهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى من أَقْسَامِ الْكَرَاهَةِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا في الْفُرُوعِ في أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْمُخْتَلَفِ في جَوَازِهَا لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّ من أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَحْرِيمِهِ فَهُوَ عليه حَرَامٌ وَمَنْ أَدَّاهُ إلَى حِلِّهِ فَلَا مَعْنَى لِلْكَرَاهَةِ في حَقِّهِ إلَّا إذَا كان في شُبْهَةِ الْخَصْمِ حَزَازَةٌ في نَفْسِهِ وَوَقَعَ في قَلْبِهِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ لَفْظِ الْكَرَاهَةِ لِمَا فيه من خَوْفِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كان غَالِبُ الظَّنِّ الْحِلَّ وَيُتَّجَهُ هذا على مَذْهَبِ من يقول الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَأَمَّا على قَوْلِ من يقول كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَالْحِلُّ عِنْدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ قال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَلَيْسَ في مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَسْأَلَةٌ أَصْعَبُ من الْقَضَاءِ بِالْكَرَاهَةِ في هذا الْقِسْمِ فإنه مُخَالِفٌ لِلدَّلِيلَيْنِ جميعا وَإِنْ كان الْقَوْلَانِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِمَا كان الْمَصِيرُ إلَى الْكَرَاهَةِ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ ثُمَّ الذي يَتَأَتَّى في هذا التَّوَقُّفُ عن الْفِعْلِ وَإِنْ كان يَغْلِبُ على ظَنِّهِ الْحِلُّ لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيمِ أَمَّا حَمْلُ غَيْرِهِ عليه أو الْفَتْوَى بِالْكَرَاهَةِ فَلَا وَجْهَ له عِنْدِي تَنْبِيهٌ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ على هذه الْأُمُورِ هل هو من الْمُشْتَرَكِ أو حَقِيقَةٌ في التَّنْزِيهِ مَجَازٌ في غَيْرِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا ابن سُرَاقَةَ في كِتَابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَالتَّحْرِيمِ مَسْأَلَةٌ قد تَكُونُ الْكَرَاهَةُ شَرْعًا وقد تَكُونُ الْكَرَاهَةُ شَرْعِيَّةً لِتَعْلِيقِ الثَّوَابِ عليها وقد تَكُونُ إرْشَادِيَّةً أَيْ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَمِنْهُ كَرَاهَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَكْلَ التَّمْرِ لِصُهَيْبٍ وهو أَرْمَدُ وَمِنْهُ كَرَاهَةُ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ على رَأْيٍ وَالنَّظَرِ في الْفَرْجِ مَسْأَلَةٌ الْمَكْرُوهُ هل هو مَنْهِيٌّ عنه الْمَكْرُوهُ الذي هو ضِدُّ الْمَنْدُوبِ هل هو مَنْهِيٌّ عنه أَمْ لَا فَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْمَنْدُوبِ هل هو مَأْمُورٌ بِهِ من قال النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِمَنْهِيٍّ عنه وَمَنْ قال لِلتَّنْزِيهِ أو لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْرِيمِ أو هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَنْهِيٌّ عنه وَيَدُلُّ على أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عنه قَوْله تَعَالَى وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَجْهَيْنِ في أَنَّ فِعْلَ الْمَكْرُوهِ هل هو مَعْصِيَةٌ أَمْ لَا وقال إنَّ الشَّافِعِيَّ مَرَّضَ الْقَوْلَ فيه وَمَالَ إلَى أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ فقال وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً يَعْنِي في الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ ثُمَّ قال الْقَاضِي الْمَعْصِيَةُ ضَرْبَانِ مُحَرَّمٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِثْمُ وَمَعْصِيَةٌ من طَرِيقِ الْمُخَالَفَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بها إثْمٌ فَتَوَقُّفُ الشَّافِعِيِّ عن كَوْنِهِ مَعْصِيَةً فيها إثْمٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ عن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ أَنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ على الذَّبِيحَةِ يَقْتَضِي الْإِثْمَ مع تَصْرِيحِهِ بِكَرَاهَةِ التَّرْكِ مَسْأَلَةٌ هل الْمَكْرُوهُ من التَّكْلِيفِ في أَنَّ الْمَكْرُوهَ هل هو من التَّكْلِيفِ أَمْ لَا وَالْخِلَافُ كَالْخِلَافِ في الْمَنْدُوبِ مَسْأَلَةٌ الْمَكْرُوهُ هل هو قَبِيحٌ الْمَكْرُوهُ هل هو قَبِيحٌ أَمْ لَا يَلْتَفِتُ على تَفْسِيرِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِقُبْحٍ وَلَا حُسْنٍ مَسْأَلَةٌ الْمَكْرُوهُ هل يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمَكْرُوهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ وَاقْتِضَاءٌ وَالْمَكْرُوهُ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا وَلَا مُقْتَضًى فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ لِلتَّنَاقُضِ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ لِمَعْنًى في غَيْرِ ما تَعَلَّقَ بِهِ لَفْظُهَا كما قِيلَ في تَنْكِيسِ الْوُضُوءِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ عَادَةَ السَّلَفِ في هَيْئَتِهِ لَا في أَصْلِ الْوُضُوءِ وهو إمْرَارُ الْمَاءِ وَلَا في شَرَائِطِهِ فلم يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ وَالْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ مع الْحَنَفِيَّةِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَثَّلَهَا الْأَئِمَّةُ بِالتَّرْتِيبِ في الْوُضُوءِ فَمَنْ يَرَاهُ يقول التَّنْكِيسُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في قَوْله تَعَالَى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَعِنْدَنَا هذا لَا يَتَنَاوَلُ الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا الْمُنَكَّسَ وَغَيْرُهُمْ يَتَنَاوَلُهُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ اعْتَقَدُوا كَرَاهِيَتَهُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ دخل في الْأَمْرِ وَأَجْزَأَ قال وَهَذَا الْمَقَالُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ على أَصْلِهِمْ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَيْسَ هو بِطَوَافٍ أَصْلًا وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَيْضًا الصَّلَاةُ في الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ إذَا قُلْنَا إنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وفي صِحَّتِهَا تَفْرِيعًا على هذا وَجْهَانِ وَالْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ وهو الْأَصَحُّ يُخَرَّجُ على أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ التي سَبَقَ ذِكْرُهَا وَاقْتَصَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ على ذِكْرِهَا وَأَهْمَلُوا أَصْلَهَا وَالْعَكْسُ أَوْلَى وَمِنْهَا إعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا يَصِحُّ في احْتِمَالِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ وَوَجَّهَهُ أنها لَا تُسْتَحَبُّ وَقِيلَ تُكْرَهُ وَمَعَ الْكَرَاهَةِ لَا تَصِحُّ تَخْرِيجًا على هذا الْأَصْلِ وَمِنْهَا لو نَذَرَ الْإِحْرَامَ من دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ قال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ يَلْزَمُهُ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ وَخَالَفَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وقال يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا وَنَظِيرُهُ الصَّوْمُ يوم الشَّكِّ تَطَوُّعًا حَرَامٌ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُ فَفِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ وَمِنْهَا حَيْثُ قُلْنَا لِلْقَاضِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ ولم نُحَرِّمْهَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ يَمْلِكُهَا وَفِيهِ وَجْهٌ قَوِيٌّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ثُمَّ صَحَّحُوا أنها تُرَدُّ إلَى صَاحِبِهَا وَالظَّاهِرُ أنها تُوضَعُ في بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً من أَصْحَابِنَا ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ هَكَذَا وَنَصَبُوا الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا حَكَى ذلك عن أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ ثُمَّ قال وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ كما يُثْبِتُ صِفَةَ الْجَوَازِ وَالْحَسَنِ شَرْعًا يُثْبِتُ انْتِفَاءَ صِفَةِ الْكَرَاهَةِ وقال الْمَازِرِيُ اخْتَارَ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ كَوْنَهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وقال وهو كَمَسْأَلَةِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ في تَضَمُّنِ الْوُجُوبِ لِلْجَوَازِ حتى إذَا نُسِخَ هل يَبْقَى الْجَوَازُ قلت فَيُقَالُ هُنَا إذَا نُسِخَ الْأَمْرُ هل يَبْقَى الْمَكْرُوهُ أَمْ لَا يَأْتِي فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ فَصْلٌ في خِلَافِ الْأَوْلَى هذا النَّوْعُ أَهْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وهو وَاسِطَةٌ بين الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَاخْتَلَفُوا في أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ هل هو مَكْرُوهٌ أو خِلَافُ الْأَوْلَى كَالنَّفْضِ وَالتَّنْشِيفِ في الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِمَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ من النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ما وَرَدَ فيه نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَالُ فيه مَكْرُوهٌ وما لَا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ وقال الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلُوا كَذَا أو نَهَيْتُكُمْ عن كَذَا بِخِلَافِ ما إذَا أَمَرَ بِمُسْتَحَبٍّ فإن تَرْكَهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَإِنْ كان الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عن ضِدِّهِ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَاهُ بِاللَّازِمِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عنه في كِتَابِ الزَّكَاةِ في كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ على غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ما يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ تَعْمِيمُ النَّهْيِ لَا خُصُوصُهُ إذْ قال وَوَجَّهَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنْ قال الْمَكْرُوهُ يَتَمَيَّزُ عن خِلَافِ الْأَوْلَى بِأَنْ يُفْرَضَ فيه نَهْيٌ مَقْصُودٌ وقد ثَبَتَ نَهْيٌ مَقْصُودٌ عن التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْبِدَعِ وَإِظْهَارُ شِعَارِهِمْ وَالصَّلَاةُ على غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا اُشْتُهِرَ بِالْفِئَةِ الْمُلَقَّبَةِ بِالرَّفْضِ ا هـ وَكَلَامُ الْإِمَامِ في كِتَابِ الْجُمُعَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فإنه قال كُلُّ فِعْلٍ مَسْنُونٍ صَحَّ الْأَمْرُ بِهِ مَقْصُودًا فَتَرْكُهُ مَكْرُوهٌ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّمَا يُقَالُ تَرْكُ الْأَوْلَى إذَا كان مُنْضَبِطًا كَالضُّحَى وَقِيَامِ اللَّيْلِ وما لَا تَحْدِيدَ له وَلَا ضَابِطَ من الْمَنْدُوبَاتِ لَا يُسَمَّى تَرْكُهُ مَكْرُوهًا وَإِلَّا لَكَانَ الْإِنْسَانُ في كل وَقْتٍ مُلَابِسًا لِلْمَكْرُوهَاتِ الْكَثِيرَةِ من حَيْثُ إنَّهُ لم يَقُمْ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أو يَعُودُ مَرِيضًا وَنَحْوَهُ ا هـ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى قِسْمٌ من الْمَكْرُوهِ وَدَرَجَاتُ الْمَكْرُوهِ تَتَفَاوَتُ كما في السُّنَّةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ قِسْمًا آخَرَ وَإِلَّا لَكَانَتْ الْأَحْكَامُ سِتَّةً وهو خِلَافُ الْمَعْرُوفِ أو كان خِلَافُ الْأَوْلَى خَارِجًا عن الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ خطاب الوضع قد عَرَفْت أَنَّ الْخِطَابَ كما يَرِدُ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ فَكَذَا يَرِدُ بِالْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ لِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا كما سَبَقَ فَعَلَى هذا لِلَّهِ في كل وَاقِعَةٍ رُتِّبَ الْحُكْمُ فيها على وَصْفٍ أو حِكْمَةٍ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا نَفْسُ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ على الْوَصْفِ وَثَانِيهِمَا سَبَبِيَّةُ ذلك الْوَصْفِ وَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرَةٌ إذْ صِحَّةُ الْقِيَاسِ في الْأَوَّلِ مُتَّفَقٌ عليها بين الْقَائِسِينَ وفي الثَّانِي مُخْتَلَفٌ فيها مِلْكُ النِّصَابِ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِثَالُهُ مِلْكُ النِّصَابِ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَالْمِلْكُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وهو ذَاتُ السَّبَبِ وَكَوْنُهُ سَبَبًا عِبَارَةٌ عن خِطَابِ الشَّارِعِ إنْ جَعَلْت الْمِلْكَ أَمَارَةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمِلْكِ وَالْحَوْلِ حُكْمٌ آخَرُ وهو الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الْمَقْصُودُ في نَفْسِهِ وقد سَبَقَ في الْكَلَامِ على الْخِطَابِ الْخِلَافُ في ثُبُوتِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنَّهُ في الْحَقِيقَةِ لَا يَخْرُجُ عن خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَضَعَّفَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِإِثْبَانِهِ إنْ أَرَادُوا بِالسَّبَبِيَّةِ أنها مَعْرِفَةٌ لِلْحُكْمِ فَحَقٌّ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِنْ أَرَادُوا تَأْثِيرَ الزِّنَا في وُجُوبِ الْحَدِّ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الزِّنَا حَالَ حُصُولِهِ سَبَبٌ إنْ لم يَصْدُرْ عن الشَّارِعِ شَيْءٌ فَلَيْسَ لِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ مَعْنًى فَإِنْ صَدَرَ فَالصَّادِرُ إمَّا الْحُكْمُ أو شَيْءٌ مُؤَثِّرٌ في الْحُكْمِ أو غَيْرُهُمَا فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَالْمُؤَثِّرُ هو الشَّارِعُ وَالثَّانِي هو الْقَوْلُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وهو بَاطِلٌ وَالثَّالِثُ اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ ليس بِحُكْمٍ وهو الْمَطْلُوبُ لَا يُقَالُ فَقَدْ أَجْرَوْا الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ فَقَالُوا نَصْبُ الزِّنَا عِلَّةُ الرَّجْمِ وَاللِّوَاطُ في مَعْنَاهُ لِأَنَّا نَقُولُ نَمْنَعُهُ كَالْحَنَفِيَّةِ وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَقَدْ أَجْرَوْا الْقِيَاسَ في اللُّغَاتِ وَلَيْسَ ذلك حُكْمًا شَرْعِيًّا السبب الْأَوَّلُ تَعْرِيفُ السَّبَبِ وَأَقْسَامُهُ وهو لُغَةً عِبَارَةٌ عَمَّا يَحْصُلُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ أَيْ لِأَنَّهُ ليس بِمُؤَثِّرٍ في الْوُجُودِ بَلْ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ فَالْحَبْلُ مَثَلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إخْرَاجِ الْمَاءِ من الْبِئْرِ وَلَيْسَ الْمُؤَثِّرَ في الْإِخْرَاجِ وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ حَرَكَةُ الْمُسْتَقِي لِلْمَاءِ وفي الشَّرْعِ قال الْأَكْثَرُونَ هو الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الذي دَلَّ السَّمْعُ على كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَجَعْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ مُعَرِّفًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَقِيلَ هو الْمُوجِبُ لَا لِذَاتِهِ وَلَكِنْ بِجَعْلِ الشَّارِعِ إيَّاهُ مُوجِبًا وهو اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَحَاوَلَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ تَزْيِيفَهُ وَقِيلَ هو الْمُوجِبُ لِذَاتِهِ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنَّمَا نُصِبَ السَّبَبُ لِلْحُكْمِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ على الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ على خِطَابِ اللَّهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ كَالْعَلَامَةِ ثُمَّ السَّبَبُ يَنْقَسِمُ إلَى ما يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِهِ كَالدُّلُوكِ لِلصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ في رَمَضَانَ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَكَالنِّصَابِ لِلزَّكَاةِ وَإِلَى ما لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَوُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ على وُجُودِهِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ عِنْدَ تَكَرُّرِ الِاسْتِطَاعَةِ عِنْدَ من يَجْعَلُهَا سَبَبًا وَقَسَّمَ ابن الْحَاجِبِ السَّبَبَ إلَى وَقْتِيٍّ كَالزَّوَالِ فإنه مُعَرِّفٌ لِوَقْتِ الظُّهْرِ وَإِلَى مَعْنَوِيٍّ كَالْإِسْكَارِ فإنه مُعَرِّفٌ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمِلْكُ فإنه جُعِلَ سَبَبًا لِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ إطْلَاقَاتُ السَّبَبِ وَيُطْلَقُ السَّبَبُ في لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ على أُمُورٍ أَحَدُهَا ما يُقَابِلُ الْمُبَاشَرَةَ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ غَلَبَ الْمُبَاشَرَةُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ مع التَّرْدِيَةِ الثَّانِي عِلَّةُ الْعِلَّةِ كَالرَّمْيِ يُسَمَّى سَبَبًا لِلْقَتْلِ وهو أَعْنِي الرَّمْيَ عِلَّةٌ لِلْإِصَابَةِ وَالْإِصَابَةُ عِلَّةٌ لِزَهُوقِ الرُّوحِ الذي هو الْقَتْلُ فَالرَّمْيُ هو عِلَّةُ الْعِلَّةِ وقد سَمَّوْهُ سَبَبًا الثَّالِثُ الْعِلَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا كَالنِّصَابِ بِدُونِ الْحَوْلِ يُسَمَّى سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ الرَّابِعُ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ من الْمُقْتَضَى وَالشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودُ الْأَهْلِ وَالْمَحَلِّ يُسَمَّى سَبَبًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ مُوجِبَةٌ لِوُجُودِ مَعْلُولِهَا كما عُرِفَ من الْكَسْرِ لِلِانْكِسَارِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ مع الِانْفِعَالَاتِ بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ فإنه لَا يَلْزَمُ من وُجُودِهَا وُجُودُ مُسَبَّبَاتِهَا قال الْهِنْدِيُّ وإذا حَكَمْنَا على الْوَصْفِ أو الْحِكْمَةِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا فَلَيْسَ الْمُرَادُ منه أَنَّهُ كَذَلِكَ في مَوْرِدِ النَّصِّ بَلْ الْمُرَادُ منه أَنَّهُ سَبَبٌ في غَيْرِهِ وَمِنْ هذا يُعْرَفُ أَنَّ سَبَبِيَّةَ السَّبَبِ وَإِنْ كانت حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً من سَبَبٍ آخَرَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ إمَّا الدَّوْرُ أو التَّسَلْسُلُ بَلْ هِيَ مُسْتَفَادَةٌ من النَّصِّ أو من الْمُنَاسَبَةِ مع الِاقْتِرَانِ مسألة لِلْأَسْبَابِ أَحْكَامٌ تُضَافُ إلَيْهَا صَارَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ لِلْأَحْكَامِ أَسْبَابًا تُضَافُ إلَيْهَا وَالْمُوجِبُ في الْحَقِيقَةِ وَالشَّارِعُ لها هو اللَّهُ تَعَالَى دُونَ الْأَسْبَابِ إذْ الْإِيجَابُ إلَى الشَّارِعِ دُونَ غَيْرِهِ وَنَقَلُوا عن جُمْهُورِ الْأَشْعَرِيَّةِ التَّفْصِيلَ بين الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا فَالْعِبَادَاتُ لَا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَّا إلَى اللَّهِ وَخِطَابِهِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلَّهِ على الْخُلُوصِ فَيُضَافُ إلَى إيجَابِهِ وَالْعُقُوبَاتُ وَحُقُوقُ الْعِبَادِ أَسْبَابٌ يُضَافُ وُجُوبُهَا إلَيْهَا لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِ الْعَبْدِ وَعَلَى هذا جَوَّزُوا إضَافَةَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ إلَى الْأَسْبَابِ أَيْضًا وفي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وهو إنْكَارُ الْأَسْبَابِ أَصْلًا وَقَالُوا الْحُكْمُ في الْمَنْصُوصِ عليه ثَابِتٌ بِظَاهِرِ النَّصِّ وفي غَيْرِهِ بِالْوَصْفِ الْمَجْعُولِ عِلَّةً وَيَكُونُ ذلك أَمَارَةً لِثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى قالوا لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْأَحْكَامِ وَالشَّارِعَ لها هو اللَّهُ تَعَالَى وفي إضَافَةِ الْإِيجَابِ إلَى غَيْرِهِ وهو الْأَسْبَابُ قَطْعُهُ عنه وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَكِنَّهُ يُقَالُ حَصَلَ بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ أَمَارَةٌ على حُكْمِ الْفَرْعِ فَيُقَالُ لها أَسْبَابٌ أو عِلَلٌ مُوجِبَةٌ مَجَازًا لِظُهُورِ الْأَحْكَامِ عِنْدَهَا قِيلَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِلْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْمُوجِبَ في الْحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعَالَى لَا غَيْرُ وَعَلَى أَنَّ هذه الْأَسْبَابَ مُعَرِّفَاتٌ لِحُكْمِ اللَّهِ لَا مُوجِبَةٌ بِذَاتِهَا فلم يَبْقَ الْخِلَافُ إلَّا في اللَّفْظِ قُلْت اتَّفَقَ الْأَشْعَرِيَّةُ على أَنَّهُ ليس السَّبَبُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ لِذَاتِهِ أو لِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ بَلْ الْمُرَادُ منه إمَّا الْمُعَرِّفُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَإِمَّا الْمُوجِبُ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ وَلَكِنْ بِجَعْلِ الشَّرْعِ إيَّاهُ مُوجِبًا وهو اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّأْثِيرِ وَيَنْبَنِي الْخِلَافُ على أَنَّهُ يُعْقَلُ تَأْثِيرٌ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ مُؤَثِّرًا بِذَاتِهِ أو بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ أو لَا يُعْقَلُ ذلك وَعَلَيْهِ يُبْنَى كَوْنُ الْعَبْدِ مُوجِدًا لِفِعْلِ نَفْسِهِ بِإِقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى أو خَلْقِهِ له ما يَقْتَضِي تَأْثِيرَهُ في الْفِعْلِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُؤَثِّرًا بِذَاتِهِ أو بِصِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ فَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذلك وَيَقُولُونَ الصَّادِرُ عنه فِعْلُ اللَّهِ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُنْكِرُونَهُ فَائِدَةٌ قد يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ على سَبَبِهِ الْأَصْلُ في أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ أَنْ تَتَقَدَّمَ على الْأَحْكَامِ وقد يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ على سَبَبِهِ وَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قبل قَبْضِهِ فَهُوَ من ضَمَانِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا كانت مَغَارِمُهَا عليه لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِالتَّلَفِ لِتَعَذُّرِ اقْتِرَانِهِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّلَفِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ انْقِلَابُ الْمِلْكِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ وَلَا يَصِحُّ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ بَعْدَ التَّلَفِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عن أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا بَعْدَ ذَهَابِهِ بِنَفْسِ انْقِلَابِهِ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ قبل تَلَفِهِ الشَّرْطُ الثَّانِي الْحُكْمُ على الْوَصْفِ بِأَنَّهُ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ لُغَةً الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ وهو الذي يَلْزَمُ من انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْمَشْرُوطِ كَالْإِحْصَانِ الذي هو سَبَبُ وُجُوبِ رَجْمِ الزَّانِي يَنْتَفِي الرَّجْمُ لِانْتِفَائِهِ فَلَا يُرْجَمُ إلَّا مُحْصَنٌ وَكَالْحَوْلِ الذي هو شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ يَنْتَفِي وُجُوبُهَا بِانْتِفَائِهِ أَقْسَامُ الشَّرْطِ ثُمَّ يَنْقَسِمُ إلَى ما هو شَرْطُ السَّبَبِ وهو كُلُّ مَعْنًى يَكُونُ عَدَمُهُ مُخِلًّا بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ كَشَرَائِطِ الْمَبِيعِ من كَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ وَغَيْرُهُ وَإِلَى ما هو شَرْطُ الْحُكْمِ وهو كُلُّ مَعْنًى يَكُونُ عَدَمُهُ مُخِلًّا بِمَقْصُودِ الْحُكْمِ مع بَقَاءٍ لِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ كَالْقَبْضِ لِلْمَبِيعِ لِلْمِلْكِ التَّامِّ وهو على أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ له إذْ لَا يُعْقَلُ عَالِمٌ إلَّا وهو حَيٌّ وَيُسَمَّى عَقْلِيًّا لِأَنَّ الْعَقْلَ أَدْرَكَ لُزُومَهُ لِمَشْرُوطِهِ ثَانِيهَا لُغَوِيٌّ كَدُخُولِ الدَّارِ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ أو الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ عليه ثَالِثُهَا شَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فإنه يَلْزَمُ من انْتِقَاءِ الطَّهَارَةِ انْتِقَاءُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِهَا وُجُودُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ انْتِفَائِهَا لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ رَابِعُهَا الْعَادِي كَالْغِذَاءِ لِلْحَيَوَانِ وَالْغَالِبُ منه أَنَّهُ يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ الْغِذَاءِ انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ وَمِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهَا وَالشَّرْطُ الْعَادِي وَاللُّغَوِيُّ من قَبِيلِ الْأَسْبَابِ لَا من قَبِيلِ الشُّرُوطِ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال الْقَرَافِيُّ وابن الْحَاجِبِ الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ من وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ بِخِلَافِ الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ وقد اُخْتُلِفَ في الْحَيَّاتِ في الشِّتَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ فَقِيلَ تَغْتَذِي بِالتُّرَابِ وَقِيلَ لَا تَغْتَذِي مُدَّةَ مُكْثِهَا تَحْتَ الْأَرْضِ فَعَلَى هذا لم يَلْزَمْ من انْتِقَاءِ الْغِذَاءِ في حَقِّهَا انْتِفَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْعَكِسُ الْحَالُ وَتَصِيرُ الْحَيَاةُ هِيَ شَرْطُ الْغِذَاءِ الثَّالِثُ الْحُكْمُ على الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ مَانِعًا وَالْمَانِعُ عَكْسُ الشَّرْطِ وهو ما يَلْزَمُ من وُجُودِهِ عَدَمُ وُجُودِ الْحُكْمِ كَالدَّيْنِ مع وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْأُبُوَّةِ مع الْقِصَاصِ وَوَجْهُ الْعَكْسِ فيه أَنَّ الشَّرْطَ يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ وَالْمَانِعُ يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِهِ فَوُجُودُ الْمَانِعِ وَانْتِفَاءُ الشَّرْطِ سَوَاءٌ في اسْتِلْزَامِهَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَوُجُودُ الشَّرْطِ سَوَاءٌ في أَنَّهُمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُمَا وُجُودُ الْحُكْمِ وَلَا عَدَمُهُ أقسام المانع ثُمَّ يَنْقَسِمُ إلَى مَانِعِ الْحُكْمِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في الْقِيَاسِ وَإِلَى مَانِعِ السَّبَبِ وهو كُلُّ وَصْفٍ وُجُودِيٍّ يُخِلُّ وُجُودُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ التي لِأَجْلِهَا يَقْتَضِي السَّبَبُ الْمُسَبِّبَ كَحَيْلُولَةِ النِّصَابِ الْغَصْبَ وَالْإِبَاقَ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ من انْعِقَادِ النِّصَابِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ ثُمَّ الْمَوَانِعُ الشَّرْعِيَّةُ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ وَاسْتِمْرَارَهُ كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً وَيَقْطَعُهُ دَوَامًا ثَانِيهَا ما يَمْنَعُهُ ابْتِدَاءً لَا دَوْمًا كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ لِغَيْرِ من هِيَ منه وَلَوْ طَرَأَتْ على نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ لم يَقْطَعْهُ وَكَذَلِكَ الرِّدَّةُ ثَالِثُهَا ما يَمْنَعُهُ دَوَامًا لَا ابْتِدَاءً كَالْكُفْرِ بِالنِّسْبَةِ لَمَالِكِ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ لَا يَمْنَعُ في الِابْتِدَاءِ لِتَصْوِيرِهِ بِالْإِرْثِ وَغَيْرُهُ من الصُّوَرِ التي تَنْتَهِي إلَى نَحْوِ الْأَرْبَعِينَ وَيُمْتَنَعُ دَوَامُهُ بَلْ يَنْقَطِعُ بِنَفْسِهِ كَشِرَاءِ من يُعْتَقُ عليه أو بِالْإِجْبَارِ على إزَالَتِهِ تَنْبِيهٌ هذه الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفَقٌ على أنها من خِطَابِ الْوَضْعِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ وزاد الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ وَهِيَ الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ وَالْعَزِيمَةُ وَالرُّخْصَةُ وَسَنَذْكُرُهَا وزاد الْقَرَافِيُّ نَوْعَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا التَّقْدِيرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْحِجَاجُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ كَالْمَاءِ في حَقِّ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ وَعَكْسُهُ كَالْمَقْتُولِ يُورَثُ عنه الدِّيَةُ وَإِنَّمَا تَجِبُ بِمَوْتِهِ وَلَا يُورَثُ عنه إلَّا إذَا دَخَلَتْ في مِلْكِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَمْلِكُ فَيُقَدِّرُ دُخُولَهَا في مِلْكِهِ قبل مَوْتِهِ حتى يَنْتَقِلَ لِوَارِثِهِ فَقَدَّرْنَا الْمَعْدُومَ مَوْجُودًا لِلضَّرُورَةِ وقال ابن التِّلِمْسَانِيِّ الْحُكْمُ التَّقْدِيرِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى تَقْدِيرِ صِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ في الْمَحَلِّ يَظْهَرُ أَثَرُهَا كَتَقْدِيرِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَالْيَمِينِ وَإِلَى تَقْدِيرِ أَعْيَانٍ مَحْسُوسَةٍ كَتَقْدِيرِ الدَّرَاهِمِ في الذِّمَّةِ قال وَمِنْ الْعُلَمَاءِ من لَا يُثْبِتُ هذه التَّقَادِيرَ وَيَقُولُ حُكْمُ الْفَرْعِ في الْمَحَلِّ هو نَفْسُ ما ادَّعَى كَوْنَهُ أَمْرًا أَمَّا تَقْدِيرُ صِفَاتِ مُوجِبِهِ لها فَإِثْبَاتُ ما لَا دَلِيلَ عليه وَمِنْ هذا النَّمَطِ قَوْلُهُمْ الْحَدَثُ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ في أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ أَثَرُهُ الْمَنْعُ من الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهِيَ التي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْقُضَاةُ في الْأَحْكَامِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَالْيَمِينِ مع النُّكُولِ أو مع الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فإذا نَهَضَتْ تِلْكَ الْحُجَّةُ عِنْدَ الْقَاضِي وَجَبَ عليه الْحُكْمُ وَهَذَا في الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى السَّبَبِ مسألة الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ من أَنْوَاعِ خِطَابِ الْوَضْعِ لِأَنَّهُمَا حُكْمٌ من الشَّارِعِ على الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُودِ وَيُبْنَى عليها أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَنَازَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ في كَوْنِ ذلك حُكْمًا شَرْعِيًّا وقال إذَا كانت الصِّحَّةُ هِيَ الْمُطَابَقَةُ وَالْمُوَافَقَةُ لِمُقْتَضَى ما دَلَّ عليه الْأَمْرُ فَالْمُطَابَقَةُ وَالْمُوَافَقَةُ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ اعْتِبَارِيٌّ ليس من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ في شَيْءٍ بَلْ نَوْعُ نَسَبٍ وَإِضَافَةٍ إلَى مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ هذا سُؤَالٌ حَسَنٌ لِجَدِّي الْعَلَّامَةِ أبي الْحَسَن مُظَفَّرِ بن عبد اللَّهِ الشَّافِعِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمُقْتَرِحِ رَحِمَهُ اللَّهُ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ وَحِينَئِذٍ فلم يَنْفَرِدْ بِهِ إذَنْ كما زَعَمَ بَعْضُهُمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابن التِّلِمْسَانِيِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُنْتَخَبِ فقال مُوَافَقَةُ الشَّرِيعَةِ ليس حُكْمًا شَرْعِيًّا حَقِيقِيًّا فَإِنَّهَا نِسْبَةٌ بين الْفِعْلِ الْوَاقِعِ وَالْأَمْرِ مَثَلًا فَهِيَ تَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا أنها نَفْسُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَتَسْمِيَةُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ حُكْمًا مَجَازٌ وإذا ثَبَتَ هذا فَنَقُولُ الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ في الْعُقُودِ ثُبُوتُهَا على مُوجِبِ الشَّرْعِ لِيَتَرَتَّبَ آثَارُهُ كَالْمِلْكِ الْمُرَتَّبِ على الْعُقُودِ أَيْ يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ من التَّصَرُّفِ كَالْحِلِّ في النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ في الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ نِكَاحُ الْكُفَّارِ صَحِيحٌ أَيْ مَحْكُومٌ عليه بِالصِّحَّةِ وَأَثَرُ كل شَيْءٍ على حَسَبِهِ فَأَثَرُ الْبَيْعِ الْمُكْنَةُ من التَّصَرُّفِ كَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ وَأَثَرُ الْإِجَارَةِ التَّمَكُّنُ من الِانْتِفَاعِ وفي الْقِرَاضِ عَدَمُ الضَّمَانِ وَاسْتِحْقَاقُ الرِّبْحِ وفي النِّكَاحِ التَّمَكُّنُ من الْوَطْءِ فَكُلُّ عَقْدٍ تَرَتَّبَ آثَارُهُ عليه فَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِلَّا فَهُوَ الْفَاسِدُ وَقِيلَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ وَلَا يَرِدُ الْمَبِيعُ في زَمَنِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ قد يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا على شَرْطٍ آخَرَ وَلَيْسَ التَّصَرُّفُ وَالِانْتِقَاعُ أَثَرَ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا أَثَرُهُ حُصُولُ الْمِلْكِ الذي يَنْشَأُ عنه إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِشَرْطِهِ وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ له خِيَارٌ وَكَذَا لو أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ امْرَأَةٍ في يَدِ الْغَيْرِ ثُمَّ قَبِلَ نِكَاحَهَا مِمَّنْ هِيَ في يَدِهِ وهو يَدَّعِي رِقَّهَا قال الرَّافِعِيُّ لم يَحِلَّ له وَطْؤُهَا وَلِصَاحِبِهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْمَهْرِ فَهَذَا عَقْدٌ صَحِيحٌ لم يَتَرَتَّبْ عليه أَثَرُهُ لَكِنْ لِمَانِعٍ وَأَمَّا الصِّحَّةُ في الْعِبَادَاتِ فَاخْتُلِفَ فيها فقال الْفُقَهَاءُ هِيَ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا في سُقُوطِ الْقَضَاءِ كَالصَّلَاةِ إذَا وَقَعَتْ بِجَمِيعِ وَاجِبَاتِهَا مع انْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا فَكَوْنُهَا لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا هو صِحَّتُهَا وقال الْمُتَكَلِّمُونَ هِيَ مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّارِعِ في ظَنِّ الْمُكَلَّفِ لَا في نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ فَكُلُّ من أُمِرَ بِعِبَادَةٍ تُوَافِقُ الْأَمْرَ بِفِعْلِهَا كان قد أتى بها صَحِيحَةً وَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ من شُرُوطِهَا أو وُجِدَ مَانِعٌ وَهَذَا أَعَمُّ من قَوْلِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ كُلَّ صِحَّةٍ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِلْأَمْرِ وَلَيْسَ كُلُّ مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ صِحَّةً عِنْدَهُمْ وَاصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ أَنْسَبُ فإن الْآنِيَةَ مَتَى كانت صَحِيحَةً من جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إلَّا من جَانِبٍ وَاحِدٍ فَهِيَ مَكْسُورَةٌ لُغَةً وَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً حَيْثُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْخَلَلُ من جِهَةٍ من الْجِهَاتِ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْخَلَلُ من جِهَةِ ذِكْرِ الْحَدَثِ فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً بَلْ الْمُسْتَجْمِعُ لِشُرُوطِهِ في نَفْسِ الْأَمْرِ هو الصَّحِيحُ وَبَنَوْا على الْخِلَافِ صَلَاةَ من ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ دُونَ الْفُقَهَاءِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وفي هذا الْبِنَاءِ نَظَرٌ لِأَنَّ هذه الصَّلَاةَ إنَّمَا وَافَقَتْ الْأَمْرَ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ الذي تَبَيَّنَ فَسَادُهُ وَلَيْسَتْ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ الذي تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِهِ ابْتِدَاءً فَعَلَى هذا نَسْتَفْسِرُ وَنَقُولُ إنْ أَرَدْتُمْ بِالصَّحِيحِ ما وَافَقَ أَمْرًا ما فَهَذَا الْفِعْلُ صَحِيحٌ بهذا الِاعْتِبَارِ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مُطْلَقًا لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ الْأَمْرَ الْأَصْلِيَّ وَإِنْ أَرَدْتُمْ ما وَافَقَ الْأَمْرَ الْأَصْلِيَّ فَهَذِهِ غَيْرُ مُوَافَقَةٍ فَلَا تَكُونُ صَحِيحَةً تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ ما حَكَيْنَاهُ عن الْفُقَهَاءِ من أَنَّ الصِّحَّةَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ تَبِعْنَا فيه الْأُصُولِيِّينَ لَكِنْ كَلَامُ الْأَصْحَابِ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُمْ قالوا في بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ في الْكَلَامِ على شُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَإِنْ كان صَلَاتُهُ صَحِيحَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُغْنِيَةً عن الْقَضَاءِ أو لَا إلَخْ فَجَعَلُوا الصَّحِيحَ يَنْقَسِمُ إلَى ما يُغْنِي وَإِلَى ما لَا يُغْنِي ولم يَجْعَلُوهُ ما لَا يُغْنِي عن الْقَضَاءِ وَحَكَوْا وَجْهَيْنِ في صَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ هل تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَالصَّحِيحُ نعم وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُقَابِلَهُ وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ مع أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ على الْجَدِيدِ قالوا وَيَجْرِي الْخِلَافُ في كل صَلَاةٍ يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ في الْأَيْمَانِ وفي جَوَازِ الْخُرُوجِ منها وَلِهَذَا يَقُولُونَ من صَحَّتْ صَلَاتُهُ في نَفْسِهِ صِحَّةً مُغْنِيَةً عن الْقَضَاءِ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَهَذَا كُلُّهُ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الصِّحَّةَ تُجَامِعُ الْقَضَاءَ التَّنْبِيهُ الثَّانِي زَعَمَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَتَابَعَهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ وهو أَنَّهُ هل تُسَمَّى هذه صَحِيحَةٌ أَمْ لَا قال الْقَرَافِيُّ لِاتِّفَاقِهِمْ على سَائِرِ أَحْكَامِهَا فَقَالُوا الْمُصَلِّي مُوَافِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُثَابٌ على صَلَاتِهِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عليه الْقَضَاءُ إذَا عَلِمَ الْحَدَثَ فلم يَبْقَ النِّزَاعُ إلَّا في التَّسْمِيَةِ قُلْت وَنَفْيُ الْخِلَافِ في الْقَضَاءِ مَرْدُودٌ فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ في مَسْأَلَةِ الْإِجْزَاءُ الِامْتِثَالُ وَكَأَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ إنَّهَا صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ وَافَقَ الْأَمْرَ الْمُتَوَجِّهَ عليه في الْحَالِ وَهِيَ مُسْقِطَةٌ لِلْقَضَاءِ لو لم يَرِدْ نَصٌّ بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا وَجَبَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ كما حَكَاهُ في الْمُسْتَصْفَى عَنْهُمْ وَوَصْفُهُمْ إيَّاهَا بِالصِّحَّةِ صَرِيحٌ في ذلك فإن الصِّحَّةَ هِيَ الْغَايَةُ من الْعِبَادَةِ وَعِنْدَنَا قَوْلٌ مِثْلُهُ فِيمَا إذَا صلى بِنَجَسٍ لم يَعْلَمْهُ أو مَكْشُوفِ الْعَوْرَةِ سَاهِيًا إنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا قَضَاءَ نَظَرًا لِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ حَالَ التَّلَبُّسِ وَعَكْسُ هذه الْمَسْأَلَةِ من صلى خَلْفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ وَفَرَّعْنَا على الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فَإِنَّهَا على اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ صَحِيحَةٌ لِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُوَافَقَةً لِأَمْرِ الشَّارِعِ وَذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ أَنَّ ما يَتَخَرَّجُ على هذا الْخِلَافِ صَلَاةُ من لم يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا إذَا صلى على حَسَبِ حَالِهِ وَقُلْنَا بِالرَّاجِحِ إنَّهُ يَجِبُ عليه الْإِعَادَةُ قال فَتِلْكَ الصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قُلْت فيه وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَبَنَى عَلَيْهِمَا ما لو حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى كَذَلِكَ وقد سَبَقَ وفي كَلَامِ الْأَصْفَهَانِيِّ نَظَرٌ إذْ كَيْفَ يُؤْمَرُ بِعِبَادَةٍ هِيَ فَاسِدَةٌ وَبَنَى ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ على الْخِلَافِ في تَفْسِيرِ الصِّحَّةِ مَسْأَلَةً لو تَحَيَّرَ الْمُجْتَهِدُ في الْأَوَانِي فلم يَغْلِبْ على ظَنِّهِ شَيْءٌ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ إنْ كان قبل الصَّبِّ وَجَبَ الْقَضَاءُ أو بَعْدَهُ فَلَا وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا في وُجُوبِ الصَّبِّ وَنَسَبَ الْجُمْهُورُ عَدَمَ الْوُجُوبِ قال ابن الرِّفْعَةِ وَالْخِلَافُ يُلْتَفَتُ على أَنَّ الصِّحَّةَ ما هِيَ فَإِنْ قُلْنَا مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ لم يَلْزَمْ الْإِرَاقَةُ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَهَذَا غَيْرُ وَاجِدٍ له إذْ الْوُجُودُ ما يَقْدِرُ على اسْتِعْمَالِهِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ ما أَسْقَطَ الْقَضَاءَ وَجَبَ عليه الصَّبُّ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِتْيَانِ بِالصَّلَاةِ صَحِيحَةً إذَا قَدَرَ عليها وهو قَادِرٌ هَاهُنَا ا هـ وَهَذَا يُعْطِي أَنَّ الْخِلَافَ في تَفْسِيرِ الصِّحَّةِ ثَابِتٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا وقال الْآمِدِيُّ وَلَا بَأْسَ بِتَفْسِيرِ الصِّحَّةِ في الْعِبَادَاتِ بِمَا ذَكَرُوهُ في الْمُعَامَلَاتِ من تَرَتُّبِ أَحْكَامِهَا الْمَقْصُودَةِ منها يَعْنِي لِأَمْرٍ مَقْصُودِ الْعِبَادَةِ إقَامَةُ رَسْمِ التَّعَبُّدِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْعَبْدِ منها فإذا أَفَادَتْ ذلك كان هو مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهَا كَافِيَةٌ في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ فَتَكُونُ صَحِيحَةً التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ قال أبو الْعَبَّاسِ بن تَيْمِيَّةَ لم يَرِدْ في لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ بَلْ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَإِنَّمَا الصِّحَّةُ اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ قُلْت وَوَرَدَ لَفْظُ الْإِجْزَاءِ كَثِيرًا وهو قَرِيبٌ من الصِّحَّةِ ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ لم يَسْمَحُوا بِإِطْلَاقِ الْفَاسِدِ وَإِنَّمَا قالوا هِيَ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أو شَبِيهَةٌ بها كَإِمْسَاكِ رَمَضَانَ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ إنَّمَا صَارَ الْفُقَهَاءُ إلَى هذا في أَصْلٍ وهو أَنَّ الصَّلَاةَ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ صَحِيحَةٌ عِنْدَهُمْ وَهِيَ وَاقِعَةٌ على خِلَافِ مُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ فَدَلَّ على أَنَّ الصَّحِيحَ ما لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ لم يُوَافِقْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْتِفَاتَ الْخِلَافِ على أَصْلٍ وهو أَنَّ الْقَضَاءَ هل يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أو لَا بُدَّ من أَمْرٍ جَدِيدٍ وَالثَّانِي قَوْلُ الْفُقَهَاءِ حَكَاهُ عَنْهُمْ في الْمَنْخُولِ مسألة الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَاهِيَّاتِ من عِبَادَةٍ وَعَقْدٍ هل يَقَعُ على الْفَاسِدِ منها أو يَخْتَصُّ بِالصَّحِيحِ فيه ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ في بَيَانِ الْمُجْمَلِ أَحَدُهَا لَا يُسَمَّى الْفَاسِدُ منها بَيْعًا وَلَا نِكَاحًا وَالثَّانِي يُسَمَّى وَإِنْ فَسَدَ شَرْعًا وَالثَّالِثُ ما كان من أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ وَالْأَعْيَانِ لَا يَسْلُبُهُمَا الِاسْمَ عِنْدَ انْتِفَاءِ شُرُوطٍ شُرِعَتْ فيه وَذَلِكَ كَالْغُسْلِ وَالْوَطْءِ وَأَمَّا ما كان من أَسْمَاءِ الْأَحْكَامِ كَتَسْمِيَةِ الْغُسْلِ طَهَارَةً فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْغُسْلَ مع عَدَمِ النِّيَّةِ ليس بِطَهَارَةٍ ا هـ وَالْقَوْلَانِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ في الْعُقُودِ وَأَصَحُّهُمَا اخْتِصَاصُهُ بِالصَّحِيحِ وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ على الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فقال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ سَيَأْتِي خِلَافٌ في أنها هل تُحْمَلُ على الصَّحِيحِ كما إذَا حَلَّفَهُ لَا يَصُومُ وَلَا يُصَلِّي وقد اسْتَنْكَرَ ذلك منه فإنه لَا خِلَافَ عِنْدَنَا في اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحِيحِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْعُقُودِ نعم قالوا لو حَلَفَ لَا يَحُجُّ حَنِثَ بِالْفَاسِدِ وَيُحْتَمَلُ في كل ما فَرَّقَ فيه بين الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ وقد يُمْنَعُ وَالْفَرْقُ مُخَالَفَةُ الْحَجِّ غَيْرَهُ من الْعِبَادَاتِ فَلَا يُقَاسُ عليه غَيْرُهُ مسألة الصِّحَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الثَّوَابَ بَلْ يَكُونُ الْفِعْلُ صَحِيحًا وَلَا ثَوَابَ فيه وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْحَجِّ تُحْبِطُ الثَّوَابَ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَكَذَا صَوْمُ الْمُغْتَابِ عِنْدَ الْقَفَّالِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ في بَابِ الِاعْتِكَافِ عن الصَّيْدَلَانِيِّ ثُمَّ قال وَلَيْسَ الْكَلَامُ في الْأَجْرِ وَالْفَضِيلَةِ من شَأْنِ الْفُقَهَاءِ وَالثَّوَابُ غَيْبٌ لَا نَطَّلِعُ عليه وَإِنْ وَرَدَ خَبَرٌ في أَنَّ الْغِيبَةَ تُحْبِطُ الْأَجْرَ فَهُوَ تَهْدِيدٌ مُؤَوَّلٌ وقد يَرِدُ مِثْلُهُ في التَّرْغِيبِ قُلْت وَكَذَا قال الصَّيْمَرِيُّ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ في الصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تَصِحُّ وَأَمَّا الثَّوَابُ فَإِلَى اللَّهِ مسألة ثواب الصلاة الفاسدة إذَا صلى صَلَاةً فَاسِدَةً هل يُثَابُ عليها قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ يُثَابُ على الْأَفْعَالِ التي لَا تَفْتَقِرُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ من الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا كَالْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ لو نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ أَبْطَلَ الْوُضُوءَ في أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أو غَيْرِهِ هل له ثَوَابُ الْمَفْعُولِ منه قال يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ له ثَوَابُهُ كَالصَّلَاةِ إذَا بَطَلَتْ في أَثْنَائِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إذَا بَطَلَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَهُ ثَوَابُهُ وَإِلَّا فَلَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال لَا ثَوَابَ له بِحَالٍ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مسألة الْإِجْزَاءُ هو الِاكْتِفَاءُ بالفعل في سقوط الأمر الإجزاء هو الاكتفاء بِالْفِعْلِ في سُقُوطِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخِطَابَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِهِ على وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فإذا أتى الْمُكَلَّفُ بِهِ على ذلك الْوَجْهِ انْقَطَعَ عنه تَعَلُّقُ الْخِطَابِ وَهَذَا هو على مَذْهَبِ الْمُتَكَلِّمِينَ في تَفْسِيرِ الصِّحَّةِ بِمُوَافَقَةِ الْأَمْرِ وَقِيلَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ وهو مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ في الصِّحَّةِ وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالْأَدَاءِ لِأَنَّا نُعَلِّلُ الْإِجْزَاءَ بِأَدَاءِ الْفِعْلِ على الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَنَقُولُ أَدَّى ما أُمِرَ بِهِ كما أُمِرَ وَعَسُرَ على بَعْضِهِمْ الْفَرْقُ بين الْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن الْإِجْزَاءَ أَعَمُّ وَيَخْتَصُّ الْإِجْزَاءُ بِالْعِبَادَاتِ فَلَا مَعْنَى له في الْمُعَامَلَاتِ وَيَخْتَصُّ بِالْعِبَادَةِ التي وُقُوعُهَا بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عليه أَثَرُهَا أو لَا يَتَرَتَّبُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَأَمَّا ما يَقَعُ على وَجْهٍ وَاحِدٍ فَلَا يُوصَفُ بِهِ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَيَخْتَصُّ أَيْضًا بِالْمَطْلُوبِ أَعَمُّ من الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ لَا يُقَالُ في الْمَنْدُوبِ إنَّهُ مُجْزِئٌ أو غَيْرُ مُجْزِئٍ وَنَصَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ في الضَّحَايَا مع أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةٌ وَكَذَا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في عَنَاقِ أبي بُرْدَةَ يُجْزِئُك وَلَنْ يُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وَإِنْ كانت الْأُضْحِيَّةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ مسألة الجائز وافق الشريعة الْجَائِزُ ما وَافَقَ الشَّرِيعَةَ فإذا قُلْنَا صَوْمٌ جَائِزٌ وَبَيْعٌ جَائِزٌ فَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ الشريعة ( ( ( للشريعة ) ) ) وقد يقول الْفُقَهَاءُ الْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ وَيُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ ليس بِلَازِمٍ وَضَابِطُ ذلك أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ لِلْعَاقِدِ فَسْخُهُ بِكُلِّ حَالٍ أو لَا وَيَئُولُ إلَى اللُّزُومِ وَلَا يَدْخُلُ على ذلك الْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فإنه يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ وَكَذَا إذَا كان في الْمَبِيعِ عَيْبٌ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ جَدَلِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ الْجَائِزُ ما أُذِنَ في فِعْلِهِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَيَخْرُجُ الْحَرَامُ وَقِيلَ ما لَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ قال وَالْحَدُّ الْأَوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ من وَصْفٍ وَاحِدٍ قال وَكُلُّ صَحِيحٍ جَائِزٌ من حَيْثُ كَوْنُهُ مَأْذُونًا في فِعْلِهِ وَلَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ صَحِيحًا كَكَثِيرٍ من الْمُبَاحَاتِ قال وَحَدُّ الْجَائِزِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرِيعَةِ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَهُ أَهْلُ الْمَعْقُولِ مسالة يقابل الصحة البطلان وَيُقَابِلُ الصِّحَّةَ الْبُطْلَانُ فَيَأْتِي في تَفْسِيرِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فَمَنْ قال الصِّحَّةُ وُقُوعُ الْفِعْلِ كَافِيًا في إسْقَاطِ الْقَضَاءِ قال الْبُطْلَانُ هو وُقُوعُهُ غَيْرُ كَافٍ لِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَمَنْ قال الصِّحَّةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ قال الْبُطْلَانُ مُخَالَفَتُهُ فَعَلَى هذا لو صلى الْمُتَطَهِّرُ يَظُنُّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ على الْقَوْلَيْنِ لَكِنْ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ لِكَوْنِهَا بَاطِلَةً بِالْمُخَالَفَةِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وهو الْعِلْمُ بِوُجُودِ الطَّهَارَةِ وَالْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ عِنْدَنَا مُتَرَادِفَانِ فَكُلُّ فَاسِدٍ بَاطِلٌ وَعَكْسُهُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَفْتَرِقَانِ فَرْقَ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ كَالْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ إذْ كُلُّ بَاطِلٍ فَاسِدٌ وَلَيْسَ كُلُّ فَاسِدٍ بَاطِلًا فَقَالُوا الْبَاطِلُ ما لَا يَنْعَقِدُ بِأَصْلِهِ كَبَيْعِ الْحُرِّ وَالْفَاسِدُ ما لَا يَنْعَقِدُ دُونَ أَصْلِهِ كَعَقْدِ الرِّبَا فإنه مَشْرُوعٌ من حَيْثُ إنَّهُ بَيْعٌ وَمَمْنُوعٌ من حَيْثُ إنَّهُ عَقْدُ رِبًا وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ عِنْدَهُمْ يُشَارِكُ الصَّحِيحَ في إفَادَةِ الْمِلْكِ إذَا اتَّصَلَ بِالْقَبْضِ فَجَعَلُوا الْفَاسِدَ رُتْبَةً مُتَوَسِّطَةً بين الصَّحِيحِ وَالْبَاطِلِ وهو نَظِيرُ مَذْهَبِ الْجَاحِظِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بين الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ بَلْ هو سَوَاءٌ في الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ وَبِهِ قال أَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُ وما ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ فَسَادُهُ ظَاهِرٌ من جِهَةِ النَّقْلِ فإن مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْفَاسِدُ هو الْمَوْجُودُ على نَوْعٍ من الْخَلَلِ وَالْبَاطِلُ هو الذي لَا تَثْبُتُ حَقِيقَتُهُ بِوَجْهٍ وقد قال تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسَمَّى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَاسِدَةً عِنْدَ تَقْدِيرِ الشَّرِيكِ وَوُجُودِهِ وَدَلِيلُ التَّمَانُعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَالَمَ على تَقْدِيرِ الشَّرِيكِ وَوُجُودِهِ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ لِحُصُولِ التَّمَانُعِ لَا أَنَّهُ يَكُونُ مَوْجُودًا على نَوْعٍ من الْخَلَلِ فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الذي لَا تَثْبُتُ حَقِيقَتُهُ بِوَجْهٍ فَاسِدًا وهو خِلَافُ ما قالوا في التَّفْرِقَةِ فَإِنْ كان مَأْخَذُهُمْ في التَّفْرِيقِ بِمُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ فَهُمْ مُطَالَبُونَ بِمُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِمَا قُلْت قد تَقَدَّمَ أُمُورٌ في تَفْرِقَتِهِمْ بين الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ بِمِثْلِهَا هُنَا وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَتَوَسَّطُوا بين الْقَوْلَيْنِ ولم يُفَرِّقُوا بين الْبَاطِلِ وَالْفَاسِدِ في التَّسْمِيَةِ وَلَكِنَّهُمْ قالوا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُفِيدُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ فِيمَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ فإذا لَحِقَهُ أَحَدُ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ يُقَدَّرُ الْمِلْكُ بِالْقِيمَةِ وَهِيَ حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَتَلَفُ الْعَيْنِ وَنُقْصَانُهَا وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بها على تَفْصِيلٍ لهم في ذلك وقال الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال في تَحْدِيدِ الْفَاسِدِ هو كُلُّ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ يُقْصَدُ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى اسْتِبَاحَةِ ما جَعَلَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ على التَّحْرِيمِ ثُمَّ أَوْرَدَ عليه الْإِمَامُ الْعَقْدَ في وَقْتٍ تَضِيقُ الصَّلَاةُ فإن الْمُتَلَفِّظَ بِالْعَقْدِ تَارِكٌ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَرْكُ التَّكْبِيرَةِ مُحَرَّمٌ فَهَذَا مُحَرَّمٌ تَوَصَّلَ بِهِ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْأَمْلَاكِ وَالْأَبْضَاعِ وَأُصُولُهَا على الْحَظْرِ مع أَنَّهُ ليس بِفَاسِدٍ التَّفْرِقَةُ بين الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا فَرَّقُوا بين الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ في مَوَاضِعَ أَوَّلُهَا وَثَانِيهَا الْخُلْعُ وَالْكِتَابَةُ فَالْبَاطِلُ مِنْهُمَا ما كان على غَيْرِ عِوَضٍ مَقْصُودٍ كَالْمَيْتَةِ أو رَجَعَ إلَى خَلَلٍ في الْعَاقِدِ كَالصِّغَرِ وَالسَّفَهِ وَالْفَاسِدُ خِلَافُهُ وَحُكْمُ الْبَاطِلِ أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ عليه مَالٌ وَالْفَاسِدُ يَتَرَتَّبُ عليه الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ وَالسَّيِّدُ بِالْقِيمَةِ وَثَالِثُهَا الْحَجُّ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَيَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ وَحُكْمُ الْبَاطِلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَلَا يَمْضِي بِخِلَافِ الْفَاسِدِ هذا حُكْمُ ما يَطْرَأُ وَأَمَّا الْفَاسِدُ ابْتِدَاءً فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَدْخَلَ عليها الْحَجَّ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا وَقِيلَ صَحِيحًا وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ قَالَهُ في الرَّوْضَةِ في بَابِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا فَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا أَيْضًا على الْأَصَحِّ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْمَوَاقِيتِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ في بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَدَمَ الِانْعِقَادِ وَرَابِعُهَا الْعَارِيَّةُ وقد صَوَّرَهَا الْغَزَالِيُّ في الْوَسِيطِ فإنه حَكَى في صِحَّةِ إعَارَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ خِلَافًا ثُمَّ قال فَإِنْ أَبْطَلْنَاهَا فَفِي طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أنها مَضْمُونَةٌ لِأَنَّهَا إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ وفي طَرِيقِ الْمَرَاوِزَةِ أنها غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْإِعَارَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ كَذَا حَصَرَهَا جَمَاعَةٌ في هذه الْأَرْبَعَةِ وهو مَمْنُوعٌ بَلْ يَجْرِي ذلك في سَائِرِ الْعُقُودِ وَمِنْ صُورَةِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَتَجِبُ فيها أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ مَثَلًا صَبِيٌّ رَجُلًا بَالِغًا فَعَمِلَ عَمَلًا لم يَسْتَحِقَّ شيئا لِأَنَّهُ الذي فَوَّتَ على نَفْسِهِ عَمَلَهُ وَتَكُونُ بَاطِلَةً وَمِنْهَا لو قال لِلْمَدْيُونِ اعْزِلْ قَدْرَ حَقِّي فَعَزَلَهُ ثُمَّ قال قَارَضْتُك عليه لم يَصِحَّ لِأَنَّهُ لم يَمْلِكْهُ بِالْعَزْلِ فإذا تَصَرَّفَ الْمَأْمُورُ فَإِنْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ فَهُوَ مِلْكٌ له وَإِنْ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ لِلْقِرَاضِ وَنَقَدَهُ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الشِّرَاءُ لِلْقِرَاضِ وَيَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا وَلَهُ الْأُجْرَةُ وَالرِّبْحُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَالثَّانِي لَا يَكُونُ قِرَاضًا لَا فَاسِدًا وَلَا صَحِيحًا بَلْ هو بَاطِلٌ وَمِنْهَا لو قال بِعْتُك ولم يذكر ثَمَنًا وسلم وَتَلِفَتْ الْعَيْنُ في يَدِ الْمُشْتَرِي هل عليه قِيمَتُهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نعم لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ ليس مَبِيعًا فَيَكُونُ أَمَانَةً وَمِنْهَا لو نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ فَهُوَ فَاسِدٌ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا الْحَدَّ وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلَا إذْنٍ فَبَاطِلٌ لَا يَتَرَتَّبُ عليه شَيْءٌ وقال الْإِمَامُ أبو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ عِنْدِي أَنَّ أَصْحَابَنَا لم يُوَافِقُوا الْحَنَفِيَّةَ في هذا التَّفْرِيقِ أَصْلًا لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُثْبِتُونَ بَيْعًا فَاسِدًا يَتَرَتَّبُ عليه مع الْقَبْضِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ ذلك وَإِنَّمَا الْعُقُودُ لها صُوَرٌ لُغَةً وَعُرْفًا من عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عليه وَصِيغَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِنْ وُجِدَتْ كُلُّهَا فَهُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِدُ أو الْمَعْقُودُ عليه أو الصِّيغَةُ أو ما يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَا عَقْدَ أَصْلًا وَلَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَنُسَمِّيهِ بَيْعًا بَاطِلًا مَجَازًا وَإِنْ وُجِدَتْ وَقَارَنَهَا مُفْسِدٌ من عَدَمِ شَرْطٍ وَنَحْوِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَعِنْدَنَا هو بَاطِلٌ خِلَافًا لهم وَوَافَقُونَا على الْبُطْلَانِ إذَا كان الْفَسَادُ لِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عليه كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَنَحْنُ لَا نُرَتِّبُ على الْفَاسِدِ شيئا من الْأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَكِنْ لنا قَاعِدَةٌ وَهِيَ إذَا كان لِلْفِعْلِ عُمُومٌ وَبَطَلَ الْخُصُوصُ قد لَا يَعْمَلُ الْعُمُومُ فَالْمَسَائِلُ التي رَتَّبَ الْأَصْحَابُ عليها حُكْمًا من الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ هِيَ من هذا الْقَبِيلِ ا ه فَائِدَةٌ أَقْسَامُ الْبَاطِلِ قَسَّمَ ابن الْقَاصِّ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ الْبَاطِلَ إلَى خَمْسَةٍ الْإِحَالَةُ وَالْمُنَاقَضَةُ وَالْفُحْشُ وَالْغَلَطُ قال وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ خَارِجَةٌ عن الْأُصُولِ فَمَنْ صَارَ إلَيْهَا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَالْخَامِسُ يُسَمَّى الْخَطَأُ فَعَلَيْهِ تَدُورُ الْمُنَاظَرَاتُ وَإِلَيْهِ يُقْصَدُ بِالْمُطَالَبَاتِ قال فَالْإِحَالَةُ ما دَفَعَهُ الْحِسُّ وَالْمُنَاقَضَةُ ما شَهِدَ على نَفْسِهِ بِالِاخْتِلَافِ وَالْفُحْشُ ما يَسْتَقْبِحُهُ الْعَقْلُ وَالْغَلَطُ ما طَرَحَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْخَطَأُ كُلُّ مُتَلَبِّسٍ قام فَسَادُهُ دَلِيلٌ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ حَدُّ الْمُحَالِ كُلُّ جُمْلَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بها غَرَضٌ وَلَا فَائِدَةٌ قال وَإِنَّمَا يُطْلِقُهُ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ على فِعْلٍ لَا بُدَّ له من شَرْطٍ أو وَصْفٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ حتى يَعْتَدَّ بِهِ فإذا فَعَلَهُ من غَيْرِ ذلك الشَّرْطِ يُقَالُ هذا فِعْلٌ مُحَالٌ فَيُقَالُ الصَّلَاةُ بِلَا طَهَارَةٍ مُحَالٌ وَالْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ مُحَالٌ وَالصَّوْمُ بِاللَّيْلِ مُحَالٌ انْتَهَى مسألة الرخصة و العزيمة الْحُكْمُ يُوصَفُ بِالْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَفِيهِمَا مَبَاحِثُ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ في مَدْلُولِهِمَا الْعَزِيمَةُ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ولم نَجِدْ له عَزْمًا وَشَرْعًا عِبَارَةٌ عن الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ السَّالِمِ مُوجِبُهُ عن الْمُعَارِضِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ من الْعِبَادَاتِ وَمَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهَا من التَّكَالِيفِ قِيلَ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ حَيْثُ لَا يَقُومُ دَلِيلُ الْمَنْعِ عَزِيمَةٌ وهو لَا يُطَابِقُ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ وَلَا الِاصْطِلَاحَ الْفِقْهِيَّ فإنه في اللُّغَةِ يَدُلُّ على التَّأْكِيدِ وَالْجَزْمِ كما يُقَالُ عَزَمْت عَلَيْك بِكَذَا وَكَذَا وَلِهَذَا يُقَابِلُونَهُ بِمَا فيه تَرْخِيصٌ وَالْإِبَاحَةُ بِمُجَرَّدِهَا ليس فيها هذا الْمَعْنَى وفي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ ما يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِالْوَاجِبَاتِ فَإِنَّهُمَا قَالَا ما لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ بِإِيجَابِهِ وَلَيْسَ كما قَالَا فَإِنَّهَا تُذْكَرُ في مُقَابَلَةِ الرُّخْصَةِ وَالرُّخْصَةُ تَكُونُ في الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ ما يُقَابِلُهَا وَمِثَالُ دُخُولِ الْإِبَاحَةِ فيها قَوْلُهُمْ ص من عَزَائِمِ السُّجُودِ وَدُخُولُ الْحَرَامِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ هو عَزِيمَةٌ لِأَنَّ حُكْمَهَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ خَلَا عن الْمُعَارِضِ فإذا وُجِدَتْ الْمَخْمَصَةُ حَصَلَ الْمُعَارِضُ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ وهو رَاجِحٌ عليه حِفْظًا لِلنَّفْسِ فَجَازَ الْأَكْلُ قال أَصْحَابُنَا تَرْكُ الصَّلَاةِ في حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ قال النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا كان عَزِيمَةً لِكَوْنِهَا مُكَلِّفَةً بِتَرْكِهَا وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنَّ من كُلِّفَ بِتَرْكِ شَيْءٍ لم يُكَلَّفْ بِفِعْلِهِ في حَالِ تَكْلِيفِهِ بِتَرْكِهِ وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ولم يَرِدْ الرُّخْصَةُ وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَهِيَ لُغَةً الْيُسْرُ وَالسُّهُولَةُ وَمِنْهُ رَخُصَ السِّعْرُ إذَا تَرَاجَعَ وَسَهُلَ الشِّرَاءُ وَفِيهَا لُغَاتٌ ثَلَاثٌ رُخُصَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْخَاءِ وَرُخْصَةٌ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً من الْأُولَى وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَصْلًا بِنَفْسِهَا وَالثَّالِثَةُ خُرْصَةٌ بِتَقْدِيمِ الْخَاءِ حَكَاهَا الْفَارَابِيُّ وَالظَّاهِرُ أنها مَقْلُوبَةٌ من الْأُولَى وقد اُشْتُهِرَ على أَلْسُنِ الناس فَتْحُ الْخَاءِ وَلَا يَشْهَدُ له سَمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ لِأَنَّ فُعَّلَةٌ تَكُونُ لِلْفَاعِلِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَضُحَكَةٌ وَلِلْمَفْعُولِ كَلُقَطَةٍ فَقِيَاسُهُ إنْ ثَبَتَ هُنَا أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْكَثِيرِ الرَّخِيصِ على غَيْرِهِ إذَا فَشَا الرُّخْصُ فيه وقال الْآمِدِيُّ في الْإِحْكَامِ الرُّخْصَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَخْذِ الْمَصْدَرَ وَيُحْتَمَلُ أَرَادَ اسْمَ الْفَاعِلِ وَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ وهو الْمَنْقُولُ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فيه فقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ ما جَازَ فِعْلُهُ مع قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ وَأَوْرَدَ عليه أَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ وَأَنَّهَا قد تَكُونُ بِجَوَازِ التَّرْكِ وَأَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهَا على خِلَافِ التَّخْفِيفِ الذي هو الْأَصْلُ كَذَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا بَعْضُ ما هو يَسْتَحِقُّ على الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَاشٍ على الْأَصْلِ وقال الْقَرَافِيُّ طَلَبُ الْفِعْلِ السَّالِمِ عن الْمَانِعِ الْمُشْتَهِرِ وَاحْتُرِزَ بِالْمُشْتَهِرِ عن نَحْوِ ما تَقَدَّمَ ثُمَّ أَوْرَدَ على نَفْسِهِ الْعُقُودَ الْمُخَالِفَةَ لِلْقِيَاسِ كَالسَّلَمِ وَالْمُسَابَقَةِ وقال الْهِنْدِيُّ ما جَازَ فِعْلُهُ أو تَرْكُهُ مع قِيَامِ الْمَانِعِ منه وَيَرِدُ عليه كَثِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَقِيلَ ما لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى وَفِيهِ نَظَرٌ وَقِيلَ ما خَرَجَ عن الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ لِعَارِضٍ وقال ابن الْحَاجِبِ الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مع قِيَامِ الْمُحَرَّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ وَيَرِدُ عليه التَّعَبُّدُ بِالتَّحْرِيمِ وَقِيلَ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مع قِيَامِ الْمُحَرَّمِ فَإِنْ أُرِيدَ إبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مع قِيَامِ الْمُحَرَّمِ بِلَا حُرْمَةٍ فَهُوَ قَوْلٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَإِنْ أُرِيدَ إبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مع قِيَامِ الْحُرْمَةِ فَهُوَ قَوْلٌ بِالْجَمْعِ بين الْمُتَضَادَّيْنِ وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ وَقِيلَ الْحُكْمُ مع الْمُعَارِضِ أَيْ مع قِيَامِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على الْمَنْعِ وَقِيلَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ على خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ مع كَوْنِهِ حَرَامًا في حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وهو الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ ما ثَبَتَ على خِلَافِ الْقِيَاسِ أَيْ الشَّرْعِيِّ لَا الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَصْلَحِيِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ بِهِ عن نَظَائِرِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ هذا في جَانِبِ الْفِعْلِ وفي جَانِبِ التَّرْكِ أَنْ يُوسِعَ لِلْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ مع قِيَامِ الْوُجُوبِ في حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ تَخْفِيفًا وَتَرَفُّهًا سَوَاءٌ كان التَّغْيِيرُ في وَضْعِهِ أو حُكْمِهِ وهو نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ مع بَقَاءِ الْوَصْفِ الذي كان عليه بِأَنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ مُحَرَّمًا مع سُقُوطِ حُكْمِهِ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ على لِسَانِهِ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ مع قِيَامِ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ وَالثَّانِي أَنْ يَسْقُطَ الْحَظْرُ وَالْمُؤَاخَذَةُ جميعا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ حتى لو امْتَنَعَ وَمَاتَ فإنه يُؤَاخَذُ المبحث الثاني : الرخصة من أي الخطابين في أَنَّ الرُّخْصَةَ من أَيِّ الْخِطَابَيْنِ فَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَجَعَلَهَا من أَنْوَاعِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْحَقُّ أنها من خِطَابِ الِاقْتِضَاءِ وَلِهَذَا قَسَّمُوهَا إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ وَمُبَاحَةٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أنها من أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّازِيَّ أنها نَفْسُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَالْقَوْلَانِ غَيْرُ خَارِجَيْنِ عن الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ فإن الْأَوَّلَ يَشْهَدُ له قَوْلُ الْعَرَبِ الرُّخْصَةُ التَّيْسِيرُ وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي قَوْلُهُمْ هذا رُخْصِي من الْمَاءِ أَيْ هذا شُرْبِي المبحث الثالث في أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ وقد قَسَّمَهَا الْأُصُولِيُّونَ إلَى ثَلَاثَةٍ وَاجِبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ وَمُبَاحَةٌ فَالْوَاجِبَةُ كَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ بِاللُّقْمَةِ وَكَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِنَاءً على النُّفُوسِ حَقُّ اللَّهِ وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ فَيَجِبُ حِفْظُهَا لِيَسْتَوْفِيَ اللَّهَ حَقَّهُ منها بِالتَّكْلِيفِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً لِوُجُودِ الْمَلْزُومِ وَالتَّأْكِيدِ قال وَلَا مَانِعَ أَنْ يُطْلَقَ عليه رُخْصَةً من وَجْهٍ وَعَزِيمَةً من وَجْهٍ فَمِنْ حَيْثُ قام الدَّلِيلُ الْمَانِعُ نُسَمِّيهِ رُخْصَةً وَمِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ نُسَمِّيهِ عَزِيمَةً وَهَذَا التَّرَدُّدُ الذي أَشَارَ إلَيْهِ سَبَقَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ وَتَرَدَّدَ في أَنَّ الْوَاجِبَاتِ هل يُوصَفُ شَيْءٌ منها بِالرُّخْصَةِ وقال في بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ من النِّهَايَةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ليس بِرُخْصَةٍ فإنه وَاجِبٌ وَلِأَجْلِهِ قال صَاحِبُهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ كَالْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ في رَمَضَانَ وَيَتَحَصَّلُ بِذَلِكَ في مُجَامَعَةِ الرُّخْصَةِ لِلْوُجُوبِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ يُجَامِعُهَا وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا في مُسَمَّاهَا وَالْمَنْدُوبَةُ كَالْقَصْرِ في السَّفَرِ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ وَالْمُبَاحَةُ كَالْفِطْرِ في السَّفَرِ وَلَيْسَ بِتَمْثِيلٍ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ وَيُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَلَيْسَ له إبَاحَةٌ قال بَعْضُهُمْ ولم أَجِدْ له مِثَالًا بَعْدَ الْبَحْثِ الْكَثِيرِ إلَّا التَّيَمُّمَ عِنْدَ وُجْدَانِ الْمَاءِ بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ فإنه يُبَاحُ له التَّيَمُّمُ وَالْوُضُوءُ مُسْتَوِيًا على ما اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْحَابِنَا قُلْت هذا إنْ جَعَلْنَا التَّيَمُّمَ رُخْصَةً وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وفي الحديث التَّصْرِيحُ بِالرُّخْصَةِ فيه لِلْعَبَّاسِ رَوَاهُ أبو دَاوُد وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادَاتِ أَمَّا الْمُعَامَلَاتِ فَرُخَصُهَا كَثِيرَةٌ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْعَرَايَا على أَنَّ الْغَزَالِيَّ في الْمُسْتَصْفَى أَبْدَى احْتِمَالَيْنِ في السَّلَمِ وَكَذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَرَايَا وَسَنَذْكُرُ في الْقِيَاسِ على الرُّخَصِ بَلْ يَأْتِي في غَيْرِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَلِهَذَا قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ لَبَنُ الْمَأْكُولِ طَاهِرٌ وَذَلِكَ عِنْدِي في حُكْمِ الرُّخَصِ فإن الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا وقد امْتَنَّ اللَّهُ بِإِحْلَالِهَا وَذَكَرَ في الْبَسِيطِ مثله في شَعْرِ الْمَأْكُولِ الْبَائِنِ في حَيَاتِهِ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ في الْمَلَابِسِ وَأَهْمَلَ الْأُصُولِيُّونَ رَابِعًا وهو خِلَافُ الْأَوْلَى كَالْإِفْطَارِ في السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ التَّضَرُّرِ بِالصَّوْمِ وَكَتَرْكِ الِاقْتِصَارِ على الْحَجَرِ في الِاسْتِنْجَاءِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تُجَامِعُ التَّحْرِيمَ وهو ظَاهِرُ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ وَلِهَذَا قال الْفُقَهَاءُ الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي لَكِنْ لو أَلْقَى نَفْسَهُ من شَاهِقِ جَبَلٍ فَانْكَسَرَ وَصَلَّى قَاعِدًا فَلَا قَضَاءَ عليه على الْمَذْهَبِ كما قَالَهُ ابن الرِّفْعَةِ مع أَنَّ إسْقَاطَ الْقَضَاءِ عن الْقَاعِدِ رُخْصَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَعْصِيَةَ انْتَهَتْ وقال الْعَبَّادِيُّ لو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْحَرَامَ فَأَكَلَ الْمَيْتَةَ لِلضَّرُورَةِ حَنِثَ في يَمِينِهِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ رُخِّصَ له فيه حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في فَتَاوِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ فَيَبْقَى التَّنَاوُلُ وهو وَاجِبٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا وَلَيْسَ ذَا وَجْهَيْنِ تَنْبِيهٌ في تَقْسِيمِ الرُّخْصَةِ اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْأُصُولِيِّينَ يُقَسِّمُونَ الرُّخْصَةَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وكان بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يُثِيرُ في ذلك بَحْثًا وهو أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ ما وَقَعَ بِهِ التَّرْخِيصُ أو ذِكْرَ الْحَالَةِ التي صَارَتْ إلَيْهِ الْعِبَادَةُ بَعْدَ التَّرْخِيصِ فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الْإِحْلَالِ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ هو الذي جُعِلَ له التَّيْسِيرُ وَالسُّهُولَةُ وَكَوْنُ ذلك الذي حَلَّ يَعْرِضُ له أَمْرٌ آخَرُ يُصَيِّرُهُ وَاجِبًا ليس من الرُّخْصَةِ في شَيْءٍ فَالتَّرْخِيصُ لِلْمُضْطَرِّ من الْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا هو إحْلَالُهَا بَعْدَ أَنْ كانت حَرَامًا وَكَوْنُهَا يَجِبُ عليه أَمْرٌ آخَرُ نَشَأَ عن وُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ فَلَا يَكُونُ الرُّخْصَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْإِحْلَالِ وَإِنْ كان مُرَادُهُمْ ذِكْرَ الْأَحْوَالِ التي صَارَتْ إلَيْهَا الْعِبَادَةُ بَعْدَ التَّرْخِيصِ فَتَقْسِيمُهَا إلَى ثَلَاثَةٍ فيه نَظَرٌ فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَوْعًا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ خَمْسَةٌ وَكُلٌّ منها إذَا صَارَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ يَخْرُجُ منه خَمْسُ أَقْسَامٍ في الْخَمْسَةِ السَّابِقَةِ فَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ قِسْمًا يَسْقُطُ منها انْتِقَالُ كل حُكْمٍ إلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مُحَالٌ صَارَتْ عِشْرِينَ يَسْقُطُ منها التَّرْخِيصُ في الْمُبَاحِ إلَى الْأَرْبَعَةِ وهو مُحَالٌ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَحَقُّ من الْإِبَاحَةِ فَلَا رُخْصَةَ فيها صَارَتْ سِتَّةَ عَشَرَ وَيَسْقُطُ منها تَخْفِيفُ الْمُسْتَحَبِّ إلَى الْوَاجِبِ فإنه لَا تَسْهِيلَ فيه وَكَذَلِكَ تَخْفِيفُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْحَرَامِ مُحَالٌ أَيْضًا فَيَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِسْمًا الْأَوَّلُ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ الثَّانِي رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ كَالْقَصْرِ في السَّفَرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ الثَّالِثُ رُخْصَةٌ مَكْرُوهَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ كَالْقَصْرِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالتَّرْخِيصُ في النَّفْلِ عن التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ الرَّابِعُ رُخْصَةٌ مُبَاحَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ كَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِأَكْثَرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ بَذْلِ ثَمَنِ الْمَاءِ له أو بَذْلِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ أو إقْرَاضِ الثَّمَنِ وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبَحَهُ وَمَيْتَةً فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا الْخَامِسُ رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَصْلُهَا الْوُجُوبُ كَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ قبل ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَالصَّوْمِ في السَّفَرِ لِلْقَوِيِّ وَالتَّرْخِيصُ في النَّفْلِ في الْقُعُودِ تَنْبِيهٌ قد يَكُونُ سَبَبُ الرُّخْصَةِ اخْتِيَارِيًّا قد يَكُونُ سَبَبُ الرُّخْصَةِ اخْتِيَارِيًّا كَالسَّفَرِ وَاضْطِرَارِيًّا كَالِاغْتِصَاصِ بِاللُّقْمَةِ الْمُبِيحِ لِشُرْبِ الْخَمْرِ وَهَذَا أَوْلَى من قَوْلِ الْقَرَافِيِّ قد يُبَاحُ سَبَبُهَا كَالسَّفَرِ وقد لَا يُبَاحُ كَالْغُصَّةِ لِأَنَّ الْغُصَّةَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا حَظْرٍ قِيلَ وَالْعَجَبُ من الْفُقَهَاءِ كَيْفَ رَجَّحُوا الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ في الْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ مع سُهُولَةِ الْخَطْبِ فيها وَرَجَّحُوا الْعَزِيمَةَ فِيمَا يَأْتِي على النَّفْسِ كَالْإِكْرَاهِ على الْكُفْرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَإِمَّا أَنْ يُرَجِّحُوا الرُّخْصَةَ مُطْلَقًا أو الْعَزِيمَةَ مُطْلَقًا أَمَّا الْفَرْقُ فَلَا يَظْهَرُ له كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَإِنْ قِيلَ له فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ من الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ أو الْعَزِيمَةِ هِيَ الْعِبَادَةُ فَفِي أَيِّهِمَا كانت الْعِبَادَةُ أَعْظَمَ رَجَّحْنَا الْأَخْذَ بِهِ وَالْعِبَادَةُ في الصَّبْرِ على الْقَتْلِ دُونَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَعْظَمُ لِأَنَّهُ جِهَادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ قِيلَ هذا يَبْطُلُ بِالصَّوْمِ في السَّفَرِ فإنه أَعْظَمُ عِبَادَةً وقد رَجَّحْتُمْ الْفِطْرَ عليه وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ في اسْتِيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ في النَّفْسِ أَعْظَمُ لِأَنَّهَا إذَا بَقِيَتْ وُجِدَ منها الشَّهَوَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ الْأَنْوَاعُ أَضْعَافُ ما يَحْصُلُ من تَرْكِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ من الْعِبَادَةِ فَائِدَةٌ الرُّخْصَةُ إمَّا كَامِلَةٌ أو نَاقِصَةٌ تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ إلَى كَامِلَةٍ وَهِيَ التي لَا شَيْءَ مَعَهَا كَالْمَسْحِ على الْخُفِّ وَإِلَى نَاقِصَةٍ وَهِيَ بِخِلَافِهِ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَهَذَا تَلْمِحَتُهُ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ فإنه قال وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ وَعَلَى هذا فَالتَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا لَا يَجِبُ معه الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ كَامِلَةٌ وَمَعَ ما يَجِبُ فيه الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ نَاقِصَةٌ تَنْبِيهٌ تَشْكِيكُ الْآمِدِيَّ في تَحْقِيقِ الرُّخْصَةِ شَكَّكَ الْآمِدِيُّ في تَحْقِيقِ الرُّخْصَةِ بِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُرَخِّصَ إنْ كان رَاجِحًا على السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ كان مُوجِبُهُ عَزِيمَةً وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ حُكْمٍ ثَابِتٍ رَاجِحٍ مع وُجُودِ الْمُعَارِضِ الْمَرْجُوحِ رُخْصَةً وَإِنْ كان مُسَاوِيًا أو مَرْجُوحًا فَأَيُّ شَيْءٍ يُرَجِّحُ دَلِيلَ الرُّخْصَةِ ثُمَّ قال الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ قال هو أَشْبَهُ بِالرُّخْصَةِ لِمَا فيه من التَّيْسِيرِ بِالْعَمَلِ بِالْمَرْجُوحِ أَجَابَ الْهِنْدِيُّ بِالْتِزَامِ أَنَّ الْعُذْرَ الْمُرَخِّصَ رَاجِحٌ قَوْلُهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ رَاجِحٍ رُخْصَةً قُلْنَا الرَّاجِحُ قِسْمَانِ رَاجِحٌ شُرِعَ لِعُذْرٍ وَاسْتُفِيدَ رُجْحَانُهُ من دَلِيلٍ خَاصٍّ فَهُوَ رُخْصَةٌ أَبَدًا وَكُلُّ خَاصٍّ عَارَضَ الْعَامَّ وكان خُرُوجُهُ لِعُذْرٍ فَهُوَ رُخْصَةٌ وَرَاجِحٌ شُرِعَ لَا لِعُذْرٍ وَتَسْهِيلٍ فَلَا يَلْزَمُ منه هذا مسألة الأداء والضاء والاعادة من لَوَاحِقِ خِطَابِ الْوَضْعِ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ إلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَإِعَادَةٍ وَالضَّابِطُ أَنَّ الْعِبَادَةَ إنْ فُعِلَتْ في وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا سُمِّيَتْ أَدَاءً كَفِعْلِ الْمَغْرِبِ ما بين غُرُوبِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِ الشَّفَقِ فَخَرَجَ ما لم يُقْصَدْ فيه الْوَقْتُ فَلَا يُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منه الْفِعْلُ في أَيِّ زَمَانٍ كان كَالْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ عِنْدَ حُضُورِ الْعَدُوِّ بِخِلَافِ الْأَدَاءِ فإنه قُصِدَ منه الْفِعْلُ وَالزَّمَانُ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ يُسَمَّى أَدَاءً شَرْعًا قال اللَّهُ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا نَزَلَتْ في تَسْلِيمِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ وهو غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَلِأَصْحَابِنَا أَنَّ هذا مَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْكَلَامُ في الِاصْطِلَاحِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ الْجَمِيعِ في الْوَقْتِ بَلْ لو وَقَعَ بَعْضُهُ كَرَكْعَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَمِيعَ أَدَاءٌ تَبَعًا لِلرَّكْعَةِ فَإِنَّهَا لِمُعْظَمِ الصَّلَاةِ وَقِيلَ بَلْ يُحْكَمُ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَتَكُونُ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا مَفْعُولَةً في الْوَقْتِ وَهَذَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ وَسَوَاءٌ كان مُضَيَّقًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أو مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ فُعِلَ قبل ذلك مَرَّةً أُخْرَى أَمْ لَا هذا هو قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ فَإِنْ فَعَلَ ثَانِيًا بَعْدَ ذلك سُمِّيَ إعَادَةً فَظَنَّ أَتْبَاعُهُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لِلْإِطْلَاقِ السَّابِقِ فَقَيَّدُوهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَدَاءَ اسْمٌ لِمَا وَقَعَ في الْوَقْتِ مُطْلَقًا مَسْبُوقًا كان أو سَابِقًا وَإِنْ سَبَقَهُ أَدَاءً مُخْتَلٌّ سُمِّيَ إعَادَةً فَالْإِعَادَةُ قِسْمٌ من أَقْسَامِ الْأَدَاءِ فَكُلُّ إعَادَةٍ أَدَاءٌ من غَيْرِ عَكْسٍ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ التَّحْصِيلِ وَالْمِنْهَاجِ من كَوْنِهِ قَسِيمًا له وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْخَلَلِ في الْإِجْزَاءِ كَمَنْ صلى بِدُونِ شَرْطٍ أو رُكْنٍ أو في الْكَمَالِ كَمَنْ صلى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَعَادَهَا في جَمَاعَةٍ في الْوَقْتِ خِلَافٌ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْقَاضِي فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِعْلٌ مِثْلُ ما مَضَى فَاسِدًا كان الْمَاضِي أو صَحِيحًا على الْقَوْلَيْنِ وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ في الْإِعَادَةِ فَعَلَى هذا بين الْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ من وَجْهٍ فَيَنْفَرِدُ الْأَدَاءُ في الْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَتَنْفَرِدُ الْإِعَادَةُ بِمَا إذَا قَضَى صَلَاةً وَأَفْسَدَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا وَيَجْتَمِعَانِ في الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ في الْوَقْتِ على ما سَبَقَ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الْإِعَادَةُ اسْمٌ لِلْعِبَادَةِ يُبْتَدَأُ بها ثُمَّ لَا يُتِمُّ فِعْلَهَا إمَّا بِأَنْ لَا يَعْقِدَهَا صَحِيحَةً وَإِمَّا بِأَنْ يَطْرَأَ الْفَسَادُ عليها وقد يُعِيدُهَا في الْوَقْتِ فَتَكُونُ أَدَاءً وَبَعْدَ الْوَقْتِ فَتَكُونُ قَضَاءً وَرُبَّمَا عَبَّرَ بِالْإِعَادَةِ عن الْعِبَادَةِ التي تُؤَخَّرُ أَمَّا إنْ أَدَّى خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ أو الْمُوَسَّعِ الْمُتَعَيِّنِ له سُمِّيَ قَضَاءً سَوَاءٌ كان التَّأْثِيرُ بِعُذْرٍ أو بِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ سَبَقَ بِنَوْعٍ من الْخَلَلِ أَمْ لَا وَخَرَجَ بِالْمُقَدَّرِ الْمُعَيَّنُ عن الْمُقَدَّرِ بِغَيْرِهِ بَلْ بِضَرْبٍ من الِاجْتِهَادِ كَالْمُوَسَّعِ في الْحَجِّ إذَا تَضَيَّقَ وَقْتُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ ذلك وَأَدَّاهُ فإنه لَا يَكُونُ قَضَاءً على الْمُخْتَارِ وَسَيَأْتِي وَسَوَاءٌ وَجَبَ أَدَاؤُهُ أو لم يَجِبْ وَلَكِنْ وُجِدَ سَبَبُ الْأَمْرِ وَلَا يَصِحُّ عَقْلًا كَالنَّائِمِ أو شَرْعًا كَالْحَائِضِ أو يَصِحُّ لَكِنَّهُ سَقَطَ لِمَانِعٍ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ كَالسَّفَرِ أو لَا بِاخْتِيَارِهِ كَالْمَرَضِ وما لَا يُوجَدُ فيه سَبَبُ الْأَمْرِ بِهِ لم يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ قَضَاءً إجْمَاعًا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا كما لو صلى الصَّبِيُّ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ في حَالَةِ الصِّبَا وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَوَجَبَ كان فِعْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءً حَقِيقَةً بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ ولم يَجِبْ لِعَارِضٍ سُمِّيَ قَضَاءً أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فيه هل هو قَضَاءٌ حَقِيقَةً أو مَجَازًا وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في تَسْمِيَةِ الْعِبَادَةِ قَضَاءً تَقَدَّمَ سَبَبُ وُجُوبِ أَدَائِهَا لَا وُجُوبُ أَدَائِهَا وَإِلَّا لم تَصِحَّ تَسْمِيَةُ عِبَادَةِ الْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ قَضَاءً إذْ لم يُخَاطَبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَهَذَا ما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وهو الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَجِبُ عليها حَالَةَ الْحَيْضِ وَخَالَفَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ فقال الْحَيْضُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ وَنَسَبَهُ إلَى الْحَنَفِيَّةِ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ في أَنَّ الْقَضَاءَ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ هل كان لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ ما انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ فَيَكُونُ هَاهُنَا حَقِيقَةً لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أو لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ ما وَجَبَ فَيَكُونُ هَاهُنَا مَجَازًا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَذَكَرَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ أَنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَضَاءَ هل يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَمَنْ أَوْجَبَهُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَطْلَقَ اسْمَ الْقَضَاءِ عليه حَقِيقَةً وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ مَجَازًا ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ سَبْقِ الْوُجُوبِ في الْقَضَاءِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ وُجُوبُهُ على الْمُسْتَدْرِكِ أو وُجُوبُهُ في الْجُمْلَةِ قَوْلَانِ وَيَتَحَصَّلُ من ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فِعْلَهُمْ في الزَّمَانِ الثَّانِي قَضَاءٌ بِنَاءً على أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في الْقَضَاءِ سَبْقُ الْوُجُوبِ في الْجُمْلَةِ لَا سَبْقُ الْوُجُوبِ على ذلك الشَّخْصِ وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس بِقَضَاءٍ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عليهم بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ على جَوَازِ التَّرْكِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَاجِبٌ عليهم في الزَّمَانِ الْأَوَّلِ بِسَبَبِهِ وَفِعْلُهُمْ في الزَّمَنِ الثَّانِي قَضَاءٌ قُلْنَا لو كانت الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَاجِبَانِ عليهم بِأَسْبَابِهِمَا لَمَا جَازَ لهم تَرْكُهُمَا لَكِنْ يَجُوزُ لهم تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا قالوا شُهُودُ الشَّهْرِ مُوجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَهُمْ قد شَهِدُوا الشَّهْرَ قُلْنَا شُهُودُ الشَّهْرِ وَإِنْ كان مُوجِبًا لِلصَّوْمِ عليهم لَكِنَّ الْعُذْرَ مَانِعٌ من الْوُجُوبِ وَالشَّيْءُ قد لَا يَتَرَتَّبُ على مُوجِبِهِ لِمَانِعٍ فَلَا يَلْزَمُ من شُهُودِ الشَّهْرِ وُجُوبُ الصَّوْمِ عليهم قال في الْمَحْصُولِ فَفِي جَمِيعِ هذه الْمَوَاضِعِ اسْمُ الْقَضَاءِ إنَّمَا جاء لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُنْفَكًّا عن الْوُجُوبِ لَا لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ الْوُجُوبِ كما يقول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ الْمَنْعَ من التَّرْكِ جُزْءُ مَاهِيَةِ الْوُجُوبِ فَيَسْتَحِيلُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ مع جَوَازِ التَّرْكِ ثُمَّ تَقَدُّمُ السَّبَبِ قد يَكُونُ مع التَّأْثِيمِ بِالتَّرْكِ كَالْقَاتِلِ الْمُتَعَمِّدِ الْمُتَمَكِّنِ من الْفِعْلِ وقد لَا يَكُونُ كَالْحَائِضِ ثُمَّ قد يَصِحُّ مع الْإِجْزَاءِ وقد لَا يَصِحُّ إمَّا شَرْعًا كَالْحَيْضِ أو عَقْلًا كَالنَّوْمِ ثُمَّ قِيلَ الْقَضَاءُ لَا يُوصَفُ إلَّا بِالْوَاجِبِ وَقِيلَ لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ من الثَّلَاثَةِ غَيْرَهُ وَهُمَا فَاسِدَانِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُوصَفُ بِالثَّلَاثَةِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ يَقْضِي الرَّوَاتِبَ على الْأَظْهَرِ تَنْبِيهٌ لَا فَرْقَ بين تَسْمِيَةِ الْقَضَاءِ أَدَاءً وَبِالْعَكْسِ ما ذُكِرَ من الْفَرْقِ بين الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ رَاجِعٌ إلَى التَّلْقِيبِ وَالِاصْطِلَاحِ وَإِلَّا فَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بين أَنْ يُسَمَّى الْقَضَاءُ أَدَاءً وَالْأَدَاءُ قَضَاءً وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا في الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ وَأَلْقَابٌ تُطْلَقُ وَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ كَذَا قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ ذَيَّلَ الْكَلَامَ في أَنَّ الْقَضَاءَ هل يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وهو مُنَازَعٌ فيه فرع تأخير المأمور به هل يكون قضاء إذَا قُلْنَا بِالْفَوْرِ في الْأَوَامِرِ فإذا أَخَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ فَهَلْ يَكُونُ قَضَاءً لِأَنَّهُ أَوْقَعَهَا في غَيْرِ وَقْتِهَا قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في أَمَالِيهِ الْوَقْتُ على قِسْمَيْنِ وَقْتٌ يُسْتَفَادُ من الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ على الْمَأْمُورِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن كَوْنِ الشَّرْعِ حَدَّ لِلْعِبَادَةِ ذلك الْوَقْتَ أو لم يَحُدَّ وَوَقْتٌ يَحُدُّهُ الشَّرْعُ لِلْعِبَادَةِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن كَوْنِ اللَّفْظِ اقْتَضَاهُ أو لَا وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ في حَدِّ الْقَضَاءِ هو الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ فَتَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أنها تَكُونُ قَضَاءً بَلْ إنَّمَا تَكُونُ إنْ خَرَجَتْ عن وَقْتِهَا الْمَضْرُوبِ لها لَا أنها خَرَجَتْ عن الْوَقْتِ الذي دَلَّ عليه اللَّفْظُ فائدة العبادة التي تقع قبل الوقت وتكون اداء ليس لنا عِبَادَةٌ تَقَعُ قبل الْوَقْتِ وَتَكُونُ أَدَاءً غير صَدَقَةِ الْفِطْرِ إذَا عَجَّلَهَا قبل لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَلَيْسَ لنا عِبَادَةٌ يَتَوَقَّفُ قَضَاؤُهَا إلَّا في مَسْأَلَتَيْنِ على قَوْلٍ إحْدَاهُمَا إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ تَدَارَكَهُ في بَاقِي الْأَيَّامِ وَيَكُونُ أَدَاءً على الْأَظْهَرِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَضَاءً وَاتَّفَقُوا على أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيمَا عَدَا أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّانِيَةُ النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ فيها قَوْلٌ أنها لَا تُقْضَى إذَا دخل عليها وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى مسألة من غلب عاى ظنه عدم البقاء وإذا كان الِاعْتِبَارُ بِالتَّعْيِينِ من جِهَةِ الشَّارِعِ في الْوَقْتِ فَمَنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ عَدَمُ الْبَقَاءِ تَعَيَّنَ عليه فِعْلُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَصَى فَلَوْ لم يَفْعَلْهُ وَبَقِيَ بَعْدَهُ قال الْغَزَالِيُّ هو أَدَاءٌ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ خَطَأَ ظَنِّهِ وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ وَنَقَلَهُ ابن الْحَاجِبِ عن الْجُمْهُورِ وقال الْقَاضِيَانِ أبو بَكْرِ بن الطَّيِّبِ وَالْحُسَيْنُ بن مُحَمَّدٍ قَضَاءٌ لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ بِتَأْخِيرِهِ فَهُوَ كما لو تَأَخَّرَ عن زَمَنِهِ الْمَحْدُودِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ النَّظَرُ إلَى الْحَالِ أو الْمَآلِ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْحَالِ فَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ أو إلَى الْمَآلِ فَقَدْ زَالَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَانْكَشَفَ خِلَافُ ذلك فَبَقِيَ الْأَمْرُ على التَّوَسُّعِ وَرَجَّحَ ما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ إنَّ اعْتِبَارَ الْمَوْجُودِ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْقَاضِي فإنه لَمَّا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ اُعْتُبِرَ غير مُحَقَّقٍ وقد ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا صلى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ بَعْدَ الْوَقْتِ وَجْهَيْنِ في أَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً أو أَدَاءً أَصَحُّهُمَا قَضَاءٌ وهو يَقْتَضِي تَرْجِيحَ اعْتِبَارِ ما في نَفْسِ الْأَمْرِ ثُمَّ قال ابن الْحَاجِبِ فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَبَعِيدٌ لِوُقُوعِهَا في الْوَقْتِ وَيَلْزَمُهُ لو اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قبل الْوَقْتِ أَنَّهُ يُعْصَى بِالتَّأْخِيرِ وقد يَلْتَزِمُهُمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بَاقٍ حتى يَكُونَ إيجَابُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ عليه بَعِيدًا بَلْ وَقْتُ الْأَدَاءِ خَرَجَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ فإذا كَذَّبَ ظَنَّهُ وَاسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ صَارَ كما لو مَاتَ ثُمَّ عَاشَ في الْوَقْتِ فإنه يَفْعَلُ الصَّلَاةَ بِتَكْلِيفٍ ثَانٍ مُنْقَطِعٍ عن الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ هُنَا وقد قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْوِي الْقَضَاءَ لِأَنَّهُ يَقْضِي ما الْتَزَمَهُ في الذِّمَّةِ بِشُرُوعِهِ قال وَعَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ يَتَخَيَّرُ بين نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَأَمَّا الثَّانِي أَنَّهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ الذي ظَنَّهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الظُّنُونَ لَا ما في نَفْسِ الْأَمْرِ وَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ عن الْقَاضِي بِأَنَّ مَعْنَاهُ وُجُوبُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ قد تَقَدَّمَ وَقْتُهُ شَرْعًا فَأَشْبَهَ ما لو كان مُقَدَّرًا بِأَصْلِ الطَّلَبِ قال وَكَلَامُ الْقَاضِي ظَاهِرٌ لَوْلَا أَنَّهُ يُقَالُ على من لَزِمَهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ فَأَخَّرَهُ قَاضِي الْقَضَاءِ وَرَدَّ الْآمِدِيُّ طَرِيقَةَ الْقَاضِي بِأَنَّ جَمِيعَ الْوَقْتِ كان وَقْتًا لِلْأَدَاءِ قبل ظَنِّ الْمُكَلَّفِ تَضَيُّقَهُ بِالْمَوْتِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ ما كان على ما كان ثُمَّ ظَنُّ الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورُ إنَّمَا أَثَّرَ في تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَلْزَمُ من تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ وهو بَقَاءُ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ في حَقِّهِ كما لو أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ من غَيْرِ عَزْمٍ فإن وَقْتَ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيِّ بَاقٍ في ذِمَّتِهِ وقد وَافَقَ الْقَاضِي على ذلك قِيلَ وَخَرَجَ عن هذا مَنْزَعٌ صَعْبٌ على الْقَاضِي وهو أَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ من خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْإِثْمَ على التَّأْخِيرِ من بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَظَنُّ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا يُنَاسِبُ تَأْثِيرَهُ في الْأُمُورِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَتُقْلَبُ حَقَائِقُهَا لِأَنَّهَا أُمُورٌ تَقْدِيرِيَّةٌ أو تَقْرِيبِيَّةٌ كَالْإِثْمِ وَالثَّوَابِ جَازَ أَنْ يَتْبَعَ الظُّنُونَ وَالِاعْتِقَادَاتِ أَمَّا الْأُمُورُ الْوَضْعِيَّةُ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَقْوَى الْمُكَلَّفُ على قَلْبِ حَقَائِقِهَا تَنْبِيهٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا مَضَى من وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى حِينِ الْفِعْلِ زَمَنٌ يَسَعُ الْفَرْضَ حتى يَتَّجِهَ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ فَلَوْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ فَفَعَلَهُ فَلْيَكُنْ على الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ في الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى ظَنِّ هذا الْمُكَلَّفِ صَارَ وَقْتُ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيُّ وَقْتَ قَضَاءٍ في حَقِّهِ هو قَلْبًا لِحَقِيقَةِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ وَلَا دَلِيلَ على ثُبُوتِهِ وَأَمَّا الصُّوَرُ التي قَاسَ عليها الْآمِدِيُّ وَهِيَ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ بِدُونِ الْعَزْمِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ بِحُصُولِ الظَّنِّ الْمُنَاسِبِ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عليه في مَسْأَلَةِ الْقَاضِي وَالظَّنُّ وُجُودِيٌّ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْآمِدِيَّ فإنه قد عَصَى مَعْصِيَةً عَدَمِيَّةً وهو مع ذلك يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا فَلَا يَقْوَى على مُنَاسَبَةِ تَغْيِيرِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ فَرْعٌ لو شَرَعَ في الصَّلَاةِ في الْوَقْتِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَتَى بها في الْوَقْتِ قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ يَكُونُ قَضَاءً لِأَنَّ بِالشُّرُوعِ يَضِيقُ الْوَقْتُ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الْخُرُوجِ منها فلم يَكُنْ فِعْلُهَا بَعْدَهُ إلَّا قَضَاءً وهو قَرِيبٌ من قَوْلِ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ فِيمَا سَبَقَ وَذَكَرَ ابن الرِّفْعَةِ أَنَّ في نَصِّ الْأُمِّ إشَارَةً إلَيْهِ حَيْثُ مَنَعَ الْخُرُوجَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ فقال فَإِنْ خَرَجَ منها بِلَا عُذْرٍ كان مُفْسِدًا آثِمًا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَنْسَلِبُ عنها اسْمُ الْأَدَاءِ لِبَقَاءِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ في اللُّمَعِ فقال فَأَمَّا إذَا دخل فيها فَأَفْسَدَهَا نَسِيَ شَرْطًا من شُرُوطِهَا فَأَعَادَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ سُمِّيَ إعَادَةً وَأَدَاءً انْتَهَى وَأَشَارَ في شَرْحِهَا إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وهو حَقٌّ وَبِهِ يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَأَتْبَاعِهِ دَعْوَاهُمْ تَفْرِيعًا على قَوْلِهِمْ بِالْقَضَاءِ في مُقِيمٍ شَرَعَ في الصَّلَاةِ في الْبَلَدِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ سَافَرَ لَا يَقْصُرُ أو مُسَافِرٌ أَتَمَّ وَاقْتَدَى بِمُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لَا يَقْضِي إلَّا تَمَامًا بِنَاءً على مَنْعِ قَصْرِ الْفَوَائِتِ بَلْ الْجَارِي على وَفْقِ الْفِقْهِ الْقَصْرُ وَاسْتِئْنَافُ الْجُمُعَةِ إذَا وَقَعَ ذلك فيها ما بَقِيَ الْوَقْتُ نعم نَقَلَ في الشَّامِلِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ إنْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ بِالصَّلَاةِ وهو يَجْهَلُ أَنَّ له قَصْرَهَا ثُمَّ سَلَّمَ من رَكْعَتَيْنِ وَجَبَ عليه قَضَاؤُهَا لِأَنَّهُ عَقَدَهَا أَرْبَعًا فإذا سَلَّمَ من رَكْعَتَيْنِ فيها فَقَدْ قَصَدَ إفْسَادَهَا وَظَاهِرُ هذا النَّصِّ أنها تَصِيرُ قَضَاءً بِإِفْسَادِهَا في الْوَقْتِ ثُمَّ قال فَرْعٌ إذَا أَحْرَمَ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أو أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَجَبَ عليه قَضَاؤُهَا تَامَّةً لِأَنَّهُ قد لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فيها وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالدُّخُولِ فيها إذَا أَفْسَدَهَا وَجَبَ عليه قَضَاؤُهَا على الْوَجْهِ الذي لَزِمَهُ مع الْإِمْكَانِ كَالْحَجِّ وَلَا يَلْزَمُ من أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مع الْإِمَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذلك ا هـ تَنْبِيهٌ لَا يَجِيءُ هذا الْبَحْثُ كُلُّهُ فِيمَا إذَا كان وَقْتُ الْقَضَاءِ مُوَسَّعًا كَالْمَتْرُوكِ بِعُذْرٍ فإذا شَرَعَ في قَضَائِهِ تَضَيَّقَ عليه لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يُقْضَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّكْلِيفُ لُغَةً من الْكُلْفَةِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ وفي الِاصْطِلَاحِ قال ابن سُرَاقَةَ من أَصْحَابِنَا في أَوَّلِ كِتَابِهِ أُصُولِ الْفِقْهِ حَدَّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ إرَادَةُ الْمُكَلِّفِ من الْمُكَلَّفِ فِعْلَ ما يَشُقُّ عليه ا هـ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ الْأَمْرُ بِطَاعَةٍ وَالنَّهْيُ عن مَعْصِيَةٍ وَلِذَلِكَ كان التَّكْلِيفُ مَقْرُونًا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وكان ما تَخَلَّلَ كِتَابَهُ من الْقِصَصِ عِظَةً وَاعْتِبَارًا تَقْوَى مَعَهَا الرَّغْبَةُ وَيَزْدَادُ بها الرَّهْبَةُ وقال الْقَاضِي هو الْأَمْرُ بِمَا فيه كُلْفَةٌ أو النَّهْيُ عَمَّا في الِامْتِنَاعِ عنه كُلْفَةٌ وَعَدَّ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ من التَّكْلِيفِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هو إلْزَامٌ فيه كُلْفَةٌ وَعَلَى هذا فَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ لَا كُلْفَةَ فِيهِمَا لِأَنَّهَا تُنَافِي التَّخْيِيرَ قال في الْمَنْخُولِ وهو الْمُخْتَارُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ عِبَارَةٌ عَمَّا خُيِّرَ بين فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَالنَّدْبُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ مُثَابٌ عليه فلم يَحْصُلْ التَّسَاوِي وما نَقَلْنَا عن الْقَاضِي تَبِعَنَا فيه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّ الذي في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ إلْزَامُ ما فيه كُلْفَةٌ كَمَقَالَةِ الْإِمَامِ فَلْيُنْظَرْ فَلَعَلَّ له قَوْلَيْنِ وَزَعَمَ الْإِمَامُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْحَظْرَ وَالْوُجُوبَ قَطْعًا وَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِبَاحَةَ قَطْعًا إلَّا عِنْدَ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وفي تَنَاوُلِهِ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ خِلَافٌ وَسَلَكَتْ الْحَنَفِيَّةُ مَسْلَكًا آخَرَ فَقَالُوا التَّكْلِيفُ يَنْقَسِمُ إلَى وُجُوبِ أَدَاءً وهو الْمُطَالَبَةُ بِالْفِعْلِ إيجَادًا أو إعْدَامًا وَإِلَى وُجُوبٍ في الذِّمَّةِ سَابِقٍ عليه وَعَنَوْا بِهِ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ وإذا لم يَصْلُحْ صَاحِبُ الذِّمَّةِ لِلْإِلْزَامِ كَالصَّبِيِّ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ فإن ذِمَّتَهُ تَشْتَغِلُ بِالْعِوَضِ ثُمَّ إنَّمَا يَجِبُ الْأَدَاءُ على الْوَلِيِّ وَزَعَمُوا اسْتِدْعَاءَ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ عَقْلًا وَفَهْمًا لِلْخِطَابِ بِخِلَافِ الثَّانِي قالوا الْأَوَّلُ مُتَلَقًّى من الْخِطَابِ وَالثَّانِي من الْأَسْبَابِ فَمُسْتَغْرِقُ الْوَقْتِ بِالنَّوْمِ يَقْضِي الصَّلَاةَ مع ارْتِفَاعِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عن النَّائِمِ وَلَكِنْ لَمَّا كان الْوُجُوبُ مُضَافًا إلَى أَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ دُونَ الْخِطَابِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِذَلِكَ وَزَعَمُوا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْوَقْتُ وَالصَّوْمِ الشَّهْرُ وَتَسَلَّقُوا بِهِ إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ على الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ في أَثْنَاءِ الشَّهْرِ إذْ الْوُجُوبُ بِالسَّبَبِ وهو الشَّهْرُ وقد وُجِدَ وَعِنْدَنَا لَا وُجُوبَ إلَّا بِالْخِطَابِ لَا بِالْأَسْبَابِ مسألة التكليف حسن في العقول التَّكْلِيفُ حَسَنٌ في الْعُقُولِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى من عُلِمَتْ طَاعَتُهُ وَاخْتُلِفَ في حُسْنِهِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى من عُرِفَتْ مَعْصِيَتُهُ فَاسْتَحْسَنَهُ الْمُعْتَزِلَةُ لِأَنَّ فيه تَعْرِيضًا لِلثَّوَابِ ولم يَسْتَحْسِنْهُ الْأَشْعَرِيَّةُ لِأَنَّهُ بِالْمَعْصِيَةِ مُعَرَّضٌ لِلْعِقَابِ كَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ دَلَائِلِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ قال وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ قال ولم أَعْرِفْ لهم فيه قَوْلًا مسألة التكليف هل يكون معتبرا بالأصلح اُخْتُلِفَ في التَّكْلِيفِ هل يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِالْأَصْلَحِ فَاَلَّذِي عليه أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْأَصْلَحِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منه مَنْفَعَةُ الْعِبَادِ وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ وَجَمْعٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ وهو الْمَنْسُوبُ إلَى الْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى من مَصْلَحَةٍ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِهَا فَمَنْ اعْتَبَرَ بِالْأَصْلَحِ مَنَعَ من تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَبِهِ يَصِحُّ تَكْلِيفُ ما لَحِقَتْ فيه الْمَشَقَّةُ الْمُحْتَمَلَةُ وَاخْتُلِفَ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا مَشَقَّةَ فيه فَجَوَّزَهَا الْفُقَهَاءُ وَمَنَعَ منها بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وقد وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ من بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ وَلَيْسَ فيه مَشَقَّةٌ قال الْقَاضِي وَمُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ اكْتِسَابُ الْعَبْدِ الْأَفْعَالَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِهَا وَلَا بِحُدُوثِهَا فإن ذلك بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ التَّكْلِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِيجَادِ وَالْإِحْدَاثِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ خَلْقُ الْأَفْعَالِ عِنْدَهُمْ وَلَا يُعْقَلُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ التَّكْلِيفُ وهو الْمَصْدَرُ وَالْمُكَلَّفُ وهو من يَقُومُ بِهِ التَّكْلِيفُ وَأَصْلُهُ طَالِبٌ مُلْزِمٌ لَكِنْ قد حَقَّقْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا طَاعَةَ اللَّهِ وَطَاعَةَ من أَوْجَبَ طَاعَتَهُ الْمُكَلَّفُ وهو الذي اسْتَدْعَى منه الْفِعْلَ وَالْمُكَلَّفُ بِهِ هو الْمَطْلُوبُ وَإِنَّمَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ أو الْمَفْعُولِ من الْمَصَادِرِ فَلِهَذَا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ على التَّكْلِيفِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ مَعْرِفَةُ الطَّائِعِ لِيُثَابَ وَالْعَاصِي لِيُعَاقَبَ فَلِهَذَا اُشْتُرِطَ لِهَذَا شُرُوطٌ بَعْضُهَا في الْمُكَلَّفِ وَبَعْضُهَا في الْمُكَلَّفِ بِهِ وَحُكْمُ الْمُكَلَّفِ وَالتَّكْلِيفِ قد عُرِفَا فَلْنَتَكَلَّمْ على الْأَخِيرَيْنِ الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمُكَلَّفُ وهو الْمَحْكُومُ عليه وَلَهُ شُرُوطٌ أَحَدُهَا الْحَيَاةُ فَالْمَيِّتُ لَا يُكَلَّفُ وَإِنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عليه وَلِهَذَا لو وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجَسٍ لم يُنْزَعْ على الصَّحِيحِ وَلَوْ مَاتَتْ الْمُعْتَدَّةُ الْمُحْرِمَةُ جَازَ تَطْيِيبُهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْخِطَابَ سَقَطَ بِالْمَوْتِ نعم قد يَنْسَحِبُ عليه حُكْمُ التَّكْلِيفِ وَلِهَذَا يُمْتَنَعُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ بِالْحَرِيرِ وَكَذَا بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُعَصْفَرِ إنْ مَنَعْنَاهُ في الْحَيَاةِ كما هو الْمَنْصُوصُ وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمُ إذَا مَاتَ يَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ وَإِزَالَةُ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ وَعَلَّلَهُ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْحَجَّ أَلْزَمُ الْعُقُودِ فَبَقِيَ حُكْمُهُ كما يَبْقَى حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَلَوْ مَاتَ الْمُحْرِمُ وقد بَقِيَ عليه من أَرْكَانِ الْحَجِّ الْحَلْقُ فإذا حَلَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَفِي وُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ نَظَرٌ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا فرع تَكْلِيفُ من أَحُيِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ من أُحْيِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَاَلَّذِي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَكَالْخَارِجِينَ من دِيَارِهِمْ أُلُوفٌ قال الْمَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ اُخْتُلِفَ في بَقَاءِ تَكْلِيفِ من أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ يَبْقَى لِئَلَّا يَخْلُوَ عَاقِلٌ من تَعَبُّدٍ وَقِيلَ يَسْقُطُ فَالتَّكْلِيفُ مُعْتَبَرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الِاضْطِرَارِ ا هـ وهو غَرِيبٌ وقال الْإِمَامُ في تَفْسِيرِهِ إذَا جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَانِعَ من الْآخِرَةِ الِاضْطِرَابُ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا تَكْلِيفَ وَأَهْلُ الصَّاعِقَةِ يَجُوزُ كَوْنُهُ تَعَالَى لم يَضْطَرَّهُمْ فَصَحَّ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ ذلك ا هـ وقال بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْمُضْطَرَّةَ لَا تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ واليهود قد أَبَوْا أَخْذَ الْكِتَابِ فَرَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ فَآمَنُوا وَقَبِلُوهُ وَلَا شَكَّ في أَنَّ هذا آيَةٌ مُضْطَرَّةٌ وَقَوْلُ الرَّازِيَّ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ في الْآخِرَةِ ليس على إطْلَاقِهِ فإن التَّكْلِيفَ بِالْمَعْرِفَةِ بَاقٍ فيها وقد جاء أَنَّهُ تُؤَجَّجُ نَارٌ وَيُؤْمَرُونَ بِالدُّخُولِ فيها فَمَنْ أَقْبَلَ على ذلك صُرِفَ عنها وَهَذَا تَكْلِيفٌ وقال بَعْضُهُمْ قَوْلُهُمْ الْآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ وَالدُّنْيَا دَارُ تَكْلِيفٍ مَحْمُولٌ على الْأَغْلَبِ في كل دَارٍ في الْآخِرَةِ الْجَزَاءُ كما في الدُّنْيَا التَّكْلِيفُ الشَّرْطُ الثَّانِي كَوْنُهُ من الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ فَيَخْرُجُ الْبَهَائِمُ وَالْجَمَادَاتُ وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عليه وَحَكَى صَاحِبُ الْمُعْتَمَد عن أَهْلِ التَّنَاسُخِ أَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ تَجِبُ على جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَنَّ جَمِيعَهَا عُقَلَاءُ مُكَلَّفُونَ لِفَرَائِض اللَّهِ وَعَنْ الْآخَرِينَ تَكْلِيفُ الْجِبَالِ وَالْأَشْجَارِ وَالْحِيطَانِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ وَرُدَّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على خِلَافِ ذلك وَأَمَّا ما وَقَعَ في بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قِرَدَةً رَجَمُوا من زَنَى بَيْنَهُمْ فَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ من بَقَايَا من كُلِّفَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْبُلُوغُ فَالصَّبِيُّ ليس مُكَلَّفًا أَصْلًا لِقُصُورِ فَهْمِهِ عن إدْرَاكِ مَعَانِي الْخِطَابِ قال الْإِمَامُ في الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ وَمُدْرِكُ شَرْطِهِ الشَّرْعُ وَلَوْ رَدَدْنَا إلَى الْعَقْلِ لم يَسْتَحِلْ تَكْلِيفُ الْعَاقِلِ الْمُمَيِّزِ من الصِّبْيَانِ وقال في بَابِ الْحَجْرِ من النِّهَايَةِ كَأَنَّ الشَّرْعَ لم يُلْزِمْ الصَّبِيَّ قَضَايَا التَّكْلِيفِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ من مَظِنَّةِ الْغَبَاوَةِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِأَعْبَاءِ التَّكْلِيفِ وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ عَرَى عن الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى وَهِيَ الشَّهْوَةُ فَرَبَطَ الشَّرْعُ الْتِزَامَ التَّكْلِيفِ بِأَمَدٍ وَتَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ أَمَّا الْأَمَدُ فَيُشِيرُ إلَى التَّهْذِيبِ بِالتَّجَارِبِ وَأَمَّا تَرْكِيبُ الشَّهْوَةِ فإنه يُعَرِّضُ لِلْبَلَايَا الْعِظَامِ فَرَأَى الشَّرْعُ تَثْبِيتَ التَّكْلِيفِ معه زَاجِرًا وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ تَجِبُ الزَّكَاةُ في مَالِ الصَّبِيِّ مُرَادُهُمْ وُجُوبُ الْأَخْذِ من مَالِهِ لَا خِطَابُ الْأَدَاءِ وَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ أَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ خِطَابُ الْوَضْعِ وقال صَاحِبُ الْبَيَانِ في الْفِقْهِ من أَصْحَابِنَا في بَابِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَدْخُلَانِ في خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَيَدْخُلَانِ في خِطَابِ الْإِلْزَامِ كَقَوْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في كل أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَذَكَرَ ابن كَجٍّ نَحْوَهُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالطُّرْطُوشِيُّ الصَّبِيُّ لَا يَدْخُلُ في الْخِطَابِ الْمَقْصُودِ منه التَّكْلِيفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا بِالْإِخْبَارِ لَا وُجُوبَ لَا يُنَافِيهِ الصِّغَرُ لِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ من الزَّكَاةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ فَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِمَالِهِ وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَلِيُّهُ وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ تَدْخُلُ في حَقِّ الْأَطْفَالِ من النِّسَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا الْآيَةُ وَعَنْ أبي الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ على ابْنِ الْعَشْرِ وُجُوبَ مِثْلِهِ وَإِنْ لم يَأْثَمْ بِتَرْكِهَا إذْ لو لم تَجِبْ عليه لَمَا ضُرِبَ عليها وقال الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ قُبَيْلَ بَابِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَأَوْمَأَ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ إلَى أنها تَجِبُ قبل بُلُوغِهِ وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ على تَرْكِهَا عُقُوبَةَ الْبَالِغِ وَرَأَيْت كَثِيرًا من الْمَشَايِخِ مُرْتَكِبِينَ هذا الْقَوْلَ في الْمُنَاظَرَةِ وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا وَإِنَّمَا هذا قَوْلُ أَحْمَدَ في رِوَايَةٍ أنها تَجِبُ عليه إذَا بَلَغَ عَشْرًا ا هـ وقد صَرَّحَ في الرِّسَالَةِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا يَجِبَانِ على الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَاسْتَصْوَبَ الْإِمَامُ في الْأَسَالِيبِ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ قال وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عليها وَمَلُومٌ على تَرْكِهَا وما حَكَاهُ عن النَّصِّ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ على أَنَّهُ يَجِبُ عليه من جِهَةِ وَلِيِّهِ لِأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بها وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَاَلَّذِي يَسْتَدْعِي التَّكْلِيفَ إنَّمَا هو أَمْرُ اللَّهِ وَأَمَّا أَفْهَمِيَّةُ الْعِقَابِ فَهُوَ الضَّرْبُ على تَرْكِهَا وَهَذَا كُلُّهُ في الْوُجُوبِ أَمَّا الْإِيجَابُ وَدُخُولُهُ في خِطَابِ ما أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَدْخُلُ فيه وَذَكَرَ الْإِمَامُ أبو الْحُسَيْنِ السُّبْكِيُّ أَنَّ الصَّبِيَّ دَاخِلٌ في عُمُومِ نَحْوِ قَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ فإن الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّاسِ وهو منهم وقد قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِصَبِيٍّ يا بُنَيَّ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك قال وَعَدُّ الْأُصُولِيِّينَ ذلك في أَمْرِ التَّأْدِيبِ لَا يَضُرُّنَا قال وَالصَّبِيُّ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ أَمْرَ إيجَابٍ وَالْمُرَادُ بِالْإِيجَابِ الْأَمْرُ الْجَازِمُ وهو مَوْجُودٌ في الصَّبِيِّ لَكِنَّ الْوُجُوبَ تَخَلَّفَ عنه لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ إنْ لم يَكُنْ مُمَيِّزًا بِالْأَدِلَّةِ على أَنَّ الْفَهْمَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ وَلِرَفْعِ الْقَلَمِ إنْ كان مُمَيِّزًا وإذا فَسَّرْنَا الْإِيجَابَ بِالْأَمْرِ الْجَازِمِ لم يُمْتَنَعْ تَخَلُّفُ الْوُجُوبِ لِمَعْنَى التَّكْلِيفِ عن الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْجَزْمِ وَلَا نَعْنِي بِالْجَازِمِ الْمَنْعَ من هذه إنَّمَا الْجَزْمُ صِفَةٌ لِلطَّلَبِ من حَيْثُ هو بِالنِّسْبَةِ إلَى رُتْبَةِ ذلك الْفِعْلِ فَرُتْبَةُ الْفَرْضِ هِيَ الْعُلْيَا لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فيها وَالْمَنْدُوبُ فيه رُخْصَةٌ مُنْحَطَّةٌ عن رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ وَالشَّخْصُ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ ذلك الْأَمْرُ يُعْتَبَرُ فيه أُمُورٌ إنْ وُجِدَتْ تَرَتَّبَ مُقْتَضَاهُ كَالْوُجُوبِ الْمُتَرَتِّبِ على الْإِيجَابِ وَإِلَّا فَلَا وَمَنْ تَأَمَّلَ هذا الْمَعْنَى لم يَسْتَبْعِدْهُ في حَقِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الذي اقْتَضَتْ رُخْصَةُ اللَّهِ رَفْعَ الْقَلَمِ عنه انْتَهَى وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ في الْمَعْرِفَةِ في بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ قال الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ وقد أَوْجَبَ اللَّهُ بَعْضَ الْفَرْضِ على من لم يَبْلُغْ وَذَكَرَ الْعِدَّةَ وَذَكَرَ ما يَلْزَمُهُ فِيمَا اُسْتُهْلِكَ من أَمْتِعَةِ الناس قال وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه رُفِعَ الْقَلَمُ عن الصَّبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ أو يَبْلُغَ الْمَأْثَمَ فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا هو أَعْلَمُ بِمَعْنَى ما رَوَى كان يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عن أَمْوَالِ الْيَتَامَى الصِّغَارِ قال الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا نَسَبَ هذا الْكَلَامَ إلَى عَلِيٍّ لِأَنَّهُ عنه يَصِحُّ وقد رَفَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ من حديث عَلِيٍّ وَوَقَفَهُ عليه أَكْثَرُهُمْ ا هـ وَسَلَكَ الْقَفَّالُ طَرِيقًا آخَرَ في الْإِيجَابِ فقال إنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ أَمْرَ إيجَابٍ لِأَنَّهُ آكَدُ بِالْعُقُوبَةِ على تَرْكِهَا قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الْأَسْرَارِ فَقُلْت له لم يَأْمُرْ اللَّهُ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ قال أَمَرَ الْأَوْلِيَاءَ لِيَأْمُرُوهُ فَهُوَ كَأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا يَلْزَمُ أُمَّتَهُ وَفِيمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ نَظَرٌ فإن الْمُخَاطَبَ الْوَلِيُّ وفي أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَرْكِ الصَّلَاةِ ما يُصَرِّحُ بِنَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ إذْ لو كَانُوا مُكَلَّفِينَ لم يَخْتَصَّ ذلك بِالْوَلِيِّ كما بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنَّمَا هو ضَرْبُ اسْتِصْلَاحٍ كَالْبَهِيمَةِ وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ كان في صَدْرِ الْإِسْلَامِ الصَّبِيُّ مُكَلَّفًا وهو من يُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ له ثُمَّ اُعْتُبِرَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ وَحَمَلَا عليه حَدِيثَ رُفِعَ الْقَلَمُ عن الصَّبِيِّ فإن الرَّفْعَ يَقْتَضِي الْوَضْعَ وَاخْتُلِفَ في الْبُلُوغِ هل هو شَرْطٌ عَقْلِيٌّ لِلتَّكْلِيفِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْعِبَادَةِ أو شَرْعِيٌّ على قَوْلَيْنِ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ لَا يُخَاطَبُ الصَّبِيُّ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ على الْمَشْهُورِ في الصَّبِيِّ فَلَا يُخَاطَبُ من الْأَحْكَامِ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَهَلْ انْتِفَاءُ ذلك في حَقِّهِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ كما قبل الشَّرْعِ أو حُكْمٌ من اللَّهِ تَخْفِيفًا عنه لم يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ وَعَلَيْهِ يُنْبِي ما سَبَقَ في مَعْنَى رَفْعِ الْقَلَمِ وَهَلْ يُخَاطَبُ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ الْجُمْهُورُ على الْمَنْعِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وهو مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا في الْفُرُوعِ حَيْثُ قالوا إنَّهُ مَأْمُورٌ من جِهَةِ الشَّرْعِ بِالنَّدْبِ وَلِهَذَا جَعَلُوا له إنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَيُثَابُ عليه التَّنْبِيهُ الثَّانِي إذَا عَلَّقْنَا التَّكْلِيفَ بِالْبُلُوغِ فَهَلْ يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا بُدَّ من أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ من الزَّمَانِ ما يُمْكِنُهُ فيه التَّعْرِيفُ وَالْقَبُولُ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ في كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ قال وَقَوْلُنَا إنَّهُ يَصِيرُ مُكَلَّفًا في الْوَقْتِ إذَا لم يَكُنْ فيه مَانِعٌ فإذا انْقَضَى وَقْتُ أَدَائِهِ ولم يَعْلَمْهُ كان عَاصِيًا بِتَرْكِهِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ الشَّرْطُ الرَّابِعُ الْعَقْلُ فَالْمَجْنُونُ ليس بِمُكَلَّفٍ إجْمَاعًا وَيَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَلَا يَبْعُدُ من الْقَائِلِينَ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ جَوَازُ تَكْلِيفِهِ كَالْغَافِلِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِوُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ على الْمَجْنُونِ نَصَّ عليها في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَضَعَّفَهَا مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ وَمِنْهُمْ من حَمَلَهَا على غَيْرِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ كَمَنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا قال ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمَجْنُونُ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْإِفَاقَةِ كما يُوَجَّهُ على الْمَعْدُومِ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وَيَجِيءُ مِثْلُهُ في الصَّبِيِّ وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الْجُنُونُ الطَّارِئُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أو الْمُقَارِنِ له نعم طُرُوءُ الْجُنُونِ على الْكَافِرِ لَا يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَلِهَذَا لو جُنَّ الْمُرْتَدُّ لم يَسْقُطْ عنه قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ سَقَطَتْ عن الْمَجْنُونِ الْمُسْلِمِ قال الْقَاضِي أبو يَعْلَى وَمِقْدَارُ الْعَقْلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بين الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ وَيَصِحُّ منه أَنْ يَسْتَدِلَّ وَيَسْتَشْهِدَ على ما لم يُعْلَمْ بِاضْطِرَارٍ فَمَنْ كان هذا وَصْفُهُ كان عَاقِلًا وَإِلَّا فَلَا قال الصَّيْرَفِيُّ وَلَمَّا كان الناس مُتَفَاوِتِينَ في تَكَامُلِ الْعُقُولِ كُلِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ على قَدْرِ ما يَصِلُ إلَيْهِ عَقْلُهُ وقد جاء في الحديث إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجَازِي كُلَّ إنْسَانٍ على قَدْرِ عَقْلِهِ وَانْظُرْ إلَى قَوْلِ عُمَرَ لِرَجُلٍ عَيِيٍّ أَشْهَدُ أَنَّ خَالِقَك وَخَالِقَ عَمْرِو بن الْعَاصِ وَاحِدٌ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في بَابِ الْجُمُعَةِ من تَعْلِيقِهِ جاء عن عَلِيٍّ عَلِّمُوا الناس على قَدْرِ عُقُولِهِمْ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَيْ لَا تَنْبُوَا الْأَفْهَامُ عنه فَيُكَذَّبُونَ لِذَلِكَ وَقِيلَ إنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ على الْعَقْلِ الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْفَهْمُ وَالْمَعْنَى فيه كما قال صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ إنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ على سَبِيلِ الْقَصْدِ وَالِامْتِثَالُ يَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ بِهِ وهو ضَرُورِيٌّ فَيُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي لِمُضَادَّةِ هذه الْأُمُورِ الْفَهْمَ فَيَنْتَفِي شَرْطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا بِنَاءٌ على امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَلِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَأَمَّا إيجَابُ الْعِبَادَةِ على النَّائِمِ وَالْغَافِلِ فَلَا يَدُلُّ على الْإِيجَابِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَإِنْ قِيلَ فَالنَّائِمُ يَضْمَنُ ما يُتْلِفُهُ في نَوْمِهِ قُلْنَا الْخِطَابُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ وهو مُنْتَفٍ عنه حَالَةَ النَّوْمِ وَلِهَذَا قالوا لو أَتْلَفَ الصَّبِيُّ شيئا ضَمِنَهُ مع أَنَّهُ ليس بِمُكَلَّفٍ وقال الْقَفَّالُ في الْأَسْرَارِ النَّهْيُ لَا يُلَاقِي السَّاهِيَ إذْ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ منه وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَكَفَّارَةِ الْخَطَأِ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مُحَرَّمًا في نَفْسِهِ من حَيْثُ إنَّهُ مَحْظُورٌ عَقْدُهُ إلَّا أَنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عنه في هذه الْحَالَةِ وقال ابن الصَّلَاحِ ما قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ من أَنَّ السَّاهِيَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ لَا يُنَافِيهِ تَحْنِيثُ الْفُقَهَاءِ له في الْيَمِينِ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فإن تَحْنِيثَهُ ليس من قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بَلْ من خِطَابِ الْوَضْعِ وَهَذَا يَثْبُتُ في حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ كَالصَّبِيِّ وقال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ من زَالَ عَقْلُهُ بِالنَّوْمِ وَطَبَقَ الْوَقْتَ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَصَارَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى تَكْلِيفِ النَّائِمِ في بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَإِنْ عَنَوْا بِهِ ضَمَانَ الْمُتْلِفَاتِ وَنَحْوُهُ فَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ إجْمَاعًا وَيَجِبُ عليه ذلك ثُمَّ قال فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَوْجَبْتُمْ الْقَضَاءَ عليه قُلْنَا لِلْأَمْرِ الْجَدِيدِ قال وَالْحُكْمُ في السَّاهِي وَالْجَاهِلِ كَالنَّائِمِ قال ابن الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ يُنَازَعُ فيه وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عليه وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ هل يُخَاطَبُونَ أَمْ لَا ذَهَبَ كَافَّةُ الْفُقَهَاءِ من أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ وَنَقَلَ عن الْمُتَكَلِّمِينَ من أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ قال وَالْمُرَادُ بِالْخِطَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثُبُوتُ الْفِعْلِ في الذِّمَّةِ وَلَمَّا لم يَتَصَوَّرْ الْمُتَكَلِّمُونَ هذا مَنَعُوهُ ا هـ قال بَعْضُهُمْ وَنِسْيَانُ الْأَحْكَامِ بِسَبَبِ قُوَّةِ الشَّهَوَاتِ لَا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ كَمَنْ رَأَى امْرَأَةً جَمِيلَةً وهو يَعْلَمُ تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلَيْهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا غَافِلًا عن تَحْرِيمِ النَّظَرِ وَكَذَا الْقَوْلُ في الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَغَيْرِهِ من أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَا يَقَعُ الْأَمْرُ فيه وَلَا النَّهْيُ عنه لِامْتِنَاعِ الْأَمْرِ بِمَا لَا يُهَيَّأُ قَصْدٌ لِأَنَّهُ لو قَصَدَ تَرْكَهُ لم يَكُنْ نَاسِيًا له وَالْمُرْتَفِعُ إنَّمَا هو الْإِثْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وقال صلى اللَّهُ عليه وسلم رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَكُلُّ ما أَخْطَأْت بَيْنَك وَبَيْنَ رَبِّك فَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَأَمَّا الْخَطَأُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ فَيَضْمَنُهُ وَلِهَذَا يَسْتَوِي فيه الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَغَيْرُهُ فرع الِانْشِغَالُ عن الصَّلَاةِ بِلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ لو شَغَلَهُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ حتى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وهو غَافِلٌ فَإِنْ لم يَتَكَرَّرْ ذلك منه لم تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَثُرَ وَتَكَرَّرَ فَسَقَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ قال الرَّافِعِيُّ هَكَذَا ذَكَرُوهُ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِمَا فيه من تَعْصِيَةِ الْغَافِلِ وَالسَّاهِي ثُمَّ قِيَاسُهُ الطَّرْدُ في شُغْلِ النَّفْسِ بِسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ قُلْت وقد سَبَقَ أَنَّ نِسْيَانَ الْعِبَادَةِ لِسَبَبِ الشَّهْوَةِ لَا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ فَلَا يَرِدُ إشْكَالُ الرَّافِعِيِّ تَنْبِيهٌ السَّكْرَانُ السَّكْرَانُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ ليس بِمُكَلَّفٍ منهم الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَالْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وابن الْقُشَيْرِيّ وقال الْإِمَامُ في الْأَسَالِيبِ السَّكْرَانُ عِنْدَنَا غَيْرُ مُخَاطَبٍ فإنه يَسْتَحِيلُ تَوَجُّهُ الْخِطَابِ على من لَا يَتَصَوَّرُ وَلَكِنْ غُلِّظَ الْأَمْرُ في سُكْرِهِ رَدْعًا وَمَنْعًا فَأُلْحِقَ بِالصَّاحِي مِمَّنْ قال إنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ من أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ قال وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ تَغْلِيظًا عليه وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ عن أَصْحَابِنَا الْأُصُولِيِّينَ قال وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ حَالَةَ السُّكْرِ وَمُرَادُنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ قُلْت وَالصَّحِيحُ أَنَّ السَّكْرَانَ الْمُعْتَدِيَ بِسُكْرِهِ مُكَلَّفٌ مَأْثُومٌ هذا هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَصَّ عليه في الْأُمِّ فقال وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أو نَبِيذًا فَأَسْكَرَهُ فَطَلَّقَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَالْحُدُودُ كُلُّهَا وَالْفَرَائِضُ وَلَا تُسْقِطُ الْمَعْصِيَةُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَعْصِيَةُ بِالسُّكْرِ من النَّبِيذِ عنه فَرْضًا وَلَا طَلَاقًا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَذَا مَغْلُوبٌ على عَقْلِهِ وَالْمَرِيضُ وَالْمَجْنُونُ مَغْلُوبٌ على عَقْلِهِ قِيلَ الْمَرِيضُ مَأْجُورٌ وَمُكَفَّرٌ عنه بِالْمَرَضِ مَرْفُوعٌ عنه الْقَلَمُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَهَذَا آثِمٌ مَضْرُوبٌ على السُّكْرِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عنه الْقَلَمُ فَكَيْفَ يُقَاسُ من عليه الْعِقَابُ بِمَنْ له الثَّوَابُ وَالصَّلَاةُ مَرْفُوعَةٌ عن من غُلِبَ على عَقْلِهِ وَلَا تُرْفَعُ عن السَّكْرَانِ وَكَذَلِكَ الْفَرَائِضُ من حَجٍّ أو صَوْمٍ أو غَيْرِ ذلك ا هـ وَلِهَذَا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَنُسِبَ مُقَابِلُهُ إلَى أبي حَنِيفَةَ وَلِهَذَا صَحَّحَ الشَّافِعِيُّ تَصَرُّفَاتِهِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِقَوْلِهِ رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ قال وَالسَّكْرَانُ ليس في مَعْنَى وَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عليه قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ قال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ الْمَرِيضُ مَأْجُورٌ مُكَفَّرٌ عنه مَرْفُوعٌ عنه الْقَلَمُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ وَهَذَا آثِمٌ مَضْرُوبٌ على السُّكْرِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عنه الْقَلَمُ ا هـ قِيلَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَضْرُوبٌ على السُّكْرِ فيه تَجَوُّزٌ إنَّمَا هو على الشُّرْبِ سَكِرَ أَمْ لم يَسْكَرْ لَكِنَّهُ يُرِيدُ على سَبَبِ السُّكْرِ وقد اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ على تَكْلِيفِهِ مع إخْرَاجِ الْأُصُولِيِّينَ له عن ذلك وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ من لَا يَفْهَمُ قال الْغَزَالِيُّ بَلْ السَّكْرَانُ أَسْوَأُ حَالًا من النَّائِمِ الذي يُمْكِنُهُ تَنْبِيهُهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ قَوْلًا ثَالِثًا مُفَصِّلًا بين السَّكْرَانِ وَغَيْرِهِ لِلتَّغْلِيظِ عليه وهو الْأَقْرَبُ أو يُحْمَلُ قَوْلُهُ على السَّكْرَانِ الذي يَنْتَقِلُ عن رُتْبَةِ التَّمْيِيزِ دُونَ الطَّافِحِ الْمُغْشَى عليه وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ من ذلك أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ مُطْلَقًا فَقَدْرُهُ رضي اللَّهُ عنه يَجُلُّ عن ذلك قُلْت وَبِالثَّانِي صَرَّحَ أبو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ كما سَنَذْكُرُهُ وَالْأَقْرَبُ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ وهو أَنَّ التَّكْلِيفَ في حَقِّهِ مُسْتَصْحَبٌ لَا وَاقِعٌ وُقُوعًا مُبْتَدَأً كما قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْخَارِجِ من الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إنَّهُ مُرْتَبِكٌ في الْمَعْصِيَةِ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ اخْتَلَفُوا في الْجَوَابِ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ من الْتِزَامِهِ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ فَقِيلَ لَا دَلَالَةَ دَالَّةٌ على ثُبُوتِهَا في حَقِّهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وقال ابن سُرَيْجٍ لَمَّا كان سُكْرُهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا من جِهَتِهِ وهو مُتَّهَمٌ في دَعْوَى السُّكْرِ لِفِسْقِهِ أَلْزَمْنَاهُ حُكْمَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَطَرَدْنَا ما لَزِمَهُ في حَالِ الْيَقِظَةِ وقال الْغَزَالِيُّ إلْزَامُنَا له ذلك من قَبِيلِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ وَلَا يَسْتَحِيلُ ذلك في حَقِّ من لَا تَكْلِيفَ عليه يَعْنِي أَنَّهُ من خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذلك وقال هذا الْجَوَابُ ليس بِصَحِيحٍ فإن خِطَابَ الْوَضْعِ لَا يَقْتَضِي قَتْلًا وَلَا إيقَاعَ طَلَاقٍ وَلَا إلْزَامَ حَدٍّ وَكَوْنُ الزِّنَا جُعِلَ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْحَدِّ على الزَّانِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ من بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ قُلْت الطَّلَاقُ مِمَّا اجْتَمَعَ فيه الْخِطَابَانِ لِأَنَّهُ إمَّا مُبَاحٌ أو مَكْرُوهٌ وهو مَنْصُوبٌ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ فَيَكُونُ من خِطَابِ الْوَضْعِ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ هو مُحَرَّمٌ وهو مَنْصُوبٌ سَبَبًا لِمَا تَرَتَّبَ عليه من الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَثُبُوتُ الْقِصَاصِ أو الدِّيَةِ خِطَابُ وَضْعٍ فَقَطْ لَا تَكْلِيفٌ حَقُّهُ كما في الْإِرْثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ اُخْتُلِفَ في السَّكْرَانِ فَقِيلَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِزَوَالِ عَقْلِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ في الشَّرِيعَةِ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ في حَالِ سُكْرِهِ إذَا كان زَوَالُ عَقْلِهِ بِأَمْرٍ عَصَى اللَّهَ فيه فَعُوقِبَ بِأَنْ أُلْحِقَ بِالْمُكَلَّفِينَ رَدْعًا له وَلِغَيْرِهِ عن شُرْبِ الْخَمْرِ قال وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ جَائِزٌ مُحْتَمَلٌ لِوُرُودِ الشَّرِيعَةِ بِهِمَا ا هـ قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ في غَيْرِ الْمُنْتَهِي إلَى ما لَا يَعْقِلُ أَلْبَتَّةَ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أبو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ من شَرْحِ الْمِفْتَاحِ فقال قُلْت وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ في تَصَرُّفِ السَّكْرَانِ إنَّ السَّكْرَانَ على نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا يَعْقِلُ ما يقول فَهَذَا مُخَاطَبٌ وَتَصِحُّ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ وَالثَّانِي لَا يَعْقِلُ ما يقول وقد زَالَ عَقْلُهُ وَذَهَبَ حِسُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذَا غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ من تَصَرُّفَاتِهِ وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَهَذَا أَدْوَنُ حَالَةً من الْمَجْنُونِ هذا هو اخْتِيَارِي انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا هو قَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ في النِّهَايَةِ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا انْتَهَى إلَى حَالَةِ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عليه فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِإِلْحَاقِهِ بِهِمَا قال وَأَبْعَدَ من أَجْرَاهُ على الْخِلَافِ وقال ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ الْخِلَافُ في الْمُلْتَجِّ أَمَّا الْمُنْتَشِي فَمُكَلَّفٌ إجْمَاعًا قُلْت وَيَدُلُّ عليه جَوَابُهُمْ عن الْآيَةِ وَمِمَّنْ أَطْلَقَ تَكْلِيفَ السَّكْرَانِ شَيْخَا الْمَذْهَبِ أبو حَامِدٍ وَالْقَفَّالُ وَنَقَلَاهُ عن الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في فَتَاوِيهِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وأبو الْفَضْلِ بن عَبْدَانَ في كِتَابِ الْأَذَانِ من شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ وَجَزَمَ بِهِ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن الْفُقَهَاءِ من أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ ثُمَّ نَقَلَ الْمَنْعَ عن الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وقال عبد اللَّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ قال أبي قال الشَّافِعِيُّ وَجَدْت السَّكْرَانَ ليس بِمَرْفُوعٍ عنه الْقَلَمُ وكان أبي يُعْجِبُهُ هذا وَيَذْهَبُ إلَيْهِ ا هـ وَأَطَالَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ عَدَمَ تَكْلِيفِهِ ثُمَّ قال ما حَاصِلُهُ إنَّهُ مُكَلَّفٌ لَكِنْ بَعْدَ السُّكْرِ بِمَا كان في السُّكْرِ وَهَذَا الْكَلَامُ مَجْمَعُ مَذَاهِبِ الْفَرِيقَيْنِ وَصَرَّحَ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ مع تَقْرِيرِهِ في كُتُبِ الْفِقْهِ مُؤَاخَذَتَهُ الْمُصَرِّحَةُ بِالتَّكْلِيفِ وهو مُؤَوَّلٌ بِمَا سَبَقَ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ هو غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْنَعُ تَوَجُّهَ الْخِطَابِ إلَيْهِ أَمَّا ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ في حَقِّهِ وَتَنْفِيذُ بَعْضِ أَقْوَالِهِ فَلَا يُمْنَعُ قال وَهَذَا مُطَّرِدٌ في تَكَالِيفِ النَّاسِي في اسْتِمْرَارِ نِسْيَانِهِ إذْ لو كان مِمَّنْ فَهِمَ الْخِطَابَ لَكَانَ مُتَذَكِّرًا لَا نَاسِيًا قال وَلَعَلَّ من قال بِتَكْلِيفِهِ بَنَاهُ على جَوَازِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وقال الْإِبْيَارِيُّ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا تَكْلِيفُ السَّكْرَانِ وقال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى إيجَابِ الْقَضَاءِ عَامٌّ في النَّاسِي وَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ وَبِمَعْنَى عَدَمِ الْخِطَابِ حَاصِلٌ في النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ يُلْحَقُ بِهِمَا وَعِنْدَنَا بِخِلَافِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ حَالَةَ السُّكْرِ وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وابن عَبْدَانَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَكْلِيفِ السَّكْرَانِ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ لَا إشْكَالَ فيه وهو نَوْعٌ من خِطَابِ الْوَضْعِ وقد يُدْخِلُونَهُ في خِطَابِ التَّكْلِيفِ كما أَدْخَلَتْهُ طَائِفَةٌ في حَدٍّ وَاحِدٍ وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْإِثْمِ على ما يَصْدُرُ منه حَالَ السُّكْرِ فَإِنْ كان فيه نَشَاطٌ فَوَاضِحٌ وَإِنْ كان طَافِحًا أو مُخْتَلِطًا فَمَحَلُّ نَظَرٍ وَلَعَلَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَرَوْنَ الْإِثْمَ أو لَعَلَّهُمْ يُرِيدُونَ الطَّافِحَ وَالْأُصُولِيُّونَ يُرِيدُونَ الْمُخْتَلِطَ فإن التَّكْلِيفَ فِيهِمَا تَكْلِيفٌ مع الْغَفْلَةِ الشَّرْطُ السَّادِسُ الِاخْتِيَارُ فَيُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ وهو من لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عن الْفِعْلِ مع حُضُورِ عَقْلِهِ كَمَنْ يُلْقَى من شَاهِقٍ فَهُوَ لَا بُدَّ له من الْوُقُوعِ وَلَا اخْتِيَارَ له فيه وَلَا هو بِفَاعِلٍ له وَإِنَّمَا هو آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ في يَدِ الْقَاطِعِ وَحَرَكَةٌ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَمِثْلُهُ الْمُضْطَرُّ وَاتَّفَقَ أَئِمَّتُنَا على أَنَّ الْمُضْطَرَّ إلَى فِعْلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ الذي اُضْطُرَّ إلَيْهِ وهو عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَوْقَ الْمُلْجَأِ وَعِنْدَنَا مِثْلُهُ كَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ وَأُلْقِيَ على شَخْصٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِتَكْلِيفِهِ فَقَالُوا الْمُضْطَرُّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ يَجِبُ عليه أَكْلُهَا على الصَّحِيحِ وفي وَجْهٍ لَا يَجِبُ قد يُوَجَّهُ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ فَيُقَالُ لَا فِعْلَ لِلْمُضْطَرِّ وَلَا اخْتِيَارَ حتى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِيجَابُ وَيَكْتَفِي بِصُورَةِ الدَّاعِيَةِ لَكِنْ جِهَةُ التَّكْلِيفِ فيه سَيَأْتِي بَيَانُهَا في الْمُكْرَهِ وَكَذَلِكَ يُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عن الْفِعْلِ إلَّا بِالصَّبْرِ على إيقَاعِ ما أُكْرِهَ بِهِ كَمَنْ قال له قَادِرٌ على ما يَتَوَعَّدُ اُقْتُلْ زَيْدًا وَإِلَّا قَتَلْتُك لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عن قَتْلِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْهَلَاكِ فَإِقْدَامُهُ على قَتْلِ زَيْدٍ ليس كَوُقُوعِ الذي أُلْقَى من شَاهِقٍ وَإِنْ اشْتَرَكَا في عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَكِنْ تَكْلِيفُهُ هذا أَقْرَبُ من تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ وَلِهَذَا أُبِيحَ له الْإِقْدَامُ على شُرْبِ الْخَمْرِ وَكَلِمَةُ الْكُفْرِ وَأَمَّا تَأْثِيمُ الْمُكْرَهِ على الْقَتْلِ فَلَيْسَ من حَيْثُ إنَّهُ مُكْرَهٌ وَأَنَّهُ قَتْلٌ بَلْ من حَيْثُ إنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ على غَيْرِهِ فَهُوَ ذُو وَجْهَيْنِ الْإِكْرَاهُ وَلَا إثْمَ من نَاحِيَةٍ وَجِهَةُ الْإِيثَارِ وَلَا إكْرَاهَ فيها وَهَذَا لِأَنَّك قُلْت اُقْتُلْ زَيْدًا وَإِلَّا قَتَلْتُك فَمَعْنَاهُ التَّخْيِيرُ بين نَفْسِهِ وَبَيْنَ زَيْدٍ فإذا آثَرَ نَفْسَهُ فَقَدْ أَثِمَ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ وَهَذَا كما قِيلَ في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مَحَلُّ التَّخْيِيرِ لَا وُجُوبَ فيه وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ لَا تَخْيِيرَ فيه وَهَذَا تَحْقِيقٌ حَسَنٌ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِاسْتِثْنَاءِ صُورَةِ الْقَتْلِ من قَوْلِنَا الْمُكْرَهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ إلَّا في صُوَرٍ إنَّمَا ذَكَرُوهُ لِضَبْطِ تِلْكَ الصُّوَرِ لَا أَنَّهُ مُسْتَثْنًى حَقِيقَةً هذا هو الصَّحِيحُ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ على أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فإنه احْتَجَّ على إسْقَاطِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ قال الشَّافِعِيُّ وَلِلْكُفْرِ أَحْكَامٌ فلما وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عنه سَقَطَتْ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ عن الْقَوْلِ كُلِّهِ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إذَا سَقَطَ سَقَطَ ما هو أَصْغَرُ منه نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عنه في السُّنَنِ وَعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اُسْتُكْرِهُوا عليه وقد أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ من أَئِمَّتِنَا في كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الْمُكْرَهَ مُكَلَّفٌ بِالْفِعْلِ الذي أُكْرِهَ عليه وَنَقَلُوا الْخِلَافَ فيه عن الْمُعْتَزِلَةِ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وابن الْقُشَيْرِيّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَبَنَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ على أَصْلِهِمْ في وُجُوبِ الثَّوَابِ على الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ الِامْتِثَالِ وَكَيْفَ يُثَابُ على ما هو مُكْرَهٌ عليه إذْ لَا يُجِبْ دَاعِي الشَّرْعِ وَإِنَّمَا يُجِيبُ دَاعِيَ الْإِكْرَاهِ وَأَلْحَقُوا هذا بِالْأَفْعَالِ التي لَا بُدَّ من وُقُوعِهَا عَادَةً كَحُصُولِ الشِّبَعِ عن الْأَكْلِ وَالرِّيِّ عن الشُّرْبِ فَكَمَا يَسْتَحِيلُ التَّكْلِيفُ بِالْوَاجِبِ عَقْلًا وَعَادَةً فَكَذَا يَسْتَحِيلُ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ الْمُكْرَهُ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ لِفَهْمِ الْخِطَابِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُكْرَهَ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ لِفَهْمِ الْخِطَابِ وَأَنَّ له اخْتِيَارًا ما في الْإِقْدَامِ أو الِانْكِفَافِ وَلَا اسْتِحَالَةَ في تَكْلِيفِهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مُتَقَرِّبًا فَيَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ وهو غَيْرُ الْكَلَامِ في تَكْلِيفِهِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَنَعْنِي بِالْمُكْرَهِ من هو قَادِرٌ على الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ فَيُحْمَلُ مَثَلًا على الصَّلَاةِ بِالْإِرْجَافِ وَالْخَوْفِ وَقَتْلِ السَّيْفِ وَاَلَّذِي بِهِ رَعْشَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُكْرَهًا في رِعْدَتِهِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ مع وِفَاقِهِمْ على اقْتِدَارِهِ وَزَادُوا عَلَيْنَا فَقَالُوا الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ وَعَلَى هذا فَلَا مَعْنَى لِتَفْصِيلِ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعِهِ بين الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَغَيْرِهِ وَلَا لِمَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا في الْمَسْأَلَةِ وَكَذَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ قال الْمُحَقِّقُونَ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ إلَّا مع تَصَوُّرِ اقْتِدَارِ الْمُكْرَهِ فَمَنْ بِهِ رَعْشَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُكْرَهًا وَإِنَّمَا الْمُكْرَهُ الْمُخْتَارُ لِتَحْرِيكِهَا وَلَا اسْتِحَالَةَ في تَكْلِيفِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ اقْتِدَارِهِ وَاخْتِبَارِهِ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَبَالَغُوا حتى قالوا إنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ وَالْمُكْرَهُ الْقَادِرُ على الْفِعْلِ قَادِرٌ على ضِدِّهِ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا إذَا قَدَرَ على ما أُكْرِهَ عليه لم تَتَعَلَّقْ قُدْرَتُهُ بِتَرْكِهِ وقد أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً على تَوَجُّهِ النَّهْيِ على الْمُكْرَهِ على الْقَتْلِ عن الْقَتْلِ وَهَذَا عَيْنُ التَّكْلِيفِ انْتَهَى وَهَذَا يُعْلَمُ جَوَابُهُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ تَأْثِيمَ الْمُكْرَهِ على الْقَتْلِ ليس من حَيْثُ كَوْنُهُ مُكْرَهًا وما نَقَلُوهُ عن الْمُعْتَزِلَةِ قد نَازَعَ فيه جَمَاعَةٌ منهم إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فقال نُقِلَ عن بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُنَافِي التَّكْلِيفَ قال وَلَيْسَ هذا مَذْهَبًا لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْإِلْجَاءَ الذي يُنَافِي اخْتِيَارَ الْعَبْدِ يُنَافِي التَّكْلِيفَ كَالْإِيمَانِ حَالَةَ الْيَأْسِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ الذي أُكْرِهَ عليه وَنُقِلَ عن أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قال وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِمَا عَدَا ما أُكْرِهَ عليه من الْأَفْعَالِ وَنُقِلَ عن الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَهَذَا خَطَأٌ في النَّقْلِ عَنْهُمْ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بَلْ هو أَوْلَى بِالْخِطَابِ من الْمُخْتَارِ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ تَحْمِيلُ ما فيه كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ وَحَالَةُ الْمُكْرَهِ أَدْخَلُ في أَبْوَابِ التَّكْلِيفِ وَالْمَشَاقِّ من حَالَةِ الْمُخْتَارِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الْفِعْلِ الذي أُكْرِهَ عليه وَوَاجِبُ الِانْقِيَادِ عليه وَالِاسْتِسْلَامُ وَمَوْعُودٌ عليه الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَأَوْا في كُتُبِهِمْ أَنَّ الْمُلْجَأَ ليس بِمُخَاطَبٍ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُلْجَأَ وَالْمُكْرَهَ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُلْجَأُ هو الذي لَا يُخَاطَبُ عِنْدَهُمْ وهو الذي لَا قُدْرَةَ له على التَّرْكِ بَلْ يَكُونُ مَدْفُوعًا وَمَحْمُولًا بِأَبْلَغِ جِهَاتِ الْحَمْلِ كَمَنْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ رِبَاطًا وَأُلْقَى على عُنُقِ إنْسَانٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْدِفَاعُ فَهَذَا ليس له الِاخْتِيَارُ وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَهُ قَصْدٌ وَقُدْرَةٌ فَكَانَ مُكَلَّفًا وَلِهَذَا قالت الْمُعْتَزِلَةُ الْقُدْرَةُ تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِأَنَّهَا لو صَلَحَتْ لِفِعْلٍ دُونَ فِعْلٍ صَارَ الشَّخْصُ مَدْفُوعًا إلَيْهِ وَمُلْجَأً وَلَأَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا فإن الْقُدْرَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قالوا الْإِيمَانُ حَالَةَ الْيَأْسِ لَا يَنْفَعُ وهو إيمَانُ الْكَافِرِ يوم الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ النَّافِعَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ أَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَتَصِيرُ الْمَعَارِفُ ضَرُورِيَّةً فَلَا يَنْفَعُ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ أُلْجِئُوا ا هـ وما قَالَهُ في الْمُلْجَأِ إنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأَصْحَابِ وَإِنْ كان الْأَوَّلُونَ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ ولم يُفَصِّلُوا بَلْ الْأَظْهَرُ التَّفْصِيلُ وقال في الْمَحْصُولِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَجَرَى عليه أَتْبَاعُهُ وقال الْآمِدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَقَرَّرَهُ الْقَرَافِيُّ وَيَنْبَنِي كَلَامُ الْمُطْلِقِينَ على أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فيه وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَرْهَانٍ إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يُخَالِفُونَ في تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ من نَقْلِ الْفُحُولِ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ لَا يُوجَدُ في مَشَاهِيرِ كُتُبِهِمْ بَلْ قال الْبَزْدَوِيُّ في كِتَابِهِ الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُبْتَلًى بين فَرْضٍ وَحَظْرٍ وَإِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ إلَخْ وقد قالوا بِنُفُوذِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَعِتْقِهِ وَغَيْرِ ذلك وَسَبَقَ في فَصْلِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلتَّكْلِيفِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ منهم فيه وَنَقَلَ الْإِبْيَارِيُّ عن الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلَ بين الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فَالْإِكْرَاهُ لَا يُؤَثِّرُ عِنْدَهُمْ في الْإِقْرَارِ وَيُؤَثِّرُ في الْإِنْشَاءِ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِفِعْلِ ما أُكْرِهَ عليه على قَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَالْأُخْرَى وُجُوبُ الثَّوَابِ على اللَّهِ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ عِنْدَهُمْ الْإِثَابَةُ وقد نَقَضَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ على أَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَتْلُ على من أُكْرِهَ عليه وَكَذَا الزِّنَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَقَدْ كُلِّفَ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ ولم يَرْتَضِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هذا وقال إنَّ الْقَوْمَ لَا يَمْنَعُونَ من الشَّيْءِ مع الْحَمْلِ عليه فإن ذلك أَشَدُّ في الْمِحْنَةِ وَاقْتِضَاءِ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا الذي مَنَعُوهُ الِاضْطِرَارَ إلَى الْفِعْلِ مع الْأَمْرِ بِهِ التَّكْلِيفُ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ على قِسْمَيْنِ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ هذا النَّقْضُ غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ على قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يُكَلَّفَ بِالنَّهْيِ عَمَّا أُكْرِهَ على فِعْلِهِ كَمَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا على قَتْلِ مُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَهَذَا مُتَّفَقٌ على جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ الثَّانِي أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ ما أُكْرِهَ على إيقَاعِهِ كَمَنْ تَضَيَّقَ عليه وَقْتُ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ لم تَبْقَ فيه سَعَةٌ لِغَيْرِهَا فَأَكْرَهَهُ إنْسَانٌ على فِعْلِهَا لِهَذَا هو الذي مَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ وقال الْقُرْطُبِيُّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ ما إذَا وَافَقَ دَاعِيَةَ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةُ الشَّرْعِ كما لو أُكْرِهَ على قَتْلِ حَيَّةٍ أو كَافِرٍ فَالْجُمْهُورُ على جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ أَمَّا ما خَالَفَ دَاعِيَةَ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةُ الشَّرْعِ كَالْإِكْرَاهِ على قَتْلِ الْمُسْلِمِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِ التَّكْلِيفِ وَهَذَا أَخَذَهُ من كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وقال السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ اخْتَلَفُوا في الْمُكْرَهِ على الْفِعْلِ الذي هو مُخَاطَبٌ بِهِ فقالت الْمُعْتَزِلَةُ لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مع الْإِكْرَاهِ عليه وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ بِجَوَازِهِ لِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا هو فِعْلُ الْقَلْبِ وقد يُتَصَوَّرُ منه في ذلك الْجِنْسِ الْعَزْمُ وَالنِّيَّةُ وَهِيَ الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ وَإِنْ كان في الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ خَوْفًا من الناس وَذَلِكَ كما إذَا أُكْرِهَ على الصَّلَاةِ فَقِيلَ له صَلِّ وَإِلَّا قُتِلْت أَمَّا إذَا قِيلَ له إنْ صَلَّيْت قُتِلْت فَظَنَّ الْقَاضِي أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ في ذلك فَغَلَّطَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا لَا خِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ مَأْمُورٌ بها وَإِنْ رُخِّصَ له في تَرْكِهَا فَلَيْسَ التَّرْخِيصُ مِمَّا يُخْرِجُهُ عن حُكْمِ الْخِطَابِ وَإِنَّمَا يَرْفَعُ عنه الْإِكْرَاهُ الْمَأْثَمَ وَهَذَا الْغَلَطُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْقَاضِي ليس بِقَوْلٍ له وَإِنَّمَا حَكَاهُ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ عن طَائِفَةٍ من الْفُقَهَاءِ قالوا لَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ إلَى الْفِعْلِ مع الْإِكْرَاهِ عليه قال الْقَاضِي وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ انْكِفَافُهُ عنه مع الْإِكْرَاهِ فَكَذَا يُتَصَوَّرُ منه الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ وَبِهِ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ وَإِنَّمَا غَلِطَ إذَنْ من نَسَبَ إلَيْهِ من الْأُصُولِيِّينَ هذا الْقَوْلَ الذي أَبْطَلَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْت ما قَالُوهُ قبل أَنْ أَرَى كَلَامَهُ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا خِلَافَ بين أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ الذي اُضْطُرَّ إلَيْهِ تَعْرِيفُ الْمُضْطَرِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَعْرِيفِهِ فقال الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْمُضْطَرُّ الْمُلْجَأُ إلَى مَقْدُورِهِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَوَقَّعٍ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَدَّرِ الْمُلْجَأِ إلَيْهِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الْمُضْطَرُّ الْمَحْمُولُ على ما عليه فيه ضَرَرٌ من مَقْدُورَاتِهِ لِدَفْعِ ما هو أَضَرُّ منه وَزَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ قَاطِبَةً أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ وَأَنَّهُ هو الذي يَفْعَلُ فيه الْغَيْرُ فِعْلًا هو من قَبِيلِ مَقْدُورَاتِهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فقال أبو عَلِيٍّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ فيه غير قَادِرٍ على مُدَافَعَةِ الْفِعْلِ وَخَالَفَهُ ابْنُهُ أبو هَاشِمٍ فإذا عُرِفَ هذا فَقَدْ اتَّفَقُوا على أَنَّ الْمُلْجَأَ قَادِرٌ على ما أُلْجِئَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لم يَفْعَلْ فيه غَيْرُهُ فِعْلًا لَا خِلَافَ بين الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ في ذلك وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ في تَعْرِيفِهِ فَالْمُلْجَأُ دُونَ الْمُضْطَرِّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ وَدُونَهُمَا الْمُكْرَهُ الْمَذْكُورُ في كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَعَلَى هذه الْأُصُولِ من عَدَمِ اخْتِيَارِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ كَالْآلَةِ الْمَحْضَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْمٌ هو الْمُضْطَرُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ وَأُلْقَى على شَخْصٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ أو كان على دَابَّةٍ فَمَاتَ وَسَقَطَ على شَيْءٍ فإنه لَا يَضْمَنُ وَلَيْسَ كَالْمُكْرَهِ وَلَا كَالْمُضْطَرِّ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى عَدَمِ اخْتِيَارِهِ عَدَمُ إحْسَاسِهِ وَشُعُورِهِ فَأَبْعَدُ عن الضَّمَانِ وقد خَرَجَ لنا من هذا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ وهو الْحَقُّ ثُمَّ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ وَاقِعٍ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اُسْتُكْرِهُوا عليه فَإِنْ قِيلَ إذَا كان الْمُكْرَهُ وَالْمُخْتَارُ سَوَاءً في الِاخْتِيَارِ فما الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قِيلَ قال الْقَاضِي في كِتَابِ التَّقْرِيبِ الْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ مُطْلَقُ الدَّوَاعِي وَالْإِرَادَاتِ وَالْمُكْرَهُ مَقْصُورُ الدَّوَاعِي وَالْإِرَادَةِ على فِعْلِ ما أُكْرِهَ عليه لَا يَخْتَارُ غَيْرَهُ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ صَارَتْ هذه حَالُهُ قِيلَ لِمَا يَخَافُهُ من عِظَمِ الضَّرَرِ فَهُوَ يَدْفَعُ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأَدْوَنِهِمَا وَدَوَاعِيهِ مَقْصُورَةٌ عليه لِأَجْلِ ذلك انْتَهَى وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا هذا الْإِكْرَاهُ الذي أَسْقَطَ الشَّارِعُ حُكْمَهُ لَا بُدَّ من بَقَاءِ حَقِيقَتِهِ لِيَتَحَقَّقَ في نَفْسِهِ وقد يَنْضَمُّ إلَيْهِ ما لَا يُزِيلُ حَقِيقَتَهُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ أو ما يُزِيلُهَا فَلَا يَسْقُطُ الْحُكْمُ إذْ ليس بِإِكْرَاهٍ وَهَذَا كَمَنْ قِيلَ له طَلِّقْ زَوْجَتَك فقال طَلَّقْت زَوْجَاتِي كُلَّهُنَّ فَيَقَعُ عَلَيْهِنَّ جميعا لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لَا مُكْرَهٌ وقد يَنْضَمُّ إلَيْهِ ما يَتَرَدَّدُ الذِّهْنُ في أَنَّهُ مُزِيلٌ لِكَوْنِهِ إكْرَاهًا أو غير مُزِيلٍ فَيَقَعُ الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يَسْقُطُ أَثَرُ التَّصَرُّفِ بِهِ أَمْ لَا يَسْقُطُ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ ما لو أُكْرِهَ على شَيْءٍ وَاحِدٍ من شَيْئَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ كما لو قِيلَ له طَلِّقْ إحْدَى زَوْجَتَيْك وَحُمِلَ على تَعَيُّنِ إحْدَاهُمَا لَا على إبْهَامِ الطَّلَاقِ فإن الْمَحْمُولَ على الْإِبْهَامِ مَحْمُولٌ على شَيْءٍ وَاحِدٍ في نَفْسِهِ لَا على أَحَدِ شَيْئَيْنِ فإذا قِيلَ له طَلِّقْ إمَّا هذه وَإِمَّا هذه فقال طَلَّقْت هذه فَهَلْ هو اخْتِيَارٌ أَمْ لَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ اخْتِيَارٌ الثَّانِي أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَصِحُّ إلَّا في أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْقَلْبِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ الْإِكْرَاهُ على عِلْمٍ بِشَيْءٍ أو جَهْلٍ بِهِ أو حُبٍّ أو بُغْضٍ أو عَزْمٍ على شَيْءٍ الثَّالِثُ يُشْتَرَطُ لِكَوْنِ الْإِكْرَاهِ مَرْفُوعَ الْحُكْمِ شُرُوطٌ أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ في نَظَرِ الْعُقَلَاءِ أَشَقَّ من الْمُكْرَهِ عليه وهو ما يَشْهَدُ له الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ فَعُلِمَ من هذا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْقِصَاصِ وَلَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ عن الْمُكْرَهِ بَيَانُهُ أَنَّ نَفْسَهُ وَنَفْسَ من أُكْرِهَ على من يَقْتُلُهُ مُسْتَوِيَانِ في نَظَرِ الشَّارِعِ فَإِيثَارُهُ نَفْسَهُ نَاشِئٌ عن شَهَوَاتِ الْأَنْفُسِ وَحُظُوظِهَا وَمَحَبَّتِهَا الْبَقَاءَ في هذه الدَّارِ أَزْيَدَ من مَحَبَّتِهَا لِبَقَاءِ غَيْرِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ ليس من نَظَرِ الْعُقَلَاءِ الشَّرْعَ الذي يَتَعَبَّدُونَ بِهِ وَبِهَذَا خَرَجَ كَثِيرٌ من الْمَسَائِلِ التي اُسْتُثْنِيَتْ من قَوْلِنَا الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ كما سَبَقَ بَيَانُهُ ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَرَتِّبًا على فِعْلِ الْمُكَلَّفِ فإن الشَّارِعَ حِينَئِذٍ جَعَلَ فِعْلَهُ كَلَا فِعْلٍ فَإِنْ كان الْحُكْمُ مُتَرَتِّبًا على أَمْرٍ حِسِّيٍّ لَا يُنْسَبُ إلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ كان نَاشِئًا عنها فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِكْرَاهِ الْفِعْلُ ولم يَتَرَتَّبْ عليه شَيْءٌ وَمَوْضِعَ الْحُكْمِ الِانْفِعَالُ ولم يَقَعْ عليه الْإِكْرَاهُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْوُقُوعِ بَعْدَ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَثَرُ الْفِعْلِ وَالشَّارِعُ قد يُرَتِّبُ الْحُكْمَ على الْفِعْلِ وقد رَتَّبَهُ على الِانْفِعَالِ وهو في الْأَوَّلِ من خِطَابِ التَّكْلِيفِ الذي رَفْعُهُ مَشَقَّةٌ عَلَيْنَا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ وفي الثَّانِي من خِطَابِ الْوَضْعِ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ وَبِهَذَا خَرَجَ الْإِكْرَاهُ على الرَّضَاعِ وَعَلَى الْحَدَثِ فإذا أَكْرَهَ امْرَأَةً حتى أَرْضَعَتْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَرُمَ رَضَاعُهَا ذلك لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ حتى لو حُلِبَ قبل مَوْتِهَا وَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرُمَ وإذا أُكْرِهَ فَأَحْدَثَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الِانْتِقَاضَ مَنُوطٌ بِالْحَدَثِ وقد وُجِدَ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ الرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفِ من الشَّارِعِ أَمَّا إذَا كان بِحَقٍّ فَقَدْ كان من حَقِّ هذا الْمُكْرَهِ أَنْ يَفْعَلَ فإذا لم يَفْعَلْ أُكْرِهَ ولم يَسْقُطْ أَثَرُ فِعْلِهِ وكان آثِمًا على كَوْنِهِ أَحْوَجَ إلَى أَنْ يُكْرَهَ وَهَذَا كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ يُكْرَهَانِ على الْإِسْلَامِ فَإِسْلَامُهُمَا صَحِيحٌ وَهُمَا آثِمَانِ لِكَوْنِهِمَا أَحْوَجَا إلَى الْإِكْرَاهِ عليه ثُمَّ الْإِسْلَامُ إنْ وَقَعَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ بَاطِنًا كما وَقَعَ ظَاهِرًا فَهُوَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وَإِلَّا فَحُكْمُهُمَا في الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وفي الْبَاطِنِ كَافِرَانِ لِمَا أَضْمَرَاهُ من حَيْثُ الطَّوِيَّةُ وَمِنْ الْإِكْرَاهِ بِالْحَقِّ أَمْرُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالْبَيْعِ فَيَمْتَنِعُ فَلَهُ جَبْرُهُ عليه وَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ من الِاسْتِخْدَامِ الْوَاجِبِ الرَّابِعُ في فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ ذَكَرُوا في الْأُصُولِ أَنَّ الْمُكْرَهَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ وَذَكَرُوا في الْفِقْهِ أَنَّ طَلَاقَهُ وَإِقْرَارَهُ وَرِدَّتَهُ لَا تَصِحُّ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَمَعَ ذلك يُخَفَّفُ عنه بِأَنْ لَا يُلْزَمَ بِحُكْمِ ما أُكْرِهَ عليه ولم يَخْتَرْهُ من طَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا الْخَامِسُ قِيلَ لِلْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَأْخَذَانِ أَحَدُهُمَا الْخِلَافُ في خَلْقِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ قال إنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا اتَّجَهَ الْقَوْلُ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى على وَفْقِ إرَادَتِهِ فَيَصِيرُ التَّكْلِيفُ بها مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَمَنْ قال إنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى لم يَرَ تَكْلِيفَ الْمُكْرَهِ لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ لِأَنَّهُمْ قالوا أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقٌ لهم لَا له سُبْحَانَهُ تَحْقِيقًا لِعَدْلِهِ إذْ لو خَلَقَهَا ثُمَّ عَابَ عليها كان ذلك جَوْرًا الثَّانِي أَنَّهُ هل في التَّخْوِيفِ وَالْإِكْرَاهِ ما يَتَضَمَّنُ ضَرُورِيَّةَ الْفِعْلِ أَيْ ما يَقْتَضِي اضْطِرَارَ الْمُكْرَهِ إلَى الْفِعْلِ لِدَاعِي الطَّبْعِ أَمْ لَا الشَّرْطُ السَّابِعُ عِلْمُ الْمُخَاطَبِ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قبل زَمَنِ الِامْتِثَالِ حتى يُتَصَوَّرَ منه قَصْدُ الِامْتِثَالِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ وُجُودَ شَرْطِهِ وَتَمَكُّنِهِ في الْوَقْتِ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا على اشْتِرَاطِهِ وقال أبو هَاشِمٍ لَا نَعْلَمُهُ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ وَالْجَهْلُ بِالشَّرْطِ مُحَقَّقٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَهْلَ بِالشُّرُوطِ نعم أَجْمَعَ من قَبْلَنَا على إطْلَاقِ وُرُودِ الْأَمْرِ بِنَاءً على تَقْدِيرِ بَقَاءِ أَكْثَرِهِمْ وَظُهُورِ ذلك عِنْدَهُمْ قال وما ذَكَرَهُ أبو هَاشِمٍ لَا دَافِعَ له إلَّا أَصْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ في النَّسْخِ وَمَذْهَبُهُ فيه أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ قَطْعًا ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالنَّسْخِ فقال ثَانِيًا عليه إذَا تَوَجَّهَ أَمْرٌ على الْمُخَاطَبِ فَقَطْ تَنَجَّزَ الْأَمْرُ ثُمَّ إذَا زَالَ إمْكَانُهُ فَلَا رَيْبَ في الْأَمْرِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ في الشَّرْطِ الْقَضَاءُ لَا في شَرْطِ أَصْلِ الْأَمْرِ وَهَذَا في غَايَةِ الْبُعْدِ فإن الْأَمْرَ ليس هو اللَّفْظَ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ الطَّلَبُ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي شَرْطَهُ الْإِمْكَانَ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ كَوْنَ الْإِمْكَانِ شَرْطًا وَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ إلَّا بِهِ وأبو هَاشِمٍ لَا يُنْكِرُ وُجُوبَ الْإِقْدَامِ عليه وَنِيَّةُ الْوُجُودِ وَالتَّرَدُّدِ لَا يَدْفَعُ ذلك وما ذَكَرْنَاهُ لَا يُنْكَرُ فَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ ا هـ وَأَمَّا الْقَاضِي فَفَرْضُ الْخِلَافِ في الصِّحَّةِ فقال أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّ الْأَمْرَ إذَا اتَّصَلَ بِالْمُكَلَّفِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ من الِامْتِثَالِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ عليه وَلَكِنْ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا في الثَّانِي وَالثَّالِثِ من الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى على صِفَةِ التَّكْلِيفِ فَنَسْتَيْقِنُ الْحَالَ تَوَجُّهَ الْأَمْرِ عليه وَأَمَّا في الِاسْتِقْبَالِ فَإِنْ بَقِيَ دَامَ على الْوُجُوبِ وَإِنْ مَاتَ انْقَطَعَ عنه وَقَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ لَا يَصِحُّ عِلْمُهُ بِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ عليه إلَّا بَعْدَ الْإِقْدَامِ على الِامْتِثَالِ أو بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهُ مع تَرْكِهِ فَقَالُوا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مَأْمُورًا قَطْعًا وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا نَقُولُ يَقْطَعُ بِذَلِكَ وَيُؤَوَّلُ تَوَقُّعُهُ في اسْتِدَامَةِ الْوُجُوبِ إلَى تَوَقُّعِ الِاحْتِرَامِ وَالْبَقَاءِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الْوَاحِدُ مِنَّا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا على الْحَقِيقَةِ هذا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَنُقِلَ عن أبي هَاشِمٍ أَنَّهُ قد لَا يَعْلَمُ ذلك وهو يَنْبَنِي على تَكْلِيفِ الْعَاجِزِ هل يَجُوزُ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ وأبو هَاشِمٍ بَنَاهُ على هذا الْأَصْلِ فَإِنْ سَلِمَ له فَالْحَقُّ ما قَالَهُ وَإِنْ أُبْطِلَ بَطَلَ مَذْهَبُهُ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَجِبُ عليه الشُّرُوعُ في الْعِبَادَةِ الْمَأْمُورِ بها وَالتَّقَرُّبِ بها بِالْإِجْمَاعِ وهو يَدُلُّ على عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بها وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ عليه وَشُبْهَةُ أبي هَاشِمٍ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مع الْأَمْرِ وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لنا فَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ عَالِمًا ا هـ وَأَمَّا أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ فقال الْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ في الْمُكْتَسَبِ عِلْمُ الْمُكْتَسِبِ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ كَوْنُ الْمَقْدُورِ مِمَّا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِهِ قال وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَصِحُّ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ فقال أَصْحَابُنَا إذَا اتَّصَلَ الْخِطَابُ بِهِ وَلَا مَانِعَ من الِامْتِثَالِ عَلِمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ عليه فَيُقْطَعُ بِهِ لَكِنْ يَفْتَقِرُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا إلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ من الْأَوْقَاتِ بِشَرْطِ وَفَاءِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ لَا يُعْلَمُ ذلك في أَوَّلِ وَقْتٍ تَوَجَّهَ الْخَطَأُ عليه ما لم يَمْضِ زَمَنُ الْإِمْكَانِ حتى لو اشْتَغَلَ بِالِامْتِثَالِ في الْحَالِ لم يَعْرِفْ الْوُجُوبَ أَيْضًا ما لم يَمْضِ زَمَنٌ يَتَصَوَّرُ فيه الِامْتِثَالَ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِبَقَاءِ الْإِمْكَانِ له إلَى انْقِرَاضِ زَمَانٍ يَمْتَنِعُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْإِمْكَانُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ وَالْجَاهِلُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ جَاهِلٌ بِوُقُوعِ الْمَشْرُوطِ لَا مَحَالَةَ وَتَمَسَّكَ الْقَاضِي بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ على تَوَجُّهِ الْأَمْرِ إلَى الْمُكَلَّفِ وَالنَّهْيِ عن الْمُحَرَّمَاتِ وَقَوْلُهُمْ يُفْضِي إلَى أَنَّهُ ليس يَعْلَمُ أَحَدٌ على بَسِيطِ الْأَرْضِ أَنَّهُ يُنْهَى عن الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَكَمَا لَا يَعْلَمُ من نَفْسِهِ لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ منه وَمَالَ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وقال تَشْغِيبُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ تَهْوِيلٌ بِلَا تَحْصِيلٍ فإن إطْلَاقَاتِ الشَّرْعِ لَا تُعْرَضُ على مَأْخَذِ الْحَقَائِقِ بَلْ تُحْمَلُ على حُكْمِ الْعُرْفِ وَالتَّفَاهُمِ الظَّاهِرِ كَالْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمٌ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ تَعَاطِيهَا تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْمُخْتَلَفِ فيه الْقَطْعِيُّ أَيْ أَنَّهُ هل يَقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا قبل زَمَنِ الِامْتِثَالِ كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وابن بَرْهَانٍ وَنَبَّهَ على أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ لَا يُخَالِفُ في الظَّنِّ فإن الشُّرُوعَ في الْفِعْلِ لَا يُشْتَرَطُ فيه الْقَطْعُ بَلْ تَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ مَهْمَا بَادَرَ وَاسْتَمَرَّ في حَيَاتِهِ إلَى الْفَرَاغِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كان الْآمِرُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ من الِامْتِثَالِ فَإِنْ كان يَعْلَمُ بَقَاءَهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَعْلَمُ ذلك أَيْضًا التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآحَادِ لَا في حَقِّ الْجِنْسِ فَقَدْ وَافَقَ أبو هَاشِمٍ على أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ لِأَنَّ الشَّرْطَ وهو الِاسْتِطَاعَةُ مَعْلُومٌ هُنَا قَطْعًا لِعِلْمِنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعُمُّ الْكُلَّ بِالْهَلَاكِ كَذَا نَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ وَفَرَضَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا خَصَّ بِالْخِطَابِ وَاحِدًا وكان مُنْدَرِجًا مع آخَرَ تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ وهو في حَالَةِ اتِّصَالِ الْخِطَابِ بِهِ مُسْتَجْمِعٌ شَرَائِطَ التَّكْلِيفِ ولم يَقِفْ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ على ما ذَكَرْنَا فقال بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ هذا إذَا كان الْأَمْرُ خَاصًّا فَإِنْ كان عَامًّا ولم يُعْلَمْ انْقِرَاضُ الْجَمِيعِ بَلْ بَعْضُهُمْ فَأَظُنُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فيه إذْ أَكْثَرُ أَوَامِرِ اللَّهِ كَذَلِكَ فإن بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ يَمُوتُ قبل التَّمَكُّنِ وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فيه أَيْضًا انْتَهَى مَسْأَلَةٌ هل يُشْتَرَطُ في التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ قِيلَ لَا يُشْتَرَطُ في التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بَلْ يُشْتَرَطُ تَمَكُّنُهُ من الْعِلْمِ وَحَكَى بَعْضُهُمْ في حُكْمِ الْخِطَابِ هل يَثْبُتُ في حَقِّ الْمُكَلَّفِ قبل أَنْ يَبْلُغَهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا يَثْبُتُ الْمُبْتَدَأُ دُونَ النَّاسِخِ قال وَالْمَرْجِعُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ولم يَأْمُرْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الصَّحَابَةَ بِاسْتِدْرَاكِ ما فَعَلُوهُ على خِلَافِ الْأَمْرِ حَيْثُ جَهِلُوهُ كما لم يَأْمُرْ الْمُشَمِّتَ الْعَاطِسَ في الصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّيَ إلَى قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَغَيْرِهِ الرَّابِعُ من التَّنْبِيهَاتِ سَبَقَ عن إلْكِيَا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فإن أَبَا هَاشِمٍ لَا يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ لَكِنَّ أَبَا هَاشِمٍ بَنَاهُ على مَأْخَذٍ له كَلَامِيٍّ وهو أَنَّ الْأَمْرَ تُلَازِمُهُ الْإِرَادَةُ فَإِنْ كان يَعْلَمُ انْتِقَاءَ الشَّرْطِ لم يَتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ طَلَبُهُ على شَرْطٍ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ في الْأَصْلِ فَلِهَذَا خَالَفْنَاهُ في الْفَرْعِ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ من الِامْتِثَالِ هل هو شَرْطٌ في تَوَجُّهِ الْخِطَابِ أو شَرْطٌ في إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَحُصُولِهِ فَهُمْ يَقُولُونَ إنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا دخل عليه رَمَضَانُ أو وَقْتُ الصَّلَاةِ فإنه يَجِبُ عليه الشُّرُوعُ في الْعِبَادَةِ لَا على أَنَّهُ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا منه فإن الْقَطْعَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِبَقَائِهِ بِكَوْنِهِ وهو مُتَعَذِّرٌ لِإِمْكَانِ الْمَوْتِ بَلْ بِنَاءً على الظَّنِّ الْغَالِبِ فإن الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَاسْتِمْرَارُ الْقُدْرَةِ فَلَوْ مَاتَ قبل إتْمَامِ الْعِبَادَةِ تَبَيَّنَ أنها لم تَكُنْ وَاجِبَةً عليه وَأَمَّا على رَأْيِنَا فإنه يَدُلُّ على عَدَمِ الْأَمْرِ بَلْ يَدُلُّ على عَدَمِ لُزُومِ الْإِتْمَامِ مَسْأَلَةٌ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ الذي يَنْتَفِي شَرْطُ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ الْفِعْلُ الذي يَنْتَفِي شَرْطُ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ إنْ جَهِلَ الْآمِرُ انْتِفَاءَهُ كَالْوَاحِدِ مِنَّا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَأْمُورِ على صِفَاتِ التَّكْلِيفِ فَيَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ لِانْطِوَاءِ الْغَيْبِ عَنَّا قال الْهِنْدِيُّ وفي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إشْعَارٌ بِالْخِلَافِ فيه وَإِنْ عَلِمَ انْتِفَاءَهُ كما إذَا أَمَرَ اللَّهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وهو يَعْلَمُ مَوْتَهُ في رَمَضَانَ فَهَلْ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ قال الْجُمْهُورُ منهم الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ يَصِحُّ وَيَقَعُ وَلِذَلِكَ يَعْلَمُ الْمُكَلَّفُ قبل دُخُولِ الْوَقْتِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ وُجُودَ شَرْطِهِ وَتَمَكُّنِهِ من الْوَقْتِ وَلَوْلَا أَنَّ تَحَقُّقَ الشَّرْطِ في الْوَقْتِ ليس شَرْطًا في التَّكْلِيفِ لَمَا عُلِمَ قبل وَقْتِهِ إذَا الْجَهْلُ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْجَهْلَ بِالْمَشْرُوطِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ يُمْتَنَعُ ذلك لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ وَلَا فَائِدَةَ فيه وَقَالُوا إنَّمَا يَصِحُّ الشَّرْطُ مِنَّا لِتَرَدُّدِنَا حتى لو عَلِمَ الْوَاحِدُ مِنَّا بِوَحْيٍ أو إعْلَامِ نَبِيٍّ ما يَكُونُ من حَالِ مُخَاطَبِهِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا تَقْيِيدُ الْخِطَابِ بِبَقَاءِ الْمُخَاطَبِ على صِفَةِ التَّكْلِيفِ وَوَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْحَقُّ صِحَّتُهُ وَأَنَّهُ ليس بِالْمُحَالِ في شَيْءٍ وَيَجُوزُ من الْقَدِيمِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ وَلَهُ فَوَائِدُ ثَلَاثَةٌ إحْدَاهَا اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَيَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالِاعْتِقَادِ كما يَجُوزُ بِالْفِعْلِ الثَّانِيَةُ الْعَزْمُ على أَنْ يَفْعَلَهُ إنْ أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ على صِفَةِ التَّكْلِيفِ وَمَاتَ على ذلك فَيُثَابُ أو لَا يَعْزِمُ فَيُعَاقَبُ الثَّالِثَةُ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ فيه لِلْمُكَلَّفِ مَصْلَحَةٌ وَلُطْفٌ وَيَكُونُ فيه فَائِدَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا وهو شَكُّ الْمُكَلَّفِ في بَقَائِهِ إلَى ذلك الْوَقْتِ فإنه وَقْتَ الْخِطَابِ لَا يَدْرِي هل يَبْقَى إلَى وَقْتِ الْفِعْلِ أو لَا وَيَنْقَطِعُ هذا التَّكْلِيفُ عنه بِمَوْتِهِ كَانْقِطَاعِ سَائِرِ التَّكَالِيفِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَحَاصِلُ هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ إذَا عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا سَيَمُوتُ غَدًا فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِالصَّوْمِ غَدًا بِشَرْطِ أَنْ يَعِيشَ غَدًا أَمْ لَا فَرَجَعَ الْخِلَافُ إلَى تَحْقِيقِ الْأَمْرِ بِالشَّرْطِ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَصْحَابُنَا جَوَّزُوهُ وَالْمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوهُ وَقَالُوا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمُكَلَّفِ وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّرْطَ في أَمْرِهِ تَعَالَى مُحَالٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَقَعُ حَيْثُ الشَّكُّ وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عنه وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا شَرْطَ فإن من عَلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ طَالِعَةٌ لَا يقول إنْ كانت الشَّمْسُ طَلَعَتْ دَخَلْت الدَّارَ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذلك من الشَّاكِّ كَالْوَاحِدِ مِنَّا وَلِهَذَا قالوا لو حَصَلَ الْعِلْمُ لِلْوَاحِدِ مِنَّا بِإِخْبَارِ نَبِيٍّ امْتَنَعَ الْأَمْرُ بِالشَّرْطِ فيه أَيْضًا ولم يَقْصُرُوا خِلَافَهُمْ على ما إذَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَهُ بَلْ عَدَّوْهُ إلَى ما عَلِمَ وُجُودَهُ أَيْضًا فَقَالُوا إنْ كان الشَّرْطُ مِمَّا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لم يَكُنْ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِهِ أَمْرًا بِهِ بَلْ هو جَارٍ مَجْرَى صُمْ غَدًا إنْ صَعِدْت السَّمَاءَ وَلَيْسَ هو من الْأَمْرِ في شَيْءٍ إلَّا على رَأْيِ بَعْضِ من يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ ما لَا يُطَاقُ وَإِنْ كان قد عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ لم يَكُنْ الْأَمْرُ مَشْرُوطًا بِهِ بَلْ هو كَقَوْلِهِ صَلِّ إنْ كانت الشَّمْسُ مَخْلُوقَةً وَلَيْسَ هو من الْمَشْرُوطِ في شَيْءٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ هو الذي يَكُونُ على تَرَدُّدٍ في الْحُصُولِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَدُّدَ مُحَالٌ في حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيقٌ على الشَّرْطِ أَلْبَتَّةَ لَا إنْ عَلِمَ وُقُوعَهُ وَلَا إنْ عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ وَأَلْزَمَهُمْ الْقَاضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ أَيْضًا كما لَا يَتَقَيَّدَ أَمْرُهُ مع أَنَّ مُعْظَمَ وَعْدِ الْقُرْآنِ وَوَعِيدِهِ مُقَيَّدٌ نحو قَوْله تَعَالَى لو اطَّلَعْت عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فِرَارًا قال وَلَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ في الشَّرْطِ مع عِلْمِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ وَلَهُ فَائِدَةٌ وهو أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ ابْتِلَاءَ الْمُكَلَّفِ وَامْتِحَانَهُ في تَوْطِينِ النَّفْسِ على الِامْتِثَالِ وَالْعَزْمِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالْإِجْمَاعِ على أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْمَعْدُومَ وَالْعَاجِزَ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ في حَالِ الْحَاجَةِ إلَى الْقُدْرَةِ وَأَجَابَ أبو الْحُسَيْنِ بِأَنَّا نَقُولُ إنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُ بِشَرْطٍ أَنْ يَقْدِرُ وَمَعْنَى ذلك أَنَّ حُكْمَنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قد كَلَّفَهُ الْفِعْلَ مَشْرُوطًا بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْدِرُ فَالشَّرْطُ دَاخِلٌ على حُكْمِنَا لَا على تَكْلِيفِ اللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ الْمُخَالِفُ هذا رَجَعَ النِّزَاعُ إلَى اللَّفْظِ وقال الْإِبْيَارِيُّ إنَّمَا حَمَلَ الْمُعْتَزِلَةَ على ذلك أَصْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ هو الذي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ فَأَمَّا ما تَحَقَّقَ ثُبُوتًا أو نَفْيًا فَلَا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِيَّةِ الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ يُلَازِمُ الْإِرَادَةَ فَإِنْ كان يَعْلَمُ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ لم يَكُنْ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ الذي عَلَّقَ طَلَبَهُ على الشَّرْطِ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ بِاقْتِرَانِ الْأَمْرِ بِالْإِرَادَةِ فَيَصِحُّ الْأَمْرُ بِمَا لم يُرِدْهُ هذا تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ بين الْفَرِيقَيْنِ وَتَرْجَمَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الْبُرْهَانِ وهو ابن عَطَاءِ اللَّهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ من جِنْسِ الْمُمْكِنِ فَيَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قبل مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُ الْفِعْلَ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا وَلَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ ذلك قال وَاعْتَقَدَ الْإِمَامُ أَنَّ الْقَاضِيَ سَلَّمَ له كَوْنَ الْإِمْكَانِ شَرْطًا فقال يَلْزَمُ إذَا بَانَ أَنْ لَا إمْكَانَ أَنَّهُ لم يَكُنْ تَكْلِيفٌ وَلَيْسَ كما اعْتَقَدَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرْجَمَتَهَا بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِشَرْطِهِ يُسَمَّى أَمْرًا أَمْ لَا وَلِهَذَا ذَكَرَهَا في بَحْثِ الْأَوَامِرِ دُونَ التَّكَالِيفِ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ الْعِلْمُ قبل التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ منهم من جَعَلَ هذه الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا لِلَّتِي قَبْلَهَا أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْعِلْمِ قبل التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ من اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْرُ بِالشَّرْطِ صَحَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ من اللَّه بِشَرْطِ الْبَقَاءِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَصِحُّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّهُ إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ نحو الْمُكَلَّفِ بِحُكْمٍ ظَاهِرِ الْبَقَاءِ فَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هل يَبْقَى أَمْ لَا وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ هذه فَرْعًا لِلَّتِي قَبْلَهَا فَمَنْ قال إنَّ الْمَأْمُورَ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قبل التَّمَكُّنِ جَوَّزَ وُرُودَهُ وَمَنْ لم يَقُلْ بِهِ لم يُجَوِّزْهُ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ وَكَذَا الذي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وابن الْقُشَيْرِيّ فَقَالُوا هذه الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي على التي قَبْلَهَا وهو أَنَّا قُلْنَا نَقْطَعُ الْمُكَلَّفَ بِالْتِزَامِ ما كُلِّفَ مع التَّرَدُّدِ في حُكْمِ الْعَاقِبَةِ فَيَتَرَتَّبُ عليها الْمَقْصُودُ وَنَقُولُ لو وَرَدَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا هل يَقُولُونَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ في الْحَالِ قَطْعًا أو يَسْتَرِيبُونَ فيه فَإِنْ اسْتَرَبْتُمْ عُدْنَا إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَإِنْ قَطَعْتُمْ مع انْطِوَاءِ الْعَاقِبَةِ عن الْمُكَلَّفِ لَزِمَ منه أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مع ذُهُولِهِ عَمَّا يَكُونُ وَالْأَمْرُ مُتَوَجِّهٌ عليه فإذا تُصَوِّرَ ذلك الِاعْتِقَادُ في الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فما الْمَانِعُ من تَقْيِيدِهِ بِمَا يَعْتَقِدُ فيه عِنْدَ إطْلَاقِهِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ له أَحْوَالٌ قال الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ له ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومًا انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ جميعا فَهَذَا مَمْنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا فَجَائِرٌ بِالِاتِّفَاقِ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْآمِرِ مَجْهُولًا عِنْدَ الْمَأْمُورِ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ جَوَّزَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنَعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَهُمْ الْمُصِيبُونَ في هذا اللَّفْظِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الذي فَرَضُوا فيه الْكَلَامَ ليس هو صِيغَةَ اللَّفْظِ إنَّمَا فَرَضُوا الْكَلَامَ في الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِ الْآمِرِ طَلَبُ ما يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ أو أَنَّهُ قد وَقَعَ بَلْ طَلَبُ ما يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ لَا يَقَعَ وَالدَّلِيلُ على ذلك أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمُمْكِنِ فَالْمَأْمُورُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا عِنْدَ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عليه بَلْ عِنْدَ وُقُوعِهِ وهو الْمَطْلُوبُ وَأَيْضًا فَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُورُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ ذلك الْأَمْرُ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ فَبَطَلَ كَوْنُهُ مُمْكِنًا وَصَارَ وَاجِبًا وَهَذَا مُحَالٌ فَنَقِيضُهُ مُحَالٌ وهو أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا عِنْدَ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عليه بَلْ عِنْدَ وُقُوعِهِ وهو الْمَطْلُوبُ انْتَهَى وَفِيمَا ذَكَرَهُ نِزَاعٌ وَفَاتَهُ قِسْمٌ رَابِعٌ وهو أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَالِمًا بِالِانْتِفَاءِ دُونَ الْآمِرِ فَلَا يَصِحُّ وِفَاقًا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ من جِهَةِ الْمَأْمُورِ وهو الِامْتِثَالُ وَعَدَمُ صِحَّةِ طَلَبِهِ من جِهَةِ الْآمِرِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ اتَّفَقَ الْكُلُّ على أَنَّ الْمَأْمُورَ لو عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ من فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فإنه لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ إلَّا على رَأْيِ من يقول بِتَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ تَفْرِيعُ الْغَزَالِيِّ على هذا الْأَصْلِ فَرَّعَ الْغَزَالِيُّ على هذا الْأَصْلِ فُرُوعًا منها لو عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ بِالْعَادَةِ أنها تَحِيضُ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ أو بِقَوْلِ نَبِيٍّ حَيْضًا أو مَوْتًا أو جُنُونًا فَهَلْ يَلْزَمُهَا نِيَّةُ الصَّوْمِ حتى تَصُومَ الْبَعْضَ قال أَمَّا على مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَنْبَغِي اللُّزُومُ لِأَنَّ بَعْضَ الْيَوْمِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِالْكُلِّ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ لِأَنَّ الْمُرَخِّصَ في الْإِفْطَارِ لم يُوجَدْ وَالْأَمْرُ قَائِمٌ في الْحَالِ وَالْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ ا هـ وقد نُوزِعَ في قَوْلِهِ وَالْأَمْرُ قَائِمٌ في الْحَالِ بِقَوْلِهِ في كِتَابِ النَّسْخِ إنْ جَهِلَ الْمَأْمُورُ شَرْطَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ قَائِمًا في الْحَالِ وَالْمُكَلَّفُ عَالِمٌ بِطَرَيَانِ الْحَيْضِ وَالْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ كِلَاهُمَا يَعْلَمَانِهِ وَمِنْهَا لو قال إنْ صَلَّيْت أو شَرَعْت في الصَّلَاةِ أو في الصَّوْمِ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثُمَّ شَرَعَ ثُمَّ أَفْسَدَهَا أو مَاتَ أو جُنَّ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ خِلَافٌ يُلْتَفَتُ إلَى هذا الْأَصْلِ فَلَا يَحْنَثُ على قِيَاسِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَيَحْنَثُ على قِيَاسِ مَذْهَبِنَا وَكَذَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ هذا فَرْعًا على هذا الْأَصْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ من بَابِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ من فُرُوعِ هذا الْأَصْلِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَقُولَ إنْ صُمْت يَوْمًا كَامِلًا من رَمَضَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ في أَثْنَاءِ الْيَوْمِ لَكِنَّهُ في هذه الصُّورَةِ لَا يَقَعُ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ فإنه لم يَصُمْ يَوْمًا كَامِلًا وَمِنْهَا لو أَفْسَدَ يَوْمًا من رَمَضَانَ بِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ثُمَّ مَاتَ أو جُنَّ أو حَاضَتْ في أَثْنَائِهِ سَقَطَتْ عنه على الْأَصَحِّ لَا يُقَالُ هذا يُخَالِفُ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ فإن السُّقُوطَ يَدُلُّ على عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ من خَصَائِصِ وُجُوبِ صَوْمِ الْيَوْمِ الذي لَا يَتَعَرَّضُ الِانْقِطَاعُ فيه وَمِنْهَا لو نَذَرَ الصِّيَامَ يوم قُدُومِ زَيْدٍ وَتَبَيَّنَ له أَنَّهُ غَدًا فَنَوَى الصَّوْمَ من اللَّيْلِ فإنه يُجْزِئُ عن نَذْرِهِ على الْأَصَحِّ ولم يَقُولُوا إنَّهُ يَجِبُ عليه بَلْ اخْتَلَفُوا في الْإِجْزَاءِ وَقِيَاسُ هذا الْأَصْلِ الْوُجُوبُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ يقول بِهِ كَالْحَائِضِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ اسْتَشْكَلَ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِحِكَايَتِهِمْ في مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ الْإِجْمَاعَ على صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كما قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ كَإِيمَانِ أبي لَهَبٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ ثُمَّ الصُّورَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُنَاكَ تَعَلَّقَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ مع بُلُوغِ الْمُكَلَّفِ حَالَةَ التَّمَكُّنِ وَهُنَا فِيمَا إذَا لم يَبْلُغْ حَالَةَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يَمُوتَ قبل زَمَنِ الِامْتِثَالِ وَأَيْضًا فَتِلْكَ في وُرُودِ التَّكْلِيفِ مُنَجَّزًا غير مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ وَلَكِنَّ الِامْتِنَاعَ جاء من أَمْرٍ خَارِجٍ وَمَأْخَذُ الْمَنْعِ فيها تَكْلِيفُ الْمُحَالِ وَهَذِهِ في الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ هل يَتَحَقَّقُ معه الْأَمْرُ في نَفْسِهِ وَمَأْخَذُ الْمَانِعِ فيها عَدَمُ تَصَوُّرِ الشَّرْطِ في حَقِّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَلِهَذَا لم يَقْصُرْ خِلَافَهُ على ما عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ بَلْ عَدَّاهُ إلَى ما عَلِمَ وُقُوعَهُ أَيْضًا كما سَبَقَ بَيَانُهُ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسْأَلَةِ بِالْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ عِلْمِ انْتِفَاءِ وُقُوعِهِ قَاصِرٌ فإن خِلَافَهُمْ لَا يَخُصُّ هذه الْحَالَةَ وَإِنَّمَا خِلَافُهُمْ في أَنَّهُ هل يَصِحُّ الْأَمْرُ بِشَرْطٍ من اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا التَّنْبِيهُ السَّادِسُ كُلُّ من مَنَعَ نَسْخَ الشَّيْءِ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ التَّمَكُّنَ من الْفِعْلِ وَقْتَ وُجُوبِهِ شَرْطُ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا اللَّائِقُ بِأُصُولِهِمْ قال وَأَمَّا من جَوَّزَهُ كَمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا فَاخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَذَهَبَ بَعْضٌ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَبَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اشْتِرَاطِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ ليس مُنَاقِضًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ وَإِنْ كان الْأَوَّلُ أَشَدَّ مُلَاءَمَةً له ====================================================ج4. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي فَائِدَةٌ تَكْلِيفُ الْمُتَمَكِّنِ وَوُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْكِنِ قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ وَيَقَعُ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ قال بَعْضُ عُلَمَائِنَا قَوْلُهُ يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ بَنَاهُ على أَصْلِهِ في تَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ على الْمَقْدُورِ فإن مَذْهَبَهُ في الْبُرْهَانِ صِحَّةُ ذلك وهو خِلَافُ ما يَرَاهُ في كُتُبِ الْكَلَامِ فَأَمَّا على ما نَرَاهُ نَحْنُ من اقْتِرَانِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذلك على مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا قَادِرٌ وَإِنْ أَطْلَقْنَا أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا مُتَمَكِّنٌ فَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ في الْوَاقِعِ إلَّا من لَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عن إيقَاعِ الْمَطْلُوبِ فَأَمَّا اشْتِرَاطُ تَحْقِيقِ الْإِمْكَانِ الذي هو الِاقْتِدَارُ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ أَبَدًا في جَرَيَانِ الْعَادَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ وَمِنْ الْمُتَعَذَّرِ أَنْ يُشْتَرَطَ في تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ ما لم يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الِامْتِثَالِ مسألة الْمَعْدُومُ الذي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ الْمَعْدُومُ الذي تعلق العلم بوجوده مأمور المعدوم الذي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ عِنْدَنَا بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْلُ الْكَلَامِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمَّا أَثْبَتُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يَزَلْ آمِرًا نَاهِيًا مُخْبِرًا قِيلَ عليهم من قَبْلِ الْخُصُومِ الْقَائِلِينَ بِحُدُوثِهِ إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِدُونِ الْمُخَاطَبِ عَبَثٌ فَاضْطَرَبَ الْأَصْحَابُ في التَّخَلُّصِ من ذلك على فِرْقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قالت إنَّ الْمَعْدُومَ في الْأَزَلِ مَأْمُورٌ على مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ في الْأَزَلِ على تَقْدِيرِ الْوُجُودِ وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ لَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ حَالَ عَدَمِهِ فإن ذلك مُسْتَحِيلٌ بَلْ هو مَأْمُورٌ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَوْجُودًا في الْأَزَلِ ثُمَّ إنَّ الشَّخْصَ الذي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذلك يَصِيرُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَهَذَا مُفَرَّعٌ على إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ ولم يَقُلْ بِهِ إلَّا الْأَشَاعِرَةُ هَكَذَا نَقَلُوهُ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ منهم ابن الْقُشَيْرِيّ قال إِلْكِيَا تَعَلُّقُ الْأَمْرِ على تَقْدِيرِ الْوُجُودِ معه الْأَكْثَرُونَ وَجَوَّزَهُ الْأَشْعَرِيُّ بَلْ أَوْجَبُوهُ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ قَدِيمٌ وَلَا مُخَاطِبَ أَزَلًا وَأَنْكَرَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مُسْتَمْسِكِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ وَلَا يُعْقَلُ الطَّلَبُ من الْمَعْدُومِ فَقِيلَ هذا الطَّلَبُ لَا مُتَعَلِّقَ له فإن الْمَعْدُومَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطِبًا أو مُتَعَلِّقًا فإنه نَفْيٌ وإذا قُلْت النَّفْيُ مُتَعَلِّقٌ فَكَأَنَّك قُلْت لَا مُتَعَلِّقَ فَقِيلَ لهم الْمَعْدُومُ كَيْفَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا قُلْنَا هذا مَبْنِيٌّ على أَصْلِنَا فَقِيلَ هذا أَمْرٌ وَلَا مَأْمُورَ قُلْنَا هو بِتَقْدِيرِ أَمْرٍ فإن الطَّلَبَ من الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ فَلَا يَثْبُتُ دُونَ مُتَعَلَّقِهِ أَصْلًا كَالْعِلْمِ لَا يَثْبُتُ دُونَ مَعْلُومٍ وَالْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ ليس تَقْدِيرًا قال وَأَصْحَابُ الشَّيْخِ يَقُولُونَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ في الْأَزَلِ آمِرٌ أَنَّهُ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ بَعْدَ وُجُودِهِ كَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا من الصِّفَاتِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا بهذا الطَّرِيقِ يَجُرُّ إلَى ما سِوَاهُ ا هـ وقد عَظُمَ النَّكِيرُ في هذه الْمَسْأَلَةِ على الْأَشْعَرِيِّ حتى انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى انْكِفَافِ طَائِفَةٍ من الْأَصْحَابِ عن هذا الْمَذْهَبِ منهم أبو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ من الْقُدَمَاءِ فَقَالُوا كَلَامُ اللَّهِ في الْأَزَلِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا أو نَهْيًا وَوَعْدًا أو وَعِيدًا وَإِنَّمَا تَثْبُتُ هذه الصِّفَاتُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطَبِينَ فِيمَا لَا يَزَالُ وَجَعَلَ ذلك من صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِكَلَامٍ خَارِجٍ عن أَقْسَامِ الْكَلَامِ وهو يَسْتَحِيلُ وَلَئِنْ جَازَ ذلك فما الْمَانِعُ من الْمَصِيرِ إلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ كَلَامًا أَزَلًا ثُمَّ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهَا فِيمَا لَا يَزَالُ وَسَهَّلَ الطُّرْطُوشِيُّ أَمْرَ هذا الْخِلَافِ فقال ليس خِلَافًا في مَعْنًى وَإِنَّمَا خِلَافٌ عَائِدٌ إلَى لُغَةٍ لِاتِّفَاقِهِمَا على وُجُودِ الْمَعْنَى في النَّفْسِ وَامْتِنَاعُ الْقَلَانِسِيِّ من تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى في الْأَزَلِ آمِرًا نَاهِيًا وَتَسْمِيَةِ كَلَامِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا لم يَمْتَنِعْ من أَجْلِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ هذا الِاقْتِضَاءَ قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِئِ تَعَالَى في الْأَزَلِ وَإِنَّمَا قال لَا أُطْلِقُ عليه آمِرًا وَلَا على كَلَامِهِ أَمْرًا حتى يَتَعَلَّقَ بِمُتَعَلَّقِهِ فَحِينَئِذٍ أُسَمِّيهِ آمِرًا من غَيْرِ أَنْ يَتَجَدَّدَ في الْقَدِيمِ شَيْءٌ وَهَذَا قَرِيبٌ وَعِنْدَ هذا نَقُولُ الْأَقْوَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عليه آمِرٌ قبل التَّعْلِيقِ كما يُطْلَقُ عليه تَعَالَى قَادِرٌ قبل وُجُودِ الْمَقْدُورِ ا هـ وما ذَكَرْنَاهُ من أَنَّ الشَّيْخَ لم يُرِدْ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا أَرَادَ قِيَامَ التَّعَلُّقِ الْعَقْلِيِّ وهو قِيَامُ الطَّلَبِ بِالذَّاتِ من الْمَعْدُومِ إذَا وُجِدَ صَرَّحَ بِهِ ابن الْحَاجِبِ أَيْضًا من الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ وقال الْحَقُّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ إنَّمَا أَرَادَ التَّنْجِيزَ وَالتَّعَلُّقُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ وَلَا يَلْزَمُ من التَّنْجِيزِ تَكْلِيفُ الْمَعْدُومِ بِأَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ في حَالِ عَدَمِهِ بَلْ تَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ على صِفَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُوقِعُهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ وَاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَدَمَ التَّنْجِيزِ بَلْ التَّنْجِيزُ وَاقِعٌ وَهَذَا مَعْنَاهُ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا في الْعَدَمِ أَنْ يُوجَدَ في الْعَدَمِ فَقَدْ زَلَّ فإن إتْيَانَهُ بِهِ في الْعَدَمِ كما يَسْتَدْعِي الْإِمْكَانَ كَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ على هذا الْوَجْهِ وَالْأَمْرُ لم يَقَعْ كَذَلِكَ بَلْ على صِفَةِ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ التي فيها الْوُجُوبُ وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِذَلِكَ الْوَكَالَةُ فإن تَعْلِيقَهَا بَاطِلٌ على الذَّهَبِ وَلَوْ نَجَّزَ الْوَكَالَةَ وَعَلَّقَ التَّصَرُّفَ على شَرْطٍ جَازَ وهو الْآنَ وَكِيلُ وَكَالَةٍ مُنَجَّزَةٍ وَلَكِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا على مُقْتَضَاهَا وهو وِجْدَانُ الشَّرْطِ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ قالت إنَّهُ كان في الْأَزَلِ آمِرٌ من غَيْرِ مَأْمُورٍ ثُمَّ لَمَّا اسْتَمَرَّ وَبَقِيَ صَارَ الْمُكَلَّفُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في الْوُجُودِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مِثَالًا وهو أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَرُبَ مَوْتُهُ قبل وِلَادَةِ وَلَدِهِ فَرُبَّمَا يقول لِبَعْضِ الناس إذَا أَدْرَكْت وَلَدِي فَقُلْ له إنَّ أَبَاك كان يَأْمُرُك بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ فَهَاهُنَا قد وُجِدَ الْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ مَعْدُومٌ حتى لو بَقِيَ ذلك الْأَمْرُ إلَى أَوَانِ بُلُوغِ ذلك الصَّبِيِّ لَصَارَ مَأْمُورًا بِهِ قال صَاحِبُ التَّنْقِيحَاتِ وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا ليس هُنَاكَ مَأْمُورٌ وَلَا من يَنْهَى إلَيْهِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ على أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا هو الْخَبَرُ وَالْخَبَرُ في الْأَزَلِ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ إضَافَتُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَبِحَسَبِ ذلك تَخْتَلِفُ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عليه كما في الْعِلْمِ فإنه صِفَةٌ وَاحِدَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْلُومَاتِ وَلَعَلَّ الْأَشَاعِرَةَ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَى انْحِصَارِ كَلَامِ اللَّهِ في الْخَبَرِ لِهَذَا الْغَرَضِ وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ اخْتَلَفُوا كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قبل وُجُودِ الْمَأْمُورِ أَمْرُ إنْذَارٍ وَإِعْلَامٍ وَلَيْسَ بِأَمْرِ إيجَابٍ على الْحَقِيقَةِ وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّهُ أَمْرُ إيجَابٍ على شَرْطِ الْوُجُودِ فإن ما يَتَحَاشَى من الْإِيجَابِ يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الْإِعْدَامِ وَكَمَا يَتَعَذَّرُ إلْزَامُ الْمَعْدُومِ شيئا يَتَعَذَّرُ إعْلَامُهُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ عن بَعْضِ من لَا تَحْقِيقَ له أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَوْجُودٍ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ يَتَّبِعُهُ الْمَعْدُومُونَ على شَرْطِ الْوُجُودِ وَسُقُوطُ هذا وَاضِحٌ قُلْت وهو يُضَاهِي قَوْلَ الْفُقَهَاءِ يَصِحُّ الْوَقْفُ على الْمَعْدُومِ تَبَعًا لِمَوْجُودٍ كَوَقَفْتُ على وَلَدِي فُلَانٍ وَعَلَى من سَيُولَدُ لي وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَأَنْكَرُوا خِطَابَ الْمَعْدُومِ وَتَوَصَّلُوا بِزَعْمِهِمْ إلَى إبْطَالِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَعَلَى هذا فَهُمْ يَقُولُونَ إنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ الْوَارِدَةِ في عَصْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِينَ وَأَنَّ من بَعْدَهُمْ تَنَاوَلَهُ بِدَلِيلٍ وَحَكَى أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ في الْهِدَايَةِ عن الْغَزَالِيِّ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ اخْتِيَارَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومِينَ وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِينَ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا احْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَمْرٍ أو خَبَرٍ يَلْزَمُنَا على الْحَدِّ الذي كان يَلْزَمُنَا لو كنا في عَصْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَوْجُودِينَ من غَيْرِ قِيَاسٍ إنْ قُلْنَا الْأَمْرُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَتَنَاوَلُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى قِيَاسٍ أو دَلِيلٍ آخَرَ لِإِلْحَاقِ الْمَوْجُودِ في هذا الزَّمَانِ بِالْمَوْجُودِ في ذلك الزَّمَانِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ مَذْهَبَ الشَّيْخِ وَأَشَارَ في الْبُرْهَانِ إلَى الْمَيْلِ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وقال الْقَاضِي وَعَلَى قَضِيَّةِ هذا الِاخْتِلَافِ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى قِدَمِ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَنَّ كَلَامَهُ هل يَتَّصِفُ في أَزَلِهِ بِكَوْنِهِ أَمْرًا أو نَهْيًا أَمْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ هذا الْوَصْفِ على وُجُودِ الْمُكَلَّفِينَ وَتَوَفُّرِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ فَمَنْ جَوَّزَ أَمْرَ الْمَعْدُومِ صَارَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ تَعَالَى لم يَزَلْ أَمْرًا وَمَنْ أَنْكَرَ ذلك جَعَلَ كَوْنَهُ أَمْرًا من الصِّفَاتِ الْآيِلَةِ إلَى الْفِعْلِ وَهَذَا كما أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يَتَّصِفْ في أَزَلِهِ بِكَوْنِهِ خَالِقًا فلما خَلَقَ وُصِفَ بِكَوْنِهِ خَالِقًا قال وَاَلَّذِي نَرْتَضِيهِ جَوَازُ أَمْرِ الْمَعْدُومِ على التَّحْقِيقِ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وَأَنْكَرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ قَاطِبَةً وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الذي عليه أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ وَنُقِلَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وهو قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْخِطَابَ بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ أَمْرَ مَعْدُومٍ وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَهُ حَالَةَ الْعَدَمِ فَذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَشْرُوطُ على الشَّرْطِ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ أَصْلٍ عَظِيمٍ وهو إثْبَاتُ كَلَامِ النَّفْسِ لِلْبَارِئِ فَعِنْدَنَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ أَبَدًا وهو يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا خَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا فإذا ثَبَتَ هذا الْأَصْلُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْمَعْدُومِ لِأَنَّ كَلَامَهُ في الْأَزَلِ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَنَحْنُ مَعْدُومُونَ إذْ ذَاكَ لَا مَحَالَةَ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَصَارُوا إلَى أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بِخَلْقِهِ إذَا أَمَرَ أو نهى وهو عِبَارَةٌ عن الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فَلَا أَمْرَ وَلَا نَهْيَ قبل الْمَأْمُورِ وَنُقِلَ عن الْقَلَانِسِيِّ من أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قال الْبَارِئُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ إلَّا إذَا أَمَرَ وَنَهَى وَدَخَلَ الْمُكَلَّفُونَ وَحَدَّثَ الْمُخَاطَبُونَ وهو قَوْلٌ بَاطِلٌ وقال الْمَازِرِيُّ من هذه الْمَسْأَلَةِ قالت الْمُعْتَزِلَةُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُمْ أَحَالُوا وُجُودَ أَمْرٍ وَلَا مَأْمُورَ ولم يَكُنْ مع اللَّهِ أَحَدٌ في الْأَزَلِ حتى يَأْمُرَهُ وَيَنْهَاهُ فَيَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْأَمْرِ لِاسْتِحَالَةِ الْكَلَامِ وَدُهِشَ لِهَذَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ من أَئِمَّتِنَا الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرِهِ حتى رَكِبَ مَرْكَبًا صَعْبًا فَأَنْكَرَ كَوْنَ كَلَامِ اللَّهِ في الْأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَوَعْدًا وَوَعِيدًا فَخَلَصَ بهذا من إلْزَامِهِمْ لِأَنَّهُ إذَا نَفَى الْأَمْرَ في الْأَزَلِ لم تَجِدْ الْمُعْتَزِلَةُ سَبِيلًا إلَى الطَّعْنِ على مَذْهَبِهِ في قِدَمِ الْقُرْآنِ لَكِنَّهُ اسْتَبْعَدَ أَمْرًا وَفَرَّ منه فَوَقَعَ في آخَرَ أَبْعَدَ منه لِأَنَّهُ أَثْبَتَ كَلَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَدِيمًا في الْأَزَلِ على غَيْرِ حَقَائِقِ الْكَلَامِ من كَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَإِثْبَاتُ كَلَامٍ ليس بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا خَبَرٍ وَلَا اسْتِخْبَارٍ إلَى غَيْرِ ذلك من أَقْسَامِ الْكَلَامِ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَكَأَنَّ مُثْبَتَهُ لم يَثْبُتْ كَلَامًا وَإِنَّمَا أَثْبَتَ صِفَةً أُخْرَى غير كَلَامٍ فَالْحَاصِلُ صُعُوبَةُ هذه الْمَسْأَلَةِ فإنه إمَّا أَنْ يَنْشَأَ عنها نَفْيُ قِدَمِ الْكَلَامِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَإِمَّا إثْبَاتُ قِدَمِ الْكَلَامِ وَفِيهِ إثْبَاتُ قِدَمِ الْخَلَائِقِ الْمَأْمُورِينَ أو إثْبَاتِ أَمْرٍ وَلَا مَأْمُورَ وَإِمَّا إثْبَاتُ كَلَامٍ قَدِيمٍ عَارَضَ حَقَائِقَ الْكَلَامِ فَأَمَّا شَيْخُ الْمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيُّ فلم يَسْتَبْعِدْ إثْبَاتَ أَمْرٍ في الْأَزَلِ وَلَا مَأْمُورَ لِأَنَّا نَجِدُ من أَنْفُسِنَا أَمْرَ الْغَائِبِ وَإِنَّمَا يُتَوَجَّهُ عِنْدَ حُضُورِهِ وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الذي نَجِدُهُ من أَنْفُسِنَا تَقْدِيرُ أَمْرٍ إذَا حَضَرَ لَا نَفْسَ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ وَكَلَامُ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ لَا يَصْلُحُ فيها التَّقْدِيرُ وَاسْتَدَلَّ شَيْخُنَا بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَعْدُومَ يَأْمُرُ بِهِ تَقُولُ بِهِ زُرْنِي غَدًا وَبِأَنَّ الْخَلْقَ إلَى يَوْمِنَا لم يَزَالُوا مَأْمُورِينَ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ قال الْمَازِرِيُّ وَالْحَقُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَصْفُو بَعْدَ تَصَوُّرِ أَحْكَامِ التَّعَلُّقَاتِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا وَصَرْفِ التَّعْيِينِ إلَى الْمُتَعَلِّقَاتِ لَا الْمُتَعَلِّقِ وهو من الْغَوَامِضِ وَأَهْلُ الْحَقِّ أَثْبَتُوا هذه التَّعَلُّقَاتِ أَزَلِيَّةً لِأَنَّ نَفْيَهَا عن الْبَارِي سُبْحَانَهُ في الْأَزَلِ مُحَالٌ وقال الْمُقْتَرَحُ في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ التَّقْدِيرُ هَاهُنَا ليس عَائِدًا إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ فإن التَّقْدِيرَ حَادِثٌ وَيَسْتَحِيلُ قِيَامُ الْحَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هو عَائِدٌ إلَى الْمُكَلَّفِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ احْتِمَالُ وُجُودِ هذا الْمَعْدُومِ وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يُوجَدَ فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ يَكُونُ مَأْمُورًا قال وَإِنْ صَدَّقْنَا وَحَقَّقْنَا قُلْنَا الْأَمْرُ لم يَتَعَلَّقْ بِالْمَعْدُومِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ الْمُتَوَقَّعِ كما أَنَّ الْعِلْمَ الْأَزَلِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ الذي سَيَكُونُ كَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ الْأَزَلِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّكْلِيفِ الذي سَيَكُونُ فَالْأَمْرُ إذَنْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ أو يَتَعَلَّقُ الطَّلَبُ بِالْمَوْجُودِ بِالْمَعْدُومِ فإن نَفْيَ التَّنْجِيزِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ هذا الْخِلَافُ في أَنَّ الْمَأْمُورَ مَتَى يَصِيرُ مَأْمُورًا هل من الْأَزَلِ وَإِنْ كان مَعْدُومًا أو يَتَوَقَّفُ على وُجُودِهِ وَشُرُوطٍ أُخْرَى وَإِنْ كان أَنْشَأَ الْأَمْرَ مُتَقَدِّمًا يُضَاهِيهِ الْبَحْثُ في الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ الْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيقِ يَنْعَقِدُ سَبَبُهُ وَعِنْدَ الصِّفَةِ تَعَذَّرَ إنْشَاؤُهُ وَيُجْعَلُ كَالنَّازِلِ ذلك الْوَقْتِ وَغَيْرُهُمْ من الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَقُولُونَ إنَّ التَّعْلِيقَ الْمُتَقَدِّمَ هو الْعِلَّةُ فَيُؤَثِّرُ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ هذا هو الصَّحِيحُ وَيَتَخَرَّجُ عليها أَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ من الْمَوْقُوفِ عليهم يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هو كَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عليهم الْآنَ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ مَصْرِفُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَصِيرُ مَوْقُوفًا عليه إذَا انْقَرَضَ من قَبْلِهِ وَلَعَلَّ خِلَافَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَأْتِي في ذلك وإذا قُلْنَا إنَّهُ مَوْقُوفُ عليهم في حَيَاةِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَهَلْ نَقُولُ إنَّهُ من أَهْلِ الْوَقْفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقَالَ بِهِ وهو الْأَظْهَرُ لِأَنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ هو الْمُسْتَقِرُّ في اسْتِحْقَاقِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَكَذَلِكَ يقول إنَّ من شَرْطِ اسْمِ الْوَقْفَ الِاسْتِحْقَاقُ التَّنْبِيهُ الثَّانِي ليس بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قبل الشَّرْعِ تَنَاقُضٌ كما قد يَظُنُّ فإنه إنْ فَسَّرَ لَا حُكْمَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ فَسَّرَ بِعَدَمِ الْحُكْمِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ دَالُّ الْحُكْمِ في الْأَزَلِ وَتَعَلُّقُهُ بِالْمُكَلَّفِ مَوْقُوفٌ على وُجُودِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ عليهم السَّلَامُ فَمَعْنَى لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قبل الشَّرْعِ أَيْ لَا تَعَلُّقَ لِلْأَمْرِ فَلَا تَنَاقُضَ سقط مسألة لا يشترط في المكلف الحرية وَلَا يشترط في المكلف الحرية ولا يُشْتَرَطُ في الْمُكَلَّفِ الْحُرِّيَّةُ بَلْ يُدَخِّلُ الْعَبِيدُ في الْخِطَابِ الْعَامِّ نحو يا أَيُّهَا الناس يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو كَالْحُرِّ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على تَخْصِيصِ الْخِطَابِ بِالْأَحْرَارِ هذا هو الصَّحِيحُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في الْعُمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحُكْمُ من فيه جُزْءٌ من الرِّقِّ حُكْمُ الرَّقِيقِ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الْمَعَالِي عَزِيزِي بن عبد الْمَلِكِ في كِتَابِ بَيَانِ الْبُرْهَانِ وَقَلَّ من صَرَّحَ بِهِ من الْأُصُولِيِّينَ قال في الْإِرْشَادِ وما يُشْتَرَطُ فيه الْمَالُ لَا يَدْخُلُ فيه لِعَدَمِ الْمِلْكِ مسألة دُخُولُ الذُّكُورِ في الْإِنَاثِ في الْخِطَابِ لَا يُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ بَلْ الْخِطَابُ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ قال الْقَاضِي وَيَتَّبِعُ في ذلك وَضْعَ اللُّغَةِ فَإِنْ وَرَدَتْ لَفْظٌ تَخُصُّ الرِّجَالَ خَصَّصْنَا بِهِمْ فَإِنْ وُضِعَتْ شَرِكَةٌ حَمَلْنَاهَا على الِاشْتِرَاكِ سَيَأْتِي في الْعُمُومِ وَيَتَنَاوَلُ الْخُنْثَى لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ في نَفْسِ الْأَمْرِ عنهما ولم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ مسألة تَكْلِيفُ الْجِنِّ وَلَا يُشْتَرَطُ في التَّكْلِيفِ الْإِنْسِيَّةُ بَلْ الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ في الْجُمْلَةِ وقد وَقَعَ نِزَاعٌ بين الْمُتَأَخِّرِينَ في أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ فقال بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بها في الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَا على حَدِّ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ بها لِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْإِنْسَ بِالْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَبِالضَّرُورَةِ يُخَالِفُونَهُمْ في بَعْضِ التَّكَالِيفِ مِثَالُهُ أَنَّ الْجِنَّ قد أُعْطِيَ بَعْضُهُمْ قُوَّةَ الطَّيَرَانِ في الْهَوَاءِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ طَائِرًا وَالْإِنْسَانُ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقُوَّةِ لَا يُخَاطَبُ بِذَلِكَ هذا في طَرَفِ زِيَادَةِ تَكْلِيفِهِمْ على تَكْلِيفِ الْإِنْسِ فَكُلُّ تَكْلِيفِهِ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ طَبِيعَةِ الْإِنْسِ يَنْتَفِي في حَقِّ الْجِنِّ لِعَدَمِ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ وَالدَّلِيلُ على تَكْلِيفِ الْجِنِّ بِالْفُرُوعِ الْإِجْمَاعُ على أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أُرْسِلَ بِالْقُرْآنِ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَجَمِيعُ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ يَتَوَجَّهُ إلَى الْجِنْسَيْنِ وقد تَضْمَنَّ ذلك أَنَّ كُفَّارَ الْإِنْسِ مُخَاطَبُونَ بها وَكَذَلِكَ كُفَّارُ الْجِنِّ الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُكَلَّفُ بِهِ وَلَهُ شُرُوطٌ شُرُوطُ الْمُكَلَّفِ بِهِ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا من حَيْثُ هو يُمْكِنُ حُدُوثُهُ إذْ إيجَادُ الْمَوْجُودِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَدَمَ الْأَصْلِيَّ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِلْقُدْرَةِ ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِكَسْبِ الْمُكَلَّفِ فَلَا يَصِحُّ أَمْرُ زَيْدٍ بِكِتَابَةِ عَمْرٍو وَلَا يَعْتَرِضُ على هذا بِإِلْزَامِ الْعَاقِلَةِ دِيَةَ خَطَأِ وَلِيِّهَا لِأَنَّ ذلك من بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَالْمُخَالِفُ فيه أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ قال الرَّافِعِيُّ في أَوَّلِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ ذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ إلَى أَنَّهُ كان يَجِبُ على الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ أَحَدٍ من الْوَرَثَةِ بِمَا في عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى من الْفَرَائِضِ وكان من يُوَفَّقُ لِذَلِكَ مُصِيبًا وَمَنْ تَعَدَّاهُ مُخْطِئًا قال الْإِمَامُ وَهَذَا زَلَلٌ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ في الشَّرَائِعِ فإنه تَكْلِيفٌ على عَمَائِهِ رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْلِ وَالْمُكَلَّفُ بِهِ في النَّهْيِ الْكَفُّ وَالْكَفُّ فِعْلُ الْإِنْسَانِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَسْبِهِ يُؤْجَرُ عليه وَيُعَاقَبُ على تَرْكِهِ وقال بَعْضُهُمْ التَّرْكُ نَفْيٌ مَحْضٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ وَلَا الْكَسْبِ وهو ضَعِيفٌ وفي الحديث الصَّحِيحِ تَكُفُّ شَرَّكَ عن الناس فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ على نَفْسِكَ نعم لَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ على الْكَفِّ إلَّا مع النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ دُونَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ خَامِسُهَا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا له على خِلَافٍ في هذا الشَّرْطِ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَبَعْضُهُمْ تَرْجَمَهَا بِالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَلَا بُدَّ من تَحْقِيقِهَا فَنَقُولُ اعْلَمْ أَنَّ الْمَعْدُومَ إمَّا مُمْكِنٌ أو وَاجِبٌ أو مُمْتَنِعٌ فَالْمُمْكِنُ ما اسْتَوَتْ نِسْبَتُهُ إلَى الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَيَحْتَاجُ في وُجُودِهِ إلَى مُرَجِّحٍ وَمُخَصِّصٍ وَالْوَاجِبُ ما تَرَجَّحَ وُجُودُهُ على عَدَمِهِ وَالْمُمْتَنِعُ ما تَرَجَّحَ عَدَمُهُ على وُجُودِهِ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ من الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ أو امْتِنَاعُهُ لِذَاتِهِ أو لِغَيْرِهِ فَالْوَاجِبُ لَا لِذَاتِهِ ما تَوَقَّفَ وُجُودُهُ على سَبَبٍ خَارِجٍ عن ذَاتِهِ كَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ حَالَ وُجُودِهَا وَالْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بين الضِّدَّيْنِ وَالْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ أَنَّ فُلَانًا يَمُوتُ كَافِرًا وهو أَمْثَالُ الْمَشْهُورِ في هذا الْبَابِ فَإِذَنْ الْمُحَالُ ضَرْبَانِ مُحَالٌ لِذَاتِهِ وَمُحَالٌ لِغَيْرِهِ وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا وَيُطْلِقُهُ الْأُصُولِيُّونَ وَالْمُتَكَلِّمُونَ على أَرْبَعَةِ مَعَانٍ أَحَدُهَا ما لَا يُعْقَلُ على حَالٍ وهو الْمُسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بين الضِّدَّيْنِ وَقَلْبِ الْأَجْنَاسِ وَإِعْدَامِ الْقَدِيمِ وَإِيجَادِ الْمَوْجُودِ الثَّانِي على ما لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ وَإِنْ كان مُمْكِنًا في نَفْسِهِ كَخَلْقِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ فإنه لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ وَإِلَّا لَمَا أَدْرَكُوا من أَنْفُسِهِمْ عَجْزًا عنه الثَّالِثُ ما لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عليه في الْعَادَةِ وَإِنْ كان من جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ كَالطَّيَرَانِ في الْهَوَاءِ وَالْمَشْيِ على الْمَاءِ الرَّابِعُ على جِنْسِ الْمَقْدُورِ في الْعَادَةِ وَلَكِنْ لم يَخْلُقْ اللَّهُ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً عليه وَمِنْ هذا جَمِيعُ الطَّاعَاتِ التي لم تَقَعْ وَالْمَعَاصِي الْوَاقِعَةُ فإن اللَّهَ تَعَالَى لم يُقَدِّرْ الْعَاصِيَ على تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا الْمُمْتَنِعَ من الطَّاعَةِ على فِعْلِهَا وَمِنْهُمْ من زَادَ قِسْمًا آخَرَ وهو تَكْلِيفُ الْقَاعِدِ الْقِيَامَ وَالْقَائِمِ الْقُعُودَ بِنَاءً على أَنَّ الْقُدْرَةَ مع الْفِعْلِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ إذَا عَلِمَتْ هذا فَالنَّظَرُ في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ وَالثَّانِي الْوُقُوعُ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ أَمَّا الْجَوَازُ فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ مُطْلَقًا قال ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ من أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ الذي مَالَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَجْوِبَةِ شَيْخِنَا وَارْتَضَاهُ الْمُحَصِّلُونَ من أَصْحَابِهِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ جَائِزٌ عَقْلًا وَكَذَلِكَ تَكْلِيفُ الشَّيْءِ مع تَقْدِيرِ الْمَنْعِ منه اسْتِمْرَارًا وفي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ لَا يُسَوِّغُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ كَجَمْعِ الضِّدَّيْنِ وَالْإِقْدَامِ على الْمَأْمُورِ بِهِ مع اسْتِمْرَارِ الْمَانِعِ منه وَمَعَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ ثُمَّ لم يَصِرْ في مَنْعِهِ إلَى التَّقْبِيحِ الذي ادَّعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ فإن هذا الْأَصْلَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا وقال الْإِرْشَادُ من صُوَرِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَإِيقَاعُ ما يَخْرُجُ عن قَبِيلِ الْمَقْدُورَاتِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ ا هـ وقد نَصَّ الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ في كِتَابِ الْوَجِيزِ على الْجَوَازِ فإنه اسْتَدَلَّ على الْقَائِلِينَ بِاسْتِحَالَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُحَمِّلْنَا ما لَا طَاقَةَ لنا بِهِ فقال وَلَوْ كان ذلك مُحَالًا لَمَا اسْتَقَامَ الِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ بِدَفْعِهِ ا هـ يَعْنِي لَوْلَا جَوَازُهُ لَمَا اسْتَعَاذُوا منه إذْ الِاسْتِعَاذَةُ من مُحَالٍ مُحَالٌ وَالْخَصْمُ يَتَأَوَّلُهُ على ما فيه كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ ثُمَّ هِيَ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى في صَدْرِ الْآيَةِ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَحَاوَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ نَفْيَ هذا الْمَذْهَبِ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَزَعَمَ أَنَّ الذي جَوَّزَهُ وُرُودُ صِيغَةٍ مُضَاهِيَةٍ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالْغَرَضُ منها تَعْجِيزُ وَتَبْيِينُ حُلُولِ الْعِقَابِ الذي لَا مَحِيصَ عنه وَلَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يَلِجَ الْجَمَلُ في سَمِّ الْخِيَاطِ فإن ظَاهِرَهُ تَعْلِيقُ الْخَلَاصِ من الْعِقَابِ بِانْسِلَاكِ الْجَمَلِ في سَمِّ الْخِيَاطِ وَلَيْسَ هو على الْحَقِيقَةِ تَعْلِيقًا وَإِنَّمَا هو إبْدَاءُ الْيَأْسِ من النَّجَاةِ وَيَدُلُّك على ذلك صَدْرُ الْآيَةِ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَهَذَا ما حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ عن وَالِدِهِ الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَارْتَضَاهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ حَيْثُ قال في بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ في هذه الْمَسْأَلَةِ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ جَائِزٌ أَنَّهُ يَجُوزُ من اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْرُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ الطَّاعَةَ مِنَّا في ذلك بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ من اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ نَعْجَزُ عنه قَطْعًا وَأَنَّهُ مَتَى أَمَرَنَا بِهِ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِنُزُولِ الْعِقَابِ لَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمَّا حَكَاهُ عن وَالِدِهِ قال وَفِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ لم يَصِحَّ عَقْلًا تَسْمِيَةُ الطَّلَبِ من الْمُحَالِ لَزِمَ مِثْلُهُ وَتَكْلِيفُ من لَا قُدْرَةَ له على الْفِعْلِ وَإِنْ سَاغَ تَسْمِيَةُ ذلك طَلَبًا سَاغَ في تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَيُعْتَضَدُ ذلك بِأَصْلٍ عَظِيمٍ من أُصُولِنَا وهو أَنَّ التَّكْلِيفَ الصَّادِرَ ليس مَنِّ شَرْطِ ثُبُوتِهِ كَوْنُ الْمُكَلَّفِ مُرِيدًا لِوُقُوعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ إرَادَةُ وُقُوعِ الْمُحَالِ وَأَمَّا طَلَبُهُ مع انْتِفَاءِ إرَادَةِ امْتِنَاعِهِ فَلَا اسْتِحَالَةَ فيه وَالثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وهو الْمَنْقُولُ عن الْمُعْتَزِلَةِ قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَسَاعَدَهُمْ أبو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ قُلْت وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَنَقَلَهُ في الْمُرْشِدِ عن كَثِيرٍ من أَئِمَّتِنَا وَمِنْ الْأَقْدَمِينَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْإِعْلَامِ وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه في الْأُمِّ فإنه قال يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ أَنَّ عَلَيْكُمْ إتْيَانَ الْأَمْرِ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ لِأَنَّ الناس إنَّمَا كُلِّفُوا فِيمَا اسْتَطَاعُوا من الْفِعْلِ اسْتِطَاعَةَ شَيْءٍ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُكَلَّفٌ وَأَمَّا النَّهْيُ فَالتُّرْكُ لِكُلِّ ما أَرَادَ تَرْكَهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ ليس بِتَكْلِيفِ شَيْءٍ يَحْدُثُ إنَّمَا هو شَيْءٌ مُتَكَلَّفٌ عنه ا هـ لَفْظُهُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَيْسَ مَأْخَذُ الْمَانِعِينَ من الْأَصْحَابِ التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ كما صَارَ إلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ مَأْخَذُهُمْ أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ لَا يَصِحَّانِ من الْعَاجِزِ فَبَطَلَ تَقْدِيرُ الْوُجُوبِ وَعَلَى هذا إنَّمَا كُلِّفَ أبو لَهَبٍ بِأَنْ يُصَدِّقَ بِأَنْ لَا يَصْدُقَ بَلْ كُلِّفَ أَنْ يُصَدِّقَ وَلَوْ صَدَّقَ لَكَانَ مِمَّنْ لَا يَصْدُقُ لِقَوْلِهِ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ أَيْ إنْ لم يُؤْمِنْ وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ فَلَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ أو لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ وَنُقِلَ عن مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ عن مَيْلِ الْغَزَالِيِّ وقد رَأَيْت في الْإِحْيَاءِ له التَّصْرِيحُ بِالْجَوَازِ وقال خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ وَجَدَ له الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَلِذَلِكَ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَاَلَّذِي يَمْنَعُهُ الْمُحَالُ بِنَفْسِهِ وَإِيمَانُ أبي لَهَبٍ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ مُسْتَحِيلٌ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا في ما مَنَعْنَاهُ هذا كَلَامُهُ وَغَلَطَ من نُقِلَ عنه الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ بِالْمَحَالِ فَإِنْ وَرَدَ لَا نُسَمِّيهِ تَكْلِيفًا بَلْ عَلَامَةً نَصَبَهَا اللَّهُ على عَذَابِ من كَلَّفَهُ بِذَلِكَ قال ابن بَرْهَانٍ وَالْخِلَافُ على هذا لَفْظِيٌّ وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعْنَوِيٌّ وقال في الْوَجِيزِ إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من مَنَعَ تَسْمِيَتَهُ تَكْلِيفًا وَإِلَيْهِ مَالَ الْأُسْتَاذُ وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابِنَا على تَسْمِيَتِهِ تَكْلِيفًا وُقُوعُ التَّكَلُّفِ بِالْمُحَالِ وَأَمَّا الْوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَاخْتَلَفُوا فيه وَالْجُمْهُورُ على عَدَمِ وُقُوعِهِ وَقِيلَ إنَّ الْأُسْتَاذَ حَكَى فيه الْإِجْمَاعَ قال الْإِمَامُ في الشَّامِلِ وَإِلَيْهِ صَارَ الدَّهْمَاءُ من الْأَئِمَّةِ وَعَلَيْهِ جُلُّ الْفُقَهَاءِ قَاطِبَةً وَصَارَ كَثِيرٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى وُقُوعِهِ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بين الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ كَقَلْبِ الْحَقَائِقِ مع بَقَاءِ الْحَقِيقَةِ الْأُولَى فَيُمْتَنَعُ وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ وهو ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ في الشَّامِلِ وَقِيلَ وَقَعَ في حَقِّ الْكُفَّارِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْقَاضِي أبي جَعْفَرِ بن السَّمْنَانِيِّ وَاضْطَرَبَ النَّاقِلُونَ عن الْأَشْعَرِيَّةِ فَمِنْهُمْ من نَقَلَ عنه أَنَّهُ وَاقِعٌ وهو ما نَقَلَهُ في الْإِرْشَادِ وَأَنَّهُ احْتَجَّ لِلْوُقُوعِ الشَّرْعِيِّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَبَا جَهْلٍ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيُؤْمِنَ بِهِ في جَمِيعِ ما يُخْبِرُ عنه وَمِمَّا أَخْبَرَ عنه أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ وَذَلِكَ جَمَعَ بين النَّقِيضَيْنِ ا هـ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ في الْإِحْكَامِ وَمِنْهُمْ من نَقَلَ الْوَقْفَ وهو ما ذَكَرَهُ في الشَّامِلِ وَمِنْهُمْ من نُقِلَ عنه أَنَّهُ لم يَقَعْ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَتْبَاعُهُ كَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ بَرْهَانٍ وهو غَلَطٌ عليه بَلْ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا عِنْدَهُ لِغَيْرِ الْمُمْكِنِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَا يَقَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعَبْدُ إذَنْ مُخَاطَبٌ بِمَا ليس إلَيْهِ إيقَاعُهُ ثُمَّ قال وَلَا مَعْنًى لِلتَّمْوِيهِ بِالْكَسْبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلِ الْغَيْرِ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَهُ مع الْفِعْلِ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ يَتَوَجَّهُ قبل وُقُوعِهِ وهو إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ حَالَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ ثُمَّ اعْتَرَضَ على هذا الْوَجْهِ وقال الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ حَالَ الْخِطَابِ وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ الْقُدْرَةَ لم تُقَارِنْ الْفِعْلَ وَإِنْ قَارَنَتْ الضِّدَّ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هو على رَأْيِ الشَّيْخِ لَا على رَأْيِهِ وهو يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ فيه تَسْلِيمًا أَنَّ بَعْضَ التَّكَالِيفِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لَا كُلِّهِ وهو مَقْصُودُ الْمَسَائِلِ وَنَقِيضُ مَقْصُودِهِ بَلْ الْجَوَابُ عنه أَنَّ ما هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ ليس ضِدًّا له وَهَذَا لِأَنَّ ضِدَّهُ الْوُجُودِيُّ الْمَنْهِيُّ عنه وهو يَسْتَلْزِمُ التَّلَبُّسَ بِهِ تَرْكُهُ في الزَّمَانِ الذي أَمَرَ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فيه وهو في زَمَانِ وُرُودِ الْخِطَابِ لم يَتَلَبَّسْ بِهِ لِأَنَّ زَمَانَ الْفِعْلِ هو الزَّمَانُ الثَّانِي إنْ كان الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ سَلَّمْنَا أَنَّ ذلك ضِدُّهُ الْمَنْهِيُّ عنه لَكِنَّهُ حَاصِلٌ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ وَالْأَمْرُ بِتَرْكِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ ما هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ في الْمُسْتَقْبَلِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِقْدَامِهِ على الْمَأْمُورِ بِهِ وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ قال وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ غَيْرُ لَازِمٍ على الشَّيْخِ لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ وَإِنْ كانت مع الْفِعْلِ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ ليس قَبْلَهُ عِنْدَهُ على ما أَشْعَرَ بِهِ نَقَلَ الْإِمَامُ فَإِنْ صَحَّ هذا من مَذْهَبِهِ كان التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ لَازِمٍ عليه من هذا الْوَجْهِ وقال غَيْرُهُ تَكْلِيفُهُ قبل وُقُوعِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ على وُقُوعِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ تُمَكِّنُ من إيجَادِ الْفِعْلِ وَالِاسْتِدْلَالُ على فَسَادٍ سَبَقَهَا الْفِعْلُ أنها عَرَضٌ فَلَوْ بَقِيَتْ لَزِمَ بَقَاءُ الْأَعْرَاضِ وهو مَمْنُوعٌ ثُمَّ الشَّرْعُ يَدُلُّ على سَبْقِ اسْتِطَاعَةِ الْفِعْلِ بِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بها قبل الشُّرُوعِ في الْفِعْلِ كما في الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا وقال الْمَازِرِيُّ لم يَغْلَطْ الْقَوْمُ في نَقْلِ مَذْهَبِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّ الْأَشْعَرِيَّ أَجَازَ تَكْلِيفَ ما لَا يُطَاقُ أَيْ في الْحَالِ لَا في الِاسْتِقْبَالِ وما يَكُونُ إيقَاعُهُ من قَبِيلِ الْمُحَالِ وَلَوْ قُيِّدَ إطْلَاقُهُ بهذا لم يَتَعَقَّبْ عليهم نَقْلُهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ من ذلك ليس بِلَازِمٍ لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ ليس بِمَذْهَبٍ على الصَّحِيحِ وَكَلَامُ الْأَشْعَرِيِّ مُصَرِّحٌ بِوُقُوعِ الْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ وَالِاضْطِرَابُ في النَّقْلِ عنه إنَّمَا هو في الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ وقد صَرَّحَ الشَّيْخُ في كِتَابِ الْإِيجَازِ بِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَاجِزِ الذي لَا يَقْدِرُ على شَيْءٍ أَصْلًا وَتَكْلِيفَ الْمُحَالِ الذي لَا يَقْدِرُ عليه الْمُكَلَّفُ صَحِيحٌ وَجَائِزٌ ثُمَّ قال وقد وُجِدَ تَكْلِيفُ اللَّهِ الْعِبَادَ بِمَا هو مُحَالٌ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَضِيَّةِ أبي لَهَبٍ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ على أَنَّ الْكَافِرَ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِالْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بين النِّسَاءِ مع الْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ وَاجِبٌ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْقُدْرَةَ عن الِاسْتِطَاعَةِ وَمُقْتَضَى هذا الْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ على ذلك مع تَكْلِيفِهِ بِمَا لَا قُدْرَةَ له عليه نَقَلَهُ الْإِمَامُ في تَفْسِيرِهِ وَقُصَارَى ما تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجَوِّزُونَ ظَوَاهِرُ لَا تُفْضِي إلَى الْقَطْعِ وَلَيْسَ الِامْتِنَاعُ فيها من حَيْثُ الْعَقْلِ بَلْ من حَيْثُ الْعِلْمِ وقد ذَهَبَ قَوْمٌ منهم الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ لَا يُسَمَّى مُسْتَحِيلًا لِأَنَّهُ في ذَاتِهِ جَائِزُ الْوُقُوفِ فَوَائِدُ الْأُولَى التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ نَقَلَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ الْإِجْمَاعَ على صِحَّةِ التَّكْلِيفِ عَقْلًا بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ وهو مَمْنُوعٌ فإن بُرْهَانٍ قال إنَّ جَمَاعَةً من أَصْحَابِنَا صَارُوا إلَى أَنَّ ذلك لَا يُسَمَّى تَكْلِيفًا فإن اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ الْكُفَّارَ بِالْإِيمَانِ وَلَا قُدْرَةَ لهم على الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مع الْفِعْلِ وَأَيْضًا فإن الْخِلَافَ السَّابِقَ في التَّكْلِيفِ بِفِعْلٍ مَشْرُوطٍ عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ وُقُوعِهِ يَجْرِي هُنَا كما صَرَّحَ بِهِ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ فقال قال قَاضِي الْقُضَاةِ يَعْنِي عَبْدَ الْجَبَّارِ لم يَخْتَلِفُوا في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ بِالْأَمْرِ بِالْفِعْلِ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ منه قال ولم يَخْتَلِفُوا في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ من يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ أو يَعْجَزُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى وَيَقْدِرَ انْتَهَى وَأَيْضًا فَقَدْ حَكَى الْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا في أَنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ هل هو مُسْتَحِيلٌ لِذَاتِهِ أو لِغَيْرِهِ فَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِيءُ فيه الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ في التَّكْلِيفِ بِهِ وقال الْمَازِرِيُّ من عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ صَارَ إيمَانُهُ كَالْمُمْتَنِعِ إيقَاعُهُ لِأَنَّهُ لو وَقَعَ لَخَالَفَ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةُ عِلْمِهِ لَا تَصِحُّ وَلَكِنَّ هذا الِامْتِنَاعَ ليس رَاجِعًا إلَى عَدَمِ الْإِمْكَانِ من نَاحِيَةِ الْفِعْلِ بَلْ هو مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ وَعِلْمُ اللَّهِ لَا يَصِيرُ الْمُمْكِنُ غير مُمْكِنٍ فَبَقِيَ على إمْكَانِهِ وَإِنْ تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْإِيمَانُ في حَقِّهِمْ كَالْمَعْجُوزِ عنه الْمُسْتَحِيلِ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ لِمَا تَقَرَّرَ في عِلْمِ الْكَلَامِ أَنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ على الصَّحِيحِ من الْقَوْلَيْنِ قُلْت وَيَدُلُّ له قَوْله تَعَالَى بَلَى قَادِرِينَ على أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ قَادِرٌ على ما عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ على أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مع الْفِعْلِ الثَّانِيَةُ كَيْفَ يَطْلُبُ اللَّهُ من عِبَادِهِ ما يُخَالِفُ عِلْمَهُ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ تَوْجِيهَ الْجَوَازِ فقال إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ بَعْضَ الْخَلْقِ أو أَكْثَرَهُمْ لَا يُطِيعُونَ وَلَا يَمْتَثِلُونَ فَكَيْفَ يَطْلُبُ منهم ما يُخَالِفُ عِلْمَهُ فَعَلَى هذا فَقَدْ كَلَّفَهُمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَ لِأَنَّ ما عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَوَاجِبٌ لَازِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ وما عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ وَأَجَابَ بِأَنْ أَحْسَنَ ما قِيلَ فيه أَنَّ تَوْجِيهَ الْخِطَابِ لِلْأَشْقِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَمْتَثِلُونَ ما أُمِرُوا بِهِ وَلَا يَجْتَنِبُونَ ما نُهُوا عنه ليس طَلَبًا على الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هو عَلَامَةٌ وُضِعَتْ على شَقَاوَتِهِمْ وَأَمَارَةٌ نُصِبَتْ على تَعْذِيبِهِمْ إذْ لَا يَبْعُدُ في كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عن الْخَبَرِ قُلْت وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن وَالِدِهِ وَزَيَّفَهَا وابن بَرْهَانٍ عن الْأُسْتَاذِ كما سَبَقَ وَاسْتَأْنَسَ لها ابن عَطِيَّةَ بِتَكْلِيفِ الْمُصَوِّرِ يوم الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً الحديث الثَّالِثَةُ اسْتِحَالَةُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْكُفْرِ قال الْإِمَامُ في الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ يَسْتَحِيلُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مع الْعِلْمِ بِاَللَّهِ الْأَمْرُ بِالْجَهْلِ بِهِ فَهُوَ من قَبِيلِ جَمْعِ الضِّدَّيْنِ الرَّابِعَةُ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ الْمَشْرُوطِ مُسْتَحِيلٌ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ أَمْ لَا أَمَّا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ فَاتَّفَقُوا على الْمَنْعِ هَاهُنَا وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ كما يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِنَفْسِ الْمُسْتَحِيلِ وَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ لِتَهَافُتِ الصِّيغَةِ وَأَنَّهُ إذَا قِيلَ إنْ تَحَرَّكَ زَيْدٌ في حَالِ سُكُونِهِ فَقُمْ فإنه يُؤَوَّلُ إلَى أَنَّ ذلك لَا يَكُونُ فَلَا يَقُمْ فَسَلَبَ من صِيغَةِ الْأَمْرِ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ الْخَامِسَةُ تَأْقِيتُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتٍ لَا يَسَعُهَا لَا يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتٍ لَا يَسَعُهَا إنْ مَنَعْنَا تَكْلِيفَ الْمُسْتَحِيلِ وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ من أَدْرَكَ من أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ قَدْرَ رَكْعَةٍ من آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَزِمَتْهُ فلم يُرِيدُوا بِهِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بَلْ الْقَضَاءِ قَالَهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ السَّادِسَةُ الْفَرْقُ بين تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَرْقٌ بين تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ أَنْ يَرْجِعَ الْخَلَلُ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وهو مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ فَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ الْخَلَلُ إلَى الْمَأْمُورِ نَفْسِهِ كَتَكْلِيفِ الْمَيِّتِ وَالْجَمَادِ وَالْبَهَائِمِ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ عِنْدَ الْكَلَامِ على ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ السَّابِعَةُ تَكَرَّرَ في كَلَامِهِمْ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّمَسُّكُ بِقَضِيَّةِ أبي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ وقال الْمَازِرِيُّ إنَّمَا خَصَّ الْأُصُولِيُّونَ ذِكْرَ أبي لَهَبٍ بِذَلِكَ مع أَنَّ سَائِرَ الْكُفَّارِ مِمَّنْ لم يُؤْمِنْ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فيه أَمْرَانِ عِلْمُ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ فَلِهَذَا أَكْثَرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَّا غَيْرُهُ من الْكُفَّارِ كَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ صَارَ إيمَانُهُ كَالْمُمْتَنِعِ إيقَاعُهُ لِأَنَّهُ لو وَقَعَ لَخَالَفَ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَنَاقَشَ الْقَرَافِيُّ في التَّمْثِيلِ بِأَبِي لَهَبٍ وقال إنَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِعَدَمِ إيمَانِهِ من قَوْله تَعَالَى تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ وَتَبَّ وَلَا دَلِيلَ فيه لِأَنَّ التَّبَّ هو الْخُسْرَانُ وقد يَخْسَرُ الْإِنْسَانُ وَيَدْخُلُ النَّارَ وهو مُؤْمِنٌ لِمَعَاصِيهِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عليهم أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لم تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَمَخْصُوصَةٌ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ ابن الْمُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ صِحَّتَهَا وقال هذا لَا يَثْبُتُ وَلَا يُوجَدُ في الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلَا في الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَا يُؤْمِنُ وَكَلَّفَهُ بِالْإِيمَانِ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ وقال إنَّمَا يَنْبَغِي التَّمْثِيلُ بِقَضِيَّةِ ثَعْلَبَةَ فإنه عَاهَدَ اللَّهَ إنْ وَسَّعَ عليه لِيَتَصَدَّقَ فلما أَعْطَاهُ اللَّهُ وَجَاءَهُ مُصَدِّقُ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَطْلُبُ منه الزَّكَاةَ امْتَنَعَ وقال ما هذه إلَّا وَالْجِزْيَةُ سَوَاءٌ فَرَجَعَ الْمُصَدِّقُ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَمِنْهُمْ من عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا من فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ من الصَّالِحِينَ فلما آتَاهُمْ من فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ قال فَهَذَا الذي نَبْغِي أَنْ يُمَثِّلَ بها التَّكْلِيفُ بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ مع انْكِشَافِ الْعَاقِبَةِ لِثُبُوتِهَا في الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قال وقد عَلِمْت اخْتِلَافَ الْأُصُولِيِّينَ هل يَسْتَمِرُّ التَّكْلِيفُ مع كَشْفِ الْعَاقِبَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ من جِنْسِ الْمُمْكِنِ أو لَا يَسْتَمِرُّ نَظَرًا إلَى ما يَخْلُصُ من الْجَمْعِ بين الضِّدَّيْنِ أو نَقُولُ كما قال الْإِمَامُ إنَّ اللَّهَ كَلَّفَ هَؤُلَاءِ بِالْإِيمَانِ على الْإِطْلَاقِ ولم يُكَلِّفْهُمْ الْإِيمَانَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ وهو مُخْلِصٌ ضَعِيفٌ فإنه إذَا كَلَّفَهُمْ على الْعُمُومِ أَنْ يُصَدِّقُوا بِكُلِّ خَبَرٍ وَمِنْ جُمْلَةِ هذا الْعُمُومِ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ لَا يَصْدُقُونَ عَادَ الْإِشْكَالُ وَالتَّحْقِيقُ الْتِزَامُ رَفْعِ التَّكْلِيفِ عن هَؤُلَاءِ وَيَقْدِرُ أَحَدُهُمْ عِنْدَ إخْبَارِ اللَّهِ عنه بِأَنْ يُؤْمِنَ أَبَدًا في عَدَدِ الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَئِسَ منهم وَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ في حَقِّهِمْ نِقْمَةً عليهم لَا رَحْمَةً بِهِمْ ا هـ وهو قَوْلٌ عَجِيبٌ وَأَقْرَبُ منه ما سَبَقَ عن الْأُسْتَاذِ وَالْجُوَيْنِيِّ وَابْنِ عبد السَّلَامِ وَقَوْلُهُ إنَّهَا نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ قد أَنْكَرَهُ ابن عبد الْبَرِّ فقال في كِتَابِهِ الْمَغَازِي وقد عُدَّ ثَعْلَبَةُ بن حَاطِبٍ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا قال وَيُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ الْآيَةَ ثُمَّ قال وَلَعَلَّ قَوْلَ من قال في ثَعْلَبَةَ إنَّهُ مَانِعُ الزَّكَاةِ الذي نَزَلَتْ فيه الْآيَةُ غَيْرُ صَحِيحٍ مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ في الذِّمَّةِ لَا يُشْتَرَطْ فيه الْإِمْكَانُ سَبَقَ في الْكَلَامِ الْوُجُوبُ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمُتَوَقِّفَ على الْإِمْكَانِ هو وُجُوبُ الْأَدَاءِ أَمَّا ثُبُوتُ الْوُجُوبِ في الذِّمَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه الْإِمْكَانُ بَلْ يُبْنَى على السَّبَبِ فإذا وُجِدَ سَبَبُهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَتَرْجَمَ بَعْضُهُمْ هُنَا التَّمَكُّنَ من الْفِعْلِ هل هو شَرْطٌ في إلْزَامِ الْأَمْرِ قال ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ثَبَتَ في ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ قبل التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ وقد فَاوَضْت في ذلك عُلَمَاءَهُ فقال لي شَيْخَا مَذْهَبِهِ في ذلك الْوَقْتِ أبو الْوَفَا ابن عَقِيلٍ وأبو سَعِيدٍ الْبَرْجَانِيُّ إنَّ الْمَسْأَلَةَ صَحِيحَةٌ في مَذْهَبِنَا في إلْزَامِ الْمُغْمَى عليه قَضَاءَ ما فَاتَهُ من الصَّلَاةِ في حَالِ إغْمَائِهِ قال وَهَذَا كُلُّهُ في الْأَمْرِ أَمَّا النَّهْيُ فَإِنْ كان عن تَرْكٍ فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ التَّمَكُّنُ وَإِنْ كان عن فِعْلٍ لم يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ التَّمَكُّنِ مَعْنًى لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّمَكُّنِ وَإِلَى هذا الْمَعْنَى أَشَارَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِقَوْلِهِ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ وإذا نَهَيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فَاحْذَرُوهُ فَشَرَطَ الِاسْتِطَاعَةَ في الْأَمْرِ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ في النَّهْيِ تَنْبِيهًا على هذا الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ خِطَابُ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ سَبَقَ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ من التَّمَكُّنِ وَالْفَهْمِ وَنَحْوِهِمَا شَرْطٌ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ أَمَّا حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ في تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ وَإِنْ كانت أَعَمَّ منه وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنها بِأَنَّهُ هل يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ في الْإِمْكَانِ في الْجُمْلَةِ وهو قَوْلُنَا أو الْإِمْكَانُ نَاجِزًا وهو وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا على ما قَبْلَهُ أو لَا فَإِنْ كان غير مُرَتَّبٍ وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بها إجْمَاعًا وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كما قَالَهُ الْقَاضِي تَصْدِيقُ الرُّسُلِ وَعَدَمُ تَكْذِيبِهِمْ وَالْكَفُّ عن قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ ا هـ مع أَنَّ الْكَفَّ عن قِتَالِهِمْ من الْفُرُوعِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عن قَوْمٍ من الْمُبْتَدَعَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْمَعَارِفِ قال وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من رَآهَا ضَرُورِيَّةً فَلِهَذَا لم يُؤْمَرُوا بها وَمِنْهُمْ من رَآهَا كَسْبِيَّةً وَلَكِنَّهُ مَنَعَ الْخِطَابَ لِمَا يُذْكَرُ في غَيْرِ هذا الْفَنِّ ا هـ وَتَرَدَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ في كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ هل هِيَ من الْفُرُوعِ حتى لَا يُكَلَّفُوا بها على قَوْلٍ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هو التَّصْدِيقُ وَالشَّهَادَةُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمُقَدَّمَاتُ الْإِيمَانِ كَالنَّظَرِ هل هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْإِيمَانِ حتى تَكُونَ وَاجِبَةً عليه أو يَأْتِي فيه الْخِلَافُ في مُقَدَّمَةِ الْوَاجِبِ فيه نَظَرٌ وَإِنْ كان مُرَتَّبًا على ما قَبْلَهُ وَهِيَ فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ فَالْكَلَامُ في الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ جَوَازُ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ عَقْلًا أَمَّا الْجَوَازُ عَقْلًا فَمَحَلُّ وِفَاقٍ كما قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمُرَادُهُ وِفَاقُ أَصْحَابِنَا وَإِلَّا فَقَدْ نُقِلَ عن ابْنِ بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن عبد الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبُوا عَقْلًا بِالْفُرُوعِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ كِفَايَةِ الْفُحُولِ في عِلْمِ الْأُصُولِ من الْحَنَفِيَّةِ فقال أَجَازَهُ عَقْلًا قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ جَوَازُ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ شَرْعًا أَمَّا شَرْعًا فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بها مُطْلَقًا في الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ما سَلَكَكُمْ في سَقَرٍ الْآيَاتِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِالْكُفْرِ وَنَقْصِ الْمِكْيَالِ وَقَوْمَ لُوطٍ بِالْكُفْرِ وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ وَذَمَّ عَادًا قَوْمَ هُودٍ بِالْكُفْرِ وَشِدَّةِ الْبَطْشِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في مَوَاضِعَ منها تَحْرِيمُ ثَمَنِ الْخَمْرِ عليهم وقال في الْأُمِّ في بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَالْمَمْلُوكِ يُعْتَقُ وَالذِّمِّيِّ يُسْلِمُ فِيمَا إذَا أَهَلَّ كَافِرٌ بِحَجٍّ ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَسْلَمَ قبل عَرَفَةَ فَجَدَّدَ إحْرَامًا وَأَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْهُ عن حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا في حَالِ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ كان غير مُحْرِمٍ قال فَإِنْ قال قَائِلٌ فإذا زَعَمْت أَنَّهُ كان في إحْرَامِهِ غير مُحْرِمٍ أَفَكَانَ الْفَرْضُ عنه مَوْضُوعًا قِيلَ لَا بَلْ كان عليه وَعَلَى كل وَاحِدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ عز وجل وَرَسُولِهِ وَيُؤَدِّي الْفَرَائِضَ التي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى على نَبِيِّهِ غير أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ وما لم أَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فيه أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ أَسْلَمَ ائْتَنَفَ الْفَرَائِضَ من يَوْمِ أَسْلَمَ ولم يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ ما فَرَّطَ فيه في الشِّرْكِ منها وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتَقَامَ هذا لَفْظُهُ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا كما حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْحَلِيمِيُّ وقال في الْمِنْهَاجِ إنَّهُ مُفَرَّعٌ على قَوْلِنَا إنَّ الطَّاعَاتِ من الْإِيمَانِ قال وقد وَرَدَ في الحديث أَنَّ رَجُلًا قال يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُؤَاخِذُ اللَّهُ أَحَدًا بِمَا عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ قال من أَحْسَنَ في الْإِسْلَامِ لم يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ في الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ قال وَهَذَا يَدُلُّ على الْمُؤَاخَذَةِ بِالنَّوَاهِي إذَا يُحْسِنُ في الْإِسْلَامِ لِانْتِفَاءِ ما يُحْبِطُهَا بِخِلَافِ من أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فإن إسْلَامَهُ يُحْبِطُ كُفْرَهُ وَحَسَنَاتِهِ تُحْبِطُ سَيِّئَاتِهِ وَمُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ لَا يُنَافِي الْمَعَاصِيَ لِجَوَازِ صُدُورِهَا من السَّلَمِ فَلَا يَكُونُ مُحْبِطًا لها ا هـ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ نَقَلُوهُ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عنه وهو مَحْكِيٌّ عن الْكَرْخِيِّ وَالْجَصَّاصِ من الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ مَشَايِخِ أَهْلِ الْعِرَاقِ من الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ الْكُفْرَ رَأْسُ الْمَعَاصِي فَلَا يَسْتَفِيدُ بِهِ سُقُوطُ الْخِطَابِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَبِهِ قال عبد الْجَبَّارِ من الْمُعْتَزِلَةِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ من أَصْحَابِنَا كما رَأَيْته في كِتَابِهِ عِبَارَتُهُ إنَّهُ هو الصَّحِيحُ عِنْدِي وَوَقَعَ في الْمُنْتَخَبِ نِسْبَتُهُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وهو غَلَطٌ فإن أَبَا إِسْحَاقَ يقول بِتَكْلِيفِهِمْ كما نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عنه في أَوَّلِ كِتَابِ الْجِرَاحِ وهو كَذَلِكَ مَوْجُودٌ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عليه قال وَالصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِ ما بَدَأْنَا بِهِ ا هـ وقال الْإِبْيَارِيُّ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قُلْت اخْتَارَهُ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيُّ وقال في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْجَامِعِ إنَّهُ الذي يَأْتِي عليه مَسَائِلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ طَلَاقُهُمْ وَلَا أَيْمَانُهُمْ وَلَا يَجْرِي عليهم حُكْمٌ من الْأَحْكَامِ وزاد حتى قال إنَّهُمْ إنَّمَا يَقْطَعُونَ في السَّرِقَةِ وَيَقْتُلُونَ في الْحِرَابَةِ من بَابِ الدَّفْعِ فَهُوَ تَعْزِيرٌ لَا حَدٌّ لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا وَلَيْسَتْ هذه كَفَّارَاتٌ وزاد فقال إنَّ الْمُحَدِّثَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ فِعْلِ الطَّهَارَةِ وَاسْتَدَلَّ على ذلك من كَلَامِ مَالِكٍ رضي اللَّهُ عنه بِقَوْلِهِ في الْحَائِضِ إنَّهَا تَنْتَظِرُ ما بَقِيَ من الْوَقْتِ بَعْدَ غَسْلِهَا وَفَرَاغِهَا من الْأَمْرِ اللَّازِمِ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ ليس عن أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ في هذه الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ من فُرُوعِهِمْ وقد ذَكَرَ محمد بن الْحَسَنِ أَنَّ من نَذَرَ الصَّوْمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لم يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ لِأَنَّ الشِّرْكَ أَبْطَلَ كُلَّ عِبَادَةٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ وُجُوبُهَا لِأَنَّهُ لم يُؤَدِّهِ بَعْدُ قال ولم أَرَ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حُجَّةٌ يُعْتَمَدُ عليها وقد تَفَكَّرْت في ذلك فلم أَجِدْ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ ليس بِأَهْلٍ لِلْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ كما لم يَجْعَلْ الْعَبْدَ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمَالِ فلما لم يَكُنْ من أَهْلِ الْمِلْكِ لم يَكُنْ من أَهْلِ الْخِطَابِ وقال الْعَالِمُ من الْحَنَفِيَّةِ لم يُنْقَلْ عن ثِقَةٍ من أَصْحَابِنَا نَصٌّ في الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ منهم خَرَجُوا على تَفْرِيعَاتِهِمْ فإن مُحَمَّدًا قال إنَّ الْكَافِرَ إذَا دخل مَكَّةَ فَأَسْلَمَ وَأَحْرَمَ لم يَكُنْ عليه دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ عليه وَلَوْ كان لِلْكَافِرِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ لَا تَجِبُ عليه صَدَقَةُ فِطْرِهِ وَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ إذَا خَرَجَتْ من الْحَيْضِ لِعَادَتِهَا دُونَ الْعَشَرَةِ قبل أَنْ تَغْتَسِلَ وَيَمْضِي عليها وَقْتُ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ ليس عليهم وقال السَّرَخْسِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا في الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِرَةِ كَذَلِكَ أَمَّا في حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ في الدُّنْيَا فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ من مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ لِأَنَّهُ لو لم تَجِبْ لم يُؤَاخَذُوا على تَرْكِهَا قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لم يَنُصَّ عليها أَصْحَابُنَا لَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَدَلُّوا من مَسَائِلِهِمْ على هذا وَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فإن الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ لَا يَجِبُ عليه قَضَاءُ صَلَوَاتِ الرِّدَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَدَلَّ على أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ عِنْدَنَا ثُمَّ ضَعُفَ الِاسْتِدْلَال قال وَمِنْهُمْ من جَعَلَ هذه الْمَسْأَلَةَ فَرْعًا لِأَصْلٍ مَعْرُوفٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّ الشَّرَائِعَ عِنْدَهُ من نَفْسِ الْإِيمَانِ وَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ فَيُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ وَعِنْدَنَا لَيْسَتْ من نَفْسِ الْإِيمَانِ فَلَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَائِهَا ما لم يُؤْمِنُوا وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَلَيْسَ ذلك من الْإِيمَانِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ انْقَسَمُوا فَمِنْهُمْ من صَارَ إلَى اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِهِمْ عَقْلًا وَمِنْهُمْ من لم يَحِلَّهُ وَلَكِنَّهُمْ مع الْجَوَازِ لم يُكَلَّفُوا وقال الْقَاضِي أَقْطَعُ بِالْجَوَازِ وَلَا أَقْطَعُ بِأَنَّ هذا الْجَائِزَ وَقَعَ وَلَكِنْ يَغْلِبُ على الظَّنِّ وُقُوعُهُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُمْكِنٌ في حَالَةَ الْكُفْرِ وَلَا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَرُّبُ فَجَازَ التَّكَلُّفُ بها دُونَ الْأَوَامِرِ فإن شَرْطَهَا الْعَزِيمَةُ وَفِعْلُ التَّقْرِيبِ مع الْجَهْلِ بِالْمُقَرَّبِ إلَيْهِ مُحَالٌ فَامْتُنِعَ التَّكْلِيفُ بها وَحَكَى النَّوَوِيُّ هذه الثَّلَاثَةَ في التَّحْقِيقِ أَوْجُهًا لِلْأَصْحَابِ وَسَبَقَ حِكَايَةُ الْأُسْتَاذِ وَابْنِ كَجٍّ الْأَوَّلَيْنِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أبو الْمَعَالِي عَزِيزِيُّ بن عبد الْمَلِكِ في كِتَابِ بَيَانِ الْبُرْهَانِ بِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عليهم في فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ على تَرْكِ الْإِيمَانِ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَيُحَدُّ في الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَيُقْطَعُ في السَّرِقَةِ وَلَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ شَيْءٍ من الْعِبَادَاتِ وَإِنْ فَعَلَهَا في كُفْرِهِ لم تَصِحَّ منه وَنَقَلَهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ عن أبي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ تَكْلِيفُ الْكُفَّارِ بِالنَّوَاهِي وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ في تَكْلِيفِهِمْ بِالنَّوَاهِي وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في تَكْلِيفِهِمْ بِالْأَوَامِرِ قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ الْأُصُولِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ في أَوَّلِ كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ من تَعْلِيقِهِ قال وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَمَنْهِيُّونَ عنها بِلَا خِلَافٍ بين الْمُسْلِمِينَ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ لَا خِلَافَ أَنَّ خِطَابَ الزَّوَاجِرِ من الزِّنَا وَالْقَذْفِ يَتَوَجَّهُ على الْكُفَّارِ كما يَتَوَجَّهُ على الْمُسْلِمِينَ ا هـ وَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِيمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا أو أَتْلَفَ عليه مَالًا ثَمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا قُلْنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ قال وَذَكَرَ الْعَبَّادِيُّ أَنَّهُ يُعْزَى ذلك أَيْضًا لِلْمُزَنِيِّ في الْمَنْثُورِ وقال الْمَازِرِيُّ لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْضِيلِ لِأَنَّ النَّهْيَ في الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ وَكَأَنَّهُمْ قالوا إنَّ التُّرُوكَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تَصَوُّرٍ بِخِلَافِ الْفِعْلِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْأَوَامِرِ فَقَطْ حَكَاهُ ابن الْمُرَحَّلِ في الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَلَعَلَّهُ انْقَلَبَ مِمَّا قَبْلَهُ وَيَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ على تَكْلِيفِهِمْ بِالنَّوَاهِي وَالْخَامِسُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ مُكَلَّفٌ دُونَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالطُّرْطُوشِيُّ في الْعُمْدَةِ لِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَلَا مَعْنًى لِهَذَا التَّفْصِيلِ لِأَنَّ مَأْخَذَ النَّقِيِّ فِيهِمَا سَوَاءٌ وهو جَهْلُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمُقْتَضَى هذا أَنَّ الْخِلَافَ يَطْرُقُ الْأَصْلَ وَالْمُرْتَدَّ لَكِنْ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَطْرُقُ الْمُرْتَدُّ وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا نَقَلَ الْأَصْحَابُ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ السَّابِقَةَ وَتَمْنَعُ الْوُجُوبَ في الْحَالِ وَلِهَذَا قالوا إنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَقْضِي صَلَاةَ أَيَّامِ رِدَّتِهِ وَعِنْدَنَا تَلْزَمُهُ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ يُمْكِنُ بِنَا الْخِلَافُ في إحْبَاطِ الرِّدَّةِ الْأَعْمَالُ على أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا فَإِنْ قِيلَ لو سَاوَى الْمُرْتَدُّ الْأَصْلِيُّ لم يَجِبْ عليه قَضَاءُ أَيَّامِ رِدَّتِهِ قُلْت إنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ على الْمُرْتَدِّ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بِخُرُوجِهِ منه لَا يَسْقُطُ بِخِلَافِ الْأَصْلِيِّ وقد قال الشَّافِعِيُّ في الزَّكَاةِ على الْمُرْتَدِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ وَالثَّانِي مَوْقُوفٌ قال ابن أبي هُرَيْرَةَ وهو نَظِيرُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ كما إذَا أَسْلَمَ يُزَكِّي فَكَذَا إذَا أَسْلَمَ يُصَلِّي وَالسَّادِسُ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا عَدَا الْجِهَادَ أَمَّا الْجِهَادُ فَلَا لِامْتِنَاعِ قِتَالِهِمْ أَنْفُسِهِمْ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ قال وَلَا أَعْرِفُ أَيْنَ وَجَدْته قُلْت صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ فقال وَالذِّمِّيُّ ليس مُخَاطَبًا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَكَذَا قال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ السِّيَرِ الذِّمِّيُّ ليس من أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ وَلِهَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ على الْجِهَادِ لَا يَبْلُغُ بِهِ سَهْمُ رَاجِلٍ على أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ نعم يَجُوزُ لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ على الْجِهَادِ على الْأَصَحِّ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ غَيْرُ فَرْضٍ عليه وَإِلَّا لَمَا جَازَ كما لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عليه السَّابِعُ الْوَقْفُ حَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في تَقْرِيبِهِ عن بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عن الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْمَدَارِكِ عُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ تَرْدِيدُ الْقَوْلِ في خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ وَنَصُّهُ في الرِّسَالَةِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بها قُلْت وقد يَخْرُجُ من تَصَرُّفِ الْأَصْحَابِ في الْفُرُوعِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ وهو التَّفْصِيلُ بين الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ دُونَ غَيْرِهِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ في الْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذلك لَا يَجِبُ حَدُّهَا على الْحَرْبِيِّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَحَكَى الطُّرْطُوشِيُّ في الْعُمْدَةِ أَنَّ الْوَاقِفِيَّةَ من عُلَمَائِهِمْ وَافَقُوا على كَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ إلَّا أَنَّهُمْ قالوا إنَّ دُخُولَهُمْ في الْخِطَابِ لم يَكُنْ بِظَوَاهِرِهَا وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِدَلِيلٍ ا هـ وَبِهِ يَخْرُجُ مَذْهَبٌ تَاسِعٌ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ لَا يَدْعُونَ ذلك عَقْلًا وُجُوبًا بَلْ يُجَوِّزُونَ في حُكْمِ الْعَقْلِ خُرُوجَهُمْ عن التَّكْلِيفِ في أَحْكَامِ الشَّرْعِ كَيْفَ وقد أُخْرِجَ كَالْحَائِضِ عن الْتِزَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ سَائِغٌ عَقْلًا وَتَرْكُ تَكْلِيفِهِمْ جَائِزٌ عَقْلًا غير أَنَّ في أَدِلَّةِ السَّمْعِ ما يَقْتَضِي تَكْلِيفَهُمْ وَأَمَّا الَّذِينَ صَارُوا إلَى مَنْعِ تَكْلِيفِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من صَارَ إلَى اسْتِحَالَتِهِ وَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ عَقْلًا وَمَنَعَ إبْطَالَ أَدِلَّةِ السَّمْعِ بِهِمْ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ اسْتِحَالَةُ مُخَاطَبَةِ الْكَافِرِ بِإِنْشَاءِ فَرْعٍ على الصِّحَّةِ في تَحْقِيقِ مَقَالَةِ أَصْحَابِنَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَافِرَ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يُخَاطَبَ بِإِنْشَاءِ فَرْعٍ على الصِّحَّةِ وَكَذَا الْمُحْدِثُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُخَاطَبَ بِإِنْشَاءِ الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ مع بَقَاءِ الْحَدَثِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ مُخَاطَبُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى ما يَقَعُ آخِرًا وَلَا يَتَنَجَّزُ الْأَمْرُ عليهم بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قبل وُقُوعِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ إذَا مَضَى من الزَّمَانِ ما يَسَعُ الشَّرْطَ وَالْمَشْرُوطَ وَالْأَوَائِلَ وَالْأَوَاخِرَ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُعَاقَبَ الْمُمْتَنِعُ على حُكْمِ التَّكْلِيفِ مُعَاقَبَةَ من يُخَالِفُ أَمْرًا نُوجِبُهُ عليه نَاجِزًا فَمَنْ أَبَى ذلك قَضَى عليه قَاطِعُ الْعَقْلِ بِالْفَسَادِ وَمَنْ جَوَّزَ تَنَجُّزَ الْخِطَابِ بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قبل وُقُوعِ الشَّرْطِ فَقَدْ سَوَّغَ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بين الْفُرُوعِ وَأَوَاخِرِ الْعَقَائِدِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْمُحْدِثِ فَهُوَ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا وقال في كِتَابِ الْفَرَائِضِ من النِّهَايَةِ من زَعَمَ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ أَرَادَ رَبْطَ الْمَأْثَمِ بِهِمْ في دَرْئِهِمْ بِالشَّرْعِ الْمُشْتَمِلِ على تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ على كل مُحَرَّمٍ في الشَّرْعِ اقْتَحَمُوهُ وَكُلِّ وَاجِبٍ تَرَكُوهُ فَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَشَرَائِطِهَا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْتِزَامِهَا انْتَهَى وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ كَيْفَ يُكَلَّفُونَ بِمَا لو فَعَلُوهُ لَمَا صَحَّ وَلِأَنَّهُ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ وَالصَّوَابُ أَنْ نَقُولَ مُكَلَّفُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى الْفُرُوعِ بِهِ وَتَقَدُّمِ الْأَصْلِ فإذا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فيه تَحْصِيلُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَثِمُوا عليها مَعًا كَالْمُحْدِثِ على تَرْكِ الصَّلَاةِ وَهَذَا نَافِعٌ في الْجَمْعِ بين إطْلَاقِ أَصْحَابِنَا في الْأُصُولِ التَّكْلِيفَ وفي الْفُرُوعِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ لَا تَجِبُ على الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ولم يَزَلْ هذا الْإِشْكَالُ يَدُورُ في النَّفْسِ وَجَمَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بها في الدُّنْيَا مع كُفْرِهِمْ فإذا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَاضِي ولم يَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَمُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ الْعِقَابُ الْأُخْرَوِيُّ زِيَادَةٌ على عِقَابِ الْكُفْرِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِلْمُطَالَبَةِ في الدُّنْيَا وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فَاسِدَةٌ أَوْقَعَهُمْ فيها قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ فَائِدَتُهُ مُضَاعَفَةُ الْعِقَابِ في الْآخِرَةِ وهو صَحِيحٌ ولم يُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ إلَّا في الْآخِرَةِ بَلْ هو جَوَابٌ عَمَّا الْتَزَمَ الْخَصْمُ في مَسَائِلَ خَاصَّةٍ لَا تَظْهَرُ لِلْخِلَافِ فيها فَائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْخَاصُّ وَلَا يَسْتَلْزِمُ من ذلك عَدَمُ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا فإن الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا على هذا الْخِلَافِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً تَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وما ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ في الْجَمْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّخْرِيجُ أَصْلًا لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا غَيْرُ مُرَادِ ثَمَّ التَّنْبِيهُ الثَّانِي هل يُخَاطَبُ الْكَافِرُ بِالْفُرُوعِ زَعَمَ الشَّيْخَانِ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ وأبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ السِّيَرِ من النِّهَايَةِ وَوَالِدُهُ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ في الْفُرُوقِ وأبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُمْ هل الْخِلَافُ إنَّمَا يَظْهَرُ في اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِأَجْلِ إخْلَالِهِ بِالشَّرْعِيَّاتِ أَمْ لَا لِلِاتِّفَاقِ على أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْفِعْلُ حَالَ الْكُفْرِ على أَنْ يَكُونَ قَضَاءً منه لِكُفْرِهِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ إذَا أَسْلَمَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ أَيْضًا عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فقال فَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ من قال بِالْخِطَابِ قال يَسْتَحِقُّونَ الذَّمَّ مِنَّا وَالْعِقَابَ منه تَعَالَى على الْإِخْلَالِ بها كما يَسْتَحِقُّونَ ذلك بِالْإِخْلَالِ بِالْإِيمَانِ وَمَنْ قال لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ ذلك على الْإِخْلَالِ بِالْعِبَادَاتِ بَلْ على الْكُفْرِ وَتَرْكِ الْإِيمَانِ لَا غَيْرُ وقال الْقَرَافِيُّ له فَوَائِدُ منها تَيْسِيرُ الْإِسْلَامِ فإنه إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ وهو خَيِّرُ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ كان ذلك سَبَبًا في تَيْسِيرِ إسْلَامِهِ وَمِنْهَا التَّرْغِيبُ في الْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذلك وقد قال أبو الْفَضْلِ بن عَبْدَانَ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ إنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا من الْعِبَادَاتِ على الْكَافِرِ مُفَرَّعٌ على الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ قال فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ فَلَيْسَ الْإِسْلَامُ من شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ على الْكَافِرِ كُلَّمَا دخل الْوَقْتُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَجِبُ عليه وَهِيَ لَا تَصِحُّ منه قُلْنَا كَالْمُحْدِثِ لَا تَصِحُّ منه وَمَعَ ذلك تَجِبُ عليه بِشَرِيطَةِ الْوُضُوءِ فَيُقَالُ له أَسْلِمْ وَصَلِّ يُقَالُ لِلْمُحْدِثِ تَوَضَّأْ وَصَلِّ وقال الْقَاضِي أبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ في التَّجْرِيدِ وَالْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْمُشْرِكِينَ هل هُمْ مُخَاطَبُونَ بِالزَّكَاةِ وَإِنْ لم تُؤْخَذْ منهم على وَجْهَيْنِ بِنَاءً على اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا هل خُوطِبُوا مع الْإِيمَانِ بِالْعِبَادَاتِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى ذلك لِمُخَاطَبَتِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَأَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ على تَرْكِهِ وقال آخَرُونَ وهو قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ إنَّهُمْ في حَالِ الْكُفْرِ إنَّمَا خُوطِبُوا بِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ ولم يَتَوَجَّهْ إلَيْهِمْ الْخِطَابُ بِالْعِبَادَاتِ إلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ ا هـ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ في كِتَابِ الزَّكَاةِ الْإِسْلَامُ شَرْطٌ في وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ لَا في وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ فَأَمَّا الْإِخْرَاجُ فَلَا يَجِبُ عليهم إلَّا الْمُرْتَدُّ في أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ هذا كَلَامُهُ وَبِهِ يَجْتَمِعُ كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَيْضًا وَبَنَى الْقَفَّالُ عليه فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الْأَسْرَارِ إذَا غَنِمَ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُونَهَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ قال الْقَاضِي قُلْت لو كَانُوا مُخَاطَبِينَ لَمَا سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُمْ فقال الْقَفَّالُ الضَّمَانُ وَاجِبٌ غير أَنَّهُ سَقَطَ بِالْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَرْغَبُوا عنه خِيفَةَ انْتِزَاعِ ما مَلَكُوهُ من أَيْدِيهِمْ وَبَنَى عليه الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إحْبَاطَ الْعَمَلِ بِالرِّدَّةِ كما سَبَقَ وَبَنَى عليه الْمُتَوَلِّي حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ في الْخَمْرِ عليهم قال وَعِنْدَنَا أَنَّ التَّصَرُّفَ في الْخَمْرِ حَرَامٌ عليهم خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَبَنَى عليه الْقَاضِي مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ هل يُصَلِّي على قَبْرِ من مَاتَ من الْمُسْلِمِينَ في كُفْرِهِ إذَا قُلْنَا لَا يُصَلِّي عليه إلَّا من كان من أَهْلِ الْفَرْضِ وَبَنَى عليه أَيْضًا صِحَّةَ النَّذْرِ من الْكَافِرِ وَقَضِيَّةُ الْبِنَاءِ تَصْحِيحُهُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَتَقَدَّمَ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّ إيجَابَ الضَّمَانِ على الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ مُفَرَّعٌ على خِطَابِهِمْ وَمِنْهَا لو مَرَّ الْكَافِرُ بِالْمِيقَاتِ وهو مُرِيدُ النُّسُكِ فَجَاوَزَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ ولم يَعُدْ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ مع أَنَّهُ حَالَةَ مُرُورِهِ لم يَكُنْ مُكَلَّفًا عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذلك وقال أبو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ لَا دَمَ عليه جَرْيًا على هذا الْأَصْلِ وَمِنْهَا لو قَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا مَلَكَهُ وَيُخَالِفُ الْمُسْلِمُ إذَا قَهَرَ حَرْبِيًّا فإنه لَا يَجْرِي على من قَهَرَهُ الرِّقُّ حتى يَرِقَّهُ الْإِمَامُ أو نَائِبُهُ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ اجْتِهَادًا في أُسَارَى الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِرِعَايَتِهِ وَالْحَرْبِيُّ لَا يُؤَاخَذُ بِمِثْلِ ذلك إذَا عُرِفَ هذا فَلَوْ قَهَرَ الْحَرْبِيُّ أَبَاهُ الْحَرْبِيَّ أو ابْنَهُ فَهَلْ يُعْتَقُ عليه بِمُجَرَّدِ ذلك كما لو مَلَكَ الْمُسْلِمُ فَرْعَهُ أو أَصْلَهُ أو لَا بَلْ يَجُوزُ له بَيْعُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَجْهَانِ أَشْبَهَهُمَا في الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْأَوَّلُ وَمِنْهَا يَحْرُمُ على الْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّةِ قَطْعًا وَهَلْ تَحِلُّ لِلذِّمِّيِّ فيه وَجْهَانِ في الْكِفَايَةِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَلَعَلَّ مَدْرَكَهَا هذا الْأَصْلُ وَمِنْهَا تَحْرِيمُ نَظَرِ الذِّمِّيَّةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ على الْأَصَحِّ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ الْمُسْلِمَ إذَا لم يَجِدْ إلَّا مَيْتَةَ آدَمِيٍّ فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نعم لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ قال الدَّارِمِيُّ وَالْخِلَافُ في مَيْتَةِ الْمُسْلِمِ أَمَّا الْكَافِرُ فَيَحِلُّ قَطْعًا انْتَهَى وَلَوْ كان الْمُضْطَرُّ كَافِرًا وَوَجَدَ مَيْتَةَ مُسْلِمٍ فَفِي حِلِّهِ وَجْهَانِ أَقْيَسُهُمَا في زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ الْمَنْعُ وَمِنْهَا أَنَّ الْكَافِرَ يُمْنَعُ من مَسِّ الْمُصْحَفِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ في بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ من شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ من قِرَاءَتِهِ جُنُبًا وقال الْمَاوَرْدِيُّ الْكَافِرُ لَا يُمْنَعُ من تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَيُمْنَعُ من مَسِّ الْمُصْحَفِ ذَكَرَهُ في بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَفِيهِ نَظَرٌ مع جَزْمِهِ بِجَوَازِ تَعْلِيمِهِ مِمَّنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ ذلك تَمْكِينُهُ من حَمْلِ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ اللَّذَيْنِ يَتَعَلَّمُ فِيهِمَا وقد يَكُونُ جُنُبًا وَمِنْهَا إذَا وَجَبَتْ عليه كَفَّارَةٌ فَأَدَّاهَا حَالَ كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا تَجِبُ عليه الْإِعَادَةُ وَهَذَا بِخِلَافِ ما لو اغْتَسَلَ عن جَنَابَتِهِ أو تَوَضَّأَ أو تَيَمَّمَ ثُمَّ أَسْلَمَ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الصُّوَرِ إنَّ الْقَائِلِينَ بِتَكْلِيفِهِ وَرُجُوعِ الْفَائِدَةِ لِأَحْكَامِ الدُّنْيَا اسْتَثْنَوْا صُوَرًا لَا يَجْرِي عليه فيها أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ لِأَجْلِ عَقِيدَتِهِمْ بِإِبَاحَتِهِ في صُوَرٍ منها شُرْبُ الْخَمْرِ لَا يُحَدُّونَ بِهِ على الْمَذْهَبِ لِاعْتِقَادِهِمْ إبَاحَتَهُ وَمِنْهَا لو غَصَبَ منه الْخَمْرَ رُدَّتْ عليه وَمِنْهَا لَا يُمْنَعُ من لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْأَصَحِّ وَمِنْهَا الْحُكْمُ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ على ما يَعْتَقِدُونَ وَمِنْهَا لَا يُمْنَعُ من لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْأَصَحِّ مَسَاجِدُنَا وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ على الْكَافِرِ الْجُنُبِ اللُّبْثُ في الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيُطِيلُونَ الْجُلُوسَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجْنِبُونَ وَيُخَالِفُ الْمُسْلِمَ فإنه يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ فَيُؤَاخَذُ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ وَالْكَافِرُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ وَلَا يَلْزَمُ تَفَاصِيلُ التَّكْلِيفِ فَجَازَ أَنْ لَا يُؤَاخَذَ بِهِ كَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ قال وَهَذَا كما أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُحَدُّ على شُرْبِ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ وَالْمُسْلِمُ يُحَدُّ وَمِنْهَا تَفْضِيلُ مُعَامَلَتِهِمْ على مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ كانت مُعَامَلَتُهُمْ فِيمَا أَخَذُوهُ على خِلَافِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَخَفَّ من مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِذَلِكَ الْعَقْدِ وقد نَهَاهُ اللَّهُ عنه ولم يَنْهَ الْكَافِرَ وَلِذَلِكَ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ ما يَأْخُذُهُ الْإِفْرِنْجُ من أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَمْلِكُونَهُ بِالْقَهْرِ بِخِلَافِ أَخْذِهِمْ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُونَهَا بِالْقَهْرِ فَيَكُونُ الْحَلَالُ الذي بِأَيْدِيهِمْ أَوْسَعَ من الْحَلَالِ الذي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْخِلَافَ نَشَأَ في هذه الْفُرُوعِ من كَوْنِهِ غير مُلْتَزَمٍ لِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ لَا من أَنَّهُ مُخَاطَبٌ أو لَا وَلِهَذَا قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ في الْفُرُوقِ وقد جَزَمَ بِجَوَازِ الْمُكْثِ في الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ كَالْمُسْلِمِينَ قُلْنَا التَّعْظِيمُ يَنْشَأُ وَيُتَصَوَّرُ من أَصْلِ الْعَقِيدَةِ وَالْكَافِرُ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ أو لَا وَفَائِدَةُ الْخِطَابِ زِيَادَةُ عُقُوبَتِهِمْ في الْآخِرَةِ قُلْت وَلِهَذَا إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَفَرَّعْنَا على وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وهو الْأَصَحُّ فَإِنَّا نُجْرِيهِمْ على أَحْكَامِنَا التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ سَقَطَ عنه حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِمْ قالوا يُشْتَرَطُ ما وَجَبَ منها عِنْدَ الْإِسْلَامِ قَالَهُ ابن الرِّفْعَةِ في كِتَابِ النَّذْرِ من الْمَطْلَبِ ثُمَّ اُسْتُشْكِلَ ذلك بِتَخْرِيجِ مُجَلِّي مَسْأَلَةَ نَذْرِ الْكَافِرِ على هذا الْأَصْلِ من جِهَةِ أَنَّ الْقَائِلَ بِصِحَّةِ النَّذْرِ إنَّمَا يقول بِوُجُوبِ الْوَفَاءِ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ أَجَابَ أَنَّ ذلك فِيمَا إذَا أَلْزَمَهُمْ الشَّارِعُ أَمَّا إذَا أَلْزَمَهُمْ ذلك بِالْتِزَامِهِمْ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لو أَتْلَفَ الْحَرْبِيُّ مَالَ الْمُسْلِمِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا ضَمَانَ عليه وَلَوْ عَامَلَهُ أَسْلَمَ وَجَبَ قَضَاءُ دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ ا هـ وَأَقُولُ لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ الْقَوْلِ هَكَذَا بَلْ إذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عليهم قَضَاؤُهَا أَمَّا الْمَالِيَّةُ فَإِنْ كانت زَكَاةً فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُغَلَّبُ فيها حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كانت كَفَّارَةً كَقَتْلِ الْخَطَأِ وَالظِّهَارِ لم تَسْقُطْ وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ لَزِمَهُ دَمٌ نَصَّ عليه وقال الْمُزَنِيّ لَا دَمَ عليه وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا في الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ على الْأَصَحِّ فَلَوْ أَسْلَمَ لم يَسْقُطْ وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَإِنْ كان قد الْتَزَمَ حُكْمَنَا بِجِزْيَةٍ أو أَمَانٍ لم يُسْقِطْ نَفْسًا وَلَا مَالًا وَلِهَذَا لو قَتَلَ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ لم يَسْقُطْ الْقِصَاصُ على الْمَعْرُوفِ وَفِيهِ وَجْهٌ في الذَّخَائِرِ وَإِنْ لم يَلْتَزِمْ حُكْمَنَا سَقَطَ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أَتْلَفَ مَالًا أو نَفْسًا في حَالِ الْحَرْبِ مع الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَجِبُ قال الرَّافِعِيُّ وَيُعْزَى لِلْمُزَنِيِّ في الْمَنْثُورِ أَمَّا حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ على أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَسْقُطُ عنه الْحَدُّ وَأَمَّا ما وَقَعَ في الرَّوْضَةِ من سُقُوطِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ عنه عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ نَقَلَهُ في الْإِشْرَافِ فَقَدْ رَاجَعْت كَلَامَ ابْنِ الْمُنْذِرِ فَوَجَدْتُهُ نَسَبَهُ لِقَوْلِهِ إذْ هو بِالْعِرَاقِ فَهُوَ قَدِيمٌ قَطْعًا وَنَصُّ الْأُمِّ جَدِيدٌ فَحَصَلَ في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ في الِاسْتِذْكَارِ وَجْهَيْنِ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ في خِطَابِ التَّكْلِيفِ إنَّ الْخِلَافَ جَارٍ في خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِأَسْرِهِ فَكُلُّ وَاجِبٍ أو مُحَرَّمٍ هو من مَحَلِّ الْخِلَافِ وَكَذَا الْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ ما أُبِيحَ فَهُوَ مُبَاحٌ في حَقِّهِمْ عِنْدَ من يَرَى شُمُولَ الْخِطَابِ لهم وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ تَعَلُّقَ الْإِبَاحَةِ بِهِمْ إذَا قُلْنَا بِتَكْلِيفِهِمْ وَقُلْنَا الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ فإنه حَكَى الْإِجْمَاعَ على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ الْإِقْدَامُ على فِعْلٍ وَإِنْ كان مُبَاحًا في نَفْسِ الْأَمْرِ حتى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فيه وَالْكُفَّارُ لَا يَعْتَقِدُونَ حُكْمَ اللَّهِ فيه حُكْمًا صَحِيحًا لِأَنَّهُمْ يَسْتَنِدُونَ فيه إلَى شَرْعِنَا اللَّازِمِ لنا وَلَهُمْ وَشَرْعُهُمْ مَنْسُوخٌ وَمُقْتَضَى هذا الْبَحْثِ أَنْ يَأْثَمُوا في جَمِيعِ أَفْعَالِهِمْ حتى يُؤْمِنُوا وفي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عن بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ما يَشْهَدُ له أَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فَمِنْهُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ فَكَذَلِكَ وَمِنْهُ ما يَكُونُ من بَابِ الْإِتْلَافَاتِ وَالْجِنَايَاتِ فَلَا يَجْرِي فيها الْخِلَافُ بَلْ هِيَ أَسْبَابٌ لِلضَّمَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا ثُبُوتُ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِمْ من هذا النَّوْعِ وَوُجُوبُ الْحُدُودِ عليهم وَالْحُدُودُ إنَّمَا تَكُونُ كَفَّارَةً لِلْمُسْلِمِينَ كما صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْكَافِرُ ليس من أَهْلِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَإِنَّمَا هِيَ في حَقِّهِ كَالدَّيْنِ اللَّازِمِ وَلِهَذَا تَجِبُ عليه كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَنَحْوُهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ وَالْأَيْمَانُ من هذا الْقَبِيلِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قُلْت وَلَا تَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ في الْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَةِ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ في الْجَمِيعِ وقد سَبَقَ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا أو أَتْلَفَ عليه مَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَجِبُ عليه ضَمَانُهَا إذَا قُلْنَا الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ وَنَقَلُوا وَجْهَيْنِ أَيْضًا فِيمَا لو دخل الْكَافِرُ الْحَرَمَ وَقَتَلَ صَيْدًا هل يَضْمَنُهُ أَصَحُّهُمَا نعم قال صَاحِبُ الْوَافِي وَهُمَا شَبِيهَانِ بِالْوَجْهَيْنِ في تَمْكِينِهِ من الْمَسْجِدِ إنْ كان جُنُبًا يَعْنِي نَظَرًا لِعَقِيدَتِهِ بَلْ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْأَسَالِيبِ من كِتَابِ السِّيَرِ إنَّ الْكُفَّارَ إذَا اسْتَوْلَوْا على مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا حُكْمَ لِاسْتِيلَائِهِمْ وَأَعْيَانِ الْأَمْوَالِ لِأَرْبَابِهَا وَكَأَنَّهُمْ في اسْتِيلَائِهِمْ وَإِتْلَافِهِمْ كَالْبَهَائِمِ قال وَمِنْ تَقْوِيمِ هذه الْمَسْأَلَةِ على الْخِلَافِ في تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ وقال هُمْ مَنْهِيُّونَ عن اسْتِيلَائِهِمْ ا هـ ثُمَّ قال هذا الْمُتَأَخِّرُ وَمِنْهُ الْإِرْثُ وَالْمِلْكُ بِهِ وَلَوْلَا ذلك لَمَا سَاغَ بَيْعُهُمْ لِوَارِثِهِمْ وما يَشْتَرُونَهُ وَلَا مُعَامَلَتُهُمْ وَكَذَا صِحَّةُ أَنْكِحَتِهِمْ إذَا صَدَرَتْ على الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْخِلَافُ في ذلك لَا وَجْهَ له وَمِنْهُ كَوْنُ الزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَذَلِكَ ثَابِتٌ في حَقِّهِمْ وَلِهَذَا رَجَمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْيَهُودِيَّيْنِ وَلَا يَحْسُنُ الْقَوْلُ بِبِنَاءِ ذلك على تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ فإنه كَيْفَ يُقَالُ بِإِسْقَاطِ الْإِثْمِ عَنْهُمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ لِكُفْرِهِمْ وقد تَقَدَّمَ عن الْأُسْتَاذِ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ خِطَابَ الزَّوَاجِرِ من الزِّنَا وَالْقَذْفِ يُتَوَجَّهُ عليهم وَأَمَّا تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِأَمْوَالِهِمْ قُلْنَا خِلَافٌ هل هو تَعَلُّقُ رَهْنٍ أو جِنَايَةٍ أو شَرِكَةٍ وهو الْأَصَحُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ في حَقِّهِمْ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالزَّكَاةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَأْثِيمُهُمْ بِتَرْكِهَا لَا أَخْذِهَا منهم حَالَةَ كُفْرِهِمْ وَالتَّعَلُّقُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ تَأَكُّدُ الْوُجُوبِ لِأَجْلِ أَخْذِ النِّصَابِ الْوَاجِبِ عن الضَّيَاعِ فَلَا مَعْنًى لِإِبْقَائِهِ في حَقِّ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ إنْ دَامَ على الْكُفْرِ لم يُؤْخَذْ منه وَإِنْ أَسْلَمَ سَقَطَتْ وما كان كَذَلِكَ فَلَا مَعْنًى لِلتَّعَلُّقِ الذي هو يُوثِقُهُ فيه وَالْمَوْجُودُ في حَقِّ الْكَافِرِ إنَّمَا هو الْأَمْرُ بِأَدَائِهَا وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَثُبُوتُهَا في الذِّمَّةِ قَدْرٌ زَائِدٌ على ذلك قد يُقَالُ بِهِ في الْكَافِرِ أَيْضًا وَإِثْبَاتُ تَعَلُّقِهَا بِالدَّيْنِ أَمْرٌ ثَالِثٌ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ في ثُبُوتِ الشَّرِكَةِ قَوْله تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَلَا يَدْخُلُ الْكَافِرُ في ذلك وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى ما يَتَنَاوَلُهُمْ نحو يا أَيُّهَا الناس إذَا قُلْنَا بِتَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَإِلَى ما لَا يَتَنَاوَلُهُمْ نَحْوُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَنَحْوُهُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظًا وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا لهم إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ التَّنْبِيهُ السَّادِسُ حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ هل هو شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ إنَّ من الناس من تَرْجَمَ هذه الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ هل هو شَرْطٌ في التَّكْلِيفِ أَمْ لَا وَفِيهِ نَظَرٌ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الطَّهَارَةَ عن الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ شَرْطٌ شَرْعِيٌّ مع أَنَّ حُصُولَهَا شَرْطُ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلِهَذَا اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ هذه الْمَسْأَلَةَ من هذه التَّرْجَمَةِ وَالثَّانِي قَالَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الْمُحْدِثَ مُكَلَّفٌ بِالصَّلَاةِ إجْمَاعًا يَعْنِي وَقَضِيَّةُ هذه التَّرْجَمَةِ وُجُودُ خِلَافٍ فيه قُلْت زَعَمَ أبو هَاشِمٍ أَنَّ الْمُحْدِثَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ إجْمَاعًا وَلَوْ بَقِيَ سَائِرُ دَهْرِهِ مُحْدِثًا وَأَنَّهُ لو مَاتَ عُوقِبَ على تَرْكِ الطَّهَارَةِ فَقَطْ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِالصَّلَاةِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ قال الْإِمَامُ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ في ذلك فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ نَاجِزًا مع بَقَاءِ حَدَثِهِ فَصَحِيحٌ قال الْمَازِرِيُّ وَهَذَا الذي قَالَهُ ابن الْجُبَّائِيُّ صَرَّحَ بِهِ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ من أَصْحَابِنَا فقال إنَّ الْمُحْدِثَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ دخل الْوَقْتُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ لِقَوْلِهِ في الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قبل الْغُرُوبِ أَعْنِي في إدْرَاكِهَا الصَّلَاةَ أَنْ يَبْقَى من الْوَقْتِ قَدْرُ ما تَغْتَسِلُ فيه وَتُدْرِكُ رَكْعَتَيْنِ من الْعَصْرِ قُلْت وهو أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَعْنِي اعْتِبَارَ إدْرَاكِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ لِلْوُجُوبِ وَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ كان خِلَافًا وَاهِيًا لَكِنَّ شُمُولَ التَّرْجَمَةِ له أَوْلَى وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِيمَانِ وقال ابن بَرْهَانٍ وهو خَطَأٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ من الْكَافِرِ وهو مَنْهِيٌّ عنه فَكَيْفَ يُخَاطَبُ بها وَهَذَا أَخَذَهُ من كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ السَّابِقِ في تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ وقد يُقَالُ بِأَنَّهُ خِلَافٌ قَرِيبٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُسَلِّمٌ أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الْفُرُوعِ لِتَرْكِهِمْ التَّوَصُّلَ إلَيْهَا على ما صَرَّحَ بِهِ في الْمُحْدِثِ لَا لِتَنْجِيزِ الْأَمْرِ عليهم بِإِيقَاعِهَا حَالَةَ الْكُفْرِ وَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّا نَقُولُ هُمْ مُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الْفُرُوعِ وَالْإِمَامُ يقول بِتَرْكِ التَّوَصُّلِ إلَيْهَا قال الْخِلَافُ إلَى اللَّفْظِ وقد قالوا لو أتى الْكَافِرُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِنُسُكٍ فَأَحْرَمَ منه لم يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ وقال في الشَّامِلِ في انْعِقَادِ إحْرَامِهِ قَوْلَانِ قال في الْبَحْرِ وهو غَلَطٌ عِنْدِي ولم يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ التَّنْبِيهُ السَّابِعُ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ فَرْعِيَّةٌ وَذَكَرَهَا في الْأُصُولِ لِبَيَانِ أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فيه وهو أَنَّ الْإِمْكَانَ الْمُشْتَرِطَ في التَّكْلِيفِ هل يُشْتَرَطُ فيه أَنْ يَكُونَ نَاجِزًا مع الْخِطَابِ أو لَا وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في مَطَالِعِ الْأَحْكَامِ مَأْخَذُ هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ ليس في تَرْتِيبِ الثَّوَانِي على الْأَوَائِلِ ما يُخْرِجُهَا عن أَنْ تَكُونَ مُمْكِنَةً يَعْنِي أَنَّ تَرْتِيبَ التَّكْلِيفِ على اشْتِرَاطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ وهو تَرْتِيبُ أَمْرٍ ثَانٍ على وُجُودِ أَمْرٍ أَوَّلٍ وَلَيْسَ ذلك مُمْتَنِعًا وَلَا مُوجِبًا لِلِامْتِنَاعِ كَالْآحَادِ الْمُتَرَتِّبَةِ في مَرَاتِبِ الْعَدَّادِ كُلُّ وَاحِدٍ منها مُرَتَّبُ الْوُجُودِ على ما قَبْلَهُ الثَّانِي على الْأَوَّلِ وَالثَّالِثُ على الثَّانِي وَهَلُمَّ جَرًّا التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ عِنْدَ الْقَاضِي لِتَعَلُّقِهَا بِالظَّوَاهِرِ من مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ وَخَالَفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَرَأَى أنها قَطْعِيَّةٌ وقال نَحْنُ نَقْطَعُ بِتَكْلِيفِهِمْ بِالشَّرْعِ جُمْلَةً وَنُعَامِلُهُ تَفْصِيلًا وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي التَّرَدُّدُ في الْقَطْعِ التَّنْبِيهُ التَّاسِعُ أَنَّهُ قد كَثُرَ اسْتِدْلَالُ الناس من الْقُرْآنِ على تَكْلِيفِهِمْ وَطَالَ النِّزَاعُ فيه وَلَيْسَ فيه أَصْرَحُ من قَوْله تَعَالَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ وَقَوْلُهُ لَا هُنَّ حِلٌّ لهم وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ التَّنْبِيهُ الْعَاشِرُ إنَّ الْقَائِلِينَ بِالتَّكْلِيفِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْجَوَابِ عن حديث الْجُبَّةِ التي أَعْطَاهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعُمَرَ وَكَسَاهَا أَخًا له مُشْرِكًا بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يُقَالَ عُمَرُ لم يَأْذَنْ لِأَخِيهِ في لُبْسِهَا وَكَسَاهُ مَعْنَاهُ مَلَّكَهُ كما أَنَّ الْكِسْوَةَ في الْكَفَّارَةِ الْمُرَادِ بها التَّمْلِيكُ وَكَذَلِكَ عن قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّهَا لهم في الدُّنْيَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ لَا الْإِبَاحَةِ وَيُبْعِدُهُ قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ في الْآخِرَةِ التَّنْبِيهُ الْحَادِيَ عَشَرَ قُرَبُ الْكُفَّارِ ما يَقَعُ من الْكُفَّارِ من الْقُرَبِ التي لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ كَالصَّدَقَةِ وَالضِّيَافَةِ وَالْعِتْقِ وَلَا يُثَابُ على شَيْءٍ في الْآخِرَةِ إنْ مَاتَ كَافِرًا وَتُوَسَّعُ دُنْيَاهُ وَإِنْ أَسْلَمَ قال النَّوَوِيُّ الصَّحِيحُ الذي عليه أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُثَابُ عليها أَيْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْتَ من خَيْرٍ قال وَأَمَّا ما يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فَلَا تَصِحُّ منه لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ ا هـ وَيَرِدُ عليه الْمُرْتَدُّ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عليه فَأَخْرَجَهَا في حَالِ الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَمْنَعُ من اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فإذا أَخْرَجَهَا الْأَصْلِيُّ فَهَلَّا نَقُولُ إنَّهُ يُوضَعُ إثْمُهَا عنه في الْآخِرَةِ ثُمَّ نَقُولُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَغَيْرُهَا يُمْكِنُ منه في الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوُهَا فَهَلَّا صَحَّتْ وَلَا سِيَّمَا إذَا صَامَ يَوْمًا من رَمَضَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِوَقْتِ الصِّيَامِ وقال ابن عَطِيَّةَ لَا خِلَافَ أَنَّ لِلْكَافِرِ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ سَيِّئَاتِهِ وَاخْتُلِفَ في حَسَنَاتِهِ فَقِيلَ مُلْغَاةٌ يُثَابُ عليها بِنِعَمِ الدُّنْيَا فَقَطْ وَقِيلَ مُحْصَاةٌ من أَجْلِ ثَوَابِ الدُّنْيَا وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُسْلِمُ فَيُضَافُ ذلك إلَى حَسَنَاتِهِ في الْإِسْلَامِ وَهَذَا أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِحَكِيمِ بن حِزَامٍ أَسْلَمْتَ على ما أَسْلَفْت من خَيْرٍ وَقِيلَ الْمَعْنَى على إسْقَاطِ ما سَلَفَ من خَيْرٍ إذْ جُوزِيتَ بِنَعِيمِ دُنْيَاكَ وقال غَيْرُهُ في مَعْنَى هذا الحديث يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ ما سَبَقَ لَك من خَيْرٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَفْظُ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ حَسَنَةٍ كان زَلَفَهَا وَمَحَا عنه كُلَّ سَيِّئَةٍ كان زَلَفَهَا وكان عليه بَعْدَ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا أو لِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَالسَّيِّئَةُ مِثْلُهَا إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ اللَّهُ عنه رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا الْمُؤَاخَذَةُ بِمَا سَلَفَ في الْكُفْرِ من أَسْبَابٍ مَعْفُوٌّ عنها بِالْإِسْلَامِ بِالِاتِّفَاقِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْإِسْلَامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وقد وَرَدَ ما يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ وهو ما في الصَّحِيحَيْنِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَرَأَيْت الرَّجُلَ يُحْسِنُ الْإِسْلَامَ أَيُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَحْسَنَ في الْإِسْلَامِ لم يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ في الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ في الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ قال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا تَقَدَّمَ وقال أبو الْفَرَجِ هو مَحْمُولٌ على وَجْهَيْنِ إحْدَاهُمَا الْإِسَاءَةُ في الْإِسْلَامِ بِالشِّرْكِ فإنه إذَا أَشْرَكَ في الْإِسْلَامِ عَادَ إلَى ما كان عليه قبل الْإِسْلَامِ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّا فيه تَحَقَّقْنَا فيه الْجُبَّ وَالْهَدْمَ بِالْإِسْلَامِ فَلَا نَحْكُمُ بِعَوْدِهِ وما مَنَّ اللَّهُ بِهِ فَلَا رُجُوعَ فيه وَالثَّانِي إذَا جَنَى في الْإِسْلَامِ مِثْلَ جِنَايَتِهِ في الْكُفْرِ فإنه يُعَيَّرُ بِذَلِكَ وَيُقَالُ له هذا الذي كُنْت تَفْعَلُهُ في الْكُفْرِ فَهَلَّا مَنَعَك منه الْإِسْلَامُ فَيَكُونُ هذا التَّوْبِيخُ مَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ جُنُونُ الْكَافِرِ قبل الْبُلُوغِ يَرْفَعُ عنه الْقَلَمَ لو جُنَّ الْكَافِرُ قبل الْبُلُوغِ كان الْقَلَمُ مَرْفُوعًا عنه وَإِنْ جُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْكُفْرِ لم يَرْتَفِعْ الْقَلَمُ عنه لِأَنَّ رَفْعَ الْقَلَمِ عن الْمَجْنُونِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ رُخْصَةٌ وَالْكَافِرُ ليس من أَهْلِ الرُّخْصَةِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا من كَلَامِ الْأَصْحَابِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُرْتَدَّ يَقْضِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ في حَالِ الْجُنُونِ وَيَنْشَأُ من هذا أَنَّ من وُلِدَ كَافِرًا وَلَا أَقُولُ كَافِرًا بَلْ بين كَافِرَيْنِ بِحَيْثُ يُحْكَمُ له بِالْكُفْرِ الظَّاهِرِ وَجُنَّ قبل بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ حتى صَارَ شَيْخًا وَمَاتَ على حَالِهِ دخل النَّارَ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ في فَتَاوِيهِ وقال إنَّهُ لم يَجِدْهُ مَنْقُولًا وَفِيمَا قَالَهُ أَخِيرًا نَظَرٌ لِأَنَّهُ لم يُوجَدْ له حَالَةُ تَكْلِيفٍ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّبِيِّ يَمُوتُ في صِبَاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ في حُكْمِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ في الْآخِرَةِ الْفَرْعُ الثَّانِي إذَا قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ فَهَلْ يَجْرِي في حَقِّهِمْ التَّخْفِيفَاتُ عن هذه الْأُمَّةِ من رَفْعِ الْإِثْمِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي منهم أَمْ لَا فيه نَظَرٌ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ تُفَسَّرَ الْأُمَّةُ بِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَا أُمَّةُ الْإِجَابَةِ لَكِنَّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ على أَنَّ الْحُدُودَ إنَّمَا تَكُونُ كَفَّارَةً لِأَهْلِهَا إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ وهو ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْكَافِرَ ليس من أَهْلِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالطُّهْرَةُ إنَّمَا هِيَ في حَقِّهِ كَالدُّيُونِ اللَّازِمَةِ وَلِذَلِكَ تَلْزَمُهُ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَزُولُ عنه بها الْإِثْمُ الْفَرْعُ الثَّالِثُ هل يُوصَفُ مَالُ الْكَافِرِ على الْكَافِرِ بِالْحُرْمَةِ هل يُوصَفُ مَالُ الْكَافِرِ بِالْحُرْمَةِ إذَا قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ تَوَقَّفَ فيه الشَّيْخُ أبو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيّ بِنَاءً على نَقْلِهِمْ أَنَّ فَائِدَةَ الْخِطَابِ إنَّمَا تَظْهَرُ في الْآخِرَةِ لَكِنَّا قد بَيَّنَّا فَسَادَهُ ثُمَّ مَالَ إلَى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا يَحْكِيهِ عن رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ على نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا وهو عَامٌّ الْفَرْعُ الرَّابِعُ قَوْلُهُمْ فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ عِقَابُهُمْ في الْآخِرَةِ هذا إنْ لم يَأْتُوا بها وَكَذَا إنْ أَتَوْا بها فِيمَا يُشْتَرَطُ فيه نِيَّةُ الْقُرْبَةِ وَأَمَّا ما لَا يُشْتَرَطُ فيه كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ وَالْعَوَارِيِّ وَالْغُصُوبِ وَالْكَفَّارَةِ إذَا غَلَبَ فيها شَائِبَةُ الْقُرْبَةِ فإذا فَعَلُوهَا لم يُعَاقَبُوا في الْآخِرَةِ على تَرْكِهَا وَكَذَلِكَ إذَا اجْتَنَبُوا الْمُحَرَّمَاتِ لم يُعَذَّبُوا على ارْتِكَابِهَا إذَا لم يَرْتَكِبُوهَا وقَوْله تَعَالَى وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذَابِهَا أَيْ على كُفْرِهِمْ الَّذِينَ عُذِّبُوا لِأَجْلِهِ مَسْأَلَةٌ التَّكْلِيفُ هل يَتَوَجَّهُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ أو قَبْلَهَا التَّكْلِيفُ هل يَتَوَجَّهُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ أو قَبْلَهَا هذه الْمَسْأَلَةُ من غَوَامِضِ أُصُولِ الْفِقْهِ تَصْوِيرًا وَنَقْلًا وَنَقْلُ الْمَحْصُولِ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ الْإِحْكَامِ وَفِيهِمَا تَوَقُّفٌ على مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بين أَمْرِ الْإِعْلَامِ وَأَمْرِ الْإِلْزَامِ وقد ذَكَرْنَاهُ في بَحْثِ الْأَمْرِ فَنَقُولُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ يَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الزَّمَانِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَاضٍ وَحَالٍ وَمُسْتَقْبَلٍ أَمَّا بِاعْتِبَارِ الِاسْتِقْبَالِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْفِعْلَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ قبل وُجُودِهِ قَطْعًا سِوَى شُذُوذٍ من أَصْحَابِنَا كَذَا قال الْآمِدِيُّ وَهَذَا أَحَدُ شِقَّيْ ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَصْبُ مَحَلِّ النِّزَاعِ مع الْمُعْتَزِلَةِ فقال ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إنَّمَا يَصِيرُ مَأْمُورًا حَالَةَ زَمَانِ الْفِعْلِ وَأَمَّا قبل ذلك فَلَا يَكُونُ أَمْرًا بَلْ إعْلَامٌ له بِأَنَّهُ في الزَّمَانِ الثَّانِي سَيَصِيرُ مَأْمُورًا وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ قبل وُقُوعِهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ على أَنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَظَنَّ الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافَ في هذه الْحَالَةِ فقال أَثْبَتَ الْمُعْتَزِلَةُ وَنَفَاهُ الْأَشْعَرِيَّةُ فَالْقَائِمُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ قَادِرٌ على الْقُعُودِ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ غَيْرُ قَادِرٍ ولم يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فإن مُرَادَ الْمُعْتَزِلَةِ قَادِرٌ بِالْقُوَّةِ وَمُرَادُ الْأَشْعَرِيَّةِ قَادِرٌ بِالْفِعْلِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا كَذَلِكَ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا ا هـ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَأَمَّا تَقَدُّمُ الْأَمْرِ على وَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَاخْتَلَفُوا فقال كَثِيرٌ من شُيُوخِنَا الْمُثْبِتَةِ إنَّ الْأَمْرَ على الْحَقِيقَةِ الذي هو الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ لَا يَتَقَدَّمُ على وَقْتِ الْفِعْلِ لِأَنَّ ما تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا هو إعْلَامٌ وَإِنْذَارٌ وَأَنَّ الْأَمْرَ على الْحَقِيقَةِ ما قَارَنَ الْفِعْلَ وقال الْبَاقُونَ من أَصْحَابِنَا إنَّهُ يَتَقَدَّمُ على وَقْتِ الْفِعْلِ وَاخْتَلَفَ الْمُعْتَزِلَةُ في مِقْدَارِ ما يَتَقَدَّمُ عليه الْأَوْقَاتُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ مع أَصْحَابِنَا على وُجُوبِ تَقْدِيمِهِ بِوَقْتٍ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمَأْمُورِ فَهْمُهُ وَالْعِلْمُ بِمَا يَقْتَضِي منه فَمِنْهُمْ من قال لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عليه بِأَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِوَقْتٍ وَاحِدٍ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَمِنْهُمْ من شَرَطَ في ذلك شُرُوطًا أُخْرَى من كَوْنِ تَقَدُّمِهِ صَلَاحًا لِلْمُكَلَّفِ وَلِغَيْرِهِ وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ في جَمِيعِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ حَيًّا سَلِيمًا قَادِرًا بِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ وَاَلَّذِي يَخْتَارُهُ الْقَاضِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَقَدِّمَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ على الْفِعْلِ بِوَقْتَيْنِ أَحَدُهُمَا وَقْتُ إدْرَاكِ وَاسْتِكْمَالِ سَمَاعِهِ وَالثَّانِي لِحُصُولِ فَهْمِهِ وَالْعِلْمِ بِالْمُرَادِ بِهِ قال وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَصِحُّ إيقَاعُ الْفِعْلِ في حَالِ الْعِلْمِ بِتَضَمُّنِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الْمُكَلَّفُ إلَى تَقَدُّمِ دَلِيلٍ له على وُجُوبِ الْفِعْلِ الْمُقْتَضِي لِمُدَّةٍ شَامِلَةٍ ثُمَّ تَقَدَّمَ على إيقَاعِ ما حَصَلَ له الْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ وَإِلَّا لَكَانَ مُقَدَّمًا على ما لم يَسْتَقِرَّ له الْعِلْمُ بِهِ وَالْكَلَامُ في هذا من وُجُوهٍ أَحَدُهُمَا في وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأَمْرِ على وَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالثَّانِي في أَنَّ تَقَدُّمَهُ لَا يُخْرِجُهُ عن أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وَإِنْ كان إعْلَامًا وَإِنْذَارًا وَالثَّالِثُ في تَصَوُّرِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ حَالَ إيجَادِهِ الرَّابِعُ في مُقَدِّمَاتِ ما يَتَقَدَّمُ الْأَمْرُ بِهِ على الْفِعْلِ من الْأَوْقَاتِ قال وَالْكَلَامُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إذَا تَعَلَّقَ بِأَوَامِرِ اللَّهِ لم يُتَصَوَّرْ فيه الْخِلَافُ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ عِنْدَنَا على الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِمَا لَا غَايَةَ له من الْأَوْقَاتِ وَلِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الْمَصْلَحَةَ في ذلك وَلَا نُوجِبُهَا تَقَدَّمَ الْأَمْرُ على وَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ قال الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَابِنَا الْأَمْرُ قبل حُدُوثِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَمْرُ إيجَابٍ وَإِلْزَامٍ وَلَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الِاقْتِضَاءَ وَالتَّرْغِيبَ وَالدَّلَالَةَ على امْتِثَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ قال وَذَهَبَ بَعْضُ من يَنْتَمِي إلَى الْحَقِّ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةً إذَا قَارَنَ حُدُوثَ الْفِعْلِ وإذا تَقَدَّمَ عليه فَهُوَ أَمْرُ إنْذَارٍ وَإِعْلَامُ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْوُقُوعِ وَهَذَا بَاطِلٌ وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ قبل الْحُدُوثِ وفي حَالِ الْحُدُوثِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحَالَتَانِ في أَمْرٍ وهو أَنَّهُ حَالَةُ الْمُقَارَنَةِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكِنْ لَا يَقْتَضِي تَرْغِيبًا وَاقْتِضَاءً بَلْ يَقْتَضِي كَوْنُهُ طَاعَةً بِالْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَزَعَمَتْ الْقَدَرِيَّةُ بِأَسْرِهَا أَنَّ الْفِعْلَ في حَالِ حُدُوثِهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ إلَّا قبل وُجُودِهِ ثُمَّ طَرَدُوا مَذْهَبَهُمْ في جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فلم يَصِفُوا كَائِنًا يَحْظُرُ وَلَا وُجُوبَ وَلَا نَدْبَ وَإِنَّمَا أَثْبَتُوا هذه الْأَحْكَامَ قبل تَحَقُّقِ الْحُدُوثِ ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ الذي سَبَقَ عن الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا حَالَ الْفِعْلِ وَقَبْلَهُ إعْلَامٌ بِالْأَمْرِ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ ابن عَقِيلٍ من الْحَنَابِلَةِ وَرَدَّ عليهم بِأَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِالْأَمْرِ فَلَوْ لم يَكُنْ ما يُقَدِّمُهُ أَمْرًا لَاحْتَاجَ مع الْفِعْلِ إلَى تَجْدِيدِ أَمْرٍ وَأَمَّا الْحَالُ أَيْ حَالَةُ وُقُوعِ الْفِعْلِ فقال أَصْحَابُنَا يُوصَى بِكَوْنِهِ مَأْمُومًا بِهِ قال ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَنَفَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَنُقِلَ عن الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا على وَقْتِ الْفِعْلِ وَيَنْقَطِعُ التَّعَلُّقُ منه حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الْفِعْلَ في حَالَ حُدُوثِهِ مَأْمُورٌ بِهِ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ ليس مَأْمُورًا بِهِ وَهَذَا هو الذي يَقْتَضِيهِ أَصْلُهُ في أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مع الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ وَأَمَّا أَصْلُهُ الْآخَرُ وهو جَوَازُ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ فَهُوَ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ قبل الِاسْتِطَاعَةِ فَلَعَلَّهُ بَنَاهُ على عَدَمِ الْوَقْعِ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ عن الشَّيْخِ عَدَمَ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَلَيْسَ لِلشَّيْخِ في الْمَسْأَلَةِ صَرِيحُ كَلَامٍ وَإِنَّمَا تُلُقِّيَ من قَضَايَا مَذْهَبِهِ وقد نَقَلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عنه أَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ كَذَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ الْمُتَأَخِّرُ في مُصَنَّفِهِ الْمُفْرَدِ في هذه الْمَسْأَلَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ من الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مُتَّفِقُونَ على أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْفِعْلِ على وَجْهِ الِامْتِثَالِ إنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ لَكِنْ لِلْمُعْتَزِلَةِ أَصْلٌ وهو أَنَّ الْحَادِثَ لَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ حَالَ حُدُوثِهِ كَالْبَاقِي الْمُسْتَمِرِّ الْوُجُودِ فإنه لَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ وَلِلشَّيْخِ أَصْلٌ وهو أَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَ تُقَارِنُ الْمَقْدُورَ الْحَادِثَ وَلَا تَسْبِقُهُ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ فَلَوْ تَقَدَّمَتْ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ على وُجُودِ الْحَادِثِ لَعُدِمَتْ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ ضَرُورَةُ اسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا فَلَا يَكُونُ الْحَادِثُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ فَلَزِمَ على أَصْلِ الشَّيْخِ أَنَّ الْمَأْمُورَ إنَّمَا يَصِيرُ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ لَا قَبْلَهُ وَلَزِمَ على أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثِهِ لَا حَالَةَ حُدُوثِهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا حَاصِلَ لِمُتَعَلِّقِ حُكْمِ الْأَمْرِ بِالْقُدْرَةِ على مَذْهَبِ أبي الْحَسَنِ فإن الْقَاعِدَ في حَالِ قُعُودِهِ مَأْمُورٌ بِالْقِيَامِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَا قُدْرَةَ له على الْقِيَامِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْقُدْرَةِ وَمَنْ لَا قُدْرَةَ له مَأْمُورٌ عِنْدَهُ قال وَهَذَا هو سَبَبُ اخْتِلَافِ نَقْلِ صَاحِبِ الْمَحْصُولِ والإحكام فَكَأَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ اعْتَبَرَ مَذْهَبَ الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابِ الشَّيْخِ وَالْآمِدِيَّ اعْتَبَرَ ما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو أَنَّ الْقَاعِدَ في حَالِ الْقُعُودِ مَأْمُورٌ بِالْقِيَامِ بِالِاتِّفَاقِ فَحَصَلَ الْخِلَافُ بين نَقْلَيْهِمَا ا هـ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه نَسَبَ خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ لِلشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُوَافِقًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَرَدَّ ما نَسَبَهُ إلَى الشَّيْخِ فقال قال الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ لَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ وَاخْتَارَهُ وَزَيَّفَ قَوْلَ الشَّيْخِ بِأَنْ قال إنْ أَرَادَ الشَّيْخُ بِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ لِنَفْسِ التَّكْلِيفِ وما يَتَعَلَّقُ لِنَفْسِهِ بِالشَّيْءِ امْتَنَعَ انْقِطَاعُهُ عنه فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ التَّكْلِيفُ بَعْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَيْضًا وهو بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ أَيْ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا بِالْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِابْتِلَاءِ لِأَنَّ الِابْتِلَاءَ إنَّمَا يَصِحُّ قبل الشُّرُوعِ في الْفِعْلِ فَيَنْتَفِي فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ لِأَنَّ فَائِدَةَ التَّكْلِيفِ إمَّا الِامْتِثَالُ أو الِابْتِلَاءُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّ التَّكْلِيفَ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ تَكْلِيفٌ بِالْإِتْيَانِ بِالْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعِيِّ لَا بِإِيجَادِ وَاحِدٍ من أَجْزَاءِ الْفِعْلِ فَلَا يَكُونُ التَّكْلِيفُ حَالَ الْحُدُوثِ تَكْلِيفًا بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ لِأَنَّ الْكُلِّيَّ الْمَجْمُوعِيَّ لم يُوجَدْ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ فلم يَمْتَثِلْ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنْ قِيلَ ما وُجِدَ من الْفِعْلِ فَقَدْ انْقَطَعَ عنه التَّكْلِيفُ فَيَكُونُ تَعْلِيقُ التَّكْلِيفِ بِالْبَاقِي بِالْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ قُلْنَا التَّكْلِيفُ بِالذَّاتِ قد تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ وَبِأَجْزَائِهِ بِالْعَرْضِ فما لم يَحْدُثْ لم يَنْقَطِعْ التَّكْلِيفُ وقال الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُحْدَثَةَ لَا تَتَقَدَّمُ الْمَقْدُورَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَقَدَّمُ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَيُقَارِنُهُ وَأَلْزَمَهُ الْإِمَامُ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ مَأْمُورًا بِالْقِيَامِ غير مَقْدُورٍ له قبل شُرُوعِهِ فيه وَمَعَ هذا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فَقَدْ صَارَ الْمَأْمُورُ بِهِ غير مُرْتَبِطٍ بِكَوْنِهِ مَقْدُورًا عليه وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ لِشَيْخٍ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدَلَّ على صِحَّةِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِهِ لم يَلْزَمْ أَنْ يَقُولَ إنَّ عَدَمَ تَعَلُّقِهَا بِهِ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ لِأَنَّ هذا عَكْسُ الِاسْتِدْلَالِ وهو غَيْرُ لَازِمٍ وقال إِلْكِيَا اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْحَادِثَ حَالَ حُدُوثِهِ هل يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ فقال أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ مَأْمُورٌ بِهِ في تِلْكَ الْحَالَةِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَأْمُورٌ بِهِ قبل الْحُدُوثِ وإذا حَدَثَ خَرَجَ عن أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ اسْتَدْعَى التَّحْصِيلَ وَالْحَاصِلُ لَا يَحْصُلُ وَأَصْحَابُنَا بَنَوْا ذلك على أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مع الْفِعْلِ وَأَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ بِهِ وَعَلَى هذا فَلَا أَمَرَ عِنْدَهُمْ قبل الْفِعْلِ وَإِنَّمَا هو إعْلَامٌ على مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ بِهِ انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ الْحَادِثُ حَالَ حُدُوثِهِ مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ا هـ ولم يَتَعَرَّضْ لِلْخِلَافِ قبل الْحُدُوثِ وَاعْلَمْ أَنَّا إذَا فَسَّرْنَا حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ بِأَنَّهُ أَوَّلُ زَمَنِ وُجُودِهِ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ وكان في الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفًا بِإِتْمَامِهِ وَإِيجَادِهِ بِمَا لم يُوجَدْ منه وَإِنْ أُرِيدَ بِحَالِ حُدُوثِهِ زَمَنُ وُجُودِهِ من أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ لم يَصِحَّ مُطْلَقًا بَلْ يَصِحُّ في أَوَّلِ زَمَنِ وُجُودِهِ وَإِنْ كُلِّفَ بِإِتْمَامِهِ كما مَرَّ وَعِنْدَ آخِرِ زَمَنِ وُجُودِهِ يَكُونُ قد وُجِدَ وَانْقَضَى فَيَصِيرُ من بَابِ إيجَادِ الْمَوْجُودِ وهو مُحَالٌ وَهَذَا الْمَبْحَثُ يَنْزِعُ إلَى مَسْأَلَةِ الْحَرَكَةِ وَأَنَّهَا تُقْبَلُ أَمْ لَا وَكَأَنَّ الْخِلَافَ فيها لَفْظِيٌّ لِأَنَّ من أَجَازَ التَّكْلِيفَ عَلَّقَهُ بِأَوَّلِ زَمَنِ الْحُدُوثِ وَمَنْ مَنَعَهُ عَلَّقَهُ بِآخِرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقَرَافِيِّ في الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ قَوْلَ الْأَشْعَرِيَّةِ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ حَالَ الْمُلَابَسَةِ ليس الْمُرَادُ أَنَّ حُصُولَ زَمَانِ الْمُلَابَسَةِ شَرْطٌ في تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بَلْ الْأَمْرُ مُتَعَلِّقٌ في الْأَزَلِ فَضْلًا عَمَّا قبل زَمَنِ الْحُدُوثِ وَإِنَّمَا الْبَحْثُ هَاهُنَا عن صِفَةِ ذلك التَّعَلُّقِ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَعَلَّقَ في الْأَزَلِ كَيْفَ تَعَلَّقَ هل تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ زَمَنَ الْمُلَابَسَةِ أو قَبْلَهُ فَالتَّعَلُّقُ سَابِقٌ وَالطَّلَبُ مُتَحَقِّقٌ وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَعْمُرَ زَمَانًا بِوُجُودِ الْفِعْلِ بَدَلًا عن عَدَمِهِ وهو زَمَنُ الْمُلَابَسَةِ فَإِنْ لم يَفْعَلْ ذلك في الزَّمَنِ الْأَوَّلِ أُمِرَ بِهِ في الزَّمَنِ الثَّانِي كَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ إنْ كان الْأَمْرُ مُوَسَّعًا وَإِنْ كان على الْفَوْرِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الزَّمَنَ الذي يَلِي زَمَانَ الْأَمْرِ وُجُودَ الْفِعْلِ فَإِنْ لم يَفْعَلْ فَهُوَ عَاصٍ فَزَمَنُ الْمُلَابَسَةِ ذُكِرَ لِبَيَانِ صِفَةِ الْفِعْلِ لَا لِأَنَّهُ شَرْطُ التَّعَلُّقِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ نَفْيُ الْعِصْيَانِ لو كان شَرْطًا في التَّعَلُّقِ قال وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ عَدَمُ وُرُودِ الِاسْتِشْكَالِ الْمَشْهُورِ على هذا الْقَوْلِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَلْبِ التَّكَالِيفِ إذْ لو كان حُصُولُ الْمُلَابَسَةِ شَرْطًا في تَعَلُّقِ الْأَمْرِ لم يَكُنْ أَحَدٌ عَاصِيًا لِأَنَّهُ يقول الْمُلَابَسَةُ شَرْطٌ في كَوْنِهِ مَأْمُورًا وأنا لَا أُلَابِسُ الْفِعْلَ فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْقِيقَ ما تَقَدَّمَ ا هـ حَاصِلُ ما تَقَدَّمَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ من الْأَزَلِ بِالْفِعْلِ زَمَنَ الْمُلَابَسَةِ وَقِيلَ زَمَنُ الْمُلَابَسَةِ وَقِيلَ زَمَانُ وُرُودِ الصِّيغَةِ تَعَلُّقِ مُطَالَبَةٍ في الزَّمَنِ الذي يَلِي وُرُودَ الصِّيغَةِ فَإِنْ لَابَسَ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ حَالَ الْمُلَابَسَةِ وَإِنْ أَخَّرَ فَإِنْ كان الْأَمْرُ مَضِيقًا تَعَلَّقَ بِالتَّأْخِيرِ التَّأْثِيمُ وَإِنْ كان مُوسَعًا إلَى أَنْ لَا يَبْقَى من زَمَنِ السَّعَةِ إلَّا قَدْرُ ما يَسَعُ الْفِعْلَ تُضَيَّقَ وَجَاءَ التَّأْثِيمُ ولم يذكر هو إلَّا الْمَضِيقَ وَلَكِنْ يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ وَأَمَّا الْمَاضِي وهو تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ بَعْدَ حُدُوثِهِ كَالْحَرَكَةِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا بِانْقِضَاءِ الْمُتَحَرِّكِ فَمُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِإِيجَادِ الْمَوْجُودِ وَلَا يُوصَفُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ ما كان عليه وقال الْمَازِرِيُّ يُوصَفُ قبل وُجُودِهِ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَطْلُوبٌ وَأَمَّا قبل وُجُودِهِ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالِاقْتِضَاءِ وَالتَّرْغِيبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُ مِمَّا لم يُوجَدْ وَالْحَاصِلُ لَا يُطْلَبُ وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ النَّظَرَ يُضَادُّ الْعِلْمَ بِالْمَنْظُورِ فيه لِأَنَّ النَّظَرَ بَحْثٌ عن الْعِلْمِ وَابْتِغَاءٌ له وَالْحَاصِلُ لَا يُطْلَبُ وَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ طَاعَةٌ وَهَلْ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَالَ وُقُوعِهِ فيه الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ يَنْفُونَهُ وَأَمَّا تَقَضِّي الْفِعْلِ فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِمَا سَبَقَ على مَعْنَى أَنَّهُ كان عليها وإذا قُلْنَا إنَّهُ حَالَ الْإِيقَاعِ وَقَبْلَهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَهَلْ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا مُتَسَاوِيًا على مَذْهَبَيْنِ أَحَدُهُمَا نعم فَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِهِمَا تَعَلُّقَ إيجَابٍ وَإِلْزَامٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ عن الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي أَنَّهُ حَالَ الْوُقُوعِ تَعَلُّقُ إلْزَامٍ وَأَمَّا قَبْلَهُ تَعَلُّقُ إعْلَامٍ بِأَنَّهُ سَيَصِيرُ في زَمَانِ الْحَالِ مَأْمُورًا وَنَسَبَهُ الْقَاضِي إلَى بَعْضِ من يَنْتَمِي إلَى الْحَقِّ قال هو بَاطِلٌ وَادَّعَى الْقَرَافِيُّ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ قال فيه إنَّهُ لَا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ عَاقِلٌ وقال الْقَاضِي وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ على الْحُدُوثِ وفي حَالَةِ الْحُدُوثِ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ في التَّرْغِيبِ وَالِاقْتِضَاءِ وَالدَّلَالَةِ فإن ذلك يَتَحَقَّقُ قبل الْفِعْلِ وَلَا يَتَحَقَّقُ منه وما أَبْطَلَهُ الْقَاضِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ وَلِأَجْلِهِ قال الْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ التَّكْلِيفُ يَتَوَجَّهُ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ وهو قَضِيَّةُ نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عن الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ وَرَأَيَا أَنَّ الْفِعْلَ حَالَ الْإِيقَاعِ لَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِهِ وَمُدْرَكُهُمْ فيه خِلَافُ مُدْرَكِ الْمُعْتَزِلَةِ فَالْمُعْتَزِلَةُ بَنُوهُ على أَصْلِهِمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَقَدَّمُ على الْفِعْلِ وَانْقِطَاعُ تَعَلُّقِهَا حَالَ وُجُودِهِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَكَادَ يُوَافِقُهُمْ لِأَنَّهُ يقول ما ليس بِمَقْدُورٍ لَا يُؤْمَرُ بِهِ من يُثْبِتُ قُدْرَةً وَيَقُولُ الْحَالُ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَلَزِمَ تَقَدُّمُ الْقُدْرَةِ فَصَرَّحَ من أَجْلِهَا بِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ قبل الْفِعْلِ وَانْقِطَاعِهِ معه وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فإنه سَلَّمَ مُقَارَنَةَ الْقُدْرَةِ لِلْمَقْدُورِ وَوَافَقَ مع هذا على انْتِفَاءِ الْأَمْرِ حَالَ الْوُقُوفِ فَتَوَافَقَا في الْأَصْلِ وَتَخَالَفَا في الْفُرُوعِ ثُمَّ اعْتَمَدَ هو وَإِمَامُهُ على أَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ الِاقْتِضَاءُ وَالطَّلَبُ وَالْحَاصِلُ لَا يُطْلَبُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُقْتَضَى حَالِ الْإِيقَاعِ وَلَكِنَّهُ مع هذا مَأْمُورٌ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ طَاعَةٌ وَامْتِثَالٌ وَهَذَا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ لِأَنَّ الطَّاعَةَ مُوَافِقَةُ الْأَمْرِ وَهَذَا مُوَافِقٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ قد رَأَوْا أَنَّ لَا حَقِيقَةَ لِلْأَمْرِ إلَّا الِاقْتِضَاءُ وقد يَطْلُبُ فَبَطَلَ بِنَفْسِهِ وَتَبِعَهُمْ ابن الْحَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ له حَقِيقَةٌ وهو كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ وقد اعْتَرَضَ على من قال بِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ قبل الْفِعْلِ على سَبِيلِ الْإِعْلَامِ وَالْإِلْزَامِ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَعْصِيَ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّهُ إنْ أتى بِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَأُجِيبُ عنه بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَالتَّارِكُ مُبَاشِرٌ لِلتَّرْكِ وهو فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عنه حَرَامٌ فَإِثْمُهُ من هذه الْجِهَةِ وَعَلَى ما سَبَقَ من طَرِيقَةِ الْقَرَافِيِّ لَا إشْكَالَ وقال الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ الْمُتَأَخِّرُ الْحَقُّ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ لَا قَبْلَهُ ليس بِصَحِيحٍ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُمْ بَنَوْا على الِاسْتِطَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ وَلَا حَاصِلَ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْقُدْرَةِ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ قَالَهُ الْإِمَامُ فإن الْقَاعِدَ حَالَ قُعُودِهِ مَأْمُورٌ بِالْقِيَامِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا قُدْرَةَ له على الْقِيَامِ عِنْدَ الشَّيْخِ في حَالِ الْقُعُودِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِالْقُدْرَةِ وَمَنْ لَا قُدْرَةَ له مَأْمُورٌ عِنْدَنَا وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنًى لِكَوْنِ فِعْلِ الْعَبْدِ مَقْدُورًا له على أَصْلِ الشَّيْخِ فإن فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقُ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ وَاقِعًا بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا له وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنًى لِإِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ في الْعَبْدِ فإنه إذَا لم يَكُنْ لِلْوَصْفِ الذي هو مُقَارِنُ الْفِعْلِ مَدْخَلٌ في الْفِعْلِ فَجَمِيعُ الْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لِلْفِعْلِ مُتَشَارِكَةٌ في كَوْنِهَا مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ فَتَمَيَّزَ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ بِكَوْنِهَا قُدْرَةً دُونَ غَيْرِهِ يَكُونُ تَمَيُّزًا من غَيْرِ مُمَيَّزٍ وهو غَيْرُ مَعْقُولٍ وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ على اسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وهو مَمْنُوعٌ وَأَمَّا خَامِسًا فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ على تَقْدِيرِ ثُبُوتِ هذا الْأَصْلِ وَكَوْنُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ ثَابِتَةً وَكَوْنُ الْفِعْلِ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَهُ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لو تَقَدَّمَتْ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ على وُجُودِ الْحَادِثِ لَعُدِمَتْ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ ضَرُورَةُ اسْتِحَالَةِ بَقَائِهَا فَلَا يَكُونُ الْحَادِثُ مُتَعَلِّقًا لِلْقُدْرَةِ فَلَا طَائِلَ له وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ إذَا لم يَكُنْ لها مَدْخَلٌ في الْفِعْلِ فَكَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ الْفِعْلُ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ مُقَارَنَةِ الْقُدْرَةِ لِلْفِعْلِ فَكَذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ الْفِعْلُ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ على الْفِعْلِ بَلْ لو فَرَضْنَا أَنَّ لِلْقُدْرَةِ مَدْخَلًا في الْفِعْلِ لَجَازَ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً بِالزَّمَانِ على الْفِعْلِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ الْعِدَّةِ وَالْحَقُّ أَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ سَابِقٌ على حُدُوثِهِ وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ على الْفِعْلِ وَنَعْنِي بِالْقُدْرَةِ على الْفِعْلِ صِفَةً خَلَقَهَا اللَّهُ في الْعَبْدِ وَجَعَلَهَا بِحَيْثُ لها مَدْخَلٌ في الْفِعْلِ بَلْ كَوْنُهَا بِحَيْثُ لها مَدْخَلٌ في الْفِعْلِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُحْدِثَاتِ بِخَلْقِهِ تَعَالَى بَعْضُهَا بِلَا أَوْسَاطٍ وَلَا أَسْبَابٍ وَبَعْضُهَا بِوَسَائِطَ وَأَسْبَابَ لَا بِأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْوَسَائِطُ وَالْأَسْبَابُ لِذَاتِهَا اقْتَضَتْ أو يَكُونُ لها مَدْخَلٌ في وُجُودِ الْمُسَبَّبَاتِ بَلْ خَلَقَهَا اللَّهُ بِحَيْثُ لها مَدْخَلٌ فَتَكُونُ الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لِلْعَبْدِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ وَمَقْدُورَةً لِلْعَبْدِ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فيه وَالْقُدْرَةُ مُمَيَّزَةٌ عن سَائِرِ الصِّفَاتِ من حَيْثُ لها مَدْخَلٌ في الْفِعْلِ على هذا الْوَجْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الصِّفَاتِ فَيَكُونُ الْمَأْمُورُ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثِهِ لَكِنْ هل يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ أَمْ لَا فَنَقُولُ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ يَكُونُ آتِيًا قبل الْآنَ طَرَفُ الزَّمَانِ أو جُزْأَهُ عُلِمَ ذلك بِاسْتِقْرَاءِ الْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ في الشَّرْعِ بَلْ يَكُونُ زَمَانِيًّا إمَّا على سَبِيلِ الِاسْتِمْرَارِ كَالْقِيَامِ في الصَّلَاةِ أو على سَبِيلِ التَّدْرِيجِ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ في الصَّلَاةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ ذلك ذَا أَجْزَاءٍ وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالذَّاتِ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ الْفِعْلِ تَعَلُّقًا بِأَجْزَائِهِ مُحَالَ الْحُدُوثِ وَإِنْ وَقَعَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْفِعْلِ لم يَقَعْ الْبَعْضُ بها وَالْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفِعْلِ بِالذَّاتِ لَا يَنْقَطِعُ ما لم يَحْدُثْ الْفِعْلُ وَلَا يَحْدُثُ الْفِعْلُ إلَّا بَعْدَ حُدُوثِ أَجْزَائِهِ فَلَا يَنْقَطِعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بَعْدَ حُدُوثِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَبَيَانُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ وَمُقَدَّرَةٌ لِلْعَبْدِ على الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ في أُصُولِ الدِّينِ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمَّا حَكَى الْقَوْلَ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَالَ حُدُوثِهِ مَأْمُورٌ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَذْهَبَ الشَّيْخِ في الْقُدْرَةِ ثُمَّ قال وَمَذْهَبُهُ مُخْتَبَطٌ في هذه الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قال لو سَلَّمَ مُسْلِمٌ لِأَبِي الْحَسَنِ ما قَالَهُ في الْقُدْرَةِ جَدَلًا فَلَا يَتَحَقَّقُ معه كَوْنُ الْحَادِثِ مَأْمُورًا هذا حَاصِلُهُ وَمَذْهَبُهُ في الْقُدْرَةِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ أبي الْحَسَنِ ثُمَّ أَلْزَمَ الشَّيْخُ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ ثُمَّ قال فقال في الْحَادِثِ هذا هو الذي أَمَرَ بِهِ الْمُخَاطَبُ فَأَمَّا أَنْ يَتَّجِهَ الْقَوْلُ في تَعَلُّقِ الْأَمْرِ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً مع حُصُولِهِ فَلَا يَرْضَى هذا الْمَذْهَبَ الذي لَا يَرْتَضِيهِ لِنَفْسِهِ عَاقِلٌ ا هـ وَمُرَادُهُ بِالْمَذْهَبِ الذي لَا يَرْتَضِيهِ عَاقِلٌ إيجَابُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ الذي أَلْزَمَ بِهِ الشَّيْخَ ولم يُرِدْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ فإن ذلك هو الْمَأْثُورُ عن الشَّيْخِ وقال الْقَاضِي إنَّهُ الْحَقُّ وَإِنَّ عليه السَّلَفَ من الْأُمَّةِ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَتَعَيَّنُ وَتَوَهَّمَ الْقَرَافِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ بِذَلِكَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ وَشَنَّعُوا بِهِ على الْقَائِلِينَ بِهِ وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذلك وهو مَذْهَبُ شَيْخِهِ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ في أَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ في الْوُجُوبِ حَالَةَ الْمُبَاشَرَةِ هل يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ أَمْ لَا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وقد تَقَدَّمَ أَنَّهُ ليس لِلشَّيْخِ نَصٌّ صَرِيحٌ في تَخْصِيصِ التَّكْلِيفِ بِحَالَةِ الْمُبَاشَرَةِ وَأَصْلُ الْوَهْمِ عليه في ذلك التَّنْبِيهُ الثَّانِي بِنَاءُ الْمَسْأَلَةِ على الِاسْتِطَاعَةِ مع الْفِعْلِ إنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرَهُ ادَّعَوْا أَنَّ أَصْحَابَنَا بَنَوْا هذه الْمَسْأَلَةَ على الِاسْتِطَاعَةِ مع الْفِعْلِ قال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ غَيْرُ سَدِيدَةٍ وَكَيْفَ تُشَيَّدُ وَعِنْدَ الْأَصْحَابِ يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ الْقُدْرَةِ على الْفِعْلِ وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ تَقَدُّمِ الْأَمْرِ على الْفِعْلِ وَقَالُوا الْفَاعِلُ قد يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ بِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِالْقِيَامِ في حَالَةِ الْقُعُودِ حتى اخْتَلَفُوا فقال الْأَكْثَرُونَ الْأَمْرُ الذي تَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ قبل حُدُوثِهِ أَمْرُ إيجَابٍ وقال الْأَقَلُّونَ أَمْرُ إعْلَامٍ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْحُدُوثِ فَإِذَنْ ليس بِنَاءُ هذه الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ مَسْأَلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ نعم الْمُعْتَزِلَةُ يَبْنُونَ وَيَقُولُونَ كما الْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ بِزَعْمِهِمْ فَالْأَمْرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ ثُمَّ عَوَّلَ الْإِمَامُ بَعْدَ التَّسْفِيهِ في الْبِنَاءِ على أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ وَاقْتِضَاءٌ وَالْحَاصِلُ لَا يُطْلَبُ وَلَا يُقْتَضَى وَهَذَا اعْتِسَافٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قال مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الْفِعْلَ في حَالِ الْحُدُوثِ مَأْمُورٌ بِهِ أَنَّهُ طَاعَةٌ فَتَعَلُّقُ الْأَمْرِ قبل الْحُدُوثِ يَتَضَمَّنُ اقْتِضَاءً وَتَرْغِيبًا وفي حَالِ الْحُدُوثِ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ طَاعَةً وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ فَلَا خِلَافَ إذَنْ هذا كَلَامُ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّ الْقُدْرَةَ مع الْفِعْلِ أو قَبْلَهُ لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْقُدْرَةِ سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ وَالصِّحَّةِ فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ على الْفِعْلِ قَطْعًا فإذا انْضَمَّتْ الدَّاعِيَةُ إلَيْهِ صَارَتْ تِلْكَ الْقُدْرَةُ مع هذه عِلَّةً لِلْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ إنَّ ذلك الْفِعْلَ يَجِبُ وُقُوعُهُ مع حُصُولِ ذلك الْمَجْمُوعِ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ التَّامَّ لَا يَتَخَلَّفُ عِنْدَ أَثَرِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بها مَجْمُوعَ ما لَا يَتِمُّ الْفِعْلُ إلَّا بِهِ فَلَيْسَتْ سَابِقَةً على الْفِعْلِ لِفِقْدَانِ الدَّاعِيَةِ إذْ ذَاكَ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قِيلَ إنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ وَلَا يَتَفَرَّعُ عليه حُكْمٌ قَطْعًا فإنه لَا خِلَافَ بين الْمُسْلِمِينَ في أَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِالْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ قبل أَنْ يَشْرَعَ فيه وَلَا يَخْرُجُ عن عُهْدَةِ الْأَمْرِ إلَّا بِالِامْتِثَالِ وَلَا يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَيَلْزَمُ منه أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْفِعْلِ قبل الْمُبَاشَرَةِ وَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِالْفَرَاغِ عنه لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذَّاتِ يَتَعَلَّقُ بِمَجْمُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ وَتَعَلُّقُهُ بِالْأَجْزَاءِ إنَّمَا هو بِالْعَرَضِ فما لم يَأْتِ بِمَجْمُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وما لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لَا يَنْقَطِعُ عنه التَّكْلِيفُ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ قَوْلُنَا إنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَصِيرُ أَمْرًا حَالَ الْحُدُوثِ وَلَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُنَا لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ كما قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ لِأَنَّنَا إذَا فَسَّرْنَا النَّفْيَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ فَالْخِطَابُ في الْأَزَلِ وَتَعَلُّقُهُ بِالْمُكَلَّفِ مَوْقُوفٌ على بَعْثَةِ الرُّسُلِ فَمَعْنَى قَوْلِنَا لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قبل الشَّرْعِ أَيْ لَا يَتَعَلَّقُ فَلَا تَنَاقُضَ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ سَبَقَ أَيْضًا أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وهو يُنَاقِضُ قَوْلَنَا الْأَمْرُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ حَالَ حُدُوثِ الْفِعْلِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ دَفَعَهُ أَنَّا إنْ قُلْنَا الْأَمْرُ الْأَزَلِيُّ إعْلَامٌ فَوَاضِحٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ خُصُوصَ كَوْنِهِ أَمْرًا حَادِثًا كَمَذْهَبِ الْقَلَانِسِيِّ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَنَقُولُ يَعْرِضُ له نِسَبٌ يَخْتَلِفُ بها فَفِي الْأَزَلِ له نِسْبَةٌ بها صَارَ إلْزَامًا خَاصًّا وهو إنَّهُ إلْزَامُ الْمَأْمُورِ الْفِعْلَ على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَاسْتِجْمَاعُهُ لِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِعْلِ ثُمَّ يَعْرِضُ له نِسَبٌ أُخْرَى في وُجُودِ الْمُكَلَّفِ وَبِحُدُوثِ الْفِعْلِ يَصِيرُ أَمْرًا حِينَئِذٍ وَالْأَوَّلُ كان إلْزَامًا على تَقْدِيرٍ وَأَمَّا إذَا بَاشَرَ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ فَقَدْ وَقَعَ ذلك بِالتَّقْدِيرِ فَالْأَمْرُ الْمُقَدَّرُ صَارَ مُحَقَّقًا وَقَوْلُنَا إنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا عِنْدَ وُجُودِ الْفِعْلِ وَقَبْلَهُ ليس بِأَمْرٍ كان نَفْيًا لِهَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ لَا الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ مَسْأَلَةٌ النِّيَابَةُ في الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه الْأَصْلُ امْتِنَاعُ النِّيَابَةِ في الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إلَّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ فقال في الْأُمِّ في بَابِ الْإِطْعَامِ في الْكَفَّارَةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَامَ عن رَجُلٍ بِأَمْرِهِ لم يُجْزِهِ الصَّوْمُ عنه وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عن أَحَدٍ عَمَلَ الْأَبَدَانِ لِأَنَّ الْأَبْدَانَ تَعَبَّدَتْ بِعَمَلٍ فَلَا يُجْزِئُ عنها أَنْ يَعْمَلَ عنها غَيْرُهَا ليس الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ بِالْخَبَرِ الذي جاء عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبِأَنَّ فِيهِمَا نَفَقَةً وَأَنَّ اللَّهَ فَرَضَهُمَا على من وَجَدَ إلَيْهِمَا السَّبِيلَ وَالسَّبِيلُ بِالْمَالِ ا هـ وَأَغْفَلَ الْأَصْحَابُ هذا ولم يَحْفَظُوا لِلشَّافِعِيِّ فيه نَصًّا وَهَذَا في الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَأَمَّا الْعَقْلِيُّ فقال ابن بَرْهَانٍ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَرَيَانُ النِّيَابَةِ في التَّكَالِيفِ وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ عَقْلًا وَمَنَعَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَسَاعَدَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على حَرْفٍ وهو أَنَّ الثَّوَابَ مَعْلُولُ الطَّاعَةِ وَالْعِقَابَ مَعْلُولُ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَنَا الثَّوَابُ فَضْلٌ من اللَّهِ وَالْعِقَابُ عَدْلٌ من اللَّهِ وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ أَمَارَةٌ عليه وَكَذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ نَحْوَهُ وَحَرَّرَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فقال اتَّفَقُوا على جَوَازِ دُخُولِ النِّيَابَةِ في الْمَأْمُورِ بِهِ إذَا كان مَالِيًّا وَعَلَى وُقُوعِهِ أَيْضًا لِاتِّفَاقِهِمْ على أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ صَرْفُ زَكَاةِ مَالِهِ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُوَكِّلَ فيه وَكَيْفَ لَا وَصَرْفُ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إلَى الْإِمَامِ إمَّا وَاجِبٌ أو مَنْدُوبٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لم يَصْرِفْهَا إلَى الْفُقَرَاءِ إلَّا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ وَاخْتَلَفُوا في جَوَازِ دُخُولِهَا فيه إذَا كان بَدَنِيًّا فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ مَعًا مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ لِنَفْسِهِ إذْ لَا يَمْتَنِعُ قَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ أَمَرْتُكَ بِخِيَاطَةِ هذا الثَّوْبِ فَإِنْ خِطْتَهُ بِنَفْسِكَ أو اسْتَنْبَتَ فيه أَثَبْتُكَ وَإِنْ تَرَكْتَ الْأَمْرَيْنِ عَاقَبْتُكَ وَاحْتَجُّوا بِالنِّيَابَةِ في الْحَجِّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ على جَوَازِ النِّيَابَةِ في الْمَأْمُورِ بِهِ إذَا كان بَدَنِيًّا مَحْضًا بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ على ما هو بَدَنِيٌّ وَمَالِيٌّ مَعًا كَالْحَجِّ وَلَعَلَّ الْخَصْمَ يُجَوِّزُ ذلك فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عليه كَذَا قال الْهِنْدِيُّ لَكِنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ فيه عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فقالت طَائِفَةٌ منهم إنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عن الْمُبَاشِرِ وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تُجْزِئُ في الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إلَّا أَنَّ في الْحَجِّ شَائِبَةً مَالِيَّةً من جِهَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَمِنْ جِهَةِ الْمُبَاشَرَةِ تَقَعُ عن الْمَأْمُورِ وَمِنْ جِهَةِ الْإِنْفَاقِ تَقَعُ عن الْآمِرِ لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَقَعُ عن الْآمِرِ عَمَلًا بِظَوَاهِر الْأَحَادِيثِ وَاحْتَجَّ الْمَانِعُ بِأَنَّ الْقَصْدَ من إيجَابِ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ امْتِحَانُ الْمُكَلَّفِ وَالنِّيَابَةُ تُخِلُّ بِذَلِكَ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يُخِلُّ بِهِ مُطْلَقًا فإن في النِّيَابَةِ امْتِحَانًا أَيْضًا وَزَادَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَحْقِيقًا فقال الْأَفْعَالُ الْمُسْتَنِدَةُ إلَى الْفَاعِلِينَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ شَرْعِيَّةً أو لُغَوِيَّةً فَإِنْ كانت شَرْعِيَّةً فَلَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً أو غَيْرَهَا وَغَيْرُ الْعِبَادَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يُنْظَرَ فيها إلَى جِهَةِ الْفَاعِلِيَّةِ أو إلَى جِهَةِ الْفِعْلِ فَقَطْ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْفَاعِلِ فَمِنْ الْأَوَّلِ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا فَأَنَاطَ الشَّارِعُ ذلك بِالْفَاعِلِ فَالْعِبْرَةُ فيه بِهِ فَتَكُونُ عُهْدَةُ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَةً بِهِ وَلَوْ وَكِيلًا وَمِنْ الثَّانِي من بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَقَصَدَ الشَّارِعُ تَحْصِيلَ الْفِعْلِ وَاجْتَمَعَا في قَوْله تَعَالَى فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ له من بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَالتَّطْلِيقُ الْمُرَادُ بِهِ تَحْصِيلُ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كان بِنَفْسِهِ أو بِنِيَابَةٍ أو بِغَيْرِهِ كما تَقَرَّرَ في الْفِقْهِ وَهَذَا من الثَّانِي وَحَتَّى تَنْكِحَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْنَادُ الْحَقِيقِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفَاعِلِ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَلَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً أو تُقْصَدُ فَإِنْ كانت وَسِيلَةً فَلَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً تَبْعُدُ عن الْعِبَادَةِ جِدًّا أو تَقْرُبُ منها جِدًّا فَإِنْ كانت تَبْعُدُ جِدًّا كَتَحْصِيلِ التُّرَابِ وَالْمَاءِ في الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالصَّبِّ عليه فَالْإِجْمَاعُ على جَوَازِ دُخُولِ النِّيَابَةِ فيها وَإِنْ كانت تَقْرُبُ منها جِدًّا فَإِمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ فيها الْقَصْدُ أو لَا يُعْتَبَرُ فَإِنْ لم يُعْتَبَرْ كَتَوْضِئَةِ الْغَيْرِ له أو تَغْسِيلِهِ فَالْإِجْمَاعُ على جَوَازِ الدُّخُولِ وَأَمَّا الْقَصْدُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَنِيًّا مَحْضًا أو مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كان الْأَوَّلَ اُمْتُنِعَتْ النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ إلَّا في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ تَبَعًا لِلْحَجِّ وَكَذَا الصَّوْمُ عن الْمَيِّتِ على أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ كان مَالِيًّا مَحْضًا كَالزَّكَاةِ دَخَلَتْ النِّيَابَةُ في تَفْرِيقِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْوَسِيلَةَ إذْ الْمَالُ هو الْمَقْصُودُ وَإِنْ كان مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا كَالْحَجِّ جَازَ عِنْدَ الْيَأْسِ وَالْمَوْتِ على ما تَقَرَّرَ في الْفِقْهِ وَأَمَّا اللُّغَوِيَّاتُ فإن حَقِيقَتَهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَصْرُوفَةٌ إلَى ما اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْفِعْلُ حَيْثُ لم يَبْقَ ما يَعُمُّ الْمَجَازَ وَلَا تُعْتَبَرُ الْعَادَةُ على الْمَشْهُورِ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ رَافِعَةً لِلْحَقِيقَةِ لِتَأْدِيَةِ ذلك إلَى النَّسْخِ وَيُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ مُخَصَّصَةً على طَرِيقَةٍ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كان مَعَنَا حَقِيقَتَانِ دَارَ الْأَمْرُ بين أَنْ يَجْعَلَهُمَا مُشْتَرِكَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا أو يَأْخُذُ بَيْنَهُمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا فَهُنَا يُقَالُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ أَوْلَى وَأَمَّا في حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ فَلَا مسألة في الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلتَّكْلِيفِ السَّفَرُ فَمِنْهَا السَّفَرُ مُسْقِطٌ لِشَطْرِ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَمُسَوِّغٌ لِإِخْرَاجِهَا عن وَقْتِهَا إذْ جَوَّزَ له الشَّرْعُ التَّأْخِيرَ بِنِسْبَةِ الْجَمْعِ تَرْخِيصًا ثُمَّ منه ما ثَبَتَ لِمُطْلَقِ السَّفَرِ وَإِنْ قَصُرَ وَعَدَّهَا الْغَزَالِيُّ أَرْبَعَةً النَّفَلُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالتَّيَمُّمُ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وقد يُنَازَعُ في هَذَيْنِ فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِالسَّفَرِ وَمِنْهُ ما يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَالْجَمْعُ وَالْمَسْحُ على الْخُفِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الِاضْطِرَارُ وَمِنْهَا الِاضْطِرَارُ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ رَخَّصَ له الشَّرْعُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ بَلْ أَوْجَبَهُ لِأَنَّهَا إنَّمَا حُرِّمَتْ لِأَنَّ تَنَاوُلَهَا يُخِلُّ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَذَلِكَ لَا يُقَاوِمُ اسْتِبْقَاءَ الْمُهْجَةِ الْجَهْلُ وَمِنْهَا الْجَهْلُ وَلِهَذَا لم يَجِبْ الْحَدُّ على من جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَالْخَمْرِ إذَا كان مِمَّنْ يَخْفَى عليه وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِجَهْلِهِ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ وَلَا تَبْطُلُ فَوْرِيَّةُ الْخِيَارِ بِجَهْلِهِ ثُبُوتَهُ وَلَا يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْخَفِيِّ كَتَوْرِيثِ بِنْتِ الِابْنِ مع الْبِنْتِ السُّدُسَ وفي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ في الْكَلَامِ على خَيْطِ الْخَيَّاطِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَدِقُّ وَتَغْمُضُ مَعْرِفَتُهَا هل يُعْذَرُ فيها الْعَامِّيُّ على وَجْهَيْنِ وَشَرَطَ الشَّافِعِيُّ في تَعْصِيَتِهِ الْبَيْعَ على بَيْعِ أَخِيهِ الْعِلْمَ بِالنَّهْيِ وَعَذَرَهُ بِالْجَهْلِ وَكَذَا في النَّجْشِ كما نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ إنَّهُ لم يَشْرِطْهُ وَالصَّوَابُ أَنَّ ذلك شَرْطٌ في جَمِيعِ الْمَنَاهِي وقد رَوَى النَّسَائِيّ آكِلُ الرِّبَا وَمُوَكِّلُهُ وَكَاتِبُهُ إذَا عَلِمُوا بِذَلِكَ مَلْعُونُونَ على لِسَانِ مُحَمَّدٍ يوم الْقِيَامَةِ الْخَطَأُ وَمِنْهَا الْخَطَأُ بِأَنْ يَصْدُرَ منه الْفِعْلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فيه الْقِصَاصُ لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإِجْمَاعَ على أَنَّهُ حَرَامٌ وَأَنْ لَا إثْمَ فيه حَكَاهُ عنه صَاحِبُ الْبَيَانِ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ في وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَنَحْوِهِ حتى لَا يُوصَفَ لَا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ على الْأَصَحِّ الْحَيْضُ وَمِنْهَا الْحَيْضُ مُسْقِطٌ لِلصَّلَاةِ وَكَذَا الصَّوْمُ على الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ بِأَمْرِ جَدِيدٍ الْمَرَضُ وَمِنْهَا الْمَرَضُ مُسْقِطٌ لِلْقِيَامِ في الْفَرْضِ وَمُسَوِّغٌ لِإِخْرَاجِ الصَّوْمِ عن وَقْتِهِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ دَائِمُ الْحَدَثِ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَالسَّلَسُ مُسْقِطٌ لِحُكْمِ الطَّهَارَتَيْنِ في الصَّلَاةِ الرِّقُّ وَمِنْهَا الرِّقُّ يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ فَلَا تَجِبُ عليه قَطْعًا الْإِكْرَاهُ وَمِنْهَا الْإِكْرَاهُ الْمُبِيحُ له التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَلَا خِلَافَ في وُجُوبِ الِاسْتِسْلَامِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ على الْقَتْلِ وَالزِّنَا وفي الْمَبْسُوطِ لِلْحَنَفِيَّةِ الْإِكْرَاهُ أَثَرُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في إلْغَاءِ عِبَارَتِهِ كَتَأْثِيرِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَعِنْدَنَا تَأْثِيرُهُ في سَلْبِ الرِّضَا لَا في إهْدَارِ عِبَارَتِهِ حتى كَأَنَّ مُتَصَرِّفَاتِهِ مُنْعَقِدَةٌ وَلَكِنْ ما يُعْتَمَدُ لُزُومُهُ الرِّضَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِمَا لَا يَلْزَمُ وما لَا يَعْتَمِدُ الرِّضَا يَلْزَمُ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ قال السَّرَخْسِيُّ قد اسْتَكْثَرَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآثَارِ في أَوَّلِ كِتَابِ الْإِكْرَاهِ وَهَذَا لَا يُزِيلُ الْخِطَابَ حتى يَتَنَوَّعَ أَفْعَالُهُ إلَى مُبَاحٍ وَوَاجِبٍ وَحَرَامٍ فَالْوَاجِبُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَتَارَةً قَتْلُ النَّفْسِ وَالزِّنَا وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْخِطَابِ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَجُمْلَةُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى على الْإِنْسَانِ النَّظَرُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَعْرِفَةُ ثَانِيًا ثُمَّ الْعِبَادَاتُ فَالشَّافِعِيُّ يقول الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ سَاقِطَةٌ عن الصَّبِيِّ دُونَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ إذَا أُخِذَتْ من مَالِهِ فَلَا نَقُولُ يَسْتَحِقُّ بها ثَوَابَ من يُمْتَحَنُ بِتَنْقِيصِ الْمِلْكِ وَمَرَاغِمِ الشَّيْطَانِ الذي يَعِدُ الْفَقْرَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ من مَالِهِ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ لَا نَظَرًا لِلصَّبِيِّ الْمُؤَدِّي وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّمَا تُؤْخَذُ منه بِاعْتِبَارِ الْمُوَاسَاةِ لَا بِاعْتِبَارِ الْعِبَادَةِ فَعَلَى هذا ليس على الصَّبِيِّ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَا بَدَنِيَّةٌ وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذُ من مَالِهِ نَفَقَةُ أُخُوَّةِ الدِّينِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُ قَضَاءُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِعِلْمِ الشَّرْعِ بِأَنَّ ذلك يَجُرُّ حَرَجًا عَظِيمًا من حَيْثُ إنَّ الصَّبِيَّ عَامٌّ في أَصْلِ الْفِطْرَةِ وقد صَحَّ قَطْعًا مُدَّةٌ مَدِيدَةٌ وَالْجُنُونُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ مع أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِدَوَامِهِ وَلَا أَنَّهُ عَامٌّ فَلَيْسَ مُلْتَحِقًا بِالصَّبِيِّ مع الْفَرْقِ الْقَاطِعِ وَلَكِنْ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُسْقِطٌ لِلْقَضَاءِ وَمَقَادِيرُهُ مُلْحِقَةٌ بِأَصْلِهِ وأبو حَنِيفَةَ يُلْحِقُ تَفَاصِيلَهُ بِأَصْلٍ آخَرَ وهو الْإِغْمَاءُ وَنَظَرُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى وَيَتَّصِلُ بِذَلِكَ أَنَّ عَقْلَهُ وَتَمْيِيزَهُ يَقْتَضِي تَصْحِيحَ عِبَارَتِهِ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول فَسَدَتْ عِبَارَتُهُ فِيمَا صَارَ بِوَلِيٍّ عليه فيها وَأَمَّا ما لم يَصِرْ مُوَلَّى عليه فيها فَفَاسِدٌ فِيمَا يَضُرُّهُ صَحِيحٌ فِيمَا يَنْفَعُهُ حتى لو قال أنا جَائِعٌ يُسْمَعُ منه وَيُطْعَمُ وأبو حَنِيفَةَ فَصَّلَ فقال وَالْأَعْذَارُ الْمُسْقِطَةُ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الْبُلُوغِ تِسْعَةٌ جُنُونٌ وَنَوْمٌ وَإِغْمَاءٌ وَنِسْيَانٌ وَخَطَأٌ وَإِكْرَاهٌ وَجَهْلٌ بِأَسْبَابِ الْوُجُوبِ وَحَيْضٌ وَرِقٌّ فَالْجُنُونُ رَآهُ أبو حَنِيفَةَ شَبِيهًا بِالصَّبِيِّ في عَدَمِ الْعَقْلِ بِالْجُنُونِ من أَصْلِهِ وَالصَّبِيُّ في كَمَالِهِ وَأَلْحَقَهُ بِهِ من وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَالصِّبَا يَمْنَعُ وُجُوبَ حُقُوقِ اللَّهِ كُلِّهَا مَالِيِّهَا وَبَدَنِيِّهَا وَعِنْدَنَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالسَّفَهُ لَا يُؤَثِّرُ في الْعِبَادَاتِ إجْمَاعًا وفي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ بِالدَّمِ وَيُؤَثِّرُ في التَّصَرُّفَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ يَمْنَعَانِ اسْتِكْمَالَ الْعَقْلِ فلم نَعْتَبِرْ النَّوْمَ لِشَيْءٍ من الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعِبَادَةِ وفي الْعِبَادَةِ كَلَامٌ وَالسُّكْرُ وَإِنْ شَابَهَ الْإِغْمَاءَ في الصُّورَةِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كان مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ صَارَ السَّكْرَانُ كَالصَّاحِي وما يَقْتَضِي النِّسْيَانَ وَالْإِكْرَاهَ وَالرِّقَّ عُذْرٌ يُسْتَقْصَى في الْفِقْهِ وَالْكُفْرُ ليس مُسْقِطًا لِلْخِطَابِ عِنْدَنَا وَلَكِنَّ الشَّرْعَ رَخَّصَ مع وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ بِإِسْقَاطِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَرَخَّصَ بِإِسْقَاطِ ضَمَانِ الْمُتْلِفَاتِ وَرَخَّصَ تَصْحِيحُ أَنْكِحَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ كَثِيرًا مِمَّا يُخَالِفُ وَضْعَ الشَّرْعِ تَرْغِيبًا لهم في الْإِسْلَامِ وَكُلُّ ذلك مُسْتَقْصًى في الْفِقْهِ فَهَذَا مَجْمُوعُ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ مع وُجُودِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ رَجَّحَ سَبَبًا على سَبَبٍ من غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ في بَعْضِهَا الصِّبَا وَاعْلَمْ أَنَّ الصِّبَا إنَّمَا يَنْتَصِبُ عُذْرًا في الْعِبَادَاتِ التي تَقَرَّرَ وُجُوبُهَا بِالشَّرْعِ وَمَنْ قال إنَّ وُجُوبَ الْإِسْلَامِ بِالْعَقْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَدِّرَ الصِّبَا عُذْرًا أَصْلًا وَيَقُولُ يَجِبُ على اللَّهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ وهو قَوْلٌ بَاطِلٌ وَبَنَى عليه الْحَنَفِيَّةُ صِحَّةُ إسْلَامِهِ على مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِ لِتَرَتُّبِهَا على الْإِسْلَامِ الْمَرْفُوعِ وَأَبْطَلَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ لم يُظْهِرْ انْطِوَاءَ ضَمِيرِهِ أو يقول لَا يُحْتَمَلُ الْإِسْلَامُ إلَّا فَرْضًا وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ فَرْضًا فَخَرَجَ لِذَلِكَ عن كَوْنِهِ مَشْرُوعًا مباحث الكتاب العزيز الكتاب الْكِتَابُ الْقُرْآنُ وَقِيلَ بَلْ مُتَغَايِرَانِ وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى عن الْجِنِّ إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ من بَعْدِ مُوسَى فَدَلَّ على تَرَادُفِهِمَا وهو أُمُّ الدَّلَائِلِ وَفِيهِ الْبَيَانُ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ قال اللَّهُ تَعَالَى وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه في الرِّسَالَةِ وَلَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأَحَدٍ نَازِلَةٌ في الدُّنْيَا إلَّا وفي كِتَابِ اللَّهِ الدَّلِيلُ على سَبِيلِ الْهُدَى فيها وَأَوْرَدَ من الْأَحْكَامِ ما ثَبَتَ ابْتِدَاءً بِالسُّنَّةِ وَأَجَابَ ابن السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ من كِتَابِ اللَّهِ في الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ عليه فيه اتِّبَاعَ الرَّسُولِ وَحَذَّرْنَا من مُخَالَفَتِهِ قال الشَّافِعِيُّ فَمَنْ قَبِلَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَعَنْ اللَّهِ قَبِلَ وَيُطْلَقُ الْقُرْآنُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ الذي هو صِفَةٌ من صِفَاتِهِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ هذا الْمَتْلُوُّ وَذَلِكَ مَحَلُّ نَظَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأُخْرَى وَيُرَادُ بِهِ الْأَلْفَاظُ الْمُقَطَّعَةُ الْمَسْمُوعَةُ وهو الْمَتْلُوُّ وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَسَائِرِ خَدَمَةِ الْأَلْفَاظِ كَالنُّحَاةِ وَالْبَيَانِيِّينَ وَالتَّصْرِيفِيَّيْنِ وَاللُّغَوِيِّينَ وهو مُرَادُنَا تَعْرِيفُ الْقُرْآنِ فَنَقُولُ هو الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِآيَةٍ منه الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ فَخَرَجَ بِالْمُنَزَّلِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَالْأَلْفَاظُ وَإِنْ كانت لَا تَقْبَلُ حَقِيقَةَ النُّزُولِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْمَجَازُ الصُّورِيُّ وَقَوْلُنَا لِلْإِعْجَازِ خَرَجَ بِهِ الْمُنَزَّلُ على غَيْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فإنه لم يَقْصِدْ بِهِ الْإِعْجَازَ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وقد صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ بِأَنَّ السُّنَّةَ مُنَزَّلَةٌ كَالْكِتَابِ قال اللَّهُ تَعَالَى وما يَنْطِقُ عن الْهَوَى إنْ هو إلَّا وَحْيٌ يُوحَى وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ ما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَقُلْنَا بِآيَةٍ منه ولم نَقُلْ بِسُورَةٍ كما ذَكَره الْأُصُولِيُّونَ لِأَنَّ أَقَصَرَ السُّوَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ وَالتَّحَدِّي قد وَقَعَ بِأَقَلَّ منها في قَوْله تَعَالَى فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ وَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا في كِتَابِ الصَّدَاقِ فِيمَا لو أَصَدَقَهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ فَلَقَّنَهَا بَعْضَ آيَةٍ ثُمَّ نَسِيَتْ لَا يُحْسَبُ له شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قُرْآنًا لِعَدَمِ الْإِعْجَازِ فيها كَذَا قال ابن الصَّبَّاغِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِثْلُ ذلك على الْجُنُبِ لَكِنْ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْمَنْعِ وَأَمَّا الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ فَحَكَى في الشَّامِلِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْإِعْجَازَ إنَّمَا يَقَعُ بِثَلَاثِ آيَاتٍ وَذَلِكَ قَدْرُ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّ الْآيَةَ تَامَّةٌ من جِنْسٍ له فيه إعْجَازٌ فَأَشْبَهَ الثَّلَاثَ على أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْإِعْجَازَ مُمْكِنٌ بِالسُّورَةِ فإن الْبُلَغَاءَ من الْعَرَبِ قد يَقْدِرُونَ على الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ وقال الْآمِدِيُّ في الْأَبْكَارِ الْتَزَمَ الْقَاضِي في أَحَدِ جَوَابَيْهِ الْإِعْجَازَ في سُورَةِ الْكَوْثَرِ وَأَمْثَالِهَا تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَالْأَصَحُّ ما ارْتَضَاهُ في الْجَوَابِ الْآخَرِ وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّحَدِّيَ إنَّمَا وَقَعَ بِسُورَةٍ تَبْلُغُ في الطُّولِ مَبْلَغًا يَتَبَيَّنُ فيه رُتَبُ ذَوِي الْبَلَاغَةِ فإنه قد يَصْدُرُ من غَيْرِ الْبَلِيغِ أو مِمَّنْ هو أَدْنَى في الْبَلَاغَةِ من الْكَلَامِ الْبَلِيغِ ما يُمَاثِلُ بَعْضَ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ الصَّادِرِ عَمَّنْ هو أَبْلَغُ منه وَرُبَّمَا زَادَ عليه وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الْكَلَامِ الذي يَظْهَرُ فيه تَفَاوُتُ الْبُلَغَاءِ بَلْ إنَّمَا ضَبَطَ بِالْمُتَعَارَفِ الْمَعْلُومِ بين أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْبَلَاغَةِ قال الْآمِدِيُّ ما ذَكَرْنَاهُ إنْ كان ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ في قَوْله تَعَالَى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ غير أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ بِالدَّلِيلِ وَاجِبٌ فَإِنْ حُمِلَ التَّحَدِّي على ما لَا يَتَفَاوَتُ فيه بَلَاغَةُ الْبُلَغَاءِ وَلَا يَظْهَرُ بِهِ التَّعْجِيزُ يَكُونُ مُمْتَنِعًا انْتَهَى ت نبيه الْإِعْجَازُ في قِرَاءَةِ كَلَامِ اللَّهِ الْإِعْجَازُ يَقَعُ عِنْدَنَا في قِرَاءَةِ كَلَامِ اللَّهِ لَا في نَفْسِ كَلَامِهِ على الصَّحِيحِ من أَقَاوِيلِ أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في الْمُقْنِعِ وَاحْتَجَّ عليه بِأَنَّ الْإِعْجَازَ دَلَالَةُ الصِّدْقِ وَدَلَالَةُ الصِّدْقِ لَا تَتَقَدَّمُ الصِّدْقَ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيٌّ فَوَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ ذلك إلَى الْقِرَاءَةِ الْحَادِثَةِ وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ في النَّظْمِ وَالنَّظْمُ يَقَعُ في الْقِرَاءَةِ وَكَلَامُ اللَّهِ ليس بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ على أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بمثله فَالْمُرَادُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَحَدَّى بِالسُّورَةِ وَالسُّورَةُ تَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ لَا إلَى الْمَقْرُوءِ قال وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إثْبَاتِ نَفْسِ كَلَامِ اللَّهِ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاقْتَدَى بِبَعْضِ سَلَفِنَا في ذلك مِمَّنْ كان يَتَعَاطَى التَّفْسِيرَ وَالتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْنَاهُ مَسْأَلَةٌ الْكَلَامُ الْكَلَامُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَشْعَرِيَّةِ مُشْتَرَكٌ بين الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَعْنَى النَّفْسِيِّ لِأَنَّهُ قد اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا وَالْأَصْلُ في الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ في الْعِبَارَاتِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَقُولُونَ في أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أو اجْهَرُوا بِهِ وَقِيلَ حَقِيقَةٌ في النَّفْسِيِّ مَجَازٌ في اللِّسَانِيِّ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَالثَّلَاثَةُ مَحْكِيَّةٌ عن الْأَشْعَرِيِّ حَكَاهَا ابن بَرْهَانٍ عنه وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ نِسْبَةٌ بين مُفْرَدَيْنِ قَائِمَةٌ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ وَيَعْنُونَ بِالنِّسْبَةِ بين الْمُفْرَدَيْنِ تَعَلُّقَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِضَافَتَهُ إلَيْهِ على جِهَةِ الْإِسْنَادِ الْإِفَادِيِّ أَيْ بِحَيْثُ إذَا عَبَّرَ عن تِلْكَ النِّسْبَةِ بِلَفْظٍ يُطَابِقُهَا وَيُؤَدِّي مَعْنَاهَا كان ذلك اللَّفْظُ إسْنَادًا إفَادِيًّا وَمَعْنَى قِيَامِ هذه النِّسْبَةِ بِالْمُتَكَلِّمِ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا قال لِغَيْرِهِ اسْقِنِي مَاءً فَقَبْلَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ قام بِنَفْسِهِ تَصَوُّرُ حَقِيقَةِ السَّقْيِ وَحَقِيقَةِ الْمَاءِ وَالنِّسْبَةِ الطَّلَبِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَهَذَا هو الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَالْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَصِيغَةُ قَوْلِهِ اسْقِنِي مَاءً عِبَارَةٌ عنه وَدَلِيلٌ عليه وقال الْقَرَافِيُّ مَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ أَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ في نَفْسِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ عن كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ وَعَنْ حَدَثِ الْعَالَمِ وهو غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ثُمَّ يُعَبِّرُ عنه بِعِبَارَاتٍ وَلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَالْمُخْتَلِفُ هو الْكَلَامُ اللِّسَانِيُّ وَغَيْرُ الْمُخْتَلِفِ هو الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُسَمَّى ذلك الْعِلْمُ الْخَاصُّ سَمْعًا لِأَنَّ إدْرَاكَ الْحَوَاسِّ إنَّمَا هو عُلُومٌ خَاصَّةٌ أَخَصُّ من مُطْلَقِ عِلْمٍ فَكُلُّ إحْسَاسٍ عِلْمٌ وَلَيْسَ كُلُّ عِلْمٍ إحْسَاسًا فإذا وُجِدَ هذا الْعِلْمُ الْخَاصُّ في نَفْسِ مُوسَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَ بِاسْمِهِ الْمَوْضُوعِ له في اللُّغَةِ وهو السَّمَاعُ وقال الْغَزَالِيُّ في بَعْضِ عَقَائِدِهِ من أَحَالَ سَمَاعَ مُوسَى كَلَامًا ليس بِصَوْتٍ وَلَا حَرْفٍ فَلْيُحِلْ يوم الْقِيَامَةِ رُؤْيَةَ ذَاتٍ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا عَرَضٍ مَسْأَلَةٌ إنْزَالُ الْقُرْآنِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَأَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلُغَةِ الْعَرَبِ قال اللَّهُ تَعَالَى وما أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَأَوْرَدَ ابن السَّمْعَانِيِّ سُؤَالًا حَسَنًا وهو أَنَّهُ كان من تَقَدَّمَ من الْأَنْبِيَاءِ عليهم السَّلَامُ مَبْعُوثًا إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا بِلِسَانِهِمْ أَمَّا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَمَبْعُوثٌ إلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ فَلِمَ صَارَ مَبْعُوثًا بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عليه السَّلَامُ مَبْعُوثًا بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ وهو خَارِجٌ عن الْعُرْفِ وَالْمَعْهُودِ من الْكَلَامِ وَيَبْعُدُ بَلْ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَرِدَ كُلُّ كَلِمَةٍ من الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً بِكُلِّ الْأَلْسِنَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ بَعْضِهِمْ وكان اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ أَحَقَّ من كل لِسَانٍ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ وَأَفْصَحُ وَلِأَنَّهُ لِسَانُ أَوْلَى بِالْمُخَاطَبِينَ قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بن مَالِكٍ وَنَزَلَ بِلُغَةِ الْحِجَازِيِّينَ إلَّا قَلِيلًا فإنه نَزَلَ بِلُغَةِ التَّمِيمِيِّينَ فَمِنْ الْقَلِيلِ إدْغَامٌ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فإن اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ في سُورَةِ الْحَشْرِ من يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عن دِينِهِ في قِرَاءَةِ غَيْرِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ فإن الْإِدْغَامَ في الْمَجْزُومِ وَالْأَمْرَ الْمُضَاعَفَ لُغَةُ تَمِيمٍ وَالْفَكُّ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَكَذَلِكَ نَحْوُ من يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عن دِينِهِ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ ويحببكم اللَّهُ ويمددكم ( ( ( و ) ) ) ومن ( ( ( يمددكم ) ) ) يُشَاقِقْ ومن يُحَادِدْ اللَّهَ واستفزز فَلْيَمْدُدْ وَاحْلُلْ واشدد بِهِ أَزْرِي وَمَنْ يَحْلِلْ عليه قال وقد أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ على نَصْبِ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ لِأَنَّ لُغَةَ الْحِجَازِيِّينَ الْتِزَامُ النَّصْبِ في الْمُنْقَطِعِ وَإِنْ كان بَنُو تَمِيمٍ يُتْبِعُونَ كما أَجْمَعُوا على نَصْبِ ما هذا بَشَرًا لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْحِجَازِيِّينَ وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا يَعْلَمُ من في السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إلَّا اللَّهُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ جاء على لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ ثُمَّ نَازَعَهُ في ذلك مَسْأَلَةٌ الْإِعْجَازُ في النَّظْمِ وَالْإِعْرَابِ وَلَا خِلَافَ بين الْعُقَلَاءِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُعْجِزٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ عَجَزُوا عن مُعَارَضَتِهِ وَاخْتَلَفُوا في سَبَبِهِ هل كان لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا أو لِمَنْعِ اللَّهِ إيَّاهُمْ عن ذلك مع قُدْرَتِهِمْ عليه وهو الْمُسَمَّى بِالصَّرْفِ على قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ الْإِعْجَازُ لِخُرُوجِهِ عن سَائِرِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ فَزَادَهُمْ أُسْلُوبًا لم يَكُنْ فِيمَا بَيْنَهُمْ في لُغَتِهِمْ لِأَنَّهَا مَحْصُورَةٌ في الرَّجَزِ وَالشِّعْرِ وَالرِّسَالَةِ وَالْخَطِّ وَمَنْظُومِ الْكَلَامِ وَمَنْثُورِهِ وَالْقُرْآنُ خَارِجٌ عن ذلك فَجَرَى مَجْرَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى في زَمَنِ عِيسَى لِأَنَّ في وَقْتِهِ كان الْأَطِبَّاءُ يَدَّعُونَ تَصْحِيحَ الْمَرْضَى ولم يَكُنْ دَعْوَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى فَزَادَ عليهم إحْيَاءُ الْمَوْتَى وَكَذَلِكَ عَصَا مُوسَى وَقِيلَ الْإِعْجَازُ في بَلَاغَتِهِ وَجَزَالَتِهِ وَفَصَاحَتِهِ الْمُجَاوِزَةِ لِحُدُودِ جَزَالَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْأَسَالِيبِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْإِعْجَازَ في جَزَالَتِهِ مع أُسْلُوبِهِ الْخَارِجِ عن أَسَالِيبِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْجَزَالَةُ وَالْأُسْلُوبُ مَعًا مُتَعَلِّقَانِ بِالْأَلْفَاظِ وَالْمَعْنَى في حُكْمِ الشَّائِعِ لِلَّفْظِ وَاللَّفْظُ هو الْمَتْبُوعُ وَمِنْ ثَمَّ لَا تَقُومُ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ مَقَامَهُ في إقَامَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ نَحْوَهُ وَحُكِيَ عن الْجَاحِظِ أَنَّ الْإِعْجَازَ مَنْعُ الْخَلْقِ عن الْإِتْيَانِ بِهِ وَلَيْسَ هذا قَوْلُ الصِّرْفَةِ الْمَعْزُوِّ إلَى الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ فإن قَوْلَ الصَّارِفَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ قُوَاهُمْ كانت مَجْبُولَةً على الْإِتْيَانِ بمثله ثُمَّ سَلَبَهُمْ اللَّهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ فَصَارُوا عَاجِزِينَ وَالْإِعْجَازُ حَاصِلٌ بهذا حُصُولَ ابْتِدَاءٍ لِأَنَّ سَلْبَ الْإِنْسَانِ قُدْرَتَهُ أَعْجَزُ له وَأَبْلَغُ من تَحَدِّيهِ بِمَا لم يَقْدِرْ عليه وَقِيلَ الْإِعْجَازُ فيه غَرَابَةُ النَّظْمِ مع الْإِخْبَارِ عن الْغَيْبِ وَإِتْيَانِهِ بِقَصَصِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مَسْأَلَةٌ وَهَلْ الْإِعْجَازُ في النَّظْمِ وَحْدَهُ دُونَ الْإِعْرَابِ أو في النَّظْمِ وَالْإِعْرَابِ مَعًا خِلَافٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي في التَّتِمَّةِ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفَرَّعَا عليه ما لو لَحَنَ في الصَّلَاةِ ولم يُغَيِّرْ الْمَعْنَى كما لو قال الْحَمْدُ لِلَّهِ وَنَصَبَ الْهَاءَ هل تُجْزِئُهُ وَجْهَانِ بِنَاءً على هذا الْأَصْلِ قالت الْحَنَفِيَّةُ الْقُرْآنُ عِبَارَةٌ عن النَّظْمِ الدَّالِّ على الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْجَمَةُ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَغَيْرِهَا بَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهُ على هَيْئَتِهِ التي يَتَعَلَّقُ بها الْإِعْجَازُ لِتَقْصِيرِ التَّرْجَمَةِ عنه وَلِتَقْصِيرِ غَيْرِهِ من الْأَلْسُنِ عن الْبَيَانِ الذي خُصَّ بِهِ دُونَ سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ قال اللَّهُ تَعَالَى بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ هذا لو لم يَكُنْ مُتَحَدًّى بِنَظْمِهِ وَأُسْلُوبِهِ وإذا لم تَجُزْ قِرَاءَتُهُ بِالتَّفْسِيرِ الْعَرَبِيِّ الْمُتَحَدَّى بِنَظْمِهِ فَأَحْرَى أَنْ لَا تَجُوزَ بِالتَّرْجَمَةِ بِلِسَانِ غَيْرِهِ وَمِنْ هَاهُنَا قال الْقَفَّالُ في فَتَاوِيهِ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ قِيلَ له فَإِذَنْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُفَسِّرَ الْقُرْآنَ قال ليس كَذَلِكَ لِأَنَّ هُنَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِ مُرَادِ اللَّهِ وَيَعْجَزُ عن الْبَعْضِ أَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ مُرَادِ اللَّهِ وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بين التَّرْجَمَةِ وَالتَّفْسِيرِ فقال يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْأَلْسُنِ بَعْضِهَا بِبَعْضِهِ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ عِبَارَةٌ عَمَّا قام في النَّفْسِ من الْمَعْنَى لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَالتَّرْجَمَةُ هِيَ بَدَلُ اللَّفْظَةِ بِلَفْظَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا في مَفْهُومِ الْمَعْنَى لِلسَّامِعِ الْمُعْتَبِرِ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فَكَأَنَّ التَّرْجَمَةَ إحَالَةُ فَهْمِ السَّامِعِ على الِاعْتِبَارِ وَالتَّفْسِيرُ تَعْرِيفُ السَّامِعِ بِمَا فَهِمَ الْمُتَرْجِمُ وَهَذَا فَرْقٌ حَسَنٌ وما أَحَالَهُ الْقَفَّالُ من تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أبو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بن فَارِسٍ عن كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ أَيْضًا فقال لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ من الْمُتَرْجِمِينَ على أَنْ يَنْقُلَ الْقُرْآنَ إلَى شَيْءٍ من الْأَلْسِنَةِ كما نُقِلَ الْإِنْجِيلُ عن السُّرْيَانِيَّةِ إلَى الْحَبَشِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَتُرْجِمَتْ التَّوْرَاةُ وَالزَّبُورُ وَسَائِرُ كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْعَجَمَ لم تَتَّسِعْ في الْمَجَازِ اتِّسَاعَ الْعَرَبِ أَلَا تَرَى أَنَّك لو أَرَدْت أَنْ تَنْقُلَ قَوْلَهُ جَلَّ وَعَلَا وَإِمَّا تَخَافَنَّ من قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ على سَوَاءٍ لم تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْتِيَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُؤَدِّيَةً عن الْمَعْنَى الذي أُودِعَتْ فيه حتى تَبْسُطَ مَجْمُوعَهَا وَتَفُكَّ مَنْظُومَهَا وَتُظْهِرَ مَسْتُورَهَا فَتَقُولُ إنْ كان بَيْنَكَ وَبَيْنَ قَوْمٍ هُدْنَةٌ وَعَهْدٌ فَخِفْتَ منهم خِيَانَةً وَنَقْضًا فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ قد نَقَضْتَ ما شَرَطْتَهُ لهم وَآذِنْهُمْ بِالْحَرْبِ لِتَكُونَ أنت وَهُمْ في الْعِلْمِ بِالنَّقْضِ على اسْتِوَاءٍ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فَضَرَبْنَا على آذَانِهِمْ في الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ا هـ وَظَهَرَ من هذا أَنَّ الْخِلَافَ الْمَحْكِيَّ عن أبي حَنِيفَةَ في جَوَازِ قِرَاءَتِهِ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَصَوُّرِهِ على أَنَّهُ قد صَحَّ عن أبي حَنِيفَةَ الرُّجُوعُ عن ذلك حَكَاهُ عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ وَاَلَّذِينَ لم يَطَّلِعُوا على الرُّجُوعِ من أَصْحَابِهِ قالوا أَرَادَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ عن الْقُرْآنِ فَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ اُمْتُنِعَ وَحُكِمَ بِزَنْدَقَةِ فَاعِلِهِ وَجَعَلَ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الْأَسْرَارِ مَأْخَذَ الْخِلَافِ في ذلك الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَرَأَيْتُ في كَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْمَغَارِبَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مَخْصُوصٌ بِالتِّلَاوَةِ فَأَمَّا ما تَرْجَمَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ فإن ذلك جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ من ذلك على بَيَانِ الْحُكْمِ الْمُحْكَمِ منه وَالْقَرِيبِ الْمَعْنَى بِمِقْدَارِ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا من التَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَا سِوَى ذلك وَيُؤْمَرُ من أَرَادَ الزِّيَادَةَ على ذلك بِتَعَلُّمِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ قال وَهَذَا هو الذي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَلِذَلِكَ لم يَكْتُبْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى قَيْصَرَ إلَّا بِآيَةٍ وَاحِدَةٍ مَحْكَمَةٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّبَرِّي من الْإِشْرَاكِ لِأَنَّ النَّقْلَ من لِسَانٍ إلَى لِسَانٍ قد تَقْصُرُ التَّرْجَمَةُ عنه لَا سِيَّمَا من الْعَرَبِيِّ إلَى الْعَجَمِيِّ فَإِنْ كان مَعْنَى الْمُتَرْجَمِ عنه وَاحِدًا عُدِمَ أو قَلَّ وُقُوعُ التَّقْصِيرِ فيه بِخِلَافِ الْمَعَانِي إذَا كَثُرَتْ لَا سِيَّمَا إذَا اشْتَرَكَتْ الْأَلْفَاظُ وَتَقَارَبَتْ أو تَوَاصَلَتْ الْمَعَانِي أو تَقَارَبَتْ وَإِنَّمَا فَعَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ذلك لِضَرُورَةِ التَّبْلِيغِ أو لِأَنَّ مَعْنَى تِلْكَ الْآيَةِ كان عِنْدَهُمْ مُقَرَّرًا في كُتُبِهِمْ وَإِنْ خَالَفُوهُ وَإِفْرَادُ هذه الْمَسْأَلَةِ بِكَلَامِي هذا لَا تَجِدُهُ في كِتَابٍ فَاشْكُرْ اللَّهَ على هذا الْمُسْتَطَابِ مَسْأَلَةٌ الْأَلْفَاظُ غَيْرُ الْعَرَبِيَّةِ في الْقُرْآنِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ ليس في الْقُرْآنِ كَلَامٌ مُرَكَّبٌ على غَيْرِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ وَأَنَّ فيه أَسْمَاءَ أَعْلَامٍ لِمَنْ لِسَانُهُ غَيْرُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ كَإِسْرَائِيلَ وَجَبْرَائِيلَ وَنُوحٍ وَلُوطٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هل في الْقُرْآنِ أَلْفَاظٌ غَيْرُ أَعْلَامٍ مُفْرَدَةٍ من غَيْرِ كَلَامِ الْعَرَبِ فَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ ذلك فيه وَكَذَلِكَ نُقِلَ عن أبي عُبَيْدَةَ وَادَّعَى أَنَّ ما وُجِدَ فيه من الْأَلْفَاظِ الْمُعَرَّبَةِ مِمَّا اتَّفَقَ فيه اللُّغَاتُ وَبَحَثَ الْقَاضِي عن أُصُولِ أَوْزَانِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَرَدَّ هذه الْأَسْمَاءَ إلَيْهَا على الطَّرِيقَةِ النَّحْوِيَّةِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى وُجُودِهَا فيه وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في ذَيْلِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَسْأَلَةٌ في الْقُرْآنِ الْمَجَازُ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ وَأَبِي بَكْرِ بن دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَسَيَأْتِي أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَسْأَلَةٌ الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ في الْقُرْآنِ مُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ كما قال تَعَالَى منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ وقد يُوصَفُ جَمِيعُ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَمَاثِلٌ في الدَّلَالَةِ وَالْإِعْجَازِ قال اللَّهُ تَعَالَى كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ وقد يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُحْكَمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ أُحْكِمَ على وَجْهٍ لَا يَقَعُ فيه تَفَاوُتٌ قال اللَّهُ تَعَالَى كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ وَالْمُحْكَمُ إمَّا بِمَعْنَى الْمُتْقَنِ كَقَوْلِهِ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ بهذا الْمَعْنَى وَإِمَّا في مُقَابَلَةِ الْمُتَشَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَاخْتَلَفَ فيه بهذا الْمَعْنَى على أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ مُنْتَشِرَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ما خَلَصَ لَفْظُهُ من الِاشْتِرَاكِ ولم يَشْتَبِهْ بِغَيْرِهِ وَعَكْسُهُ الْمُتَشَابِهُ الثَّانِي أَنَّ الْمُحْكَمَ ما اتَّصَلَتْ حُرُوفُهُ وَالْمُتَشَابِهُ ما انْفَصَلَتْ كَالْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ في أَوَائِلِ السُّوَرِ وهو بَاطِلٌ فإن الْكَلِمَةَ قد تَتَّصِلُ وَلَا تَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهَا وَتَتَرَدَّدُ بين احْتِمَالَاتٍ وَتُعَدُّ مُتَشَابِهَةً الثَّالِثُ أَنَّ الْمُحْكَمَ ما تَوَعَّدَ بِهِ الْفُسَّاقُ وَالْمُتَشَابِهُ ما أَخْفَى عِقَابَهُ وقد حَرَّمَهُ كَالْكِذْبَةِ وَالنَّظْرَةِ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن وَاصِلَ بن عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ من حَكَى عنه أَنَّ الْمُحْكَمَ هو الْوَعِيدُ على الْكَبَائِرِ وَالْمُتَشَابِهَ على الصَّغَائِرِ وَنَسَبَهُ لِعَمْرِو بن عُبَيْدٍ أَيْضًا الرَّابِعُ أَنَّهُ ما احْتَجَّ بِهِ على الْكُفَّارِ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْأَصَمِّ الْخَامِسُ أَنَّهُ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ في الْأَحْكَامِ وَالْمُتَشَابِهُ الْقَصَصُ وَسِيَرُ الْأَوَّلِينَ لِأَنَّ الْمُحْكَمَ ما اُسْتُفِيدَ الْحُكْمُ منه وَالْمُتَشَابِهَ ما لَا يُفِيدُ حُكْمًا حَكَاهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ قال وَاللُّغَةُ لَا تَشْهَدُ لِذَلِكَ السَّادِسُ أَنَّهُ نَعْتُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في التَّوْرَاةِ وَالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَشَابِهُ نَعْتُهُ في الْقُرْآنِ وَنُسِبَ لِلْأَصَمِّ السَّابِعُ أَنَّهُ النَّاسِخُ وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ وَنُقِلَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَنْسُوخَ لَا يُسْتَفَادُ منه حُكْمٌ وَلَفْظُ النَّسْخِ فيه إجْمَالٌ فَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا قَوْله تَعَالَى فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مُحْكَمٌ الثَّامِنُ الْمُتَشَابِهُ آيَاتُ الْقِيَامَةِ وَالْبَاقِي مُحْكَمٌ قَالَهُ الزَّجَّاجُ إذَا لم يَنْكَشِفْ الْغِطَاءُ عنها بِدَلِيلٍ قَوْله تَعَالَى فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه وَكَانُوا لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا أَمْرَ السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى يَسْأَلُونَك عن السَّاعَةِ التَّاسِعُ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ ما عَسُرَ إجْرَاؤُهُ على ظَاهِرِهِ كَآيَةِ الِاسْتِوَاءِ قال في الْمَنْخُولِ وَإِلَيْهِ مَالَ ابن عَبَّاسٍ الْعَاشِرُ أَنَّ الْمُحْكَمَ ما لَا يَحْتَمِلُ من التَّأْوِيلِ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمُتَشَابِهُ ما احْتَمَلَ أَوْجُهًا وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ عن الشَّافِعِيِّ وَجَرَى عليه أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْمُحْكَمُ ما كانت مَعَانِي أَحْكَامِهِ مَعْقُولَةً بِخِلَافِ الْمُتَشَابِهِ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِرَمَضَانَ دُونَ شَعْبَانَ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ الْمُحْكَمَ ما اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ ولم يَحْتَجْ إلَى بَيَانٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ قال وَالْمُتَشَابِهُ هو الذي يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ فَتَارَةً يُبَيَّنُ بِكَذَا وَتَارَةً بِكَذَا لِحُصُولِ الِاخْتِلَافِ في تَأْوِيلِهِ قال وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ لِأَنَّ الْقُرْءَ مُشْتَرَكٌ بين الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَقَوْلُهُ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ قال وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ قُلْت وهو قَرِيبٌ من الْأَوَّلِ وَالثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّ الْمُحْكَمَ ما أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِظَاهِرِهِ أو بِدَلَالَةٍ تَكْشِفُ عنه وَالْمُتَشَابِهُ ما لَا يُعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ وهو الْمُخْتَارُ على طَرِيقَةِ السُّنَّةِ قال وَعَلَى هذا فَالْوَقْفُ التَّامُّ على قَوْلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ فقال هو قَوْلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تُسَاعِدُهُ على ذلك وَرُبَّ كَلَامٍ يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وهو مُتَنَاقِضٌ قال وَالسَّدِيدُ أَنْ يُقَالَ الْمُحْكَمُ السَّدِيدُ النَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ الذي يُفْضِي إلَى إثَارَةِ الْمَعَانِي الْمُسْتَقِيمُ من غَيْرِ مُنَافٍ وَالْمُتَشَابِهُ هو الذي لَا يُحِيطُ الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ منه من حَيْثُ اللُّغَةِ إلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ أَمَارَةٌ أو قَرِينَةٌ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْمُشْتَرَكُ كَالْقُرْءِ وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمُحْكَمَ هو الْوَاضِحُ الْمَعْنَى الذي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ إشْكَالٌ مَأْخُوذٌ من الْإِحْكَامِ وهو الْإِتْقَانُ وَالْمُتَشَابِهُ نَقِيضُهُ فَيَدْخُلُ في الْمُحْكَمِ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ وفي الْمُتَشَابِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ كَالْقُرْءِ وَاللَّمْسِ وما يُوهِمُ التَّشْبِيهَ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قال وَلَا يَدْخُلُ في ذلك الْحُرُوفُ في أَوَائِلِ السُّوَرِ إذْ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً بِاصْطِلَاحٍ سَابِقٍ فَتُوهِمُ الْإِشْكَالَ ولم يَثْبُتْ فيها تَوْقِيفٌ فَيُتَّبَعُ بَلْ نَقُولُ فيها كما قال الصِّدِّيقُ رضي اللَّهُ عنه إنَّهَا من أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْصُودُ هذا الْبَحْثِ أَنَّ مُحْكَمَ الْقُرْآنِ يُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهُ يُؤْمَنُ بِهِ وَيُوقَفُ في تَأْوِيلِهِ إنْ لم يُعِبْهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ اخْتَلَفُوا في إدْرَاكِ عِلْمِ الْمُتَشَابِهِ فقال كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ كَالْحَارِثِ وَالْقَلَانِسِيِّ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَوَقَفُوا على قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَذَهَبَ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ في جُمْلَةِ الرَّاسِخِينَ من يَعْلَمُ الْمُتَشَابِهَ وَوَقَفُوا على قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ قال وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بن كَعْبٍ وهو اخْتِيَارُ أبي عُبَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَحْمَدَ بن يحيى النَّحْوِيِّ وَبِهِ نَقُولُ قال وَتَدْخُلُ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ في أَوَائِلِ السُّوَرِ في الْمُتَشَابِهِ الذي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَأَقْوَالُ الْمُتَأَوِّلِينَ لها مُتَعَارِضَةٌ ليس بَعْضُهَا أَوْلَى من بَعْضٍ ا هـ وَحَكَى الْخِلَافَ أَيْضًا أُسْتَاذُهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ثُمَّ قال وَلَا يَجْرِي هذا الْخِلَافُ في أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ إذْ ليس شَيْءٌ منها إلَّا وَعُرِفَ بَيَانُهُ وَلَيْسَ في السُّنَّةِ ما يُشَاكِلُهُ وما اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ في تَفْسِيرِهِ عن الْأَكْثَرِينَ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالنَّحْوِيِّينَ وَأَيَّدَهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْ تَأْوِيلُهُ إلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وقال عُمَرُ بن عبد الْعَزِيزِ انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ في الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَى أَنْ قالوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ من عِنْدِ رَبِّنَا قال الْبَغَوِيّ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ في الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ا هـ وَقَطَعَ بِهِ الزُّبَيْرِيُّ من كِبَارِ أَئِمَّتِنَا في أَوَّلِ كِتَابِهِ الْمُسْكِتِ فقال دَلَّتْ الْآيَةُ على أَنَّ من الْقُرْآنِ شيئا غَيَّبَهُ اللَّهُ عن خَلْقِهِ لِيُلْزِمَهُمْ النَّقْصَ في أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ من الْأَمْرِ إلَّا ما قَدَّرَ اللَّهُ لهم وقد بَيَّنَ ذلك في كِتَابِهِ فقال وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ انْتَهَى وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وقال ليس في الْقُرْآنِ شَيْءٌ اسْتَأْثَرَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بَلْ وَقَفَ الْعُلَمَاءُ عليه لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْرَدَ هذا مَدْحًا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ لَشَارَكُوا الْعَامَّةَ وَبَطَلَ مَدْحُهُمْ وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ قال فَأَخْبَرَ أَنَّ الْكِتَابَ كُلَّهُ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ وَبُيِّنَتْ وَبِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبَيْنَهُمَا مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ من الناس فَدَلَّ على أَنَّ الْقَلِيلَ من الناس يَعْلَمُهَا وَهُمْ الرَّاسِخُونَ وقال ابن الْحَاجِبِ وَالظَّاهِرُ الْوَقْفُ على وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ قُلْت وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الْمَعَالِي شَيَّدَ له في كِتَابِ الْبُرْهَانِ عن أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ وَاخْتَارَهُ قال وهو مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بن كَعْبٍ وَهَذَا عَكْسُ حِكَايَةِ الْأُسْتَاذِ وَالْبَغَوِيِّ لَكِنْ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ قال وَاخْتَارَهُ الْعَيْنِيُّ قال وقد كان يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ السُّنَّةِ لَكِنَّهُ سَهَا في هذه الْمَسْأَلَةِ قال وَلَا غَرْوَ فَلِكُلِّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ وَلِكُلِّ عَالِمٍ هَفْوَةٌ قال وقد نُقِلَ عن مُجَاهِدٍ وَلَا أَعْلَمُ تَحَقُّقَهُ وقال ابن بَرْهَانٍ في كَلَامِهِ على مَعَانِي الْحُرُوفِ الْوَقْفُ التَّامُّ على قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ ابْتَدَأَ بِالرَّاسِخِينَ وَتَوَسَّطَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فقال في آخِرِ كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ الْقَوْلَانِ مُحْتَمِلَانِ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ في الْمُتَشَابِهِ ما لَا يَعْلَمُ وَيَكُونُ الْغَرَضُ منه الْإِيمَانَ وَأَنَّهُ من عِنْدِ اللَّهِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَقَفَ أبو عُبَيْدَةَ على قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَلَيْسَ هذا من غَرَضِ الْأُصُولِيِّ وَغَرَضُنَا أَنَّ التَّشَابُهَ في الْآيَاتِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِلتَّكْلِيفِ مُحَالٌ وَيُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ منه رَسْمُ الْمَسْأَلَةِ في آيَةِ الِاسْتِوَاءِ قال مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عنه الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عنه بِدْعَةٌ وقال سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ يُفْهَمُ منه ما يُفْهَمُ من قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وقد تَحَزَّبَ الناس فيه فَضَلَّ قَوْمٌ أَجْرَوْهُ على الظَّاهِرِ وَفَازَ من قَطَعَ بِنَفْيِ الِاسْتِقْرَارِ وَإِنْ تَرَدَّدَ في مُجْمَلِهِ وَرَآهُ فَلَا يُعَابُ عليه قال وَتَكْلِيفُ تَعْلِيمِ الْأَدِلَّةِ على نَفْيِ الِاسْتِقْرَارِ لَا نَرَاهُ وَاجِبًا على الْآحَادِ بَلْ يَجِبُ على شَخْصٍ في كل إقْلِيمٍ أَنْ يَقُومَ لِيَدْفَعَ الْبِدَعَ إذَا ثَارَتْ انْتَهَى وَقِيلَ الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَ على الْجُمْلَةِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ على التَّفْصِيلِ وَبِهَذَا يَصِحُّ الْقَوْلَانِ جميعا وَلَا يَتَنَافَيَانِ وهو الذي يُعَضِّدُهُ الدَّلِيلُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قد خَاضُوا في التَّأْوِيلِ وَالْمُخْتَارُ الْوَقْفُ على إلَّا اللَّهُ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ بَلْ لم يَذْهَبْ إلَى الْوَقْفِ على وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ إلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ من الناس كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ الثَّانِي أَنَّ أَمَّا في لُغَةِ الْعَرَبِ لِتَفْصِيلِ الْمُجْمَلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ في سِيَاقِهِ قِسْمَانِ إمَّا لَفْظًا وهو الْأَكْثَرُ وَإِمَّا تَقْدِيرًا وَسَبَبُهُ إمَّا الِاسْتِغْنَاءُ بِذِكْرِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عن الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَمَّا من تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ ولم يذكر الْقِسْمَ الْآخَرَ لِدَلَالَةِ الْمَذْكُورِ عليه فَكَأَنَّهُ قال وَأَمَّا من لم يُؤْمِنْ ولم يَعْمَلْ صَالِحًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ من الْمُفْلِحِينَ وَإِمَّا بِكَلَامٍ يُذْكَرُ بَعْدَهَا في مَوْضِعِ ذلك كَهَذِهِ الْآيَةِ فإنه سُبْحَانَهُ قال فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشَابَهَ منه ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ فَهَذَا تَمَامُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ في سِيَاقِ أَمَّا فَاقْتَضَى وَضْعُ اللُّغَةِ ذِكْرَ قِسْمٍ آخَرَ فَكَانَ تَقْدِيرُهُ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَكِلُونَ مَعْنَاهُ إلَى رَبِّهِمْ وَدَلَّ على ذلك قَوْلُهُ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ من عِنْدِ رَبِّنَا أَيْ من الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ من عِنْدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانُ بِهِمَا وَاجِبٌ وَكَأَنَّهُ قِيلَ وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ فَيَقُولُونَ وَيَدُلُّ على ذلك قَوْله تَعَالَى في سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ من رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بهذا مَثَلًا الثَّالِثُ أَنَّهُ الْوَاوُ في قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَإِنْ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ غير عَاطِفَةٍ غير أنها هَاهُنَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لو أَرَادَ الْعَطْفَ لَقَالَ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ عَطْفًا لَيَقُولُونَ على يَعْلَمُونَ الْمُضْمَرِ إذْ التَّقْدِيرُ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَعْمَلُونَ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ يَقُولُونَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مع إضْمَارِ فِعْلِهَا الْعَامِلِ فيها فَلَوْ جَازَ هذا لَجَازَ عبد اللَّهِ رَاكِبًا بِمَعْنَى أَقْبَلَ وهو مُمْتَنِعٌ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالرَّاسِخُونَ قَائِلُونَ بِتَقْدِيرِ يَعْلَمُونَهُ قَائِلِينَ الثَّانِي ما رَوَى عبد الرَّزَّاقِ في تَفْسِيرِهِ عن ابْنِ طَاوُسٍ عن أبيه قال كان ابن عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ آمَنَّا بِهِ فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مُبَيِّنَةُ إجْمَالِ الْوَاوِ في الْآيَةِ وَأَنَّهَا اسْتِئْنَافِيَّةٌ لَا عَاطِفَةٌ ثُمَّ إنْ كان ابن عَبَّاسٍ سَمِعَهَا من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهِيَ تَفْسِيرٌ منه لِلْآيَةِ وَإِنْ لم يَكُنْ فَهُوَ مُرَجَّحٌ لِأَنَّهَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ الثَّالِثُ في تَرْجِيحِ كَوْنِهَا اسْتِئْنَافِيَّةً أَنَّ بِتَقْدِيرِ ذلك تَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا وَالْحَالُ فَضْلَةٌ خَارِجَةٌ عن رُكْنِ الْجُمْلَةِ وَكَوْنُ الْجُمْلَةِ رُكْنًا أَقْوَى من كَوْنِهَا فَضْلَةً وإذا دَارَ أَمْرُ اللَّفْظَةِ بين أَقْوَى الْحَالَيْنِ وَأَضْعَفِهِمَا كان حَمْلُهُ على الْأَقْوَى أَوْلَى الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ على ذَمِّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ إذْ وُصِفُوا بِزَيْغِ الْقُلُوبِ وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ وقد صَرَّحَتْ السُّنَّةُ بِذَمِّهِمْ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ ما تَشَابَهَ منه فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ الْخَامِسُ أَنَّ قَوْلَهُ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ يَدُلُّ على تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِمَا لم يَقِفُوا على حَقِيقَةِ الْمُرَادِ بِهِ وهو من قَبِيلِ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الذي مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَهُ وهو ظَاهِرٌ في التَّسْلِيمِ لِمُرَادِ اللَّهِ وَإِنْ كان لَا يُنَافِي فَهْمَهُمْ الْمُرَادَ بِهِ وَاحْتَجَّ من قال إنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ بِأَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ الرَّاسِخِينَ في الْعِلْمِ يَقْتَضِي عِلْمَهُمْ بِتَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ وَإِلَّا لم يَكُنْ لهم فَضِيلَةٌ على غَيْرِهِمْ نعم من الْمُتَشَابِهِ ما يَعْلَمُ الرَّاسِخُونَ منه وَمِنْهُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَالرُّوحِ وَوَقْتِ السَّاعَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّاسِخِينَ في الْعِلْمِ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَمَعْرَفَتِهِ وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ على كُنْهِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِغَيْرِهِ كما حَكَى عن الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قال الْعَجْزُ عن دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ وقد قِيلَ حَقِيقَةُ الْمَرْءِ ليس الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ في الْقِدَمِ ثُمَّ قِيلَ النِّزَاعُ في الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ من قال بِأَنَّ الرَّاسِخَ في الْعِلْمِ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ ظَاهِرًا لَا حَقِيقَةً وَمَنْ قال لَا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا ذلك إلَى اللَّهِ وَالْحِكْمَةُ في إنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ ابْتِلَاءُ الْعُقَلَاءِ وقال السُّهَيْلِيُّ اخْتَلَفَ الناس في الْوَقْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ وهو قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْكَلَامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَقَوْلُهُ وَالرَّاسِخُونَ مُبْتَدَأٌ وَلَكِنْ لَا نَقُولُ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ بَلْ يَعْلَمُونَهُ بِرَدِّ الْمُتَشَابِهِ إلَى الْمُحْكَمِ وَبِالِاسْتِدْلَالِ على الْخَفِيِّ بِالْجَلِيِّ وَعَلَى الْمُخْتَلَفِ فيه بِالْمُتَّفَقِ عليه فَيَتَّفِقُ بِذَلِكَ الْحُجَّةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ بِالْعِلْمِ الْقَدِيمِ لَا بِتَذَكُّرٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَلَا دَلِيلٍ وَالرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَهُ بِالتَّذَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ مَسْأَلَةٌ وُرُودُ الْمُهْمَلِ في الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ في الْقُرْآنِ ما ليس له مَعْنًى أَصْلًا لِأَنَّهُ مُهْمَلٌ وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عنه أو له مَعْنًى وَلَكِنْ لَا يُفْهَمُ أو يُفْهَمُ لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرَهُ خِلَافًا وَلِهَذَا أَوَّلُوا آيَاتِ الصِّفَاتِ على مُقْتَضَى ما فَهِمُوهُ قال الْغَزَالِيُّ وَلَا يُقَالُ إنَّ فَائِدَتَهُ في مُخَاطَبَةِ الْخَلْقِ بِمَا لَا يَفْهَمُونَهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَقْصُودُ بِهِ تَفْهِيمُ من هو أَهْلٌ له وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ وقد فَهِمُوهُ وَلَيْسَ من شَرْطِ من يُخَاطِبُ الْعُقَلَاءَ بِكَلَامٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ بِمَا يَفْهَمُ الصِّبْيَانُ وَالْعَوَامُّ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَارِفِينَ بَلْ على من لم يَفْهَمْ أَنْ يَسْأَلَ من له أَهْلِيَّةُ الْفَهْمِ كما قال تَعَالَى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَأَمَّا الْحُرُوفُ التي في أَوَائِلِ السُّوَرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فيها على نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا فَقِيلَ إنَّمَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ وَقِيلَ ذَكَرَهَا اللَّهُ لِجَمْعِ دَوَاعِي الْعَرَبِ إلَى الِاسْتِمَاعِ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ عَادَتَهُمْ فَتُوقِظُهُمْ عن الْغَفْلَةِ حتى تَصْرِفَ قُلُوبَهُمْ إلَى الْإِصْغَاءِ فلم يَذْكُرْهَا لِإِرَادَةِ مَعْنًى وَقِيلَ إنَّمَا ذَكَرَهَا كِنَايَةً عن سَائِرِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ التي لَا يَخْرُجْ عنها جَمِيعُ كَلَامِ الْعَرَبِ تَنْبِيهًا على أَنَّهُ ليس يُخَاطِبُهُمْ إلَّا بِلُغَاتِهِمْ وَحُرُوفِهِمْ وقال ابن عَبَّاسٍ كُلُّ حَرْفٍ منها مَأْخُوذٌ منها اسْمٌ من أَسْمَاءِ اللَّهِ فَالْكَافُ من كَافٍ وَالْهَاءُ من هَادٍ وَالْعَيْنُ من عَلِيمٍ وَالصَّادُ من صَادِقٍ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قال لِنَبِيِّهِ أنا كَافِيك وَهَادِيك وَقِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هذه الْأَحْرُفَ إبْطَالًا لِحِسَابِ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْسِبُونَ هذه الْأَحْرُفَ حَالَةَ نُزُولِهَا وَيَرُدُّونَهَا إلَى حِسَابِ الْجُمَّلِ وَيَقُولُونَ إنَّ مُنْتَهَى دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ كَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هذه الْأَحْرُفَ تَخْبِيطًا لِلْحِسَابِ عليهم وَقِيلَ ذَكَرَهَا اللَّهُ جَرْيًا على عَادَةِ الْعَرَبِ في ذِكْرِ النَّسِيبِ في أَوَائِلِ الْخُطَبِ وَالْقَصَائِدِ وَلِهَذَا اُخْتُصَّتْ بِالْأَوَائِلِ وَقِيلَ غَيْرُ ذلك وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّازِيَّ تَرْجَمَ الْمَسْأَلَةَ في الْمَحْصُولِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِشَيْءٍ وَلَا يَعْنِي بِهِ شيئا ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في التَّكَلُّمِ بِمَا لَا يُفِيدُ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ فإنه يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ بِهِ شيئا وهو يُفِيدُ في نَفْسِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفِيدَ وَلَا يَعْنِي بِهِ شيئا فَمَحَلُّ النِّزَاعِ غَيْرُ مُنَقَّحٍ لِأَنَّ في كَلَامِ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ نَصْبَ الْخِلَافَ في أَنَّهُ هل يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ بِشَيْءٍ وَلَا يَعْنِي بِهِ شيئا وقال الْأَصْفَهَانِيُّ وَالْحَقُّ أَرْجُو أَنَّ الْكَلَامَ بِمَا لَا يَعْنِي بِهِ مُفَرَّعٌ على التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ ثُمَّ قال وَحِينَئِذٍ فَيَسْهُلُ الْمَنْعُ على مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَمَّا على رَأْيِ الْأَشَاعِرَةِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ لهم الْمَنْعُ مع أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ الْعَقْلِيَّيْنِ قُلْت لَا جَرَمَ جَزَمَ ابن بَرْهَانٍ بِالْجَوَازِ فقال يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُ اللَّهِ على ما لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ ثُمَّ نُقِلَ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ثُمَّ تَمَسَّكَ بِأَسْمَاءِ السُّوَرِ قال وَمَعْلُومٌ أَنَّا لَا نَفْهَمُ مَعَانِيَهَا وقد تُعُبِّدْنَا بها وَخَرَجَ من كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّهُ هل يَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُ اللَّهِ على ما لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ أَمْ لَا وَهَذَا خِلَافُ ما سَبَقَ من أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّهُ لَا يَعْنِي بِهِ شيئا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مَسْأَلَتَيْنِ وهو الظَّاهِرُ وَيَرْتَفِعُ التَّخْلِيطُ من كَلَامِهِمْ وَفَصَّلَ ابن بَرْهَانٍ فقال ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَنَا وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَبَيَّنَ ما لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هل يَجُوزُ أَنْ يَشْمَلَ الْكِتَابُ عليه وَإِنْ كان لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ وَسَلَكَ الْأَصْفَهَانِيُّ في تَصْوِيرِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْكَلَامَ اللِّسَانِيَّ أو النَّفْسَانِيَّ فَإِنْ كان النَّفْسَانِيَّ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَكُونَ له مَعْنًى وَإِنْ كان اللِّسَانِيَّ فَجَوَازُهُ لِأَنَّهُ من قَبِيلِ الْأَفْعَالِ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَفْعَلَ ما يَهْدِي بِهِ وَيُضِلُّ بِهِ وَأَنْ يَفْعَلَ ما لَا يُضِلُّ بِهِ وَلَا يَهْدِي بِهِ مَسْأَلَةٌ لَا زَائِدَ في الْقُرْآنِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فيه زَائِدٌ إلَّا بِتَأْوِيلٍ بَلْ يقول إنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ لَا يَجُوزُ عليه الْعَبَثُ فَلَيْسَ فيها لَفْظٌ زَائِدٌ لَا لِفَائِدَةٍ وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ ما زَائِدَةٌ والباء زَائِدَةٌ وَنَحْوَهَا فَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَخْتَلُّ مَعْنَاهُ بِحَذْفِهَا أَيْ لَا تَتَوَقَّفُ دَلَالَتُهُ على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ على ذِكْرِ ذلك الزَّائِدِ لَا أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فيه أَصْلًا فإن ذلك لَا يَجُوزُ من وَاضِعِ اللُّغَةِ فَضْلًا عن كَلَامِ الْحَكِيمِ وَجَمِيعُ ما قِيلَ فيه زَائِدٌ فَفَائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ في الْكَلَامِ تَقْتَضِي أَنَّ ذلك لم يَصْدُرْ عن غَفْلَةٍ وَإِنَّمَا صَدَرَ عن قَصْدٍ وَتَأَمُّلٍ وَذَلِكَ من فَوَائِدِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وقال ابن الْخَشَّابِ في الْمُعْتَمَدِ اُخْتُلِفَ في هذه الْمُسَاوَاةِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى جَوَازِ إطْلَاقِ الزَّائِدِ في الْقُرْآنِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ الْقَوْمِ وَبِمُتَعَارَفِهِمْ وهو في كَلَامِهِمْ كَثِيرٌ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِإِزَاءِ الْحَذْفِ هذا لِلِاخْتِصَارِ وَالتَّخْفِيفِ وَذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ وَالتَّوْطِئَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ في التَّنْزِيلِ مَحْذُوفَاتٍ جَاءَتْ لِلِاخْتِصَارِ لِمَعَانٍ رَائِقَةٍ فَكَذَلِكَ تَقُولُ في الزِّيَادَةِ وَمِنْهُمْ من لَا يَرَى الزِّيَادَةَ في شَيْءٍ من الْكَلَامِ وَيَقُولُ هذه الْأَلْفَاظُ التي يَحْمِلُونَهَا على الزِّيَادَةِ جَاءَتْ لِفَوَائِدَ وَمَعَانٍ تَخُصُّهَا فَلَا أَقْضِي عليها بِالزِّيَادَةِ وَمِمَّنْ كان يَرَى هذا أبو مُحَمَّدٍ عبد اللَّهِ بن دُرُسْتَوَيْهِ وكان عَالِيًا في هذا الْبَابِ مُغَالِيًا في عِلْمِ الِاشْتِقَاقِ وكان يُزَاحِمُ الزَّجَّاجَ فيه بِمَنْكِبِهِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ نَاظَرَهُ فيه قال ابن الْخَشَّابِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْقَائِلُ بِالزِّيَادَةِ إثْبَاتَ مَعْنًى لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَهَذَا بَاطِلٌ وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لِأَنَّهُ عَبَثٌ فَتَعَيَّنَ أَنَّ إلَيْنَا بِهِ حَاجَةً لَكِنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْأَشْيَاءِ قد تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقْصِدِ فَلَيْسَتْ الْحَاجَةُ إلَى اللَّفْظِ الذي عَدَّ هَؤُلَاءِ زِيَادَةً كَالْحَاجَةِ إلَى اللَّفْظِ الذي رَأَوْهَا مَزِيدَةً عليه لِأَنَّ هذا بِالِاتِّفَاقِ مِنَّا وَمِنْهُمْ إنْ اخْتَلَّ اخْتَلَفَتْ بِهِ الْفَائِدَةُ فلم يَكُنْ الْكَلَامُ دُونَهُ كَلَامًا وَاَلَّذِي سَمَّوْهُ زَائِدًا إنْ اخْتَلَّ بِهِ كانت الْفَائِدَةُ دُونَهُ وَالْجُمْلَةُ مُقْتَصَرًا بها على ما يُمَيِّزُهُ أَكْثَرِيَّةُ فَائِدَةٍ وَأَقْرَبُ وَعَلَى هذا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ مَسْأَلَةٌ دَلَالَةُ الْكَلَامِ على خِلَافِ ظَاهِرِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِكَلَامِهِ خِلَافَ ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا وَلَا يَدُلُّ عليه دَلِيلٌ خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ لَا يَدُلُّ عليه فَهُوَ كَالْمُهْمَلِ وَالْخِطَابُ بِالْمُهْمَلِ بَاطِلٌ وَفَرَّعَهَا أبو الْحُسَيْنِ على قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَالْخِلَافُ في آيَاتِ الْوَعِيدِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على وَعِيدِ الْفُسَّاقِ لَا غَيْرُ على ما فُهِمَ من أَدِلَّتِهِمْ أَمَّا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذلك عِنْدَ إطْلَاقِ الظَّاهِرِ كما سَيَأْتِي عِنْدَ جَوَازِ وُرُودِ الْعُمُومِ وَتَأَخُّرِ الْخُصُوصِ عنه وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وَكَلَامُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على ظَاهِرِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ كُلُّ ما وَرَدَ في خِطَابِ من يَلْزَمُ الْمَصِيرَ إلَيْهِ فَلَهُ وَجْهٌ في اللُّغَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فقال بَعْضُهُمْ كُلُّ ما وَرَدَ منه فَهُوَ منه مَجْمُوعُهُ وما اتَّصَلَ بِهِ جُمْلَةٌ قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ يَقْتَضِي ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ معه إلَى تَأْوِيلٍ يُحْمَلُ عليه وَمَنْ ظَنَّ ذلك فيه فَقَدْ أَخْطَأَ الْحَقَّ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَرَدَ على وَجْهٍ مُحْتَاجٍ فيه إلَى تَأْوِيلٍ له بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ فَكَأَنَّهُ قال إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ بمثله وقال آخَرُونَ إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَرِدَ من كَلَامِهِ ما لَا يُسْتَعْمَلُ ظَاهِرُهُ وَيُحْمَلُ على خِلَافِهِ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ مَقْصُودَهُ إذَا جَازَ في تِلْكَ اللُّغَةِ مِثْلُهُ وهو اخْتِلَافُهُمْ في قَوْله تَعَالَى وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم فقال ما كان أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَجْمُوعَ الْخِطَابِ في مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَيَحْكُمُونَ بِهِ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم هو من عَرَفَ الْأَدِلَّةَ وَالْوُجُوهَ التي يُحْمَلُ عليها الْخِطَابُ عَرَفَ ما أُرِيدَ بِهِ وَإِنْ كان ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ مَسْأَلَةٌ ب قاء الْمُجْمَلِ في الْقُرْآنِ بَعْدَ وَفَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هل بَقِيَ في الْقُرْآنِ مُجْمَلٌ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ بَعْدَ وَفَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْمَلَ الدِّينَ وقال آخَرُونَ بِإِمْكَانِهِ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ فَجَوَّزَاهُ فِيمَا لَا يُكَلَّفُ فيه وَمَنَعَاهُ فِيمَا فيه تَكْلِيفٌ خَوْفًا من تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ مَسْأَلَةٌ النَّصُّ وَالظَّاهِرُ وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى نَصٍّ وَظَاهِرٍ أَمَّا النَّصُّ فَهُوَ في اللُّغَةِ الظُّهُورُ وَالِارْتِفَاعُ وَمِنْهُ يُقَالُ نَصَصْت بِمَعْنَى أَظْهَرْت وَمِنْهُ نَصَّتْ الصَّبِيَّةُ جِيدَهَا إذَا أَظْهَرَتْهُ وَقَوْلُهُمْ لِلْمَنَارَةِ مِنَصَّةً وَمِنْهَا الْمِنَصَّةُ التي تَجْلِسُ عليها الْعَرُوسُ وفي الحديث كان إذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ أَيْ دَفَعَ السَّيْرَ وَأَسْرَعَ وَيُطْلَقُ بِاصْطِلَاحَاتٍ أَحَدُهَا مُجَرَّدُ لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُقَالُ الدَّلِيلُ إمَّا نَصٌّ أو مَعْقُولٌ وهو اصْطِلَاحُ الْجَدَلِيِّينَ يَقُولُونَ هذه الْمَسْأَلَةُ يُتَمَسَّكُ فيها بِالنَّصِّ وَهَذِهِ بِالْمَعْنَى وَالْقِيَاسِ الثَّانِي ما يُذْكَرُ في بَابِ الْقِيَاسِ وهو مُقَابِلُ الْإِيمَاءِ الثَّالِثُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فَيُقَالُ لِأَلْفَاظِهِ نُصُوصٌ بِاصْطِلَاحِ أَصْحَابِهِ قَاطِبَةً الرَّابِعُ حِكَايَةُ اللَّفْظِ على صُورَتِهِ كما يُقَالُ هذا نَصُّ كَلَامِ فُلَانٍ الْخَامِسُ يُقَابِلُ الظَّاهِرَ وهو مَقْصُودُنَا وقد اُخْتُلِفَ فيه فقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ على أَنَّ النَّصَّ كُلُّ خِطَابٍ عُلِمَ ما أُرِيدَ بِهِ من الْحُكْمِ قال وَهَذَا يُلَائِمُ وَضْعَ الِاشْتِقَاقِ لِأَنَّهُ إذَا كان كَذَلِكَ كان قد أَظْهَرَ الْمُرَادَ بِهِ وَكَشَفَ عنه ثُمَّ على هذا يَنْقَسِمُ النَّصُّ إلَى ما يَحْتَمِلُ وَإِلَى ما لَا يَحْتَمِلُ وقال ابن بَرْهَانٍ لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا سَمَّى الظَّاهِرَ نَصًّا لِأَنَّهُ لَمَحَ فيه الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ قال الْمَازِرِيُّ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ إلَى أَنَّ النَّصَّ يُسَمَّى ظَاهِرًا وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ لِأَنَّ النَّصَّ في أَصْلِ اللُّغَةِ الظُّهُورُ وقال الْإِبْيَارِيُّ يُطْلَقُ النَّصُّ على ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وَسَوَاءٌ عَضَّدَهُ بِالدَّلِيلِ أَمْ لَا وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ هو اخْتِيَارُ الْقَاضِي وقد يَكُونُ نَصًّا بِوَضْعِ اللُّغَةِ وقد يَكُونُ بِالْقَرِينَةِ وَقِيلَ ما اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَأَشَارَ بِالْبَاطِنِ إلَى الْمَفْهُومِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلَّفْظِ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ في الْحَقِيقَةِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ قال الشَّافِعِيُّ في حَدِّ النَّصِّ إنَّهُ خِطَابٌ يُعْلَمُ ما أُرِيدَ بِهِ من الْحُكْمِ سَوَاءٌ كان مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ أو عُلِمَ الْمُرَادُ بِهِ بِغَيْرِهِ وَلَا يُسَمَّى الْمُجْمَلُ نَصًّا وَبِهَذِهِ حَدَّهُ الْكَرْخِيّ وَذَكَرَ عبد الْجَبَّارِ أَنَّ النَّصَّ هو خِطَابٌ يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ الْمُرَادُ بِهِ وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ أَنْ يَتَكَوَّنَ لَفْظًا وَأَنْ لَا يَتَنَاوَلَ إلَّا ما هو نَصٌّ فيه وَإِنْ كان نَصًّا في عَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ ما سِوَاهَا وَإِنْ كان نَصًّا في أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ ما سِوَاهَا وَالثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ إفَادَتُهُ لِمَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُهُ غير مُحْتَمَلٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ النَّصُّ في عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ اللَّفْظُ الذي لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ كَقَوْلِك أَعْطِ زَيْدًا أو خُذْ من عَمْرٍو وَافْعَلْ أنت وَنَحْوَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَبِي بُرْدَةَ وَلَنْ تَجْزِيَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وَأَصْلُهُ الظُّهُورُ قال وَحُكِيَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا قال لَا لَفْظَ في كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا وَأَصْلُهُ التَّخْصِيصُ وَذَهَبَ هذا الْقَائِلُ إلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا نُصُوصٌ عُمُومًا كان أو ظَاهِرًا وَزَعَمَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لِأَبِي بُرْدَةَ يُجْزِئُكَ جَوَازُ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ على أَنَّ غَيْرَهُ في مَعْنَاهُ قال وَهَذَا لَا يَنْفِي الْأَوَّلَ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ في غَيْرِ النَّصِّ ا هـ مسألة بُعْدُ قَوْلِ من أَنْكَرَ وُجُودَ النَّصِّ وَمُقَابِلُ هذا في الْبُعْدِ قَوْلُ من أَنْكَرَ وُجُودَ النَّصِّ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن أبي مُحَمَّدِ بن اللَّبَّانِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَحَكَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عن أبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ قال يَعِزُّ وُجُودُ النَّصِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا النبي وقل هو اللَّهُ أَحَدٌ قال وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ قال في الْمَنْخُولِ قال الْأُصُولِيُّونَ لَا يُوجَدُ النَّصُّ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا في أَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ مُحَمَّدٌ رسول اللَّهِ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ اُغْدُ يا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هذا وَقَوْلُهُ وَلَا يَجْزِيَ عن أَحَدٍ بَعْدَك قال وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فإنه يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا ثُمَّ قَسَّمَ النَّصَّ إلَى ما يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَإِلَى ما لَا يَقْبَلُهُ قال وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ النَّصَّ ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَتَسْمِيَةُ الظَّاهِرِ نَصًّا صَحِيحٌ لُغَةً وَشَرْعًا لِأَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ قال وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الظَّاهِرُ هو الْمَجَازُ وَالنَّصُّ هو الْحَقِيقَةُ ا هـ وقال الْقَاضِي أبو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ النَّصُّ ما عُرِّيَ لَفْظُهُ عن الشَّرِكَةِ وَخَلَصَ مَعْنَاهُ من الشُّبْهَةِ حَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الصَّبَّاغِ وَقِيلَ هو الذي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وَقِيلَ التَّطَوُّعُ على الْمُرَادِ وَقِيلَ ما اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَإِنَّمَا تَصِحُّ هذه الْأَقْوَالُ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمُجْمَلَ وَالْعُمُومَ ليس بِنَصٍّ قال وَالصَّحِيحُ في حَدِّ النَّصِّ عِنْدَنَا أَنَّهُ الدَّالُّ على الْحُكْمِ بِاسْمِ الْمَحْكُومِ فيه سَوَاءٌ كان ذلك النَّصُّ مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ أو غير مُحْتَمِلٍ قال وَإِلَى هذا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ وَكَذَلِكَ حَكَاهُ أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ عن أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَلَى هذا الْأَصْلِ يَكُونُ الْعُمُومُ نَصًّا وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ في الْإِيجَابِ وَإِنْ كان مُجْمَلًا في صِفَةِ الْوَاجِبِ أو مِقْدَارِهِ أو وَقْتِهِ وقال في كِتَابِ التَّحْصِيلِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَسْمِيَةِ الْعُمُومِ وَالظَّوَاهِرِ الْمُحْتَمَلَةِ نُصُوصًا فَقِيلَ إنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاَلَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَنْ تُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وقال الْجُمْهُورُ إنَّ الْعُمُومَ وَالظَّوَاهِرَ كُلَّهَا نُصُوصٌ الْفَرْقُ بين النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في الْفَرْقِ بين النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّصَّ ما كان لَفْظُهُ دَلِيلَهُ وَالظَّاهِرُ ما سَبَقَ مُرَادُهُ إلَى فَهْمِ سَامِعِهِ وَالثَّانِي النَّصُّ ما لم يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وَالظَّاهِرُ ما تَوَجَّهَ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وقال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ اخْتَلَفَ الناس في النَّصِّ فَقِيلَ ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَقِيلَ ما اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَنُوقِضَ بِالْفَحْوَى فَإِنَّهَا تَقَعُ نَصًّا وَإِنْ لم يَكُنْ مَعْنَاهُ مُصَرَّحًا بِهِ لَفْظًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ له ثُمَّ صَارَ الصَّائِرُونَ إلَى عِزَّةِ النُّصُوصِ في الْكِتَابِ حتى لَا يُوجَدَ إلَّا قَوْلُهُ قُلْ هو اللَّهُ أَحَدٌ ومحمد رسول اللَّهِ وفي السُّنَّةِ لَنْ تُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك واغد يا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هذا وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ بَلْ كُلُّ ما أَفَادَ مَعْنًى على قَطْعٍ مع انْحِسَامِ التَّأْوِيلِ فَهُوَ نَصٌّ وَالشَّافِعِيُّ قد يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا في مَجَارِي كَلَامِهِ وهو صَحِيحٌ في وَضْعِ اللُّغَةِ لِأَنَّ النَّصَّ من الظُّهُورِ وَلَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ ما ذَكَرْنَا قال وَيُلْتَحَقُ بِالنَّصِّ ما حُذِفَ من الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ الْبَاقِي على الْمَحْذُوفِ وَلَكِنْ لَا يُشَكُّ في مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ فإن مَعْنَاهُ فَأَفْطَرَ وَأَمَّا الظَّاهِرُ فقال الْقَاضِي هو لَفْظَةٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى لها حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ فإذا وَرَدَتْ على حَقِيقَتِهَا كانت ظَاهِرًا وَإِنْ عَدَلَتْ إلَى جِهَةِ الْمَجَازِ كانت مُؤَوَّلَةً وَهَذَا صَحِيحٌ في بَعْضِ الظَّوَاهِرِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الظَّاهِرُ لَفْظٌ مَعْقُولٌ يَبْتَدِرُ إلَى فَهْمِ الْبَصِيرِ لِجِهَةٍ يَفْهَمُ الْفَاهِمُ منه مَعْنًى وَلَهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ في التَّأْوِيلِ مُسَوَّغٌ لَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا أَمْثَلُ قال وَمِنْ الظَّوَاهِرِ مُطْلَقُ صِيَغِ الْأَمْرِ فإن ظَاهِرَهُ الْوُجُوبُ وَمِنْهُ صِيَغُ الْعُمُومِ وَفَحْوَى الْخِطَابِ لَا يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ لِأَنَّهُ نَصٌّ قال وَالظُّهُورُ قد يَقَعُ في الْأَسْمَاءِ وفي الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ مِثْلُ إلَى فإنه ظَاهِرٌ في التَّحْدِيدِ وَالْغَايَةِ مُؤَوَّلٌ في الْحَمْلِ على الْجَمْعِ مَسْأَلَةٌ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ الْقِرَاءَاتُ عن الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ منهم إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْبَدِيعِ من الْحَنَفِيَّةِ فإنه اخْتَارَ أنها مَشْهُورَةٌ وقال السُّرُوجِيُّ في بَابِ الصَّوْمِ من الْغَايَةِ الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهَا آحَادٌ عِنْدَهُمْ وقال في بَابِ الصَّلَاةِ الْمَشْهُورُ عن أَحْمَدَ كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ لِمَا فيها من الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ وَزِيَادَةِ الْمَدِّ وَنُقِلَ عنه كَرَاهَةُ قِرَاءَةِ الْكِسَائِيّ لِأَنَّهَا كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ في الْإِمَالَةِ وَالْإِدْغَامِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ ما عَدَا الْمُعْتَزِلَةَ على أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ من السَّبْعِ ثَبَتَتْ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالتَّوَاتُرِ فَكَيْفَ تُكْرَهُ ا ه وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّحْقِيقُ أنها مُتَوَاتِرَةٌ عن الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ وَأَمَّا تَوَاتُرُهَا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَفِيهِ نَظَرٌ فإن إسْنَادَ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ لِهَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مَوْجُودَةٌ في كُتُبِهِمْ وَهِيَ نَقْلُ الْوَاحِدِ عن الْوَاحِدِ فلم تَسْتَكْمِلْ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ وقد يُجَابُ عن هذا على تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ بِأَنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْهَا بِالْقَبُولِ وَاخْتَارُوهَا لِمُصْحَفِ الْجَمَاعَةِ وَقَطَعُوا بِأَنَّهَا قُرْآنٌ وَأَنَّ ما عَدَاهَا مَمْنُوعٌ من إطْلَاقِهِ وَالْقِرَاءَةُ بِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في الِانْتِصَارِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ حَكَمَ ابن الصَّلَاحِ أَنَّ أَحَادِيثَ الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوعٌ بها وَإِنْ رُوِيَتْ بِالْآحَادِ لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ لها بِالْقَبُولِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ أَيْ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَفَادَ الْقَطْعَ وإذا كان كَذَلِكَ فِيمَا يَثْبُتُ بِالْوَاحِدِ فما ظَنُّك فِيمَا وُجِدَ فيه غَالِبُ شُرُوطِ التَّوَاتُرِ أو كُلُّهَا لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ الصَّلَاحِ هذا قد رَدَّهُ كَثِيرٌ من الناس كما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقال الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أبو شَامَةَ في كِتَابِ الْمُرْشِدِ الْوَجِيزِ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ منها مُتَوَاتِرٌ أَمَّا الْمَجْمُوعُ منها فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيِّنَةِ على تَوَاتُرِهِ قال وقد شَاعَ ذلك على أَلْسِنَةِ جَمَاعَةٍ من الْمُقْرِئِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ قالوا وَالْقَطْعُ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ من عِنْدِ اللَّهِ وَاجِبٌ قال وَنَحْنُ نَقُولُ بهذا وَلَكِنْ فِيمَا اجْتَمَعَتْ على نَقْلِهِ عَنْهُمْ الطُّرُقُ وَاتَّفَقَتْ عليه الْفِرَقُ مع أَنَّهُ شَائِعٌ من غَيْرِ نَكِيرٍ فإن الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ الْمُرَادُ بها ما رُوِيَ عن الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ وَذَلِكَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ يَنْقَسِمُ إلَى ما أُجْمِعَ عليه عَنْهُمْ لم تَخْتَلِفْ فيه الطُّرُقُ وَإِلَى ما اُخْتُلِفَ فيه بِمَعْنَى أَنَّهُ بَقِيَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الطُّرُقِ فَالْمُصَنِّفُونَ لِكُتُبِ الْقِرَاءَاتِ يَخْتَلِفُونَ في ذلك اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَمَنْ تَصَفَّحَ كُتُبَهُمْ أَحَاطَ بِذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِكُلِّ قِرَاءَةٍ تُعْزَى إلَى إمَامٍ من هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ حتى يَثْبُتَ ذلك وَيُوَافِقَ لُغَةَ الْعَرَبِ قال وَأَمَّا من يُهَوِّلُ في عِبَارَتِهِ قَائِلًا بِأَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ مُتَوَاتِرَةٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَخَطَؤُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْأَحْرُفَ الْمُرَادُ بها غَيْرُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَسْنَا مِمَّنْ يَلْتَزِمُ التَّوَاتُرَ في جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلَفِ فيها بين الْقُرَّاءِ بَلْ الْقِرَاءَاتُ كُلُّهَا تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَاتِرٍ وَغَيْرِهِ وَغَايَةُ ما يُبْدِيهِ مُدَّعِي تَوَاتُرِ الْمَشْهُورِ منها كَإِدْغَامِ أبي عَمْرٍو وَنَقْلِ الْحَرَكَةِ لِوَرْشٍ وَوَصْلِ مِيمَيْ الْجَمْعِ وَهَاءِ الْكِنَايَةِ لِابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عن ذلك الْإِمَامِ الذي نُسِبَتْ تِلْكَ الْقِرَاءَاتُ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُجْهِدَ نَفْسَهُ في اسْتِقْرَاءِ الطُّرُقِ وَالْوَاسِطَةِ إلَّا أَنَّهُ يَبْقَى عليه التَّوَاتُرُ من ذلك الْإِمَامِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في كل فَرْدٍ فَرْدٍ من ذلك وَهَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ فَإِنَّهَا من ثَمَّ لم تُنْقَلْ إلَّا آحَادًا إلَّا الْيَسِيرَ منها بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ قِرَاءَةٍ اُشْتُهِرَتْ بَعْدَ صِحَّةِ إسْنَادِهَا وَمُوَافَقَتِهَا خَطَّ الْمُصْحَفِ ولم يُنْكَرْ من جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ فَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمُعْتَمَدَةُ وما عَدَا ذلك شَاذٌّ وَضَعِيفٌ ا هـ وَكَذَا كَلَامُ غَيْرِهِ من الْقُرَّاءِ يُوهِمُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةَ لَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً كُلُّهَا وَأَنَّ أَعْلَاهَا ما اجْتَمَعَ فيه صِحَّةُ السَّنَدِ وَمُوَافَقَةُ خَطِّ الْمُصْحَفِ وَالْإِمَامِ وَالْفَصِيحُ من لُغَةِ الْعَرَبِ وَأَنَّهُ يَكْفِي فيها الِاسْتِفَاضَةُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كما ذَكَرَ هَؤُلَاءِ وَالشُّبَهُ دَخَلَتْ عليهم من انْحِصَارِ أَسَانِيدِهَا في رِجَالٍ مَعْرُوفِينَ فَظَنُّوهَا كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وقد أَوْضَحَ الْإِمَامُ كَمَالُ الدِّينِ بن الزَّمْلَكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذلك فقال انْحِصَارُ الْأَسَانِيدِ في طَائِفَةٍ لَا يَمْنَعُ مَجِيءَ الْقِرَاءَاتِ عن غَيْرِهِمْ فَقَدْ كان يَتَلَقَّاهُ أَهْلُ كل بَلَدٍ بِقِرَاءَةِ إمَامِهِمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ عن مِثْلِهِمْ وَكَذَلِكَ دَائِمًا فَالتَّوَاتُرُ حَاصِلٌ لهم وَلَكِنَّ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ قَصَدُوا ضَبْطَ الْحُرُوفِ وَحَفِظُوا عن شُيُوخِهِمْ منها جاء السَّنَدُ من جِهَتِهِمْ وَهَذَا كَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ هِيَ آحَادٌ ولم تَزَلْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ مَنْقُولَةً عَمَّنْ يَحْصُلُ بِهِمْ التَّوَاتُرُ عن مِثْلِهِمْ في عَصْرٍ فَهَذِهِ كَذَلِكَ وَهَذَا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ له وَأَنْ لَا يُغْتَرَّ بِقَوْلِ الْقُرَّاءِ فيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وقال الْقَاضِي ابن الْعَرَبِيِّ في الْقَوَاصِمِ وقال بَعْضُهُمْ كَيْفِيَّةُ الْقِرَاءَةِ الْيَوْمَ أَنْ يُقْرَأَ بِمَا اجْتَمَعَ فيه ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ما صَحَّ نَقْلُهُ وَصَحَّ في الْعَرَبِيَّةِ لَفْظُهُ وَوَافَقَ خَطَّ الْمُصْحَفِ وَذَكَرَ خِلَافًا كَثِيرًا في ذلك قال وَإِنَّمَا أَوْجَبَ ذلك كُلَّهُ أَنَّ جَمِيعَ السَّبْعِ لم يَكُنْ بِإِجْمَاعٍ وَإِنَّمَا كان بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ وَاحِدٍ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقْرَأَ الْمُسْلِمُونَ على خَطِّ الْمُصْحَفِ فَكُلُّ ما صَحَّ في النَّقْلِ لَا يَخْرُجُونَ عنه وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى ما سِوَاهُ قال وَالْمُخْتَارُ لِنَفْسِي إذَا قَرَأْت بِمَا نُسِبَتْ لقالون أَنْ لَا أَهْمِزَ وَلَا أَكْسِرَ مُنَوَّنًا وَلَا غير مَنُونٍ فإن الْخُرُوجَ من كَسْرَةٍ إلَى يَاءٍ مَضْمُومَةٍ لم أَقْدِرْ عليه وما كُنْت لِأَمُدَّ مَدَّ حَمْزَةَ وَلَا أَقِفَ على السَّاكِنِ وَلَا أَقْرَأَ بِالْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَلَوْ رَوَاهُ سَبْعُونَ أَلْفًا وَلَا أَمُدَّ مِيمَ ابْنِ كَثِيرٍ وَلَا أَضُمَّ هَاءَ عليهم وَإِلَيْهِمْ وَهَذِهِ كُلُّهَا أو أَكْثَرُهَا عِنْدِي لُغَاتٌ لَا قِرَاءَاتٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا وإذا تَأَمَّلْتهَا رَأَيْتهَا اخْتِيَارَاتٍ مَبْنِيَّةً على مَعَانٍ وَلُغَاتٍ قال وَأَقْوَى الْقِرَاءَاتِ سَنَدًا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَقِرَاءَةُ أبي جَعْفَرٍ ثَابِتَةٌ لَا كَلَامَ فيها قال وَطَلَبْت أَسَانِيدَ الْبَاقِينَ فلم أَجِدْ فيها مَشْهُورًا وَرَأَيْت بِنَاءَ أَمْرِهَا على اللُّغَاتِ وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ تَوَاتُرَ السَّبْعِ وَاسْتَثْنَى ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ما ليس من قَبِيلِ الْأَدَاءِ كَالْمَدِّ وَاللِّينِ وَالْإِمَالَةِ وَتَخْفِيفِ الْهَمْزِ يَعْنِي أنها لَيْسَتْ بِمُتَوَاتِرَةٍ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَدَّ وَالْإِمَالَةَ لَا شَكَّ في تَوَاتُرِ الْمُشْتَرَكِ منها وهو الْمَدُّ من حَيْثُ هو مَدٌّ وَالْإِمَالَةُ من حَيْثُ هِيَ إمَالَةٌ وَلَكِنْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاءُ في تَقْدِيرِ الْمَدِّ في اخْتِيَارَاتِهِمْ فَمِنْهُمْ من رَآهُ طَوِيلًا وَمِنْهُمْ من رَآهُ قَصِيرًا وَمِنْهُمْ من بَالَغَ في الْقِصَرِ وَمِنْهُمْ من تَزَايَدَ كَحَمْزَةَ وَوَرْشٍ بِمِقْدَارِ سِتِّ أَلِفَاتٍ وَقِيلَ خَمْسٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَعَنْ عَاصِمٍ ثَلَاثٍ وَعَنْ الْكِسَائِيُّ أَلِفَيْنِ وَنِصْفٍ وقالون أَلِفَيْنِ وَالسُّوسِيِّ أَلِفٍ وَنِصْفٍ وقال الدَّانِيُّ في التَّيْسِيرِ أَطْوَلُهُمْ مَدًّا في الضَّرْبَيْنِ جميعا يَعْنِي الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْفَصِلَ وَرْشٌ وَحَمْزَةُ وَدُونَهُمَا عَاصِمٌ وَدُونَهُ ابن عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَدُونَهُمَا أبو عَمْرٍو من طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قال وقالون من طَرِيقِ أبي نَشِيطٍ بِخِلَافٍ عنه وَهَذَا كُلُّهُ على التَّقْرِيبِ من غَيْرِ إفْرَاطٍ وَإِنَّمَا هو على مِقْدَارِ مَذَاهِبِهِمْ من التَّحْقِيقِ وَالْحَذْفِ ا هـ فَعُلِمَ بهذا أَنَّ أَصْلَ الْمَدِّ مُتَوَاتِرٌ وَالِاخْتِلَافُ وَالطُّرُقُ إنَّمَا هو في كَيْفِيَّةِ التَّلَفُّظِ وكان الْإِمَامُ أبو الْقَاسِمِ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْرَأُ بِمَدَّيْنِ طُولِيٍّ لِوَرْشٍ وَحَمْزَةَ وَوَسَطِيٍّ لِمَنْ بَقِيَ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ أَنَّهُ كَرِهَ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ لِمَا فيها من طُولِ الْمَدِّ وَغَيْرِهِ وقال لَا تُعْجِبُنِي وَلَوْ كانت مُتَوَاتِرَةً لَمَا كَرِهَهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا كَرِهَ كَيْفِيَّتَهَا لَا أَصْلَهَا وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا على أَصْلِ الْإِمَالَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِهَا مُبَالَغَةً وَقِصَرًا فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ قِسْمَانِ مَحْضَةٌ وَهِيَ أَنْ يَنْحَى بِالْأَلِفِ إلَى الْيَاءِ وَبِالْفَتْحَةِ إلَى الْكِسْرَةِ وَبَيْنَ بين وَهِيَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَلِفَ وَالْفَتْحَةَ أَقْرَبُ وَهِيَ أَصْعَبُ الْإِمَالَيْنِ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَكَذَلِكَ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ أَصْلُهُ مُتَوَاتِرٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في كَيْفِيَّتِهِ وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَلَفَةُ فيها بين الْقُرَّاءِ فَهِيَ أَلْفَاظُ قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمُرَادُ تَنَوُّعُ الْقُرَّاءِ في أَدَائِهَا فإن منهم من يَرَى الْمُبَالَغَةَ في تَشْدِيدِ الْحَرْفِ الْمُشَدَّدِ فَكَأَنَّهُ زَادَ حَرْفًا وَمِنْهُمْ من لَا يَرَى ذلك وَمِنْهُمْ من يَرَى الْحَالَةَ الْوُسْطَى فَهَذَا هو الذي ادَّعَى أبو شَامَةَ عَدَمَ تَوَاتُرِهِ وَنُوزِعَ فيه فإن اخْتِلَافَهُمْ ليس إلَّا في الِاخْتِيَارِ وَلَا يَمْنَعُ قَوْمٌ قَوْمًا مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ إثْبَاتُ قِرَاءَةٍ حُكْمًا لَا عِلْمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في الِانْتِصَارِ قال قَوْمٌ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ يَجُوزُ إثْبَاتُ قِرَاءَاتٍ وَقِرَاءَةٍ حُكْمًا لَا عِلْمًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الِاسْتِفَاضَةِ وَكَرِهَ ذلك أَهْلُ الْحَقِّ وَامْتَنَعُوا منه وقال قَوْمٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّهُ يَسُوغُ إعْمَالُ الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ في إثْبَاتِ قِرَاءَةٍ وَأَوْجُهٍ وَأَحْرُفٍ إذَا كان صَوَابًا في اللُّغَةِ وَمِمَّا سَوَّغَ التَّكَلُّمَ بها ولم يُقْحَمْ حُجَّةً بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَرَأَ بها بِخِلَافِ مُوجَبِ رَأْيِ الْقَائِسِينَ وَاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ وَأَبَى ذلك أَهْلُ الْحَقِّ وَمَنَعُوهُ وَخَطَّئُوا من قال بِذَلِكَ وَصَارَ إلَيْهِ ا هـ مَسْأَلَةٌ لَيْسَتْ الْقِرَاءَاتُ اخْتِيَارِيَّةً وَلَيْسَتْ الْقِرَاءَاتُ اخْتِيَارِيَّةً وَلِهَذَا قال سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ في قَوْله تَعَالَى ما هذا بَشَرًا وَبَنُو تَمِيمٍ يَرْفَعُونَهَا إلَّا من دَرَى كَيْفَ هِيَ في الْمُصْحَفِ وَإِنَّمَا كان ذلك لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا تَكُونُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ ما رُوِيَ عنه ا هـ خِلَافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ اخْتِيَارِيَّةٌ تَدُورُ مع اخْتِيَارِ الْفُصَحَاءِ وَاجْتِهَادِ الْبُلَغَاءِ وَرَدَّ على حَمْزَةَ قِرَاءَتَهُ وَالْأَرْحَامِ بِالْخَفْضِ وَمِثْلُهُ ما حُكِيَ عن أبي زَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيِّ وَيَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيَّ أَنَّهُمْ خَطَّئُوا حَمْزَةَ في قِرَاءَتِهِ وما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بِكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَقَالُوا إنَّهُ ليس ذلك في كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَنَّهُ كان يَلْحَنُ في الْقِرَاءَاتِ وما يُرْوَى أَيْضًا أَنَّ يَزِيدَ بن هَارُونَ أَرْسَلَ إلَى أبي الشَّعْثَاءِ بِوَاسِطَ لَا تَقْرَأْ في مَسْجِدِنَا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وما حُكِيَ عن الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ قال لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ بها يَعْنِي قِرَاءَةَ وَالْأَرْحَامِ بِالْكَسْرِ وَالصَّوَابُ أَنَّ حَمْزَةَ إمَامٌ مُجْمَعٌ على جَلَالَتِهِ وَمَعْقُودٌ على صِحَّةِ رِوَايَتِهِ وَلَقَدْ هَجَنَ الْمُبَرِّدُ فِيمَا قال إنْ صَحَّ عنه فَقَدْ نَدَّ قُلْت هذه الْقِرَاءَةُ عن جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ منهم ابن مَسْعُودٍ وابن عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَالْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ مَتْبُوعَةٌ مُتَلَقَّاةٌ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَوْقِيفًا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ إلَّا بِمَا سَمِعَهُ وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ في ذلك وَقِرَاءَةُ حَمْزَةَ مُتَوَاتِرَةٌ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِكَلَامِ الْعَرَبِ وقد جاء في أَشْعَارِهِمْ وَنَوَادِرِهِمْ مِثْلُهَا كَثِيرًا وَلِهَذَا اعْتَدَّ بها ابن مَالِكٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَاخْتَارَ جَوَازَ الْعَطْفِ على الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ من غَيْرِ إعْطَاءِ الْجَارِّ وِفَاقًا لِلْكُوفِيِّينَ مَسْأَلَةٌ الْبَسْمَلَةُ في الْقُرْآنِ الْبَسْمَلَةُ من أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَفِيمَا عَدَاهَا من السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٍ لِلشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ أَصَحُّهَا أنها آيَةٌ من كل سُورَةٍ وَمِنْ أَحْسَنِ الْأَدِلَّةِ فيه ثُبُوتُهَا في سَوَادِ الْمُصْحَفِ وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ أَنْ لَا يُكْتَبَ في الْمُصْحَفِ ما ليس بِقُرْآنٍ وَأَنَّ ما بين الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ الثَّانِي بَعْضُ آيَةٍ وَالثَّالِثُ لَيْسَتْ من الْقُرْآنِ بِالْكُلِّيَّةِ وَعُزِيَ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالرَّابِعُ أنها آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بين السُّوَرِ وَهَذَا غَرِيبٌ لم يَحْكِهِ أَحَدٌ من الْأَصْحَابِ لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا حَكَاهُ ابن خَالَوَيْهِ في الطَّارِقِيَّاتِ عن الرَّبِيعِ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يقول أَوَّلُ الْحَمْدِ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ وَأَوَّلُ الْبَقَرَةِ أَلَمْ قال الْعُلَمَاءُ وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ وهو أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَمَّا ثَبَتَتْ أَوَّلًا في سُورَةِ الْفَاتِحَةِ فَهِيَ في بَاقِي السُّوَرِ إعَادَةٌ لها وَتَكْرَارٌ فَلَا يَكُونُ من تِلْكَ السُّوَرِ ضَرُورَةً وَلَا يُقَالُ هِيَ آيَةٌ من أَوَّلِ كل سُورَةٍ بَلْ هِيَ آيَةٌ في أَوَّلِ كل سُورَةٍ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ وَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَدِلَّةُ فإن إثْبَاتَهَا في الْمُصْحَفِ بين السُّوَرِ مُنْتَهِضٌ في كَوْنِهَا من الْقُرْآنِ ولم يَقُمْ دَلِيلٌ على كَوْنِهَا آيَةً من أَوَّلِ كل سُورَةٍ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي من أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ إنْ كان الْحَرْفُ الْأَخِيرُ من السُّورَةِ قَبْلَهُ يَاءٌ مَمْدُودَةٌ كَالْبَقَرَةِ فَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ كَامِلَةٌ وَإِنْ لم يَكُنْ منها كَ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ فَبَعْضُ آيَةٍ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهَيْنِ في أنها هل هِيَ قُرْآنٌ على سَبِيل الْقَطْعِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ أَمْ على سَبِيلِ الْحُكْمِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فيها وَمَعْنَى سَبِيلِ الْحُكْمِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بها في أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وَلَا يَكُونُ قَارِئًا لِسُورَةٍ بِكَمَالِهَا غير الْفَاتِحَةِ إلَّا إذَا ابْتَدَأَهَا بِالْبَسْمَلَةِ سِوَى بَرَاءَةٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ على أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ فيها وَضَعَّفَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَوْلَ من قال إنَّهَا قُرْآنٌ على الْقَطْعِ قال الْإِمَامُ هذه غَبَاوَةٌ عَظِيمَةٌ من قَائِلِهِ لِأَنَّ ادِّعَاءَ الْعِلْمِ حَيْثُ لَا قَاطِعَ مُحَالٌ وقال الْمَاوَرْدِيُّ قال جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هِيَ آيَةٌ حُكْمًا لَا قَطْعًا فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ يُقْبَلُ في إثْبَاتِهَا خَبَرُ الْوَاحِدِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِخِلَافِهِ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ وهو ضَعِيفٌ كما قال الْإِمَامُ إذْ لَا خِلَافَ بين الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ نَافِيهَا وَلَوْ كانت على سَبِيلِ الْقَطْعِ لَكَفَرَ على أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ حَكَى وَجْهًا عن صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ قال بِتَكْفِيرِ جَاحِدِهَا وَتَفْسِيقِ تَارِكِهَا وَلَنَا مَسْلَكَانِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهَا منه فإن الصَّحَابَةَ أَثْبَتُوهَا في الْمُصْحَفِ على الْوَجْهِ الذي أَثْبَتُوا بِهِ سَائِرَ الْقُرْآنِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ ما بين الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ مع شِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِتَجْرِيدِهِ عَمَّا ليس منه فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ من الْقُرْآنِ كَسَائِرِ الْآيِ الْمُكَرَّرَةِ في الشُّعَرَاءِ وَالرَّحْمَنِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَأَمَّا الْخِلَافُ فيها فإنه لَا يَهْتِكُ حُرْمَةَ الْقَطْعِ فَكَمْ من حُكْمٍ يَقِينِيٍّ قد اُخْتُلِفَ فيه أَمَّا في الْعَقْلِيَّاتِ وما مَبْنَاهُ الْيَقِينُ كَالْحِسِّيَّاتِ فَكَثِيرٌ وَأَمَّا في الْفُرُوعِ فإن الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ فيها وَاحِدٌ ذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ وكان الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ يَقْطَعُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ وَنُقِلَ مِثْلُ ذلك عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَرُبَّمَا حَلَفَ على الْمَسْأَلَةِ وَالْحَقُّ أنها مُنْقَسِمَةٌ إلَى يَقِينِيَّةٍ وَظَنِّيَّةٍ كما سَبَقَ لَكِنْ لَمَّا غَلَبَ على مَسَائِلِ الْخِلَافِ الظَّنُّ ظُنَّ أَنَّ جَمِيعَهَا كَذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا فَصْلُ التَّكْفِيرِ فَلَازِمٌ لهم حَيْثُ لم يُكَفِّرُوا الْمُثْبِتِينَ كما يُكَفَّرُ من زَادَ شيئا من الْمُكَرَّرَاتِ ثُمَّ الْجَوَابُ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْفِيرِ غَيْرُ مُنَاطِ الْقَطْعِ فَكَمْ من قَطْعِيٍّ لَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عليه مَعْلُومًا من الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالظَّنِّ كما فَعَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ ثُمَّ نَقُولُ نَفْسُ الْآيَةِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَاطِعٍ فَأَمَّا تَكْرَارُهَا في الْمُحَالِّ فَلَا يَتَوَقَّفُ على الْقَاطِعِ مَسْأَلَةٌ في الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ حَقِيقَةُ الشَّاذِّ لُغَةً الْمُنْفَرِدُ وفي الِاصْطِلَاحِ عَكْسُ الْمُتَوَاتِرِ وقد سَبَقَ أَنَّ الْمُتَوَاتِرَ قِرَاءَةٌ سَاعَدَهَا خَطُّ الْمُصْحَفِ مع صِحَّةِ النَّقْلِ فيها وَمَجِيئُهَا على الْفَصِيحِ من لُغَةِ الْعَرَبِ قال الشَّيْخُ أبو شَامَةَ فَمَتَى اخْتَلَّ أَحَدُ هذه الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُطْلِقَ على تِلْكَ الْقِرَاءَةِ أنها شَاذَّةٌ قال وقد أَشَارَ إلَى ذلك جَمَاعَةٌ من الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَنَصَّ عليه أبو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بن أبي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيُّ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ في كِتَابِ جَمَالِ الْقُرَّاءِ ثُمَّ الْكَلَامُ في مَوَاضِعَ أَحَدُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرَادِ بها وَالْمَعْرُوفُ أنها ما وَرَاءَ السَّبْعِ وَالصَّوَابُ ما وَرَاءَ الْعَشْرِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ أُخَرُ يَعْقُوبُ وَخَلَفٌ وأبو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بن الْقَعْقَاعِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ هذه الثَّلَاثَةَ غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ ضَعِيفٌ جِدًّا وقد ذَكَرَ الْبَغَوِيّ في تَفْسِيرِهِ الْإِجْمَاعَ على جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بها وقال الْقَاضِي أبو بَكْرِ بن الْعَرَبِيِّ في الْعَوَاصِمِ ضَبْطُ الْأَمْرِ على سَبْعِ قِرَاءَاتٍ ليس له أَصْلٌ في الشَّرْعِ وقد جَمَعَ قَوْمٌ ثَمَانِيَ قِرَاءَاتٍ وَقَوْمٌ عَشْرًا أَصْلُ ذلك أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال أُنْزِلَ الْقُرْآنُ على سَبْعِ أَحْرُفٍ فَظَنَّ قَوْمٌ أنها سَبْعُ قِرَاءَاتٍ وَهَذَا بَاطِلٌ وَتَيَمَّنَ آخَرُونَ بهذا اللَّفْظِ فَجَمَعُوا سَبْعَ قِرَاءَاتٍ وَبَعْدَ أَنْ ضَبَطَ اللَّهُ الْحُرُوفَ وَالسُّوَرَ فَلَا مُبَالَاةَ بِهَذِهِ التَّكْلِيفَاتِ وَسَبَقَ عنه أَنَّ قِرَاءَةَ أبي جَعْفَرٍ ثَابِتَةٌ لَا كَلَامَ فيها ا هـ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِرَاءَةِ بها قال الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ وَلَا تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِشَيْءٍ من الشَّوَاذِّ لِخُرُوجِهَا عن إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْوَجْهِ الذي ثَبَتَ بِهِ الْقُرْآنُ وهو الْمُتَوَاتِرُ وَإِنْ كان مُوَافِقًا لِلْعَرَبِيَّةِ وَخَطِّ الْمُصْحَفِ لِأَنَّهُ جاء من طَرِيقِ الْآحَادِ إنْ كانت نَقَلَتُهُ ثِقَاتٍ قال أبو شَامَةَ وَالشَّأْنُ في الضَّبْطِ ما تَوَاتَرَ من ذلك وما اُجْتُمِعَ عليه وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ في الْمُسْتَظْهِرِيِّ عن الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لَا تَصِحُّ وقال النَّوَوِيُّ في فَتَاوِيهِ تَحْرُمُ الثَّالِثُ في الِاحْتِجَاجِ بها في الْأَحْكَامِ وَتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ اعْلَمْ أَنَّ الْآمِدِيَّ نَسَبَ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ إلَى الشَّافِعِيِّ وَكَذَا ادَّعَى الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ من مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ وَكَذَلِكَ النَّوَوِيُّ فقال في شَرْحِ مُسْلِمٍ مَذْهَبُنَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا يُحْتَجُّ بها وَلَا يَكُونُ لها حُكْمُ الْخَبَرِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّ نَاقِلَهَا لم يَنْقُلْهَا إلَّا على أنها قُرْآنٌ وَالْقُرْآنُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ وإذا لم يَثْبُتْ قُرْآنًا لم يَثْبُتْ خَبَرًا وَالْمُوقِعُ لهم في ذلك دَعْوَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ أَنَّ ذلك ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَتَبِعَهُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَغَيْرُهُمْ فقال إلْكِيَا الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ مَرْدُودَةٌ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا في الْمُصْحَفِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين الْعُلَمَاءِ قال وَأَمَّا إيجَابُ أبي حَنِيفَةَ التَّتَابُعَ في صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَجْلِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَيْسَ على تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَثْبَتَ نَظْمَهُ من الْقُرْآنِ وَلَكِنْ أَمْكَنَ أَنَّهُ كان من الْقُرْآنِ في قَدِيمِ الزَّمَانِ ثُمَّ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ فَانْدَرَسَ مَشْهُورٌ رَسْمُهُ فَنُقِلَ آحَادًا وَالْحُكْمُ بَاقٍ وَهَذَا لَا يُسْتَنْكَرُ في الْعُرْفِ قال وَالشَّافِعِيُّ لَا يُرَدُّ على أبي حَنِيفَةَ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ من هذه الْجِهَةِ وَلَكِنَّهُ يقول لَعَلَّ ما زَادَهُ ابن مَسْعُودٍ تَفْسِيرًا منه وَمَذْهَبًا رَآهُ فَلَا بُعْدَ في تَقْدِيرِهِ ولم يُصَرِّحْ بِإِسْنَادِهِ إلَى الْقُرْآنِ فَإِنْ قالوا لَا يَجُوزُ ضَمُّ الْقُرْآنِ إلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ضَمُّ ما نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ إلَى الْقُرْآنِ تِلَاوَةً وَهَذَا قد يَدُلُّ من وُجْهَةٍ على بُطْلَانِ نَقْلِ هذه الْقِرَاءَةِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّا على أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ نُبْعِدُ قِرَاءَةَ ما ليس من الْقُرْآنِ مع الْقُرْآنِ وقال وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ على إبْطَالِ نِسْبَةِ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ إلَى الْقُرْآنِ أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِالْقُرْآنِ من الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ في إحْيَاءِ مَعَالِمِ الدِّينِ يَمْنَعُ تَقْدِيرَ دُرُوسِهِ وَارْتِبَاطَ نَقْلِهِ بِالْآحَادِ قُلْت وَذَكَرَ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في كِتَابِهِ أَنَّهُمْ إنَّمَا عَمِلُوا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِاسْتِفَاضَتِهَا وَشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ في ذلك الْعَصْرِ وَإِنْ كان إنَّمَا نُقِلَتْ إلَيْنَا الْآنَ بِطَرِيقِ الْآحَادِ لِأَنَّ الناس تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ بها وَاقْتَصَرُوا على غَيْرِهَا وَكَلَامُنَا إنَّمَا هو في أُصُولِ الْقَوْمِ ا هـ وَذَكَرَ أبو زَيْدٍ في الْأَسْرَارِ وَصَاحِبُ الْمَبْسُوطِ من الْحَنَفِيَّةِ اشْتِرَاطَ الشُّهْرَةِ في الْقِرَاءَةِ عِنْدَ السَّلَفِ وَلِهَذَا لم يَعْمَلُوا بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بن كَعْبٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامِ أُخَرَ مُتَتَابِعَةٍ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ وَبِمِثْلِهَا لَا يَثْبُتُ الزِّيَادَةُ على النَّصِّ فَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَدْ كانت مَشْهُورَةً في زَمَنِ أبي حَنِيفَةَ حتى كان الْأَعْمَشُ يَقْرَأُ خَتْمًا على حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَخَتْمًا من مُصْحَفِ عُثْمَانَ وَالزِّيَادَةُ عِنْدَنَا تَثْبُتُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ ا هـ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ إنَّ الْحَامِلَ لهم على نِسْبَةِ أنها لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِلشَّافِعِيِّ عَدَمُ إيجَابِهِ التَّتَابُعَ في صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مع عِلْمِهِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وهو مَمْنُوعٌ فَقَدْ سَبَقَ من كَلَامِ إلْكِيَا إبْطَالُ اسْتِنْبَاطِهِ منه وقد نَصَّ رَحِمَهُ اللَّهُ في مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ على أنها حُجَّةٌ في بَابِ الرَّضَاعِ وفي بَابِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فقال ذَكَرَ اللَّهُ الرَّضَاعَ بِلَا تَوْقِيتٍ وَرَوَتْ عَائِشَةُ التَّوْقِيتَ بِخَمْسٍ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهُ مِمَّا أُنْزِلَ من الْقُرْآنِ وهو وَإِنْ لم يَكُنْ قُرْآنًا فَأَقَلُّ حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ كما قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ فَحَكَمْنَا بِهِ على هذا وَلَيْسَ هو قُرْآنًا يُقْرَأُ ا هـ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْمَلُ بها من جِهَةِ كَوْنِهَا خَبَرًا لَا قُرْآنًا وَجَرَى عليه جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في الصِّيَامِ وَالرَّضَاعِ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في الصِّيَامِ وَوُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ في الصِّيَامِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالرَّافِعِيُّ في كِتَابِ السَّرِقَةِ وَاحْتَجُّوا في إيجَابِ قَطْعِ الْيَمِينِ من السَّارِقِ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ الصَّلَاةِ أنها تَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو الْأَثَرِ عن الصَّحَابَةِ نعم الشَّرْطُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في ذلك أَنْ لَا يُخَالِفَ رَسْمَ الْمُصْحَفِ وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهَا مِمَّا هو أَقْوَى منها وَلِذَلِكَ لم يَحْتَجَّ بِقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ مع أَنَّ مَذْهَبَهُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ كما نَصَّ عليه في الْمُخْتَصَرِ قال شَارِحُوهُ إنَّمَا عَدَلَ الشَّافِعِيُّ عن الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا تَشِذُّ عن الْجَمَاعَةِ وَتُخَالِفُ رَسْمَ الْمُصْحَفِ قُلْت أو لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا اسْتِدْلَالَ بها مع وُجُودِ ما هو أَقْوَى منها فإن اللَّهَ تَعَالَى كان قد خَيَّرَ أَوَّلًا بين الصِّيَامِ وَبَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالْفِدْيَةِ ثُمَّ خَتَمَ الصِّيَامَ بِقَوْلِهِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَبَقِيَ من لم يُطِقْ على حُكْمِ الْأَصْلِ في جَوَازِ الْفِطْرِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ شَرْطٌ آخَرُ فإنه قال في كِتَابِهِ التَّذْكِرَةِ في الْخِلَافِ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ إنَّمَا تَلْحَقُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا قَرَأَهَا قَارِئُهَا على أَنَّهُ قُرْآنٌ فَإِنْ ذَكَرَهَا على أنها تَفْسِيرٌ فَلَا كَقِرَاءَةِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أو رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أو غير مُسْتَقْبِلِيهَا وَقِرَاءَةِ أُبَيِّ بن كَعْبٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ا هـ وَفِيمَا قَالَهُ في التَّفْسِيرِ نَظَرٌ على رَأْيِ من يَجْعَلُهُ في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِمَّنْ صَرَّحَ بها من الْأُصُولِيِّينَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فقال في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ ما رُوِيَ آحَادًا من آيِ الْقُرْآنِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ آيَةَ الرَّجْمِ وَخَبَرِ عَائِشَةَ في الرَّضَاعِ وَخَبَرِ زَيْدِ بن أَرْقَمَ لو كان لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ من الذَّهَبِ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا فَإِنَّهَا ثَابِتَةُ الْأَسَانِيدِ صَحِيحَةٌ من جِهَةِ النَّقْلِ وَنَحْنُ نُثْبِتُ ما قالوا على ما قالوا غير مُتَأَوِّلِينَ عليهم ما لم يَظْهَرْ لنا إلَّا أَنْ لَا نَجِدَ وَجْهًا غير التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ من الْقُرْآنِ ما نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَإِنَّمَا تَجِبُ تِلَاوَةُ الْمَرْسُومِ فَأَمَّا ما بَقِيَ حُكْمُهُ فَلَا تَجِبُ تِلَاوَتُهُ وَاَلَّذِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عليه في الرَّسْمِ هو الْوَاجِبُ تِلَاوَتُهُ وَاَلَّذِي لم يُرْسَمْ يُتْلَى وَيُنْقَلُ حُكْمُهُ إذْ كان الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ يُوجِبُ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا إثْبَاتُ حُكْمِهِ وَتِلَاوَتُهُ وَالْقَطْعُ عليه بِمَا يُعْمَلُ بِهِ وَالتَّسْمِيَةُ بِمَا سَمَّاهُ النَّاقِلُ وَلَيْسَ يَثْبُتُ الْمَتْلُوُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وإذا كان خَبَرُ الْوَاحِدِ قد يَخُصُّ ظَاهِرَ الْمَتْلُوِّ وَيُثْبِتُهُ تَثْبِيتَ الْأَحْكَامِ كان أَيْضًا كَذَلِكَ ما أُثْبِتَ حُكْمُهُ من جِهَةِ الْخَبَرِ أَنَّهُ قُرْآنٌ في الْحُكْمِ لَا في الرَّسْمِ وَالتِّلَاوَةِ انْتَهَى وقال الْمَاوَرْدِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ أَضَافَهَا الْقَارِئُ إلَى التَّنْزِيلِ أو إلَى سَمَاعٍ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أُجْرِيَتْ مَجْرَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّأْوِيلِ ا هـ وَيَخْرُجُ من هذا التَّفْصِيلِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَاجِيُّ في الْمُنْتَقَى فقال الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ هل تَجْرِي مَجْرَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ بين أَنْ تُسْنَدَ أَمْ لَا ا هـ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ مَذْهَبٌ رَابِعٌ فإنه قال في بَابِ الْأَخْبَارِ الْقُرْآنُ الْمَنْقُولُ بِالْآحَادِ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ فيه الْإِعْجَازُ أو لَا فَإِنْ لم يَظْهَرْ جَازَ أَنْ يُعْمَلَ بِمَا تَضَمَّنَهُ من عَمَلٍ إذَا نُقِلَ إلَيْنَا بِالْآحَادِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ حُجَّةٌ لِلنُّبُوَّةِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا وقد عُلِمَ أَنَّهُ لم يُعَارَضْ في عَصْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مع سَمَاعِ أَهْلِ عَصْرِهِ له وَلَا يُعْلَمُ ذلك إلَّا وقد تَوَاتَرَ نَقْلُ ظُهُورِهِ في ذلك الْعَصْرِ وَأَطْلَقَ الْقَاضِي ابن الْعَرَبِيِّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ على أنها لَا تُوجِبُ عِلْمًا وَلَا عَمَلًا وَلَيْسَ كما قال وَجَعَلَ الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ مَحَلَّ الْخِلَافِ بين الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا إذَا لم يُصَرِّحْ الرَّاوِي بِسَمَاعِهَا وَقَطَعَ بِعَدَمِ حُجِّيَّتِهَا قال فَأَمَّا لو صَرَّحَ الرَّاوِي بِسَمَاعِهَا من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَاخْتَلَفَتْ الْمَالِكِيَّةُ في الْعَمَلِ بها على قَوْلَيْنِ وَالْأَوْلَى الِاحْتِجَاجُ بها تَنْزِيلًا لها مَنْزِلَةَ الْخَبَرِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ هَاهُنَا سُؤَالًا وهو أَنْ يُقَالَ إنْ كان مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أنها حُجَّةٌ فَهَلَّا أَوْجَبَ التَّتَابُعَ في صَوْمِ الْكَفَّارَةِ اعْتِمَادًا على قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَهَلَّا قال في الصَّلَاةِ الْوُسْطَى إنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ اعْتِمَادًا على قِرَاءَةِ عَائِشَةَ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَإِنْ كان مَذْهَبُهُ أنها لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ فَكَيْفَ اعْتَمَدَ في التَّحْرِيمِ في الرَّضَاعِ بِخَمْسٍ على حديث عَائِشَةَ وَكَيْفَ قال إنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ وَاعْتَمَدَ في الْأُمِّ على أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَرَأَ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ وَاَلَّذِي يَفْصِلُ عن هذا الْإِشْكَالِ أَنْ لَا يُطْلَقَ الْقَوْلُ في ذلك بَلْ يُقَالُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ وَرَدَتْ لِبَيَانِ حُكْمٍ أو لِابْتِدَائِهِ فَإِنْ وَرَدَتْ لِبَيَانِ حُكْمٍ فَهِيَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ في الرَّضَاعِ وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْمَانَهُمَا وَقَوْلُهُ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ وَإِنْ وَرَدَتْ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا أَنَّهُ قد قِيلَ إنَّهَا لم تَثْبُتْ عن ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَدُلُّ له ما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عن عَائِشَةَ كان مِمَّا أُنْزِلَ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ أو يُقَالُ الْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ إمَّا أَنْ تَرِدَ تَفْسِيرًا أو حُكْمًا فَإِنْ وَرَدَتْ تَفْسِيرًا فَهِيَ حُجَّةٌ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْمَانَهُمَا وَقَوْلِهِ وَلَهُ أَخٌ أو أُخْتٌ من أُمٍّ وَقِرَاءَةِ عَائِشَةَ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَإِنْ وَرَدَتْ حُكْمًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَارِضَهَا دَلِيلٌ آخَرُ أَمْ لَا فَإِنْ عَارَضَهَا فَالْعَمَلُ لِلدَّلِيلِ كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال إنْ شِئْت فَتَابِعْ أو لَا وَإِنْ لم يُعَارِضْهَا دَلِيلٌ آخَرُ فَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَوُجُوبِ التَّتَابُعِ في صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَأَمَّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ فَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ عنه أَنَّهُ يُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ إنَّ الزِّيَادَةَ في الحديث من بَعْضِ النَّقَلَةِ لَا تُقْبَلُ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في كِتَابِ تَقْدِيمِ الْأَدِلَّةِ لَا تَثْبُتُ الْقِرَاءَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِهَذَا قالت الْأَئِمَّةُ فِيمَنْ قَرَأَ في صَلَاتِهِ بِكَلِمَاتٍ تَفَرَّدَ بها ابن مَسْعُودٍ إنَّ صَلَاتَهُ لَا تَجُوزُ كما لو قَرَأَ خَبَرًا من أَخْبَارِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَإِنَّمَا أَخَذْنَا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ لِإِيجَابِ التَّتَابُعِ في الْكَفَّارَةِ فَأَخَذْنَا بها عَمَلًا كما لو رَوَى خَبَرًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَهَا نَاقِلًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فلما لم يَثْبُتْ قُرْآنًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ بَقِيَ خَبَرًا فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلُوا كَذَلِكَ في الْبَسْمَلَةِ لِيَجِبَ الْجَهْرُ بها في الصَّلَاةِ وَحُرْمَةُ قِرَاءَتِهَا على الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ الذي هو حُكْمُ الْقُرْآنِ قُلْنَا لِأَنَّا لو فَعَلْنَا ذلك لم يَكُنْ حُكْمًا بِظَاهِرِ ما تُوجِبُهُ التَّسْمِيَةُ بَلْ كان عَمَلًا بِمُقْتَضَى أنها من الْفَاتِحَةِ وَلَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى عِنْدَنَا وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا لَا بُدَّ منه المباحث اللغوية مَبَاحِثُ اللُّغَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا في أُصُولِ الْفِقْهِ لِأَنَّ مُعْظَمَ نَظَرِ الْأُصُولِيِّ في دَلَالَاتِ الصِّيَغِ كَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَأَحْكَامِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَدَلِيلِ الْخِطَابِ وَمَفْهُومِهِ فَاحْتَاجَ إلَى النَّظَرِ في ذلك تَكْمِيلًا لِلنَّظَرِ في الْأُصُولِ وَنَسِمُهُ بِمُقَدِّمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَعَلُّمُ اللُّغَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ قال أبو الْحُسَيْنِ بن فَارِسٍ تَعَلُّمُ عِلْمِ اللُّغَةِ وَاجِبٌ على أَهْلِ الْعِلْمِ لِئَلَّا يَحِيدُوا في تَأْلِيفِهِمْ أو فُتْيَاهُمْ عن سُنَنِ الِاسْتِقْرَاءِ قال وَكَذَلِكَ الْحَاجَةُ إلَى عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ فإن الْإِعْرَابَ هو الْفَارِقُ بين الْمَعَانِي أَلَا تَرَى إذَا قُلْت ما أَحْسَنَ زَيْدٌ لم تُفَرِّقْ بين التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالنَّفْيِ إلَّا بِالْإِعْرَابِ وَنَازَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ في كَوْنِهِمَا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قام بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عن الْبَاقِينَ قال وَاللُّغَةُ وَالنَّحْوُ ليس كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ في كل عَصْرٍ أَنْ يَقُومَ بِهِ قَوْمٌ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّرْعِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِوَاسِطَةِ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالْعِلْمُ بِهِمَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ فإنه لو انْتَهَى النَّقْلُ فيه إلَى حَدِّ الْآحَادِ لَصَارَ الِاسْتِدْلَال على جُمْلَةِ الشَّرْعِ اسْتِدْلَالًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الشَّرْعُ مَظْنُونًا لَا مَقْطُوعًا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ الثَّانِيَةُ نَبَّهَ الْإِبْيَارِيُّ في كَلَامٍ له على شَيْءٍ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهُ هُنَا وهو أَنَّ الْأُصُولِيَّ إنَّمَا احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ لِيَفْهَمَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ بِالْأُصُولِيِّ إلَى مَعْرِفَةِ ما لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَالْأَلْفَاظِ وإذا كان كَذَلِكَ افْتَقَرْنَا إلَى تَقْدِيمِ أَمْرٍ آخَرَ وهو أَنَّ الشَّرْعَ هل له تَصَرُّفٌ في اللُّغَةِ أَمْ لَا فَإِنْ ثَبَتَ عَدَمُ التَّصَرُّفِ اكْتَفَى الْأُصُولِيُّ بِمَعْرِفَةِ وَضْعِ اللُّغَةِ فإن ذلك مُقْنِعٌ في مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَإِنْ ثَبَتَ تَصَرُّفُ الشَّرْعِ اكْتَفَى الْأُصُولِيُّ بِمَعْرِفَةِ وَضْعِ الشَّرْعِ لِلِاسْمِ وَلَا يَحْتَاجُ معه إلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ في ذلك اللَّفْظِ وَإِنْ عَرَفَ وَضْعَ اللُّغَةِ وَالْتَبَسَ عليه هل لِلشَّرْعِ تَصَرُّفٌ في الِاسْمِ أَمْ لَا لم يَجُزْ له الْحُكْمُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ حتى يَسْتَقِرَّ له وَضْعُ الشَّرْعِ وَلِهَذَا إنَّ الْفُقَهَاءَ قَلَّ ما يَتَكَلَّمُونَ على الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ تَصَرُّفَ الشَّرْعِ في الْأَسْمَاءِ فَتَرَاهُمْ يَجْنَحُونَ إلَى الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ في ذلك على بَصِيرَةٍ أَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ مُكْتَفًى بِهِ وَمُضَافٌ إلَيْهِ وَعُرْفُ اللُّغَةِ على هذا التَّقْدِيرِ عِنْدَ احْتِمَالِ التَّغْيِيرِ لَا يُفِيدُ مَادَّةُ اللُّغَةِ وَمَقْصُودُهَا وَمَوْضُوعُهَا وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِمَادَّتِهَا وَمَقْصُودِهَا وَمَوْضُوعِهَا أَمَّا مَادَّتُهَا فَتَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِينَ إمَّا التَّوْقِيفُ أو الِاصْطِلَاحُ على الْخِلَافِ الْآتِي وَأَمَّا في حَقِّ من بَعْدَهُمْ فَمَادَّتُهَا النَّقْلُ عن أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَمَّا مَقْصُودُهَا فَالتَّشْبِيهُ بِأَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ في إعْلَامِ ما في أَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا مَوْضُوعُهَا فَالْأَلْفَاظُ وما يَعْرِضُهَا لِذَاتِ الْأَلْفَاظِ وهو ما يَبْحَثُ اللُّغَوِيُّ عنها في ذلك الْمَوْضُوعِ إمَّا في حَالِ الْإِفْرَادِ كَكَوْنِ هذه الْكَلِمَةِ حَقِيقَةً أو مَجَازًا أو مُشْتَرَكَةً أو مُتَرَادِفَةً أو مُتَبَايِنَةً وَكَكَوْنِ فَاءِ هذه الْكَلِمَةِ أو عَيْنِهَا أَصْلِيًّا أو مَقْلُوبًا عن غَيْرِهِ صَحِيحًا أو مُعْتَلًّا مَفْتُوحًا أو مَضْمُومًا أو مَكْسُورًا وَغَيْرِ ذلك مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ التَّصْرِيفِ وَأَمَّا في حَالِ تَرْكِيبِهَا كَكَوْنِ هذه الْكَلِمَةِ مُبْتَدَأً أو خَبَرًا أو فَاعِلًا أو مَفْعُولًا إلَى غَيْرِ ذلك من الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَلْفَاظِ فَالْأَلْفَاظُ هِيَ مَوْضُوعُ اللُّغَةِ وَهَذِهِ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْأَلْفَاظِ أُمُورٌ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَبَاحِثِ اللُّغَةِ ثُمَّ الْكَلَامُ في مُهِمَّاتٍ الْأَوَّلُ في الْوَضْعِ وهو يُطْلَقُ على أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا جَعْلُ اللَّفْظِ دَلِيلًا على الْمَعْنَى كَتَسْمِيَةِ الْإِنْسَانِ وَلَدَهُ زَيْدًا وَكَإِطْلَاقِهِمْ على الْحَائِطِ مَثَلًا الْجِدَارَ وما في مَعْنَاهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْطُرَ الْمَعْنَى بِبَالِ الْوَاضِعِ فَيَسْتَحْضِرَ لَفْظًا يُعَبِّرُ بِهِ عن ذلك الْمَعْنَى ثُمَّ يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ بِطَرِيقٍ من الطُّرُقِ فَمَنْ تَكَلَّمَ بِلُغَتِهِ يَجِبُ أَنْ يَحْمِلَهُ على ذلك الْمَعْنَى عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَائِنِ وَالثَّانِي غَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ على الْمَعْنَى حتى يَصِيرَ هو الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ حَالَ التَّخَاطُبِ بِهِ وَذَلِكَ في الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ أَمَّا الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ فَكَإِطْلَاقِهِمْ الصَّلَاةَ على الْحَرَكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ وَالصَّوْمَ على الْإِمْسَاكِ الْمَخْصُوصِ وَالزَّكَاةَ على إخْرَاجٍ مَخْصُوصٍ فإن الشَّارِعَ لم يَضَعْ اللَّفْظَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهُ فيها من غَيْرِ وَضْعٍ وَتَكَرَّرَ الِاسْتِعْمَالُ فيها حتى صَارَتْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ حَالَ التَّخَاطُبِ الْعُرْفُ الْعَامُّ وَأَمَّا الْعُرْفُ الْعَامُّ فَكَإِطْلَاقِهِمْ الدَّابَّةَ على ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أو على دَابَّةٍ مَخْصُوصَةٍ عِنْدَ قَوْمٍ كَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَمَفْهُومُ الدَّابَّةِ في اللُّغَةِ لِكُلِّ ذَاتٍ دَبَّتْ سَوَاءٌ ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ وَغَيْرُهَا وَأَهْلُ الْعُرْفِ لم يَضَعُوا اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى الذي هو ذَوَاتُ الْأَرْبَعِ وَإِنَّمَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِلَفْظِ الدَّابَّةِ حتى صَارَ هو الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ حَالَةَ التَّخَاطُبِ الْعُرْفُ الْخَاصُّ وَأَمَّا الْعُرْفُ الْخَاصُّ فَكَاصْطِلَاحِ كل ذِي عِلْمٍ على أَلْفَاظٍ خَصُّوهَا بِمَعَانٍ مُخَالِفَةٍ لِلْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ كَاصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِ في الْجَوْهَرِ وَالْعَرْضِ وَاصْطِلَاحِ الْفَقِيهِ في الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَاصْطِلَاحِ الْجَدَلِيِّ في الْكَسْرِ وَالنَّقْضِ وَالْقَلْبِ وَاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّ في الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ فَجَمِيعُ هذه الطَّوَائِفِ لم يَضَعُوا هذه الْأَلْفَاظَ لِتِلْكَ الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلُوهَا اسْتِعْمَالًا غَالِبًا حتى صَارَتْ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ حَالَةَ التَّخَاطُبِ فَهَذَا هو مَعْنَى الْوَضْعِ في الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وزاد بَعْضُهُمْ لِلْوَضْعِ مَعْنًى ثَالِثًا وهو اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في الْمَعْنَى وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا هو مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمَجَازُ هل من شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا أَمْ لَا وَفِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ على أَنَّ الْمَجَازَ هل من شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا أو لَا وَيَتَعَلَّقُ بِالْوَضْعِ مَبَاحِثُ أَحَدُهَا في شُرُوطِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَبْتَدِئَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ ثَانِيهَا أَنْ لَا يَخْتِمَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عن قَصْدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِ السَّاهِي وَالنَّائِمِ وَعَلَى السَّامِعِ التَّنَبُّهُ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ وقد حَكَى الرُّويَانِيُّ عن صَاحِبِ الْحَاوِي فِيمَا إذَا قال لِزَوْجَتِهِ طَلَّقْتُك ثُمَّ قال سَبَقَ لِسَانِي وَإِنَّمَا أَرَدْت طَلَبْتُك أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ظَنَّتْ صِدْقَهُ بِأَمَارَةٍ فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمُهُ وَأَنَّهُ من عُرِفَ ذلك منه إذَا عُرِفَ الْحَالُ يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ وَلَا يُشْهَدُ عليه قال الرُّويَانِيُّ وَهَذَا هو الِاخْتِيَارُ الثَّانِي في سَبَبِهِ وهو أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ وَصَيَّرَهُ مُحْتَاجًا إلَى أُمُورٍ لَا يَسْتَقِلُّ بها بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْمُعَاوَنَةِ عليها وَلَا بُدَّ لِلْمُعَاوِنِ من الِاطِّلَاعِ على ما في النَّفْسِ وَذَلِكَ إمَّا بِاللَّفْظِ أو الْإِشَارَةِ أو الْمِثَالِ وَاللَّفْظُ أَيْسَرُ لِمَا سَيَأْتِي فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى الْوَضْعِ لِأَجْلِ الْإِفْهَامِ بِالْمُخَاطَبَةِ وَيَلْزَمُ من ذلك كُلَّمَا اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّعْبِيرِ عنه أَنَّهُ يُوضَعُ له وَإِلَّا كان ذلك مُخِلًّا بِمَقْصُودِ الْوَضْعِ الذي ذَكَرْنَاهُ وما لَا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ جَازَ فيه الْأَمْرَانِ يَعْنِي الْوَضْعَ وَعَدَمَ الْوَضْعِ أَمَّا عَدَمُ الْوَضْعِ فَلِأَنَّهُ ليس مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَأَمَّا الْوَضْعُ فَلِلْفَوَائِدِ الْحَاصِلَةِ بِهِ الْمَوْضُوعُ الثَّالِثُ في الْمَوْضُوعِ وهو اللُّغَاتُ على اخْتِلَافِهَا وَفِيهِ نَظَرٌ أَنَّ أَحَدَهُمَا نَظَرٌ كُلِّيٌّ يَشْتَرِكُ فيه كُلُّ اللُّغَاتِ وهو من وُجُوهٍ يُعْرَفُ في عِلْمٍ آخَرَ وَالثَّانِي فِيمَا يَخْتَصُّ بِآحَادِ اللُّغَاتِ وَلَمَّا جَاءَتْ شَرِيعَتُنَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَجَبَ النَّظَرُ فيها وَكَيْفِيَّةُ دَلَالَتِهَا من حَيْثُ صِيَغِهَا وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى حُدُوثُ الْمَوْضُوعَاتِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إفَادَةً من هذه الثَّلَاثَةِ وَأَيْسَرِهَا أَمَّا كَثْرَةُ إفَادَتِهَا فَلِأَنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ مَعْلُومٍ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْإِشَارَةِ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِ الْمَحْسُوسِ وَبِخِلَافِ الْمِثَالِ وهو أَنْ يُجْعَلَ لِمَا في الضَّمِيرِ شَكْلًا لِتَعَذُّرِهِ وَأَمَّا كَوْنُهَا أَيْسَرَ فَلِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِلْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ لِأَنَّ الْحُرُوفَ كَيْفِيَّاتٌ تُعْرَضُ لِلنَّفْسِيِّ الضَّرُورِيِّ مَسْأَلَةٌ الْمُفْرَدَاتُ مَوْضُوعَةٌ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُفْرَدَاتِ مَوْضُوعَةٌ كَوَضْعِ لَفْظِ إنْسَانٍ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَكَوَضْعِ قام لِحُدُوثِ الْقِيَامِ في زَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَكَوَضْعِ لَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وَنَحْوِهَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ في الْمُرَكَّبَاتِ هل هِيَ مَوْضُوعَةٌ أَمْ لَا وَاخْتَلَفُوا في الْمُرَكَّبَاتِ نحو قام زَيْدٌ وَعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ فَقِيلَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً وَلِهَذَا لم يَتَكَلَّمْ أَهْلُ اللُّغَةِ في الْمُرَكَّبَاتِ وَلَا في تَأْلِيفِهَا وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا في وَضْعِ الْمُفْرَدَاتِ وما ذَاكَ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ فيها مَوْكُولٌ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بها وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَهَذَا هو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ حَيْثُ قال إنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ عَقْلِيَّةٌ لَا وَضْعِيَّةٌ وَاحْتَجَّ له في كِتَابِ الْفَيْصَلِ على الْمُفَصَّلِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ من لَا يَعْرِفُ من الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ إلَّا لَفْظَيْنِ مُفْرَدَيْنِ صَالِحَيْنِ لِإِسْنَادِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فإنه لَا يُفْتَقَرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا مع الْإِسْنَادِ إلَى مُعَرِّفٍ لِمَعْنَى الْإِسْنَادِ بَلْ يُدْرِكُهُ ضَرُورَةً وَثَانِيهِمَا أَنَّ الدَّالَّ بِالْوَضْعِ لَا بُدَّ من إحْصَائِهِ وَمَنْعِ الِاسْتِئْنَافِ فيه كما كان ذلك في الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ الْقَائِمَةِ مَقَامَهَا فَلَوْ كان الْكَلَامُ دَالًّا بِالْوَضْعِ وَجَبَ ذلك فيه ولم يَكُنْ لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ إلَّا بِكَلَامٍ سَبَقَ إلَيْهِ كما لَا يُسْتَعْمَلُ في الْمُفْرَدَاتِ إلَّا ما سَبَقَ اسْتِعْمَالُهُ وفي عَدَمِ ذلك بُرْهَانٌ على أَنَّ الْكَلَامَ ليس دَالًّا بِالْوَضْعِ ا هـ وَحَكَاهُ ابن إيَازٍ عن شَيْخِهِ قال وَلَوْ كان حَالُ الْجُمَلِ حَالَ الْمُفْرَدَاتِ في الْوَضْعِ لَكَانَ اسْتِعْمَالُ الْجُمَلِ وَفَهْمُ مَعْنَاهَا مُتَوَقِّفًا على نَقْلِهَا عن الْعَرَبِ كما كان الْمُفْرَدَاتُ كَذَلِكَ وَلَوَجَبَ على أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْ يَتَتَبَّعُوا الْجُمَلَ وَيُودِعُوهَا كُتُبَهُمْ كما فَعَلُوا ذلك بِالْمُفْرَدَاتِ وَلِأَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ دَلَالَتُهَا على مَعْنَاهَا التَّرْكِيبِيِّ بِالْعَقْلِ لَا بِالْوَضْعِ فإن من عَرَفَ مُسَمَّى زَيْدٌ وَعَرَفَ مُسَمَّى قَائِمٌ وَسَمِعَ زَيْدٌ قَائِمٌ بِإِعْرَابِهِ الْمَخْصُوصِ فَهِمَ بِالضَّرُورَةِ مَعْنَى هذا الْكَلَامِ وهو نِسْبَةُ الْقِيَامِ إلَى زَيْدٍ نعم يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَوْضُوعَةٌ بِاعْتِبَارِ أنها مُتَوَقِّفَةٌ على مَعْرِفَةِ مُفْرَدَاتِهَا التي لَا تُسْتَفَادُ إلَّا من جِهَةِ الْوَضْعِ وَلِأَنَّ لِلَّفْظِ الْمُرَكَّبِ أَجْزَاءً مَادِّيَّةً وَجُزْءًا صُورِيًّا وهو التَّأْلِيفُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ لِمَعْنَاهُ أَجْزَاءٌ مَادِّيَّةٌ وَجُزْءٌ صُورِيٌّ وَالْأَجْزَاءُ الْمَادِّيَّةُ من اللَّفْظِ تَدُلُّ على الْأَجْزَاءِ الْمَادِّيَّةِ من الْمَعْنَى وَالْجُزْءُ الصُّورِيُّ منه يَدُلُّ على الْجُزْءِ الصُّورِيِّ من الْمَعْنَى بِالْوَضْعِ وَالثَّانِي أنها مَوْضُوعَةٌ فَوُضِعَتْ زَيْدٌ قَائِمٌ لِلْإِسْنَادِ دُونَ التَّقْوِيَةِ في مُفْرَدَاتِهِ وَلَا تَنَافِي بين وَضْعِهَا مُفْرَدَةً لِلْإِسْنَادِ بِدُونِ التَّقْوِيَةِ وَوَضْعِهَا مُرَكَّبَةً لِلتَّقْوِيَةِ وَلِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ فَالْمُضَافُ مُقَدَّمٌ على الْمُضَافِ إلَيْهِ في بَعْضِ اللُّغَاتِ وَمُؤَخَّرٌ عنها في بَعْضٍ وَلَوْ كانت عَقْلِيَّةً لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَاحِدًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْمُضَافُ على الْمُضَافِ إلَيْهِ أو تَأَخَّرَ وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قال أَقْسَامُهَا مُفْرَدٌ وَمُرَكَّبٌ قال الْقَرَافِيُّ وهو الصَّحِيحُ وَعَزَاهُ غَيْرُهُ لِلْجُمْهُورِ بِدَلِيلِ أنها حُجِرَتْ في التَّرَاكِيبِ كما حُجِرَتْ في الْمُفْرَدَاتِ فَقُلْت إنَّ من قال إنَّ قَائِمٌ زَيْدًا ليس من كَلَامِنَا وَمَنْ قال إنَّ زَيْدًا قَائِمٌ فَهُوَ من كَلَامِنَا وَمَنْ قال في الدَّارِ رَجُلٌ فَهُوَ من كَلَامِنَا وَمَنْ قال رَجُلٌ في الدَّارِ فَلَيْسَ من كَلَامِنَا إلَخْ إلَى ما لَا نِهَايَةَ له في تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ وَذَلِكَ يَدُلُّ على تَعَرُّضِهَا بِالْوَضْعِ لِلْمُرَكَّبَاتِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرَبَ إنَّمَا وَضَعَتْ أَنْوَاعَ الْمُرَكَّبَاتِ أَمَّا جُزْئِيَّاتُ الْأَنْوَاعِ فَلَا فَوَضَعَتْ بَابَ الْفَاعِلِ لِإِسْنَادِ كل فِعْلٍ إلَى من صَدَرَ منه أَمَّا الْفَاعِلُ الْمَخْصُوصُ فَلَا وَكَذَلِكَ بَابُ إنَّ وَأَخَوَاتِهَا أَمَّا اسْمُهَا الْمَخْصُوصُ فَلَا وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّرْكِيبِ وَأَحَالَتْ الْمُعَيَّنَ على اخْتِيَارِ الْمُتَكَلِّمِ فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِلُ بِوَضْعِ الْمُرَكَّبَاتِ هذا الْمَعْنَى فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَمَمْنُوعٌ وَيَتَفَرَّعُ على هذه الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَجَازَ هل يَدْخُلُ في الْمُرَكَّبَاتِ أَمْ لَا وَأَنَّهُ هل يَشْتَرِطُ الْعِلَاقَةَ في الْآحَادِ أَمْ لَا وَحَقِيقَةُ هذا الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْكَلَامِ الْمُرَكَّبِ على مَعْنَاهُ هل هِيَ عَقْلِيَّةٌ كَدَلَالَةِ الْمُتَكَلِّمِ من وَرَاءِ الْحَائِطِ على أَنَّهُ إنْسَانٌ أو وَضْعِيَّةٌ تَنْبِيهٌ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعُ مَوْضُوعَانِ لم أَرَ لهم كَلَامًا في الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لِأَنَّهُمَا مُفْرَدَانِ وهو الذي يَقْتَضِيهِ حَدُّهُمْ لِلْمُفْرَدِ وَلِهَذَا عَامَلُوا جُمُوعَ التَّكْسِيرِ مُعَامَلَةَ الْمُفْرَدِ في الْأَحْكَامِ لَكِنْ صَرَّحَ ابن مَالِكٍ في كَلَامِهِ على حَدِّهَا بِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَوْضُوعَيْنِ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ فَرَّعَهُ على رَأْيِهِ في عَدَمِ وَضْعِ الْمُرَكَّبَاتِ لِأَنَّهُ لَا تَرْكِيبَ فيها لَا سِيَّمَا أَنَّ الْمُرَكَّبَ في الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هو الْإِسْنَادُ وَكَذَا الْقَوْلُ في أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ وَالْأَجْنَاسِ مِمَّا يَدُلُّ على مُتَعَدِّدٍ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وَضْعِهِ عَجِيبٌ لِأَنَّ أَكْثَرَهُ سَمَاعِيٌّ وقد صَرَّحَ ابن مَالِكٍ بِأَنَّ شَفْعًا وَنَحْوَهُ مِمَّا يَدُلُّ على اثْنَيْنِ مَوْضُوعٌ وقال ابن الْجُوَيْنِيِّ الظَّاهِرُ لي أَنَّ التَّثْنِيَةَ وُضِعَ لَفْظُهَا بَعْدَ الْجَمْعِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الْجَمْعِ كَثِيرًا وَلِهَذَا لم يُوجَدْ في سَائِرِ اللُّغَاتِ تَثْنِيَةٌ وَالْجَمْعُ مَوْجُودٌ في كل لُغَةٍ وَمِنْ ثَمَّ قال بَعْضُهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ لِأَنَّ الْوَاضِعَ قال الشَّيْءُ إمَّا وَاحِدٌ وَإِمَّا كَثِيرٌ لَا غَيْرُ فَجَعَلَ الِاثْنَيْنِ في حَدِّ الْكَثْرَةِ الْمَوْضُوعُ له الرَّابِعُ في الْمَوْضُوعِ له وقد اُخْتُلِفَ في أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ أو الْخَارِجِيِّ أو لِأَعَمَّ مِنْهُمَا أو لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ لم تُوضَعْ الْأَلْفَاظُ لِلدَّلَالَةِ على الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ على الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ وَبِوَاسِطَةِ ذلك تَدُلُّ على الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ وَهَذَا كَالْخَطِّ فإنه يَدُلُّ على اللَّفْظِ وَبِوَاسِطَةِ ذلك يَدُلُّ على الْمَعْنَى فإذا قُلْت الْعَالَمُ حَادِثٌ فَلَا يَدُلُّ على كَوْنِهِ حَادِثًا بَلْ يَدُلُّ على حُكْمِك بِحُدُوثِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ وَالْقُرْطُبِيُّ في الْوُصُولِ وَاحْتَجُّوا عليه أَمَّا في الْمُفْرَدَاتِ فَلِأَنَّا لو رَأَيْنَا شَبَحًا من بَعِيدٍ ظَنَنَّاهُ رَجُلًا فإذا قَرُبَ رَأَيْنَاهُ شَبَحًا فلما اخْتَلَفَتْ الْأَسَامِي عِنْدَ اخْتِلَافِ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ دَلَّ على أَنَّ اللَّفْظَ لَا دَلَالَةَ له إلَّا عليها وَأَمَّا في الْمُرَكَّبَاتِ فَلِأَنَّ قَوْلَنَا قام زَيْدٌ لَا يُفِيدُ قِيَامَ زَيْدٍ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْحُكْمَ بِهِ وَالْإِخْبَارَ عنه ثُمَّ نَنْظُرُ مُطَابَقَتَهُ لِلْخَارِجِ أَمْ لَا وقد أُجِيبَ عن هذا الدَّلِيلِ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا عُرِضَ لِاعْتِقَادِ أنها في الْخَارِجِ كَذَلِكَ لَا لِمُجَرَّدِ اخْتِلَافِهَا في الذِّهْنِ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْخَارِجِ وَأَيْضًا إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مِمَّا يَشْخَصُ في الْخَارِجِ مَجَازًا وقال الْأَصْفَهَانِيُّ من نَفَى الْوَضْعَ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ إنْ أَرَادَ أنها لم تُوضَعْ لِلدَّلَالَةِ على الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ ابْتِدَاءً من غَيْرِ تَوَسُّطِ الدَّلَالَةِ على الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ فَهَذَا حَقٌّ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَدُلُّ على وُجُودِ الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ بِتَوَسُّطِ دَلَالَتِهِ على الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الدَّلَالَةَ الْخَارِجِيَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً من وَضْعِ اللَّفْظِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُخَبِّرَ إذَا أَخْبَرَ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ جاء زَيْدٌ فإن قَصْدَهُ الْإِخْبَارَ بِمَجِيئِهِ في الْخَارِجِ الثَّانِي أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ لَا الذِّهْنِيِّ لِأَنَّهُ مُسْتَقَرُّ الْأَحْكَامِ وَهَذَا ما جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَيَلْزَمُ الرَّازِيَّ من نَفْيِهِ الْوَضْعَ لِلْخَارِجِيِّ أَنْ يَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عليها في الْخَارِجِ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً وَلَا تَضَمُّنًا وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا نَفْيُ الْحَقَائِقِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ له وَعِنْدَهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلذِّهْنِيِّ وَلَكِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ لِلْخَارِجِيِّ وَيَلْزَمُ على قَوْلِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أَنْ لَا يَكُونَ الْآنَ شَيْءٌ مَوْضُوعٌ لِأَنَّ الْوَضْعَ زَالَ وهو صَحِيحٌ الثَّالِثُ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى من حَيْثُ هو أَعَمُّ من الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ وَلَيْسَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ بَلْ كُلُّ مَعْنًى مُحْتَاجُ إلَى اللَّفْظِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَدَّ مَذْهَبَ الْإِمَامِ إلَيْهِ الرَّابِعُ أَنَّهُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَنَسَبَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ الْخُوبِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِلْفَلَاسِفَةِ قال وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ في أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى أو غَيْرِهِ ===============================================ج5. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي مَسْأَلَةٌ وَضْعُ اللَّفْظِ الْمَشْهُورِ في مَعْنًى خَفِيٍّ جِدًّا مَنَعَ الرَّازِيَّ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ في مَعْنًى لِمَعْنًى خَفِيٍّ جِدًّا فَالْغَرَضُ من هذه الْمَسْأَلَةِ الرَّدُّ على مُثْبِتِي الْحَالِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْحَرَكَةُ اسْمٌ لِمَعْنًى يَجْعَلُ الِاسْمَ مُتَحَرِّكًا وَالْمَشْهُورُ نَفْسُ الِانْتِقَالِ لَا مَعْنًى أَوْجَبَ الِانْتِقَالَ وَجَوَّزَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فإن أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَشْهُورَةٌ وَبِإِزَائِهَا مَعَانٍ دَقِيقَةٌ غَامِضَةٌ لَا يَفْهَمُهَا إلَّا الْخَوَاصُّ الْعَارِفُونَ بِاَللَّهِ وَبِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُدْرِكُ مَعَانِيَ لَطِيفَةً فَيَخْتَرِعُ لها أَلْفَاظًا بِإِزَائِهَا فَائِدَةُ الْوَضْعِ الْخَامِسُ في فَائِدَةِ الْوَضْعِ وَالْمَعَانِي الْمُفْرَدَةُ مَعْلُومَةٌ في الذِّهْنِ قبل وَضْعِ اللَّفْظِ وَفَائِدَةُ وَضْعِ اللَّفْظِ تَصَوُّرُهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ لِتَوَقُّفِ فَهْمِ النِّسْبَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ عليه فَإِذَنْ الْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ من الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ تَصَوُّرُ مَعَانِيهَا وَشُعُورُ الذِّهْنِ بها لَا مَعْرِفَةُ مَعَانِيهَا فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَتَصَوُّرُ النِّسْبَةِ مَوْجُودٌ في الذِّهْنِ قبل وُجُودِ اللَّفْظِ وَالْفَائِدَةُ الْحَاصِلَةُ بِاللَّفْظِ مع الْحَرَكَاتِ الْمَخْصُوصَةِ وَالتَّرْكِيبِ الْمَخْصُوصِ مَعْرِفَتُهَا وَاقِعَةً أو وَقَعَتْ أو سَتَقَعُ فَالْمَوْقُوفُ عليها التَّصْدِيقُ لَا التَّصَوُّرُ فَلَا دَوْرَ أَيْضًا الْوَاضِعُ السَّادِسُ في الْوَاضِعِ وقد اُخْتُلِفَ فيه على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا قَوْلُ الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَبَعْضِ أَتْبَاعِهِ كَابْنِ فُورَكٍ أنها تَوْقِيفِيَّةٌ وَأَنَّ الْوَاضِعَ هو اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ وَأَعْلَمَهَا لِلْخَلْقِ بِالْوَحْيِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ أو بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ في كل شَيْءٍ أو بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ لهم وَحَكَاهُ ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَجَزَمَ بِهِ ابن فَارِسٍ وَالثَّانِي أنها إلْهَامٌ من اللَّهِ تَعَالَى لِبَنِي آدَمَ كَأَصْوَاتِ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ حَيْثُ كانت أَمَارَاتٌ على إرَادَتِهَا فِيمَا بَيْنَهَا بِإِلْهَامِ اللَّهِ تَعَالَى حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَيَشْهَدُ له ما أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَلَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ثُمَّ قال أُلْهِمَ إسْمَاعِيلُ هذا اللِّسَانَ إلْهَامًا ثُمَّ قال صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وقال الذَّهَبِيُّ في مُخْتَصَرِهِ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ على شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَكِنَّ مَدَارَ الحديث على إبْرَاهِيمَ بن إِسْحَاقَ بن إبْرَاهِيمَ الْغَسِيلِيِّ وكان مِمَّنْ يَسْرِقُ الحديث انْتَهَى وَالثَّالِثِ مَذْهَبُ أبي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِ أنها اصْطِلَاحِيَّةٌ على مَعْنَى أَنَّ وَاحِدًا من الْبَشَرِ أو جَمَاعَةٍ وَضَعَهَا وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ لِلْبَاقِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالْقَرَائِنِ كَتَعْرِيفِ الْوَالِدَيْنِ لُغَتَهُمَا لِلْأَطْفَالِ وَحَكَاهُ ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ عن أَكْثَرِ أَهْلِ النَّظَرِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ مَعْنَى الِاصْطِلَاحِ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ اللَّهُ مَقَاصِدَ اللُّغَاتِ ثُمَّ يَهْجِسُ في نَفْسِ وَاحِدٍ منهم أَنْ يُنَصِّبَ أَمَارَةً على مَقْصُودِهِ فإذا نَصَّبَهَا وَكَرَّرَهَا وَاتَّصَلَتْ الْقَرَائِنُ بها أَفَادَتْ الْعِلْمَ كَالصَّبِيِّ يَتَلَقَّى من وَالِدِهِ وَالْقَائِلُونَ بِالتَّوْقِيفِ يَقُولُونَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُلْهَمُوا الْأَمَارَاتِ قال وَمَنْ فَهِمَ الْمَسْأَلَةَ وَتَصَوَّرَهَا لَا يُحِيلُ تَصْوِيرَهَا نعم يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُ الْعَالَمِينَ على أَمَارَةٍ وَاحِدَةٍ مع اخْتِلَافِ الدَّوَاعِي فَإِنْ عُنِيَ بِالِاصْطِلَاحِ هذا فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ عُنِيَ ما ذَكَرْنَاهُ فَلَا وإذا تَعَارَضَ الْإِمْكَانَاتُ تَوَقَّفَ على السَّمْعِ وَالرَّابِعِ أَنَّ بَعْضَهُ من اللَّهِ وَبَعْضَهُ من الناس ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل الْبُدَاءَةُ من اللَّهِ وَالتَّتِمَّةُ من الناس وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إلَى الْأُسْتَاذِ وَإِمَّا عَكْسُهُ وقد ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ فَتَصِيرُ الْمَذَاهِبُ خَمْسَةً وقد اخْتَلَفَ في النَّقْلِ عن الْأُسْتَاذِ فَحَكَى الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ عنه أَنَّ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ في التَّعْرِيفِ تَوْقِيفِيٌّ وَالْبَاقِي مُحْتَمَلٌ لِلتَّوَقُّفِ وَغَيْرِهِ وَحَكَى في الْمَحْصُولِ عنه أَنَّ الْبَاقِيَ مُصْطَلَحٌ وَسَبَقَهُ إلَى حِكَايَتِهِ أَيْضًا أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَالصَّوَابُ عنه الْأَوَّلُ فَقَدْ رَأَيْته في كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَنَقَلَهُ عن بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال إنَّهُ الصَّحِيحُ الذي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَعِبَارَتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ من أَنْ يُعَلِّمَهُمْ أو يَخْلُقَ لهم عِلْمًا بِمِقْدَارِ ما يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ لِمَعْنَى الِاصْطِلَاحِ وَالْوُقُوفِ على التَّسْمِيَةِ فإذا عَرَفُوهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيهِ تَوْقِيفًا منه لهم عليه وَجَازَ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا فِيهِمْ وَلَا طَرِيقَ بَعْدَهُ إلَى مَعْرِفَةِ ما كان منه فيه إلَّا بِخَبَرِ نَبِيٍّ عنه هذا لَفْظُهُ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عنه ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِهِ الْخَامِسُ قَوْلُ الْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَابْنِ بَرْهَانٍ وَجُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ كما قَالَهُ في الْمَحْصُولِ التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُمْكِنٌ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَأَمَّا تَعْيِينُ الْمَوَاقِعِ من هذه الْأَقْسَامِ فَلَيْسَ فيه نَصٌّ قَاطِعٌ وَمَالَ إلَيْهِ ابن جِنِّي في أَوَاخِرِ الْأَمْرِ وقال الْآمِدِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ كان الْمَطْلُوبُ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَعْيِينَ الْوَاقِعِ فَالْحَقُّ ما قَالَهُ الشَّيْخُ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْوَاقِفُ إنْ تَوَقَّفَ عن الْقَطْعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ التَّوَقُّفَ عن الظَّنِّ فَظَاهِرُ الْآيَةِ يَنْفِيهِ وقال التِّلِمْسَانِيُّ في الْكِفَايَةِ قال الْمُتَأَخِّرُونَ من الْفُقَهَاءِ هذا الْخِلَافُ إنْ كان في الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ إذْ لَا يَلْزَمُ منه مُحَالٌ أَصْلًا وَإِنْ كان في الْوُقُوعِ السَّمْعِيِّ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْوُقُوعَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّقْلِ ولم يُوجَدْ فيه خَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ وَلَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ بِنَفْيِ رَجْمِ الظُّنُونِ بِلَا فَائِدَةٍ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ ما وَقَعَ التَّوْقِيفُ في الِابْتِدَاءِ على لُغَةٍ وَاحِدَةٍ وما سِوَاهَا من اللُّغَاتِ وَقَعَ التَّوْقِيفُ عليها بَعْدَ الطُّوفَانِ من اللَّهِ في أَوْلَادِ نُوحٍ حتى تَفَرَّقُوا في أَقْطَارِ الْأَرْضِ قال وقد رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ من تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ إسْمَاعِيلُ وَأَرَادَ بها عَرَبِيَّةَ قُرَيْشٍ التي نَزَلَ بها الْقُرْآنُ وَأَمَّا عَرَبِيَّةُ قَحْطَانَ وَحِمْيَرَ فَكَانَتْ قبل إسْمَاعِيلَ عليه السَّلَامُ وقال في شَرْحِ الْأَسْمَاءِ قال الْجُمْهُورُ الْأَعْظَمُ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ من الْمُفَسِّرِينَ إنَّهَا كُلَّهَا تَوْقِيفٌ من اللَّهِ وقال أَهْلُ التَّحْقِيقِ من أَصْحَابِنَا لَا بُدَّ من التَّوْقِيفِ في أَصْلِ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الِاصْطِلَاحِ على أَوَّلِ اللُّغَاتِ من غَيْرِ مَعْرِفَةٍ من الْمُصْطَلِحِينَ يَعْنِي ما اصْطَلَحُوا عليه وإذا حَصَلَ التَّوْقِيفُ على لُغَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ ما بَعْدَهَا من اللُّغَاتِ اصْطِلَاحًا وَأَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا وَلَا يُقْطَعُ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلَالَةٍ قال وَاخْتَلَفُوا في لُغَةِ الْعَرَبِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللُّغَاتِ كُلَّهَا اصْطِلَاحٌ فَكَذَا قَوْلُهُ في لُغَةِ الْعَرَبِ وَمَنْ قال بِالتَّوْقِيفِ على اللُّغَةِ الْأُولَى وَأَجَازَ الِاصْطِلَاحَ فِيمَا سِوَاهَا من اللُّغَاتِ اخْتَلَفُوا في لُغَةِ الْعَرَبِ فَمِنْهُمْ من قال هِيَ أَوَّلُ اللُّغَاتِ وَكُلُّ لُغَةٍ سِوَاهَا حَدَثَتْ بَعْدَهَا إمَّا تَوْقِيفًا أو اصْطِلَاحًا وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وهو عَرَبِيٌّ وهو دَلِيلٌ على أَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ أَسْبَقُ اللُّغَاتِ وُجُودًا وَمِنْهُمْ من قال لُغَةُ الْعَرَبِ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا عَرَبِيَّةُ حِمْيَرَ وَهِيَ التي تَكَلَّمُوا بها في عَهْدِ هُودٍ وَمَنْ قَبْلَهُ وَبَقِيَ بَعْضُهَا إلَى وَقْتِنَا وَالثَّانِي الْعَرَبِيَّةُ الْمَحْضَةُ التي نَزَلَ بها الْقُرْآنُ وَأَوَّلُ من أَطْلَقَ لِسَانَهُ بها إسْمَاعِيلُ فَعَلَى هذا الْقَوْلِ يَكُونُ تَوْقِيفُ إسْمَاعِيلَ على الْعَرَبِيَّةِ الْمَحْضَةِ مُحْتَمِلًا أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُرْهُمٍ النَّازِلِينَ عليه بِمَكَّةَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا من اللَّهِ وهو الصَّوَابُ ا هـ وَحَكَى ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ أَصْلَ اللُّغَاتِ إنَّمَا هو من الْأَصْوَاتِ وَالْأَسْمَاعِ كَدَوِيِّ الرِّيحِ وَحُنَيْنِ الرَّعْدِ وَخَرِيرِ الْمَاءِ وَنَهِيقِ الْحِمَارِ وَنَعِيقِ الْغُرَابِ وَصَهِيلِ الْفَرَسِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ تَوَلَّدَتْ اللُّغَاتُ عن ذلك فِيمَا بَعْدُ قال وَهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ صَالِحٌ وَمَذْهَبٌ مُتَقَبَّلٌ قال وأبو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَذْهَبُ إلَى أنها تَوْفِيقِيَّةٌ لَكِنَّهُ لم يَمْنَعْ الْقَوْلَ بِالِاصْطِلَاحِ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ على اللُّغَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إلَّا تَوْقِيفًا أو إلَّا اصْطِلَاحًا الثَّانِي أَنَّهُ ما الذي وَقَعَ على تَقْدِيرِ كُلٍّ من الْأَمْرَيْنِ وَالْقَوْلُ بِتَجْوِيزِ كُلٍّ من الْأَمْرَيْنِ هو مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ وَنَقَلُوهُ عن الْأَشْعَرِيِّ وَقِيلَ إنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ في الْوُقُوعِ مع تَجْوِيزِ صُدُورِ اللُّغَةِ اصْطِلَاحًا وَلَوْ مَنَعَ الْجَوَازَ لَنَقَلَهُ عنه الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ ثُمَّ قال إنَّ الْوُقُوعَ لم يَثْبُتْ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ التَّنْبِيهُ الثَّانِي مَعْنَى التَّوْقِيفِ في مَعْنَى التَّوْقِيفِ قال ابن فَارِسٍ لَعَلَّ ظَانًّا يَظُنُّ أَنَّ اللُّغَةَ التي دَلَّلْنَا على أنها تَوْقِيفٌ إنَّمَا جَاءَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً وفي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَّفَ اللَّهُ آدَمَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على ما شَاءَ أَنْ يُعَلِّمَهُ إيَّاهُ ثُمَّ احْتَاجَ إلَى عِلْمِهِ في زَمَانِهِ فَانْتَشَرَ من ذلك ما شَاءَ ثُمَّ عَلَّمَ بَعْدَ ذلك آدَمَ من عَرَفَ من الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم نَبِيًّا نَبِيًّا ما شَاءَ أَنْ يُعَلِّمَهُ حتى انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى نَبِيِّنَا صلى اللَّهُ عليه وسلم فَآتَاهُ من ذلك ما لم يُؤْتِ أَحَدًا ثُمَّ قَرَّ الْأَمْرُ قَرَارَهُ فَلَا نَعْلَمُ لُغَةً من بَعْدِهِ حَدَثَتْ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ الْأَسْمَاءُ التي عَلَّمَهَا اللَّهُ آدَمَ قال ابن عَطِيَّةَ اخْتَلَفُوا في أَيِّ الْأَسْمَاءِ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ فَقِيلَ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ حَقِيرِهَا وَجَلِيلِهَا وَقِيلَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ وَقِيلَ عُلِّمَ الْأَسْمَاءَ بِكُلِّ لُغَةٍ تَكَلَّمَتْ بها ذُرِّيَّتُهُ وقد غَلَا قَوْمٌ في هذا الْمَعْنَى حتى حَكَى ابن جِنِّي عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قال عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ كُلَّ شَيْءٍ حتى أَنَّهُ كان يُحْسِنُ من النَّحْوِ مِثْلَ ما أَحْسَنَ سِيبَوَيْهِ وَنَحْوَ هذا من الْقَوْلِ الذي هو بَيِّنُ الْخَطَأِ وقال أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَّمَهُ مَنَافِعَ كل شَيْءٍ وما يَصْلُحُ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ إنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ يُوجِبُ الظَّنَّ بِأَنْ لَا فَائِدَةَ لِلْخَوْضِ فيه لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا تَكْمِيلُ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ إذْ مُعْظَمُ النَّظَرِ فيها يَتَعَلَّقُ بِدَلَالَةِ الصِّيَغِ أو جَوَازُ قَلْبِ ما لَا تَعَلُّقَ له بِالشَّرْعِ فيها كَتَسْمِيَةِ الْفَرَسِ ثَوْرًا وَالثَّوْرِ فَرَسًا إلَى غَيْرِ ذلك وَقِيلَ الْخِلَافُ فيها طَوِيلُ الذَّيْلِ قَلِيلُ النَّيْلِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عليها مَعْرِفَةُ عَمَلٍ من أَعْمَالِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ في عِلْمِ الْأُصُولِ لِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الرِّيَاضِيَّاتِ التي يَرْتَاضُ الْعُلَمَاءُ بِالنَّظَرِ فيها كما يُصَوِّرُ الْحَيْسُوبُ مَسَائِلَ الْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ فَهَذِهِ من أُصُولِ الْفِقْهِ من رِيَاضِيَّاتِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ أو الْفَوْرِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فَإِنَّهَا من ضَرُورَاتِهِ وَمِنْهُمْ من خَرَّجَ عليها مَسَائِلَ من الْفِقْهِ كما لو عَقَدَا صَدَاقًا في السِّرِّ وَآخَرَ في الْعَلَانِيَةِ أو اسْتَعْمَلَا لَفْظَ الْمُفَاوَضَةِ وَأَرَادَا شَرِكَةَ الْعِنَانِ حَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيُّ على الْجَوَازِ أو تَبَايَعَا بِالدَّنَانِيرِ وَسَمَّيَا الدَّرَاهِمَ قال ابن الصَّبَّاغِ لَا يَصِحُّ وَكَمَا لو قال لِزَوْجَتِهِ إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لم أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَإِنَّمَا غَرَضِي أَنْ تَقُومِي وَتَقْعُدِي ثُمَّ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَعَ وَحَكَى الْإِمَامُ في بَابِ الصَّدَاقِ وَجْهًا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا تَوَاضَعَا عليه وَلَوْ سَمَّى أَمَتَهُ حُرَّةً ولم يَكُنْ ذلك اسْمَهَا ثُمَّ قال بَعْدَ ذلك يا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ أَنَّ الظَّاهِرَ أنها لَا تُعْتَقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ وَجَعَلَهُ مُلْتَفَتًا على هذه الْقَاعِدَةِ قال في الْمَطْلَبِ وَالْأَشْبَهُ عَدَمُ بِنَائِهِ على ذلك لِأَنَّا نُفَرِّعُ على جَوَازِ وَضْعِ الِاسْمِ بِالِاصْطِلَاحِ وإذا جَازَ صَارَ كَالِاسْمِ الْمُسْتَمِرِّ وَلَوْ كان اسْمُهَا بَعْدَ الرِّقِّ حُرَّةً وَنَادَاهَا بِهِ وَقَصَدَ ذلك لم يَقَعْ فَكَذَا هُنَا وَغَيْرُ ذلك من الصُّوَرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ شَيْءٌ من ذلك على هذه الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا في أَنَّ اللُّغَاتِ هذه الْوَاقِعَةِ بين أَظْهُرِنَا هل هِيَ بِالِاصْطِلَاحِ أو التَّوْقِيفِ لَا في شَخْصٍ خَاصٍّ اصْطَلَحَ مع صَاحِبِهِ على تَغْيِيرِ الشَّيْءِ عن مَوْضُوعِهِ نعم يُضَاهِيهَا قَاعِدَةٌ في الْفِقْهِ وَهِيَ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هل يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ أَمْ لَا فيه خِلَافٌ وَعَلَيْهَا تَتَفَرَّعُ هذه الْفُرُوعُ كما بَيَّنْته في كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَمِنْهُمْ من قال فَائِدَتُهَا النَّظَرُ في جَوَازِ قَلْبِ اللُّغَةِ فَالْقَائِلُونَ بِالتَّوْقِيفِ يَمْنَعُونَهُ مُطْلَقًا وَالْقَائِلُونَ بِالِاصْطِلَاحِ يُجَوِّزُونَهُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ الشَّرْعُ منه وَمَتَى لم يَمْنَعْ كان لِلشَّيْءِ اسْمَانِ أَحَدُهُمَا مُتَوَقَّفٌ عليه وَالْآخَرُ مُتَوَاضَعٌ عليه وَبِذَلِكَ قال الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَّا الْمُتَوَقِّفُونَ فقال الْمَازِرِيُّ اخْتَلَفَتْ إشَارَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَذَهَبَ الْأَزْدِيُّ إلَى التَّجْوِيزِ كَمَذْهَبِ الِاصْطِلَاحِ وَأَشَارَ أبو الْقَاسِمِ عبد الْجَلِيلِ الصَّابُونِيُّ إلَى الْمَنْعِ وَجَوَّزَ كَوْنَ التَّوْقِيفِ وَارِدًا على أَنَّهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ النُّطْقُ إلَّا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وقال ابن الْأَنْبَارِيِّ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ من جَعَلَ الْكَلَامَ تَوْقِيفِيًّا جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُقَارِنًا لِكَمَالِ الْعَقْلِ وَمَنْ جَعَلَهُ اصْطِلَاحِيًّا جَعَلَ التَّكْلِيفَ مُتَأَخِّرًا عن الْعَقْلِ مُدَّةَ الِاصْطِلَاحِ على مَعْرِفَةِ الْكَلَامِ ثُمَّ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّعْلِيمَ إنَّمَا كان مَقْصُورًا على الِاسْمِ دُونَ الْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّهُ عُلِّمَ الْأَسْمَاءَ وَمَعَانِيَهَا إذْ لَا فَائِدَةَ في تَعْلِيمِ عِلْمِ الْأَسْمَاءِ بِلَا مَعَانٍ لِتَكُونَ الْمَعَانِي هِيَ الْمَقْصُودَةَ وَالْأَسْمَاءُ دَلَائِلَ عليها وإذا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وهو أَنَّ التَّعْلِيمَ إنَّمَا كان مَقْصُودًا على أَلْفَاظِ الْأَسْمَاءِ دُونَ مَعَانِيهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَّمَهُ إيَّاهَا بِاللُّغَةِ التي يَتَكَلَّمُ بها وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ وَعَلَّمَهَا آدَم وَلَدَهُ فلما تَفَرَّقُوا تَكَلَّمَ كُلُّ قَوْمٍ منهم بِلِسَانٍ اسْتَسْهَلُوهُ منها وَأَلِفُوهُ ثُمَّ نَسُوا غَيْرَهُ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ أَصْبَحُوا وَكُلُّ قَوْمٍ منهم يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ قد نَسُوا غَيْرَهَا في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِثْلُ هذا في الْعُرْفِ مُمْتَنِعٌ ا هـ وَعَزَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ التَّوْقِيفَ لِأَصْحَابِهِمْ وَالِاصْطِلَاحُ لِأَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيقُ بِاللُّغَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الشَّرْعِ من غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى الشَّرْعِ وَبَنَوْا أَنَّ حُكْمَ الرَّهْنِ الْحَبْسُ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عنه وَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِاللُّغَةِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَاضِعِينَ في الْأَصْلِ كَانُوا جُهَّالًا وَضَعُوا عِبَارَاتٍ لِمُعَبَّرَاتٍ لَا لِمُنَاسَبَاتٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ وَصَارَتْ لُغَةً انْتَهَى وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ أو تَوْقِيفِيَّةٌ فَاخْتَارَ ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ أنها مُتَلَاحِقَةٌ بَعْضُهَا يَتْبَعُ بَعْضًا لَا أنها وُضِعَتْ في وَقْتٍ وَاحِدٍ قال وهو قَوْلُ أبي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ وهو الصَّوَابُ على مَعْنَى أَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَ في أَوَّلِ الْأَمْرِ شيئا ثُمَّ اُحْتِيجَ لِلزِّيَادَةِ عليه لِحُصُولِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ فَزِيدَ فيه شيئا فَشَيْئًا إلَّا أَنَّهُ على قِيَاسِ ما سَبَقَ منها في حُرُوفِهِ وقد سَبَقَ مِثْلُهُ عن ابْنِ فَارِسٍ فَائِدَةٌ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ ذَكَرَهَا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ فقال أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا على أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ شَيْءٍ منها بِالْقِيَاسِ وَإِنْ كان في مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَجَوَّزَهُ مُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ قال وَأَمَّا أَسْمَاءُ غَيْرِهِ فَالصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقِيَاسِ فيها وقال بَعْضُ أَصْحَابِهِ مع أَكْثَرِ أَهْلِ الرَّأْيِ بِامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ لو حَدَثَ في الْعَالَمِ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا جَازَ أَنْ يُوضَعَ له اسْمٌ وَاخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّتِهِ فَمِنْهُمْ من قال نُسَمِّيهِ بِاسْمِ الشَّيْءِ الْقَرِيبِ منه في صُورَتِهِ وَيَكُونُ ذلك من جُمْلَةِ اللُّغَةِ التي قِيسَ عليها وَمِنْهُمْ من قال ابْتَدَأَ له اسْمًا كَيْفَ كان وَيَكُونُ ذلك لُغَةً مُخْتَصَّةً بِالْمُسَمَّى بها ا هـ وقال الْمُقْتَرِحُ في شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَطْلَقَ أَئِمَّتُنَا أَنَّ الْقِيَاسَ يَجْرِي في أَسْمَاءِ اللَّهِ فَانْحَصَرَ مَدَارِكُهَا في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ الْوَارِدُ في السُّنَّةِ في أَسْمَاءِ اللَّهِ مُتَوَاتِرًا فيه خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ كَيْفِيَّةُ مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ إلَى مَعْرِفَةِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ السَّابِعُ في كَيْفِيَّةِ مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ إلَى مَعْرِفَةِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِمَعَانِيهَا وهو إمَّا بِالنَّقْلِ الصِّرْفِ أو بِالْعَقْلِ الصِّرْفِ أو الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ النَّقْلُ وهو إمَّا مُتَوَاتِرٌ كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وهو مُفِيدٌ لِلْقَطْعِ وَإِمَّا آحَادٌ كَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِ وهو مُفِيدٌ لِلظَّنِّ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَى الْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ عن السَّمْنَانِيِّ في مَسْأَلَةِ الْعُمُومِ أَنَّ اللُّغَةَ لَا تَثْبُتُ بِالْآحَادِ وَكَأَنَّهُ قَوْلُ الْوَاقِفِيَّةِ في صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْأَمْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً في بَابِ الْعَمَلِيَّاتِ وَالْأَحْكَامِ أَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَائِدِ فَلَا لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْقَطْعَ قال في الْمَحْصُولِ وَالْعَجَبُ من الْأُصُولِيِّينَ حَيْثُ أَقَامُوا الدَّلِيلَ على أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ ولم يُقِيمُوا الدَّلِيلَ على ذلك في اللُّغَةِ وكان هذا لِأَنَّ إثْبَاتَ اللُّغَةِ كَالْأَصْلِ لِلتَّمَسُّكِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الذي دَلَّ على حُجِّيَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ في الشَّرْعِ على التَّمَسُّكِ بِهِ في نَقْلِ اللُّغَةِ آحَادًا إذَا وُجِدَتْ الشَّرَائِطُ فَلَعَلَّهُمْ أَهْمَلُوا ذلك اكْتِفَاءً منهم بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ على أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ وَأَوْرَدَ في الْمَحْصُولِ تَشْكِيكَاتٍ كَثِيرَةً على نَقْلِ اللُّغَةِ وَنَاقِلِهَا وَمِنْ جَيِّدِ أَجْوِبَتِهَا أنها على قِسْمَيْنِ فَمِنْهُ ما يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مَدْلُولُهُ فَيَنْدَفِعُ عِنْدَ جَمِيعِ التَّشْكِيكَاتِ إذْ لَا تَشْكِيكَ في الضَّرُورِيَّاتِ وَالْأَكْثَرُ في اللُّغَةِ هو هذا وَمِنْهُ ما ليس كَذَلِكَ فَيُكْتَفَى فيه بِالظَّنِّ وَنَقْلِ الْآحَادِ وقال أبو الْفَضْلِ بن عَبْدَانَ في شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ وَتَبِعَهُ الْجِيلِيُّ في الْإِعْجَازِ وَلَا يَلْزَمُ اللُّغَةَ إلَّا بِخَمْسِ شَرَائِطَ أَحَدُهَا ثُبُوتُ ذلك عن الْعَرَبِ بِنَقْلٍ صَحِيحٍ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ وَالثَّانِي عَدَالَةُ النَّاقِلِينَ كما يُعْتَبَرُ عَدَالَتُهُمْ في الشَّرْعِيَّاتِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ عَمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ في أَصْلِ اللُّغَةِ كَالْعَرَبِ الْعَارِبَةِ مِثْلِ قَحْطَانَ وَمَعْدٍ وَعَدْنَانَ فَأَمَّا إذَا نَقَلُوا عَمَّنْ بَعْدَهُمْ بَعْدَ فَسَادِ لِسَانِهِمْ وَاخْتِلَافِ الْمُوَلَّدِينَ فَلَا قُلْت وَوَقَعَ في كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ الِاسْتِشْهَادُ بِشِعْرِ أبي تَمَّامٍ بَلْ في الْإِيضَاحِ لِلْفَارِسِيِّ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِتَقْرِيرِ النَّقَلَةِ كَلَامَهُمْ وَأَنَّهُ لم يَخْرُجْ عن قَوَانِينِ الْعَرَبِ وقال ابن جِنِّي يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْمُوَلَّدِينَ في الْمَعَانِي كما يُسْتَشْهَدُ بِشِعْرِ الْعَرَبِ في الْأَلْفَاظِ وَالرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ قد سمع منهم حِسًّا وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَلَا يَثْبُتُ وَالْخَامِسُ أَنْ يَسْمَعَ من النَّاقِلِ حِسًّا ا هـ الثَّانِي الْعَقْلُ قال الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وهو لَا يُفِيدُ وَحْدَهُ إذْ لَا مَجَالَ له في مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ الثَّالِثُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا كما إذَا نَقَلَ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إخْرَاجُ ما لَوْلَاهُ لَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ فإن الْعَقْلَ يُدْرِكُ ذلك وَأَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ لِلْعُمُومِ وهو يُفِيدُ الْقَطْعَ إنْ كانت مُقَدِّمَاتُهُ كُلُّهَا قَطْعِيَّةً وَالظَّنَّ إنْ كان منها شَيْءٌ ظَنِّيٌّ وَاعْتَرَضَ في الْمَحْصُولِ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمُقَدَّمَتَيْنِ النَّقْلِيَّتَيْنِ على النَّتِيجَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّاقِضَةَ مَمْنُوعَةٌ على الْوَاضِعِ وَهَذَا إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا قُلْنَا إنَّ الْوَاضِعَ هو اللَّهُ تَعَالَى وقد بَيَّنَّا أَنَّ ذلك غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هذا الْقِسْمَ لَا يَخْرُجُ عن الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ إذْ ليس الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ أَنْ يَكُونَ النَّقْلُ مُسْتَقِلًّا بِالدَّلَالَةِ من غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْعَقْلِ فيه أَلَا تَرَى أَنَّ صِدْقَ الْمُخَبِّرِ لَا بُدَّ منه وهو عَقْلِيٌّ وقد قال سُلَيْمٌ في بَابِ الْمَفْهُومِ من التَّقْرِيبِ تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِالْعَقْلِ لِأَنَّ له مَدْخَلًا في الِاسْتِدْلَالِ بِمَخَارِجِ كَلَامِهِمْ على مَقَاصِدِهِمْ وَمَوْضُوعَاتِهِمْ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ قد تُعْلَمُ اللُّغَةُ بِالْقَرَائِنِ قال ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ من قال إنَّ اللُّغَةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا نَقْلًا فَقَدْ أَخْطَأَ فَإِنَّهَا قد تُعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ أَيْضًا فإن الرَّجُلَ إذَا سمع قَوْلَ الشَّاعِرِ قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أَبَدًا نَاجِذَيْهِ لهم طَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا يُعْلَمُ أَنَّ الزَّرَافَاتِ بِمَعْنَى الْجَمَاعَاتِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي قال عبد اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ في شَرْحِ الْخُطَبِ النَّبَاتِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ اللُّغَوِيَّ شَأْنُهُ أَنْ يَنْقُلَ ما نَطَقَتْ بِهِ الْعَرَبُ وَلَا يَتَعَدَّاهُ وَأَمَّا النَّحْوِيُّ فَشَأْنُهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَنْقُلُهُ اللُّغَوِيُّ وَيَقِيسُ عليه وَمِثَالُهُمَا الْمُحَدِّثُ وَالْفَقِيهُ فَشَأْنُ الْمُحَدِّثِ نَقْلُ الحديث بِرُمَّتِهِ ثُمَّ إنَّ الْفَقِيهَ يَتَلَقَّاهُ وَيَتَصَرَّفُ فيه وَيَبْسُطُ عِلَلَهُ وَيَقِيسُ عليه الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ قال أبو عَلِيٍّ فِيمَا حَكَاهُ ابن جِنِّي يَجُوزُ لنا أَنْ نَقِيسَ مَنْثُورَنَا على مَنْثُورِهِمْ وَشِعْرَنَا على شِعْرِهِمْ مَسْأَلَةٌ لِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الْأَلْسِنَةِ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ لِسَانُ الْعَرَبِ أَوْسَعُ الْأَلْسِنَةِ لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِهِ إلَّا نَبِيٌّ وَلَكِنَّهُ لَا يَذْهَبُ منه شَيْءٌ على عَامَّتِهَا وَالْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَالْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ لَا نَعْلَمُ رَجُلًا جَمَعَ السُّنَنَ فلم يَذْهَبْ منها عليه شَيْءٌ وَتُوجَدُ مَجْمُوعَةً عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وقال ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيِّ قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَلَامُ الْعَرَبِ لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا نَبِيٌّ قال وَهَذَا كَلَامٌ حَقِيقٌ أَنْ لَا يَكُونَ صَحِيحًا وما بَلَغْنَا عن أَحَدٍ من الْمَاضِينَ أَنَّهُ ادَّعَى حِفْظَ اللُّغَةِ كُلِّهَا وَأَمَّا ما وَقَعَ في آخِرِ كِتَابِ الْخَلِيلِ هذا آخِرُ كَلَامِ الْعَرَبِ فَالْخَلِيلُ أَتْقَى لِلَّهِ من أَنْ يَقُولَ ذلك قال وَذَهَبَ عُلَمَاؤُنَا أو أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّ الذي انْتَهَى إلَيْنَا من كَلَامِ الْعَرَبِ هو الْأَقَلُّ وَلَوْ جَاءَنَا جَمِيعُ ما قَالُوهُ لَجَاءَ شِعْرٌ كَثِيرٌ وَكَلَامٌ كَثِيرٌ وَأَحْرَى بهذا الْقَوْلِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مسألة الِاحْتِجَاجُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ قال ابن فَارِسٍ لُغَةُ الْعَرَبِ يُحْتَجُّ بها فِيمَا اُخْتُلِفَ فيه إذَا كان التَّنَازُعُ في اسْمٍ أو صِفَةٍ أو شَيْءٍ مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ من سُنَنِهَا في حَقِيقَةٍ أو مَجَازٍ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا ما سَبِيلُهُ الِاسْتِنْبَاطُ وما فيه لِدَلَائِلِ الْعَقْلِ مَجَالٌ فإن الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ فيه سَوَاءٌ وَأَمَّا خِلَافُ الْفُقَهَاءِ في الْقُرْءِ وَالْعَوْدِ في الظِّهَارِ وَنَحْوِهِ فَمِنْهُ ما يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ فيه بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَمِنْهُ ما يُوَكَّلُ إلَى غَيْرِ ذلك قال وَيَقَعُ في الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ لُغَتَانِ كَالصِّرَامِ وَثَلَاثٌ كَالزُّجَاجِ وَأَرْبَعٌ كَالصَّدَاقِ وَخَمْسٌ كَالشِّمَالِ وَسِتٌّ كَالْقِسْطَاسِ وَلَا يَكُونُ أَكْثَرُ من هذا ا هـ قُلْت وَهَذَا غَرِيبٌ فَقَدْ حَكَوْا في الْأُصْبُعِ عَشْرَ لُغَاتٍ وَكَذَا الْأُنْمُلَةُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَقِيلَ في أُفٍّ خَمْسُونَ لُغَةً مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ اللُّغَةِ بِالْقِيَاسِ لَا خِلَافَ في ثُبُوتِ اللُّغَةِ بِالنَّقْلِ وَالتَّوْقِيفِ وَهَلْ تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ فيه قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ فَذَهَبَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَتِلْمِيذُهُ ابن حَاتِمٍ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِهِ اللَّامِعِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ مَأْخُوذَةٌ من اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ وَنَقَلَهُ عن مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ وَنَقَلَهُ في الْمَحْصُولِ عن مُعْظَمِ أَصْحَابِنَا وَعَنْ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ عن الْعِرَاقِيِّينَ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَاخْتَارَهُ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ من الْمَالِكِيَّةِ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ إلَّا أَنَّهُمَا وَهِمَا في النَّقْلِ عن الْقَاضِي فَنَقَلَا عنه الْجَوَازَ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ إنَّمَا هو الْمَنْعُ وَكَذَا نَقَلَهُ عنه الْمَازِرِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ ابن جِنِّي وابن سِيدَهْ في كِتَابِ الْقَوَافِي عن النَّحْوِيِّينَ قال لِأَنَّ الْعَرَبَ قد فَرَغَتْ من تَسْمِيَةِ الْأَشْيَاءِ فَلَيْسَ لنا أَنْ نَبْتَدِعَ أَسْمَاءً كما أَنَّهُ ليس لنا أَنْ نُطْلِقَ الِاشْتِقَاقَ على جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لِئَلَّا يَقَعَ اللَّبْسُ في اللُّغَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْبَيَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ سَمَّوْا الزُّجَاجَةَ قَارُورَةً لِاسْتِقْرَارِ الشَّيْءِ فيها فَلَيْسَ لنا أَنْ نُسَمِّيَ الْجُبَّ وَالْبَحْرَ قَارُورَةً لِاسْتِقْرَارِ الْمَاءِ فِيهِمَا وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ على الْجَوَازِ قُلْت منهم أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وابن سُرَيْجٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ فإنه قال في الشُّفْعَةِ إنَّ الشَّرِيكَ جَارٍ وَقَاسَهُ على تَسْمِيَةِ الْعَرَبِ امْرَأَةَ الرَّجُلِ جَارَهُ وقال ابن فُورَكٍ إنَّهُ الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذْ قال الشَّرِيكُ جَارٌ في مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ يُقَالُ امْرَأَتُك أَقْرَبُ إلَيْك أَمْ جَارُك وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن الْبَصْرِيِّينَ من النَّحْوِيِّينَ وقال في الْمَحْصُولِ نَقَلَ ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْمَازِنِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ قال وما اصْطَلَحَ عليه الْعَرُوضِيُّونَ من أَسْمَاءِ الْبُحُورِ وَغَيْرِهِ فإنه على التَّشْبِيهِ وَالنَّقْلِ لِمَا وَضَعَتْهُ الْعَرَبُ في أَوَّلِيَّةِ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ وقال ابن فَارِسٍ في فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ إلَّا من شَذَّ منهم أَنَّ في لُغَةِ الْعَرَبِ قِيَاسًا وهو قَوْلُ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ تَكَلَّمْت يَوْمًا مع أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَنَصَرْت الْقَوْلَ بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَسَامِي قِيَاسًا فقال من يقول بهذا يَلْزَمُهُ ما يَلْزَمُ ابْنَ دُرُسْتَوَيْهِ قال وكان ابن دُرُسْتَوَيْهِ رَجُلًا كَبِيرًا في النَّحْوِ وَاللُّغَةِ غير أَنَّهُ كان يُتَّهَمُ في دِينِهِ فقال ابن دُرُسْتَوَيْهِ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَسَامِي قِيَاسًا إذَا كان مِمَّا يُقَاسُ عليه فَمِمَّا أُخِذَ وَاشْتُقَّ اسْمُهُ من مَعْنًى فيه مِثْلَ الْقَارُورَةِ تُسَمَّى قَارُورَةً لِاسْتِقْرَارِ الْمَاءِ فيها فَلِكُلِّ ما في مَعْنَاهَا يَكُونُ قَارُورَةً قِيلَ وَأَيْشِ يقول في الْجُبِّ يَسْتَقِرُّ الْمَاءُ فيه هل يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى قَارُورَةً قال نعم قِيلَ فما تَقُولُ في الْبَحْرِ وَالْحَوْضِ فَالْتَزَمَ ذلك وَرَكَّبَ الْبَابَ كُلَّهُ فَاسْتَبْشَعُوا ذلك منه وَشَنَّعُوا عليه فَقُلْت لِأَبِي الْحُسَيْنِ أَيْشٍ إذَا أَخْطَأَ وَاحِدٌ في الْقِيَاسِ بَلْ كان من سَبِيلِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ فيه بِنَوْعٍ من الِاحْتِرَازِ بِأَنْ يَقُولَ ما يَسْتَقِرُّ الْمَاءُ فيه وَيَخِفُّ على الْيَدِ وَنَحْوُهُ وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ جَائِزٌ إلَّا أَنَّهُ لم يَقَعْ وَكَذَا قال ابن فُورَكٍ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا في الْوُقُوعِ على وَجْهَيْنِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ إثْبَاتِ الْأَسَامِي شَرْعًا وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا لُغَةً وهو الذي اخْتَارَهُ ابن سُرَيْجٍ وَيُخَرَّجُ مِمَّا سَيَأْتِي في عَلَامَاتِ الْحَقِيقَةِ مَذْهَبٌ آخَرُ وهو الْفَرْقُ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَيَجُوزُ الْقِيَاسُ في حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَيَمْتَنِعُ فِيمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مَجَازًا احْتَجَّ الْمَانِعُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ إلْحَاقُ مَسْكُوتٍ عنه بِمَنْطُوقٍ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ في اللُّغَةِ لِأَنَّ الْفَرْعَ لم يَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ فلم يَكُنْ من لُغَتِهَا وَإِنْ أُرِيدَ إلْحَاقُهُ بِمَا نَطَقَتْ بِهِ فَهُوَ وَضْعٌ من جِهَتِهِ لَا من جِهَتِهِمْ فَلَا يَكُونُ من لُغَتِهِمْ وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُ بِالْإِجْمَاعِ على جَوَازِ الْقِيَاسِ في الِاشْتِقَاقِ وَالنَّحْوِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ النَّحْوِيَّ تَصَرُّفٌ في أَحْوَالِ الْكَلِمِ فَلَيْسَ وَضْعًا مُسْتَأْنَفًا بِخِلَافِ وَضْعِ ذَوَاتِ الْكَلِمِ وَالْأَقْيِسَةُ النَّحْوِيَّةُ ليس فيها شَيْءٌ مَسْكُوتٌ عنه بَلْ إمَّا مَنْطُوقٌ بِعَيْنِهِ أو بِنَظِيرِهِ وَمِنْ مُهِمَّاتِ هذا الْأَصْلِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ إلْحَاقُ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ في الِاسْمِ حتى يُحْكَمَ بِتَحْرِيمِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَنَحْنُ وَإِنْ لم نَقُلْ بِالْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ فَنَحْنُ نَحْكُمُ بِتَحْرِيمِ قَلِيلِ النَّبِيذِ تَمَسُّكًا بِأَصْلِ الِاسْمِ فإن الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ خَمْرًا كما قال عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَهَمَتْ الْعَرَبُ منها تَحْرِيمَ النَّبِيذِ وَغَيْرِهِ فإن أَقْوَامًا أَرَاقُوا ما كان عِنْدَهُمْ من النَّبِيذِ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا اسْتِفْسَارٍ فَدَلَّ على أَنَّهُ من لُغَتِهِمْ وَاصْطِلَاحِهِمْ ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ في الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَعَانِي الدَّائِرَةِ مع الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ فيها وُجُودًا وَعَدَمًا كَالْخَمْرِ اسْمٌ لِلْمُسْكِرِ الْمُعْتَصِرِ من الْعِنَبِ لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَعْنَى الذي من أَجْلِهِ وُضِعَ اسْمُ الْمَنْصُوصِ عليه أَمَّا الْأَعْلَامُ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلَا يَجْرِي فيها وِفَاقًا قَالَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالْمَازِرِيُّ قال وَالْمَعْنَى فيه كَوْنُهَا غير مُعَلَّلَةٍ فَهِيَ كَالْمَنْصُوصِ لَا تُعَلَّلُ قال وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ الصَّادِرَةِ في مَعَانٍ مَعْقُولَةٍ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَى وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْخِلَافَ في الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ دُونَ الْجَوَامِدِ وَأَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ وَنَازَعَهُ الْمُقْتَرِحُ بِأَنَّ الْمُشْتَقَّةَ قد نُقِلَ عنها في الْعَرَبِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ طَرَدُوا فيه الِاشْتِقَاقَ وَقِسْمٌ مَنَعُوهُ فيه وَقِسْمٌ لم يُعْلَمْ هل طَرَدُوهُ أو مَنَعُوهُ قال وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا نِزَاعٌ لِأَنَّا إذَا عَلِمْنَا الِاشْتِقَاقَ كان هذا مَأْخُوذًا من اللَّفْظِ لَا من طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَإِنْ عَلِمْنَا الْمَنْعَ من طَرْدِ الِاشْتِقَاقِ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ لِئَلَّا يُلْتَحَقَ بِلُغَتِهِمْ ما ليس فيها فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ في الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّا إذَا شَكَكْنَا في أَنَّهُمْ أَجَازُوا الِاطِّرَادَ أو مَنَعُوهُ فَتَعَيَّنَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا السَّمْعُ ولم يُنْقَلْ لنا عن الْعَرَبِ مَنْعٌ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ ليس من مَحَلِّ الْخِلَافِ ما عُلِمَ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوهُ لِمَعْنًى يَشْمَلُ الْجُزَيْئَاتِ فإنه لَا خِلَافَ في أَنَّ إطْلَاقَهُ على الْجُزْئِيَّاتِ ليس بِقِيَاسٍ وَلَا يَجْرِي أَيْضًا فِيمَا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ إرَادَةٌ إلَى الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ وَإِنْ لم يُعْلَمْ نَصُّهُمْ أَنَّ الْمَوْضُوعَ هو الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُنَا رَجُلٌ وَالثَّانِي قَوْلُنَا الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ وَالْمَفْعُولُ مَنْصُوبٌ بَلْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَطْلَقُوا اسْمًا مُشْتَمِلًا على وَصْفٍ وَاعْتَقَدْنَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ فَأَرَدْنَا تَعَدِّيَةَ الِاسْمِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ كما إذَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ التَّخْمِيرِ فَعَدَّيْنَاهُ إلَى النَّبِيذِ وَكَذَا قال ابن الْحَاجِبِ إنَّ الْخِلَافَ لَا يَجْرِي فِيمَا ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ قال ما طَرِيقُ اللُّغَةِ من اسْمٍ أو إعْرَابٍ هل يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى ثُبُوتِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ وَبِهِ قال أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ ا هـ وَجَعَلَ في الْإِرْشَادِ مَحَلَّ الْخِلَافِ ما إذَا أُرِيدَ إلْحَاقُ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ بِقِيَاسٍ لُغَوِيٍّ أو الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ بِقِيَاسٍ شَرْعِيٍّ قال فَإِنْ أُرِيدَ إلْحَاقُهُ بِهِ بِقِيَاسٍ شَرْعِيٍّ لم يَجُزْ قَطْعًا لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ سَابِقَةٌ على الشَّرْعِ فلم يَصِحَّ إثْبَاتُهَا بِعِلَلٍ شَرْعِيَّةٍ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ يَمْتَنِعُ إثْبَاتُ الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ بِقِيَاسٍ شَرْعِيٍّ مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِيمَنْ وَطِئَ الْغُلَامَ أَنَّهُ يُسَمَّى زِنًى لِأَنَّهُ وَطِئَ في فَرْجٍ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ سَابِقَةٌ لِلشَّرْعِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ وَإِنَّمَا الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِقِيَاسٍ شَرْعِيٍّ مِثْلُ تَسْمِيَةِ هذه الْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ صَلَاةٌ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ تَحْرِيرُ النِّزَاعِ أَنَّ صِيَغَ التَّصَارِيفِ على الْقِيَاسِ ثَابِتٌ في كل مَصْدَرٍ نُقِلَ بِالِاتِّفَاقِ إذْ هو في حُكْمِ الْمَنْقُولِ وَتَبْدِيلُ الْعِبَارَاتِ مُمْتَنِعٌ بِالِاتِّفَاقِ كَتَسْمِيَةِ الْفَرَسِ دَارًا وَالدَّارِ فَرَسًا وَمَحَلُّ النِّزَاعِ في الْقِيَاسِ على عِبَارَةٍ تُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى وهو حَائِدٌ عن نَهْجِ الْقِيَاسِ كَقَوْلِهِمْ لِلْخَمْرِ خَمْرٌ لِأَنَّهُ يُخَامِرُ الْعَقْلَ فَهَلْ يُقَاسُ عليه سَائِرُ الْمُسْكِرَاتِ جَوَّزَهُ الْأُسْتَاذُ وَالْمُخْتَارُ مَنْعُهُ وهو مَذْهَبُ الْقَاضِي ا هـ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْقِيَاسُ لَا يَكُونُ إلَّا على عِلَّةٍ وَالْأَسْمَاءُ لَا قِيَاسَ لها وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ كَالْحَدِّ لِلشَّيْءِ وَالْعِلْمِ عليه وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ في كل مَحَلٍّ يَصْلُحُ الْجَرْيُ فيه على مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ ولم يَظْهَرْ من أَهْلِ اللُّغَةِ فيه قَصْدُ الْقَصْرِ أو التَّعَدِّيَةِ كَتَسْمِيَةِ عَصِيرِ الْعِنَبِ خَمْرًا من الْمُخَامَرَةِ أو التَّخْمِيرِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ أَجْمَعُوا على أَنَّ إثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ بِالْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ جَائِزٌ إذَا كان الِاسْمُ اسْمَ مَعْنًى وكان الْقِيَاسُ مَأْذُونًا فيه من أَهْلِ اللُّغَةِ كَالِاشْتِقَاقِ أَمَّا هل يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَسْمَاءِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ أو لَا وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ إلَى الْجَوَازِ فَأَثْبَتُوا لِنَبِيذِ التَّمْرِ اسْمَ الْخَمْرِ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ أَوْجَبُوا الْحَدَّ بِشُرْبِهِ وَأَثْبَتُوا لِفِعْلِ اللِّوَاطِ اسْمَ الزِّنَى بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ أَوْجَبُوا حَدَّ الزِّنَى فِيهِمَا بِالنَّصِّ وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ أَلْفَاظٍ مُبْتَكَرَةٍ بِالْقِيَاسِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَاتَّفَقُوا على أَنَّ ما حَدَثَ بَعْدَهُمْ مِمَّا لم يَضَعُوا له اسْمًا ولم يَكُنْ عِنْدَهُمْ فلم يَعْرِفُوهُ في وَقْتِهِمْ فَلَنَا أَنْ نُسَمِّيَهُ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في كَيْفِيَّتِهِ فقال من جَوَّزَ أَخْذَ الْأَسَامِي قِيَاسًا إنَّا نَقِيسُ ما لم نَعْرِفْهُ فَنَعْزِيهِ إلَى ما يُشْبِهُ فَيَكُونُ ذلك على لِسَانِ الْعَرَبِ بِأَصْلِهَا وقال من امْتَنَعَ منه إنَّا نُسَمِّيهِ بِمَا شِئْنَا لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ ذلك من لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنَّهُ كما يُعَرَّبُ من كَلَامِ الْفَرَسِ لِلْحَاجَةِ تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ الْقِيَاسُ في الْمَجَازِ الْخِلَافُ في الْقِيَاسِ في اللُّغَةِ كما يَجْرِي في الْحَقِيقَةِ في الْمَجَازِ أَيْضًا وَأَشَارَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ إلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ في الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَنْعَ في الْقِيَاسِ في الْمَجَازِ لَا يُوقِعُ في ضَرُورَةٍ لِبَقَاءِ اسْمِ الْحَقِيقَةِ وَلَوْ مَنَعْنَا الْقِيَاسَ في الْحَقِيقَةِ بَقِيَتْ بِغَيْرِ اسْمٍ وقد يُحْتَاجُ إلَى التَّعْبِيرِ عنها فَيُوقِعُ مَنْعُ الْقِيَاسِ في ضَرَرٍ قال الْمَازِرِيُّ هذا إنَّمَا يَتِمُّ له في ذَاتٍ لَا اسْمٍ لها أَصْلًا في لِسَانِ الْعَرَبِ الْمَجَازُ أَخْفَضُ رُتْبَةً من الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَجَازَ أَخْفَضُ رُتْبَةً من الْحَقِيقَةِ فَيَجِبُ تَمْيِيزُ الْحَقِيقَةِ عليه وقد مَنَعَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الْقِيَاسَ في الْمَجَازِ قال فَلَا يُقَالُ سَأَلْت الثَّوْبَ قِيَاسًا على قَوْلِهِمْ سَأَلْت الرَّبْعَ وقال أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ في مَسْأَلَةِ التَّرْتِيبِ من خِلَافِهِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ على أَنَّ الْمَجَازَ لَا يُقَاسُ عليه في مَوْضِعِ الْقِيَاسِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي قِيلَ هذا الْخِلَافُ في نَفْسِ اللُّغَةِ أَمَّا حُكْمُهَا فَلَا خِلَافَ فيه كَقِيَاسِ النَّحْوِيِّ إنَّ النَّافِيَةِ في الْعَمَلِ على ما النَّافِيَةِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا وَضْعًا على حَرْفَيْنِ كَنَفْيِ الْحَالِ وَهَذَا عَجِيبٌ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ في اللُّغَةِ وَهِيَ غَيْرُ النَّحْوِ وَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ النَّحْوَ بِالْقِيَاسِ وهو الْعِلْمُ بِمَقَايِيسِ كَلَامِ الْعَرَبِ قال ابن خَرُوفٍ لَمَّا كان كَلَامُ الْعَرَبِ لَا يُضْبَطُ بِالْحِفْظِ انْتَدَبَ له الْأَئِمَّةُ وَوَضَعُوا له قَوَانِينَ يُعْلَمُ بها كَلَامُهُمْ فَصَارَ النَّوْعُ الذي يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ هو الذي يُسَمَّى بِالنَّحْوِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالنَّوْعُ الذي لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ هو اللُّغَةُ وَيَسْتَوِي في حَمْلِهِ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ لِأَنَّهُ قَيْدُ اللَّفْظِ وَلِذَلِكَ قال ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ قال لي أبو عَلِيٍّ وَلِأَنَّ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً من الْقِيَاسِ أَنْبَهُ وَأَنْبَلُ من كِتَابِ لُغَةٍ عِنْدَ عُيُونِ الناس وقال لي أَيْضًا أَخْطَأُ في خَمْسِينَ مَسْأَلَةً من اللُّغَةِ وَلَا أَخْطَأُ في وَاحِدَةٍ من الْقِيَاسِ قال ابن جِنِّي وَصَدَقَ لِأَنَّهُ بِالْقِيَاسِ ضُبِطَ كَلَامُهُمْ وَجَمَعُوا الْكَثِيرَ الذي لَا يَضْبِطُهُ الْحِفْظُ الْقَلِيلُ بِالْقِيَاسِ وَاسْتَغْنَوْا بِهِ عن حِفْظِ ما لَا يَنْحَصِرُ إذْ فَاتَهُمْ الْأَصْلُ عن الْعَرَبِ ا هـ مَسْأَلَةٌ تَغْيِيرُ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ حَكَى بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ من شَارِحِي الْبُرْهَانِ أَنَّ الناس اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْأَلْفَاظَ اللُّغَوِيَّةَ هل يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا حتى يُسَمَّى الثَّوْبُ دَارًا مَثَلًا قال فَاَلَّذِي أَجْمَعَ عليه الْعُلَمَاءُ أَنَّ ما تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ من الْأَلْفَاظِ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ إذْ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ الْحُكْمِ وما لم يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ فَإِنْ كان تَوْقِيفِيًّا فَمِنْ الناس من يقول لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وكان التَّوْقِيفُ حُكْمًا وَمِنْهُمْ من جَوَّزَ التَّغْيِيرَ وقال إمْكَانُ الْحُكْمِ ليس بِحُكْمٍ وَإِنَّمَا الْحُكْمُ بِالْخِطَابِ وَالْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ وقد سَبَقَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ في فَوَائِدِ الْخِلَافِ في أَنَّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ أَمْ لَا مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ بِالِاجْتِهَادِ هذا في الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ فَأَمَّا في الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ فَكَمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ يَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ تَبِعَهُ الِاسْمُ كما أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ الرِّبَا في الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ ثُمَّ أَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ غَيْرَهَا بها بِالِاجْتِهَادِ وَثَبَتَ بِذَلِكَ اسْمُ الرِّبَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ السَّلَمِ من كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْأَوْسَطِ الْمُنَاسَبَةُ في الْوَضْعِ الثَّامِنُ في عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ في الْوَضْعِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ على الْمَعْنَى لَيْسَتْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا بَلْ لِأَنَّهُ جُعِلَ عَلَامَةً عليه وَمُعَرَّفًا بِهِ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ وَذَهَبَ عَبَّادُ بن سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ على الْمَعْنَى لِمُنَاسَبَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بَيْنَهُمَا وَعَبَّرَ ابن الْجُوَيْنِيِّ عن هذا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ اللُّغَاتِ الْمَوْضُوعَةَ لِمَعَانِيهَا هل هو لِأَمْرٍ مَعْقُولٍ أو لَا وَالْأَوَّلُ قَوْلُ عَبَّادٍ ثُمَّ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ عنه أَنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ الْمَعْنَى بِذَاتِهِ من غَيْرِ وَاضِعٍ لِمَا بَيْنَهُمَا من الْمُنَاسَبَةِ الطَّبِيعِيَّةِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وهو الصَّحِيحُ عنه وَنَقَلَ صَاحِبُ الْأَحْكَامِ عنه أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ حَامِلَةٌ لِلْوَاضِعِ على أَنْ يَضَعَ وَفَصَّلَ الزَّجَّاجِيُّ بين أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ وَغَيْرِهَا فقال وَاضِعُ اللُّغَةِ أَجْرَى اللَّفْظَ على مُسَمَّيَاتِهَا لَمَعَانٍ تَتَضَمَّنَهَا أَسْمَاءُ الْأَلْقَابِ فإن قَوْلَنَا زَيْدٌ وَإِنْ كان مَأْخُوذًا من الزِّيَادَةِ فَلَيْسَ بِجَارٍ على مُسَمَّاهَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ فيه إلَّا تَعْرِيفُ شَخْصٍ من شَخْصٍ حَكَاهُ عنه الْوَاحِدِيُّ في الْبَسِيطِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَهَذَا الْمَذْهَبُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لو لم تَدُلَّ بِالْوَضْعِ وَإِنَّمَا دَلَّتْ بِذَوَاتِهَا لَكَانَتْ كَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَلَا تَخْتَلِفُ بِالْأَعْصَارِ وَالْأُمَمِ وَالِاخْتِلَافُ مَوْجُودٌ وَأَيْضًا لو كان كما قال لَاشْتَرَكَ فيه الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الْعَقْلِ وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقْطَعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَضِدِّهِ وَنَقْطَعُ بِوُقُوعِ اللَّفْظِ على الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ كَالْقُرْءِ الْوَاقِعِ على الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَالْجَوْرِ الْوَاقِعِ على الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ فَلَوْ كانت الدَّلَالَةُ لِمُنَاسَبَةٍ لَزِمَ أَنْ يُنَاسِبَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ النَّقِيضَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ بِالطَّبْعِ وهو مُحَالٌ فَلَا يَصِحُّ وَضْعُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لَهُمَا على هذا التَّقْدِيرِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِصِحَّةِ وَضْعِهِ لَهُمَا بَلْ بِوُقُوعِهِ قال السَّكَّاكِيُّ هذا الْمَذْهَبُ مُتَأَوَّلٌ على أَنَّ لِلْحُرُوفِ خَوَاصَّ تُنَاسِبُ مَعْنَاهَا من شِدَّةٍ وَضَعْفٍ وَغَيْرِهِ كَالْجَهْرِ وَالْهَمْسِ وَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُمَا إلَى غَيْرِ ذلك وَتِلْكَ الْخَوَاصُّ تَسْتَدْعِي على أَنَّ الْعَالِمَ بها إذَا أَخَذَ في تَعْيِينِ شَيْءٍ منها لِمَعْنًى لَا يُهْمِلُ التَّنَاسُبَ بَيْنَهُمَا قَضَاءً لِحَقِّ الْكَلِمِ كما تَرَى في الْفَصْمِ بِالْفَاءِ الذي هو حَرْفٌ رِخْوٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ من غَيْرِ أَنْ يَبِينَ وَالْقَصْمُ بِالْقَافِ الذي هو حَرْفٌ شَدِيدٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ حتى يَبِينَ وفي الزَّفِيرِ لِصَوْتِ الْحِمَارِ وَالزَّئِيرِ بِالْهَمْزِ الذي هو شَدِيدٌ لِصَوْتِ الْأَسَدِ وَأَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ كَالْفَعَلَانِ والفعلى بِالتَّحْرِيكِ كَالنَّزَوَانِ وَالْحَيَدَى وفعل بِضَمِّ الْعَيْنِ كَطَرُفَ وَشَرُفَ وَغَيْرِ ذلك خَوَاصٌّ أَيْضًا فَيَلْزَمُ فيها ما يَلْزَمُ في الْحُرُوفِ من اخْتِصَاصِ بَعْضِ الْمُرَكَّبَاتِ بِبَعْضِ الْمَعَانِي دُونَ بَعْضٍ كَاخْتِصَاصِ الْفَعَلَانِ والفعلى بِالْمُتَحَرِّكَاتِ وَاخْتِصَاصِ فَعُلَ بِأَفْعَالِ الطَّبَائِعِ وفي أَنَّ لِلْحُرُوفِ وَالْمُرَكَّبَاتِ خَوَاصَّ نَوْعُ تَأْثِيرٍ لَا نَفْسُ الْكَلِمَةِ في اخْتِصَاصِهَا بِالْمَعَانِي هذا حَاصِلُ تَأْوِيلِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ هذا الْقَائِلَ إنْ أَرَادَ أَنَّ هذه الْأَلْفَاظَ عِلَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِذَاتِهَا هذه الْمَعَانِي فَخَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ بين وَضْعِ الْأَلْفَاظِ وَمَعَانِيهَا تَنَاسُبًا من وَجْهٍ ما لِأَجْلِهَا حتى جَعَلَ هذه الْحُرُوفَ دَالَّةً على الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ كما يقول الْمُعَلِّلُونَ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إنَّ بين عِلَلِهَا وَأَحْكَامِهَا مُنَاسَبَاتٌ وَإِنْ لم تَكُنْ مُوجِبَةً لها وهو الظَّاهِرُ من كَلَامِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ من أَرْبَابِ عِلْمِ الْحُرُوفِ إذْ زَعَمُوا أَنَّ لِلْحُرُوفِ طَبَائِعَ في طَبَقَاتٍ من حَرَارَةٍ وَبُرُودَةٍ وَرُطُوبَةٍ وَيُبُوسَةٍ تُنَاسِبُ أَنْ يُوضَعَ لِكُلِّ مُسَمًّى ما يُنَاسِبُهُ من طَبِيعَةِ تِلْكَ الْحُرُوفِ لِيُطَابِقَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ يَزْعُمُ الْمُنَجِّمُونَ أَنَّ حُرُوفَ اسْمِ الشَّخْصِ مع اسْمِ أُمِّهِ وَاسْمِ أبيه تَدُلُّ على أَحْوَالِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا من الْمُنَاسَبَةِ فَإِنْ عَنَى عَبَّادٌ هذا فَالْبَحْثُ معه وَمَعَ هَؤُلَاءِ وَالرَّدُّ عليه بِمَا يَرُدُّ مَذْهَبَ الطَّبَائِعِيِّينَ في عِلْمِ الْكَلَامِ وَلَا يَنْفَعُ ما رَدُّوا بِهِ من وَضْعِ اللَّفْظِ لِلضِّدَّيْنِ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كما سَيَأْتِي وقال ابن الْحُوبِيِّ هل لِلْحُرُوفِ في الْكَلِمَاتِ خَوَاصٌّ أو وُضِعَتْ الْكَلِمَاتُ لِمَعَانِيهَا اتِّفَاقًا فَوُضِعَ الْبَابُ لِمَعْنًى وَالنَّابُ لِآخَرَ وكان من الْجَائِزِ وَضْعُ الْبَابِ لِمَعْنَى النَّابِ وَبِالْعَكْسِ فَنَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُعَلَّلُ وَلَا يُقَالُ لِمَ قِيلَ لِهَذَا الْمَعْنَى بَابٌ وَلِذَلِكَ جِدَارٌ قال وَلَا شَكَّ أَنَّ من الْحُرُوفِ ما هو مُسْتَحْسَنٌ وَمِنْهُ ما ليس كَذَلِكَ فَالْمُسْتَحْسَنُ إذَا ضُمَّ إلَيْهِ مُسْتَقْبَحٌ لم يَكُنْ مُنَاسِبًا غير أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ من كل لَفْظٍ وَمَعْنَاهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُمْكِنُ وَتَفْوِيتٌ لِلزَّمَانِ فَإِنْ اُتُّفِقَ في بَعْضِهَا أَنْ وَقَعَ في الذِّهْنِ شَيْءٌ من غَيْرِ تَفَكُّرٍ قِيلَ بِهِ كما يقول في الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ كَيْفَ جُعِلَ في الشِّدَّةِ الْحَرْفُ الشَّدِيدُ وهو الدَّالُ مُضَاعَفًا وَالرَّخَاءُ كَيْفَ جِيءَ فيه بِالْحُرُوفِ الرِّخْوَةِ قال وَهَذَا يَنْبَنِي على مَسْأَلَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ هل يُشْتَرَطُ في اخْتِيَارِهِ أَحَدُ الرَّافِعِينَ بِحَاجَتِهِ وُجُودُ مُرَجِّحٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فَالْجَائِعُ يَكُونُ أَكْلُهُ لِعِلَّةِ الشِّبَعِ أَمَّا اخْتِيَارُهُ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ لِشِبَعِهِ بَدَلًا عن الْآخَرِ لَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ فَالْوَضْعُ لِحِكْمَةٍ وَإِنَّمَا وُضِعَ الْبَابُ بِخُصُوصِهِ لِمَعْنَاهُ فَلَا سَبَبَ له قُلْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ ما إذَا تَعَارَضَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْعِبَارَاتِ لَا تُغْنِي لِأَعْيَانِهَا وَهِيَ في الْحَقِيقَةِ أَمَارَاتٌ مَنْصُوبَةٌ على الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ تقسيم الألفاظ تقسيم الدلالة الْأَوَّلُ في تَقْسِيمِ الدَّلَالَةِ وقد اُخْتُلِفَ فيها فَالصَّحِيحُ أنها كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ فَهِمَ منه الْمَعْنَى من كان عَالِمًا بِوَضْعِهِ له وقال ابن سِينَا إنَّهَا نَفْسُ الْفَهْمِ وَرُدَّ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ نِسْبَةٌ مَخْصُوصَةٌ بين اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَمَعْنَاهَا مُوجِبِيَّتُهُ تَخَيُّلَ اللَّفْظِ لِفَهْمِ الْمَعْنَى وَلِهَذَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ فَهْمِ الْمَعْنَى من اللَّفْظِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عليه وَالْعِلَّةُ غَيْرُ الْمَعْلُولِ فإذا كانت الدَّلَالَةُ غير فَهْمِ الْمَعْنَى من اللَّفْظِ لم يَجُزْ تَفْسِيرُهَا بِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ قد يَكُونُ مع الِاتِّحَادِ كما في كل حَدٍّ مع مَحْدُودِهِ نحو هذا إنْسَانٌ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَرَجَّحَ آخَرُونَ التَّفْسِيرَ الثَّانِيَ بِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بين مُخَاطَبَيْنِ وَحَصَلَ فَهْمُ السَّامِعِ منه قِيلَ هو لَفْظُ ذلك وَإِنْ لم يَحْصُلْ قِيلَ ليس بِذَلِكَ فَقَدْ دَارَ لَفْظُ الدَّلَالَةِ مع الْفَهْمِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَدَلَّ على أَنَّهُ مُسَمَّى الدَّلَالَةِ وَيَتَلَخَّصُ من هذا الْخِلَافِ خِلَافٌ آخَرُ في أَنَّ الدَّلَالَةَ صِفَةٌ لِلسَّامِعِ أو اللَّفْظِ وَالصَّحِيحُ الثَّانِي وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ سِينَا على أَنَّ مُرَادَهُ بِالْفَهْمِ الْإِفْهَامُ وَلَا يَبْقَى خِلَافٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَهْمَ صِفَةُ السَّامِعِ وَالْإِفْهَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ أو صِفَةُ اللَّفْظِ على سَبِيلِ الْمَجَازِ وَهَذِهِ دَلَالَةٌ بِالْقُوَّةِ أَمَّا الدَّلَالَةُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ إفَادَتُهُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ له وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ فيه شُرُوطًا ثَلَاثَةً أَنْ لَا يَبْتَدِئَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ وَلَا يَخْتِمَهُ بِمَا يُخَالِفُهُ وَأَنْ يَصْدُرَ عن قَصْدٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِكَلَامِ السَّاهِي النَّائِمِ وَالْقَصْدُ من هذا أَنْ يُجْعَلَ سُكُوتُ الْمُتَكَلِّمِ على كَلَامِهِ كَالْجُزْءِ من اللَّفْظِ وَيُلْتَحَقُ بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَهِيَ على الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ الدَّلَالَةِ بِاللَّفْظِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ بِاللَّفْظِ هِيَ الِاسْتِدْلَال بِهِ هو اسْتِعْمَالُهُ في الْمَعْنَى الْمُرَادِ فَهُوَ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَالدَّلَالَةُ صِفَةُ اللَّفْظِ أو السَّامِعِ وقد أَطْنَبَ الْقَرَافِيُّ في الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِمَا حَاصِلُهُ هذا وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى لَفْظِيَّةٍ وَغَيْرِ لَفْظِيَّةٍ وَالثَّانِيَةُ قد تَكُونُ وَضْعِيَّةً كَدَلَالَةِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ على وُجُودِ الشَّرْطِ وَعَقْلِيَّةً كَدَلَالَةِ الْأَثَرِ على الْمُؤَثِّرِ كَدَلَالَةِ الدُّخَانِ على النَّارِ وَبِالْعَكْسِ دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ وَالْأَوَّلُ أَعْنِي اللَّفْظِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى عَقْلِيَّةٍ كَدَلَالَةِ الصَّوْتِ على حَيَاةِ صَاحِبِهِ وَطَبِيعِيَّةٍ كَدَلَالَةِ أَحْ على وَجَعٍ في الصَّدْرِ وَوَضْعِيَّةٍ وَتَنْحَصِرُ في ثَلَاثَةٍ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ لِأَنَّ اللَّفْظَ إمَّا أَنْ يَدُلَّ على تَمَامِ ما وُضِعَ له أَوَّلًا وَالْأَوَّلُ الْمُطَابَقَةُ كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ على الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ جُزْءَ مُسَمَّاهُ أو لَا وَالْأَوَّلُ دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ على الْحَيَوَانِ وَحْدَهُ أو النَّاطِقِ وَحْدَهُ وَكَدَلَالَةِ النَّوْعِ على الْجِنْسِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عن مُسَمَّاهُ وَهِيَ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ له كَدَلَالَتِهِ على الْكَاتِبِ أو الضَّاحِكِ وَدَلَالَةِ الْفَصْلِ على الْجِنْسِ وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ تَعَرَّفَ حَدُّ كل وَاحِدٍ منها وقد اجْتَمَعَتْ الدَّلَالَةُ في لَفْظِ الْعَشَرَةِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ على كَمَالِ الْأَفْرَادِ مُطَابِقَةً على الْخَمْسَةِ تَضَمُّنًا وَعَلَى الزَّوْجِيَّةِ الْتِزَامًا وَالدَّلِيلُ على الْحَصْرِ أَنَّ الْمَعْنَى من دَلَالَةِ اللَّفْظِ على الْمَعْنَى عِنْدَ سَمَاعِهِ إمَّا وَحْدَهُ كما في الْمُطَابَقَةِ وَإِمَّا مع الْقَرِينَةِ كما في التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ فَلَوْ فُهِمَ منه مَعْنًى عِنْدَ سَمَاعِهِ ليس هو مَوْضُوعُهُ وَلَا جُزْءُ مَوْضُوعِهِ وَلَا لَازِمُهُ لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ على الْآخَرِ من غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِأَنَّ نِسْبَةَ ذلك اللَّفْظِ إلَى ذلك الْمَعْنَى كَنِسْبَتِهِ إلَى سَائِرِ الْمَعَانِي فَفَهْمُهُ دُونَ سَائِرِ الْمَعَانِي تَرْجِيحٌ من غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ قَيَّدَ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ بِقَوْلِهِ من حَيْثُ هو كَذَلِكَ وَاحْتَرَزَ بِهِ عن دَلَالَةِ اللَّفْظِ على الْجُزْءِ أو اللَّازِمِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ إذَا كان اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بين الْكُلِّ وَالْجُزْءِ أو بين الْكُلِّ وَاللَّازِمِ وَيُمَثِّلُونَهُ بِلَفْظِ الْإِمْكَانِ فإنه مَوْضُوعٌ لِلْإِمْكَانِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْعَامُّ جُزْءُ الْخَاصِّ كما تَقَرَّرَ في الْمَنْطِقِ من أَنَّ الْمُمْكِنَ الْعَامَّ في مُقَابَلَةِ الْمُمْتَنِعِ فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ على الْوَاجِبِ وَعَلَى ما ليس بِمُمْتَنِعٍ وَلَا وَاجِبٍ الذي هو الْمُمْكِنُ الْخَاصُّ فَهُوَ حِينَئِذٍ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ وَالْجُزْءِ قال بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وفي النَّفْسِ من هذا التَّمْثِيلِ شَيْءٌ فَلَعَلَّهُ ما وُضِعَ لِذَلِكَ بَلْ مَجْمُوعُ قَوْلِنَا إمْكَانُ عَامٍّ لَا أَحَدُهُمَا وَمَجْمُوعُ قَوْلِنَا إمْكَانُ خَاصٍّ لَا قَوْلِنَا إمْكَانٌ فَقَطْ فَلَا اشْتِرَاكَ حِينَئِذٍ قال وَأَخَذَ التَّمْثِيلَ بِأَحْسَنَ من ذلك بِلَفْظِ الْحَرْفِ فإنه مَوْضُوعٌ لِكُلِّ حُرُوفِ الْمَعَانِي وَلِجُزْئِهِ فإن لَيْتَ مَثَلًا حَرْفٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ من اللَّامِ وَالْيَاءِ التَّاءِ يُقَالُ له حَرْفٌ فَهَذَا هو اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ بين الْمُسَمَّى وَجُزْئِهِ وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ بين اللَّفْظِ وَلَازِمِهِ فَهُوَ عَسِرٌ مع إمْكَانِهِ انْتَهَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُمَثَّلَ له بِلَفْظِ مَفْعَلُ فإن أَهْلَ اللُّغَةِ نَقَلُوا أَنَّهُ اسْمٌ لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمَصْدَرِ وَهِيَ مُتَلَازِمَةٌ عَادَةً فَيَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلشَّيْءِ وَلَازِمِهِ إذْ لَا فِعْلَ إلَّا في زَمَانٍ أو مَكَان عَادَةً وَمِثْلُهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ بِفَعِيلٍ الْمُشْتَرَكِ بين الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ كَالرَّحِيمِ فإنه يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَرْحُومِ كما يَكُونُ بِمَعْنَى الرَّاحِمِ نَصَّ عليه الْجَوْهَرِيُّ هو إذَا دَلَّ على أَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ دَلَّ على الْآخَرِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لِكَوْنِهِ لَازِمًا له وهو أَيْضًا تَمَامُ مُسَمَّاهُ فَلَوْ لم يَقُلْ من حَيْثُ هو كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ فلم يَكُنْ التَّعْرِيفُ مَانِعًا إذَا عُرِفَ هذا فَقَدْ أَوْرَدَ على الْقَيْدِ الذي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ أَيْضًا في الْمُطَابَقَةِ احْتِرَازًا عن دَلَالَةِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بين الْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَبَيْنَ الْكُلِّ وَاللَّازِمِ على الْجُزْءِ أو اللَّازِمِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ أو الِالْتِزَامِ فإن كُلَّ وَاحِدَةٍ من هَاتَيْنِ الدَّلَالَتَيْنِ حِينَئِذٍ دَلَالَةٌ على تَمَامِ الْمُسَمَّى وَلَيْسَتْ مُطَابَقَةً وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إنَّمَا لم يَذْكُرْهُ فيها لِأَنَّ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُمَا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْمُطَابِقَةِ لِكَوْنِهِمَا تَابِعَيْنِ لها فَلَوْ جُعِلَ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ جُزْءًا من مَعْرِفَةِ الْمُطَابَقَةِ لِلِاحْتِرَازِ عنها لَزِمَ أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ قبل الْمُطَابَقَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَعْلُومًا قبل كَوْنِهِ مَعْلُومًا وهو مُحَالٌ قال وَلَا يَخْفَى عَلَيْك ما فيه وَبَعْضُهُمْ حَذَفَ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ في الثَّلَاثِ اعْتِبَارًا بِقَرِينَةِ ذِكْرِ التَّمَامِ وَالْجُزْءِ وَاللَّازِمِ وَصَاحِبُ التَّحْصِيلِ ذَكَرَهُ في الثَّلَاثِ قال الْقَرَافِيُّ وهو قَيْدٌ لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْإِمَامَ وَإِنَّمَا اكْتَفَى الْمُتَقَدِّمُونَ بِقَرِينَةِ التَّمَامِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَاللَّازِمِيَّةِ فَيُقَالُ لِلْإِمَامِ إنْ كانت هذه الْقَرَائِنُ كَافِيَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَيْدِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ في الثَّلَاثِ فما وَجْهُ تَخْصِيصِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ فَإِنَّا نَقُولُ في الْمُطَابَقَةِ كما يُمْكِنُ وَضْعُ الْعَشَرَةِ لِلْخَمْسَةِ يُمْكِنُ وَضْعُهَا لِلْخَمْسَةِ عَشَرَ فَيَصِيرُ له على جَمِيعِ ذلك دَلَالَتَانِ مُطَابِقَةٌ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَتَضَمُّنٌ بِاعْتِبَارِ الثَّانِي انْتَهَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ ما اُعْتُرِضَ بِهِ على الْإِمَامِ فإنه يَرَى أَنْ لَا يُمْكِنَ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ على الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِالْمُطَابَقَةِ مع التَّضَمُّنِ أو الِالْتِزَامِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ على الْمَعْنَى بِالْمُطَابَقَةِ بِالذَّاتِ وَبِهِمَا بِالْوَاسِطَةِ وَمِنْ الْمُحَالِ اجْتِمَاعُ دَلَالَتَيْ الذَّاتِ وَالْوَاسِطَةِ وإذا لم يَجْتَمِعَا كان اللَّفْظُ في حَالِ الِاشْتِرَاكِ بين الْكُلِّ وَالْجُزْءِ دَلَالَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْمُطَابَقَةُ لِأَنَّهَا أَقْوَى فَتَدْفَعُ الْأَضْعَفَ وإذا صَحَّتْ لَك هذه الْقَاعِدَةُ صَحَّ ما قَالَهُ ولم يَحْتَجْ أَنْ يَذْكُرَ الْقَيْدُ بِالْحَيْثِيَّةِ في دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُ في صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ بين الْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَلَيْسَ لِلَّفْظِ إلَّا دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ فَقَطْ لَا التَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ فلم يَحْتَجْ أَنْ يَحْتَرِزَ عنه بِقَوْلِهِ من حَيْثُ هو كَذَلِكَ وَأَمَّا في دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الْحَيْثِيَّةِ وَإِلَّا كان يَلْزَمُهُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ على الْجُزْءِ دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ في صُورَةِ الْمُشْتَرَكِ بين الْكُلِّ وَالْجُزْءِ وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إذْ دَلَّ بِالْمُطَابَقَةِ على الْجُزْءِ في تِلْكَ الصُّورَةِ فَقَدْ دَلَّ على جُزْءِ الْمُسَمَّى دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ فَدَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ هذا خُلْفٌ وَلَا يَلْزَمُ هذا على إطْلَاقِ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَلِلْبَحْثِ فيه مَحَالٌّ فَقَدْ نَازَعَ بَعْضُهُمْ الْإِمَامَ في هذا التَّقْيِيدِ وقال اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ على الْجُمْلَةِ فإن التَّضَمُّنَ لِلْجُزْءِ ثَابِتٌ عِنْدَ مُرَادِ الْمُطْلَقِ الْمَعْنَى الْمُرَكَّبَ من ذلك الْجُزْءِ وَغَيْرَهُ فإن مَدْلُولَ اللَّفْظِ هو جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ على أَجْزَاءٍ كُلُّ وَاحِدٍ منها إنَّمَا فُهِمَ ضِمْنًا وَتَبَعًا لِلْجُمْلَةِ وَإِنْ كان لِلْمُسْتَعْمِلِ أَنْ يُطْلِقَ ذلك اللَّفْظَ أَيْضًا على الْجُزْءِ وَلَكِنْ عِنْدَ دَلَالَتِهِ بهذا الْإِطْلَاقِ على ذلك الْجُزْءِ لَا يَكُونُ جُزْءًا من أَجْزَاءِ ذلك الْمَعْنَى بَلْ مُسْتَقِلًّا وَنَحْنُ لَا نُرِيدُ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ الْجُزْءُ تَضَمُّنًا وَيَكُونُ جُزْءًا من أَجْزَاءِ ذلك الْمَعْنَى وَلَا تَكُونُ الدَّلَالَةُ لَفْظِيَّةً لَكِنْ تَبَعِيَّةً فإذا اسْتَقَلَّتْ خَرَجَتْ عن كَوْنِهَا تَضَمُّنًا ولم يَبْقَ جُزْءٌ من أَجْزَاءِ ذلك الْمَعْنَى وَحِينَئِذٍ فَالْقَيْدُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَقْسَامُ اللَّازِمِ إنَّ اللَّازِمَ على قِسْمَيْنِ لَازِمٌ في الذِّهْنِ بِمَعْنَى أَنَّ الذِّهْنَ يُنْتَقَلُ إلَيْهِ عِنْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى وَيَلْزَمُ من تَصَوُّرِ الشَّيْءِ تَصَوُّرُهُ كَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ سَوَاءٌ كان لَازِمًا في الْخَارِجِ أَيْضًا كَالسَّرِيرِ في الِارْتِفَاعِ من الْأَرْضِ إذْ السَّرِيرُ كُلَّمَا وُجِدَ في الْأَرْضِ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ وَمَهْمَا تُصَوِّرَ في الذِّهْنِ فَهُوَ مُرْتَفِعٌ أو لم يَكُنْ كَالسَّوَادِ إذَا أُخِذَ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ضِدًّا لِلْبَيَاضِ فإن تَصَوُّرَهُ من هذه الْحَيْثِيَّةِ يَلْزَمُهُ تَصَوُّرُ الْبَيَاضِ فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ في الذِّهْنِ مُتَنَافِيَانِ في الْخَارِجِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذلك في اللَّازِمِ الْخَارِجِيِّ فَقَطْ كَالسَّرِيرِ مع الْإِمْكَانِ فإنه مَهْمَا وُجِدَ السَّرِيرُ في الْخَارِجِ فَهُوَ مُمْكِنٌ ضَرُورَةً وقد يُتَصَوَّرُ السَّرِيرُ وَيُذْهَلُ عن إمْكَانِهِ فَافْهَمْ هذا التَّقْرِيرَ فإنه الصَّوَابُ وفي عِبَارَاتِهِمْ إيهَامٌ وَاللَّازِمُ الثَّانِي في الْوُجُودِ وهو كَوْنُ الْمُسَمَّى بِحَيْثُ يَلْزَمُ من حُصُولِهِ في الْخَارِجِ حُصُولُ الْخَارِجِيِّ فيه إذَا عَرَفْت ذلك فَلَا خِلَافَ في أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ سَوَاءٌ كان في ذِهْنِ كل وَاحِدٍ كما في الْمُتَقَابِلَيْنِ أو عِنْدَ الْعَالِمِ بِالْوَضْعِ وزاد الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ظَاهِرًا لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَإِلَّا لم يَجُزْ إطْلَاقُ اسْمِ الْيَدِ على الْقُدْرَةِ وَنَحْوِهِ فإن الْيَدَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْقُدْرَةَ قَطْعًا لِأَنَّ الْيَدَ تَكُونُ شَلَّاءَ بَلْ ظَاهِرًا وَمِثْلُهُ قَوْلُ السَّكَّاكِيِّ في الْمِفْتَاحِ الْمُرَادُ بِاللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ الْبَيِّنُ الْقَرِينَةِ بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ من فَهْمِهِ إلَى فَهْمِهِ كَالشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ فَإِنَّهَا لَازِمَةٌ ظَاهِرَةٌ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَسَدِ لِإِرَادَتِهَا بِخِلَافِ الْبَخَرِ وَإِنْ كان لَازِمًا لِلْأَسَدِ لَا أَنَّهُ أَخْفَى فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْأَسَدِ لِإِرَادَتِهِ وَاخْتَلَفُوا في اللَّازِمِ الْخَارِجِيِّ هل يُعْتَبَرُ في دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ إلَى اعْتِبَارِهِ فَيَسْتَدِلُّونَ بِاللَّفْظِ على كل ما يَلْزَمُ الْمُسَمَّى ذِهْنِيًّا أو خَارِجِيًّا وَرَجَّحَهُ ابن الْحَاجِبِ وَذَهَبَ الْمَنْطِقِيُّونَ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الْفَهْمِ بِدُونِهِ كما في الضِّدَّيْنِ وإذا لم يُمْكِنْ فَهْمٌ فَلَا دَلَالَةَ وَيَرِدُ عليهم أَنْوَاعُ الْمَجَازَاتِ وَالْحَقُّ الْتِفَاتُ هذا الْخِلَافِ على أَصْلٍ سَبَقَ في تَفْسِيرِ الدَّلَالَةِ هل يُشْتَرَطُ فيها أَنَّهُ مَهْمَا سُمِعَ اللَّفْظُ مع الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ فُهِمَ الْمَعْنَى أَمْ لَا بَلْ يَكْفِي الْفَهْمُ في الْجُمْلَةِ وَبِهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ بَلْ قد تَوَسَّعَ الْبَيَانِيُّونَ فَأَجْرَوْهَا فِيمَا لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا لَكِنَّ الْقَرَائِنَ الْخَارِجِيَّةَ اسْتَلْزَمَتْهُ وَلِهَذَا يَجْرِي فيها الْوُضُوحُ وَالْخَفَاءُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَوْسَعُهَا الثَّالِثُ وهو الْأَظْهَرُ وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْجَوْهَرَ وَالْعَرَضَ مُتَلَازِمَانِ في الْخَارِجِ وَاللَّفْظُ الدَّالُّ على أَحَدِهِمَا لَا يَدُلُّ على الْآخَرِ بِالِالْتِزَامِ وهو ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ على الْمَعْنَى غَيْرُ اسْتِعْمَالِهِ فيه فَلَا يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْجَوْهَرِ في الْعَرَضِ وَعَكْسِهِ انْتِفَاءُ دَلَالَةِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ بِالِالْتِزَامِ إذْ ليس الِاسْتِعْمَالُ نَفْسَ الدَّلَالَةِ وَلَا لَازِمَهَا كما في الْوَضْعِ الْأَوَّلِ قبل الِاسْتِعْمَالِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ أَنْ لو لَزِمَ من وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ فلم يَلْزَمْ من وُجُودِ اللُّزُومِ الْخَارِجِيِّ بِدُونِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عَدَمُ كَوْنِهِ شَرْطًا لها لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أو لَازِمًا أَعَمَّ وَالْعَجَبُ من الْإِمَامِ أَنَّهُ صَرَّحَ عَقِيبَ هذا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ شَرْطٌ لَا مُوجِبٌ فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ الْخَارِجِيُّ مُعْتَبَرًا كان كَذَلِكَ فَكَيْفَ اسْتَدَلَّ بِوُجُودِهِ مع عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ على عَدَمِ الِاعْتِبَارِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ الْمُلَازَمَةُ الذِّهْنِيَّةُ شَرْطٌ في الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ إذَا شَرَطْنَا الْمُلَازَمَةَ الذِّهْنِيَّةَ فَهِيَ شَرْطٌ في الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ سَبَبٌ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ وقال الْإِمَامُ هذا اللَّازِمُ شَرْطٌ لَا سَبَبٌ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ اللُّزُومِ من غَيْرِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ ليس بِسَبَبٍ في حُصُولِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ السَّبَبُ إنَّمَا هو إطْلَاقُ اللَّفْظِ فَاللُّزُومُ شَرْطٌ وَقِيلَ يَعْنِي أَنَّ الْمُلَازَمَةَ الذِّهْنِيَّةَ يَلْزَمُ من عَدَمِهَا الْعَدَمُ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا أَفَادَ مَعْنًى غير مُسْتَلْزِمٍ لِآخَرَ لَا يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ إلَى ذلك الْآخَرِ إلَّا بِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ فَتَكُونُ إفَادَتُهُ مُضَافَةً لِذَلِكَ الْمُنْفَصِلِ لَا لِلَّفْظِ فَلَا يَكُونُ فَهْمُهُ دَلَالَةَ اللَّفْظِ بَلْ أَثَرًا لِلْمُنْفَصِلِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِ الْمُلَازَمَةِ وُجُودُ الدَّلَالَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطْلَاقِ فإن الْمُلَازَمَةَ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْفَهْمُ مَعْدُومٌ من اللَّفْظِ إذْ اللَّفْظُ مَعْدُومٌ فَهُوَ حِينَئِذٍ شَرْطٌ وَالْإِطْلَاقُ هو الْمُسَبِّبُ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَفْظِيَّةٌ وَالْخِلَافُ في دَلَالَةِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ لَا خِلَافَ أَنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ لَفْظِيَّةٌ وَاخْتَلَفُوا في التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ على ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا عَقْلِيَّانِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَعْنَى عَلَيْهِمَا بِالْوَاسِطَةِ وَهَذَا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَاخْتَارَهُ أَثِيرُ الدِّينِ الْأَبْهَرِيُّ في كَشْفِ الْحَقَائِقِ وَالصَّفِيّ الْهِنْدِيُّ قال وَإِنَّمَا وُصِفَتَا بِكَوْنِهِمَا عَقْلِيَّتَيْنِ إمَّا لِأَنَّ الْعَقْلَ يَسْتَقِلُّ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِيهِمَا من غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللِّسَانِ اللَّفْظَ فِيهِمَا وَهَذَا يَسْتَقِيمُ على رَأْيِ من لم يَعْتَبِرْ الْوَضْعَ في الْمَجَازِ وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ بين مَدْلُولَيْهِمَا وهو الْجُزْءُ وَاللَّازِمُ هو الْعَقْلُ الثَّانِي أَنَّهُمَا لَفْظِيَّانِ وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَاخْتَارَهُ ابن وَاصِلٍ في شَرْحِ جُمَلِ الْخُونَجِيِّ وَالثَّالِثُ أَنَّ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ لَفْظِيَّةٌ وَالِالْتِزَامِ عَقْلِيَّةٌ وَبِهِ قال الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْجُزْءَ دَاخِلٌ فِيمَا وُضِعَ له اللَّفْظُ بِخِلَافِ اللَّازِمِ فإنه خَارِجٌ عنه وقال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إنْ جُعِلَتْ لَفْظِيَّةٌ لِأَجْلِ أَنَّ فَهْمَ الْجُزْءِ منها إنَّمَا هو بِوَاسِطَةِ اللَّفْظِ فَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ كَذَلِكَ لِأَنَّ فَهْمَ اللَّازِمِ إنَّمَا هو بِوَاسِطَةِ اللَّفْظِ الدَّالِّ على الْمَلْزُومِ وَإِنْ كان لِأَجْلِ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ له بِالْوَضْعِ الْمُخْتَصِّ بِالْحَقِيقَةِ فَبَاطِلٌ أو بِالْوَضْعِ الْمُشْتَرَكِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَاللَّازِمُ أَيْضًا كَذَلِكَ إنْ اُعْتُبِرَ الْوَضْعُ في الْمَجَازِ وَالْأَقْيَسُ مِنْهُمَا الْوَضْعُ وَإِنْ كان لِأَجْلِ أَنَّ الْجُزْءَ دَاخِلٌ في الْمُسَمَّى وَاللَّازِمُ خَارِجٌ عنه فَهُوَ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ وَاصْطِلَاحٌ من غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ وقال صَاحِبُ الدَّقَائِقِ وَمَنْ جَعَلَ الِالْتِزَامَ لَفْظِيَّةً فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّ الذِّهْنَ يَنْتَقِلُ من اللَّفْظِ إلَى مَعْنَاهُ وَمِنْ مَعْنَاهُ إلَى اللُّزُومِ وَالتَّضَمُّنُ غَيْرُ خَارِجٍ عن مُسَمَّى اللَّفْظِ بِخِلَافِ الِالْتِزَامِ وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْسُوبٌ إلَى اللَّفْظِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَقْلِيٌّ بِوَجْهٍ وَاعْتِبَارٍ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ وَدَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ قد تَنْفَكُّ عن التَّضَمُّنِ إنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ قد تَنْفَكُّ عن التَّضَمُّنِ وَذَلِكَ بِكَوْنِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ بَسِيطًا لَا جُزْءًا له وَهَلْ تَنْفَكُّ عن دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَمْ لَا قال الْهِنْدِيُّ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ لِأَنَّ كُلَّ مَاهِيَّةٍ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لها لَازِمٌ أَقَلُّهُ أنها لَيْسَتْ غَيْرَهَا وَمِنْهُمْ من جَوَّزَ الِانْفِكَاكَ زَاعِمًا أَنَّ شَرْطَ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ بِحَيْثُ يَكُونُ تَصَوُّرُهُ لَازِمًا لِتَصَوُّرِ الْمَلْزُومِ وهو مَمْنُوعٌ فِيمَا ذُكِرَ من اللَّازِمِ هذا لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْقِلَ الْمَاهِيَّةَ مع الذُّهُولِ عن الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا الْمُطَابَقَةُ فَلَازِمَةٌ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ التَّابِعِ من حَيْثُ إنَّهُ تَابِعٌ بِدُونِ الْمَتْبُوعِ وَقِيلَ أَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ لِكُلِّ مَاهِيَّةٍ لَازِمًا أو بَعْضَ الْمَاهِيَّاتِ لَا لَازِمَ لها فَإِنْ قُلْنَا لِكُلِّ شَيْءٍ لَازِمٌ فَالْمُطَابَقَةُ وَالِالْتِزَامُ مُتَسَاوِيَانِ قال الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ لِكُلِّ شَيْءٍ لَازِمٌ وَأَدْنَاهُ أَنَّهُ ليس غَيْرَهُ وَرُدَّ عليه بِأَنَّ الْكَلَامَ في اللَّازِمِ الْبَيِّنِ الذي يَلْزَمُ من حُضُورِ الْمَلْزُومِ حُضُورُهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ بَعْضَ الْمَاهِيَّاتِ لَا لَازِمَ لها فَالْمُطَابَقَةُ أَعَمُّ التَّنْبِيهُ السَّادِسُ دَلَالَةُ الْمُطَابَقَةِ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إنَّ دَلَالَةَ الْمُطَابَقَةِ هِيَ الصَّرِيحُ من اللَّفْظِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَأَمَّا دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ فَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَنَا وَمِنْ ثَمَّ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الثَّلَاثَ وَقَعَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لنا أَنَّ طَلَّقْتُ فِعْلٌ يَدُلُّ على الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالْحَدَثُ الذي هو الْمَصْدَرُ جُزْؤُهُ وَدَلَالَتُهُ عليه بِالتَّضَمُّنِ فَيَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ كما لو ذَكَرَ الْمَصْدَرَ صَرِيحًا فقال أَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَمَّا دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ كَدَلَالَةِ الْبَيْتِ على الْأَرْضِ فقال صَاحِبُ الْمُقْتَرِحِ من أَصْحَابِنَا في الْخِلَافِ لَا تَعْوِيلَ عليها في الْأَحْكَامِ وهو صَحِيحٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ في الْمَلْفُوظِ وَالْمُلْتَزَمُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ وَالطَّلَاقُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عن اللَّفْظِ لَا يَقَعُ التَّنْبِيهُ السَّابِعُ دَلَالَةُ الِاسْتِدْعَاءِ ما ذَكَرْنَاهُ من انْحِصَارِ الدَّلَالَاتِ في الثَّلَاثِ هو الْمَشْهُورُ وزاد الجزولي من النَّحْوِيِّينَ دَلَالَةً رَابِعَةً وَسَمَّاهَا بِالِاسْتِدْعَاءِ وَجَعَلَ دَلَالَةَ الْفِعْلِ على الْمَحَلِّ وهو الْمَفْعُولُ بِهِ وَعَلَى الْبَاعِثِ يَعْنِي الذي بَعَثَ على الْفِعْلِ وهو الْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ وَعَلَى الْمُصَاحَبِ وهو الْمَفْعُولُ معه من قَبِيلِ هذه الدَّلَالَةِ وَأَنْكَرَهُ الْآمِدِيُّ وقال دَلَالَةُ الْفِعْلِ على الْمَحَلِّ وَالْبَاعِثِ وَالْمُصَاحَبِ من قَبِيلِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ الْمَكَانَ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ مُتَعَدِّيَهَا وَلَازِمَهَا ما وَقَعَ فيها عَمْدًا وَسَهْوًا وَالْمَحَلُّ إنَّمَا يَلْزَمُ من الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّي خَاصَّةً وَالْبَاعِثَةُ إنَّمَا تَلْزَمُ من الْأَفْعَالِ ما يُوقِعُهُ الْقَاصِدُ لِلْإِيقَاعِ وَلَا يَلْزَمُ فِعْلُ السَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمُصَاحِبِ إنَّمَا يَلْزَمُ ما يُشْرِكُ فيه الْفَاعِلُ غَيْرَهُ وقد أَوْرَدَ الْقَرَافِيُّ على الْحَصْرِ في الثَّلَاثِ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ وقال إنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْهُنَّ وَجَوَابُهُ يُعْلَمُ من بَابِ الْعَامِّ وَمِنْهُمْ من أَوْرَدَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ على مُفْرَدَاتِهِ فإن الْوَاضِعَ لم يَضَعْهُ لِمَفْهُومِهِ وَلَا لِشَيْءٍ ذلك الْمَفْهُومُ دَاخِلٌ فيه وَلَا لِخَارِجٍ عنه لَازِمٌ له وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى وَضْعُ عَيْنِهِ لِعَيْنِهِ أو وَضْعُ أَجْزَائِهِ لِأَجْزَائِهِ بِحَيْثُ يُطَابِقُ مَجْمُوعُ اللَّفْظِ مَجْمُوعَ الْمَعْنَى وَالثَّانِي مَوْجُودٌ في الْمُرَكَّبِ فإن الْوَاضِعَ وَإِنْ لم يَضَعْ مَجْمُوعَ زَيْدٌ قَائِمٌ لِمَدْلُولِهِ فَقَدْ وَضَعَ كُلَّ جُزْءٍ من أَجْزَائِهِ لِجُزْءٍ من مَفْهُومِهِ فإنه وَضَعَ زَيْدًا لِلذَّاتِ وَقَائِمًا لِلصِّفَةِ وَالْحَرَكَةُ الْمَخْصُوصَةُ أَعْنِي دَفْعَهُمَا لِإِثْبَاتِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ الْقِسْمُ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ التَّرْكِيبِ وَالْإِفْرَادِ وَيُطْلَقُ الْمُفْرَدُ بِاصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ على أَرْبَعَةِ مَعَانٍ أَحَدُهَا مُقَابِلُ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ وهو اللَّفْظُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ الثَّانِي مُقَابِلُ الْمُضَافِ في بَابِ النِّدَاءِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ الْمُنَادِي مُفْرَدٌ وَمُضَافٌ وَالثَّالِثُ مُقَابِلُ الْجُمْلَةِ في بَابِ الْمُبْتَدَأِ وهو الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ الْخَبَرُ قد يَكُونُ مُفْرَدًا وقد يَكُونُ جُمْلَةً الرَّابِعُ مُقَابِلُ الْمُرَكَّبِ أَمَّا الْمُفْرَدُ بِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ فَهُوَ ما دَلَّ على مَعْنًى وَلَا جُزْءَ من أَجْزَائِهِ يَدُلُّ بِالذَّاتِ على جُزْءٍ من أَجْزَاءِ ذلك الْمَعْنَى كَإِنْسَانٍ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ هو ما لَا يُرَادُ بِالْجُزْءِ منه دَلَالَةٌ أَصْلًا على مَعْنًى حين هو جُزْؤُهُ كَأَحْمَدَ تَعْرِيفُ الْمُرَكَّبِ وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فما دَلَّ جُزْؤُهُ على جُزْءِ الْمَعْنَى الْمُسْتَفَادِ منه حين هو جُزْؤُهُ سَوَاءٌ كان تَرْكِيبَ إسْنَادٍ كَقَامَ زَيْدٌ وَزَيْدٌ قَائِمٌ أَمْ تَرْكِيبَ مَزْجٍ كَخَمْسَةَ عَشَرَ أو إضَافَةٍ كَغُلَامِ زَيْدٍ وَأَمَّا عبد اللَّهِ فَإِنْ كان دَالًّا على الذَّاتِ فَهُوَ مُفْرَدٌ وَإِنْ كان دَالًّا على الصِّفَاتِ فَهُوَ مُرَكَّبٌ وَالْمُرَادُ بِالْجُزْءِ ما صَارَ بِهِ اللَّفْظُ مُرَكَّبًا كَحُرُوفِ زَيْدٍ فَلَا يُرِدْ الزَّايَ من زَيْدٌ قَائِمٌ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ على جُزْءِ الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ أَوْرَدُوا على أَنْفُسِهِمْ كَوْنَ الْمَاضِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا لِأَنَّ مَادَّتَهُ تَدُلُّ على الْمَصْدَرِ وَزِنَتَهُ على خُصُوصِ الزَّمَنِ فَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَعْنَى بِقَوْلِنَا الْجُزْءُ ليس مُطْلَقَ الْجُزْءِ بَلْ الْأَجْزَاءُ الْمُتَرَتِّبَةُ في السَّمْعِ وَقَالُوا وَنَحْوُ بَعْلَبَكَّ مُرَكَّبٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لِأَنَّهُ كَلِمَتَانِ وَمُفْرَدٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ جُزْؤُهُ على جُزْءِ مَعْنَاهُ وأقوم ( ( ( و ) ) ) ونقوم ( ( ( أقوم ) ) ) ويقوم ( ( ( و ) ) ) مُرَكَّبٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ جُزْأَهُ يَدُلُّ على جُزْءِ مَعْنَاهُ لِأَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ منها يَدُلُّ على الْفَاعِلِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ وَالْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ وَالْمُخَاطَبِ منها وَنَفْسُ الْكَلِمَةِ تَدُلُّ على الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَمُفْرَدٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لِأَنَّهُ لَفْظٌ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَمَّا يَقُومُ بِالْغَيْبَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ فَقِيلَ هو مُفْرَدٌ وَقِيلَ هو مُرَكَّبٌ وَنُقِلَ عن ابْنِ سِينَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُضَارِعَةِ وَإِنَّمَا قالوا حين هو جُزْؤُهُ لِيَحْتَرِزُوا من مِثْلِ أَبْكَمَ وَإِنْسَانٍ فإن كُلَّ وَاحِدٍ من جُزْئِهِ يَدُلُّ على مَعْنًى لَكِنْ لَا على جُزْءِ مُسَمَّاهُ حين هو جُزْؤُهُ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على مَعْنًى في الْجُمْلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ اسْمٌ لِلْوَالِدِ وكم اسْمٌ لِلْعَدَدِ لَكِنْ لَا من حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من اللَّفْظَيْنِ جُزْءٌ من الْآخَرِ حين هو جُزْؤُهُ وَكَذَلِكَ إنْسَانٌ أَلَا تَرَى أَنَّ إنْ حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ على الشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ لَا من حَيْثُ هِيَ جُزْءُ إنْ وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَتَبِعَهُ ابن يَعِيشَ في أَوَّلِ شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وابن إيَادٍ أَنَّ الرَّجُلَ مُرَكَّبٌ فإنه يَدُلُّ على مَعْنَيَيْنِ التَّعْرِيفِ وَالْمُعَرَّفِ وهو من جِهَةِ النُّطْقِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَلِمَتَانِ وَكَذَلِكَ ضَرَبَا وضربوا قال الزَّنْجَانِيّ في الْهَادِي وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَنَظَائِرَهُ لَفْظَتَانِ لَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ يُنْتَقَضُ ما ذَكَرَهُ بِنَحْوِ ضَرَبَ فإنه يَدُلُّ على مَعْنَيَيْنِ الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَأَنَّهُ كَلِمَةٌ بِاتِّفَاقٍ قُلْت لَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَنَاهُ أَنَّ الْمُعَرِّفَ اللَّامُ وَحْدَهَا وَحِينَئِذٍ فَهِيَ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ كَالتَّنْوِينِ في زَيْدٍ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُعَرِّفَ أَلْ فَهُوَ لَفْظَتَانِ لِإِمْكَانِ التَّلَفُّظِ بها وَحْدَهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَمْثِلَةَ الْمُضَارِعِ خَلَا الْغَائِبَ مُرَكَّبَاتٌ قَطْعًا وَأَمْثِلَةُ الْمَاضِي مُفْرَدَاتٌ قَطْعًا وَأَمْثِلَةُ الْأَوَامِرِ مُرَكَّبَاتٌ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ وَصَرَّحَ ابن مَالِكٍ في أَوَّلِ شَرْح التَّسْهِيلِ بِأَنَّ يَاءَ النَّسَبِ وألف ضَارِبٍ وَمِيمَ مُكْرَمٍ يَدُلُّ على مَعْنًى وَلَكِنْ لَا بِالْوَضْعِ وقال ابن السَّاعَاتِيِّ الْمَجْمُوعُ هو الدَّالُّ على شَخْصٍ مُسَمًّى بِذَلِكَ لَا أَنَّ الْحَرْفَ دَلَّ بِنَفْسِهِ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ أَنَّ النُّحَاةَ يَتَرَجَّحُ نَظَرُهُمْ في جَانِبِ الْأَلْفَاظِ وَأُولَئِكَ يَتَرَجَّحُ نَظَرُهُمْ في جَانِبِ الْمَعَانِي وَعَلَى هذا عبد اللَّهِ وَنَحْوُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْعَلَمِيَّةُ كان مُفْرَدًا بِمَثَابَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو لِأَنَّ جُزْأَهَا لَا يَدُلُّ على مَعْنَاهَا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نِسْبَةُ الْعُبُودِيَّةِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَهِيَ مُرَكَّبَةٌ لِدَلَالَةِ جُزْئِهَا على جُزْءِ مَعْنَاهَا وقد اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ في حَدِيثٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ في مُسْنَدِهِ فقال حدثنا عبد الرَّزَّاقِ حدثنا مَعْمَرٌ عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ قال كان ابن عُمَرَ يحدث أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رَآهُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ يَتَقَعْقَعُ يَعْنِي جَدِيدًا فقال من هذا فَقُلْت عبد اللَّهِ فقال إنْ كُنْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَارْفَعْ إزَارَك قال فَرَفَعْتُهُ وكان طَوِيلًا فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ عبد اللَّهِ يَعْنِي أنا عبد اللَّهِ فَهُوَ مُفْرَدٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَلَمِيَّةَ وَقَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ كُنْت عَبْدَ اللَّهِ فَهُوَ مُرَكَّبٌ تَرْكِيبًا إضَافِيًّا لِأَنَّ مُرَادَهُ نِسْبَةُ الْعُبُودِيَّةِ إلَى اللَّهِ فَالْإِفْرَادُ الْعِلْمِيُّ طَارَ على التَّرْكِيبِ الْإِضَافِيِّ وهو يَلُوحُ فيه وَيُقَالُ لِلْمُرَكَّبِ مُؤَلَّفٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كما قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَمِنْهُمْ من فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَكَّبَ ما دَلَّتْ أَجْزَاؤُهُ إذَا انْفَرَدَتْ وَلَا تَدُلُّ إذَا كانت أَجْزَاءً كَعَبْدِ اللَّهِ فإنه إذَا كان عَلَمًا كان بِمَنْزِلَةِ زَيْدٍ فَلَا تَدُلُّ أَجْزَاؤُهُ في هذه الْحَالَةِ على شَيْءٍ وَلَوْ انْفَرَدَتْ الْأَجْزَاءُ كانت دَالَّةً لِأَنَّ عَبْدًا دَلَّ على ذَاتٍ اتَّصَفَتْ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمُؤَلَّفُ ما دَلَّتْ الْأَجْزَاءُ في حَالِ الْبَسَاطَةِ وَحَالِ التَّرْكِيبِ كَقَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ فإن كُلَّ وَاحِدٍ من هذه الْأَجْزَاءِ يَدُلُّ إذَا انْفَرَدَ وإذا كان جُزْءًا انقسام ( ( ( وينقسم ) ) ) الْمُفْرَدُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ رَابِعًا وَيُسَمِّيهِ خَالِفًا وهو الظَّرْفُ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ أو أَسْمَاءُ الْأَفْعَالِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا من قَبِيلِ الْأَسْمَاءِ قالوا وَدَلِيلُ الْحَصْرِ أَنَّ الْمَعَانِيَ ثَلَاثَةٌ ذَاتٌ وَحَدَثٌ وَرَابِطَةٌ لِلْحَدَثِ بِالذَّاتِ فَذَاتٌ الِاسْمُ وَالْحَدَثُ الْفِعْلُ وَالرَّابِطَةُ الْحَرْفُ قال ابن الْخَبَّازِ وَلَا يَخْتَصُّ انْحِصَارُ الْكَلِمَةِ في الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الذي دَلَّ على الِانْحِصَارِ في الثَّلَاثَةِ عَقْلِيٌّ وَالْأُمُورُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ قُلْت وفي كِتَابِ الْإِيضَاحِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ في قَوْلِ سِيبَوَيْهِ الْكَلَامُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ جاء لِمَعْنًى قِيلَ قَصَدَ بِهِ الْكَلِمَ الْعَرَبِيَّ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَرَادَ الْكَلِمَ الْعَرَبِيَّ وَالْعَجَمِيَّ ا هـ الكلي والجزئي ثُمَّ الِاسْمُ يَنْقَسِمُ إلَى كُلِّيٍّ وَجُزْئِيٍّ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَمْنَعَ نَفْسُ تَصَوُّرِهِ من اشْتِرَاكِ كَثِيرِينَ فيه أو يَمْنَعُ وَالْأَوَّلُ الْكُلِّيُّ وَمَعْنَى اشْتِرَاكِ الْأَشْخَاصِ فيه أَنَّ مَعْنَاهُ مُطَابِقٌ لِمَعَانِيهَا بِالِاسْمِ وَالْحَدِّ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ فيها وهو تَارَةً تَقَعُ فيه الشَّرِكَةُ كَالْحَيَوَانِ وَتَارَةً لَا تَقَعُ أَمَّا مع الْإِمْكَانِ كَالشَّمْسِ عِنْدَ من يُجَوِّزُ وُجُودَ مِثْلِهَا أو الِاسْتِحَالَةِ كَهِيَ عِنْدَ من لَا يُجَوِّزُهُ وَحَذَفْت تَمْثِيلَ الْمَنْطِقِيِّينَ عَمْدًا أَدَبًا وَلَيْسَ الْكُلِّيُّ وَهْمِيًّا مُرْسَلًا بَلْ له وُجُودٌ في الْعَقْلِ وهو ما يَجِدُهُ كُلُّ عَاقِلٍ من نَفْسِهِ من الْمَعَانِي التي لو نَسَبَهَا إلَى الشَّخْصِيَّاتِ الْمُنَاسِبَةِ لَكَانَتْ مُطَابِقَةً لها كَالْمُتَمَثِّلِ من مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ في الْعَقْلِ غير تَمَيُّزِهِ في النَّفْسِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ صُورَتَهُ قَائِمَةٌ بِنَفْسِ الْعَاقِلِ وَإِلَّا لَكَانَ من يَعْقِلُ الْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ حَارًّا وَبَارِدًا الطبيعي والمنطقي والعقلي وَيَنْقَسِمُ إلَى طَبِيعِيٍّ وَمَنْطِقِيٍّ وَعَقْلِيٍّ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مَثَلًا وَأَنَّهُ كُلِّيٌّ وَأَرَدْت الْحِصَّةَ من الْحَيَوَانِيَّةِ التي شَارَكَ بِاعْتِبَارِهَا الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ فَطَبِيعِيٌّ وهو مَوْجُودٌ في الْخَارِجِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ من الْإِنْسَانِ الْمَوْجُودِ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ وَإِنْ أَرَدْت بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ من الشَّرِكَةِ فَهُوَ الْمَنْطِقِيُّ وَلَا وُجُودَ له في الْخَارِجِ لِاشْتِمَالِهِ على ما لَا يَتَنَاهَى وَقِيلَ بَلْ هو مَوْجُودٌ وَمَدْرُك الْخِلَافِ في أَنَّ الْإِضَافَةَ هل لها وُجُودٌ في الْأَعْيَانِ وَالْكُلِّيُّ الْمَنْطِقِيُّ نَوْعٌ من مَقُولَةِ الْمُضَافِ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَنَازَعَهُ ابن وَاصِلٍ وقال بَلْ الْكُلِّيُّ الْمَنْطِقِيُّ لَا وُجُودَ له في الْأَعْيَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ الْإِضَافَةَ مَوْجُودَةٌ في الْأَعْيَانِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْكُلِّيَّ الطَّبِيعِيَّ مَوْجُودٌ في الْخَارِجِ فَلَوْ كان الْمَنْطِقِيُّ مَوْجُودًا في الْخَارِجِ كان الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا ضَرُورَةً مَوْجُودًا في الْخَارِجِ وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا هو الْكُلِّيُّ الْعَقْلِيُّ فَيَكُونُ أَيْضًا مَوْجُودًا في الْخَارِجِ لِتَرَكُّبِهِ من جُزْأَيْنِ مَوْجُودَيْنِ وَسَنُبَيِّنُ أَنَّهُ ليس كَذَلِكَ ا هـ وَإِنْ أَرَدْت الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي الْحَيَوَانِيَّةَ التي وَقَعَتْ بها الشَّرِكَةُ مع كَوْنِهَا غير مَانِعَةٍ فَهُوَ الْعَقْلِيُّ فَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ في الذِّهْنِ لَا في الْخَارِجِ قَالَهُ ابن وَاصِلٍ وَحَكَى غَيْرُهُ في وُجُودِهِ في الْخَارِجِ خِلَافًا أَيْضًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا وُجُودَ له لِاشْتِمَالِهِ على ما لَا يَتَنَاهَى وهو غَيْرُ مُتَشَخِّصٍ وَزَعَمَ أَفْلَاطُونُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ في الْأَعْيَانِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ الْكُلِّيَّ مَوْجُودٌ في الْخَارِجِ وَالْفَرْقُ بين الْكُلِّيِّ وَالْكُلِّ من أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْكُلَّ مَوْجُودٌ في الْخَارِجِ وَلَا شَيْءَ من الْكُلِّيِّ بِمَوْجُودٍ في الْخَارِجِ كَذَا قِيلَ وهو مُنَازَعٌ بِمَا سَبَقَ وَثَانِيهَا أَجْزَاءُ الْكُلِّ مُتَنَاهِيَةٌ وَأَجْزَاءُ الْكُلِّيِّ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ وَثَالِثُهَا الْكُلُّ لَا بُدَّ من حُضُورِ أَجْزَائِهِ مَعًا بِخِلَافِ الكلي أقسام الْكُلِّيِّ ثُمَّ الْكُلِّيُّ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارَاتٍ أَحَدُهَا إلَى مُتَوَاطِئٍ وَمُشَكِّكٍ لِأَنَّهُ إنْ كان حُصُولُ مَعْنَاهُ في أَفْرَادِهِ الذِّهْنِيَّةِ أو الْخَارِجِيَّةِ على السَّوَاءِ كَالْإِنْسَانِ فَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ وَإِنْ لم يَكُنْ على السَّوَاءِ بَلْ في بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَقْدَمَ وَأَوْلَى وَأَشَدَّ فَهُوَ الْمُشَكِّكُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشَكِّكُ النَّاظِرَ هل هو مُتَوَاطِئٌ لِوَحْدَةِ الْحَقِيقَةِ فيه أو مُشْتَرِكٌ لِمَا بَيْنَهُمَا من الِاخْتِلَافِ وَذَلِكَ كَالْبَيَاضِ الذي هو في الثَّلْجِ أَشَدُّ منه في الْعَاجِ وَجَوَّزَ الْهِنْدِيُّ فيه فَتْحَ الْكَافِ وَكَسْرَهَا إمَّا أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ لِلتَّشْكِيكِ أو اسْمُ مَفْعُولٍ لِكَوْنِ النَّاظِرِ يَتَشَكَّكُ فيه وَمِنْهُمْ من أَنْكَرَ حَقِيقَةَ هذا الْقِسْمِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ تُسْتَعْمَلَ مع ضَمِيمَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ أو لَا فَإِنْ لم يَكُنْ فَهُوَ الْمُتَوَاطِئُ وَإِنْ كان فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ قِيلَ وَأَوَّلُ من قال بِهِ ابن سِينَا لِأَنَّ تَرَكُّبَ الشَّبَهَيْنِ يُخْرِجُهُ إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى كَالْخُنْثَى فَالْمُتَوَاطِئُ أَنْ يَضَعَ الْوَاضِعُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَيْدِ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ في الْمُحَالِ مع اخْتِلَافِ الْمَحَالِّ في أُمُورٍ من غَيْرِ جِنْسِ الْمُسَمَّى كَامْتِيَازِ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُتَوَاطِئُ ما اسْتَوَى مَحَالُهُ وَيُسَمَّى اسْمُ الْجِنْسِ كَالرَّجُلِ وَيُسَمَّى الْمُطْلَقُ وَقِيلَ هو الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ مُسْتَوْفًى مَحَالَّهُ فَكُلِّيٌّ احْتِرَازٌ من الْعِلْمِ وَمُسْتَوٍ احْتِرَازٌ من الْمُشَكِّكِ وَيُسَمَّى بِذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ في كل مَحَلٍّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ في الْآخَرِ وَالتَّوَاطُؤُ التَّوَافُقُ قال تَعَالَى لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَالْمُشَكِّكُ أَنْ يَضَعَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِقَيْدِ الِاخْتِلَافِ في الْمَحَالِّ بِأُمُورٍ من جِنْسِ الْمُسَمَّى كَالنُّورِ في الشَّمْسِ وَاسْتِحَالَةِ التَّغْيِيرِ في الْوَاجِبِ فَاشْتَرَكَ الْقِسْمَانِ في أَنَّ الْوَضْعَ في كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَافْتَرَقَا بِقَيْدَيْهِمَا تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ إطْلَاقُ الْمُتَوَاطِئِ على أَفْرَادِهِ هل هو حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ إطْلَاقُ الْمُتَوَاطِئِ على كُلٍّ من أَفْرَادِهِ هل حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ فيه بَحْثٌ لِكَثِيرٍ من الْمُتَأَخِّرِينَ فَقِيلَ إنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فإذا اُسْتُعْمِلَ في الْخُصُوصِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِ ما وُضِعَ له فَيَكُونُ مَجَازًا وَقِيلَ إنْ اُسْتُعْمِلَ فيه بِحَسَبِ ما فيه من الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فيه بِخُصُوصٍ كان مَجَازًا وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَلَا تَحْقِيقَ في هذا التَّفْصِيلِ فإن الِاسْتِعْمَالَ في الْخُصُوصِ إنَّمَا هو بِحَسَبِ الْخُصُوصِ أَمَّا إذَا أَرَدْت الْعُمُومَ فلم تَسْتَعْمِلْهُ فَلَا وَجْهَ لِلْخُصُوصِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّفْصِيلِ وَإِنْ كان حَقًّا الثَّانِي أَنَّ الْمُتَوَاطِئَ قد يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ في بَعْضِ أَفْرَادِهِ دُونَ بَعْضٍ التَّنْبِيهُ الثَّانِي يَنْقَسِمُ الْكُلِّيُّ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ إلَى مُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ إلَى مُشْتَقٍّ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ على الْمَاهِيَّةِ بِصِفَةٍ فَهُوَ الْمُشْتَقُّ كَالْأَسْوَدِ وَيُسَمَّى في اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ صِفَةً وَإِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ وَحِينَئِذٍ إنْ دَلَّ على نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ فَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ إذَا كان الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ وَإِنْ دَلَّ على الْمَاهِيَّةِ وَعَلَى قَيْدٍ آخَرَ زَائِدٍ عليها بِأَنْ كان ذلك الْقَيْدُ هو الْوَحْدَةُ أو الْكَثْرَةُ الْغَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ فَهُوَ النَّكِرَةُ وَإِنْ كان هو الْكَثْرَةُ الْمُعَيَّنَةُ الْغَيْرُ الْمُنْحَصِرَةِ فَهُوَ الْعَامُّ وَإِنْ كانت مُنْحَصِرَةً فَهُوَ اسْمُ الْعَدَدِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَالدَّالُّ على الْجِنْسِ يَنْقَسِمُ إلَى اسْمِ جِنْسٍ كَأَسَدٍ وَعَلَمِ جِنْسٍ كَأُسَامَةَ وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَعَلَمُ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِتِلْكَ الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ تَشَخُّصِهَا في الذِّهْنِ فإن تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَمْتَازَ عن غَيْرِهَا وَتَتَشَخَّصَ في الذِّهْنِ وَمَعَ ذلك فَإِنَّهَا تَصْدُقُ على الْأَفْرَادِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ على ما تَلَخَّصَ في عِلْمِ الْمَنْطِقِ من صِدْقِ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ على الْجُزْئِيَّاتِ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ وَالْكُلِّيُّ إمَّا تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ أو جُزْءٌ منها أو خَارِجٌ عنها وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ إمَّا أَنْ تُعْتَبَرَ من حَيْثُ إنَّهَا مَاهِيَّةٌ مع قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَعْرِضُ لها من الْعَوَارِضِ كَالْجُزْئِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ أو يُعْتَبَرُ مع الْعَارِضِ نَحْوُ كَوْنِهَا جُزْءًا لِغَيْرِهَا أو خَارِجًا عن مَاهِيَّةِ غَيْرِهَا فَالْأَوَّلُ تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ وَالثَّانِي جُزْءٌ منها وَالثَّالِثُ خَارِجٌ عنها وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقُولَ في جَوَابِ ما هو إنَّمَا هو الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَمَّا بِهِ هُوِيَّةُ الشَّيْءِ وهو تَمَامُ الْمَاهِيَّةِ وَأَمَّا الْكُلِّيُّ الذي هو جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِالذَّاتِيِّ على رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ فَتَمَامُ الْمُشْتَرَكِ هو الْجِنْسُ وَتَمَامُ التَّمْيِيزِ هو الْفَصْلُ وَأَمَّا الْخَارِجُ فَإِنْ اخْتَصَّ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ لَا يُوجَدُ في غَيْرِهِ فَهُوَ الْخَاصَّةُ وَإِنْ لم يَخْتَصَّ فَهُوَ الْعَرَضُ الْعَامُّ وَمِمَّا يَغْلُظُ فيه كَوْنُ الْعَرَضِ هَاهُنَا هو الْمُقَابِلُ لِلْجَوْهَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن الْعَرَضِيَّ قد يَكُونُ جَوْهَرًا كَالْأَبْيَضِ وقد لَا يَكُونُ كَالْبَيَاضِ وَالْعَرَضُ لَا يَكُونُ جَوْهَرًا كَالْبَيَاضِ ثُمَّ الْعَرَضُ قد يَكُونُ لَازِمًا لِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ أَعْنِي بِالْقُوَّةِ الفرق بين العرضي اللازم والذاتي وَالْفَرْقُ بين الْعَرَضِيِّ اللَّازِمِ وَالذَّاتِيِّ أَنَّ الْعَرَضَ اللَّازِمَ يَكُونُ بَعْدَ تَحْقِيقِ الشَّيْءِ وَالذَّاتِيُّ يَكُونُ مُقَدَّمًا على حَقِيقَةِ الشَّيْءِ فإن الضَّحِكَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ إنْسَانًا وَالْحَيَوَانُ وَصْفٌ له مُقَدَّمٌ ذِهْنًا على كَوْنِ الْإِنْسَانِ إنْسَانًا وقد يَكُونُ لَازِمًا لِوُجُودِهِ كَسَوَادِ الْحَبَشِيِّ وَكَوْنِ الْإِنْسَانِ مَوْجُودًا وَالْعَرَضُ قد يَكُونُ غير لَازِمٍ في الْوُجُودِ وَلَا في الْوَهْمِ لِجَوَازِ زَوَالِهِ إمَّا سَرِيعًا كَالْقِيَامِ أو بَطِيئًا كَالسَّوَادِ الجزئي وَأَمَّا الْجُزْئِيُّ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ في دَلَالَتِهِ على الْمَعْنَى الْجُزْئِيِّ فَهُوَ الْعَلَمُ كَزَيْدٍ وَإِلَّا فَإِنْ احْتَاجَ إلَى قَرِينَةٍ إمَّا تَكَلُّمٌ أو خِطَابٌ أو غِيبَةٌ فَهُوَ وهو الْمَوْصُولُ هذا هو الذي عليه الْأَكْثَرُونَ منهم الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ أَعْنِي أَنَّ الْمُضْمَرَ جُزْئِيٌّ وقد رَأَيْته مُصَرَّحًا بِهِ في كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ في أَوَّلِ بَابِ الْعُمُومِ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الْكُلِّيَّ نَكِرَةٌ وَالْمُضْمَرَاتِ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ وَلِأَنَّهُ لو كان مَوْضُوعًا لِكُلِّيٍّ لَمَا أَفَادَ الشَّخْصَ لِأَنَّ الدَّالَّ على الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ على الْأَخَصِّ وَرَجَّحَ الْقَرَافِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا لِكُلِّيٍّ لِأَنَّهُ لو كان لِجُزْئِيٍّ لَمَا دَلَّ على شَخْصٍ آخَرَ إلَّا بِوَضْعٍ آخَرَ فلما صَدَقَتْ لَفْظَةُ أنا على ما لَا يَتَنَاهَى من الْمُتَكَلِّمِينَ وَكَذَلِكَ أنت على ما لَا يَتَنَاهَى من الْمُخَاطَبِينَ وهو على ما لَا يَتَنَاهَى من الْغَائِبِينَ من غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِوَضْعٍ دَلَّ على أَنَّهُ كُلِّيٌّ وَمَالَ إلَيْهِ أبو بَكْرِ بن طَلْحَةَ من النُّحَاةِ فقال إنَّ الْمُضْمَرَ لَا يُنْعَتُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فيه عُمُومٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى تَخْصِيصٍ وَلَا اشْتِرَاكَ فَيَفْتَقِرُ إلَى إزَالَةِ كَذَا يقول النَّحْوِيُّونَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَفِيهِ نَظَرٌ فإنه يُبْدَلُ منه لِلْبَيَانِ وَلَوْ لم يَقَعْ فيه اشْتِرَاكٌ لِمَا أُبْدِلَ منه أَصْلًا وَكَذَا قَوْلُهُمْ الْمُتَكَلِّمُ أَعْرَفُ من الْمُخَاطَبِ وَالْمُخَاطَبُ أَعْرَفُ من الْغَائِبِ اعْتِرَافٌ مُبْهَمٌ بِدُخُولِ الِاشْتِرَاكِ وَإِنَّمَا لم يُنْعَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ هو كُلِّيٌّ في الْوَضْعِ جُزْئِيٌّ في الِاسْتِعْمَالِ وهو حَسَنٌ وَبِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ بِحَسَبِ ما يَعُودُ إلَيْهِ فَإِنْ عَادَ على عَامٍّ كان عَامًّا في كل فَرْدٍ أو على جَمْعٍ فَهُوَ له وَإِنْ عَادَ على خَاصٍّ كان خَاصًّا وَأَمَّا إطْلَاقُهُمْ أَنَّ الْعَلَمَ جُزْئِيٌّ فَهُوَ في عَلَمِ الشَّخْصِ أَمَّا عَلَمُ الْجِنْسِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كُلِّيٌّ الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص واسم الجنس وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ السُّؤَالُ عنه الْفَرْقُ بين عَلَمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الشَّخْصِ وَاسْمِ الْجِنْسِ وهو من نَفَائِسِ الْمَبَاحِثِ قال الْقَرَافِيُّ وكان الْخُسْرَوْ شَاهْ يُقَرِّرُهُ ولم أَسْمَعْهُ من أَحَدٍ إلَّا منه وما كان في الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ من يَعْرِفُهُ وهو أَنَّ الْوَضْعَ فَرْعُ التَّصَوُّرِ فإذا اسْتَحْضَرَ الْوَاضِعُ صُورَةَ الْأَسَدِ لِيَضَعَ لها فَتِلْكَ الصُّورَةُ الثَّابِتَةُ في ذِهْنِهِ هِيَ جُزْئِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ فإن هذه الصُّورَةَ وَاقِعَةٌ في هذا الزَّمَانِ وَمِثْلُهَا يَقَعُ في زَمَانٍ آخَرَ وفي ذِهْنِ شَخْصٍ آخَرَ وَالْجَمْعُ مُشْتَرِكٌ في مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ جُزْئِيَّةٌ من مُطْلَقِ صُورَةِ الْأَسَدِ فَإِنْ وَقَعَ لها من حَيْثُ خُصُوصِهَا فَهُوَ عَلَمُ الْجِنْسِ أو من حَيْثُ عُمُومِهَا فَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ وَهِيَ من حَيْثُ عُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا تُطْلَقُ على كل أَسَدٍ في الْعَالَمِ لِأَنَّا إنَّمَا أَخَذْنَاهَا في الذِّهْنِ مُجَرَّدَةً عن جَمِيعِ الْخُصُوصِيَّاتِ فَتُطْلَقُ على الْجَمِيعِ فَلَا جَرَمَ يُطْلَقُ لَفْظُ الْأَسَدِ وَأُسَامَةَ على جَمِيعِ الْأُسُودِ لِوُجُودِ الشَّرِكَةِ فيها كُلِّهَا فَيَقَعُ الْفَرْقُ بين اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ بِخُصُوصِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْفَرْقُ بين عَلَمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الشَّخْصِ أَنَّ عَلَمَ الشَّخْصِ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الْخَارِجِيِّ وَعَلَمَ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ ا هـ وقال ابن إيَازٍ رَدًّا على من فَرَّقَ بين اسْمِ الْجِنْسِ وَعَلَمِ الْجِنْسِ أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ وهو أُسَامَةُ مَوْضُوعٌ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ من غَيْرِ نَظَرٍ لِلْأَفْرَادِ وَعَكْسُهُ اسْمُ الْجِنْسِ قال فَيَلْزَمُ أَنَّ أُسَامَةَ إذَا اُسْتُعْمِلَ في الْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو حَقِيقَةٌ وقال الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ في الرَّدِّ على من فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْوَضْعُ مَسْبُوقٌ بِالتَّصَوُّرِ فَإِنْ كان لِلْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ فَيَلْزَمُ وَضْعُهُ من غَيْرِ قَصْدٍ وهو بَاطِلٌ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ إنَّمَا حُكِمَ لِعَلَمِ الْجِنْسِ بِالْعَلَمِيَّةِ لِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْأَعْلَامِ في أَرْبَعَةِ أُمُورٍ دُخُولِ أَلْ عليها وَإِضَافَتِهَا وفي نَصْبِ الْحَالِ عنها نحو هذا أُسَامَةُ مُقْبِلًا وَامْتِنَاعِ صَرْفِهَا عِنْدَ وُجُودِ عِلَّتَيْنِ فيها وفي تَحَقُّقِ عِلْمِيَّتِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا لِأَبِي سَعِيدٍ وَبِهِ قال ابن بَابْشَاذَ وابن يَعِيشَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ على الْجِنْسِ بِأَسْرِهِ بِمَنْزِلَةِ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ بِاللَّامِ في نَحْوِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَلِهَذَا يُقَالُ ثُعَالَةُ يَفِرُّ من أُسَامَةَ أَيْ أَشْخَاصُ هذا الْجِنْسِ يَفِرُّ من أَشْخَاصِ هذا الْجِنْسِ وَإِنَّمَا لم يَحْتَاجُوا في هذا النَّوْعِ إلَى تَعْيِينِ الشَّخْصِ كَغَيْرِهَا من الْأَعْلَامِ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ أَفْرَادِهَا قال ابن يَعِيشَ وَتَعْرِيفُهَا لَفْظِيٌّ وَهِيَ في الْمَعْنَى نَكِرَاتٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ أُطْلِقَ على الْجِنْسِ فَقَدْ يُطْلَقُ على أَفْرَادِهِ وَلَا يَخُصُّ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَعَلَى هذا فَيَخْرُجُ عن حَدِّ الْعَلَمِ وَالثَّانِي لِابْنِ الْحَاجِبِ أنها مَوْضُوعَةٌ لِلْحَقَائِقِ الْمُتَّحِدَةِ في الذِّهْنِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ نحو أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْت الْمَاءَ فإذا أُطْلِقَ على الْوَاحِدِ في الْوُجُودِ فَلَا بُدَّ من الْقَصْدِ إلَى الْحَقِيقَةِ فَالتَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَالْفَرْقُ بين أَسَدٍ وَأُسَامَةَ أَنَّ أَسَدًا مَوْضُوعٌ لِكُلِّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ النَّوْعِ على طَرِيقِ الْبَدَلِ فَالتَّعَدُّدُ فيه من أَصْلِ الْوَضْعِ وَأَمَّا أُسَامَةُ فإنه لَزِمَ من إطْلَاقِهِ على الْوَاحِدِ في الْوُجُودِ التَّعَدُّدِ فَالتَّعَدُّدُ جاء فيه ضِمْنًا لَا مَقْصُودًا بِالْوَضْعِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَمَّا لم يَتَعَلَّقْ بِوَضْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ بَلْ الْوَاحِدُ من حُفَاةِ الْعَرَبِ إذَا وَقَعَ طَرَفُهُ على وَحْشٍ عَجِيبٍ أو طَيْرٍ غَرِيبٍ أَطْلَقَ عليه اسْمًا يَشْتَقُّهُ من خِلْقَتِهِ أو فِعْلِهِ أو وَصْفِهِ فإذا رَآهُ مَرَّةً أُخْرَى أَجْرَى عليه ذلك الِاسْمَ بِاعْتِبَارِ شَخْصِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ على تَصَوُّرِ أَنَّ هذا الْمَوْجُودَ هو الْمُسَمَّى أَوَّلًا أو غَيْرُهُ فَصَارَتْ مُشَخَّصَاتُ كل نَوْعٍ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعُ قُلْته أنا أَنَّ لَفْظَ عَلَمِ الْجِنْسِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بين الْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ فإن لَفْظَ أُسَامَةَ يَدُلُّ على الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ عَرِيضِ الْأَعَالِي فَالِافْتِرَاسُ وَعَرْضُ الْأَعَالِي مُشْتَرَكٌ بين الذِّهْنِيِّ وَالْوُجُودِيِّ فإذا أُطْلِقَ على الْوَاحِدِ في الْوُجُودِ فَقَدْ أُطْلِقَ على ما وُضِعَ له لِوُجُودِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَيَلْزَمُ من إخْرَاجِهِ إلَى الْوُجُودِ التَّعَدُّدُ فَيَكُونُ التَّعَدُّدُ من اللَّوَازِمِ لَا مَقْصُودًا بِالْوَضْعِ بِخِلَافِ أَسَدٍ فإن تَعَدُّدَهُ مَقْصُودٌ بِالْوَضْعِ فإذا تَقَرَّرَ ذلك فَالْفَرْقُ بين عَلَمِ الْجِنْسِ وَاسْمِ الْجِنْسِ بِأُمُورٍ أَحَدُهَا امْتِنَاعُ دُخُولِ اللَّامِ على أَحَدِهِمَا وَجَوَازُهُ في الْآخَرِ وَلِذَلِكَ كان ابن لَبُونٍ وابن مَخَاضٍ اسْمَ جِنْسٍ بِدَلِيلِ دُخُولِ لَامِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِمَا الثَّانِي امْتِنَاعُ الصَّرْفِ يَدُلُّ على الْعِلْمِيَّةِ الثَّالِثُ نَصْبُ الْحَالِ عنها الرَّابِعُ نَصَّ أَهْلُ اللُّغَةِ على ذلك وَأَمَّا الْإِضَافَةُ فَلَا دَلِيلَ فيها لِأَنَّ الْأَعْلَامَ جَاءَتْ مُضَافَةً ا هـ وَأَحْسَنُ ما قِيلَ فيه أَنَّ اللَّفْظَ إنْ كان مَوْضُوعًا بِإِزَاءِ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُتَصَوَّرَ الْحَقِيقَةُ وَيَحْضُرَ فَرْدٌ من أَفْرَادِهَا في الذِّهْنِ مُتَشَخِّصًا فَالْوَاضِعُ تَارَةً يَضَعُ لِلْحَقِيقَةِ لَا بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الْخَاصِّ في ذِهْنِهِ فَيَكُونُ ذلك اسْمَ جِنْسٍ كَمَنْ حَضَرَ في ذِهْنِهِ حَقِيقَةُ الْأَسَدِ وَتَشَخَّصَ في ذِهْنِهِ فَرْدٌ من أَفْرَادِهِ فَوُضِعَ لِلْحَقِيقَةِ لَا لِذَلِكَ الْفَرْدِ وَتَارَةً يَضَعُ لِلتَّشَخُّصِ الْخَاصِّ في ذِهْنِهِ بِقَيْدِ ذلك الشَّخْصِ الذي هو حَاصِلٌ في أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ خَارِجِيَّةٍ فَهَذَا عَلَمُ الْجِنْسِ وَتَارَةً يَضَعُ لِلشَّخْصِ الْخَارِجِيِّ فَهُوَ عَلَمُ الشَّخْصِ وَسُمِّيَ هذا عَلَمًا لِأَنَّ الْوَضْعَ فيه لِلشَّخْصِ لِيَكُونَ التَّشْخِيصُ لِلْوَضْعِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ وَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلَى أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ هو الذي لُوحِظَ فيه خَاصَّةً من خَوَاصِّ ذلك الْجِنْسِ وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْعَلَمَ هو الْمَوْضُوعُ لِلْحَقِيقَةِ بِقَيْدِ التَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ وَلَيْسَ هذا من بَابِ الِاصْطِلَاحِ حتى لَا يُمْنَعَ لِأَنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْعَلَمَ حَقِيقَتُهُ الْوَضْعُ لِلتَّشَخُّصِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ فَاعْتِبَارُ الْوَصْفِ لَا مَدْخَلَ له فيه فَهَذَا هو الْفَرْقُ الصَّحِيحُ بين الثَّلَاثَةِ وَعِبَارَةُ سِيبَوَيْهِ تُعْطِي ذلك حَيْثُ قال هذا بَابٌ من الْمَعْرِفَةِ يَكُونُ فيه الِاسْمُ الْخَاصُّ شَائِعًا في أُمَّتِهِ ليس وَاحِدٌ منها بِهِ من الْآخَرِ نحو قَوْلِك لِلْأَسَدِ أبو الْحَارِثِ وَأُسَامَةُ وَلِلثَّعْلَبِ ثُعَالَةٌ وأبو الْحُصَيْنِ وَذَكَرَ أَمْثِلَةً وَفَرَّقَ بين أُسَامَةَ وَزَيْدٍ بِأَنَّ زَيْدًا قد عَرَفَهُ الْمُخَاطَبُ بِحِلْيَتِهِ أو أَنَّهُ قد بَلَغَهُ وإذا قال أُسَامَةُ فَإِنَّمَا يُرِيدُ هذا الْأَسَدَ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُشِيرَ إلَى شَيْءٍ قد عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ قبل ذلك كَمَعْرِفَتِهِ زَيْدًا وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِ هذا الذي كُلُّ وَاحِدٍ من أُمَّتِهِ له هذا الِاسْمُ فَهَذَا الْكَلَامُ منه يُعْطِي ما قُلْنَا وَانْظُرْ قَوْلَهُ يَكُونُ فيه الِاسْمُ خَاصًّا شَائِعًا فَجَعَلَهُ خَاصًّا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْمُشَخِّصَةِ الْمَوْضُوعِ وَشَائِعًا بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ الْخَارِجِيَّةِ وَإِلَى قَوْلِهِ يُرِيدُ هذا الْأَسَدَ وَلَا يُرِيدُ إلَى شَيْءٍ قد عَرَفْته وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَتَّضِحُ أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ مَعْرِفَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى وَأَنَّ قَوْلَ ابْنِ مَالِكٍ إنَّهُ مَعْرِفَةٌ لَفْظًا وَنَكِرَةٌ مَعْنًى وَأَنَّهُ في أُسَامَةَ في السِّبَاعِ كَأَسَدٍ مَمْنُوعٌ وَوَافَقَهُ أبو حَيَّانَ على أَنَّ أُسَامَةَ نَكِرَةٌ في الْمَعْنَى وَفِيهِ ما تَقَدَّمَ فإذا ثَبَتَ هذا فَلَا إشْكَالَ في أَنَّ عَلَمَ الْجِنْسِ كُلِّيٌّ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ في مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ فَصْلٌ في نِسْبَةِ الْأَسْمَاءِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ الِاسْمُ وَالْمُسَمَّى إمَّا أَنْ يَتَّحِدَا أو يَتَكَثَّرَا أو يَتَكَثَّرَ الِاسْمُ وَيَتَّحِدَ الْمُسَمَّى أو عَكْسُهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَّحِدَا فَإِنْ كان نَفْسُ تَصَوُّرِ ذلك الْعَيْنِ يَمْنَعُ من وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فيه فَهُوَ الْجُزْئِيُّ وَإِنْ لم يَمْنَعْ وكان الِاشْتِرَاكُ وَاقِعًا فيه بِالْفِعْلِ وَعَلَى السَّوِيَّةِ فَمُتَوَاطِئٌ وَإِلَّا فَمُشَكِّكٌ فَالْمُتَوَاطِئَةُ هِيَ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ على الْأَعْيَانِ الْمُتَغَايِرَةِ بِالْعَدَدِ الْمُتَّفِقَةِ في الْمَعْنَى الذي وُضِعَ اللَّفْظُ له كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْإِنْسَانِ على زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَدَلَالَةِ لَفْظِ الْحَيَوَانِ على الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَمِنْهُ دَلَالَةُ اللَّمْسِ على الْقُبْلَةِ وَعَلَى الْجِمَاعِ وَعَلَى غَيْرِهَا من أَنْوَاعِهِ وَدَلَالَةُ اللَّوْنِ على السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَعَلَى غَيْرِهَا من أَنْوَاعِهِ الثَّانِي أَنْ يَتَكَثَّرَا فَهِيَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَبَايِنَةُ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ وَغَيْرِ ذلك من الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَوْضُوعِ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَذَلِكَ إمَّا أَنْ تَتَبَايَنَ بِذَاتِهَا أَيْ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَجَرِ أو تَتَبَايَنَ بِصِفَاتِهَا مع إمْكَانِ اجْتِمَاعِهَا بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا اسْمًا لِلذَّاتِ وَبَعْضُهَا اسْمًا لها إذَا اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ وَيُسَمَّى الْمُزَايَلَةَ وقد يَكُونُ بَعْضُهَا اسْمًا لِلصِّفَةِ وَبَعْضُهَا اسْمًا لِصِفَةِ الصِّفَةِ كَالنَّاطِقِ بِالْفِعْلِ وَالْفَصِيحِ وَسُمِّيَتْ مُتَبَايِنَةً من الْبَيْنِ الذي هو التَّبَاعُدُ لِأَنَّ مُسَمَّى هذا غَيْرُ مُسَمَّى ذَاكَ أو من الْبَيْنِ الذي هو الْفِرَاقُ لِمُفَارَقَةِ كل وَاحِدٍ من الْآخَرِ لَفْظًا وَمَعْنًى الثَّالِثُ أَنْ يَتَعَدَّدَ اللَّفْظُ وَيَتَّحِدَ الْمَعْنَى فَهِيَ الْمُتَرَادِفَةُ كَالْإِنْسَانِ وَالْبَشَرِ قال ابن خَرُوفٍ النَّحْوِيُّ وَإِنَّمَا يَكُونُ في الْأَجْنَاسِ لَا الْأَعْلَامِ انْتَهَى وَاشْتِقَاقُهُ من رِدْفِ الدَّابَّةِ يُشْبِهُ اجْتِمَاعَ الرَّاكِبِينَ على مَعْنًى وَاحِدٍ بِاجْتِمَاعِ الرَّاكِبِينَ على دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ إنْ اتَّحَدَ مُسَمَّاهَا ظَهَرَ التَّرَادُفُ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِوَجْهٍ من الْوُجُوهِ فَلَا تَرَادُفَ وقد يَخْفَى وَجْهُ الِاخْتِلَافِ فَيَقَعُ الْغَلَطُ وَمِمَّا اعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ في هذا النَّظَرِ في الِاشْتِقَاقِ اللَّفْظِيِّ وَيُجْعَلُ التَّبَايُنُ وَاقِعًا فيه وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ كما سَيَأْتِي الرَّابِعُ عَكْسُهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قد وُضِعَ لِلْكُلِّ أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ من تِلْكَ الْمَعَانِي أو لَا وَالْأَوَّلُ الْمُشْتَرَكُ كَالْعَيْنِ لِمَدْلُولَاتِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يُوضَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَلْ لِمَعْنًى ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَنْتَقِلَ لِعَلَاقَةٍ أو لَا فَإِنْ لم يَنْتَقِلْ لِعَلَاقَةٍ فَهُوَ الْمُرْتَجَلُ قَالَهُ الْإِمَامُ وهو مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ فإن الْمُرْتَجَلَ عِنْدَهُمْ هو الذي لم يُسْبَقْ بِوَضْعٍ كَغَطَفَانَ مَأْخُوذٌ من قَوْلِهِمْ شِعْرٌ مُرْتَجَلٌ أَيْ لم يُسْبَقْ بِفِكْرٍ مَأْخُوذٌ من الرِّجْلِ لِأَنَّهُ إذَا لم يُسْبَقْ بِفِكْرِ مُتَأَمِّلِهِ كَالْوَاقِفِ على رِجْلٍ فإنه لَا يَتَمَكَّنُ من النَّظَرِ وَإِنْ نُقِلَ لِعَلَاقَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَقْوَى في الثَّانِي أو لَا وَالْأَوَّلُ الْمَنْقُولُ ثُمَّ إنْ كان النَّاقِلُ الشَّرْعَ كَالصَّلَاةِ سُمِّيَ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ أو الْعُرْفِ الْعَامِّ فَالْعُرْفِيَّةِ أو الْخَاصِّ كَاصْطِلَاحِ النُّحَاةِ على الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ سُمِّيَ بِالِاصْطِلَاحِيَّةِ وَإِنَّمَا أُطْلِقَ على هذا نَقْلًا لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تَبْقَى زَمَنَيْنِ وما لَا يَقْبَلُ الْبَقَاءَ لَا يَقْبَلُ التَّحْوِيلَ وَلَكِنْ لَمَّا وُضِعَ لِشَيْءٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ حتى غَلَبَ عليه فَكَأَنَّهُ قد حُوِّلَ من مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ وَالثَّانِي وهو أَنْ لَا يَكُونَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ على الْمَنْقُولِ إلَيْهِ أَقْوَى من دَلَالَتِهِ على الْمَنْقُولِ عنه فإن الْأَوَّلَ يُسَمَّى بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ في الْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَالثَّانِيَ مَجَازًا وقال بَعْضُهُمْ الْمَجَازُ ثَلَاثُهُ أَقْسَامٍ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ إنْ لم يَكُنْ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ما وُضِعَ له فَهُوَ الْمُرْتَجَلُ وَإِنْ كان فَإِنْ لم يَحْسُنْ فيه أَدَاةُ التَّشْبِيهِ فَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ وَإِنْ حَسُنَ ذلك فَهُوَ مَجَازُ التَّشْبِيهِ وَفَائِدَةُ الْمُرْتَجَلِ التَّوَسُّعُ في الْكَلَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ الْأُوَلَ الْمُتَّحِدَةَ الْمَعْنَى نُصُوصٌ لِأَنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ منها فَرْدًا مُعَيَّنًا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وَقَوْلُنَا الْمُتَّحِدَةَ الْمَعْنَى يُخْرِجُ الْعَيْنَ وَالْقُرْءَ فَإِنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ مع أنها لَيْسَتْ بِنُصُوصٍ لِأَجْلِ الِاشْتِرَاكِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ دَلَالَتَهُ على كل وَاحِدٍ من الْمَعَانِي على السَّوَاءِ أَيْ مُتَسَاوِيَانِ في الْفَهْمِ فَلَيْسَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا مَعًا مُشْتَرَكًا وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كل وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مُجْمَلًا وَإِلَّا فَإِنْ كانت دَلَالَتُهُ على بَعْضِهَا أَرْجَحَ فَالطَّرَفُ الرَّاجِحُ ظَاهِرٌ لِمَا فيه من الظُّهُورِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وقد سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا نَصًّا لِمُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَرْجُوحُ مُؤَوَّلٌ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الظُّهُورِ عِنْدَ مُسَاعَدَةِ الدَّلِيلِ فَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ظَاهِرٌ في نَفْيِ الْإِجْزَاءِ رَاجِحٌ وهو مَرْجُوحٌ في نَفْيِ الْكَمَالِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكِ بين النَّصِّ وَالظَّاهِرِ من الرُّجْحَانِ يُسَمَّى الْمُحْكَمَ لِإِحْكَامِ عِبَارَتِهِ وَإِثْبَاتِهِ فَالْمُحْكَمُ جِنْسٌ لِنَوْعَيْ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَمُقَابِلُهُمَا الْمُجْمَلُ وَالْمُؤَوَّلُ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا من عَدَمِ الرُّجْحَانِ يُسَمَّى الْمُتَشَابِهَ فَهُوَ جِنْسٌ لِنَوْعَيْ الْمُجْمَلِ وَالْمُؤَوَّلِ وَأَصْلُ هذا الِاصْطِلَاحِ مَأْخُوذٌ من قَوْله تَعَالَى منه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ تَقْسِيمُ اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ وهو إمَّا تَامٌّ أو غَيْرُ تَامٍّ فَأَمَّا التَّامُّ فَهُوَ الذي يَحْسُنُ السُّكُوتُ عليه وَيُسَمَّى كَلَامًا قال الزَّمَخْشَرِيُّ وَجُمْلَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْجُمْلَةَ أَعَمُّ من الْكَلَامِ لِأَنَّ شَرْطَ الْكَلَامِ الْإِفَادَةُ بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ جُمْلَةُ الشَّرْطِ جُمْلَةُ الْجَوَابِ وهو ليس بِمُفِيدٍ فَلَيْسَ كَلَامًا وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ شَرَطَ قَوْمٌ من النُّحَاةِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلسَّامِعِ فَائِدَةً غير مَعْلُومَةٍ له وَالصَّوَابُ حُصُولُ حَقِيقَةِ الْكَلَامِ بِمُجَرَّدِ الْإِسْنَادِ الذي يَصِحُّ السُّكُوتُ عليه وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْقَضَايَا الْبَدِيهِيَّةُ كُلُّهَا لَيْسَتْ كَلَامًا وهو بَاطِلٌ لِوُجُوبِ انْتِهَاءِ جَمِيعِ الدَّلَائِلِ إلَيْهَا وَحَكَى ابن فَارِسٍ عن بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُهْمَلَ يُطْلَقُ عليه كَلَامٌ وَخَطَّأَهُ قال وَأَهْلُ اللُّغَةِ لم يَذْكُرُوهُ في أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَى في كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا في أَنَّ الْمُهْمَلَ كَلَامٌ أو لَا قال وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُسَمَّى كَلَامًا مَجَازًا وَلَا يَتَأَلَّفُ الْكَلَامُ إلَّا من اسْمَيْنِ أو اسْمٍ وَفِعْلٍ إمَّا مَلْفُوظٌ بِهِ كَقَامَ زَيْدٌ أو مُقَدَّرٌ كَ يا زَيْدُ فإن حَرْفَ النِّدَاءِ في تَقْدِيرِ الْفِعْلِ وهو أَدْعُو زَيْدًا وَاعْتُرِضَ على هذا بِأَنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَاحْتَمَلَ التَّكْذِيبَ وَالتَّصْدِيقَ وَسَنَذْكُرُ جَوَابُهُ وزاد بَعْضُهُمْ تَرْكِيبَ الْحُرُوفِ مع ما هو في تَقْدِيرِ الِاسْمِ نحو أَمَا أَنَّك ذَاهِبٌ بِفَتْحِ أَنَّ وَزَعَمَ ابن خَرُوفٍ أَنَّ هذا من بَابِ يا زَيْدُ على مَذْهَبِ أبي عَلِيٍّ وهو مَرْدُودٌ بِأَنَّ أَنَّ وَإِنْ كان في تَقْدِيرِ مُفْرَدٍ فإن في الْكَلَامِ مُسْنَدًا وَمُسْنَدًا إلَيْهِ وَجَوَّزَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ائْتِلَافَهُ من فِعْلٍ وَحَرْفٍ نحو قد قام وهو مَرْدُودٌ بِأَنَّ هذا إنَّمَا يُفِيدُ لِتَصَوُّرِ ضَمِيرٍ في الْفِعْلِ الذي هو في قام فَيَكُونُ الْمَعْنَى قد قام فُلَانٌ وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فيه أَنْ يَكُونَ من نَاطِقٍ وَاحِدٍ فَلَوْ اصْطَلَحَ اثْنَانِ على أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا أو مُبْتَدَأً وَالْآخَرُ فَاعِلُ ذلك الْفِعْلِ أو خَبَرُ ذلك الْمُبْتَدَأِ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى في الْكَلَامِ على تَخْصِيصِ الْعَامِّ هل يُغَيِّرُ صِفَتَهُ وَرَدَّ ابن مَالِكٍ ذلك وقال الْمَجْمُوعُ كَلَامٌ لِاشْتِمَالِهِ على حَدِّهِ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ النَّاطِقِ كما لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الْكَاتِبِ في كَوْنِ الْخَطِّ خَطًّا ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فيه في مَوَاضِعَ أَحَدُهَا أَنَّهُ هل يُحَدُّ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ وقال إنَّمَا يُبَيَّنُ بِالتَّفْصِيلِ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ من الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَلَا عِبَارَةَ تُحِيطُ بِذَلِكَ إلَّا بِتَطْوِيلٍ يُصَانُ الْحَدُّ عنه وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ يُحَدُّ وَلِلْقَاضِي فيه قَوْلَانِ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ على أَنَّهُ يُحَدُّ كَالْعَلَمِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فقال الْأَشْعَرِيُّ ما أُوجِبَ لِمَحَلِّ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْقَوْلُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ التي تَدُلُّ عليه الْعِبَارَاتُ وَزُيِّفَ بِأَنَّ الْكَلَامَ هو الْقَوْلُ فَكَيْفَ يُحَدُّ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ مَجَازٌ فإن الْقَائِمَ من صِفَاتِ الْعُقَلَاءِ ثُمَّ إنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بها الْأَلْفَاظُ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا من قَرِينَةٍ الثَّانِي اخْتَلَفُوا وَهَلْ هو حَقِيقَةٌ في اللِّسَانِيِّ أو النَّفْسَانِيِّ فيه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ تَقَدَّمَتْ مَحْكِيَّةً عن الْأَشْعَرِيِّ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي وَيَتَخَرَّجُ على ذلك مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ في الصَّلَاةِ مُطْلَقًا مُبْطِلٌ فَلَوْ نَظَرَ الْمُصَلِّي في مَكْتُوبٍ غَيْرِ قُرْآنٍ وَرَدَّدَ ما فيه في نَفْسِهِ لم تَبْطُلْ وَقِيلَ تَبْطُلُ إنْ طَالَ حَكَاهُ ابن كَجٍّ عن النَّصِّ الثَّانِي إذَا حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ فَتَكَلَّمَ في نَفْسِهِ من غَيْرِ أَنْ يُخَاطِبَ أَحَدًا أو صلى وسلم في صَلَاتِهِ هل يَحْنَثُ قال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا لَا يَحْنَثُ وَيُحْمَلُ على الْكَلَامِ الْمُتَعَارَفِ بين الناس قال وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ حَقِيقَةً وَاعْلَمْ أَنَّهُ لم يُفَرِّعْ أَئِمَّتُنَا على الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَلَا اعْتَبَرُوهُ بِمُجَرَّدِهِ في إثْبَاتِ الْعُقُودِ وَلَا في فَسْخِهَا ولم يُوقِعُوا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ صَمَّمَ عليها بِقَلْبِهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ الْمَنْوِيِّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ له بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ما لم تَكَلَّمْ أو تَعْمَلْ وَوَجْهُ اخْتِلَافِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا لو حَرَّكَ لِسَانَهُ بِالطَّلَاقِ ولم يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ السَّمِيعُ بِنَفْسِهِ أَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ نُطْقٌ وَإِنَّمَا لم يَثْبُتُوا له حُكْمَ الْكَلَامِ على أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كما لم يَجْعَلُوهُ قِرَاءَةً إذَا لم يُسْمِعْ نَفْسَهُ وَلِأَنَّ الْعُقُودَ الْمُفْتَقِرَةَ إلَى الْإِشْهَادِ تَفْتَقِرُ إلَى سَمَاعِ الشَّاهِدِ وَطَرِيقِ الصَّوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقْسَامُ الْكَلَامِ بِاعْتِبَارِ ما يَتَرَتَّبُ عليه من الْمَعْنَى وَيَنْقَسِمُ الْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ ما يَتَرَتَّبُ عليه من الْمَعْنَى إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ طَلَبًا بِالْوَضْعِ أو لَا وَالْأَوَّلُ إنْ كان الطَّلَبُ لِذِكْرِ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ فَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ كَقَوْلِك ما هذا وَمَنْ هذا وَإِنْ كان لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ من الْأُمُورِ فَإِنْ كان مع الِاسْتِعْلَاءِ فَأَمْرٌ أو مع التَّسَاوِي فَالْتِمَاسٌ أو مع التَّسَفُّلِ فَدُعَاءٌ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ أو لَا وَالْأَوَّلُ الْخَبَرُ وَالثَّانِي التَّنْبِيهُ وَيَنْدَرِجُ فيه التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالْقَسَمُ وَالنِّدَاءُ وَيُسَمَّى الْخَبَرُ قَضِيَّةً لِأَنَّك قَضَيْت فيها بِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ من جُزْئَيْهَا مَحْكُومًا عليه وَالْآخَرُ مَحْكُومًا بِهِ وَالْمَنْطِقِيُّونَ يُسَمُّونَ الْأَوَّلَ مَوْضُوعًا وَالثَّانِيَ مَحْمُولًا ثُمَّ الْقَضِيَّةُ إمَّا كُلِّيَّةً أو جُزْئِيَّةً أو صَالِحَةً لَهُمَا وَتُسَمَّى الْمُهْمَلَةُ وَصِدْقُهَا على الْجُزْئِيِّ ضَرُورِيٌّ فَأَمَّا صِدْقُهَا على الْكُلِّيِّ فَمَنَعَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ وَأَمَّا لُغَةُ الْعَرَبِ فَتَقْتَضِي الْحُكْمَ عليه بِالِاسْتِغْرَاقِ وَعَلَيْهِ جَرَى الْأُصُولِيُّونَ وما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِ النِّدَاءِ من جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ لَا شَكَّ فيه وَزَعَمَ ابن بَابْشَاذَ النَّحْوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُمْ في الْقَذْفِ يا فَاسِقُ يا زَانِي مِمَّا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَغَلَّطُوهُ بِأَنَّ التَّكْذِيبَ لَا يَرِدُ على النِّدَاءِ إذْ لَا فَرْقَ بين نِدَاءِ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حَقِيقَةِ التَّذْكِيرِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ على أَنَّهُ ليس فيه تِلْكَ الصِّفَةُ نَفْسُهَا وَذَلِكَ غَيْرُ النِّدَاءِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ بَرْهَانٍ في الْغُرَّةِ إذَا نَادَيْت وَصْفًا فَالْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ وإذا نَادَيْت اسْمًا فَالْجُمْلَةُ لَيْسَتْ بِخَبَرِيَّةٍ وَلِهَذَا لو قال يا زَانِيَةُ وَجَبَ الْحَدُّ نعم اخْتَلَفُوا في نَاصِبِ الْمُنَادَى فَقِيلَ فِعْلٌ مُضْمَرٌ أَيْ أَدْعُو زَيْدًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ النِّدَاءِ إلَى بَابِ الْإِخْبَارِ الذي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَقِيلَ الْحَرْفُ وهو يا لِأَنَّهُ صَارَ بَدَلًا من الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ بِدَلِيلِ أنها أُمِيلَتْ وقال الْعَبْدَرِيُّ يا اسْمُ فِعْلٍ فَنَصَبَتْ كَنَصْبِهِ لِأَنَّ يا اسْمٌ لِقَوْلِك أُنَادِي كما أَنَّ أُفٍّ اسْمٌ لِقَوْلِك أَتَضَجَّرُ وَرُدَّ بِأَنَّ أُنَادِي خَبَرٌ وَلَيْسَ يا بِخَبَرٍ وَمِنْ شَرْطِ اسْمِ الْفِعْلِ أَنْ يُوَافِقَهُ في قَبُولِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَعَدَمِهِ وقد خَطَّأَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ في أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ من فَسَّرَ قَوْلَنَا يا زَيْدُ بِأُنَادِي من وُجُوهٍ حَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ يا زَيْدُ إنْشَاءٌ وَقَوْلُنَا أُنَادِي خَبَرٌ وَلِأَنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَصَلَحَ قَوْلُنَا يا زَيْدُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِعَمْرٍو كما صَلَحَ قَوْلُنَا أُنَادِي زَيْدًا لِذَلِكَ وَرَدَّ عليه بَعْضُهُمْ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أُنَادِي الذي هو بِمَعْنَى يا زَيْدُ خَبَرٌ وَإِنَّمَا هو إنْشَاءٌ نعم الْخَبَرُ الذي هو أُنَادِي زَيْدًا ليس هو بهذا الْمَعْنَى وَأَجَابَ الشَّيْخُ شَرَفُ الدِّينِ الْمُرْسِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ قد يُنْقَلُ من الْخَبَرِيَّةِ إلَى الْإِنْشَائِيَّةِ كَأَلْفَاظِ الْعُقُودِ التي يُقْصَدُ بها اسْتِحْدَاثُ الْأَحْكَامِ بِأَنَّهَا بَعْدَ نَقْلِهَا إلَى الْإِنْشَاءِ لم تَبْقَ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَكَذَلِكَ هذا وَكُلُّ هذا غَفْلَةٌ عن تَحْقِيقِ الْمَحْذُوفِ في الْمُنَادَى وَسِيبَوَيْهِ لم يُقَدِّرْ يا زَيْدُ بِأُنَادِي زَيْدًا بَلْ قَدَّرَهُ يا أُنَادِي زَيْدًا كَأَنَّ يا أَوَّلًا تَنْبِيهٌ غَيْرُ خَاصٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِهِ من سَمِعَهُ فَبَيَّنَ الْمُنَبَّهُ بَعْدَ هذا التَّنْبِيهِ غَيْرِ الْخَاصِّ أَنَّهُ خَاصٌّ فَتَقْدِيرُ الْفِعْلِ في النِّدَاءِ على مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَلَا يُغَيِّرُهُ من بَابِ الْإِنْشَاءِ إلَى الْخَبَرِ كما قالوا بَلْ هو كَتَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ في قَوْلِك زَيْدٌ عِنْدَك الذي هو مُسْتَقِرٌّ إذَا قَدَّرْت فَقُلْت زَيْدٌ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَك في أَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى وَلَا يُغَيِّرُهُ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَصَيَّدْتهَا من كَلَامِ الْأُسْتَاذِ النَّحْوِيِّ أبي عَلِيٍّ الشَّلَوْبِينِيُّ رضي اللَّهُ عنه خاتمة في أمرين يتعين الاهتمام بهما مَبْحَثٌ الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى أو غَيْرِهِ أَحَدُهُمَا الْكَلَامُ في أَنَّ الِاسْمَ هل هو الْمُسَمَّى أو غَيْرُهُ وقد كَثُرَ خَبْطُ الناس فيها وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْخِلَافَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ وَأَنَّهُ لو كان الِاسْمُ هو الْمُسَمَّى لَاحْتَرَقَ من نَطَقَ بِاسْمِ النَّارِ وَلَوْ كان غَيْرَهُ لَلَزِمَ كَذَا وَكَذَا وَكُلُّ ذلك نَاشِئٌ عن عَدَمِ فَهْمِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقُولُ إذَا سَمَّيْت شيئا بِاسْمٍ فَالنَّظَرُ في ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ذلك الِاسْمُ وهو اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ قبل التَّسْمِيَةِ وَمَعْنَاهُ بَعْدَهَا وهو الذَّاتُ التي أُطْلِقَ عليها اللَّفْظُ وَالذَّاتُ وَاللَّفْظُ مُتَغَايِرَانِ قَطْعًا وَالنُّحَاةُ إنَّمَا يُطْلِقُونَ الِاسْمَ على اللَّفْظِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ في الْأَلْفَاظِ وهو غَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ وَالذَّاتُ هو الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ وَلَيْسَ هو الِاسْمُ قَطْعًا وَالْخِلَافُ في الْأَمْرِ الثَّالِثِ وهو مَعْنَى اللَّفْظِ قبل التَّلْقِيبِ فَعَلَى قَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّمِينَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عليه وَيَخْتَلِفُونَ في أَنَّهُ الثَّالِثُ أو لَا فَالْخِلَافُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ في الِاسْمِ الْمَعْنَوِيِّ هل هو الْمُسَمَّى أَمْ لَا لَا في الِاسْمِ اللَّفْظِيِّ وَأَمَّا النُّحَاةُ فَلَا يُطْلِقُونَ الِاسْمَ على غَيْرِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ في الْأَلْفَاظِ وَالْمُتَكَلِّمُ لَا يُنَازِعُ في ذلك وَلَا يَمْنَعُ هذا الْإِطْلَاقَ لِأَنَّهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَدْلُولِ على الدَّالِّ وَيُرِيدُ شيئا دَعَاهُ عِلْمُ الْكَلَامِ إلَى تَحْقِيقِهِ في مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَإِطْلَاقُهُمَا على الْبَارِي تَعَالَى مِثَالُهُ إذَا قُلْت عبد اللَّهِ أَنْفُ النَّاقَةِ فَالنُّحَاةُ يُرِيدُونَ بِاللَّقَبِ لَفْظَ أَنْفِ النَّاقَةِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُرِيدُونَ مَعْنَاهُ وهو ما يُفْهَمُ منه من مَدْحٍ أو ذَمٍّ وَقَوْلُ النُّحَاةِ إنَّ اللَّقَبَ وَيَعْنُونَ بِهِ اللَّفْظَ يُشْعِرُ بِضِعَةٍ أو رِفْعَةٍ لَا يُنَافِيهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ لِدَلَالَتِهِ على الْمَعْنَى وَالْمَعْنَى في الْحَقِيقَةِ هو الْمُقْتَضِي لِلضِّعَةِ أو الرِّفْعَةِ وَذَاتُ عبد اللَّهِ يَعْنِي اللَّقَبَ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَهَذَا تَنْقِيحُ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ خَاصٌّ بِأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَقَّةِ لَا في كل اسْمٍ وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هو الْمَسْأَلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ في الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وقال بَعْضُ الْأَئِمَّةِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْمَ هو الْمُسَمَّى من حَيْثُ الْمَدْلُولُ وهو غَيْرُ الْمُسَمَّى من حَيْثُ الدَّلَالَةُ فإن الدَّلَالَةَ تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ وَتَتَعَدَّدُ وَالْمَدْلُولُ يَتَعَدَّدُ وَلَا يَتَبَدَّلُ وقال الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ بن النَّحَّاسِ قال شَيْخُنَا ابن عَمْرُونٍ هذا الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ ثُمَّ قال وَلَا حَاجَةَ لي إلَى الْخَوْضِ في ذلك بَلْ أَقُولُ بَدَلُ الِاسْمِ الْعِبَارَةُ وَبَدَلُ الْمُسَمَّى الْمُعَبَّرُ عنه وَهَذَا لَا نِزَاعَ فيه وقال الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ الصَّحِيحُ أَنْ يُحْمَلَ على اخْتِلَافِ حَالَاتٍ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا ضَرَبْت زَيْدًا أو أَكْرَمْت زَيْدًا لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِزَيْدٍ ليس هذه الْحُرُوفَ بَلْ الْمُسَمَّى وإذا قُلْنَا كَتَبْت زَيْدًا أو مَحَوْت زَيْدًا ليس الْمُرَادُ بِهِ إلَّا هذه الْحُرُوفَ لَا الْمُسَمَّى فَعَرَفْنَا أَنَّ الْخِلَافَ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ عِبَارَاتٍ الثَّانِي أَنَّ إثْبَاتَ الْفِعْلِ هل يَسْتَدْعِي إثْبَاتَ مُطَاوِعِهِ أَمْ لَا مِثَالُهُ إذَا قُلْت أَخْرَجْته فَهَلْ يَسْتَدْعِي ذلك حُصُولَ الْخُرُوجِ أو لَا يَسْتَدْعِيهِ حتى يَصِحَّ أَنْ تَقُولَ أَخْرَجْته فما خَرَجَ وَعَلَّمْته فما تَعَلَّمَ وَبِهَذَا صَرَّحَ في الْمَحْصُولِ في الْكَلَامِ على أَنَّ اللُّغَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ وَيُنْسَبُ إلَى النِّهَايَةِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ حِكَايَةٌ فيه وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَوَارِدَ مُخْتَلِفَةٌ وَالِاسْتِعْمَالَانِ وَاقِعَانِ في الْعُرْفِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَوَارِدِ وَنُقِلَ عن الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ كان يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَسْتَدْعِي مُطَاوِعَهُ وَيَقُولُ لو لم يَصِحَّ عَلَّمْته فما تَعَلَّمَ لَمَا صَحَّ عَلَّمْته فَتَعَلَّمَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ التَّعْلِيمَ لو كان عِلَّةً لِحُصُولِ الْعِلْمِ لَمَا عُطِفَ عليه بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مع مَعْلُولِهَا لَا تَعْقِيبَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمَعْلُولَ يَتَأَخَّرُ لم يَكُنْ فَائِدَةٌ في قَوْلِنَا فَتَعَلَّمَ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ فُهِمَ من قَوْلِنَا عَلَّمْته وَهَذَا كَلَامٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ غَيْرُ سَابِقَةٍ لِلْمَعْلُولِ زَمَنًا فَهِيَ سَابِقَةٌ بِالذَّاتِ إجْمَاعًا وَذَلِكَ كَافٍ في تَعْقِيبِ مَعْلُولِهَا فَإِنْ قُلْت أَلَيْسَ يُقَالُ كَسَرْته فما انْكَسَرَ فما وَجْهُ صِحَّةِ قَوْلِنَا مع ذلك عَلَّمْته فما تَعَلَّمَ قُلْت فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِلْمَ في الْقَلْبِ من اللَّهِ تَعَالَى يَتَوَقَّفُ على أُمُورٍ من الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَكَانَ عَلَّمْته مَوْضُوعًا لِلْجُزْءِ الذي من الْعِلْمِ فَقَطْ لِعَدَمِ إمْكَانِ فِعْلٍ من الْمَخْلُوقِ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِخِلَافِ الْكَسْرِ فإنه أَثَرٌ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْكِسَارِ وَرَجَّحَ بَعْضُ أَذْكِيَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْفِعْلَ يَسْتَدْعِي حُصُولَ مُطَاوِعِهِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى من يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَأَخْبَرَ عن كل من هَدَاهُ بِأَنَّهُ اهْتَدَى وَاهْتَدَى مُطَاوِعُ هَدَى وَأَنَّهُ حَيْثُ وَجَدْنَاهُ في الِاسْتِعْمَالِ بِغَيْرِ ذلك فَهُوَ مَجَازٌ لَكِنْ يَشْهَدُ لِوُجُودِ الْفِعْلِ دُونَ مُطَاوِعِهِ قَوْله تَعَالَى وما نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلَّا تَخْوِيفًا وَقَوْلُهُ وَنُخَوِّفُهُمْ فما يَزِيدُهُمْ إلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا فإن كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ حُصُولَ التَّخْوِيفِ ولم يَحْصُلْ لِلْكُفَّارِ خَوْفٌ أَعْنِي الْخَوْفَ النَّافِعَ الذي يَصْرِفُهُمْ إلَى الْإِيمَانِ فإنه هو الْمُطَاوِعُ لِلتَّخْوِيفِ الْمُرَادِ في الْآيَةِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَلَيْسَ من ذلك لِأَنَّ الْهُدَى هُنَا بِمَعْنَى الدَّعْوَةِ لَا بِمَعْنَى الرَّشَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى على الْهُدَى مَبَاحِثُ الِاشْتِقَاقِ هو افْتِعَالٌ من الشَّقِّ بِمَعْنَى الِاقْتِطَاعِ من انْشَقَّتْ الْعَصَا إذَا تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا فإن مَعْنَى الْمَادَّةِ الْوَاحِدَةِ تَتَوَزَّعُ على أَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ منها أو من شَقَقْت الثَّوْبَ وَالْخَشَبَةَ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ منها مُنَاسِبًا لِصَاحِبِهِ في الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ وهو يَقَعُ بِاعْتِبَارِ حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَرَى لَفْظَيْنِ اشْتَرَكَا في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْمَعْنَى وَتُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَصْلٌ أو فَرْعٌ وَالثَّانِيَةُ أَنْ تَرَى لَفْظًا قَضَتْ الْقَوَاعِدُ بِأَنَّ مثله أَصْلٌ وَتُرِيدُ أَنْ تَبْنِيَ منه لَفْظًا آخَرَ وَالْأُولَى تَقَعُ بِاعْتِبَارٍ عَامٍّ غَالِبًا وَالثَّانِيَةُ بِاعْتِبَارٍ خَاصٍّ إمَّا بِحَسَبِ الْإِحَالَةِ على الْأُولَى أو بِحَسَبِ ما يَخُصُّهَا فَمِنْ الْأُولَى الْكَلَامُ في الْمَصْدَرِ وَالْفِعْلُ أَيُّهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرُ فَرْعٌ وَمِنْ الثَّانِيَةِ الْكَلَامُ في كَيْفِيَّةِ بِنَاءِ اسْمِ فَاعِلٍ من له الطَّلَاقُ مَثَلًا وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُشْتَقَّةَ تُفِيدُ الْمَعْرِفَةَ بِذَاتِ الشَّيْءِ وَصِفَتِهِ وَأَنْشَدَ ابن السَّمْنَانِيِّ في ذلك لِلْحَسَنِ بن هَانِئٍ وَإِنْ اسْمُ حُسْنَى لِوَجْهِهَا صِفَةٌ وَلَا أَرَى ذَا لِغَيْرِهَا اجْتَمَعَا فَهِيَ إذَا سُمِّيَتْ فَقَدْ وُصِفَتْ فَيَجْمَعُ اللَّفْظُ مَعْنَيَيْنِ مَعَا وقال الْأَئِمَّةُ الِاشْتِقَاقُ من أَشْرَفِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَدَقِّهَا وَعَلَيْهِ مَدَارُ عِلْمِ التَّصْرِيفِ في مَعْرِفَةِ الْأَصْلِيِّ وَالزَّائِدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ لِبِنْيَةٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا في الِاشْتِقَاقِ وَتَوَقَّفَ عليه في النَّحْوِ وَالْكَلَامُ فيه في مَوَاطِنَ الْأَوَّلُ في ثُبُوتِهِ وَحَكَى ابن الْخَشَّابِ فيه ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا جَوَازُهُ مُطْلَقًا فَيَشْتَقُّ ما يُمْكِنُ اشْتِقَاقُهُ وما يَبْعُدُ أو يَسْتَحِيلُ قَالَهُ ابن دُرُسْتَوَيْهِ قُلْت وَكَذَلِكَ أبو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ صَنَّفَ كِتَابًا وَذَكَرَ فيه اشْتِقَاقَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَالثَّانِي مَنَعَهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ في الْكَلَامِ مُشْتَقٌّ من آخَرَ بَلْ الْجَمِيعُ مَوْضُوعٌ بِلَفْظٍ جَدِيدٍ وهو مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بن إبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفِ بِنَفْطَوَيْهِ قال وكان ظَاهِرِيًّا في ذَا وفي مَذْهَبِهِ وكان من أَجِلَّةِ أَصْحَابِ دَاوُد وَوَافَقَهُ أبو بَكْرِ بن مِقْسَمٍ الْمُقْرِي وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ طَرَفَانِ وَالثَّالِثُ وهو الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ الْحُذَّاقُ من أَهْلِ عِلْمِ اللِّسَانِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَالْأَصْمَعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَقُطْرُبٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ في الْكَلَامِ مُشْتَقًّا وَغَيْرَ مُشْتَقٍّ وهو الْمُرْتَجِلُ قال ابن السَّرَّاجِ لو جَمَدَتْ الْمَصَادِرُ وَارْتَفَعَ الِاشْتِقَاقُ من كل كَلَامٍ لم تُوجَدْ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ وَلَا فِعْلٌ لِفَاعِلٍ وَلَوْلَا الِاشْتِقَاقُ لَاحْتِيجَ في مَوْضِعِ الْجُزْءِ من الْكَلِمَةِ إلَى كَلَامٍ كَثِيرٍ أَلَا تَرَى كَيْفَ تَدُلُّ التَّاءُ في تَضْرِبُ على مَعْنَى الْمُخَاطَبَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالْيَاءُ في يَضْرِبُ على مَعْنَى الْغَيْبَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَكَذَا بَاقِي حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ وَلَوْ جُعِلَ لِكُلِّ مَعْنًى لَفْظٌ يَتَبَيَّنُ بِهِ من غَيْرِ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ لَانْتَشَرَ الْكَلَامُ وَبَعُدَ الْإِفْهَامُ وَنَقَصَتْ الْقُوَّةُ الثَّانِي في حَدِّهِ قال الرُّمَّانِيُّ هو اقْتِطَاعُ فَرْعٍ من أَصْلٍ يَدُورُ في تَصَارِيفِ الْأَصْلِ قال ابن الْخَشَّابِ وَهَذَا الْحَدُّ صَحِيحٌ وهو عَامٌّ لِكُلِّ اشْتِقَاقٍ صِنَاعِيٍّ وَغَيْرِ صِنَاعِيٍّ وقال الرُّمَّانِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ هو الْإِنْشَاءُ عن الْأَصْلِ فَرْعًا يَدُلُّ عليه وهو أَيْضًا ما يَكُونُ منه النَّحْتُ وَالتَّغْيِيرُ لِإِخْرَاجِ الْأَصْلِ بِالتَّأَمُّلِ كَأَنَّك تَشُقُّ الشَّيْءَ لِيَخْرُجَ منه الْأَصْلُ وَكَأَنَّ الْأَصْلَ مَدْفُونٌ فيه فَأَنْتَ تَشُقُّهُ لِتُخْرِجَهُ منه قال ابن الْخَشَّابِ وَظَاهِرُهُ أَنَّك اسْتَخْرَجْت الْأَصْلَ من الْفَرْعِ وَإِنَّمَا الْحَقُّ أَنَّهُ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى أَصْلِهِ بِمَعْنَى جَمْعِهِمَا وهو خَاصٌّ في أَصْلِ الْوَضْعِ بِالْأَصْلِ وقال الْمَيْدَانِيُّ أَنْ تَجِدَ بين اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا في الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ فَتَرُدَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وقال صَاحِبُ الْكَشَّافِ أَنْ يَنْتَظِمَ من الصِّفَتَيْنِ فَصَاعِدًا مَعْنًى وَاحِدٌ وهو غَيْرُ مَانِعٍ فإن الضَّارِبَ وَالْمَضْرُوبَ قد انْتَظَمَا في مَعْنًى وَاحِدٍ وهو الضَّرْبُ مع أَنَّهُ لَا اشْتِقَاقَ فِيهِمَا وَكَذَلِكَ يَنْتَظِمُ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا في مَعْنًى وَاحِدٍ وهو مَعْنَى الْمَصْدَرِ مع أَنَّ بَعْضَهَا ليس مُشْتَقًّا من بَعْضٍ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَكُونُ من ذلك الْمَعْنَى الذي يَنْتَظِمُهَا وهو الضَّرْبُ مَثَلًا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يُحَدُّ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فَفِي الْأَوَّلِ إذَا أَرَدْت تَقْرِيرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ مِمَّ اشْتَقْت فَإِنَّك تَرُدُّهَا إلَى آخَرَ لِتَعْرِفَ أنها مُشْتَقَّةٌ وَالثَّانِي إذَا أَرَدْت أَنْ تَشْتَقَّ الْكَلِمَةَ من شَيْءٍ فَإِنَّك تَأْخُذُهَا منه فَقَدْ جَعَلْتهَا مُشْتَقَّةً منه فَالتَّفَاوُتُ إنَّمَا يَحْصُلُ من الرَّدِّ وَالْأَخْذِ فَهَذَا قبل الِاشْتِقَاقِ وَالْأَوَّلُ بَعْدَهُ وَالْمُخْتَارُ على الْأَوَّلِ أَنَّهُ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ أَبْسَطُ مَعْنًى منه حَقِيقَةً أو مَجَازًا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا في الْمَعْنَى وَالْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ كَضَارِبٍ وَضَرَبَ من ضَرْبٍ فَحَكَمْنَا بِاشْتِقَاقِ ضَرَبَ وَضَارِبٍ لِأَنَّ ضَرْبًا أَبْسَطُ منه وَالْبَسِيطُ قبل الْمُرَكَّبِ فَشَمِلَ اللَّفْظُ الْأَسْمَاءَ وَالْأَفْعَالَ على الْمَذْهَبَيْنِ وَالْحُرُوفِ قال ابْنِ جِنِّي الِاشْتِقَاقُ كما يَقَعُ في الْأَسْمَاءِ يَقَعُ في الْحُرُوفِ فإن نعم حَرْفُ جَوَابٍ وَأَرَى أَنَّ نعم وَالنِّعَمَ وَالنَّعْمَاءَ وَالنَّعِيمَ مُشْتَقَّةٌ منه وَكَذَلِكَ أَنْعَمَ صَبَاحًا لِأَنَّ الْجَوَابَ بِهِ مَحْبُوبٌ لِلْقُلُوبِ وَكَذَلِكَ سَوَّفْت من سَوْفَ الذي هو حَرْفُ تَنْفِيسٍ وَلَوْلَيْت إذَا قُلْت له لَوْلَا وَلَيْلَيْت إذَا قُلْت له لَا لَا ثُمَّ قد يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُشْتَقُّ حَقِيقَةً كَضَارِبٍ من الضَّرْبِ وقد يَكُونُ مَجَازًا على جِهَةِ الِاتِّسَاعِ نحو ضَرَبَ في الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا بِسَهْمٍ أَيْ أَخَذَ وَضَارِبٍ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ وَمَالِ فُلَانٍ ضَرَبْت أَيْ نِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اقْتَسَمُوا غَنِيمَةً أو غَيْرَهَا ضَرَبُوا عليها بِسِهَامِ الْقُرْعَةِ وَهِيَ الْأَقْلَامُ ثُمَّ اضْطَرَدَ ذلك في كل من أَخَذَ نَصِيبًا من شَيْءٍ قد ضَرَبَ فيه بِسَهْمٍ وَالْمُضَارَبَةُ بِالْمَالِ مُشْتَقَّةٌ من الضَّرْبِ في الْأَرْضِ وهو السَّفَرُ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يُسَافِرُ عَالِمًا لِيَطْلُبَ الرِّبْحَ ثُمَّ اطَّرَدَ ذلك في كل مُسَافِرٍ وَإِنْ لم يُضَارِبْ وَخَرَجَ بِاشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ ما لَا يُنَاسِبُهُ أَصْلًا وَبِالْحُرُوفِ عَمَّا لَا يُوَافِقُهُ في الْحُرُوفِ بَلْ في الْمَعْنَى كَمَنْعٍ وَحَبْسٍ فَلَا يُقَالُ إنَّ أَحَدَهُمَا مُشْتَقٌّ من الْآخَرِ وَبِالْأَصْلِيَّةِ التَّنَاسُبُ في الزِّيَادَةِ كَدَخَلَ فإنه مُشْتَقٌّ من الدُّخُولِ مع أَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ مَصْدَرَهُ في الْوَاوِ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ وَالْمُنَاسَبَةُ في الْمَعْنَى ما يُوَافِقُ في اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى كَضَرَبَ بِمَعْنَى سَافَرَ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا من الضَّرْبِ بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ التَّرْتِيبَ في الْحُرُوفِ أَيْ أَنْ تَبْقَى حُرُوفُ الْأَصْلِ في الْفَرْعِ على تَرْتِيبِهَا في الْأَصْلِ وَتَرْجِعَ تَفَارِيعُ الْمَادَّةِ الْوَاحِدَةِ منه إلَى مَعْنًى مُشْتَرَكٍ في الْجُمْلَةِ كَضَرَبَ من الضَّرْبِ وَكَمَا دَلَّ قَوْلُنَا إلَى آخَرَ على تَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ كَذَلِكَ قَوْلُنَا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا في الْمَعْنَى يَدُلُّ على تَغَايُرِ الْمَعْنَيَيْنِ إذْ الشَّيْءُ لَا يُنَاسِبُ نَفْسَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُرَدُّ الْمَعْدُولُ لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بين الْمَعْدُولِ وَالْمَعْدُولِ عنه في الْمَعْنَى الثَّالِثُ في فَائِدَتِهِ وَسَبَقَ صَدْرَ الْبَحْثِ وقال ابن الْحُوبِيِّ فَائِدَتُهُ تَسْهِيلُ السَّبِيلِ على الْوَاضِعِ وَالْمُتَعَلِّمِ جميعا فإن الْمَعْنَى الْوَاحِدَ في الْحَقِيقَةِ يَخْتَلِفُ بِالْعَوَارِضِ فَإِنْ وُضِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْمٌ على حِدَةٍ من حُرُوفٍ مُتَبَايِنَةٍ احْتَاجَ الْوَاضِعُ إلَى صِيَغٍ كَثِيرَةٍ وَالْمُتَعَلِّمُ إلَى حِفْظِ أَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ فإذا قال الْوَاضِعُ ما على وَزْنِ الْفَاعِلِ من كل فِعْلٍ هو لِفَاعِلِ ذلك الْفِعْلِ لم يَحْتَجْ إلَى وَضْعِ الضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ وَالشَّاتِمِ وَالْمُتَعَلِّمُ إذَا عَلِمَ ضَرَبَ عَلِمَ الضَّارِبَ والمضروب وَالتَّثْنِيَةَ وَالْجَمْعَ وَالتَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ وَالْغَيْبَةَ وَالْحُضُورَ وَهَذَا هو عُمْدَةُ الْعَرَبِيَّةِ الرَّابِعُ في تَقْسِيمِهِ وهو أَصْغَرُ وَأَكْبَرُ وَأَوْسَطُ فَالْأَصْغَرُ ما كانت الْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ فيه مُسْتَوِيَةً في التَّرْكِيبِ نحو ضَرَبَ يَضْرِبُ فَهُوَ ضَارِبٌ وَمَضْرُوبٌ وَالْأَكْبَرُ ما كانت الْحُرُوفُ فيه غير مُرَتَّبَةٍ كَالتَّرَاكِيبِ السِّتَّةِ في كُلٍّ من جِهَةِ دَلَالَتِهَا على الْقُوَّةِ فَتُرَدُّ مَادَّةُ اللَّفْظَيْنِ فَصَاعِدًا إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَنَحْوُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابن جِنِّي من عَقْدِ التَّغَالِيبِ السِّتَّةِ في الْقَوْلِ على مَعْنَى السُّرْعَةِ وَالْخِفَّةِ نحو الْقَوْلِ وَالْقَلْوِ وَالْوَلْقِ وَالْوَقْلِ وَاللَّوْقِ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ على الشِّدَّةِ كَالْمُلْكِ وَالْكَمَلِ وَاللَّكْمِ قال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ ولم يَقُلْ بهذا الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ أَحَدٌ من النَّحْوِيِّينَ إلَّا أَبَا الْفَتْحِ وَحُكِيَ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ كان يَتَأَنَّسُ بِهِ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ قال أبو حَيَّانَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هذا الِاشْتِقَاقَ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عليه لِعَدَمِ اطِّرَادِهِ قُلْت قد ذَهَبَ إلَيْهِ أبو الْحَسَنِ بن فَارِسٍ وَبَنَى عليه كِتَابَهُ الْمَقَايِيسَ في اللُّغَةِ فَيَرُدُّ تَرَاكِيبَ الْمَادَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وقد يَكُونُ ظَاهِرًا في بَعْضِهَا خَفِيًّا في الْبَعْضِ فَيَحْتَاجُ في رَدِّهِ إلَى ذلك الْمَعْنَى إلَى تَلَطُّفٍ وَاتِّسَاعٍ في اللُّغَةِ وَمَعْرِفَةِ الْمُنَاسَبَاتِ مِثَالُهُ من مَادَّةِ ص ر ب تَصْبِرُ وَتَرَبَّصَ وَتَبَصَّرَ وَالتَّرَاكِيبُ الثَّلَاثَةُ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى التَّأَنِّي نحو تَصَبَّرَ على فُلَانٍ إنَّهُ مُعْسِرٌ ثُمَّ طَالَبَهُ وقول الشَّاعِرِ تَرَبَّصْ بها رَيْبَ الْمَنُونِ لَعَلَّهَا تَطْلُقُ يَوْمًا أو يَمُوتُ حَلِيلُهَا وَمِنْ مَادَّةِ ع ب ر عَبَّرَ وَرَبَّعَ وَبَعَرَ وَبَرَعَ وَرَعَبَ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الِانْتِقَالِ وَالْمُجَاوَزَةِ وَمِنْ ذلك ح س د حَسَدَ دَحَسَ وَحَدَسَ تَرْجِعُ إلَى مَعْنَى التَّضْيِيقِ وَالْحَدْسُ جَوْدَةُ الْفِرَاسَةِ وَإِصَابَتُهَا لِأَنَّ الْحَادِسَ يُضَيِّقُ مَجَالَ الْحُكْمِ حتى يَتَعَيَّنَ له مَحْكُومٌ وَاحِدٌ وَأَمَّا الْأَوْسَطُ فَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ أَكْثَرُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ كَفَلَقَ وَفَلَحَ وَفَلَدَ يَدُلُّ على الشَّقِّ وَوَقَعَ هذا في كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ في مَوَاضِعَ الْخَامِسُ في أَرْكَانِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْمُشْتَقُّ وَالْمُشْتَقُّ منه وَالْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالرَّابِعُ التَّغْيِيرُ اللَّاحِقُ فَلَا بُدَّ من التَّغْيِيرِ اللَّفْظِيِّ وَيَحْصُلُ التَّغْيِيرُ الْمَعْنَوِيُّ بِطَرِيقِ التَّبَعِ السَّادِسُ في أَقْسَامِهِ ولم يذكر الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ من أَقْسَامِ التَّغْيِيرِ غير تِسْعَةٍ وَذَكَرَ لها مِثَالَيْنِ أو ثَلَاثَةً وَأَعْرَضَ عن الْبَاقِي ظَنًّا منه سُهُولَةَ اسْتِخْرَاجِهَا وَذَكَرَ ابن الْخَبَّازِ الْمَوْصِلِيُّ أنها كَلِمَةٌ مُشْكِلَةُ التَّحْصِيلِ وَأَنَّهُ ما كان يَتَأَتَّى له اسْتِخْرَاجُهَا إلَّا بَعْدَ إطَالَةِ الْفِكْرِ وَإِدَامَةِ الذِّكْرِ وَأَنَّهُ مَرَّ عليه زَمَانٌ وهو آيِسٌ من تَحْصِيلِهَا وَأَنَّهُ بَحَثَ فيها مع شَيْخِهِ فَخْرِ الدِّينِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ الْمُوصِلِيِّ فلم يَزِدْهُ على صُورَةٍ أو صُورَتَيْنِ قال ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِفَتْحِ رِتَاجِ الْإِشْكَالِ فذكر أَمْثِلَةَ التِّسْعَةِ وَذَكَرَهَا رَضِيُّ الدِّينِ بن جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ الْبَيْضَاوِيُّ وزاد عليها سِتَّةَ أَقْسَامٍ فَبَلَغَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ وقال ابن جَعْفَرٍ لَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عليها وَرَأَيْت لِلشَّيْخِ جَمَالِ الدِّينِ بن مَالِكٍ زِيَادَةً عليها تِسْعَةً أُخْرَى فَبَلَغَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وقال وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ عن أَمْثِلَةِ تَغْيِيرِ الْمُشْتَقِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَقِّ منه لِيَدْخُلَ في الْفِعْلِ فإنه أَصْلٌ في الِاشْتِقَاقِ إذْ لَا فِعْلَ إلَّا وهو مُشْتَقٌّ من مَصْدَرٍ مُسْتَعْمَلٍ أو مُقَدَّرٍ وَالِاسْمُ تَبَعٌ له وَلِذَلِكَ كَثُرَ منه الْجُمُودُ وَبَعْدَ ذلك فَالِاعْتِبَارُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمُشْتَقِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُبَايَنَةِ الْمُشْتَقِّ منه عِشْرِينَ قِسْمًا أو أَكْثَرَ من ذلك أَوَّلُهَا زِيَادَةُ الْحَرْفِ فَقَطْ نحو كَاذِبٍ من الْكَذِبِ وَضَاحِكٍ من الضَّحِكِ وَكَرِيمٍ من الْكَرَمِ وَجَزُوعٍ من الْجَزَعِ زِيدَتْ فيها الْحُرُوفُ الْأَلِفُ وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ وَمَثَّلَهُ ابن السَّرَّاجِ الْأُرْمَوِيُّ بِطَالِبٍ وقال زِيدَتْ فيه الْأَلِفُ ثُمَّ أَوْرَدَ عليه سُؤَالًا وهو فَإِنْ قُلْت فِيمَا ذَكَرْتُمْ زِيَادَةُ حَرَكَةٍ مع نُقْصَانِهَا فَإِنَّكُمْ نَقَصْتُمْ فَتْحَةَ اللَّامِ التي هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ وَزِدْتُمْ كَسْرَتَهَا وَأَجَابَ عنه فقال الْمَعْنَى بِزِيَادَةِ الْحَرَكَةِ تَحْرِيكُ السَّاكِنِ وَبِنُقْصَانِهَا تَسْكِينُ الْمُتَحَرِّكِ وَإِبْدَالُ حَرَكَةٍ بِحَرَكَةٍ ليس من الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ الْمَذْكُورَيْنِ في شَيْءٍ وَلَوْ جَعَلْنَا إبْدَالَ حَرَكَةٍ بِحَرَكَةٍ زِيَادَةَ حَرَكَةٍ وَنُقْصَانٍ أُخْرَى لَكَانَ كَاذِبًا من الْكَذِبِ مِثَالًا له قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بن الشَّرِيشِيِّ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَلَوْ جَعَلْنَا إبْدَالَ حَرَكَةٍ إلَخْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فإنه إبْدَالُ حَرَكَةٍ بِحَرَكَةٍ لَا زِيَادَةَ وَلَا نُقْصَانَ وَإِنْ كان قد يُنْزَعُ بِهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ما قَالَهُ أَوَّلًا من تَحْرِيكِ السَّاكِنِ وَتَسْكِينِ الْمُتَحَرِّكِ وهو الْمُرَادُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعَرَبِيَّةِ على ما هو مَذْكُورٌ في التَّصْرِيفِ ثَانِيهَا زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ فَقَطْ نحو عَلِمَ من الْعِلْمِ وَضَرَبَ من الضَّرْبِ وَظَرُفَ من الظَّرْفِ زِيدَتْ حَرَكَةُ اللَّامِ وَالرَّاءِ فَإِنَّهَا سَوَاكِنُ في الْمَصْدَرِ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ بِقَوْلِهِ طَلَبَ من الطَّلَبِ وقال زِيدَ في الْفِعْلِ حَرَكَةُ الْبِنَاءِ التي في آخِرِهِ وَفِيهِ نِزَاعٌ سَيَأْتِي بَيَانُهُ ثَالِثُهَا زِيَادَتُهُمَا مَعًا كَضَارِبٍ وَعَالِمٍ وَفَاضِلٍ زِيدَتْ الْأَلِفُ وَحَرَكَةُ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ بِ طَالَبَ الْفِعْلِ الْمَاضِي قال وهو مُشْتَقٌّ من الطَّلَبِ زِيدَتْ فيه الْأَلِفُ وَفَتْحَةُ الْبِنَاءِ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ طَالَبَ إنَّمَا هو مُشْتَقٌّ من الْمُطَالَبَةِ كَذَا قال ابن الشَّرِيشِيِّ قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ إنَّمَا أَرَادَ طَالِبَ اسْمَ فَاعِلٍ وَبِذَلِكَ مَثَّلَهُ ابن مَالِكٍ رَابِعُهَا نُقْصَانُ الْحَرْفِ كَخَرَجَ من الْخُرُوجِ وَصَهَلَ من الصَّهِيلِ وَذَهَبَ من الذَّهَابِ نَقَصَ منه الْوَاوُ وَالتَّاءُ وَالْأَلِفُ وَمَثَّلَهُ السَّرَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ بِشَرِسَ من الشَّرَاسَةِ وقال نَقَصَتْ منه الْأَلِفُ وَالتَّاءُ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ بِخَفْ فِعْلُ أَمْرٍ من الْخَوْفِ نَقَصَتْ الْوَاوُ وَاعْتَرَضَ عليه بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْفَاءَ صَارَتْ في هذا سَاكِنَةً بَعْدَ أَنْ كانت مُتَحَرِّكَةً فَاجْتَمَعَ في هذا الْمِثَالِ نُقْصَانُ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةُ مَعًا وقال ابن الشَّرِيشِيِّ هذا الْمِثَالُ غَيْرُ جَيِّدٍ لِأَنَّ عَيْنَ الْكَلِمَةِ وَهِيَ الْوَاوُ لم تُحْذَفْ لِأَجْلِ الِاشْتِقَاقِ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ لِأَجْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ أَلَا تَرَى أنها تَعُودُ عِنْدَ تَحْرِيكِ الْآخَرِ فِيمَا إذَا اتَّصَلَ ضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْمُؤَنَّثِ في قَوْلِهَا خَافَا وَخَافُوا وَخَافِي وَلَيْسَ الْكَلَامُ إلَّا فِيمَا حُذِفَ لِأَجْلِ الِاشْتِقَاقِ حتى يَقَعَ بِهِ الْمُغَايَرَةُ بين الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ منه وَأَمَّا الْحَذْفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَلِعِلَّةٍ أُخْرَى بَعْدَ حُصُولِ صُورَةِ الْمُشْتَقِّ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَنَا خَافَا قد عَادَ فيه الْمَحْذُوفُ مع بَقَاءِ الْكَلِمَةِ مُشْتَقَّةً مُعَبِّرَةً عن أَصْلِهَا وَحَقُّ الْأَلِفِ أَنْ تَكُونَ وَاوًا مُتَحَرِّكَةً لِتَقَعَ الْمُغَايَرَةُ بين الْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ بِحَرَكَةِ هذه الْوَاوِ فَإِنَّهَا في الْمَصْدَرِ سَاكِنَةٌ وَحَقُّهَا أَنْ تَكُونَ في الْفِعْلِ مُتَحَرِّكَةٌ وَلَكِنْ طَرَأَ عليها الِاعْتِلَالُ فَانْقَلَبَتْ أَلِفًا سَاكِنَةً ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ ذلك لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا لِلِاشْتِقَاقِ وَكَلَامُنَا إنَّمَا هو فِيمَا حُذِفَ لِلِاشْتِقَاقِ خَامِسُهَا نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ كَأَبْيَضَ من الْبَيَاضِ وَأَصْبَحَ من الصَّبَاحِ وَنَحْوَ اُطْلُبْ وَاحْذَرْ وَاضْرِبْ فإنه نَقَصَ منها حَرَكَاتُ أَوَائِلِهَا فَإِنَّهَا مُتَحَرِّكَةٌ في الْمَصْدَرِ سَاكِنَةٌ في الْفِعْلِ فَإِنْ قِيلَ هذه غَيْرُ مُطَابِقَةٍ فإن فيها أَلِفًا زَائِدَةً في أَوَائِلِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ فِيمَا زِيدَ فيه حَرْفٌ وَنَقَصَتْ منه حَرَكَةٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَلِفَ التي في أَوَائِلِهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بها في الِاشْتِقَاقِ فإن صُورَةَ الْمُشْتَقِّ حَاصِلَةٌ بِدُونِهَا في قَوْلِك يا زَيْدُ اضْرِبْ وما أَشْبَهَهُ فَالْأَلِفُ سَاقِطَةٌ مع أَنَّ صُورَةَ الْفِعْلِ الْمُشْتَقِّ حَاصِلَةٌ وَإِنَّمَا يُجَاءُ بها في بَعْضِ الْأَحْوَالِ وهو الِابْتِدَاءُ بها لِسُكُونِ أَوَائِلِهَا وَتَعَذُّرِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِ ضَرْبٍ الْمَصْدَرُ من ضَرَبَ الْمَاضِي على مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ في اشْتِقَاقِهِمْ الْمَصْدَرَ من الْفِعْلِ الْمَاضِي وَمَثَّلَهُ ابن مَالِكٍ بِ ثَارَ من الثَّارِّ مَصْدَرُ ثِيرَ الْمَكَانُ إذَا كَثُرَتْ حِجَارَتُهُ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ بِحَرِرٍ اسْمُ فَاعِلٍ من حُرِّرَ الْفِعْلُ الْمَاضِي فَقَدْ نَقَصَتْ منه حَرَكَةُ الْبِنَاءِ التي في الْفِعْلِ وهو بِنَاءٌ على أَصْلِهِ من اعْتِبَارِ حَرَكَةِ الْبِنَاءِ في صِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي سَادِسُهَا نُقْصَانُهُمَا نحو سِرْ من السَّيْرِ وبع من الْبَيْعِ نَقَصَتْ الْيَاءُ وَحَرَكَةُ الرَّاءِ من الْأَوَّلِ وَالْيَاءُ وَحَرَكَةُ الْعَيْنِ من الثَّانِي وَمَثَّلَهُ ابن مَالِكٍ بِ حَيِيَ من الْحَيَاةِ وَمَثَّلَهُ الْأُرْمَوِيُّ بِ عَصَى من الْعِصْيَانِ وقال نَقَصَتْ منه الْأَلِفُ وَالنُّونُ وَالْفَتْحَةُ التي كانت على الْيَاءِ في الْمَصْدَرِ وَمَثَّلَهُ ابن الْخَبَّازِ بِ نَزَا وَغَلَا من النَّزَوَانِ وَالْغَلَيَانِ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ بِ عَدَّ من الْعَدِّ فَنَقَصَتْ منه أَلِفٌ وَحَرَكَةُ الدَّالِ وفي هذه الْأَمْثِلَةِ كُلِّهَا نَظَرٌ لِأَنَّ سُقُوطَ الْحَرَكَةِ فيها إنَّمَا هو بِسُكُونِ آخِرِ الْأَفْعَالِ في عَصَى وَنَزَا وَغَلَا وَعَدَّ وَسُكُونُ لَامِ الْكَلِمَةِ وَحَرَكَتُهَا لَا يُعْتَبَرَانِ في صِيغَةِ الْكَلِمَةِ وَبِنْيَتِهَا وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْحَشْوِ أَلَا تَرَى أَنَّ هذا السُّكُونَ قد يَزُولُ مع بَقَاءِ صُورَةِ الْكَلِمَةِ على حَالِهَا وَلَا يُعَدُّ زَوَالُهُ مُغَيِّرًا لِلْكَلِمَةِ وَذَلِكَ من قَوْلِنَا عَصَيَا وَنَزَوَا وَغَلَيَا وَعَدَّا وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ في التَّغْيِيرِ بِمَا إذَا تَغَيَّرَ من صُورَةِ الْكَلِمَةِ وَبِنْيَتِهَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا تُحَرَّكُ آخِرُ هذه الْأَفْعَالِ لِاتِّصَالِ الضَّمَائِرِ بها وكان الْأَصْلُ سُكُونَهَا فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ صَحِيحًا سَابِعًا زِيَادَةُ حَرْفٍ وَنُقْصَانُ حَرْفٍ نحو تَدَحْرَجَ من الدَّحْرَجَةِ نَقَصَ هَاءُ التَّأْنِيثِ وَزَادَتْ التَّاءُ وَهَذَا الْقِسْمُ أَهْمَلَهُ السَّرَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ بِ دَيَّانٍ من الدِّيَانَةِ وقال نَقَصَتْ منه التَّاءُ وَزِيدَتْ فيه الْيَاءُ الْمُدْغَمَةُ السَّاكِنَةُ ثُمَّ قال وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَثَّلَهُ ابن مَالِكٍ بِ رَؤُفَ من الرَّأْفَةِ ثَامِنُهَا زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ وَنُقْصَانُ حَرَكَةٍ أُخْرَى نحو اضْرِبْ وَاعْلَمْ وَاشْرَبْ نَقَصَ منها حَرَكَاتُ فَاءِ الْكَلِمَاتِ وَزِيدَ فيها حَرَكَاتُ عَيْنِهَا وَأَلِفُ الْوَصْلِ لَا اعْتِبَارَ بها كما تَقَدَّمَ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِ حَذِرَ من الْحَذَرِ زِيدَتْ فيه كَسْرَةُ الذَّالِ وَنَقَصَتْ فَتْحَتُهُ وَمَثَّلَهُ ابن جَعْفَرٍ ب كَرَمَ من الْكَرَمِ وشرف من الشَّرَفِ وقال نَقَصَتْ حَرَكَةُ الرَّاءِ من الْمَصْدَرِ وَزِيدَتْ فيه ضَمَّةُ الرَّاءِ وفي شَرُفَ كَسْرَتُهَا وَالْحَقُّ أَنَّ هذه الْأَمْثِلَةَ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ وَلَيْسَ في هذا نُقْصَانٌ وَلَا زِيَادَةٌ وَإِنَّمَا هو إبْدَالٌ تَاسِعُهَا زِيَادَةُ الْحَرْفِ وَنُقْصَانُ الْحَرَكَةِ نحو تُحَرِّرُ وَتُعَرِّجُ زِيدَ فيه حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ وَنَقَصَ منه فَتْحَةُ الْحَاءِ وَالْيَاءِ وَذَكَرَ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ في مِثَالِهِ عَادَ من الْعَدَدِ زِيدَتْ فيه الْأَلِفُ بَعْدَ الْعَيْنِ وَنَقَصَتْ حَرَكَةُ الدَّالِ الْأُولَى وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الدَّالَ الْمُدْغَمَةَ أَصْلُهَا الْحَرَكَةُ وَإِنَّمَا سَكَنَتْ وَأُدْغِمَتْ لِمَعْنًى آخَرَ غير الِاشْتِقَاقِ وهو تَوَالِي الْمِثْلَيْنِ وَالنَّظَائِرِ وَمَثَّلَهُ السَّرَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ بِ أَكْرَمَ من الْكَرَمِ زِيدَ فيه الْأَلِفُ وَنَقَصَتْ حَرَكَةُ الْكَافِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَكْرَمَ مُشْتَقٌّ من الْإِكْرَامِ الذي هو مَصْدَرٌ لِدَلَالَتِهِ عليه وَلَوْ جَعَلَ الْإِكْرَامَ هو الْمُشْتَقُّ أَوَّلًا لَحَصَلَ بِهِ الْغَرَضُ عَاشِرٌ زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ وَنُقْصَانُ الْحَرْفِ نحو قَدَرَ وَكَتَبَ وَرَحِمَ من الْقُدْرَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالرَّحْمَةِ وَحُرِمَ من الْحِرْمَانِ وَنَقَصَ من النُّقْصَانِ نَقَصَ من الْأَوَّلِ التَّاءُ وَمِنْ الْأَخِيرَيْنِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ وَزِيدَ فيها كُلُّهَا حَرَكَاتُ الْعَيْنَاتِ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ بِ بَنَيْت من الْبُنْيَانِ وقال نَقَصَتْ الْأَلِفُ وَزِيدَ فيه فَتْحَةُ الْبِنَاءِ في الْفِعْلِ وَسَيَأْتِي أَنَّ حَرَكَةَ الْبِنَاءِ لَا يُعْتَدُّ بها حَادِيَ عَشَرَهَا زِيَادَةُ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ مَعًا مع نُقْصَانِ حَرَكَةٍ أُخْرَى نحو يَضْرِبُ زِيدَ في حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَحَرَكَةِ عَيْنِ الْكَلِمَةِ وَنَقَصَ منه حَرَكَةُ فَاءِ الْكَلِمَةِ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ وقال زِيدَتْ فيه الْهَمْزَةُ الْمَكْسُورَةُ وَنَقَصَتْ حَرَكَةُ الضَّادِ فَجَعَلَ الْهَمْزَةَ وَحَرَكَتَهَا زَائِدَتَيْنِ وقد تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عليه وَبَيَّنَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ في الْحَرَكَةِ بِأَنْ تَكُونَ على ما كان سَاكِنًا في الْأَصْلِ وَأَنَّ الْأَلِفَ الْمُتَحَرِّكَةَ زَائِدَةٌ وَاحِدَةٌ ثَانِيَ عَشَرَهَا زِيَادَةُ الْحَرَكَةِ مع زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنُقْصَانِهِ نحو قَادِرٍ وَعَاصِمٍ وَرَاحِمٍ وَكَاتِبٍ زِيدَ فيها الْأَلِفُ وَحُرِّكَتْ الْعَيْنَاتُ وَنَقَصَ منها التَّاءُ التي هِيَ أَوَاخِرُهَا وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ بِ خَافَ من الْخَوْفِ وقال نَقَصَتْ الْوَاوُ وَحَرَكَةُ الدَّالِ وَلَا يَخْفَى بِمَا تَقَدَّمَ فَسَادُهُ ثَالِثَ عَشَرَهَا نُقْصَانُ الْحَرْفِ مع زِيَادَةِ الْحَرَكَةِ وَنُقْصَانِهَا نحو اُنْصُرْ من النُّصْرَةِ وَارْحَمْ من الرَّحْمَةِ وَاقْدِرْ من الْقُدْرَةِ زِيدَ فيها حَرَكَاتُ الْعَيْنَاتِ وَنَقَصَ منها تَاءُ التَّأْنِيثِ وَحَرَكَاتُ فَاءِ الْكَلِمَةِ وَحَرَكَتُهَا وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِ عِدْ من الْوَعْدِ زِيدَتْ فيه كَسْرَةُ الْعَيْنِ وَنَقَصَتْ الْوَاوُ وَحَرَكَةُ الدَّالِ وَلَا يَخْفَى ما فيه مِمَّا تَقَدَّمَ رَابِعَ عَشَرَهَا نُقْصَانُ الْحَرَكَةِ مع زِيَادَةِ الْحَرْفِ وَنُقْصَانِهِ نحو يَخْرُجُ ويقصد زِيدَ فيه حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ وَنَقَصَ منه الْوَاوُ التي في الْمَصْدَرِ وَفَتْحَةُ فَاءِ الْكَلِمَةِ وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ بِ كَالَ من الْكَلَالِ وقال زِيدَ فيه الْأَلِفُ بَعْدَ الْكَافِ وَنَقَصَ منه الْأَلِفُ التي كانت بين اللَّامَيْنِ وَفَتْحَةُ اللَّامِ الْأُولَى الْمُدْغَمَةِ وَالْكَلَامُ فيه كما في عَادَ وقد تَقَدَّمَ خَامِسَ عَاشِرِهَا زِيَادَةُ الْحَرْفِ وَالْحَرَكَةِ مَعًا وَنُقْصَانُهُمَا مَعًا كَالِاحْمِرَارِ من الْحُمْرَةِ نَقَصَتْ منه التَّاءُ وَحَرَكَةُ الْحَاءِ وَزِيدَتْ فيه الرَّاءُ الْأُولَى وَالْأَلِفُ التي بَعْدَهَا وَحَرَكَةُ الْمِيمِ وَكَذَلِكَ ما أَشْبَهَهُ من الِاصْفِرَارِ وَنَحْوِهِ وَمَثَّلَهُ ابن الْخَبَّازِ وَالسَّرَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ بِ اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ أَيْ تَحَوَّلَ الْجَمَلُ نَاقَةً وهو مُشْتَقٌّ من النَّاقَةِ نَقَصَتْ منه التَّاءُ وَحَرَكَةُ النُّونِ وَزِيدَتْ فيه السِّينُ وَالتَّاءُ وَحَرَكَةٌ وَالْوَاوُ التي كانت أَلِفًا سَاكِنَةً في النَّاقَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ اسْتَنْوَقَ إنَّمَا هو مُشْتَقٌّ من مَصْدَرِهِ الذي هو الِاسْتِنْوَاقُ لِدَلَالَتِهِ عليه فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ الِاسْتِنْوَاقُ الذي هو الْمَصْدَرُ هو الْمُشْتَقُّ من النَّاقَةِ وَالْغَرَضُ يَحْصُلُ بِهِ لِأَنَّ النُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ الْمَطْلُوبَيْنِ في الْمِثَالِ مَوْجُودَانِ فيه لِأَنَّ الْمَصْدَرَ زِيدَتْ فيه السِّينُ وَالتَّاءُ وَالْأَلِفُ التي بَعْدَ الْوَاوِ وَحَرَكَةُ الْوَاوِ وَنَقَصَ منه التَّاءُ وَفَتْحَةُ النُّونِ وكان جَعْلُهُ هو الْمُشْتَقَّ أَوَّلًا أَوْلَى وَمَثَّلَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وابن جَعْفَرٍ بِ ارْمِ من الرَّمْيِ وقال زِيدَتْ فيه الْأَلِفُ وَكَسْرَةُ الْمِيمِ وَنَقَصَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ وَالْيَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَلِفُ الْوَصْلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عليها وَأَمَّا الْيَاءُ فلم تُحْذَفْ لِلِاشْتِقَاقِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وهو حَمْلُ الْمَبْنِيِّ على الْمُعْرَبِ لِشَبَهِهِ بِهِ في الصَّحِيحِ فَجَعْلُ الْمُعْتَلِّ كَذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ هذه الْيَاءَ تُحْذَفُ في الْمُعْرَبِ في قَوْلِنَا لم يَرْمِ لِيَجْزِمَ فَكَذَلِكَ حُذِفَتْ في قَوْلِنَا ارْمِ لِلْبِنَاءِ حَمْلًا لِلْمَبْنِيِّ على الْمُعْرَبِ في الصُّورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَاءَ تَعُودُ عِنْدَ اتِّصَالِ الضَّمِيرِ بِالْفِعْلِ في قَوْلِك ارْمِيَا وَعِنْدَ اتِّصَالِ النُّونَيْنِ الثَّقِيلَةِ وَالْخَفِيفَةِ في قَوْلِك ارْمِيَنْ وَارْمِيَنَّ وَعِنْدَ اتِّصَالِ ضَمِيرِ جَمَاعَةِ الْإِنَاثِ في قَوْلِك ارْمِينَ يا نِسْوَةُ فَعُلِمَ أَنَّ الْيَاءَ ما حُذِفَتْ لِلِاشْتِقَاقِ وَكَلَامُنَا فِيمَا يُحْذَفُ له أو يَزْدَادُ له فَتَحْصُلُ بِهِ الْمُغَايَرَةُ بين صُورَةِ الْمُشْتَقِّ وَالْمُشْتَقِّ منه لَا فِيمَا يُحْذَفُ أو يُزَادُ لِمَعْنًى آخَرَ وزاد الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الشَّرِيشِيُّ قِسْمَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا ما فيه تَغْيِيرٌ ظَاهِرٌ نحو حَذِرَ من الْحَذَرِ وَفَرِحَ من الْفَرَحِ وَجَزِعَ من الْجَزَعِ وَنَحْوُهُ وَقَعَتْ الْمُغَايَرَةُ بين الْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ بِحَرَكَةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا في الْمَصْدَرِ مَفْتُوحَةٌ وفي الْفِعْلِ مَكْسُورَةٌ ثَانِيهِمَا ما فيه تَغْيِيرٌ مُقَدَّرٌ نَحْوُ طَلَبَ من الطَّلَبِ وَهَرَبَ من الْهَرَبِ وَغَلَبَ من الْغَلَبِ وَنَحْوُهُ وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا التَّغْيِيرَ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ الْمُشْتَقِّ وَبِنْيَتُهُ مُخَالِفَةً لِصُورَةِ الْمُشْتَقِّ منه وَرَأَيْنَا هذه الْأَفْعَالَ لَا تُخَالِفُ صُورَةَ الْمَصَادِرِ الْمُشْتَقِّ منها وَلَيْسَ لها مَصَادِرُ غَيْرُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فيها تَغْيِيرٌ مُقَدَّرٌ كما قالت النُّحَاةُ في الْفُلْكِ إنَّهُ يَقَعُ على الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَلَا بُدَّ من التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا فَتُقَدَّرُ الضَّمَّةُ إذَا كان جَمْعًا غير الضَّمَّةِ التي فيه إذَا كان مُفْرَدًا تَنْبِيهَاتٌ التنبيه الْأَوَّلُ قد تَقَرَّرَ من جَعْلِ التَّغْيِيرِ من أَرْكَانِ الِاشْتِقَاقِ وُجُودُ التَّغْيِيرِ في كل مُشْتَقٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِهِ وقد نَجِدُ أَفْعَالًا من مَصَادِرَ من غَيْرِ تَغَيُّرٍ ظَاهِرٍ فيها كَطَلَبَ من الطَّلَبِ وَغَلَبَ من الْغَلَبِ وَجَلَبَ من الْجَلَبِ فَإِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِمَصَادِرِهَا في الْحُرُوفِ وَالصِّيَغِ بِلَا تَفَاوُتٍ مع اشْتِقَاقِهَا منها وَذَلِكَ يَقْدَحُ في كَوْنِ التَّغْيِيرِ رُكْنًا لِلِاشْتِقَاقِ لِامْتِنَاعِ تَحَقُّقِ الشَّيْءِ بِدُونِ رُكْنِهِ وَحَلُّهُ أَنَّ التَّغْيِيرَ وَإِنْ لم يَكُنْ مَوْجُودًا ظَاهِرًا لَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ كما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَأَجَابَ رَضِيُّ الدِّينِ بن جَعْفَرٍ بِأَنَّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ سَاقِطَةُ الِاعْتِبَارِ في الِاشْتِقَاقِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بها تَغْيِيرًا إذْ الِاشْتِقَاقُ إنَّمَا هو من صِيغَةِ الْمَصْدَرِ بُنِيَ عليها وَحَرَكَةُ الْإِعْرَابِ طَارِئَةٌ على الصِّيغَةِ بَعْدَ تَمَامِهَا مُنْتَقِلَةٌ غَيْرُ قَادِرَةٍ وَأَمَّا حَرَكَةُ الْبِنَاءِ في آخِرِ الْفِعْلِ الْمَاضِي فَإِنَّهَا لِثَبَاتِهَا وَلُزُومِهَا وَبِنَاءِ الْكَلِمَةِ عليها من أَوَّلِ وَهْلَةٍ صَارَتْ دَاخِلَةً في صِيغَةِ الْفِعْلِ جَارِيَةً مَجْرَى حَرَكَةِ أَوَّلِهِ وَحَشْوِهِ فَاعْتُدَّ بها في الِاشْتِقَاقِ وَجُعِلَ التَّغْيِيرُ بها زِيَادَةً وَنُقْصَانًا وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا على هذا لِأَنَّهُمْ لم يَعْتَدُّوا بِحَرَكَةِ الْإِعْرَابِ وَاعْتَدُّوا بِحَرَكَةِ الْبِنَاءِ وَجُعِلَ التَّغْيِيرُ بها زِيَادَةً وَنُقْصَانًا مِثَالُ الزِّيَادَةِ طَلَبَ من الطَّلَبِ لِأَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ لِزِيَادَةِ الْحَرَكَةِ فإن طَلَبَ اُعْتُدَّ بِحَرَكَةِ الْبَاءِ في آخِرِهِ زِيَادَةً لِكَوْنِهَا حَرَكَةَ بِنَاءٍ ولم يَعْتَدُّوا بِالْحَرَكَةِ التي في آخِرِ الْمَصْدَرِ وهو الطَّلَبُ لِكَوْنِهَا حَرَكَةَ إعْرَابٍ وَمِثَالُ النُّقْصَانِ حَذِرٌ اسْمُ فَاعِلٍ من حَذِرَ نَقَصَ من اسْمِ الْفَاعِلِ حَرَكَةُ الْبِنَاءِ التي كانت في الْفِعْلِ فَقَدْ يَظُنُّ ظَانٍّ من اعْتِبَارِهِمْ التَّغْيِيرَ اللَّاحِقَ لِلْمُشْتَقِّ اسْتَلْزَمَ حُصُولَ التَّغْيِيرِ في كل مُشْتَقٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِهِ مع أَنَّهُ نَحْنُ نَجِدُ أَفْعَالًا مَأْخُوذَةً من الْمَصَادِرِ من غَيْرِ تَغْيِيرٍ ظَاهِرٍ فيها كَطَلَبَ من الطَّلَبِ وَحَذِرَ من الْحَذَرِ فإن هذه الْأَفْعَالَ مُسَاوِيَةٌ لِهَذِهِ الْمَصَادِرِ وَأَنَّهُ يَقْدَحُ في كَوْنِ التَّغْيِيرِ رُكْنًا في الِاشْتِقَاقِ وَجَوَابُهُ أَنَّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بها وَحَرَكَةُ الْبِنَاءِ مُعْتَدٌّ بها وَنَازَعَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بن الشَّرِيشِيِّ وقال حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ كما لَا يُعْتَدُّ بها في صِيغَةِ الْكَلِمَةِ وَبِنْيَتِهَا فَكَذَلِكَ حَرَكَةُ الْبِنَاءِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَارِئَةٌ على الْكَلِمَةِ بَعْدَ حُصُولِ صِيغَتِهَا وَتَقْرِيرِ بِنْيَتِهَا إنْ كانت لها بِنْيَةٌ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ في أَنَّ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ تَتَغَيَّرُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْعَامِلِ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ خَرَجَ زَيْدٌ خَرَجَ عَمْرٌو فَلَا يَتَغَيَّرُ آخِرُ خَرَجَ وَإِنْ دخل عليه الْعَامِلُ وَتَقُولُ خَرَجْت وَدَخَلْت بِتَغَيُّرِ آخِرِهِ لِاتِّصَالِ الضَّمِيرِ بِهِ مع أَنَّ أَحَدًا من النُّحَاةِ لَا يقول إنَّ بِنْيَةَ الْفِعْلِ تَغَيَّرَتْ فَعُلِمَ أَنَّ حَرَكَةَ لَامِ الْكَلِمَةِ أو سُكُونَهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بها في بِنْيَةِ الْكَلِمَةِ فَلَا يُعَدُّ وُجُودُهَا زِيَادَةً وَلَا زَوَالُهَا نَقْصًا وَقَوْلُهُ إنْ الْفِعْلُ الْمَاضِي بُنِيَ في أَوَّلِ وَهْلَةٍ على الْحَرَكَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ كان يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا كما هو الْأَصْلُ وَلَكِنْ بُنِيَ على حَرَكَةٍ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الِاشْتِقَاقِ وَهِيَ جَوَازُ وُقُوعِهِ مَوْقِعَ الْمُعْرَبِ بِخِلَافِ فِعْلِ الْأَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّ حَرَكَةَ الْبِنَاءِ في الْفِعْلِ طَارِئَةٌ عليه بَعْدَ حُصُولِ بِنْيَتِهِ وإذا كانت حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ غير مُعْتَدٍّ بها في بِنْيَةِ الْكَلِمَةِ لِكَوْنِهَا طَارِئَةً وَمُتَغَيِّرَةً فَكَذَلِكَ حَرَكَةُ الْبِنَاءِ وَلَا يَكُونُ ثُبُوتُهَا في الْفِعْلِ زِيَادَةً في الصِّيغَةِ وَلَا زَوَالُهَا نَقْصًا فيها التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِزِيَادَةِ الْحَرْفِ أو الْحَرَكَةِ أو نُقْصَانِهِمَا جِنْسُ الْحَرْفِ وَجِنْسُ الْحَرَكَةِ لَا وَاحِدٌ فَقَطْ فَقَدْ يَكُونُ الْمَزِيدُ من الْحُرُوفِ أَكْثَرَ من وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ في الْحَرَكَةِ وَكَذَلِكَ في النُّقْصَانِ وَعَلَى هذا فَتَكْثُرُ الْأَقْسَامُ وَلَا يَخْفَى حِينَئِذٍ أَمْثِلَتُهَا التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِتَنَوُّعِ الْحَرَكَةِ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ إذْ لو اُعْتُبِرَتْ لَكَثُرَتْ الْأَقْسَامُ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا من أَرْكَانِ الِاشْتِقَاقِ الْمُشَارَكَةَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّغْيِيرِ ثُمَّ جَعَلُوا من أَقْسَامِ التَّغْيِيرِ نُقْصَانَ الْحُرُوفِ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ في الظَّاهِرِ فإنه مَتَى نَقَصْنَا أَحَدَ الْحُرُوفِ الْمُشْتَقِّ من الْمُشْتَقِّ منه زَالَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهُمَا في الْحُرُوفِ وَأَجَابَ ابن جَعْفَرٍ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُمَا في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ قد تَكُونُ بِحَقِّ الْأَصْلِ ثُمَّ يَطْرَأُ النُّقْصَانُ الْعَارِضُ نَقِيضُهُ كَقَوْلِنَا خَفْ من الْخَوْفِ وَنَمْ من النَّوْمِ فإن الْوَاوَ سَقَطَتْ فِيهِمَا بَعْدَ انْقِلَابِهِمَا أَلِفًا لِعَارِضِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فَالْمُشَارَكَةُ فِيهِمَا حَاصِلَةٌ بِالْفِعْلِ لِحُصُولِهِمَا في الْأَصْلِ قبل طُرُوُّ الْحَذْفِ الْعَارِضِ الثَّانِي أَنَّ الْمَصَادِرَ ذَوَاتَ الزِّيَادَةِ كَالْإِنْبَاتِ وَالْغَشَيَانِ وَالنَّزَوَانِ إذَا اشْتَقَقْنَا منها أَفْعَالًا كَنَبَتَ وَغَشِيَ وَنَزَا حَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَصَادِرِ في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَوُفِرَ التَّغَيُّرُ بِنُقْصَانِ الْحَرْفِ الزَّائِدِ فَقَدْ صَدَقَ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِمَا أَعْنِي الْمُشَارَكَةَ مع النُّقْصَانِ فَإِنَّا لم نَشْتَرِطْ الْمُشَارَكَةَ في الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ مع نُقْصَانِ حَرْفٍ أَصْلِيٍّ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ في اشْتِقَاقِ الْأَفْعَالِ من الْمَصَادِرِ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْمَصَادِرَ مُشْتَقَّةٌ من الْأَفْعَالِ وَعَكَسَ الْبَصْرِيُّونَ ذلك وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ وَاحِدٌ وَمَفْهُومَ الْفِعْلِ مُتَعَدِّدٌ لِدَلَالَتِهِ على الْحَدَثِ وَالزَّمَانِ وَالْوَاحِدُ قبل الْمُتَعَدِّدِ وإذا كان أَصْلًا لِلْأَفْعَالِ يَكُونُ أَصْلًا لِمُتَعَلِّقَاتِهِ أو لِأَنَّهُ اسْمٌ وَالِاسْمُ مُسْتَغْنٍ عن الْفِعْلِ وَيُقَالُ مَصْدَرٌ لِأَنَّ هذه الْأَشْيَاءَ تَصْدُرُ عنه وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ كَأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِينَ وَتَوَسَّطَ الْفَارِسِيُّ فقال الصِّفَاتُ مُشْتَقَّةٌ من الْأَفْعَالِ لِجَرَيَانِهَا عليها وَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِهِ فَهِيَ وَإِنْ كانت مُشْتَقَّةً من الْأَفْعَالِ بهذا الِاعْتِبَارِ فَالْأَفْعَالُ أُصُولُهَا الْقَرِيبَةُ وَالْمَصَادِرُ أُصُولُهَا الْبَعِيدَةُ وَذَهَبَ أبو بَكْرِ بن طَلْحَةَ إلَى أَنَّ كُلًّا من الْمَصْدَرِ وَالْفِعْلِ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ليس أَحَدُهُمَا مُشْتَقًّا من الْآخَرِ فَالْحَاصِلُ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ وقد اسْتَشْكَلَ الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ حَقِيقَةَ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَقِيقَةٌ وَالْآخَرَ مَجَازٌ فَالْحَقِيقَةُ أَصْلٌ لِلْمَجَازِ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّا إذَا قُلْنَا قام زَيْدٌ قِيَامًا فإن قَوْلَنَا قام لَفْظَةٌ من الْحَقَائِقِ لَا تَجَوُّزَ فيها وَقَوْلُنَا قِيَامًا لَفْظَةٌ من الْحَقَائِقِ لَا تَجَوُّزَ فيها أَيْضًا فَقَدْ وَضَحَ بُطْلَانُ صَرْفِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ إلَى هذا الْوَجْهِ وَإِنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ هذا أَصْلٌ وَهَذَا فَرْعٌ أَنَّ اللَّفْظَيْنِ حَقِيقَتَانِ وَلَكِنَّ النُّطْقَ بِهَذِهِ سَبَقَ فَهَذَا غَيْبٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَالْبَحْثُ عنه عِيٌّ لَا يُجْدِي وَلَا فَائِدَةَ فيه وَأَيُّ فَائِدَةٍ في السُّؤَالِ عن تَسْمِيَةِ الْحَائِطِ وَالْجِدَارِ أَيُّ اللَّفْظَيْنِ نُطِقَ بِهِ أَوَّلًا انْتَهَى وقال بَعْضُهُمْ إذَا قِيلَ هذا مُشْتَقٌّ من هذا فَلَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ بين الْقَوْلَيْنِ تَنَاسُبًا في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَسَوَاءٌ تَكَلَّمَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِأَحَدِهِمَا قبل الْآخَرِ أَمْ لَا وَعَلَى هذا إذَا قُلْنَا الْمَصْدَرُ مُشْتَقٌّ من الْفِعْلِ أو بِالْعَكْسِ كان كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحًا وَهَذَا هو الِاشْتِقَاقُ الذي يَقُومُ عليه أَسَاسُ التَّصْرِيفِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ فَهَذَا إنْ عَنِيَ بِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا تُكُلِّمَ بِهِ بَعْدَ الْآخَرِ لم يَقُمْ على هذا دَلِيلٌ في أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ عَنِيَ بِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُقَدَّمٌ على الْآخَرِ في الْعَقْلِ لِكَوْنِ هذا مُفْرَدًا وَهَذَا مُرَكَّبًا فَالْفِعْلُ مُشْتَقٌّ من الْمَصْدَرِ التَّنْبِيهُ السَّادِسُ أَنَّهُ لَا بُدَّ في مَعْرِفَةِ الِاشْتِقَاقِ من التَّصْرِيفِ وهو مَعْرِفَةُ اخْتِلَافِ أَبْنِيَةِ الْكَلِمَةِ وما يَعْرِضُ لها من زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَقَلْبٍ وَبَدَلٍ وَإِدْغَامٍ لِيُعْرَفَ الْأَصْلِيُّ من الزِّيَادَةِ وَيُرَدُّ الْمَقْلُوبُ إلَى أَصْلِهِ وَيُعْرَفُ الْبَدَلُ من الْمُبْدَلِ منه وَالْمُدْغَمُ من الْمُدْغَمِ فيه وَحُرُوفُ الزِّيَادَةِ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا قَوْلُك سَأَلْتُمُونِيهَا فإذا عَرَفَ الْأَصْلِيَّ وَالزَّائِدَ قَابَلَ في مِيزَانِ التَّصْرِيفِ الْأَصْلِيَّ بِفَاءِ فِعْلٍ وَعَيْنِهِ وَلَامِهِ وَالزَّائِدَ بِلَفْظِهِ تَقُولُ وَزْنُ ضَارِبٍ فَاعِلٍ فَالْأَلِفُ زَائِدٌ مَذْكُورٌ بِلَفْظِهِ وَالضَّادُ وَالرَّاءُ وَالْبَاءُ أُصُولٌ مُقَابَلَةٌ بِالْفَاءِ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ وَكَذَلِكَ مَضْرُوبٌ مَفْعُولٌ من الضَّرْبِ فَالْوَاوُ وَالْمِيمُ زَائِدَتَانِ وَمِيعَادٌ وَمِيزَانٌ مِفْعَالٌ من الْوَعْدِ وَالْوَزْنِ فَالْمِيمُ وَالْأَلِفُ زَائِدَتَانِ وَالْيَاءُ هِيَ مُنْقَلِبَةٌ عن وَاوٍ لِظُهُورِهَا فِيمَا منه الِاشْتِقَاقُ فَإِنْ قِيلَ جَعَلْتُمْ مَعْرِفَةَ الِاشْتِقَاقِ مُتَوَقِّفَةً على مَعْرِفَةِ التَّصْرِيفِ وَأَهْلُ التَّصْرِيفِ يَجْعَلُونَ مَعْرِفَتَهُ مُتَوَقِّفَةً على مَعْرِفَةِ الِاشْتِقَاقِ لِتَعْرِيفِ الزَّائِدِ فَيُحْكَمُ بِزِيَادَتِهِ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ كَوْثَرًا مُشْتَقٌّ من الْكَثْرَةِ حتى يُعْلَمَ أَنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ وَلَا نَعْرِفُ أنها زَائِدَةٌ حتى نَعْلَمَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ من الْكَثْرَةِ وَذَلِكَ دَوْرٌ فَيَمْتَنِعُ قُلْنَا إذَا عَرَفْنَا الْأَصْلِيَّ من الزَّائِدِ حَكَمْنَا بِاشْتِقَاقِهِ من الْأَصْلِيَّةِ فَكُلٌّ من التَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ يَفْتَقِرُ إلَى الْآخَرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عليه التَّنْبِيهُ السَّابِعُ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمُشْتَقَّ منه كَالْعِلَّةِ في الْقِيَاسِ وَالْعَلَاقَةُ في الْمَجَازِ حَيْثُ وُجِدَ الِاشْتِقَاقُ كما أَنَّ الْعِلَّةَ حَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ لَكِنْ لم يَطَّرِدْ ذلك في الِاشْتِقَاقِ فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ سَمَّوْا الْأَسَدَ ضَيْغَمًا من الضَّغْمِ ولم يُسَمُّوا الْجَمَلَ بِهِ وَأَنَّ الضَّغْمَ هو الْعَضُّ الشَّدِيدُ مَوْجُودًا فيه وَسَمَّوْا الْمَنْزِلَ الذي بَعْدَ الثُّرَيَّا دَبَرَانًا لِاسْتِدْبَارِهِ إيَّاهَا أو الْقِبْلَةَ ولم يُسَمُّوا كُلَّ مُسْتَدْبِرٍ لِلثُّرَيَّا أو الْقِبْلَةِ دَبَرَانًا وَسَمَّوْا الثُّرَيَّا بِاسْمِهَا لِاشْتِقَاقِهَا من الثَّرْوَةِ وَهِيَ الْكَثْرَةُ لِاجْتِمَاعِ نُجُومِهَا ولم يُسَمُّوا كُلَّ أَعْدَادٍ مُجْتَمِعَةٍ ثُرَيًّا وَسَمَّوْا الْقَارُورَةَ وَهِيَ الْوِعَاءُ الْخَاصُّ لِاسْتِقْرَارِ الْمَاءِ فيها ولم يُسَمُّوا كُلَّ مُسْتَقِرٍّ لِمَائِعٍ أو غَيْرِهِ كَالْحَوْضِ وَنَحْوِهِ قَارُورَةً وَالضَّابِطُ في ذلك أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ وُجُودُ مَعْنَى الْأَصْلِ في مَحَلِّ التَّسْمِيَةِ من حَيْثُ إنَّهُ دَاخِلٌ فيها وَالْمُرَادُ ذَاتٌ مع اعْتِبَارِ نِسْبَتِهِ إلَيْهَا فَهَذَا يَطَّرِدُ في كل ذَاتٍ فَهَذَا هو الْمُطَّرِدُ وَإِنْ كان الْمُرَادُ ذَاتًا مَخْصُوصَةً على شَخْصِهِ امْتَنَعَ التَّعَدِّيَةُ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ من الثَّرْوَةِ وَالِاسْتِدْبَارِ وَالضَّيْغَمِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمَنْزِلَةِ جُزْءِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ من الْقِيَاسِ وَالْجُزْءُ الْآخَرُ كَوْنُ هذا الْمُشْتَقِّ عَلَمًا لِهَذَا الْوَضْعِ أو خَاصًّا بِهِ التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ قال ابن عُصْفُورٍ لَا يَدْخُلُ الِاشْتِقَاقُ في سَبْعَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ الْأَسْمَاءُ الْعَجَمِيَّةُ كَإِسْمَاعِيلَ وَالْأَصْوَاتُ كَ غَاقٌ وَالْحُرُوفُ وما أَشْبَهَهَا من الْمُتَوَغِّلَةِ في الْبِنَاءِ نحو من وما وَالْأَسْمَاءُ النَّادِرَةُ نَحْوُ طُوبَى له اسْمٌ لِلنِّعْمَةِ وَاللُّغَاتُ الْمُتَدَاخِلَةُ نَحْوُ الْهُونِ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْمَاءُ الْخُمَاسِيَّةُ كَسَفَرْجَلٍ وَيَدْخُلُ فِيمَا عَدَا ذلك انْتَهَى وَأَثْبَتَ ابن جِنِّي الِاشْتِقَاقَ في الْحُرُوفِ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ الْأَكْبَرُ مَسْأَلَةٌ وقد يَطَّرِدُ بِأَنْ يُطَلَّقَ على كل صُورَةٍ وُجِدَ فيها مَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَغَيْرِهِمَا من الصِّفَاتِ كَضَارِبٍ وَمَضْرُوبٍ وَحَسَنٍ وقد يَخْتَصُّ كَالْقَارُورَةِ لَا يُطْلَقُ على غَيْرِ الزُّجَاجَةِ وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُطَّرِدَ ما كان لِذَاتٍ قُصِدَ فيه الْمَعْنَى وَالْمُخْتَصُّ ما قَصَدَ مُجَرَّدَ الذَّاتِ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ وقد يُقَالُ إنَّ وُجُودَ مَعْنَى الْأَصْلِ في كل التَّسْمِيَةِ قد تُعْتَبَرُ من حَيْثُ إنَّهُ دخل في التَّسْمِيَةِ وَالْمُرَادُ ذَاتُ ما بِاعْتِبَارِ نِسْبَةٍ له إلَيْهَا فَهَذَا يَطَّرِدُ في كل ذَاتٍ فيه مَعْنَى الْأَصْلِ كَالْأَحْمَرِ فإنه لِذَاتٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْحُمْرَةَ دَاخِلَةٌ فيه وقد يُعْتَبَرُ من حَيْثُ إنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلتَّسْمِيَةِ مُرَجِّحٌ لها كَتَسْمِيَةِ الذَّاتِ التي له الْحُمْرَةُ بِالْأَحْمَرِ لِكَوْنِهَا أَحْمَرَ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ دُخُولِ الْحُمْرَةِ في مُسَمَّاهُ وَلِهَذَا لو زَالَتْ حُمْرَتُهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَحْمَرِ عليه بِخِلَافِ الِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ من قَوْلِ السَّكَّاكِيِّ وَإِيَّاكَ وَالتَّسْوِيَةَ بين تَسْمِيَةِ إنْسَانٍ له حُمْرَةٌ بِأَحْمَرَ وَبَيْنَ وَصْفِهِ بِأَحْمَرَ أَنْ تَزِلَّ فإن اعْتِبَارَ الْمَعْنَى في التَّسْمِيَةِ لِتَرْجِيحِ الِاسْمِ على غَيْرِهِ حَالَ تَخْصِيصِهِ بِالْمُسَمَّى وَاعْتِبَارَ الْمَعْنَى في الْوَصْفِ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ عليه فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا من الْآخَرِ وَحَاصِلُهُ الْفَرْقُ بين تَسْمِيَةِ الْغَيْرِ لِوُجُودِهِ فيه أو بِوُجُودِهِ فيه فَهُوَ مع اللَّامِ إشَارَةٌ إلَى الْعِلْمِيَّةِ وَمَعَ الْبَاءِ إشَارَةٌ إلَى الْمُصَاحَبَةِ مَسْأَلَةٌ شَرْطُ صِدْقِ الْمُشْتَقِّ صِدْقُ الْمُشْتَقِّ من هـ شَرْطُ صِدْقِ الْمُشْتَقِّ اسْمًا كان أو فِعْلًا صِدْقُ الْمُشْتَقِّ منه فَلَا يَصْدُقُ قَائِمٌ على ذَاتٍ إلَّا إذَا صَدَقَ الْقِيَامُ على تِلْكَ الذَّاتِ وَسَوَاءٌ كان الصِّدْقُ في الْمَاضِي أَمْ في الْحَالِ أَمْ في الِاسْتِقْبَالِ وَأَمَّا إنَّ ذلك هو بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا فَسَيَأْتِي وَالْكَلَامُ في هذه الْمَسْأَلَةِ مع أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أبي هَاشِمٍ وَهُمَا لم يُصَرِّحَا بِالْمُخَالَفَةِ في ذلك وَلَكِنْ وَقَعَ ذلك مِنْهُمَا ضِمْنًا حَيْثُ ذَهَبَا إلَى الْقَوْلِ بِعَالَمِيَّةِ اللَّهِ دُونَ عِلْمِهِ أَيْ ذَهَبَا إلَى أَنَّ الْعَالَمَ وَغَيْرَهُ من الصِّفَاتِ أَسْمَاءٌ مُشْتَقَّةٌ من الْعِلْمِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ إنَّهُمَا يُطْلِقَانِ على اللَّهِ تَعَالَى هذه الْأَسْمَاءَ وَيُنْكِرَانِ حُصُولَ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ هِيَ الْمَعَانِي التي تُوجِبُ الْعَالَمِيَّةَ وَالْقَادِرِيَّةَ وَهَذِهِ الْمَعَانِي غَيْرُ ثَابِتَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا حَيَاةٌ مع أَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ وَفِرَارًا من أَنْ يَكُونَ الذَّاتُ قَابِلًا وَفَاعِلًا وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَاتَّفَقُوا على أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْعِلْمِ قَادِرٌ بِالْقُدْرَةِ حَيٌّ بِالْحَيَاةِ هل الْعِلْمُ نَفْسُ الْعَالَمِيَّةِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذلك هل الْعِلْمُ نَفْسُ الْعَالَمِيَّةِ أو الْقُدْرَةُ نَفْسُ الْقَادِرِيَّةِ أو هِيَ زَائِدَةٌ عليها وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَأَتْبَاعِهِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا عَالِمٌ بِالذَّاتِ لَا بِالْعِلْمِ قَادِرٌ بِالذَّاتِ لَا بِالْقُدْرَةِ وَهَكَذَا فَقَدْ جَوَّزُوا صِدْقَ الْمُشْتَقِّ الذي هو الْعَالِمُ بِدُونِ صِدْقِ الْمُشْتَقِّ منه وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا يُعَلِّلَانِ الْعَالَمِيَّةَ بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا كما صَرَّحُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَيَقُولَانِ إنَّ الْعِلْمَ في اللَّهِ غَيْرُ ذَاتِهِ فَهُمَا لَا يَسْلُبَانِ عنه إلَّا الْعِلْمَ الزَّائِدَ على ذَاتِهِ لَا الْعِلْمَ مُطْلَقًا وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُ عَالَمِيَّتِنَا بِالْعِلْمِ كما قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أو إثْبَاتُ عَالَمِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مع سَلْبِ الْعِلْمِ عنه كما قَالَهُ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِسَلْبِ عِلِّيَّتِهَا عنه بَلْ يَقُولَانِ إنَّ عِلِّيَّةَ الْعَالَمِيَّةِ هِيَ الْعِلْمُ وَهِيَ غَيْرُ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى هذا أَصْلُ الْخِلَافِ وَمِنْهُ أَخْذُ هذه الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا يَنْبَغِي لِجَوَازٍ أَنْ يَكُونَ هذا الْقَائِلُ يقول مُقْتَضَى اللُّغَةِ ما ذَكَرْتُمْ وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ مَنَعَ هُنَا فَاسْتُثْنِيَ ذلك من الْمُشْتَقَّاتِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ الْخَاصِّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ تَعْمِيمُ الْمُشْتَقَّاتِ بِذَلِكَ وَيَخْرُجُ الْكَلَامُ منها عن أُصُولِ الْفِقْهِ إلَى عِلْمِ الْكَلَامِ وَيَصِيرُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا لَا لَفْظِيًّا لُغَوِيًّا وَإِنْ رَجَعْنَا بها إلَى أُصُولِ الْفِقْهِ فَنَقُولُ الْمُشْتَقُّ إمَّا أَنْ يَغْلِبَ عليه الِاسْمِيَّةُ أو لَا فَالْأَوَّلُ لَا يُشْتَرَطُ في صِدْقِهِ وُجُودُ الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ الْحَارِثُ وَالْعَبَّاسُ فَإِنَّهُمَا يُسَمَّى بِهِمَا وَلَيْسَ بِحَارِثٍ وَلَا كَثِيرِ الْعَبُوسِ وَمَعَ ذلك فَقَدْ لَاحَظَ ذلك الْمَعْنَى الْمُطْلَقَ أو الشَّائِعَ في بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَمِنْ ثَمَّ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَسْتَحِبُّ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ وَيَكْرَهُ قَبِيحَهَا وَأَمَّا الذي لَا يَغْلِبُ عليه الِاسْمِيَّةُ فَهُوَ الْبَاقِي على أَصْلِ الصِّفَةِ كَالْعَالِمِ وَالْقَائِمِ وَيُشْتَرَطُ في صِدْقِهِ حَقِيقَةُ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه وَإِطْلَاقُهُ مع عَدَمِهِ مَجَازٌ مَحْضٌ غير أَنَّهُ قد كَثُرَ هذا الْمَجَازُ في بَعْضِ الْأَسْمَاءِ وَاشْتَهَرَ وَذَلِكَ كَالْمُؤْمِنِ فإنه يُطْلَقُ على الْغَافِلِ وَالنَّائِمِ وَالْمَيِّتِ مع قِيَامِ مَوَانِعِ الْإِيمَانِ اسْتِصْحَابًا لِلْمَعْنَى السَّابِقِ وَالْحُكْمِ اللَّاحِقِ فَدَلَّ على أَنَّهُ مَجَازٌ هُنَا وَإِنْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَقِيقَةً في أَصْلِهِ وَإِنْ قَلَّ اسْتِعْمَالُهُ وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ خِلَافُ أبي هَاشِمٍ في هذا فإنه يقول إنَّ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه ليس شَرْطًا في صِدْقِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ليس شَرْطًا في أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ منه عَدَمُ الْفَرْقِ بين الْمُشْتَقِّ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِعْمَالَ الْعُرْفِيَّ فَهُوَ صَحِيحٌ على ما بَيَّنَّاهُ مَسْأَلَةٌ بَقَاءُ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ هل هو شَرْطٌ في أَنَّ دَوَامَ ما منه الِاشْتِقَاقُ أَعْنِي بَقَاءَ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه هل شَرْطٌ في إطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمْ لَا فَمَنْ لم يَشْتَرِطْ وُجُودَهُ لم يَشْتَرِطْ دَوَامَهُ قَطْعًا وَأَمَّا الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ وُجُودَهُ فَاخْتَلَفُوا فيه فَنَقُولُ إطْلَاقُ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ حَقِيقَةٌ بِلَا خِلَافٍ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ خَمْرًا وَبِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ بِلَا خِلَافٍ كَتَسْمِيَةِ الْعِنَبِ وَالْعَصِيرِ خَمْرًا وَأَمَّا إطْلَاقُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي كَإِطْلَاقِ الضَّارِبِ على من صَدَرَ منه الضَّرْبُ انْتَهَى وَهَذَا هو مَحَلُّ الْخِلَافِ فقال الْجُمْهُورُ منهم الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ إنَّهُ مَجَازٌ وقال ابن سِينَا وَالْفَلَاسِفَةُ وأبو هَاشِمٍ من الْمُعْتَزِلَةِ إنَّهُ حَقِيقَةٌ وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ مَذْهَبًا ثَالِثًا أَنَّ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه إنْ كان مِمَّا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ اُشْتُرِطَ بَقَاؤُهُ في كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً وَإِلَّا فَلَا كما في الْمَصَادِرِ السَّيَّالَةِ مِثْلِ الْكَلَامِ وَأَنْوَاعِهِ وَنَسَبَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَيَحْتَاجُ إلَى تَثَبُّتٍ فإن الرَّازِيَّ ذَكَرَهُ في أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ على سَبِيلِ الْبَحْثِ وقال إنَّهُ لم يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَإِنْ كان مُسْتَنِدُ نَقْلِهِمْ هذا فَقَدْ عَلِمْت لَكِنَّ الْإِمَامَ في جَوَابِ الْمُعَارَضَةِ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَنَعَ الْإِجْمَاعَ فقال قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ عِنْدَنَا حُصُولٌ بِتَمَامِهِ إنْ أَمْكَنَ أو حُصُولُهُ آخِرَ جُزْءٍ من أَجْزَائِهِ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ على فَسَادِ هذا التَّفْصِيلِ مَمْنُوعَةٌ هذا لَفْظُهُ في الْمُسَوَّدَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَقِيلَ إنَّ ما يُعْدَمُ عَقِبَ وُجُودِ مُسَمَّاهُ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالِاغْتِسَالِ وَالتَّوَضُّؤِ فإن الِاسْمَ يَقَعُ عليه بَعْدَ حَقِيقَةٍ وما يَدُومُ بَعْدَ وُجُودِ الْمُسَمَّى كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فإذا عُدِمَ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ كان مَجَازًا وَنَقَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ عن بَعْضِهِمْ تَفْصِيلًا آخَرَ وقال إنَّهُ الْحَقُّ وهو أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَعْنَى في الْمَحِلِّ وَاشْتَقَّ له منه اسْمًا فَبَعْدَ ذلك إنْ لم يَطْرَأْ على الْمَحِلِّ ما يُنَاقِضُهُ وَيُضَادُّهُ بَقِيَ صِدْقُ الْمُشْتَقِّ كَالْقَاتِلِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ فَأَمَّا إذَا طَرَأَ على الْمَحِلِّ ما يُضَادُّهُ وَاشْتَقَّ له منه اسْمَ الْمُشْتَقِّ الْأَوَّلِ فَحِينَئِذٍ لَا يَصْدُقُ الْمُشْتَقُّ الْأَوَّلُ كَاللَّوْنِ إذَا قام بِهِ الْبَيَاضُ يُسَمَّى أَبْيَضَ فإذا اسْوَدَّ لَا يُقَالُ في حَالَةِ السَّوَادِ إنَّهُ أَبْيَضُ وَالدَّلِيلُ على ذلك أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَقَطْعِ السَّارِقِ وَلَوْ كان بَقَاءُ وَجْهِ الِاشْتِقَاقِ شَرْطًا لَمَا أَمْكَنَنَا امْتِثَالُ الْأَمْرِ لِأَنَّ حَالَةَ الْجَلْدِ وَالْقَطْعِ ليس بِزَانٍ وَلَا سَارِقٍ حَقِيقَةً فَلَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ بِالْأَمْرِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ في مَسْأَلَةِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ قَوْلٌ خَامِسٌ بِالتَّفْصِيلِ بين إطْلَاقِهِ عَقِبَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه فَيَسُوغُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَلَا وَمِنْ كَلَامِ أبي الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ سَادِسٌ وهو التَّفْصِيلُ بين ما يَطُولُ زَمَنُهُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبَيْنَ ما يَقْصُرُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وهو قَرِيبٌ من الْخَامِسِ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ في الْمَسْأَلَةِ فإنه ذَكَرَ شِبْهَ الْفَرْقِ وَأَجَابَ عن الْجَمِيعِ فَتَحَصَّلْنَا على سَبْعِ مَذَاهِبَ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا التَّفْصِيلُ بين الْمُمْكِنِ وَغَيْرِهِ التَّفْصِيلُ بين طُرُوُّ ما يُنَاقِضُ التَّفْصِيلَ بين الْإِطْلَاقِ عَقِبَهُ أو بَعْدَهُ التَّفْصِيلُ بين طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ الْوَقْفُ وَالْفَرْقُ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْمُخَالِفَ في الْأَوَّلِ يقول بِصِدْقِ الْمُشْتَقِّ كَالْعَالِمِ وَالْقَادِرِ وَإِنْ لم يَكُنْ ما منه الِاشْتِقَاقُ قَائِمًا بِالْمُشْتَقِّ منه وَلَا في وَقْتٍ ما وَأَمَّا الْمُخَالِفُ في هذه فإنه يقول إنْ قام ما منه الِاشْتِقَاقُ بِالشَّيْءِ فَهُوَ صَادِقٌ حَقِيقَةً حِينَئِذٍ وإذا انْقَضَى ولم يَقُمْ بِهِ فَهُوَ يَصْدُقُ عليه مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ عَكْسُهُ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةً في الْحَالِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ حَقِيقَةً في الْحَالِ أَيْ حَالَ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ لَا حَالَ النُّطْقِ بِهِ فإن حَقِيقَةَ الضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ لَا يَتَقَدَّمُ على الضَّرْبِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عنه لِأَنَّهُمَا طَرَفَا النِّسْبَةِ فَهُمَا معه في زَمَنٍ وَاحِدٍ وَمِنْ هذا يُعْلَمُ أَنَّ نحو قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَنَّ قَتِيلًا حَقِيقَةً وَأَنَّ ما ذَكَرُوهُ من أَنَّهُ سُمِّيَ قَتِيلًا بِاعْتِبَارِ مُشَارَفَتِهِ الْفِعْلَ لَا تَحْقِيقَ له إذَا عَلِمْت ذلك فما ذَكَرُوهُ من نَقْلِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الْحَالِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ بَعْدَ وُجُودِ ما يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ منه فَأَمَّا حَالَةُ الشُّرُوعِ قبل وُجُودِ ذلك كَالتَّسَاوُمِ من التَّابِعِينَ قبل الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْأَكْلُ حين أَخْذِ اللُّقْمَةِ قبل وُجُودِ مُسَمَّى الْأَكْلِ فقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ لَا يُسَمَّى فَاعِلًا إلَّا مَجَازًا وَإِنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً بَعْدَ وُجُودِ ما يُسَمَّى بَيْعًا وَأَكْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ في الْإِطْلَاقِ تَمَامُ الْفِعْلِ وَلِهَذَا قال ابن مَالِكٍ الْمُرَادُ بِالْحَالِ ما قَارَنَ وُجُودُ لَفْظِهِ لِوُجُودِ جُزْءٍ من مَعْنَاهُ كَقَوْلِك هذا زَيْدٌ يَكْتُبُ فَيَكْتُبُ مُضَارِعٌ بِمَعْنَى الْحَالِ وَوُجُودُ لَفْظِهِ مُقَارِنٌ لِوُجُودِ بَعْضِ الْكِتَابَةِ لَا لِجَمِيعِهَا لَا ما يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ من الناس أَنَّ الْحَالَ هو الْمُقَارِنُ وُجُودُ مَعْنَاهُ لِوُجُودِ لَفْظِهِ لِأَنَّ مُدَّةَ وُجُودِ اللَّفْظِ لَا تَتَّسِعُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْفِعْلِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَالِ عن اللَّفْظِ الدَّالِّ على الْجَمِيعِ لِاتِّصَالِ أَجْزَاءِ الْكَلِمَةِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ التَّنْبِيهُ الثَّانِي نَقْلُ الْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبِلِ فيه نَظَرٌ فإن الشَّافِعِيَّ رَدَّ قَوْلَ أبي حَنِيفَةَ في خِيَارِ الْمَجْلِسِ سُمِّيَا مُتَبَايِعَيْنِ لِشُرُوعِهِمَا في تَقْرِيرِ الثَّمَنِ وَالْمُبَادَلَةِ فقال الشَّافِعِيُّ لَا يُسَمَّيَانِ مُتَبَايِعَيْنِ بَلْ مُتَسَاوِمَيْنِ وَلِهَذَا لو قال امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كنا مُتَبَايِعَيْنِ وَكَانَا مُتَسَاوِمَيْنِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لم يُوجَدْ التَّبَايُعُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ له مَدْلُولَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْلُبَ الدَّلَالَةَ على الزَّمَانِ فَلَا يَشْعُرُ بِتَجَدُّدٍ وَلَا حُدُوثٍ نَحْوُهُ قَوْلُهُمْ سَيْفُهُ قَطُوعٌ وَزَيْدٌ صَارِعُ مِصْرَ أَيْ شَأْنُهُ ذلك فَهَذَا حَقِيقَةٌ لِأَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ في السَّيْفِ ليس بِقَطُوعٍ وَالثَّانِي أَنْ يُقْصَدَ الْفِعْلُ في الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ لم يَتَغَيَّرْ الْفَاعِلُ كَأَفْعَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ من الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ فإنه يُوصَفُ في الْأَزَلِ بِالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ حَقِيقَةً وَإِنْ قُلْنَا إنَّ صِفَاتِ الْفِعْلِ حَادِثَةٌ وَإِنْ كان يَتَغَيَّرُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ وكان بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يقول مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِ من الْمَنْطِقِيِّينَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ حَقِيقَةً أَيْضًا لِقَوْلِهِمْ إذَا قُلْنَا كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ فَمَعْنَاهُ كُلُّ ما هو إنْسَانٌ في الْحَالِ أو قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ فَهُوَ حَيَوَانٌ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ الْحُكْمَ على مُسَمَّى الْإِنْسَانِ وَمُسَمَّى الْإِنْسَانِ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أو حَاضِرًا أو مُسْتَقْبَلًا وهو حَقِيقَةٌ في الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ له لِأَنَّا لَمَّا أَطْلَقْنَا اللَّفْظَ ما أَرَدْنَا بِهِ إلَّا ذلك الْمَعْنَى وَهَذَا مُرَادُنَا بِقَوْلِنَا إنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ حَقِيقَةٌ أَيْ إذَا أُرِيدَ منه الْحَالُ التي فيها كَذَلِكَ وَإِنْ أُطْلِقَ الْإِنْسَانُ مَثَلًا على النُّطْفَةِ أو الطِّينِ بِاعْتِبَارِ ما سَيَصِيرُ إلَيْهِ فَهَذَا مَجَازٌ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مُسَمَّى الْإِنْسَانِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسَمَّاهُ وَكَذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ عليه بَعْدَ خُرُوجِهِ عن الْإِنْسَانِيَّةِ وَأُرِيدَ تِلْكَ الْخَارِجَةُ وهو الْمَنْقُولُ فيه الْخِلَافُ عن ابْنِ سِينَا التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّ في نَقْلِ الْخِلَافِ عن ابْنِ سِينَا وَأَبِي هَاشِمٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ نَظَرًا بَيَّنَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ أَمَّا ابن سِينَا فَلَا يُوجَدُ له مَوْضُوعٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا في الْعَرَبِيَّةِ حتى يُؤْخَذَ خِلَافُهُ مِنْهُمَا نعم قال إنَّ الِاصْطِلَاحَ في عِلْمِ الْمَنْطِقِ أَنَّ قَوْلَنَا كُلُّ ج ب أَنَّا لَا نَعْنِي بِهِ ما هو ج دَائِمًا أو في الْحَالِ أو في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بَلْ ما هو أَعَمُّ من ذلك وهو أَنَّهُ ما صَدَقَ عليه أَنَّهُ ج سَوَاءٌ كان في ذلك الْمَاضِي أو الْمُسْتَقْبَلُ أو الْحَالُ دَائِمًا أو غير دَائِمٍ فَهَذَا ما اُصْطُلِحَ عليه فَعَلَى هذا إذَا قِيلَ الضَّارِبُ مُتَحَرِّكٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذلك حُكْمًا على الضَّارِبِ في الْحَالِ بَلْ على ما صَدَقَ عليه الضَّارِبُ سَوَاءٌ كان ذلك الصِّدْقُ في الْمَاضِي أو الْمُسْتَقْبَلِ أو الْحَالِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاصْطِلَاحَاتِ لَا مُنَاقَشَةَ فيها وَلَا يَلْزَمُ من الِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ الْمُوَافَقَةَ وابن سِينَا وَغَيْرُهُ من الْمَنْطِقِيِّينَ يَدَّعُونَ ذلك على أَنَّ الرَّازِيَّ في كُتُبِهِ الْمَنْطِقِيَّةِ قد وَافَقَ ابن سِينَا في هذا الِاصْطِلَاحِ وَأَمَّا ما نُقِلَ عن أبي هَاشِمٍ فَفِيهِ بَحْثٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ نُقِلَ عنه في الْمَسْأَلَةِ السَّالِفَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ صِدْقُ الْمُشْتَقِّ بِدُونِ ما منه الِاشْتِقَاقُ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ منه أَنْ يُشْتَرَطَ في صِدْقِ الْمُشْتَقِّ أَنْ يَقُومَ بِهِ ما منه الِاشْتِقَاقُ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ يقول إنَّ الضَّارِبَ لَا يَصْدُقُ حَقِيقَةً إلَّا في حَالِ صُدُورِ الضَّرْبِ من الضَّارِبِ وأبو هَاشِمٍ يقول يَكْفِي في صِدْقِ الضَّارِبِ حَقِيقَةً أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ وُجِدَ في الْوُجُودِ وَانْقَضَى فَإِنْ لم يَكُنْ وُجِدَ أَصْلًا فَلَا يقول بِصِدْقِ الضَّارِبِ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُهُ التَّنَاقُضُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ ما نُقِلَ عنه أَوَّلًا صُورَتُهُ في صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا من الْمُشْتَقَّاتِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ لَكِنَّ الْإِمَامَ جَعَلَ الْمَسْأَلَتَيْنِ من حَيْثُ اللُّغَةِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ في الْمَسْأَلَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَجْرِي في الصِّفَاتِ الْقَارَّةِ الْمَحْسُوسَةِ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ لِأَنَّا على قَطْعٍ بِأَنَّ اللُّغَوِيَّ لَا يُطْلِقُ على الْأَبْيَضِ بَعْدَ اسْوِدَادِهِ أَنَّهُ أَبْيَضُ وقال الْإِمَامُ في الْمَسْأَلَةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ نَائِمٌ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ السَّابِقِ وَادَّعَى الْآمِدِيُّ فيه الْإِجْمَاعَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الضَّرْبِ وَنَحْوِهِ من الْأَفْعَالِ الْمُنْقَضِيَةِ فَإِطْلَاقُ الْمُشْتَقِّ على مَحِلِّهَا من بَابِ الْأَحْكَامِ فَلَا يَبْعُدُ إطْلَاقُهُ حَالَ خُلُوِّهِ عن مَفْهُومِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ وقال الْقَرَافِيُّ أَيْضًا مَحِلُّهُ إذَا كان الْمُشْتَقُّ مَحْكُومًا بِهِ كَقَوْلِك زَيْدٌ مُشْرِكٌ أو زَانٍ أو سَارِقٌ فَإِنْ كان مَحْكُومًا عليه كَقَوْلِك السَّارِقُ تُقْطَعُ يَدُهُ فإنه حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا فِيمَنْ اتَّصَفَ بِهِ في الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ قال وَلَوْلَا ذلك لَأَشْكَلَ الْقَطْعُ وَالْجَلْدُ لِأَنَّ هذه الْأَزْمِنَةَ الْمَاضِي وَالْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ زَمَنِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ فَتَكُونُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَنَظَائِرُهَا مَجَازَاتٍ بِاعْتِبَارِ من اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ في زَمَانِنَا لِأَنَّهُمْ في الْمُسْتَقْبَلِ غَيْرُ زَمَنِ الْخِطَابِ عِنْدَ النُّزُولِ على عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا مُخَلِّصَ عن هذا الْإِشْكَالِ إلَّا بِمَا سَبَقَ قال فَاَللَّهُ تَعَالَى لم يَحْكُمْ في تِلْكَ الْآيَاتِ بِشِرْكِ وَاحِدٍ وَلَا زِنَاهُ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا وَالْمَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ يَعُمُّ مُتَعَلِّقَ هذه الْأَحْكَامِ هذا ما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وكان يَسْتَشْكِلُ ذلك وكان من في زَمَانِهِ من الْفُضَلَاءِ يَتَخَبَّطُونَ معه في ذلك ولم يُوَفَّقُوا لِلصَّوَابِ فيه وقال بَعْضُهُمْ إنَّهُ مُنْدَفِعٌ بِدُونِ هذا فإن الْمَجَازَ وَإِنْ كان الْأَصْلُ عَدَمَهُ إلَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على أَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ بَعْدَ وُرُودِ هذه النُّصُوصِ يَتَنَاوَلُهُمْ وَتَثْبُتُ تِلْكَ الْأَحْكَامُ فِيهِمْ وَالْحَقُّ أَنَّ هَاهُنَا شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِزَمَانٍ كَقَوْلِنَا الْخَمْرُ حَرَامٌ فَهَذَا اللَّفْظُ صَادِقٌ سَوَاءٌ كانت الْخَمْرَةُ مَوْجُودَةً أَمْ لَا وَإِطْلَاقُ الْخَمْرِ في هذه الْقَضِيَّةِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهُ لم يَقْصِدْ غير مَعْنَاهُ وَالْحُكْمُ عليه بِالتَّحْرِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالَةِ اتِّصَافِهِ بِالْخَمْرِيَّةِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ فَلَا مَجَازَ في ذلك وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا الْقَاتِلُ مَقْتُولٌ وَنَحْوُهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا وَقَوْلُهُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرُ ذلك من النُّصُوصِ وَالْحُكْمُ في ذلك على من اتَّصَفَ بِالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشِّرْكِ وَنَحْوِهَا حَاضِرًا كان أو مُسْتَقْبَلًا ولم يُقْصَدْ بِالزَّانِي إلَّا من اُتُّصِفَ بِالزِّنَى حين زِنَاهُ وَكَذَلِكَ بَاقِيهَا الثَّانِي إطْلَاقُهُ بِاعْتِبَارِ ما كان عليه فَهُوَ مَجَازٌ وهو مَوْضِعُ الْخِلَافِ قال الشَّيْخُ الْإِمَامُ أبو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ وَإِنَّمَا الْوَهْمُ سَرَى لِلْقَرَافِيِّ قَوْلُهُ بِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ بِحَسَبِ زَمَنِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ ما قَالَهُ من الْإِشْكَالِ وَلَا يُنْجِيهِ ما أَجَابَ بِهِ وَالْقَاعِدَةُ صَحِيحَةٌ في نَفْسِهَا وَلَكِنْ لم يَفْهَمُوهَا حَقَّ فَهْمِهَا قال وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَنَحْوَهُمَا إنَّمَا دَلَّ على شَخْصٍ مُتَّصِفٍ بِالْمَصْدَرِ الْمُشْتَقِّ منه فَضَارِبٌ مَدْلُولُهُ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِضَرْبٍ صَادِرٍ منه وَلَا تَعَرُّضَ له لِزَمَانٍ كما هو شَأْنُ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا وإذا لم يَدُلَّ على الزَّمَانِ الْأَعَمُّ من الْحَالِ فَلَأَنْ لَا يَدُلَّ على الْحَالِ الْأَخَصُّ منه أَوْلَى فَكَيْفَ يَكُونُ حَقِيقَةً فيه وَأَعْنِي بِالْحَالِ هُنَا زَمَنَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَدُلُّ على ذلك فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنَّمَا الْتَبَسَ على بَعْضِ الْمُبْتَدِئِينَ ذلك من جِهَةِ أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ من قَوْلِنَا زَيْدٌ ضَارِبٌ أَنَّهُ ضَارِبٌ في الْحَالِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ هذا لِدَلَالَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ عليه وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّك تَقُولُ هذا حَجَرٌ وَتُرِيدُ إنْسَانًا فَيُفْهَمُ منه الْحَالُ أَيْضًا مع أَنَّ الْحَجَرَ وَالْإِنْسَانَ لَا دَلَالَةَ لَهُمَا على الزَّمَانِ فَإِنْ قُلْت اسْمُ الْفَاعِلِ يَدُلُّ على الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ في زَمَنٍ فَاسْمُ الْفَاعِلِ دَالٌّ على الزَّمَانِ بِالِالْتِزَامِ قُلْت الْمُعْتَبَرُ في دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ وهو مَمْنُوعٌ هَاهُنَا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْمَعْنَى فيه مُطْلَقُ الزَّمَانِ وإذا كنا نَقُولُ إنَّ الْيَوْمَ وَغَدًا وَأَمْسَ وَالزَّمَانَ وَالْآنَ أَسْمَاءٌ مع أنها لَا مَدْلُولَ لها غير الزَّمَانِ فما ظَنُّك بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ وَاَلَّذِي مَنَعْنَا وُجُودَهُ في الِاسْمِ هو دَلَالَتُهُ على الزَّمَانِ كما يَدُلُّ الْفِعْلُ عليه وَأَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَدُلُّ على زَمَنٍ مَاضٍ غَيْرِ زَمَانِ الْخِطَابِ أو مُقَارِنٍ له أو مُسْتَقْبَلٍ عنه فَهَذَا هو الْقَدْرُ الذي اخْتَصَّ بِهِ الْفِعْلُ وَلَا يُوجَدُ في شَيْءٍ من الْأَسْمَاءِ فَإِنْ قُلْت ضَرَبَ دَلَّ على زَمَانٍ مَاضٍ غَيْرِ زَمَنِ الْخِطَابِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنَّ زَمَنَ الْخِطَابِ مُسْتَقْبَلٌ عنه وَيَضْرِبُ وَاضْرِبْ بِالْعَكْسِ وَتَضْرِبُ إذَا جَعَلْته لِلْحَالِ دَلَّ على زَمَانٍ مَاضٍ وهو زَمَنُ الْخِطَابِ فَكُلُّ وَاحِدٍ من الْأَفْعَالِ دَالٌّ على زَمَانَيْنِ زَمَنِ الْخِطَابِ وَزَمَنٍ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَا في الْحَاضِرِ مُتَّحِدَيْنِ وَمِثْلُ هذا لَا يُوجَدُ في شَيْءٍ من الْأَسْمَاءِ لَا بِمَادَّتِهِ وَلَا بِصُورَتِهِ وَقَوْلُ من قال إنَّ الْيَوْمَ وَأَمْسِ وَغَدًا يَدُلُّ على أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ بِمَادَّتِهِ وَأَخْذُهُ في حَدِّ الْفِعْلِ أَنْ يَدُلَّ بِبِنْيَتِهِ لِيُحْتَرَزَ عن ذلك مَدْخُولٌ بِمَا حَرَّرْنَاهُ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا دَلَالَةَ له على زَمَنِ الْخِطَابِ أَلْبَتَّةَ وَأَنَّ قَوْلَنَا إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى الْحَالِ حَقِيقَةً ليس بهذا الْمَعْنَى خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ في ذلك الثَّانِي أَنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الْفَاعِلِ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِالْفِعْلِ كما قَدَّمْنَا حَاضِرًا كان أو مَاضِيًا أو مُسْتَقْبَلًا يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَنِ الْخِطَابِ وَهَذَا الْمَدْلُولُ مُرَكَّبٌ بِقَيْدِ الِاتِّصَافِ بِالْفِعْلِ لَا بُدَّ منه لِأَنَّهُ أَحَدُ جُزْئَيْ الْمَدْلُولِ فَمَتَى لم يَكُنْ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وُجُودٌ فيه في زَمَنٍ ما فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عليه لِعَدَمِ حُصُولِ مَدْلُولِهِ وَمَتَى اتَّصَفَ بِالْفِعْلِ في زَمَنٍ بَقِيَ ذلك الزَّمَنُ الْمَدْلُولُ حَاصِلًا بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عليه حَقِيقَةً لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ في مَدْلُولِهِ وَإِطْلَاقُهُ عليه قبل حُصُولِهِ بِاعْتِبَارِ تَوَقُّعِ مَحْصُولِهِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ له في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلْمُرَكَّبِ من جُزْأَيْنِ مَوْجُودَيْنِ بِالْفِعْلِ وَهُنَا ليس كَذَلِكَ وَإِطْلَاقُهُ عليه بَعْدَ حُصُولِهِ مَجَازٌ أَيْضًا على الصَّحِيحِ وَهَذَا التَّقْسِيمُ ليس بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِ الْخِطَابِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلِاشْتِقَاقِ وَإِنَّمَا تَطَرَّقَتْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ إلَيْهِ من جِهَةِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ على مَوْضُوعِهِ وَعَلَى غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَمَوْضُوعُهُ هو التَّرْكِيبُ وَقْتَ التَّرْكِيبِ فَإِنْ أُرِيدَ كان اللَّفْظُ حَقِيقَةً فيه سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهِ في ذلك الْوَقْتِ أَمْ غَيْرِهِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ مَجَازًا سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهِ ذلك الْوَقْتَ أَمْ غَيْرَهُ وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ حَالَةَ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِالشَّخْصِ هل هِيَ شَرْطٌ في الْمَدْلُولِ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ أنها شَرْطٌ لِضَرُورَةِ التَّرْكِيبِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْحَالُ وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا لِكَوْنِ الزَّمَانِ مَأْخُوذًا في مَوْضُوعِهِ وَلَكِنْ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُرَكَّبِ وَحَقِيقَةُ الْمُرَكَّبِ عَقْلًا تَسْتَدْعِي وَقْتَ التَّرْكِيبِ فَكَانَ ذلك الزَّمَانُ شَرْطًا لِوُجُودِ الْمَدْلُولِ الصَّحِيحِ لِلِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقِيِّ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْفَاعِلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالِ حَقِيقَةٌ أَيْ مَقْصُودٌ بِهِ الْحَالُ الذي وُجِدَ مَدْلُولُهُ فيها وَهِيَ حَالَ قِيَامِ الْمَعْنَى بِهِ وَإِنَّمَا دَلَّ على ذلك قَاعِدَةُ الِاشْتِقَاقِ وَاسْتِدْعَاؤُهُ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مُرَكَّبٌ وَالْمُشْتَقَّ منه مُفْرَدٌ وَالْمُرَكَّبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُفْرَدِ وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ من الناس أَنَّ الْمَقْصُودَ بهذا وَقْتُ الْخِطَابِ فَغَلِطَ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّ إطْلَاقَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ أَيْ إذَا قَصَدَ تِلْكَ الْحَالَةَ وَإِنْ كان الْإِطْلَاقُ قَبْلَهَا أو بَعْدَهَا وَمَعْنَى قَوْلِنَا قَصَدَ بِهِ تِلْكَ الْحَالَ أَيْ قَصَدَ مَدْلُولَهُ الْكَائِنَ في تِلْكَ الْحَالِ وَأَمَّا الْحَالُ فَلَيْسَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ مَوْضُوعًا له الثَّالِثُ قد عَرَفْت أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَدُلُّ على الزَّمَانِ وَأَنَّهُ إنْ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ وَقْتُ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ منه كان حَقِيقَةً وَإِلَّا كان مَجَازًا وَلَا فَرْقَ في ذلك بين أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أو مُرَكَّبًا وَاقِعًا جُزْءَ كَلَامٍ وَلَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُ الْمُفْرَدِ يُوصَفُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَإِنَّك إذَا ذَكَرْت الْأَسْمَاءَ من غَيْرِ عَقْدٍ وَتَرْكِيبٍ وَأَرَدْت بها حَقَائِقَهَا كانت حَقِيقَةً وَإِلَّا مَجَازًا وإذا وَقَعَ جُزْءُ الْكَلَامِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ طَلَبًا أو خَبَرًا فَإِنْ كان طَلَبًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ اقْتَضَى طَلَبَ قَتْلٍ مُسْتَقْبَلٍ لِأَشْخَاصِ الْمُتَّصِفِينَ بِالشِّرْكِ حين الْقَتْلِ سَوَاءٌ كَانُوا مَوْجُودِينَ حَالَةَ الْخِطَابِ أَمْ حَادِثِينِ بَعْدَهُ وَمِنْهُمْ من يُشْرِكُ بَعْدُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لِأَنَّهُ ما قُصِدَ بِهِ إلَّا من هو مُتَّصِفٌ بِالشِّرْكِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا وَلَا يَدْخُلُ من أَشْرَكَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَا من ظُنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ بَعْدَ ذلك لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُسَمَّى مُشْرِكًا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُحْمَلُ على حَقِيقَتِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ سُؤَالَ الْقَرَافِيِّ لَا وَقْعَ له وَقَوْلُهُ إنَّ الْمُرَادَ في هذه الْمَسْأَلَةِ الْمَحْكُومُ بِهِ يُقَالُ له إنَّ قَوْلَهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مَعْنَاهُ الَّذِينَ هُمْ مُشْرِكُونَ فَقَدْ وَقَعَ اسْمُ الْفَاعِلِ مَحْكُومًا بِهِ وَقَوْلُهُ إنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ ليس يُرَادُ يَرُدُّ عليه قَوْلُك الْقَاتِلُ يُقْتَلُ أو الْكَافِرُ يُقْتَلُ وَأَرَدْت بِهِ مَعْهُودًا حَاضِرًا فإنه لَا يَكُونُ حَقِيقَةً حتى يَكُونَ الْقَتْلُ قَائِمًا بِهِ من حِينِ الْخِطَابِ وهو مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْقَاعِدَةُ في الْمَسْأَلَةِ هذا حُكْمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِنْ كان الْكَلَامُ خَبَرًا فَإِنْ كان مَاضِيًا وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَكِرَةً غير عَامَّةٍ كَقَوْلِك قَتَلْت كَافِرًا فَصِدْقُهُ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ في الْمَاضِي حَالَةَ الْقَتْلِ وَإِنْ كانت مُضَافَةً إلَيْهَا كُلَّ كَقَوْلِك قَتَلْتُ كُلَّ كَافِرٍ اقْتَضَتْ تَعْمِيمَ الْقَتْلِ لِكُلِّ كَافِرٍ في الْمَاضِي وَهَلْ الْكَافِرُ في الْمُسْتَقْبَلِ خَارِجٌ عن ذلك بِقَرِينَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي فَيَكُونُ مَخْصُوصًا أو لم يَدْخُلْ أَلْبَتَّةَ في الدَّلَالَةِ فيه ما أَشَرْنَا إلَيْهِ من الِاحْتِمَالَيْنِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ في شَخْصٍ مُتَّصِفٍ بِحَدَثٍ حَالَ قِيَامِهِ بِهِ وَمَجَازٌ فِيمَا سَيَتَّصِفُ بِهِ وَكَذَا فِيمَا انْقَضَى اتِّصَافُهُ بِهِ على الصَّحِيحِ وَلَا فَرْقَ في الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بين أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ ذلك في تِلْكَ الْحَالَةِ أو في غَيْرِهَا فَالِاعْتِبَارُ في الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِزَمَانِ الِاتِّصَافِ لَا بِزَمَانِ الْإِطْلَاقِ وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عليه أو بِهِ أو تَعَلَّقَ الْحُكْمُ حَيْثُ وُجِدَ في قَضِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ مُقَيَّدًا بِزَمَانِ فِعْلِهَا وفي قَضِيَّةٍ اسْمِيَّةٍ إنْ قُيِّدَتْ تَقَيَّدَتْ وَإِنْ أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ على الْحَالِ بِاسْمِ فَاعِلٍ كان الْمَحْكُومُ أو غَيْرُهُ من الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ أو الْجَامِدَةِ مَسْأَلَةٌ الِاشْتِقَاقُ من الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالشَّيْءِ في الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالشَّيْءِ هل يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ منه اسْمٌ قال الرَّازِيَّ إنْ لم يَكُنْ لِذَلِكَ الْمَعْنَى اسْمٌ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ وَالْآلَامِ اسْتَحَالَ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ منه اسْمٌ بِالضَّرُورَةِ وَإِنْ كان له اسْمٌ فَفِيهِ مَقَامَانِ أَحَدُهَا هل يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ اسْمٌ لها منها الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ أَئِمَّتِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وُجُوبُهُ فإن الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا قالوا إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ كَلَامَهُ في جِسْمٍ قال أَصْحَابُنَا لهم لو كان كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يُشْتَقَّ من ذلك اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ من ذلك الْكَلَامِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ إذَا لم يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ منه اسْمٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لِغَيْرِ ذلك الْمَحِلِّ منه اسْمٌ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لَا وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ نعم لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالِاتِّفَاقِ وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ من الْكَلَامِ ثُمَّ إنَّ الْأَشَاعِرَةَ أَطْلَقُوا على اللَّهِ ما منه الِاشْتِقَاقُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ وهو الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَلَا يُطْلِقُونَ ذلك على من لم يَقُمْ بِهِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمُتَكَلِّمِ على اللَّهِ بِاعْتِبَارِ خَلْقِهِ لِلْكَلَامِ في اللَّوْحِ أو في غَيْرِهِ وَلَا يَعْتَرِفُونَ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَإِذَنْ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقٌ على اللَّهِ ولم يَقُمْ بِذَاتِ اللَّهِ الْكَلَامُ وَيُسَمَّى مُتَكَلِّمًا وما قام بِهِ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا هذا حَاصِلُ ما قَالَهُ ثُمَّ إنَّهُ مَالَ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وقال ليس من شَرْطِ الْمُشْتَقِّ منه قِيَامُهُ بِمَنْ له الِاشْتِقَاقُ إذْ الْكَيُّ وَالْحِدَادُ وَنَحْوُهُمَا مُشْتَقَّةٌ من أُمُورٍ يَمْتَنِعُ قِيَامُهَا بِمَنْ له الِاشْتِقَاقُ وَرُدَّ ما قَالَهُ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ إنَّمَا ادَّعَوْا ذلك في الْمُشْتَقَّاتِ من الْمَصَادِرِ التي هِيَ أَسْمَاءُ الْمَعَانِي وما ذَكَرَهُ مُشْتَقٌّ من الزَّوَائِدِ وَأَسْمَاءِ الْأَعْيَانِ فَلَا يَرُدُّ عليهم وقال الْقَرَافِيُّ هذه الْأَشْيَاءُ أَجْسَامٌ وَالْكَلَامُ في الْمَعَانِي لَا في الْأَجْسَامِ وَهَذَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَصَادِرِ ذَاتِ الْمَعَانِي وقال الْجَزَرِيُّ إنَّ النَّقْصَ بِهَذِهِ إنَّمَا وَرَدَ على قَوْلِ الْأَصْحَابِ إنَّ الْمَعْنَى إذَا لم يَقُمْ بِالْمَحِلِّ لم يُشْتَقَّ له منه اسْمٌ فَقِيلَ هذه الْأَشْيَاءُ لم تَقُمْ بِمَحَالِّهَا وقد اُشْتُقَّ منها أَسْمَاءٌ وَإِنَّمَا كان كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا لَبْسَ في عَدَمِ قِيَامِهَا بِمَحَالِّ الْأَسْمَاءِ وَلَا كانت الْمَعَانِي يَصِحُّ قِيَامُهَا بِالْمَحَالِّ التي أُخِذَتْ لها منها الْأَسْمَاءُ فإذا أُطْلِقَتْ على غَيْرِ مَحَالِّهَا الْتَبَسَ الْأَمْرُ فيه قال وَلَوْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا هِيَ النِّسَبُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بِالْمَحَالِّ فَمِنْ النِّسْبَةِ أُخِذَتْ الْأَسْمَاءُ لَا من الْمُنْتَسَبِ إلَيْهِ كان له وَجْهٌ قُلْت وَكَأَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ على إطْلَاقِهِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ ظَنَّ من لم يُحَصِّلْ عِلْمَ هذا الْبَابِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَصَفُوا الرَّبَّ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا وَزَعَمُوا أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ هذا مَذْهَبَ الْقَوْمِ بَلْ حَقِيقَةَ مُعْتَقَدِهِمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِعْلٌ من أَفْعَالِ اللَّهِ كَخَلْقِهِ الْجَوَاهِرَ وَأَعْرَاضَهَا فَلَا يَرْجِعُ إلَى حَقِيقَتِهِ وُجُودُ حُكْمٍ من أَحْكَامِ الْكَلَامِ فَمَحْصُولُ أَصْلِهِمْ أَنَّهُ ليس لِلَّهِ كَلَامٌ وَلَيْسَ قَائِلًا آمِرًا نَاهِيًا وَإِنَّمَا يَخْلُقُ أَصْوَاتًا في جِسْمٍ من الْأَجْسَامِ دَالٍّ على إرَادَتِهِ ا هـ وَعَلَى هذا فَتَنْسَلِخُ هذه الْمَسْأَلَةُ من هذا الطِّرَازِ وَلْنُنَبِّهْ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ هَكَذَا من بَحْثِ اللُّغَاتِ لم تُنْقَلْ عن الْمُعْتَزِلَةِ ثُمَّ لَا يُمْكِنُهُمْ اطِّرَادُ ذلك في كل مَوْضِعٍ وَإِلَّا لَكَانَ جَهْلًا بِالْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَخُرُوجًا عن الْعَقْلِ وَإِنَّمَا أَلْجَأَهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِهِ هُنَا أَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ عِنْدَهُمْ مُسْتَحِيلٌ وَاللَّفْظِيَّ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ مَحِلًّا لِلْحَوَادِثِ وَالِاتِّفَاقُ على أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ فَاحْتَاجُوا إلَى أَنْ قالوا سُمِّيَ مُتَكَلِّمًا لِكَوْنِهِ يَخْلُقُ الْكَلَامَ في جِسْمٍ أُخِذَ من اعْتِقَادِهِمْ هذا جَوَازُ اشْتِقَاقِ الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ ذلك غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ ليس بِمَذْهَبٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُورَدَ الْمَسْأَلَةُ هَكَذَا فَائِدَةٌ قد يَخْرُجُ على قَوْلِهِمْ لَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ ما لو حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَوَكَّلَ من يَفْعَلُهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لم يَقَعْ منه فَلَا يُسَمَّى فَاعِلًا وَكَذَا لو وُكِّلَ بِالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ ثُمَّ قال وَاَللَّهِ لَسْت بِبَائِعٍ وَلَا مُطَلِّقٍ هل يَحْنَثُ مَسْأَلَةٌ دَلَالَةُ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ لَا تَدُلُّ على خُصُوصِيَّاتِ الذَّوَاتِ التي قَامَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي بها بَلْ على اتِّصَافِهَا بِالْمَصْدَرِ فَإِذَنْ قَوْلُنَا أَسْوَدُ يَدُلُّ على شَيْءٍ ما له السَّوَادُ أَيْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين الْمَوْجُودَاتِ وَأَمَّا أَنَّ ذلك الشَّيْءَ جِسْمٌ فَلَا يَدُلُّ ذلك من اللَّفْظِ بَلْ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ أَنَّ السَّوَادَ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمٍ فَدَلَّ على الْجِسْمِيَّةِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ فَنَقُولُ ضَارِبٌ يَدُلُّ على قِيَامِ الضَّرْبِ بِذَاتٍ وَأَمَّا أنها إنْسَانٌ أو حَيَوَانٌ أو غَيْرُهُمَا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مَسْأَلَةٌ قال الصَّفَّارُ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ الْمُشْتَقَّاتُ بِالِاسْتِقْرَارِ تَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه الْمُشْتَقُّ منه وَزِيَادَةٍ وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ فَائِدَةُ الِاشْتِقَاقِ نحو أَحْمَرَ يَدُلُّ على الْحُمْرَةِ وَعَلَى الشَّخْصِ وَكَذَلِكَ ضَارِبٌ يَدُلُّ على الضَّرْبِ وَعَلَى الشَّخْصِ وَلِهَذَا قال الْبَصْرِيُّونَ إنَّ الْفِعْلَ مُشْتَقٌّ من الْمَصْدَرِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه الْمَصْدَرُ وَزِيَادَةٍ وهو الزَّمَانُ وَخِلَافُ الْكُوفِيِّينَ يَدُلُّ على مُخَالَفَتِهِمْ هذا الْأَصْلَ مَبَاحِثُ التَّرَادُفِ وهو مُشْتَقٌّ من مُرَادَفَةِ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَمْلُهَا اثْنَيْنِ أو أَكْثَرَ على ظَهْرِهَا وَرِدْفِهَا وفي الِاصْطِلَاحِ هو الْأَلْفَاظُ الْمُفْرَدَةُ الدَّالَّةُ على شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ وَاحْتُرِزَ بِالْمُفْرَدَةِ عن دَلَالَةِ الِاسْمِ وَالْحَدِّ فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ على شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ لِأَنَّ الْحَدَّ مُرَكَّبٌ وَخَرَجَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ الْمُتَزَايِلَانِ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ فإن مَدْلُولَهُمَا وَاحِدٌ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى في وُقُوعِهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ وَاقِعٌ مُطْلَقًا وهو الصَّحِيحُ من لُغَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ لُغَتَيْنِ وَبِحَسَبِ الشَّرْعِ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَنَا وَبِحَسَبِ الْعُرْفِ الثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِأَنَّ وَضْعَ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عِيٌّ يَجِلُّ الْوَاضِعُ عنه وَكُلُّ ما اُدُّعِيَ فيه التَّرَادُفُ فإن بين مَعْنَيْهِمَا تَوَاصُلًا لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الِاشْتِقَاقَ الْأَكْبَرَ وَاخْتَارَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن فَارِسٍ في كِتَابِهِ فِقْهِ اللُّغَةِ وَحَكَاهُ عن شَيْخِهِ ثَعْلَبٍ وقال ابن سِيدَهْ في الْمُخَصَّصِ كان محمد بن السَّرِيِّ يَعْنِي ابْنَ السِّرَاجِ يَحْكِي عن أَحْمَدَ بن يحيى ثَعْلَبٍ مَنْعَهُ وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ سَمَاعًا أو قِيَاسًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا فإن كُتُبَ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ وَنُقَلَهَا طَافِحَةٌ بِهِ في تَصْنِيفِهِ كِتَابَ الْأَلْفَاظِ فَإِنْ قال في كل لَفْظَةٍ مَعْنًى ليس في الْأُخْرَى كما في مَضَى وَذَهَبَ قِيلَ نَحْنُ نُوجِدُ له ما لَا تَجِدُ بُدًّا من أَنْ تَقُولَ إنَّهُ لَا زِيَادَةَ مَعْنَى في وَاحِدَةٍ منها دُونَ الْأُخْرَى وَذَلِكَ نَحْوُ الْكِتَابَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك ضَرَبَك وما ضَرَبَ إلَّا إيَّاكَ وَجِئْتنِي وما جَاءَنِي إلَّا أنت وَنَحْوُهُ يُفْهَمُ من كل لَفْظَةٍ ما يُفْهَمُ من الْأُخْرَى من الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ وَالْإِضْمَارِ وَالْمَوْضِعِ من الْإِعْرَابِ لَا زِيَادَةَ في ذلك فإذا جَازَ في شَيْءٍ وَشَيْئَيْنِ وَثَلَاثَةٍ جَازَ فِيمَا زَادَ على ذلك وَصَنَّفَ الزَّجَّاجُ كِتَابًا ذَكَرَ فيه التَّرَادُفَ وَكِتَابًا ذَكَرَ فيه اشْتِقَاقَ الْأَسْمَاءِ وَصَنَّفَ أبو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ مُصَنَّفًا آخَرَ مَنَعَ فيه التَّرَادُفَ وَسَمَّاهُ الْفُرُوقَ قال وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ من الْعُلَمَاءِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُبَرِّدُ في قَوْله تَعَالَى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا قال فَعَطَفَ مِنْهَاجًا على شِرْعَةٍ لِأَنَّ الشِّرْعَةَ لِأَوَّلِ الشَّيْءِ وَالْمِنْهَاجَ لِعَظِيمِهِ وَمُتَّسَعِهِ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِمْ شَرَعَ فُلَانٌ في كَذَا إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَنْهَجَ الْبَلَاءَ في الثَّوْبِ إذَا اتَّسَعَ فيه قال أبو هِلَالٍ وقال بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ على الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ حتى تَضَامَّهُ عَلَامَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِلَّا أَشْكَلَ فَالْتَبَسَ على الْمُخَاطَبِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ على مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظَانِ يَدُلَّانِ على مَعْنًى وَاحِدٍ لِأَنَّ فيه تَكْثِيرًا لِلُّغَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فيه وقال الْمُحَقِّقُونَ من أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْحَرَكَاتُ في الْكَلِمَتَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قالوا فإذا كان الرَّجُلُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ قِيلَ فيه مَفْعَلُ كَمِرْحَمٍ وَمِحْرَبٍ وإذا كان قَوِيًّا على الْفِعْلِ قِيلَ فَعُولٌ كَصَبُورٍ وَشَكُورٍ فإذا تَكَرَّرَ منه الْفِعْلُ قِيلَ فَعَّالٌ كَعَلَّامٍ وَجَبَّارٍ وإذا كان عَادَةً له قِيلَ مِفْعَالٌ كَمِعْوَانٍ وَمِعْطَافٍ وَمَنْ لَا يُحَقِّقُ الْمَعَانِيَ يَظُنُّ أنها مُتَرَادِفَةٌ وَلِهَذَا قال الْمُحَقِّقُونَ إنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ لَا تَتَعَاقَبُ حتى قال ابن دُرُسْتَوَيْهِ في جَوَازِ تَعَاقُبِهَا إبْطَالُ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَإِفْسَادُ الْحُكْمِ فيها لِأَنَّهَا إذَا تَعَاقَبَتْ خَرَجَتْ عن حَقَائِقِهَا وَوَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ منها بِمَعْنَى الْآخَرِ فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظَانِ مُخْتَلِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْمُحَقِّقُونَ يَأْبَوْنَهُ هذا كَلَامُهُ وَمِمَّنْ اخْتَارَ ذلك من الْمُتَأَخِّرِينَ الْجُوَيْنِيُّ في الْيَنَابِيعِ وقال أَكْثَرُ ما يُظَنُّ أَنَّهُ من الْمُتَرَادِفِ ليس كَذَلِكَ بَلْ اللَّفْظَانِ مَوْضُوعَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَكِنَّ وَجْهَ الْخِلَافِ خَفِيٌّ وَالثَّالِثُ يَقَعُ في اللُّغَةِ لَا في الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ في الْمَحْصُولِ فقال في آخِرِ مَسْأَلَةِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ وُقُوعَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَمَّا التَّرَادُفُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لم يُوجَدْ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ على خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ا هـ هذا وَالْإِمَامُ نَفْسُهُ مِمَّنْ يقول بِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ وَالسُّنَّةَ وَالتَّطَوُّعَ ثُمَّ الْخِلَافُ في اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا اللُّغَتَانِ فَلَا يُنْكِرُهُمَا أَحَدٌ قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ قُلْت وَنَصَّ عليه الْعَسْكَرِيُّ وهو مِمَّنْ يُنْكِرُ أَصْلَ التَّرَادُفِ فقال لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ وأفعل بِمَعْنًى وَاحِدٍ كما لَا يَكُونَانِ على بِنَاءٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَجِيءَ ذلك في لُغَتَيْنِ وَأَمَّا في لُغَةٍ فَمُحَالٌ فَقَوْلُك سَقَيْت الرَّجُلَ يُفِيدُ أَنَّك أَعْطَيْته ما يَشْرَبُهُ أو صَبَبْته في حَلْقِهِ وَأَسْقَيْته يُفِيدُ أَنَّك جَعَلْت له سَقْيًا أو حَظًّا من الْمَاءِ وَقَوْلُك شَرِقَتْ الشَّمْسُ يُفِيدُ خِلَافَ غَرَبَتْ وَأَشْرَقَتْ يُفِيدُ أنها صَارَتْ ذَاتَ إشْرَاقٍ انْتَهَى مَسْأَلَةٌ هل وَقَعَ في الْقُرْآنِ تَرَادُفٌ إذَا قُلْنَا بِوُقُوعِهِ في اللُّغَةِ فَهَلْ وَقَعَ في الْقُرْآنِ نُقِلَ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْمَنْعُ كَذَا رَأَيْته في أَوَّلِ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِأَبِي إِسْحَاقَ بن دِهَاقٍ الشَّهِيرِ بِابْنِ الْمِرْآةِ فقال ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إلَى مَنْعِ تَرَادُفِ اسْمَيْنِ في كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى على مُسَمًّى وَاحِدٍ فقال في قَوْلِهِ هو اللَّهُ الْخَالِقُ إنَّهُ بِمَعْنَى الْمُعَدِّلِ من قَوْلِ الشَّاعِرِ وَلَأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْت وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي فَمَعْنَاهُ يَمْضِي وَيَقْطَعُ ما قَدَّرْت من غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَصَفَهُ بِحَصَافَةِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ ا هـ وَهَذَا هو ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَبْدَى لِكُلِّ مَعْنًى وَالصَّحِيحُ الْوُقُوعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كل أُمَّةٍ وفي مَوْضِعٍ أَرْسَلْنَا وهو كَثِيرٌ مَسْأَلَةٌ في سَبَبِ التَّرَادُفِ وهو إمَّا أَنْ يَكُونَ من وَاضِعَيْنِ وهو السَّبَبُ الْأَكْثَرُ كما قَالَهُ الْإِمَامُ وَيَلْتَبِسُ وَإِمَّا من وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَلَهُ فَوَائِدُ منها التَّوْسِعَةُ لِتَكْثِيرِ الطُّرُقِ على التَّعْبِيرِ عن الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ وَلِهَذَا يَجْتَنِبُ وَاصِلُ بن عَطَاءٍ اللَّفْظَةَ التي فيها الرَّاءُ لِلُثْغَتِهِ حتى كَأَنَّ الرَّاءَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ من حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَمِنْهَا تَيْسِيرُ النَّظْمِ لِلرَّوِيِّ وَالنَّثْرِ لِلزِّنَةِ وَالتَّجْنِيسِ وَالْمُطَابِقَةِ مَسْأَلَةٌ التَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ التَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ فإذا دَارَ اللَّفْظُ بين كَوْنِهِ مُتَرَادِفًا أو مُتَبَايِنًا فَحَمْلُهُ على الْمُتَبَايِنِ أَوْلَى لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِفْهَامُ فَمَتَى حَصَلَ بِالْوَاحِدِ لم يَحْتَجْ إلَى الْأَكْثَرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ في حِفْظِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ في الْمَحْصُولِ حَكَى خِلَافًا في أَنَّ الْمُتَرَادِفَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ وَذَكَرَ الْحُجَّةَ السَّابِقَةَ لِكُلٍّ من الْمَقَالَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ لِاتِّحَادِهِمَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ في لُغَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاحِدٍ لَفْظٌ وَاحِدٌ وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمَحْصُولِ وُجُودَ خِلَافٍ في الْمَسْأَلَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَصْلِ الْغَالِبُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْخِلَافُ وإذا أُرِيدَ بِهِ الْقِيَاسُ فَيُمْكِنُ قَوْلُهُ في التَّرَادُفِ من وَاضِعٍ وَاحِدٍ لَا من وَاضِعَيْنِ مَسْأَلَةٌ إطْلَاقُ كل وَاحِدٍ من الْمُتَرَادِفَيْنِ على الْآخَرِ الْمُتَرَادِفَانِ يَصِحُّ إطْلَاقُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِمَعْنَى الْمُتَرَادِفَيْنِ وَلَا خِلَافَ في هذا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في حَالِ التَّرْكِيبِ على ما يَدُلُّ عليه كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ في الْمُنْتَهَى وَالْبَيْضَاوِيُّ أَيْ إذَا صَحَّ النُّطْقُ بِأَحَدِهِمَا في تَرْكِيبٍ يَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ النُّطْقُ فيه بِالْآخَرِ اخْتَلَفُوا فيه وهو مَعْنَى قَوْلِ الْمَحْصُولِ يَجِبُ صِحَّةُ إقَامَتِهِ مَقَامَهُ وَفِيهِ ثَلَاثُ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ اللُّزُومُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ من التَّرْكِيبِ إنَّمَا هو الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فإذا صَحَّ النُّطْقُ مع أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَصِحَّ مع اللَّفْظِ الْآخَرِ قال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ إنَّهُ الْأَظْهَرُ في أَوَّلِ النَّظَرِ وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ التَّرْكِيبَ من عَوَارِضِ الْمَعَانِي دُونَ الْأَلْفَاظِ فإذا صَحَّ تَأَلُّفُ الْمَعْنَى مع الْمَعْنَى فَلَا نَظَرَ إلَى التَّعْبِيرِ عنه بِأَيِّ لَفْظَةٍ كانت وَمُقْتَضَى ذلك أَنَّهُ إذَا لم يَصِحَّ التَّأْلِيفُ لَا يَجُوزُ كما في صلى وَدَعَا فإن أَئِمَّةَ اللُّغَةِ قالوا إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ مع أَنَّهُ لم يَقُمْ أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ فإنه يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ صلى عليه فَتَرَكَّبَ صلى مع لَفْظَةِ على في طَلَبِ الْخَيْرِ لِلْمَدْعُوِّ له وَلَوْ رَكَّبْتهَا مع دَعَا فَقُلْت دَعَا عليه لم يَصِحَّ وَانْعَكَسَ الْمَعْنَى لِلشَّرِّ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كُلًّا من صلى وَدَعَا مُشْتَرَكٌ بين مَعَانٍ وَالصَّلَاةُ من اللَّهِ لَيْسَتْ بِالدُّعَاءِ بَلْ هِيَ الْمَغْفِرَةُ فَمَعْنَى صلى اللَّهُ على زَيْدٍ غَفَرَ له غير أَنَّ التَّعَدِّيَةَ مُخْتَلِفَةٌ فَأَتَى في الصَّلَاةِ بِعَلَى مُبَالَغَةً في اسْتِعْلَاءِ الْفِعْلِ على الْمَفْعُولِ وَالثَّانِي أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَاخْتَارَهُ في الْحَاصِلِ والتحصيل وقال في الْمَحْصُولِ إنَّهُ الْحَقُّ لِأَنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ قد تَكُونُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَصِحُّ قَوْلُك خَرَجْت من الدَّارِ مع أَنَّك لو أَبْدَلْت لَفْظَةَ من وَحْدَهَا بِمُرَادِفِهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لم يَجُزْ قال وإذا قُلْنَا ذلك في لُغَتَيْنِ لم يَمْتَنِعْ وُقُوعُ مِثْلِهِ في اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ من لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَصِحُّ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وقال هذا الْقَوْلُ وَإِنْ لم يُلْفَ صَرِيحًا لَكِنْ يُلْفَى ضِمْنًا في كَلَامِهِمْ وقال النَّقْشَوَانِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ فيها تَفْصِيلٌ فإنه إنْ لم يَكُنْ الْمَقْصُودُ إلَّا مُجَرَّدَ الْفَهْمِ قام أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ وَإِنْ كان الْمَقْصُودُ قَافِيَةَ الْقَصِيدَةِ وَرَوِيَّ الشِّعْرِ وَأَنْوَاعَ الْجِنَاسِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فإنه قد يَكُونُ ذلك مَوْجُودًا في الْبُرِّ دُونَ الْقَمْحِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ في الْمَحْصُولِ نَصَبَ الْخِلَافَ في وُجُوبِ إقَامَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَمُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ اللُّزُومُ بِمَعْنَى أَنَّ من لَوَازِمِ صِحَّةِ انْضِمَامِ الْمَعَانِي صِحَّةُ انْضِمَامِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عليها وَاخْتَارَ أَنَّ جَوَازَ تَبْدِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ غَيْرُ لَازِمٍ وَعَلَى هذا فَمَنْ نَقَلَ عن الْإِمَامِ اخْتِيَارَ الْمَنْعِ مُطْلَقًا ليس بِجَيِّدٍ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ في الْمُنْتَهَى يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ حَيْثُ لم يَتَغَيَّرْ الْمَعْنَى فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا وَلَا شَكَّ فيه وَكَلَامُهُ في الْمُخْتَصَرِ صَرِيحٌ في أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في تَبْدِيلِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْمُرَكَّبَةِ دُونَ الْبَعْضِ وَلِهَذَا مَثَّلَ بِ خداي أَكْبَرُ قال وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ بِاخْتِلَاطِ اللُّغَتَيْنِ فَأَرْشَدَ إلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ قَاصِرَةٌ على تَرْجَمَةِ بَعْضِ الْمُرَكَّبِ لَا كُلِّهِ أَمَّا تَبْدِيلُ أَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ كُلِّهَا أَلْفَاظًا من غَيْرِ لُغَتِهِ فَلَا شَكَّ في جَوَازِهِ وقد نَقَلَ ابن الْحَاجِبِ فيه الْإِجْمَاعَ في بَابِ الْأَخْبَارِ فَلْيُتَفَطَّنْ له فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَتَّجِهُ جَوَازُ تَبْدِيلِ الْجَمِيعِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمَنْعِ على قَوْلٍ إذَا بَدَّلَ الْبَعْضَ قُلْت لِأَنَّ تَبْدِيلَ الْبَعْضِ جَمْعٌ بين اللُّغَتَيْنِ في كَلَامٍ وَاحِدٍ فَرُبَّمَا خَلَطَ على السَّامِعِ فَيُخِلُّ بِالْفَهْمِ بِخِلَافِ تَبْدِيلِ الْجَمِيعِ وَأَوْضَحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَسْأَلَةَ فقال أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ إمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ مُفْرَدًا أو مُرَكَّبًا الْحَالَةُ الْأُولَى الْإِفْرَادُ وقد نَصُّوا على أَنَّهُ لَا خِلَافَ في قِيَامِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ قُلْت منهم ابن الْحَاجِبِ في الْمُنْتَهَى ا ه وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْرَدَ ذُو التَّرَادُفِ له أَحْوَالٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَ تَعْدَادِ الْمُفْرَدَاتِ حَيْثُ لَا إعْرَابَ وَلَا بِنَاءَ كَقَوْلِهِ أَسَدٌ عَيْنٌ حِنْطَةٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ في النُّطْقِ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ شَاءَ بِلَا إشْكَالٍ من لَيْثٍ أو مُقْلَةٍ أو بُرٍّ الثَّانِي أَنْ يَتَكَلَّمَ زَيْدٌ بِالْمُفْرَدِ فَيُرِيدُ أَنْ يَحْكِيَهُ فيقول قال زَيْدٌ أَسَدٌ وَيَكُونُ إنَّمَا قال لَيْثٌ الثَّالِثُ أَنْ يَأْمُرَك زَيْدٌ بِأَنْ تَقُولَ لَيْثٌ فَتَقُولُ أَسَدٌ فَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ من قِسْمِ الْمُفْرَدِ وَلِلنِّزَاعِ فيها مَجَالٌ عِنْدَ تَعَيُّنِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ لَا سِيَّمَا إنْ مَنَعْنَا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ بِمُرَادِفِهِ لِأَنَّ ذلك لَعَلَّهُ خَاصٌّ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَذَلِكَ في صُورَةِ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ الِامْتِثَالَ بِالْمُرَادِفِ وَإِلَّا قُلْت قد صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إذَا قال الْقَاضِي له قُلْ بِاَللَّهِ فقال بِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نُكُولًا وفي الْمُكْرَهِ لو قال له قُلْ أَنْتِ طَالِقٌ فقال بَائِنٌ إنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْإِجْمَاعِ على الْمُفْرَدِ مَمْنُوعٌ الْمُرَكَّبُ وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ النُّطْقَ فَيَنْطِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيْسَ ذلك مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً وَيُبَدِّلُ بِأَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ كُلِّهَا أَلْفَاظًا من غَيْرِ لُغَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ كما قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ في بَابِ الْأَخْبَارِ الثَّالِثُ أَنْ يُبَدِّلَ كُلَّهَا بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ من لُغَتِهَا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ حَضَرَ الْأَسَدُ فَيُقَالُ قال زَيْدٌ جاء اللَّيْثُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هذا ليس مَحَلَّ النِّزَاعِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ مِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ مع جَزْمِهِ بِجَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى بِغَيْرِ الْمُتَرَادِفِ فَضْلًا عن الْمُتَرَادِفِ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ في امْتِثَالِ الْأَمْرِ كَأَنْ يَقُولَ زَيْدٌ قُلْ جاء الْأَسَدُ فيقول حَضَرَ اللَّيْثُ أو يُعَبِّرُ عنه بِالْعَجَمِيَّةِ فَيَحْتَمِلُ الْمَنْعُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّفْظُ وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ إلَّا حَيْثُ تَعَبَّدْنَا بِاللَّفْظِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا الْخَامِسُ أَنْ يُبَدِّلَ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْمُرَكَّبِ دُونَ بَعْضٍ كَأَنْ يَقُولَ حَضَرَ الْأَسَدُ مَكَانَ حَضَرَ اللَّيْثُ وَكَذَلِكَ خداي أَكْبَرُ في غَيْرِ الصَّلَاةِ فَهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ هذا كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ إقَامَةِ كُلٍّ من الْمُتَرَادِفَيْنِ مُخْتَلِفَيْ اللُّغَةِ مَقَامَ الْآخَرِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فيه الْأَلْفَاظُ كَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا ما وَقَعَ النَّظَرُ في أَنَّ التَّعَبُّدَ هل وَقَعَ بِلَفْظَةٍ فَلَيْسَ من هذا الْبَابِ لِأَنَّ الْمَانِعَ إذْ ذَاكَ من إقَامَةِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُخْتَلِفَيْ اللُّغَةِ مَقَامَ الْآخَرِ ليس لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذلك بَلْ لِمَا وَقَعَ من التَّعَبُّدِ بِجَوْهَرِ لَفْظِهِ كَالْخِلَافِ في أَنَّ لَفْظ النِّكَاحِ هل يَنْعَقِدُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَأَنْظَارِهِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ في بَابِ النِّكَاحِ لِلْأَلْفَاظِ سِتَّ مَرَاتِبَ الْأَوَّلُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَلَفْظُهُ مُتَعَيِّنٌ الثَّانِي ما تَعَبَّدْنَا بِلَفْظِهِ وَإِنْ كان الْغَرَضُ الْأَكْبَرُ مَعْنَاهُ كَالتَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ الثَّالِثُ لَفْظُ النِّكَاحِ تَرَدَّدُوا هل الْمَرْعِيُّ فيه التَّعَبُّدُ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ أَلْفَاظُهُ لِحَاجَةِ الْإِشْهَادِ وَيَلْزَمُ على الثَّانِي أَنَّ أَهْلَ قُطْرٍ لو تَوَاطَئُوا على لَفْظٍ في إرَادَةِ النِّكَاحِ يَنْعَقِدُ بِهِ الرَّابِعُ الطَّلَاقُ الْخَامِسُ الْعُقُودُ سِوَى النِّكَاحِ السَّادِسُ ما لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ كَالْإِبْرَاءِ وَالْفَسْخِ مَسْأَلَةٌ اللُّغَاتُ ما عَدَا الْعَرَبِيَّةَ سَوَاءٌ اللُّغَاتُ ما عَدَا الْعَرَبِيَّةَ سَوَاءٌ على الْأَصَحِّ وَمِنْ فُرُوعِهَا أَنَّ من لم يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ على التَّكْبِيرِ في الصَّلَاةِ تَرْجَمَ قال في الْحَاوِي إذَا لم يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ وَأَحْسَنَ الْفَارِسِيَّةَ وَالسُّرْيَانِيَّة فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يُكَبِّرُ بِالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ اللُّغَاتِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ وَالثَّانِي بِالسُّرْيَانِيَّةِ لِشَرَفِهَا بِإِنْزَالِ كِتَابٍ لها وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَحْسَنَ التُّرْكِيَّةَ وَالْفَارِسِيَّةَ فَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْفَارِسِيَّةُ أو يَتَخَيَّرُ وَجْهَانِ وَإِنْ أَحْسَنَ التُّرْكِيَّةَ وَالْهِنْدِيَّةَ يَتَخَيَّرُ بِلَا خِلَافٍ قال الشَّاشِيُّ وَهَذَا التَّخْرِيجُ فَاسِدٌ فإن اللُّغَاتِ بَعْدَ الْعَرَبِيَّةِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْعَرَبِيَّةُ بِذَلِكَ تَعَبُّدًا مَسْأَلَةٌ تَرَادُفُ الْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ قِيلَ الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ مُتَرَادِفَانِ وَالصَّحِيحُ تَغَايُرُهُمَا لِأَنَّ الْمَحْدُودَ يَدُلُّ على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ وَالْحَدُّ يَدُلُّ عليها بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ على أَجْزَائِهَا فَالِاعْتِبَارَانِ مُخْتَلِفَانِ وقال الْقَرَافِيُّ الْحَدُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ وَنَفْسُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى فَلَفْظُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ الذي وَقَعَ الْحَدُّ بِهِ هو الْإِنْسَانُ قَطْعًا وَمَدْلُولُ هذا اللَّفْظِ هو غَيْرُ الْإِنْسَانِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَدَّ وَالْمَحْدُودَ إنْ لم يَتَّحِدَا في الذَّاتِ كَذَبَ الْحَدُّ ولم يَكُنْ حَدًّا وَإِنْ اتَّحَدَا صَدَقَ الْحَدُّ وَلَيْسَ هو الْمَحْدُودَ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ يَجِبُ اتِّحَادُ الْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ وَإِلَّا لم يَكُنْ خَبَرًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هو هو من كل وَجْهٍ وَإِلَّا لم يَكُنْ كَلَامًا أَلْبَتَّةَ فإن قَوْلَك زَيْدٌ زَيْدٌ إذَا لم يُقَدَّرْ زَيْدٌ الثَّانِي بِمَعْنًى يَزِيدُ على الْأَوَّلِ كان مُهْمَلًا وَالْفَائِدَةُ في الْخَبَرِ مع الِاتِّحَادِ تَنْزِيلُ الْكُلِّيِّ على الْجُزْئِيِّ فإن هذا اسْمُ إشَارَةٍ فَيُطْلَقُ على كل مُشَارٍ إلَيْهِ سَوَاءٌ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ فلما حَمَلْنَاهُ على زَيْدٍ جَاءَتْ الْفَائِدَةُ مَسْأَلَةٌ الْإِتْبَاعُ من كَلَامِهِمْ الْإِتْبَاعُ وهو أَنْ تَتْبَعَ الْكَلِمَةُ الْكَلِمَةَ على وَزْنِهَا أو رَوِيِّهَا إتْبَاعًا وَتَوْكِيدًا قال ابن فَارِسٍ وقد شَارَكَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ في هذا وهو يُشْبِهُ أَسْمَاءَ الْمُتَرَادِفِ من حَيْثُ إنَّهُمَا اسْمَانِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَيُشْبِهُ أَسْمَاءَ التَّوْكِيدِ من حَيْثُ إنَّهَا تُفِيدُ تَقْوِيَةَ الْأَوَّلِ غير أَنَّ التَّابِعَ وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ بَلْ شَرْطُ إفَادَتِهِ تَقَدُّمُ الْمَتْبُوعِ عليه وَصَنَّفَ فيه ابن خَالَوَيْهِ كِتَابًا سَمَّاهُ الْإِتْبَاعَ وَالْأَلْبَابَ وأبو الطَّيِّبِ عبد الْوَاحِدِ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا وأبو الْحُسَيْنِ بن فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ قِيلَ إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه الْمَتْبُوعُ إلَّا بِتَبَعِيَّةِ الْأَوَّلِ وإذا قُطِعَ عنه لَا يَدُلُّ على شَيْءٍ أَصْلًا بِخِلَافِ الْمُتَرَادِفِ فإن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه الْآخَرُ وَحْدَهُ قال ابن الْأَعْرَابِيِّ قُلْت لِأَبِي الْمَكَارِمِ ما قَوْلُكُمْ في جَامِعٍ تَابِعٍ قال إنَّمَا هو شَيْءٌ نَتِدُ بِهِ كَلَامَنَا أَيْ نُؤَكِّدُ بِهِ قال بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ ولم يَسْمَعْ الْإِتْبَاعَ في أَكْثَرَ من خَمْسَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُمْ كَثِيرٌ بَتِيرٌ عَمِيرٌ بَرِيرٌ بَجِيرٌ بَدِيرٌ وَقِيلَ مُجِيرٌ بِالْمِيمِ فَأَمَّا الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَكَثِيرٌ قالوا حَسَنٌ بَسَنٌ مَسَنٌ وَجَارَ بَارَ حَارَ وَسَمَّى أبو الطَّيِّبِ كِتَابَهُ بِالْإِتْبَاعِ وَالتَّوْكِيدِ قال وَإِنَّمَا قَرَنَّا الْإِتْبَاعَ بِالتَّوْكِيدِ وَإِنْ كان كُلُّ إتْبَاعٍ تَوْكِيدًا وَكُلُّ تَوْكِيدٍ إتْبَاعًا في الْمَعْنَى لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَمِنْهُمْ من جَعَلَهُمَا وَاحِدًا وَأَجَازَ أَكْثَرُهُمْ الْفَرْقَ فَجَعَلُوا الْإِتْبَاعَ ما لَا يَدْخُلُ عليه الْوَاوُ نحو قَوْلِهِمْ عَطْشَانُ نَطْشَانُ وَشَيْطَانُ لَيْطَانُ وَالتَّوْكِيدُ ما دخل عليه الْوَاوُ نحو قَوْلِهِمْ هو في حَلٍّ وَبَلٍّ وَأَخَذَ في كل حَسَنٍ وَسَنٍ قال وَنَحْنُ نَذْهَبُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إلَى أَنَّ إتْبَاعَ ما لَا يَخْتَصُّ بِمَعْنًى يُمْكِنُ إفْرَادُهُ وَالتَّوْكِيدُ ما اخْتَصَّ بِمَعْنًى وَجَازَ إفْرَادُهُ بِهِ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُمْ هذا جَائِعٌ فَائِعٌ فَهُوَ عِنْدَهُمْ إتْبَاعٌ ثُمَّ يَقُولُونَ في الدُّعَاءِ على الْإِنْسَانِ جُوعًا وَبُوعًا فَيُدْخِلُونَ الْوَاوَ وهو مع ذلك إتْبَاعٌ إذْ كان مُحَالًا أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مَرَّةً إتْبَاعًا وَمَرَّةً غير إتْبَاعٍ فَقَدْ وَضَحَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ ليس بِالْوَاوِ ا هـ وَمِنْهُمْ من فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّابِعَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ على زِنَةِ الْمَتْبُوعِ بِخِلَافِ التَّوْكِيدِ قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ من الِاسْتِقْرَاءِ فإنه لم يُنْقَلْ إلَّا كَذَلِكَ قال الْآمِدِيُّ التَّابِعُ قد لَا يُفِيدُ مَعْنًى أَصْلًا وَلِهَذَا قال ابن دُرَيْدٍ سَأَلْت أَبَا حَاتِمٍ عن مَعْنَى قَوْلِهِمْ بَسَنٌ في قَوْلِهِمْ حَسَنٌ بَسَنٌ فقال لَا أَدْرِي ما هو وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّابِعَ يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ فإن الْعَرَبَ لم تَضَعْهُ عَبَثًا فَإِنْ قُلْت فَصَارَ كَالتَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ أَيْضًا إنَّمَا يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ قُلْت التَّأْكِيدُ يُفِيدُ مع التَّقْوِيَةِ نَفْيَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ وقال ابن الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ في الْغُرَّةِ اُخْتُلِفَ في الْإِتْبَاعِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ في حُكْمِ التَّأْكِيدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَبْنِيٍّ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ كَأَكْتَعَ وَأَبْصَعَ مع أَجْمَعَ فَكَمَا لَا يَنْطِقُ بِأَكْتَعَ بِغَيْرِ أَجْمَعَ فَكَذَا هذه الْأَلْفَاظُ مع ما قَبْلَهَا وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرَّرْت بَعْضَ حُرُوفِهَا في مِثْلِ حَسَنٌ بَسَنٌ كما قِيلَ في أَكْتَعَ وَأَبْصَعَ مع أَجْمَعَ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ التَّأْكِيدَ غَيْرُ الْإِتْبَاعِ وَاخْتَلَفُوا في الْفَرْقِ فَقِيلَ الْإِتْبَاعُ ما لم يَحْسُنْ فيه وَاوُ الْعَطْفِ كَقَوْلِك حَسَنٌ بَسَنٌ وَالتَّأْكِيدُ يَحْسُنُ فيه نَحْوُ حِلَّ وَبِلَّ وَقِيلَ الْإِتْبَاعُ يَكُونُ لِلْكَلِمَةِ وَلَا مَعْنَى لها غير التَّبَعِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ على هذا أَنْ يُسَمَّى تَابِعٌ تَابِعًا قُلْت وَقِيلَ التَّأْكِيدُ يَدُلُّ على مَعْنًى في الْجُمْلَةِ وهو تَقْوِيَةُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ السَّابِقِ كَيْفَ كان وَالتَّابِعُ إنَّمَا يُذْكَرُ بَعْدَ الِاسْمِ الْأَوَّلِ وقال الْآمِدِيُّ إنَّ التَّابِعَ لم يُوضَعْ لِمُسَمًّى في نَفْسِهِ وَيَشْهَدُ لِمَا نَقَلَهُ ابن الدَّهَّانِ عن الْأَكْثَرِينَ عن ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ من قَوْلِهِمْ هو شَيْءٌ نَتِدُ بِهِ كَلَامَنَا أَيْ نُقَوِّيهِ وَلَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ إلَّا هذا وقال أبو عَمْرٍو محمد بن عبد الْوَاحِدِ في كِتَابِ فَائِتِ الْجَمْهَرَةِ سَمِعْت الْمُبَرِّدَ وَثَعْلَبًا يَقُولَانِ الْإِتْبَاعُ لَا يَكُونُ بِحَرْفِ النَّسَقِ إنَّمَا الْإِتْبَاعُ أَنْ يَقُولَ حِلٌّ بَلْ وَشَيْطَانُ لَيْطَانُ فَأَمَّا قَوْلُ الْعَبَّاسِ لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسَلٍ وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ أَيْ حَلَالٌ وَمُبَاحٌ لِأَنَّهُ ليس كُلُّ حَلَالٍ مُبَاحًا لِأَنَّ أَكْلَ الرُّطَبِ حَلَالٌ وَلَيْسَ بِمُبَاحٍ حتى يَشْتَرِيَهُ أو يَسْتَوْهِبَهُ ا هـ وَهَذَا فَرْقٌ غَرِيبٌ مَسْأَلَةٌ التَّأْكِيدُ وَاقِعٌ في اللُّغَةِ التَّأْكِيدُ وَاقِعٌ في اللُّغَةِ وَحَكَى الطُّرْطُوشِيُّ في الْعُمْدَةِ عن قَوْمٍ إنْكَارَهُ قال وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ مُكَابِرٌ إذْ لَوْلَا وُجُودُهُ لم يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ تَأْكِيدًا فَائِدَةٌ فإن الِاسْمَ لَا يُوضَعُ إلَّا لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ وَكَذَلِكَ وَقَعَ في الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَنْكَرَتْ الْمَلَاحِدَةُ الثَّانِيَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ خِلَافَهُمْ في الْأَوَّلِ أَيْضًا وهو مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِهِ في لِسَانِ الْعَرَبِ لِنَوْعٍ من الْقُصُورِ عن تَأْدِيَةِ ما في النَّفْسِ فَاحْتِيجَ إلَى التَّأْكِيدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عن ذلك وَضَلُّوا من حَيْثُ جَهِلُوا لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَمِنْوَالِ كَلَامِهِمْ وهو من مَحَاسِنِ الْكَلَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هل التَّأْكِيدُ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ إذَا ثَبَتَ وُقُوعُهُ لُغَةً فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا ما أَفَادَهُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ ثُمَّ قال وَمَنْ سَمَّى التَّأْكِيدَ مَجَازًا فَيُقَالُ له إذَا كان التَّأْكِيدُ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ نحو عَجِّلْ عَجِّلْ وَنَحْوُهُ فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَجَازًا كان الْأَوَّلُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ على مَعْنًى وَاحِدٍ وإذا بَطَلَ حَمْلُ الْأَوَّلِ على الْمَجَازِ بَطَلَ حَمْلُ الثَّانِي عليه لِأَنَّهُ مِثْلُهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ التَّأْكِيدُ على خِلَافِ الْأَصْلِ أَنَّهُ على خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عليه إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ على فَائِدَةٍ مُجَدِّدَةٍ وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بين حَمْلِهِ على التَّأْسِيسِ أو التَّأْكِيدِ فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّهُ يَكْتَفِي في تِلْكَ الْفَائِدَةِ بِأَيِّ مَعْنًى كان وَشَرَطَ الطُّرْطُوشِيُّ كَوْنَهَا من مُقْتَضَى اللِّسَانِ فَحَذَا بها حَذْوَ اللَّفْظِ قال وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ على فَائِدَةٍ يُخْرِجُهَا الْفُقَهَاءُ لَيْسَتْ من مُقْتَضَى لِسَانِ الْعَرَبِ لِأَنَّ ذلك وَضْعُ لُغَةٍ عليهم وما قَالَهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ من دَلَالَةِ اللَّفْظِ ليس من بَابِ اللَّفْظِ حتى يَلْتَزِمَ فيه أَحْكَامَ اللَّفْظِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَقْسَامُ التَّأْكِيدِ يَنْقَسِمُ إلَى لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَاللَّفْظِيُّ يَجِيءُ لِخَوْفِ النِّسْيَانِ أو لِعَدَمِ الْإِصْغَاءِ أو لِلِاعْتِنَاءِ وهو تَارَةً بِإِعَادَةِ اللَّفْظِ وَتَارَةً يَقْوَى بِمُرَادِفِهِ وَيَكُونُ في الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ وَزَعَمَ الرَّافِعِيُّ في الطَّلَاقِ أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّأْكِيدِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيَنْبَغِي فيه شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا الِاحْتِيَاطُ بِإِيصَالِ الْكَلَامِ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ إنْ فُرِضَ ذُهُولٌ أو غَفْلَةٌ وَالثَّانِي إيضَاحُ الْقَصْدِ إلَى الْكَلَامِ وَالْإِشْعَارِ بِأَنَّ لِسَانَهُ لم يَسْبِقْ إلَيْهِ وَيُمَثِّلُهُ النَّحْوِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كَلًّا إذَا دُكَّتْ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّك وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجَعْلُهُمْ صَفًّا صَفًّا تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا مَرْدُودٌ فإنه ليس بِتَأْكِيدٍ قَطْعًا بَلْ هو تَأْسِيسٌ وَالْمُرَادُ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ وَدَكًّا بَعْدَ دَكٍّ وَكَذَلِكَ أَلْفَاظُهُ إذَا كُرِّرَتْ فَكُلٌّ منها بِنَاءٌ على حِدَتِهِ وَالْعَجَبُ منهم كَيْفَ خَفِيَ عليهم وَالْمَعْنَوِيُّ وهو إمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُفْرَدِ كَالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ وَجَمْعَاءَ وَكَتْعَاءَ أو بِالِاثْنَيْنِ كَكِلَا وَكِلْتَا أو بِالْجَمْعِ كَكُلِّ وَأَجْمَعِينَ وَجَمْعٍ وَكَتْعٍ وَكُلُّ وما في مَعْنَاهُ لِلتَّجَزُّؤِ وَالنَّفْسُ وَالْعَيْنُ لِلْمُتَشَخِّصِ غَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْجُمَلِ كَكَأَنَّ وَإِنَّ وما في مَعْنَاهُمَا وَفَائِدَتُهُ تَمْكِينُ الْمَعْنَى في نَفْسِ السَّامِعِ وَرَفْعُ التَّجَاوُزَاتِ الْمُتَوَهَّمَةِ فإن التَّجَوُّزَ يَقَعُ في اللُّغَةِ كَثِيرًا فَيُطْلَقُ الشَّيْءُ على أَسْبَابِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ فإنه يُقَالُ وَرَدَ الْبَرْدُ إذَا وَرَدَتْ أَسْبَابُهُ وَيُطْلَقُ اسْمُ الْكُلِّ على الْبَعْضِ نَحْوُ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ قَيَّدَ بِالْكَمَالِ لِيَخْرُجَ احْتِمَالُ تَوَهُّمِ بَعْضِ الْحَوْلِ الثَّانِي وَالتَّوْكِيدُ يُحَقِّقُ أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فَإِنْ قِيلَ إذَا كان رَافِعًا لِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ في نَحْوِ قام الْقَوْمُ كلهم وَلِلْمَجَازِ في نَحْوِ جاء زَيْدٌ نَفْسُهُ فَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ فَكَيْفَ أَطْبَقُوا على أَنَّ الْمَقْصُودَ منه التَّقْوِيَةُ قُلْت إنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْفُوعَ تَارَةً يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَرَدَّدًا فيه وفي غَيْرِهِ على السَّوَاءِ وَتَارَةً يَكُونُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا وَرَفْعُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ لِأَنَّ تَرَدُّدَ اللَّفْظِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ليس فيه دَلَالَةٌ على أَحَدِهِمَا كما أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ على الْأَخَصِّ فَدَفْعُ ذلك الِاحْتِمَالِ تَأْسِيسٌ أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّأْكِيدُ يُقَوِّي ذلك الظَّاهِرَ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَثْبَتَ ابن مَالِكٍ قِسْمًا ثَالِثًا وهو ما له شَبَهٌ بِالْمَعْنَوِيِّ وَشَبَهٌ بِاللَّفْظِيِّ وَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى كَقَوْلِكَ أنت بِالْخَيْرِ حَقِيقٌ قَمِينٌ وَنُوزِعَ في هذا الْمِثَالِ وَلَا نِزَاعَ لِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ على أَنَّ من التَّوْكِيدِ مَرَرْت بِكُمْ أَنْتُمْ الثَّانِي هل أَنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ أو يُرَجِّحُهُ يَخْرُجُ من كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ فيه قَوْلَانِ فَفِي التَّسْهِيلِ أَنَّهُ رَافِعٌ وَكَلَامُ ابْنِ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ وهو الْحَقُّ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِيهِ فإنه قال في الْبُرْهَانِ وَمِمَّا زَالَ فيه النَّاقِلُونَ عن الْأَشْعَرِيِّ وَيَقْتَضِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مع الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً وَهَذَا وَإِنْ صَحَّ يُحْمَلُ على تَوَابِعِ الْعُمُومِ كَالصِّيَغِ الْمُؤَكِّدَةِ ا هـ فَقَدْ صُرِّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ وَيُؤَيِّدُهُ ما في الحديث فَأَحْرَمُوا كلهم إلَّا أبو قَتَادَةَ لم يُحْرِمْ فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مع تَأْكِيدِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إنْ كان الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا وَهَلْ يَجْرِي ذلك في التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِيضَاحِ الْبَيَانِيِّ نعم وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ النُّحَاةُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ذلك وَأَنَّ الْقَائِلَ إذَا قال قام زَيْدٌ زَيْدٌ فَإِنَّمَا يُفِيدُ تَقْرِيرَ الْكَلَامِ في ذِهْنِ السَّامِعِ لَا رَفْعَ التَّجَوُّزِ وَحَكَى الرُّمَّانِيُّ في شَرْحِ أُصُولِ ابْنِ السَّرَّاجِ الْأَمْرَيْنِ فقال في قَوْله تَعَالَى وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فيها مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ التَّمْكِينِ وقد يَكُونُ لِرَفْعِ الْمَجَازِ إذْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ هُمْ في الْجَنَّةِ خَالِدِينَ في غَيْرِهَا فَأُزِيلَ هذا بِالتَّأْكِيدِ وَدَلَّ على أَنَّهُمْ في الْجَنَّةِ التي يَدْخُلُونَهَا مُخَلَّدُونَ فيها وَلَا يُنْقَلُونَ عنها إلَى جَنَّةٍ أُخْرَى الثَّالِثُ أَنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ أَكْثَرُ ما يَقَعُ مَرَّتَيْنِ كَقَوْلِهِ أَلَا حَبَّذَا حَبَّذَا حَبَّذَا وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَذَكَرُوا أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا تَجْتَمِعُ وَالْفَرْقُ أَنَّ هذا أَثْقَلُ لِاتِّحَادِ اللَّفْظِ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ اتَّفَقَ الْأُدَبَاءُ على أَنَّ التَّأْكِيدَ إذَا وَقَعَ بِالتَّكْرَارِ لَا يَزِيدُ على ثَلَاثِ مَرَّاتٍ يَعْنِي بِالْأَصْلِ وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ التَّأْكِيدُ بِمَرَّتَيْنِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى في الْمُرْسَلَاتِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَيْ بهذا فَلَا يَجْتَمِعَانِ على مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا تَأْكِيدَ وَكَذَلِكَ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَنَحْوُهُ وَكَذَلِكَ قال السُّبْكِيُّ في شَرْحِ الْكَافِيَةِ لم تَتَجَاوَزْ الْعَرَبُ في تَأْكِيدِ الْأَفْعَالِ ثَلَاثًا كما فَعَلُوا في تَأْكِيدِ الْأَسْمَاءِ قال تَعَالَى فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا فلم يَزِدْ على ثَلَاثَةٍ مَهِّلْ وَأَمْهِلْ وَرُوَيْدٍ وَكُلُّهَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ قال وَمِمَّا يَدُلُّ على صِحَّةِ هذا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ يُكَرِّرُونَ الْفِعْلَ مع تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ خَفِيفَةً وَلَا شَدِيدَةً لِأَنَّ تَكْرِيرَهُ مع الْخَفِيفَةِ مَرَّتَيْنِ كَالتَّلَفُّظِ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَمَعَ الشَّدِيدَةِ كَالتَّلَفُّظِ بِهِ سِتَّ مَرَّاتٍ ا هـ لَكِنْ فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ في الْإِتْبَاعِ أَنَّهُ سمع خَمْسَةً مع أَنَّهُ تَأْكِيدٌ في الْمَعْنَى وقال الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الرحمن كانت عَادَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُكَرِّرَ عليهم ما كان يَعِظُ بِهِ وَيَنْصَحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَبْعًا لِيُرَكِّزَهُ في قُلُوبِهِمْ وَيَغْرِزَهُ في صُدُورِهِمْ وفي الحديث الصَّحِيحِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ ثُمَّ لَا يَشُكُّ أَنَّ الثَّلَاثَةَ في عَادَتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَالْمَرَّةِ في حَقِّ غَيْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ كان قد زَادَ على الثَّلَاثِ ثُمَّ مُرَادُ الشَّيْخِ التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ أَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَنَصَّ النَّحْوِيُّونَ على أَنَّ أَلْفَاظَهُ الصِّنَاعِيَّةَ كُلَّهَا تُجْمَعُ وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ الرَّابِعُ أَنَّ التَّأْكِيدَ نَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي فيه شُرُوطُهُ السَّابِقَةُ من اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فيه وَمَحِلِّهَا وَاتِّصَالِهِ بِالْمُؤَكَّدِ لَكِنْ جَوَّزَ النَّحْوِيُّونَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ الْخَامِسُ إنَّ كَوْنَ التَّوْكِيدِ يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَاعِلِ فإذا قُلْت جاء زَيْدٌ اُحْتُمِلَ مَجِيئُهُ بِنَفْسِهِ وَمَجِيءُ جَيْشِهِ فإذا قُلْت نَفْسُهُ انْتَفَى الثَّانِي أَمَّا التَّأْكِيدُ بِالْمَصْدَرِ نحو ضَرَبْت ضَرْبًا فَنَصَّ ثَعْلَبٌ في أَمَالِيهِ وابن عُصْفُورٍ في شَرْحِ الْجُمَلِ الصَّغِيرِ وَالْأَبْذَوِيُّ في قَوْله تَعَالَى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا أَنَّهُ يَدُلُّ على رَفْعِ الْمَجَازِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بِنَفْسِهِ وَهَكَذَا احْتَجَّ بها أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُعْتَزِلَةُ في إثْبَاتِ كَلَامِ اللَّهِ وهو غَلَطٌ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِالْمَصْدَرِ إنَّمَا يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ عن الْفِعْلِ نَفْسِهِ لَا عن الْفَاعِلِ فإذا قُلْت قام زَيْدٌ قِيَامًا فَالْأَصْلُ قام زَيْدٌ قام زَيْدٌ فَإِنْ أَرَدْت تَأْكِيدَ الْفَاعِلِ أَتَيْت بِالنَّفْسِ وَهَاهُنَا إنَّمَا أَكَّدَ الْفِعْلَ وَلَوْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الْفَاعِلِ لَقَالَ وَكَلَّمَ اللَّهُ نَفْسُهُ مُوسَى فَلَا حُجَّةَ فيه إذَنْ عليهم السَّادِسُ في الْفَرْقِ بين التَّرَادُفِ وَالتَّأْكِيدِ أَنَّ الْمُؤَكِّدَ يُقَوِّي الْمُؤَكَّدَ وهو اللَّفْظُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا جاء زَيْدٌ نَفْسُهُ بِخِلَافِ التَّرَادُفِ فإن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُلُّ على الْمَعْنَى بِمُجَرَّدِهِ وَالتَّأْكِيدُ تَقْوِيَةُ مَدْلُولِ ما ذُكِرَ بِلَفْظٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ لِيَخْرُجَ التَّابِعُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّابِعِ قد سَبَقَ مَبَاحِثُ الْمُشْتَرَكِ وَهَذَا هو الْأَصْلُ وقد يَحْذِفُونَ فيه إمَّا لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ في كَلَامِهِمْ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ جُعِلَ لَقَبًا قال ابن الْحَاجِبِ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وهو اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ على مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أو أَكْثَرَ دَلَالَةً على السَّوَاءِ عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ سَوَاءٌ كانت الدَّلَالَتَانِ مُسْتَفَادَتَيْنِ من الْوَضْعِ الْأَوَّلِ أو من كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ أو اُسْتُفِيدَتْ إحْدَاهُمَا من الْوَضْعِ وَالْأُخْرَى من كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وهو في اللُّغَةِ على الْأَصَحِّ وقد اُخْتُلِفَ فيه هل هو وَاجِبٌ أَمْ لَا وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا فَهَلْ هو مُمْتَنِعٌ أو مُمْكِنٌ وَبِتَقْدِيرِ إمْكَانِهِ فَهَلْ هو وَاقِعٌ أو لَا فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعٌ بِحَسَبِ الِانْقِسَامِ الْعَقْلِيِّ وقد ذَهَبَ إلَى كُلٍّ منها فَرِيقٌ فَأَحَالَهُ ثَعْلَبٌ وأبو زَيْدٍ الْبَلْخِيّ وَالْأَبْهَرِيُّ على ما حَكَاهُ ابن الْعَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ وَصَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَمَنَعَهُ قَوْمٌ في الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَنُسِبَ لِأَبِي دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ في الحديث وَنَقَلَ عبد الْجَبَّارِ عن جَمَاعَةٍ من مُتَأَخِّرِي زَمَانِهِ إنْكَارَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِضِدَّيْنِ فَإِنْ خَصُّوهُ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا كما هو ظَاهِرُ كَلَامِهِ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ وقد صَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فقال يَمْتَنِعُ بين النَّقِيضَيْنِ فَقَطْ لِخُلُوِّهِ عن الْفَائِدَةِ وَرَدَّ عليه صَاحِبُ التَّحْصِيلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلَيْنِ لَا يَلْزَمُ من فِعْلِ أَحَدِهِمَا عِلْمُ الْآخَرُ بِهِ وَقِيلَ يَمْتَنِعُ في اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ من وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ في لُغَتَيْنِ من وَاضِعَيْنِ حَكَاهُ الصَّفَّارُ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ في الْوَضْعِ وَالْمُتَعَيِّنُ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ ليس بِأَصْلٍ في ذلك وَإِنَّمَا هو في الْمُتَبَايِنَةِ أو الْمُتَرَادِفَةِ في حَقِّ الْوَضْعِ وَالتَّعَيُّنُ كَالْمَجَازِ من الْحَقِيقَةِ فَتَحَصَّلْنَا على تِسْعَةِ مَذَاهِبَ وقد مَنَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ وقال ليس إلَّا قَوْلَانِ الْوُقُوعُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا هو الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ إذْ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِالذَّاتِ وَالْمُمْكِنُ الْوَاقِعُ هو الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ ا هـ وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذلك وهو قَوْلٌ ثَالِثٌ مَنْقُولٌ وَقَوْلُ الْوُجُوبِ كما قَالَهُ شَارِحُ الْمَحْصُولِ إنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ في اللُّغَاتِ وَقَوْلُ الْوُقُوعِ مع الْإِمْكَانِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ لم تَقْتَضِ ذلك وَلَكِنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا مع إمْكَانِهِ كَوُقُوعِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ عَقْلًا وَوُقُوعُهُ سَمْعًا قال سِيبَوَيْهِ وَيْلٌ له دُعَاءٌ وَخَبَرٌ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ في الْقُرْآنِ كما في الْقُرْءِ والصريم ( ( ( و ) ) ) ووالليل ( ( ( الصريم ) ) ) إذَا عَسْعَسَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَ ذلك وَمَنَعَ قَوْمٌ الِاشْتِرَاكَ بين الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَيَرُدُّهُ عَسْعَسَ فإنه مَوْضُوعٌ لِلْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ إلَّا على رَأْيِ من يَزْعُمُ أنها مُشْتَرِكَةٌ بين إدْخَالِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ وَاخْتَلَفُوا في وُقُوعِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ الشَّرْعِيَّةِ قال الرَّازِيَّ وَالْحَقُّ الْوُقُوعُ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالْحَقِيقَةِ ليس فيها قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بين الْجَمِيعِ وقال تِلْمِيذُهُ الْحُوبِيُّ في الْيَنَابِيعِ أَمَّا في لُغَتَيْنِ فَلَا شَكَّ فيه فإن الشَّهْرَ في الْعَرَبِيَّةِ لِزَمَانِ ما بين الاستهلالين وفي الْفَارِسِيَّةِ لِلْبَلَدِ وهو مَكَانٌ ما بين حَدَّيْنِ وَأَمَّا في لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرَ فَرْعٌ كَالْعَيْنِ في الْعُضْوِ أَصْلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُشْتُقَّ منه فِعْلٌ تَقُولُ عَانَهُ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ وَالذَّهَبُ سُمِّيَ بِهِ لِعِزَّتِهِ كَعِزَّةِ الْعَيْنِ وَسَمَّى الْفَوَّارَةَ عَيْنًا لِخُرُوجِ الْمَاءِ منها كما أَنَّ الْعَيْنَ مَنْبَعُ النُّورِ وَالْمَاءُ عَزِيزٌ كَنُورِ الْعَيْنِ وَمِنْهُ ما وُضِعَ لِمَعْنًى جَامِعٍ لِشَيْئَيْنِ فَاسْتُعْمِلَ في كُلٍّ مِنْهُمَا فَظَنَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ من ذلك مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا يَحْصُلُ إمَّا بِالضَّرُورَةِ وهو ما يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ من أَهْلِ اللُّغَةِ كَوْنُهُ مُشْتَرَكًا وَإِمَّا بِالنَّظَرِ بِأَنْ يُوجَدَ في كُلٍّ من الْمَعْنَيَيْنِ طَرِيقٌ من الطُّرُقِ الدَّالَّةِ على كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَمِنْهُمْ من قال يُسْتَدَلُّ عليه بِحُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ عن مَدْلُولِ اللَّفْظِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ هو طَلَبُ الْفَهْمِ وهو لَا يَكُونُ عِنْدَ تَرَدُّدِ الذِّهْنِ بين الْمَعْنَيَيْنِ وَرَدَّهُ الْإِمَامُ فإن الِاسْتِفْهَامَ قد يَكُونُ لِمَعَانٍ شَتَّى غير الِاشْتِرَاكِ وَمِنْهُمْ من قال يُسْتَدَلُّ عليه بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ بين مَعْنَيَيْنِ ظَاهِرًا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ مَسْأَلَةٌ في حَقِيقَةِ وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا وهو الْأَكْثَرُ يَقَعُ من وَاضِعَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمَا لَفْظًا لِمَعْنًى ثُمَّ يَضَعُهُ الْآخَرُ لِمَعْنًى آخَرَ كَالسُّدْفَةِ في لُغَةِ نَجْدٍ الظُّلْمَةُ وفي لُغَةِ غَيْرِهِمْ الضَّوْءُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ في الصِّحَاحِ وَلَا حَاجَةَ لِقَيْدِ الْتِبَاسِ الْوَاضِعَيْنِ كما قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ زَاعِمًا أَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل وَاحِدٍ مُنْفَرِدٌ إذْ ليس ذلك بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ صَدَقَ عليه أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَيَيْنِ وَإِنْ كان وَاضِعَاهُ مَعْرُوفَيْنِ الثَّانِي وَاضِعٌ وَاحِدٌ وَلَهُ فَوَائِدُ منها غَرَضُ الْإِبْهَامِ على السَّامِعِ حَيْثُ يَكُونُ التَّصْرِيحُ سَبَبًا لِمَفْسَدَةٍ وَمِنْهَا اسْتِعْدَادُ الْمُكَلَّفِ لِلْبَيَانِ هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ وَعَنْ الْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِ من أَئِمَّةِ اللُّغَةِ إنْكَارُ وُقُوعِهِ من وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَسَبَقَ كَلَامُ ابْنِ الْحُوبِيِّ مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ خِلَافُ الْغَالِبِ وهو خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ هُنَا الْغَالِبُ فإذا جَهِلْنَا كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا أو مُنْفَرِدًا فَالْغَالِبُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ فَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَلْفَاظِ مُفْرَدَةٌ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ التَّفَاهُمُ في الْخِطَابِ دُونَ الِاسْتِفْسَارِ وَقَبُولُهُ دُونَهُ مَعْلُومٌ فَإِنْ قُلْت إنَّ الِاشْتِرَاكَ أَغْلَبُ لِأَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بِشَهَادَةِ النُّحَاةِ وَالْمَاضِي مُشْتَرَكٌ بين الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ وَالْمُضَارِعُ بين الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالْأَسْمَاءُ فيها الِاشْتِرَاكُ كَثِيرٌ فإذا ضَمَمْتهَا إلَى الْقِسْمَيْنِ كان الِاشْتِرَاكُ أَكْثَرَ أُجِيبَ بِأَنَّ أَغْلَبَ الْأَلْفَاظِ أَسْمَاءٌ وَالِاشْتِرَاكُ فيها قَلِيلٌ مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ أَصْلٌ قال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ في الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ ليس بِأَصْلٍ في تِلْكَ وَإِنَّمَا هو من الْمُتَبَايِنَةِ أو الْمُتَرَادِفَةِ في حَقِّ الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمَجَازِ من الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ وَالْمُشْتَرَكُ إلَى الْإِبْهَامِ أَقْرَبُ منه إلَى الْإِفْهَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَصْلًا في وَضْعِ الْإِفْهَامِ وَلَنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ على السَّوِيَّةِ في الْمَعَانِي وَالِاسْتِعْمَالُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَلَا إبْهَامَ مع الْقَرِينَةِ الْمُمَيِّزَةِ مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ له مَفْهُومَانِ فَصَاعِدًا الْمُشْتَرَكُ لَا بُدَّ له من مَفْهُومَيْنِ فَصَاعِدًا فَمَفْهُومَاهُ إمَّا أَنْ يَتَبَايَنَا أَيْ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا في الصِّدْقِ على شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ وَسَوَاءٌ تَبَايَنَا بِالتَّضَادِّ أو غَيْرِهِ على الْأَصَحِّ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَضْعَهُ لِلضِّدَّيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَتَوَاصَلَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ أو لَازِمًا له وَالْأَوَّلُ كَالْإِمْكَانِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالثَّانِي كَالْكَلَامِ فإنه مُشْتَرَكٌ بين النَّفْسَانِيِّ وَاللِّسَانِيِّ مع أَنَّ اللِّسَانِيَّ دَلِيلٌ على النَّفْسَانِيِّ وَالدَّلِيلُ يَسْتَلْزِمُ مَدْلُولَهُ مَسْأَلَةٌ تَجَرُّدُ الْمُشْتَرَكِ من الْقَرِينَةِ الْمُشْتَرَكُ إمَّا أَنْ يَتَجَرَّدَ عن الْقَرِينَةِ فَمُجْمَلٌ يَتَوَقَّفُ على الْمُرَجِّحِ إنْ مَنَعْنَا حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ وَكَذَا إنْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْكُلِّ وَكَانَتْ مَعَانِيهِ مُتَنَافِيَةً فَإِنْ لم تَكُنْ مُتَنَافِيَةً فقال بَعْضُهُمْ يَقَعُ التَّعَارُضُ بين الْقَرِينَةِ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ الْمَانِعَةِ من إعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ في مَفْهُومَاتِهِ فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ وهو خَطَأٌ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ الْمَانِعَةَ قَاطِعَةٌ لَا تَحْتَمِلُ الْمُعَارَضَةَ وَلَئِنْ قُلْت فَلَا مُعَارَضَةَ هُنَا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ في ======================================================ج6. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي الْمَحْصُولِ مع أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ الْمُشْتَرَكُ في مَعْنَيَيْهِ وقد يُمَثَّلُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ فإنه يَحْتَمِلُ إرَادَةَ نَفْسِ الصَّلَاةِ وَمَوَاضِعِهَا وَقَوْلُهُ حتى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ قَرِينَةٌ لِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قَرِينَةٌ لِإِرَادَةِ مَوَاضِعِهَا وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْبَدِيعِ الِاسْتِخْدَامَ اقْتِرَانُ الْقَرِينَةِ بِالْمُشْتَرَكِ وَإِمَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ وهو على أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ الْأَوَّلُ أَنْ تُوجِبَ تِلْكَ الْقَرِينَةُ اعْتِبَارَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِثْلَ إنِّي رَأَيْت عَيْنًا بَاصِرَةً فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذلك اللَّفْظِ على ذلك الْوَاحِدِ قَطْعًا الثَّانِي أَنْ تُوجِبَ اعْتِبَارَ أَكْثَرِ من وَاحِدٍ فَيَتَعَيَّنُ ذلك عِنْدَ من يُجَوِّزُ إعْمَالَ الْمُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ كَقَوْلِهِ رَأَيْت عَيْنًا صَافِيَةً وَالصَّفَاءُ مُشْتَرَكٌ بين الْجَارِيَةِ وَالْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ الثَّالِثُ أَنْ تُوجِبَ تِلْكَ الْقَرِينَةُ إلْغَاءَ الْبَعْضِ فَيَنْحَصِرُ الْمُرَادُ في الْبَاقِي أَيْ يَتَعَيَّنُ ذلك الْبَاقِي إنْ كان وَاحِدًا نحو دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك الرَّابِعُ أَنْ تُوجِبَ إلْغَاءَ الْكُلِّ فَيُحْمَلُ على مَجَازِهِ بِحَسَبِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ فإذا كان ذَا مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ وَتَعَارَضَتْ فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أو بَعْضُهَا رَاجِحٌ فَإِنْ رَجَحَ بَعْضُهَا فَالْحَقَائِقُ إمَّا مُتَسَاوِيَةٌ أو بَعْضُهَا أَجْلَى فَإِنْ كانت مُتَسَاوِيَةً حُمِلَ على الْمَجَازِ الرَّاجِحِ وَإِلَّا حُمِلَ على الْأَجْلَى إنْ كان حَقِيقَةُ ذلك الْمَجَازِ الرَّاجِحَ مسألة في حكمه بالنسبة إلى معنييه أو معانيه اعلم أن معاني المشترك إما أن يمتنع الجمع بينهما كالضدين والنقيضين إذا فرعنا على جواز الوضع لهما وهو الصحيح فلا يحمل على معنييه قطعا وكذا الاستعمال فيهما بلا خلاف كذا قالوا لكن حكى صاحب الكبريت الأحمر عن أبي الحسن الأشعري أنه يجوز أن يراد به معنياه وإن كان بينهما منافاة وهو غريب مثال النقيضين لفظة إلى على رأي من يزعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه ومثال الضدين صيغة افعل عند من يجعلها حقيقة في الطلب وفي التهديد فإنها مشتركة بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ولا الحمل عليهما ولهذا لو قال أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار لم يثبتا لأنهما وإن اشتركا في التحريم لكن بينهما منافاة لأن الطلاق يفك قيد الزوجية بخلاف الظهار قال الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وحينئذ يصير مجملا فيطلب البيان من غيره قال الأستاذ وكذلك في الحقيقة والمجاز والكناية والصريح لكن هاهنا الحقيقة أولى من المجاز والصريح أولى من الكناية قال ولولا الإجماع على أن المراد بآية القرء في العدة أحد الجنسين من طهر أو حيض لحملناها عليهما لوقوع اسم القرء عليهما لكن لما أجمعوا على أن المراد به أحدهما توقف في الدليل لكاشف عن المراد وما حكيناه عن الإجماع عن المنع في هذه الحالة حكاه غير واحد منهم الأستاذ وأغرب صاحب الكبريت الأحمر فقال وقال أبو الحسن الأشعري يجوز ذلك وإن كان بينهما منافاة وأما إذا أمكن الجمع بينهما فإن تكلم به مرات جاز أن يستعمل في كل مرة غير ما استعمله في الأخرى وإنما الخلاف فيما إذا تكلم به مرة واحدة ثم الكلام فيه في مواطن ثلاثة استعمال اللفظ في حقيقته وفي حقيقته ومجازه وفي مجازيه فأما الأول فله مقامان أحدهما هل يجوز أن يراد به جميع المتناولات فيه مذاهب أحدها الجواز ونسب للشافعي وقطع به ابن أبي هريرة في تعليقه ومثله بقوله تعالى إن الله وملائكته يصلون فالاسم واحد واختلف المراد به فكانت الصلاة من الله رحمة ومن المؤمنين دعاء ومن الملائكة استغفارا وكذلك شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم فكانت شهادته علمه وشهادة الملائكة إقرارهم بذلك وقوله لا تقربوا الصلاة يعني وضعها للجنس وموضعها وفعلها للسكران وهو الذي نص عليه القاضي في التقريب قال ولا يحتاج إلى تكرارها والتكلم بها في وقتين لعلم كل عاقل أنه يصح قصده من نفسه بقول لا تنكح ما نكح أبوك إلى نهيه عن العقد وعن الوطء جميعا ونقله إمام الحرمين في التلخيص عن مذاهب المحققين وجماهير الفقهاء قال ابن القشيري في أصوله قال القاضي وهو الاختيار عندنا أنه يجوز إذا دلت عليه القرينة فلا يمتنع أن تقول العين مخلوقة ونعني جميع محاملها وحكاه صاحب المعتمد والقواطع عن أبي علي الجبائي والقاضي عبد الجبار وقال صاحب الكبريت الأحمر إنه مذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة وحكاه أبو سفيان في العيون عن أبي يوسف ومحمد وحملوا من حلف لا يشرب من الإناء على الكرع والشرب من الإناء وحمله أبو حنيفة على الكرع ونسبه القاضي عبد الوهاب لمذهبهم قال وهو قول جمهور أهل العلم وقد قال سيبويه يجوز أن يراد باللفظ الواحد الدعاء على الغير والخبر على حال المدعو عليه نحو الويل له فهذا دعاء عليه وخبر عنه ولهما معنيان مختلفان ثم اختلف المجوزون في موضعين أحدهما أن استعماله في الجميع هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز قال الأصفهاني واللائق بمذهب الشافعي جواز استعماله بطريق الحقيقة لأنه يوجب حمله على الجميع ونقله الآمدي عن الشافعي والقاضي كسائر الألفاظ العامة في صيغ العموم ولهذا حملت على التجرد على الجميع ونقل صاحب التلخيص عن الشافعي أنه بطريق المجاز وهو ميل إمام الحرمين واختاره ابن الحاجب الثاني اختلفوا في أنه إذا أراد المعنيين هل يتعلق بهما إرادة واحدة أم إرادتان وقال الإمام في التلخيص وابن القشيري والأصح أن الإرادة الواحدة لا تتعلق إلا بمراد واحد فلا يتحقق إرادة المرادين إلا بإرادتين وفصل القاضي في التقريب فقال إن كان المتكلم بها هو الله عز وجل فإنما يريدها وجميع أراد به بإرادة واحدة وإن كان المتكلم محدثا فإنما يريدهما جميعا بإرادتين غير متضادتين ولو كان يريدهما بإرادة واحدة لاستحال أن يراد أحدهما دون الآخر وشرط أبو الحسن بن الصائغ النحوي في شرح الجمل كون المشترك يدل على معنى يعم مدلوليه وهو الصريح في الاشتراك كاللمس الذي يراد به المس مطلقا والوقاع قال فإن لم يدل فينبغي امتناعه بلا خلاف كما لو قلت رأيت زيدا أو عمرا أخاك وأردت برأيت زيدا أبصرته وبه مع ما بعده علمت أو رأيت زيدا والطائر تريد في الطائر ضربت رئته وفي زيد الإبصار فينبغي أن يجوز هذا باتفاق لعدم الصراحة المذهب الثاني المنع ونصره ابن الصباغ في العدة وإليه ذهب أبو هاشم والكرخي وأبو عبد الله البصري وفخر الدين وغيرهم قال الأستاذ وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة وقال أبو بكر الرازي كان الكرخي يحكيه عن أبي حنيفة وأن أبا يوسف جوزه وقال القاضي في التقريب زعم ابن الجبائي ووافقه جماعة من أصحاب أبي حنيفة أنه غير جائز وأنه متى أريد بها معنيان مختلفان فلا بد من تكرارها والتكلم بها في وقتين يراد بها في أحدهما أحد المعنيين وفي الآخر المعنى الآخر ا هـ ومراده بابن الجبائي أبو هاشم كما قاله القاضي عبد الوهاب قال صاحب المعتمد وشرط أبو عبد الله في المنع شروطا أربعة اتحاد المتكلم والعبارة والوقت وأن يكون المعنيان مختلفين لا ينتظمهما فائدة واحدة فمتى انخرم شرط جاز أن يرادا وما حكيناه عن أبي هاشم صرح به أبو الحسين في المعتمد عنه لكن أفاد صاحب الكبريت الأحمر أن له في المسألة قولين وأنه ذهب في كتاب البغداديات إلى الجواز إذا لم يكن بينهما منافاة وفي غيره إلى المنع مطلقا ثم اختلف المانعون في سبب المنع فقيل أمر يرجع إلى القصد أي لا يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا ولكنه يمكن أن يقصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة ويكون خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد ولكل أحد أن يطلق لفظا ويريد به ما شاء وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري وهو ضعيف إذ لا استحالة في ذلك وقيل سببه الوضع الحقيقي أي أن الواضع لم يضع اللفظ المشترك لهما على الجميع بل على البدل فلا يصحح إطلاقه بطرق الحقيقة على الجميع ولا يلزم من وضع اللفظ لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما على الجميع والمشترك إنما وضع لكل منهما على البدل فاستعماله في الجميع استعمال اللفظ في غير موضوعه ولكن يجوز أن يراد جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة مشعرة بذلك وهذا ما اختاره ابن الحاجب والسهروردي في التنقيحات وفخر الدين الرازي وغيرهم وكلام إمام الحرمين محتمل لهما والمذهب الثالث لا يستعمل في الجميع إذا تجرد عنه القرائن ويجوز مع القرينة المتصلة وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في البرهان والمذهب الرابع الفرق بين النفي والإثبات والفرق أن النكرة في سياق النفي تعم فيجوز إرادة مدلولاته المختلفة ورد بأن النفي لا يرفع إلا ما يقتضي الإثبات وهذا القول حكاه ابن الحاجب وإنما هو احتمال أنه أبداه صاحب المعتمد وتبعه في المحصول وقيل إن الماوردي حكاه وجها لأصحابنا في كتاب الأشربة وهو ظاهر كلام الحنفية فإنهم قالوا إذا حلف لا يكلم موالي فلان يتناول الأعلى والأسفل وقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء يتناول الوطء والعقد إن قلنا إنه مشترك والمذهب الخامس يجوز في الجمع كقوله اعتدي بالأقراء دون المفرد لأن الجمع في حكم تعديد الأفراد وحكاه الماوردي عن بعض أصحابنا في كتاب الأشربة وهذا مفرع على جواز تثنية المشترك وجمعه وقد منعه أكثر النحاة وجوزه ابن الأنباري وابن مالك وقال ابن الحاجب الأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني على الخلاف في المفرد فإن جاز ساغ وإلا فلا وقيل بل يجوز وإن لم يجز في المفرد وذكر في شرح المفصل أن تثنيته شاذة وأن الأكثر المستعمل خلافه المذهب السادس أنه ينظر في المعنى فإن كان أحدهما يتعلق بالآخر من جهة المعنى كالنكاح فإنه يتناول العقد والوطء واللمس يتناول الوطء والمس باليد وكل منهما متعلق بالآخر يجوز إرادتهما والحمل عليهما وإن كان أحدهما غير متعلق بالآخر لم تجز إرادتهما والحمل عليهما بلفظ واحد حكاه بعض شراح اللمع وهو غريب المذهب السابع الوقف واختاره الآمدي ونبه القاضي في التقريب على أن محل الخلاف في إرادتهما في وقت واحد من غير تكرار وأنه متى أريد بهما المعنيان وكررا في وقتين أريد به في أحدهما أحد المعنيين وفي الآخر الأخرى فلا خلاف في الجواز المقام الثاني إذا جوزنا الاستعمال فهل يجب على السامع حمله على ذلك إذا تجرد عن قرينة صارفة فيه مذاهب أحدهما أنه يحمل على جميع المعاني قال ابن القشيري وعليه يدل كلام الشافعي لأنه لما تمسك بقوله تعالى أو لامستم النساء فقيل أراد بالملامسة المواقعة فقال أحمله على الجس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا يعني وإذا قال ذلك في الحقيقة والمجاز ففي الحقيقتين أولى وقال الأستاذ أبو منصور إنه قول أكثر أصحابنا ولهذا حملنا آية اللمس على الجماع وعلى الجس باليد ونقله غيرهما عن الشافعي والقاضي صريحا وقال القرطبي الحق أن في النقل عنهما في هذا خللا ونقله الإمام الرازي في المناقب عن القاضي عبد الجبار والبيضاوي في الكلام على الجمع المنكر عن الجبائي لأنه لو لم يجب فإما أن يحمل على واحد منهما ويلزم تعطيل النص ولأن العمل بالدليل واجب ما أمكن وليس من عادة العرب تفهيم المراد باللفظ المشترك من غير قرينة فيصير انتفاء القرينة المخصصة قرينة تعميم ولما فيه من الاحتياط الثاني المنع وهو قول ابن عقيل من الحنابلة وقال الرافعي في باب التدبير إنه الأشبه فقال والأشبه أن اللفظ المشترك مراد به جميع معانيه ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها وليس كما قال وإنما هذا مذهب الحنفية كما قاله أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة قال ولهذا قال علماؤنا من أوصى لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم أن الوصية باطلة لأن معنى الولاءين مختلف فيراد بالوصية للأعلى الجزاء وللأسفل زيادة الإنعام وإذا قال لامرأة إن نكحتك فأنت طالق لم ينصرف إلى العقد والوطء جميعا لأنهما مختلفان ا هـ وبه قال الإمام فخر الدين تفريعا على القول بجواز الاستعمال والثالث التوقف لا يحمل على شيء إلا بدليل ويصير مجملا وبه قال القاضي كما سنذكره قال القاضي أبو منصور وهو قول الواقفية في صيغ العموم ا هـ واختاره ابن القشيري في أصوله وتفسيره لأنه ليس موضوعا للجميع بل لآحاد مسميات على البدل وادعاء إشعارها بالجميع بعيد قال نعم يجوز أن يريد المتكلم به جميع المحامل ولا يستحيل ذلك في العقل وفي مثل هذا فقال يحتمل أن يكون المراد كذا يحتمل أن يكون كذا ا هـ والرابع إن كان بلفظ المفرد فهو مجمل أو بلفظ الجمع وجب به الحمل وهو قول القاضي عن الحنابلة في الكفاية هذا كله حيث لا قرينة تعين مراد اللافظ فإن وجدت قرينة بواحد منها نظر فإن كان بين تلك المعاني منافاة بقي اللفظ مجملا إلى المرجح وإن كانت معانيه متساوية فالمشهور أنه يجب حمل اللفظ عليها وإن قلنا لا يحمل عند عدم القرينة وحكي في المحصول عن بعضهم أنه يتعارض الدليل المانع من حمل المشترك على جميع معانيه والقرينة الموجبة تحمله عليها فيعتبر بينهما الترجيحات قال وهذا خطأ لإمكان الجمع بأن يقال المتكلم تكلم به مرات وأراد بكم مرة معنى من معانيه والدليل المانع لا ينفي ذلك وقال بعض شراح اللمع إن دل الدليل على أحدهما حمل عليه قطعا وإن دل على أن المراد أحدهما ولم يعين وجب الوقف حتى يعلم ذلك الواحد بعينه قطعا وإن لم يعلم المراد به فهو موضع الخلاف تنبيهات التنبيه الأول في تحرير النقل عن الشافعي والقاضي في هذه المسألة أما الشافعي فقد اشتهر عنه في كتب المتأخرين القول الأول وقد أنكر ذلك أبو العباس بن تيمية وقال ليس للشافعي نص صريح فيه وإنما استنبطوا هذا من نصه فيما إذا أوصى لمواليه وله موال أعلى وأسفل أو وقف على مواليه فإنه يصرف للجميع وهذا الاستنباط لا يصح لاحتمال أنه يرى أن اسم الموالي من الأسماء المتواطئة وأن موضوعه للقدر المشترك بين الموليين ولا يلزم من هذا أن يحكى عنه قاعدة كلية في الأسماء التي لا شركة بين معانيها وإنما الاشتراك بينهما في مجرد اللفظ قلت وهذا نقله ابن الرفعة في الكفاية عن شيخه الشريف عماد الدين وأن تناول الاسم لهما معنى واحد على جهة التواطؤ وهي الموالاة والمناصرة ثم نازع فيه في باب الوصية من المطلب بأن هذا يقتضي التصحيح وصرف الريع والوصية إليهما والسؤال إنما يتجه على القول بعدم الصحة ا هـ ويحتمل أن يقال إن مواليه جمع مضاف فالتعميم من هذه الحيثية لا من جهة الاشتراك لكن كلام الشافعي في مواضع يدل للقول الأول منها أنه احتج في الأم على استحباب الكتابة فيما إذا جمع العبد بين الأمانة والقوة على الكسب بقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ففسر الخير بالأمرين قال وأظهر معاني الخير قوة العبد بدلالة الكتاب الاكتساب مع الأمانة فأحب أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا ا هـ ومنها أنه نص في الأم في لفظة عند المشترك بين إفادة الحضور والملك في حديث حكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك قال وكان نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع المرء ما ليس عنده يحتمل أن يبيع بحضرته فيراه المشتري كما يراه البائع عند تبايعهما ويحتمل أن يبيع ما ليس عنده ما ليس يملك تعيينه فلا يكون موضوعا مضمونا على البائع يؤخذ به ولا في ملكه فيلزمه أن يسلمه إليه لأنه يعينه وعنى هذين المعنيين ومنها حمله اللمس في الآية كما سبق عن القشيري فإن قيل فلم لم يحمل الشفق على معنييه بل اعتبر في آخر وقت المغرب غيبوبة الشفق الأحمر قلنا لأنه ورد في حديث آخر تعيينه بالأحمر فلهذا لم يقل بالاشتراك وأما النقل عن القاضي فأنكره ابن تيمية أيضا قال لأن من أصله الوقف في صيغ العموم وأنه لا يجوز حملها على الاستغراق إلا بدليل فمن يقف في ألفاظ العموم كيف يجزم في الألفاظ المشتركة بالاستغراق بغير دليل وإنما الذي ذكره في كتبه إحالة الاشتراك أصلا وأن ما يظن من الأسماء المشتركة هي عنده من الأسماء المتواطئة قلت وممن استشكل ذلك الإبياري وتابعه القرافي لكن القاضي إنما ينكر وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها وكلامنا في الاستعمال ويحتمل أنه فرعه على القول بصيغ العموم على أن الذي رأيته في التقريب للقاضي بعد أن قرر صحة إرادة المعنيين من المتكلم قال فإن قيل هل يصح أن يراد المعنيان أي يحمل عليهما بالظاهر أم بدليل يقترن بهما قيل بل بدليل يقترن بهما لموضع احتمالهما للقصد تارة إليهما وتارة إلى أحدهما وكذلك سبيل كل محتمل من القول وليس بموضوع في الأصل لأحد محتمليه ا هـ وزاد عند إمام الحرمين في تلخيص التقريب فإنا نقول إذا احتمل إرادة المعنيين واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف في معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع والتخصيص وكيف لا نقول ذلك ونحن على نصرة نفي صيغة العموم انتهى فظهر أن الصواب في النقل عن القاضي المذهب الثالث وهو التوقف التَّنْبِيهُ الثَّانِي إنَّ الْخِلَافَ في حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ على مَعَانِيهِ إنَّمَا هو في الْكُلِّيِّ الْعَدَدِيِّ أَيْ في كل فَرْدٍ فَرْدٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَهُ يَدُلُّ على كُلٍّ مِنْهُمَا على حِدَتِهِ بِالْمُطَابَقَةِ في الْحَالَةِ التي تَدُلُّ على الْمَعْنَى الْآخَرِ بها وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكُلِّيُّ الْمَجْمُوعَ أَيْ بِجَعْلِ مَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ مَدْلُولًا مُطَابِقًا كَدَلَالَةِ الْخَمْسَةِ على آحَادِهَا وَلَا الْكُلِّيِّ الْبَدَلِيِّ أَيْ بِجَعْلِ كل وَاحِدٍ مَدْلُولًا مُطَابِقًا على الْبَدَلِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ وَكَذَا قال عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيُّ إنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أُرِيدَ بِالْمُشْتَرَكِ كُلُّ وَاحِدٍ من مَعْنَيَيْهِ وَأَمَّا إرَادَةُ الْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ فَلَا نِزَاعَ فيه لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ من الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءًا لِمَعْنًى بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فإنه يُصَيِّرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هو الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ إنَّهُ رَآهُ في تَصْنِيفٍ آخَرَ لِصَاحِبِ التَّحْصِيلِ أَنَّ الْأَظْهَرَ من كَلَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخِلَافَ في الْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعُ فإن أَكْثَرَهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالْعَامِّ التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ جَعَلَ النَّقْشَوَانِيُّ في التَّلْخِيصِ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ قال فَأَمَّا الْمُفْرَدُ الْمُنَكَّرُ إذَا لم يُكَرَّرُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ كان مُثْبَتًا أو مَنْفِيًّا لِأَنَّ التَّنْكِيرَ يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ فَإِنْ تَكَرَّرَ بِقَوْلِهِ اعْتَدِّي قُرْءًا وَقُرْءًا فَقَدْ جَوَّزَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِمَا حَقِيقَةً وَإِنْ كان مُفْرَدًا مُعَرَّفًا بِأَلْ مُكَرَّرًا فَكَذَلِكَ وَإِنْ لم يَتَكَرَّرْ وَكَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على أَحَدِهِمَا بِخُصُوصٍ وَجَبَ الْحَمْلُ عليه وَإِنْ لم تُوجَدْ الْقَرِينَةُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ الشَّافِعِيُّ يُوجِبُ الْحَمْلَ على الْمَعْنَيَيْنِ جميعا في هذا الْوَقْتِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَجَعْلُهُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ مَمْنُوعٌ بَلْ نَقُولُ جَوَازُ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ يَنْبَنِي على أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ هل يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ على جَمِيعِ مَعَانِيهِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْحَمْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَيَانِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَا يَجُوزُ وُرُودُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ من غَيْرِ بَيَانٍ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ إذَا قُلْنَا بِالْحَمْلِ فَهَلْ هو من بَابِ الْعُمُومِ أو الِاحْتِيَاطِ فيه طَرِيقَتَانِ إحْدَاهُمَا وَعَلَيْهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ أَنَّهُ كَالْعَامِّ وَأَنَّ نِسْبَةَ الْمُشْتَرَكِ إلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ كَنِسْبَةِ الْعَامِّ إلَى أَفْرَادِهِ وَالْعَامُّ إذَا تَجَرَّدَ عن الْقَرَائِنِ وَجَبَ حَمْلُهُ على الْجَمِيعِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَكَذَا الْمُشْتَرَكُ وَضَعَّفَهُ النَّقْشَوَانِيُّ لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ اللَّفْظَ حِينَئِذٍ مُتَوَاطِئًا لَا مُشْتَرَكًا قال وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ لم يُرِيدُوا الْعُمُومَ وَأَنَّ هذه الزِّيَادَةَ من جِهَةِ النَّاقِلِ عَنْهُمْ لَمَّا رَأَى في كُتُبِهِمْ حَمْلَ الْمُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ لِمَا فيه من تَوْهِيمِ الْأَئِمَّةِ قال وما اسْتَبْعَدَ النَّقْلُ ضَعِيفٌ فإن مُرَادَهُمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ كَالْعَامِّ في مَعْنَى اسْتِغْرَاقِهِ لِمَدْلُولَاتِهِ وَوُجُوبِ الْحَمْلِ على جَمِيعِ مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عن الْقَرَائِنِ فَهُوَ كَالْعَامِّ من هذا الْوَجْهِ لِأَنَّ الْأَفْرَادَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ مِثْلُ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعَامِّ حتى يَلْزَمَ التَّوَاطُؤُ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَعَلَيْهَا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ أَنَّهُ من بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَتَقْدِيرُهَا أَنَّ لِلسَّامِعِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً إمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ فَيَلْزَمُ التَّعْطِيلُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ وَقْتِ الْحَاجَةِ أو يُحْمَلَ أَحَدُهُمَا فَيَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ لم يَبْقَ إلَّا الْحَمْلُ على الْمَجْمُوعِ وهو أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ على مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ بِأَسْرِهَا وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ فإذا جاء وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْخِطَابِ ولم يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَحَدُهُمَا عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ وَعَلَى هذه الطَّرِيقَةِ جَرَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ فقال إنْ لم يَقُمْ دَلِيلٌ على تَعْيِينِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ لِلْإِرَادَةِ حَمَلْنَاهُ على كُلٍّ مِنْهُمَا لَا لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَضْعًا بَلْ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ على أَحَدِهِمَا ولم يَتَعَيَّنْ وَلَا يَخْرُجُ عن عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْجَمِيعِ قال وَلَا فَرْقَ في ذلك بين أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ وُجُوبًا أو كَرَاهَةً وَلَوْ لم يَقُمْ دَلِيلٌ على تَعْيِينِ الْقُرْءِ لِلطُّهْرِ عِنْدَ من يَرَاهُ وَلَا على تَعْيِينِهِ لِلْحَيْضِ عِنْدَ من يَرَاهُ لَوَجَبَ أَنْ تَتَرَبَّصَ الْمَرْأَةُ مِنْهُمَا جميعا لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ تَعْلِيقُ الْوُجُوبِ بِالْقُرْءِ وَإِنَّمَا الْمُبْهَمُ تَعَيُّنُ الْمُرَادِ مِنْهُمَا وَلَا يَخْرُجُ عن عُهْدَةِ وُجُوبِ التَّرَبُّصِ وَالْحَلِّ لِلْأَزْوَاجِ إلَّا بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَقُولُ إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّفَقَ مُشْتَرَكٌ بين الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ ولم يَقُمْ دَلِيلٌ على تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا لِلْإِرَادَةِ وَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاةُ الْعِشَاءِ إلَّا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ آخِرِهِمَا وهو الْبَيَاضُ وَمَنْ رَجَّحَ الْحَمْلَ على أَحَدِهِمَا فَلَا بُدَّ له من دَلِيلٍ يَدُلُّ على تَعَيُّنِهِ لِلْإِرَادَةِ بِخُصُوصِهِ فَإِنْ قُلْت قد ذُكِرَ أَنَّهُ يُعْمَلُ على تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ بِالْأَمْرَيْنِ مع أَنَّ عَدَمَ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ يُوجِبُ الْإِجْمَالَ وَالْإِجْمَالُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ وَذَلِكَ خِلَافُ ما قُلْت قُلْت هذا صَحِيحٌ إذَا لم يَكُنْ تَعَلُّقُ الْمُبَيَّنِ من وَجْهٍ كما لو قال ائْتِنِي بِعَيْنٍ وَأَمَّا إذَا كان مُبَيَّنًا من وَجْهٍ كَالنَّهْيِ عن الْقَزْعِ مَثَلًا وكان الِامْتِثَالُ مُمْكِنًا فإنه يَتَعَيَّنُ الْخُرُوجُ عن الْعُهْدَةِ في التَّكْلِيفِ الْمُبَيَّنِ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِالْعَمَلِ في الْأَمْرَيْنِ وَصَارَ هذا كَقَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ في الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَنَّهُ يُخْتَنُ في فَرْجَيْهِ مَعًا وَالْخِتَانُ إنَّمَا هو في فَرْجٍ فَأَحَدُ الْفَرْجَيْنِ خَتْنُهُ وَالْآخَرُ خَتْنُهُ وَلَمَّا كان وُجُوبُ الْخِتَانِ أَمْرًا مُبِينًا لَا إجْمَالَ فيه وَالْخُرُوجُ عن الْعُهْدَةِ مُمْكِنٌ بِالْخِتَانِ فِيهِمَا أَوْجَبُوهُ قُلْت وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ من الطَّرِيقِ الْأُولَى أَنَّهُ كَالْعَامِّ حَقِيقَةً كَيْفَ وَأَفْرَادُهُ مَحْصُورَةٌ وقد حَمَلُوهُ على مَفْهُومِيَّةِ حَالَةِ الْإِفْرَادِ من غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَلَا إضَافَةٍ بَلْ أَجْرَوْهُ في الْأَفْعَالِ حَيْثُ مَثَّلُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ وَقَوْلِهِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ وَمَعْلُومُ الْفِعْلِ لَا عُمُومَ له التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ أَنَّ الْقُرْءَ على الصَّحِيحِ مُشْتَرَكٌ بين الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ في كل قُرْءٍ طَلْقَةً طَلُقَتْ في كل قُرْءٍ طَلْقَةً وقد يُقَالُ لَا طَلُقَتْ في الطُّهْرِ وَاحِدَةً وفي الْحَيْضِ أُخْرَى حَمْلًا لِلْمُشْتَرَكِ على مَعْنَيَيْهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَ الْمُطَلِّقِ بِتَفْرِيقِ الطَّلَاقِ أَنْ لَا يَقَعَ في بِدْعَةٍ وهو جَمْعُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ فَلَا تُوقِعُهُ في بِدْعَةٍ أَشَدَّ منها وهو الْوُقُوعُ في الْحَيْضِ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ على مُقَيَّدِ الشَّرْعِ الْمَوْطِنُ الثَّانِي في اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ مِثْلَ أَنْ يُطْلِقَ النِّكَاحَ وَيُرِيدَ بِهِ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ جميعا وَفِيهِ الْحَالَانِ السَّابِقَانِ من الِاسْتِعْمَالِ وَالْحَمْلِ أَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ النَّوَوِيُّ في بَابِ الْأَيْمَانِ من الرَّوْضَةِ جَوَازُ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَكَأَنَّ الرَّافِعِيَّ لم يَقِفْ على النَّقْلِ عِنْدَنَا في ذلك فقال اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُسْتَبْعَدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وهو قَوْلُ الْقَاضِي صَرَّحَ بِهِ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ وَغَلِطَ من نَقَلَ عنه الْمَنْعَ وَإِنَّمَا مَنَعَ الْحَمْلَ لَا الِاسْتِعْمَالَ كما سَنُحَقِّقُهُ عنه وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَجَرَى على مِنْوَالٍ وَاحِدٍ فَجَوَّزَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَحَمَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا وَأَخْرَجَ ابن الرِّفْعَةِ نَصَّهُ على ذلك في الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا عَقَدَ لِرَجُلَيْنِ على امْرَأَةٍ ولم يَعْلَمْ السَّابِقَ مِنْهُمَا ذَكَرَ ذلك في بَابِ الْوَصِيَّةِ من الْمَطْلَبِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ إنَّهُ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الشَّافِعِيِّ فإنه قال في مُفَاوَضَةٍ له في آيَةِ اللَّمْسِ هِيَ مَحْمُولَةٌ على الْجَسِّ بِالْيَدِ حَقِيقَةً وَعَلَى الْوِقَاعِ مَجَازًا قُلْت وَكَذَلِكَ نَصُّهُ في قَوْله تَعَالَى لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى فإنه احْتَجَّ بِهِ على جَوَازِ الْعُبُورِ في الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ وقال أَرَادَ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ وَحَمَلَ اللَّفْظَ على الصَّلَاةِ وَعَلَى مَوَاضِعِهَا وَدَلَّ على الصَّلَاةِ قَوْلُهُ حتى تَعْلَمُوا وَعَلَى مَوَاضِعِهَا قَوْلُهُ إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ فَحُمِلَ اللَّفْظُ على حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وَأَمَّا نَصُّهُ في الْبُوَيْطِيِّ على أَنَّهُ لو أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَهُ عُتَقَاءُ وَلَهُمْ عُتَقَاءُ أنها تَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِينَ مع أَنَّهُمْ مَوَالِيهِ وَالْآخَرُونَ مَجَازًا بِالسَّبَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ لو وَقَفَ على أَوْلَادِهِ لم يَدْخُلْ وَلَدُ الْوَلَدِ على الْأَصَحِّ فَلَيْسَ ذلك لِأَجْلِ مَنْعِ الْجَمْعِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بَلْ لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا عَيَّنَتْ الْحَقِيقَةَ أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ وَلَاءَ مَوَالِيهِمْ لهم دُونَهُ أَمَّا الثَّانِيَةُ قال الْغَزَالِيُّ وَالتَّعْمِيمُ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَقْرَبُ منه بين حَقِيقَتَيْنِ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي وهو قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ من أَصْحَابِنَا ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْكَرْخِيِّ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَصْلٌ وَالْمَجَازَ مُسْتَعَارٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا كما لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الثَّوْبِ على اللَّابِسِ مِلْكًا وَعَارِيَّةً في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَنَقَضَ ابن السَّمْعَانِيِّ عليهم بِقَوْلِهِمْ لو حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ في الدَّارِ فَدَخَلَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا حَنِثَ قال تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ قال لو قال الْيَوْمَ الذي يَدْخُلُ فُلَانٌ الدَّارَ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَدَخَلَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَنِثَ وَقَالُوا في السِّيَرِ الْكَبِيرِ لو أَخَذَ الْأَمَانَ لِبَنِيهِ دخل بَنُوهُ وَبَنُو بَنِيهِ وَالظَّاهِرُ من مَذْهَبِنَا في الْأُولَى عَدَمُ الْحِنْثِ لِأَنَّهُ لَا قَرِينَةَ على إرَادَةِ الْأَشْهَرِ فَخَالَفْنَا الْقَاعِدَةَ لِهَذَا وفي الثَّانِيَةِ مُوَافَقَتُهُمْ لِأَنَّهُ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عن التَّتِمَّةِ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ طَلُقَتْ في الْحَالِ وَإِنْ كان بِاللَّيْلِ وَيَلْغُوا الْيَوْمُ لِأَنَّهُ لم يُعَلِّقْ وَإِنَّمَا سَمَّى الْوَقْتَ بِغَيْرِ اسْمِهِ وفي الثَّالِثَةِ عَدَمُ الدُّخُولِ كما في الْوَقْفِ على الْأَوْلَادِ ولم يُحَكِّمُوا بَقِيَّةَ الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ في الْحَقِيقَتَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ مَجِيئُهَا وَأَمَّا الْحَمْلُ فَالْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ طَرْدًا لِأَصْلِهِ هُنَاكَ وَأَمَّا الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فَسَبَقَ عنه هُنَاكَ الْإِجْمَالُ وَأَنَّهُ لَا يُحْمَلُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَأَمَّا هَاهُنَا فقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وقد عَظُمَ نَكِيرُ الْقَاضِي على من يَرَى الْحَمْلَ على الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعًا وقال في تَحْقِيقِ إنْكَارِهِ اللَّفْظَةُ إنَّمَا تَكُونُ حَقِيقَةً إذَا انْطَبَقَتْ على ما وُضِعَتْ له في أَصْلِ اللِّسَانِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ مَجَازًا إذَا تُجُوِّزَ بها عن مُقْتَضَى الْوَضْعِ وَيَحِيلُ الْجَمْعُ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُحَالَ الْجَمْعِ بين النَّقِيضَيْنِ قُلْت من هُنَا نُقِلَ عن الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَتُهُ وَمَجَازُهُ مَعًا كما يَلْزَمُ منه في الْجَمْعِ بين النَّقِيضَيْنِ ولم يُرِدْ الْقَاضِي ذلك وقد صَرَّحَ في التَّقْرِيبِ بِجَوَازِ الْإِرَادَةِ وَإِنَّمَا الذي مَنَعَهُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا قال الْإِمَامُ وَقَوْلُ الْقَاضِي هو جَمْعٌ بين النَّقِيضَيْنِ يَرْجِعُ إلَى اشْتِقَاقِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وقال الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ التَّلْقِينِ اسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ على الْقَاضِي هذا وقال إنَّمَا يُمْنَعُ في حَقِّ من خَطَرَ بِبَالِهِ من الْمَخْلُوقِينَ في خِطَابِهِ حَقِيقَةُ الْحَقِيقَةِ وَحَقِيقَةُ الْمَجَازِ وَأَمَّا إذَا كان الْقَصْدُ إرْسَالَ اللَّفْظَةِ على جَمِيعِ ما تُطْلَقُ عليه دُونَ الْقَصْدِ إلَى حَقَائِقَ أو مَجَازٍ فإن هذا يَصِحُّ دَعْوَى الْعُمُومِ فيه وَحَقَّقَ ابن الْقُشَيْرِيّ مَذْهَبَ الْقَاضِي فقال وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَ الْمُطْلِقُ لَفْظَ اللَّمْسِ وَيُرِيدُ بِهِ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فيقول اللَّمْسُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وهو يَعْنِيهِمَا وقد صَرَّحَ بِتَجْوِيزِهِ في بَعْضِ كُتُبِهِ قال الْقَاضِي وفي هذا أَصْلٌ يَدِقُّ على الْفَهْمِ وهو أَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ لو خَطَرَ له أَنْ يَسْتَعْمِلَ اللَّفْظَ حَقِيقَةً وَيَسْتَعْمِلَهُ مَجَازًا لم يُتَصَوَّرْ الْجَمْعُ بين الْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَقْتَضِي قَصْرَهَا وَالتَّجَوُّزَ يَقْتَضِي تَعْدِيَتَهَا عن أَصْلِ وَضْعِهَا وَأَمَّا من أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمُسَمَّيَيْنِ من غَيْرِ تَعَرُّضِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَتَجَوُّزًا فَهَذَا هو الْجَائِزُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ يَعْنِي بهذا أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا في شَيْءٍ وَاحِدٍ حتى يَكُونَ الْأَسَدُ في الْبَهِيمِيَّةِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا وَأَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ هذا اللَّفْظُ حَقِيقَةً من غَيْرِ تَعْدِيَةٍ في حَالِ ما تُرِيدُ أَنْ تَسْتَعْمِلَهُ مَجَازًا مع التَّعْدِيَةِ فإنه مُتَنَاقِضٌ قال وما أَوْهَمَهُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ من أَنَّ لِلْقَاضِي خِلَافًا في الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ وَهْمٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بهذا الذي ذَكَرْنَاهُ فقال كُلُّ لَفَظَّةٍ تُنْبِئُ عن مَعْنَيَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَلَا تَجُوزُ إرَادَتُهُمَا بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ كَلَفْظِ افْعَلْ عِنْدَ مُنْكِرِي الصِّيغَةِ مُتَرَدِّدًا بين الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ فَلَا يَصِحُّ إرَادَةُ هذه الْمَعَانِي بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِتَنَاقُضِهَا قُلْت هذا إنَّمَا قَالَهُ الْقَاضِي شَرْطًا لِلْجِوَارِ وهو أَنَّهُ حَيْثُ يَصِحُّ الْجَمْعُ كما اشْتَرَطَ ذلك في الْحَقِيقَتَيْنِ لَا مَنْعَ الْإِرَادَةِ مُطْلَقًا وقال في التَّقْرِيبِ وَلَخَّصَهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ اعْلَمْ أَنَّ إرَادَةَ الْجَمْعِ إنَّمَا تَصِحُّ مِمَّنْ لَا يَخْطِرُ له التَّعَرُّضُ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ على إرَادَةِ الْمُسْلِمِينَ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَتَجَوُّزًا وفي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الْحَقِيقَةِ خَاصَّةً لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَرَابِعٌ حَكَاهُ الْقَاضِي أَيْضًا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ فيه حتى يَبِينَ الْمُرَادُ تَنْبِيهَاتٌ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا بِالْحَمْلِ في هذه الْحَالَةِ فَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ قِيَامِ قَرِينَةِ الْمَجَازِ لَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كما اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ إذْ قال وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ على الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذَا تَسَاوَيَا في الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ إذَا عَرِيَ عن عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لم يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ على الْمَجَازِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ وَقِيَامُ الدَّلَالَةِ على إرَادَةِ الْمَجَازِ لَا يَنْفِي عن اللَّفْظِ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ هذا لَفْظُهُ وهو الْحَقُّ قال وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ في اللَّفْظِ الذي اشْتَرَكَ في عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا وقال ابن حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ صَاحِبُ الْقَاضِي إذَا كان اللَّفْظُ مَوْضُوعًا حَقِيقَةً لِشَيْءٍ وَمَجَازًا لِغَيْرِهِ ثُمَّ وَرَدَ هل يُحْمَلُ على الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا وَبِالْقَرِينَةِ على الْمَجَازِ أَمْ تَتَوَقَّفُ الدَّلَالَةُ وَلَا يُحْمَلُ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه فَمِنْهُمْ من قال يُحْمَلُ على الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَمِنْهُمْ من قال لَا يُصْرَفُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ ا هـ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَاللَّفْظُ وَالْحَالَةُ هذه حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ بِاعْتِبَارَيْنِ وَزَعَمَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ اللَّفْظَ حِينَئِذٍ مَجَازٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اسْتِعْمَالٌ في غَيْرِ ما وُضِعَ له وَحَكَاهُ ابن عبد السَّلَامِ في كِتَابِ الْمَجَازِ عن بَعْضِهِمْ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو إذَا ظَهَرَ قَصْدُ الْمَجَازِ بِقَرِينَةٍ مع السُّكُوتِ عن الْحَقِيقَةِ أو قَصْدُهُمَا مَعًا أَمَّا إذَا قَصَدَ الْحَقِيقَةَ فَقَطْ فَالْحَمْلُ عليها فَقَطْ بِلَا نِزَاعٍ أو الْمَجَازَ فَقَطْ اخْتَصَّ بِهِ بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ لم يَظْهَرْ قَصْدٌ فَلَا مَدْخَلَ لِلْحَمْلِ على الْمَجَازِ فإن اللَّفْظَ إنَّمَا يُحْمَلُ على مَجَازِهِ بِقَرِينَةٍ وَلِهَذَا قالوا فِيمَا إذَا قال وَقَفْتُ على أَوْلَادِي وَنَظَائِرُهُ أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ على الصَّحِيحِ وَنَظِيرُهُ ما لو أَوْصَى لِإِخْوَةِ فُلَانٍ وَكَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ قال الْإِمَامُ في بَابِ الْوَصِيَّةِ من النِّهَايَةِ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَصِيَّةِ الْإِخْوَةُ دُونَ الْأَخَوَاتِ وقال أبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لِلْجَمِيعِ وَكَذَا كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ السَّابِقُ وقد أَفَادَ حَالَةً أُخْرَى وَهِيَ ما إذَا تَسَاوَيَا في الِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَجَازُ كَثْرَةً تُوَازِي الْحَقِيقَةَ فَيَتَسَاوَيَانِ فِيهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَيَحْصُلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ أَحَدُهُمَا أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ على إرَادَةِ الْمَجَازِ مع السُّكُوتِ عن الْحَقِيقَةِ ثَانِيهَا أَنْ تَدُلَّ على إرَادَتِهِمَا جميعا ثَالِثُهَا أَنْ لَا تَكُونَ قَرِينَةٌ وَلَكِنْ لِلْمَجَازِ شُهْرَةٌ وَازَى بها الْحَقِيقَةَ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ في الْكُلِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا الْحَمْلُ عليها رَابِعُهَا حَالَةُ الْإِطْلَاقِ مع عَدَمِ شُهْرَةِ الْمَجَازِ فَلَا يُحْمَلُ فِيهِمَا على الْمَجَازِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَدْفُوعٌ ما لم يَدُلَّ عليه دَلِيلٌ وإذا ضَمَمْت الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ إلَى الْمُشْتَرَكِ خَرَجَ منه مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ بين الْحَقِيقَتَيْنِ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَيَمْتَنِعُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَتُفَارِقُ هذه الْحَالَةُ ما قَبْلَهَا على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ يُحْمَلُ على مَعْنَيَيْهِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ وَالْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا إلَّا إذَا سَاوَى الْمَجَازُ الْحَقِيقَةَ لِشُهْرَةٍ أو نَحْوِهِمَا كما تَقَدَّمَ وَرَابِعُهَا عَكْسُهُ وهو الْمَنْعُ في الْحَقِيقَتَيْنِ قَطْعًا وَتُرَدَّدُ في الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَإِلَيْهِ صَارَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى فإنه قَطَعَ بِالْجَمْعِ في الْحَقِيقَتَيْنِ ثُمَّ قال في الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ هو عِنْدَنَا كَالْمُشْتَرَكِ وَإِنْ كان التَّعْمِيمُ منه أَقْرَبَ قَلِيلًا التَّنْبِيهُ الثَّانِي احْتَجَّ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لِلْجَمْعِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم صُبُّوا عليه ذَنُوبًا من مَاءٍ من جِهَةِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تَوَجَّهَتْ إلَى صَبِّ الذَّنُوبِ وَالْقَدْرُ الذي يَغْمُرُ النَّجَاسَةَ وَاجِبٌ في إزَالَتِهَا فَتَنَاوُلُ الصِّيغَةِ لها اسْتِعْمَالٌ لِلَّفْظِ في الْحَقِيقَةِ وهو الْوُجُوبُ وَالزَّائِدُ على ذلك مُسْتَحَبٌّ فَتَنَاوُلُ الصِّيغَةِ له اسْتِعْمَالٌ في النَّدْبِ وهو مَجَازٌ فيه فَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ الْأَمْرِ في حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا وَذَكَرَ الْإِبْيَارِيُّ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ هل يَصِحُّ أَنْ يُعَلَّقَ الْأَمْرُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا على جِهَةِ الْوُجُوبِ وَالْآخَرُ على جِهَةِ النَّدْبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فإن أَتِمُّوا يَقْتَضِي وُجُوبَ إتْمَامِ الْحَجِّ وَاسْتِحْبَابَ إتْمَامِ الْعُمْرَةِ إنْ قُلْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِهَا التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ احْتَجُّوا على الْحَقِيقَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ فإن الصَّلَاةَ من اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَاسْتَشْكَلَ ذلك بِأَنَّ الْفِعْلَ مُتَعَدِّدٌ لِتَعَدُّدِ الضَّمَائِرِ فَكَأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ يُصَلِّي فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ من مَوْضِعِ النِّزَاعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ من بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ لِأَنَّ سِيَاقَهَا إنَّمَا هو لِإِيجَابِ اقْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ في الصَّلَاةِ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا بُدَّ من اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ في الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لو قِيلَ إنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ النبي وَالْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ له يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو اُدْعُوا له لَكَانَ رَكِيكًا فَلَا بُدَّ من اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ إمَّا حَقِيقَةً أو مَجَازًا أَمَّا حَقِيقَةً فَالدُّعَاءُ إيصَالُ الْخَيْرِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ومن لَوَازِمِهِ الرَّحْمَةُ ليس لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا مَجَازًا فَكَإِرَادَةِ الْخَيْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ ثُمَّ إنْ اخْتَلَفَ ذلك الْمَعْنَيَانِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ يَضُرُّ وَلَيْسَ من الِاشْتِرَاكِ بِحَسَبِ الْمَوْضِعَ وَكَذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ بِآيَةِ السُّجُودِ ليس من هذا الْبَابِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادَ في الْجَمِيعِ أو وَضْعَ الْجَبْهَةِ وَلَا يَسْتَحِيلُ في الْحَادِثِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ حَاصِلَةٌ لِهَذَا الْمَوْطِنُ الثَّالِثُ في اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في مَجَازَيْهِ إذَا خَرَجَتْ الْحَقِيقَةُ عن الْإِرَادَةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي وَتُرِيدُ بِهِ السَّوْمَ وَشِرَاءَ الْوَكِيلِ وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ صَرَّحَ بِهِ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْهِنْدِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَشُرِطَ لِلْجَوَازِ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الْمَجَازَاتُ مُتَنَافِيَةً كَالتَّهْدِيدِ وَالْإِبَاحَةِ إذَا قُلْنَا إنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ في الْإِيجَابِ مَجَازٌ في الْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ ولم يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِلْحَمْلِ في هذا الْمَوْطِنِ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ إذَا تَسَاوَى الْمَجَازَانِ وَيَكُونُ من بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَيَجِبُ هُنَا طَرْدُ قَوْلِ الْإِجْمَالِ في الْحَقِيقَتَيْنِ بَلْ أَوْلَى وَبِهِ صَرَّحَ في الْمَحْصُولِ في تَفَارِيعِ الْمَسْأَلَةِ قال وَتَصِيرُ هذه اللَّفْظَةُ مُجْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجَازَاتِ ضَرُورَةً وَلَا يَجُوزُ الْحَمْلُ على جَمِيعِهَا بِنَاءً على امْتِنَاعِ حَمْلِ اللَّفْظِ على مَجْمُوعِ مَعَانِيهِ سَوَاءٌ كانت حَقِيقِيَّةً أو مَجَازِيَّةً وَبِهِ صَرَّحَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ في بَابِ الْمُجْمَلِ مع أَنَّهُمَا هُنَا رَجَّحَا خِلَافَهُ في الْحَقِيقَتَيْنِ وَالْإِمَامُ مَشَى على مِنْوَالٍ وَاحِدٍ حَيْثُ مَنَعَ في الْمَوْضِعَيْنِ وقال ابن الصَّبَّاغِ في أَوَاخِرِ الْعُدَّةِ وَبَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ إذَا كان الِاسْمُ له حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ وَوَرَدَ الْخِطَابُ بِهِ فإنه يُحْمَلُ على الْحَقِيقَةِ فَإِنْ قام دَلِيلٌ على أَنَّهُ لم يُرَدْ بِهِ الْحَقِيقَةُ نُظِرَ فَإِنْ كان له مَجَازٌ وَاحِدٌ حُمِلَ عليه وَإِنْ كان أَكْثَرَ نُظِرَ فَإِنْ كان مَحْصُورًا كَلَفْظِ الْأَمْرِ انْبَنَى على الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ على مَعْنَيَيْنِ فَهَذَا أَوْلَى فَعَلَى هذا يَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا وَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ ثُمَّ نَظَرْت فَإِنْ كان بين الْمَعَانِي تَضَادٌّ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ قال ابن عبد رَبِّهِ حُمِلَ على أَحَدِهِمَا على سَبِيلِ الْبَدَلِ قال الشَّارِحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُحْمَلَ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا بِدَلِيلٍ إذْ ليس أَحَدُهُمَا أَوْلَى من الْآخَرِ وَإِنْ لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَهَلْ يُحْمَلُ على أَحَدِهِمَا أو على الْجَمِيعِ وَجْهَانِ وَإِنْ كان مَجَازُهُ غير مَحْصُورٍ كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنْ دَلَّ على الْمُرَادِ بِهِ دَلِيلٌ صِرْنَا إلَيْهِ وَإِلَّا انْبَنَى على الْوَجْهَيْنِ في الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا مَسْأَلَةٌ مُفَرَّعَةٌ على امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ الْخِطَابُ الذي له حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ وَمُوجِبُ الْمَجَازِ ثَابِتٌ في بَعْضِ الصُّوَرِ هل يَقْتَضِي إسْنَادُهُ إلَى ذلك الْمَجَازِ حتى يَكُونَ مُرَادًا من ذلك الْخِطَابِ وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْتَمِلَ ذلك الْخِطَابُ على الْحَقِيقَةِ وَأَنْ لَا يَلْزَمَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ وهو بَاطِلٌ لِأَنَّا نُفَرِّعُ على هذه الْمَسْأَلَةِ أَمْ لَا يَقْتَضِي ذلك فَاخْتَارَ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَالرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ أَنَّ مُوجِبَ الْمَجَازِ يَدُلُّ على أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ وَاخْتَارَ الْبَصْرِيُّ من الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَدُلُّ وَنُسِبَ إلَى الْكَرْخِيِّ مِثَالٌ لَفْظُ الْمُلَامَسَةِ حَقِيقَةٌ في الْجَسِّ بِالْيَدِ وهو مَجَازٌ في الْوِقَاعِ فَقَدْ ثَبَتَ مُوجِبُ الْمَجَازِ في قَوْله تَعَالَى أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ على وُجُوبِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ وَثُبُوتُ مَعْنًى هَاهُنَا لَا يَدُلُّ على أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً بِالْخِطَابِ على ما بَيَّنَّا فَصَارَ النِّزَاعُ في أَنَّ ثُبُوتَ مُوجِبِ الْمَجَازِ في صُورَةٍ من الصُّوَرِ يَمْنَعُ إجْرَاءَ الْخِطَابِ على حَقِيقَتِهِ على رَأْيٍ وَلَا يُمْنَعُ على الْآخَرِ وَأَوْضَحَهُمَا الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ في الْعُمْدَةِ فقال اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالدَّلِيلِ فَإِنْ كان لَفْظُ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ على الْحَقِيقَةِ قَطَعْنَا بِأَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ إنْ لم يَمْنَعْ منه دَلِيلٌ وَإِنْ كان لَفْظُ النَّصِّ يَتَنَاوَلُهُ على جِهَةِ الْمَجَازِ لم يَجِبْ أَنْ نَقْطَعَ بِذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ فَإِنْ دَلَّ عليه دَلِيلٌ قُضِيَ بِهِ وَإِلَّا حُكِمَ بِثُبُوتِهِ بِالدَّلِيلِ الذي أَوْجَبَ ذلك مِثَالُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ إقَامَتُهَا وكان قَوْله تَعَالَى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ يَتَنَاوَلُهَا على الْحَقِيقَةِ قُطِعَ بِأَنَّهَا مُرَادَةٌ وإذا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ على الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ على مُحَمَّدٍ وَآلِهِ في التَّشَهُّدِ كان قَوْلُنَا صَلَاةٌ يَتَنَاوَلُهَا على جِهَةِ الْمَجَازِ لم يَجِبْ أَنْ يَكُونَ ذلك مُرَادًا بِقَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَإِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ سِوَى ذلك ثَابِتُ وُجُوبِهِ يَدُلُّ على أَنَّهُ قد أُرِيدَ ذلك وَلِهَذَا لم يَصِحَّ عِنْدَنَا إبْطَالُ ما يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ إنَّ اللَّمْسَ هو بِالْيَدِ بِأَنْ يُقَالَ قد ثَبَتَ أَنَّ الْجِمَاعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ وهو النَّقْضُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بها وإذا صَارَ مُرَادًا بها بَطَلَ أو يُرَادُ بها اللَّمْسُ بِالْيَدِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ كَوْنَ الْجِمَاعِ مُرَادًا لَا يَمْنَعُ كَوْنَ اللَّمْسِ مُرَادًا وَالثَّانِي أَنَّ ثُبُوتَ هذا الْحُكْمِ لِلْجِمَاعِ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْأَمْرِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في قَوْله تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ أَنَّ ثُبُوتَ الْوَطْءِ مُرَادٌ بِهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعَقْدِ مُرَادًا بِهِ تَنْبِيهٌ حَمْلُ الْمُتَوَاطِئِ على مَعَانِيهِ وَأَمَّا الْمُتَوَاطِئُ فَهَلْ يُحْمَلُ على مَعَانِيهِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ في قَوَاعِدِهِ لَا عُمُومَ فيه إجْمَاعًا وَصَرَّحَ في الْمَحْصُولِ في بَابِ الْمُجْمَلِ بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَأَلْحَقَهُ بِالْمُشْتَرَكِ على رَأْيِهِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَأَمَّا الْمُشَكَّكُ فقال ابن الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ في شَرْحِ الْجُمَلِ من جَوَّزَ ذلك في الْمُشْتَرَكِ رُبَّمَا يُجَوِّزُهُ في الْمُشَكَّكِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ أَفْرَادَهُ مُتَفَاوِتَةٌ فَيَنْبَغِي الْحَمْلُ على الْأَقْوَى رِعَايَةً لِتِلْكَ الْأَوْلَوِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ قَلَّ من تَعَرَّضَ لَهُمَا مَسْأَلَةٌ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ وهو الْقِيَاسُ الذي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عليه الْأَلْفَاظُ لِأَنَّ بِذَلِكَ تَنْفَصِلُ الْمَعَانِي وَلَا تَلْتَبِسُ وَاخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وهو التَّرَادُفُ وَعَكْسُهُ الِاشْتِرَاكُ وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ أَهْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ وهو اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافُ الْمَعْنَيَيْنِ وهو بَابُ الْأَضْدَادِ قال أبو مُحَمَّدِ بن الْخَشَّابِ في بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ الضِّدُّ مَعْنَاهُ الْمِلْءُ يُقَالُ ضَدَدْت الْإِنَاءَ أَضُدُّهُ ضَدًّا إذَا مَلَأْتُهُ فإن كُلَّ وَاحِدٍ من الضِّدَّيْنِ يَشْغَلُهُ الْحَيِّزُ عن الْآخَرِ قد مُلِئَ دُونَهُ قال وقد صَنَّفَ اللُّغَوِيُّونَ فيها كُتُبًا كَالْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَحْسَنُ من جاء بَعْدَهُ أبو بَكْرِ بن مُحَمَّدِ بن الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ وَمِمَّنْ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ بن يحيى بن ثَعْلَبٍ ولم يُوَافِقْهُ الْأَكْثَرُونَ على مَذْهَبِهِ قال الْفَارِسِيُّ وَلَا خِلَافَ في أَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ تَقَعُ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ كَوَجَدْت اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى غَضِبْتُ وَبِمَعْنَى حَزِنْتُ فإذا جَازَ ذلك جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ لِكَوْنِ الضِّدِّ ضَرْبًا من الْخِلَافِ انْتَهَى هَكَذَا نَسَبَ ابن الْخَشَّابِ الْجَوَازَ لِلْأَكْثَرِينَ وقال أبو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ في كِتَابِ إفْسَادِ الْأَضْدَادِ ذَهَبَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ الْمَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمْ وَاَلَّذِي كان عليه شَيْخَا الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ محمد بن يَزِيدَ الْمُبَرَّدِ وَأَحْمَدُ بن يحيى بن ثَعْلَبٍ دَفْعُ أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ وَضَعَتْ اسْمًا وَاحِدًا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ إلَّا ما وَضَعَتْ من أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ نحو لَوْنٍ فإنه لِمَعْنًى يَنْطَلِقُ على السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يُطْلَقُ على الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وقال أبو الْفَتْحِ بن جِنِّي إنَّ الْأَضْدَادَ وَاقِعَةٌ في اللُّغَةِ لَكِنْ تَتَدَاخَلُ اللُّغَاتُ لَا أنها اجْتَمَعَتْ على وَضْعِهَا قَبِيلَةٌ وَاحِدَةٌ في وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ قَبَائِلُ ثُمَّ فَشَتْ اللُّغَاتُ وَتَدَاخَلَتْ بِالْمُلَاقَاةِ وَالْمُجَاوَرَةِ فَنُقِلَتْ إلَى كُلٍّ لُغَةُ صَاحِبِهِ وَحَاوَلَ بَعْضُهُمْ ما جاء من ذلك على التَّوَاطُؤِ فيقول في الصَّرِيمِ إنَّمَا سُمِّيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ صَرِيمًا لِانْصِرَامِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عن صَاحِبِهِ وَالضَّوْءُ وَالظُّلْمَةُ إنَّمَا سُمِّيَا سُدْفَةً من قَوْلِك أنا في سُدْفِك أَيْ مُسْتَتِرٌ بِك وَهَذَا في الظُّلْمَةِ وَاضِحٌ وفي الضَّوْءِ لِأَنَّهَا تُقَالُ في الظُّلْمَةِ التي يُخَالِطُهَا مُقَدِّمَةُ ضَوْءٍ وَتَقُولُ في مِثْلِ الْجَلَلِ إنَّهُ الْعَظِيمُ بِحَقِّ الْإِثْبَاتِ وَعَلَى الصَّغِيرِ بِالسَّلْبِ كَقَوْلِهِمْ ب وَنَائِمٌ وَأَعْجَمْتُ الْكِتَابَ وَرَجُلٌ مُبَطَّنٌ أَيْ خَمِيصُ الْبَطْنِ فَعَلَى هذا الْقَوْلِ يَكُونُ اجْتِمَاعُ الْأَضْدَادِ في الشِّعْرِ إيطَاءً وقال ابن الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ تِلْمِيذُ الشَّلَوْبِينَ الْحَقُّ أَنَّ التَّضَادَّ في اللُّغَةِ مَوْجُودٌ على ما صَوَّرْته من التَّدَاخُلِ وَلَعَمْرِي لقد كان يُمْكِنُ دُونَ تَدَاخُلٍ وَلَكِنْ بِتَوَاضُعٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ أو وَقْتَيْنِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يَقْصِدَ الْوَاضِعُ وَضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنَيَيْنِ ضِدَّيْنِ أو غَيْرَيْنِ مُلْتَبِسًا لِذَلِكَ غير مُبَيِّنٍ له فإن ذلك يَقْتَضِي وَضْعَ اللُّغَةِ وَيُبْطِلُ حِكْمَةَ الْمُخَاطَبَةِ وقال ابن سِيدَهْ في الْمُخَصَّصِ أَمَّا في اتِّفَاقِ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَصْدًا في الْوَضْعِ وَلَا أَصْلًا لَكِنَّهُ من تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ أو يَكُونُ لَفْظُهُ يُسْتَعْمَلُ لِمَعْنًى ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِشَيْءٍ فَيَكْثُرُ وَيَغْلِبُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ قال الْفَارِسِيُّ وكان أَحَدُ شُيُوخِنَا يُنْكِرُ الْأَضْدَادَ التي حَكَاهَا أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَنْ تَكُونَ لَفْظَةً لِشَيْءٍ وَضِدِّهِ وَالْقَوْلُ في ذلك أَنَّهُ لَا يَخْلُو إنْكَارُهُ لِذَلِكَ من حُجَّةٍ سَمَاعًا أو قِيَاسًا فَلَا حُجَّةَ له من جِهَةِ السَّمَاعِ بَلْ الْحُجَّةُ من هذه الْجِهَةِ في الْمُرَادِ عليه لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ كَأَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قد حَكَوْا ذلك وَصَنَّفُوا فيه الْكُتُبَ فَإِنْ قال الْحُجَّةُ من الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الضِّدَّ بِخِلَافِ ضِدِّهِ فإذا اشْتَرَكَتَا في لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ ولم يَخُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ منها بِلَفْظٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ أَلْبَسَ وَأَشْكَلَ فَصَارَ الضِّدُّ شَكْلًا وَالشَّكْلُ ضِدًّا وَهَذَا إلْبَاسٌ قِيلَ له هل يَجُوزُ عِنْدَك أَنْ يَجِيءَ في اللُّغَةِ لَفْظَانِ مُتَّفِقَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِنْ مَنَعَ ذلك فَقَدْ مَنَعَ ما ثَبَتَ جَوَازُهُ وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ له فإذا لم يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى مَنْعِ هذا ثَبَتَ جَوَازُ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ وإذا جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ إذْ الضِّدُّ ضَرْبٌ من الْخِلَافِ وَإِنْ لم يَكُنْ خِلَافٌ ضِدًّا قال وَيَدُلُّ على جِوَازِ وُقُوعِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَوْله تَعَالَى في وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لم يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ فَلَا يَكُونُ الطَّمَعُ هذا إلَّا بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من الذي يُطْمَعُ فيه وَيَقَعُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ ليس في الْآخِرَةِ شَكٌّ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عن إبْرَاهِيمَ وَاَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْعِلْمِ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَا يَشُكُّ في الْمَغْفِرَةِ انْتَهَى مباحث الحقيقة والمجاز قال ابن فَارِسٍ الْحَقِيقَةُ من قَوْلِنَا حَقَّ الشَّيْءُ إذَا وَجَبَ وَاشْتِقَاقُهُ من الشَّيْءِ الْمُحَقِّ وهو الْمُحْكَمُ تَقُولُ ثَوْبٌ مُحَقَّقُ النَّسْجِ أَيْ مُحْكَمٌ وقال غَيْرُهُ اشْتِقَاقُهَا من الِاسْتِحْقَاقِ لَا من الْحَقِّ وَإِلَّا لَكَانَ الْمَجَازُ بَاطِلًا وَتُطْلَقُ الْحَقِيقَةُ وَيُرَادُ بها ذَاتُ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتُهُ كما يُقَالُ حَقِيقَةُ الْعَالِمِ من قام بِهِ الْعِلْمُ وَحَقِيقَةُ الْجَوْهَرِ الْمُتَمَيِّزُ وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ تُطْلَقُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ وفي الحديث لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ غَرَضَنَا هُنَا وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بها الْمُسْتَعْمَلُ في أَصْلِ ما وُضِعَتْ له في اللُّغَةِ وهو مُرَادُنَا وقد مَنَعَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا حَقِيقَةً يَنْطَبِقُ على ما عَدَا هذا لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فيه الْمَجَازُ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَزَيَّفَهُ بِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَمْنَعُ وقد بَيَّنَّا لِلْحَقِيقَةِ فيها اسْتِعْمَالَاتٍ وَلِأَنَّ من الْكَلَامِ ما هو حَقِيقَةٌ وَإِنْ لم يَصِحَّ الْمَجَازُ فيه فَقَوْلُنَا الْمُسْتَعْمَلُ خَرَجَ بِهِ اللَّفْظُ قبل الِاسْتِعْمَالِ فَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَقَوْلُنَا ما وُضِعَ له أَخْرَجَ الْمَجَازَ إنْ قُلْنَا إنَّهُ ليس بِمَوْضُوعٍ فَإِنْ قُلْنَا مَوْضُوعٌ قُلْنَا وُضِعَ أَوَّلًا وَهَلْ إطْلَاقُهَا بهذا الِاصْطِلَاحِ حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ اخْتَلَفُوا فيه فَذَهَبَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فَعِيلَةٌ من الْحَقِّ إمَّا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيْ الثَّابِتِ وَلِهَذَا دَخَلَتْ التَّاءُ وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْمُثْبَتِ وَعَلَى هذا فَدُخُولُ التَّاءِ فيها لِنَقْلِ الِاسْمِ من الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْحَقُّ أنها إنْ كانت بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهِيَ على بَابِهَا لِلتَّأْنِيثِ وَإِنْ كانت بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فَيُحْتَمَلُ أنها لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ الِاسْمِيَّةِ وقال السَّكَّاكِيُّ هِيَ عِنْدِي لِلتَّأْنِيثِ في الْوَجْهَيْنِ لِتَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ قبل الِاسْمِيَّةِ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ غير مُجْرَاةٍ على الْمَوْصُوفِ وهو الْكَلِمَةُ ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الِاعْتِقَادِ الْمُطَابِقِ ثُمَّ من الِاعْتِقَادِ إلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيمَا وُضِعَ له تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ فَظَهَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ على هذا الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ ليس حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً بَلْ مَجَازًا وَاقِعًا في الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وهو الذي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ بهذا الْمَعْنَى وَيَدُلُّ عليه كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ قال ابن سِيدَهْ في الْمُحْكَمِ الْحَقِيقَةُ في اللُّغَةِ ما أُقِرَّ في الِاسْتِعْمَالِ على أَصْلِ وَضْعِهِ وَالْمَجَازُ بِخِلَافِ ذلك وَحَكَاهُ في الْمَحْصُولِ عن ابْنِ جِنِّي وقال إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ وهو غَيْرُ وَارِدٍ لِأَنَّ كَلَامَهُ كَالْمُصَرِّحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّغَوِيَّةُ فَقَطْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ لَا الْمَعْنَى ثُمَّ تَعْدَادُ هذه الْمَرَاتِبِ وَجَعْلُهُ مَجَازًا في الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَلِمَ لَا يَكُونُ نُقِلَ من أَوَّلِ وَهْلَةٍ إلَى الْمَقْصُودِ وَالْعَلَاقَةُ مَوْجُودَةٌ ثُمَّ إنَّ دَعْوَى الْمَجَازِ في لَفْظَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إنَّمَا هو بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَلَا إشْكَالَ في أنها صِفَتَانِ عُرْفِيَّتَانِ مَسْأَلَةٌ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ وَحُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بها عِنْدَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَةٍ من غَيْرِ بَحْثٍ عن الْمَجَازِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ فيه الْإِجْمَاعَ وَأَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ على الْخِلَافِ الْآتِي في الْعَامِّ من الْعَمَلِ بِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصَّصِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمُخَصَّصِ أَقْوَى إذْ ما من عَامٍّ إلَّا وقد تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ كما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَكِنْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ على السَّوَاءِ في جَرَيَانِ الْخِلَافِ وَيُقَوِّيهِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ في اللُّغَاتِ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ أَمَّا الْحَقَائِقُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا تُحْمَلُ على مُسَمَّيَاتِهَا حتى يُنْظَرَ هل هُنَاكَ ما يُعْدَلُ بِهِ عن الْحَقِيقَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا إذَا عُدِلَتْ عن مُقْتَضَاهَا حُمِلَتْ على الْمَجَازِ وَقِيلَ الْعُمُومُ إذَا حُمِلَ على الْخُصُوصِ لم يُحْمَلْ على الْمَجَازِ أَقْسَامُ الْحَقِيقَةِ وَتَنْقَسِمُ الْحَقِيقَةُ إلَى لُغَوِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ وَشَرْعِيَّةٍ لِأَنَّ الْوَضْعَ الْمُعْتَبَرَ فيه إمَّا وَضْعُ اللُّغَةِ وَهِيَ اللُّغَوِيَّةُ كَالْأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ أَوَّلًا وهو إمَّا وَضْعُ الشَّارِعِ وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ كَالصَّلَاةِ لِلْأَرْكَانِ وقد كانت في اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ أَوَّلًا وَهِيَ الْعُرْفِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ عن مَوْضِعِهَا الْأَصْلِيِّ إلَى غَيْرِهِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَلْتَتَنَبَّهْ لِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ اللُّغَوِيَّةَ أَصْلُ الْكُلِّ فَالْعُرْفُ نَقَلَهَا عن اللُّغَةِ إلَى الْعُرْفِ وَالشَّرْعُ نَقَلَهَا عن اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الثَّانِي أَنَّ الْوَضْعَ في اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ الْوَضْعِ في الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ فإنه في اللُّغَةِ تَعْلِيقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ مَعْنًى لم يُعْرَفْ بِهِ غَيْرُ ذلك الْوَضْعِ وَأَمَّا في الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ فَبِمَعْنَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ الْمَعْنَى السَّابِقِ فإنه لم يُنْقَلْ عن الشَّارِعِ أَنَّهُ وَضَعَ لَفْظَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ بَلْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي حَيْثُ صَارَتْ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مَهْجُورَةً وَكَذَلِكَ الْعُرْفُ فإن أَهْلَهُ لم يَضَعُوا لَفْظَ الْقَارُورَةِ مَثَلًا لِلظَّرْفِ من الزُّجَاجِ على جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ كما أَنَّ الشَّرْعَ لم يَضَعْ لَفْظَ الزَّكَاةِ لِقَطْعِ طَائِفَةٍ من الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ بَلْ صَارَتْ هذه الْأَلْفَاظُ شَرْعِيَّةً وَعُرْفِيَّةً بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ أَنْ يَسْبِقَهُ تَعْرِيفٌ بِتَوَاضُعِ الِاسْمِ وَمِنْ هَاهُنَا مَنَعَ بَعْضُهُمْ إدْخَالَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ في الْحَدِّ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْوَضْعِ فيها فإن الِاصْطِلَاحَ غَيْرُ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ خَصَصْنَا الْوَضْعَ بِالِاصْطِلَاحِ خَرَجَتْ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ وَإِنْ لم نَخُصَّهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا وَالْحُدُودُ تُصَانُ عنه فَيَنْبَغِي إفْرَادُهَا بِحَدٍّ كَأَنْ يُقَالَ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ في الِاصْطِلَاحِ الذي يَقَعُ بِهِ التَّخَاطُبُ لَكِنْ هذه مُضَايَقَةٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ لِلشَّرْعِ وَضْعًا كَاللُّغَةِ فإن الْوَضْعَ تَعْلِيقُ لَفْظٍ بِإِزَاءِ مَعْنًى وهو يَشْمَلُهُمَا لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ في سَبَبِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ فَفِي اللُّغَةِ إعْلَامُ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ وفي الشَّرْعِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِيَرْفَعَ الْوَضْعَ السَّابِقَ إنْ كان وإذا عَلِمْت هذا فَلْنَتَكَلَّمْ على هذه الْأَقْسَامِ فَنَقُولُ أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَهِيَ التي عليها جُلُّ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ قَوْمٍ وَهُمْ الْمُثْبِتُونَ لِلنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ أو كُلُّهَا عِنْدَ آخَرِينَ وَهُمْ النَّافُونَ له فَيَقُولُونَ إنَّ جَمِيعَ ما وَرَدَ في الشَّرْعِ بِحُرُوفِ اللُّغَةِ وَنَظْمِهَا وَالْمَقْصُودُ بِهِ من نُطْقِ الشَّرْعِ هو الْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ لَا خِلَافَ في إمْكَانِهَا وَوُقُوعِهَا في الْمَعْنَى الْوَاحِدِ وَأَمَّا الْمُفِيدُ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ على طَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ وقد سَبَقَتْ في مَبَاحِثِ الِاشْتِرَاكِ وقال بَعْضُهُمْ يُمْكِنُ النِّزَاعُ في الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهَا انْتَسَخَتْ وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ بِأَسْرِهَا شَرْعِيَّةً أو عُرْفِيَّةً لِكَثْرَةِ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ في انْتِقَالَاتِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَعَلَى هذا يَجِبُ تَتَبُّعُ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ إنْ وَجَدْنَاهَا في أَلْفَاظِ الْخِطَابِ فَإِنْ لم نَجِدْهَا فَالْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ وَأَمَّا ما يُنْقَلُ من وَاضِعِي اللُّغَاتِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّهَا تَغَيَّرَتْ وَانْتَسَخَتْ فَلَا يُخَاطِبُنَا الشَّرْعُ بها وَالْجَوَابُ هذا مَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ على الْوُقُوفِ لِنَقْلِ اللُّغَةِ في مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ كما في الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَبِالصَّلَاةِ لِمَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ وهو صَائِمٌ وَغَيْرِ ذلك وَأَمَّا الْعُرْفِيَّةُ فَتَنْقَسِمُ إلَى خَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ فَإِنْ كان النَّاقِلُ طَائِفَةً مَخْصُوصَةً سُمِّيَتْ خَاصَّةً وَإِنْ كان عَامَّةَ الناس سُمِّيَتْ عَامَّةً وقد أَوْضَحَ مَعْنَى الْعُرْفِيَّةِ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فقال في التَّقْرِيبِ مَعْنَى وَصْفِ الِاسْمِ بِأَنَّهُ عُرْفِيٌّ أَنَّ الْمَفْهُومَ من إطْلَاقِهِ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ في بَعْضِ ما وُضِعَ له أو غَيْرِهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَالدَّلِيلُ على أَنَّ هذا الْمَعْنَى عُرْفِيٌّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اُبْتُدِئَ وَضْعُهُ لِمَا جَرَى عليه لِأَنَّ ذلك يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ عُرْفِيَّةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أنها أَسْمَاءٌ مُجَرَّدَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لِأَنَّ ذلك سَبِيلُ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أنها أَسْمَاءٌ ابْتَدَأَهَا وَوَضَعَهَا غَيْرُ أَهْلِ اللُّغَةِ من الْعُلَمَاءِ بِضُرُوبِ الْعَلَامَاتِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَنَّهُ نُقِلَ عن مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ ذلك هو الْمَجَازُ وَتَسْمِيَتُهُ مَجَازًا أَحَقُّ وَأَوْلَى انْتَهَى قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالِاعْتِبَارَاتُ في الْعُرْفِ إنَّمَا هو بِعُرْفِ من هو له دُونَ من ليس من أَهْلِ ذلك الْعُرْفِ لِأَنَّا قد قُلْنَا إنَّ الْعُرْفَ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ يَقُومُ مَقَامَ ابْتِدَاءِ الْمُوَاضَعَةِ فإذا اخْتَصَّ ابْتِدَاءُ الْمُوَاضَعَةِ بِأَهْلِهَا فَكَذَلِكَ الْعُرْفُ ا هـ مَسْأَلَةٌ إمْكَانُ الْعُرْفِيَّةِ وَلَا خِلَافَ في إمْكَانِ الْعُرْفِيَّةِ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلَا نِزَاعَ في وُجُودِ الْخَاصَّةِ منها لِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ ذَوِي الْعُلُومِ وَالصِّنَاعَاتِ التي لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ اللُّغَةِ كَالْقَلْبِ وَالنَّقْضِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَأَمَّا الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ فَمِنْهُمْ من أَنْكَرَ وُجُودَهَا وَالْأَكْثَرُونَ على الْوُقُوعِ قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَتَابَعَ فيه في الْمَحْصُولِ وَاسْتَغْرَبَ شَارِحُهُ الْأَصْفَهَانِيُّ هذا الْخِلَافَ وقال إنَّمَا الْمَعْرُوفُ الْخِلَافُ في الشَّرْعِيَّةِ قُلْت حَكَى الْخِلَافَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ ثُمَّ قال وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا انْتِقَالَ الِاسْمِ عن مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ بِالْعُرْفِ إنَّمَا أَجَازُوا ذلك ما لم يَكُنْ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَإِنْ تَعَلَّقَ لم يَجُزْ نَقْلُهُ عن مَوْضِعِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلَى التَّكْلِيفِ ا هـ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ رَابِعٌ فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ قد وُضِعَ لِمَعْنًى عَامٍّ ثُمَّ تَخَصَّصَ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فإنه مَوْضُوعٌ لِكُلِّ ما يَدِبُّ على وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ خَصَّصَهَا الْعُرْفُ الْعَامُّ بِذَاتِ الْحَوَافِرِ وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ في أَصْلِ اللُّغَةِ قد وُضِعَ لِمَعْنًى ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا له بِهِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ وَمُلَابَسَةٍ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ كَالْغَائِطِ وَالْأَوَّلُ نُقِلَ إلَى الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي إلَى الْمَجَازِ قال الْقَاضِي وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ في هَذَيْنِ وَلَا يُنْبِئُ الْعُرْفُ عن الْوَضْعِ لِلْإِجْمَاعِ على اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْأَسَامِي وَلَوْ صُرِفَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ لَلَزِمَ تَسْمِيَةُ جُمْلَةِ اللُّغَةِ عُرْفِيَّةً وَلَا يُنْبِئُ عن تَجْدِيدِ الْوَضْعِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ اللُّغَةِ فإن هذا سَبِيلُ كل لُغَةٍ سَبَقَهَا أُخْرَى وَإِنَّمَا تُنْبِئُ عَمَّا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ عُرْفًا من الْمَجَازَاتِ أو يَغْلِبُ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْمُقْتَضَيَاتِ وَكَذَا قال في الْمَحْصُولِ التَّصَرُّفُ الْوَاقِعُ على هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هو الذي ثَبَتَ عن أَهْلِ الْعُرْفِ وَأَمَّا على غَيْرِهِمَا فلم يَثْبُتْ عَنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ من أَقْسَامِ الْعُرْفِيَّةِ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِشَيْءٍ في اللُّغَةِ لَكِنْ لم يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ له فيها فَيَسْتَعْمِلُهُ الْعُرْفُ في غَيْرِهِ كَعَسَى فإنه وُضِعَ أَوَّلًا لِلْفِعْلِ الْمَاضِي ولم يُسْتَعْمَلْ فيه قَطُّ بَلْ اُسْتُعْمِلَ في الْإِنْشَاءِ بِوَضْعِ الْعُرْفِ فَصَارَتْ الْعُرْفِيَّةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا لم يُوضَعْ له في اللُّغَةِ أَصْلًا إذَا لم يَسْتَعْمِلْهُ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا أو كان له وَضْعٌ في اللُّغَةِ وَاسْتُعْمِلَ فيه لَكِنْ هُجِرَ كَالْغَائِطِ أو لم يُهْجَرْ وَلَكِنْ قَصَرَهُ الْعُرْفُ على بَعْضِ مَوْضُوعَاتِهِ كَالدَّابَّةِ وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ من مُهِمَّاتِ هذا الْمَوْضِعِ ولم أَرَ من أَحْكَمَ شَرْحَهَا وَيَتَعَلَّقُ بها مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ في تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ وَهِيَ اللَّفْظَةُ التي اُسْتُفِيدَ وَضْعُهَا لِلْمَعْنَى من جِهَةِ الشَّرْعِ كَذَا قَالَهُ في الْمَحْصُولِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وقال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ ما كان مَعْنَاهُ ثَابِتًا بِالشَّرْعِ وَالِاسْمُ مَوْضُوعٌ له فيه وقال ابن بَرْهَانٍ هو ما اُسْتُفِيدَ من الشَّرْعِ وَاللَّفْظِ من اللُّغَةِ وَمَرَّةً يُسْتَفَادُ الْمَعْنَى من وَضْعِ اللُّغَةِ وَاللَّفْظِ في الشَّرْعِ وَالْكُلُّ أَسَامِي شَرْعِيَّةٌ وقال بَعْضُهُمْ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ له أَوَّلًا في الشَّرْعِ وَقِيلَ الِاسْمُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ له في الشَّرْعِ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ دَلَّ على عَدَمِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَّا بِالتَّبَعِ وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كُلُّ ما وَرَدَ على لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا هو مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أو سَوَاءٌ كان مُوَافِقًا لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فإن اللَّفْظَ الذي أَرَادَ بِهِ الشَّارِعُ مَعْنًى يَصِحُّ إطْلَاقُ ذلك اللَّفْظِ عليه في اللُّغَةِ حَقِيقَةً لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَقُولَ إنَّهُ تَجَوَّزَ بِهِ عن الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُرَادَةِ كَإِطْلَاقِ الصَّلَاةِ على الدُّعَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَصَلِّ عليهم لَا نَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ بِحَسَبِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ بَلْ هو الدُّعَاءُ وَهَذَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وإذا أَمْكَنَتْ فما الدَّاعِي لِلْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ أقسام الحقيقة الشرعية وأقسامها أربعة الأول أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى الثاني أن يكونا غير معلومين لهم الثالث أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم الرابع عكسه والمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق وتخص بالدينية وما نقل إلى فروعه كالصلاة والزكاة وتختص بالفرعية قال الصفي الهندي وهذه الأقسام الأربعة الأشبه وقوعها أما الأول فكلفظ الرحمن لله فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم والثاني كأوائل السور والثالث كلفظ الصلاة والصوم والرابع كلفظ الأب ولهذا لما نزل قوله تعالى وفاكهة وأبا قال عمر ما الأب ا هـ والنزاع في الكل على السواء واعلم أن هذا القسم ذكره الإمام في المحصول فتابعوه وإنما ذكره صاحب المعتمد على أصل المعتزلة وكذلك تفسير الشرعي بما سبق وهو ماش على مذهبهم الآتي وأما على أصلنا فلا يستقيم ذلك بل الشرط كما قاله الأصفهاني كون اللفظ والمعنى من حيث هو مجاز لغوي يعلمها أهل اللغة لاستحالة نقل الشرع لفظة لغوية إلى معنى مجاز لغة ولا يعرفهما أهل اللغة الثاني في إمكانها عقلا ونقل الإمام في المحصول والآمدي في الإحكام الإجماع على إمكان الحقيقة الشرعية وأن الخلاف إنما هو في الوقوع وليس كذلك ففي شرح العمد لأبي الحسين عن قوم إنكار إمكانها فقال وقد أبى قوم جواز ذلك واختلف تعليلهم فعلة بعضهم دالة على أنه منع من إمكان ذلك وعلة الآخرين دالة على أنهم منعوا من حسنه ا هـ وممن حكى الخلاف أيضا ابن برهان في الأوسط فقال وأما إمكان نقل الأسامي أو نقلها من اللغة إلى الشرع فقد جوزه كافة العلماء ومنعه طائفة يسيرة وبناء المسألة على حرف واحد وهو أن نقلها من اللغة إلى الشرع لا يؤدي إلى قلب الحقائق وعنده يؤدي الثالث أنه إذا ثبت إمكانه فهو حسن وليس بقبيح وإنما هو بمثابة النسخ في الأحكام الشرعية فإنه يجوز نسخها وتبديلها باعتبار المصالح ويكون ذلك حسنا فلأن يحسن ذلك في الأسامي أولى وقيل وإن جاز عقلا لكنه لا ينتقل لأنه قبيح لإفضائه إلى إسقاط الأحكام الشرعية وهو لا يجوز إلا بالنسخ ذكره ابن برهان الرابع إنه إذا ثبت هذا فهل وقع أو لا فيه مذاهب أحدها أنها ليست بواقعة مطلقا سواء الدينية وهي المتعلقة بأصول الدين كالإيمان والكفر والفرعية وهي المتعلقة بالفروع قال المازري في شرح البرهان وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء والأصوليين وهو قول القاضي أبي بكر والإمام أبي نصر بن القشيري ونقله عن أصحابنا فقال وقال أصحابنا لم ينقل الشرع شيئا من الأسامي اللغوية بل النبي صلى الله عليه وسلم كلم الخلق بلسان العرب وإلى هذا ميل القاضي ا هـ ونقله الأستاذ أبو منصور عن القاضي أبي حامد المروذي والشيخ أبي الحسن الأشعري فقال أجمع أصحاب الشافعي على أنه قد نقل بالشرع أسماء كثيرة عن معانيها في اللغة إلى معان سواها إلا أبا حامد المروذي فإنه زعم أن الأسامي كلها باقية على مقتضاها في اللغة قبل الشرع وبه قال أبو الحسن الأشعري ومثال ذلك الإيمان في اللغة بمعنى التصديق وقد صار بالشرع عند أصحاب الشافعي اسما لجميع الطاعات وعند الأشعري أنه الآن أيضا بمعنى التصديق وكذلك الصلاة والحج والعمرة أسماء لأفعال مخصوصة زائدة على ما كان مفعولا منها في اللغة قبل الشرع عندنا وهي عند الأشعري ثابتة على ما كان عليه قبل الشرع إلا أنها لا يحتسب بها إلا إذا أتى على الشروط التي علقتها الشريعة بها ا هـ وكذلك حكاه عن الأشعري الأستاذ أبو بكر بن فورك في جزء جمعه في بيان الإسلام والإيمان فقال واختلفوا في مسألة الإيمان هل نقلت الشريعة أسماء اللغة عن موضوعاتها إلى غيرها فمنهم من قال إنها نقلت وإن من ذلك الإيمان فإنه لغة التصديق وإنما قيل في الشريعة للطاعات كلها إيمان وذلك شرعي لا لغوي وكذلك الصلاة والزكاة والحج والوضوء فجمعه منقول عن اللغة وقال أبو الحسن الأشعري إن الأسماء كلها لغوية وإنه لم ينقل منها شيء عن موضوع اللغة وأن لا إيمان إلا بتصديق وأن لا تصديق إلا بإيمان وقال إن الصلاة لغة الدعاء والحج القصد والزكاة النماء والوضوء النظافة ولكن الشرع أتى بفعلها عن وجه دون وجه وفرق أبو الحسن بين الإيمان والإسلام فقال كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا وقال إن الإسلام هو الاستسلام والانقياد والمتابعة لله في طاعاته والإيمان به وهو الاستسلام له بالتصديق بالقلب وقال إن المنافق مسلم غير مؤمن لأنه مستسلم في الظاهر غير مصدق في الباطن ولذلك قال الله تعالى قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ففرق بين الإسلام والإيمان ا هـ النافون للحقيقة ثم اختلف النافون على مذهبين أحدهما أنها مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني عن القاضي أبي بكر والثاني أنها أقرت وزيد في معناها في الشرع ونقلاه عن طائفة من الفقهاء قلت وهو ما نصه ابن فورك في كتابه فقال وليس ذلك بنقل الاسم عن اللغة إلى الشرع وإنما هو إبانة موضع ما أريد بإيقاعه فيه فالصلاة في اللغة من معانيها الدعاء ولم يخرج بالشرع عن معناه بل أتى بوضعه الذي جعل فيه فقيل ندعو على صفة كذا ولا يتغير معنى الاسم بذلك ا هـ ويخرج من أدلتهم مذهب ثالث وهو التفضيل بين أن يتعلق بالاسم فرض فلا يجوز نقله عن معناه لأن النقل يؤدي إلى تغيير الأحكام وبين أن لا فلا يمتنع وقد سبق نقله صريحا في الحقيقة العرفية ولا شك أن قائله يطرده هنا المذهب الثاني أنها واقعة وهو قول الجمهور من الفقهاء والمعتزلة كما قاله أبو الحسين في المعتمد وحكاه ابن برهان وابن السمعاني عن أكثر المتكلمين والفقهاء وصححه وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ في كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهَا على مَذْهَبَيْنِ أَحَدِهِمَا أنها حَقَائِقُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ مُبْتَكَرَةً لم يُلَاحَظْ فيها الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَصْلًا وَلَيْسَ لِلْعَرَبِ فيها تَصَرُّفٌ وهو مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ قالوا وَتَارَةً يُصَادِفُ الْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ عَلَاقَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا غير مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ وَتَارَةً لَا يُصَادِفُهُ وَقَالُوا نَقَلَ الشَّارِعُ هذه الْأَلْفَاظَ من الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا من مُسَمَّيَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ وَابْتِدَاءً وَضْعَهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي فَلَيْسَتْ حَقَائِقَ لُغَوِيَّةً وَلَا مَجَازَاتٍ عنها وَالثَّانِي أنها مَأْخُوذَةٌ من الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ على سَبِيلِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَكُونَ اُسْتُعِيرَ لَفْظُهَا لِلْمَدْلُولِ الشَّرْعِيِّ لِعَلَاقَةٍ وهو اخْتِيَارُ الْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ وهو في الْحَقِيقَةِ تَوَسَّطَ بين الْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فإنه لم يَرَ أَنَّ الشَّرْعَ نَقَلَهَا نَقْلًا كُلِّيًّا فإن مَعَانِيَ اللُّغَةِ لَا تَخْلُو منها وَلَا اسْتَعْمَلَهَا اسْتِعْمَالًا كُلِّيًّا وَإِلَّا لَتَبَادَرَ الذِّهْنُ إلَى حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ فلم يَسْتَعْمِلْهَا في حَقِيقَتِهَا اللُّغَوِيَّةِ بَلْ في مَجَازِهَا اللُّغَوِيِّ فإن الْعَرَبَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالْحَقِيقَةِ كما يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَجَازِ وَمِنْ مَجَازِهَا تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ أَجْزَائِهِ وَالصَّلَاةُ كَذَلِكَ فإن الدُّعَاءَ جُزْءٌ منها بَلْ الْمَقْصُودُ منها قال فلم يَخْرُجْ اسْتِعْمَالُهُ عن وَضْعِ اللُّغَةِ وقد قال ابن السَّمْعَانِيِّ في ذَيْلِ الْمَسْأَلَةِ وهو مِمَّنْ صَحَّحَ الْوُقُوعَ رَدًّا على من قال من أَصْحَابِنَا إنَّهَا مَجَازَاتٌ شَرْعِيَّةٌ ثُمَّ قال وَالْأَصَحُّ أنها حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ ثُمَّ حَقَّقَ وقال وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هذه الْأَسْمَاءُ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ فيها مَعْنَى اللُّغَةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْلُو عن الدُّعَاءِ في أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ وَالْأَخْرَسُ نَادِرٌ وَلِأَنَّا لو اعْتَبَرْنَا ذلك فَقَدْ يَخْلُو في بَعْضِ الْمَرْضَى عن مُعْظَمِ الْأَفْعَالِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ لَا بَأْسَ بِهِ ا هـ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّارِعَ تَجَوَّزَ وَوَضَعَ اللَّفْظَ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَضْعًا حَقِيقِيًّا وقال الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثَبَتَ منها قَصْرُ التَّسْمِيَةِ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا فإن الصَّلَاةَ لُغَةً الدُّعَاءُ وَقَصَرَهُ الشَّرْعُ على دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ وَثَبَتَ أَيْضًا إطْلَاقُهَا على الْأَفْعَالِ من السُّجُودِ وَنَحْوِهِ تَوَسُّعًا وَاسْتِعَارَةً من الدُّعَاءِ لِأَنَّ الدَّاعِيَ خَاضِعٌ فَكَذَلِكَ السَّاجِدُ فَالْمُثْبِتُ لِلنَّقْلِ إنْ أَرَادَ الْقَصْرَ أو التَّجَوُّزَ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ فَبَاطِلٌ وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ وقال الْقَصْرُ وَالتَّجَوُّزُ لَا تَغْيِيرَ فيه فإن الْعَرَبَ قد تَقْصُرُ الشَّيْءَ على غَيْرِ ما وَضَعَتْهُ له وَيَصِيرُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً مَهْجُورَةً كما في حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ لَا يُفْهَمُ منه إلَّا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ وهو مَجَازٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الزِّيَادَةُ على وَضْعِهِمْ تَغْيِيرٌ فَكَذَلِكَ النَّقْصُ منه لِتَعَدِّيهِ إلَى غَيْرِهِ وَالتَّحْقِيقُ فيه أَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ مُسَمَّيَاتٌ لم تَكُنْ مَعْهُودَةً من قَبْلُ فَلَا بُدَّ من أَسَامِي تُعْرَفُ بها تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتُ وَعِنْدَ هذا لَا بُدَّ من الْجَوَابِ عن شُبْهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ هذا وُضِعَ ابْتِدَاءً من قِبَلِ الشَّارِعِ وَنَحْنُ نَقُولُ في الْجَوَابِ جَعْلُهُ عُرْفِيًّا على مِثَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الشَّارِعَ يَضَعُ الشَّرْعِيَّاتِ أَبَدًا على وَزْنِ الْعُرْفِيَّاتِ حتى تَكُونَ الطِّبَاعُ أَقْبَلَ عليها الثَّانِي أَنَّ اللَّفْظَ أُطْلِقَ وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ على الْوَجْهِ الذي ذَكَرْنَاهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عليه لِأَنَّ الْأَصْلَ هو التَّقْرِيرُ وَفِيمَا قُلْنَاهُ تَقْرِيرٌ من وَجْهٍ وَعِنْدَ هذا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عن اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْإِيمَانِ عن الصَّلَاةِ وَبِالصَّلَاةِ عن الْإِيمَانِ إنَّمَا كان لِنَوْعِ تَعَلُّقٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ دَلِيلُ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وفي اللُّغَةِ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِأَحَدِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ عن الْآخَرِ وَمِنْ فَوَائِدِ هذا الْخِلَافِ الثَّانِي أَنَّهُ هل يَحْتَاجُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ إلَى عَلَاقَةٍ أَمْ لَا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ وَعَلَى الثَّانِي نعم قال الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الصَّلَاةِ من الْحَاوِي وَاَلَّذِي عليه جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الشَّرْعَ لَاحَظَ فيها الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ قُلْت وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ صَرِيحٌ في أنها مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ قَالَهُ ابن اللَّبَّانِ في تَرْتِيبِ الْأُمِّ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ في وُقُوعِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ هل وَقَعَ النَّقْلُ فيها مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِأُصُولِ الدِّينِ كَالْإِيمَانِ أو فُرُوعِهِ أو إنَّمَا وَقَعَ في فُرُوعِهِ فَقَطْ فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا في التَّسْمِيَةِ فَخَصُّوا اللَّفْظَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفُرُوعِ بِالشَّرْعِيِّ وَبِالْأُصُولِ بِالدِّينِيِّ وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ النَّقْلَ إنَّمَا وَقَعَ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَطْ وهو رَأْيُ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ في شَرْحِ اللُّمَعِ وابن الصَّبَّاغِ فَعُلِمَ من هذا أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الدِّينِيَّةِ وَمِنْهُمْ من عَكَسَ فَحَكَى الْخِلَافَ في الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَطْعَ بِالْمَنْعِ في الدِّينِيَّةِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فإنه قال في الْقَوَاطِعِ وَصُورَةُ الْخِلَافِ في الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِ ذلك وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ من النَّاس من نَفَى النَّقْلَ مُطْلَقًا في الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ كَالْقَاضِي وَمَنْ أَثْبَتَهُ مُطْلَقًا كَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ فَرَّقَ بين الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ فَأَثْبَتَ الشَّرْعِيَّةَ وَنَفَى الدِّينِيَّةَ وهو الْمُخْتَارُ ولم يَقُلْ أَحَدٌ بِعَكْسِهِ فَالْقَاضِي يقول إنَّهَا مُقَرَّةٌ على حَقَائِقِهَا في اللُّغَةِ لم تُنْقَلْ ولم يُزَدْ فيها وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يقول كَذَلِكَ زِيدَ في الِاعْتِدَادِ بِمَدْلُولَاتِهَا أُمُورٌ أُخْرَى وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ يقول إنَّهَا مُقَرَّةٌ على مَجَازَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ نُقِلَتْ عن مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ نَقْلًا بِالْكُلِّيَّةِ إلَى مَعَانٍ أُخْرَى شَرْعِيَّةٍ من غَيْرِ مُرَاعَاةِ النَّقْلِ إلَى الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَقُولَانِ اسْتَعْمَلَهَا الشَّارِعُ مَجَازَاتٍ ثُمَّ اُشْتُهِرَتْ فَصَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً لِغَلَبَتِهَا فِيمَا نُقِلَتْ إلَيْهِ وهو قَرِيبٌ من مَذْهَبِ الرَّازِيَّ وَلِهَذَا نَقَلَ الْهِنْدِيُّ عن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا من الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ ما كان لُغَوِيًّا كما في الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ دُونَ ما ليس كَذَلِكَ بِأَنْ كان مَنْقُولًا عنها بِالْكُلِّيَّةِ وهو مُخَالِفٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَفَى النَّقْلَ جُمْلَةً وَأَمَّا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ لم يَشْتَرِطُوا في النَّقْلِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ مَجَازًا لُغَوِيًّا وقال ابن بَرْهَانٍ عِنْدَنَا أَنَّ هذه الْأَلْفَاظَ مَجَازَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ فإنه أُفِيدَ بها ما لم يُوضَعْ له وَهِيَ حَقَائِقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعِ الشَّرْعِ فإنه لم يَضَعْهَا إلَّا لِتِلْكَ الْمَعَانِي وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا بِاعْتِبَارَيْنِ وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ في الْمَسْأَلَةِ فلم يَخْتَرْ شيئا تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ هذا الْخِلَافُ يَضْمَحِلُّ إذَا حُقِّقَ الْأَمْرُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ هذه الْأَسْمَاءَ يُسْتَفَادُ منها في الشَّرْعِ زِيَادَةٌ على أَصْلِ وَضْعِ اللُّغَةِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا هل ذلك الْمَعْنَى يُصَيِّرُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ مَوْضُوعَةً كَالْوَضْعِ الِابْتِدَائِيِّ من قِبَلِ الشَّرْعِ أو هِيَ مُبْقَاةٌ على الشَّرْعِ أو هِيَ مُبْقَاةٌ على الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعُ إنَّمَا تَصَرَّفَ في شُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وإذا قُلْنَا بِأَنَّ الشَّارِعَ تَصَرَّفَ فيها فذكر الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في كِتَابِ الصِّيَامِ من تَعْلِيقِهِ كَيْفِيَّةَ ذلك فقال الْأَسْمَاءُ التي نَقَلَهَا الشَّارِعُ من اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما زَادَ فيه من كل وَجْهٍ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا في اللُّغَةِ الدُّعَاءُ فَأَبْقَاهَا الشَّارِعُ على مَعْنَى الدُّعَاءِ وزاد الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالثَّانِي ما نَقَصَ من كل وَجْهٍ كَالْحَجِّ فإنه في اللُّغَةِ الْقَصْدُ وفي الشَّرْعِ الْقَصْدُ إلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ الثَّالِثُ ما نَقَصَ فيه من وَجْهٍ وزاد فيه من وَجْهٍ كَالصَّوْمِ فإنه في اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ وفي الشَّرْعِ إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ مع شُرُوطٍ وَالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا التَّنْبِيهُ الثَّانِي إذَا أَثْبَتْنَا النَّقْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّارِعُ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ وَنَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ وَنَعْلَمُ أَنَّهُ عَنَى بِبَيَانٍ مُتَقَدِّمٍ أو مُقَارَنٍ إنْ مَنَعْنَا تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ أو بَيَانٍ مُتَأَخِّرٍ إنْ جَوَّزْنَاهُ الْبَحْثُ الْخَامِسُ في تَبَيُّنِ الْمُرَادِ بِالدِّينِيِّ وَالشَّرْعِيِّ قَسَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ اللَّفْظَ إلَى دِينِيٍّ وَشَرْعِيٍّ فَالْأَسْمَاءُ الدِّينِيَّةُ ثَلَاثَةٌ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْفِسْقُ وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُسْتَعْمَلَةٌ في الشَّرْعِ في غَيْرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ حَقِيقَةً وَمَجَازًا وَغَرَضُهُمْ أَنَّ الشَّرْعَ اسْتَعْمَلَهَا في غَيْرِ ما اسْتَعْمَلَهَا الْوَاضِعُ اللُّغَوِيُّ وَلِهَذَا أَثْبَتُوا الْوَاسِطَةَ بين الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ عِنْدَهُمْ أَسْمَاءٌ لُغَوِيَّةٌ نُقِلَتْ في الشَّرْعِ عن أَصْلِ وَضْعِهَا إلَى أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَزَعَمُوا أَنَّ هذه الْأَحْكَامَ إنَّمَا حَدَثَتْ في الشَّرْعِ نُقِلَتْ إلَيْهَا هذه الْأَسْمَاءُ من اللُّغَةِ وما ذَكَرْنَاهُ من تَفْسِيرِ الدِّينِيَّةِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي في الْقَرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَالْبُرْهَانُ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ وفي الْمَحْصُولِ عن الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تَخْتَصُّ بِأَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالدِّينِيَّةُ بِأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ كَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ كُلَّ ما كان من أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ دَاخِلٌ في الشَّرْعِيِّ فَيَدْخُلُ فيه الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْفِسْقُ في الشَّرْعِيَّةِ وَيَخْرُجُ عن الدِّينِيَّةِ وَأَنَّ أَسْمَاءَ الْفَاعِلِينَ كُلَّهَا دِينِيَّةٌ فَيَدْخُلُ فيه الْمُصَلِّي وَالْمُزَكِّي وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا تَابِعَانِ لِلصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُمَا شَرْعِيَّانِ وَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ أَصْلٌ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَهُمَا من الدِّينِيَّةِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا عَمَلِيَّةٌ وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ أو اعْتِقَادِيَّةٌ وَهِيَ الدِّينِيَّةُ الْبَحْثُ السَّادِسُ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ ما في كَلَامِ الشَّارِعِ وما في كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَشَرِّعَةِ فَلَيْسَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً بَلْ عُرْفِيَّةً وَلَيْسَتْ من مَحَلِّ النِّزَاعِ في شَيْءٍ ولم أَرَ من نَبَّهَ على الْفَصْلِ بين الْمَقَامَيْنِ غير الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْبَحْثُ السَّابِعُ أَنَّ منهم من تَرْجَمَ هذه الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هل هِيَ وَاقِعَةٌ أَمْ لَا كما في الْمَحْصُولِ وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ كما عَبَّرَ بِهِ ابن الْحَاجِبِ في الْمُنْتَهَى وَالْبَيْضَاوِيُّ في مِنْهَاجِهِ وهو الصَّوَابُ لِيَشْمَلَ كُلًّا من الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَجَازَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فإن الْبَحْثَ جَارٍ فِيهِمَا وِفَاقًا وَخِلَافًا الْبَحْثُ الثَّامِنُ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ هذه أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ نَشَأَتْ في الِاعْتِزَالِ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِمَنْزِلَةٍ بين الْمَنْزِلَتَيْنِ أَيْ جَعَلُوا الْفِسْقَ مَنْزِلَةً مُتَوَسِّطَةً بين الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ وَالْفَاسِقُ مُوَحِّدٌ وَمُصَدِّقٌ فَقَالُوا هذه حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ في اللُّغَةِ وَنُقِلَ في الشَّرْعِ إلَى من يَرْتَكِبُ شيئا من الْمَعَاصِي فَمَنْ ارْتَكَبَ شيئا منها خَرَجَ عن الْإِيمَانِ ولم يَبْلُغْ الْكُفْرَ ثُمَّ أَجَازَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّ الْإِيمَانَ يَبْقَى على مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ وَأَنَّ الْأَلْفَاظَ التي ذَكَرْنَاهَا من الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذلك مَنْقُولَةٌ قال وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ النَّقْلِ أَنْ يَكُونَ في جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ وَإِنَّمَا يَكُونُ على حَسَبِ ما يَقُومُ عليه الدَّلِيلُ وَنَقَلَ الْإِمَامُ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عن أبي عُبَيْدٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ على أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَ الْإِيمَانَ عن مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى الشَّرْعِيِّ بِأَنَّهُ نَقَلَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ وَنَحْوَهُمَا إلَى مَعَانٍ أُخْرَى قال فما بَالُ الْإِيمَانِ وَهَذَا يَدُلُّ على تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْإِيمَانِ وهو الذي وَقَعَ فيه النِّزَاعُ في ظُهُورِ الِاعْتِزَالِ وقال ابن بَرْهَانٍ حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِنَقْلِ الْأَسَامِي لَا يُفْضِي إلَى تَفْسِيقِ الصَّحَابَةِ وَلَا إلَى خُرُوجِ الْفَاسِقِ إلَى الْإِيمَانِ وَعِنْدَهُمْ يُفْضِي إلَى ذلك الْبَحْثُ التَّاسِعُ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا وهو أَصْلُهُ أَنَّهُ هل بين الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَاسِطَةٌ وهو الْفِسْقُ أَمْ لَا فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُثْبِتُونَهُ وَأَثْبَتَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ قَائِلِينَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ ليس بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ أَمَّا أَنَّهُ ليس بِكَافِرٍ فَبِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا أَنَّهُ ليس بِمُؤْمِنٍ فَلِأَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلُ الْوَاجِبِ الذي منه كَفُّ النَّفْسِ عن الشَّهَوَاتِ وقد أَخَلَّ بِهِ فَرَأَوْا أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّسْمِيَةِ وَقَعَ من الشَّرْعِ وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَعْنًى لم تُرِدْهُ الْعَرَبُ وَحَمَلُوا على ذلك ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ النَّافِيَةِ لِلْإِيمَانِ عن مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ نحو لَا يَزْنِي الزَّانِي وهو مُؤْمِنٌ وَأَنَّهُ لم يُرِدْ نَفْيَ التَّصْدِيقِ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَيُؤَوِّلُونَهُ على الْمُسْتَحِيلِ وَغَيْرِهِ وَمَنَعُوا كَوْنَ الشَّرْعِ غير اللُّغَةِ بَلْ التَّصْدِيقُ بَاقٍ فيه وَقَالُوا صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ مُطِيعٌ بِإِيمَانِهِ وَكَذَا الْقَوْلُ في الْأَسْمَاءِ الْفَرْعِيَّةِ كَمَنْ صلى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ فَمَنْ رَأَى أنها بَاطِلَةٌ قال إنَّهُ ما أتى بِمَا يُسَمَّى صَلَاةً في اللُّغَةِ وقد قال تَعَالَى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ صَحَّحَهَا قال دُعَاءُ الشَّرْعِ غَيْرُ دُعَاءِ اللُّغَةِ وَكَذَا الْبَاقِي وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ على الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ من أَجْزَائِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ مُرَكَّبَةٌ من قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ فَيَنْبَغِي إذَا انْتَفَى الْعَمَلُ أَنْ يَنْتَفِيَ الْإِيمَانُ قال وهو سُؤَالٌ صَعْبٌ وَلِأَجْلِهِ طَرَدَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَذْهَبَهُمْ فَسَلَبُوا الْإِيمَانَ عنه وقد ذَكَرَ هذه الشُّبْهَةَ الْإِمَامُ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَأَجَابَ عنها بِأَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا مَتَى نَقَصَ عنه مِثْقَالَ ذَرَّةٍ زَالَ عنه اسْمُ الْإِيمَانِ وَقَوْلُهُ يَنْقُصُ لم يَزُلْ الِاسْمُ وَلَكِنْ يَزْدَادُ بَعْدُ إيمَانًا إلَى إيمَانِهِ فَإِنْ نَقَصَتْ الزِّيَادَةُ التي بَعْدَ الْأَصْلِ لم يَنْقُصْ الْأَصْلُ الذي هو التَّصْدِيقُ وَذَلِكَ كَنَخْلَةٍ تَامَّةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَوَرَقٍ فَكُلَّمَا قُطِعَ منها غُصْنٌ لم يَزُلْ عنها اسْمُ الشَّجَرَةِ وَكَانَتْ دُونَ ما كانت عليه من الْكَمَالِ من غَيْرِ أَنْ يَزُولَ اسْمُهَا وَهِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا من اسْتِكْمَالِهَا التَّامَّةَ الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ هذه الْأَسْمَاءَ إذَا وُجِدَتْ في كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عن الْقَرِينَةِ مُحْتَمِلَةً الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ فَمَنْ أَثْبَتَ النَّقْلَ قال إنَّهَا مَحْمُولَةٌ على عُرْفِ الشَّارِعِ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ يُحْمَلُ لَفْظُهُ على عُرْفِهِ وَقِيَاسُهُ قَوْلُ الْقَاضِي حَمْلُهَا على الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عن الْقَاضِي أنها مُجْمَلَةٌ وهو مُشْكِلٌ على أَصْلِهِ هُنَا قال الْإِبْيَارِيُّ قَوْلُ الْقَاضِي إنَّهُ مُجْمَلٌ يُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ في حُجَّةِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ له قَوْلٌ آخَرُ بِإِثْبَاتِهَا وَإِلَّا فَالْإِجْمَالُ مع اتِّحَادِ جِهَةِ الدَّلَالَةِ مُحَالٌ أو يَكُونَ ذلك منه تَفْرِيعًا على قَوْلِ من يُثْبِتُهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ فإنه من أَيْنَ له الْحُكْمُ عليهم فَإِنَّهُمْ يُسَوُّونَ بين النِّسْبَةِ إلَى الْمُسَمَّيَيْنِ قُلْت وَبِهَذَا الْأَخِيرِ صَرَّحَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فقال فَإِنْ قِيلَ ما تَقُولُونَ لو ثَبَتَ أَسْمَاءٌ شَرْعِيَّةٌ هل تُحْمَلُ على مُوجِبِ اللُّغَةِ أو الشَّرْعِ قُلْنَا يَجِبُ الْوَقْفُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بها ما هو لها في اللُّغَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ ما هو في الشَّرْعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْأَمْرَيْنِ فَيَجِبُ لِتَجْوِيزِ ذلك الْوَقْفِ حتى يَدُلَّ دَلِيلٌ على الْمُرَادِ وقال السُّهْرَوَرْدِيّ تَرَدَّدَ الْقَاضِي بين نَفْيِ الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ ليس لِاعْتِرَافِهِ بِاللُّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ لِأَنَّهُ يَرَى الْإِضْمَارَ وَلَا تَعَيُّنَ لِأَحَدِ الْإِضْمَارَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ ما في كَلَامِ الشَّارِعِ وما في كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ في الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ فَيُحْمَلُ على الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ لَا حَاجَةَ لهم فيها إلَى الْقَرِينَةِ كما هو حُكْمُ الْحَقَائِقِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في أَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا هل لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ إلَّا بِالشَّرْعِ أو هو ظَاهِرٌ قبل وُرُودِ الْبَيَانِ على وَجْهَيْنِ وَبَنَوْا عَلَيْهِمَا أَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ هل جاء بِهِ الشَّرْعُ كما جاء بِبَيَانِ الْحُكْمِ أو كان مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعُ اخْتَصَّ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ فَمَنْ قال بِالْأَوَّلِ قال إنَّ الشَّرْعَ أَحْدَثَ الِاسْمَ كَالْحُكْمِ وَمَنْ قال بِالثَّانِي قال إنَّ الِاسْمَ مَأْخُوذٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْبَيَانُ من الشَّرْعِ وقال أَيْضًا اخْتَلَفُوا في اسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ هل جاء بِبَيَانِ الشَّرْعِ كما جاء بِبَيَانِ الْحُكْمِ كان مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعُ اخْتَصَّ بِبَيَانِ الْحُكْمِ على ثَلَاثِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ أَحْدَثُ الْأَسْمَاءِ شَرْعًا كَالْأَحْكَامِ وَهَذَا قَوْلُ من زَعَمَ أَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ مُجْمَلٌ فَجَعَلَهُ مُسْتَحْدَثًا بِالشَّرْعِ لِأَنَّ الْعَرَبَ لم تَكُنْ تَعْرِفُهُ على هذه الصِّفَةِ وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ مُخْتَصٌّ بِوُرُودِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا الْأَسْمَاءُ مَأْخُوذَةٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ لو وَرَدَتْ شَرْعًا لَصَارُوا مُخَاطَبِينَ بِمَا ليس من لُغَتِهِمْ وَهَذَا قَوْلُ من قال إنَّهَا لَيْسَتْ بِمُجْمَلَةٍ وَالثَّالِثُ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَافَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ أنها أَسْمَاءٌ قد كان لها في اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ فَكَانَ حَقِيقَتُهَا ما نَقَلَهَا الشَّرْعُ عنه وَمَجَازُهَا ما قَرَّرَهَا الشَّرْعُ عليه لِوُجُودِ مَعْنًى من مَعَانِي الْحَقِيقَةِ فَعَلَى هذا سُمِّيَتْ صَلَاةً لِمَا تَضَمَّنَتْ من الدُّعَاءِ هو مُسَمًّى في اللُّغَةِ صَلَاةً مَسْأَلَةٌ كما زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ في غَيْرِ مَعْنَاهُ في اللُّغَةِ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ وَرَدَ فيه كَلِمَاتٌ لَيْسَتْ بِصِيَغٍ عَرَبِيَّةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبِ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا ما أَصْلُهُ عَجَمِيٌّ ثُمَّ عُرِّبَ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ على نَحْوِ اسْتِعْمَالِهَا لِكَلَامِهَا فَقِيلَ مُعَرَّبٌ مُتَوَسِّطًا بين الْعَجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ وهو عَكْسُ الْمَجَازِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ الْمَعْنَى بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ له في تِلْكَ اللُّغَةِ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ وَاقِعٌ في اللُّغَةِ وفي وُقُوعِهِ في الْقُرْآنِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ على إثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَنْ أَثْبَتَهَا وَجَعَلَهَا مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةٍ لَا يَلْزَمُ من قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ في الْقُرْآنِ غَيْرُ عَرَبِيٍّ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ ليس هذا الْخِلَافُ مع من يقول في الشَّرِيعَةِ أَسْمَاءٌ مَنْقُولَةٌ من اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ بَلْ ذَاكَ فَنٌّ آخَرُ وقد أَثْبَتَهُ جَمَاعَةٌ منهم ابن عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ منهم الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وأبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن الْقُشَيْرِيِّ قال وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ قال ابن فَارِسٍ في فِقْهِ اللُّغَةِ وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وقال ابن بَرْهَانٍ وَعُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ قُلْت نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ في الْبَابِ الْخَامِسِ فقال وقد تَكَلَّمَ في الْعِلْمِ من لو أَمْسَكَ عن بَعْضِ ما تَكَلَّمَ فيه لَكَانَ الْإِمْسَاكُ أَوْلَى له فقال منهم قَائِلٌ إنَّ في الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا وَأَعْجَمِيًّا وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ على أَنَّهُ ليس في كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ إلَّا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَوَجَدْنَا قَائِلَ هذا الْقَوْلِ من قَبْلِ ذلك منه تَقْلِيدًا وَتَرْكًا لِلْمَسْأَلَةِ له عن حُجَّةٍ وَمَسْأَلَةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَبِالتَّقْلِيدِ أَغْفَلَ من أَغْفَلَ منهم وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لنا وَلَهُمْ ا هـ وقد نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في تَعْلِيقِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ ثُمَّ قال الذي عليه الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَلَيْسَ فيه شَيْءٌ غَيْرُ الْعَرَبِيِّ وهو قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَسْرِهِمْ ثُمَّ نَصَرَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُثْبِتِينَ له كِبَارٌ فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ كَلَامِهِمْ فقال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ لَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنَّ فيه ما يَجْهَلُ مَعْنَاهُ بَعْضُ الْعَرَبِ وَلِهَذَا قال عُمَرُ لَمَّا سمع فَاكِهَةً وَأَبًّا لَا أَدْرَى ما الْأَبُّ وقال ابن عَبَّاسٍ ما كُنْت أَدْرِي مَعْنَى افْتَحْ بَيْنَنَا حتى سَمِعْت أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ تَعَالَ أُفَاتِحْك إلَى الْقَاضِي وَلَا يَلْزَمُ من كَوْنِهِ غير مَعْلُومٍ لِوَاحِدٍ أو اثْنَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَبِيًّا وقال غَيْرُهُ أَرَادَ أَعْجَمِيًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَ اسْتِعْمَالِهَا في كَلَامِ الْعَجَمِ فَحَوَّلَتْهَا الْعَرَبُ إلَى لُغَتِهِمْ وَإِلَى هذا ذَهَبَ أبو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بن سَلَامٍ في غَرِيبِهِ فَنَقَلَ عن أبي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بن الْمُثَنَّى أَنَّهُ قال من زَعَمَ أَنَّ في الْقُرْآنِ لِسَانًا سِوَى الْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ أَعْظَمَ على اللَّهِ الْقَوْلَ وَنُقِلَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فيه من غَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ مِثْلَ سِجِّيلٍ وَمِشْكَاةٍ وَالْيَمِّ والطور ( ( ( و ) ) ) وأباريق ( ( ( الطور ) ) ) وإستبرق ( ( ( و ) ) ) وَغَيْرِ ذلك ثُمَّ قال وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ من أبي عُبَيْدَةَ وَلَكِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى مَذْهَبٍ وَذَهَبَ هو إلَى غَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا مُصِيبٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّ هذه الْحُرُوفَ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ في الْأَصْلِ فقال أُولَئِكَ على الْأَصْلِ ثُمَّ لَفَظَتْ بِهِ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا فَعَرَّبَتْهَا فَصَارَ عَرَبِيًّا بِتَعْرِيبِهَا إيَّاهُ فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ في هذه الْحَالِ أَعْجَمِيَّةُ الْأَصْلِ فَهَذَا الْقَوْلُ يُصَدِّقُ الْقَوْلَيْنِ جميعا ا هـ وقال ابن خَرُوفٍ النَّحْوِيُّ جَمِيعُهَا من كَلَامِ الْعَرَبِ ولم يَخْتَلِفْ أَحَدٌ من أَرْبَابِ اللِّسَانِ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَأَجْمَعُوا على أنها أَعْجَمِيَّاتٌ تَلَقَّتْهَا الْعَرَبُ وَعَمِلَتْ بها وَأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مَلْآنُ من ذلك مِثْلَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجِبْرِيلَ وَيُوسُفَ وَيُونُسَ وَغَيْرِ ذلك وقد نَصَّ عليه سِيبَوَيْهِ في مَوَاضِعَ من كِتَابِهِ فِيمَا لَا يَنْصَرِفُ وفي النَّسَبِ وَالْأَمْثِلَةِ وأبو عُبَيْدَةَ وَإِنْ أَنْكَرَ ذلك في الْقُرْآنِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ فإنه مُجْمِعٌ مَعَهُمْ على أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ مَلْآنُ من ذلك وَالْأَعْلَامُ أَعْجَمِيَّةٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ في الْكَلَامِ أَعْجَمِيَّةٌ وفي الْقُرْآنِ عَرَبِيَّةٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ ما في الْقُرْآنِ من الْأَلْفَاظِ الْأَعْجَمِيَّةِ مُعَرَّبَةٌ فَصِيحَةٌ ولم يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ في الْقُرْآنِ كَلِمَةً وَاحِدَةً أَعْجَمِيَّةً لَا تُعْرِبُهَا الْعَرَبُ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْأَعْلَامِ ذَكَرَهُ ابن الْحَاجِبِ وَشَيْخُهُ الْإِبْيَارِيُّ وَيَرُدُّ عليهم بِأَنَّهُ ليس في مَحَلِّ الْخِلَافِ فإن الْخِلَافَ في غَيْرِ الْأَعْلَامِ كَاللِّجَامِ وَالْفِرِنْدِ أَمَّا فيها فَلَا وَلِهَذَا اتَّفَقُوا على مَنْعِ صَرْفِ نَحْوِ إبْرَاهِيمَ لِلْعَجَمِيَّةِ وَالْعَلَمِيَّةِ تَنْبِيهٌ قد سَبَقَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ في اللُّغَةِ وَأَطْلَقُوا هذا إطْلَاقًا وَذَكَرَ حَازِمٌ في مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ تَقْسِيمًا حَسَنًا فقال إنْ كان اللَّفْظُ غير مَوْجُودٍ في كَلَامِ الْعَرَبِ فَلَا يَخْلُو من أَنْ يَكُونَ اسْمًا أو فِعْلًا أو حَرْفًا فَإِنْ كان فِعْلًا أو حَرْفًا فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهُ أَلْبَتَّةَ فِيمَا أُجْرِيَ من الْكَلَامِ على قَوَانِينِ الْعَرَبِ وَمَجَارِي كَلَامِهَا وَإِنْ كان اسْمًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِمُسَمَّاهُ اسْمٌ في كَلَامِ الْعَرَبِ أو لَا فَإِنْ كان فَلَا يَخْلُوَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْمَانِ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ عَلَمَيْنِ على الْمُسَمَّى أو نَكِرَتَيْنِ فَإِنْ كَانَا عَلَمَيْنِ جَازَ تَعْرِيبُ الْعَجَمِيِّ وَإِنْ كَانَا نَكِرَتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ إذْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عَرَبِيٍّ أَنْ يُعَرِّبَ غير الْأَعْلَامِ وَأَعْنِي بِالتَّعْرِيبِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا أَجْرَى من الْكَلَامِ على قَوَانِينِ كَلَامِ الْعَرَبِ بِأَنْ يُلْحِقَهُ لَوَاحِقَ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ لِلْمُسَمَّى اسْمٌ في كَلَامِ الْعَرَبِ فَجَائِزٌ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الِاسْمَ الذي ليس بِعَرَبِيٍّ في الدَّلَالَةِ على ذلك الشَّيْءِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ سَوَاءٌ كان ذلك الِاسْمُ من وَضْعِ من لَا يَتَكَلَّمُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ على وَجْهِهِ أو كان وَاقِفًا في بَعْضِ أَلْسُنِ الْعَجَمِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذلك الِاسْمُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ زَمَانِ من يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ وَسَوَاءٌ كان ذلك مَعْرِفَةً أو نَكِرَةً وقد تَقَدَّمَ أَنَّ غير الْعَلَمِ الذي ليس بِعَرَبِيٍّ لَا يَجُوزُ تَعْرِيبُهُ مع وُجْدَانِ الْبَدَلِ منه في كَلَامِ الْعَرَبِ وَإِنْ كانت الْعَرَبُ قد عَرَّبَتْ أَسْمَاءً أَعْجَمِيَّةً نَكِرَاتٍ فَذَلِكَ شَيْءٌ مَقْصُورٌ عليها وَلَعَلَّهُمْ أَيْضًا إنَّمَا عَرَّبُوهَا وَلَيْسَ في كَلَامِهِمْ ما يَقُومُ مَقَامَهَا فَيَكُونُ وَجْهُ تَعْرِيبِهِمْ إيَّاهَا الْوَجْهَ الذي اسْتَنْسَبُوا معه لِلْمُحْدَثِ أَنْ يُعَرِّبَ النَّكِرَةَ حَيْثُ لَا يَجِدَ بَدَلًا منها فَأَمَّا الْعَلَمُ فَسَائِغٌ لِلْمُحْدَثِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا يُعَرِّبُ من كَلَامِهِ وَجَدَ بَدَلًا منه أَمْ لَا فَائِدَةٌ قال الثَّعَالِبِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ فَصْلٌ في ذِكْرِ أَسْمَاءٍ قَائِمَةٍ في لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ على لَفْظٍ وَاحِدٍ التَّنُّورُ الْخَمِيرُ الرُّمَّانُ اللَّبَنُ الدِّينَارُ الدِّرْهَمُ فَصْلٌ في أَسْمَاءٍ تَفَرَّدَتْ بها الْفُرْسُ دُونَ الْعَرَبِ وَاضْطُرَّتْ الْعَرَبُ إلَى تَعْرِيبِهَا أو تَرْكِهَا كما هِيَ فَمِنْهَا من الْأَوَانِي الْكُوزُ الْجَرَّةُ الْإِبْرِيقُ الطَّشْتُ الْخُوَانُ الطَّبَقُ الْقَصْعَةُ السُّكْرُجَةُ وَمِنْ الْمَلَابِسِ السُّمُورُ السِّنْجَابُ الْخَزُّ الدِّيبَاجُ السُّنْدُسُ النَّاصِحُ الرَّاجِحُ وَمِنْ الْجَوَاهِرِ الْيَاقُوتُ الْفَيْرُوزَجُ الْبَلُّورُ وَمِنْ الْمَأْكُولَاتِ السَّمِيدُ الجردق الدرمك الْكَعْكُ السِّكْبَاجُ الزيرياج الطباهج الْجَرْدَانُ الزماورد الفالوذج اللَّوْزِينَجُ الْجُوزَيَنْجُ السكنجبين الْخَلَنْجَيِينُ وَمِنْ الْأَقَاوِيَّةِ وَالرَّيَاحِينِ الْقِرْفَةُ الدَّارَصِينُ الْفُلْفُلُ الكراويا الزَّنْجَبِيلُ الخولنجان السَّوْسَنُ الْمَرْكُوشُ الْيَاسَمِينُ الْجُلَّنَارُ الْكَافُورُ والصندل الْقُرُنْفُلُ مَسْأَلَةٌ الْمُعَرَّبُ وَاقِعٌ في السُّنَّةِ أَيْضًا وَمِنْهُمْ من نَصَبَ الْخِلَافَ فيه كَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرِهِ وقد بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بَابَ من تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ وَأَسْنَدَ فيه عن أُمِّ خَالِدٍ أَتَيْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مع أبي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سنه سنه قال ابن الْمُبَارَكِ هِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ وفي الصَّحِيحِ أَيْضًا وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ وما الْهَرْجُ قال الْقَتْلُ قال أبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ هِيَ لُغَةُ الْحَبَشَةِ فُرُوعٌ على جَوَازِ النَّقْلِ الْأَوَّلُ النَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بين احْتِمَالِ النَّقْلِ وَبَقَائِهِ على الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كان حَمْلُهُ على الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فيه وَالْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مُتَّفَقٌ عليها فَيَكُونُ الْأَخْذُ بها أَوْلَى الثَّانِي قد سَبَقَ انْقِسَامُ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَالْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُشَكَّكَةِ فَهَلْ هذه الْأَقْسَامُ في الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا فَنَقُولُ أَمَّا الْمُتَبَايِنَةُ فَلَا شَكَّ فيها كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَكَذَلِكَ الْمُتَوَاطِئَةُ كَالصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَصَلَاةِ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ وَالصَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْضِ وَالنَّقْلِ وَزَعَمَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ إطْلَاقَ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمُومِئِ بِالظَّهْرِ وَنَحْوِهِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لِأَنَّهُ ليس بَيْنَهُمَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وهو ضَعِيفٌ فإن كَوْنَ الْفِعْلِ وَاقِعًا بِالتَّحَرُّمِ وَالتَّحَلُّلِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بين تِلْكَ الصَّلَوَاتِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا وَالْأَقْرَبُ أنها مُتَوَاطِئَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ إذْ التَّوَاطُؤُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ نَحْوَهُ وَأَمَّا الْمُشْتَرَكَةُ فَالْأَشْبَهُ وُقُوعُهَا أَيْضًا فإن إطْلَاقَ الطَّهُورِ على الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَعَلَى ما يُدْفَعُ بِهِ ليس اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا إذْ ليس بَيْنَهُمَا مَعْنًى مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ كَذَا قال الْهِنْدِيُّ وهو مُعْتَرَضٌ بِمِثْلِ ما اُعْتُرِضَ بِهِ على الْإِمَامِ في الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمُشَكَّكَةُ فَالْأَظْهَرُ أنها وَاقِعَةٌ أَيْضًا وَهِيَ كَالْفَاسِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى من فَعَلَ الْكَبِيرَةَ الْوَاحِدَةَ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى فِعْلِ الْكَبَائِرِ الْمُتَعَدِّدَةِ فإن تَنَاوُلَهُ لِلثَّانِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَمَّا الْمُتَرَادِفُ فَالْأَظْهَرُ وُقُوعُهُ أَيْضًا خِلَافًا لِلرَّازِيِّ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَنَا وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ هذا كُلُّهُ نَقْلٌ في الْأَسْمَاءِ وَهِيَ أَيْضًا على قِسْمَيْنِ أَحَدِهِمَا ما وَضَعَهُ بِإِزَاءِ الْمَاهِيَّاتِ الْجَعْلِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَأَمْثَالِهَا وَالثَّانِي الْأَسْمَاءُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْأَفْعَالِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَأَسْمَاءُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَاسْمُ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ يُسْتَعْمَلُ في الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَيَقْرُبُ منه أَنْتِ حَرَامٌ وَأَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ في الطَّلَاقِ في قَوْلِهِ أَنْتِ الطَّلَاقُ وَهَلْ هو صَرِيحٌ أو كِنَايَةٌ فيه خِلَافٌ وَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ مِثْلِهِ في الْعِتْقِ وفي الضَّمَانِ ذَكَرُوا في صِيغَةِ أنا ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ وَقَبِيلٌ وفي قَبِيلٍ وَجْهٌ قال الرَّافِعِيُّ يَطَّرِدُ في الْحَمِيلِ وَأَمَّا الْحُرُوفُ فلم يُنْقَلْ منها شَيْءٌ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ كَالْأَفْعَالِ في ذلك فإن نَقْلَ مُتَعَلِّقِ مَعَانِي الْحُرُوفِ من الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَقْلِهَا أَيْضًا وفي نعم بَحْثٌ مَبْنِيٌّ على قَاعِدَةِ أَنَّ السُّؤَالَ هل هو كَالْمُعَادِ في الْجَوَابِ وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فلم يُوجَدْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَيُوجَدُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِمَصَادِرِهَا فَإِنْ كان الْمَصْدَرُ شَرْعِيًّا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كان الْفِعْلُ الدَّالُّ عليه شَرْعًا كَصَلَّى وَزَكَّى وَإِنْ كان لُغَوِيًّا كان الْفِعْلُ أَيْضًا لُغَوِيًّا كَأَكْثَرِ الْأَفْعَالِ أَقْسَامُ الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَاضٍ وَأَمْرٍ وَمُضَارِعٍ فَأَمَّا الْمُضَارِعُ فلم يُسْتَعْمَلْ في الشَّرْعِ في شَيْءٍ أَصْلًا إلَّا في لَفْظَةِ أَشْهَدُ في الشَّهَادَةِ فَإِنَّهَا تَعَيَّنَتْ ولم يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا وَكَذَلِكَ في اللِّعَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ يَمِينٌ أو شَهَادَةٌ أو فيه شَائِبَةٌ من أَحَدِهِمَا وَيَجُوزُ في الْيَمِينِ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ وَأَشْهَدُ وَلَا يَتَعَيَّنُ وَأَمَّا الْمَاضِي فَيُعْمَلُ بِهِ في الْإِنْشَاءَاتِ كَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ وَأَمَّا فِعْلُ الْأَمْرِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ في الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ فَكَذَا يُعْمَلُ بِهِ في كل مَوْضِعٍ يُعْمَلُ بِالْمَاضِي على الصَّحِيحِ الثَّالِثُ صِيَغُ الْعُقُودِ كَبِعْتُ وَطَلَّقْت لَا شَكَّ في كَوْنِهَا وُضِعَتْ في اللُّغَةِ لِلْإِخْبَارِ عن أَمْرٍ مَاضٍ وَأَمَّا في الشَّرْعِ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ كما إذَا صَدَرَ عن إنْسَانٍ بَيْعٌ أو طَلَاقٌ أو غَيْرُهُمَا ثُمَّ قال بِعْتُ أو طَلَّقْتُ وَمُرَادُهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا نَصَّ وقد يُسْتَعْمَلُ لِاسْتِحْدَاثِ أَحْكَامٍ لم تَكُنْ قَبْلُ فَهَلْ هِيَ إخْبَارَاتٌ وَالْحَالَةُ هذه بَاقِيَةٌ على الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ أو إنْشَاءَاتٌ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهَا إلَى الْإِنْشَاءَاتِ الْمَخْصُوصَةِ فيه قَوْلَانِ وَالْأَكْثَرُونَ منهم الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ على الثَّانِي وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ في الْغَايَةِ وقال الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أنها إنْشَاءَاتٌ قُلْت وما قَالَهُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ إنَّهُ الْحَقُّ حِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ بين الْفَرِيقَيْنِ وَلِهَذَا أَجْمَعُوا على ثُبُوتِ أَحْكَامِهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بها وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هل يَثْبُتُ مع آخِرِ حَرْفٍ من حُرُوفِهَا أو عَقِبَهُ وَنَسَبَ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا إخْبَارَاتٌ لِاخْتِبَارِ أَئِمَّةِ النَّظَرِ من الْخِلَافِيِّينَ قالوا وهو تَفْرِيعٌ على الْقَوْلِ بِالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ إمَّا مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أو إلَى مَجَازَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ وَلَا يَتَأَتَّى على رَأْيِ الْقَاضِي وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ بِالْإِخْبَارِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِك بِعْت الْإِخْبَارُ عَمَّا في قَلْبِك فإن أَصْلَ الْبَيْعِ هو التَّرَاضِي وَوُضِعَتْ لَفْظَةُ بِعْت لِلدَّلَالَةِ على الرِّضَى فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ بها عَمَّا في ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا قُبَيْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ وَغَايَةُ ذلك أَنْ يَكُونَ مَجَازًا وهو أَوْلَى من النَّقْلِ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ قالوا ليس مَعْنَاهُ أنها نُقِلَتْ عن مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ وَوُضِعَتْ لِإِيقَاعِ هذه الْأُمُورِ بَلْ مَعْنَاهُ أنها صِيَغٌ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ مَدْلُولَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ على ثُبُوتِ هذه الْأُمُورِ من جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَاعْتَبَرَ الشَّرْعُ إيقَاعَهَا من جِهَتِهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِهَذِهِ الْأُمُورِ من حَيْثُ إنَّهَا لم تَكُنْ تَابِعَةً وَلِهَذَا كان جَعْلُهُ إنْشَاءً لِلضَّرُورَةِ حتى لو أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا لم يُجْعَلْ إنْشَاءً بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا قال قَصَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ تَنْبِيهٌ كَذَا فَرَضُوا الْخِلَافَ في الْعُقُودِ وَيُلْتَحَقُ بِهِ الْحُلُولُ كَفَسَخْتُ وَطَلَّقْت فَالطَّلَاقُ إنْشَاءٌ لَا يَقُومُ الْإِقْرَارُ مَقَامَهُ وَلَكِنْ يُؤَاخَذُ ظَاهِرًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ على صِيغَتِهِ حتى يَنْفُذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِيرُ إنْشَاءً حتى يَنْفُذَ بَاطِنًا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو مُتَلَبِّسٌ فإن الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ يَتَنَافَيَانِ فَذَلِكَ إخْبَارٌ عن مَاضٍ وَهَذَا إحْدَاثٌ في الْمُسْتَقْبَلِ وَذَلِكَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَهَذَا بِخِلَافِهِ الْمَجَازُ الْمَجَازُ مُشْتَقٌّ من الْجَوَازِ وَالْجَوَازُ في الْأَمَاكِنِ حَقِيقَةٌ وهو الْعُبُورُ يُقَالُ جُزْت الدَّارَ أَيْ عَبَرْتهَا وَيُسْتَعْمَلُ في الْمَعَانِي وَمِنْهُ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ قال الْإِمَامُ وهو حَقِيقَةٌ في الْمَصْدَرِ وَنُقِلَ منه إلَى الْفَاعِلِ وهو الْجَائِزُ لِمَا بَيْنَهُمَا من الْعَلَاقَةِ ثُمَّ نُقِلَ منه إلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عليه وهو اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى غَيْرِ مَوْضُوعٍ له أَوَّلًا يُنَاسِبُ الْمُصْطَلَحَ وَهَذَا التَّعْرِيفُ إنْ قُلْنَا الْمَجَازُ ليس بِمَوْضُوعٍ فَإِنْ قُلْنَا مَوْضُوعٌ فَلْنَقُلْ بِوَضْعٍ ثَانٍ وَخَرَجَ الْحَقِيقَةُ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ وَأَشَارَ بِالْقَيْدِ الْآخَرِ إلَى شُمُولِ الْحَدِّ كُلَّ مَجَازٍ من شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ عَامٍّ وَخَاصٍّ وَلُغَوِيٍّ وَأَنَّ الْعَلَاقَةَ شَرْطٌ وَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ في أَنَّ انْتِقَالَهُ بهذا الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ وَكَلَامُ ابْنِ سِيدَهْ السَّابِقُ يَقْتَضِي أَنَّ له اسْتِعْمَالًا في اللُّغَةِ وقال أبو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ في الْبَصَائِرِ الْمَجَازُ طَرِيقُ الْمَعْنَى بِالْقَوْلِ تَقُولُ جَازَ يَجُوزُ جَوَازًا وَمَجَازًا وَإِنْ جَعَلْته مَصْدَرًا من ذلك كان الْجَوَازُ كَالسُّلُوكِ فَكَأَنَّهُ سُلُوكُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ وقال الْقَاضِي يُسَمَّى مَجَازًا لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُجَاوِزُونَ بِهِ عن أَصْلِ الْوَضْعِ تَوَسُّعًا منهم كَتَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا فصل اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا فَقِيلَ مَوْضُوعٌ كَالْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ بِوَضْعٍ أَصْلِيٍّ وَالْمَجَازُ بِوَضْعٍ طَارٍ وَقِيلَ ليس بِمَوْضُوعٍ بَلْ الْمَوْضُوعُ طَرِيقُهُ دُونَ لَفْظِهِ لِأَنَّ في وَضْعِهِمْ الْحَقِيقَةَ غُنْيَةً عن وَضْعِ الْمَجَازِ وَلَكِنْ وَضَعُوا الْمَجَازَ تَوْسِعَةً لِلنَّاسِ في الْكَلَامِ وَقِيلَ لم يَضَعُوا لَفْظَهُ وَلَا طَرِيقَهُ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ له وَمَتَى كانت الْعِلَّةُ مَوْضُوعَةً كان الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عليه كَالْعِلَّةِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا كانت مَنْصُوصَةً كان الْحُكْمُ الثَّابِتُ فيها مَنْصُوصًا فَيَفْسُدُ بَابُ الْمَجَازِ وهو خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ لَكِنَّ الْمَجَازَ عُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ في أَشْعَارِهِمْ وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ تَنْبِيهٌ الْوَضْعُ في الْمَجَازِ خِلَافُ الْوَضْعِ في الْحَقِيقَةِ فإنه في الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الذي جُعِلَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً له وَأَمَّا الْوَضْعُ في الْمَجَازِ على الْخِلَافِ فيه فَالْمُرَادُ بِهِ كما قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ أَنْ يَكُونَ نَوْعُ ذلك الْمَجَازِ مَنْقُولًا عن الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُهُ فيه كَاسْتِعْمَالِهِمْ الْكُلَّ في الْجُزْءِ وَعَكْسِهِ هَكَذَا جَعَلَ هذا الْخِلَافَ هو الْخِلَافُ الْآتِي في أَنَّهُ هل يُشْتَرَطُ النَّقْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ كما سَبَقَ وَقِيلَ الْخِلَافُ فيه يَلْتَفِتُ على تَفْسِيرِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ التَّعْيِينُ مُطْلَقًا أو التَّعْيِينُ الذي بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وقال بَعْضُهُمْ هو مَوْضُوعٌ لَا بِمَعْنَى تَوَقُّفِ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الْمُنَاسَبَةِ بِإِذْنِ الْوَاضِعِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ على وَضْعِ الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا كان وَضْعًا غير أَوْلَى مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا إنَّهُ مَوْضُوعٌ انْقَسَمَ كَالْحَقِيقَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لُغَوِيٍّ وَشَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ فَالشَّرْعِيُّ وَالْعُرْفِيُّ يَجِيءُ فِيهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَالْمَجَازُ وَاقِعٌ في اللُّغَةِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ حَيْثُ قال لَا مَجَازَ فيها لِأَنَّ الْحَقَائِقَ شَمِلَتْ جَمِيعَ الْمُسَمَّيَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجَوُّزِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَالظَّنُّ بِالْأُسْتَاذِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عنه وَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ اللُّغَةِ لم يُسَمُّوهُ بِذَلِكَ بَلْ اسْمُهُ مع قَرِينَةٍ حَقِيقَةٌ فَمَمْنُوعٌ فإن كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةٌ بِتَلْقِيبِهِ مَجَازًا وَلَوْ صَحَّ كَوْنُ الْمَجْمُوعِ حَقِيقَةً لم يَقْدَحْ في تَسْمِيتِهِمْ الِاسْمَ بِانْفِرَادِهِ مَجَازًا وَقِيلَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ إذْ هو لَا يُنْكِرُ اسْتِعْمَالَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَأَمْثَالِهِ بَلْ يَشْتَرِطُ في ذلك الْقَرِينَةَ وَيُسَمِّيهِ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً وَلَكِنْ يُنْكِرُ تَسْمِيَتَهُ مَجَازًا قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ لَعَلَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّهُ ليس بِثَابِتٍ ثُبُوتَ الْحَقِيقَةِ وَلَا يُظَنُّ بِالْأُسْتَاذِ إنْكَارُ الِاسْتِعَارَاتِ مع كَثْرَتِهَا ثُمَّ قال في بَابِ التَّأْوِيلِ مَسْأَلَةٌ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الظَّاهِرُ هو الْمَجَازُ وَالنَّصُّ هو الْحَقِيقَةُ وَرُبَّ مَجَازٍ هو نَصٌّ كَقَوْلِنَا الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَمْرِ حَقِيقَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْحَافِظَاتِ خطأ ( ( ( بعد ) ) ) قَوْلِهِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ مَجَازٌ في حِفْظِ الْفَرْجِ على الْخُصُوصِ وهو نَصٌّ في مَقْصُودِهِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ الظَّاهِرُ ما يَغْلِبُ على الظَّنِّ فَهْمُ مَعْنًى منه ا هـ فَلْيُنْظَرْ في مُطَابَقَةِ هذا النَّقْلِ لِلْمَنْقُولِ منه هُنَا وَرَأَيْت بِخَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ في فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ بن كَجٍّ حَكَى عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنْكَارَ الْمَجَازِ كَقَوْلِ الْأُسْتَاذِ وهو غَرِيبٌ عَكْسُ مَقَالَةِ تِلْمِيذِهِ ابْنِ جِنِّي وَفِيهِ نَظَرٌ فإن تِلْمِيذَهُ أَبَا الْفَتْحِ بن جِنِّي أُعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ وقد نَقَلَ عنه في كِتَابِ الْخَصَائِصِ عَكْسَ هذه الْمَقَالَةِ أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبُ اللُّغَاتِ كما هو مَذْهَبُ ابْنِ جِنِّي وقال فَإِنْ قُلْت فَقَدْ أَحَالَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَنَا شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ وَهَذَا مَنْعٌ منه لِوُقُوعِ الْمَجَازِ قُلْت الذي مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حَقِيقَةً لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِهِ ذلك أَمَّا إذَا أُرِيدَ الْبَعْضُ فَلَا شَكَّ في جَوَازِهِ تَنْبِيهٌ لم يُبَيِّنُوا الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ هل هو في الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ أو في الْجَوَازِ كما هو في الْمُشْتَرَكِ وَالْمُرَادِفِ وَظَاهِرُ دَلِيلِ الْأُسْتَاذِ أَنَّهُ في الِامْتِنَاعِ لِاحْتِجَاجِهِ فإنه مُخِلٌّ بِالتَّفَاهُمِ وَهَذَا يُنَاسِبُ الْمَنْعَ مَسْأَلَةٌ بَالَغَ ابن جِنِّي فَادَّعَى أَنَّ الْغَالِبَ على اللُّغَةِ الْمَجَازُ وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أبي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ وقال تِلْمِيذُ ابْنِ جِنِّي عبد اللَّهِ بن مَتَّوَيْهِ الْكُلُّ مَجَازٌ وَهُمَا شَاذَّانِ وَعِبَارَةُ ابْنِ جِنِّي وَأَكْثَرُ اللُّغَةِ لِمَنْ تَأَمَّلَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَفْعَالِ نحو قام زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لم يَكُنْ منه جَمِيعُ الْقِيَامِ وَكَيْفَ يَصِحُّ ذلك وهو جِنْسٌ وَالْجِنْسُ يُطْلَقُ على الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَإِنَّمَا هو على وَضْعِ الْكُلِّ مَوْضِعَ الْبَعْضِ لِلِاتِّسَاعِ وَالْمُبَالَغَةِ وَتَشْبِيهِ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ وَحُكِيَ قَرِيبًا من ذلك عن أبي عَلِيٍّ وَغَرَضُ ابْنِ جِنِّي من هذا أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كما صَرَّحَ بِهِ بَعْدُ حَيْثُ قال وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ نحو خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَنَحْوَهُ قال لِأَنَّهُ تَعَالَى لم يَكُنْ بِذَلِكَ خَالِقًا لِأَفْعَالِنَا وَلَوْ كان حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِمَا من أَفْعَالِنَا وَيَتَعَالَى عن ذلك قال وَكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ بِقِيَامِ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ الْحَالَةُ التي عَلِمَ عليها قِيَامَ عَمْرٍو وَلَسْنَا نُثْبِتُ له تَعَالَى عِلْمًا لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِنَفْسِهِ إلَّا مع ذلك فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَتْ حَالَةُ عِلْمِهِ بِجُلُوسِ عَمْرٍو هِيَ حَالَةُ عِلْمِهِ بِقِيَامِ زَيْدٍ قال وَكَذَلِكَ ضَرَبْتُ عَمْرًا مَجَازٌ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا وَقَعَ على بَعْضِهِ قُلْت وقد اسْتَدْرَكَ بهذا الْمَرْكَبِ الصَّعْبِ إلَى أُمُورٍ قَبِيحَةٍ تَنَزَّهَ اللَّهُ عنها مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ في الْقُرْآنِ وَوَقَعَ في الْقُرْآنِ على الْأَصَحِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ لَمَّا طَغَى الْمَاءُ وقد صَنَّفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ كِتَابًا حَافِلًا في ذلك وَبِهِ قال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ منهم أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ فإنه قال في قَوْله تَعَالَى إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى هذا من مَجَازِ اللُّغَةِ يقول الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ سَنُجْرِي عَلَيْك رِزْقَك إنَّا نَشْتَغِلُ بِك وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَنَسَبَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إلَى الْحَشْوِيَّةِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَحُكِيَ عن الْأُسْتَاذِ أَيْضًا وقال ابن بَرْهَانٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إذَا أَنْكَرَ الْمَجَازَ في اللُّغَةِ فَلَأَنْ يُنْكِرَهُ في الْقُرْآنِ من طَرِيقٍ أَوْلَى لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ قُلْت وَكَذَا حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في شَرْحِ الْإِرْشَادِ عن الْأُسْتَاذِ وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وهو قَوْلُ أبي الْعَبَّاسِ بن الْقَاصِّ من أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ في الطَّبَقَاتِ وَحَكَوْهُ عن دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَابْنِهِ وَحَكَاهُ أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ من الْمَالِكِيَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُنْذِرُ بن سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَحَكَاهُ أبو عبد اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ عن أبي مُسْلِمِ بن يحيى الْأَصْفَهَانِيِّ وقال الْقَاضِي أبو يَعْلَى من الْحَنَابِلَةِ عن أبي الْفَضْلِ التَّمِيمِيِّ إنَّهُ حَكَاهُ في كِتَابِهِ الْأُصُولِ عن أَصْحَابِهِمْ وَلِذَلِكَ قال أبو حَامِدٍ في أُصُولِهِ ليس في الْقُرْآنِ مَجَازٌ لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عن أَحْمَدَ خِلَافُهُ وَقِيلَ إنَّمَا أَنْكَرَتْ الظَّاهِرِيَّةُ مَجَازَ الِاسْتِعَارَةِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن أبي الْفَتْحِ الْمَرَاغِيّ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَعْدِلُ عن الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا إذَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَيَسْتَعِيرُ وهو مُسْتَحِيلٌ على اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا بَاطِلٌ وَلَوْ وَجَبَ خُلُوُّ الْقُرْآنِ من الْمَجَازِ لَوَجَبَ خُلُوُّهُ من التَّوْكِيدِ وَتَثْنِيَةِ الْقَصَصِ وَالْإِشَارَاتِ إلَى الشَّيْءِ دُونَ النَّصِّ وَلَوْ سَقَطَ الْمَجَازُ من الْقُرْآنِ ذَهَبَ شَطْرُ الْحُسْنِ وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمَجَازَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ قد يُرَادُ بِهِ امْتِحَانُ الْعُلَمَاءِ وَإِتْعَابُ خَوَاطِرِهِمْ وَحَدُّ فِكْرِهِمْ بِاسْتِخْرَاجِهِ وَطَلَبِ مَعَانِيهِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ وَإِكْرَامِ مَنَازِلِهِمْ كما في الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَشَابِهِ وَغَيْرِهِ من الْأَشْيَاءِ التي فيها أَمَارَةُ الْحُكْمِ على وَجْهٍ خَفِيٍّ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ يَلْزَمُ من إثْبَاتِ الْمَجَازِ في اللُّغَةِ إثْبَاتُهُ في الْقُرْآنِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ فُورَكٍ من أَنْكَرَ الْمَجَازَ في الْقُرْآنِ فَقَدْ قال إنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ لِأَنَّ في اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ مَجَازًا وَحَقِيقَةً وَالْقُرْآنُ نَزَلَ على لُغَتِهِمْ وَمَنْ نَازَعَ في إعْطَاءِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ فَقَدْ نَازَعَ في اللَّفْظِ مع تَسْلِيمِ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَاسْتَدَلَّ ابن سُرَيْجٍ على أبي بَكْرِ بن دَاوُد بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ فقال الصَّلَوَاتُ لَا تُهْدَمُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَوَاضِعَ الصَّلَوَاتِ وَعَبَّرَ بِالصَّلَوَاتِ عنها على سَبِيلِ الْمَجَازِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ قال فلم يَكُنْ له عنه جَوَابٌ قُلْت ذَكَرَ أبو عُبَيْدٍ في كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ بُيُوتٌ تُبْنَى في الْبَرَارِيِ لِلنَّصَارَى يُصَلُّونَ فيها في أَسْفَارِهِمْ تُسَمَّى صلوتا فَعُرِّبَتْ صَلَوَاتٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ إنَّمَا أَرَادَ هذه الْبُيُوتَ على ما يُرْوَى في التَّفْسِيرِ هذا كَلَامُهُ وهو غَرِيبٌ وَعَلَيْهِ فَلَا حُجَّةَ على دَاوُد إذْ لَا مَجَازَ حِينَئِذٍ وَالْحَقُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْقُرْآنِ نَفْسُ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَلَا مَجَازَ فيه أو الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عليه فَلَا شَكَّ في اشْتِمَالِهَا عليه وقال الْغَزَالِيُّ في إثْبَاتِ الْقِيَاسِ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فإن الْحَقِيقَةَ قد يُرَادُ بها الْحَقُّ وهو ما بِهِ الشَّيْءُ حَقُّ في نَفْسِهِ وَيُقَابِلُهُ الْمَجَازُ وَيَكُونُ تَقَابُلُهُمَا تَقَابُلَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِ الْمَجَازِ عنه وقد يُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ له وَبِالْمَجَازِ ما اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وهو بهذا الْمَعْنَى يَشْتَمِلُ عليه قَطْعًا وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْمُخَالِفُ في وُقُوعِهِ في اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُخَالِفَ في أَنَّ ما فِيهِمَا لَا يُسَمَّى مَجَازًا أو في أَنَّ ما فيها ما هو مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَإِنْ كان الْأَوَّلُ رَجَعَ الْخِلَافُ إلَى اللَّفْظِ لِأَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَضَعُوا لَفْظَ الْمَجَازِ لِمَا اسْتَعْمَلُوهُ فِيمَا لم يُوضَعْ لِإِفَادَتِهِ لِأَنَّ ذلك مَوْضُوعٌ في لُغَتِهِمْ لِلْمَمَرِّ وَالطَّرِيقِ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ الْعُلَمَاءُ هذه اللَّفْظَةَ في هذا الْمَعْنَى اصْطِلَاحًا منهم وَإِنْ كان الثَّانِي تَحَقَّقَ الْخِلَافُ في الْمَعْنَى لِأَنَّ غَرَضَنَا بِإِثْبَاتِ الْمَجَازِ يَرْجِعُ إلَى كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ وَأَنَّهُ قد يُسْتَعْمَلُ الْكَلَامُ في غَيْرِ ما وُضِعَ له فَيَدُلُّ عليهم وُجُودُهُ في لُغَتِهِمْ بِمَا لَا تُنْكِرُهُ الْأَكَابِرُ مَسْأَلَةٌ عن ابْنِ دَاوُد إنْكَارُ وُقُوعِ الْمَجَازِ حَكَى الْإِمَامُ الرَّازِيَّ عن ابْنِ دَاوُد إنْكَارَ وُقُوعِهِ في الحديث أَيْضًا وَاسْتَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وقال تَفَرَّدَ بِهِ قُلْت هو لَازِمٌ من إنْكَارِهِ في اللُّغَةِ وقال ابن حَزْمٍ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَجَازٍ إلَّا بَعْدَ وُرُودِهِ في كِتَابِ اللَّهِ أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْحَاصِلُ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا الْمَنْعُ في الْقُرْآنِ وَحْدَهُ الْمَنْعُ في الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ دُونَ ما عَدَاهُمَا الْوُقُوعُ مُطْلَقًا وَالْخَامِسُ التَّفْصِيلُ بين ما فيه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَغَيْرِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَيَأْتِي وَالدَّلِيلُ على وُقُوعِهِ في الحديث قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تَبِيعُوا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ وَأَرَادَ بِالصَّاعِ ما فيه بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ على الْحَالِّ وَقَوْلُهُ أنت وَمَالُك لِأَبِيك وَقَوْلُهُ وقد رَكِبَ فَرَسَ أبي طَلْحَةَ إنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا وقال الْبُخَارِيُّ في كِتَابِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَمَّا بَيَانُ الْمَجَازِ من التَّحْقِيقِ مِثْلَ قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِلْفَرَسِ وَجَدْتُهُ بَحْرًا وَاَلَّذِي يَجُوزُ فِيمَا بين الناس وَالْحَقِيقَةِ أَنَّ مَشْيَهُ حَسَنٌ كَقَوْلِك عِلْمُ اللَّهِ مَعَنَا وَفِينَا وقد صَنَّفَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ مُجَلَّدًا في مَجَازَاتِ الْآثَارِ كما صَنَّفَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في مَجَازِ الْقُرْآنِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ كَذَا فَرَضُوا الْخِلَافَ في الْوُقُوعِ وهو مُقْتَضَى الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ لَكِنْ قال الْقَاضِي ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ وقال قَوْمٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَجَازِ وَأَنَّهُ يَكُونُ كَذِبًا وَتَمَحَّلُوا لِلْمَجَازَاتِ في الْقُرْآنِ حَقَائِقَ بِوَجْهِ تَعَبُّدٍ ثُمَّ قال وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالُوهُ إنَّهُ كَذِبٌ أَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يُرِيدُوا بِهِ في الْجُمْلَةِ أو في مَوْضُوعِ اللُّغَةِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ بِوُجُودِهِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ قد خَاطَبَنَا بِهِ وهو يُرِيدُ الْخُصُوصَ فيه الثَّانِي مُرَادُنَا بِوُقُوعِهِ في الْقُرْآنِ على نَحْوِ أَسَالِيبِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْذَبَةِ لَا الْمَجَازِ الْبَعِيدِ الْمُسْتَكْرَهِ وقد تَوَسَّعَ فيه قَوْمٌ فَضَلُّوا قال الطُّرْطُوشِيُّ من هذا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ أَعْنِي الْمَجَازَ في الْقُرْآنِ ضَلَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالضَّلَالَاتِ في تَأْوِيلِ أَكْثَرِ الْآيَاتِ قال وَكَذَلِكَ من جِهَةِ وُجُودِ الْمَجَازِ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ غَلِطَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى في تَأْوِيلِ كَثِيرٍ منه وقد قال بَعْضُ عُلَمَائِنَا إنَّ الْقَدَرِيَّةَ قد رَكِبُوا هذا فَحَمَلُوا آيَاتٍ كَثِيرَةٍ من الْقُرْآنِ هِيَ حَقَائِقُ على الْمَجَازَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ له كُنْ فَيَكُونُ قالوا ليس فيه دَلِيلٌ على كَوْنِهِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هو إخْبَارٌ عن سُرْعَةِ إيجَادِهِ لِأَفْعَالِهِ وَقَالُوا في قَوْله تَعَالَى قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ إنَّ هذا مَجَازٌ نحو امْتَلَأَ الْحَوْضُ وقال قُطْنِيٌّ وَأَنْكَرُوا أَيْضًا قَوْلَ جَهَنَّمَ هل من مَزِيدٍ وقَوْله تَعَالَى فيها تَدْعُوا من أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَاهُ مَصِيرُ من أَدْبَرَ وَتَوَلَّى إلَيْهَا وَهَذِهِ تَأْوِيلَاتٌ اسْتَنْبَطُوهَا على قَوَاعِدِهِمْ الْفَاسِدَةِ وَلَيْسَ في وُجُودِ الْمَجَازِ في الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَ الْحَقَائِقِ على الْمَجَازِ وَقَوْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في صِفَةِ الْحَقِيقَةِ فقال الْأَشْعَرِيُّ الْحَيَاةُ شَرْطٌ في النُّطْقِ يَخْلُقُ اللَّهُ فيها الْحَيَاةَ في وَقْتِ نُطْقِهَا فَ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ وَالْقَلَانِسِيُّ من أَصْحَابِنَا لم يَشْتَرِطْ الْحَيَاةَ في الْكَلَامِ وَأَجَازَ وُجُودَ الْكَلَامِ في الْجَمَادَاتِ بِأَنْ يُخْلَقَ فيها الْكَلَامُ وَغَيْرُ ذلك وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ في الْخِطَابِ بِالْمَجَازِ وَجْهٌ زَائِدٌ على ما ثَبَتَ بِالْحَقِيقَةِ خِلَافًا لِمَنْ قال يَجُوزُ أَنْ يَتَسَاوَى الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازِ من جَمِيعِ الْوُجُوهِ عِنْدَ الْحَكِيمِ ثُمَّ يَعْدِلُ عن الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْمَجَازِ عَادِلٌ عن الْحَقِيقَةِ الْمَوْضُوعَةِ وَيَقْصِدُ إلَى ما لم يُوضَعْ له وَذَلِكَ لَا يَفْعَلُهُ الْحَكِيمُ إلَّا لِغَرَضٍ زَائِدٍ وَمِنْ فَوَائِدِهِ التَّعْرِيضُ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي فِكْرًا وَنَظَرًا كما يقول في الْخِطَابِ بِالْمُتَشَابِهِ وَمِنْهَا كَوْنُ الْكَلَامِ أَدْخَلَ في الْفَصَاحَةِ وَأَبْلَغَ وَأَوْجَزَ فَائِدَةٌ في تَحْرِيرِ النَّقْلِ عن الظَّاهِرِيَّةِ في نَفْيِ الْمَجَازِ قال الْإِمَامُ أبو عبد اللَّهِ محمد بن أَحْمَدَ بن سَعِيدٍ الدَّاوُدِيُّ في كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِ أُصُولِ الْفَتْوَى وَهَذَا الْكِتَابُ عُمْدَةُ الظَّاهِرِيَّةِ فِيمَا صَحَّ عن دَاوُد وَابْنِهِ فقال ما نَصُّهُ اخْتَلَفَ الناس في الْمَجَازَاتِ وَالِاسْتِعَارَاتِ فقال أَكْثَرُهُمْ في الْقُرْآنِ ما هو مَحْمُولٌ على الظَّاهِرِ وَالْحَقِيقَةِ وَمِنْهَا ما هو مَحْمُولٌ على الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ وما كان منه من الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ فَهُوَ مَرْدُودٌ إلَيْهِمَا دُونَ رَدِّهِ إلَى الظَّاهِرِ وَالْحَقِيقَةِ وقال بَعْضُهُمْ ليس في الْقُرْآنِ مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ وَالِاسْتِعَارَةُ بِوَجْهٍ وَجَمِيعُهُ على ما هو بِهِ وَرُوِيَ عن دَاوُد بن عَلِيٍّ قَرِيبٌ من هذه الرِّوَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ من مُوَافِقِيهِ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ وَبِهِ قال ابْنُهُ أبو بَكْرٍ محمد بن دَاوُد في آخَرِينَ وكان يقول الْمُسْتَعِيرُ في الْحَقِيقَةِ هو الْآخِذُ ما ليس له فإذا سَمَّى الرَّجُلُ لَفْظَةً في الْقُرْآنِ مُسْتَعَارَةً فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا قد وُضِعَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِهَا قال وَهَذَا خَطَأٌ من قَائِلِهِ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْأَصْلِيَّةَ التي جَعَلَتْ الْأُخْرَى مُسْتَعَارَةً منها لَنْ تَخْلُوَ أَنْ تَكُونَ إنَّمَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً لِخَاصِّيَّةٍ فيها مَوْجُودَةٍ في عَيْنِهَا أو لِأَنَّ اللُّغَةَ جَاءَتْ بها فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فما تِلْكَ الْعِلَّةُ التي أَوْجَبَتْ ذلك الِاسْمَ لها ولم يَجِدْ مُدَّعٍ إلَى تَصْحِيحِهَا سَبِيلًا وَإِنْ كان إنَّمَا صَارَتْ أَصْلِيَّةً لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكَلَّمَتْ بها فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ في الْكَلِمَةِ التي سَمَّتْهَا مُسْتَعَارَةً فَيَجِبُ على هذا الْأَصْلِ أَلَّا يُزَالَ اسْمُ الِاسْتِعَارَةِ عنها فَتَصِيرَ أَصْلِيَّةً قَائِمَةً بها فَإِنْ قِيلَ فما مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّك إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ وَقَوْلُهُ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ قِيلَ لِهَذِهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ منها أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ اللُّغَةِ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ الْقَرْيَةِ يَقَعُ على جَمَاعَةِ الرِّجَالِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا وَإِلَّا لَقَالَ أَهْلَكْنَاهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَالْبِنَاءَ يُخْبِرَاك عن صِدْقِنَا وَيَكُونُ ذلك مُعْجِزَةً في أَمْرِ يَعْقُوبَ وَوَلَدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كما ادَّعَاهُ خُصُومُنَا من أَنَّ قَوْلَهُ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ أَيْ أَهْلَهَا وَأَنَّ قَرْيَةً اسْمٌ لِلْبُنْيَانِ وَالْأَرْضِ وَأَنْ تَكُونَ اسْتِحَالَةُ سُؤَالِ الْأَرْضِ دَلِيلًا على أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ سُؤَالَ الناس وَيَكُونُ هذه حَقِيقَةً في مَعْنَاهَا لَا اسْتِعَارَةً ا هـ مُلَخَّصًا وقال أبو مُحَمَّدِ بن حَزْمٍ في كِتَابِهِ الْإِحْكَامِ اخْتَلَفَ الناس في الْمَجَازِ فَقَوْمٌ أَجَازُوهُ في الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقَوْمٌ مَنَعُوا منه وَاَلَّذِي نَقُولُ أَنَّ الِاسْمَ إذَا تَيَقَّنَّا بِدَلِيلِ نَصٍّ أو إجْمَاعٍ أو طَبِيعَةٍ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عن مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ قال اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَلَهُ أَنْ يُسَمِّيَ ما شَاءَ فَإِنْ لم نَجِدْ دَلِيلًا على نَقْلِ الِاسْمِ عن مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ فَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ مَنْقُولٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول وما أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ فَكُلُّ خِطَابٍ خَاطَبَنَا اللَّهُ بِهِ أو رَسُولُهُ فَهُوَ على مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى فإذا وَجَدْنَا ذلك نَقَلْنَاهُ إلَيْهِ قال وَهَذَا الذي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ فَكُلُّ كَلِمَةٍ نَقَلَهَا اللَّهُ من مَوْضُوعِهَا في اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ فَإِنْ تَعَبَّدْنَا بها قَوْلًا وَعَمَلًا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذلك فَلَيْسَ شَيْءٌ منها مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً وَأَمَّا ما نَقَلَهُ عن مَوْضُوعِهِ في اللُّغَةِ إلَى مَعْنًى قد تَعَبَّدْنَا بِهِ دُونَ أَنْ نُسَمِّيَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ فَهَذَا هو الْمَجَازُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ فَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا تَعَالَى بِأَنْ نَذِلَّ لِلْأَبَوَيْنِ وَنَرْحَمَهُمَا وَلَنْ يُلْزِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ أَنْ نَنْطِقَ وَلَا يَدِينَنَا بِأَنَّ لِلذُّلِّ جَنَاحًا وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فإنه لَا خِلَافَ في أَنَّهُ افْتَرَضَ عَلَيْنَا تَسْمِيَتَهَا هذه بِأَعْيَانِهَا قال وَاحْتَجَّ من مَنَعَ الْمَجَازَ بِأَنَّهُ كَذِبٌ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ يَبْعُدَانِ عنه قال فَيُقَالُ له صَدَقْت وَلَيْسَ نَقْلُ اللَّهِ تَعَالَى الِاسْمَ عَمَّا كان اللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَهُ عليه في مَوْضِعٍ ما إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ كَذِبًا بَلْ الْكَذِبُ ما لم يَنْقُلْهُ تَعَالَى بَلْ ما نَقَلَهُ هو الْحَقُّ نَفْسُهُ وقال في كَلَامِهِ على قَوْله تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وقد ذَكَرَ رَجُلٌ من الْمَالِكِيِّينَ من أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُعْرَفُ بِابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ لِلْحِجَارَةِ عَقْلًا وَلَعَلَّ تَمْيِيزَهُ يَقْرُبُ من تَمْيِيزِهَا فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهُ قَوْمًا زَاغُوا عن الْحَقِّ بِالْأَنْعَامِ وَصَدَقَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا قال هذا الْجَاهِلُ من الدَّلِيلِ على أَنَّ لِلْحِجَارَةِ تَعَقُّلًا قَوْله تَعَالَى وَإِنَّ من الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ منه الْأَنْهَارُ وَإِنَّ منها لَمَا يَشَّقَّقُ الْآيَةَ فَدَلَّ على أَنَّ لها عَقْلًا قال أبو مُحَمَّدٍ وَمِنْ الْعَجَبِ اسْتِدْلَالُهُ على أَنَّهُ لَا يَخْشَى اللَّهَ إلَّا ذُو عَقْلٍ وَكَيْفَ يَكُونُ لها تَمْيِيزٌ وَعَقْلٌ وَاَللَّهُ شَبَّهَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ بِالْحِجَارَةِ في أنها لَا تَعْقِلُ الْحَقَّ وَلَا تُذْعِنُ له انْتَهَى مُلَخَّصًا قال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ كَلَامُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْأَحْكَامِ لَا يُحْمَلُ على الِاسْتِعَارَةِ ما أَمْكَنَ فَإِنَّهَا لَا تَلِيقُ إلَّا بِوَاعِظٍ أو خَطِيبٍ أو شَاعِرٍ يَنْتَحِي السَّجْعَ لِإِيقَاعِهِ في الْقُلُوبِ فإن الشَّارِعَ إذَا بَيَّنَ حُكْمًا لِمَعْجُوزٍ مَثَلًا فَيَبْعُدُ منه التَّجَوُّزُ وهو تَشَدُّقٌ وقد نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عنه نعم لَا يَبْعُدُ في الِاسْتِعَارَةِ إذَا ذُكِرَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَوَصْفُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ لِيُعَظِّمَ وَقْعَهُ في الصَّدْرِ مسألة في السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى المجاز الْعُدُولِ عن الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَلَهُ فَوَائِدُ منها التَّعْظِيمُ كَقَوْلِهِ سَلَامٌ على الْمَجْلِسِ الْعَالِي وَمِنْهَا التَّحْقِيرُ لِذِكْرِ الْحَقِيقَةِ كما في قَوْله تَعَالَى أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ وَمِنْهَا الْمُبَالَغَةُ في بَيَانِ الْعِبَارَةِ على الْإِيجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَمِنْهَا تَفْهِيمُ الْمَعْقُولِ في صُورَةِ الْمَحْسُوسِ لِتَلْطِيفِ الْكَلَامِ وَزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ وَيُسَمَّى اسْتِعَارَةً تَخَيُّلِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ وَمِنْهَا زِيَادَةُ بَيَانِ حَالِ الْمَذْكُورِ نَحْوُ رَأَيْت أَسَدًا فإنه أَبْلَغُ في الدَّلَالَةِ على الشَّجَاعَةِ لِمَنْ حَكَمْت عليه في قَوْلِك رَأَيْت إنْسَانًا كَالْأَسَدِ شَجَاعَتُهُ وَمِنْهَا تَكْثِيرُ الْفَصَاحَةِ لِأَنَّ فَهْمَ الْمَعْنَى منه يَتَوَقَّفُ على قَرِينَةٍ وفي ذلك غُمُوضٌ يَحُوجُ إلَى حَرَكَةِ الذِّهْنِ فَيَحْصُلُ من الْفَهْمِ شَبِيهُ لَذَّةِ الْكَسْبِ وَكَذَلِكَ ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظُ بِالِالْتِزَامِ أَحْسَنُ مِمَّا يَدُلُّ عليه بِالْمُطَابَقَةِ لِمَا في دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ تَصَرُّفُ الذِّهْنِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَعْنَى الذي عَبَّرَ عنه بِالْمَجَازِ لَفْظٌ حَقِيقِيٌّ إنْ قُلْنَا لَا يَسْتَلْزِمُهُ أو أَنْ يَجْهَلَ الْمُتَكَلِّمُ أو الْمُخَاطَبُ لَفْظَهُ الْحَقِيقِيَّ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إنَّ حَشِيشَ الْحَرَمِ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ وَأَرَادُوا الْأَخْضَرَ وَإِلَّا فَفِي اللُّغَةِ أَنَّ الرَّطْبَ يُقَالُ له خَلَا وَالْيَابِسُ حَشِيشٌ فَكَأَنَّ الْفُقَهَاءَ آثَرُوا تَسْمِيَةَ الرَّطْبِ حَشِيشًا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى أَفْهَامِ الْعَامَّةِ وَلِجَهْلِهِمْ مَعْنَى الْخَلَا وَبِهَذَا يَغْلُظُ من غَلَّطَهُمْ أو لِثِقَلِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ على اللِّسَانِ كَالْخِنْفِقِيقِ اسْمٌ لِلدَّاهِيَةِ أو تَيْسِيرُ التَّجْنِيسِ وَالْجَمْعِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْبَدِيعِ تَنْبِيهٌ اتَّفَقَ الْأُدَبَاءُ على أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ من الْحَقِيقَةِ قال الْجُرْجَانِيُّ وَلَيْسَ ذلك لِأَنَّ الْمَجَازَ تَارَةً يُفِيدُ زِيَادَةً في الْمَعْنَى نَفْسِهِ لَا تُفِيدُهَا الْحَقِيقَةُ بَلْ إنَّمَا يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْمَعْنَى فَلَيْسَ قَوْلُنَا رأيت زَيْدًا يُفِيدُ زِيَادَةً في مُسَاوَاتِهِ الْأَسَدَ عن قَوْلِنَا رَأَيْت رَجُلًا مُسَاوِيًا لِلْأَسَدِ في الشَّجَاعَةِ بَلْ قَوْلُنَا إنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ على مَعْنَى أَنَّهُ أَفَادَ تَأْكِيدَ مُسَاوَاةٍ لم تُفِدْهَا الْحَقِيقَةُ قالوا وَالسَّبَبُ فيه أَنَّ الِانْتِقَالَ فيه من اللُّزُومِ إلَى اللَّازِمِ فَيَكُونُ إثْبَاتُ الْمَعْنَى بِهِ كَادِّعَاءِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ وَدَعْوَى الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ أَبْلَغُ من دَعْوَاهُ بِلَا دَلِيلٍ ا هـ وَأُورِدَ عليه أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَصْلُهَا التَّشْبِيهُ وَأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ في الْمُشَبَّهِ بِهِ أَتَمُّ منه في الْمُشَبَّهِ وَالِاسْتِعَارَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ قَوْلُنَا رَأَيْت أَسَدًا يُفِيدُ له شَجَاعَةً أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهَا قَوْلُك رأيت رَجُلًا كَالْأَسَدِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هذا لَا يَرِدُ على مِثَالِهِ وَإِنَّمَا يَرِدُ على إطْلَاقِهِ أَنَّهُ ليس في الْمَجَازِ زِيَادَةٌ على الْحَقِيقَةِ وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالْمِثَالِ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ في التَّرْجِيحِ بين الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَلَاغَةَ تَارَةً تَكُونُ في الْحَقِيقَةِ وَتَارَةً في الْمَجَازِ وهو الْحَقُّ فَلَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ يَكُونُ لها من الْبَلَاغَةِ ما ليس في الْمَجَازِ وَبِالْعَكْسِ وَيَكُونُ مُرَادُ من أَطْلَقَ أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ من الْحَقِيقَةِ أَنَّ مَجَازَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ أَبْلَغُ من حَقِيقَةِ ذلك اللَّفْظِ وَأَمَّا مَجَازُ لَفْظٍ وَحَقِيقَةُ لَفْظٍ آخَرَ فَلَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا انْتِسَابٌ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ في مَحَلِّهِ له حُكْمٌ فَتَفَطَّنْ له وقال أبو زَكَرِيَّا التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِ الْحَمَاسَةِ أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ الِاسْتِعَارَاتُ جَيِّدُهَا أَحْسَنُ من الْحَقِيقَةِ وهو مُقَدَّمٌ عليها في الِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا في الْأَحْكَامِ فَتُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ على الْمَجَازِ فَحَصَلَ في هذه الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ آرَاءٍ مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خِلَافُ الْأَصْلِ وهو خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ هُنَا بِمَعْنَى الرَّاجِحِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْوَضْعِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْعَلَاقَةِ وَإِلَى النَّقْلِ إلَى الْمَعْنَى الثَّانِي وَالْحَقِيقَةُ تَحْتَاجُ إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَإِنَّمَا عَدَلَ إلَيْهِ لِلْفَوَائِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ وإذا كان كَذَلِكَ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَآحَادُهَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ وَالضَّابِطُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى أَصْلِ وَضْعِ اللَّفْظِ وَتَحَقُّقِهِ فإذا حَصَلَ فَانْظُرْ هل بَقِيَ في الِاسْتِعْمَالِ على ما وُضِعَ له أو لَا وَالْأَوَّلُ هو الْحَقِيقَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَإِنْ عَدَلَ عنه فَإِمَّا لِعَلَاقَةٍ أو لَا وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَشْتَهِرَ حتى يَكُونَ أَسْبَقَ إلَى الْفَهْمِ من الْأَصْلِ أو لَا فَإِنْ كان سَبَبُ الِاشْتِهَارِ اسْتِعْمَالَ الْعُرْفِ فَهُوَ الْمَجَازُ الْعُرْفِيُّ وَإِنْ كان الشَّرْعَ فَهُوَ الشَّرْعِيُّ وَهَذَانِ الِاسْمَانِ أَوْلَى بِهِمَا من أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِمَا حَقِيقَتَانِ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَإِنْ كان الثَّانِيَ وهو الذي عَدَلَ عنه لَا لِعَلَاقَةٍ فَهُوَ الْمَنْقُولُ وَالْمُرْتَجَلُ كما سَبَقَ مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَاقَةِ أو الْقَرِينَةِ الْمَجَازُ يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَاقَةِ وَإِلَى الْقَرِينَةِ فَالْعَلَاقَةُ هِيَ الْمُجَوِّزَةُ لِلِاسْتِعْمَالِ وَالْقَرِينَةُ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْحَمْلِ فَأَمَّا الْقَرِينَةُ فَلَا بُدَّ لِلْمَجَازِ من قَرِينَةٍ تَمْنَعُ من إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ عَقْلًا أو حِسًّا أو عَادَةً أو شَرْعًا وَهِيَ إمَّا خَارِجَةٌ عن الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ فَالْمُتَكَلِّمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْت منهم بِصَوْتِك فَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ أو من الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ فإن السِّيَاقَ وهو قَوْلُهُ إنَّا أَعْتَدْنَا يُخْرِجُهُ عن أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ لَا بُدَّ من الْقَرِينَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هل الْقَرِينَةُ دَاخِلَةٌ في مَفْهُومِ الْمَجَازِ وهو رَأْيُ الْبَيَانِيِّينَ أو شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَاعْتِبَارِهِ وهو رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا الْعَلَاقَةُ فَلَا بُدَّ في التَّجَوُّزِ من الْعَلَاقَةِ بين الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاكِ في أَمْرٍ ما وَإِلَّا لَجَازَ إطْلَاقُ كل شَيْءٍ على ما عَدَاهُ فَجِنْسُ الْعَلَاقَةِ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ وَشَخْصُهَا ليس بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فإذا رَأَيْنَاهُمْ أَطْلَقُوا الشُّجَاعَ على رَجُلٍ لم يَحْتَجْ إلَى إطْلَاقِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنَّمَا هو في الْأَنْوَاعِ أَيْ إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا اسْمَ اللَّازِمِ على الْمَلْزُومِ يَكْفِينَا هذا في إطْلَاقِ كل لَازِمٍ على مَلْزُومِهِ أو لَا بُدَّ في كل صُورَةٍ من جُزْئِيَّاتِ إطْلَاقِ اللَّوَازِمِ على الْمَلْزُومَاتِ من السَّمَاعِ عَنْهُمْ في ذلك اللَّازِمِ بِعَيْنِهِ وَاللُّزُومِ بِعَيْنِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ من قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في أَنَّهُ هل يُكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ التي نَظَرَ الْعَرَبُ إلَيْهَا كَإِطْلَاقِ السَّبَبِ على الْمُسَبَّبِ وَيَزِيدُ عليه الْمُسَبَّبُ على السَّبَبِ أو لَا يَتَعَدَّى عَلَاقَةَ السَّبَبِ إلَى عَلَاقَةٍ أُخْرَى وَإِنْ سَاوَتْهَا ما لم تَفْعَلْ الْعَرَبُ ذلك وَهَذَا هو الْخِلَافُ في أَنَّ الْمَجَازَ هل يَتَوَقَّفُ على السَّمْعِ وَيُشْتَرَطُ فيه الْوَضْعُ أَمْ لَا فَاخْتَارَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ فَهُوَ يُجَوِّزُ إطْلَاقَ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ ما كان وَإِنْ لم تَسْتَعْمِلْهُ الْعَرَبُ لِاسْتِعْمَالِهِمْ ما هو نَظِيرُهُ أو دُونَهُ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَالرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا الثَّانِيَ وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ وقال ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ الْإِنْصَافُ أَنَّ الْمَجَازَ إنْ كان بِاعْتِبَارِ الْأَلْفَاظِ مُفْرَدَةً احْتَاجَ إلَى النَّقْلِ وَإِنْ كان بِاعْتِبَارِ الْمَعَانِي الْحَاصِلَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَلْفَاظِ مِثْلُ طَلَعَ فَجْرٌ وَعَلَا وَشَابَتْ لِمَّةُ رَأْسِهِ وَأَشْبَاهُهُ لم يَحْتَجْ إلَى النَّقْلِ لِمَا عُلِمَ من اسْتِعْمَالِ الْعُلَمَاءِ من كل طَائِفَةٍ أَمْثَالَ ذلك في تَصَانِيفِهِمْ وَخَطِّهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ فَظَهَرَ أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْأَنْوَاعِ لَا في جُزْئِيَّاتِ الْمَجَازِ الْمُشَخَّصَةِ إنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فَلَا بُدَّ أَنْ تَضَعَ الْعَرَبُ نَوْعَ التَّجَوُّزِ بِالْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ وَبِالسَّبَبِ إلَى الْمُسَبَّبِ وَغَيْرِهِمَا من الْأَنْوَاعِ وَأَمَّا وَضْعُهَا التَّعْبِيرَ بهذا الْكُلِّ الْمُعَيَّنِ أو التَّجَوُّزِ بهذا الْمُسَبَّبِ الْمُعَيَّنِ إلَى هذا السَّبَبِ فَلَا يَشْتَرِطُهُ أَحَدٌ قَطْعًا ولم تَزَلْ الْأُدَبَاءُ في الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ الْعَلَاقَةِ من غَيْرِ فَحْصٍ عن الْوَضْعِ وَيَتَحَصَّلُ صُوَرٌ أَحَدُهَا آحَادُ الْعَلَاقَاتِ أَعْنِي إذَا وُجِدَتْ عَلَاقَةٌ لم يُنْقَلْ عن الْعَرَبِ التَّجَوُّزُ بها فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بها هذا مَوْضِعُ الْخِلَافِ كما ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ من شُرَّاحِ ابْنِ الْحَاجِبِ منهم الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في امْتِنَاعِ هذا الْقِسْمِ الثَّانِيَةُ الْعَلَاقَةُ التي ثَبَتَ عن الْعَرَبِ اعْتِبَارُهَا وَتَجَوَّزَتْ بِسَبَبِهَا إلَى لَفْظَةٍ هل لنا أَنْ نَتَجَوَّزَ بِتِلْكَ الْعَلَاقَةِ بِعَيْنِهَا لِلَفْظَةٍ أُخْرَى كما إذَا ثَبَتَ عَنْهُمْ إطْلَاقُ الْأَسَدِ على الشُّجَاعِ لِلشَّجَاعَةِ فَهَلْ لنا أَنْ نُطْلِقَ عليه اللَّيْثَ كَذَلِكَ وهو من مَوْضِعِ الْخِلَافِ على ما ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْعَلَاقَةِ أَنْوَاعٌ تَحْتَ كل نَوْعٍ جِهَاتٌ فَهَلْ يَكُونُ أَنْوَاعُ الْجُزْئِيَّاتِ مُلْحَقَةً بِمَا فَوْقَهَا حتى يُشْتَرَطَ فيها النَّقْلُ قَطْعًا أو بِمَا تَحْتَهَا حتى يَكُونَ مَحَلَّ الْخِلَافِ هذا فيه نَظَرٌ مِثَالٌ إذَا ثَبَتَ أَنَّ من الْعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةَ في صِفَةٍ ظَاهِرَةٍ فإذا ثَبَتَ عَنْهُمْ التَّجَوُّزُ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ كَصِفَةِ الشَّجَاعَةِ في لَفْظِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَتَجَوَّزَ بِصِفَةِ الْكَرْمِ في لَفْظِ الْبَحْرِ لِلْجَوَادِ فَالْأَقْرَبُ إلْحَاقُهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ الرَّابِعَةُ إنْ ثَبَتَتْ بِاعْتِبَارِ نَوْعِ الْعَلَاقَةِ الْخَاصِّ بِالنَّقْلِ وَالتَّجَوُّزِ في لَفْظَةٍ بِعَيْنِهَا كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ على شَخْصٍ بِعَيْنِهِ لِلشَّجَاعَةِ فَهَلْ لنا إطْلَاقُ الْأَسَدِ على عَمْرٍو كَذَلِكَ قَطْعًا أو نُلْحِقُهَا بِالثَّانِيَةِ في الْخِلَافِ فيه نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّقْلَ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ في نَوْعِ الْعَلَاقَةِ أَعْنِي النَّوْعَ الْأَصْلِيَّ وَغَيْرُ شَرْطٍ بِالِاتِّفَاقِ في مُشَخِّصَاتِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ مَجَازًا في شَخْصٍ بِعَيْنِهِ وَمُخْتَلَفٌ فيه فِيمَا عَدَا ذلك وهو ما بين هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ الْمَجَازُ يَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةَ بين اللَّفْظَيْنِ في الْمَعْنَى فَكُلُّ لَفْظٍ جُعِلَ مَجَازًا في غَيْرِهِ لَا بُدَّ من وُجُودِ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَهُمَا في الْمَعْنَى كَالْأَسَدِ اُسْتُعِيرَ لِلشُّجَاعِ وَالْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ وَالْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في شَرْطٍ آخَرَ وهو كَمَالُ الْمَعْنَى في الْمُسْتَعَارِ منه هل هو شَرْطٌ أَمْ لَا فَمِنْهُمْ من شَرَطَهُ وَإِلَّا لم يَكُنْ الْعُدُولُ عن الْحَقِيقَةِ مُفِيدًا وَمِنْهُمْ من قال يَجُوزُ تَسَاوِيهِمَا في الْمَعْنَى وَقِيلَ هو مُشْتَرَطٌ في كَمَالِ الْبَلَاغَةِ في الِاسْتِعَارَةِ نَفْسِهَا فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْحَقِيقَةُ تَتَوَقَّفُ على النَّقْلِ عن وَاضِعِ اللُّغَةِ كَالنُّصُوصِ في بَابِ الشِّعْرِ وَأَمَّا الْمَجَازُ فَاخْتَلَفُوا فيه فَذَهَبَ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فيه السَّمَاعُ بَلْ يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى الذي اعْتَبَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَهُ وَكَلَامُهُ يَدُلُّ على أَنَّ هذا هو الْخِلَافُ في أَنَّ الْمَجَازَ هل له عُمُومٌ أَمْ لَا وَفَرَّعَ عليه امْتِنَاعَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ على الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا وَعَارِيَّةً ثُمَّ حَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَعْنَى الذي اعْتَبَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ في الْمَجَازِ هو أَنْ يَكُونَ بين الْمُسْتَعَارِ منه وَالْمُسْتَعَارِ له اشْتِرَاكٌ في الْمَعْنَى وَذَلِكَ الْمَعْنَى في الْمُسْتَعَارِ منه أَبْلَغُ وَأَبْيَنُ وَنَقَلَهُ عن أَهْلِ اللُّغَةِ منهم عَلِيُّ بن عِيسَى الرُّمَّانِيُّ قال وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا هذا لِأَنَّ تَرْكَ الْحَقِيقَةِ مع الْقُدْرَةِ على الِاسْتِعْمَالِ لها وَالْمَيْلُ إلَى الْمَجَازِ فيه نَوْعُ إيهَامٍ وَتَلْبِيسٍ لَا يَجُوزُ إلَّا لِفَائِدَةٍ لَا تُوجَدُ في الْحَقِيقَةِ قال وَهَذَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ مَعْنَاهُ امْتَثِلْ بِمَا تُؤْمَرُ فَقَدْ اسْتَعَارَ قَوْلَهُ اصْدَعْ مَكَانَ قَوْلِهِ امْتَثِلْ وَالصَّدْعُ هو الشَّقُّ وَالِامْتِثَالُ هو التَّأْثِيرُ فإن الشَّقَّ له تَأْثِيرٌ في الشُّقُوقِ وَالِامْتِثَالُ له أَثَرٌ في الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا أَنَّ تَأْثِيرَ الشَّقِّ في الشُّقُوقِ أَبْيَنُ من تَأْثِيرِ الِامْتِثَالِ في الْمُمْتَثَلِ فَكَانَ في الْمَجَازِ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَلِهَذَا يُقَالُ لِلشُّجَاعِ من الناس أَسَدٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الْمَعْنَى وهو الشَّجَاعَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى في الْأَسَدِ أَبْلَغُ لِأَنَّهُ أَشْجَعُ الْحَيَوَانِ وَكَذَا اسْتِعَارَةُ الْحِمَارِ لِلْبَلِيدِ وَزَعَمَ عَلِيٌّ هذا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ لَفْظِ الطَّلَاقِ كِنَايَةً عن الْعِتْقِ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَبْلَغُ في الْإِزَالَةِ وَالطَّلَاقُ دُونَهُ وَلِهَذَا لو قال الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ الذي هو أَكْبَرُ سِنًّا منه هذا ابْنِي أَنَّهُ يُعْتَقُ وَيَصِيرُ قَوْلُهُ هذا أبي أَبْلَغُ في إفَادَةِ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ قبل قَوْلِهِ بِزَمَانٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أنت حُرٌّ فإنه لَا يُوجِبُهَا إلَّا في الْحَالِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا الشَّرْطُ الذي ذَكَرَهُ لَا يُعْرَفُ في اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ ولم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ في الْكَلَامِ لِضَرْبٍ من التَّوَسُّعِ وَلِتَظْهَرَ بَرَاعَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَحُسْنُ بَصِيرَتِهِ في الْكَلَامِ وَاقْتِدَارُهُ عليه وَلَيْسَ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ أَفَادَتْ مَعْنًى زَائِدًا على ما يُفِيدُهُ التَّصْرِيحُ وَيَدُلُّ لِأَنَّ ما قَالُوهُ ليس بِشَرْطِ اسْتِعَارَتِهِمْ لَفْظَ الْمَسِّ لِلْوَطْءِ وَالْقُرْبَانِ لِلدُّخُولِ وَلَيْسَ فيه زِيَادَةٌ على ما يُفِيدُهُ لَفْظُ الْجِمَاعِ وَأَمَّا إذَا قال لِغُلَامِهِ الْأَكْبَرِ منه هذا أبي فَإِنَّمَا لم يَصْلُحْ عِنْدَنَا مَجَازًا عن الْعِتْقِ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَصْلُحُ مَجَازًا إذَا كان حَقِيقَةً وَهَذَا اللَّفْظُ في هذا الْمَحَلِّ لَا حَقِيقَةَ له لِأَنَّهُ لَغْوٌ وَهَذَيَانٌ وَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ السَّبَبَ في الْجُمْلَةِ يُوجِبُ الْعِتْقَ فَإِنَّمَا يُوجِبُ في مَحَلٍّ يُتَصَوَّرُ فيه السَّبَبُ لَا فِيمَا لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِعْمَالُهُ فيه فَلَيْسَ اسْتِعْمَالُهُ فيه مَجَازًا ا هـ مُلَخَّصًا مَسْأَلَةٌ شَرَطَ قَوْمٌ في الْعَلَاقَةِ أَنْ تَكُونَ ذِهْنِيَّةً أَيْ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمُتَجَوَّزُ يَتَبَادَرُ له الْفَهْمُ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ وهو الْمُخْتَارُ في الْمَعَالِمِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَجَازَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ عَارِيَّةٌ عن اللُّزُومِ الذِّهْنِيِّ مَسْأَلَةٌ التَّجَوُّزُ بِالْمَجَازِ عن الْمَجَازِ يُتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ عن الْمَجَازِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ ذَكَرَهُ في التَّرْجِيحِ بين الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ وهو أَنْ يُجْعَلَ الْمَجَازُ الْمَأْخُوذُ عن الْحَقِيقَةِ بِمَثَابَةِ الْحَقِيقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجَازٍ آخَرَ فَيُتَجَوَّزُ بِالْمَجَازِ الْأَوَّلِ عن الثَّانِي لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي وَلَهُ أَمْثِلَةٌ منها قَوْله تَعَالَى وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا فإنه مَجَازٌ عن مَجَازٍ فإن الْوَطْءَ تَجَوَّزَ عنه السِّرُّ لِأَنَّهُ يَقَعُ غَالِبًا في السِّرِّ فلما لَازَمَهُ سُمِّيَ سِرًّا وَتَجَوَّزَ بِالسِّرِّ عن الْعَقْدِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فيه فَالْمُصَحِّحُ لِلْمَجَازِ الْأَوَّلِ الْمُلَازَمَةُ وَالْمُصَحِّحُ لِلْمَجَازِ الثَّانِي التَّعْبِيرُ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ الذي هو السِّرُّ عن الْعَقْدِ الذي هو سَبَبٌ كما سُمِّيَ عَقْدُ النِّكَاحِ نِكَاحًا لِكَوْنِهِ سَبَبًا في النِّكَاحِ وَكَذَلِكَ سُمِّيَ الْعَقْدُ سِرًّا لِأَنَّهُ سَبَبٌ في السِّرِّ الذي هو النِّكَاحُ فَهَذَا مَجَازٌ عن مَجَازٍ مع اخْتِلَافِ الْمُصَحِّحِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا لَا تُوَاعِدُوهُنَّ عَقْدَ نِكَاحٍ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ إذَا حُمِلَ على ظَاهِرِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَجَازٌ عن تَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِمَدْلُولِ هذا اللَّفْظِ وَالتَّعْبِيرُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عن الْوَحْدَانِيَّةِ من مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْقَوْلِ عن الْقَوْلِ منه وَالْأَوَّلُ من مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ السَّبَبِ عن الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللِّسَانِ مُسَبَّبٌ عن تَوْحِيدِ الْجِنَانِ مَسْأَلَةٌ يَجِيءُ الْمَجَازُ بِمَرَاتِبَ قد يَجِيءُ الْمَجَازُ بِمَرَاتِبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قد أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ لِأَنَّ الْمُنَزَّلَ عليهم ليس هو نَفْسَ اللِّبَاسِ بَلْ إنَّمَا هو الْمَاءُ الْمُنْبِتُ لِلزَّرْعِ الْمُتَّخَذِ منه الْغَزْلُ الْمَنْسُوجُ منه اللِّبَاسُ وَصَارَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ الشَّانِ صَارَ الثَّرِيدُ في رُءُوسِ الْعِيدَانِ فَسَمَّى السُّنْبُلَ في رُءُوسِ الْعَصْفِ ثَرِيدًا وَإِنَّمَا يَصِيرُ ثَرِيدًا بَعْدَ أَنْ يُحْصَدَ ثُمَّ يُدْرَسَ ثُمَّ يُصَفَّى ثُمَّ يُطْحَنَ ثُمَّ يُخْبَزَ ثُمَّ يُثْرَدَ وَسَمَّى ابن السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ هذا وَأَمْثَالَهُ مَجَازَ الْمَرَاتِبِ وهو من غَرَائِبِ مَسَائِلِ الْمَجَازِ فَصْلٌ في سَرْدِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ السَّبَبِيَّةُ وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ السَّبَبِ على الْمُسَبَّبِ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ إطْلَاقُ الْعِلَّةِ على الْمَعْلُولِ وَسَوَاءٌ كانت الْعِلَّةُ فَاعِلِيَّةً أو قَابِلِيَّةً أو صُورِيَّةً أو غَائِيَّةً مِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ نَزَلَ السَّحَابُ أَيْ الْمَطَرُ فإن السَّحَابَ في الْعُرْفِ سَبَبٌ فَاعِلِيٌّ في الْمَطَرِ كما يُقَالُ النَّارُ تُحْرِقُ الثَّوْبَ وَمِنْهُ إطْلَاقُ اسْمِ النَّظَرِ على الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أَيْ له رَائِيَةٌ وَنَحْوُ نَظَرْت إلَى فُلَانٍ أَيْ رَأَيْته لِأَنَّ النَّظَرَ فِعْلُ الْفَاعِلِ وهو سَبَبُ الرُّؤْيَةِ وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُمْ سَالَ الْوَادِي فإن السَّائِلَ هو الْمَاءُ وَالْوَادِي سَبَبٌ قَابِلٌ لِسَيْلِ الْمَاءِ فيه هَكَذَا مِثْلُهُ في الْمَحْصُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن الْوَادِيَ ليس جُزْءًا لِلْمَاءِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا قَابِلًا له بَلْ هو من قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ على الْحَالِّ وَمِثَالُ الثَّالِثِ إطْلَاقُ الْيَدِ على الْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وَالْيَدُ صُورَةٌ خَاصَّةٌ يَتَأَتَّى بها الْإِقْدَارُ على الشَّيْءِ فَشَكْلُهَا مع الْإِقْدَارِ كَشَكْلِ السَّرِيرِ مع الِاضْطِجَاعِ وهو سَبَبٌ صُورِيٌّ فَتَكُونُ الْيَدُ كَذَلِكَ فَإِطْلَاقُهَا على الْقُدْرَةِ إطْلَاقٌ لِاسْمِ السَّبَبِ الصُّورِيِّ على السَّبَبِ وَوَجْهُ كَوْنِ صُورَةِ الْيَدِ سَبَبًا لِلْقُدْرَةِ أنها لو خُلِقَتْ على غَيْرِ هذه الصُّورَةِ الْمُخْتَصَّةِ بها لَنَقَصَ فِعْلُهَا وَبَطَلَ فَبِتِلْكَ الصُّورَةِ تَتِمُّ قُدْرَةُ الْيَدِ على ما هو الْمَطْلُوبُ منها فَإِنْ قِيلَ إذَا كان الْمُرَادُ الْقُدْرَةَ فَلِمَ ثُنِّيَتْ وَجُمِعَتْ وَالْقُدْرَةُ وَاحِدَةٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا جُمِعَتْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقَاتِهَا فَاسْتَقَرَّ لها ما صَدَرَ عنها من الْآثَارِ الْعَدِيدَةِ وَيَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ آثَارَهَا قِسْمَانِ إمَّا لِأَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أو لِأَنَّ آثَارَهَا الْجَوَاهِرُ وَالْأَعْرَاضُ أو الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وقد انْعَكَسَ هذا الْمِثَالُ على الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَأَتْبَاعِهِ وَقَالُوا كَتَسْمِيَةِ الْيَدِ قُدْرَةً قال الْقَرَافِيُّ صَوَابُهُ كَتَسْمِيَةِ الْقُدْرَةِ بِالْيَدِ فإن الْيَدَ سَبَبُ الْقُدْرَةِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ سَبَبُ الْيَدِ إذْ لَا تُوضَعُ إلَّا بها فإن من الْوَاضِحِ أَنَّ الْمَعْنَى بِالْيَدِ هُنَا إنَّمَا هو الْمَعْنَى الْمُسَوِّغُ لِلتَّصَرُّفِ لَا الْجَارِحَةُ وَاعْتَرَضَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَيْضًا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ الْيَدِ بَلْ لَازِمَةٌ لِصُورَةِ الْيَدِ وَجَوَابُهُ أنها صُورَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَمِثَالُ الرَّابِعِ تَسْمِيَةُ الْعَصِيرِ خَمْرًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى قد أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا وَقَوْلُهُ رَعَيْنَا الْغَيْثَ أَيْ النَّبَاتَ الذي سَبَبُهُ الْغَيْثُ قال الشَّاعِرُ إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا وهو الْمَطَرُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ غَائِيٌّ لِلْمَطَرِ وَقَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اقْرَءُوا على مَوْتَاكُمْ يس أَيْ من اُحْتُضِرَ وَقَوْلُهُ من قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَجَعَلَ منه الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ تَسْمِيَةَ الْفَجْرِ خَيْطًا في قَوْله تَعَالَى حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ من الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ من الْفَجْرِ قال لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ من الْجَنُوبِ إلَى الشِّمَالِ كَامْتِدَادِ الْخَيْطِ على الْأُفُقِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ في الْجَنُوبِ وَالْآخَرُ في الشِّمَالِ وَتَشْبِيهُ سَوْدَاءِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ بِخَيْطٍ طَرَفُهُ في الْأُفُقِ وَأَعْلَاهُ مِصْعَدٌ في السَّمَاءِ وَوَصَفَهُ بِالسَّوَادِ لِأَنَّهُ يَضْمَحِلُّ فَيَصِيرُ مَكَانَهُ سَوَادُ اللَّيْلِ فَوُصِفَ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ إنَّا نُبَشِّرُك بِغُلَامٍ عَلِيمٍ وهو مَعْنَى ما ذَكَرَهُ أبو عُبَيْدٍ وهو من أَحْسَنِ ما قِيلَ إذْ لَا يَصِحُّ تَشْبِيهُ اللَّيْلِ الْمُطْبِقِ لِلْآفَاقِ بِالْخَيْطِ وَلَا يَصِحُّ تَشْبِيهُ طَرَفِهِ الْمُلْتَصِقِ بِبَيَاضِ الْفَجْرِ بِبَيَاضِ الْخَيْطِ لِأَنَّهُ لَا تَشْبِيهَ بِخِلَافِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ أَقْوَى من الْجَمِيعِ لِأَنَّهَا حَالَ كَوْنِهَا ذِهْنِيَّةً عِلَّةُ الْعِلَلِ وَحَالُ كَوْنِهَا خَارِجِيَّةً مَعْلُولُهَا فَقَدْ حَصَلَ لها الْعَلَاقَتَانِ الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ الْمُسَبَّبِيَّةُ وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُسَبَّبِ على السَّبَبِ كَتَسْمِيَتِهِمْ الْمَرَضَ الْمُهْلِكَ مَوْتًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ في الْعِبَادِ سَبَبًا لِلْمَوْتِ وَكَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُمَا مُسَبَّبَانِ عنه وَمِنْهُ أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ نَبَاتًا فَذُكِرَ النَّبَاتُ وَأُرِيدَ بِهِ الْغَيْثُ لِأَنَّ الْغَيْثَ سَبَبٌ لِلنَّبَاتِ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وَأَنْزَلَ لَكُمْ من الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّجَوُّزَ بِلَفْظِ السَّبَبِ عن الْمُسَبَّبِ أَوْلَى من الْعَكْسِ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُعَيَّنَ يَسْتَدْعِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا كَالزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ فإنه يَقْتَضِي مُسَبَّبًا مُعَيَّنًا وهو الرَّجْمُ وَالْمُسَبَّبُ الْمُعَيَّنُ لَا يَسْتَدْعِي سَبَبًا مُعَيَّنًا بَلْ سَبَبًا ما كَإِبَاحَةِ الدَّمِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي سَبَبًا غير مُعَيَّنٍ وهو إمَّا الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ أو الزِّنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ أو قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يَقْتَضِي وَاحِدًا من هذه الْأُمُورِ بِعَيْنِهِ وما اقْتَضَى الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ أَقْوَى مِمَّا يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْمُعَيَّنِ يَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَزِيَادَةً وَهِيَ التَّعْيِينُ فَكَانَ أَوْلَى كَالضَّرْبِ فإنه يَقْتَضِي الْأَلَمَ جَزْمًا بِخِلَافِ الْأَلَمِ فإنه لَا يَقْتَضِي الضَّرْبَ على التَّعْيِينِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ فَكَانَ فَهْمُ الْمُسَبَّبِ من اسْمِ السَّبَبِ فَوْقَ فَهْمِ السَّبَبِ من اسْمِ الْمُسَبَّبِ فَكَانَ أَبْلَغَ إفَادَةً لِلْمَقْصُودِ وَهَكَذَا يقول إطْلَاقُ اسْمِ اللُّزُومِ على اللُّزُومِ أَوْلَى من الْعَكْسِ وَكَذَا إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ على الْجُزْءِ وقد يُقَالُ إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ على الْمُسَبَّبِ أَوْلَى من إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ على اللَّازِمِ لِمَا بين السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ من الِاتِّصَالِ وَالْمُنَاسَبَةِ الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ الْمُشَابَهَةُ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُشَبَّهِهِ إمَّا في الصُّورَةِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ على الْمَنْقُوشِ في الْحَائِطِ بِصُورَتِهِ وَإِمَّا في الْمَعْنَى كَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ لِلْحَقِيقَةِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ على الشُّجَاعِ فَلَا يَجُوزُ في الْحَقِيقَةِ كَاسْتِعَارَةِ لَفْظِ الْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الْأَبْخَرِ إذْ هِيَ صِفَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ وقال الْقَرَافِيُّ إنَّهُ يُشْتَرَطُ فيها أَنْ تَكُونَ أَشْهَرَ صِفَاتِ الْمَحَلِّ وَمِنْ هَاهُنَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْعَلَاقَةِ أَمْرًا ذِهْنِيًّا كما سَبَقَ وَنَحْنُ إنْ اشْتَرَطْنَا الظُّهُورَ فَلَا نَشْرِطُ كَوْنَهُ ذِهْنِيًّا وقد اجْتَمَعَتْ الْمُشَابَهَةُ في الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ مَعًا في قَوْله تَعَالَى فَأَخْرَجَ لهم عِجْلًا جَسَدًا له خُوَارٌ فإن الْعَلَاقَةَ مَجْمُوعُ الشَّكْلِ وَالْخُوَارِ وَإِمَّا بِدُونِ أَدَاةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ أَيْ مِثْلُ أُمَّهَاتِهِمْ في الْحُرْمَةِ وَتَحْرِيمِ الْمُنَاكَحَةِ وَقَوْلُهُمْ أبو يُوسُفَ أبو حَنِيفَةَ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْكَافِرِ كَافِرًا إذْ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ سَتْرُ جُرْمٍ بِجُرْمٍ وَتَغْطِيَتُهُ لِئَلَّا تَرَاهُ الْعُيُونُ وَلَمَّا كان الْكُفْرُ وَاحِدًا وَالْإِيمَانُ وَاقِعٌ لِلْبَصِيرَةِ عن إدْرَاكِ الْحَقِّ شُبِّهَ بِمَا يَمْنَعُ الْإِبْصَارَ من الْمَحْسُوسَاتِ وَقِيلَ في قَوْله تَعَالَى أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ أَيْ الزُّرَّاعَ لِكُفْرِهِمْ الْحَبَّ في الْأَرْضِ وَيُسَمَّى الْمَجَازُ الذي عَلَاقَتُهُ الْمُشَابَهَةُ اسْتِعَارَةً فَالِاسْتِعَارَةُ أَخَصُّ من الْمَجَازِ وَخَصَّ الْإِمَامُ الِاسْتِعَارَةَ بِالْمُتَشَابِهِ الْمَعْنَوِيِّ لَا الصُّورِيِّ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ وَحَكَى عبد اللَّطِيفِ الْبَغْدَادِيُّ عن بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَجَازَ وَالِاسْتِعَارَةَ مُتَرَادِفَانِ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَجَازَ مُنْحَصِرٌ في الْمُشَابَهَةِ وَاخْتَلَفُوا هل الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بين لَفْظَيْ الْمُسْتَعَارِ منه وَالْمُسْتَعَارِ له في بَعْضِ ما وُضِعَ اسْمُ الْمُسْتَعَارِ منه لَا بين ذَاتَيْهِمَا أو الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ بين ذَاتَيْهِمَا في الْمَعْنَى اللَّازِمِ الْمَشْهُورِ في الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمُشَابَهَةِ وفي مَعْنَى اسْمِهَا لُغَةً وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ وَشَرَطَ عَلِيُّ بن عِيسَى الرُّمَّانِيُّ في إعْجَازِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ ذلك الْمَعْنَى الْمُسْتَعَارُ منه أَبْلَغَ حتى يَكُونَ لِلِاسْتِعَارَةِ فَائِدَةٌ قال السَّمَرْقَنْدِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذلك ليس بِشَرْطٍ وَإِنْ كان هو الْغَالِبَ وَسَبَقَ في كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وقال الْحَاجَوِيُّ في رِسَالَاتِهِ شَرَطُوا في صِحَّةِ الْمَجَازِ كَوْنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مَشْهُورًا في الْأَصْلِ كَالشَّجَاعَةِ التي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْأَسَدِ وَالْبَلَادَةِ التي هِيَ صِفَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْحِمَارِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذلك حتى تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ أَسَدًا وَإِنْ لم يَكُنْ الْبَخَرُ صِفَةً مَشْهُورَةً لِلْأَسَدِ مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ إذَا اُسْتُعِيرَ من الْمُسْتَعَارِ منه إلَى الْمُسْتَعَارِ له فَالْعَامِلُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ وهو عِبَارَةٌ عن اسْمِ الْمُسْتَعَارِ له حتى كَأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ صَرِيحًا وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ قال صَاحِبُ الْمِيزَانِ منهم وَفُرُوعُ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ على أَنَّ الْعَامِلَ هو الِاسْمُ الذي قام لَفْظُ الْمُسْتَعَارِ مَقَامَهُ فإنه قال فِيمَنْ قال لِامْرَآتِهِ أَنْتِ بَائِنٌ إنَّهُ رَجْعِيٌّ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا عن قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كَأَنَّهُ نَصَّ عليه وَكَذَا قال بِأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ كَقِيَامِ لَفْظِ الطَّلَاقِ مَقَامَهُ حتى كَأَنَّهُ نَصَّ على لَفْظِ الْعَتَاقِ وَهَذَا يَسْتَقِيمُ على قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْمُشَابَهَةَ في الِاسْتِعَارَةِ مُعْتَبَرَةٌ بين اللَّفْظَيْنِ وقال محمد بن يحيى من أَصْحَابِنَا في تَعْلِيقِهِ الْخِلَافُ لِلَّفْظِ إذَا جُعِلَ كِنَايَةً عن غَيْرِهِ فَالْمَذْكُورُ حَقِيقَةً هو الْمَنْوِيُّ الْمُكَنَّى عنه دُونَ الْمَلْفُوظِ أَلَا تَرَى أَنَّ من قال لِلشُّجَاعِ يا أَسَدُ وَلِلْبَلِيدِ يا حِمَارُ كان الْمُنَادَى هو الْآدَمِيَّ دُونَ السَّبُعِ وَالْبَهِيمَةِ وَمَنْ قال لِزَوْجَتِهِ أَعْتَقْتُك وَنَوَى الطَّلَاقَ كان الصَّادِرُ حَقِيقَةً هو الطَّلَاقَ وَكَانَتْ الْإِبَانَةُ لَيْسَتْ تَصَرُّفًا مَوْضُوعًا شَرْعًا إنَّمَا الْمَوْضُوعُ هو الطَّلَاقُ غير أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فيه لَفْظٌ آخَرُ يَقْرُبُ منه في الْمَعْنَى ثُمَّ الْمُتَصَرِّفُ هو الْمُسْتَعَارُ منه دُونَ ما عنه الِاسْتِعَارَةُ وَيَدُلُّ عليه أَنَّ نِيَّةَ الطَّلَاقِ لَا بُدَّ منها حتى لو قال أَبَنْتُكِ بَيْنُونَةَ النِّكَاحِ أو قَطَعْت نِكَاحَك لم يَعْمَلْ دُونَ النِّيَّةِ مع أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ عن الْإِجْمَالِ أَعْنِي إجْمَالَ جِهَاتِ الْبَيْنُونَةِ الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ التَّضَادُّ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ضِدِّهِ وَأَكْثَرُ ما يَقَعُ في الْمُتَقَابِلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَطْلَقَ على الْجَزَاءِ سَيِّئَةً مع أَنَّهُ عَدْلٌ لِكَوْنِهِ ضِدَّهَا وفي هذا رَدُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَفِيهِ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى لَفْظِ الثَّانِي لِأَنَّ الْقِصَاصَ ليس بِمُعَاقَبَةٍ وَمِنْهُ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَجُوزُ جَعْلُهُ من الْمُشَابَهَةِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمَثَلِ السَّائِرِ من هذا الْقِسْمِ قَوْلَهُمْ الْجَوْنُ لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وهو وَهَمٌ لِأَنَّ هذا اشْتِرَاكٌ كَالنَّاهِلِ لِلرَّيَّانِ وَالظَّمْآنِ لَا أَنَّهُ مَجَازٌ وإذا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين هذا وما قَبْلَهُ فَالسَّابِقُ أَوْلَى وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَلَاقَةَ في إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ على الْآخَرِ ليس هو اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ لِلِاتِّفَاقِ على امْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَبِ على الِابْنِ بَلْ هو من قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَنْزِيلِ الْمُقَابِلِ مَنْزِلَةَ الْمُنَاسِبِ بِوَاسِطَةِ تَمْلِيحٍ أو تَهَكُّمٍ كما في إطْلَاقِ الشُّجَاعِ على الْجَبَانِ أو تَفَاؤُلٍ كما في إطْلَاقِ الْبَصِيرِ على الْأَعْمَى أو مُشَاكَلَةٍ كما في إطْلَاقِ السَّيِّئَةِ على جَزَاءِ السَّيِّئَةِ الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ الْكُلِّيَّةُ وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ على الْجُزْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ أَيْ أَنَامِلَهُمْ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَضَعُ أُصْبُعَهُ في أُذُنِهِ وَقَوْلُهُ وُجُوهٌ يَوْمئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أَيْ أَعْيُنٌ لِأَنَّ النَّظَرَ بِالْعَيْنِ لَا بِالْوَجْهِ وَجَعَلَ منه ابن جِنِّي قَوْلَك ما فَعَلَ زَيْدٌ فَيُقَالُ الْقِيَامُ وَالْقِيَامُ إنَّمَا هو جِنْسٌ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فيه نَظَرٌ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قالوا إنَّ الْقِيَامَ دَالٌّ على الْمَصْدَرِ فَلَا يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ على أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بَلْ يَدُلُّ على الْحَقِيقَةِ لَا غَيْرُ وَهَاهُنَا بَحْثٌ وهو أَنَّهُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ التي في الْقِيَامِ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا مُشَاحَةَ له في ذلك لِأَنَّ الْكُلَّ غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ تَعْرِيفَ الْمَصْدَرِ فَهَذَا مَوْضِعُ النَّقْدِ عليه لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَدُلُّ إلَّا على قِيَامٍ ما وَلَا يُقَالُ فيه إنَّهُ بَعْضُ الْقِيَامِ وَلَا كُلُّهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ له ما أَرَادَ من إدْخَالِهِ في بَابِ الْمَجَازِ وَعَلَى هذا فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ الْقِيَامُ أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ بَلْ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا النَّوْعُ يُقَالُ له إطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ وَشَوَاهِدُهُ كَثِيرَةٌ وَعِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَتُسَمَّى قَاصِرَةً بِنَاءً على أَنَّهُ في الْمَجَازِ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وُضِعَ له وَالْجُزْءُ ليس غير الْكُلِّ كما أَنَّهُ ليس عَيْنَهُ لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَوْجُودَانِ يَجُوزُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ فَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ فَعِنْدَهُ اللَّفْظُ إنْ اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِ ما وُضِعَ له أَيْ في مَعْنًى خَارِجٍ عَمَّا وُضِعَ له فَمَجَازٌ وَإِلَّا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ في عَيْنِهِ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ الْجُزْئِيَّةُ وَهِيَ إطْلَاقُ الْجُزْءِ وَإِرَادَةُ الْكُلِّ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ يَمْلِكُ كَذَا رَأْسًا من الْغَنَمِ أو ذَبَحَ كَذَا رَأْسًا من الْبَقَرِ وَكَاسْتِعْمَالِ الْعَيْنِ التي هِيَ الْجَارِيَةُ في الْجَاسُوسِ وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على الْيَدِ ما أَخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ وقد فَرَّعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا على هذا مَسْأَلَةَ إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَنَحْوِهِمَا لَكِنَّ الْأَصَحَّ جَعْلُهُ من بَابِ السِّرَايَةِ وإذا تَعَارَضَ هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ وَلَا عَكْسَ فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْأَوَّلِ أَقْوَى وَهَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى إطْلَاقِ الْأَعَمِّ على الْكُلِّ أَمَّا في إطْلَاقِ الْجُزْءِ الْخَاصِّ بِالشَّيْءِ كَالنَّاطِقِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ فَلَا لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ له فَيَحْتَاجُ في تَعْلِيلِ أَوْلَوِيَّةِ الْأَوَّلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هذا الْجُزْءِ إلَى وَجْهٍ آخَرَ وهو أَنَّ الْكُلَّ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءَ من حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ وَأَمَّا الْجُزْءُ الذي يَسْتَلْزِمُ الْكُلَّ فإنه لَا يَسْتَلْزِمُهُ من حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ بَلْ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ وما بِالذَّاتِ يَكُونُ أَوْلَى وَأَقْدَمَ مِمَّا بِالْعَرَضِ قَالَهُ الْهِنْدِيُّ الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ إطْلَاقُ ما بِالْفِعْلِ على ما بِالْقُوَّةِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ الْمُسْتَعِدِّ لِأَمْرٍ بِاسْمِ ذلك الْأَمْرِ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ حَالَ كَوْنِهِ في الدَّنِّ بِالْمُسْكِرِ وَإِطْلَاقُ الْكَاتِبِ على الْعَارِفِ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ لها وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ إطْلَاقَ ما بِالْفِعْلِ على ما بِالْقُوَّةِ الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ الْمُجَاوَرَةُ وَهِيَ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يُجَاوِرُهُ كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الرَّاوِيَةِ على الْقِرْبَةِ التي هِيَ ظَرْفٌ لِلْمَاءِ فإن الرَّاوِيَةَ في الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ ثُمَّ أُطْلِقَ على الْقِرْبَةِ لِمُجَاوَرَتِهِ لها وَكَذَا قَوْلُهُمْ جَرَى الْمِيزَابُ وَكَالْغَائِطِ لِلْفَضْلَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ لِأَنَّهَا تُجَاوِرُ الْمَكَانَ الْمُطْمَئِنَّ غَالِبًا كَقَوْلِهِ فَشَكَكْت بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ ثِيَابَهُ ليس الْكَرِيمُ على الْقَنَا بِمُحَرَّمِ أَرَادَ بِثِيَابِهِ نَفْسَهُ الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةُ اعْتِبَارُ ما كان عليه تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ ما كان عليه كَتَسْمِيَةِ الْمُعْتَقِ عَبْدًا وَالْآدَمِيِّ مُضْغَةً وقَوْله تَعَالَى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى إذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقِيلَ إنَّ هذا الْقِسْمَ حَقِيقَةٌ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الضَّارِبَ الْحَقِيقِيَّ هل هو من اتَّصَفَ بِإِيجَادِ الضَّرْبِ أو من هو آخِذٌ في إيجَادِهِ وقد سَبَقَتْ في مَبَاحِثِ الِاشْتِقَاقِ على أَنَّ الْقَائِلَ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً لم يُرِدْ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَمَّا إذَا أُرِيدَ جَعْلُهُ ضَارِبًا بَعْدَ ضَرْبِهِ بِتَخَيُّلِ ضَرْبٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَهُوَ مَجَازٌ قَطْعًا وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ هذه الْعَلَاقَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَلَبِّسًا الْآنَ بِضِدِّهِ فَلَا يُقَالُ لِلشَّيْخِ إنَّهُ طِفْلٌ بِاعْتِبَارِ ما كان وَلَا لِلثَّوْبِ الْأَسْوَدِ إنَّهُ أَبْيَضُ بِاعْتِبَارِ ما كان وَلِهَذَا امْتَنَعَ إطْلَاقُ الْكَافِرِ على الْمُسْلِمِ لِكُفْرٍ تَقَدَّمَ عليه الْعَلَاقَةُ الْعَاشِرَةُ اعْتِبَارُ ما يَئُولُ إلَيْهِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ إمَّا بِالْفِعْلِ كَإِطْلَاقِ الْخَمْرِ على الْعِنَبِ أو بِالْقُوَّةِ كَإِطْلَاقِ الْمُسْكِرِ على الْخَمْرِ إنْ بَقِيَتْ قِيلَ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ آيِلًا بِنَفْسِهِ لِيَخْرُجَ الْعَبْدُ فإنه لَا يُطْلَقُ عليه حُرٌّ بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ وفي تَعْلِيقِ الْخِلَافِ لِإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ إنَّمَا يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ إذَا كان الْمَآلُ مَقْطُوعًا بِوُجُودِهِ كَالْقِيَامَةِ لَا بُدَّ منها وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ من نُزُولِهِ فَيَبْطُلُ تَأْوِيلُ الْحَنَفِيَّةِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ على أَنَّهُ سَيَبْطُلُ وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَفْسَخَهُ وَذَكَرَ ابن يحيى في تَعْلِيقِهِ نَحْوَهُ فقال إذَا كان الْمَآلُ مَقْطُوعًا بِهِ نَحْوُ إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ أو غَالِبًا لَا نَادِرًا كَتَأْوِيلِ الْحَنَفِيَّةِ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا أَنَّ منهم من اكْتَفَى عن هذه الْعَلَاقَةِ بِالسَّابِعَةِ أَعْنِي بِعَلَاقَةِ الِاسْتِعْدَادِ وهو ظَاهِرُ تَمْثِيلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ وَالْحَقُّ تَغَايُرُهُمَا لِأَنَّ الْمُسْتَعِدَّ لِلشَّيْءِ قد لَا يَئُولُ إلَيْهِ بَلْ هو مُسْتَعِدٌّ له وَلِغَيْرِهِ كما أَنَّ الْعَصِيرَ قد لَا يَئُولُ إلَى الْخَمْرِيَّةِ وَإِنْ كان مُسْتَعِدًّا لها وَلِغَيْرِهَا الثَّانِي أَنَّ هذه وَاَلَّتِي قَبْلَهَا لَا بُدَّ من تَقْيِيدِهِمَا لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ ما كان عليه أو بِمَا سَيَئُولُ إلَيْهِ تَارَةً يُقَدَّرُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ لِكَوْنِهَا كانت أو سَتَكُونُ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ وَيُتَخَيَّلُ ذلك فَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ وهو من الْقِسْمِ الْمُسَمَّى بِالْمُشَابَهَةِ في الصِّفَةِ وَتَارَةً لَا يُتَخَيَّلُ ذلك بَلْ يُطْلَقُ ذلك الِاسْمُ لِكَوْنِهِ كان أو سَيَكُونُ من غَيْرِ تَخَيُّلِ هذه الصِّفَةِ مَوْجُودَةً وهو مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ الثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين هذه الْعَلَاقَةِ وَبَيْنَ التي قَبْلَهَا أَعْنِي بِاعْتِبَارِ ما كان فَالْأُولَى أَوْلَى لِكَوْنِهِ وَصْفًا بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ لِأَنَّهُ وُصِفَ بِمَا وَقَعَ بِخِلَافِ هذه وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا في الْأُولَى هل هِيَ حَقِيقَةٌ وَاتَّفَقُوا في الثَّانِيَةِ على أَنَّهُ مَجَازٌ وقال بَعْضُهُمْ الْمُعْتَبَرُ في الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ ما كان حُصُولُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى الْمَجَازِيِّ في الزَّمَانِ السَّابِقِ على حَالَةِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ إلَى زَمَانِ وُقُوعِ النِّسْبَةِ وفي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ حُصُولُهُ في الزَّمَانِ اللَّاحِقِ وَيَمْتَنِعُ فِيهِمَا حُصُولُهُ في زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسَمَّى من أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ له فَيَكُونُ اللَّفْظُ فيه حَقِيقَةً لَا مَجَازًا فَفِي مِثْلِ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وأعصر خَمْرًا وُضِعَ الْكَلَامُ على أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةُ الْيُتْمِ حَاصِلَةً لهم وَقْتَ إيتَاءِ الْمَالِ إيَّاهُمْ وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ حَاصِلَةٌ له حَالَ الْعَصِيرِ فَلَوْ حَصَلَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ في هذه الْحَالِ كما هو مُقْتَضَى وَضْعِ الْكَلَامِ لم يَكُنْ اللَّفْظُ مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُصُولُ في زَمَانٍ سَابِقٍ لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ ما كان أو لَاحِقٍ لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْمِ وَأَمَّا في الْفِعْلِ إذَا أُطْلِقَ الْمُسْتَقْبَلُ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَاضِي أو عَكْسُهُ فَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ نَفْسُ الْفِعْلِ وَبِالزَّمَانِ زَمَانُ ما يَدُلُّ عليه الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ فإذا قُلْنَا يُكْتَبُ مَجَازًا عن كُتُبٍ بِاعْتِبَارِ ما كان بِمَعْنَى حُصُولِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أو جَوْهَرِ الْحُرُوفِ وهو الْحَدَثُ حَاصِلٌ لِلْمُسَمَّى في زَمَانٍ سَابِقٍ على الزَّمَانِ الذي هو مَدْلُولُ الْفِعْلِ أَعْنِي الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ إذْ لو كان حَاصِلًا له في ذلك الزَّمَانِ لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وإذا قُلْنَا كَتَبَ زَيْدٌ مَجَازًا عن يَكْتُبُ بِاعْتِبَارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ بِمَعْنَى حُصُولِ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أَنَّ الْحَدَثَ حَاصِلٌ له في زَمَانٍ لَاحِقٍ مُتَأَخِّرٍ عن الزَّمَانِ الْمَاضِي الذي يَدُلُّ عليه الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ إذْ لو كان حَاصِلًا في الزَّمَانِ الْمَاضِي لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَالزَّمَانُ الذي يَحْصُلُ فيه الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الْمُسَمَّى في الصُّورَتَيْنِ مُغَايِرٌ لِلزَّمَانِ الذي وُضِعَ لَفْظُ الْفِعْلِ له لِحُصُولِ الْحَدَثِ فيه وَهَذَا فيه نَظَرٌ فإنه ليس مَدْلُولُهُ الْمُسَمَّى الْمُطْلَقُ عليه لَفْظُ الْمَجَازِ الذي هو لَفْظُ الْفِعْلِ وَإِنَّمَا الْمَدْلُولُ الْمَجَازِيُّ هو الْحَدَثُ الْمُقَارَنُ بِزَمَانٍ سَابِقٍ أو لَاحِقٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّعْبِيرَ عن الْمَاضِي بِالْمُضَارِعِ وَعَكْسُهُ من بَابِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَشْبِيهِ غَيْرِ الْحَاصِلِ بِالْحَاصِلِ في تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ وَتَشْبِيهُ الْمَاضِي بِالْحَاضِرِ في كَوْنِهِ نُصْبَ الْعَيْنِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ الْمَجَازُ بِالزِّيَادَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهَلْ الزَّائِدُ كَافٌ أو مِثْلِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْإِرْشَادِ هل الْمَجَازُ الزَّائِدُ عن الْآيَةِ لَا غَيْرُ أو الْكَلِمَةُ التي وَصَلَتْهَا الزِّيَادَةُ وَجْهَانِ وَسَيَأْتِي عن الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ فَقَطْ لِأَنَّهَا لو كانت أَصْلِيَّةً لَلَزِمَ إثْبَاتُ الْمِثْلِ وهو مُحَالٌ وَرُدَّ بِدَعْوَى الْأَصَالَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ مِثْلِ الْمِثْلِ وَيَلْزَمُ من نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ نَفْيُ الْمِثْلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مِثْلٌ إذْ الْمُمَاثَلَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا من الْجَانِبَيْنِ وقال بَعْضُهُمْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ ليس شَيْءٌ كَمِثْلِهِ فَشَيْءٌ اسْمُ ليس وهو الْمُبْتَدَأُ وَكَمِثْلِهِ خَبَرٌ فَالشَّيْءُ الذي هو الْمَوْضُوعُ قد نُفِيَ عنه الْمِثْلُ الذي هو الْمَحْمُولُ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عنه لَا مَنْفِيٌّ فَيَكُونُ ثَابِتًا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ مَنْفِيَّةً وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ مِثْلُ مِثْلِهَا وَلَازِمُهُ نَفْيُ مِثْلِهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَنْفِيٌّ عنها وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ قِيلَ إنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ أو الْمِثْلَ زَائِدٌ قال وَنَرَى الْقَاضِي يَمِيلُ إلَى ذلك وَيَعُدُّهُ من الْمَجَازِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ قد اُخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ كَوْنِ هذا مَجَازًا فقال الْجُمْهُورُ إنَّ الْكَلِمَةَ تَصِيرُ بِالزِّيَادَةِ مَجَازًا وقال قَوْمٌ إنَّ نَفْسَ الزِّيَادَةِ تَكُونُ مَجَازًا دُونَ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ لِأَنَّ الْكَافَ هِيَ الْمُسْتَعْمَلَةُ في غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَالْمِثْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَوْضِعِهِ قال وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْوَاحِدَ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ وما لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ وَالْكَافُ لَا تُفِيدُ إلَّا بِانْضِمَامِهَا إلَى الْمِثْلِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ مَجَازًا انْتَهَى وقال الْعَبْدَرِيّ في الْمُسْتَوْفَى وابن الْحَاجِّ في تَنْكِيتِهِ على الْمُسْتَصْفَى الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ من أَنْوَاعِ الْمَجَازِ بَلْ فيها ضَرْبٌ من التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فيه مُبَالَغَةٌ في نَفْيِ مِثْلِ الْمِثْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ ليس مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وَالْمَعْنَى ليس مثله وَالزِّيَادَةُ حَقِيقِيَّةٌ الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْمَجَازُ بِالنُّقْصَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ أَيْ أَهْلَ اللَّهِ قال الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وهو مِثَالٌ سَدِيدٌ وَقَوْلُهُ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ فإن الْمُرَادَ أَهْلُهَا وَمِنْهُمْ من لم يَجْعَلْهُ مَجَازًا وقال لَا نَقُولُ أُقِيمَتْ الْقَرْيَةُ مَقَامَ أَهْلِهَا بَلْ حُذِفَ من الْخِطَابِ ذِكْرُ الْأَهْلِ لِدَلَالَةِ بَقِيَّةِ الْخِطَابِ عليه وَالْإِضْمَارُ وَالْحَذْفُ لَيْسَا من الْمَجَازِ فإن الْمَجَازَ هو اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ما وُضِعَ له حَكَاهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ وَقَالَا مَيْلُ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ يُسَمَّى مَجَازًا قال وهو الظَّاهِرُ وَالْخِلَافُ فيه سَهْلٌ وَكَذَا قال إلْكِيَا الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَلَا خِلَافَ في الْمَعْنَى وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُضْمَرَ هل هو سَبَبُ التَّجَوُّزِ أو مَحَلُّ التَّجَوُّزِ وَطَرِيقَةُ الْبَيَانِيِّينَ تَقْتَضِي الثَّانِيَ قال الْمُطَرِّزِيُّ وَإِنَّمَا يَكُونُ كُلٌّ من الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إذَا تَغَيَّرَ بِسَبَبِهِ حُكْمٌ وَإِنْ لم يَتَغَيَّرْ فَلَا فَلَوْ قُلْت زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَعَمْرٌو وَحَذَفْت الْخَبَرَ لم يُوصَفْ بِالْمَجَازِ لِأَنَّهُ لم يُؤَدِّ إلَى تَغْيِيرِ حُكْمٍ من أَحْكَامِ ما بَقِيَ من الْكَلَامِ انْتَهَى وَالتَّمْثِيلُ بِالْآيَةِ مَبْنِيٌّ على أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْيَةِ الْأَبْنِيَةُ وَهِيَ لَا تُسْأَلُ وَقِيلَ إنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الناس الْمُجْتَمِعِينَ فيها وَقِيلَ بَلْ الْقَرْيَةُ حَقِيقَةٌ في الناس بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَكَمْ قَصَمْنَا من قَرْيَةٍ كانت ظَالِمَةً وَكَأَيِّنْ من قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لها وَهِيَ ظَالِمَةٌ وَكَمْ أَهْلَكْنَا من قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا وَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ من الْقَرِّ وهو الْجَمْعُ وَمِنْهُ قَرَأْت الْمَاءَ في الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْته وَمِنْهُ الْقِرَى وَهِيَ الضِّيَافَةُ لِاجْتِمَاعِ الناس لها وَقِيلَ إنَّهَا من بَابِ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ لَا من الْحَذْفِ وَقِيلَ لَا مَجَازَ أَصْلًا وَلَا حَذْفَ بَلْ السُّؤَالُ حَقِيقِيٌّ لها وَيَكُونُ مُعْجِزَةً لِأَنَّهُ في زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَالصَّحِيحُ من هذا كُلِّهِ هو الْأَوَّلُ وهو الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ عن أَهْلِ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ وَجَعَلَ هذه الْآيَةَ من الدَّالِّ لَفْظِهِ على بَاطِنِهِ دُونَ ظَاهِرِهِ فقال قال اللَّهُ تَعَالَى وهو يَحْكِي قَوْلَ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ وما شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا وما كنا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ التي كنا فيها وَالْعِيرَ التي أَقْبَلْنَا فيها وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَهَذِهِ الْآيَةُ في مَعْنَى الْآيَاتِ قَبْلَهَا لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُخَاطِبُونَ أَبَاهُمْ بِمَسْأَلَةِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَأَهْلِ الْعِيرِ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ لَا يُنْبِئَانِ عن صِدْقِهِمْ ا هـ كَلَامُهُ وقد أَشْكَلَ على جَمَاعَةٍ جَعْلُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ من أَنْوَاعِ الْمَجَازِ الْإِفْرَادِيِّ لِأَنَّ الْمَجَازَ الْإِفْرَادِيَّ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ ما وُضِعَ له وَجَمِيعُ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ في الْآيَتَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ له فَالْقَرْيَةُ في الْقَرْيَةِ وَالسُّؤَالُ في السُّؤَالِ وَكَذَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فلم يَبْقَ إلَّا الْمَحْذُوفُ وهو الْأَصْلُ وَالْمَحْذُوفُ مَسْكُوتٌ عنه لم يُسْتَعْمَلْ أَلْبَتَّةَ وَالزَّائِدُ كَذَلِكَ لم يُسْتَعْمَلْ في شَيْءٍ وما لَا يُسْتَعْمَلُ في شَيْءٍ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ من مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا الْإِفْرَادِ وَاخْتَارَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ السُّؤَالَ لِتَرْكِيبِ لَفْظَةٍ مع لَفْظَةٍ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْإِجَابَةِ فَحَيْثُ رَكَّبَتْهُ مع ما لَا يَصْلُحُ فَقَدْ عَدَلَتْ عن التَّرْكِيبِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَرْكِيبٍ آخَرَ وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ إلَّا هذا وَكَذَلِكَ حُرُوفُ الزِّيَادَةِ وَضَعَتْهَا لِتُرَكِّبَهَا مع مَعْنًى فإذا رَكَّبَتْهَا لَا مع مَعْنًى فَهُوَ مَجَازٌ في التَّرْكِيبِ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَجَازَ في الْمَذْكُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ حُكْمَ إعْرَابِهِ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ مع ذِكْرِ الْأَهْلِ مَجْرُورَةٌ وَعِنْدَ حَذْفِهَا مَنْصُوبَةٌ وَكَذَلِكَ مِثْلِ مَجْرُورَةٌ بِزِيَادَةِ الْكَافِ وكان حُكْمُهُ في الْأَصْلِ النَّصْبَ فَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَجَازُ في الْجَرِّ وَالنَّصْبِ من الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَيَانِ وَشَرَطُوا في مَجَازِ الْحَذْفِ أَنْ يَتَغَيَّرَ حُكْمُ إعْرَابِ الْكَلِمَةِ فَإِنْ لم يَتَغَيَّرْ لم يَكُنْ مَجَازًا وَإِنْ كان ثَمَّ حَذْفٌ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى فَقَبَضْتُ قَبْضَةً من أَثَرِ الرَّسُولِ فإن الْمُقَدَّرَ من أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ فَالْمَذْكُورُ هُنَا لم يَتَغَيَّرْ حُكْمُ إعْرَابِهِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا الثَّانِي أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَجَازِ الْإِفْرَادِيِّ صَادِقٌ عليه وَإِنْ لم يُلْحَظْ لَك لِأَنَّ قَوْلَهُ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ مَوْضُوعٌ لِسُؤَالِهَا مُسْتَعْمَلٌ في سُؤَالِ أَهْلِهَا فَكَانَ مَجَازًا وَلَيْسَ هو مَجَازًا في التَّرْكِيبِ فإن مَجَازَ التَّرْكِيبِ مِثْلُ قَوْلِك أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَوْضُوعِهِ فَمُقْتَضَاهُ إسْنَادُ الْإِثْبَاتِ إلَى الرَّبِيعِ وَلَكِنَّا عَلِمْنَا بِالْعَقْلِ أَنَّهُ ليس كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هو من اللَّهِ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَجَازِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَنَّ اللَّفْظَةَ الزَّائِدَةَ وَحْدَهَا أو النَّاقِصَةَ وَحْدَهَا مَجَازٌ وَلَا نَعْنِي بِمَجَازِ التَّرْكِيبِ إلَّا إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ وهو الذي يَكُونُ فيه من جِهَةِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ صَحِيحًا وَإِنَّمَا جاء الْمَجَازُ من جِهَةِ الْعَقْلِ حتى لو فُرِضَ هذا الْكَلَامُ من كَافِرٍ يَعْتَقِدُ حَقِيقَتَهُ لم يَكُنْ مَجَازًا الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ التَّعْلِيقُ الْحَاصِلُ بين الْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ أو الْفَاعِلِ فَمِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ على الْمَفْعُولِ قَوْله تَعَالَى هذا خَلْقُ اللَّهِ أَيْ مَخْلُوقَةٌ وقَوْله تَعَالَى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ أَيْ من مَعْلُومِهِ فَسُمِّيَ الْمَعْلُومُ عِلْمًا لِمَا بين الْمَعْلُومِ وَالْعِلْمِ من التَّعَلُّقِ وَلَفْظَةُ من تَقْتَضِي أَنَّ الْعِلْمَ نَفْسَهُ ليس مُرَادًا فَإِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَعِلْمُ اللَّهِ لَا يَتَبَعَّضُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ من مَعْلُومَاتِهِ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِجَابًا مَسْتُورًا أَيْ سَاتِرًا إنَّهُ كان وَعْدُهُ مَأْتِيًّا أَيْ آتِيًا على قَوْلٍ وَمِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ على الْفَاعِلِ رَجُلٌ عَدْلٌ وَصَوْمٌ أَيْ عَادِلٌ وَصَائِمٌ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِمْ قُمْ قَائِمًا أَيْ قِيَامًا وَاسْكُتْ سَاكِتًا أَيْ سُكُوتًا الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّازِمِ على الْمَلْزُومِ كَالْمَسِّ على الْجِمَاعِ الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ أَنْزَلْنَا عليهم سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ أَيْ يَدُلُّ وَالدَّلَالَةُ من لَوَازِمِ الْكَلَامِ الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ تَسْمِيَةُ الْحَالِّ بِاسْمِ الْمَحَلِّ كَالْغَائِطِ وَقَوْلُهُمْ لَا فُضَّ فُوك أَيْ أَسْنَانُك وَقَوْلُهُ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَيْ في الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا من مَحَلِّ رَحْمَتِهِ وَكَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ على الْكَلَامِ كما في قَوْله تَعَالَى وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَقَوْلُهُ وَاجْعَلْ لي لِسَانَ صِدْقٍ وقد اجْتَمَعَ هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ في قَوْله تَعَالَى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسْجِدٍ فإن الزِّينَةَ حَالَّةٌ في الثِّيَابِ وَالْمَسْجِدُ مَحَلُّ الصَّلَاةِ فَفِي الْأَوَّلِ إطْلَاقُ الْحَالِّ وَإِرَادَةُ الْمَحَلِّ وَالثَّانِي إطْلَاقُ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةُ الْحَالِ وَهِيَ الصَّلَاةُ الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ إطْلَاقُ الْمُنَكَّرِ وَإِرَادَةُ الْمُعَرَّفِ مِثْلُ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً عِنْدَ من يقول كانت مُعَيَّنَةً الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ عَكْسُهُ مِثْلُ اُدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا عِنْدَ من زَعَمَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ دُخُولُ أَيِّ بَابٍ كان الْعَلَاقَةُ الْعِشْرُونَ إطْلَاقُ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَإِرَادَةُ الْجِنْسِ نَحْوُ الرَّجُلُ خَيْرٌ من الْمَرْأَةِ الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إطْلَاقُ النَّكِرَةِ وَإِرَادَةُ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ وَقَوْلُهُ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا عِنْدَ من لم يَجْعَلْهُ اسْمَ جِنْسٍ كَالصِّفَةِ الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُقَيَّدِ على الْمُطْلَقِ كَقَوْلِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ أَصْبَحْت وَنِصْفُ الناس عَلَيَّ غَضْبَانُ فإنه أَرَادَ بِالنِّصْفِ الْبَعْضَ الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ عَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا عِنْدَ من يقول رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ من بَابِ إطْلَاقِ الْعَامِّ على الْخَاصِّ لِأَنَّ الْعَامَّ هو الْكُلُّ وَالْخَاصُّ هو الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ بِالْعَكْسِ من ذلك ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُطْلَقَ جُزْءٌ من الْمُقَيَّدِ ا هـ وَهَذَا سَهْوٌ منه بَلْ هو دَاخِلٌ في إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةُ الْعَامِّ الذي أَرَادَ بِهِ الْإِمَامُ إطْلَاقَ الْجُزْءِ وَإِرَادَةَ الْكُلِّ الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ تَسْمِيَةُ الْبَدَلِ بِاسْمِ الْمُبْدَلِ منه كَتَسْمِيَةِ الدِّيَةِ بِالدَّمِ في قَوْلِهِمْ أَكَلَ فُلَانٌ دَمَ فُلَانٍ أَيْ دِيَتَهُ الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ عَكْسُهُ كَتَسْمِيَةِ الْأَدَاءِ بِالْقَضَاءِ في قَوْله تَعَالَى فإذا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ أَيْ أَدَّيْتُمْ هذا جُمْلَةُ ما ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ الْقَلْبُ كَقَوْلِهِمْ خَرَقَ الثَّوْبُ الْمِسْمَارَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ التَّشْبِيهُ كَقَوْلِهِمْ تَعَالَى كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ النُّحَاةِ وَتَبِعَهُمْ صَاحِبُ الِارْتِشَافِ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّشْبِيهَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَلْبُ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ يَكُونُ مِزَاجُهَا عَسَلًا وَمَاءً الْعَلَاقَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ الْكِنَايَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ وفي هذا أَيْضًا نِزَاعٌ الْعَلَاقَةُ الثَّلَاثُونَ التَّعْرِيضُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قال يا قَوْمِ ليس بِي سَفَاهَةٌ الْعَلَاقَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ الِانْقِطَاعُ من الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا إبْلِيسَ الْعَلَاقَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْمَدْحِ في صُورَةِ الذَّمِّ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذُقْ إنَّك أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وَقَالُوا ما أَشْعَرَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ اللَّهُ ما أَفْصَحَهُ الْعَلَاقَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَعَكْسُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَقَوْلِهِ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ الْعَلَاقَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ وُرُودُ الْوَاجِبِ أو الْمُحَالِ في صُورَةِ الْمُمْكِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَسَى أَنْ يَبْعَثَك رَبُّك وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ لَعَلَّ مَنَايَانَا تَحَوَّلْنَ أَبْؤُسَا الْعَلَاقَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى وَالْغُثَاءُ ما احْتَمَلَهُ السَّيْلُ من الْحَشِيشِ وَالْأَحْوَى الشَّدِيدُ الْخُضْرَةِ من النِّعْمَةِ الْعَلَاقَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ إضَافَةُ الشَّيْءِ إلَى ما ليس له كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ الْعَلَاقَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ الْإِخْبَارُ عن الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ لِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ الْعَلَاقَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ تَجَاهُلُ الْعَارِفِ وَتَجَنَّبَ السَّكَّاكِيُّ هذه الْعِبَارَةَ لِوُقُوعِهِ في التَّنْزِيلِ وَسَمَّاهُ سِيَاقَ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ الْمَجْهُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عن الرُّسُلِ وَإِنَّا أو إيَّاكُمْ لِعَلَى هُدًى أو في ضَلَالٍ مُبِينٍ ذَكَرَ هذه الثَّلَاثَةَ عَشْرَةَ الْأَخِيرَةَ أبو إِسْحَاقَ النَّهَاوِيُّ من النَّحْوِيِّينَ في شَرْحِ الْجُمَلِ وَإِنَّمَا لم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ لِأَنَّ الْمَجَازَ فيها في التَّرْكِيبِ لَا في الْإِفْرَادِ فَاعْلَمْ ذلك فَقَدْ غَلِطَ من سَاقَ الْجَمْعَ مَسَاقًا وَاحِدًا مَسْأَلَةٌ يَقَعُ الْمَجَازُ في الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّرْكِيبِ الْمَجَازُ إمَّا أَنْ يَقَعَ في مُفْرَدَاتِ الْأَلْفَاظِ أو في تَرْكِيبِهَا فَالْأَوَّلُ كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ على الشُّجَاعِ وهو الذي تَكَلَّمَ فيه الْأُصُولِيُّ وَيُسَمَّى لُغَوِيًّا وَلَفْظِيًّا وَأَنْكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَمَنْ معه كما سَبَقَ وَالثَّانِي حَيْثُ تَكُونُ الْمُفْرَدَاتُ حَقَائِقَ إنَّمَا وَقَعَ التَّجَوُّزُ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ فَإِنْ أُسْنِدَ إلَى ما ليس له في نَفْسِ الْأَمْرِ كَسَبَ زَيْدٌ أَبَاهُ إذَا كان سَبَبًا له وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى يَنْزِعُ عنهما لِبَاسَهُمَا وهو الذي يَتَكَلَّمُ الْبَيَانِيُّون فيه وَيُسَمَّى عَقْلِيًّا وَحُكْمِيًّا فإذا وَصَفْنَا الْمُفْرَدَ بِالْمَجَازِ كَقَوْلِنَا الْيَدُ مَجَازٌ في النِّعْمَةِ كان حُكْمًا من طَرِيقِ اللُّغَةِ وَمَتَى وَصَفْنَا الْجُمْلَةَ بِذَلِكَ كان من طَرِيقِ الْمَعْقُولِ وَالْكَلَامُ فيه من وُجْهَاتٍ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ الْأَوْلَى في حَدِّهِ اُخْتُلِفَ فيه فقال عبد الْقَاهِرِ وَالسَّكَّاكِيُّ هو الْكَلَامُ الْمُفَادُ بِهِ خِلَافُ ما عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فيه بِضَرْبٍ من التَّأْوِيلِ إفَادَةً لِلْخِلَافِ لَا بِوَاسِطَةِ الْوَضْعِ فَخَرَجَ بِالْمُفَادِ بِهِ خِلَافُ ما عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ الْحَقِيقَةُ وبضرب من التَّأْوِيلِ الْكَذِبُ وَبِالْأَخِيرِ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى شَيْءٍ يَلْتَبِسُ بِاَلَّذِي هو له في الْحَقِيقَةِ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَجَازَ هل هو نَفْسُ اللَّفْظِ أو الْإِسْنَادُ فيه خِلَافٌ يَنْشَأُ من الْحَدَّيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ هو الْكَلَامُ وَعَلَى الثَّانِي هو الْإِسْنَادُ وَلِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بِأَنَّهُ الْإِسْنَادُ نَفْسُهُ وهو ما نَقَلَهُ ابن الْحَاجِبِ عن الشَّيْخِ عبد الْقَاهِرِ لَكِنْ صَرَّحَ الشَّيْخُ في مَوَاضِعَ من دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ بِأَنَّ الْمُسَمَّى بِالْمَجَازِ الْكَلَامُ لَا الْإِسْنَادُ وَعَلَيْهِ جَرَى السَّكَّاكِيُّ في الْمِفْتَاحِ وَلِهَذَا يقول في جَمِيعِ الْبَابِ إسْنَادُ حَقِيقَةٍ وَإِسْنَادُ مَجَازٍ كما قال غَيْرُهُ وهو الصَّوَابُ لِأَنَّ الْمُسَمَّى حَقِيقَةً أو مَجَازًا على هذا نَقِيسُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ لِاشْتِمَالِ الْإِسْنَادِ على ما يُنْسَبُ إلَيْهِ الْعَقْلُ نَفْسُهُ قِيلَ وَالْخِلَافُ في الْعِبَارَةِ لَا الْمَعْنَى لِأَنَّ الذي يَنْسُبُهُ إلَيْهِ الْكَلَامُ إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْإِسْنَادَ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْنَادَ الذي يُوصَفُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَلِاسْتِلْزَامِهِ ذلك جَازَ الْإِطْلَاقُ وَلَا شَكَّ أَنَّ إطْلَاقَهُمَا على الْإِسْنَادِ أَوْضَحُ وُجُودُ الْمَجَازِ الثَّالِثَةُ هل هو مَوْجُودٌ أَمْ لَا وَالْجُمْهُورُ من الْبَيَانِيِّينَ على إثْبَاتِهِ وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ وَأَنْكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وابن الْحَاجِبِ أَمَّا ابن الْحَاجِبِ فقال إنَّهُ حَقِيقَةٌ وَإِسْنَادُ السُّرُورِ إلَى الرُّؤْيَةِ ليس بِمَجَازٍ لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْنَادُهُ إلَيْهَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى ما هو له عَادَةً حَقِيقَةٌ وَالْمَجَازُ إنَّمَا هو في الْمُفْرَدِ أَيْ في الْفِعْلِ وَأَمَّا السَّكَّاكِيُّ فقال إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اسْتِعَارَةٍ بِالْكِنَايَةِ فَقَوْلُهُمْ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ عن الْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ بِوَاسِطَةِ الْمُبَالَغَةِ في التَّشْبِيهِ على قَاعِدَةِ الِاسْتِعَارَةِ وَنِسْبَةُ الْإِنْبَاتِ إلَيْهِ قَرِينَةُ الِاسْتِعَارَةِ وَهَكَذَا يَصْنَعُ في بَقِيَّةِ الْأَمْثِلَةِ وَاحْتَجَّ الْمُنْكِرُ بِأَنَّ الْمُسْنَدَ وَالْمُسْنَدَ إلَيْهِ إمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَا في مَوْضُوعِهِمَا فَيَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ حَقِيقِيًّا أو يُسْتَعْمَلَ أَحَدُهُمَا في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَالْإِسْنَادُ لِلْمَعْنَى لَا لِلَّفْظِ فَاللَّفْظُ مَجَازٌ وَالْإِسْنَادُ حَقِيقَةٌ وَإِسْنَادُ مَدْلُولِ الْمَجَازِ لِمَدْلُولِ الْمَجَازِ أو لِمَدْلُولِ الْحَقِيقَةِ حَقِيقَةٌ مِثَالُهُ أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك فَالْإِحْيَاءُ مَجَازٌ أو عن السُّرُورِ وَالِاكْتِحَالُ مَجَازٌ عن الرُّؤْيَةِ وَإِسْنَادُ السُّرُورِ إلَى الرُّؤْيَةِ حَقِيقَةٌ فَالْإِسْنَادُ دَائِمًا لِلْمَعْنَى وَالْمَعْنَى نِسْبَةُ شَيْءٍ فَلَا يَخْتَلِفُ وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ عن هذا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا في مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا نُلَاحِظُ الْمَعْنَى أَصْلًا بَلْ مُجَرَّدُ اللَّفْظِ هل وُضِعَ لِيُرَكَّبَ مع هذا اللَّفْظِ أو لَا فما وُضِعَ لِيُرَكَّبَ مع اللَّفْظِ فَهُوَ مَجَازٌ في التَّرْكِيبِ ثَانِيهِمَا أَنَّ السُّؤَالَ مُغَالَطَةٌ لِأَنَّا ادَّعَيْنَا أَنَّ تَرْكِيبَ لَفْظِ الْإِحْيَاءِ مع لَفْظِ الِاكْتِحَالِ مَجَازٌ في التَّرْكِيبِ وَأَنْتُمْ أَثْبَتُّمْ تَرْكِيبَ لَفْظِ السُّرُورِ مع الرُّؤْيَةِ وهو غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ا هـ قِيلَ وَهُمَا فَاسِدَانِ أَمَّا قَوْلُهُ في مَجَازِ التَّرْكِيبِ لَا نُلَاحِظُ الْمَعْنَى فَمَمْنُوعٌ وَأَيُّ مَجَازٍ لَا يُلَاحَظُ فيه الْمَعْنَى وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذلك وَالْمَجَازُ بِنَوْعَيْهِ شَرْطُهُ الْعَلَاقَةُ وَهِيَ مَعْنًى وَأَمَّا الثَّانِي فَنَقُولُ أَيُّ فَرْقٍ بين تَرْكِيبِ لَفْظِ الْإِحْيَاءِ وَالِاكْتِحَالِ وَلَفْظِ السُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ وَكُلُّ ما ثَبَتَ لِلشَّيْءِ ثَبَتَ لِمُسَاوِيهِ وَالْإِحْيَاءُ وَالِاكْتِحَالُ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ مُسَاوِيَانِ لِلسُّرُورِ وَالرُّؤْيَةِ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ مَجَازَ التَّرْكِيبِ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ وأماليه وَاسْتَبْعَدَهُ في الصَّغِيرِ وَرَدَّ على عبد الْقَاهِرِ في قَوْلِهِ في نَحْوِ أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك أَنَّ الْمَجَازَ في الْإِسْنَادِ قال ما مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مُعْتَوِرَانِ شيئا بِحَسَبِ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كَالْأَسَدِ يَكُونُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا بِاعْتِبَارِ الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَالرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَأَمَّا إسْنَادُ الْإِحْيَاءِ إلَى الِاكْتِحَالِ فَلَيْسَ له إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ من غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا في التَّرْكِيبِ وَلِعَبْدِ الْقَاهِرِ أَنْ يَقُولَ نَظِيرُ الْأَسَدِ إنْ أَخَذْت الْإِحْيَاءَ مُسْنَدًا إلَى شَيْءٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ له جِهَتَانِ جِهَةٌ يُسْنَدُ فيها إلَى ما هو له وَجِهَةٌ يُنْسَبُ إلَى غَيْرِ ما هو له وَإِنْ أَخَذْت الْإِحْيَاءَ بِقَيْدِ إسْنَادِهِ إلَى الِاكْتِحَالِ فَنَظِيرُهُ الْأَسَدُ بِقَيْدِ إرَادَةِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ ليس له إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ وقال بَعْضُ الْأَئِمَّةِ في قَوْلِ من قال إنَّ الْمَجَازَ في التَّرْكِيبِ مِثْلُ أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك فيه نَظَرٌ لِأَنَّك إذَا رَدَدْت الْمُفْرَدَاتِ إلَى ما هِيَ مَجَازٌ عنه لم يَبْقَ في التَّرْكِيبِ مَجَازٌ وَذَلِكَ يَدُلُّ على أَنَّ الْمَجَازَ في الْمُفْرَدَاتِ وَطَرِيقُ رَدِّهَا إلَى ما هِيَ مَجَازٌ عنه أَنَّ أَحْيَانِي مَجَازٌ عن سَرَّنِي وَاكْتِحَالِي مَجَازٌ عن رُؤْيَتِي وَطَلْعَتُك مَجَازٌ عن وَجْهِك وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَجَازُ في التَّرْكِيبِ في مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ أَحْيَا الْأَرْضَ شَبَابُ الزَّمَانِ لِأَنَّكَ وَإِنْ رَدَدْت الْمُفْرَدَاتِ إلَى ما هِيَ عليه بَقِيَ الْمَجَازُ في الْإِسْنَادِ لِأَنَّ إحْيَاءَهَا في الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هو من اللَّهِ تَعَالَى قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هذا الْخِلَافُ ليس في جَوَازِهِ وَلَا في وُقُوعِهِ بِدَلِيلِ الْأَمْثِلَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في كَوْنِهِ عَقْلِيًّا أو لُغَوِيًّا أَيْ في أَنَّ الْقَوْلَ في هذا الْمَجَازِ هل هو حُكْمٌ عَقْلِيٌّ أو لَفْظٌ وَضْعِيٌّ وَسَنَذْكُرُهُ وقد عَكَسَ أبو الْمُطَرِّفِ بن عَمِيرَةَ في كِتَابِ الشُّبُهَاتِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ وقال الْمَجَازُ قَطُّ لَا يَكُونُ إلَّا في التَّرْكِيبِ وَلَا يَكُونُ في الْمُفْرَدِ نعم عِنْدَ التَّعْلِيمِ بِالْمِثَالِ قد يُجَاءُ بِاللَّفْظِ الْمُفْرَدِ فَيُقَالُ كما يُقَالُ لِلشُّجَاعِ هو أَسَدٌ وَلِلْبَلِيدِ هو حِمَارٌ وَالنَّحْوِيُّ يقول إعْرَابُ الْفَاعِلِ الرَّفْعُ وَالْمَفْعُولِ النَّصْبُ كما يقول زَيْدٌ إذَا جَعَلْته فَاعِلًا وَزَيْدًا إذَا جَعَلْته مَفْعُولًا فَكَانَ يَلْزَمُ على هذا إذَا قِيلَ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا أَنْ يُقَالَ في الْإِعْرَابِ الْإِفْرَادِيِّ وفي هذا التَّرْكِيبِيُّ أو الْإِسْنَادِيُّ وَالْإِعْرَابُ حَقِيقَةً إنَّمَا هو في هذا وَانْظُرْ أَمْثِلَتَهُمْ في الْإِسْنَادِيِّ وفي الْإِفْرَادِيِّ تَجِدْهَا وَاحِدَةً الْمَجَازُ التَّرْكِيبِيُّ عَقْلِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الرَّابِعَةُ إذَا أَثْبَتْنَا الْمَجَازَ التَّرْكِيبِيَّ فَهَلْ هو لُغَوِيٌّ أَمْ عَقْلِيٌّ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ عَقْلِيٌّ ولم يُسَمُّوهُ مَجَازًا لِكَوْنِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ له جِهَتَانِ جِهَةُ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةُ الْمَجَازِ كما في الْمَجَازِ الْمُفْرَدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ صِيَغَ الْأَفْعَالِ فيه مُسْتَعْمَلَةٌ في مَوْضُوعَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ وَكَذَا صِيَغُ الْفَاعِلِ فَلَا مَجَازَ فيه إلَّا في نِسْبَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ إلَى أُولَئِكَ الْفَاعِلِينَ وهو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لَا وَضْعِيٌّ وَكَذَلِكَ لَا نُسَمِّيهِ مَجَازًا لُغَوِيًّا لِعَدَمِ رُجُوعِهِ إلَى الْوَضْعِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ في الْمُفْرَدِ فإنه عِبَارَةٌ عن اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجِهَتَيْنِ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَجِهَةِ الْمَجَازِ وَأَيْضًا فإن وَاضِعَ اللُّغَةِ لَا صُنْعَ له بَعْدَ وَضْعِ الْمُفْرَدِ لَا يُسْنَدُ إلَيْهِ بَلْ يَكِلُ ذلك إلَى خِبْرَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَلَا تَرَى أَنَّ إسْنَادَ الْوَشْيِ إلَى الرَّبِيعِ لَا الْقَادِرِ في قَوْلِك خَيْطٌ أَحْسَنُ من وَشْيِ الرَّبِيعِ ليس مُسْتَفَادًا من اللُّغَةِ وَقِيلَ بَلْ هو لُغَوِيٌّ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ وَضَعَ الْمُفْرَدَ لِيُرَكِّبَهُ مع ما يُنَاسِبُهُ كما صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ وَالْمُنَاسَبَةُ مَعْلُومَةٌ بِطُرُقِهَا وَحَجَرَ أَيْضًا في التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْحَذْفِ وَالذِّكْرِ إلَى غَيْرِ ذلك فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لُغَوِيٌّ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْخِلَافَ يَتَوَقَّفُ على أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَرَبَ هل وَضَعَتْ الْمُرَكَّبَاتِ أو لَا وَفِيهِ خِلَافٌ الثَّانِي في مَدْلُولِ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إلَى فَاعِلِهَا فَنَقُولُ الْفِعْلُ تَارَةً يُرَادُ بِهِ وُقُوعُهُ من فَاعِلِهِ حَقِيقَةً أو قُدْرَةُ الْفَاعِلِ كَقَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ زَيْدًا وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ نُسِبَ إلَى اللَّهِ وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ وُقُوعُهُ من فَاعِلِهِ حُكْمًا كَقَوْلِنَا قام زَيْدٌ فإن اللَّهَ تَعَالَى هو الْفَاعِلُ وَلَكِنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ فِعْلُهُ لِزَيْدٍ حُكْمًا وَتَارَةً يُرَادُ بِمُجَرَّدِ اتِّصَافِهِ بِهِ كَقَوْلِنَا مَرِضَ زَيْدٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا تَسَبُّبَ فيه كَبَرْدِ الْمَاءِ وَكُلُّ هذه الْأَقْسَامِ الْإِسْنَادُ فيها حَقِيقِيٌّ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ لها ولم تَقْتَصِرْ على الْإِسْنَادِ إلَى الْمُوجِدِ وَالْإِسْنَادُ لِغَيْرِ الْمُوجِدِ لَا يُنَافِي الْحَقِيقَةَ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَقِيقَةِ إلَّا ما وَضَعَتْ الْعَرَبُ بِإِزَائِهِ وَالْعَرَبُ تَقْصِدُ النِّسْبَةَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ تَبَادُرِ الذِّهْنِ إلَى الْإِسْنَادِ من غَيْرِ الْمُوجِدِ إنَّمَا الْمَجَازُ التَّرْكِيبِيُّ النِّسْبَةُ لِغَيْرِ هذه الْأَقْسَامِ وَمَعْنَى نِسْبَةِ الشَّيْءِ لِغَيْرِ فَاعِلِهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَا بِمَعْنَى اتِّصَافِهِ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ كَأَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ فإن الرَّبِيعَ ليس بِمُنْبِتٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَا مُتَّصِفٍ بِذَلِكَ في وَضْعِ الْعَرَبُ إذَا تَقَرَّرَ هذا فَنَقُولُ إنْ فَرَّعْنَا على مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ من أَنَّ الْمُرَكَّبَاتِ مَوْضُوعَةٌ فَالْمَجَازُ في التَّرْكِيبِ لُغَوِيٌّ لِأَنَّهُ إسْنَادٌ لِغَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً فَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ عَقْلِيٌّ لَا مَدْخَلَ لِلُّغَةِ فيه فَمِنْ هُنَا جاء الْخِلَافُ في أَنَّ الْمَجَازَ التَّرْكِيبِيَّ عَقْلِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ قد يَكُونُ بِالْأَصَالَةِ أو التَّبَعِيَّةِ الْمَجَازُ الْوَاقِعُ في الْكَلَامِ قد يَكُونُ بِالْأَصَالَةِ وقد يَكُونُ بِالتَّبَعِيَّةِ وَالْأَوَّلُ لَا يَدْخُلُ في أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الْحُرُوفُ أَحَدُهَا الْحَرْفُ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ قال الْإِمَامُ فَإِنْ ضُمَّ إلَى ما يَنْبَغِي ضَمُّهُ إلَيْهِ كان حَقِيقَةً وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ في التَّرْكِيبِ لَا في الْمُفْرَدِ وَخَالَفَهُ النَّقْشَوَانِيُّ مُدَّعِيًا أَنَّ الْحُرُوفَ لها مُسَمًّى في الْجُمْلَةِ وقد اُسْتُعْمِلَ في مَوْضُوعِهِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كان الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَ ضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ أو عِنْدَ عَدَمِ الضَّمِّ فإذا اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لِعَلَاقَةٍ كان مَجَازًا من غَيْرِ تَفَاوُتٍ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ فإن الصَّلْبَ مُسْتَعْمَلٌ في مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَكَذَلِكَ جُذُوعُ النَّخْلِ ولم يَقَعْ الْمَجَازُ إلَّا في حَرْفِ في فَإِنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ في الْأَصْلِ وقد اُسْتُعْمِلَتْ هُنَا لِغَيْرِ الظَّرْفِيَّةِ قال لو لم يَدْخُلْ الْمَجَازُ في الْحَرْفِ بِالذَّاتِ لَمَا دَخَلَتْ فيه الْحَقِيقَةُ وَأَطَالَ في ذلك وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في كِتَابِ الْمَجَازِ دُخُولَهُ في الْحُرُوفِ وَمَذْهَبُ نُحَاةِ الْكُوفَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ نِيَابَةُ بَعْضِ الْحُرُوفِ عن بَعْضٍ وَخَالَفَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ وَجَعَلُوا ذلك على طَرِيقِ التَّضْمِينِ وهو لَا يَخْرُجُ عن الْمَجَازِ الْأَفْعَالُ وَالْمُشْتَقَّاتُ الثَّانِي الْأَفْعَالُ وَالْمُشْتَقَّاتُ لِأَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ أُصُولَهُمَا وَأَصْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْمَصْدَرُ فَإِنْ كَانَا حَقِيقَةً كَانَا كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَنَاقَشَهُ النَّقْشَوَانِيُّ أَيْضًا فقال قَوْلُكُمْ هُنَا لَا يَدْخُلُ الْمَجَازُ في الْفِعْلِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دُخُولِهِ في الْمَصْدَرِ يُنَاقِضُ قَوْلَكُمْ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَقِّ بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَقِّ منه مَجَازٌ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ كَوْنُ الْمَجَازِ لَا يَدْخُلُ في الْفِعْلِ إلَّا بِوَاسِطَةِ دُخُولِهِ في الْمَصْدَرِ مُفَرَّعٌ على قَوْلِنَا الْفِعْلُ مُشْتَقٌّ من الْمَصْدَرِ قال وقد يَدْخُلُ الْمَجَازُ في الْأَفْعَالِ فإن الْمَاضِيَ يُسْتَعْمَلُ في الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أتى أَمْرُ اللَّهِ وَعَكْسُهُ نَحْوُ إنْ قام عَمْرٌو وَهَذَا مَجَازٌ في الْمَاضِي مع عَدَمِ دُخُولِهِ في الْمَصْدَرِ قُلْت وَكَذَا اسْتِعْمَالُ ظَنَّ بِمَعْنَى تَيَقَّنَ في قَوْله تَعَالَى إنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ وَعَلِمَ بِمَعْنَى ظَنَّ في قَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ وَمِنْ مِثْلِهِ قَوْلٌ لِأَبِي الطَّيِّبِ إنَّ الْكَرِيمَ إذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ سَالَ النِّضَارُ بها وَسَالَ الْمَاءُ وقال الْوَاحِدِيُّ أَيْ سَالَ الذَّهَبُ إلَى أَنْ مَلَأَ الْبِطَاحَ وَالْبَرَارِيَ وَالْأَوْدِيَةَ إلَى أَنْ مَلَأَ الْأَنْهُرَ فَمَنَعَ الْمَاءَ من أَنْ يَسْتَقِرَّ وَيَنْبَنِي على تَصَوُّرِ الْمَجَازِ في الْأَفْعَالِ أَنَّا لو جَمَعْنَا اسْمَيْنِ بِفِعْلٍ نَحْوِ ضَرَبَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو هل يَجُوزُ مع إرَادَةِ يَضْرِبُ الْإِيلَامُ وَالسَّفَرُ أَمْ لَا الْأَسْمَاءُ الْعَامَّةُ الثَّالِثُ الْأَسْمَاءُ الْعَامَّةُ التي تَسْتَغْرِقُ كُلَّ مُسَمًّى بِأَصْلِ الْوَضْعِ نَحْوُ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمَعْلُولِ وَالْمَدْلُولِ فإنه في أَيِّ شَيْءٍ اُسْتُعْمِلَ كان حَقِيقَةً فيه وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فَلَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ إذْ جَمِيعُ الْمُسَمَّيَاتِ دَلَّتْ عليها حَقِيقَةً فَكَيْفَ يُتَجَوَّزُ بها إلَى غَيْرِ مَدْلُولِهَا الْأَصْلِيِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وابن فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا الْعَلَمُ الرَّابِعُ الْعَلَمُ لِأَنَّ الْأَعْلَامَ لم تُنْقَلْ لِعَلَاقَةٍ كَذَا أَطْلَقَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمَجَازَ يَدْخُلُ في كل اسْمٍ أَفَادَ مَعْنًى في الْمَنْقُولِ إلَيْهِ غَيْرُ الْمَعْنَى الذي أَفَادَهُ في الِاسْمِ الْمَنْقُولِ منه وَذَلِكَ كَقَوْلِنَا الْبَحْرُ حَقِيقَةٌ في الْمَاءِ الْكَثِيرِ ثُمَّ نَقَلْنَاهُ إلَى الْعَالَمِ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ فَأَفَادَنَا في حَقِيقَتِهِ كَثْرَةَ الْمَاءِ وفي مَجَازِهِ كَثْرَةَ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ ما أَشْبَهَهُ فَأَمَّا زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَنَحْوُهُمَا من الْأَعْلَامِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفَرْقِ بين الْأَعْيَانِ وَالْأَجْسَامِ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ فَلَوْ اسْتَعْمَلْنَا اسْمَ زَيْدٍ في غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُسَمَّى زَيْدًا لم يُفِدْنَا ذلك غير ذلك الْمَعْنَى الذي أَفَادَهُ في حَقِيقَتِهِ وهو الْفَرْقُ بين الْأَجْسَامِ وَالْأَعْيَانِ فلم يُتَصَوَّرْ دُخُولُ الْمَجَازِ فيها وَقَيَّدَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ بِالْأَعْلَامِ الْمَنْقُولَةِ وَكَذَا قال الْجَارْبُرْدِيُّ الذي يَدُورُ في خَلَدِي أَنَّ الْمُرَادَ الْأَعْلَامُ الْمَنْقُولَةُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الْمَنْقُولَةِ وَالْمُرْتَجَلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ الْأَعْلَامَ الْمَوْضُوعَةَ بِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وقد قال غَيْرُهُمَا سَوَاءٌ كان الْعَلَمُ مُرْتَجَلًا أو مَنْقُولًا لِغَيْرِ عَلَاقَةٍ فَإِنْ نُقِلَ لِعَلَاقَةٍ كَمَنْ سَمَّى وَلَدَهُ بِالْمُبَارَكِ لِمَا ظَنَّهُ فيه من الْبَرَكَةِ فَكَذَلِكَ بِدَلِيلِ صِدْقِهِ عليه مع زَوَالِهَا وَصَارَ ابن فُورَكٍ إلَى أنها حَقَائِقُ عُرْفِيَّةٌ فقال في كِتَابِهِ وَجُمْلَةُ أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ مَنْقُولَةٌ عن أُصُولِهَا وَمَوْضُوعِهَا إلَى غَيْرِهِمَا على طَرِيقِ الِاصْطِلَاحِ لِيَجْعَلُوهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَخَصَّ بها وَأَشْهَرَ من غَيْرِهَا حتى إذَا ذُكِرَ بِهِ لم يَدُلَّ إلَّا عليه قال وَكَذَلِكَ قال سِيبَوَيْهِ إنَّ قَوْلَهُمْ زَيْدٌ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِلْأَوْصَافِ لِمَا كان قُصِدَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ الْخَاصُّ له من سَائِرِ مُسَمَّيَاتِ جِنْسِهِ ا هـ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْحُكْمَ ليس مُتَّفَقًا عليه فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الْخِلَافَ في دُخُولِ الْمَجَازِ في الْأَعْلَامِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ فقال الْأَعْلَامُ هل يَدْخُلُهَا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ قال وَالْأَكْثَرُونَ على الدُّخُولِ وَكَذَا قَالَهُ ابن لُقْمَانَ الْكُرْدِيُّ في كِتَابِهِ الْفُصُولِ ذَهَبَ عَامَّتُهُمْ إلَى أَنَّ الْأَعْلَامَ يَدْخُلُ فيها الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَمِنْ هُنَا قال ابن السَّاعَاتِيِّ إنَّ كُلَّ كَلَامٍ عَرَبِيٍّ مُسْتَعْمَلٍ لَا يَخْرُجُ عن الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إذْ الْأَعْلَامُ عَرَبِيَّةٌ وفي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وهو التَّفْصِيلُ بين الْأَعْلَامِ التي لم تُوضَعْ إلَّا لِلْفَرْقِ بين الذَّوَاتِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ لِأَنَّهَا لم تُوضَعْ لِلْفَرْقِ بين الصِّفَاتِ وَبَيْنَ الْأَعْلَامِ الْمَوْضُوعَةِ لِلصِّفَةِ كَالْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِ إذْ لَا يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ على الصِّفَةِ مع أَنَّهُ وُضِعَ لها فَيَكُونُ مَجَازًا وَعَلَى هذا جَرَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فقال الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ لَا يَدْخُلَانِ في أَسْمَاءِ الْأَلْقَابِ وَيَدْخُلَانِ في أَسْمَاءِ الِاشْتِقَاقِ قال بَعْضُ شَارِحِي الْمَحْصُولِ إنَّمَا قال الْغَزَالِيُّ ذلك بِنَاءً على مَذْهَبِهِ في عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ في الْمَجَازِ فإن الْمَجَازَ عِنْدَهُ ما اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ فما ذَكَرَهُ مُسْتَقِيمٌ على مَذْهَبِهِ لَا غَيْرُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لو كان مَأْخَذُهُ في هذا عَدَمَ اعْتِبَارِ الْعَلَاقَةِ لم يُفَرِّقْ بين زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثِ بَلْ جَعَلَ الْكُلَّ مَجَازًا إذْ يَصْدُقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّهُ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وقال بَعْضُ نُفَاةِ الْمَجَازِ تَصَوُّرُ هذه الْمَسْأَلَةِ مُحَالٌ إذْ يَسْتَحِيلُ وَضْعُ سَابِقٍ على الِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ يَطْرَأُ الِاسْتِعْمَالُ فَصَارَ بِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا وَلَا يُعْرَفُ تَجَرُّدُ اللَّفْظِ عن الِاسْتِعْمَالِ وهو مُسْتَحِيلٌ وَإِنَّ تَجَرُّدَهُ عن الِاسْتِعْمَالِ كَتَجَرُّدِ الْحَرَكَةِ عن الْمُتَحَرِّكِ نعم إنَّمَا يَتَجَرَّدُ وَهِيَ حِينَئِذٍ لَيْسَتْ لَفْظًا وَإِنَّمَا هِيَ على تَقْدِيرِ أَلْفَاظٍ لَا حُكْمَ لها وَثُبُوتُهَا في الرَّسْمِ مَسْبُوقٌ بِالنُّطْقِ بها فإن الْخَطَّ يَسْتَلْزِمُ اللَّفْظَ من غَيْرِ عَكْسٍ قالوا وَيَسْتَلْزِمُ أَمْرًا فَاسِدًا وهو أَنَّهُ إذَا تَجَرَّدَ الْوَضْعُ عن الِاسْتِعْمَالِ جَازَ أَنْ يُوضَعَ لِلْمَعْنَى الثَّانِي من غَيْرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ في مَعْنَاهُ الْأَوَّلِ فَيَكُونَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةَ له وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ على الْقَائِلِينَ إنَّ الْأَعْلَامَ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ نَحْوُ قَوْلِنَا أبو يُوسُفَ أبو حَنِيفَةَ وَزَيْدٌ زُهَيْرٌ شِعْرًا وَهَذَا لَا يَرِدُ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ في أَنَّ الْعَلَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَدْلُولِهِ ليس بِمَجَازٍ وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْعَلَمَ في غَيْرِ مَدْلُولِهِ كَاسْتِعْمَالِ أبي حَنِيفَةَ في أبي يُوسُفَ وَاسْتِعْمَالِ زُهَيْرٍ في زَيْدٍ وَكَذَلِكَ اشْتَرَيْت سِيبَوَيْهِ وَتُرِيدُ كِتَابَهُ فَقَدْ يُقَالُ كَيْفَ يَجُوزُ ذلك وَالْمَجَازُ فيه غَيْرُ الْعَلَمِ وَالْعَلَمُ إذَا لم يَكُنْ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ الْمَجَازُ نَاشِئًا عنه وَأَجَابَ التَّبْرِيزِيُّ في كَلَامِهِ على الْمَحْصُولِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أنها في هذه الْحَالَةِ خَرَجَتْ عن الْعَلَمِيَّةِ الثَّانِي أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ ما اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَصَرَّحَ بِهِ النُّحَاةُ أَنَّهُ على حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أبو يُوسُفَ مِثْلُ أبي حَنِيفَةَ وَزَيْدٌ مِثْلُ زُهَيْرٍ وَاشْتَرَيْت كِتَابَ سِيبَوَيْهِ وقد تَحَصَّلْنَا في هذه الْمَسْأَلَةِ على مَذَاهِبَ وَيَجِبُ تَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْأَعْلَامِ الْمُجَدَّدَةِ دُونَ الْمَوْضُوعَةِ بِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهَا حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ مسألة الحقيقة لا تستلزم المجاز قالوا لا خلاف في أن الحقيقة لا تستلزم المجاز إذ الوضع لا يستلزم الثاني والأصل لا يستلزم الفرع وليس كل الحقيقة تكون في غيرها علاقة فيها مسوغة للتجوز بل الحقيقة يكون لها مجاز كالبحر وقد لا يكون كالفرس قال الشيخ أبو إسحاق ومن حكم هذا أنه إذا ورد به الشرع فهل هو على حقيقته ولا يعدل به عنها إلى المجاز إلا بدليل وكان ينبغي أن يجيء في هذه المسألة خلاف من الخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانيا كما فرع عليه الفقهاء إذ الحقيقة فيها قيد الأولية ثم رأيت القاضي أبا بكر في كتاب التقريب حكى عن بعض القدرية أن كل حقيقة لا بد لها من مجاز وما لا مجاز له فلا يقال إن له حقيقة وهو يرد على حكايتهم الإجماع فيما سبق واختلفوا في المجاز هل يستلزم الحقيقة على معنى أنه هل يشترط في استعمال اللفظ في غير موضوعه أن تكون الحقيقة قد وجدت واستعملت في ذلك المعنى أو لا على قولين أحدهما نعم وبه جزم الشيخ في اللمع والقاضي أبو بكر وابن فورك قال كما أن لكل فرع أصلا وابن برهان في الأوسط وابن السمعاني في القواطع وأبو الحسين البصري في المعتمد والقاضي عبد الوهاب في الملخص والقاضي عبد الجبار والإمام فخر الدين والإبياري في شرح البرهان وغيرهم فكل مجاز لا بد أن يكون له حقيقة لأنه فرعها والفرع يستلزم الأصل ولأن الثاني يستدعي أولا وأصحهما عند الآمدي وابن الحاجب المنع ونقله ابن الساعاتي عن المحققين واختاره البيضاوي في المرصاد لأن المجاز وإن كان مستعملا في غير ما وضع له ففائدة الوضع التهيؤ للاستعمال ولأن اللفظ بعد وضعه وقبل استعماله لا حقيقة ولا مجاز ويجوز أن يسمى به حينئذ غيره لعلاقة بينهما فيكون مجازا لا حقيقة له والحق أن المجاز يفتقر إلى سبق وضع أول لا إلى سبق حقيقة وكذا قال الأصفهاني الحق أن المجاز يستلزم اللفظ الموضوع بإزاء معنى من المعاني والحقيقة ليست اللفظ الموضوع بل المستعمل فيما وضع له اللفظ واختلف كلام الرازي في منتخبه وأوله ابن التلمساني بأنه حيث قال لا يستلزم أراد به الجواز العقلي وحيث يقال يستلزمه أراد به الوضع فإنا لم نعرف أن الألفاظ موضوعة بإزاء ما دلت عليه إلا بالاستعمال ولا نعرف عين الواضع من توقف أو مصطلح وزعم بعضهم أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في المفرد لا المركب والمانعون تمسكوا بأن الرحمن مجاز في الباري تعالى لأنه موضوع للواحد المذكر الموصوف بالتعطف وليس له حقيقة لأنه لم يستعمل إلا في الله واعترض بأنه كان يقال علي رحمان اليمامة وأجيب بأنه على سبيل المجاز أيضا ومعناه منعم اليمامة وبأنه لا يلتفت إليهم لأنه تعنت منهم وقيل في الجواب نظر لأنه لا ينفي الاستعمال في حق الباري سبحانه غايته أنه يعلل الواقع وهو تأكد الاستعمال لكنه ضعيف إذ لا اعتداد بالاستعمال إذا كان على خلاف أصل الوضع مضادا له منافيا إياه وظهر من هذا أنه مجاز ليس بحقيقة مسألته هل يتجوز بالمجازعن المجاز هل من شَرْطِ الْمَجَازِ أَنْ يُتَجَوَّزَ بِهِ عن الْحَقِيقَةِ أَمْ يَجُوزُ أَنْ يُتَجَوَّزَ عن الْمَجَازِ هذا لم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ وَسَبَقَ عَقْدُ مَسْأَلَةٍ فيه وَيَخْرُجُ من كَلَامِ أَصْحَابِنَا فيه خِلَافٌ فَإِنَّهُمْ قالوا فِيمَا إذَا قال لِزَوْجَتِهِ أو أَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنْ نَوَى صَرِيحَ الطَّلَاقِ أو الظِّهَارِ أو الْعِتْقِ صَحَّ وَإِنْ نَوَى كِنَايَةً بِأَنْ أَرَادَ لَفْظَ التَّحْرِيمِ فَيُجْعَلُ قَائِمًا مَقَامَ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنْ قُلْنَا الْحَرَامُ صَرِيحٌ في وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فَهَذَا كِنَايَةٌ عنه لِأَنَّ الصَّرِيحَ يُكَنَّى عنه فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كِنَايَةٌ فيها لم يَجِبْ هُنَا شَيْءٌ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ يَكُونُ لها كِنَايَةٌ لِضَعْفِهَا وَإِنَّمَا الْكِنَايَةُ عن الصَّرِيحِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ ثُمَّ قال وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ هذا التَّصْوِيرُ لِأَنَّهُ يَنْوِي بِاللَّفْظِ مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ لَا صُورَةَ اللَّفْظِ وإذا كان الْمَنْوِيُّ الْمَعْنَى فَلَا فَرْقَ بين أَنْ يُقَالَ نَوَى التَّحْرِيمَ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ نَوَى أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ فَرْعٌ لِلْحَقِيقَةِ الْمَجَازُ خَلَفٌ عن الْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْ فَرْعٌ لها بِمَعْنَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الرَّاجِحُ الْمُقَدَّمُ في الِاعْتِبَارِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ انْعِدَامُ الْأَصْلِ لِلْحَالِ على احْتِمَالِ الْوُجُودِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا في جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ هل ذلك في حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أو في حَقِّ الْحُكْمِ فَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ خَلَفٌ عن الْمُتَكَلِّمِ سَوَاءٌ كان مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ مَقْصُودًا فيه أَمْ لَا لِأَنَّهُمَا من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَذَهَبَ صَاحِبَاهُ إلَى أَنَّهُ خَلَفٌ عن حُكْمِ ذلك يَعْنِي أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُوجِبًا حَقِيقَةً ثُمَّ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ لِمَعْنًى فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ من الْكَلَامِ وَلِأَنَّ الْمَجَازَ الذي لَا يُمْكِنُ صِحَّةُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ في الْقُرْآنِ وَكَلَامِ الْبُلَغَاءِ أَكْثَرُ من أَنْ يُحْصَى وَمَعْنَى هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ لَفْظٌ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ هل يُشْتَرَطُ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بهذا اللَّفْظِ أو لَا فَعِنْدَنَا يُشْتَرَطُ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَا يَصِحُّ الْمَجَازُ وَعِنْدَهُ لَا بَلْ يَكْفِي صِحَّةُ اللَّفْظِ من حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ احْتِرَازًا من إلْغَاءِ الْكَلَامِ وَنَكْتُبُهَا أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَنَا إذَا كان مُحَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ لَغْوٌ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ يُحْمَلُ على الْمَجَازِ وَعَلَى هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها إذَا قال الرَّجُلُ لِلْعَبْدِ الْأَكْبَرِ منه سِنًّا هذا ابْنِي فَحَقِيقَتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ إذْ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ ابْنَهُ فَهَلْ يُنَزَّلُ على الْمَجَازِ وَيُقَالُ الْمُرَادُ مِثْلُ ابْنِي في الْحُرِّيَّةِ فَيُعْتَقُ عليه لِهَذَا اللَّفْظِ أو لَا يُنَزَّلُ عليه بَلْ يَلْغُو قال أبو حَنِيفَةَ بِالْأَوَّلِ وقال صَاحِبَاهُ بِالثَّانِي وَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فيه وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا عِنْدَ الْإِمْكَانِ إذَا كان الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ بَالِغًا وَكُذِّبَ الْمُقِرُّ فإن النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ جَزْمًا وفي ثُبُوتِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ لِلْإِمْكَانِ على الْجُمْلَةِ وَقَالُوا لو حَلَفَ لِيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ فإن يَمِينَهُ تَنْعَقِدُ على الْأَصَحِّ لِإِمْكَانِ الْبِرِّ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ لم يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ على الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْحِنْثَ فيه غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ لَكِنْ خَالَفُوهُ فِيمَا لو قال لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هذه الْإِدَاوَةِ وَلَا مَاءَ فيها فَقَالُوا يَحْنَثُ على الْأَصَحِّ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وكان يَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَدَمِ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وهو الْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ لنا أَنَّ الْمَجَازَ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ من الْمَوْضُوعِ له إلَى لَازِمِهِ فَاللَّازِمُ مَوْقُوفٌ على الْمَوْضُوعِ له فَيَكُونُ اللَّازِمُ خَلَفًا وَفَرْعًا لِلْمَوْضُوعِ له فَلَا بُدَّ من إمْكَانِ الْأَوَّلِ لِتَوَقُّفِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ عليه فَاَلَّذِي ثَبَتَ بهذا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ مَثَلًا فَلَفْظُ هذا ابْنِي خَلَفٌ عن الْحُكْمِ الذي ثَبَتَ بهذا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ مَثَلًا وقال أبو حَنِيفَةَ لَفْظُ هذا ابْنِي خَلَفٌ عن لَفْظِ هذا حُرٌّ فَيَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ بِاللَّفْظِ الذي يُفِيدُهُ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْمَجَازِ خَلَفًا عن الْمُتَكَلِّمِ بِاللَّفْظِ الذي يُفِيدُ عَيْنَ ذلك الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَقِيلَ بَلْ أَرَادَ أَنَّ لَفْظَ هذا ابْنِي إنْ أُرِيدَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ خَلَفٌ عن لَفْظِ هذا ابْنِي إذَا أُرِيدَ بِهِ الْبُنُوَّةُ وقد أَوْرَدَ على الصَّاحِبَيْنِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ بهذا قَوْلُهُمْ هذا أَسَدٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ لِمَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْهَيْكَلَ الْمَخْصُوصَ في حَقِّ الْإِنْسَانِ مُحَالٌ وقد أَطْبَقَ على صِحَّتِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ليس نَظِيرَ ما نَحْنُ فيه لِأَنَّ قَوْلَهُ هذا أَسَدٌ ليس مُسْتَعَارًا بِجُمْلَتِهِ بَلْ أَسَدٌ مُسْتَعَارٌ وَهَذَا اسْتِعَارَةٌ له وَأَمَّا هَاهُنَا فَهَذَا ابْنِي بِجُمْلَتِهِ مُسْتَعَارٌ في حَقِّ إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ مَسْأَلَةٌ الْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ إذَا كانت الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً وَالْمَجَازُ غير مُسْتَعْمَلٍ أو كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ وَالْحَقِيقَةُ أَغْلَبُ اسْتِعْمَالًا فَالْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ولم يُوجَدْ ما يُعَارِضُهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كَانَا في الِاسْتِعْمَالَيْنِ سَوَاءً فَالْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ أَيْضًا وَمِنْهُمْ من نَقَلَ الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَكَى الْخِلَافَ فيه جَمَاعَةٌ منهم أبو يُوسُفَ في الْوَاضِحِ فقال وَأَمَّا إذَا كان يُفِيدُ مَجَازًا مُتَعَارَفًا وَحَقِيقَةً مُتَعَاَرَفَةً فَقَدْ اُخْتُلِفَ فيه فقال أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَجِبُ حَمْلُهُ على الْحَقِيقَةِ وَقِيلَ بَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ الْقَوْلُ إذَا كانت له حَقِيقَةٌ مُتَعَارَفَةٌ فيه وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ كَقَوْلِهِ لَا أَشْرَبُ من هذا النَّهْرِ فَحَقِيقَتُهُ الْعُرْفِيَّةُ الْكَرْعُ وَمَجَازُهُ أَنْ يَغْتَرِفَ منه فَيَشْرَبَ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِ حَمْلِهِ على الْحَقِيقَةِ لِقُوَّتِهَا وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ قال وَاَلَّذِي أَقُولُهُ أَنَّ حُكْمَ هذا الْقَوْلِ حُكْمُ الْحَقَائِقِ الْمُشْتَرَكَةِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ وَحَقِيقَةٌ في الْمَعْنَى الثَّانِي بِحُكْمِ الْعُرْفِ الطَّارِئِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وهو حَقِيقَةٌ فِيهِمَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَالْعُرْفِ وَتَسْمِيَتُهُ مَجَازًا خَطَأٌ ا هـ وَكَذَلِكَ حَكَى الْخِلَافَ أَيْضًا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَجَزَمَ بِهِ في الْمَحْصُولِ في الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ من الْبَابِ التَّاسِعِ بِالْمُسَاوَاةِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِهِ إنَّهُ الْحَقُّ وَإِنْ هُجِرَتْ الْحَقِيقَةُ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَا تُرَادُ في الْعُرْفِ فَالْعِبْرَةُ بِالْمَجَازِ بِالِاتِّفَاقِ كما لو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ من هذه النَّخْلَةِ فإنه يَحْنَثُ بِثَمَرِهَا لَا بِخَشَبِهَا وَإِنْ كان هو الْحَقِيقَةَ لِأَنَّهَا قد أُمِيتَتْ بِحَيْثُ لَا تُرَادُ في الْعُرْفِ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا إذَا غَلَبَ الْمَجَازُ في الِاسْتِعْمَالِ وَالْحَقِيقَةُ تُتَعَاهَدُ في بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فقال أبو حَنِيفَةَ الْحَقِيقَةُ أَوْلَى لِأَنَّهَا رَاجِحَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَكَوْنُهَا مَرْجُوحَةً أَمْرٌ عَارِضٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ وقال صَاحِبَاهُ الْمَجَازُ أَوْلَى لِكَوْنِهِ رَاجِحًا في الْحَالِ ظَاهِرًا فيه قال الْقَرَافِيُّ في شَرْحِ التَّنْقِيحِ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الظُّهُورَ هو الْمُكَلَّفُ بِهِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ وَالْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ اسْتِوَاءَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَاجِحٌ على الْآخَرِ من وَجْهٍ فَالْحَقِيقَةُ بِالْأَصْلِ وَالْمَجَازُ بِالْغَلَبَةِ فَيَتَعَادَلَانِ وَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهَذَا يَتَوَقَّفُ على ثُبُوتِ تَعَادُلِ الْمُرَجِّحَيْنِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَعُزِيَ ذلك إلَى الشَّافِعِيِّ قُلْت وَيَشْهَدُ له الْمِثَالُ فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ من الْفُرَاتِ وَلَا نِيَّةَ له فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ منه وَلَا يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ من الْأَوَانِي الْمَمْلُوءَةِ منه وَعِنْدَنَا يَحْنَثُ بِالِاغْتِرَافِ منه كما يَحْنَثُ بِالْكَرْعِ منه لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ وهو الْمَنْقُولُ عِنْدَنَا كما قَالَهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ في النَّوْعِ الثَّانِي من أَلْفَاظِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قالوا وَالْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ وهو أَنَّ الْمَجَازَ هل هو خَلَفٌ عن الْحَقِيقَةِ في حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ أو في الْحُكْمِ فَإِنْ كان الْمَجَازُ خَلَفًا في حَقِّ الْمُتَكَلِّمِ لَا تَثْبُتُ الْمُزَاحَمَةُ بين الْأَصْلِ وَالْخَلَفِ فَيُجْعَلُ اللَّفْظُ عَامِلًا في حَقِيقَتِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ هذا تَحْرِيرُ التَّصْوِيرِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَالنَّقْلِ وَالتَّمْثِيلِ فَاعْتَمِدْهُ وَاطْرَحْ ما عَدَاهُ وَجَعَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا صَدَرَ ذلك مِمَّنْ لَا عُرْفَ له وَلَا قَرِينَةَ فَإِنْ صَدَرَ ذلك من الشَّارِعِ حُمِلَ على الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَطْعًا أو من أَهْلِ الْعُرْفِ حُمِلَ عليها وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَجَازَ إنْ تَرَجَّحَ على الْحَقِيقَةِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ كَالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أو الْعُرْفِيَّةِ الْعَامَّةِ أو الْخَاصَّةِ يُحْمَلُ على الشَّرْعِيَّةِ إنْ صَدَرَ من الشَّرْعِ وَعَلَى الْعُرْفِيَّةِ إنْ صَدَرَ منهم وَإِنْ تَرَجَّحَ على الْحَقِيقَةِ وَلَكِنْ لم يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الشَّرْعِيَّةِ أو الْعُرْفِيَّةِ أو انْتَهَى إلَيْهِ وَلَكِنْ لم يَصْدُرْ من أَهْلِ الشَّرْعِ أو الْعُرْفِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُجْمَلًا وَلَا يُحْمَلُ على أَحَدِهِمَا إلَّا بِالْقَرِينَةِ أو النِّيَّةِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْآمِدِيَّ ذَكَرَ في بَابِ الْمُجْمَلِ أَنَّ ما له مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ قِيلَ هو مُجْمَلٌ وَأَنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْمَلُ على الشَّرْعِيَّةِ وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ بين حَالَةِ الْإِثْبَاتِ فَكَذَلِكَ أو النَّفْيِ فَمُجْمَلٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ من الْمَجَازِ الرَّاجِحِ ولم يَظْهَرْ لي بَيْنَهُمَا فَرْقٌ في جَرَيَانِ الْخِلَافِ في كُلٍّ من الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَكِنَّ كَلَامَ الْأَصْفَهَانِيِّ السَّابِقَ يَأْبَاهُ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ بَعْدَ أَنْ حَكَى الْخِلَافَ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ على الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ وَلَكِنْ لَا أُسَمِّيهِ مَجَازًا بَلْ هو حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ كَالْغَائِطِ وَرَأَيْت في شَرْحِ الْوَسِيطِ لِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ بن الرِّفْعَةِ في بَابِ الْإِيلَاءِ وقد تَعَرَّضَ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال مَحَلُّ هذا الْخِلَافِ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ وَأَمَّا في جَانِبِ النَّفْيِ فَيُعْمَلُ بِالْمَجَازِ الرَّاجِحِ جَزْمًا لِأَنَّا إنْ نَظَرْنَا إلَى الْمَجَازِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْحَقِيقَةِ فَسَلْبُهَا يَقْتَضِي سَلْبَ سَائِرِ الْأَفْرَادِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا ما يُرَجَّحُ في الِاسْتِعْمَالِ قال وَلِهَذَا جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ لَفْظَيْ الْجِمَاعِ وَالْإِيلَاءِ صَرِيحَانِ وَإِنْ حَكَوْا الْقَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ لَا أُبَاشِرَنَّك وَلَا أَقْرَبَنَّك لِمُلَاحَظَةِ أَصْلِ الْحَقِيقَةِ وَالرُّجْحَانُ في لَا أُجَامِعُك دُونَهُمَا ا هـ وَفِيهِ بُعْدٌ عن كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ الثَّانِي مَثَّلَ في الْمَعَالِمِ هذه الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قال لِأَمَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ هل يَكُونُ كِنَايَةً فَتُعْتَقُ بِهِ لِأَنَّ مَادَّةَ ط ل ق حَقِيقَتُهَا في الْخَلِيَّةِ وَحِلِّ الْقَيْدِ سَوَاءٌ من النِّكَاحِ وَالرِّقِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً في عِتْقِهَا بِالْوَضْعِ لَكِنَّهَا مَرْجُوحَةٌ لِاشْتِهَارِهَا في الطَّلَاقِ الذي هو حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ وهو مَجَازٌ رَاجِحٌ ثُمَّ أَوْرَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُ على هذا أَنْ لَا يُصْرَفَ إلَى الْمَجَازِ الرَّاجِحِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو قال لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ من غَيْرِ نِيَّةٍ وَأَجَابَ بِأَنَّ هذا غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ إذَا قال لِمَنْكُوحَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ عَنَى بهذا اللَّفْظِ الْحَقِيقَةَ الْمَرْجُوحَةَ وهو إزَالَةُ مُطْلَقِ الْقَيْدِ وَجَبَ أَنْ يَزُولَ مُسَمَّى الْقَيْدِ وإذا زَالَ هذا الْمُسَمَّى فَقَدْ زَالَ الْقَيْدُ الْمَخْصُوصُ وَإِنْ عَنَى بِهِ الْمَجَازَ الرَّاجِحَ فَقَدْ زَالَ قَيْدُ النِّكَاحِ فلما كان يُفِيدُ الزَّوَالَ على التَّقْدِيرَيْنِ اسْتَغْنَى عن النِّيَّةِ قال ابن التِّلِمْسَانِيِّ وَالسُّؤَالُ لَازِمٌ إذْ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا ذَكَرَهُ ولم يَنْوِ شيئا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الطَّلَاقِ فَقَوْلُهُ إنْ نَوَى حُمِلَ على السُّؤَالِ وقال بَعْضُهُمْ هذا الذي قَالَهُ صَاحِبُ الْمَعَالِمِ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ بَلْ هو مُبَايِنٌ لهم لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ وَهَذَا مَبْحَثٌ في أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ أَوَّلًا وهو بَحْثٌ صَحِيحٌ مُفَرَّعٌ على الْقَوْلِ بِاسْتِوَاءِ الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ وَالْمَجَازِ الرَّاجِحِ إلَّا إنْ قِيلَ إنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ نَقَلَهُ إلَى حِلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ وَصَارَ فيه حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أو عُرْفِيَّةً وَارْتَفَعَ عن هذا الْمَجَازِ الرَّاجِحِ بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ وَمَسْأَلَةُ التَّعَارُضِ فِيمَا إذَا لم يَصِلْ الْمَجَازُ إلَى هذا الْحَدِّ وَالظَّاهِرُ أنها مَمَاتُهُ وَالْحَقِيقَةُ هُنَا لم تَمُتْ لَكِنَّ سِيَاقَ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَعَالِمِ أَنَّهُ يَنْوِي الْحَقِيقَةَ وهو مُطْلَقُ الْقَيْدِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا قالوا يَنْوِي الْعِتْقَ وهو إزَالَةُ قَيْدٍ خَاصٍّ وهو مِلْكُ الْيَمِينِ وهو مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ فَخَرَجَ عن مَعْنَى الْحَقِيقَةِ الْمَرْجُوحَةِ وَالْمَجَازِ الرَّاجِحِ فَيَبْطُلُ الْيَمِينُ في هذه الْجِهَةِ وَلَا نَدْرِي ما يقول الْأَصْحَابُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إذَا نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْأَمَةِ إزَالَةَ مُطْلَقِ الْقَيْدِ من غَيْرِ نِيَّةِ الْعِتْقِ بِخُصُوصِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ تُعْتَقُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ من إزَالَةِ الْأَعَمِّ إزَالَةُ الْأَخَصِّ وَبَعْدُ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمْثِيلُ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً أو عُرْفِيَّةً في حِلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ وَهُمَا مُقَدَّمَتَانِ على الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قَطْعًا مَسْأَلَةٌ قِلَّةُ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ قد يَقِلُّ اسْتِعْمَالُ الْحَقِيقَةِ في مَعْنَاهَا فَتَصِيرُ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى الذي كانت حَقِيقَةً فيه إلَّا بِقَرِينَةٍ فَتُلْحَقُ بِالْمَجَازِ كَالْغَائِطِ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ فإنه حَقِيقَةٌ ثُمَّ هُجِرَ وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في الْمَعْنَى الذي كان مَجَازًا فيه فَيَصِيرُ بِحَيْثُ إذَا أُطْلِقَ فُهِمَ منه ذلك الْمَعْنَى من غَيْرِ قَرِينَةٍ فَيُلْتَحَقُ بِالْحَقَائِقِ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ هذه الْأَلْفَاظِ في مَعَانِيهَا تَابِعٌ لِاخْتِيَارِ الْوَاضِعِ وَالْمُسْتَعْمِلِ لَا لِأَنْفُسِهَا وَحَكَى الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن قَوْمٍ مَنَعُوا ذلك وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ تُغَيَّرَ الْحَقِيقَةُ عن دَلَالَتِهَا لَا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ في مَجَازِهَا وَلَا بِقِلَّتِهِ فيها وَلَا بِغَيْرِ ذلك وَكَذَا مَنَعُوا أَنْ يَتَغَيَّرَ الْمَجَازُ عن دَلَالَتِهِ بِأَنْ يَصِيرَ يَدُلُّ على الْمُرَادِ بِلَا قَرِينَةٍ قالوا لِأَنَّ ذلك يُوجِبُ قَلْبَ دَلَالَةِ الِاسْمِ وَمَعْنَاهُ وَالْأَدِلَّةُ لَا تَنْقَلِبُ عَمَّا هِيَ عليه قال الْقَاضِي وَهَذَا بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ وَضْعَ هذه الْأَلْفَاظِ ليس عن عِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ أو دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ بِالْمُوَاطَأَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ على أَنَّهُ لو اُتُّفِقَ على تَسْمِيَةِ كل مُسَمًّى بِغَيْرِ اسْمِهِ لَدُلَّ عليه كَدَلَالَةِ الْيَوْمِ على ما اُتُّفِقَ عليه وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يُوجِبُ قَلْبَ الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ في الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أَمَّا ما ثَبَتَ بِالْمُوَاطَأَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ فَلَا يَمْنَعُ ذلك وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ما ذَكَرْنَاهُ من صَيْرُورَةِ الْمَجَازِ حَقِيقَةً وَالْحَقِيقَةِ مَجَازًا إنَّمَا نُجَوِّزُهُ قبل نُزُولِ الْقُرْآنِ وَاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ فَأَمَّا بَعْدَ نُزُولِهِ فَلَا وَإِلَّا لَانْسَدَّ عَلَيْنَا طَرِيقُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِمُرَادِ خِطَابِهِ وَيَتَطَرَّقُ الْوَهْمُ إلَى الْحَقَائِقِ ا ه وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا مَسْأَلَةٌ تَعَدُّدُ وُجُوهِ الْمَجَازِ إذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ وَتَعَدَّدَتْ وُجُوهُ الْمَجَازِ وكان بَعْضُهَا أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ الْحَمْلُ عليه قال ابن دَقِيقٍ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ هذه إذَا كانت الْمَجَازَاتُ بَيْنَهَا تَنَافٍ في الْحَمْلِ فَإِنْ لم يَكُنْ وَمَنَعَ من الْحَمْلِ عليها مَانِعٌ وَأَحَدُهَا أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ الْحَمْلُ على الْأَقْرَبِ مِنْهُمَا أو يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا جميعا لِتَنَاوُلِ ذلك الْوَجْهِ الْعَامِّ لها وَعَدَمُ الْمُنَافِي يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ على الْأَقْرَبِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ في الْحَمْلِ على الْأَقْرَبِ مَحْذُورَ التَّخْصِيصِ مع إمْكَانِ التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ ما إذَا تَعَدَّدَتْ وُجُوهُ الْمَجَازِ وَوَقَعَ التَّنَافِي في الْحَمْلِ فإنه ليس فيه هذا الْمَحْذُورُ وَمِثَالُ ما إذَا تَعَذَّرَ الْحَمْلُ على الْحَقِيقَةِ وَتَعَدَّدَتْ وُجُوهُ الْمَجَازِ مع التَّنَافِي ما إذَا دخل على الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَتَعَذَّرَ الْحَمْلُ عليها كما في لَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ مَثَلًا فإن الْحَقِيقَةَ مُتَعَذِّرَةٌ وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَدَّرَ لَا صِحَّةَ عَمَلٍ وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقَدَّرَ لَا كَمَالَ عَمَلٍ فَهَذَانِ وَجْهَانِ من الْمَجَازِ وفي الْحَمْلِ على أَحَدِهِمَا مُنَافَاةٌ لِلْآخَرِ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا لَا صِحَّةَ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْكَمَالِ وإذا قُلْنَا لَا كَمَالَ لم يَلْزَمْ انْتِفَاءُ الصِّحَّةِ وَالْحَمْلُ على الصِّحَّةِ أَقْرَبُ إلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ من الْحَمْلِ على الْكَمَالِ قُلْت وَمِنْ الْمُرَجِّحَاتِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَتَعَدُّدِ الْمَجَازِ فيها ما تَحَقَّقَتْ عَلَاقَتُهُ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّا لم تَتَحَقَّقْ عَلَاقَتُهُ مِثَالُهُ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا فإن الْحَنَفِيَّةَ حَمَلُوهُ على الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا بَائِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّافِعِيَّةُ حَمَلُوهُ على من صَدَرَ مِنْهُمَا الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَجَازٌ لَكِنَّ مَجَازَ الشَّافِعِيَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَلَاقَةَ مُتَحَقِّقَةٌ بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْفِعْلِ وَإِرَادَةِ الْمُسْتَقْبَلِ فإنه قد لَا يَتَحَقَّقُ صُدُورُ الْبَيْعِ الثَّانِي الِاتِّفَاقُ على مَجَازِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالِاخْتِلَافُ فيه بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي هل هو حَقِيقَةٌ أَمْ لَا فَكَانَ رَاجِحًا بهذا الِاعْتِبَارِ مَسْأَلَةٌ الْوَاسِطَةُ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَنَا وَاسِطَةٌ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قال ابن الْخَبَّازِ النَّحْوِيُّ في كِتَابِ النِّهَايَةِ وهو لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ لِشَيْءٍ وَضَعَ الْوَاضِعُ مثله لِعَيْنِهِ كَالْأَعْلَامِ لِلشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ وقال الْأُصُولِيُّونَ اللَّفْظُ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا كَاللَّفْظِ قبل الِاسْتِعْمَالِ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا الِاسْتِعْمَالُ وهو مُنْتَفٍ وَكَالْأَعْلَامِ الْمُتَجَدِّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُسَمَّيَاتِهَا فَإِنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ لِأَنَّ مُسْتَعْمِلَهَا لم يَسْتَعْمِلْهَا فِيمَا وُضِعَتْ له إمَّا لِأَنَّهُ اخْتَرَعَهَا من غَيْرِ سَبْقِ وَضْعٍ كَالْمُرْتَجَلَةِ أو نَقَلَهَا عَمَّا وُضِعَتْ له كَالْمَنْقُولَةِ وَلَيْسَتْ مَجَازًا لِأَنَّهَا لم تُنْقَلْ لِعَلَاقَةٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ والمحصول أَمَّا الْأَعْلَامُ الْمَوْضُوعَةُ بِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَهِيَ حَقَائِقُ لُغَوِيَّةٌ كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَعَلَى هذا فَلَا فَرْقَ بين الْمَنْقُولَةِ وَالْمُرْتَجَلَةِ خِلَافًا لِلْهِنْدِيِّ حَيْثُ خَصَّهَا بِالْمَنْقُولَةِ وقد سَبَقَتْ مَسْأَلَةٌ كما أَنَّهُ من الْأَلْفَاظِ ما ليس بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ كَذَلِكَ فيها ما هو حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ إمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَعْنَيَيْنِ أو مَعْنًى وَاحِدٍ بِحَسَبِ وَضْعَيْنِ كَلُغَوِيٍّ وَعُرْفِيٍّ مَثَلًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِاعْتِبَارِ وَضْعٍ وَاحِدٍ لِاجْتِمَاعِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَصْلٌ في الْحَقِيقَةِ الْحَقِيقَةُ تَتَوَقَّفُ على النَّقْلِ عن وَاضِعِ اللُّغَةِ كَالنُّصُوصِ في بَابِ الشَّرْعِ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ عن أبي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ ولم يُخَالِفْهُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَطْرُقُهُ الْخِلَافُ في الْمَجَازِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَأَمَّا الْمَجَازُ فَيُعْرَفُ إمَّا بِالنَّصِّ من الْعَرَبِ أو الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّصُّ بِأَنْ يَقُولَ هذا حَقِيقَةٌ وَهَذَا مَجَازٌ وَيَنْقُلُ ذلك أَئِمَّةُ اللُّغَةِ قال ابن الْعَارِضِ في نُكَتِهِ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا نَصَّ أَهْلِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُمْ إنْ قَالُوهُ نَقْلًا عن الْعَرَبِ فَهُوَ حُجَّةٌ أو إجْمَاعٌ بِإِجْمَاعِهِمْ كَذَلِكَ ا هـ وقد تَصَدَّى لِذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِأَسَاسِ الْبَلَاغَةِ وَقِيلَ يُعْرَفُ بِالضَّرُورَةِ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ بِأَنْ يُصَرِّحَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِاسْمِهِ بِأَنْ يَقُولُونَ هذا اللَّفْظُ مَجَازٌ في الْمَعْنَى الْفُلَانِيِّ أو بِحَدِّهِ بِأَنْ يَقُولُونَ هو مَوْضُوعٌ فيه بِوَضْعٍ ثَانٍ أو بِخَاصَّتِهِ كما يُقَالُ اسْتِعْمَالُ هذا اللَّفْظِ في ذلك يَحْتَاجُ إلَى الْعَلَاقَةِ وَهَذَا قَالَهُ في الْمَحْصُولِ وَيُمْكِنُ رُجُوعُ الثَّالِثِ إلَى الْقِسْمِ النَّظَرِيِّ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْعَلَامَاتِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ وقد أَنْكَرَ هذا الْقِسْمَ الْعَبْدَرِيُّ وابن الْحَاجِّ في كَلَامِهِمَا على الْمُسْتَصْفَى وَقَالَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَجَازِ إلَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّصَفُّحِ لِلِسَانِ الْعَرَبِ ا هـ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ خِلَافُهُ فَمِنْ خَوَاصِّ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ أَقْوَاهَا تَبَادُرُ الذِّهْنِ إلَى فَهْمِ الْمَعْنَى بِغَيْرِ قَرِينَةٍ لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ يَعْنِي أَنَّ من عَلِمَ الْوَضْعَ وَسَمِعَ اللَّفْظَ بَادَرَ إلَى حَمْلِهِ على ذلك الْمَعْنَى من غَيْرِ قَرِينَةٍ وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا لِأَجْلِ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ عَمَّا إذَا بَدَرَ الْفَهْمُ إلَى الْمَعْنَى لِأَجْلِ أَمْرٍ خَارِجٍ عن الْوَضْعِ كَقَرَائِنَ احْتَفَتْ بِهِ أو غَلَبَةِ اسْتِعْمَالٍ لَا تَنْتَهِي إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَنْقُولًا إلَى ذلك الْمَعْنَى وَرُبَّمَا يَتَبَادَرُ الْفَهْمُ إلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ من غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِهِ وَيَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنًى آخَرَ لم يَتَبَادَرْ الْفَهْمُ إلَيْهِ ولم يَحْضُرْ السَّامِعَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا تَكُونُ الْمُبَادَرَةُ إلَى ذلك الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دَلِيلًا على اخْتِصَاصِ الْحَقِيقَةِ بِهِ قَالَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وهو حَسَنٌ وَبِهِ يَنْدَفِعُ إيرَادُ من أَوْرَدَ على طَرْدِ هذه الْعَلَامَةِ الْمَجَازَ الْمَنْقُولَ وَالْمَجَازَ الرَّاجِحَ وَعَلَى عَكْسِهَا الْمُشْتَرَكُ فإنه حَقِيقَةٌ في مَدْلُولَاتِهِ مع عَدَمِ التَّبَادُرِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ إنَّمَا يَتَبَادَرُ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فيه وَلَا يُنَافِي ذلك لِكَوْنِهِ مَجَازًا وَأَمَّا الْمَجَازُ الرَّاجِحُ فَنَادِرٌ وَالتَّبَادُرُ في الْأَغْلَبِ لَا يُوجَدُ إلَّا في الْحَقِيقَةِ وَتَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ على الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ لَا يَقْدَحُ فيه حَقِيقَةً وَأَمَّا الْمُشْتَرَكُ فَالتَّعْرِيفُ بِالْعَلَامَةِ لَا يُشْتَرَطُ فيه الِانْعِكَاسُ وَمِنْهَا عَدَمُ احْتِيَاجِهِ إلَى الْقَرِينَةِ وَلَا يَرُدُّ الْمُشْتَرَكُ حَقِيقَتَيْنِ فإنه لِعَارِضِ الِاشْتِرَاكِ لَا لِذَاتِهِ وَمِنْ خَوَاصِّ الْمَجَازِ إطْلَاقُ اللَّفْظِ على ما يَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُهُ بِهِ إذْ الِاسْتِحَالَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غير مَوْضُوعٍ له فَيَكُونَ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ أَيْ أَهْلَهَا كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ بِالْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ نَحْوُ وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا فإنه كَذَلِكَ مع أَنَّهُ ليس مَجَازًا لُغَوِيًّا فَإِنْ أَرَادَ بِاسْتِحَالَةِ التَّعَلُّقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فَبَاطِلٌ قُلْت قد سَبَقَ أَنَّ الْمَجَازَ الْعَقْلِيَّ لُغَوِيٌّ على الصَّحِيحِ وَمِنْهَا أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ في الْمَعْنَى الْمَنْسِيِّ بِأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى له أَفْرَادٌ فَيَتْرُكُ أَهْلُ الْعُرْفِ اسْتِعْمَالَهُ في بَعْضِ تِلْكَ الْأَفْرَادِ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذلك الْبَعْضُ مَنْسِيًّا ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ في ذلك الْمَعْنَى الْمَنْسِيِّ فَيَكُونُ مَجَازًا عُرْفِيًّا كَالدَّابَّةِ فإنه مَوْضُوعٌ لِكُلِّ ما يَدِبُّ على الْأَرْضِ فَتَرَكَ بَعْضُ أَهْلِ الْبُلْدَانِ اسْتِعْمَالَهَا في الْحِمَارِ بِحَيْثُ نُسِيَ فَإِطْلَاقُهَا عليه عِنْدَهُمْ مَجَازٌ لِأَنَّهُ مَجَازٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَمِنْهَا صِحَّةُ نَفْيِ اللَّفْظِ عن الْمَعْنَى في نَفْسِ الْأَمْرِ كَتَسْمِيَةِ الْجَدِّ أَبًا حَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ عن الْكَرْخِيِّ وَكَقَوْلِك لِلْبَلِيدِ ليس بِحِمَارٍ وَقُلْنَا في نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَلِيدِ ليس بِإِنْسَانٍ فَقَدْ نَفَيْت الْحَقِيقَةَ لَكِنْ ليس في نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا بِعَكْسِ الْحَقِيقَةِ فإن عَلَامَتَهَا عَدَمُ صِحَّةِ النَّفْيِ إذْ لَا يُقَالُ لِلْبَلِيدِ ليس بِإِنْسَانٍ في نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ عِنْدَ قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ وَتَشْبِيهِهِ بِالْحِمَارِ وقد اجْتَمَعَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ في قَوْله تَعَالَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فيها وَلَا يَحْيَا ومنها أن الحقيقة يجب اطرادها في سائر المواضع التي ثبت فيها معناها إلا لمانع ومعنى ذلك أنا إذا سمينا إنسانا بضارب لوقوع الضرب منه أو محلا بأنه أسود لحلول السواد فيه وجب أن يسمى كل من صدر منه الضرب بأنه ضارب وكل من ماحله السواد واتصف به بأنه أسود وإلا لانتقض قولنا إنه سمي ضاربا لوقوع الضرب منه بخلاف المجاز فإنه لا يجب اطراده بل يقر حيث ورد فلا يستعمل إلا فيما استعمله أهل اللغة فيه أو في نظيره فكما يستدل بالاطراد على الحقيقة يستدل بعدم الاطراد على المجاز كالنخلة للإنسان الطويل فلا يقال لكل طويل نخلة كذا ذكره جماعة منهم الغزالي وابن برهان وقيده الهندي بأمرين أحدهما الوجوب أي يجب كون الحقيقة جارية على الاطراد لئلا يرد المجاز المطرد نقضا على طرده فإنه وإن كان مطردا لكنه لا يجب طرده بدليل عدم اطراد مثله في المجاز وثانيهما بشرط عدم المانع أي يجب أن تكون مطردة إن لم يمنع مانع شرعي أو عقلي أو لغوي لئلا يرد مثل السخي والفاضل بالنسبة إلى الله تعالى نقضا على عكسه ا هـ وممن ذكر أن علامة الحقيقة الاطراد دون المجاز القاضي أبو بكر فيما نقله إمام الحرمين عنه في التلخيص ثم قال وهو سديد إلا أنه لا يقتضي كبير معنى فإن الأصل في الحقائق نتبع أصل الوضع وفي المجاز نتبع استعمال أهل اللغة وإنما سمي كل من صدر عنه الضرب ضاربا بالاتباع لا بالقياس وحكاه أبو الحسين في المعتمد عن بعضهم ثم قال والصحيح أن نفس الاطراد من غير منع دليل على أن الاسم مجاز لأنه قد ثبت وجوب اطراد الاسم في حقيقته واطراده لا يدل على أنه حقيقة لأن المجاز وإن لم يجب اطراده فلا يمنع مانع من اطراده وقيل ليس الاطراد من علامات الحقيقة فإن من المجاز ما قد يطرد كإطلاق اسم الكل على الجزء ونحوه وقال إلكيا الهراسي الخلاف في هذه مبني على أن الحقائق تقاس عليها قال وفيه نظر لأنا قد بينا أن لا قياس في اللغة أصلا فلا يسمى من صدر منه الضرب ضاربا قياسا ولكن توقيفا ولو ثبت الاطراد في المجاز نقلا طردناه وَمِنْهَا أَنَّا إذَا وَجَدْنَا لَفْظَةً صَالِحَةً لِمَعْنَيَيْنِ وَجَمْعُهَا بِحَسَبِهِمَا مُخْتَلِفٌ عَلِمْنَا أنها مَجَازٌ في أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ عَلِمْنَا أنها حَقِيقَةٌ في الْآخَرِ أَمْ لَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فقال إنْ تَخْتَلِفْ صِيغَةُ الْجَمْعِ على الِاسْمِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَجَازٌ في أَحَدِهِمَا وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَمِثْلُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فإنه حَقِيقَةٌ في الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَجَمْعُهُ بهذا الْمَعْنَى أَوَامِرُ وإذا أُطْلِقَ على الْفِعْلِ جُمِعَ على أُمُورٍ وَخَالَفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن بَرْهَانٍ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرُهُمْ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجَمْعِ لَا مَدْخَلَ له في كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً أو مَجَازًا إلَّا أَنْ يَدَّعِي فيه اسْتِقْرَاءً فَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهِ حِينَئِذٍ وقد يَتَّحِدُ الْجَمْعُ مع اخْتِلَافِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَالْحُمُرِ جَمْعُ حِمَارٍ وَالْأُسُدُ جَمْعٌ لِلرَّجُلِ وَغَيْرِهِ وقد يَخْتَلِفُ مع كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِمَا كَالْيَدِ فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ في النِّعْمَةِ وَالْجَارِحَةُ على قَوْلٍ وَجَمْعُ النِّعْمَةِ على أَيَادٍ وَجَمْعُ الْجَارِحَةِ على أَيْدٍ قِيلَ وَعَلَى من اعْتَبَرَ هذه الْعَلَامَةَ سُؤَالٌ فإنه إذَا اعْتَبَرْنَا اخْتِلَافَ الْجَمْعِ وَجَعْلَهُ مع اتِّحَادِ الْمُفْرَدِ دَلِيلًا على اخْتِلَافِ الْمَعْنَى فَهَلَّا فُعِلَ ذلك عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَصْدَرِ مع اتِّحَادِ الْفِعْلِ مِثْلُ شَعَرَ فإنه مُشْتَرَكٌ بين الْعِلْمِ وَالنَّظْمِ وَمَصْدَرُهُ في النَّظْمِ شِعْرٌ وفي الْعِلْمِ شُعُورٌ وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْفِعْلِ في الْحَرَكَاتِ مع اتِّحَادِ الْمَصْدَرِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ اخْتِلَافُ أَحَدِهِمَا دَلِيلًا على أَنَّ الْآخَرَ مَجَازٌ في أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بَلْ هذا أَوْلَى لِأَنَّ الْمَصْدَرَ وَالْفِعْلَ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْعُ الْآخَرِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فَرْعَ الْفِعْلِ أو بِالْعَكْسِ على اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ فإنه ليس فَرْعَ الْمُفْرَدِ بَلْ بِمَثَابَةِ تَكْرَارِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ شَعَرَ مَجَازٌ في أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْمَصْدَرِ كما أَنَّ الْأَمْرَ مَجَازٌ في أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ وقال ابن التِّلِمْسَانِيِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُنْتَخَبِ وَالْحَقُّ أَنَّ اخْتِلَافَ الْجَمْعِ لَا يَدُلُّ مُطْلَقًا إلَّا بِزِيَادَةِ قَيْدٍ وهو أَنْ يُقَالَ مَثَلًا أَجْمَعْنَا على أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ إذَا أُطْلِقَ على الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ على طَلَبِ الْفِعْلِ على جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ حَقِيقَةٌ وَأَنَّهُ يُجْمَعُ على أَوَامِرَ فإذا أُطْلِقَ على الْفِعْلِ جُمِعَ على أُمُورٍ فَخُولِفَ بِهِ جَمْعَ الْحَقِيقَةِ فَقَدْ عُدِلَ بِهِ عن الْحَقِيقَةِ وما عُدِلَ بِهِ عن الْحَقِيقَةِ يَكُونُ مَجَازًا وَهَذَا إنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِلتَّمْثِيلِ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ لَا يُجْمَعُ على أَوَامِرَ قِيَاسًا وَإِنَّمَا هو جَمْعُ آمِرَةٍ كَفَاطِمَةَ وَفَوَاطِمَ وَتَسْمِيَةُ الصِّيغَةِ أَمْرًا مَجَازٌ ومنها أن الحقيقة يشتق منها الصفة والمجاز لا يشتق منه لأن الأمر بمعنى الطلب حينئذ يشتق منه فيقال أمر يأمر أمرا فهو آمر وبمعنى البيان والصفة مجاز لا يتصرف ذكره القاضي والغزالي وإلكيا الهراسي وغيرهم وخالفهم ابن برهان بأنه رب مجاز يشتق منه إذا وقع موقع المصدر كالغائط فإنه يقال تغوط الرجل يتغوط تغوطا وإن كان مجازا في الفضلة ================================================ج7. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي وكذلك قال القاضي أبو الطيب الفعل شأن حقيقة ثم لا يقال شأن يشأن فهو شائن ورب مجاز يتصرف وكذلك قال إمام الحرمين في التلخيص رب حقيقة لا يصدر عنها الاشتقاق وهو إذا لم يكن مصدرا ورب مجاز ورد التجوز بنعوت صادرة عنه فكل ما حل محل المصادر وضعا واستعمالا فالأغلب أن يصدر منه النعوت وهذا هو قضية كلام أهل البيان فإنهم قالوا إن الاستعارة لا تدخل في الأفعال إلا بطريق التبع للمصادر وذلك بأن يتجوز في المصدر أولا ثم يشتق منه الفعل ا هـ وأورد أبو الحسين في المعتمد الرائحة فإنها حقيقة في مسماها مع أنه لا يشتق منها اسم الفاعل لمحلها وهو ممنوع بل يقال للجسم الذي فيه متروح وأورد بعضهم أن ظن بمعنى أيقن مجاز ويصح أن يشتق منه اسم فاعل فيقال ظان وَمِنْهَا الْتِزَامُ تَقْيِيدٍ في مَعْنَى مع اسْتِعْمَالِهِ مُطْلَقًا في الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ كَجَنَاحِ الذُّلِّ وَنَارِ الْحَرْبِ وَرَحَى الْحَرْبِ كِنَايَةٌ عن شِدَّتِهِ وَالْتِهَابِهِ وَإِنَّمَا كان الْتِزَامُ التَّقْيِيدِ دَالًّا على التَّجَوُّزِ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الْأَصْلُ فيها الْإِطْلَاقُ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ له مَعْنًى يَخُصُّهُ مَعْلُومٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْقَرِينَةِ فَجُعِلَ الْتِزَامُ التَّقَيُّدِ دَلِيلَ الْمَجَازِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالِالْتِزَامِ الْمَنْعَ من الِاسْتِعْمَالِ من غَيْرِ قَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِقْرَاءُ كَلَامِهِمْ قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَفِيهِ نَظَرُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بين مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا نِسْبِيٌّ وَالْآخَرُ غَيْرُ نِسْبِيٍّ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُهُ على أَحَدِ الْمُسَمَّيَيْنِ مُتَوَقِّفًا على إطْلَاقِهِ على الْمُسَمَّى الْآخَرِ فَالتَّوَقُّفُ مَجَازٌ سَوَاءٌ كان ذلك مَلْفُوظًا بِهِ كَقَوْلِهِ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ أو مُقَدَّرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إذْ لم يَتَقَدَّمْ لِمَكْرِهِمْ ذِكْرٌ في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ مَعْنًى وَكَثِيرٌ من الناس لَا يَعْلَمُ هذا التَّقْرِيرَ فَيَظُنُّ بُطْلَانَ الْقَاعِدَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ له تَعَلُّقٌ بِالْغَيْرِ فإذا اُسْتُعْمِلَ في مَعْنًى ولم يُسْتَعْمَلْ له تَعَلُّقٌ فَيَكُونُ مَجَازًا فيه كَالْقُدْرَةِ إذَا أُرِيدَ بها الصِّفَةُ اُسْتُعْمِلَ فيه الْمَقْدُورُ وَإِنْ أُرِيدَ بها الْمَقْدُورُ كَإِطْلَاقِهَا على النَّبَاتِ الْحَسَنِ الْعَجِيبِ كما تَقُولُ لِمَنْ تُنَبِّهُهُ على حُسْنِ النَّبَاتِ اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ أَيْ إلَى مَقْدُورِهِ وهو النَّبَاتُ هُنَا لم يَكُنْ له مُتَعَلِّقٌ إذْ النَّبَاتُ لَا مَقْدُورَ له ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فيها وَيَكُونَ له بِحَسَبِ إحْدَى حَقِيقَتَيْهِ مُتَعَلِّقٌ دُونَ الْأُخْرَى وَرَدَّهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا بِأَنَّ عَدَمَ التَّعَلُّقِ في الْمَجَازِ هُنَا لم يَكُنْ لِأَجْلِ الْمَجَازِ بَلْ لِأَنَّهُ نُقِلَ إلَى النَّبَاتِ وَلَا مُتَعَلِّقَ له فَلَوْ نُقِلَ إلَى شَيْءٍ له مُتَعَلِّقٌ كما لو أَطْلَقَ على الْإِرَادَةِ قُدْرَةً مَجَازًا لَكَانَ له تَعَلُّقٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُؤَكَّدُ بِالْمَصْدَرِ وَبِأَسْمَاءِ التَّوْكِيدِ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فإنه لَا يُوَكَّدُ بِشَيْءٍ من ذلك ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَتَمَدَّحَ بِذِكْرِهِ وقال هو من الْفُرُوقِ الْمَغْفُولِ عنها قُلْت قد ذَكَرَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ قال فَلَا يَقُولُونَ أَرَادَ الْجِدَارَ إرَادَةً وَلَا قالت الشَّمْسُ وَطَلَعَتْ قَوْلًا وَكَذَلِكَ وُرُودُ الْكَلَامِ في الشَّرْعِ لِأَنَّهُ على طَرِيقَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ قال وَلِهَذَا كان قَوْله تَعَالَى إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ له كُنْ فَيَكُونُ حَقِيقَةً لَا على مَعْنَى التَّكْوِينِ كما يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ من حَيْثُ أَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا يُفِيدُ الْحَقِيقَةَ وَأَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ وَكَلَّمَهُ بِنَفْسِهِ لَا كَلَامًا قام بِغَيْرِهِ ا هـ وقد سَبَقَ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالْمَصْدَرِ إنَّمَا يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ عن الحديث لَا عن الْمُحَدَّثِ عنه فَلَيْسَ فيه حُجَّةُ تَكْلِيمِهِ بِنَفْسِهِ وَلَك أَنْ تُورِدَ مِثْلَ قَوْلِ الشَّاعِرِ بَكَى الْحُرُّ من رُوحٍ وَأَنْكَرَ جِلْدَهُ وَعَجَّتْ عَجِيجًا من جُذَامِ الْمَطَارِقِ وَيُجَابُ عنه بِأَنَّهُ قَصَدَ فيه الْمُبَالَغَةَ بِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْحَقِيقَةِ فَأَكَّدَهُ وَذَكَرَ بَعْضُ أَئِمَّةِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ لم يَأْتِ تَأْكِيدُ الْمَجَازِ إلَّا في هذا الْبَيْتِ الْوَاحِدِ وَأَوَّلَهُ على أَنَّ الْمَعْنَى عَجَّتْ لو كانت غَافِلَةً قُلْت وَأَنْشَدَ ابن بَرْهَانٍ قَرَعْت طَنَابِيبَ الْهَوَى يوم عَالِجٍ وَيَوْمَ اللِّوَى حتى قَسَرْت الْهَوَى قَسْرَا وقال فيه حُجَّةٌ على أَنَّ التَّأْكِيدَ بِالْمَصْدَرِ لَا يَرْفَعُ الْمَجَازَ فصل في ذِكْرِ تَعَارُضِ ما يُخِلُّ بِالْفَهْمِ وَهِيَ عَشَرَةٌ منها ما يَرْجِعُ لِعَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَهِيَ خَمْسَةٌ الْمَجَازُ وَالِاشْتِرَاكُ وَالنَّقْلُ وَالْإِضْمَارُ وَالتَّخْصِيصُ وَمِنْهَا ما يَرْجِعُ لِغَيْرِ ذلك إمَّا لِلْحُكْمِ كَالنَّسْخِ أو لِلتَّرْكِيبِ كَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أو لِلْوَاقِعِ كَالْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ أو لِلُّغَةِ كَتَغْيِيرِ الْإِعْرَابِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْخَمْسَةِ السَّابِقَةِ فَقَطْ لِرُجُوعِهَا إلَى اللَّفْظِ وَاحْتَجُّوا على الْحَصْرِ بِأَنَّهُ إذَا انْتَقَى احْتِمَالُ الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ كان اللَّفْظُ حَقِيقَةً في مَعْنًى وَاحِدٍ وإذا انْتَفَى احْتِمَالُ الْإِضْمَارِ كان الْمُرَادُ منه مَدْلُولَ اللَّفْظِ وإذا انْتَفَى احْتِمَالُ الْمَجَازِ كان الْمُرَادُ منه مَدْلُولَهُ الْحَقِيقِيَّ وإذا انْتَفَى احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ كان الْمُرَادُ منه جَمِيعَ ما وُضِعَ له بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَحِينَئِذٍ لم يَبْقَ خَلَلٌ في الْفَهْمِ أَلْبَتَّةَ وَأُورِدَ على الْحَصْرِ أُمُورٌ أَحَدُهَا احْتِمَالُ النَّسْخِ فإن السَّامِعَ إذَا جَوَّزَ على حُكْمِ اللَّفْظِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَا يَجْزِمُ بِثُبُوتِهِ الثَّانِي احْتِمَالُ التَّقْيِيدِ الثَّالِثُ احْتِمَالُ الِاقْتِضَاءِ فإن قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي لِمَا عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مَرْفُوعٍ لِوُقُوعِهِ في الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ عليه السَّلَامُ شيئا آخَرَ لِئَلَّا يَلْزَمَ كَذِبُهُ وهو غَيْرُ مَعْلُومٍ من ظَاهِرِ الْكَلَامِ فَقَدْ نَشَأَ الْخِلَافُ في فَهْمِ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ من غَيْرِ الِاحْتِمَالَاتِ الْخَمْسَةِ وَأُجِيبَ عن الْأَوَّلِ بِأَنَّ النَّسْخَ دَاخِلٌ في التَّخْصِيصِ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ في الْأَزْمَانِ وَالْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي بِصِيغَتِهِ فِعْلَ الْمَأْمُورِ أَبَدًا وَالْحَقُّ في الْجَوَابِ أَنَّ النَّسْخَ من عَوَارِضِ الْأَحْكَامِ لَا الْأَلْفَاظِ فَإِنْ قِيلَ قد تُنْسَخُ التِّلَاوَةُ وَلَيْسَتْ مَعْنًى قُلْنَا نَسْخُهَا أَيْضًا عَدَمُ جَوَازِ تِلَاوَةِ ذلك الْمَنْسُوخِ قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ قَرِيبٌ من التَّخْصِيصِ وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ رَاجِعٌ لِلْإِضْمَارِ على رَأْيِ جَمْعٍ من الْأُصُولِيِّينَ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ شَيْءٍ من الْكَلَامِ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ أو الشَّرْعِ أو إلَيْهِمَا لَا نَظَرًا إلَى اللَّفْظِ فَأَمَّا من قال إنَّهُ مُغَايِرٌ لِلْإِضْمَارِ فَنَقُولُ إنَّ الْخَلَلَ النَّاشِئَ من احْتِمَالِ الِاقْتِضَاءِ مِثْلُهُ النَّاشِئُ من احْتِمَالِ الْإِضْمَارِ فَكَانَ ذِكْرُهُ مُغْنِيًا عن ذلك وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ فَالْعَوَارِضُ الْمُخِلَّةُ بِالْفَهْمِ تَرْجِعُ إلَى احْتِمَالِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ على ذِكْرِهَا لِأَنَّ النَّقْلَ وَالْإِضْمَارَ وَالتَّخْصِيصَ يَرْجِعُ لِلْمَجَازِ فإن الْمَجَازَ يَكُونُ بِالنُّقْصَانِ وَالْعَامُّ إذَا خُصَّ يَكُونُ مَجَازًا في الْبَاقِي على الصَّحِيحِ فَإِذَنْ الْمُرَادُ بِالْمَجَازِ الْأَعَمُّ من ذلك لَا الْمُقَابِلُ لِلْإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ فَإِنْ كان الْكَلَامُ في هذه الْمُحْتَمَلَةِ من حَيْثُ الْجِنْسُ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الْإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ لِأَنَّهُمَا من أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَيَنْدَرِجَانِ تَحْتَ مُطْلَقِهِ وَعَلَى هذا فَالْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ وَإِنْ كان الْكَلَامُ فيها من حَيْثُ النَّوْعُ فَلَا شَكَّ أَنَّ أَنْوَاعَ الْمَجَازِ لَا تَنْحَصِرُ في خَمْسَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّوَسُّعُ وَاقْتُصِرَ على هَذَيْنِ من بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ لِغَلَبَتِهِمَا في الْكَلَامِ على أَنَّهُ سَبَقَ خِلَافٌ في أَنَّ الْإِضْمَارَ ليس بِمَجَازٍ وَالتَّخْصِيصُ أَيْضًا كَذَلِكَ فإنه فِعْلُ الْمُخَصَّصِ وَلَيْسَ بِلَفْظٍ حتى يُحْكَمَ عليه بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وقد أُورِدَ على مَوْضِعِ الْمَسْأَلَةِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هذه الِاحْتِمَالَاتِ ليس شَيْءٌ منها مُخِلًّا بِالْفَهْمِ لِأَنَّ الظَّنَّ حَاصِلٌ مع تَجْوِيزِهَا إنَّمَا الْمُمْتَنِعُ الْقَطْعُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منها مُخِلٌّ بِالْفَهْمِ على تَقْدِيرِ إرَادَتِهِ مع عَدَمِ الْقَرِينَةِ كَإِرَادَةِ الْمَجَازِ مع عَدَمِهَا فإنه يُخِلُّ بِالْفَهْمِ وَيُوقِعُ في الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي أَنَّ الْإِضْمَارَ وَالتَّخْصِيصَ نَوْعَانِ من أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَكَيْفَ جَعَلَهُمَا مُقَابِلَيْنِ له وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّوَسُّعُ وَاقْتَصَرَ على هَذَيْنِ من بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ لِغَلَبَتِهِمَا في الْكَلَامِ على أَنَّهُ سَبَقَ خِلَافٌ في أَنَّ الْإِضْمَارَ ليس بِمَجَازٍ وَالتَّخْصِيصُ أَيْضًا كَذَلِكَ فإنه فِعْلُ الْمُخَصَّصِ وَلَيْسَ بِلَفْظٍ حتى يُحْكَمَ عليه بِالْحَقِيقَةِ أو الْمَجَازِ ثُمَّ التَّعَارُضُ الذي يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ بين هذه الِاحْتِمَالَاتِ الْخَمْسَةِ يَقَعُ على عَشَرَةِ أَوْجُهٍ وَهَذِهِ لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بين الشَّيْئَيْنِ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعَارِضُ نَفْسَهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ من هذه الِاحْتِمَالَاتِ الْخَمْسَةِ إنَّمَا يُعَارِضُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخِيرَةَ فيها فَتُضْرَبُ الْخَمْسَةُ في الْأَرْبَعَةِ فَحَصَلَ عِشْرُونَ وَجْهًا من التَّعَارُضِ لَكِنَّ الْعِدَّةَ مُكَرَّرَةٌ فَيَجِبُ حَذْفُهَا بِنَفْيِ عَشَرَةٍ تُكَرَّرُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وهو أَنَّهُ قد يَقَعُ التَّعَارُضُ بين الِاشْتِرَاكِ وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ فَيَحْصُلُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ثُمَّ من تَعَارُضِ النَّقْلِ مع الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ صَارَتْ سَبْعَةً ثُمَّ من تَعَارُضِ الْمَجَازِ مع الْبَاقِينَ وَجْهَانِ صَارَتْ تِسْعَةً ثُمَّ من تَعَارُضِ الْمَجَازِ مع التَّخْصِيصِ وَجْهٌ وَاحِدٌ فَصَارَ الْمَجْمُوعُ عَشَرَةً وقد نَظَمَ ذلك بَعْضُهُمْ فقال تَجُوزُ ثُمَّ إضْمَارٌ وَبَعْدَهُمَا نَقْلٌ تَلَاهُ اشْتِرَاكٌ فَهُوَ يَخْلُفُهُ وَأَرْجَحُ الْكُلِّ تَخْصِيصٌ وَآخِرُهُمْ نَسْخٌ فما بَعْدَهُ قِسْمٌ يَخْلُفُهُ وَالضَّابِطُ تَقَدُّمُ التَّخْصِيصِ فَالْإِضْمَارِ فَالْمَجَازِ فَالنَّقْلِ فَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّخْصِيصُ يُرَجَّحُ على سَائِرِ الْوُجُوهِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ رَاجِحٌ على الْإِضْمَارِ وَالْمَجَازِ فإن فيه عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ من وَجْهٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ وَعَلَى النَّقْلِ لِتَوَقُّفِ النَّقْلِ على ما لَا يَتَوَقَّفُ عليه التَّخْصِيصُ وَعَلَى الِاشْتِرَاكِ لِإِخْلَالِهِ بِالْفَهْمِ الْأَوَّلُ التَّعَارُضُ بين الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ لِأَنَّهُ على تَقْدِيرِ النَّقْلِ يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ مُفْرَدًا قبل النَّقْلِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْأَصْلِيِّ وَبَعْدَهُ لِلْعُرْفِيِّ أو الشَّرْعِيِّ الذي نُقِلَ إلَيْهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ يَكُونُ مَعْنَاهُ مُتَعَدِّدًا في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَالْمُجْمَلِ مِثَالُهُ لَفْظُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ في النَّمَاءِ وفي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ من النِّصَابِ فَيُحْتَمَلُ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمَا أو في الْأَصْلِ لِلنَّمَاءِ وَاسْتُعْمِلَتْ في الثَّانِي بِطَرِيقِ النَّقْلِ فَحَمْلُهَا عليه أَوْلَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَجَّحَ الِاشْتِرَاكُ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِي نَسْخَ وَضْعٍ سَابِقٍ بِخِلَافِ النَّقْلِ وَالْإِجْمَاعِ على وُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ وَالِاخْتِلَافِ في النَّقْلِ وَأَنْكَرَهُ كَثِيرٌ من الْمُحَقِّقِينَ كَالْقَاضِي وَغَيْرِهِ الثَّانِي التَّعَارُضُ بين الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا من الْمُشْتَرَكِ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالْحَمْلُ على الْأَكْثَرِ أَوْلَى وَإِعْمَالُ اللَّفْظِ فيه مع الْقَرِينَةِ فَيَكُونُ مَجَازًا وَدُونَهَا فَيَكُونُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فإنه عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ هذا هو الْمَشْهُورُ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وابن الْحَاجِبِ وَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ في مَبَاحِثِ الْأَمْرِ تَرْجِيحُ الِاشْتِرَاكِ وقد اُسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُ التَّعَارُضِ بين الِاشْتِرَاكِ وَالنَّقْلِ وَالْمَجَازِ فإن الِاشْتِرَاكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ حَالَاتِهِ في دَلَالَتِهِ على الْمَعْنَيَيْنِ أو الْمَعَانِي وَالْمَجَازُ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ يَكُونُ دَلَالَتُهُ في أَحَدِهِمَا ضَعِيفَةً وَالْأُخْرَى قَوِيَّةً وَاللَّفْظُ إنَّمَا يَصِيرُ مَنْقُولًا إذَا يُطْلَبُ دَلَالَتُهُ الْأُولَى وَارْتَفَعَتْ وَأُجِيبَ بِتَصَوُّرِ ذلك في لَفْظٍ اُسْتُعْمِلَ في مَعْنَيَيْنِ ولم يُعْلَمْ تَسَاوِي دَلَالَتِهِ عَلَيْهِمَا وَلَا رُجْحَانُهَا في أَحَدِهِمَا فَيُحْتَمَلُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ أو بِطَرِيقِ النَّقْلِ أو حَقِيقَةً في أَحَدِهِمَا وَمَجَازًا في الْآخَرِ على السَّوَاءِ الثَّالِثُ الْإِضْمَارُ أَوْلَى من الِاشْتِرَاكِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ إلَّا في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْإِضْمَارِيِّ بِخِلَافِ الْمُشْتَرَكِ فإنه مُفْتَقِرٌ إلَى الْقَرِينَةِ في جَمِيعِ صُوَرِهِ إذْ ليس الْبَعْضُ منه أَوْلَى من الْبَعْضِ الرَّابِعُ التَّخْصِيصُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ خَيْرٌ من الْمَجَازِ وَالْمَجَازُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ وَالْخَيْرُ من الْخَيْرِ خَيْرٌ فَكَانَ التَّخْصِيصُ خَيْرًا من الِاشْتِرَاكِ وَعُلِمَ من هذه الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ أَضْعَفُ الْخَمْسَةِ الْخَامِسُ الْمَجَازُ خَيْرٌ من النَّقْلِ لِاسْتِلْزَامِ النَّقْلِ نَسْخَ الْأَوَّلِ وَتَغْيِيرَ الْوَضْعِ كَدَعْوَى الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَنْقُولَةٌ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْجُمْهُورُ قالوا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ وهو أَوْلَى السَّادِسُ الْإِضْمَارُ أَوْلَى من النَّقْلِ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ مُسَاوٍ لِلْمَجَازِ وَالْمَجَازُ أَوْلَى من النَّقْلِ السَّابِعُ التَّخْصِيصُ خَيْرٌ من النَّقْلِ لِأَنَّهُ خَيْرٌ من الْمَجَازِ وَالْمَجَازُ خَيْرٌ من النَّقْلِ وَعُلِمَ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ أَنَّ النَّقْلَ أَضْعَفُ من الثَّلَاثَةِ بَعْدُ الثَّامِنُ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الْإِضْمَارِ وَالْمَجَازِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قِيلَ الْمَجَازُ أَوْلَى لِكَثْرَتِهِ وَبِهِ جَزَمَ في الْمَعَالِمِ وَاخْتَارَهُ الْهِنْدِيُّ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وَتَبِعَهُ في الْمِنْهَاجِ لِاحْتِيَاجِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى قَرِينَةٍ تَمْنَعُ من فَهْمِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَكَمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُعِينُ على فَهْمِ الْمَجَازِ كَذَلِكَ تُعِينُ على فَهْمِ الْمُضْمَرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَيْنِ نَوْعَا مَجَازٍ فَيَنْبَغِي ذِكْرُهُ في تَرْجِيحِ أَنْوَاعِ بَعْضِ الْمَجَازِ على بَعْضٍ التَّاسِعُ التَّخْصِيصُ أَوْلَى من الْمَجَازِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ من أَفْرَادِ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَتَعَيَّنُ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فإنه رُبَّمَا لَا يَتَعَيَّنُ وَمِنْ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَجَازَ أَضْعَفُ من الْإِضْمَارِ وَالتَّخْصِيصِ الْعَاشِرُ التَّخْصِيصُ خَيْرٌ من الْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ خَيْرٌ من الْمَجَازِ وَالْمَجَازُ مُسَاوٍ لِلْإِضْمَارِ على ما في الْمَحْصُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ فَهَذَا خِطَابٌ خَاصٌّ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُمْ إذَا اقْتَصُّوا حَصَلَتْ الْحَيَاةُ لهم بِدَفْعِ شَرِّ هذا الْقَاتِلِ الذي صَارَ عَدُوًّا لهم أو هو عَامٌّ وَالْمَشْرُوعِيَّةُ مُضْمَرَةٌ لِأَنَّ الناس إذَا عَلِمُوا مَشْرُوعِيَّتَهُ كان أَنْفَى لِلْقَتْلِ فيها بَيْنَهُمْ وَهَذَا مِثَالٌ وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فُرُوعٌ أَحَدُهَا الِاشْتِرَاكُ خَيْرٌ من النَّسْخِ لِأَنَّهُ لَا إبْطَالَ فيه بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ النَّسْخِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عليه فإنه يُحْمَلُ على كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَسْخُ ما وَرَدَ من الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ على إبَاحَةِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ إنْ كان الْقُرْآنُ مُتَأَخِّرًا أو نَسْخُهُ إنْ كان مُتَقَدِّمًا أو لَا سَبِيلَ إلَى التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ ليس أَحَدُهُمَا أَخَصَّ من الْآخَرِ حتى يُصَارَ إلَيْهِ ثَانِيهَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فَالْمَعْنَوِيُّ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَتَعَطَّلُ فيه النَّصُّ بِحَالٍ بِخِلَافِ اللَّفْظِ فإنه عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَتَعَطَّلُ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ رَجَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ما كان حَقِيقَةً في الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ على الْمُشْتَرَكِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ على الْإِطْلَاقِ فإن الْمَجَازَ وَإِنْ كان خِلَافَ الْأَصْلِ فَقَدْ تُقَدَّمُ الدَّلَالَةُ عليه فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِسَبْقِ الذِّهْنِ إلَى فَهْمِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ من اللَّفْظِ عِنْدَ الْعَالِمِ بِالْوَضْعِ وَافْتِقَارِ الْمَعْنَى الْآخَرِ إلَى الْقَرِينَةِ الْحَامِلَةِ عليه ثَالِثُهَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين كَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بين عَلَمَيْنِ أو بين عَلَمٍ وَمَعْنًى أو بين مَعْنَيَيْنِ كان جَعْلُهُ مُشْتَرَكًا بين عَلَمَيْنِ أو مَعْنَيَيْنِ أَوْلَى وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَيْفَ يُدَّعَى الِاشْتِرَاكُ في الْأَعْلَامِ وَالِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَكُونُ بين الْحَقَائِقِ وَالْأَعْلَامُ لَيْسَتْ بِحَقَائِقَ كما سَبَقَ رَابِعُهَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الْمُشْتَرَكِ وَالْمُشَكَّكِ فَالْمُشَكَّكُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُتَوَاطِئَ من وَجْهٍ وَالْمُتَوَاطِئُ رَاجِحٌ على الْمُشْتَرَكِ وَالْمُشَابِهُ لِلرَّاجِحِ رَاجِحٌ وَلِأَنَّ اخْتِلَالَ الْفَهْمِ فيه أَقَلُّ خَامِسُهَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الْمُتَوَاطِئِ وَبَيْنَ الْمُشَكِّكِ فَالْمُتَوَاطِئُ أَوْلَى سَادِسُهَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين احْتِمَالِ النَّسْخِ وَاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فَفِي تَقْدِيمِ أَيِّهِمَا أَوْلَى قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ تَأْلِيفُهُ قال وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ على حَمْلِهِ على النَّسْخِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ في أَكْثَرِ ذلك إلَى حَمْلِهِ على التَّخْصِيصِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على النَّسْخِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ فإنه عَامٌّ في الْكِتَابِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ فلما جاء قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَنَاتُ من الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ من قَبْلِكُمْ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ في تَحْرِيمِ الْمُشْرِكَاتِ وَخَرَّجَ الشَّافِعِيُّ ذلك على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا النَّسْخُ كما قالوا وَالثَّانِي التَّخْصِيصُ ثُمَّ قَطَعَ بِأَنَّ ذلك خُصُوصٌ وَعُمُومٌ لَمَّا عَدِمَ الدَّلِيلَ أَنَّ ذلك على النَّسْخِ ا ه فصل في التَّرْجِيحَاتِ بين أَفْرَادِ الْمَجَازِ إذَا كان لِلْمَجَازِ عَلَاقَتَانِ أو أَكْثَرُ وَاحْتُمِلَ التَّجَوُّزُ عن كُلٍّ مِنْهُمَا فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ أَنَّ أَوْلَاهَا إطْلَاقُ الْكُلِّ على الْبَعْضِ لِأَنَّهُ جَعْلُ التَّخْصِيصِ جُزْءًا من الْمَجَازِ وَالتَّخْصِيصُ من الْمَجَازِ هو كَذَلِكَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَحْسَنَ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ الِاسْتِعَارَةُ فَلْتَكُنْ أَقْوَاهَا وَلِقُوَّتِهَا ادَّعَى بَعْضُهُمْ أنها حَقِيقَةٌ ثُمَّ يَلِيهَا الْإِضْمَارُ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالْفَهْمِ فيه إنَّمَا هو من أَمْرٍ مَحْذُوفٍ لَا مَذْكُورٍ وَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ لم يُوجِبْ بِمُجَرَّدِهِ خَلَلًا فَكَانَ قَوِيًّا وَبَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ مُتَقَارِبَةٌ وَقَالُوا إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ على الْمُسَبَّبِ أَحْسَنُ من الْعَكْسِ كما تَقَدَّمَ وَقَالُوا في بَابِ التَّرْجِيحِ إنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ اجْتَمَعَ فيها السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ فَكَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فيها أَوْلَى في سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ تَعَارَضَ مَجَازَانِ وَأَحَدُهُمَا تَحَقَّقَتْ عَلَاقَتُهُ فَهُوَ أَوْلَى من الذي لم تَتَحَقَّقْ كما في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا فإن الْحَنَفِيَّةَ حَمَلُوهُ على الْمُسَاوِمَيْنِ وَأُطْلِقَ عَلَيْهِمَا بَائِعَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّافِعِيَّةُ حَمَلُوهُ على من صَدَرَ مِنْهُمَا الْبَيْعُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَجَازٌ وَمَجَازُ الشَّافِعِيَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَلَاقَةَ فيه مُتَحَقِّقَةٌ فيه بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْفِعْلِ وَإِرَادَةِ الْمُسْتَقْبَلِ فإنه قد لَا يَتَحَقَّقُ صُدُورُ الْبَيْعِ وَالثَّانِي الِاتِّفَاقُ على مَجَازِيَّتِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالِاخْتِلَافُ فيه بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي هل هو حَقِيقَةٌ أَمْ لَا فَرُجِّحَ بهذا الِاعْتِبَارِ فصل في الصريح والكناية والتعريض في الصريح والكناية والتعريض في الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ وقد يَكُونُ ذلك في أَبْوَابِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْقَذْفِ الصَّرِيحُ فَأَمَّا الصَّرِيحُ فَفِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا هو ظَاهِرُ الْمُرَادِ عِنْدَ السَّامِعِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ إلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ الْمُرَادُ منه نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ بِعْت وَاشْتَرَيْت مَأْخُوذٌ من قَوْلِهِمْ الْحَقُّ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَصْرُ صَرْحًا لِظُهُورِهِ وَارْتِفَاعِهِ على سَائِرِ الْأَبْنِيَةِ وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ هو ما انْكَشَفَ الْمُرَادُ منه في نَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فيه الْمُبَيَّنُ وَالْمُحْكَمُ الْكِنَايَةُ وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ اسْمٌ لِمَا اسْتَتَرَ فيه مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ من حَيْثُ اللَّفْظُ كَقَوْلِهِ في الْبَيْعِ جَعَلْته لَك بِكَذَا وفي الطَّلَاقِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَيَدْخُلُ فيه الْمُجْمَلُ وَنَحْوُهُ مَأْخُوذٌ من قَوْلِهِمْ كَنَّيْت وَكَنَوْتُ قال الشَّاعِرُ وَإِنِّي لَأَكْنُو عن قُدُورٍ بِغَيْرِهَا وَأُعْرِبُ أَحْيَانًا بها وَأُصَارِحُ وَعِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ دَالٌّ على شَيْءٍ لُغَةً وَيُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْمَذْكُورِ لِمُلَازَمَةٍ بَيْنَهُمَا خَاصَّةٍ وَالْغَرَضُ منه إمَّا قُبْحُ ذِكْرِ الصَّرِيحِ نَحْوُ أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ أو إخْفَاءُ الْمُكَنَّى عنه عن السَّامِعِ وَاخْتَلَفُوا هل الْكِنَايَةُ من بَابِ الْمَجَازِ أَمْ لَا فَقِيلَ مَجَازٌ وَكَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ يَقْتَضِيهِ في مَوْضِعٍ من الْكَشَّافِ فإنه قال في قَوْله تَعَالَى وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ من خِطْبَةِ النِّسَاءِ أو أَكْنَنْتُمْ الْكِنَايَةُ أَنْ يَذْكَرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ له وَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَذْكُرَ شيئا يَدُلُّ على شَيْءٍ لم يَذْكُرْهُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ من الْبَيَانِيِّينَ يَقْتَضِي أنها حَقِيقَةٌ وَوَقَعَ في كَلَامِ السَّكَّاكِيِّ أَيْضًا أنها لَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ لِأَنَّهُ قال الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ إمَّا أَنْ يُرَادَ بها مَعْنَاهَا وَحْدَهُ أو مَعْنَاهَا وَغَيْرُ مَعْنَاهَا مَعًا وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ في الْمُفْرَدِ وَالثَّانِي الْمَجَازُ في الْمُفْرَدِ وَالثَّالِثُ الْكِنَايَةُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَرَادَ هُنَا بِالْحَقِيقَةِ التَّصْرِيحَ بها بِقَرِينَةِ جَعْلِهَا في مُقَابَلَةِ الْكِنَايَةِ وَتَصْرِيحُهُ فِيمَا بَعْدُ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْكِنَايَةَ يَشْتَرِكَانِ في كَوْنِهِمَا حَقِيقَتَيْنِ وَيَفْتَرِقَانِ بِالتَّصْرِيحِ وَعَدَمِهِ وَجَزَمَ الْجَاجَرْمِيُّ في رِسَالَتِهِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ من الْمَجَازِ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَالْكِنَايَةُ اسْتِعْمَالُهُ في مَوْضُوعِهِ غير أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَعْنًى ثَانٍ فإذا قُلْت فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ فَإِنَّك تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ حَقِيقَةَ طُولِ النِّجَادِ دَلِيلًا على طُولِ الْقَامَةِ فَقَدْ اسْتَعْمَلْت اللَّفْظَ في مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ لَكِنَّ غَرَضَك مَعْنًى ثَانٍ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ وهو طُولُ الْقَامَةِ وإذا شُرِطَ في الْكِنَايَةِ اعْتِبَارُ الْمَوْضُوعِ الْأَصْلِيِّ لم تَكُنْ مَجَازًا وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت لِزَوْجَتِك أَنْتِ بَائِنٌ فَقَدْ اسْتَعْمَلْت لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ في مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ وهو انْقِطَاعُ الْوَصْلَةِ غير أَنَّ مَقْصُودَك الطَّلَاقُ وَلِهَذَا قالوا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في الْكِنَايَةِ وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في الْمَجَازِ ا هـ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ وهو فيه مُتَابِعٌ لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فإنه قال في نِهَايَةِ الْإِيجَازِ وَاللَّفْظَةُ إذَا أُطْلِقَتْ وكان الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ غير مَعْنَاهَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا مَقْصُودًا أَيْضًا لِيَكُونَ دَالًّا على ذلك الْغَرَضِ الْأَصْلِيِّ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَالْأَوَّلُ هو الْكِنَايَةُ وَالثَّانِي هو الْمَجَازُ فَالْكِنَايَةُ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ فَقَوْلُنَا طَوِيلُ النِّجَادِ اُسْتُعْمِلَ لَا لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ مَعْنَاهُ بَلْ ما يَلْزَمُهُ من طُولِ الْقَامَةِ قال وَلَيْسَتْ الْكِنَايَةُ من الْمَجَازِ بِدَلِيلِ أنها تُفِيدُ الْمَقْصُودَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُعْتَبَرًا وإذا كان مُعْتَبَرًا فِيمَا نُقِلَتْ اللَّفْظَةُ عن مَوْضُوعِهَا فَلَا تَكُونُ مَجَازًا فإذا قُلْت فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ فَإِنَّك تُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ حَقِيقَةَ كَثْرَةِ الرَّمَادِ دَلِيلًا على كَوْنِهِ جَوَادًا فَأَنْتَ اسْتَعْمَلْت هذه الْأَلْفَاظَ في مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّةِ غير مُنْكِرٍ أَنَّ في إفَادَةِ كَوْنِهِ كَثِيرَ الرَّمَادِ مَعْنًى ثَانِيًا يَلْزَمُ الْأَوَّلُ وهو الْجُودُ وإذا وَجَبَ في الْكِنَايَةِ اعْتِبَارُ مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّةِ لم تَكُنْ مَجَازًا انْتَهَى وَيَشْهَدُ لِتَغَايُرِهِمَا ما قَالَهُ الْأَصْحَابُ في كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّ الْكِنَايَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فيها النِّيَّةُ دُونَ الْقَرَائِنِ مع أَنَّ الْمَجَازَ تُؤَثِّرُ فيه الْقَرِينَةُ بِالِاتِّفَاقِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْكِنَايَةُ تَارَةً تَكُونُ حَقِيقَةً وَتَارَةً تَكُونُ مَجَازًا إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ منها الْإِشْعَارُ بِمَا كَنَّى بها عنه إمَّا حَقِيقَةً أو مَجَازًا فَالْكِنَايَةُ أَعَمُّ لِانْقِسَامِهَا إلَيْهِمَا فَالْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ وَصْفَانِ لِلَّفْظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ على الْمَعْنَى وَالِاسْتِعْمَالُ غَيْرُ الدَّلَالَةِ فَافْهَمْ هذا فَائِدَةٌ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في الْكِنَايَةِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ في مَعْنَى قَوْله تَعَالَى وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يوم الْقِيَامَةِ أَنَّهُ مَجَازٌ عن الِاسْتِهَانَةِ وَالسَّخَطِ وَأَنَّ النَّظَرَ إلَى فُلَانٍ بِمَعْنَى الِاعْتِدَادِ بِهِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ كِنَايَةٌ إذَا أُسْنِدَ إلَى من يَجُوزُ عليه النَّظَرُ وَمَجَازٌ إذَا أُسْنِدَ إلَى من لَا يَجُوزُ عليه التَّعْرِيضُ وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَهُوَ لُغَةً ضِدُّ التَّصْرِيحِ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكَلَامَ ما يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ على مَقْصُودِهِ وَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ على غَيْرِ مَقْصُودِهِ إلَّا أَنَّ إشْعَارَهُ بِخِلَافِ الْمَقْصُودِ أَتَمُّ وَأَرْجَحُ وَأَصْلُهُ من عَرْضِ الشَّيْءِ وهو جَانِبُهُ كَأَنَّهُ يَحُومُ بِهِ حَوْلَهُ وَلَا يُظْهِرُهُ قال وَالْفَرْقُ بين الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ أَنَّ الْكِنَايَةَ أَنْ تَذْكُرَ الشَّيْءَ بِذِكْرِ لَوَازِمِهِ كَقَوْلِك فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ كَثِيرُ الرَّمَادِ وَالتَّعْرِيضُ أَنْ تَذْكُرَ كَلَامًا مُحْتَمِلًا لِمَقْصُودِك إلَّا أَنَّ قَرَائِنَ أَحْوَالِك تُؤَكِّدُ حَمْلَهُ على غَيْرِ مَقْصُودِك قِيلَ وَالتَّعْرِيضُ أَخَصُّ من الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا لَا يَصْدُقُ على الْمَجَازِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ اسْتِعْمَالُهُ في الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَكِنْ يَلُوحُ بِهِ إلَى غَرَضٍ آخَرَ هو الْمَقْصُودُ فَهُوَ يُشْبِهُ الْكِنَايَةَ إذَا قُصِدَ بها الْحَقِيقَةُ وهو أَخَصُّ من الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهَا مُرَادَةٌ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وهو إنَّمَا يُرَادُ منه الْحَقِيقَةُ من حَيْثُ إشْعَارُهَا بِالْمَقْصُودِ لَا بُدَّ فيها من قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ فإن اللَّفْظَ الْمُجَرَّدَ لَا يَكْفِي فيها فَمِنْ الْكِنَايَةِ الْمَسُّ وَالْإِفْضَاءُ وَالدُّخُولُ كِنَايَةٌ عن الْجِمَاعِ وَمِنْ التَّعَرُّضِ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا أَيْ أَنَّ كَبِيرَ الْأَصْنَامِ غَضِبَ أَنْ تُعْبَدَ هذه الْأَصْنَامُ الصِّغَارُ فَكَسَّرَهَا فَكَذَلِكَ اللَّهُ يَغْضَبُ لِعِبَادَةِ من دُونَهُ فَكَلَامُ إبْرَاهِيمَ في حَقِّ نَفْسِهِ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِمَقْصُودِهِ من التَّعْرِيضِ فَهُوَ من مَجَازِ التَّمْثِيلِ وَيَكُونُ التَّعْرِيضُ مِمَّا لَا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ بَلْ ضَرَبَ الْمَثَلُ هذا وَمِنْهُ ما يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَيُشَارُ بِهِ إلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ الذي هو الْمَقْصُودُ من التَّعْرِيضِ هذا حَدُّهُ بِاصْطِلَاحِ الْبَيَانِيِّينَ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَقَدْ ذَكَرُوا الْكِنَايَاتِ وَالظَّاهِرُ أنها عِنْدَهُمْ مَجَازٌ فإذا قال الزَّوْجُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ مُرِيدًا الطَّلَاقَ فَهُوَ مَجَازٌ وَيُسَمِّيهِ الْفَقِيهُ كِنَايَةً فَلَوْ أَرَادَ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ لِكَوْنِهِ لَازِمًا لِلطَّلَاقِ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ نَظَرٌ ولم يَتَعَرَّضُوا لِلْفَرْقِ بين الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ إلَّا في بَابِ اللِّعَانِ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الصَّرِيحَ وَالْكِنَايَةَ وَالتَّعْرِيضَ أَقْسَامًا وَذَكَرُوا في الْخِطْبَةِ التَّصْرِيحَ وَالتَّعْرِيضَ ولم يَذْكُرُوا الْكِنَايَةَ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ يُطْلَقُ عليها كِنَايَةٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكِنَايَةِ ما اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَانِيهَا غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ بَلْ ظَاهِرَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ من أَهْلِ اللِّسَانِ لَكِنَّهَا شَابَهَتْ الْكِنَايَةَ من جِهَةِ الْإِبْهَامِ وَلِهَذَا اُشْتُرِطَتْ فيها النِّيَّةُ لِيَزُولَ الْإِبْهَامُ وَتَتَعَيَّنَ الْبَيْنُونَةُ عن وَصْلَةِ النِّكَاحِ وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ مَفْهُومَاتِهَا اللُّغَوِيَّةَ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ فَهَذَا لَا يُنَافِي الْكِنَايَةَ وَاسْتِتَارُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بها كما في جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ ما أَرَادَهُ الْمُتَكَلِّمُ بها ظَاهِرٌ لَا اسْتِتَارَ فيه فَمَمْنُوعٌ كَيْفَ وَلَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ إلَّا بِبَيَانٍ من جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهَا من جِهَةِ الْمَحَلِّ مُبْهَمَةٌ مُسْتَتِرَةٌ ولم يُفَسِّرُوا الْكِنَايَةَ إلَّا بِمَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ منه سَوَاءٌ كان ذلك بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أو غَيْرِهِ ولم يَشْتَرِطُوا إرَادَةَ اللَّازِمِ ثُمَّ الِانْتِقَالَ منه إلَى الْمَلْزُومِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْحَقِيقَةَ الْمَهْجُورَةَ وَالْمَجَازَ الْمُتَعَارَفَ كِنَايَةً لِمُجَرَّدِ اسْتِتَارِ الْمُرَادِ أَدَوَاتُ الْمَعَانِي وَإِنَّمَا احْتَاجَ الْأُصُولِيُّ إلَيْهَا لِأَنَّهَا من جُمْلَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَتَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ الْفِقْهِيَّةُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ مَعَانِيهَا قال ابن السَّيِّدِ النَّحْوِيُّ يُخْبِرُ عَمَّنْ تَأَمَّلَ غَرَضَهُ وَمَقْصِدَهُ فإن الطَّرِيقَةَ الْفِقْهِيَّةَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى عِلْمِ الْأَدَبِ مُؤَسَّسَةٌ على أُصُولِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَنَّ مَثَلَهَا وَمَثَلَهُ قَوْلُ أبي الْأَسْوَدِ فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أو تَكُنْهُ فإنه أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلَبَانِهَا قال ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ رَأَيْت أَصْحَابَنَا الْفُقَهَاءَ يُضَمِّنُونَ كُتُبَهُمْ في أُصُولِ الْفِقْهِ حُرُوفًا من حُرُوفِ الْمَعَانِي وما أَدْرِي ما الْوَجْهُ في اخْتِصَاصِهِمْ إيَّاهَا دُونَ غَيْرِهَا فَذَكَرْت عَامَّةَ الْمَعَانِي رَسْمًا وَاخْتِصَارًا ا هـ وَأَقُولُ تَنْقَسِمُ حُرُوفُ الْمَعَانِي إلَى ما هو على حَرْفٍ وَاحِدٍ وَعَلَى حَرْفَيْنِ وما هو على أَكْثَرَ من ذلك فَمِنْ الْأَوَّلِ الْوَاوُ الْعَاطِفَةُ وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو الصَّحِيحُ أنها لَا تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ لَا في الْفِعْلِ كَالْفَاءِ وَلَا في الْمَنْزِلَةِ كَثُمَّ وَلَا في الْأَحْوَالِ كَ حتى وَإِنَّمَا هو لِمُجَرَّدِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ كَالتَّثْنِيَةِ فإذا قُلْت مَرَرْت بِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَهُوَ كَقَوْلِك مَرَرْت بِهِمَا قال سِيبَوَيْهِ في مَرَرْت بِرَجُلٍ وَحِمَارٍ لم يَجْعَلْ الرَّجُلَ بِمَنْزِلَةِ تَقْدِيمِك إيَّاهُ يَكُونُ بها أَوْلَى من الْحِمَارِ كَأَنَّك قُلْت مَرَرْت بِهِمَا وَلَيْسَ في هذا دَلِيلٌ على أَنَّهُ بَدَأَ بِشَيْءٍ قبل شَيْءٍ انْتَهَى فَتَبَيَّنَ بهذا أنها لِمُجَرَّدِ الْجَمْعِ وَأَنَّهَا كَالتَّثْنِيَةِ لَا تَرْتِيبَ فيها وَلَا مَعِيَّةَ فَلِذَلِكَ تَأْتِي بِعَكْسِ التَّرْتِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ من قَبْلِك وَالْمَعِيَّةُ نَحْوُ اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَلِلتَّرْتِيبِ نَحْوُ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلك دَحَاهَا ولم تُوضَعْ لِشَيْءٍ بِخُصُوصِهِ بَلْ لِمَا يَعُمُّهَا من الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ وَفَهِمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ منه تَعَيُّنَ إرَادَةِ الْجَمْعِ فَاعْتَرَضَ عليهم بِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قال جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو لَا تَفْهَمُ الْعَرَبُ مَجِيئَهُمَا مَعًا بَلْ يُحْتَمَلُ الْمَعِيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ وقد عَلِمْت أَنَّ هذا خِلَافُ مُرَادِهِمْ وَإِنَّمَا عَنَوْا أنها تَدُلُّ على التَّشْرِيكِ بين الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عليه في الْحُكْمِ الذي أُسْنِدَ إلَيْهِمَا من غَيْرِ أَنْ تَدُلَّ على أَنَّهُمَا مَعًا بِالزَّمَانِ أو أَحَدُهُمَا قبل الْآخَرِ وَنَقَلَ الْفَارِسِيُّ وَالسِّيرَافِيُّ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ وَالسُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُمْ إجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ عليه قِيلَ وَنَصَّ عليه سِيبَوَيْهِ في سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا من كِتَابِهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ عن أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وقال ابن بَرْهَانٍ هو قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَسْرِهِمْ وَمُعْظَمِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قُلْت وهو الذي صَحَّ عن الشَّافِعِيِّ فإنه نَصَّ على أَنَّهُ إذَا قال هذه الدَّارُ وَقْفٌ على أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فيه بِخِلَافِ ما لو قال ثُمَّ أَوْلَادِي فَلَوْ كانت الْوَاوُ كَ ثُمَّ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَارِكَ كما في ثُمَّ وَنَصَّ أَيْضًا على أَنَّهُ إذَا قال إذَا مِتُّ فَسَالِمٌ وَغَانِمٌ وَخَالِدٌ أَحْرَارٌ وكان الثُّلُثُ لَا يَفِي إلَّا بِأَحَدِهِمْ فإنه يُقْرَعُ فَلَوْ اقْتَضَتْ الْوَاوُ التَّرْتِيبَ لَعَتَقَ سَالِمٌ وَحْدَهُ وَمِنْ حُجَجِهِمْ قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عن مُنْكِرِي الْبَعْثِ إنْ هِيَ إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابن الْخَشَّابِ وابن مَالِكٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هذا من عَطْفِ الْجُمَلِ وما أَخْرَجَهُ أبو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عن حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا تَقُولُوا ما شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ فَلَوْ كانت لِلتَّرْتِيبِ لَسَاوَتْ ثُمَّ وَلَمَا فُرِّقَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَهُمَا قال ابن الْخَشَّابِ إذَا تَأَمَّلْت الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ في التَّنْزِيلِ وَجَدْتهَا كُلَّهَا جَامِعَةً لَا مُرَتَّبَةً وَكَذَا في غَيْرِ التَّنْزِيلِ قال وما أَحْسَنَ ما سَمَّى النَّحْوِيُّونَ الْحَرَكَةَ الْمَأْخُوذَةَ من الْوَاوِ وَهِيَ بَعْضُهَا عِنْدَهُمْ بِالضَّمَّةِ لِأَنَّ الضَّمَّ الْجَمْعُ فَكَانَ ما هو من الضَّمِّ لِلْجَمْعِ وَلَا دَلَالَةَ فيه على التَّرْتِيبِ قال وَهَذَا من بَابِ إمْسَاسِ الْأَلْفَاظِ أَشْبَاهَ الْمَعَانِي وهو بَابٌ شَرِيفٌ في الْعَرَبِيَّةِ نَبَّهَ عليه ابن جِنِّي في الْخَصَائِصِ وَغَيْرِهِ الثَّانِي أنها لِلتَّرْتِيبِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ الْعَطْفُ في الْمُفْرَدَاتِ وَالْجُمَلِ صَحَّ ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ كما سَيَأْتِي وهو قَوْلُ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ منهم ثَعْلَبٌ وَالْفَرَّاءُ وَهِشَامٌ وأبو عَمْرٍو الزَّاهِدُ وَمِنْ الْبَصْرِيِّينَ قُطْرُبٌ عَلِيُّ بن عِيسَى الرَّبَعِيُّ وابن دُرُسْتَوَيْهِ حَكَاهُ عَنْهُمْ جَمَاعَةٌ من النُّحَاةِ وَعُزِيَ لِلشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ نَصَّ عليه في كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَبَعْضُهُمْ أَخَذَهُ من لَازِمِ قَوْلِهِ في اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ في الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ ليس مَدْرَكُهُ في ذلك كَوْنَهَا لِلتَّرْتِيبِ بَلْ من دَلِيلٍ آخَرَ وَإِنَّمَا هذا وَجْهٌ حُكِيَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَغْرَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فقال في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أنها تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ وَالِابْتِدَاءِ بِفِعْلِ ما بُدِئَ بِذِكْرِهِ في الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ انْتَهَى وَكَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الْوُضُوءِ من الْحَاوِي عن جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَكَذَا الصَّيْدَلَانِيُّ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ فقال وَقَوْلُنَا إنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ التَّرْتِيبَ قَوْلُ أبي عُبَيْدٍ وَالْفَرَّاءِ وَغُلَامِ ثَعْلَبٍ انْتَهَى وَعِبَارَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْأَسَالِيبِ وَصَارَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَتَكَلَّفُوا نَقْلَ ذلك عن بَعْضِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ انْتَهَى وَكَذَا قال في الْبُرْهَانِ إنَّهُ الذي اُشْتُهِرَ عن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَحَكَى ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ عن قَوْمٍ من أَصْحَابِنَا أنها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ مع التَّشْرِيكِ قُلْت وَجَزَمَ بِهِ ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ الْوَدَائِعِ وَاعْتَمَدَهُ في وُجُوبِ التَّرْتِيبِ في الْوُضُوءِ وَعِبَارَتُهُ وَوَاوُ النَّسَقِ تَدُلُّ على فِعْلِ ذلك مُتَوَالِيًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين أَهْلِ اللُّغَةِ هذا لَفْظُهُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ كَوْنَهَا لِلتَّرْتِيبِ عن ثَعْلَبٍ وَأَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ غُلَامِهِ وفي ذلك نَظَرٌ فَفِي كِتَابِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ قال لي أبو عُمَرَ وَغُلَامُ ثَعْلَبٍ الْوَاوُ عِنْدَ الْعَرَبِ لِلْجَمْعِ وَلَا دَلَالَةَ عِنْدَهُمْ فيها على التَّرْتِيبِ وَأَخْطَأَ من قال إنَّهَا تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ انْتَهَى وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ادَّعَى جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا أنها لِلتَّرْتِيبِ وَنَسَبُوهُ لِلشَّافِعِيِّ حَكَى عن بَعْضِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ وَأَمَّا عَامَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ فَعَلَى أنها لِلْجَمْعِ وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ التَّرْتِيبُ بِقَرَائِنَ انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَصِحَّ هذا النَّقْلُ عن الشَّافِعِيِّ بَلْ الْوَاوُ عِنْدَهُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَإِنَّمَا نُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ من إيجَابِهِ التَّرْتِيبَ في الْوُضُوءِ ولم يُوجِبْهُ من الْوَاوِ بَلْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وهو قَطْعُ النَّظِيرِ عن النَّظِيرِ وَإِدْخَالُ الْمَمْسُوحِ بين الْمَغْسُولَيْنِ وَالْعَرَبُ لَا تَفْعَلُ ذلك إلَّا إذَا أَرَادَتْ التَّرْتِيبَ قُلْت وَاَلَّذِي يَظْهَرُ من نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَاوَ عِنْدَهُ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ لُغَةً وَتُفِيدُ في الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ فإنه أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ في الْوُضُوءِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ولم يَقْتَصِرْ عليها بَلْ تَمَسَّكَ بِمَا صَحَّ من حديث جَابِرٍ سَمِعْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حين خَرَجَ من الْمَسْجِدِ وهو يُرِيدُ الصَّفَا يقول نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا وَعَلَى هذا فإذا تَرَدَّدْنَا فيه وَجَبَ حَمْلُهَا على الْمَحْمَلِ الشَّرْعِيِّ فإنه مُقَدَّمٌ على اللُّغَوِيِّ وَبِهَذَا يَجْتَمِعُ كَلَامُهُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ وَيَزُولُ الِاسْتِشْكَالُ وقال ابن الْأَنْبَارِيِّ في مُصَنَّفِهِ الْمُفْرَدِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وما نُقِلَ عن ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ وَالزَّاهِدِ وَابْنِ جِنِّي وَابْنِ بَرْهَانٍ وَالرَّبَعِيِّ من اقْتِضَائِهَا التَّرْتِيبَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَكُتُبُهُمْ تَنْطِقُ بِضِدِّ ذلك نعم لَمَّا ذَكَرَ عَلِيُّ بن عِيسَى الرَّبَعِيُّ في شَرْحِ كِتَابِ الْجَرْمِيِّ أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ قال هذا مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ إلَّا الشَّافِعِيَّ وَلِقَوْلِهِ وَجْهٌ انْتَهَى وَهَذَا لَا يَدُلُّ على أَنَّهُ كان يَذْهَبُ إلَيْهِ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ على أنها لِلْجَمْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ وقال ابن مَالِكٍ في شَرْحِ الْكَافِيَةِ زَعَمَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ أنها لِلتَّرْتِيبِ وَعُلَمَاءُ الْكُوفَةِ بَرَاءٌ من ذلك وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ النَّحْوِيُّ عن قُطْرُبٍ وَالرَّبَعِيِّ وَاسْتَدَلَّ لَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هو وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ وَبِقَوْلِهِ إذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ثُمَّ رُدَّ ذلك وَاسْتَدَلَّ على أنها لَيْسَتْ لِلتَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ فَكَيْفَ كان عَذَابِي وَنُذُرِ قال وَالنُّذُرُ قبل الْعَذَابِ بِدَلِيلِ وما كنا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا وَمِنْ حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالتَّرْتِيبِ ما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن الْبَرَاءِ قال أتى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ قال أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَمِلَ قَلِيلًا وَأُوجِرَ كَثِيرًا وَأَسْنَدَ ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قال ما نَدِمْت على شَيْءٍ لم أَكُنْ عَمِلْت بِهِ ما نَدِمْت على الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنْ لَا أَكُونَ مَشَيْت لِأَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول حين ذَكَرَ إبْرَاهِيمُ وَأُمِرَ أَنْ يُنَادِيَ في الناس بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كل ضَامِرٍ فَبَدَأَ بِالرِّجَالِ قبل الرُّكْبَانِ قال فَهَذَا ابن عَبَّاسٍ قد صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ عِنْدَهُ التَّرْتِيبَ انْتَهَى وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ بِئْسَ الْخَطِيبُ أنت فَلَا حُجَّةَ فيه لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُ لِأَنَّ الْأَدَبَ أَنْ لَا يَجْمَعَ بين اسْمِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ في ضَمِيرٍ وَلِهَذَا قال قالوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ولم يَقُلْ وَصَدَقَا بَلْ فيه تَنْبِيهٌ على أنها لِلْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ هذا الضَّمِيرِ وهو هُمَا بِمَنْزِلَةِ التَّثْنِيَةِ في الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَّفِقَةِ في قَوْلِك الزَّيْدَانِ وَالْعَمْرَانِ وَلَا يَخْتَلِفُونَ في أَنَّ أَصْلَ التَّثْنِيَةِ الْعَطْفُ وَحُكْمُ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ حُكْمُ التَّثْنِيَةِ في أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فيها تَرْتِيبٌ في الْمَعْنَى وَلَا تَقْدِيمُ احْتِفَالٍ في اللَّفْظِ وَأَمَّا وُجُوبُ التَّرْتِيبِ في قَوْله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ حَيْثُ رَتَّبَ الْعَمَلَ على الْإِيمَانِ ولم يُعْتَبَرْ بِدُونِهِ فلم يُسْتَفَدْ ذلك من الْوَاوِ بَلْ من دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وهو قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يَعْمَلْ من الصَّالِحَاتِ وهو مُؤْمِنٌ الثَّالِثُ أنها لِلْجَمْعِ تُفِيدُ الْمَعِيَّةَ فإذا اُسْتُعْمِلَتْ في غَيْرِ ذلك كانت مَجَازًا وَنُسِبَ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَنْكَرَهُ عليهم ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وقال لم يَتَعَرَّضُوا لِغَيْرِ كَوْنِ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِاقْتِرَانٍ وَلَا تَرْتِيبٍ وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَأَخَذَهُ من قَوْلِهِمَا فِيمَا إذَا عَقَدَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ نِكَاحَ أُخْتَيْنِ في عَقْدٍ وَاحِدٍ من غَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُمَا قَالَا إذَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَإِنْ أَجَازَ نِكَاحَهُمَا مَعًا بَطَلَ فِيهِمَا وَإِنْ أَجَازَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ نِكَاحَ الْأُخْرَى بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَإِنْ قال أَجَزْت نِكَاحَ فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ فَهُوَ كما لو أَجَازَ نِكَاحَهُمَا مَعًا فَيَلْزَمُ من ذلك أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ تُفِيدُ الْمَعِيَّةَ كما لو أَجَازَ نِكَاحَهُمَا مَعًا وَمِنْ قَوْلِهِمَا فِيمَا إذَا قال إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ تَقَعُ الثَّلَاثُ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَاحِدَةٌ وَرُبَّمَا نُسِبَ هذا الْمَذْهَبُ لِلشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ وَلِمَالِكٍ حَيْثُ قَالَا في غَيْرِ الْمَدْخُولِ بها إذَا قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ تَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ الْوَاوَ تُوجِبُ الْمُقَارَنَةَ الرَّابِعُ أنها لِلتَّرْتِيبِ حَيْثُ يَسْتَحِيلُ الْجَمْعُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عن الْفَرَّاءِ وَاحْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا في آيَةِ الْوُضُوءِ قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وَيُشْبِهُ إنْ صَحَّ هذا عن الْفَرَّاءِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ في الْمَعْنَى يُفِيدُ التَّرْتِيبَ إذَا كان الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَصْلُحُ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ لو أَفَادَ ذلك لَأَفَادَهُ وَإِنْ صَحَّ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مُوجِبَهُ لَا يَتَغَيَّرُ كما لَا يَتَغَيَّرُ ما يَقْتَضِيهِ ثُمَّ وَالْفَاءُ كَذَلِكَ فَإِنْ كان في هذا التَّأْوِيلِ بُعْدٌ فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وقال الْمَرَاغِيُّ نَظَرْت في كِتَابِ الْفَرَّاءِ فما أَلْفَيْت في شَيْءٍ منها هذا ثُمَّ فيه دَلَالَةٌ لو صَحَّ على أَنَّ أَصْلَهَا الْجَمْعُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لها التَّرْتِيبُ لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ الْخَامِسُ وهو قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ إنْ دَخَلَتْ بين أَجْزَاءِ بَيْنِهَا ارْتِبَاطٌ اقْتَضَتْ التَّرْتِيبَ كَآيَةِ الْوُضُوءِ فإن هذه الْأَفْعَالَ هِيَ أَجْزَاءُ فِعْلٍ وَاحِدٍ مَأْمُورٍ بِهِ وهو الْوُضُوءُ فَدَخَلَتْ الْوَاوُ بين الْأَجْزَاءِ لِلرَّبْطِ فَأَفَادَتْ التَّرْتِيبَ وَإِنْ دَخَلَتْ بين أَفْعَالٍ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهَا نَحْوُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ لَا تُفِيدُهُ وهو قَوْلُ ابْنِ مُوسَى من الْحَنَابِلَةِ وَرَجَّحَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ السَّادِسُ إنَّمَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ في عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ دُونَ عَطْفِ الْجُمَلِ حَكَاهُ ابن الْخَبَّازِ من النُّحَاةِ عن شَيْخِهِ السَّابِعُ أنها لِلْعَطْفِ وَالِاشْتِرَاكِ وَلَا تَقْتَضِي بِأَصْلِهَا جَمْعًا وَلَا تَرْتِيبًا وَإِنَّمَا ذلك يُؤْخَذُ من أَمْرٍ زَائِدٍ عليها حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في تَعْلِيقِهِ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قال وكان سَيِّئَ الرَّأْيِ في قَوْلِ التَّرْتِيبِ وفي قَوْلِ الْجَمْعِ قال وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أبو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ هذا وقال الْقَائِلُ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالْجَمْعِ وَقَائِلٌ بِالتَّرْتِيبِ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ على ذلك فَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ لَا يَجُوزُ ا هـ وَنَقَلْته من فَوَائِدِ رِحْلَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِخَطِّهِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ عبد الْوَهَّابِ قال في بَعْضِ كُتُبِهِ الْخِلَافِيَّةِ اخْتَلَفَ الناس في الْوَاوِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أنها تَقْتَضِي الْجَمْعَ وَالثَّانِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَالثَّالِثُ لَا تَقْتَضِي وَاحِدًا منها وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ في الْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ فَقَطْ الثَّامِنُ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ قال الْوَاوُ لها ثَلَاثَةُ مَوَاضِعَ حَقِيقَةٌ مَجَازٌ وَمُخْتَلَفٌ في حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَالْحَقِيقَةُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ في الْعَطْفِ لِلْجَمْعِ وَالِاشْتِرَاكِ كَقَوْلِك جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَالْمَجَازُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ بِمَعْنَى أو كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَالْمُخْتَلَفُ في حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ في التَّرْتِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ إلَى أنها تَكُونُ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ في التَّرْتِيبِ مَجَازًا وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أنها تَكُونُ حَقِيقَةً فيه فإذا اُسْتُعْمِلَتْ في مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ حُمِلَتْ على التَّرْتِيبِ دُونَ الْجَمْعِ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ قال ابن مَالِكٍ هو ظَاهِرٌ فيه وَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ الْمَعْطُوفِ كَثِيرٌ وَتَقَدُّمُهُ قَلِيلٌ وَالْمَعِيَّةُ احْتِمَالٌ رَاجِحٌ هذا كَلَامُهُ في الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ أَمَّا التي بِمَعْنَى مع في الْمَفْعُولِ معه قال الْهِنْدِيُّ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ تَقْتَضِي الْجَمْعَ بِصِفَةِ الْمَعِيَّةِ كما في قَوْلِهِمْ جاء الْبَرْدُ وَالطَّيَالِسَةُ وقال بَعْضُهُمْ في الْوَاوِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ لَا تُوجَدُ في سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَهِيَ أَنَّ دَلَالَتَهَا على الْجَمْعِ أَعَمُّ من دَلَالَتِهَا على الْعَطْفِ بَيَانُهُ أنها لَا تَخْلُو عن الْجَمْعِ وَتَخْلُو عن الْعَطْفِ كَوَاوِ الْمَفْعُولِ معه وَوَاوِ الْقَسَمِ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عن الْبَاءِ وَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ وَالشَّيْءُ إذَا لَاصَقَ الشَّيْءَ بَعْدُ جَامَعَهُ وَوَاوُ الْحَالِ لَا فيها من مَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ وَكَذَا قَوْلُهُمْ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبْ اللَّبَنَ لِلْجَمْعِ دُونَ الْعَطْفِ قِيلَ وَقَوْلُهُمْ الْوَاوُ حَرْفُ عَطْفٍ فيه تَجَوُّزٌ لِأَنَّ الْوَاوَ اسْمٌ لَيْسَتْ حَرْفًا وَإِنَّمَا الْعَطْفُ ووحده وقال ابن عُصْفُورٍ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ إنَّ الْخِلَافَ في أَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ مَحَلُّهُ ما إذَا كان الْفِعْلُ صُدُورُهُ من وَاحِدٍ فَأَمَّا نَحْوُ اخْتَصَمَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَلَا خِلَافَ في أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَذَكَرَ في شَرْحِ الْجُمَلِ مُحْتَجًّا على الْقَائِلِينَ بِالتَّرْتِيبِ بِأَنَّ هذه الْأَفْعَالَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ فَكَذَلِكَ غَيْرُهَا فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ إنَّ الْوَاوَ إذَا دَخَلَتْ في الْجُمَلِ فَلَيْسَ لها فَائِدَةٌ إلَّا التَّحْسِينُ اللَّفْظِيُّ وَرَدَّ عليه ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ بِالْفَاءِ وَثُمَّ فَإِنَّك لو قُلْت قام زَيْدٌ فَخَرَجَ أو ثُمَّ خَرَجَ عَمْرٌو فإنه يُفْهَمُ من الْمُفْرَدِ وهو أَنَّ هذا يُشْعِرُ بِالتَّعْقِيبِ وَلَا مُهْلَةَ وَهَذَا يُشْعِرُ بِالتَّعْقِيبِ وَالْمُهْلَةِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا في الْمُفْرَدَاتِ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا في إعْرَابٍ بِعَامِلٍ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ الثَّانِيَةُ قال ابن أبي الرَّبِيعِ جَالِسْ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ لِأَنَّك أُمِرْت بِمُجَالَسَتِهِمَا مَعًا وَتَقُولُ أَيْضًا هذا وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنَّهُمَا جميعا أَهْلُ الْمُجَالَسَةِ فَإِنْ أَرَدْت وَجَالِسْ أَحَدَهُمَا لم تَكُنْ عَاصِيًا وَعَلَى هذا أَخَذَ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وهو أَظْهَرُ وَقَوْلُ مَالِكٍ مُمْكِنٌ إنْ عُضِّدَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ الفاء وَمِنْهَا الْفَاءُ وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ وَزِيَادَةٍ وَهِيَ التَّعْقِيبُ أَيْ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بَعْدَ الْمَعْطُوفِ عليه بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّهَا تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ أَيْ في عَقِبِهِ وَلِهَذَا قال الْمُحَقِّقُونَ منهم إنَّ مَعْنَاهَا التَّفَرُّقُ على مُوَاصَلَةٍ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُحْكَى عن الزَّجَّاجِ وَأَخَذَهَا ابن جِنِّي في لُمَعِهِ وَمَعْنَى التَّفَرُّقِ أنها لَيْسَتْ لِلْجَمْعِ كَالْوَاوِ وَمَعْنَى على مُوَاصَلَةٍ أَيْ أَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا كان يَلِي الْأَوَّلَ من غَيْرِ فَاصِلٍ زَمَانِيٍّ كان مُوَاصِلًا له وَاسْتَدَلَّ الْفَارِسِيُّ في الْإِيضَاحِ على ذلك بِوُقُوعِهَا في جَوَابِ الشَّرْطِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ أَنَّ الْجَوَابَ يَلِي الشَّرْطَ عَقِبَهُ بِلَا مُهْلَةٍ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَكَمْ من قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا قال الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ قَرُبَ هَلَاكُهَا وقال الْمُتَأَخِّرُونَ أَيْ أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ من جِهَةِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَقِيلَ لَمَّا كان مَجِيءُ الْبَأْسِ مَجْهُولًا عِنْدَ الناس قُدِّرَ كَالْعَدَمِ وَلَمَّا حَصَلَ الْهَلَاكُ اعْتَقَدُوا وُجُودَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ الْفَاءِ وَقِيلَ لَيْسَتْ عَاطِفَةً وَإِنَّمَا هِيَ سَبَبِيَّةٌ وَالْفَاءُ السَّبَبِيَّةُ لَا يُشْتَرَطُ فيها التَّعْقِيبُ فَإِنَّك تَقُولُ أَكْرَمْت زَيْدًا أَمْسِ فَأَكْرَمَنِي الْيَوْمَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ثُمَّ التَّرْتِيبُ إمَّا في الزَّمَانِ نَحْوُ خَلَقَك فَسَوَّاك وَلِهَذَا كَثُرَ كَوْنُ تَابِعِهَا مُسَبَّبًا نَحْوُ ضَرَبْته فَهَلَكَ أو في الذِّكْرِ وهو عَطْفُ مُفَصَّلٍ على مُجْمَلٍ هو نَحْوُ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فقال رَبِّ أو مُتَأَخِّرٌ عَمَّا قَبْلَهُ في الْإِخْبَارِ نَحْوُ بِسَقْطِ اللِّوَى بين الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أنها تَأْتِي لِغَيْرِ التَّرْتِيبِ وَهَذَا مع ما نُقِلَ عنه من أَنَّ الْوَاوَ تُفِيدُ التَّرْتِيبَ عَجِيبٌ وهو يُوقِعُ خَلَلًا في ذلك النَّقْلِ فإنه قد ذُكِرَ هذا في مَعَانِي الْقُرْآنِ في قَوْله تَعَالَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى الْمَعْنَى ثُمَّ تَدَلَّى فَدَنَا وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ إذَا كان الْمَعْنَى في الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أو كَالْوَاحِدِ قَدَّمْت أَيَّهُمَا شِئْت فَقُلْت دَنَا فَقَرُبَ أو قَرُبَ فَدَنَا وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ أو أَسَاءَ فَشَتَمَنِي لِأَنَّ الشَّتْمَ وَالْإِسَاءَةَ وَاحِدٌ وَنُوقِشَ بِأَنَّ الْقَلْبَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُسَبَّبًا وَسَبَبًا من وَجْهَيْنِ فَيَكُونُ التَّرْتِيبُ حَاصِلًا قَدَّمْت أو أَخَّرْت فَقَوْلُكَ دَنَا فَقَرُبَ الدُّنُوُّ عِلَّةُ الْقُرْبِ وَالْقُرْبُ غَايَتُهُ فإذا قُلْت دَنَا فَقَرُبَ فَمَعْنَاهُ لَمَّا دَنَا حَصَلَ الْقُرْبُ وإذا عَكَسْت فَقُلْت قَرُبَ فَدَنَا فَمَعْنَاهُ قَرُبَ فَلَزِمَ منه الدُّنُوُّ وَلَا يَصِحُّ في قَوْلِك ضَرَبْته فَبَكَى لِأَنَّ الضَّرْبَ ليس غَايَتَهُ الْبُكَاءُ بَلْ الْأَدَبُ أو شَيْءٌ آخَرُ وَكَذَلِكَ أَعْطَيْته فَشَنَّعَا وقال الْجَرْمِيُّ لَا تُفِيدُ الْفَاءُ التَّرْتِيبَ في الْبِقَاعِ وَلَا في الْأَمْطَارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بين الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ نَصَّ الْفَارِسِيُّ في الْإِيضَاحِ على أَنَّ ثُمَّ أَشَدُّ تَرَاخِيًا من الْفَاءِ فَدَلَّ على أَنَّ الْفَاءَ لها تَرَاخٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ غَيْرُهُ من الْمُتَقَدِّمِينَ ولم يَدَّعِ أنها لِلتَّعْقِيبِ إلَّا الْمُتَأَخِّرُونَ قُلْت وَهِيَ عِبَارَةُ أبي بَكْرِ بن السَّرَّاجِ في أُصُولِهِ فقال وثم مِثْلُ الْفَاءِ إلَّا أنها أَشَدُّ تَرَاخِيًا وقال ابن الْخَشَّابِ ظَاهِرُهُ أَنَّ في الْفَاءِ تَرَاخِيًا جَمًّا لِأَنَّ أَشَدَّ أَفْضَلُ لِلتَّفْضِيلِ وَلَا يَقَعُ التَّفْضِيلُ إلَّا بين مُشْتَرِكَيْنِ في مَعْنًى ثُمَّ يَزِيدُ الْمُفَضَّلُ على الْمُفَضَّلِ عليه في ذلك الْمَعْنَى وَلَا تَرَاخِيَ تَدُلُّ عليه الْفَاءُ فِيمَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أبو بَكْرٍ عَدَّ تَعْقِيبَ الْفَاءِ وَتَرْتِيبَهَا تَرَاخِيًا فَذَلِكَ تَسَاهُلٌ في الْعِبَارَةِ وَتَسَامُحٌ ثُمَّ شَرَعَ في تَأْوِيلِ عِبَارَةِ أبي بَكْرٍ على أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ قد لَا يُرَادُ بِهِ ظَاهِرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا خَيْرَ في مُسْتَقَرِّ أَهْلِ النَّارِ قُلْت وَلَا حَاجَةَ إلَى هذا فَقَدْ صَرَّحَ عبد الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فقال في الْفَاءِ إنَّ أَصْلَهَا الْإِتْبَاعُ وَلِذَلِكَ لَا تَعْرَى عنه مع تَعَرِّيهَا عن الْعَطْفِ في جَوَازِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ مع ذلك لَا يُنَافِي التَّرَاخِي الْيَسِيرُ ا هـ وَكَذَا قال غَيْرُهُ مَعْنَى التَّرَاخِي فيها وَإِنْ لَطُفَ فإن من ضَرُورَةِ التَّعْقِيبِ تَرَاخِي الثَّانِي عن الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ وَإِنْ قَلَّ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُ إذْ لو لم يَكُنْ كَذَلِكَ كان مُقَارَنًا وَالْقُرْآنُ ليس بِمُوجِبٍ له وَأَنْتَ إذَا عَلِمْت تَفْسِيرَنَا التَّعْقِيبَ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ زَالَ الْإِشْكَالُ وقد جَوَّزُوا دَخَلْت الْبَصْرَةَ فَالْكُوفَةَ وَبَيْنَ الدُّخُولَيْنِ تَرَاخٍ وَمُهْلَةٌ وقال تَعَالَى وَاَلَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحَوَى فإن بين الْإِخْرَاجِ وَالْإِحْوَاءِ وَسَائِطَ وقال ابن أبي الرَّبِيعِ الِاتِّصَالُ يَكُونُ حَقِيقَةً وَيَكُونُ مَجَازًا فإذا كان حَقِيقَةً فَلَا تَرَاخِيَ فيه وإذا كان مَجَازًا فَفِيهِ تَرَاخٍ بِلَا شَكٍّ كَقَوْلِك دَخَلْت الْبَصْرَةَ فَالْكُوفَةَ وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْفَاءُ لِأَنَّ سَبَبَ دُخُولِ الْكُوفَةِ اتَّصَلَ بِدُخُولِ الْبَصْرَةِ فلم يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهْلَةٌ وقد يَكُونُ التَّرَاخِي بَيْنَهُمَا قَلِيلًا فَيَكُونُ كَالْمُسْتَهْلِكِ لِكَوْنِهِ غير مُفْتَقِرٍ لِعِلَّتِهِ فَتَدْخُلُ الْفَاءُ كَذَلِكَ وَمِنْ هذا يُعْلَمُ وَجْهُ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ وَبِظَاهِرِهِ تَمَسَّكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ في إيجَابِ عِتْقِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ فإنه لو أَعْتَقَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ لم يَكُنْ لِقَوْلِهِ فَيُعْتِقَهُ مَعْنًى وقال الْأَئِمَّةُ فَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ على أَنَّ الْإِعْتَاقَ بِذَلِكَ الشِّرَاءِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ كما يُقَالُ أَطْعَمَهُ فَأَشْبَعَهُ وَسَقَاهُ فَأَرْوَاهُ أَيْ بهذا الْإِطْعَامِ إذْ لو كان الْإِشْبَاعُ بِغَيْرِهِ لم يَكُنْ مُتَّصِلًا بِهِ لَا يُقَالُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ حُكْمًا لِلشِّرَاءِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْإِعْتَاقُ إزَالَةٌ فَكَانَ مُنَافِيًا له وَالْمُنَافِي لِحُكْمِ الشَّيْءِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا له وَلَكِنَّهُ يَصْلُحُ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالشِّرَاءِ يَصِيرُ مُتَمَلَّكًا وَالْمِلْكُ في الْوَقْتِ إكْمَالٌ لِعِلَّةِ الْعِتْقِ فَيَصِيرُ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وإذا صَارَ مُضَافًا إلَيْهِ يَصِيرُ بِهِ مُعْتَقًا وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعْتَاقٍ آخَرَ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ في كَوْنِهَا لِلتَّعْقِيبِ بين الْعَاطِفَةِ وَالْوَاقِعَةِ جَوَابًا لِلشَّرْطِ وَسَبَقَ في كَلَامِ الْفَارِسِيِّ الِاسْتِدْلَال بِجَوَابِ الشَّرْطِ فَاقْتَضَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ وقال ابن الْخَشَّابِ في الْعَوْنِيِّ الْمَعْنَى الْخَاصُّ بِالْفَاءِ التَّعْقِيبُ فَلَا تَكُونُ عَاطِفَةً إلَّا مُعَقِّبَةً وقد تَكُونُ مُعَقِّبَةً غير عَاطِفَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا وَالْفَاءُ في هذا وَشَبَهِهِ عَاطِفَةٌ مُعَقِّبَةٌ وَنَظِيرُهُ في الْكَلَامِ جاء زَيْدٌ فَعَمْرٌو وَأَمَّا الْمُعَقِّبَةُ غَيْرُ الْعَاطِفَةِ كَالْوَاقِعَةِ في جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَعْقُبُ الشَّرْطَ وَلَا يُعْطَفُ عليه إذْ لو عُطِفَ عليه لَكَانَ شَرْطًا أَيْضًا لَا جَوَابًا انْتَهَى وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ هِيَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لِلتَّعْقِيبِ في الْعَطْفِ وَأَمَّا في الْجَوَابِ فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى أنها لِلتَّعْقِيبِ أَيْضًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لَا تَفْتَرُوا على اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَلِأَنَّك تَقُولُ إذَا دَخَلْت مَكَّةَ فَاشْتَرِ لي عَبْدًا فإنه لَا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ انْتَهَى وَلِهَذَا اخْتَارَ الْقُرْطُبِيُّ أنها رَابِطَةٌ لِلْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ لَا غَيْرُ وَأَنَّ التَّعْقِيبَ غَيْرُ لَازِمٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فَيُسْحِتَكُمْ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كُنْتُمْ على سَفَرٍ ولم تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ وَلَيْسَ فيها جَزَاءٌ عَقِبَ شَرْطِهِ وَحَمَلَهُ الْأَوَّلُونَ على الْمَجَازِ لِأَنَّ الْإِسْحَاتَ لَمَّا تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ عَقِبَهُ وما نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ يُبَايِنُهُ مُبَايَنَةً ظَاهِرَةً ما نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في أُصُولِهِ فإنه قال ما نَصُّهُ إنَّ الْفَاءَ إنْ كانت لِلْجَزَاءِ فَلَا خِلَافَ أنها لِلتَّعْقِيبِ كَقَوْلِك جَاءَنِي فَضَرَبْته وَشَتَمَنِي فَحَدَدْته وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كانت لِلْعَطْفِ فَقِيلَ كَالْأَوَّلِ وَقِيلَ كَالْوَاوِ ا هـ لَكِنْ الْخِلَافُ في الْجَزَاءِ ثَابِتٌ وَجَعَلُوا من فَوَائِدِهِ الْخِلَافَ في وُجُوبِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ فإنه عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلتَّعْقِيبِ كان دَلِيلًا على عَدَمِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا فَلَا وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ كَوْنَهَا لِلتَّعْقِيبِ إذَا وَقَعَتْ في جَوَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَدَافَعَ الْمُعْتَزِلَةُ عن الِاسْتِدْلَالِ على خَلْقِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كُنْ فَيَكُونُ فإن الْفَاءَ هُنَا لِلتَّعْقِيبِ من غَيْرِ تَرَاخٍ وَلَا مُهْلَةٍ وإذا كان الْكَائِنُ الْحَادِثُ عَقِبَ قَوْلِهِ كُنْ من غَيْرِ تَرَاخٍ وَلَا مُهْلَةٍ اقْتَضَى ذلك حَدَثُ الْقَوْلِ الذي هو كُنْ وَاشْتَدَّ نَكِيرُ الْقَاضِي في كَوْنِ الْفَاءِ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في مِثْلِ هذا وَرَأَى أنها تَقْتَضِيهِ في الْعَطْفِ فَقَطْ وَلَيْسَ هذا منه وَعَلَى هذا فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال بها على التَّرْتِيبِ في قَوْله تَعَالَى إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وَأَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ الْبُدَاءَةُ بِالْوَجْهِ ثَبَتَ التَّرْتِيبُ في الْبَاقِي إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ قِيلَ وَأَصْلُ الْفَاءِ أَنْ تَدْخُلَ على الْمَعْلُولِ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ وَالْمَعْلُولُ يَعْقُبُ الْعِلَّةَ وقد تَدْخُلُ على الْعِلَّةِ بِاعْتِبَارِ أنها مَعْلُولٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَتَزَوَّدُوا فإن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَسَيَأْتِي له مَزِيدٌ في بَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَاءُ وَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ أَيْ إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ وهو تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَاتِّصَالُهُ بِهِ وقال عبد الْقَاهِرِ قَوْلُهُمْ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ إنْ حُمِلَ على ظَاهِرِهِ أَدَّى إلَى الِاسْتِحَالَةِ لِأَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ نَفْسِهِ كَقَوْلِنَا أَلْصَقْت بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ من تَأْوِيلِ كَلَامِهِمْ وَالْوَجْهُ فيه أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِلْمُتَعَلِّمِ اُنْظُرْ إلَى قَوْلِك أَلْصَقْته بِكَذَا وَتَأَمَّلْ الْمُلَابَسَةَ التي بين الْمُلْصَقِ وَالْمُلْصَقِ بِهِ تَعْلَمْ أَنَّ الْبَاءَ أَيْنَمَا كانت الْمُلَابَسَةُ التي تَحْصُلُ بها شَبِيهَةٌ بِهَذِهِ الْمُلَابَسَةِ التي تَرَاهَا في قَوْلِك أَلْصَقْته بِهِ انْتَهَى وَتَجِيءُ لِلِاسْتِعَانَةِ نَحْوُ ضَرَبْت بِالسَّيْفِ وَكَتَبْت بِالْقَلَمِ وَبِمَعْنَى الْمُصَاحَبَةِ كَاشْتَرَيْت الْفَرَسَ بِسَرْجِهِ وَجَاءَ زَيْدٌ بِسِلَاحِهِ وَبِمَعْنَى الظَّرْفِ نَحْوُ جَلَسْت بِالسُّوقِ وَتَكُونُ لِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ نَحْوُ مَرَرْت بِزَيْدٍ قال الْقُرْطُبِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هذه الْمَوَاضِعَ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْمُلَابَسَةِ فَيَشْتَرِكُ في مَعْنًى كُلِّيٍّ وهو أَوْلَى دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ قال وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ جِنِّي أَشَارَ إلَى هذا وَقِيلَ إنَّهَا حَيْثُ دَخَلَتْ على الْآلَةِ فَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ وَاخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الْإِلْصَاقِ فَقِيلَ تُفِيدُ التَّعْمِيمَ فيه فَعَلَى هذا لَا إجْمَالَ في قَوْله تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ بَلْ تُفِيدُ تَعْمِيمَ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَقِيلَ إنَّمَا تُفِيدُ إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِبَعْضِ الْمَفْعُولِ وَعَلَى هذا فَهِيَ مُجْمَلَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ مَسْحَ أَيِّ بَعْضٍ من الرَّأْسِ وَاجِبٌ وَقِيلَ تَقْتَضِي الْإِلْصَاقَ بِالْفِعْلِ مُطْلَقًا وَلَا تَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ تَعْمِيمًا وَلَا تَبْعِيضًا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ثُمَّ قال وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنْ دَخَلَتْ على فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ الذي هو التَّعَدِّي مَفْهُومٌ من دُونِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِدُخُولِهَا فَائِدَةٌ وَإِنْ لم يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فإن فَائِدَتَهُ الْإِلْصَاقُ وَالتَّعْدِيَةُ اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمَحْصُولِ والمنهاج وَغَيْرِهِمَا أَعْنِي أنها إذَا دَخَلَتْ على فِعْلٍ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ اقْتَضَتْ التَّبْعِيضَ وَنَسَبَ ذلك بَعْضُهُمْ إلَى الشَّافِعِيِّ أَخْذًا من آيَةِ الْوُضُوءِ وهو وَهَمٌ عليه فإن مَدْرَكًا آخَرَ كما سَبَقَ في الْوَاوِ وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ بِأَنَّا نُفَرِّقُ بِالضَّرُورَةِ بين قَوْلِنَا مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ وَبِالْحَائِطِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا مَسَحْت الْمِنْدِيلَ وَالْحَائِطَ في أَنَّ الْأَوَّلَ لِلتَّبْعِيضِ وَالثَّانِيَ لِلشُّمُولِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذلك أَمْرٌ آخَرُ يَرْجِعُ إلَى الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ وهو أَنَّ مَسَحْت يَدِي بِالْمِنْدِيلِ سِيقَ لِإِفَادَةِ مَمْسُوحٍ وَمَمْسُوحٍ بِهِ وَالْبَاءُ إنَّمَا جِيءَ بها لِتُفِيدَ إلْصَاقَ الْمَمْسُوحِ بِهِ التي هِيَ الْآلَةُ بِمَسْحِ الْمَحَلِّ الذي هو الْيَدُ وَقَوْلُهُ مَسَحْت الْمِنْدِيلَ وَالْحَائِطَ إنَّمَا سِيقَ إلْصَاقُ الْمَسْحِ بِالْمَمْسُوحِ وإذا كان كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِعَوْدِ الْفَرْقِ إلَى التَّبْعِيضِ مع أَنَّهُ لَا تَبْعِيضَ في الْكَلَامِ وَقِيلَ إنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ على آلَةِ الْمَسْحِ نَحْوُ مَسَحْت بِالْحَائِطِ وَبِالْمِنْدِيلِ فَهِيَ لِلْكُلِّ وَإِنْ دَخَلَتْ على الْمَحَلِّ نَحْوُ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ لَا يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ هِيَ وَاسِطَةٌ بين الْفَاعِلِ وَالْمُنْفَعِلِ في وُصُولِ أَثَرِهِ إلَيْهِ وَالْمَحَلُّ هو الْمَقْصُودُ في الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْآلَةِ بَلْ يَكْفِي فيها ما يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَأَنْكَرَ ابن جِنِّي وَصَاحِبُ الْبَسِيطِ مَجِيئَهَا لِلتَّبْعِيضِ وَقَالَا لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ من النُّحَاةِ قُلْت أَثْبَتَهُ جَمَاعَةٌ منهم ابن مَالِكٍ وقال ذَكَرَهُ الْفَارِسِيُّ في التَّذْكِرَةِ وَنُقِلَ عن الْكُوفِيِّينَ وَتَبِعَهُمْ فيه الْأَصْمَعِيُّ وَالْعُتْبِيُّ انْتَهَى وَكَذَا ابن مَخْلَدٍ في شَرْحِ الْجُمَلِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ مَسَحْت بِالْحَائِطِ وَتَيَمَّمْت بِالتُّرَابِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ قال وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّ الْبَاءَ الدَّالَّةَ على الْآلَةِ لَا يَلْزَمُ فيها أَنْ يُلَابِسَ الْفِعْلُ جَمِيعَهَا وَلَا يَكُونَ الْعَمَلُ بها كُلِّهَا بَلْ بِبَعْضِهَا وَالْحَقُّ أَنَّ التَّبْعِيضَ الْأَوَّلَ بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ وَلَيْسَتْ الْحُجَّةُ بَلْ هِيَ لَيْسَتْ نَصًّا في الِاسْتِيعَابِ فَهِيَ مُجْمَلَةٌ فَيُكْتَفَى فيه بِمَا يَقَعُ عليه الِاسْمُ وَلَوْ شَعْرَةً وقال أبو الْبَقَاءِ التَّبْعِيضُ لَا يُسْتَفَادُ من الْبَاءِ بَلْ من طَرِيقِ الِاتِّفَاقِ وهو يُحَصِّلُ الْغَرَضَ من الْفِعْلِ بِتَبْعِيضِ الْآلَةِ بَلْ ظَاهِرُ الْحَقِيقَةِ يُغَطِّي الْجَمِيعَ أَلَا تَرَاك إذَا قُلْت مَسَحْت رَأْسَ الْيَتِيمِ فَحَقِيقَتُهُ إنْ تَمَّ الْمَسْحُ بِجَمِيعِهِ وإذا أَمَرَّ بِبَعْضِهِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ فَلَوْ كانت لِلتَّبْعِيضِ لَا يَسْتَوِي ذِكْرُ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وهو خِلَافُ الْحَقِيقَةِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عنه ابن السَّمْعَانِيِّ الْبَاءُ مَوْضُوعَةٌ لِإِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ كَقَوْلِك مَسَحْت يَدَيَّ بِالْمِنْدِيلِ وَكَتَبْت بِالْقَلَمِ وقد يُسْتَعْمَلُ في التَّبْعِيضِ إذَا أَمْكَنَ حَذْفُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ أَيْ بَعْضِ رُءُوسِكُمْ قال وهو حَقِيقَةٌ في قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَجَازٌ في قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ انْتَهَى وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ ظَنَّ ظَانُّونَ أَنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ مَصْدَرٌ يَسْتَقِلُّ بِدُونِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِمْ أَخَذْت زِمَامَ النَّاقَةِ إذَا أَخَذَهَا من الْأَرْضِ وَأَخَذْت بِزِمَامِهَا إذَا أَخَذْت طَرَفَهُ وَلَيْسَتْ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ أَصْلًا وَهَذَا خَطَأٌ في أَخْذِ الزِّمَامِ وَلَكِنْ من الْمَصَادِرِ ما يَقْبَلُ الصِّلَاتِ كَقَوْلِهِمْ شَكَرْت له وَنَصَحْت له وَأَمَّا التَّبْعِيضُ في مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ مَأْخُوذٌ من صِفَةِ الْمَصْدَرِ فَمَصْدَرُ الْمَسْحِ لَا يَصِيرُ إلَى الِاسْتِيعَابِ كَمَصْدَرِ الضَّرْبِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ انْتَهَى قِيلَ وَمِمَّا يَقْطَعُ النِّزَاعَ في كَوْنِهَا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ أنها لو كانت كَذَلِكَ لِامْتِنَاعِ دُخُولِهَا على بَعْضٍ لِلتَّكْرَارِ وَالتَّأْكِيدِ فِيمَا دَخَلَتْهُ بِكُلٍّ لِلتَّنَاقُضِ فَكَانَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ مَسَحْت بِبَعْضِ رَأْسِي لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَعْضِ بَعْضِ رَأْسِي وَلَا أَنْ تَقُولَ مَسَحْت بِرَأْسِي كُلِّهِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ وَكُلٌّ لِتَأْكِيدِ الْجَمْعِ وَجَمْعُهُمَا على شَيْءٍ وَاحِدٍ تَنَاقُضٌ تَنْبِيهٌ جَعَلُوهَا لِلتَّبْعِيضِ في آيَةِ الْوُضُوءِ ولم يَجْعَلُوهَا لِلتَّبْعِيضِ في آيَةِ التَّيَمُّمِ في قَوْله تَعَالَى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ في التَّيَمُّمِ بَدَلٌ وَلِلْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَقِيلَ لهم إنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ في الْإِجْزَاءِ فَتُحْكَمُ وَلَا يُفِيدُكُمْ في الْفَرْقِ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّ صُورَةَ الْبَدَلِ لِصُورَةِ أَصْلِهِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فإن التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن الْوُضُوءِ وهو في عُضْوَيْنِ وَالْوُضُوءُ في أَرْبَعَةٍ وَبِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ بَدَلٌ عن غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَجِبُ في ذلك الِاسْتِيعَابُ أَجَابُوا عن ذلك بِأَنَّ ذلك يُفْسِدُ الْخُفَّ وَلِأَنَّ مَبْنَاهُ على التَّخْفِيفِ حتى جَازَ مع الْقُدْرَةِ على غَسْلِ الرِّجْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ نُكْتَتَانِ في الْبَاءِ يَغْلَطُ الْمُصَنِّفُونَ فيها الْأُولَى أَنَّهُمْ يُدْخِلُونَهَا مع فِعْلِ الْإِبْدَالِ على الْمَتْرُوكِ فَيَقُولُونَ لو أُبْدِلَتْ ضَادًا بِطَاءٍ وَالصَّوَابُ الْعَكْسُ فإذا قُلْت أَبْدَلْت دِينَارًا بِدِرْهَمٍ فَمَعْنَاهُ اعْتَضْت دِينَارًا عِوَضَ دِرْهَمٍ فَالدِّينَارُ هو الْحَاصِلُ لَك الْمُعَوِّضُ وَالدِّرْهَمُ هو الْخَارِجُ عَنْك الْمُعَوَّضُ بِهِ وَهَذَا عَكْسُ ما فَهِمَهُ الناس وَعَلَى ما ذَكَرْنَا جاء كَلَامُ الْعَرَبِ قال الشَّاعِرُ تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذِي النَّحْيَيْنِ أَبْدَلَهُ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ سَوَادِ وَجْهٍ وَبَيَاضِ عَيْنَيْنِ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَدْخَلَ الْبَاءَ على الْمُعَوَّضِ منه وهو قَوْلُهُ بِلَوْنِ وَنَصَبَ لَوْنَيْنِ وهو الْمُعَوِّضُ وقال تَعَالَى وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ وبدلناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هو أَدْنَى بِاَلَّذِي هو خَيْرٌ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ أَيْ يَسْتَبْدِلْ بِكُمْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وقال تَعَالَى عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا منها فَحَذَفَ بها أَيْ بِالْجَنَّةِ التي طِيفَ بها وقال فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا أَيْ يُبْدِلَهُمَا بِهِ وقد حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ لِدَلَالَةِ فِعْلِ الْإِبْدَالِ على الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ أَيْ بِسَيِّئَاتِهِمْ وَهَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ في جُمُوعِ التَّكْسِيرِ من شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَكَتَبَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ على الْحَاشِيَةِ قال تَعَالَى إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى من الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لهم الْجَنَّةَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَنَّةَ عِوَضٌ لَا مُعَوَّضٌ وَعَلَى هذا يَتَخَرَّجُ كَلَامُ الْمُصَنَّفِينَ حَيْثُ أَدْخَلُوا الْبَاءَ على الْمَأْخُوذِ وَإِنْ لم يَكُنْ في الْآيَةِ فِعْلُ الْإِبْدَالِ لَكِنْ الْأَكْثَرُ هو الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَصَحِيحٌ عَرَبِيٌّ قُلْت الدَّعْوَةُ مع فِعْلِ الْإِبْدَالِ وفي جَرَيَانِ ذلك في كل ما دَلَّ على مُعَاوَضَةٍ نَظَرٌ فإنه لم يَطَّرِدْ فيه فَقَدْ جاء اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَقَدْ دَخَلَتْ على الْمَتْرُوكِ وَجَاءَ عَكْسُهُ وهو قَوْله تَعَالَى فَلْيُقَاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْسُنُ رَدُّ التَّبْرِيزِيِّ بِالْآيَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ في هذه الْآيَةِ إنَّ الضَّمِيرَ في يُقَاتِلْ عَائِدٌ على الْمُسْلِمِينَ وَاَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ مَفْعُولٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وكان الْمَعْنَى في دُخُولِ الْبَاءِ على كُلٍّ مِنْهُمَا مع الشِّرَاءِ أَنَّ اشْتَرَيْت وبعت كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَى الْآخَرِ لَكِنَّ الْأَكْثَرَ في بِعْت الْإِخْرَاجُ عن الْمِلْكِ وفي اشْتَرَيْت الْإِدْخَالُ الثَّانِيَةُ إدْخَالُهُمْ الْبَاءَ مع فِعْلِ الِاخْتِصَاصِ على الْمُخْتَصِّ وَالصَّوَابُ إدْخَالُهَا على الْمُخْتَصِّ بِهِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إفْرَادُ بَعْضِ الشَّيْءِ عَمَّا لَا يُشَارِكُهُ فيه بِالْجُمْلَةِ فإذا قُلْت اخْتَصَّ زَيْدٌ بِالْمَالِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ زَيْدًا مُنْفَرِدٌ عن غَيْرِهِ بِالْمَالِ فَهُوَ الْمُخْتَصُّ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَالُ مُخْتَصٌّ بِهِ وَالْمُخْتَصُّ أَبَدًا هو الْمُنْفَرِدُ الْمُحْتَوِي أَبَدًا على الشَّيْءِ فَهُوَ كَالظَّرْفِ له وَالْمُخْتَصُّ بِهِ أَبَدًا هو الْمَأْخُوذُ كَالْمَظْرُوفِ فَلَوْ قُلْت اخْتَصَّ الْمَالُ بِزَيْدٍ تُرِيدُ ما أَرَدْته بِالْمِثَالِ السَّابِقِ لم يَصِحَّ لِأَنَّك في الْمِثَالِ الْأَوَّلِ حَصَرْت الْمَالَ في زَيْدٍ وفي الثَّانِي حَصَرْت زَيْدًا في الْمَالِ فَلَا يَكُونُ له صِفَةٌ غَيْرُ الِاحْتِوَاءِ على الْمَالِ وهو غَيْرُ الْمُرَادِ فإن زَيْدًا قد يَكُونُ له صِفَاتٌ من دِينٍ وَعِلْمٍ وَغَيْرِهِمَا وَبِهَذَا يَظْهَرُ حُسْنُ عِبَارَةِ التَّسْهِيلِ وَخُصَّ الْجَرُّ بِالِاسْمِ على عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ وَالِاسْمُ قد خُصِّصَ بِالْجَرِّ اللَّامُ حَقِيقَةٌ في الِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِك الْمَالُ لِزَيْدٍ وَقَوْلُهُمْ لِلْمِلْكِ مَجَازٌ من وَضْعِ الْخَاصِّ مَوْضِعَ الْعَامِّ لِأَنَّ الْمِلْكَ اخْتِصَاصٌ وَلَيْسَ كُلُّ اخْتِصَاصٍ مِلْكًا فإذا قِيلَ هِيَ لِلِاخْتِصَاصِ دخل فيه الْمِلْكُ وَغَيْرُهُ كَقَوْلِك السَّرْجُ لِلدَّابَّةِ وَالْبَابُ لِلْمَسْجِدِ أَيْ هُمَا مُخْتَصَّانِ بِهِمَا ولم يُوجَدْ فِيهِمَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ وَجَعَلَهَا الْجُرْجَانِيُّ حَقِيقَةً في الْمِلْكِ وَمَتَى اُسْتُعْلِمَتْ في غَيْرِهِ فَبِقَرِينَةٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ مَعْنًى عَامٌّ لِجَمِيعِ مَوَارِدِ اسْتِعْمَالِهَا وَبِأَيِّ مَعْنًى اُسْتُعْمِلَتْ لَا تَخْلُو منه قال ابن يَعِيشَ إنَّمَا قُلْنَا أَصْلُهَا الِاخْتِصَاصُ لِعُمُومِهِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَالِكٍ مُخْتَصٌّ بِمِلْكِهِ وَلِهَذَا لم يذكر في الْمُفَصَّلِ غَيْرَهُ ولم يذكر أنها لِلْمِلْكِ وقال ابن الْخَشَّابِ قال الْحُذَّاقُ اللَّامُ تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ الذي يَدْخُلُ فيه الْمِلْكُ وَلِذَلِكَ يقول الْعَبْدُ سَيِّدٌ لي قبل الْعِتْقِ وَمَوْلًى لي بَعْدَهُ كما قال السَّيِّدُ عَبِيدٌ لي التَّنْزِيلُ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ وَفِيهِ وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ قال فما لَا يَصْلُحُ له التَّمَلُّكُ قِيلَ اللَّامُ معه لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ وما صَحَّ أَنْ يَقَعَ فيه التَّمَلُّكُ وَأُضِيفَ إلَيْهِ ما ليس بِمَمْلُوكٍ له قِيلَ اللَّامُ معه لَامُ الِاسْتِحْقَاقِ وما عَدَا ذلك فَاللَّامُ فيه عِنْدَهُمْ لَامُ الْمِلْكِ وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بين الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ فقال الْمَالُ إنْ أُضِيفَ إلَى من يَعْقِلُ كانت لِلْمِلْكِ وَإِلَّا فَإِنْ شَهِدَتْ الْعَادَةُ له بِهِ فَلِلِاسْتِحْقَاقِ كَالسَّرْجِ لِلدَّابَّةِ وَإِنْ لم تَشْهَدْ بِهِ بَلْ كانت من شَهَادَةِ الْعَادَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ لِلِاخْتِصَاصِ فَالْمِلْكُ أَخَصُّ من الِاسْتِحْقَاقِ وَالِاسْتِحْقَاقُ أَخَصُّ من الِاخْتِصَاصِ وما قَالَهُ ابن الْخَشَّابِ في الْفَرْقِ أَحْسَنُ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ اللَّامَ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ لِلِاخْتِصَاصِ إذْ لو كانت لِلْمِلْكِ لَتَنَافَى مع قَوْلِهِ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِفْرَادِ عن الْأَصْحَابِ أَنَّ اللَّامَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِالْمِلْكِ أو غَيْرِهِ فَإِنْ تَجَرَّدَتْ وَأَمْكَنَ الْحَمْلُ على الْمِلْكِ حُمِلَ عليه لِأَنَّهُ أَظْهَرُ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ وَإِنْ وَصَلَ بها وَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ من الِاخْتِصَاصِ أو لم يُمْكِنْ الْحَمْلُ على الْمِلْكِ كَقَوْلِنَا الْحَبْلُ لِلْفَرَسِ حُمِلَ عليه وَتَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ وَلِلْعَاقِبَةِ نَحْوُ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَعِنْدِي أَنَّهُ مَجَازٌ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ التَّحْقِيقُ أنها لَامُ الْعِلَّةِ وَالتَّعْلِيلُ فيها وَارِدٌ على طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ وقال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ بن هِشَامٍ في الْمُغْنِي أَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ لَامَ الْعَاقِبَةِ قُلْت في كِتَابِ الْمُبْتَدِئِ في النَّحْوِ لِابْنِ خَالَوَيْهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لهم عَدُوًّا فَهِيَ لَامُ كَيْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَلَامُ الصَّيْرُورَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ انْتَهَى وَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ في الْغُرَّةِ عن الْكُوفِيِّينَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ وفي أَمَالِي الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ الْمُفَرِّقُ بين لَامِ الصَّيْرُورَةِ كما في قَوْله تَعَالَى لِيَكُونَ لهم عَدُوًّا وَلَامُ التَّعْلِيلِ كما في قَوْله تَعَالَى لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا أَنَّ لَامَ التَّعْلِيلِ تَدْخُلُ على ما هو غَرَضٌ لِفَاعِلِ الْفِعْلِ وَيَكُونُ مُرَتَّبًا على الْفِعْلِ وَلَيْسَ في لَامِ الصَّيْرُورَةِ إلَّا التَّرْتِيبُ فَقَطْ قال ابن فُورَكٍ عن الْأَشْعَرِيِّ كُلُّ لَامٍ نَسَبَهَا اللَّهُ عز وجل لِنَفْسِهِ فَهِيَ لَامُ الصَّيْرُورَةِ لِاسْتِحَالَةِ الْغَرَضِ مَكَانَ الْمُخْبِرِ في لَامِ الصَّيْرُورَةِ قال فَعَلْت هذا بَعْدَ هذا لِأَنَّهُ غَرَضٌ لي وَمِنْ الثَّانِي أَنْ الْمَفْتُوحَةُ السَّاكِنَةُ تَدْخُلُ على الْمُضَارِعِ لِتَخَلُّصِهِ لِلِاسْتِقْبَالِ وَتَلِي الْمَاضِيَ فَلَا تُغَيِّرُهُ عن مَعْنَاهُ نَحْوُ سَرَّنِي أَنْ ذَهَبَ زَيْدٌ وَاخْتُلِفَ هل هِيَ الدَّاخِلَةُ على الْمُضَارِعِ لِأَنَّهَا في الْمَوْضِعَيْنِ مُؤَوَّلَةٌ بِالْمَصْدَرِ وَالصَّرِيحُ أنها غَيْرُهَا وَإِلَّا لَزِمَ انْصِرَافُ الْمَاضِي مَعَهَا إلَى الِاسْتِقْبَالِ كما أَنَّ إنْ الشَّرْطِيَّةَ الدَّاخِلَةَ على الْمَاضِي لَمَّا كانت بِمَعْنَى الدَّاخِلَةِ على الْمُضَارِع قَلَبَتْ الْمَاضِيَ إلَى الِاسْتِقْبَالِ وما ذَكَرْنَاهُ من تَخْلِيصِهَا الْمُضَارِعَ إلَى الِاسْتِقْبَالِ مُجْمَعٌ عليه بين النُّحَاةِ وَزَعَمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَتَبِعَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أنها تَكُونُ غير مُخَلِّصَةٍ لِلِاسْتِقْبَالِ بَلْ تَكُونُ لِلْحَالِ وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ على الْمُعْتَزِلَةِ في قَوْله تَعَالَى إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ له كُنْ فَيَكُونُ فَقَوْلُهُ أَنْ نَقُولَ حَالٌّ لِأَنَّهُ لو كان مُسْتَقْبَلًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ مَخْلُوقًا تَعَالَى اللَّهُ عز وجل عن ذلك وَتَابَعَهُمْ أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وقال في كِتَابِ التَّسْدِيدِ إنَّ الْقَوْلَ بِتَخْلِيصِهَا لِلِاسْتِقْبَالِ قَوْلٌ ضَعَّفَهُ النُّحَاةُ وَهَذَا عَجِيبٌ وَاحْتَجَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ أَنْ مَفْتُوحَةٌ على أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ أَنْ وما تَعْمَلُ فيه من الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ مَصَادِرِهَا فَكَمَا أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَخُصُّ زَمَانًا بِعَيْنِهِ فَكَذَلِكَ ما كان بِمَنْزِلَتِهِ وَتَضَمَّنَ مَعْنَاهُ قال ابن خَرُوفٍ وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ في هذا قَوْلُهُ أَنْ الْمَفْتُوحَةُ تَكُونُ على وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ أَنْ وما تَعْمَلُ فيه من الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ مَصَادِرِهَا وَبَاقِي الْكَلَامِ لِأَبِي الْمَعَالِي وَلَيْسَ في كَلَامِ سِيبَوَيْهِ أَكْثَرُ من أَنَّ أَنْ مع الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وَلَا يَلْزَمُ من جَعْلِ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ في حُكْمٍ ما أَنْ يُشْبِهَهُ من جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَغَرَضُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ أَنْ مع الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ اسْمٍ يَجْرِي بِوُجُوهِ الْإِعْرَابِ كَقَوْلِك أَعْجَبَنِي أَنْ قُمْت وَيُعْجِبُنِي أَنْ تَقُومَ فَالْأَوَّلُ مَاضٍ وَالثَّانِي مُسْتَقْبَلٌ فَإِنْ أَرَدْت الْحَالَ قُلْت يُعْجِبُنِي أَنَّك تَقُومُ فَجِئْت بها مُثْقَلَةً وإذا قُلْت يُعْجِبُنِي قِيَامُك احْتَمَلَ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ وَلِأَجْلِ الدَّلَالَةِ على الزَّمَانِ جِيءَ بِأَنْ وَالْفِعْلِ وَأَمَّا الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ التي تَمَسَّكَ بها الْقَاضِي وَمُتَابِعُوهُ فَأَجَابَ ابن عُصْفُورٍ فِيمَا حَكَاهُ عن الصَّفَّارِ أَنَّ الْقَوْلَ قد يَكُونُ خِلَافَ الْكَلَامِ لُغَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ امْتَلَأَ الْحَوْضُ وقال الْقُرْطُبِيُّ فَجَعَلَ ما يُفْهَمُ منه كَلَامًا فَيَكُونُ الْقَوْلُ هُنَا مُتَجَوَّزًا فيه فَكَأَنَّهُ قال إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا عَلَّقَ إرَادَتَهُ على الشَّيْءِ أَنْ يُعَلِّقَهَا عليه فَيَكُونُ فَجَعَلَ تَعْلِيقَ الْإِرَادَةِ على الشَّيْءِ قَوْلًا لِأَنَّهَا يَكُونُ عنها الشَّيْءُ كما يَكُونُ عن الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ في ذلك إثْبَاتُ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَهَذَا بِنَاءً على أَنَّ التَّعْلِيقَ حَادِثٌ وَفِيهِ كَلَامٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا لِلْحَالِ وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ كما في مَرَرْت بِرَجُلٍ معه صَقْرٌ صَائِدٌ بِهِ غَدًا فإن مَعْنَاهُ مُقَدَّرٌ إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ بِهِ غَدًا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي قَوْلَ النُّحَاةِ أنها تُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ وَاحْتَجُّوا على أنها تَكُونُ لِلْمَاضِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى وما نَقَمُوا منهم إلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا قالوا فَوُقُوعُ الْمَاضِي قَبْلَهَا دَلِيلٌ على أنها تَكُونُ لِغَيْرِ الِاسْتِقْبَالِ وَلَيْسَ كما زَعَمُوا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَبِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لم يُقْتَلُوا على ما سَلَفَ منهم من الْإِيمَانِ وَبِذَلِكَ وَرَدَ خَبَرُهُمْ في حديث الْفَتَى وَالرَّاهِبِ وَالْمَلِكِ فَذُكِرَا بِفِعْلٍ قَبْلَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي وَالثَّانِي بِلَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ لِيَعُمَّ الْأَزْمِنَةَ الثَّلَاثَةَ على حَدِّ قَوْلِهِ وَنَدْمَانَ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا سَقَيْت إذَا تَغَوَّرَتْ النُّجُومُ وَتَجِيءُ أَنْ لِلتَّعْلِيلِ وَلِهَذَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ وَقَعَ في الْحَالِ إنْ كان نَحْوِيًّا لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْعِلَّةِ وقد نَاظَرَ فيه الْكِسَائِيُّ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فَزَعَمَ الْكِسَائِيُّ أنها بِمَعْنَى إذْ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا وَقَوْلُهُ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ وَخَالَفَهُمْ الْبَصْرِيُّونَ وَأَوَّلُوا على أنها مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ إسْلَامُهُمْ وَلَكِنْ قَبْلَهَا لَامُ الْعِلَّةِ مَقْدِرَةٌ وَبِذَلِكَ يَبْطُلُ انْتِصَارُ السُّرُوجِيِّ في الْغَايَةِ لِمُحَمَّدٍ فإن التَّعْلِيلَ مَلْحُوظٌ وَإِنْ لم يَجْعَلْهَا لِلتَّعْلِيلِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِيقَاعَ في الْحَالِ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ في الْفَرْقِ بين أَنْ وَالْفِعْلِ وَالْمَصْدَرِ وَذَلِكَ من أَوْجُهٍ أَحَدُهَا دَلَالَةُ الْفِعْلِ على الْمُضِيِّ أو الِاسْتِقْبَالِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ الثَّانِي دَلَالَةُ أَنْ وَالْفِعْلِ على إمْكَانِ الْفِعْلِ دُونَ وُجُوبِهِ وَاسْتِحَالَتِهِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ الثَّالِثُ تَحْصِيرُ أَنْ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ دُونَ احْتِمَالِ مَعْنًى زَائِدٍ عليه فإن قَوْلَك كَرِهْت قِيَامَك قد يَكُونُ لِصِفَةٍ في ذلك الْقِيَامِ وَقَوْلُك كَرِهْت أَنْ قُمْت يَقْتَضِي أَنَّك كَرِهْت نَفْسَ الْقِيَامِ الرَّابِعُ امْتِنَاعُ الْإِخْبَارِ عن أَنْ وَالْفِعْلِ في نَحْوِ قَوْلِك أَنْ قُمْت خَيْرٌ من أَنْ قَعَدْت بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ الْخَامِسُ أَنْ وَالْفِعْلُ يَدُلُّ على الْوُقُوعِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النُّحَاةِ كَذَا نَقَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنَّمَا قال صَاحِبُ الْبَسِيطِ ذلك في أَنَّ الْمُشَدَّدَةَ لَا الْمُخَفَّفَةَ فَفُرِّقَ بين عَجِبْت من انْطِلَاقِك وَعَجِبْت من أَنَّك مُنْطَلِقٌ بِمَا ذُكِرَ ثُمَّ ما قَالَهُ في الْمَصْدَرِ يُخَالِفُ قَوْلَ أَصْحَابِنَا في كِتَابِ الظِّهَارِ في مَسْأَلَةِ إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ عن ظِهَارِي ولم يَكُنْ ظِهَارٌ فإنه يُحْكَمُ بِهِ ظِهَارٌ لِإِقْرَارِهِ وقال ابن عَطِيَّةَ أَنْ مع الْفِعْلِ تُعْطِي اسْتِئْنَافًا ليس في الْمَصْدَرِ في أَغْلَبِ أَمْرِهَا وقد تَجِيءُ في مَوَاضِعَ لَا يُلَاحَظُ فيها الزَّمَانُ وَتَفْتَرِقَانِ في الْأَحْكَامِ في أُمُورٍ منها أَنَّهُ لَا يُؤَكَّدُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ بِخِلَافِ الْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ الْمَصْدَرُ الْمُصَرَّحُ بِهِ أَشْيَاءَ بِمَا أَكَّدَ فقال ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبًا وَلَا تَقُولُ ضَرَبْت زَيْدًا أَنْ ضَرَبْت وَمِنْهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ الصَّرِيحَ قد يَقَعُ حَالًا وقد لَا يَقَعُ وأن وَالْفِعْلُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهُمَا الْمَصْدَرُ لَا يَقَعُ حَالًا أَلْبَتَّةَ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ مَنَابَ الْمَفْعُولَيْنِ في بَابِ ظَنَنْت وَيَنُوبُ أَنْ مع الْفِعْلِ مَنَابَهُمَا فَلَا تَقُولُ ظَنَنْت قِيَامَك وَتَقُولُ ظَنَنْت أَنْ يَقُومَ زَيْدٌ قَالَهُ الصَّفَّارُ وَإِنَّمَا جَازَ مع أَنْ لِلطُّولِ قال وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ ظَنَنْت قِيَامَ زَيْدٍ على حَذْفِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي أَيْ وَاقِفًا وَمِنْهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُحْذَفُ معه حَرْفُ الْجَرِّ فَلَا تَقُولُ عَجِبْت ضَرْبَك تُرِيدُ من ضَرْبِك وَيُحْذَفُ مع أَنْ ذَكَرَهُ الصَّفَّارُ أَيْضًا وَمِنْهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ يَقَعُ قَبْلَهُ كُلُّ فِعْلٍ وَلَا يَقَعُ قبل أَنْ إلَّا أَفْعَالُ الظَّنِّ وَالشَّكِّ وَنَحْوِهَا دُونَ أَفْعَالِ التَّحْقِيقِ لِأَنَّهَا تُخَلِّصُ الْفِعْلَ لِلِاسْتِقْبَالِ وَلَيْسَ فيها تَأْكِيدٌ كما في أَنْ فلم يَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فِعْلِ التَّحْقِيقِ نِسْبَةٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ يُضَافُ إلَيْهِ فَيُقَالُ جِئْت مَخَافَةَ ضَرْبِك وَلَا يُضَافُ إلَى أَنْ فَلَا يُقَالُ مَخَافَةَ أَنْ تَضْرِبَ وما سُمِعَ منه فإنه على حَذْفِ التَّنْوِينِ تَخْفِيفًا وَالْمَصْدَرُ عِنْدَهُ مَنْصُوبٌ قَالَهُ ابن طَاهِرٍ وَزَيَّفَهُ الصَّفَّارُ بِأَنَّهُ لم يَثْبُتْ في كَلَامِهِمْ حَذْفُ التَّنْوِينِ تَخْفِيفًا وَإِنَّمَا حُذِفَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ في أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ مَلَكَ أَنْ يَنْتَفِعَ حتى لَا يُعِيرَ وَالْمُسْتَأْجِرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ حتى إنَّهُ يُؤَجِّرُ يَقْتَضِي فَرْقًا آخَرَ إنْ تَجِيءُ لِلشَّرْطِ نَحْوُ إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لهم ما قد سَلَفَ وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ نَحْوُ إنْ قام زَيْدٌ وَنَقَلَ في الْمُحَقَّقِ نحو إنْ مَاتَ زَيْدٌ زُرْتُك وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى أَفَإِنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ على أَعْقَابِكُمْ وَقَوْلُهُ كَمْ شَامِتٍ بِي إنْ هَلَكْت وَقَائِلٍ لِلَّهِ دَرُّهُ إلَّا أنها إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا لَا بُدَّ من وُقُوعِهِ فَلَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا كان زَمَنَ وُقُوعِهِ مُبْهَمًا وَلِهَذَا دَخَلَتْ في قَوْله تَعَالَى وَلَئِنْ مُتُّمْ فَإِنْ عُلِمَ زَمَنُ وُقُوعِهِ فَلَا تُسْتَعْمَلُ فيه فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ إنْ احْمَرَّ الْبُسْرُ فَأْتِنِي ف إن احْمِرَارَهُ لَا بُدَّ منه وَوَقْتُهُ مَعْلُومٌ بِالتَّقْرِيبِ وَالْمُتَلَخِّصُ من كَلَامِهِمْ أَنَّ إنْ وإذا يَشْتَرِكَانِ في عَدَمِ الدُّخُولِ على الْمُسْتَحِيلِ إلَّا لِنُكْتَةٍ نَحْوُ قُلْ إنْ كان لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ وَتَنْفَرِدُ إنْ بِالْمَشْكُوكِ فيه وَالْمَوْهُومِ وَتَنْفَرِدُ إذَا بِالْمَجْزُومِ بِهِ وَهَلْ تَدْخُلُ على الْمَظْنُونِ خِلَافٌ وَتَجِيءُ لِلنَّفْيِ إنْ تَلَاهَا إلَّا نَحْوُ إنْ الْكَافِرُونَ إلَّا في غُرُورٍ أو لَمَّا نَحْوُ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عليها حَافِظٌ أو غَيْرُهُمَا نَحْوُ إنْ عِنْدَكُمْ من سُلْطَانٍ بهذا وَفِيهِ رَدٌّ على من ادَّعَى مُلَازَمَتَهُ لِ إلَّا ولما أو لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أو الْأَشْيَاءِ شَاكًّا كان أو إبْهَامًا تَخْيِيرًا كان أو إبَاحَةً فَإِنْ كَانَا مُفْرَدَيْنِ أَفَادَا ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَا جُمْلَتَيْنِ أَفَادَ حُصُولَ مَضْمُونِ أَحَدِهِمَا وَلِذَلِكَ يُفْرَدُ ضَمِيرُهُمَا نَحْوُ زَيْدٍ أو عَمْرٍو قام وَلَا تَقُلْ قَامَا بِخِلَافِ الْوَاوِ فَتَقُولُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو قَامَا وَلَا تَقُلْ قام وَحَقِيقَتُهَا أنها تُفْرِدُ شيئا من شَيْءٍ وَوُجُوهُ الْإِفْرَادِ تَخْتَلِفُ فَتَتَقَارَبُ تَارَةً وَتَتَبَاعَدُ أُخْرَى حتى تُوهِمَ أنها قد تَضَادَّتْ وَهِيَ في ذلك تَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ الذي وُضِعَتْ له وقد وُضِعَتْ لِلْخَبَرِ وَالطَّلَبِ فَأَمَّا في الْخَبَرِ فَمَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ قِيَامُ الشَّكِّ فَقَوْلُك زَيْدٌ أو عَمْرٌو قام أَصْلُهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا قام ثُمَّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ شَاكًّا لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا الْقَائِمُ فَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنْ يَحْمِلَهُ السَّامِعُ على جَهْلِ الْمُتَكَلِّمِ وقد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ غير شَاكٍّ وَلَكِنَّهُ أُبْهِمَ على السَّامِعِ لِغَرَضٍ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الشَّكَّ وَالثَّانِي التَّشْكِيكَ وَالْإِبْهَامَ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَإِنَّا أو إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أو في ضَلَالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ جَاءَتْ في خَبَرِ اللَّهِ نَحْوُ وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أو يَزِيدُونَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً وما أَمْرُ السَّاعَةِ إلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أو هو أَقْرَبُ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَقَعُ الْإِبْهَامُ من اللَّهِ وَإِنَّمَا الْقَصْدُ منه الْبَيَانُ قُلْت إنَّمَا خُوطِبُوا على قَدْرِ ما يَجْرِي في كَلَامِهِمْ وَلَعَلَّ الْإِبْهَامَ على السَّامِعِ لِعَجْزِهِ عن بُلُوغِ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ الْقَصْدُ من الْإِبْهَامِ في الْخَبَرِ تَهْوِيلُ الْأَمْرِ على الْمُخَاطَبِ من إطْلَاقِهِ على حَقِيقَتِهِ وَحَمْلُهَا على ذلك الْمَعْنَى هو من صِنَاعَةِ الْحُذَّاقِ وَذَلِكَ أَوْلَى من إخْرَاجِهَا إلَى مَعْنَى الْوَاوِ وَبِالْجُمْلَةِ الْإِخْبَارُ بِالْمُبْهَمِ لَا يَخْلُو عن غَرَضٍ إلَّا أَنَّ الْمُتَبَادَرَ منه الشَّكُّ فَمِنْ هُنَا ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ أو لِلشَّكِّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ لِأَنَّهُمْ لم يُرِيدُوا إلَّا تَبَادُرَ الذِّهْنِ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وما ذَكَرُوهُ من أَنَّ وَضْعَ الْكَلَامِ لِلْإِبْهَامِ على تَقْدِيرِ تَمَامِهِ إنَّمَا يَدُلُّ على أَنَّ أو لم تُوضَعْ لِلتَّشْكِيكِ وَإِلَّا فَالشَّكُّ أَيْضًا مَبْنِيٌّ يُقْصَدُ إبْهَامُهُ بِأَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ إخْبَارَ الْمُخَاطَبِ بِأَنَّهُ شَاكٌّ في تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِخِلَافِ الْإِنْشَاءِ فإنه لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ وَلَا التَّشْكِيكَ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْكَلَامِ ابْتِدَاءً وقد يَحْسُنُ دُخُولُ أو بين أَشْيَاءَ يَتَنَاوَلُهَا الْفِعْلُ في أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيُرَادُ بِالْخَبَرِ إفْرَادُ كل وَاحِدَةٍ منها في وَقْتِهِ كَقَوْلِك إذَا قِيلَ لَك ما كُنْت تَأْكُلُ من الْفَاكِهَةِ قُلْت آكُلُ التِّينَ أو الْعِنَبَ أو الرُّمَّانَ أَيْ إفْرَادُ هذا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً ولم تُرِدْ الشَّكَّ وَلَا الْإِبْهَامَ هذا شَأْنُهَا في الْخَبَرِ وَأَمَّا في الطَّلَبِ أَعْنِي الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فَتَقَعُ على وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا لِلْإِفْرَادِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ له أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إذَا اخْتَارَهُ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ وَالْآخَرُ مَحْظُورٌ عليه وَالثَّانِي يَكُونُ اخْتِيَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا غير مَحْظُورٍ عليه الْآخَرُ وَسَمَّوْا الْأَوَّلَ تَخْيِيرًا وَالثَّانِيَ إبَاحَةً وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إنْ كان بين شَيْئَيْنِ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَإِلَّا فَلِلْإِبَاحَةِ فَالْأَوَّلُ نَحْوُ خُذْ من مَالِي دِرْهَمًا أو دِينَارًا حَيْثُ يَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنْ يَأْخُذُوا وَاحِدًا فَقَطْ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا أو لِمَا يَقْتَضِيهِ حَظْرُ مَالِ غَيْرِهِ عنه إلَّا بِسَبَبٍ تُصَحَّحُ بِهِ إبَاحَتُهُ له وَالسَّبَبُ هُنَا تَخْيِيرُ الْمَأْمُورِ بِاجْتِنَابِهِ فَقَدْ أَبَاحَهُ بِالتَّخْيِيرِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ كان هو الْمُبَاحَ وَيَبْقَى الْآخَرُ على حَظْرِهِ وَكَذَلِكَ كُلْ سَمَكًا أو لَبَنًا لِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ على الْمَنْعِ من الْجَمْعِ وَالثَّانِي نَحْوُ جَالِسْ الْحَسَنَ أو ابْنَ سِيرِينَ أَيْ جَالِسْ هذا الْجِنْسَ من الْعُلَمَاءِ فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ تَعَلَّمْ فِقْهًا أو نَحْوًا قال سِيبَوَيْهِ تَقُولُ جَالِسْ الْحَسَنَ أو ابْنَ سِيرِينَ أو زَيْدًا كَأَنَّك قُلْت جَالِسْ أَحَدَ هَؤُلَاءِ ولم تُرِدْ إنْسَانًا بِعَيْنِهِ فَفِي هذا دَلِيلٌ على أَنَّ كُلَّهُمْ أَهْلٌ أَنْ يُجَالَسَ كَأَنَّك قُلْت جَالِسْ هذا الضَّرْبَ من الناس وَتَقُولُ كُلْ خُبْزًا أو لَحْمًا أو تَمْرًا فَكَأَنَّك قُلْت كُلْ أَحَدَ هذه الْأَشْيَاءِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الذي قَبْلَهُ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ أو من حَيْثُ هِيَ تَدُلُّ على الشَّيْئَيْنِ أو الْأَشْيَاءِ مِثْلُ إمَّا وَيَنْفَصِلُ التَّخْيِيرُ عن الْإِبَاحَةِ بِالْقَرِينَةِ وَسِيَاقِ الْكَلَامِ وَهِيَ تُسَاوِي إمَّا في التَّخْيِيرِ التي يُسَمِّيهَا الْمَنْطِقِيُّونَ مُنْفَصِلَةً مَانِعَةَ الْجَمْعِ وفي الْإِبَاحَةِ مُنْفَصِلَةً مَانِعَةَ الْخُلُوِّ وما ذَكَرُوهُ من أَنَّ الشَّيْئَيْنِ إنْ كَانَا أَصْلُهُمَا على الْمَنْعِ فَلِلتَّخْيِيرِ وَإِلَّا فَلِلْإِبَاحَةِ إنَّمَا أَخَذُوهُ من أَمْثِلَتِهِمْ حتى مَثَّلُوا الْأَوَّلَ بِ خُذْ دِرْهَمًا أو دِينَارًا وَالثَّانِي يُجَالِسُ الْحَسَنَ أو ابْنَ سِيرِينَ وَلَيْسَ هذا بِمُطَّرِدٍ فَقَدْ تَقُولُ له جَالِسْ أَحَدَهُمَا وَتَقْصِدُ الْمَنْعَ من الْجَمْعِ وقد يَأْذَنُ له في أَخْذِ شَيْءٍ من مَالِهِ وَيَرْضَى بِالْجَمْعِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَمَدُ في الْفَرْقِ الْقَرَائِنُ كما ذَكَرْنَا وَلِذَلِكَ أَجْمَعُوا على أَنَّ أو في آيَةِ الْكَفَّارَةِ لِلتَّخْيِيرِ وَيُسَمُّونَهَا الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ مع أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ بِالْآيَةِ عِنْدَهُمْ وَلَا حَاجَةَ لِلتَّكَلُّفِ عن ذلك وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَالْإِبَاحَةَ قِسْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ هِيَ التَّخْيِيرُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ في الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ لِلْقَرِينَةِ الْعُرْفِيَّةِ لَا لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ كما أَنَّ الْجَمْعَ بين صُحْبَةِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ وَصْفُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فيه قال ابن الْخَشَّابِ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيُّ في الطَّلَبِ التَّخْيِيرُ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَطَارِئَةٌ عليه وَلَيْسَتْ فيه خَارِجَةً عن وَضْعِهَا لِأَنَّهُ إذَا أَفْرَدَ أَحَدَهُمَا بِالْمُجَالَسَةِ كان مُمْتَثِلًا وَلَمَّا كانت مُجَالَسَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا في مُجَالَسَةِ الْآخَرِ سَاغَ له الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَكَأَنَّهُ قال أَبَحْت لَك مُجَالَسَةَ هذا الضَّرْبِ وَكَذَلِكَ لو أتى بِالْوَاوِ فقال جَالِسْ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ لم يَتَمَثَّلْ إلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَاعْرِفْ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا أَوْلَى من قَوْلِ السِّيرَافِيِّ أو التي لِلْإِبَاحَةِ مَعْنَاهَا مَعْنَى وَاوِ الْعَطْفِ وَالتَّسْوِيَة نُسِبَتْ لِلْإِبَاحَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا من الْمُضَارَعَةِ وَلِهَذَا قالوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا قِيَامُك وَقُعُودُك وَسَوَاءٌ عَلَيَّ قِيَامُك أو قُعُودُك وما أَحْسَنَ قَوْلَ الْجُرْجَانِيِّ في كِتَابِ الْعَوَامِلِ أو تُوجِبُ الشَّرِكَةَ على سَبِيلِ الْجَوَازِ وَالْوَاوُ على سَبِيلِ الْوُجُوبِ قال وَحَيْثُ أُرِيدَ بها الْإِبَاحَةُ فَلَا بُدَّ من أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جِنْسًا مَخْصُوصًا فَلَا يَصِحُّ كُلْ السَّمَكَ أو اشْرَبْ اللَّبَنَ أو اضْرِبْ زَيْدًا أو عَمْرًا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِمَا أَنَّهُمَا مَثَلَانِ في الشُّرْبِ وَاسْتِحْقَاقِ الضَّرْبِ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ كُلْ صَيْحَانِيًّا أو بَرْنِيًّا قال وإذا أَمْعَنْت النَّظَرَ لم تَجِدْ أو زَائِلَةً عن مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ وهو كَوْنُهَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أو الْأَشْيَاءِ انْتَهَى وَلَا بُدَّ هَاهُنَا من اسْتِحْضَارِ أَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا بين مُبَاحَيْنِ لَا مُبَاحٍ وَمَحْظُورٍ إذَا عَلِمْت مَعْنَى الْإِبَاحَةِ في قَوْلِهِمْ جَالِسْ الْحَسَنَ أو ابْنَ سِيرِينَ وكان ذلك في الْأَمْرِ وَفِيمَا خُيِّرَ فيه بين مُبَاحَيْنِ أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى الْآخَرِ فَبِإِزَاءِ ذلك النَّهْيِ التَّضَمُّنِيِّ التَّخْيِيرُ بين الْإِيقَاعِ من كل وَاحِدٍ من مَحْظُورَيْنِ أَحَدُهُمَا في مَعْنَى الْآخَرِ في الْحَظْرِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ لَا تَأْتِ زِنًى أو قَتْلِ نَفْسٍ وقَوْله تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفُورًا لِأَنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ طَاعَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُفْرَدَيْنِ وَمُجْتَمِعَيْنِ وَكَأَنَّهُ قال حَظَرْت عَلَيْك طَاعَةَ هذا الضَّرْبِ من الناس إذْ كان تَرْكُ كُلٍّ مِنْهُمَا في الْمَعْنَى تَرْكَ طَاعَةِ الْآخَرِ كما كانت الْإِبَاحَةُ في مُجَالَسَةِ الْحَسَنِ أو ابْنِ سِيرِينَ كَذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ لو قال أو لَا تُطِعْ كَفُورًا لَانْقَلَبَ الْمَعْنَى فَصَحِيحٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ أو التَّخْيِيرِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ في قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فإذا قال أو لَا تُطِعْ كَفُورًا صَارَتْ في أَثْنَاءِ قَضِيَّتَيْنِ الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا التي تَلِي أو غَيْرُ الْأُولَى التي قَبْلَهَا فَتَخْرُجُ بِذَلِكَ إلَى مَعْنَى بَلْ إذَا كانت بَلْ لَا تَرِدُ في أَثْنَاءِ قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَصَارَتْ أو بِمَعْنَى الْإِضْرَابِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَضْرَبَ عن النَّهْيِ عن طَاعَةِ الْآثِمِ وَانْتَقَلَ إلَى النَّهْيِ عن طَاعَةِ الْكَفُورِ وَهَذَا قَلْبٌ لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ من الْآيَةِ من تَرْكِ طَاعَتِهِمَا أو مُنْفَرِدَيْنِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّهْيَ إذَا دخل على أو التي لِلْإِبَاحَةِ حُظِرَ الْكُلُّ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا كما في لَا تَتَعَلَّمْ الشِّعْرَ أو أَحْكَامَ النُّجُومِ فَهِيَ نَهْيٌ جَمْعًا وَإِفْرَادًا كما كان له في الْأَمْرِ في الْإِبَاحَةِ فِعْلُهُمَا جَمْعًا وَإِفْرَادًا وإذا دخل على أو التي لِلتَّخْيِيرِ كَقَوْلِك لَا تَأْخُذْ دِرْهَمًا أو دِينَارًا فَالْأَشْبَهُ في أَنَّهُ يَجِبُ عليه الِامْتِنَاعُ من أَحَدِهِمَا قالوا فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ نَظَرٌ هل يَكُونُ مُطِيعًا أو عَاصِيًا قال ابن الْخَشَّابِ وَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ التَّخْيِيرَ الذي كان في الْأَمْرِ هل هو بَاقٍ في النَّهْيِ أَمْ لَا لِأَنَّ النَّهْيَ في الْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْيِ من الْإِيجَابِ في الْخَبَرِ وقد يَتَنَاوَلُ النَّفْيُ الْكَلَامَ الْمُوجِبَ فَيَنْفِيهِ بِمَعْنَاهُ وقد لَا يَكُونُ كَذَلِكَ في مَوَاضِعَ تَنَازَعَهَا الْعُلَمَاءُ وَقَصَدْت فيها رَأْيَ الْمُحَقِّقِينَ منهم وَكَذَلِكَ النَّهْيُ حُكْمُهُ في تَنَاوُلِ الْمَأْمُورِ بِهِ حُكْمُ تَنَاوُلِ النَّفْيِ الْمُوجِبِ فَإِنْ كان التَّخْيِيرُ الذي كان في الْأَمْرِ بَاقِيًا مع النَّهْيِ بِحَالِهِ لم يَكُنْ الْمَنْهِيُّ الْجَمْعَ بين الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ لم يَكُنْ بَاقِيًا فَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذلك وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ أو تَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِمَّا دَخَلَتْ عليه لَا جَمِيعَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو كِسْوَتُهُمْ أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَهَذَا في الْإِثْبَاتِ وَأَمَّا في النَّفْيِ فَهِيَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ على حِيَالِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفُورًا وَقَوْلُهُ أو الْحَوَايَا أو ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَفِي كل وَاحِدٍ على حِيَالِهِ لَا على تَعَيُّنِ الْجَمْعِ وَلِهَذَا قال أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قال وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمَنَّ زَيْدًا أو عَمْرًا إنَّهُ يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَيِّهِمَا وَقَعَ وَحَكَى السِّيرَافِيُّ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْمُزَنِيّ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ سُئِلَ عن رَجُلٍ حَلَفَ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت أَحَدًا إلَّا كُوفِيًّا أو بَصْرِيًّا فقال ما أَرَاهُ إلَّا حَانِثًا فذكر ذلك لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فقال خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا إلَى قَوْلِهِ إلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أو الْحَوَايَا أو ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ وَكُلُّ ذلك ما كان مُبَاحًا خَارِجًا بِالِاسْتِثْنَاءِ من التَّحْرِيمِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لقد هَمَمْت أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا من قُرَشِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ فَالْقُرَشِيُّ وَالثَّقَفِيُّ جميعا مُسْتَثْنَيَانِ فَرَجَعَ الْمُزَنِيّ إلَى قَوْلِهِ وَيَرِدُ على ما قَرَّرَهُ في النَّفْيِ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى يوم يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لم تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ أو كَسَبَتْ في إيمَانِهَا خَيْرًا يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ بِدُونِ الْعَمَلِ لَا يَنْفَعُ وَلَا يُحْمَلُ على عُمُومِ النَّفْيِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ حِينَئِذٍ النَّفْسَ التي لم تُقَدِّمْ الْإِيمَانَ وَلَا كَسَبَتْ الْخَيْرَ في الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ إذَا نُفِيَ الْإِيمَانُ كان نَفْيُ كَسْبِ الْخَيْرِ في الْإِيمَانِ تَكْرَارًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ على نَفْيِ الْعُمُومِ أَيْ النَّفْسُ التي لم تَجْمَعْ بين الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ تَنْبِيهٌ أو لها اسْتِعْمَالَانِ في التَّخْيِيرِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَاهُ عِنْدَ الْمَأْمُورِ وَلَا يُؤْمَرُ فيه بِاجْتِهَادٍ كَآيَةِ الْكَفَّارَةِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا فيه بِالِاجْتِهَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً فإن الْإِمَامَ يَتَخَيَّرُ في الْأَسِيرِ تَخَيُّرَ اجْتِهَادٍ وَمَصْلَحَةٍ لَا تَشَهٍّ وقد تَدْخُلُ أو لِلتَّبْعِيضِ وَالتَّفْصِيلِ وهو أَنْ يَذْكُرَ عن جَمَاعَةٍ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ على أَنَّ بَعْضَهُمْ قال أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ وَبَعْضُهُمْ قال الْقَوْلَ الْآخَرَ كَقَوْلِك أَجْمَعَ الْقَوْمُ فَقَالُوا حَارِبُوا أو صَالِحُوا أَيْ قال بَعْضُهُمْ حَارِبُوا وقال بَعْضُهُمْ صَالِحُوا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أو نَصَارَى تَهْتَدُوا وقد عُلِمَ أَنَّهُ ليس في الْفِرَقِ فِرْقَةٌ تُخَيِّرُ بين الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَإِنَّمَا هو إخْبَارٌ عن جُمْلَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ قالوا ثُمَّ فَصَّلَ ما قَالَهُ كُلٌّ منهم وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ في تَخْيِيرِ الْإِمَامِ في عُقُوبَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ وَأَنْكَرَ غَيْرُهُ التَّخْيِيرَ في الْآيَةِ وَاخْتَارَ السِّيرَافِيُّ أَنَّ أو فيها من هذا الْبَابِ لِلتَّفْصِيلِ وَتَرْتِيبِ اخْتِيَارِ هذه الْعُقُوبَاتِ على أَصْنَافِ الْمُحَارَبِينَ كَالْآيَةِ السَّابِقَةِ على أَنَّ بَعْضًا وَهُمْ الَّذِينَ قَتَلُوا يُقَتَّلُونَ وَبَعْضًا وَهُمْ الَّذِينَ أَخَذُوا تُقَطَّعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وقد تُسْتَعَارُ أو إذَا وَقَعَ بَعْدَهَا مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ نَحْوُ لَأَلْزَمَنَّكَ حتى تُعْطِيَنِي وَلِهَذَا قال النُّحَاةُ إنَّهَا بِمَعْنَى إلَى لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ يَمْتَدُّ إلَى وُقُوعِ الثَّانِي أو يَمْتَدُّ في جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَى وَقْتِ وُقُوعِ الثَّانِي بَعْدَهُ فَيَنْقَطِعُ امْتِدَادُهُ وقد مَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ليس لَك من الْأَمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عليهم أَيْ حتى تَقَعَ تَوْبَتُهُمْ أو تَعْذِيبُهُمْ وَذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلَى أَنَّهُ عَطْفٌ على ما سَبَقَ وليس لك من الْأَمْرِ شَيْءٌ اعْتِرَاضٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَالِكُ أَمْرِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهُمْ أو يَهْزِمَهُمْ أو يَتُوبَ عليهم أو يُعَذِّبَهُمْ فَلَوْ قال وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هذه الدَّارَ أو أَدْخُلَ تِلْكَ بِالنَّصْبِ كان بِمَعْنَى حتى وما يُقَالُ من أَنَّ تَقْدِيرَ الْعَطْفِ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْفِيٌّ ليس بِمُسْتَقِيمٍ إذْ لَا امْتِنَاعَ في الْعَطْفِ الْمُثْبَتِ على الْمَنْفِيِّ وَبِالْعَكْسِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ أو في قَوْله تَعَالَى لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً عَاطِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لِلْعُمُومِ أَيْ عَدَمُ الْجُنَاحِ مُقَيَّدٌ بِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي الْمُجَامَعَةَ وَتَقْرِيرَ الْمَهْرِ حتى لو وُجِدَ أَحَدُهُمَا كان الْجُنَاحُ أَيْ وَجَبَ الْمَهْرُ فَيَكُونُ تَفْرِضُوا مَجْزُومًا عَطْفًا على تَمَسُّوهُنَّ وَلَا حَاجَةَ إلَى ما ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ من أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ على مَعْنَى إلَى أَنْ تَفْرِضُوا أو حتى تَفْرِضُوا أَيْ إذَا لم تُوجَدْ الْمُجَامَعَةُ فَعَدَمُ الْجُنَاحِ يَمْتَدُّ إلَى تَقْرِيرِ الْمَهْرِ لو لو حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِامْتِنَاعٍ هذه عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ وَاخْتَلَفُوا في الْمُرَادِ بها على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ولم يذكر الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ أَنَّهُ امْتَنَعَ الثَّانِي لِامْتِنَاعِ الْأَوَّلِ نَحْوُ لو جِئْتنِي لَأَكْرَمْتُك انْتَفَى الْإِكْرَامُ لِانْتِفَاءِ الْمَجِيءِ فَلَا يَكُونُ فيها تَعَرُّضٌ لِلْوُقُوعِ إلَّا بِالْمَفْهُومِ وَالثَّانِي عَكْسُهُ أَيْ أَنَّهُ امْتَنَعَ الْأَوَّلُ لِامْتِنَاعِ الثَّانِي وهو ما صَارَ إلَيْهِ ابن الْحَاجِبِ وَصَاحِبُهُ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَبَبٌ لِلثَّانِي وَانْتِفَاءُ السَّبَبِ لَا يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْمُسَبَّبِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ يَتَوَقَّفُ عليه الْمُسَبَّبُ إلَّا إذَا لم يَكُنْ لِلْمُسَبَّبِ سَبَبٌ سِوَاهُ وَيَلْزَمُ من انْتِفَاءِ الْمُسَبَّبِ انْتِفَاءُ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ حُكْمٍ بِدُونِ سَبَبٍ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ امْتَنَعَ الْأَوَّلُ لِامْتِنَاعِ الثَّانِي أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا كَيْفَ سِيقَ لِلدَّلَالَةِ على انْتِفَاءِ التَّعَدُّدِ لِانْتِقَاءِ الْفَسَادِ لَا لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْفَسَادِ لِامْتِنَاعِ التَّعَدُّدِ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَفْهُومَ وَلِأَنَّ نَفْيَ الْآلِهَةِ غَيْرِ اللَّهِ لَا يَلْزَمُ منه فَسَادُ الْعَالَمِ قِيلَ وقد خَرَقَ إجْمَاعَ النَّحْوِيِّينَ وَبَنَاهُ على رَأْيِهِ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ وَالسَّبَبُ يَقْتَضِي الْمُسَبَّبَ لِذَاتِهِ فَيَلْزَمُ من عَدَمِ السَّبَبِ عَدَمُ الْمُسَبَّبِ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ على تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذلك فَقَدْ يَتَخَلَّفُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أو وُجُودِ مَانِعٍ وَعَدَمُ مَانِعٍ وَعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ شَرْطٌ في انْتِفَاءِ الْمُسَبَّبِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ لَكِنَّ السَّبَبَ الْآخَرَ مَوْجُودٌ ثُمَّ كَيْفَ يُصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ فإن الْمُرَادَ نَفْيُ السَّمَاعِ وَعَدَمُ الْخَيْرِ فيه لَا الْعَكْسُ وَالتَّحْقِيقُ أنها تُسْتَعْمَلُ في كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ وَالتَّعْلِيلِ وَبِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَتَقُولُ لَمَّا كان الْمَجِيءُ عِلَّةً لِلْإِكْرَامِ بِحَسَبِ الْوُجُودِ فَانْتِفَاءُ الْإِكْرَامِ لِانْتِفَاءِ الْمَجِيءِ انْتِفَاءُ الْمَعْلُولِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَأَيْضًا لَمَّا لم يُعْلَمْ انْتِفَاءُ الْإِكْرَامِ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ منه على انْتِفَاءِ الْمَجِيءِ اسْتِدْلَالًا بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ على انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَكَذَا في الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ تَقُولُ في مَقَامِ التَّعْلِيلِ انْتِفَاءُ الْفَسَادِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ أَيْ التَّعَدُّدُ في مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ يُعْلَمُ من انْتِفَاءِ التَّعَدُّدِ انْتِفَاءُ الْفَسَادِ فَمَنْ قال بِالْأَوَّلِ نَظَرَ إلَى اعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَمَنْ قال بِالثَّانِي نَظَرَ إلَى الِاعْتِبَارِ الثَّانِي وَعَلَى عِبَارَةِ الْأَكْثَرِينَ فَالْجُمْلَتَانِ بَعْدَهَا لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ تَكُونَا مُوجِبَتَيْنِ نَحْوُ لو زُرْتنِي لَأَكْرَمْتُك فَيَقْتَضِي امْتِنَاعَهُمَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَا مَنْفِيَّتَيْنِ نَحْوُ لو لم تَزُرْنِي لم أُكْرِمْك فَيَقْتَضِي وُجُودَهَا وَإِنَّمَا كان كَذَلِكَ لِأَنَّ لو لَمَّا كان مَعْنَاهَا الِامْتِنَاعَ لِامْتِنَاعٍ وقد دخل الِامْتِنَاعُ على النَّفْيِ فِيهِمَا فَامْتَنَعَ النَّفْيُ وإذا امْتَنَعَ النَّفْيُ صَارَ إثْبَاتًا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مُوجَبَةً وَالْأُخْرَى مَنْفِيَّةٌ وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ يُعْلَمُ حُكْمُهُمَا من التي قَبْلَهُمَا وقد أَوْرَدَ على ذلك مَوَاضِعَ ظَنَّ أَنَّ جَوَابَهَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عليهم كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ وَلَوْ أَنَّمَا في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَقَوْلُ عُمَرَ نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لو لم يَخَفْ اللَّهَ لم يَعْصِهِ وَغَيْرُ ذلك أَمَّا لو جَرَيْنَا على ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ لَلَزِمَ منه عَكْسُ الْمُرَادِ ثُمَّ تَفَرَّقَ الْمُعْتَرِضُونَ الَّذِينَ رَأَوْا لُزُومَ هذا السُّؤَالِ فَمِنْهُمْ من صَارَ إلَى أنها لَا تُفِيدُ الِامْتِنَاعَ بِوَجْهٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ وَالتَّعَلُّقِ في الْمَاضِي كما دَلَّتْ على أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ في الْمُسْتَقْبَلِ وهو قَوْلُ الشَّلَوْبِينَ وَابْنِ هِشَامٍ الْخَضْرَاوِيِّ وَابْنِ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِمْ وَتَابَعَهُمْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا قال فَلَوْ أَفَادَتْ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ لَزِمَ التَّنَاقُضُ لِأَنَّ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهُ ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أَسْمَعَهُمْ وَالثَّانِيَةَ أَنَّهُ تَعَالَى ما أَسْمَعَهُمْ وَلَا تَوَلَّوْا لَكِنْ عَدَمُ التَّوَلِّي خَيْرٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قد عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا قال فَعَلِمْنَا أَنَّ كَلِمَةَ لو لَا تُفِيدُ إلَّا الرَّبْطَ وَمِنْهُمْ من تَوَسَّطَ بين الْمَقَالَيْنِ وقال إنَّهَا تُفِيدُ امْتِنَاعَ الشَّرْطِ خَاصَّةً وَلَا دَلَالَةَ لها على امْتِنَاعِ الْجَوَابِ وَلَا على ثُبُوتِهِ إلَّا أَنَّ الْأَكْثَرَ عَدَمُهُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ مَالِكٍ وَسَلَكَ الْقَرَافِيُّ طَرِيقًا عَجِيبًا فقال لو كما تَأْتِي لِلرَّبْطِ تَأْتِي لِقَطْعِ الرَّبْطِ فَتَكُونُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ مُحَقَّقٍ أو مُتَوَهَّمٍ وَقَعَ فيه قَطْعُ الرَّبْطِ فَتَقْطَعُهُ أنت لِاعْتِقَادِك بُطْلَانَ ذلك كما لو قال الْقَائِلُ لو لم يَكُنْ هذا زَوْجًا لم يَرِثْ فَتَقُولُ أنت لو لم يَكُنْ زَوْجًا لم يَحْرُمْ الْإِرْثُ أَيْ لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمٍّ وَادَّعَى أَنَّ هذا يُتَخَلَّصُ بِهِ عن الْإِشْكَالِ وَأَنَّهُ خَيْرٌ من ادِّعَاءِ أَنَّ لو بِمَعْنَى أَنْ لِسَلَامَتِهِ من ادِّعَاءِ النَّقْلِ وَمِنْ حَذْفِ الْجَوَابِ وَلَيْسَ كما قال فإن كَوْنَ لو مُسْتَعْمَلًا لِقَطْعِ الرَّبْطِ لَا دَلِيلَ عليه ولم يَصِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ مع مُخَالَفَتِهِ الْأَصْلَ بِخِلَافِ ادِّعَاءِ أنها بِمَعْنَى أَنَّ أو أَنْ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ فَقَدْ صَارَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَالظَّاهِرُ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ لِمُوَافَقَتِهَا غَالِبَ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَأَمَّا الْمَوَاضِعُ التي نَقَضُوا بها عليهم فَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عنها وَرُجُوعُهَا إلَى قَاعِدَتِهِمْ أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَالْمَعْنَى ما كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَامْتِنَاعُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ صَادِقٌ بِعَدَمِ وِجْدَانِ هذه الْأُمُورِ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ الْمُرَادُ لَامْتَنَعَ إيجَابُهُمْ لِهَذَا التَّقْدِيرِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَوْلُهُمْ يَلْزَمُ نَفَادُ الْكَلِمَاتِ عِنْدَ انْتِفَاءِ كَوْنِ ما في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلَامًا وهو الْوَاقِعُ فَيَلْزَمُ النَّفَادُ وهو مُسْتَحِيلٌ وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّفَادَ إنَّمَا يَلْزَمُ انْتِفَاؤُهُ لو كان الْمُتَقَدِّمُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ في الْعَقْلِ أَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلِانْتِفَاءِ أَمَّا إذَا كان مِمَّا يَتَصَوَّرُهُ الْعَقْلُ مُقْتَضِيًا فإنه لَا يَلْزَمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى فَمَعْنَى لو في الْآيَةِ أَنَّهُ لو وُجِدَ الْمُقْتَضَى لَمَا وُجِدَ الْحُكْمُ لَكِنْ لم يُوجَدْ فَكَيْفَ يُوجَدُ وَلَيْسَ الْمَعْنَى لَكِنْ لم يُوجَدْ فَوُجِدَ لِامْتِنَاعِ وُجُودِ الْحُكْمِ بِلَا مُقْتَضٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لو كان الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَاسْتَقَرَّ في الْعِبَادِ ولم يَحْصُلْ النَّفَادُ لَكِنَّهُ لم يَمْتَنِعْ ذلك لِأَنَّهُمْ ما اعْتَمَدُوا الْبِحَارَ لِعَدَمِ وُجُودِهَا وَأَمَّا الْأَثَرُ فَلِمَا سَبَقَ في الذي قَبْلَهُ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ عَارَضَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ وَبِأَنَّ الْمَنْفِيَّ وهو مَعْصِيَتُهُ لَا يَنْشَأُ عن خَوْفٍ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِصْيَانِ له سَبَبَانِ الْخَوْفُ وَالْإِجْلَالُ وقد اجْتَمَعَا في صُهَيْبٍ فَلَوْ قُدِّرَ فيه عَدَمُ الْخَوْفِ لم يَعْصِهِ فَكَيْفَ وَعِنْدَهُ مَانِعٌ آخَرُ وهو الْإِجْلَالُ فَالْقَصْدُ نَفْيُ الْمَعْصِيَةِ بِكُلِّ حَالٍ كما يُقَالُ لو كان فُلَانٌ جَاهِلًا لم يَقُلْ هذا فَكَيْفَ وهو عَالِمٌ أو يُقَالُ لو لم يَخَفْ اللَّهَ لم يَعْصِهِ فَكَيْفَ يَعْصِي اللَّهَ وهو يَخَافُهُ وإذا لم يَعْصِهِ مع عَدَمِ الْخَوْفِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَعْصِيَهُ مع وُجُودِهِ وَيُحْكَى أَنَّ الشَّلَوْبِينَ سُئِلَ عن مَعْنَاهُ فَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ فَلَوْ أَصْبَحَتْ لَيْلَى تَدِبُّ على الْعَصَا لَكَانَ هَوَى لَيْلَى جَدِيدًا أَوَائِلُهْ يُرِيدُ أَنَّ حُبَّهَا مَطْبُوعٌ في جِبِلَّتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ كَتَغَيُّرِ الْمُحِبِّينَ فَكَذَلِكَ جِبِلَّةُ صُهَيْبٍ مَطْبُوعَةٌ على الْخَيْرِ فَلَوْ لم يَخَفْ لم يَعْصِ لِجِبِلَّتِهِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك بَعْدَ هذا اسْتِعْمَالُ مِثْلِ هذه الْأَجْوِبَةِ في بَقِيَّةِ الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَرَضِ بها وَالضَّابِطُ أَنْ تَقُولَ يُؤْتَى بها لِثُبُوتِ الْحُكْمِ على تَقْدِيرٍ لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ لِتُفِيدَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ على خِلَافِهِ الذي يُنَاسِبُهُ وَيَكُونُ ذلك من طَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ مُطْلَقًا ثُمَّ يُرَدُّ على الْقَائِلِ بِالرَّبْطِ وَأَنَّهَا لَا تَدُلُّ على امْتِنَاعٍ أَلْبَتَّةَ غَالِبُ الِاسْتِعْمَالَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فإن الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فلم أَشَأْ أو لم أَشَأْ حَقَّ الْقَوْلِ وقَوْله تَعَالَى وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ في الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أَيْ فلم يُرِكَهُمْ لِذَلِكَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ من بَعْدِهِمْ من بَعْدِ ما جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من آمَنَ وَمِنْهُمْ من كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ لو أَنْفَقْت ما في الْأَرْضِ جميعا ما أَلَّفْت بين قُلُوبِهِمْ لو كان عَرَضًا قَرِيبًا وَغَيْرِهَا من الْآيَاتِ وَمِنْ الحديث لو كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَوْ يُعْطَى الناس بِدَعْوَاهُمْ إلَى غَيْرِ ذلك لَوْلَا لَوْلَا من حَقِّ وَضْعِهَا أَنْ تُدْرَجَ في صِنْفِ الثُّلَاثِيِّ وَلَكِنْ الْمُشَاكَلَةُ أَوْجَبَتْ ذِكْرَهَا هُنَا وَيَمْتَنِعُ بها الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ وَأَصْلُهَا لو ولا فلما رُكِّبَا حَدَثَ لَهُمَا مَعْنًى ثَالِثٌ غَيْرُ الِامْتِنَاعِ الْمُفْرَدِ وَغَيْرُ النَّفْيِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لو يَمْتَنِعُ بها الشَّيْءُ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ فَفِيهَا امْتِنَاعَانِ ولا نَافِيَةٌ وَالنَّفْيُ إذَا دخل على الْمَنْفِيِّ صَارَ إثْبَاتًا وفي تَفْسِيرِ ابْنِ بُرْجَانَ عن الْخَلِيلِ كُلُّ ما في الْقُرْآنِ فَهِيَ بِمَعْنَى هَلَّا إلَّا في قَوْلِهِ فَلَوْلَا أَنَّهُ كان من الْمُسَبِّحِينَ من من لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَهِيَ مُنَاظِرَةٌ لِ إلَى في الِانْتِهَاءِ وَالْغَايَةُ إمَّا مَكَانًا نَحْوُ من أَوَّلِ يَوْمٍ وَعَلَامَتُهَا أَنْ تَصْلُحَ أَنْ تُقَارِنَهَا إلَى لَفْظًا نَحْوُ من الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أو مَعْنًى نَحْوُ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَزَيْدٌ أَفْضَلُ من عَمْرٍو وَاتَّفَقَ النُّحَاةُ على كَوْنِهَا لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْمَكَانِ وَاخْتَلَفُوا في الزَّمَانِ فقال سِيبَوَيْهِ إنَّهَا لَا تَكُونُ له فقال وَأَمَّا من فَتَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ في الْأَمَاكِنِ وَأَمَّا مُنْذُ فَتَكُونُ لِلِابْتِدَاءِ في الْأَزْمَانِ وَالْأَحْيَانِ وَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا على صَاحِبَتِهَا وَاخْتَارَهُ جُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ وَكَلَامُ سِيبَوَيْهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ يَقْتَضِي أنها تَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ في الزَّمَانِ فإنه قال في بَابِ ما يُضْمَرُ فيه الْفِعْلُ الْمُسْتَعْمَلُ إظْهَارُهُ بَعْدَ حَرْفٍ وَمِنْ ذلك قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ من لَدٌّ شَوْلًا فَإِلَى إتْلَائِهَا نَصَبَ لِأَنَّهُ أَرَادَ زَمَانًا وَالشَّوْلُ لَا يَكُونُ زَمَانًا وَلَا مَكَانًا فَيَجُوزُ فيها الْجَرُّ نَحْوُ من لَدُنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى وَقْتِ كَذَا فلما أَرَادَ الزَّمَانَ حُمِلَ الشَّوْلُ على ما يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ زَمَانًا إذَا عَمِلَ في الشَّوْلِ كَأَنَّك قُلْت من لَدُنْ كانت شَوْلًا هذا نَصُّهُ وهو يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الزَّمَانِ وَبِهِ قال الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ وَالْمُبَرِّدُ وابن دُرُسْتَوَيْهِ وابن مَالِكٍ وَجَعَلُوا منه قَوْله تَعَالَى لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَلَمَّا كَثُرَتْ ارْتَابَ الْفَارِسِيُّ وقال يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِيمَا جاء من هذا فَإِنْ كَثُرَ قِيسَ عليه وَإِلَّا تُؤَوَّلُ قال ابن عُصْفُورٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لم يَكْثُرْ كَثْرَةً تُوجِبُ الْقِيَاسَ بَلْ لم يَجُزْ إلَّا هذا فَلِذَلِكَ تُؤَوَّلُ جَمِيعُهُ على حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ من تَأْسِيسِ أَوَّلِ يَوْمٍ انْتَهَى وهو مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ وفي الحديث من الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وفي حديث عَائِشَةَ في قِصَّةِ الْإِفْكِ ولم يَجْلِسْ عِنْدِي من يَوْمِ قِيلَ لي ما قِيلَ وهو كَثِيرٌ وَمَعَ الْكَثْرَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِضْمَارِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَالْقِيَاسُ على إلَى فَإِنَّهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ زَمَانًا وَمَكَانًا ومن مُقَابَلَتِهَا فَتَكُونُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ أنها حَقِيقَةٌ في ابْتِدَاءِ غَايَةِ الْأَمْكِنَةِ وَيَتَجَوَّزُ بها عن ابْتِدَاءِ غَايَةِ الْأَزْمِنَةِ وهو حَسَنٌ يُجْمَعُ بِهِ بين الْقَوْلَيْنِ وَذَكَرَ السَّكَّاكِيُّ في الْمِفْتَاحِ في الْكَلَامِ على الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ في من لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مُتَعَلِّقَ مَعْنَاهَا ابْتِدَاءً الْغَايَةُ لَا أَنَّ مَعْنَاهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ إذْ لو كانت كَذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ اسْمًا لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الِاسْمِ إلَّا اسْمٌ وهو عَجِيبٌ تَبْيِينُ الْجِنْسِ وَتَكُونُ لِتَبْيِينِ الْجِنْسِ وَضَابِطُهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا عَامٌّ وَيَتَأَخَّرَ عنها خَاصٌّ كَقَوْلِك ثَوْبٌ من صُوفٍ وَخَاتَمٌ من حَدِيدٍ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ صَاحِبِ الْكِتَابِ هذا بَابُ عِلْمِ ما الْكَلِمُ من الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْكَلِمَ كما تَكُونُ عَرَبِيَّةً تَكُونُ غير عَرَبِيَّةٍ وَمِنْهُمْ من رَدَّ هذا الْقِسْمَ إلَى التَّبْعِيضِ التَّبْعِيضُ وَتَجِيءُ لِلتَّبْعِيضِ نَحْوُ منهم من كَلَّمَ اللَّهُ منهم من قَصَصْنَا عَلَيْك حتى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَضَابِطُهَا أَنْ يَصْلُحَ فيه بَعْضٌ مُضَافًا إلَى الْبَعْضِ وَمِثْلُهُ شَرِبْت من الْمَاءِ وَحَكَى ابن الدَّهَّانِ عن بَعْضِهِمْ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْبَعْضِ أَكْثَرَ من النِّصْفِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى منهم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى منهم من قَصَصْنَا عَلَيْك وَمِنْهُمْ من لم نَقْصُصْ عَلَيْك فَإِنْ كان أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ أَكْثَرَ من الْآخَرِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَإِنْ تَسَاوَيَا فَكَذَلِكَ وَمِنْهُ زَيْدٌ أَفْضَلُ من عَمْرٍو لِأَنَّك تُرِيدُ تَفْضِيلَهُ على بَعْضٍ وَلَا يَعُمُّ وَلَوْ كانت هُنَا لِلِابْتِدَاءِ لَاقْتَضَى ذلك انْتِهَاءَ ما بَيْنَهُمَا وقال الْمُبَرِّدُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ غَايَةِ التَّفْضِيلِ لِأَنَّ عَمْرًا هو الْمَوْضِعُ الذي اُبْتُدِئَ منه فَضْلُ زَيْدٍ في الزِّيَادَةِ وَكَذَا قال في التَّبْعِيضِ وَتَبِعَهُ الْجُرْجَانِيُّ وقال اخْتَلَفُوا في أنها حَقِيقَةٌ في مَاذَا من هذه الِاسْتِعْمَالَاتِ على أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ أَصْلَهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ وَالْبَاقِي رَاجِعٌ إلَيْهَا وَحَكَاهُ أبو الْبَقَاءِ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ عن الْمُبَرِّدِ وَمَعْنَاهُ في التَّبْعِيضِ أَنَّ ابْتِدَاءَ أَخْذِك كان من الْمَالِ وَقَطَعَ بِهِ عبد الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ وقال لَا تَنْفَكُّ من عن ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّبْعِيضُ وَبَيَانُ الْجِنْسِ بِقَرِينَةٍ وَهَذَا أَوْلَى من الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَمِنْ الْمَجَازِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُفَصَّلِ أَيْضًا وَحَكَاهُ ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ عن شَرْحِ سِيبَوَيْهِ لِابْنِ السَّرَّاجِ ثُمَّ قال وهو صَحِيحٌ فإن كُلَّ تَبْعِيضٍ ابْتِدَاءُ غَايَةٍ وَلَيْسَ كُلُّ ابْتِدَاءِ غَايَةٍ تَبْعِيضًا وَجَرَى عليه إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وَأَنْكَرَ مَجِيئَهَا لِلتَّبْعِيضِ قال وَإِنَّمَا وُضِعَتْ لِلِابْتِدَاءِ عَكْسُ إلَى وَرَدَّ بَعْضُهُمْ التَّبْيِينَ إلَى ذلك فقال في قَوْله تَعَالَى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ من الْأَوْثَانِ إنَّ الْمُرَادَ ابْتِدَاءُ اجْتِنَابِهِمْ الرِّجْسَ من الْأَوْثَانِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ مَغْمُورٌ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ وفي بَعْضِهَا لَا يَجِيءُ إلَّا بِتَمَحُّلٍ وَالثَّانِي أنها حَقِيقَةٌ في التَّبْيِينِ وَرُدَّ الْبَاقِي إلَيْهِ فإنه قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بين الْجَمِيعِ فإن قَوْلَك سِرْت من الدَّارِ إلَى السُّوقِ بَيَّنَتْ مَبْدَأَ السَّيْرِ وَكَذَا الْبَاقِي وقال في الْمَحْصُولِ إنَّهُ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِهَا لِلتَّبْعِيضِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وهو ضَعِيفٌ لِإِطْبَاقِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ على أنها لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالرَّابِعُ وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْفُقَهَاءِ أنها لِلتَّبْعِيضِ وَالْغَايَةِ جميعا وَكُلُّ وَاحِدٍ في مَوْضِعِهِ حَقِيقَةٌ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه فقالت الْحَنَفِيَّةُ من لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ حتى لَا يَجِبَ أَنْ يَعْلَقَ التُّرَابُ بِالْيَدِ بَلْ الْوَاجِبُ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ من الْأَرْضِ وَلَا يَجِبُ عليه نَقْلُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ حتى لو مَسَحَ بيده على الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ وَالْحَجَرِ الصَّلْدِ يَكْفِيهِ ذلك لِأَنَّهُ قد ابْتَدَأَ بِالْأَرْضِ وَلَوْ مَسَحَ على حَيَوَانٍ أو الثِّيَابِ لَا يَكْفِيهِ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لِلتَّبْعِيضِ حتى يَجِبَ أَنْ يَعْلَقَ التُّرَابُ بِالْيَدَيْنِ وَحَمْلُهُ على ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ من شَأْنِهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْفِعْلُ كَقَوْلِك هذا الْمَكَانُ من فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ وَهَاهُنَا الْفِعْلُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قال تَعَالَى فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه وَمَنْ جَعَلَ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ وَالْمَسْحُ من الْآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّعِيدِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِهِ منه على أَنَّهُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ في هذه الْآيَةِ هَكَذَا صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ وَمِنْهُمْ من أَضَافَ إلَيْهَا مَعْنًى آخَرَ وهو انْتِهَاءُ الْغَايَةِ وَمُثِّلَ بِقَوْلِهِمْ رأيت من دَارِي الْهِلَالَ من ذلك السَّحَابِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ انْتَهَى وقال سِيبَوَيْهِ تَقُولُ رَأَيْته من ذلك الْمَوْضِعِ فَجُعِلَتْ غَايَتُهُ لِرُؤْيَتِك أَيْ مَحَلًّا لِلِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ ال تَكُونُ حَرْفًا إذَا دَخَلَتْ على الْجَامِدِ وَتَكُونُ اسْمًا إذَا دَخَلَتْ على الْمُشْتَقِّ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الذي كَالضَّارِبِ وَاحْتُجَّ على أنها اسْمٌ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عليها وَخَالَفَ الْمَازِنِيُّ وقال حَرْفٌ بِدَلِيلِ تَخَطِّي الْعَامِلِ في قَوْلِك مَرَرْت بِالْقَائِمِ وَلَوْ كانت اسْمًا لَكَانَتْ فَاصِلَةً بين حَرْفِ الْجَرِّ وَمَعْمُولِهِ وَالِاسْمُ لَا يَتَخَطَّاهُ الْعَامِلُ وَتَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَهُ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِعَوْدِ الضَّمِيرِ فَلَا حُجَّةَ فيه لِأَنَّ أَبَا عَلِيٍّ قال في الْإِيضَاحِ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى ما يَدُلُّ عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ من الذي ثُمَّ اللَّامُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقْصَدَ بها تَعْرِيفُ مُعَيَّنٍ وهو الْعَهْدُ وَيَنْقَسِمُ إلَى ذِكْرِيٍّ وهو تَقْدِيمُهُ في اللَّفْظِ نَحْوُ فَأَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ وَإِلَى ذِهْنِيٍّ نَحْوُ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَقَوْلُهُ إذْ هُمَا في الْغَارِ وقد اجْتَمَعَا في قَوْله تَعَالَى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى فَالْأُولَى لِلذِّهْنِيِّ وَالثَّانِيَةُ لِلذِّكْرِيِّ وَالثَّانِي أَنْ يُقْصَدَ بها تَعْرِيفُ ما كان مَنْكُورًا بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِ وَهِيَ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يُرَادَ بها الْحَقِيقَةُ من حَيْثُ هِيَ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الشَّخْصِ وَالْعُمُومِ كَقَوْلِك الرَّجُلُ خَيْرٌ من الْمَرْأَةِ وَجَعَلَ منه ابن دَقِيقِ الْعِيدِ قَوْلَ عبد اللَّهِ بن أبي أَوْفَى غَزَوْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ الثَّانِي أَنْ يُرَادَ بها الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ قِيَامِهَا بِوَاحِدٍ وَتُعْرَفُ بِأَنَّهَا إذَا نُزِعَتْ لَا يَحْسُنُ مَوْضِعَهَا كُلٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلْنَا من الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَيْ جَعَلْنَا مَبْدَأَ كل حَيٍّ هذا الْجِنْسَ الذي هو الْمَاءُ فَهَذَا النَّوْعُ التَّعْرِيفُ قَرِيبٌ في الْمَعْنَى من النَّكِرَةِ وَلِهَذَا وُصِفَ بِهِ في الْجُمْلَةِ في قَوْلِهِ وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي وهو يَدُلُّ على حَقِيقَةٍ مَعْقُولَةٍ مُتَّحِدَةٍ في الذِّهْنِ بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ فَإِنْ دَلَّ على تَعَدُّدٍ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ لَا بِاعْتِبَارِ مَوْضُوعِهِ وإذا أُطْلِقَ على الْوُجُودِ أُطْلِقَ على غَيْرِ ما وُضِعَ له وَيَتَعَيَّنُ في بَعْضِ الْمُحَالِ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ مِثْلُ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَالْحَدُّ لِلذِّهْنِيِّ لَكِنْ صِحَّتُهُ على الْوُجُودِ شَرْطٌ فيه وهو في بَعْضِهَا اسْتِعْمَالٌ مَجَازِيٌّ نَحْوُ أَكَلْت الْخُبْزَ وَشَرِبْت الْمَاءَ لِبُطْلَانِ إرَادَةِ الْجِنْسِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُرَادَ بها الْحَقِيقَةُ بِاعْتِبَارِ كُلِّيَّةِ ذلك الْمَعْنَى وَتُعْرَفُ بِأَنَّهَا إذَا نُزِعَتْ حَسُنَ أَنْ يَخْلُفَهَا في مَوْضِعِهَا لَفْظُ كُلٍّ على سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ من مَصْحُوبِهَا مع كَوْنِهِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فإنه يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلَّ إنْسَانٍ وقد اسْتَثْنَى منه الَّذِينَ آمَنُوا وَذَكَرَ ابن مَالِكٍ عَلَامَةً ثَالِثَةً وَهِيَ جَوَازُ وَصْفِ مَصْحُوبِهَا بِالْجَمْعِ مع كَوْنِهِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ كَقَوْلِهِمْ أَهْلَكَ الناس الدِّينَارُ الْحُمْرُ وَالدِّرْهَمُ الْبِيضُ وقَوْله تَعَالَى أو الطِّفْلِ الَّذِينَ لم يَظْهَرُوا على وَرَدَّهُ شَيْخُنَا ابن هِشَامٍ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَلْ فِيهِمَا لَيْسَتْ لِعُمُومِ الْإِفْرَادِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيَامُ كُلٍّ مَقَامَهَا بَلْ هِيَ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ من حَيْثُ هو هو أَيْ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ وَالثَّانِي أَنَّ الطِّفْلَ من الْأَلْفَاظِ التي تُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَجُنُبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا وَلَيْسَ فيه أَلِفٌ وَلَامٌ قُلْت وَمِنْ أَمْثِلَةِ هذا الْقِسْمِ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَسَوَاءٌ كان الشُّمُولُ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أو بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ كَالسَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ في لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَارَةً تَكُونُ لِلْجِنْسِ وَتَارَةً لِلْعَهْدِ وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْبَيَانِ وَالنَّحْوِ أنها حَقِيقَةٌ في الْعَهْدِ وَلِهَذَا يَحْمِلُونَهَا على ذلك لِأَنَّ الْمَعْهُودَ أَقْرَبُ إلَى التَّحَقُّقِ من الْجِنْسِ وَمَتَى كان هُنَاكَ عَهْدٌ ذِكْرَى فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهَا على الْخَارِجِيِّ بِشَخْصِهِ وَلَا على الْجِنْسِ من حَيْثُ هو هو فإنه الْحَقِيقَةُ إذَا أُرِيدَ بها شَيْءٌ بِعَيْنِهِ مَجَازًا حُمِلَ على الْمُبَالَغَةِ وَالْكَمَالِ فيها وَالْمَقَامُ لَا يَقْتَضِي ذلك وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ أَقْوَى تَعْرِيفٍ لِ لَامِ الْحُضُورُ ثُمَّ الْعَهْدُ ثُمَّ الْجِنْسُ وَزَعَمَ السَّكَّاكِيُّ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ تَكُونُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ لَا غَيْرُ وَرَدَّ الْبَاقِيَ إلَيْهِ وَبَنَاهُ على قَوْلِ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ اللَّامَ مَوْضُوعَةٌ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ لَا غَيْرُ وَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْفَرْقُ بين لَامِ الْجِنْسِ وَلَامِ الْعُمُومِ وَفَرَّقَ ابن عُصْفُورٍ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا إنْ أَحْدَثَتْ في الِاسْمِ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ كانت لِلْجِنْسِ نَحْوُ دِينَارٍ يَنْطَلِقُ على كل دِينَارٍ على سَبِيلِ الْبَدَلِ فإذا عَرَّفْته دَلَّ على الشُّمُولِ بِخِلَافِ قَوْلِك لَبَنٌ فإنه وَاقِعٌ على جِنْسِ اللَّبَنِ فإذا قُلْت اللَّبَنُ بِ أَلْ عَرَفْت الْجِنْسَ ولم تُصَيِّرْهُ جِنْسًا بَلْ دَخَلَتْ لِتُعَرِّفَ الْجِنْسَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَلْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ في الدِّينَارِ وَاللَّبَنِ على السَّوَاءِ فَإِنَّهَا إنْ دَخَلَتْ على كُلِّيٍّ فَلِلْجِنْسِ أو على جُزْئِيٍّ فَلِلْعَهْدِ أو على كُلٍّ فَلِلْعُمُومِ ولم يَقُلْ أَحَدٌ في الِاسْمِ إنَّهُ يَدُلُّ على الْكُلِّيِّ لِصِدْقِهِ على الْآحَادِ على الْبَدَلِ وَذَكَرَ ابن مَالِكٍ من أَقْسَامِهَا تَعْرِيفَ الْحُضُورِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ليس قَسِيمًا بَلْ هو قِسْمٌ من الْأَوَّلِ فى في لِلْوِعَاءِ إمَّا حَقِيقَةً وَهِيَ اشْتِمَالُ الظَّرْفِ على ما يَحْوِيهِ كَقَوْلِك الْمَالُ في الْكِيسِ وَإِمَّا مَجَازًا كَقَوْلِك فُلَانٌ يَنْظُرُ في الْعِلْمِ وَالدَّارُ في يَدِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ فقال الْمُبَرِّدُ بِمَعْنَى على وقال الْحُذَّاقُ على حَقِيقَتِهَا لِأَنَّ الْجِذْعَ يَصِيرُ مُسْتَقَرًّا لِهَذَا الْفِعْلِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ الذي يَظْهَرُ من كَلَامِ الْأُدَبَاءِ أنها حَقِيقَةٌ في الظَّرْفِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ مَجَازٌ في غَيْرِهَا سِوَى الزَّمَخْشَرِيِّ فإنه قال في قَوْله تَعَالَى وَلِأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ ما يَدُلُّ على أنها على بَابِهَا قال وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ كان بين الْمُحَقَّقِ وَالْمُقَدَّرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرَكِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ في الْمُحَقَّقِ مَجَازٌ في الْمُقَدَّرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَضْعُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمُحَقَّقِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ في حُكْمِ الْمَقْرُورِ بِهِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِيمَنْ قال لِزَيْدٍ عَلَيَّ أو عِنْدِي ثَوْبٌ في مِنْدِيلٍ إنَّ إقْرَارَهُ يَتَنَاوَلُ الثَّوْبَ دُونَ الْمِنْدِيلِ وَزَعَمَ الْعِرَاقِيُّ أَنَّهُ إقْرَارٌ بِهِمَا وَأَجْمَعَ الْفَرِيقَانِ على أَنَّهُ لو أَقَرَّ بِعَبْدٍ لي في دَارٍ أو فَرَسٍ في إصْطَبْلٍ أو سَرْجٍ على دَابَّةٍ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالظَّرْفِ وَأَنْكَرَ قَوْمٌ مَجِيئَهَا لِلسَّبَبِيَّةِ وَأَثْبَتَهُ آخَرُونَ منهم ابن مَالِكٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ من الْإِبِلِ أَيْ قَتْلُ النَّفْسِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ هذا الْمِقْدَارِ وَقِيلَ بِرُجُوعِهَا إلَى الظَّرْفِ مَجَازًا وَمِنْهُمْ من تَأَوَّلَهَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْأَمْرُ فيه قَرِيبٌ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مَعْنَى الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا فَمَمْنُوعٌ وَإِنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَهَا مَجَازًا وَعُنِيَ الْمَجَازُ في ظَرْفِيَّةِ الْمَعْنَى مَثَلًا فَهُوَ مَجَازٌ رَجَّحَهُ على مَجَازٍ آخَرَ وهو مَجَازُ السَّبَبِيَّةِ فَإِنْ وُجِدَ له مُرَجِّحٌ عُمِلَ بِهِ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ لَمَّا كان الْمُسَبَّبُ مُتَعَلِّقًا بِالسَّبَبِ جُعِلَ السَّبَبُ ظَرْفًا لِمُتَعَلِّقِ الْمُسَبَّبِ لَا لِنَفْسِ الْمُسَبَّبِ فَلِذَلِكَ يُفِيدُ الظَّرْفُ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وقال من لَا يَفْهَمُ الْقَاعِدَةَ يَجْهَلُ كَوْنَ في دَالًّا على السَّبَبِيَّةِ عن عن مَعْنَاهَا الْمُجَاوَزَةُ لِلشَّيْءِ وَالِانْصِرَافُ إلَى غَيْرِهِ نَحْوُ عَدَلْت عن زَيْدٍ أَيْ انْصَرَفْت عنه وقال صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ تَكُونُ بِمَعْنَى من إلَّا في مَوَاضِعَ خَاصَّةٍ قالوا من تَكُونُ لِلِانْفِصَالِ وَالتَّبْعِيضِ وعن لَا تَقْتَضِي الْفَصْلَ فَيُقَالُ أَخَذْت من مَالِ فُلَانٍ وَيُقَالُ أَخَذْت عن عَمَلِ فُلَانٍ وقد اخْتَصَّتْ الْأَسَانِيدُ بِالْعَنْعَنَةِ وَكَلِمَةُ من لَا تُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعِهَا وَقَالُوا من لَا تَكُونُ إلَّا حَرْفًا وعن تَكُونُ اسْمًا وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ لَنْ تَنْصِبُ الْمُضَارِعَ وَتُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ نَحْوُ لَنْ يَقُومَ زَيْدٌ وَهِيَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ مُطْلَقِ ا لن َّفْيِ وَزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الْكَشَّافِ أنها تُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ وَوَافَقَهُ ابن الْخَبَّازِ وفي الْأُنْمُوذَجِ تَأْبِيدَهُ وَوَافَقَهُ أبو جَعْفَرٍ الطُّرْسِيُّ وقال ابن مَالِكٍ حَمَلَهُ عليه اعْتِقَادُهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى وهو بَاطِلٌ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ تَفَرُّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ لَكِنْ جَزَمَ بِهِ ابن الْخَشَّابِ في كِتَابِهِ الْعَوْنِيِّ بِأَنَّهُ لم يَجْعَلْ التَّأْبِيدَ عِبَارَةً عن الذي لَا يَنْقَطِعُ بَلْ عن الزَّمَنِ الطَّوِيلِ وَاقْتَضَى كَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةَ مُوَافَقَةَ الزَّمَخْشَرِيِّ أَيْضًا وَأَنَّ ذلك مَوْضُوعُ اللُّغَةِ وَلَوْ على هذا الْمَنْفِيِّ بِمُجَرَّدِهِ لِتَضَمُّنِ أَنَّ مُوسَى لَا يَرَاهُ أَبَدًا وَلَا في الْآخِرَةِ لَكِنْ قام الدَّلِيلُ من خَارِجٍ على ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ في الْآخِرَةِ وقد رُدَّ على الزَّمَخْشَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّهَا لو كانت لِلتَّأْبِيدِ لم يُقَيَّدْ مَنْفِيُّهَا بِالْيَوْمِ في قَوْله تَعَالَى فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّأْبِيدَ في قَوْله تَعَالَى وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا تَكْرَارٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ لَا تَأْتِي مَزِيدَةً وَغَيْرَ مَزِيدَةٍ فَالْمَزِيدَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُك لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَشَرَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ في زِيَادَتِهَا قَصْدَ تَأْكِيدِ مَعْنَى النَّفْيِ الذي انْطَوَى عليه سِيَاقُ الْكَلَامِ كما في قَوْله تَعَالَى ما مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ بِدَلِيلِ حَذْفِهَا في الْآيَةِ الْأُخْرَى يَعْنِي أنها تَوْكِيدٌ لِلنَّفْيِ الْمَعْنَوِيِّ الذي تَضَمَّنَهُ مَنَعَك وَلِهَذَا قال بَعْضُهُمْ تُزَادُ في الْكَلَامِ الْمُوجِبِ الْمَعْنَى إذَا تَوَجَّهَ عليه فِعْلٌ مَنْفِيٌّ في الْمَعْنَى قال الْمَازِرِيُّ وَيُطَالَبُ بِإِبْرَازِ مِثْلِ هذا الْمَعْنَى في قَوْلِهِ لِئَلَّا يَعْلَمَ قال وَلَهُ أَنْ يَقُولَ اسْتَقَرَّ الْكَلَامُ أَيْضًا بِمَعْنَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ إذَا كان الْقَصْدُ إكْرَامَ الْمُؤْمِنِ لِيَعْلَمَ الْكُفَّارُ هَوَانَهُمْ فَهُمْ الْآنَ غَيْرُ عَالِمِينَ بِهَوَانِهِمْ فَقَدْ تَضَمَّنَ سِيَاقُ الْخِطَابِ الْإِشْعَارَ بِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ وَحَرْفُ لَا لِلنَّفْيِ قُلْت أَمَّا الْأُولَى في لِئَلَّا يَعْلَمَ فَزَائِدَةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَنَصَّ عليها سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ وَيَدُلُّ لها قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ لِيَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَقَرَأَ سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ لَأَنْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ تَفْسِيرٌ لِزِيَادَتِهَا وَأَمَّا لَا الثَّانِيَةُ في قَوْلِهِ أَنْ لَا يَقْدِرُونَ فَكَذَلِكَ زِيدَتْ تَوْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَوْجُودِ بِمَا تَوَجَّهَ عليه الْعِلْمُ وَغَيْرُ الْمَزِيدَةِ إمَّا نَاهِيَةٌ في عَوَامِلِ الْأَفْعَالِ الْجَازِمَةِ وَإِمَّا نَافِيَةٌ قال صَاحِبُ الْبُرْهَانِ وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ في الْمَظْنُونِ حُصُولُهُ بِخِلَافِ لَنْ فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَلُ في الْمَشْكُوكِ حُصُولُهُ وَمِنْ ثَمَّ كان النَّفْيُ بِ لَنْ آكَدُ قال ابن مَالِكٍ لَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَإِنَّ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ وَجَعَلَ ذلك عُمْدَتَهُ في إعْمَالِ لَا عَمَلَ إنَّ وَأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ النَّقِيضَ على النَّقِيضِ وقد اُسْتُنْكِرَ ذلك منه من جِهَةِ أَنَّ إنَّ دَاخِلَةٌ على الْإِثْبَاتِ فَأَكَّدَتْهُ ولا لم تَدْخُلُ على نَفْيٍ وَجَوَابُهُ أَنَّ مُرَادَهُ أنها لِنَفْيٍ مُؤَكَّدٍ أو بِمَعْنَى أنها تُرَجِّحُ ظَرْفَ النَّفْيِ الْمُحْتَمِلِ في أَصْلِ الْقَضِيَّةِ رُجْحَانًا قَوِيًّا أَكْثَرَ من تَرْجِيحِ ما وَيَدُلُّ عليه بِنَاءُ الِاسْمِ مَعَهَا لِيُفِيدَ نِسْبَةَ الْعُمُومِ وَهِيَ إمَّا تَتَنَاوَلُ الْأَفْعَالَ وَتَكُونُ عَاطِفَةً وَفِيهَا مَعْنَى النَّفْيِ نَحْوُ قام زَيْدٌ لَا عَمْرٌو فَلَا تَعْمَلُ في لَفْظِهَا شيئا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ فَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صلى فَقَالُوا الْمَعْنَى لم يُصَدِّقْ ولم يُصَلِّ وَإِمَّا أَنْ تَتَنَاوَلَ الْأَسْمَاءَ فَإِمَّا أَنْ تَلِيَ الْمَعَارِفَ أو النَّكِرَاتِ فَاَلَّتِي تَلِي النَّكِرَاتِ إنْ أُرِيدَ بِنَفْيِهَا نَفْيُ الْجِنْسِ بُنِيَتْ مع اسْمِهَا وَإِنْ أُرِيدَ نَفْيُ الْوِحْدَةِ فَهِيَ الْعَامِلَةُ عَمَلَ ليس وَبِهَذَا تَقُولُ لَا رَجُلَ فيها بَلْ رَجُلَانِ وَاَلَّتِي تَلِي الْمَعَارِفَ لَا تَعْمَلُ فيها شيئا وَيَلْزَمُهَا التَّكْرَارُ نَحْوُ لَا زَيْدٌ فيها وَلَا عَمْرٌو وقال ابن الْخَشَّابِ وَهِيَ عَكْسٌ بَلْ لِأَنَّ بَلْ أَضْرَبْت بها عن الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي فَثَبَتَ الْمَعْنَى الذي كان لِلْأَوَّلِ لِلثَّانِيَّ ولا بَدَّلَتْ مَعَهَا بِإِثْبَاتِ الْمَعْنَى لِلْأَوَّلِ فَانْتَفَى بها عن الثَّانِي وَلِهَذَا لم يُعْطَفْ بها بَعْدَ النَّفْيِ فَتَقُولُ ما جَاءَنِي زَيْدٌ لَا عَمْرٌو لِأَنَّك لم تُثْبِتْ لِلْأَوَّلِ شيئا فَتَنْفِيه بها عن الثَّانِي مع لِلْمُقَارَنَةِ وَالضَّمِّ فَلَوْ قال لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بها أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مع طَلْقَةٍ أو مَعَهَا طَلْقَةٌ تَقَعُ ثِنْتَانِ كما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَلَوْ قال له عَلَيَّ دِرْهَمٌ مع دِرْهَمٍ أو معه دِرْهَمٌ فَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ دِرْهَمٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مع دِرْهَمٍ لي أو معه دِرْهَمٌ لي وقال الدَّارَكِيُّ مع الْهَاءِ دِرْهَمَانِ وَمَعَ حَذْفِهَا دِرْهَمٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ هِيَ لِلْجَمْعِ بين شَيْئَيْنِ فَقَوْلُهُ رَأَيْت زَيْدًا مع عَمْرٍو اقْتَضَى ذلك اجْتِمَاعَهُمَا في رُؤْيَتِهِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ هِيَ لِلِاشْتِرَاكِ مع الِاقْتِرَانِ في الزَّمَانِ تَقُولُ جاء زَيْدٌ وَعَمْرٌو مَعًا أَيْ في زَمَانٍ وَاحِدٍ انْتَهَى وما ذَكَرَاهُ من دَلَالَتِهِمَا على الِاتِّحَادِ في الْوَقْتِ نَقَلُوهُ عن ثَعْلَبٍ أَيْضًا لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ على أنها لَا تَقْتَضِي الِاتِّحَادَ في الزَّمَانِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ فإنه قال إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ عن الْإِضَافَةِ نُوِّنَتْ وَتَسَاوَيَا جميعا في الْمَعْنَى وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ قِيلَ مَعْنَى مع الْمُصَاحَبَةُ بين أَمْرَيْنِ وَكُلُّ أَمْرَيْنِ لَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مُصَاحَبَةٌ وَاشْتِرَاكٌ إلَّا في حُكْمٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْوَاوُ التي بِمَعْنَى مع إلَّا بَعْدَ فِعْلٍ لَفْظًا أو تَقْدِيرًا لِتَصِحَّ الْمَعِيَّةُ وَكَمَالُ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ في الْأَمْرِ الذي بِهِ الِاشْتِرَاكُ في زَمَانِ ذلك الِاشْتِرَاكِ وَتُسْتَعْمَلُ أَيْضًا لِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الذي بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَالِاجْتِمَاعُ دُونَ زَمَانِ ذلك فَالْأَوَّلُ في أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَالْعِلَاجِ نحو دَخَلْت مع زَيْدٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَدَخَلَ معه السِّجْنَ فَتَيَانِ وَقَوْلُهُ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ وَالثَّانِي يَكْثُرُ في الْأَفْعَالِ الْمَعْنَوِيَّةِ نحو آمَنْت مع الْمُؤْمِنِينَ وَتُبْت مع التَّائِبِينَ وَفَهِمَتْ الْمَسْأَلَةَ مع من فَهِمَهَا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَارْكَعِي مع الرَّاكِعِينَ وَقِيلَ اُدْخُلَا النَّارَ مع الدَّاخِلِينَ إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ أَيْ بِالْعِنَايَةِ وَالْحِفْظِ يوم لَا يُخْزِي اللَّهُ النبي وَاَلَّذِينَ آمَنُوا معه يَعْنِي الَّذِينَ شَارَكُوهُ في الْإِيمَانِ وَاَلَّذِي وَقَعَ بِهِ الِاجْتِمَاعُ وَالِاشْتِرَاكُ في الْأَحْوَالِ وقد ذَكَرَ الِاحْتِمَالَاتِ في قَوْله تَعَالَى وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذي أُنْزِلَ معه فَقِيلَ إنَّهُ من بَابِ الْمَعِيَّةِ بل بَلْ حَرْفُ إضْرَابٍ عن الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتٌ لِلثَّانِي وَتُسْتَعْمَلُ بَعْدَ النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ وَيَأْتِي بَعْدَهَا الْمَنْفِيُّ كما يَأْتِي الْمُوجَبُ قالوا وَهِيَ أَعَمُّ في الِاسْتِدْرَاكِ بها من لَكِنْ تَقُولُ في الْمُوجَبِ قام زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وفي الْمَنْفِيِّ ما قام زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وقال تَعَالَى إنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ وَمِثَالُ الْمَنْفِيِّ بَعْدَهَا أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ قالوا بَلْ لم تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَقِيلَ هِيَ لِلْإِعْرَاضِ عَمَّا قَبْلَهَا أَيْ جَعْلُهُ في حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عنه فإذا انْضَمَّ إلَيْهَا لَا صَارَ نَصًّا في نَفْيِ الْأَوَّلِ نحو جاء زَيْدٌ لَا بَلْ عَمْرٌو ثُمَّ إنْ تَلَاهَا جُمْلَةٌ كانت بِمَعْنَى الْإِضْرَابِ إمَّا الْإِبْطَالِيُّ نَحْوُ قالوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ أَيْ بَلْ هُمْ وَإِمَّا الِانْتِقَالِيُّ أَيْ الِانْتِقَالُ بها من غَرَضٍ إلَى غَرَضٍ آخَرَ وَزَعَمَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ وابن مَالِكٍ أنها لَا تَقَعُ في التَّنْزِيلِ إلَّا على هذا الْوَجْهِ مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ من أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ فَاسْتَدْرَكَ بِبَيَانِ عُدْوَانِهِ وَخَرَجَ من قِصَّةٍ إلَى أُخْرَى وَهِيَ في ذلك كُلِّهِ حَرْفُ ابْتِدَاءٍ لَا عَاطِفَةٌ على الصَّحِيحِ وقال ابن الْخَشَّابِ إذَا قُلْت جاء زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لم يَجُزْ لَك أَنْ تُقَدِّرَ لَكِنْ حَرْفًا عَاطِفًا جُمْلَةً على جُمْلَةٍ وَإِنْ شِئْت اعْتَقَدْتهَا حَرْفَ ابْتِدَاءٍ يُسْتَأْنَفُ عِنْدَهَا الْكَلَامُ وَهَكَذَا إذَا جَاءَتْ في الْقُرْآنِ فَإِنْ اعْتَقَدْتهَا عَاطِفَةً فَلَا وَقْفَ على ما قَبْلَهَا دُونَهَا إذْ لَا تَقِفُ على الْمَعْطُوفِ عليه وَتَبْتَدِئُ بِالْمَعْطُوفِ وَإِنْ اعْتَقَدْتهَا حَرْفَ ابْتِدَاءٍ فَلَكَ الْخِيَارُ في الْوَقْفِ على ما قَبْلَهَا وَوَصْلِهِ انْتَهَى وَإِنْ تَلَاهَا مُفْرَدٌ فَهِيَ عَاطِفَةٌ ثُمَّ إنْ تَقَدَّمَهَا أَمْرٌ أو إيجَابٌ كَاضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عُمْرًا أو قام زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو فَهِيَ تَجْعَلُ ما قَبْلَهَا كَالْمَسْكُوتِ عنه وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِمَا بَعْدَهَا وَإِنْ تَقَدَّمَهَا نَفْيٌ أو نَهْيٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَهَا على حَالَتِهِ وَجَعْلِ ضِدِّهِ لِمَا بَعْدَهَا نحو ما قام زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَلَا يَقُومُ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ مَعْنَى النَّفْيِ وَالنَّهْيِ لَا بَعْدَهَا فإذا قُلْت ما رَأَيْت زَيْدًا بَلْ عَمْرًا بَلْ ما رَأَيْت عَمْرًا لِأَنَّك إذَا أَضْرَبْت عن مُوجَبٍ في رَأَيْت زَيْدًا بَلْ عَمْرًا أَضْرَبْت إلَى مُوجَبٍ فَكَذَلِكَ تُضْرِبُ عن مَنْفِيٍّ إلَى مَنْفِيٍّ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاسْتِعْمَالِ وهو مُقَدَّمٌ على الْقِيَاسِ وإذا تَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِضْرَابِ بِطَلَبِ شَبَهِهِ وَحَقِيقَتُهُ تَرْكُ الشَّيْءِ وَالْأَخْذُ في غَيْرِهِ وهو الثَّانِي من وما قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْعَرَبَ خَصَّتْ من بِأَهْلِ التَّمْيِيزِ أو من يَصِحُّ منه وما بِمَنْ سِوَاهُمْ قال وقد تَقُومُ إحْدَاهُمَا مَقَامَ الْأُخْرَى في مَعْنَاهَا وَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالسَّمَاءِ وما بَنَاهَا وقال النَّحْوِيُّونَ ما تَقَعُ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَعَلَى صِفَاتِ من يَعْقِلُ وقد تَقَعُ على مُبْهَمِ من يَعْقِلُ وَيَتَفَاوَتُ ذلك بِحَسَبِ ظُهُورِ الْإِبْهَامِ أو صِفَاتِهِ قال تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ وقال لَا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَتَصَوُّرُ الْإِبْهَامِ في الْآيَةِ الْأُولَى أَظْهَرُ وَإِنَّمَا التَّحْقِيقُ في هذا على الصِّفَةِ فَأَمَّا قَوْلُهُ وَالسَّمَاءِ وما بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وما طَحَاهَا فَهِيَ وَاقِعَةٌ على الصِّفَةِ فإن لِلَّهِ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ فإذا كَنَّيْت عن الِاسْمِ فَبِمَنْ وإذا كَنَّيْت عن الصِّفَةِ فَبِمَا فَكَأَنَّ الْأَصْلَ هُنَا وَالسَّمَاءِ وَخَالِقِهَا وَبَانِيهَا فَأُوقِعَتْ ما مَكَانَ الْخَالِقِ وَالْبَارِئِ من الصِّفَاتِ وَلَوْ قِيلَ السَّمَاءُ وَمَنْ بَنَاهَا لَقُلْنَا كان الْأَصْلُ وَالسَّمَاءُ وَاَلَّذِي بَنَاهَا فَأَوْقَعَ من في مَكَانِ اسْمِهِ تَعَالَى وَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ قال إنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ فَإِنَّهَا حَرْفٌ وَالْحَرْفُ لَا يَعُودُ عليه ضَمِيرٌ وقد عَادَ هُنَا الضَّمِيرُ على ما من قَوْلِهِ بَنَاهَا وَمِنْ الثُّلَاثِيِّ فَأَكْثَرَ بَلَى وَهِيَ جَوَابٌ لِلنَّفْيِ سَوَاءٌ كان النَّفْيُ عَارِيًّا من حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ نحو بَلَى لِمَنْ قال ما قام زَيْدٌ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً فَجَاءَ الرَّدُّ عليهم بِإِيجَابِ النَّارِ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا فقال بَلَى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الْآيَةَ أو مَقْرُونَةً بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلَى لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ رَبُّهُمْ فَرَدُّوا النَّفْيَ الذي بَعْدَ أَلْفِ الِاسْتِفْهَامِ وإذا رَدُّوا نَفْيَ الشَّيْءِ ثَبَتَ إيجَابُهُ وقال ابن عَطِيَّةَ حَقُّ بَلَى أَنْ تَجِيءَ بَعْدَ نَفْيِ غَلَبَةِ تَقْرِيرٍ وَهَذَا الْقَيْدُ الذي ذَكَرَهُ من كَوْنِ النَّفْيِ غَلَبَةَ تَقْرِيرٍ لم يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ بَلْ الْكُلُّ أَطْلَقُوا بِأَنَّهَا جَوَابُ النَّفْيِ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ إنَّهَا حَقُّهَا أَنْ تَدْخُلَ على النَّفْيِ ثُمَّ حُمِلَ التَّقْرِيرُ على النَّفْيِ وَلِذَلِكَ لم يَحْمِلْهُ عليه بَعْضُ الْعَرَبِ وَأَجَابَهُ بِ نعم وَوَقَعَ ذلك في كَلَامِ سِيبَوَيْهِ نَفْسِهِ أَجَابَ التَّقْرِيرَ بِ نعم اتِّبَاعًا لِبَعْضِ الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهُ عليه ابن الطَّرَاوَةِ وقال الْجَوْهَرِيُّ رُبَّمَا نَاقَضَتْهَا نعم وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أنها تُنَاقِضُهَا قَلِيلًا بَلْ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لها دَائِمًا لِأَنَّ نعم تَصْدِيقٌ لِمَا قَبْلَهَا وَبَلَى رَدٌّ له وَلِهَذَا قِيلَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّهُمْ لو قالوا نعم كَفَرُوا وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن سِيبَوَيْهِ فَأَنْكَرَهُ عليه ابن خَرُوفٍ وَإِنَّمَا قال دُخُولُ نعم هُنَا لَا وَجْهَ له وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْجَوْهَرِيُّ بِذَلِكَ أَنَّهُ قد يقول الْقَائِلُ في جَوَابِ من قال أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ لم يَقُمْ زَيْدٌ نعم وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قام زَيْدٌ وَيُرِيدُ أَنَّهُ في هذا الْوَجْهِ تَكُونُ نعم مُنَاقِضَةً لِ بَلَى وَكَلَامُ ابْنِ عَطِيَّةِ يَقْتَضِي جَوَازَ وُقُوعِ نعم في الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فإنه قال في سُورَةِ الْأَنْعَامِ وبلى هِيَ التي تَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِمَا اُسْتُفْهِمَ عنه مَنْفِيًّا وَلَا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وَجَحْدَهُ وَنَعَمْ تَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ بِهِ كما وَرَدَ ذلك في قَوْلِ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَيْثُ عَاتَبَهُمْ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَتَصْلُحُ أَيْضًا لِجَحْدِهِ فَلِذَلِكَ لَا تُسْتَعْمَلُ وَأَمَّا قَوْلُ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ إنَّهَا إنَّمَا تَقْتَضِي جَحْدَهُ وَأَنَّهُمْ لو قالوا بِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ لَكَفَرُوا فَقَوْلُهُ خَطَأٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ انْتَهَى وقال الشَّلَوْبِينُ لَا يَمْتَنِعُ في الْآيَةِ أَنْ يَقُولُونَ نعم لَا على جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَلَكِنْ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ في قَوْلِهِ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ تَقْرِيرٌ وَالتَّقْرِيرُ خَبَرٌ مُنَجَّزٌ فَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ نعم كما يَأْتِي بَعْدَ الْخَبَرِ الْمُوجَبِ وَتَكُونُ نعم لَيْسَتْ جَوَابًا على جَوَابِ التَّصْدِيقِ وَعَلَى هذا فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بين هذا وَبَيْنَ ما قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ لِأَنَّهُمَا لم يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فإن الذي مَنَعُوهُ إنَّمَا هو على أَنَّهُ جَوَابٌ وإذا كانت جَوَابًا فَإِنَّمَا يَكُونُ تَصْدِيقًا لِمَا بَعْدَ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ وَاَلَّذِي جَوَّزَهُ إنَّمَا هو على التَّصْدِيقِ لَا الْجَوَابِ كما في قَوْلِك نعم لِمَنْ قال قام زَيْدٌ قال بَعْضُهُمْ وَصَارَتْ الْأَجْوِبَةُ ثَلَاثَةً نعم تَصْدِيقٌ لِلْكَلِمِ السَّابِقِ من الْإِثْبَاتِ ولا لِرَدِّ الْإِثْبَاتِ وبلى لِرَدِّ النَّفْيِ وَلَا يُجَابُ بَعْدَ النَّفْيِ بِنَعَمْ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ على ضِدِّهِ فَإِنْ وَرَدَتْ بَعْدَ نَفْيٍ فَلَيْسَتْ جَوَابًا وَلَكِنَّهَا تَصْدِيقٌ لِلَفْظِهِ الذي جاء على النَّفْيِ لكن لَكِنْ مُخَفَّفَةُ النُّونِ حَرْفٌ عَاطِفٌ مَعْنَاهُ الِاسْتِدْرَاكُ أَيْ التَّدَرُّكُ وَفَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِرَفْعِ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ من الْكَلَامِ السَّابِقِ مِثْلُ ما جَاءَنِي زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو إذَا تَوَهَّمَ الْمُخَاطَبُ عَدَمَ مَجِيءِ عَمْرٍ أَيْضًا بِنَاءً على مُخَالَطَتِهِ وَمُلَابَسَتِهِ بَيْنَهُمَا وفي الْمِفْتَاحِ أَنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ زَيْدًا جَاءَك دُونَ عَمْرٍو وَبِالْجُمْلَةِ وَضَعَهَا لِلِاسْتِدْرَاكِ وَمُغَايَرَةِ ما بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا فإذا عُطِفَ بها مُفْرَدٌ وهو لَا يَحْتَمِلُ النَّفْيَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ما قَبْلَهَا مَنْفِيًّا لِتَحْصِيلِ الْمُغَايَرَةِ وإذا عُطِفَ بها جُمْلَةٌ فَهِيَ تَحْتَمِلُ الْإِثْبَاتَ فَيَكُونُ ما قَبْلَهَا مَنْفِيًّا وَتَحْتَمِلُ النَّفْيَ فَيَكُونُ ما قَبْلَهَا مُثْبَتًا فَحَصَلَ اخْتِلَافُ الْكَلَامَيْنِ سَوَاءٌ كان الْمَنْفِيُّ هو الْأَوَّلَ أَمْ الثَّانِيَ قال النَّحْوِيُّونَ وَهِيَ في عَطْفِ الْجُمَلِ نَظِيرُ بَلْ أَيْ في الْوُقُوعِ بَعْدَ النَّفْيِ وَالْإِيجَابِ كما أنها في عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ نَقِيضُ لَا حَيْثُ تَخْتَصُّ لَا بِمَا بَعْدَ الْإِيجَابِ و لكن بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ وَإِنَّمَا تَعْطِفُ بَعْدَ النَّفْيِ نحو ما جاء زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو فَإِنْ جَاءَتْ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ كانت عِنْدَهُمْ لِتَرْكِ قَضِيَّةٍ تَامَّةٍ إلَى قَضِيَّةٍ أُخْرَى تَامَّةٍ مُخَالِفَةٍ لِلْأُولَى كَقَوْلِك جاء زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو لم يَأْتِ وَهِيَ في النَّفْيِ بِمَنْزِلَةِ بَلْ لَكِنْ بَلْ أَعَمُّ منها في الِاسْتِدْرَاكِ وَمَوْضُوعُهَا مُخَالَفَةُ ما قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا من الْإِيجَابِ وَالنَّفْيِ لَكِنَّ وَأَمَّا مُشَدَّدَةُ النُّونِ النَّاصِبَةُ لِلِاسْمِ الرَّافِعَةُ لِلْخَبَرِ فَمَعْنَاهَا الِاسْتِدْرَاكُ أَيْضًا وَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ إنَّ لَكِنَّ لَا تَدَارُكَ فيها وَإِنَّمَا جِيءَ بها لِيَثْبُتَ ما بَعْدَ النَّفْيِ فَإِنَّمَا ذُكِرَ ذلك في أَثَرٍ ذَكَرَهُ بَلْ وَرَأَى أَنَّ بَلْ كَأَنَّهَا يُتَدَارَكُ بها نِسْيَانٌ أو غَلَطٌ فَفَرَّقَ بين لَكِنَّ وَبَيْنَ بَلْ بِنَفْيِ ما أَثْبَتَهُ دَلِيلٌ عنها لَا أَنَّ لَكِنَّ لَيْسَتْ لِلِاسْتِدْرَاكِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فإنه من دَقَائِقِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ على لِلِاسْتِعْلَاءِ حِسًّا نَحْوُ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أو مَعْنًى نَحْوُ وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ وَنَحْوُ لِزَيْدٍ عَلَيَّ كَذَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالدَّيْنَ يَعْلُوهُ وَيَرْكَبُ في الْمَعْنَى وَلِهَذَا قالوا إنَّهَا لَتُسْتَعْمَلُ لِلْإِيجَابِ قال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ نَحْوُ له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَإِنَّمَا قَبِلْنَا تَفْسِيرَهَا الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ عليه تَسْلِيمَهَا وَحِفْظَهَا وَتُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى يُبَايِعْنَك على أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شيئا قِيلَ وهو في الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ بِمَعْنَى الْبَاءِ إجْمَاعًا مَجَازٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وهو الشَّرْطُ لَا يُمْكِنُ في الْمُعَاوَضَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الشَّرْطَ فإذا قُلْت بِعْتُك هذا الْعَبْدَ على أَلْفٍ فَالْمَعْنَى بِأَلْفٍ وَكَذَا في الطَّلَاقِ وقال أبو حَنِيفَةَ على في الطَّلَاقِ لِلشَّرْطِ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَيُحْمَلُ على مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ فإذا قالت طَلِّقْنِي ثَلَاثًا على أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا لِلشَّرْطِ وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا تَنْقَسِمُ على أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ وَيَجِبُ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ عِنْدَهُمَا فَتَكُونُ الْأَلْفُ عِوَضًا لَا شَرْطًا عند عِنْدَ لِلْحَضْرَةِ وَلِلْإِقْرَارِ بِالْعَيْنِ فَلَهُ عِنْدِي أَلْفٌ إقْرَارٌ بِالْعَيْنِ وَلَيْسَ فيه إشْعَارٌ بِالضَّمَانِ بَلْ قال النَّوَوِيُّ هو مُشْعِرٌ بِالْأَمَانَةِ حتى لو ادَّعَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ أنها كانت وَدِيعَةً تَلِفَتْ أو رَدَدْتهَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ إذا إذَا ظَرْفٌ لِمَا يُسْتَقْبَلُ غَالِبًا نَحْوُ قُمْت إذَا قام زَيْدٌ قال ابن خَرُوفٍ وَزَعَمَ أبو الْمَعَالِي أنها تَكُونُ لِلْمَاضِي كَ إذْ وَخَالَفَ الْجَمَاعَةُ وَهَذَا منه عَجِيبٌ فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ من النَّحْوِيِّينَ إلَى ذلك وَجَعَلُوا منه قَوْله تَعَالَى وَلَا على الَّذِينَ إذَا ما أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عليه وإذا رَأَوْا تِجَارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَقَوْلُهُ وَنَدْمَانَ يَزِيدُ الْكَأْسَ طِيبًا سَقَيْت إذَا تَغَوَّرَتْ النُّجُومُ بَلْ صَارَ جَمَاعَةٌ إلَى مَجِيئِهَا لِلْحَالِ بَعْدَ الْقَسَمِ نحو وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى فإذا هُنَا مُجَرَّدَةٌ عن الشَّرْطِ لِأَنَّ الْجَوَابَ في الشَّرْطِ لَا بُدَّ من ذِكْرِهِ أو من شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ يَدُلُّ عليه فَلَوْ دَلَّ عليه الْمُتَقَدِّمُ لَصَارَ الْمَعْنَى إذَا يَغْشَى اللَّيْلُ اقْسِمْ وكان الْقَسَمُ مُعَلَّقًا على شَرْطٍ وهو ظَاهِرُ الْفَسَادِ لَكِنَّ الْأَقْوَى أنها بَدَلٌ من اللَّيْلِ أَيْ وَقْتَ غَشَيَانِهِ وما مَنَعُوا بِهِ تَعْلِيقَ الْقَسَمِ بِغَشَيَانِ اللَّيْلِ وَتَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ هو بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِهِ حَالًا من اللَّيْلِ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْقَسَمِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَلَى هذا بَنِي أَصْحَابُنَا ما لو قال إذَا لم أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَضَى زَمَنٌ فلم يُطَلِّقْ وَقَعَ وَبَنَوْهُ على أَنَّ إذَا لِلْوَقْتِ وَأَنَّهَا تَنْفَكُّ عن الشَّرْطِ وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ على أنها لِلْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قالوا وَلِهَذَا دَخَلَتْ على الِاسْمِ وَهَذَا ضَعِيفٌ بَلْ هِيَ في الْآيَةِ لِلشَّرْطِ وَلِهَذَا أتى فيها بِالْجَوَابِ وهو قَوْلُهُ عَلِمَتْ نَفْسٌ وَالشَّمْسُ مَرْفُوعَةٌ بِالْفَاعِلِيَّةِ وَرَافِعُهَا تَفْسِيرُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ كُوِّرَتْ لِأَنَّ إذَا تَطْلُبُ الْفِعْلَ لِمَا فيها من مَعْنَى الشَّرْطِ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ في أُصُولِهِ إذَا عِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ تَارَةً وَلِلشَّرْطِ أُخْرَى فَتُجَازِي إنْ أُرِيدَ بها الشَّرْطُ وَلَا يُجَازَى بها إنْ أُرِيدَ بها الْوَقْتُ وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ لِلْوَقْتِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ لِلشَّرْطِ لَا تَخْلُو عن الْوَقْتِ وقال الْبَزْدَوِيُّ عِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ تُسْتَعْمَلُ لِلْوَقْتِ وَالشَّرْطِ على السَّوَاءِ فَيُجَازَى بها على اعْتِبَارِ سُقُوطِ الْوَقْتِ عنها كَأَنَّهَا حَرْفُ شَرْطٍ وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ كما قال سِيبَوَيْهِ في إذْ ما يُجَازَى بها فَتَكُونُ حَرْفًا وقال السَّرَخْسِيُّ وَتَصِيرُ مِثْلَ إنْ وقال ابن عَمْرُونٍ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ إذَا دَخَلَتْهَا ما يُجَازَى بها في الْأَخْبَارِ بِدُونِ ما لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُزِيلُ إبْهَامَهَا فإذا كَفَّتْهَا ما عن الْإِضَافَةِ بَقِيَ إبْهَامُهَا فَجُوزِيَ بها وقال أبو الْبَقَاءِ في اللُّبَابِ إنَّمَا لم يُجَازَ بها في الْأَخْبَارِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا بُدَّ من وُقُوعِهِ مِثْلُ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ وإذا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَوَقْتُهُ مُتَعَيِّنٌ لِمَا يُضَافُ وَبَابُ الشَّرْطِ الْإِبْهَامُ وَالْفَرْقُ بين إذَا ومتى أَنَّ الْوَقْتَ في مَتَى لَازِمٌ لِلْمَجَازَاتِ دُونَ إذَا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ من الْبَصْرِيِّينَ وَالْخِلَافُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَلَوْ نَوَى بها آخِرَ عُمُرِهِ فإنه يَصْدُقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ قالوا وَلَوْ لم يَكُنْ حَقِيقَةً في الشَّرْطِ لَمَا صُدِّقَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ نَوَى بها مَجَازَ كَلَامِهِ وَفِيهِ تَخْفِيفٌ على نَفْسِهِ وفي مِثْلِهِ لَا يُصَدَّقُ وقال أَصْحَابُنَا في كِتَابِ الْخُلْعِ لو قال إذَا أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ اُشْتُرِطَ إعْطَاؤُهَا على الْفَوْرِ وَلَيْسَ ذلك من جِهَةِ الصِّيغَةِ وَلِهَذَا أَلْحَقُوا بها إنْ في ذلك قال الشَّيْخُ في الْمُهَذَّبِ كَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ وَعِنْدِي أَنَّ إذَا حُكْمُهَا حُكْمُ مَتَى وَأَيّ وَقْتٍ في اقْتِضَاءِ التَّرَاخِي وَلِهَذَا لو قال مَتَى الْقِتَالُ جَازَ أَنْ يَقُولَ إذَا شِئْت كما يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ مَتَى شِئْت بِخِلَافِ إنْ فإنه لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنْ شِئْت انْتَهَى وما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ من دَلَالَةِ إذَا على الزَّمَانِ صَحِيحٌ لَكِنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَتَى فَرْقٌ لِأَنَّ مَتَى عَامَّةً تَقْتَضِي الدَّلَالَةَ على كل زَمَانٍ بِخِلَافِ إذَا وَاخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في عُمُومِهَا قِيلَ إذَا قُلْت إذَا قام زَيْدٌ قام عَمْرٌو كانت بِمَنْزِلَةِ كُلَّمَا وَقِيلَ إنَّمَا يَلْزَمُ قِيَامَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا قال ابن عُصْفُورٍ وَالْأَصَحُّ هو الْأَوَّلُ كَسَائِرِ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَيَدُلُّ عليه قَوْلُ الشَّاعِرِ إذَا وَجَدْت أُوَارَ الْحُبِّ في كَبِدِي أَقْبَلْت نحو سِقَاءِ الْقَوْمِ أَنْبَرِدُ فإن الْمَعْنَى على الْعُمُومِ كَأَنَّهُ قال مَتَى وَجَدْت غير غَيْرُ اسْمٌ لَازِمٌ لِلْإِضَافَةِ في الْمَعْنَى وَيَجُوزُ قَطْعُهُ عنها إنْ فُهِمَ مَعْنَاهَا وَتَقَدَّمَتْ عليها كَلِمَةُ ليس قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ في الْمُغْنِي وَقَوْلُهُمْ لَا غير لَحْنٍ وَلَيْسَ كما قال فإنه مَسْمُوحٌ في قَوْلِ الشَّاعِرِ جَوَابًا بِهِ تَنْجُو اعْتَمِدْ فَوَرَبِّنَا لَعَنْ عَمَلٍ أَسْلَفْتَ لَا غير تُسْأَلُ وقد احْتَجَّ بِهِ ابن مَالِكٍ في بَابِ الْقَسَمِ من شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ تَابَعَ السِّيرَافِيَّ فإنه قال الْحَذْفُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ إذَا كانت إلَّا وغير بَعْدَ ليس وَلَوْ كان مَكَانَ ليس غَيْرُهَا من أَلْفَاظِ الْجَحْدِ لم يَجُزْ الْحَذْفُ وَلَا يَتَجَاوَزُ بِذَلِكَ مَوْرِدَ السَّمَاعِ انْتَهَى وقد سُمِعَ كما ذَكَرْنَا وَهِيَ عَكْسُ لَا فإن شَرْطَ غير أَنْ يَكُونَ ما قَبْلَهَا صَادِقًا على ما بَعْدَهَا تَقُولُ مَرَرْت بِرَجُلٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَلَا يَجُوزُ غَيْرِ امْرَأَةٍ بِخِلَافِ لَا النَّافِيَةِ فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ وَالْأَصْلُ في غير أَنْ تَكُونَ صِفَةً وقد يُسْتَثْنَى بها قال الرُّمَّانِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا في الْحَالَتَيْنِ أنها إذَا كانت صِفَةً لم تُوجِبْ شيئا لِلِاسْمِ الذي بَعْدَهَا ولم تَنْفِ عنه نحو جَاءَنِي رَجُلٌ رَشِيدٌ غَيْرُ زَيْدٍ فَوَصَفْتَ بها ولم تَنْفِ عن زَيْدٍ الْمَجِيءَ وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مَجِيئُهُ وَأَنْ لَا يَقَعَ وإذا كانت اسْتِثْنَاءً فإذا كان ما قَبْلَهَا إيجَابًا كان ما بَعْدَهَا نَفْيًا أو نَفْيًا فَإِيجَابًا وإذا كانت صِفَةً وُصِفَ بها الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وإذا كانت اسْتِثْنَاءً فَلَا تَأْتِي إلَّا بَعْدَ جَمْعٍ أو مَعْنَاهُ وَكَذَا قال الشَّلَوْبِينُ إنَّهَا إذَا كانت صِفَةً لم تُوجِبْ شيئا لِلِاسْمِ الذي بَعْدَهَا ولم تَنْفِ عنه وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ وفي كَلَامِ سِيبَوَيْهِ خِلَافُهُ وقد أَجَازَ في قَوْلِك مَرَرْت بِرَجُلٍ غَيْرِك ثَلَاثَةَ مَعَانٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَاحِدًا خِلَافَك الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ صِفَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِصِفَتِك فَالْإِبْهَامُ فيه أَقَلُّ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أنت مع غَيْرِك وَهَذَا الثَّالِثُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْرِيرٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لو قال لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرُ طَلْقَةٍ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا كُلُّ امْرَأَةٍ غَيْرِك طَالِقٌ يَقَعُ على الْمُخَاطَبَةِ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهَا بِالنِّيَّةِ وقال صَاحِبُ الْبُرْهَانِ إذَا قُلْت ما جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ احْتَمَلَ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ قد جاء معه إنْسَانٌ آخَرُ وَأَنْ تُرِيدَ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ قد جاء غَيْرُهُ لَا هو وَلَا يَصِحُّ ما جَاءَنِي غَيْرُ زَيْدٍ لَا عَمْرٍو كما لم يَجُزْ ما جَاءَنِي إلَّا زَيْدٌ لَا عَمْرٌو لِأَنَّ غير فيها مَعْنَى النَّفْيِ وَمِنْ ثَمَّ جاء حَرْفُ النَّفْيِ مع الْمَعْطُوفِ عليها في قَوْله تَعَالَى غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم وَلَا الضَّالِّينَ كيف كَيْفَ إنْ وَقَعَ بَعْدَهَا مُفْرَدٌ كانت في مَوْضِعِ الْخَبَرِ نَحْوُ كَيْفَ زَيْدٌ فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ اُخْتُلِفَ في إعْرَابِهَا فَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلَى أنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ على الظَّرْفِ لِأَنَّهَا في تَقْدِيرِ الظَّرْفِ وَلِذَلِكَ يُقَدَّرُ بِ على أَيِّ حَالٍ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ زَيْدٌ قَائِمٌ فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ على أَيِّ حَالٍ زَيْدٌ قَائِمٌ وَمَذْهَبُ الْأَخْفَشِ وَالسِّيرَافِيِّ وَابْنِ جِنِّي أنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ على الْحَالِ وَضَعَّفَهُ ابن عُصْفُورٍ بِأَنَّ الْحَالَ خَبَرٌ وكيف اسْتِفْهَامٌ فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهَا خَبَرًا قال ابن الصَّائِغِ وهو غَلَطٌ فَاحِشٌ فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ في الْحَالِ أنها خَبَرٌ قَسِيمُ الْإِنْشَاءِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وقال ابن مَالِكٍ لم يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ كَيْفَ ظَرْفٌ إذْ لَيْسَتْ زَمَانًا وَلَا مَكَانًا وَلَكِنَّهَا لَمَّا كانت تُفَسَّرُ بِقَوْلِك على أَيِّ حَالٍ لِكَوْنِهَا سُؤَالًا عن الْأَحْوَالِ سُمِّيَتْ ظَرْفًا وَلِأَنَّهَا في تَأْوِيلِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَاسْمُ الظَّرْفِ يُطْلَقُ عليها مَجَازًا ثُمَّ هِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ أَيْ لِلسُّؤَالِ عن الْحَالِ خَاصَّةً وَهَلْ يُلْحَظُ فيها مَعْنَى الْأَصْلِ لِأَنَّ الْحَالَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ ذلك وَلِهَذَا قِيلَ يَقُول خَلِيلِي كَيْفَ صَبْرُك بَعْدَنَا فَقُلْت وَهَلْ صَبْرٌ فَيُسْأَلُ عن كَيْفَ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت أنها تَطْلُقُ إنْ شَاءَتْ أَمْ لَا تَطْلُقُ حتى تَشَاءَ على وَجْهَيْنِ قال الْبَغَوِيّ وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ على أَيِّ وَجْهٍ شِئْت قُلْت وَهَذَا منه تَفْرِيعٌ على أنها في مَوْضِعِ النَّصْبِ على الظَّرْفِ لِأَنَّهُ سَوَّى بين هذا وَبَيْنَ كَيْفَ قِيلَ إنَّهَا في الْأَصْلِ بِمَنْزِلَةِ أَيِّ الِاسْتِفْهَامِيَّة وَلِهَذَا يُفَسِّرُونَ كَيْفَ شِئْت بِأَيِّ حَالَةٍ شِئْت فَاسْتُعِيرَتْ لِأَيِّ الْمَوْصُولَةِ بِجَامِعِ الْإِبْهَامِ على مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ بِأَيِّ كَيْفِيَّةٍ شِئْتهَا من الْكَيْفِيَّاتِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ سَلَبَ عنها مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَاسْتُعْمِلَتْ اسْمًا لِلْحَالِ كما حَكَى قُطْرُبٌ اُنْظُرْ إلَى كَيْفَ تَصْنَعُ أَيْ إلَى حَالِ صُنْعِهِ وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَكُونُ كَيْفَ مَنْصُوبَةً بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَذَكَرَ كَثِيرٌ من النَّحْوِيِّينَ أنها تَأْتِي شَرْطًا بِنَاءً على أنها لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ وَمُرَادُهُمْ الشَّرْطُ في الْمَعْنَى لَا الْعَمَلِ وهو الْجَزْمُ فإنه إنَّمَا يُجْزَمُ بها إلَّا إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهَا ما نحو كَيْفَ تَصْنَعْ أَصْنَعْ كل كُلٌّ تُلَازِمُ الْإِضَافَةَ مَعْنًى وَلَا يَلْزَمُ إضَافَتُهَا لَفْظًا إذَا وَقَعَ تَوْكِيدًا وَنَعْتًا وَإِضَافَتُهَا مَنْوِيَّةٌ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا عنها وإذا كان الْمُضَافُ إلَيْهِ الْمَحْذُوفُ مَعْرِفَةً بَقِيَ كُلٌّ على تَعْرِيفِهِ فَلَا تُبَاشِرُهُ اللَّامُ وَنَصْبُهُ على الْحَالِ في قِرَاءَةِ إنَّا كُلًّا فيها شَاذٌّ وَإِنْ أُضِيفَ إلَى نَكِرَةٍ رُوعِيَ في عَوْدِ الضَّمِيرِ وَغَيْرِهِ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَإِنْ أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ جَازَ مُرَاعَاةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَمُرَاعَاةُ لَفْظِ كُلٍّ كلما أَمَّا كُلَّمَا فَهِيَ مُضَافَةٌ إلَى ما وَهِيَ مَصْدَرِيَّةٌ لَكِنَّهَا نَائِبَةٌ بِصِلَتِهَا عن ظَرْفِ زَمَانٍ كما يَنُوبُ عن الْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ وَالْمَعْنَى كُلُّ وَقْتٍ وَلِذَا تُسَمَّى ما هذه الْمَصْدَرِيَّةَ الظَّرْفِيَّةَ أَيْ النَّائِبَةَ عن الظَّرْفِ لَا أنها ظَرْفٌ في نَفْسِهَا فَكُلٌّ من كُلَّمَا مَنْصُوبٌ على الظَّرْفِيَّةِ لِإِضَافَتِهِ إلَى شَيْءٍ هو قَائِمٌ مَقَامَ الظَّرْفِ ثُمَّ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ أَنَّ كُلَّمَا لِلتَّكْرَارِ قال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ وَإِنَّمَا ذلك من عُمُومِ ما لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ يُرَادُ بها الْعُمُومُ فإذا قُلْت أَصْحَبُك ما ذَرَّ لِلَّهِ شَارِقٌ فَإِنَّمَا تُرِيدُ الْعُمُومَ فَكُلٌّ أَكَّدَتْ الْعُمُومَ الذي أَفَادَتْهُ ما الظَّرْفِيَّةُ لَا أَنَّ لَفْظَ كُلَّمَا وُضِعَ لِلتَّكْرَارِ كما يَدُلُّ عليه كَلَامُهُمْ وَإِنَّمَا جَاءَتْ كُلٌّ تَوْكِيدًا لِلْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ من ما الظَّرْفِيَّةِ فإذا قُلْت كُلَّمَا جِئْتنِي أَكْرَمَتْك فَالْمَعْنَى أُكْرِمُك في كل فَرْدٍ فَرْدٍ من جِيئَاتِك إلَيَّ انْتَهَى وَقَوْلُهُ إنَّ التَّكْرَارَ من عُمُومِ ما مَمْنُوعٌ فإن ما الْمَصْدَرِيَّةَ لَا عُمُومَ لها وَلَا يَلْزَمُ من نِيَابَتِهَا عن الْعُمُومِ دَلَالَتُهَا على الْعُمُومِ وَإِنْ اُسْتُفِيدَ عُمُومٌ في مِثْلِ هذا الْكَلَامِ من ما إنَّمَا هو من التَّرْكِيبِ بِجُمْلَتِهِ بعد بَعْدُ تَقَعُ لِلتَّرْتِيبِ وَتَحْتَمِلُ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ قَالَهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ إلى إلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَلَا يَأْتِي فيها خِلَافُ من في الزَّمَانِ وَعِبَارَةُ الرَّاغِبِ حَرْفٌ يُحَدُّ بِهِ النِّهَايَةُ من الْجَوَانِبِ السِّتَّةِ وَهَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا أَمْ لَا أَمْ يُفَرَّقُ بين أَنْ يَكُونَ من جِنْسٍ لِلْغَايَةِ فَيَدْخُلُ وَإِلَّا فَلَا خِلَافٌ وَنُسِبَ الثَّالِثُ إلَى سِيبَوَيْهِ كما قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ قُلْت وَرَأَيْته مَجْزُومًا بِهِ لِابْنِ سُرَيْجٍ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْوَدَائِعِ بِمَنْصُوصِ الشَّرَائِعِ في بَابِ الْوُضُوءِ قال وَمَنْ أَوْجَبَ إدْخَالَ الْمِرْفَقَيْنِ في الْغُسْلِ لِأَنَّهُ من جِنْسِهِ لِأَنَّ الْيَدَ من أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ وَقِيلَ يَدْخُلُ أَوَّلُ جُزْءٍ من الْمُنْتَهَى إلَيْهِ كما يَدْخُلُ آخِرُ جُزْءٍ من الْمُبْتَدَأِ منه حَكَاهُ النِّيلِيُّ وقال ابن الْحَاجِبِ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ جَاءَتْ وما بَعْدَهَا دَاخِلٌ وَجَاءَتْ وما بَعْدَهَا خَارِجٌ فَمِنْهُمْ من حَكَمَ بِالِاشْتِرَاكِ وَمِنْهُمْ من حَكَمَ بِظُهُورِ الدُّخُولِ وَمِنْهُمْ من حَكَمَ بِظُهُورِ انْتِفَاءِ الدُّخُولِ وَعَلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ انْتَهَى وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عن سِيبَوَيْهِ التَّفْصِيلَ بين أَنْ تَقْتَرِنَ بِمَنْ فَتَقْتَضِيَ التَّحْدِيدَ وَلَا يَدْخُلُ الْحَدُّ في الْمَحْدُودِ نَحْوُ بِعْتُك من هذه الشَّجَرَةِ إلَى تِلْكَ فَلَا يَدْخُلَانِ في الْبَيْعِ وَإِنْ لم تَقْتَرِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ تَحْدِيدًا وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مع كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ وَأَنْكَرَ ابن خَرُوفٍ هذا على إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقال لم يذكر سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ من هذا وَلَا حَرْفًا وَلَا هو مَذْهَبُهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ في بَابِ عِدَّةِ الْكَلِمِ وَأَمَّا إلَى فَمُنْتَهَى الِابْتِدَاءِ تَقُولُ من مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا وَكَذَلِكَ حتى وقد بَيَّنَ ذلك في بَابِهَا بِمَعْنَى حتى وَلَهَا في الْفِعْلِ حَالٌ ليس لِ إلَى تَقُولُ لِلرَّجُلِ إنَّمَا أنا إلَيْك أَيْ إنَّمَا أنت مَطْلُوبِي وَغَايَتِي وَلَا تَكُونُ حتى هُنَا فَهَذَا أَمْرُ إلَى وَأَصْلُهَا وَإِنْ اتَّسَعَتْ وَهِيَ أَعَمُّ في الْكَلَامِ من حتى تَقُولَ قُمْت إلَيْهِ بِجَعْلِهِ مُنْتَهَاك من مَكَانِك وَلَا تَقُولُ حَتَّاهُ انْتَهَى وَلَيْسَ فيه إلَّا أنها لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ وَإِنْ اتَّسَعَ فيها وقال الزَّمَخْشَرِيُّ الْغَايَةُ لَا تُدْخِلُ شيئا وَلَا تُخْرِجُهُ بَلْ إنْ كان صَدْرُ الْكَلَامِ مُتَنَاوَلًا قبل دُخُولِ حَرْفِ الْغَايَةِ يَكُونُ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وما ذَكَرُوهُ من دُخُولِهِ في الْمَحْدُودِ ليس مَأْخُوذًا من مَعْنَى إلَى وَإِنَّمَا فَائِدَةُ إلَى التَّنْبِيهُ عن أنها ما اُبْتُدِئَ بِهِ فَبِمِنْ وَأَمَّا دُخُولُ ما يَنْتَهِي إلَيْهِ فيه وَعَدَمُهُ فَبِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وقال بَعْضُ النُّحَاةِ لَا تُفِيدُ إلَّا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ من غَيْرِ دَلَالَةٍ على الدُّخُولِ أو عَدَمِهِ بَلْ هو رَاجِعٌ إلَى الدَّلِيلِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ إلَى لِلنِّهَايَةِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ على أَوَّلِ الْحَدِّ وَأَنْ يَتَوَغَّلَ في الْمَكَانِ لَكِنْ تَمْتَنِعُ الْمُجَاوَزَةُ لِأَنَّ النِّهَايَةَ غَايَةٌ وما كان بَعْدَهُ شَيْءٌ لم يُسَمَّ غَايَةً قُلْت وَهَذَا هو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ حَيْثُ قال وَدَلَّتْ السُّنَّةُ على أَنَّ الْكَعْبَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ مِمَّا يُغْسَلُ لِأَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا حَدَّيْنِ لِلْغَسْلِ وَأَنْ يَكُونَا دَاخِلَيْنِ في الْغَسْلِ فلما قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ دَلَّ ع لى أَنَّهُ غَسْلٌ انْتَهَى وَتَجِيءُ بِمَعْنَى مع في قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَالْمُحَقِّقُونَ أنها على بَابِهَا وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عليه الْكَلَامُ وَالتَّقْدِيرُ في قَوْله تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ أَيْ لَا تُضِيفُوهَا إلَى أَمْوَالِكُمْ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَمَنْ أَوْجَبَ غَسْلَهَا قال بِمَعْنَى مع وَعَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ هِيَ على بَابِهَا وَلَا تُفِيدُ انْتِهَاءَ الْغَسْلِ إلَى الْمَرَافِقِ قال الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّ لَفْظَ الْيَدِ اسْمٌ لِهَذِهِ الْجَارِحَةِ من رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَالْمَرَافِقُ دَاخِلَةٌ في حَقِيقَةِ الْيَدِ وإذا جَاءَتْ إلَى التَّحْدِيدِ بِبَعْضِ الشَّيْءِ دخل الْمَحْدُودُ إلَيْهِ في الْحَدِّ كَقَوْلِك بِعْتُك من هذا الْحَائِطِ إلَى هذه الشَّجَرَةِ فإن الشَّجَرَةَ تَدْخُلُ فَعَلَى هذا لَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهَا بِمَعْنَى مع وَقِيلَ دَخَلَتْ الْمَرَافِقُ في الْغَسْلِ لِأَنَّ الْمَرَافِقَ مُنْتَهَى الذِّرَاعِ فَلَزِمَ من وُجُوبِ غَسْلِ الذِّرَاعِ وُجُوبُ غَسْلِ الْمَرَافِقِ وَقِيلَ إنَّهَا غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ وَذَكَرُوا لِهَذَا الْكَلَامِ تَفْسِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إذَا كان مُتَنَاوِلًا لِلْغَايَةِ كَالْيَدِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ إلَى الْإِبْطِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْغَايَةِ لِإِسْقَاطِ ما وَرَاءَهَا لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا لِأَنَّ الِامْتِدَادَ حَاصِلٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ إلَى الْمَرَافِقِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ اغْسِلُوا وَغَايَةُ لَكِنْ لِأَجْلِ إسْقَاطِ ما وَرَاءَ الْمِرْفَقِ عن حُكْمِ الْغَسْلِ الثَّانِي أَنَّهُ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُسْقِطِينَ إلَى الْمَرَافِقِ فَتَخْرُجُ عن الْإِسْقَاطِ فَتَبْقَى دَاخِلَةً تَحْتَ الْغَسْلِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِظُهُورِ أَنَّ الْجَارَ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ وَأَثَارَ بَعْضُهُمْ هُنَا بَحْثًا وهو أَنَّهُ إذَا قَرَنَ بِالْكَلَامِ غَايَةً أو اسْتِثْنَاءً أو شَرْطًا لَا يُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ لم يَخْرُجْ بِالْقَيْدِ عن الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مع الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَالْفِعْلُ مع الْغَايَةِ كَلَامٌ وَاحِدٌ لِلْإِيجَابِ إلَيْهَا لَا لِلْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِالنَّصِّ وَالنَّصُّ مع الْغَايَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ مَجِيئُهَا بِمَعْنَى مع لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا قال بِعْتُك بِشَرْطِ الْخِيَارِ إلَى اللَّيْلِ إنَّ اللَّيْلَ لَا يَدْخُلُ في زَمَنِ الْخِيَارِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ قال الشَّيْخُ في الْمُهَذَّبِ وَتَرِدُ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ نَحْو فُلَانٌ خَارِجٌ إلَى شَهْرٍ أَيْ أَنَّ ابْتِدَاءَ خُرُوجِهِ إلَى شَهْرٍ وَفُرِّعَ عليه أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ فَلَا تَطْلُقُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عن الْمُتَوَلِّي حتى حتى لِلْغَايَةِ كَ إلَى وَهِيَ عَاطِفَةٌ وَجَارَةٌ وَفِيهَا مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنْ ما بَعْدَهَا غَيْرُ دَاخِلٍ في حُكْمِ ما قَبْلَهَا في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَعُزِيَ لِأَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ منهم ابن جِنِّي قال أبو جَعْفَرِ بن النَّحَّاسِ في كِتَابِ الْكَافِي اعْلَمْ أَنَّ حتى فيها مَعْنَى الْغَايَةِ وَإِنْ عَطَفْت بها وَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ من شَيْءٍ انْتَهَى يُرِيدُ أَنَّ الْعَاطِفَةَ لَا تَخْرُجُ عن مَعْنَى الْغَايَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَهَذَا الْحُكْمُ تَقْتَضِيهِ حتى من جِهَةِ كَوْنِهَا لِلْغَايَةِ لَا من جِهَةِ كَوْنِهَا لِلْعَطْفِ فإن الْأَصْلَ في الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ وَالثَّانِي أَنَّهُ دَاخِلٌ سَوَاءٌ الْجَارَّةُ وَالْعَاطِفَةُ وَبِهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ في الْمُقْتَصَدِ وَغَيْرِهِ وَسَنَذْكُرُ عِبَارَتَهُ وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْمُفَصَّلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَقْتَضِيَ الشَّيْءُ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ شيئا فَشَيْئًا حتى يَأْتِيَ الْفِعْلُ على ذلك الشَّيْءِ كُلِّهِ فَلَوْ انْقَطَعَ الْأَكْلُ عِنْدَ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ فِعْلُ الْآكِلِ آتِيًا على السَّمَكَةِ كُلِّهَا وَلِهَذَا امْتَنَعَ أَكَلْت السَّمَكَةَ حتى نِصْفِهَا وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْقَائِلِينَ بهذا ما إذَا دَلَّتْ قَرِينَةٌ على خُرُوجِهِ كَصُمْتُ الْأَيَّامَ حتى يوم الْفِطْرِ بِنَصَبِ الْيَوْمِ وَجَرِّهِ وَالثَّالِثُ إنْ كان ما بَعْدَهَا بَعْضًا لِمَا قَبْلَهَا دخل نحو سَبَقَنِي الناس حتى الْعَبِيدِ وَإِلَّا فَلَا نَحْوُ قَرَأَتْ الْقُرْآنَ حتى الصَّبَاحِ وهو قَوْلُ الْمُبَرِّدِ في الْمُقْتَضَبِ وَالْفَرَّاءِ في الْمَعَانِي وَابْنِ الْوَرَّاقِ في الْفُصُولِ وقال بَعْضُهُمْ الْجَارَّةُ يَأْتِي فيها الْخِلَافُ الذي في إلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وإذا لم يَكُنْ مَعَهَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي دُخُولَ ما بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا أو عَدَمَ دُخُولِهِ حُمِلَتْ على الدُّخُولِ بِخِلَافِ إلَى فَإِنَّهَا تُحْمَلُ على عَدَمِ الدُّخُولِ حَمْلًا على الْغَالِبِ في الْبَابَيْنِ وَأَمَّا إذَا كانت عَاطِفَةً فما بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا قَطْعًا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِمَّا قَبْلَهَا جِيءَ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ أو لِتَحْقِيرِهِ وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ دُخُولِ ما بَعْدَ حتى وهو مَحْمُولٌ على الْعَاطِفَةِ كما قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ في أُصُولِهِ لَا الْخَافِضَةِ فإن الْخِلَافَ فيها مَشْهُورٌ وقال الْكِسَائِيُّ حتى مع الْجُثَثِ بِمَعْنَى مع وَمَعَ الْمَصَادِرِ وَظُرُوفِ الزَّمَانِ بِمَعْنَى إلَى تَقُولُ انْتَظَرْتُك حتى اللَّيْلِ وَحَتَّى قُدُومِ عَمْرٍو بِمَعْنَى إلَى فِيهِمَا وَنَحْوُ بِعْتُك الدَّارَ حتى بَابِهَا أَيْ مع وَكَلَّمْت الْقَوْمَ حتى زَيْدٍ أَيْ مع مَسْأَلَةٌ حتى الْعَاطِفَةُ هل تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ اُخْتُلِفَ في الْعَاطِفَةِ هل تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فَأَثْبَتَهُ ابن الْحَاجِبِ وابن مُعْطٍ حَيْثُ قَالَا إنَّهَا كَالْفَاءِ بَلْ هذه الْعِبَارَةُ تُوهِمُ أنها لِلتَّعْقِيبِ وهو بَعِيدٌ وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أنها بِمَعْنَى الْفَاءِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بين التَّعْقِيبِ وَالْغَايَةِ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ هِيَ مِثْلُ ثُمَّ في التَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ مَعْطُوفِهَا جُزْءًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَيَصِحُّ جَعْلُهُ غَايَةً له فَعُلِمَ مِنْهُمَا مُخَالَفَتُهُ لِلْأَوَّلِ فِيمَا أَوْجَبَ الْمُهْلَةَ من ضَعْفٍ أو قُوَّةٍ كَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ حتى الْمُشَاةُ وقال الْجُمْهُورُ إنَّهَا كَالْوَاوِ وقال ابن مَالِكٍ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ هِيَ في عَدَمِ التَّرْتِيبِ كَالْوَاوِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أنها تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ حَفِظْت حتى سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَإِنْ كانت الْبَقَرَةُ أَوَّلَ مَحْفُوظِك أو مُتَوَسِّطَهُ وفي الحديث كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ حتى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ وَلَا فَرْقَ في تَعَلُّقِ الْقَضَاءِ بِالْمَقْضِيَّاتِ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ في كَوْنِهَا أَيْ وُجُودِهَا وقال ابن مَالِكٍ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ هِيَ في عَدَمِ التَّرْتِيبِ كَالْوَاوِ وقال ابن أَيَازٍ التَّرْتِيبُ الذي تَقْتَضِيهِ حتى ليس على تَرْتِيبِ الْفَاءِ وَثُمَّ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يُرَتِّبَانِ أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ على الْآخَرِ في الْوُجُودِ وَهِيَ تُرَتِّبُ تَرْتِيبَ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ما بَعْدَهَا من جِنْسِ ما قَبْلَهَا وَلَا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بِذَكَرِ الْكُلِّ قبل الْجُزْءِ قال الْجُرْجَانِيُّ الذي أَوْجَبَ ذلك أنها لِلْغَايَةِ وَالدَّلَالَةِ على أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّيْءِ وَطَرَفُ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ من غَيْرِهِ وَلِهَذَا كان فيه مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّحْقِيرِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْءَ إذْ أَخَذْته من أَعْلَاهُ فَأَدْنَاهُ غَايَتُهُ وهو الْمُحَقَّرُ وَإِنْ أَخَذْته من أَدْنَاهُ فَأَعْلَاهُ غَايَتُهُ وهو الْمُعَظَّمُ وَلِهَذَا أَيْضًا لم يَكُنْ ما بَعْدَ حتى وَإِنْ كان من جِنْسِ ما قَبْلَهَا إلَّا بَعْضًا وَجُزْءًا منه تَقُولُ جاء الْقَوْمُ حتى زَيْدٌ وَلَا تَقُولُ حِمَارٌ وَكَذَلِكَ لَا تَقُولُ جاء زَيْدٌ حتى الْقَوْمُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ بِضْعًا لِشَيْءٍ وَجُزْءًا منه وَلَا جاء زَيْدٌ حتى عَمْرٌو كَذَلِكَ أَيْضًا وَلِلْمُسَاوَاةِ وَكُلُّ هذا لَا يَمْتَنِعُ في الْوَاوِ وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ حتى لِلْغَايَةِ إمَّا في نَقْصٍ أو زِيَادَةٍ نَحْوُ عَلَيْك الناس حتى النِّسَاءُ وَاخْتُطِفَتْ الْأَشْيَاءُ حتى مَثَاقِيلُ الدُّرِّ ثُمَّ قالوا إنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَلْ تَكُونُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ وَالْجَمْعُ بين الْكَلَامَيْنِ مُشْكِلٌ فَإِنْ قُلْت الْغَايَةُ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْوَاقِعُ ليس هو هذا بَلْ من الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ هو الْأَوَّلَ وما بَعْدَهُ أو الْأَخِيرُ وَمَعَ هذا الِاحْتِمَالِ لَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ قُلْت لو لم تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ لم يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْقُوَّةِ أو الضَّعْفِ فَائِدَةٌ وَلَوْ لم تَقْتَضِ التَّأْخِيرَ عَقْلًا وَعَادَةً لم يَحْسُنْ ذلك فَإِنْ قُلْت فَائِدَتُهُ إفَادَةُ الْعُمُومِ قُلْت الْعُمُومُ مَأْخُوذٌ من الْمَفْهُومِ وَفِيهِ نَظَرٌ التَّنْبِيهُ الثَّانِي حتى الدَّاخِلَةُ على الْأَفْعَالِ قد تَكُونُ لِلْغَايَةِ وَلِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُجَازَاةِ وَلِلْعَطْفِ الْمَحْضِ أَيْ التَّشْرِيكِ من غَيْرِ اعْتِبَارِ غَايَتِهِ وَسَبَبِيَّتِهِ فَالْأَوَّلُ هو الْأَصْلُ فَيُحْمَلُ عليه ما أَمْكَنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فإن الْقَتْلَ يَصْلُحُ لِلِامْتِدَادِ وَقَبُولُ الْجِزْيَةِ يَصْلُحُ مُنْتَهًى له وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى تَسْتَأْنِسُوا أَيْ تَسْتَأْذِنُوا فإن الْمَنْعَ من دُخُولِ بَيْتِ الْغَيْرِ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ وَالِاسْتِئْذَانُ يَصْلُحُ مُنْتَهًى له وَجَعَلَ حتى هذه دَاخِلَةً على الْفِعْلِ نَظَرًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ فَهِيَ في الْحَقِيقَةِ إنَّمَا دَخَلَتْ على الِاسْمِ هذا إذَا احْتَمَلَ صَدْرُ الْكَلَامِ الِامْتِدَادَ وَالْآخَرُ الِانْتِهَاءَ إلَيْهِ فَإِنْ لم يَحْتَمِلْ ذلك فَإِنْ صَلَحَ الصَّدْرُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلثَّانِي كانت بِمَعْنَى كَيْ فَتُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ وَالْمُجَازَاةَ نَحْوُ أَسْلَمْت حتى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ لم يَصْلُحْ لِذَلِكَ فَهِيَ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ من غَيْرِ دَلَالَةٍ على غَايَةٍ أو مُجَازَاةٍ إذن إذَنْ لِلْجَوَابِ وَالْجَزَاءِ تَقُولُ لِمَنْ قال أنا أَزُورُك إذَنْ أُكْرِمَك وَتَأْتِي صِلَةً إذَا كانت مُتَوَسِّطَةً قال الْبَاجِيُّ وَلِهَذَا قال أَصْحَابُنَا في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنِّي إذَنْ صَائِمٌ خَبَرٌ عن صِيَامٍ مُتَقَدِّمٍ لَا عن صِيَامٍ ابْتَدَأَهُ لِوَقْتِهِ وَحَاوَلُوا بهذا الرَّدَّ على من حَاوَلَ إنْشَاءَ الصَّوْمِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَدَافَعُوا بهذا التَّأْوِيلِ عن الِاسْتِدْلَالِ بهذا اللَّفْظِ وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ ثُمَّ قال وَلَا أَرَى لِمَا قَالُوهُ وَجْهًا أَمَّا كَوْنُهَا هَاهُنَا مُلْغَاةً فَصَحِيحٌ لِأَنَّهَا حَالَتْ بين حَرْفِ أَنْ وَاسْمِهَا وَبَيْنَ الْخَبَرِ وهو صَائِمٌ وَلَكِنْ ليس في ذلك ما يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بهذا الْقَوْلِ أَنَّهُ عَقَدَ الصَّوْمَ الْآنَ أو سَبَقَ بَلْ قَوْلُهُ صَائِمٌ اسْمُ فَاعِلٍ يَحْتَمِلُ الْحَالَ متى مَتَى شَرْطٌ يُجْزَمُ بِهِ الْمُضَارِعُ مِثْلُ مَتَى تَخْرُجْ أَخْرُجْ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ لَا تَتَجَرَّدُ عنها بِخِلَافِ إذَا في قَوْلِهِ وإذا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا إذَا مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ بِوَاسِطَةِ وُقُوعِهِ في بَيْتٍ شَاذٍّ جَازِمًا لِلْمُضَارِعِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا على خَطَرِ الْوُجُودِ ولم يَجْعَلُوا مَتَى مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ مع دَوَامِ ذلك فيه وَحَقُّهُ في اللُّغَةِ التَّكْرَارُ وَاصْطَلَحَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ على أنها لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ كَقَوْلِك إذَا فَعَلَتْ قَالَهُ في الْقَوَاطِعِ قال وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إذَا قال لِامْرَأَتِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ على مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَا إذَا فَعَلَتْ بِخِلَافِ كُلَّمَا فَإِنَّهَا لِلتَّكْرَارِ قال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ لو قال مَتَى خَرَجْت أو مَتَى ما أو مَهْمَا كَكُلَّمَا في اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ وهو خِلَافُ قَضِيَّتِهِ في الْأُمِّ انْتَهَى وَحَكَى أبو الْبَقَاءِ عن ابْنِ جِنِّي أَنَّ مَهْمَا لِلتَّكْرَارِ بِخِلَافِ مَتَى إلا إلَّا لِلِاسْتِثْنَاءِ قال الْفَرَّاءُ وَيَأْتِي بِمَعْنَى سِوَى وَذَلِكَ في اسْتِثْنَاءٍ زَائِدٍ من نَاقِصٍ قال تَعَالَى خَالِدِينَ فيها ما دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إلَّا ما شَاءَ رَبُّك يَعْنِي سِوَى ما شَاءَ رَبُّك من زِيَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ لَا إلَى نِهَايَةٍ فَعَلَى هذا لو قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفَيْنِ فَقَدْ أَقَرَّ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ قال في الْقَوَاطِعِ وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ الْفُقَهَاءُ قُلْت لَكِنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ يَكُونُ من عُمُومِ الْمَفْهُومِ فلما قال عَلَيَّ أَلْفٌ كَأَنَّهُ قال لَا غَيْرُهَا وَهَذَا عَامٌّ فَاسْتَثْنَى منه أَلْفَيْنِ وَتَجِيءُ بِمَعْنَى غير كَقَوْلِهِ تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا وَجَعَلَ الْخَطَّابِيُّ منه قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قال فَإِلَّا هُنَا بِمَعْنَى غير لَا بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إمَّا من جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى منه أو من غَيْرِ جِنْسِهِ وَمَنْ تَوَهَّمَ في صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدًا من الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَبْطَلَ قال عبد الْقَاهِرِ وَهَذَا تَوَهُّمٌ منه من غَيْرِ أَصْلٍ وَيَلْزَمُ عليه أَنْ لَا تَكُونَ إلَّا في قَوْله تَعَالَى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَقَوْلُهُ ضَلَّ من تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ اسْتِثْنَاءٌ وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى غير وَلَا يَقُولهُ أَحَدٌ لِأَنَّ إلَّا إذَا كانت صِفَةً كان الِاسْمُ الْوَاقِعُ بَعْدَهَا إعْرَابَ الْمَوْصُوفِ بِهِ أو كان تَابِعًا له في الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ قال وَالِاسْمُ بَعْدَ إلَّا في الْآيَتَيْنِ مَنْصُوبٌ كما تَرَى وَلَيْسَ قبل إلَّا في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَنْصُوبٌ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِإِلَّا ثم ثُمَّ يَتَعَلَّقُ الْكَلَامُ فيها بِمَبَاحِثَ الْأَوَّلُ في التَّرْتِيبِ وهو يَقْتَضِي على الصَّحِيحِ وَنَقَلَ ابن أبي الدَّمِ عن ابْنِ عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ من أَصْحَابِنَا أنها كَالْوَاوِ في اقْتِضَاءِ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ وَقَفْت إنْشَاءٌ فَلَا يَدْخُلُ فيه التَّرْتِيبُ كَقَوْلِك بِعْتُك هذا ثُمَّ هذا وَهَذَا غَلَطٌ وَإِنَّمَا قال الْعَبَّادِيُّ ذلك إذَا قال وَقَفْت على أَوْلَادِي ثُمَّ على أَوْلَادِ أَوْلَادِي بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أنها لِلْجَمِيعِ وَوَجْهُهُ أَنَّ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ عِنْدَهُ لِلْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ وَالْكَلَامُ بِآخِرِهِ فَالْجَمْعُ من هذه الْحَيْثِيَّةِ لَا من جِهَةِ ثُمَّ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ عن ابْنِ الدَّهَّانِ أَنَّ الْمُهْلَةَ وَالتَّرْتِيبَ في الْمُفْرَدَاتِ وَأَمَّا الْجُمَلُ فَلَا يَلْزَمُ ذلك فيها بَلْ قد يَدُلُّ على تَقْدِيمِ ما بَعْدَهَا على ما قَبْلَهَا قال وَالْأَصَحُّ الْمُحَافَظَةُ على مَعْنَاهَا أَيْنَمَا وَقَعَتْ وَتَأْوِيلُ ما خَالَفَ مَعْنَاهَا وَنَقَلَ ابن الْخَبَّازِ عن شَيْخِهِ أَنَّ ثُمَّ إذَا دَخَلَتْ على الْجُمَلِ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَكُّ رَقَبَةٍ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ كان من الَّذِينَ آمَنُوا فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَمَّا في الزَّمَانِ نَحْوُ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ من سُلَالَةٍ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ أو في الْمَرْتَبَةِ نَحْوُ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى أو لِلتَّرْتِيبِ في الْأَخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِاَلَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَالسَّمَاءُ مَخْلُوقَةٌ قبل الْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلك دَحَاهَا وقال الرَّاغِبُ تَقْتَضِي تَأَخُّرَ ما بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهُ إمَّا تَأَخُّرًا بِالذَّاتِ أو بِالْمَرْتَبَةِ أو بِالْوَضْعِ وَنَقَلَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ فَصْلًا عن الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بن بَرِّيٍّ في التَّرْتِيبِ بِ ثُمَّ ضَعَّفَ فيه الْقَوْلَ بِالتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ قال بَعْدَ أَنْ قَرَرْت أَنَّ ثُمَّ لِتَرْتِيبِ الثَّانِي على الْأَوَّلِ في الْوُجُودِ بِمُهْلَةٍ بَيْنَهُمَا في الزَّمَانِ أَنَّ ثُمَّ تَأْتِي أَيْضًا لِتَفَاوُتِ الرُّتْبَةِ ثُمَّ قال وَيَجِيءُ هذا الْمَعْنَى مَقْصُودًا بِالْفَاءِ الْعَاطِفَةِ نحو خُذْ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ وَاعْمَلْ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ وَنَحْوُ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ فَالْفَاءُ في الْمِثَالِ الْأَوَّلِ لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْفَضْلِ من الْكَمَالِ وَالْحُسْنِ في الْحَالِ وفي الثَّانِي لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الْمُحَلِّقِينَ من الْمُقَصِّرِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَلْقِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ وقَوْله تَعَالَى وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا تَحْتَمِلُ الْفَاءُ فيه الْمَعْنَيَيْنِ مَجَازًا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ تَفَاوُتُ رُتْبَةِ الصَّفِّ من الزَّجْرِ وَرُتْبَةِ الزَّجْرِ من التِّلَاوَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بها تَفَاوُتُ رُتْبَةِ الْجِنْسِ الصَّافِّ من الْجِنْسِ الزَّاجِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَفِّهِمْ وَزَجْرِهِمْ وَرُتْبَةُ الْجِنْسِ الزَّاجِرِ من الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى زَجْرِهِ وَتِلَاوَتِهِ ثُمَّ قال وَهَذَا أَوْلَى من قَوْلِ من يقول هِيَ لِتَرْتِيبِ الْجُمَلِ في الْأَخْبَارِ لَا لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِيَّةِ في الْوُجُودِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ في الْمَعْنَى لِبُعْدِ الْمُهْلَةِ فيه حَقِيقَةً وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِهِ بِقَوْلِ إنَّ من سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ الِابْنِ من أبيه أو لِتَفَاوُتِ رُتْبَةِ سِيَادَتِهِ من سِيَادَةِ أبيه وَمَجَازُ اسْتِعْمَالِهَا لِتَفَاوُتِ أنها مَوْضُوعَةٌ لِلْمُهْلَةِ وَالتَّفَاوُتُ بِمُهْلَةٍ في الْمَعْنَى وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا وهو الِانْفِصَالُ قُلْت وَهَذَا طَرِيقٌ آخَرُ لِلتَّرْتِيبِ وهو التَّرْتِيبُ بِالرُّتَبِ أَعْنِي تَفَاوُتَ رُتَبِ الْفِعْلِ أو رُتَبِ الْفَاعِلِينَ ثُمَّ قال وَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ في الْفَاءِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ من نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَالْفَاءُ في قَوْله تَعَالَى فَإِنْ فَاءُوا إنَّمَا دَخَلَتْ لِتُبَيِّنَ حُكْمَ الْمَوْلَى في زَمَنِ التَّرَبُّصِ بِجُمْلَتَيْ الشَّرْطِ بَعْدَهَا لَا لِتَعْقِيبِهَا زَمَنَ التَّرَبُّصِ وَهَكَذَا قال أبو حَنِيفَةَ قال وَلَا يُفْصَلُ بِ ثُمَّ وَالْفَاءُ في هذا الْمَعْنَى تَرْتِيبٌ وُجُودِيٌّ بَلْ تَفْصِيلٌ مَعْنَوِيٌّ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك اغْتَسَلَ فَأَفَاضَ الْمَاءَ على شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ على شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ليس الْقَصْدُ بِهِ إلَّا الْبَيَانَ لَا التَّرْتِيبَ فَلَوْ قَدَّمْتَ أو أَخَّرْتَ جَازَ وَكَذَا لو أَتَيْتَ بِالْفَاءِ مَوْضِعَ ثُمَّ فَإِنْ كان الْمَوْضِعُ يَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ جَازَ أَنْ يُقْصَدَ التَّرْتِيبُ وَجَازَ أَنْ يُقْصَدَ التَّفْصِيلُ نَحْوُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ فَإِنْ أَرَدْتَ التَّرْتِيبَ لَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَإِنْ أَرَدْتَ التَّفْصِيلَ جَازَ وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ ثُمَّ وَالْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ حَمْلًا على أو في نَحْوِ قَوْلِك الْجِسْمُ إمَّا سَاكِنٌ أو مُتَحَرِّكٌ الْإِنْسَانُ ذَكَرٌ أو أُنْثَى قال الشَّيْخُ وما حَكَيْنَاهُ عن ابْنِ بَرِّيٍّ من أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمُبْهَمَ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ قد وَافَقَهُ عليه بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَبْحَثُ الثَّانِي في اقْتِضَائِهَا التَّرَاخِيَ وَكَمَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ يُوجِبُ تَرَاخِيَ الثَّانِي عن الْأَوَّلِ وَالْمُهْلَةَ بَيْنَهُمَا وَعَدَمَ الْفَوْرِيَّةِ وَالْمُهْلَةِ وَاحْتَجَّ عليه ابن الْخَشَّابِ بِامْتِنَاعِ وُقُوعِ ما بَعْدَهَا جَوَابًا لِلشَّرْطِ كما جَازَ ذلك في الْفَاءِ فَلَا تَقُولُ إنْ تَقُمْ ثُمَّ أنا أَقُومُ كما قُلْت إنْ تَقُمْ فَأَنَا أَقُومُ وقال ابن يَعِيشَ وَلَمَّا تَرَاخَى لَفْظُهَا بِكَثْرَةِ حُرُوفِهَا تَرَاخَى مَعْنَاهَا لِأَنَّ قُوَّةَ اللَّفْظِ مُؤْذِنَةٌ بِقُوَّةِ الْمَعْنَى قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَرَاخِيَ مَعْنَاهَا يَقَعُ كَتَرَاخِي لَفْظِهَا وهو مَعْلُولٌ له قال وهو عَكْسُ ما وَجَدْتُهُ عن أبي الْحَسَنِ بن عُصْفُورٍ فإنه لَمَّا تَعَرَّضَ لِبَيَانِ قَوْلِ أبي عَلِيٍّ إنَّ ثُمَّ مِثْلُ الْفَاءِ إلَّا أَنَّ فيها مُهْلَةً قال فَإِنَّمَا يَعْنِي أنها مِثْلُهَا في التَّرْتِيبِ إلَّا أَنَّهُ تَرْتِيبٌ فيه مُهْلَةٌ وَتَرَاخٍ وَكَأَنَّهُ لَمَّا اخْتَصَّتْ بِمَعْنًى يَزِيدُ على مَعْنَى الْفَاءِ خُصَّ لَفْظُهَا بِلَفْظٍ أَزْيَدَ من لَفْظِ الْفَاءِ وَكَانَتْ على أَكْثَرَ من حَرْفٍ وَالْفَاءُ على حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ اللَّفْظِ تَبَعًا لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى وَيَكُونُ اللَّفْظُ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ عن ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ وَهِيَ الْأَصْلُ في هذه الثَّلَاثَةِ الْوَاوُ وَالْمِيمُ مُتَقَارِبَانِ في الْمَخْرَجِ إذْ الْفَاءُ من بَاطِنِ الشَّفَةِ وَالْوَاوُ وَالْمِيمُ من نَفْسِ الشَّفَةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَتْ هذه الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ تَجْمَعُ ما بين الشَّيْئَيْنِ في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَخُصَّتْ بِالِاسْتِعْمَالِ دُونَ غَيْرِهَا وَلَمَّا اخْتَصَّتْ ثُمَّ بِمَعْنًى زَائِدٍ على الْفَاءِ اخْتَصَّتْ بِالثَّاءِ الْمُقَارِبَةِ لِمَخْرَجِ الْفَاءِ لِتَدُلَّ على مَعْنًى ثَالِثٍ ثُمَّ لَا خِلَافَ في اقْتِضَائِهَا التَّرَاخِيَ وَكَلَامُ ابْنِ الْخَشَّابِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْمُفْرَدَاتِ وَأَنَّهُ في عَطْفِ الْجُمَلِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كما سَبَقَ مِثْلُهُ في التَّرْتِيبِ قال وقد يَتَجَرَّدُ عن التَّرَاخِي إذَا كُرِّرَتْ على التَّعْظِيمِ وَالتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما أَدْرَاك ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْرَاك ما يَوْمُ الدِّينِ وَالْمَعْطُوفُ هُنَا هو لَفْظُ الْمَعْطُوفِ عليه وَكَقَوْلِهِ كَلًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلًّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وَالْمَعْطُوفَاتُ كُلُّهَا جُمَلٌ فيها مَعْنَى التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ من نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قالوا فقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ التَّرَاخِي ظَاهِرٌ فيه لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من تَأَخُّرِ الْعَوْدِ عن الظِّهَارِ بِفَصْلٍ وهو زَمَنُ إمْكَانِ الطَّلَاقِ وقد اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ في أَثَرِ التَّرَاخِي فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ هو رَاجِعٌ إلَى التَّكَلُّمِ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ الْمُطْلَقِ بِمَنْزِلَةِ ما لو سَكَتَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلًا بَعْدَ الْأَوَّلِ وقال صَاحِبَاهُ رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ مع الْوَصْلِ في الْمُتَكَلِّمِ لِمُرَاعَاةِ مَعْنَى الْعَطْفِ فيه لِأَنَّ الْكَلَامَ مُنْفَصِلٌ حَقِيقَةً أو حِسًّا فَيَكُونُ في الْحُكْمِ كَذَلِكَ فإذا قال لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بها أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٍ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لَمَّا كان في الْحُكْمِ مُنْقَطِعًا وَقَعَ وَاحِدَةٌ في الْحَالِ وَيُلْغَى الْبَاقِي لِعَدَمِ الْمَحَلِّ كما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ وَسَكَتَ ثُمَّ قال أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَلَوْ كان كَذَلِكَ لم يَتَعَلَّقْ الطَّلَاقُ بِالشَّرْطِ فَكَذَا هُنَا وَعِنْدَهُمَا لَمَّا كان الْمُتَكَلِّمُ مُتَّصِلًا حُكْمًا تَعَلَّقَتْ جميعا بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ عَمَلًا بِالتَّرَاخِي الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ إذَا ثَبَتَ أنها لِلتَّرَاخِي فَلَا دَلِيلَ على مِقْدَارِهِ من جِهَةِ اللَّفْظِ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَقَالَهُ غَيْرُهُ الْمُرَادُ بِالتَّرَاخِي الزَّمَانِيُّ فإنه حَقِيقَةٌ فيه فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ في تَرَاخِي الرُّتْبَةِ أو في تَرَاخِي الْأَخْبَارِ كان مَجَازًا وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا حَقِيقَةٌ في أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بين هذه الْأَنْوَاعِ أَعْنِي التَّرَاخِيَ في الزَّمَانِ وَالرُّتْبَةِ وَالْأَخْبَارِ الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ أَنَّ التَّرَاخِيَ قد يَتَزَايَدُ في عَطْفِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ فإذا قُلْت جاء زَيْدٌ ثُمَّ جاء عَمْرٌو كان أَدَلَّ على التَّرَاخِي من قام زَيْدٌ ثُمَّ عَمْرٌو فَإِنْ تَغَايَرَ الْفِعْلَانِ فَقُلْت قام زَيْدٌ ثُمَّ انْطَلَقَ كان كَالثَّانِي وقد قال تَعَالَى كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَعَطَفَ أَوَّلًا بِالْفَاءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا فَجَعَلَ فِيهِمْ حَيَاةً عَقِبَ حَالَةِ كَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا ثُمَّ تَرَاخَى حَالَةَ إمَاتَتِهِمْ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِمْ وَآجَالِهِمْ الْمَقْسُومَةِ فَعَطَفَ الْإِمَاتَةَ ثُمَّ تَرَاخَى الْإِحْيَاءُ الْمُتَعَقِّبُ عن الْإِمَاتَةِ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الْبَرْزَخِ فَعَطَفَ يُحْيِيكُمْ بِ ثُمَّ ثُمَّ تَرَاخَى الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ عن الْإِمَاتَةِ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ في الْبَرْزَخِ فَعَطَفَ عليهم بِ ثُمَّ ثُمَّ إلَيْهِ الرُّجُوعُ بَعْدَ هذا كُلِّهِ قِيلَ وَيَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوَى على الْعَرْشِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ قالوا هِيَ فيها بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ صِفَةُ ذَاتٍ وَهِيَ قَدِيمَةٌ وَالتَّعْقِيبُ بِالتَّرَاخِي لَا يُوصَفُ بِهِ الْقَدِيمُ وَأَمَّا من ذَهَبَ إلَى أنها صِفَةُ فِعْلٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وقد تَأَوَّلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِوَاءِ هُنَا الِاسْتِعَارَةُ فإنه تَعَالَى فَرَغَ من إكْمَالِ الْخَلِيقَةِ وَأَمَرَ وَنَهَى وَكَلَّفَ ثُمَّ اسْتَوَى على الْعَرْشِ وَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إلَى ما قُلْنَاهُ من إكْمَالِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ هذا الْمَعْنَى فَيَصِحُّ فيه التَّعْقِيبُ إنما إنَّمَا وَالْكَلَامُ فيها في مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ هل هِيَ تُفِيدُ الْحَصْرَ أو لَا قَوْلَانِ وإذا قُلْنَا تُفِيدُهُ فَهَلْ هو بِالْمَنْطُوقِ يَعْنِي أنها وُضِعَتْ لِلْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ مَعًا أَيْ لِإِثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيِ ما عَدَاهُ أو لِلْإِثْبَاتِ خَاصَّةً وَلِلنَّفْيِ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ قَوْلَانِ وَبِالْأَوَّلِ قال الْقَاضِي أبو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ قال مع نَفْيِهِ الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ في أَقْضِيَةِ الْحَاوِي نَقَلَ عن أبي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ حُكْمَ ما عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفٌ على الدَّلِيلِ من الِاحْتِمَالِ وَبِالثَّانِي قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَذَكَرَاهُ في بَحْثِ الْمَفَاهِيمِ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وقال ابن الْخُوبِيِّ هذا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ من النَّفْيِ إثْبَاتٌ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ إثْبَاتٌ فَالْحَصْرُ ثَابِتٌ بِالْمَنْطُوقِ وَإِلَّا فَهُوَ من طَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي جَرَيَانَ هذا الْخِلَافِ في ما وإلا وهو بَعِيدٌ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ أَصْلًا هو رَأْيُ الْآمِدِيَّ وَإِنَّمَا يُفِيدُ تَأْكِيدَ الْإِثْبَاتِ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ حَيْثُ قال فَأَمَّا ما ليس له مَعْنًى فما الْكَافَّةُ تَعْمَلُ ما يَعْمَلُ دُونَهَا تَقُولُ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وَإِنَّمَا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَحَكَاهُ ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في النُّكَتِ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ أبي هَاشِمٍ قال وهو يُحْكَى عن أَهْلِ اللُّغَةِ وَنَصَرَهُ ابن بَرْهَانٍ النَّحْوِيُّ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُ على من خَالَفَهُ وَنَقَلَهُ عن الْبَصْرِيِّينَ وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ عن الْقَاضِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ في الْحَصْرِ وَيَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ ثُمَّ قال وهو الْمُخْتَارُ وَوَافَقَهُ إلْكِيَا وَاَلَّذِي في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي أنها مُحْتَمِلَةٌ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ وَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحَصْرِ وَزَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهَا لِكُلٍّ من الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ قال وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا ظَاهِرَةٌ في الْحَصْرِ وَأَنْكَرَ ابن الْحَاجِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُسْتَصْفَى وَالْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِهِ إفَادَتَهَا الْحَصْرَ وَقَالَا إنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في اللُّغَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الِاقْتِصَارُ على الشَّيْءِ قال ابن السَّيِّدِ قال نُحَاةُ الْبَصْرَةِ مَعْنَاهَا الِاقْتِصَارُ كَقَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ شُجَاعٌ لِمَنْ ادَّعَى له غير ذلك من الصِّفَاتِ وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِك إنَّمَا وَهَبَتْ دِرْهَمًا لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَهَبَ أَكْثَرَ من ذلك وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الِاقْتِصَارِ وقد يُسْتَعْمَلُ في رَدِّ النَّفْيِ إلَى حَقِيقَتِهِ إذَا وُصِفَ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وهو رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ قَالَا فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي بِالْحَصْرِ الِاقْتِصَارَ فَقَدْ أَصَابَ وَإِلَّا فَفِيهِ نَظَرٌ وَتَابَعَهُمَا الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ في إنْكَارِ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ وقال إنَّهُ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ وهو عَجِيبٌ فَقَدْ حَكَاهُ ابن السَّيِّدِ في الِاقْتِضَابِ عن الْكُوفِيِّينَ فقال وَذَكَر الْكُوفِيُّونَ أنها تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى النَّفْيِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عن أَحْسَابِهِمْ أنا أو مِثْلِي وَمَعْنَاهُ ما يُدَافِعُ إلَّا أنا أو مِثْلِي هذا كَلَامُهُ وفي الزَّاهِرِ لِلْأَزْهَرِيِّ عن أَهْلِ اللُّغَةِ أنها تَقْتَضِي إيجَابَ شَيْءٍ وَنَفْيَ غَيْرِهِ وقال صَاحِبُ الْبُرْهَانِ قال أبو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ في قَوْله تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ أَنْ تَكُونَ ما هِيَ التي تَمْنَعُ إنَّ من الْعَمَلِ وَيَكُونُ الْمَعْنَى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا الْمَيْتَةَ لِأَنَّ إنَّمَا تَأْتِي لِإِثْبَاتِ ما بَعْدَهَا وَنَفْيِ ما عَدَاهُ وقال أبو عَلِيٍّ في الشِّيرَازِيَّاتِ يقول نَاسٌ من النَّحْوِيِّينَ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ الْمَعْنَى ما حَرَّمَ إلَّا الْفَوَاحِشَ قال وَأُجِيبَ ما يَدُلُّ على صِحَّةِ الْقَوْلِ في ذلك وهو قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عن أَحْسَابِهِمْ أنا أو مِثْلِي وَعَزَاهُ ابن السَّيِّدِ لِلْكُوفِيِّينَ ولم يَعْنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَرَادِفِينَ فإنه يَمْتَنِعُ إيقَاعُ كُلٍّ منها مَوْضِعَ الْآخَرِ على الْإِطْلَاقِ انْتَهَى وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا لِلْحَصْرِ الرُّمَّانِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فقال إنَّمَا تُفِيدُ تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالصِّفَةِ دُونَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ إنَّ كَقَوْلِك إنَّ الْأَنْبِيَاءَ في الْجَنَّةِ فَلَا تَمْنَعُ هذه الصِّيغَةُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ فيها كما مَنَعَ إنَّمَا هُمْ في الْجَنَّةِ انْتَهَى وَكَذَا قال الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَكَذَا ابن عَطِيَّةَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وقال ابن فَارِسٍ سَمِعَتْ عَلِيَّ بن إبْرَاهِيمَ الْقَطَّانَ يقول سَمِعْت ثَعْلَبًا يقول سَمِعْت سَلَمَةَ يقول سَمِعَتْ الْفَرَّاءَ يقول إذَا قُلْت إنَّمَا قُمْت فَقَدْ نَفَيْت عن نَفْسِك كُلَّ فِعْلٍ إلَّا الْقِيَامَ وإذا قُلْت إنَّمَا قام أنا فَقَدْ نَفَيْت الْقِيَامَ عن كل أَحَدٍ وَأَثْبَتَّهُ لِنَفْسِك قال الْفَرَّاءُ وَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ إلَّا رَدًّا على أَمْرٍ وَلَا يَكُونُ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ قال ابن فَارِسٍ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْفَرَّاءُ صَحِيحٌ وَحُجَّتُهُ إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ أو مُقَدَّرٍ وَإِلَّا لَوَرَدَ عليه إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَنَحْوُهُ من أَحْسَنِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ أنها لِلْحَصْرِ قَوْله تَعَالَى إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ من الْمُتَّقِينَ لِأَنَّهُ لم يَتَقَبَّلْ من أَخِيهِ فَلَوْ كان يَتَقَبَّلُ من غَيْرِ الْمُتَّقِينَ لم يَجُزْ الرَّدُّ على الْأَخِ بِذَلِكَ وَلَوْ كان الْمَانِعُ من عَدَمِ الْقَبُولِ فَوَاتَ مَعْنًى في الْمُتَقَرَّبِ بِهِ لَا في الْفَاعِلِ لم يَحْسُنْ ذلك فَكَأَنَّهُ قال اسْتَوَيْنَا في الْفِعْلِ وَانْحَصَرَ الْقَبُولُ في بِعِلَّةِ التَّقْوَى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغُ فَإِنَّهَا لو لم تَكُنْ لِلْحَصْرِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك فَإِنْ تَوَلَّوْا فَعَلَيْك الْبَلَاغُ وهو عليه الْبَلَاغُ تَوَلَّوْا أَمْ لَا وَإِنَّمَا الذي رَتَّبَ على تَوَلِّيهمْ نَفْيَ غَيْرِ الْبَلَاغِ لِيَكُونَ تَسْلِيَةً له أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ لَا يَضُرُّهُ وَهَكَذَا أَمْثَالُ هذه الْآيَةِ مِمَّا يَقْطَعُ النَّاظِرُ بِفَهْمِ الْحَصْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ إنَّمَا أنت مُنْذِرٌ إنَّمَا أنت نَذِيرٌ إنَّمَا تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ إنَّمَا السَّبِيلُ على الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ إنَّمَا يَسْتَأْذِنُك الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ إنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ إنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وقَوْله تَعَالَى إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ إنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شَاءَ قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فإنه إنَّمَا يَحْصُلُ بها مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ إذَا كانت إنَّمَا لِلْحَصْرِ لِيَكُونَ مَعْنَاهَا لَا آتِيكُمْ إنَّمَا يَأْتِي بِهِ اللَّهُ وَلَا أَعْلَمُهَا إنَّمَا يَعْلَمُهَا اللَّهُ وَقَوْلُهُ وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عليهم من سَبِيلٍ إنَّمَا السَّبِيلُ على الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الناس قال ابن فَارِسٍ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ مَجِيئَهَا لِلتَّحْقِيرِ تَقُولُ إنَّمَا أنا بَشَرٌ مُحَقِّرًا لِنَفْسِك وَرَدَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَحَكَى ابن بَابْشَاذَ عن بَعْضِ النُّحَاةِ أنها تَجِيءُ لِلتَّعْلِيلِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ إنَّمَا سِرْت حتى أَدْخُلَهَا أَنَّك إذَا بَيَّتَّ السَّيْرَ وَقِيلَ تَجِيءُ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ إنَّمَا الرَّجُلُ زَيْدٌ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْأَقْرَبُ أنها فيه لِلْحَصْرِ الْمَجَازِيِّ أو بِجَعْلِ الْمَجَازِ في الْأَلْفِ وَاللَّامِ التي في الرَّجُلِ بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ لِلْكَمَالِ وَيَحْصُرَ الْكَمَالَ فيه الثَّانِي من الْمَوَاضِعِ في سَبَبِ إفَادَتِهَا الْحَصْرَ وَيُعْرَفُ من أنها مُفْرَدَةٌ أو مَرْكَبَةٌ وَفِيهِ طُرُقٌ أَحَدُهَا أنها لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ وُضِعَتْ لِلْحَصْرِ ابْتِدَاءً من غَيْرِ اعْتِبَارِ تَرْكِيبٍ وَمِنْ غَيْرِ وَضْعِهَا لِمَعْنًى ثُمَّ نَقْلُهَا لِمَعْنَى الْحَصْرِ وَدَلِيلُهُ أنها لِلْحَصْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ وَالنَّقْلِ وَكَوْنُهَا على صُورَةٍ إنَّ مع ما لَا يَسْتَدْعِي التَّرْكِيبَ مِنْهُمَا بَلْ الْمَجْمُوعُ حَرْفٌ وَاحِدٌ كما أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ من لَفْظِ إنْسَانٍ على صُورَةِ حَرْفِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ مَرْكَبًا منه الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ أَنَّ إنَّ لِلْإِثْبَاتِ وما لِلنَّفْيِ فإذا جُمِعَا فَقِيلَ إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَعْنَاهُ بَعْدَ التَّرْكِيبِ على ما كان عليه وَلَيْسَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلَى الْمَذْكُورِ وَلَا إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ لِلتَّنَاقُضِ بَلْ أَحَدُهُمَا لِلْمَذْكُورِ وَالْآخَرُ لِغَيْرِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ إنَّ لِإِثْبَاتِ ما عَدَا الْمَذْكُورَ وما لِنَفْيِ الْمَذْكُورِ وِفَاقًا فَتَعَيَّنَ عَكْسُهُ وهو مَعْنَى الْقَصْرِ وَرُدَّ بِأَنَّ حُكْمَ الْإِفْرَادِ غَيْرُ حُكْمِ التَّرْكِيبِ وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُمَا كَلِمَتَيْنِ بَلْ كَلِمَةً وَاحِدَة وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرْكِيبِ وَالنَّقْلِ وَأَيْضًا حُكْمُ غَيْرِهِ لم يُذْكَرْ فَكَيْفَ يُنْفَى حُكْمُهُ هذا على تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ وَهُمَا أَنْ إنَّ لِلْإِثْبَاتِ وما لِلنَّفْيِ لَكِنَّهُمَا مَمْنُوعَتَانِ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ أَمَّا إنَّ فَلَيْسَتْ لِلْإِثْبَاتِ وَلَا ما لِلنَّفْيِ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهَا مع كُلٍّ مِنْهُمَا تَقُولُ إنَّ زَيْدًا قَائِمٌ وَإِنَّ زَيْدًا لَا يَقُومُ فَلَوْ كانت لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لم تُسْتَعْمَلْ مَعَهُمَا وَأَمَّا ما فَلَيْسَتْ لِلنَّفْيِ وَإِنَّمَا هِيَ كَافَّةٌ وَأُجِيبَ عن ذلك بِأَنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ لَا يُنَافِي أَنْ يُقَارِنَهُ حُكْمٌ مَعْنَوِيٌّ وَاسْتَدَلَّ السَّكَّاكِيُّ على أنها لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ بِأَنَّ النَّافِيَةَ لها صَدْرُ الْكَلَامِ وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ حَرْفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِلَا فَاصِلٍ وَبِأَنَّهُ لو كانت النَّافِيَةَ لَجَازَ نَصْبُ قَائِمٍ في إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ لِأَنَّ الْحَرْفَ وَإِنْ زِيدَ يَعْمَلُ وَلَكَانَ مَعْنَى إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ تَحَقُّقَ عَدَمِ قِيَامِ زَيْدٍ لِأَنَّ ما يَلِي النَّفْيَ مَنْفِيٌّ وَالتَّوَالِي الْأَرْبَعَةُ بَاطِلَةٌ وَانْتَصَرَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ لِلْإِمَامِ وقال مُرَادُهُ أَنَّ كَلِمَةَ إنَّمَا هَكَذَا لِلْحَصْرِ كَسَائِرِ الْكَلِمَاتِ الْمُرَكَّبَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى لَا أَنَّ لَفْظَةَ إنَّ وَلَفْظَةَ ما رُكِّبَتَا وَبَقِيَتَا على أَصْلِهِمَا حتى لَا يَرِدَ عليه الِاعْتِرَاضَاتُ وما ذَكَره الْإِمَامُ بَيَانُ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ النَّقْلُ الذي هو خِلَافُ الْأَصْلِ لَكِنْ يَرِدُ عليه في بَيَانِ وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ قَوْلَك ما لِنَفْيِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ كَنَفْيِ غَيْرِ قِيَامِ زَيْدٍ في قَوْلِك إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ قِيَامِ غَيْرِ زَيْدٍ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ كَوْنُ ما هُنَا لِلنَّفْيِ قَوْلُ من لم يَشْتَمَّ رَائِحَةَ النَّحْوِ قُلْت قد حَكَاهُ في الْمَحْصُولِ عن الْفَارِسِيِّ في الشِّيرَازِيَّاتِ أَنَّهُ حَكَاهُ عن النَّحْوِيِّينَ قال وَقَوْلُهُمْ حُجَّةٌ لَكِنْ قال الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ في الْمُغْنِي لم يَقُلْ ذلك الْفَارِسِيُّ في الشِّيرَازِيَّاتِ وَلَا قَالَهُ نَحْوِيٌّ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا الذي في الشِّيرَازِيَّاتِ أَنَّ الْعَرَبَ عَامَلُوا إنَّمَا مُعَامَلَةَ النَّفْيِ وَإِلَّا في فَصْلِ الضَّمِيرِ قُلْت سَبَقَ من كَلَامِهِ ما يَدُلُّ على أَنَّهُ أَرَادَ إشْرَابَهَا مَعْنَى النَّفْيِ أَيْضًا وقال ابن بَرْهَانٍ من أَئِمَّةِ النَّحْوِيِّينَ في شَرْحِ اللُّمَعِ ما نَصُّهُ تَأَوَّلَ قَوْمٌ إنَّمَا على مَعْنَى ما وَإِلَّا وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عن أَحْسَابِهِمْ أنا أو مِثْلِي وَهَذَا قَوْلٌ ذَكَرَهُ أبو عَلِيٍّ عن بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ في قَوْله تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ منها أَيْ ما حَرَّمَ إلَّا الْفَوَاحِشَ وَهَذَا قَوْلٌ لَا نَتَبَيَّنُ صِحَّتَهُ عِنْدَنَا وقد قال تَعَالَى إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ انْتَهَى وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ أَنَّهُ لم يَخْرُجْ عن الْحَصْرِ لَكِنَّهُ مَجَازِيٌّ الثَّالِثَةُ إنَّ لِلتَّأْكِيدِ وما حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّأْكِيدِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا مُجْتَمَعَيْنِ إلَّا الْحَصْرَ لِأَنَّهُ تَأْكِيدٌ ثَانٍ وَهَذَا حَكَاهُ السَّكَّاكِيُّ عن عَلِيِّ بن عِيسَى وَاسْتَلْطَفَهُ وَحَكَاهُ ابن بَابْشَاذَ في شَرْحِ الْجُمَلِ عن الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ النَّفْيَ عن غَيْرِهِ ليس تَأْكِيدًا لِثُبُوتِهِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ وَيَرُدُّهُ اجْتِمَاعُ إنَّ وما النَّافِيَتَيْنِ وَلَا يُفِيدُ إلَّا النَّفْيَ وَكَذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْمُؤَكِّدَانِ وَلَا يُفِيدُ إلَّا التَّأْكِيدَ وَأَوْلَى لِأَنَّ النَّفْيَ قد يُنْفَى وَأَيْضًا فَإِنَّك تَقُولُ قام الْقَوْمُ كلهم أَجْمَعُونَ وَلَيْسَ بِحَصْرٍ وَنَقُولُ وَاَللَّهِ إنَّ زَيْدًا لَيَقُومَنَّ فَقَدْ حَصَلَ التَّأْكِيدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ولم يَقُلْ أَحَدٌ بِاقْتِضَائِهِ الْحَصْرَ قال الْقَاضِي الْعَضُدُ وهو الذي قَالَهُ الرَّبَعِيُّ من بَابِ إيهَامِ الْعَكْسِ فإنه لَمَّا رَأَى أَنَّ الْقَصْرَ تَأْكِيدٌ على تَأْكِيدٍ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ ما كان تَأْكِيدًا على تَأْكِيدٍ كان حَصْرًا وَأَيْضًا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ كَوْنِهِ لِلْحَصْرِ بِمَا وَقَعَ في جَوَابِ الرَّدِّ لَكِنَّهُ لِلْحَصْرِ في جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ الرَّابِعَةُ لِلْإِمَامِ في الْمَعَالِمِ وَاعْتَمَدَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ فَهِمُوا ذلك فإن ابْنَ عَبَّاسٍ فَهِمَ الْحَصْرَ من قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ وَخَالَفَهُ الصَّحَابَةُ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ ولم يُخَالِفْ في فَهْمِهِ الْحَصْرَ فَكَانَ إجْمَاعًا انْتَهَى وهو حَسَنٌ إلَّا أَنَّ فيه نَظَرًا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قد ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ لَا رِبَا إلَّا في النَّسِيئَةِ فَلَعَلَّهُ فَهِمَ الْحَصْرَ من هذه الصِّيغَةِ لَا من إنَّمَا وَلَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمَتْهُ من قَوْلِهِ إنَّمَا الْمَاءُ من الْمَاءِ لَكَانَ أَقْرَبَ ثَانِيهمَا أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَ أَوْجُهِ الِاعْتِرَاضِ بَلْ قد يَكْتَفِي بِأَحَدِهَا إذَا كان قَوِيًّا ظَاهِرًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ من اسْتِنَادِهِمْ إلَى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَاقْتِصَارِهِمْ عليه تَسْلِيمُ كَوْنِهَا لِلْحَصْرِ الْخَامِسَةُ اخْتِيَارُ السَّكَّاكِيِّ وهو أَقْرَبُهَا أَنَّا وَجَدْنَا الْعَرَبَ عَامَلَتْهَا في الْكَلَامِ مُعَامَلَةَ إلَّا الْمَسْبُوقَةِ بِالنَّفْيِ وَهِيَ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ قُمْت ولم يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا يَقُولُونَ قام أنا ولم يَقُمْ زَيْدٌ فإذا أَدْخَلُوهَا قالوا إنَّمَا قام أنا ولم يَقُمْ زَيْدٌ كما يَقُولُونَ ما قام إلَّا أنا فَأَجْرَوْا الضَّمِيرَ مع إنَّمَا مَجْرَى الْمُضْمَرِ مع إلَّا وَتِلْكَ تُفِيدُ الْحَصْرَ كَقَوْلِهِ ما قَطَرَ الْفَارِسَ إلَّا أنا الثَّالِثُ الْقَائِلُونَ بِالْحَصْرِ قال مُحَقِّقُوهُمْ هِيَ حَاصِرَةٌ أَبَدًا لَكِنْ يَخْتَلِفُ حَصْرُهَا فَقَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ وقد يَكُونُ مَجَازِيًّا على الْمُبَالَغَةِ نَحْوُ إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ وَحَمَلَ عليه ابن عَطِيَّةَ قَوْلَهُ إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ وَقَوْلَهُ إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ مَحْمُولٌ على مَعْنَى التَّوَاضُعِ وَالْإِخْبَاتِ أَيْ ما أنا إلَّا عَبْدٌ مُتَوَاضِعٌ وَمِنْهُمْ من يقول تَارَةً يَكُونُ مُطْلَقًا نَحْوُ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ وَتَارَةً يَكُونُ مَخْصُوصًا بِقَرِينَةٍ نَحْوُ إنَّمَا أنت مُنْذِرٌ فإنه لَا يَنْحَصِرُ في النِّذَارَةِ إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في ذلك لِأَنَّهَا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ وَإِنَّمَا الْحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ فَقَوْلُهُ إنَّمَا أنت مُنْذِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الْكُفَّارِ لِنَفْيِ كَوْنِهِ قَادِرًا على إنْزَالِ ما اقْتَرَحُوهُ من الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ ما على الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ وَقَوْلُهُ إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ آثَرَهَا ولم يَعْمَلْ فيها لِلْآخِرَةِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ كَلِمَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ وَالْحَصْرُ فيها على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيمَا دَخَلَتْ عليه تَخْصِيصٌ وَلَا تَقْيِيدٌ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ إنَّمَا إلَهُكُمْ اللَّهُ إنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالثَّانِي أَنْ يَقَعَ فِيمَا دَخَلَتْ عليه إمَّا في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِأَنْ يَكُونَ هو الْمَقْصُودَ أو في جَانِبِ النَّفْيِ بِأَنْ يَكُونَ هو الْمَقْصُودَ وَالْقَرَائِنُ تَرْشُدُ إلَى الْمُرَادِ وهو في الْعُمَدِ الْكُبْرَى في فَهْمِهِ نَحْوُ إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إنَّمَا أنت مُنْذِرٌ فإن جَمِيعَ هذه الْأَوْصَافِ التي دَخَلَتْ عليها إنَّمَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ بَلْ تَخْتَصُّ كَوْنَهَا لَعِبًا وَلَهْوًا بِمَنْ لَا يُرِيدُ بِعَمَلِهِ فيها الْآخِرَةَ وَالتَّزَوُّدَ بها وَالرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْحَصِرُ في الْبَشَرِيَّةِ وَالنِّذَارَةِ بَلْ له أَوْصَافٌ أُخْرَى جَلِيلَةٌ زَائِدَةٌ على الْبَشَرِيَّةِ وَالنِّذَارَةِ لَكِنْ فُهِمَ منه أَنَّهُ ليس على صِفَةٍ تَقْتَضِي الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ أو أنها في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وفي إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يُفْهَمُ من أَنَّهُ ليس قَادِرًا على خَلْقِ الْإِيمَانِ قَهْرًا لِسَبْقِ قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ وفي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ فَاعْمَلْ إنَّنَا عَامِلُونَ قُلْ إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَيْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا أَقْدِرُ على إجْبَارِكُمْ على الْإِيمَانِ وَكَذَلِكَ أَمْرُ النِّذَارَةِ لَا يَنْحَصِرُ فيها إنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا إذَا عَرَفَتْ هذا فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرَائِنُ وَالسِّيَاقُ على التَّخْصِيصِ فَاحْمِلْهُ على الْعُمُومِ فِيمَا دَخَلَتْ عليه إنَّمَا على هذا حَمَلَ ابن عَبَّاسٍ إنَّمَا الرِّبَا على الْعُمُومِ حتى نَفَى رِبَا الْفَضْلِ وَقِيلَ إنَّهُ رَجَعَ عنه وَحَمَلَ غَيْرُهُ إنَّمَا الْمَاءُ من الْمَاءِ على ذلك ولم يُوجِبْ الْغُسْلَ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَمَنْ خَالَفَ في الْأَمْرَيْنِ فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ الرَّابِعُ زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ الْأَخِيرَ هو الْمَحْصُورُ فإذا قُلْت إنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ فَالْقَائِمُ هو الْمَحْصُورُ وإذا قُلْت إنَّمَا الْمَالُ لَك فَالْمَحْصُورُ أنت أَيْ لَا غَيْرُك وإذا قُلْت إنَّمَا لَك الْمَالُ فَالْمَحْصُورُ الْمَالُ أَيْ لَا غَيْرُهُ وَعَلَى هذا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ لَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ على مَشْرُوعِيَّةِ النِّيَّةِ في كل عَمَلٍ إذْ الْمَحْصُورُ النِّيَّةُ لَا الْعَمَلُ وَلَكِنْ إجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ على خِلَافِهِ وَأَجْمَعَ النُّحَاةُ على أَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ الْحَصْرُ في وَاحِدٍ من الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مع إنَّمَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ وَتَقْدِيمُ الْآخَرِ فَتَقُولُ إنَّمَا ضَرَبَ عَمْرٌو هِنْدًا إذَا أَرَدْت الْحَصْرَ في الْمَفْعُولِ وَإِنَّمَا ضَرَبَ هِنْدًا عَمْرٌو إذَا أَرَدْت الْحَصْرَ في الْفَاعِلِ وَاخْتَلَفُوا فيه إذَا كان مع ما وإلا على ثَلَاثَةٍ مَذَاهِبَ فَذَهَبَ قَوْمٌ منهم الْجُزُولِيُّ وَالشَّلُوبِينَ إلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ في إنَّمَا إنْ أُرِيدَ الْحَصْرُ فيه وَجَبَ تَأْخِيرُهُ كَ إلَّا وَتَقْدِيمُ غَيْرِ الْمَحْصُورِ وَذَهَبَ الْكِسَائِيُّ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فيه من التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ما جَازَ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لم يَكُنْ معه ما وَإِلَّا وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ وَالْفَرَّاءُ وابن الْأَنْبَارِيِّ إلَى أَنَّهُ إنْ كان الْفَاعِلُ هو الْمَقْرُونَ بِإِلَّا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ وَإِنْ كان الْمَفْعُولُ هو الْمَقْرُونَ بِإِلَّا لم يَجِبْ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ على الْمَفْعُولِ بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفَاعِلِ على الْمَفْعُولِ وَتَأْخِيرُهُ وَحَكَاهُ عنه الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ بن النَّحَّاسِ في التَّعْلِيقَةِ الْخَامِسُ ادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشَّافِهِ أَنَّ أَنَّمَا الْمَفْتُوحَةَ لِلْحَصْرِ قَالَهُ في قَوْله تَعَالَى إنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ وَبِهِ صَرَّحَ التَّنُوخِيُّ في الْأَقْصَى الْقَرِيبِ وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ ابن حَيَّانَ وقال إنَّمَا يُعْرَفُ في الْمَكْسُورَةِ لَا الْمَفْتُوحَةِ وَاعْتِرَاضُهُ مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَكْسُورَةَ هِيَ الْأَصْلُ وَأَنَّ الْمَفْتُوحَةَ فَرْعُهَا على الصَّحِيحِ وإذا ثَبَتَ هذا الْحُكْمُ في الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ عَرَضَ لها الْفَتْحُ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُفْرَدِ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي بَقَاءَ ذلك الْمَعْنَى وَثَانِيهمَا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ بَنَاهُ على رَأْيِهِ في إنْكَارِ الصِّفَاتِ نعم رَأَيْت في كِتَابِ سِيبَوَيْهِ ما يَدُلُّ على أنها لَا تَقْتَضِي الْحَصْرَ فإنه قال في بَابِ إنَّمَا وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَقَعُ فيه أَنَّ يَقَعَ أَنَّمَا وما بَعْدَهَا صِلَتُهَا كما في الذي وَلَا تَكُونُ هِيَ عَامِلَةً فِيمَا بَعْدَهَا كما لَا يَكُونُ الذي عَامِلًا فِيمَا بَعْدُ فَمِنْ ذلك قَوْله تَعَالَى إنَّمَا أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإِنَّمَا وَقَعَتْ أَنَّمَا هَاهُنَا لِأَنَّك لو قُلْت أَنَّ إلَهَكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ كان حَسَنًا انْتَهَى سقط قواعد نافعة الْأُولَى حُرُوفُ الْجَرِّ يُسَمِّيهَا الْكُوفِيُّونَ الصِّفَاتِ لِنِيَابَتِهَا عن الصِّفَاتِ وَيُجَوِّزُونَ دُخُولَ بَعْضِهَا على بَعْضٍ أَيْ أَنَّ هذا الْحَرْفَ بِمَعْنَى حَرْفِ كَذَا وَمَنَعَ الْبَصْرِيُّونَ ذلك وَعَدَلُوا عنه إلَى تَضْمِينِ الْفِعْلِ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ إبْقَاءً لِلَفْظِ الْحَرْفِ على حَقِيقَتِهِ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا التَّجَوُّزَ في الْفِعْلِ أَخَفَّ من التَّجَوُّزِ في الْحَرْفِ وَالْكُوفِيُّونَ عَكَسُوا ذلك وقال ابن السَّيِّدِ في الْقَوْلَيْنِ جميعا نَظَرٌ لِأَنَّ من أَجَازَ مُطْلَقًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيزَ سِرْت إلَى زَيْدٍ يُرِيدُ مع زَيْدٍ وَمَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَسَّفَ في التَّأْوِيلِ الْكَثِيرِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على السَّمَاعِ وَغَيْرُ جَائِزٍ في الْقِيَاسِ ثُمَّ ذَكَرَ ما حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى التَّضْمِينِ هو تَضْمِينُ الْحَرْفِ مَعْنًى آخَرَ لِيُفِيدَ الْمَعْنَيَيْنِ كَقَوْلِهِ إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا قِيلَ إنَّمَا عُدِّيَ رضي بِعَلَيَّ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى أَقْبَلَتْ وقال أبو الْفَتْحِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ الْمَانِعُونَ إنَّمَا يَمْنَعُونَ الِاسْتِعْمَالَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا أو حَقِيقَةً فَقَطْ وَالْمُجَوِّزُونَ إمَّا أَنْ يَدَّعُوا في الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةَ فيه أو يَقُولُوا بِالْمَجَازِ فيه فَإِنْ ادَّعَى الْمَانِعُونَ الْعُمُومَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لم يَصِحَّ لِأَنَّهُمْ إذَا رَدُّوا على الْمُجِيزِينَ جَعَلُوا مَدْلُولَ اللَّفْظِ حَقِيقَةً مَعْنًى من الْمَعَانِي ثُمَّ رَدُّوا الِاسْتِعْمَالَ الذي يَذْكُرُهُ الْمُجَوِّزُونَ بِالتَّأْوِيلِ إلَى ذلك الْمَعْنَى وهو يُقَرِّبُ الْمَجَازَ فَعَلَى هذا يُؤَوَّلُ تَصَرُّفُ الْبَصْرِيِّينَ إلَى الْمَجَازِ أَيْضًا وَيَرْجِعُ الْخِلَافُ في تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ على الْآخَرِ لَا في الْمَنْعِ من الِاسْتِعْمَالِ أو الْحَمْلِ أو الْجَوَازِ فِيهِمَا وَإِنْ كان الْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ الِاسْتِعْمَالَ في هذه الْمَعَانِي التي يُورِدُونَهَا حَقِيقَةً وَالْبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ مَجَازٌ فَالْمَجَازُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ وَالِاشْتِرَاكُ لَازِمٌ على هذا الْقَوْلِ لِاتِّفَاقِ الْفَرِيقَيْنِ على اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في مَعْنًى حَقِيقَةً وَالْكُوفِيُّونَ على هذا التَّقْدِيرِ يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَهُ في مَعَانِي حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ على هذا التَّقْدِيرِ قَطْعًا قال وَلَسْت أَذْكُرُ التَّصْرِيحَ من مَذْهَبِ الْمُجَوِّزِينَ في أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ قَوْلُهُمْ وَيَكُونُ كَذَا بِمَعْنَى كَذَا وَلَيْسَ فيه دَلِيلٌ على أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فيه الثَّانِيَةُ الْمَقْصُودُ من عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا هو النُّطْقُ بِالصَّوَابِ وَذَلِكَ حُكْمٌ لَفْظِيٌّ وما عَدَاهُ من التَّقْدِيرَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَقْدَحُ في اللَّفْظِ ليس هو بِالْمَقْصُودِ فيها فَمَتَى احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِشَيْءٍ مَسْمُوعٍ من الْعَرَبِ لِمَذْهَبِهِ فَذُكِرَ فيه تَأْوِيلٌ وكان ذلك التَّأْوِيلُ مِمَّا يَطَّرِدُ في جُمْلَةِ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ فَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ لِلِاخْتِلَافِ فَائِدَةٌ لَفْظِيَّةٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَائِزُ الِاسْتِعْمَالِ على الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ على كل تَقْدِيرٍ إمَّا من غَيْرِ تَأْوِيلٍ كما يَذْهَبُ إلَيْهِ الْمُسْتَدِلُّ وَإِمَّا بِتَأْوِيلٍ مُطَّرِدٍ في الْمَوَارِدِ كما ذَكَرَ الْمُجِيبُ فَلَا يَظْهَرُ لِلِاخْتِلَافِ فَائِدَةٌ في الْحُكْمِ اللَّفْظِيِّ وهو الْمَقْصُودُ من عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مِثَالُهُ إذَا قُلْنَا فإن في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْآخَرِ شِفَاءً فَأَوَّلَهُ مُؤَوِّلٌ بِحَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ وَأَوَّلَ قَوْلَنَا ما كُلُّ سَوْدَاءَ تَمْرَةً وَلَا كُلُّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً بِحَذْفِ الْمُضَافِ فَاللَّفْظُ على الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرُ خَارِجٍ عن الصَّوَابِ غَايَةُ ما في الْبَابِ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ وَقَعَ في وَجْهِ جَوَازِهِ فَقَائِلٌ يقول هو على حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِلْغَاءِ عَمَلِهِ وهو جَائِزٌ وَقَائِلٌ يقول هو على تَقْدِيرِ الْعَطْفِ على عَامِلَيْنِ وهو جَائِزٌ فَالِاتِّفَاقُ وَقَعَ على الْجَوَازِ وَاخْتُلِفَ في عِلَّتِهِ وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً لَفْظِيَّةً اللَّهُمَّ إلَّا إذَا بُيِّنَ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَائِدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ صَحِيحًا بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ الْفَائِدَةُ الْمُحَقَّقَةُ الْمُعْتَبَرَةُ في عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ فَانْظُرْ هذا فإنه يَقَعُ في مَوَاضِعَ من مَبَاحِثِ النَّحْوِيِّينَ الثَّالِثَةُ الْأَفْعَالُ بِاعْتِبَارِ تَعْلِيقِهَا بِمَفْعُولَاتِهَا على الِاسْتِيعَابِ وَعَدَمِهِ على أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يُسْتَوْعَبُ ليس إلَّا نحو اشْتَرَيْت الدَّارَ وَأَكَلْت الرَّغِيفَ فَلَا يُحْمَلُ على الْبَعْضِ إلَّا مَجَازًا قال ابن الْمُنَيِّرِ في تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ وَمِنْ ثَمَّ أَشْكَلَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَحْنِيثِ الْحَالِفِ بِبَعْضِ الْمَحْلُوفِ عليه فإنه إلْزَامٌ له بِمُقْتَضَى خِلَافِ حَقِيقَةِ لَفْظِهِ وَحُمِلَ عليه أَنَّهُ أَرَادَ الْمَجَازَ وهو يقول ما أَرَدْته فَاحْمِلُوا لَفْظِي على الْحَقِيقَةِ أو عَسَى أَنَّ مُكَلَّفًا قَدَّرَ الْجُمْلَةَ في الْمَعْنَى بِالْأَجْزَاءِ فَكَانَ مَعْنَى لَفْظِهِ عِنْدَهُ لَا أَكَلْت جُزْءًا من الرَّغِيفِ وَأُخِذَ ذلك في أَجْوِبَةِ الدَّعَاوَى فِيمَا إذَا قال لَا تُسْتَحَقُّ عَلَيَّ الْعَشَرَةُ فإن مَحْمَلَ النَّفْيِ على الْأَجْزَاءِ أَيْ وَلَا شَيْءَ منها وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ في أَجْوِبَةِ الدَّعَاوَى وَلَا شَيْءَ منها مع قَرِينَةِ كَوْنِ الْحَالِفِ في مِثْلِهِ يُرِيدُ الِاجْتِنَابَ وَمُبَاعَدَةَ الْمَحْلُوفِ عليه فَمَتَى أُكِلَ الرَّغِيفُ إلَّا لُقْمَةً فإنه مَقْصُودُ الِاجْتِنَابِ الثَّانِي مُقَابِلُ الْأَوَّلِ لَا يَقْتَضِي الْفِعْلَ في الِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِك شَجَّ زَيْدٌ عَمْرًا فَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا جُرْحَهُ في رَأْسِهِ خَاصَّةً بَعْضَ الْوَجْهِ وَلَا تَكُونُ الشَّجَّةُ إلَّا كَذَلِكَ وَمِنْهُ ضَرَبْت زَيْدًا الثَّالِثُ كَالثَّانِي إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ هو الْمَانِعُ لِلِاسْتِيعَابِ كَقَوْلِك جَعَلْت الْخَيْطَ في الْإِبْرَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَقَفْته على جُمْلَةِ الْإِبْرَةِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِمْ الرَّابِعُ يَخْتَلِفُ الْحَالُ فيه بِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ فيه وَعَدَمِهِ وَمِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِعْلُ الْمَسْحِ إنْ اقْتَرَنَ بِالْبَاءِ كان لِلتَّبْعِيضِ وَإِلَّا لِلِاسْتِيعَابِ وَكَذَلِكَ ما يقول أبو عَلِيٍّ في السَّيْرِ وَالْيَوْمِ لو قُلْت سِرْت الْيَوْمَ فَظَاهِرُهُ الِاسْتِيعَابُ وَإِنْ قُلْت سِرْت في الْيَوْمِ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ الِاسْتِيعَابِ وَتَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ بِدُخُولِ في وَتَغْلِبُ الِاسْمِيَّةُ بِسُقُوطِهَا وَلِهَذَا كان الْأَوْلَى حين تَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ النَّصْبَ تَقُولُ سِرْت الْيَوْمَ فيه وَحِينَ تَغْلِبُ الِاسْمِيَّةُ الرَّفْعَ تَقُولُ الْيَوْمَ سِرْته وَيَنْبَنِي على هذا الْفَرْقِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ منها لو قال أَنْتِ طَالِقٌ في يَوْمِ السَّبْتِ يَقَعُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ نَوَى وُقُوعَهُ في آخِرِهِ يُدَيَّنُ ولم يُقْبَلْ ظَاهِرًا عِنْدَنَا وقال أبو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَجَعَلَ السُّرُوجِيُّ مَأْخَذَهُمَا أَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْجَرِّ وَإِثْبَاتَهُ سَوَاءٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ في الْحَالَيْنِ فَصَارَ كما لو قال صُمْت يوم الْجُمُعَةِ وفي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فإن الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَذْفَ لِلْحَرْفِ قد يُحْدِثُ مَعْنًى لَا يَكُونُ مع إثْبَاتِهِ لِأَنَّ في قد تُفِيدُ التَّبْعِيضَ في الظَّرْفِ الدَّاخِلِ عليه إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ وَلِهَذَا قالوا في قَوْلِهِمْ سِرْت فَرْسَخًا وَسِرْت في فَرْسَخٍ إنَّ الظَّاهِرَ في الْأَوَّلِ الِاسْتِغْرَاقُ في السَّيْرِ وفي الْآخَرِ عَدَمُهُ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ حتى يَخْرُجَ صُمْت في يَوْمِ الْجُمُعَةِ فإن صَوْمَ بَعْضِ الْيَوْمِ لَا يُمْكِنُ وَرَدُّوا صُمْت شَهْرَ رَمَضَانَ أو شَهْرَ رَمَضَانَ إلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ الرَّابِعَةُ الْأَفْعَالُ الْمَاضِيَةُ تُفِيدُ بِالْوَضْعِ أَمْرًا أَنَّ مَعْنَى الْجُمْلَةِ التي تَلِيهَا الزَّمَنُ الْمَاضِي فَقَطْ لَا غَيْرُ وَلَا دَلَالَةَ لها نَفْسِهَا على انْقِطَاعِ ذلك الْمَعْنَى وَلَا بَقَائِهِ بَلْ إنْ أَفَادَ الْكَلَامُ شيئا من ذلك كان لِدَلِيلٍ آخَرَ هذا هو التَّحْقِيقُ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في دَلَالَةِ كان على التَّكْرَارِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لم يَذْكُرْهَا النُّحَاةُ في دَلَالَتِهَا على الِانْقِطَاعِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ لم يَذْكُرْهَا الْأُصُولِيُّونَ قال ابن عُصْفُورٍ في شَرْحِ الْجُمَلِ وَأَصَحُّهَا وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ نعم فإذا قُلْت كان زَيْدٌ قَائِمًا دَلَّ على أَنَّهُ قام فِيمَا مَضَى وَلَيْسَ الْآنَ بِقَائِمٍ وَقِيلَ بَلْ لَا يُعْطِي الِانْقِطَاعَ بِدَلِيلِ وكان اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَأَجَابَ بِأَنَّ ذلك قد يُتَصَوَّرُ فيه الِانْقِطَاعُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كان فِيمَا مَضَى غَفُورًا رَحِيمًا كما هو الْآنَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ الْقَصْدُ الْإِخْبَارَ بِثُبُوتِ هذا الْوَصْفِ في الْمَاضِي ولم يُتَعَرَّضْ لِخِلَافِ ذلك وَأَجَابَ السِّيرَافِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعُ بِمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفُورَ لهم وَالْمَرْحُومِينَ قد زَالُوا وَالْأَحْسَنُ في الْجَوَابِ أَنَّ في صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَسْلُوبَةَ الدَّلَالَةِ على تَعْيِينِ الزَّمَانِ وَصَارَ صَالِحًا لِلْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ بِحُدُوثِ الزَّمَانِ وَقِدَمِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَكَذَا الْفِعْلِيَّةُ على رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُ الْقَوْلَيْنِ كما سَبَقَ وَلِهَذَا قال الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ كان عِبَارَةٌ عن وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنِ مَاضٍ على سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَيْسَ فيه دَلِيلٌ على عَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا على انْقِطَاعٍ طَارِئٍ وَمِنْهُ وكان اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وقال ابن مُعْطٍ في أَلْفِيَّتِهِ وكان لِلْمَاضِي الذي ما انْقَطَعَا وَحَكَى ابن الْخَبَّازِ في شَرْحِهَا قَوْلًا أنها تُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ مُحْتَجًّا بِالْآيَةِ وَسَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا مُحَمَّدِ بن هِشَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يُنْكِرُهُ عليه وَيَقُولُ غَرَّهُ فيه عِبَارَةُ ابْنِ مُعْطٍ ولم يَصِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ بَلْ الْخِلَافُ في أنها تُفِيدُ الِانْقِطَاعَ أو لَا تَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ وَلَا عَدَمَهُ وَأَمَّا إثْبَاتُ قَوْلِهِ بِالِاتِّصَالِ وَالدَّوَامِ فَلَا يُعْرَفُ قُلْت وقال الْأَعْلَمُ تَأْتِي لِلْأَمْرَيْنِ فَالِانْقِطَاعُ نحو كُنْت غَائِبًا وَأَمَّا الْآنَ حَاضِرٌ وَالِاتِّصَالُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وكان اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وهو في كل حَالٍ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ من قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ وَهِيَ أَنَّهُ وَقَعَ في الْقُرْآنِ إخْبَارُ اللَّهِ عن صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِلَفْظِ كان كَثِيرًا كان اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا وَاسِعًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا تَوَّابًا رَحِيمًا وَأَنَّهَا لم تُفَارِقْ ذَاتَهُ وَلِهَذَا يُقَدِّرُهَا بَعْضُهُمْ بِمَا زَالَ فِرَارًا مِمَّا يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ من أَنَّ كان تُفِيدُ انْقِطَاعَ الْمُخْبَرِ بِهِ من الْوُجُودِ كَقَوْلِهِمْ دخل في خَبَرِ كان قالوا فَكَانَ وما زَالَ أُخْتَانِ فَجَازَ أَنْ تُسْتَعْمَلَ إحْدَاهُمَا في مَعْنَى الْأُخْرَى مَجَازًا بِالْقَرِينَةِ وهو تَكَلُّفٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا ما ذَكَرْنَا من أَزَلِيَّةِ الصِّفَاتِ ثُمَّ يَسْتَفِيدُ مَعْنَاهَا من الْحَالِ وَفِيمَا لَا يَزَالُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَحَيْثُ الْإِخْبَارُ بها عن صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ فَالْمُرَادُ تَارَةً الْإِخْبَارُ عن قُدْرَتِهِ عليها في الْأَزَلِ نحو كان اللَّهُ خَالِقًا وَرَزَّاقًا وَمُحْيِيًا وَمُمِيتًا وَتَارَةً تَحْقِيقُ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ نحو وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَتَارَةً ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ وَإِنْشَاؤُهُ نحو وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ فَالْإِرْثُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِينَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَالِكُ كل شَيْءٍ على الْحَقِيقَةِ من قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَحَيْثُ أُخْبِرَ بها عن صِفَاتِ الْآدَمِيِّينَ فَالْمُرَادُ بها التَّنْبِيهُ على أنها غَرِيزِيَّةٌ وَطَبِيعِيَّةٌ نحو وكان الْإِنْسَانُ عَجُولًا إنَّهُ كان ظَلُومًا جَهُولًا وَيَدُلُّ عليه إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وإذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا أَيْ خُلِقَ على هذه الصِّفَةِ وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أو بِالْقُوَّةِ لم يَخْرُجْ إلَى الْفِعْلِ وَحَيْثُ أُخْبِرَ بها عن أَفْعَالِهِ دَلَّتْ على اقْتِرَانِ مَضْمُونِ أَمْرِ الْجُمْلَةِ بِالزَّمَانِ نحو إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَمِنْ هذا الثَّانِي الْحِكَايَةُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِلَفْظِ كان نحو كان يَقُومُ وكان يَفْعَلُ وَسَنَتَكَلَّمُ عليه في بَابِ الْعُمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَامِسَةُ النِّسْبَةُ الْمَنْفِيَّةُ إذَا قُيِّدَتْ بِحَالٍ تَسَلَّطَ النَّفْيُ على الْحَالِ وَلِلْعَرَبِ فيه طَرِيقَانِ أَكْثَرُهُمَا نَفْيُ الْمُقَيَّدِ وهو الْحَالُ فَتَقُولُ ما زَيْدٌ أَقْبَلَ ضَاحِكًا فَيَكُونُ الضَّحِكُ مَنْفِيًّا وَزَيْدٌ قد أَقْبَلَ غير ضَاحِكٍ وَالثَّانِي نَفْيُ الْمُقَيَّدِ وَالْقَيْدِ فَيَكُونُ زَيْدٌ لم يَضْحَكْ ولم يُقْبِلْ وَمِنْ ثَمَّ رُدَّ على أبي الْبَقَاءِ تَجْوِيزُهُ عَمَلَ بِمُؤْمِنِينَ في الْحَالِ وهو يُخَادِعُونَ إذْ ليس مَعْنَى الْآيَةِ نَفْيَ الْخِدَاعِ أَلْبَتَّةَ وَالْعَجَبُ منه كَيْفَ تَنَبَّهَ فَمَنَعَ الصِّفَةَ وَعَلَّلَهُ بِمَا ذَكَرْنَا وَأَجَازَ الْحَالَ وَلَا فَرْقَ وَلِأَبِي الْبَقَاءِ أَنْ يَقُولَ الْفَرْقُ وَاضِحٌ فإذا قُلْت ما زَيْدٌ ضَاحِكٌ رَاكِبًا فَمَعْنَاهُ نَفْيُ الضَّحِكِ في حَالِ الرُّكُوبِ وهو لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ حَالِ الرُّكُوبِ إذْ الْحَالُ كَالظَّرْفِ فَالْمَنْفِيُّ الْكَوْنُ الْوَاقِعُ في الْحَالِ لَا الْحَالُ كما في قَوْلِك ما زَيْدٌ ضَاحِكٌ في الدَّارِ وَهَذَا بِخِلَافِ الصِّفَةِ إذْ هِيَ كَوْنٌ من الْأَكْوَانِ فَيَقْتَضِي نَفْيَهَا بِهِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَظُنُّ كَثِيرٌ من الناس مِمَّنْ لَا تَحْقِيقَ له أَنَّ في مَدْلُولِ لَا يَسْأَلُونَ الناس إلْحَافًا وَقَوْلِهِ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ وَنَظَائِرِهِ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيُ الْإِلْحَافِ وَحْدَهُ وَالثَّانِي نَفْيُ السُّؤَالِ وَالْإِلْحَافِ مَعًا وَيُنْشَدُ على لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ولم يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ نَفْيَهُمَا مَعًا في الْآيَةِ من مَدْلُولِ اللَّفْظِ بَلْ هو من جُمْلَةِ مَحَامِلِهِ كما أَنَّ زَيْدًا من جُمْلَةِ مَحَامِلِ رَجُلٍ وقد تَقَرَّرَ في الْمَعْقُولِ أَنَّ الْقَضِيَّةَ السَّالِبَةَ لَا تَسْتَدْعِي وُجُودَ مَوْضُوعِهَا فَكَذَلِكَ سَلْبُ الصِّفَةِ لَا يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمَوْصُوفِ وَلَا نَفْيَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ وَلَا دَلَالَةَ له على وَاحِدٍ من الطَّرَفَيْنِ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ هو مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا بَلْ مَدْلُولُهُ أَعَمُّ مِنْهُمَا وَإِنْ كان الْوَاقِعُ لَا يَخْلُو عن أَحَدِهِمَا وَالْمُتَحَقِّقُ فيه انْتِقَاءُ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ على التَّقْدِيرَيْنِ وَانْتِفَاءُ الْمَوْصُوفِ مُحْتَمَلٌ لَا دَلَالَةَ لِنَفْيِ الْمُرَكَّبِ على انْتِفَائِهِ وَلَا ثُبُوتِهِ لَكِنْ إذَا جَعَلْنَا الصِّفَةَ تُشْعِرُ بِهِ نُزِعَ إلَى الْقَوْلِ بِعُمُومِ الصِّفَةِ فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَوَاضِحٌ وَمَنْ أَثْبَتَهُ وقال إنَّهُ من جِهَةِ الْعِلَّةِ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كانت الصِّفَةُ الْمَحْكُومُ عليها وَالْحُكْمُ مُعَلَّلًا بها فَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ انْتِفَائِهَا وَهُنَا الصِّفَةُ في الْحُكْمِ وَمَنْ أَثْبَتَهُ وقال إنَّهُ من جِهَةِ اللَّفْظِ فَيُنَاسِبُهُ الْقَوْلُ بِهِ هُنَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ غَرَضٌ سِوَاهُ كما هو مُبَيَّنٌ هُنَاكَ الأمر قدم الكلام فيه على الكلام في النهي لتقدم الإثبات على النفي أو لأنه طلب إيجاد الفعل والنهي طلب الاستمرار على عدمه فقدم الأمر تقديم الموجود على المعدوم وهو التقديم بالشرف ولو لوحظ التقديم الزماني لقدم النهي تقديم العدم على الموجود لأن العدم أقدم وجمعه الأصوليون على أوامر وقد سبق في الفرق بين الحقيقة والمجاز أنه بمعنى القول المخصوص يطلق على أوامر وبمعنى الفعل على أمور ولم يساعدهم على هذا الجمع من أهل اللغة سوى الجوهري في الصحاح وأما الأزهري فقال في التهذيب الأمر ضد النهي واحد الأمور وذكر ابن سيده في المحكم أن الأمر لا يكسر على غير أمور وأما أئمة النحو قاطبة فلم يذكر أحد منهم أن فعلا يكسر على فواعل مع ذكرهم الصيغ الشاذة والمشهورة وقد تنبه لهذا الموضع الإمام أبو الحسن الإبياري في شرح البرهان وذكر أن قول الجوهري شاذ غير معروف عند أئمة العربية قلت ذكر ابن جني في كتاب التعاقب له نظيرا وعلل هاتين اللفظتين أعني أوامر ونواه بما يسوغ إجازتهما ثم ذكر الإبياري عن بعضهم أن الأوامر جمع آمر وهذا فيه تجوز لأن الآمر حقيقة هو المتكلم ونقله إلى المصدر مجاز ثم قال إن المراد الصيغة فإنه قد تسمى الصيغة آمرة تجوزا وإذا كان المفرد فاعله صح الجمع على أوامر فواعل اسما كان المفرد كفاطمة وفواطم أو صفة ككاتبة وكواتب قال وهذا بعيد في التجوز وليس هو المقصود هاهنا إذ الكلام في الأمر الحقيقي لا في الألفاظ وحكى الأصفهاني في شرح المحصول عن بعضهم أن الأوامر جمع الجمع فالأوامر أولا جمع جمع قلة على أأمر بوزن أفعل ثم جمع هذا على أوامر نحو كلب وأكالب فإنه أفاعل وفيه نظر لأن أوامر ليس أفاعل بل هو فواعل بخلاف أكالب فإنه أفاعل ثم قال الأصفهاني وهذا لا يتم في النواهي فإن النون فاء الكلمة فيمكن أن يكون ذلك من باب التغليب كما في الغدايا والعشايا ويمكن رد النواهي أيضا إلى أنه جمع ناهية مصدر كما تقدم في الآمرة وفيه نظر لأن المصادر مسموعة ولا يدخلها القياس إذا ثبت ذلك فاعلم أن هاهنا مباحث أحدها في لفظ الأمر والثاني في مدلوله والثالث في صيغة افعل فأما لفظ أمر فإنه يطلق لغة على ضد النهي وهو ظاهر ويطلق على الفعل بدليل قوله تعالى وما أمر فرعون برشيد أي فعله فإذن لفظ الأمر عام للقول المخصوص والفعل وكل لفظ عام لشيئين فصاعدا فلا يخلو إما أن يكون حقيقة في كل واحد أو لا والثاني مجاز والأول إما أن يتفقا في اللغة أيضا وهو المتواطئ أو لا يتفقا وهو المشترك فهذه ثلاث احتمالات قد ذهب إلى كل واحد منها صائر واتفقوا على أن إطلاقه على القول الطالب للفعل حقيقة وهو قولك افعل وما يجري مجراه واختلفوا في وقوعه على العقل ونحوه من الشأن والصفة والقصة والمقصود والغرض على مذاهب أحدها أنه حقيقة في الكل فإن القائل لو قال أمر لا يدري السامع أي الأمور أراد فإذا قال أمر بكذا فهم القول فإذا قال أمر فلان مستقيم فهم الشأن والطريقة فإذا قال زيد في أمر عظيم فهم الفعل وحكاه ابن برهان عن كافة العلماء وحكاه القاضي عبد الوهاب والباجي عن أكثر أصحابنا قال صاحب المعتمد ولهذا قالوا إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب لأنها داخلة تحت قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره والثاني أنه حقيقة في القول مجاز في الفعل ووجه العلاقة فيه المشابهة فإن الفعل يشبه القول في الافتقار إلى مصدر يصدر به وهذا يعم الأفعال والأقوال وقيل لأن جملة أفعال الإنسان لما دخل فيها الأقوال سميت الجملة باسم جزئها ونقله في المحصول عن الجمهور وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أكثر أصحابهم مع أنه في الإفادة حكى الأول عنهم وعن أصحاب الشافعي والثاني عن الحنفية خاصة قال الباجي وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة والمعتزلة ونقله صاحب الإفادة عن أحمد بن حنبل وحكاه صاحب المعتمد والمصادر عن الأكثرين وحكى صاحب المصادر عن الشريف المرتضى أنه حقيقة في القول والفعل مشترك بينهما وذكر الآمدي وتبعه ابن الحاجب قولا على جهة الإلزام أنه متواطئ بينهما واختار أبو الحسين البصري في المعتمد أنه مشترك بين الشيء والصفة والشأن والطريق وبين جملة الشأن والطريق وبين القول المخصوص انتهى وقضيته أنه عنده مشترك بين خمسة أشياء لكنه في شرح العمدة فسر الشأن والطريق بمعنى واحد فيكون الحاصل أربعة ونقل البيضاوي عنه أنه موضوع للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا وهو غلط فقد صرح بأنه غير موضوع له وإنما يدخل في الشأن وحكى صاحب المصادر عن أبي القاسم البستي أنه حقيقة في القول والشأن والطريق دون آحاد الأفعال قال وهذا هو الأقرب لأن من صدر منه فعل قليل غير معتد به كتحريك أصابعه وأجفانه فإنه لا يقال إنه مشغول بأمر أو هو في أمر قال والذي أداهم إلى هذا البحث في هذه المسألة اختلافهم في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هل هي على الوجوب أم لا وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم هل تتضمن أمرا فيه وجهان أصحهما لا وفرع عليه في المحصول ما لو قال إن أمرت فلانا فعبدي حر ثم أشار بما يفهم منه مدلول الصيغة فإن لا يحنث ولو كان حقيقة في غير القول لزم العتق قال ولا يعارض هذا بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق لأنا نمنع هذه المسألة البحث الثاني في مَدْلُولِ الْأَمْرِ وقد اُخْتُلِفَ فيه بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ في إثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَنَفْيِهِ فَصَارَ النُّفَاةُ إلَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عن اللَّفْظِ اللِّسَانِيِّ فَقَطْ وَالْأَمْرُ وَسَائِرُ الْكَلَامِ لَا حَقِيقَةَ له عِنْدَهُمْ إلَّا الْعِبَارَاتِ فَقَالُوا إنَّهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ على طَلَبِ الْفِعْلِ مِمَّنْ هو دُونَهُ وَصَارَ الْمُثْبِتُونَ إلَى تَفْسِيرِهِ بِالْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وهو ما قام بِالنَّفْسِ من الطَّلَبِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَقِيقَةِ هو ذلك الطَّلَبُ وَاللَّفْظُ دَالٌّ عليه فقال الْقَاضِي هو الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي بِنَفْسِهِ طَاعَةَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَيُرِيدُ بِالِاقْتِضَاءِ الطَّلَبَ فَيَخْرُجُ الْخَبَرُ وَغَيْرُهُ من أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَيُحْتَرَزُ بِقَوْلِهِ بِنَفْسِهِ عن الصِّيَغِ الدَّالَّةِ عليه فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي بِنَفْسِهَا بَلْ إنَّمَا يُشْعَرُ مَعْنَاهَا بِوَاسِطَةِ الْوَضْعِ وَالِاصْطِلَاحِ وَقَوْلُهُ طَاعَةُ الْأَمْرِ لِيَنْفَصِلَ الْأَمْرُ عن الدُّعَاءِ وَالرَّهْبَةِ وَهَذَا تَعْرِيفُ النَّفْسَانِيِّ فَإِنْ أَرَدْت اللِّسَانِيَّ أَسْقَطْت قَوْلَهُ بِنَفْسِهِ وَاعْتُرِضَ عليه بِأَنَّهُ عَرَّفَ الشَّيْءَ بِمَا يُسَاوِيهِ في الْخَفَاءِ لِأَنَّ من لَا يَعْرِفُ الْأَمْرَ لَا يَعْرِفُ الْمَأْمُورَ فإنه تَعْرِيفٌ له بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فإن الطَّاعَةَ عِبَارَةٌ عن مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ لَا يَعْرِفُهَا ثُمَّ يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَيُجَابُ من جِهَةِ الطَّاعَةِ أَنَّ الْمُرَادَ منها الطَّاعَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَالصَّحِيحُ فيه أَنَّهُ اللَّفْظُ الدَّالُّ على طَلَبِ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ بِالْوَضْعِ فَخَرَجَ النَّهْيُ فإنه طَلَبُ فِعْلٍ أَيْضًا وَلَكِنْ هو كَفٌّ وَخَرَجَ بِالْأَمْرِ نحو أَوْجَبْت عَلَيْك كَذَا فإنه صَادِقٌ عليه مع كَوْنِهِ خَبَرًا قال الْإِمَامُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ اسْمٌ لِمُطْلَقِ اللَّفْظِ الدَّالِّ على الطَّلَبِ الْمَانِعِ من النَّقِيضِ لَا لِمُطْلَقِ اللَّفْظِ الدَّالِّ على مُطْلَقِ الطَّلَبِ قال وَذَلِكَ إنَّمَا يَظْهَرُ بِبَيَانِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَهَذَا جَارٍ على قَوْلِهِ إنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ هو صِيغَةُ افْعَلْ وَالصَّوَابُ تَغَيُّرُهُمَا وَيَدُلُّ له ذَهَابُ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي إلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ مع قَوْلِهِمْ إنَّ صِيغَةَ افْعَلْ حَقِيقَةٌ في الْوُجُوبِ قال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ الْأَمْرُ الْحَقِيقِيُّ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ وَحَقِيقَتُهُ اقْتِضَاءُ الطَّاعَةِ ثُمَّ ذلك يَنْقَسِمُ إلَى نَدْبٍ وَوُجُوبٍ لِيَتَحَقَّقَ الِاقْتِضَاءُ فِيهِمَا وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ على الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ فَمُتَرَدِّدٌ بين الدَّلَالَةِ على الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالتَّهْدِيدِ فَيُتَوَقَّفُ فيها حتى يَثْبُتَ بِقُيُودِ الْمَآلِ أو بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ تَخْصِيصُهَا بِبَعْضِ الْمُقْتَضِيَاتِ فَهَذَا ما نَرْتَضِيهِ من الْمَذَاهِبِ قال الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أَجْوِبَةِ التَّحْصِيلِ لَفْظُ أَمْرٍ يَشْتَرِكُ بين الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى هل هو طَلَبٌ أو إرَادَةٌ اخْتَلَفَ فيها أَصْحَابُنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدِيمُ هو الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلَكِنْ لَا نَصِيرُ مَأْمُورِينَ بِهِ إلَّا إذَا دَلَّ على ذلك الْمَعْنَى الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ فَائِدَةٌ قال الْإِمَامُ محمد بن يحيى تَفْسِيرُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّلَبِ مُحَالٌ فإن الْمَفْهُومَ منه في حَقِّنَا مَيْلُ النَّفْسِ وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك وَتَفْسِيرُهُ بِالْأَدَاةِ وَالصِّيغَةِ مُمْتَنِعٌ فَيَجِبُ تَفْسِيرُهُ بِالْإِخْبَارِ عن الثَّوَابِ على الْقَوْلِ لَا غَيْرُ تَارَةً وَالْعِقَابِ على التَّرْكِ أُخْرَى حَكَاهُ أبو الْمَحَاسِنِ الْمَرَاغِيُّ في كِتَابِ غُنْيَةً الْمُسْتَرْشِدِ وهل يعتبر في الأمر العلو أو الاستعلاء فيه أربعة مذاهب أحدها يعتبران وبه جزم ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب في مختصره الصغير والثاني وهو المختار لا يعتبران ونقله الإمام الرازي في أول المسألة الخامسة عن أصحابنا لكن احتج بقوله تعالى حكاية عن فرعون فماذا تأمرون وهو مردود لأن المراد به المشورة وأحسن منه الاحتجاج بقوله تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقطع به العبدري في المستوفى محتجا بإجماع النحويين على ذلك الأمر والنهي وأنه لا رتبة بينهما وذكروا أيضا الدعاء في حق الله تعالى وقسموه إلى ما يأتي بلفظ الأمر نحو ارحمنا وبلفظ النهي نحو لا تعذبنا قال سيبويه واعلم أن الدعاء بمنزلة الأمر والنهي وإنما قيل له الدعاء لأنه استعظم أن يقال أمر ونهي انتهى ولم يذكروا المقابل للدعاء اسما لأنهم لم يجدوه في كلام العرب وكان هذا أمرا طارئا على اللغة بعد استقرارها قال فالصواب أن صيغة افعل ظاهر في اقتضاء الفعل سواء كان من أعلى أو مساو أو دون لكن يتميز بالقرينة فإن كان المخاطب مخلوقا كانت قرينة دالة على حمله على الدعاء بالاصطلاح العرفي الشرعي لا اللغوي ويشهد لما قاله قول ابن فارس في كتابه فقه العربية وهو من فرسان اللغة الأمر عند العرب فإذا لم يفعله المأمور به سمي المأمور به عاصيا والثالث يعتبر العلو بأن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه فإن تساويا فالتماس أو كان دونه فسؤال وبه قالت المعتزلة واختاره القاضي أبو الطيب الطبري وعبد الوهاب في الملخص ونقله عن أهل اللغة ونقله ابن الفارض المعتزلي عن أبي بكر بن الأنباري واختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأبو نصر بن الصباغ وحكاه عن أصحابنا وابن السمعاني وسليم الرازي وابن عقيل من الحنابلة وأبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الفضل بن عبدان في كتابه شروط الأحكام وشرط مع ذلك أن يكون الأمر ممن تجب طاعته وإلا فلا يقال له أمر والرابع وبه قال أبو الحسين من المعتزلة يعتبر الاستعلاء لا العلو وهو أن يجعل نفسه عاليا وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك وصححه الإمام والآمدي وابن الحاجب وابن برهان في الأوسط مسألة اعتراض على حد الأمر لما أخذوا الطلب في حد الأمر اعترض عليهم بأن الطلب أخفى من الأمر والتعريف بالأخفى يمتنع فقال الجمهور الطلب بديهي التصور لأن كل واحد يعرف بالبديهة تفرقة بين طلب الفعل وطلب الترك ثم قالوا معنى الطلب هو غير الصيغة لاتحاده واختلافها وتبدله وثبوتها بل هو معنى قائم بنفس المتكلم يجري مجرى العلم والقدرة وسائر الصفات وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها ويتفرع على هذه القاعدة مسائل الأولى أن دلالة صيغة الأمر على الطلب يكفي فيها الوضع ولا يشترط أن يكون الآمر مريدا للمأمور به هذا قول أهل السنة واختاره الكعبي وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وتبعهما القاضي عبد الجبار وأبو الحسين لا بد معه من إرادة المأمور به في دلالة الأمر عليه وحكاه أبو سفيان في العيون عن سفيان الثوري وقالوا لا ينفك الأمر عن الإرادة محتجين بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة وأجيب بأن التمييز حاصل بدونها لأن صيغة الأمر حقيقية في القول المخصوص مجاز في غيره وهذا كاف في التمييز وقال بعضهم ذهب المعتزلة إلى أنه لا يكون أمرا إلا بالإرادة فإن لم تعلم إرادته لم يكن أمرا واختلفوا هل تعتبر إرادة الأمر أو إرادة المأمور به فاعتبر بعضهم إرادة الأمر المنطوق به واعتبر آخرون منهم إرادة الفعل المأمور به والذي عليه جمهور الفقهاء أن الأمر دليل على الإرادة وليست الإرادة شرطا في صحة الأمر وإن كانت موجودة مع الأمر فيستدل بالأمر على الإرادة ولا يستدل بالإرادة على الأمر وقد حرر ابن برهان هذه المسألة فقال في كتاب الأوسط اعتبر بعضهم لمصير الصيغة أمرا ثلاث إرادات إحداها أن يكون الآمر مريدا لإيجاد الصيغة حتى إذا لم يكن مريدا لها بأن يكون ساهيا أو ذاهلا أو نائما لا تكون الصيغة الصادرة منه أمرا والثانية أن يكون مريدا لصرف صيغة الأمر من غير جهة الأمر إلى جهة الأمر فإن الأمر قد يطلق على جهات كالتعجيز والتكوين والوعيد والزجر وغيره فلا بد أن يكون مريدا لصرف الصيغة من هذه الجهات إلى جهة الأمر وعبر الشيخ أبو الحسن الأشعري عن هذا فقال فلا بد أن يكون مريدا بالصيغة ما هو المعنى القائم بالنفس والثالثة هي إرادة فعل المأمور والامتثال فأما الأولى وهي إرادة إيجاد الصيغة فلا خلاف في اعتبارها وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ إرَادَةُ صَرْفِ الصِّيغَةِ من غَيْرِ جِهَةِ الْأَمْرِ إلَى جِهَةِ الْأَمْرِ فَاخْتَلَفَ فيه أَصْحَابُنَا فَذَهَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ إلَى اعْتِبَارِهَا وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ منهم إلَى أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ لَكِنْ إذَا وَرَدَتْ الصِّيغَةُ مُجَرَّدَةً عن الْقَرَائِنِ حُمِلَتْ عليه وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا على أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ وَاتَّفَقَ الْمُعْتَزِلَةُ على اعْتِبَارِهَا قال وهو يَنْبَنِي على أَصْلٍ كَبِيرٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وهو أَنَّ الْكَائِنَاتِ بِأَسْرِهَا وَحَيِّزِهَا لَا تَجْرِي عِنْدَنَا إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَأَمَّا الْمَازِرِيُّ فَنَقَلَ عن الْمُعْتَزِلَةِ اشْتِرَاطَ الْإِرَادَاتِ الثَّلَاثِ إلَّا الْكَعْبِيَّ فإنه لم يَعْتَبِرْ الْأُولَى قال الْمُقْتَرَحُ فَمَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ مُتَهَافِتٌ فإنه نَفْيٌ لِلْإِرَادَةِ عن الْقَدِيمِ تَعَالَى وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْبَارِي تَعَالَى آمِرًا وَفِيهِ رَفْضُ الشَّرَائِعِ عن آخِرِهَا وَلَمَّا قِيلَ له إنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ طَافِحٌ بِنِسْبَةِ الْإِرَادَةِ إلَيْهِ تَعَالَى فَكَيْفَ جَوَابُك قال إنْ أُرِيدَ بِأَنَّهُ مُرِيدٌ لِأَفْعَالِهِ كان مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَالِقُهَا وَمُنْشِئُهَا وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مُرِيدٌ لِأَفْعَالِ عِبَادِهِ كان مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَ بها وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ من جِهَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في حَقِيقَةِ الْأَمْرِ الْإِرَادَةُ ثُمَّ يُجْعَلُ إطْلَاقُ الْإِرَادَةِ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْآمِرِ وَلِمَنْ يَنْتَصِرُ لِلْكَعْبِيِّ أَنْ يَقُولَ هو لم يَنْفِهَا غَايَتُهُ أَنَّهُ لم يَشْتَرِطْهَا وَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ النَّفْيُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ عِنْدَنَا غَيْرُ الْإِرَادَةِ لِأَنَّهُ قد يَقُومُ بِالنَّفْسِ عِنْدَ الطَّلَبِ مَعْنًى غَيْرُ إرَادَةِ الْفِعْلِ فَإِنَّا نَجِدُ الْآمِرَ يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُ وهو آمِرٌ وَإِلَّا لَمَا عُدَّ تَارِكُهُ مُخَالِفًا وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ هو إرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَيَلْزَمُهُمْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَعَاصِي الْوَاقِعَةُ مَأْمُورًا بها لِأَنَّهَا مُرَادَةٌ أو لَا يَكُونُ وُقُوعُهَا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحَالٌ وَلِلتَّخَلُّصِ من هذه الْوَرْطَةِ صَارَ أَصْحَابُنَا إلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا لَكِنْ لهم أَنْ يَقُولُوا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِمَا لَا يُرِيدُهُ حَقِيقَةٌ غَايَةُ ما في الْبَابِ أَنَّ صِيغَتَهُ صِيغَةُ الْأَمْرِ وقد يُمْنَعُ بِمَا سَبَقَ فإنه يُعَدُّ تَارِكُهُ مُخَالِفًا وَعِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ لم يَتَوَارَدْ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَإِنَّا نُرِيدُ بِالْإِرَادَةِ الطَّلَبَ النَّفْسِيَّ الذي لَا يَتَخَلَّفُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُرِيدُونَ ذلك لِإِنْكَارِهِمْ كَلَامَ النَّفْسِ وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ==============================================ج8. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي إنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَ هذه اللَّفْظَةَ لِلطَّلَبِ الذي يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ هو الْإِرَادَةُ فَعَلِمْنَا أَنَّ هذه الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِرَادَةِ وَقَالُوا الطَّلَبُ الذي يُغَايِرُ الْإِرَادَةَ لو صَحَّ الْقَوْلُ بِهِ لَكَانَ أَمْرًا خَفِيًّا لَا يَطَّلِعُ عليه إلَّا الْخَوَاصُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى خَفِيٍّ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ثُمَّ هو أَمْرٌ بِصِيغَتِهِ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ بِالْإِرَادَةِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ هو أَمْرٌ بِإِرَادَةِ الْآمِرِ الْمَأْمُورَ بِهِ وَهِيَ تَنْبَنِي على مَسْأَلَةٍ كَلَامِيَّةٍ فإن عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِالشَّيْءِ وَلَا يُرِيدَهُ وقد أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ولم يُرِدْ أَنْ يَسْجُدَ وَنَهَى آدَمَ عن أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَأَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ولم يُرِدْ أَنْ يُذْبَحَ وَهَذَا لِأَنَّ ما أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا قال لِعَبْدِهِ افْعَلْ فقال أَمَرْته بِكَذَا ولم يَعْلَمْ مُرَادَهُ فَدَلَّ على أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرٌ بِصِيغَتِهِ فَقَطْ انْتَهَى وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْحَقُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ الدِّينِيَّةَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ الْكَوْنِيَّةَ فإنه لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا يُرِيدُهُ شَرْعًا وَدِينًا وقد يَأْمُرُ بِمَا لَا يُرِيدُهُ كَوْنًا وَقَدَرًا كَإِيمَانِ من أَمَرَهُ بِالْإِيمَانِ ولم يُؤْمِنْ وَأَمَرَ خَلِيلَهُ بِالذَّبْحِ ولم يَذْبَحْ وَأَمَرَ رَسُولَهُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً ولم يُصَلِّ وَفَائِدَتُهُ الْعَزْمُ على الِامْتِثَالِ وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عليه وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ على التَّغَايُرِ بِأَنَّ من حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ زَيْدًا دَيْنَهُ غَدًا وقال إنْ شَاءَ اللَّهُ ولم يَقْضِهِ لم يَحْنَثْ في يَمِينِهِ مع كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَلَوْ كان تَعَالَى قد شَاءَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ في يَمِينِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كان حَالًّا وَصَاحِبُهُ يَطْلُبُهُ فإذا كان مُؤَجَّلًا فَقَدْ يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ في غَدٍ إذَا لم يَكُنْ غَدًا مَحَلَّ الْأَجَلِ وَأَمَّا إذَا كان حَالًّا وَصَاحِبُهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ فَفِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ على الْفَوْرِ وَجْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مُعَلَّقٌ على الْمَشِيئَةِ التي هِيَ مَدْلُولُ الْأَمْرِ حتى يَحْنَثَ لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بَلْ هو مُعَلَّقٌ على الْمَشِيئَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى التي لم يَدُلَّ عليها الْأَمْرُ فَإِنْ صُرِّحَ بِتَعْلِيقِهِ على تِلْكَ الْمَشِيئَةِ مَنَعْنَا حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةُ أَنَّ الْأَمْرَ هل هو حَقِيقَةٌ في ذلك الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ مَجَازٌ في الْعِبَادَةِ الدَّالَّةِ عليه أو بِالْعَكْسِ أو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَقُولُ كَالْخِلَافِ في سَائِرِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا غَيْرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ هل هو مُشْتَرَكٌ بين الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فإنه هُنَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مع الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ المبحث الثالث صيغة الأمر في صِيغَتِهِ وَهِيَ افْعَلْ وفي مَعْنَاهُ لِيَفْعَلْ قال ابن فَارِسٍ الْأَمْرُ بِلَفْظِ افْعَلْ وَلْيَفْعَلْ نحو وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ وقد اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في أَصْلِ فِعْلِ الْأَمْرِ هل هو افْعَلْ أو لِيَفْعَلْ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ لِيَفْعَلْ لِأَنَّ الْأَمْرَ مَعْنًى وَالْأَصْلُ في الْمَعَانِي أَنْ تُسْتَفَادَ بِالْحُرُوفِ كَالنَّهْيِ وَغَيْرِهِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ افْعَلْ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى بِنَفْسِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ بِخِلَافِ لِيَفْعَلْ فإنه يُسْتَفَادُ من اللَّامِ حَكَاهُ الْعُكْبَرِيُّ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ فَأَمَّا مُنْكِرُو الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ له صِيغَتَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ هو الصِّيغَةُ فَكَيْفَ تُوضَعُ صِيغَةٌ لِلصِّيغَةِ وَإِضَافَتُهُ إلَيْهِ من بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ الصِّيغَةُ الْعِبَارَةُ الْمَصُوغَةُ لِلْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِيِّ فإذا قُلْنَا هل الْأَمْرُ صِيغَةٌ فَالْمَعْنِيُّ بِهِ أَنَّ الْأَمْرَ الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ هل صِيغَتْ له عِبَارَةٌ مُشْعِرَةٌ بِهِ وَمَنْ نَفَى كَلَامَ النَّفْسِ إذَا قال صِيغَةُ الْأَمْرِ كَذَا فَنَفْسُ الصِّيغَةِ عِنْدَهُ هِيَ الْأَمْرُ فإذا أُضِيفَتْ الصِّيغَةُ إلَى الْأَوَامِرِ لم تَكُنْ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً بَلْ هو من بَابِ قَوْلِك نَفْسُ الشَّيْءِ ذَاتُهُ وَلِرُجُوعِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ إلَى الْعِبَارَةِ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمُثْبِتُونَ لِكَلَامِ النَّفْسِ فَاخْتَلَفُوا هل لِلْأَمْرِ صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ أَيْ أَنَّ الْعَرَبَ صَاغَتْ لِلْأَمْرِ لَفْظًا يَخْتَصُّ بِهِ أَيْ وَضَعَتْ لِلدَّلَالَةِ على ما في النَّفْسِ لَفْظَةً تَدُلُّ على كَوْنِهَا أَمْرًا وإذا قُلْنَا بِأَنَّ لها صِيغَةً فما مُقْتَضَى تِلْكَ الصِّيغَةِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وأبو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ من أَهْلِ الْعِلْمِ كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إلَى أَنَّ له صِيغَةً تَدُلُّ على كَوْنِهِ أَمْرًا إذَا تَجَرَّدَتْ عن الْقَرَائِنِ وهو قَوْلُ الْبَلْخِيّ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وَبِهِ قال عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى وَنُقِلَ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَا صِيغَةَ له تَخْتَصُّ بِهِ وَأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ افْعَلْ مُتَرَدِّدٌ بين الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِنْ فُرِضَ حَمْلُهُ على غَيْرِ النَّهْيِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بين جَمِيعِ مُحْتَمَلَاتِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَحُكِيَ ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَا يَصِحُّ عنه وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَحُكِيَ ذلك عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَنَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَمَّا قال تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ قال فلما احْتَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْأَمْرَ في تِلْكَ دَلَّ على أَنَّهُ وُقِفَ بِهِ الدَّلِيلُ قال أَصْحَابُنَا وَهَذَا تَعَنُّتٌ من أبي الْعَبَّاسِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول ذلك كَثِيرًا وَيُرِيدُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَرِدَ دَلَالَةٌ تَخُصُّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُخَلَّى وَالْإِطْلَاقُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ كما يقول بمثله في الْعُمُومِ قال وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْوَعِيدُ يَكُونُ على الْوُجُوبِ ا هـ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَنْزِيلِ مَذْهَبِهِ فَقِيلَ اللَّفْظُ صَالِحٌ لِجَمِيعِ الْمَحَامِلِ صَلَاحَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِلْمَعَانِي التي ثَبَتَ اللَّفْظُ بها وَقِيلَ لَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ أَمَرْتُكُمْ وَنَحْوَهُ دَلَّ على الْأَمْرِ وَلَكِنَّ الْخِلَافَ في أَنَّ قَوْلَهُ افْعَلْ هل يَدُلُّ على الْأَمْرِ مُجَرَّدُ صِيغَتِهِ أَمْ لَا بُدَّ من قَرِينَةٍ وَقِيلَ أَرَادَ الْوَقْفَ بِمَعْنَى لَا نَدْرِي على أَيِّ وَضْعٍ جَرَى فَهُوَ مَشْكُوكٌ ثُمَّ نَقَلُوا عنه أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ على الْقَوْلِ بِهِ مع فَرْضِ الْقَرَائِنِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو ذلك بَيِّنٌ في النَّقْلِ عنه وقال لَعَلَّهُ في مَرَاتِبِ الْمَقَالِ دُونَ الْحَالِ انْتَهَى وَلَا مَعْنَى لِاسْتِبْعَادِ ذلك فإن الْقَرَائِنَ لَا تُبَيِّنُ الْمَوْضِعَ الذي وَقَفَ الشَّيْخُ فيه وَإِنَّمَا تُبَيِّنُ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ ثُمَّ قال وَاَلَّذِي أَرَاهُ في ذلك قَاطِعًا بِهِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ لَا يُنْكِرُ صِيغَةً مُشْعِرَةً بِالْوُجُوبِ الذي هو مُقْتَضَى الْكَلَامِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ نحو قَوْلِ الْقَائِلِ أَوْجَبْت أو أَلْزَمْت وَنَحْوِهِ وَإِنَّمَا الذي يَتَرَدَّدُ فيه مُجَرَّدُ قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ من حَيْثُ وَجَدَهُ في وَضْعِ اللِّسَانِ مُتَرَدِّدًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يُظَنُّ بِهِ عِنْدَ الْقَرِينَةِ نَحْوُ افْعَلْ حَتْمًا أو وَاجِبٌ نعم قد يَتَرَدَّدُ في الصِّيغَةِ التي فيها الْكَلَامُ إذَا قُرِنَتْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَالْمُشْعِرُ بِالْأَمْرِ النَّفْسِيِّ الْأَلْفَاظُ الْمُقْتَرِنَةُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ أَمْ لَفْظُ افْعَلْ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَفْسِيرٌ لها وَهَذَا تَرَدُّدٌ قَرِيبٌ ثُمَّ ما نَقَلَهُ النَّقَلَةُ يَخْتَصُّ بِقَرَائِنِ الْمَقَالِ على ما فيه من الْخَبْطِ فَأَمَّا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ فَلَا يُنْكِرُهَا أَحَدٌ وَهَذَا هو التَّنْبِيهُ على سِرِّ مَذْهَبِ أبي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي وَطَبَقَةِ الْوَاقِفِيَّةِ انْتَهَى وَاسْتَبْعَدَ الْغَزَالِيُّ النَّقْلَ عن الشَّيْخِ وَالْقَاضِي بِالْوَقْفِ عنهما أَنَّ له صِيغَةً مُخْتَصَّةً بِهِ إجْمَاعًا وهو قَوْلُهُ أَمَرْتُك أو أنت مَأْمُورٌ بِهِ قال الْهِنْدِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذلك ليس صِيغَةً لِلْأَمْرِ بَلْ هو إخْبَارٌ عن وُجُودِ الْأَمْرِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ ذلك يُسْتَعْمَلُ إنْشَاءً فَلَيْسَ فيه دَلَالَةٌ على الْمَطْلُوبِ وهو كَوْنُ الصِّيغَةِ مُخْتَصَّةً بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِخْبَارِ فَلَا تَكُونُ الصِّيغَةُ مُخْتَصَّةً بِهِ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّمَا صَارَ شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ لِأَنَّ ذلك لَا يُتَلَقَّى من الْعَقْلِ إذْ الْعَقْلُ لَا يَدُلُّ على وَضْعِ الصِّيَغِ وَالْعِبَارَاتِ وَإِنَّمَا يُتَلَقَّى من جِهَةِ النَّقْلِ وقد اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ في جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ فَدَلَّ على أنها مُشْتَرَكَةٌ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ فَذَهَبَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ له صِيغَةٌ تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا على كَوْنِهَا أَمْرًا إذَا تَعَرَّتْ عن الْقَرَائِنِ وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ غير الْبَلْخِيّ إلَى أَنَّهُ لَا صِيغَةَ له وَلَا يَدُلُّ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ على كَوْنِهِ أَمْرًا وَإِنَّمَا يَكُونُ أَمْرًا بِقَرِينَةِ الْإِرَادَةِ قال وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ هو مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُفَارِقُ الذَّاتَ وَلَا يُزَايِلُهَا وَكَذَلِكَ عنه سَائِرُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ من النَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَغَيْرِ ذلك كُلُّ هذه عِنْدَهُ مَعَانٍ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ لَا تُزَايِلُهَا كَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وكان ابن كِلَابٍ يقول هِيَ حِكَايَةُ الْأَمْرِ وَخَالَفَهُ الْأَشْعَرِيُّ وقال لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هِيَ حِكَايَةٌ لِاسْتِلْزَامِهَا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِثْلَ الْمَحْكِيِّ لَكِنْ هو عِبَارَةٌ عن الْأَمْرِ الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ قال وَعَلَى هذا فَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ في الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إذَا كان الْأَمْرُ عِنْدَهُمْ هو الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ فَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يُقَالُ إنَّهُ له صِيغَةٌ أو لَيْسَتْ له صِيغَةٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذلك في الْأَلْفَاظِ وَلَكِنْ يَقَعُ الْخِلَافُ في اللَّفْظِ الذي هو عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عن الْأَمْرِ وَلَا دَالًّا على ذلك بِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ وَلَكِنْ يَكُونُ مَوْقُوفًا على ما بَيَّنَهُ الدَّلِيلُ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعِبَارَةُ عن الْأَمْرِ حُمِلَ عليه وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعِبَارَةُ عن غَيْرِهِ من التَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَالتَّحْقِيرِ وَغَيْرِ ذلك حُمِلَ عليه ثُمَّ احْتَجَّ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ على أَنَّ الْأَمْرَ له صِيغَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شيئا أَنْ يَقُولَ له كُنْ فَيَكُونُ قال فَفِي هذه رَدٌّ على من يقول لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ حَيْثُ قال إنَّمَا أَمْرُهُ فَجَعَلَ أَمْرَهُ كُنْ وَهِيَ صِيغَةٌ وَفِيهَا رَدٌّ على الْقَائِلِينَ إنَّ الْأَمْرَ يَتَضَمَّنُ الْإِرَادَةَ فإن الْآيَةَ فيها الْفَصْلُ بين الْإِرَادَةِ وَالْأَمْرِ قال إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ قال وَالدَّلِيلُ الْمُعْتَمَدُ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ يُفَرِّقُونَ بين صِيغَةِ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ وَغَيْرِ ذلك من أَقْسَامِ الْكَلَامِ وقال الْمَازِرِيُّ ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ وَحُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في قَوْله تَعَالَى وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ من عِبَادِكُمْ لَا يُسْتَدَلُّ بها على إيجَابِ الْعَقْدِ وَعَلَى وَلِيِّ الْمَرْأَةِ لِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ بين الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَكِنَّ الْوَاقِفِيَّةِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ الْوَقْفِ هل هو وَقْفُ جَهَالَةٍ بِمَا عِنْدَ الْعَرَبِ أو وَقْفُ عَارِفٍ بِمَا عِنْدَهُمْ وهو كَوْنُ هذا اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا بين الْمَصَارِفِ الْآتِيَةِ فَيَقِفُ حتى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ على قَوْلَيْنِ قال وَأَمَّا من نَقَلَ عن الْأَشْعَرِيِّ الْوَقْفَ وَإِنْ ظَهَرَتْ الْقَرَائِنُ فَقَدْ أَغْلَى وَلَوْ ثَبَتَ فَلَعَلَّ الْوَقْفَ في الْإِفَادَةِ بِمَا جُعِلَتْ هذه اللَّفْظَةُ أو اللِّسَانُ انْتَهَى وَذَهَبَ غَيْرُ الْوَاقِفِيَّةِ إلَى أنها ظَاهِرَةٌ في الْوُجُوبِ وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن أَصْحَابِنَا قال وقد ذَكَرَ اللَّهُ في كِتَابِهِ الْأَمْرَ على أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ وَالظَّاهِرُ منها لِلْوُجُوبِ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قام في بَعْضِهَا على غَيْرِ الْوُجُوبِ وَمُخْتَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْقَطْعُ بِاقْتِضَائِهَا الطَّلَبَ الْمُنْحَصِرَ مَصِيرًا إلَى أَنَّ الْعَرَبَ فَصَلَتْ بين قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَا تَفْعَلْ الْأَوَّلُ هل لِلْأَمْرِ صِيغَةٌ خَطَّأَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْأَمْرَ هل له صِيغَةٌ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِعِ أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا صِيغَةٌ دَالَّةٌ على الْأَمْرِ وَقَوْلُهُ نَهَيْتُكُمْ صِيغَةٌ دَالَّةٌ على النَّهْيِ وَقَوْلُهُ أَوْجَبْت صِيغَةٌ دَالَّةٌ على الْوُجُوبِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَإِنَّمَا صِيغَةُ افْعَلْ إذَا أُطْلِقَتْ هل تَدُلُّ على الْأَمْرِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ أو لَا تَدُلُّ عليه إلَّا بِقَرِينَةٍ هذا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وقال الْآمِدِيُّ لَا مَعْنَى لِهَذَا الِاسْتِبْعَادِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ أَمَرْتُك وَأَنْتَ مَأْمُورٌ لَا يَرْفَعُ هذا الْخِلَافَ إذْ الْخِلَافُ في أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ صِيغَةُ الْإِنْشَاءِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ أَمَرْتُك وَأَنْتَ مَأْمُورٌ إخْبَارٌ وقد سَبَقَ كَلَامُ الْهِنْدِيِّ فيه الثَّانِي الْمُرَادُ بِصِيغَةِ افْعَلْ الْمُرَادُ بِصِيغَةِ افْعَلْ لَفْظُهَا وما قام مَقَامَهَا من اسْمِ الْفِعْلِ كَصَهْ وَالْمُضَارِعُ الْمَقْرُونُ بِاللَّامِ مِثْلَ لِيَقُمْ على الْخِلَافِ السَّابِقِ فيه وَصِيَغُ الْأَمْرِ من الثُّلَاثِيِّ افْعَلْ نحو اسْمَعْ نحو احْضَرْ وَافْعِلْ نحو اضْرِبْ وَمِنْ الرُّبَاعِيِّ فَعْلَلٌّ نحو قَرْطِسْ وَأَفْعِلْ نحو أَعْلِمْ وَفَعِّلْ نحو عَلِّمْ وَفَاعِلْ نحو نَاظِرْ وَمِنْ الْخُمَاسِيِّ تَفَعْلَلْ نحو تَقَرْطَسْ وَتَفَاعَلْ نحو تَقَاعَسْ وَانْفَعِلْ نحو انْطَلِقْ وَافْتَعِلْ نحو اسْتَمِعْ وَافْعَلْ نحو احْمَرَّ وَمِنْ السُّدَاسِيِّ اسْتَفْعِلْ نحو اسْتَخْرِجْ وَافْعَوْعِلْ نحو اغْدَوْدِنْ وَافْعَالَّ نحو احْمَارَّ وَافْعَنْلِلْ نحو اقْعَنْسِسْ وَافْعَوِّلْ نحو اعْلَوِّطْ وَكَذَلِكَ الْمَصْدَرُ الْمَجْعُولُ جَزَاءَ الشَّرْطِ بِحَرْفِ الْفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَيْ فَحَرِّرُوا وَقَوْلُهُ فَضَرْبَ الرِّقَابِ أَيْ فَاضْرِبُوا الرِّقَابَ وَقَوْلُهُ فَفِدْيَةٌ من صِيَامٍ أَيْ فَافْدُوا وَقَوْلُهُ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ أَيْ صُومُوا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في أَوَّلِ بَابِ الرَّهْنِ من تَعْلِيقِهِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْأُصُولِيُّونَ افْعَلْ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ في الْكَلَامِ وَتَرِدُ صِيغَةُ افْعَلْ لِنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ مَعْنًى أَحَدُهَا الْإِيجَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ الثَّانِي كَقَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَمَثَّلَهُ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ وَمَثَّلَهُ ابن فَارِسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَأَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ هذا الْقِسْمَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا قُلْنَا الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ الثَّالِثُ الْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ الرُّشْدَ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ سَافِرُوا تَصِحُّوا وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ فقال وفي كل حَتْمٍ من اللَّهِ رُشْدٌ فَيَجْتَمِعُ الْحَتْمُ وَالرُّشْدُ وَسَمَّاهُ الصَّيْرَفِيُّ الْحَظَّ وَفَرَّقَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّدْبِ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ مَطْلُوبٌ لِمَنَافِعِ الْآخِرَةِ وَالْإِرْشَادُ لِمَنَافِعِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُ فيه الثَّوَابُ وَالثَّانِي لَا ثَوَابَ فيه الرَّابِعُ التَّأْدِيبُ وَعَبَّرَ عنه بَعْضُهُمْ بِالْأَدَبِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قال وَلَيْسَ في الْقُرْآنِ غَيْرُهُ وَمَثَّلَهُ الْقَفَّالُ بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَسَارِ أَكْلُ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَلِيهِ وَمَثَّلَهُ ابن الْقَطَّانِ بِالنَّهْيِ عن التَّعْرِيسِ على قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالْأَكْلُ من وَسَطِ الْقَصْعَةِ وَأَنْ يُقْرَنَ بين التَّمْرَتَيْنِ قال فَيُسَمَّى هذا أَدَبًا وهو أَخَصُّ من النَّدْبِ فإن التَّأْدِيبَ يَخْتَصُّ بِإِصْلَاحِ الْأَخْلَاقِ وَكُلُّ تَأْدِيبٍ نَدْبٌ من غَيْرِ عَكْسٍ الْخَامِسُ الْإِبَاحَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كُلُوا من الطَّيِّبَاتِ فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذلك وقال لم يَثْبُتْ عِنْدِي لُغَةً وَالتَّمْثِيلُ بِمَا ذَكَرُوهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كان الْأَصْلُ في الْأَشْيَاءِ الْحَظْرَ السَّادِسُ الْوَعْدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ السَّابِعُ الْوَعِيدُ وَيُسَمَّى التَّهْدِيدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا وَقَوْلِهِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فإن مَصِيرَكُمْ إلَى النَّارِ وَمِنْهُمْ من قال التَّهْدِيدُ أَبْلَغُ من الْوَعِيدِ وَمَثَّلَ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ التَّهْدِيدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ من دُونِهِ وَقَوْلِهِ لِإِبْلِيسَ وَاسْتَفْزِزْ من اسْتَطَعْتَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم من بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِيرَ قال وَكِيعٌ مَعْنَاهُ يَعَضُّهَا الثَّامِنُ الِامْتِنَانُ كَقَوْلِهِ كُلُوا من طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ وَسَمَّاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْإِنْعَامَ وهو وَإِنْ كان بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ منه تَذْكِيرُ النِّعْمَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُجَرَّدُ إذْنٍ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ من اقْتِرَانِ الِامْتِنَانِ بِذِكْرِ احْتِيَاجِ الْخَلْقِ إلَيْهِ وَعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عليه وَنَحْوِ ذلك كَالتَّعَرُّضِ في هذه الْآيَةِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هو الذي رَزَقَهُ التَّاسِعُ الْإِنْذَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ تَمَتَّعُوا ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّهْدِيدِ من وِجْهَتَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِنْذَارُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالْوَعِيدِ كَالْآيَةِ وَالتَّهْدِيدُ لَا يَجِبُ فيه ذلك بَلْ قد يَكُونُ مَقْرُونًا بِهِ وقد لَا يَكُونُ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُهَدَّدَ عليه يَكُونُ ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمَ وَالْبُطْلَانَ وفي الْإِنْذَارِ قد يَكُونُ كَذَلِكَ وقد لَا يَكُونُ الْعَاشِرُ الْإِكْرَامُ اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ قال الْقَفَّالُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ اُثْبُتْ مَكَانَك الْحَادِيَ عَشَرَ السُّخْرِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ إلَّا بِالْمَقْدُورِ عليه وَجَعَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ وابن فَارِسٍ من أَمْثِلَةِ التَّكْوِينِ قال ابن فَارِسٍ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا من اللَّهِ تَعَالَى وَمَثَّلَ بها ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ لِلتَّسْخِيرِ وَمَثَّلَ لِلْإِهَانَةِ بِقَوْلِهِ كُونُوا حِجَارَةً قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّسْخِيرَ عِبَارَةٌ عن تَكْوِينِهِمْ على جِهَةِ التَّبْدِيلِ لِمَنْ جَعَلْنَاهُمْ على هذه الصِّفَةِ وَالْإِهَانَةُ عِبَارَةٌ عن تَعْجِيزِهِمْ فِيمَا يَقْدِرُونَ عليه أَيْ أَنْتُمْ أَحْقَرُ من ذلك تَنْبِيهٌ وَقَعَ في عِبَارَتِهِمَا التَّسْخِيرُ وَالصَّوَابُ ما ذَكَرْنَاهُ فإن السُّخْرِيَةَ الْهُزْءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كما تَسْخَرُونَ وَأَمَّا التَّسْخِيرُ فَهُوَ نِعْمَةٌ وَإِكْرَامٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ الثَّانِيَ عَشْرَ التَّكْوِينُ كَقَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ وَسَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ كَمَالَ الْقُدْرَةِ وَسَمَّاهُ الْقَفَّالُ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّسْخِيرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّخْرِيَةِ أَنَّ التَّكْوِينَ سُرْعَةُ الْوُجُودِ عن الْعَدَمِ وَلَيْسَ فيه انْتِقَالٌ إلَى حَالٍ مُمْتَهَنَةٍ بِخِلَافِ السُّخْرِيَةِ فإنه لُغَةً الذُّلُّ وَالِامْتِهَانُ الثَّالِثَ عَشَرَ التَّعْجِيزُ نحو فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مِثْلِهِ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّسْخِيرِ أَنَّ التَّسْخِيرَ نَوْعٌ من التَّكْوِينِ فإذا قِيلَ كُونُوا قِرَدَةً مَعْنَاهُ انْقَلِبُوا إلَيْهَا وَالتَّعْجِيزُ إلْزَامُهُمْ بِالِانْقِلَابِ لِيَظْهَرَ عَجْزُهُمْ لَا لِيَنْقَلِبُوا إلَى الْحِجَارَةِ وَمَثَّلَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَفَّالُ بِقَوْلِهِ كُونُوا حِجَارَةً أو حَدِيدًا قال وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ ليس في قُدْرَتِهِمْ قَلْبُ الْأَعْيَانِ ولم يَكُنْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مِمَّنْ يَخْتَرِعُ وَيُسَخِّرُ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ كُونُوا كَذَا تَعْجِيزٌ أَيْ أَنَّكُمْ لو كُنْتُمْ حِجَارَةً أو حَدِيدًا لم تُمْنَعُوا من جَرْيِ قَضَاءِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَكَذَا جَعَلَهُ ابن بَرْهَانٍ وَالْآمِدِيَّ من أَمْثِلَةِ التَّعْجِيزِ وقال ابن عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ عِنْدِي في التَّمْثِيلِ بِهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا التَّعْجِيزُ حَيْثُ يُقْتَضَى بِالْأَمْرِ فِعْلُ ما لَا يَقْدِرُ عليه الْمُخَاطَبُ كَقَوْلِهِ فَادْرَءُوا عن أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا هذه الْآيَةُ فَمَعْنَاهَا كُونُوا بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّقْدِيرُ كَذَا وَكَذَا الرَّابِعَ عَشَرَ التَّسْوِيَةُ بين شَيْئَيْنِ نحو فَاصْبِرُوا أو لَا تَصْبِرُوا هَكَذَا مَثَّلُوا بِهِ وَعَلَى هذا فَقَوْلُهُ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ فَاصْبِرُوا أو لَا تَصْبِرُوا لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ لَمَّا لم يَكُنْ بِالصَّرِيحِ أَرْدَفَهُ مُبَالَغَةً في الْحَسْرَةِ عليهم وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ صِيغَةَ افْعَلْ أو لَا تَفْعَلْ وَحْدَهَا لَا تَقْتَضِي التَّعْجِيزَ وَلَا اسْتَعَارَ لها بِالتَّسْوِيَةِ إلَّا من جِهَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ بين الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِيمَا خُيِّرَ الْمُخَاطَبُ بِهِ أو يُقَالُ إنَّ صِيغَةَ افْعَلْ وَحْدَهَا لم تَقْتَضِ التَّسْوِيَةَ لَكِنَّ الْمَجْمُوعَ الْمُرَكَّبَ من افْعَلْ أو لَا تَفْعَلْ فَعَلَى هذا لَا يَصْدُقُ عليه أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ صِيغَةُ الْأَمْرِ من حَيْثُ هِيَ صِيغَةُ الْأَمْرِ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُمْ هذا الْمِثَالَ من صِيغَةِ افْعَلْ وَعُذْرُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِعْمَالُهَا حَيْثُ يُرَادُ التَّسْوِيَةُ بِالْكَلَامِ الذي هِيَ فيه الْخَامِسَ عَشَرَ الِاحْتِيَاطُ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا قام أحدكم من النَّوْمِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الْإِنَاءِ حتى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فإنه لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ أَيْ فَلَعَلَّ يَدَهُ لَاقَتْ نَجَاسَةً من بَدَنِهِ لم يَعْلَمْهَا فَلْيَغْسِلْهَا قبل إدْخَالِهَا لِئَلَّا يُفْسِدَ الْمَاءَ السَّادِسَ عَشَرَ الدُّعَاءُ وَالْمَسْأَلَةُ نحو رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا رَبَّنَا اغْفِرْ لنا وقد أَوْرَدَ على تَسْمِيَتِهِمْ ذلك في الْأُولَى سُؤَالًا قَوْله تَعَالَى وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَأَجَابَ الْعَسْكَرِيُّ في الْفُرُوقِ بِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَقْفِ في الْكَلَامِ وَاسْتِعْطَافِ السَّامِعِ بِهِ وَمَثَّلَ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَقَوْلِك كُنْ بِخَيْرٍ السَّابِعَ عَشَرَ الِالْتِمَاسُ كَقَوْلِك لِنَظِيرِك افْعَلْ وَهَذَا أَخَصُّ من إرَادَةِ الِامْتِثَالِ الْآتِي الثَّامِنَ عَشَرَ التَّمَنِّي كَقَوْلِك لِشَخْصٍ تَرَاهُ كُنْ فُلَانًا كَذَا مَثَّلَهُ ابن فَارِسٍ وَنَحْوُهُ تَمْثِيلُ الْأُصُولِيِّينَ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ انْجَلِي بِمَعْنَى الِانْجِلَاءِ لِطُولِهِ وَنَزَّلُوا لَيْلَ الْمُحِبِّ لِطُولِهِ مَنْزِلَةَ ما يَسْتَحِيلُ انْجِلَاؤُهُ مُبَالَغَةً وَإِلَّا فَانْجِلَاءُ اللَّيْلِ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَيَجِيءُ من هذا الْمِثَالِ السُّؤَالُ السَّابِقُ في التَّسْوِيَةِ فإن الْمُسْتَعْمَلَ في التَّمَنِّي هو صِيغَةُ الْأَمْرِ مع صِيغَةِ إلَّا لَا الصِّفَةُ وَحْدَهَا فَالْأَحْسَنُ مِثَالُ ابْنِ فَارِسٍ التَّاسِعَ عَشَرَ الِاحْتِقَارُ قال أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ يَعْنِي أَنَّ السِّحْرَ وَإِنْ عَظُمَ شَأْنُهُ فَفِي مُقَابَلَةِ ما أتى بِهِ مُوسَى عليه السَّلَامُ حَقِيرٌ الْعِشْرُونَ الِاعْتِبَارُ وَالتَّنْبِيهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَوْلِهِ قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ فَانْظُرُوا وَمَثَّلَهُ الْعَبَّادِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَجَعَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ من أَمْثِلَةِ تَذْكِيرِ النِّعَمِ لهم الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ التَّحْسِيرُ وَالتَّلْهِيفُ ذَكَرَهُ ابن فَارِسٍ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ وقَوْله تَعَالَى اخْسَئُوا فيها وَلَا تُكَلِّمُونِ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ التَّصْبِيرُ كَقَوْلِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا وقَوْله تَعَالَى فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا وَقَوْلِهِ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا ذَكَرَ هذه الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ الْقَفَّالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَبَرُ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا الْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَيَضْحَكُونَ وَيَبْكُونَ وَمَثَّلَهُ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ من اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَيْ أُذِنْتُمْ بِحَرْبٍ أَيْ كُنْتُمْ أَهْلَ حَرْبٍ وَمِنْهُ على أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ إذَا لم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ ما شِئْت أَيْ صَنَعْت ما شِئْت وَعَكْسُهُ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ الْمَعْنَى لِتُرْضِعْنَ الْوَالِدَاتُ أَوْلَادَهُنَّ وَهَكَذَا أَبْلَغُ من عَكْسِهِ لِأَنَّ النَّاطِقَ بِالْخَبَرِ مُرِيدًا بِهِ الْأَمْرَ كَأَنَّهُ نَزَّلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ التَّحْكِيمُ وَالتَّفْوِيضُ كَقَوْلِهِ فَاقْضِ ما أنت قَاضٍ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَسَمَّاهُ ابن فَارِسٍ وَالْعَبَّادِيُّ التَّسْلِيمَ وَسَمَّاهُ ابن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الِاسْتِبْسَالَ قال أَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ قد اسْتَعَدُّوا له بِالصَّبْرِ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ تَارِكِينَ لِدِينِهِمْ وَأَنَّهُمْ يَسْتَقِلُّونَ بِمَا هو فَاعِلٌ في جَنْبِ ما يَتَوَقَّعُونَهُ من ثَوَابِ اللَّهِ قال وَمِنْهُ قَوْلُ نُوحٍ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ أَخْبَرَهُمْ بِهَوَانِهِمْ عليه الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ التَّعَجُّبُ ذَكَرَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أو حَدِيدًا وَجَعَلَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ من قِسْمِ التَّعْجِيزِ وَنَقَلَ الْعَبَّادِيُّ في الطَّبَقَاتِ وُرُودَ التَّعَجُّبِ عن أبي إِسْحَاقَ الْفَارِسِيِّ وَمَثَّلَهُ قَوْله تَعَالَى اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَك الْأَمْثَالَ وَمَثَّلَ ابن فَارِسٍ وَالْعَلَمُ الْقَرَافِيُّ لِلتَّعَجُّبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ وهو أَلْيَقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ بِمَعْنَى التَّكْذِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَقَوْلِهِ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الْآيَةَ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْمَشُورَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ السُّؤَالَ يَحِلُّ مَحَلَّ الْحَاجَةِ إلَى ما يُسْأَلُ وَالْمَشُورَةُ تَقَعُ تَقْوِيَةً لِلْعَزْمِ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ قُرْبُ الْمَنْزِلَةِ ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ الْإِهَانَةُ كَقَوْلِهِ ذُقْ إنَّك أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ فَكِيدُونِي جميعا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ وَقَوْلِهِ وَأَجْلِبْ عليهم بِخَيْلِك وَرَجِلِك وَشَارِكْهُمْ في الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ذَكَرَهُ ابن الْقَطَّانِ وَالصَّيْرَفِيُّ قَالَا وَلَيْسَ هذا أَمْرَ إبَاحَةٍ لِإِبْلِيسَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ ما يَكُونُ مِثْلَ ذلك لَا يَضُرُّ عِبَادِي كَقَوْلِهِ إنَّ عِبَادِي ليس لَك عليهم سُلْطَانٌ وَسَمَّاهُ جَمَاعَةٌ بِالتَّهَكُّمِ وَضَابِطُهُ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظٍ دَالٍّ على الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمُرَادُ ضِدُّهُ وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ بِأَنَّ الْإِهَانَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ أو بِالْفِعْلِ أو تَرْكِهِمَا دُونَ مُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ وَالِاحْتِقَارُ إمَّا مُخْتَصٌّ بِهِ أو وَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَا مَحَالَةَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ بِدَلِيلِ أَنَّ من اعْتَقَدَ في شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ يُقَالُ إنَّهُ احْتَقَرَهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ أَهَانَهُ ما لم يَصْدُرْ منه قَوْلٌ أو فِعْلٌ يُنْبِئُ عنه الثَّلَاثُونَ التَّحْذِيرُ وَالْإِخْبَارُ عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى تَمَتَّعُوا في دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إرَادَةُ الِامْتِثَالِ كَقَوْلِك عِنْدَ الْعَطَشِ اسْقِنِي مَاءً فَإِنَّك لَا تَجِدُ من نَفْسِك عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ إلَّا إرَادَةَ السَّقْيِ أَعْنِي طَلَبَهُ فَإِنْ فُرِضَ ذلك من السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ تُصُوِّرَ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أو النَّدْبِ مع هذه الزِّيَادَةِ وهو إتْحَافُ السَّيِّدِ بِغَرَضِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ إرَادَةُ الِامْتِثَالِ لِأَمْرٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ فإنه لم يَقْصِدْ الْأَمْرَ بِأَنْ يَقْتُلَ وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بِهِ الِاسْتِسْلَامُ وَعَدَمُ مُلَابَسَةِ الْفِتَنِ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ التَّخْيِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَفِيهِ ما سَبَقَ في التَّسْوِيَةِ ثُمَّ قال وَأَقْسَامُ الْأَوَامِرِ كَثِيرَةٌ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ كَثْرَةً وَكُلُّهَا تُعْرَفُ بِمَخَارِجِ الْكَلَامِ وَسِيَاقِهِ وَبِالدَّلَائِلِ التي يَقُومُ عليها ثُمَّ تَكَلَّمَ على الْقَرَائِنِ السَّابِقَةِ في حَمْلِ الصِّيغَةِ على ما سَبَقَ قال وَكُلُّ ما كان من بَابِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْمُعَاوَضَاتِ فَالْأَمْرُ فيه إرْشَادٌ وَحَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ كَالْأَمْرِ بِالْكِتَابَةِ بِالْبَيْعِ وَقَوْلُهُ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عليه أَيْ إنْ شِئْتُمْ وَلِهَذَا قال فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ له قال وَكُلُّ ما جَازَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ على خُصُوصِ الْعَامِّ جَازَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ على أَنَّ الْأَمْرَ ليس لِلْوُجُوبِ قال وقد تَرِدُ الْآيَةُ الْوَاحِدَةُ بِأَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِمَعْنَيَيْنِ نحو قَوْلِهِ كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَقَوْلِهِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَقَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ ثُمَّ قال وَآتُوهُمْ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ أَجْمَعُوا على أنها مَتَى كانت بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَالشَّفَاعَةِ أو التَّعْجِيزِ أو التَّهْدِيدِ أو الْإِهَانَةِ أو التَّقْرِيعِ أو التَّسْلِيمِ وَالتَّحْكِيمِ لم يَكُنْ أَمْرًا وَأَمَّا التَّكْوِينُ فَقَدْ سَمَّاهُ أَصْحَابُنَا أَمْرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى كُنْ فَيَكُونُ وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ أَمْرٌ وَاخْتَلَفُوا في النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ لِاخْتِلَافِهِمْ في الْأَمْرِ بِالنَّوَافِلِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاخْتَلَفُوا فيه بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ فقال الْجُمْهُورُ هو غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وقال طَائِفَةٌ من مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ انْتَهَى إذَا عَلِمْت هذا فَلَا خِلَافَ أنها لَيْسَتْ حَقِيقَةً في جَمِيعِ هذه الْمَعَانِي لِأَنَّ أَكْثَرَهَا لم يُفْهَمْ من صِيغَةِ افْعَلْ لَكِنْ بِالْقَرِينَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في بَعْضِهَا قال الْإِمَامُ الْخِلَافُ في أُمُورٍ خَمْسَةٍ منها وَهِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ وَلَيْسَ كما زَعَمَ لِمَا سَيَأْتِي وعبارة أبي الحسين بن القطان اختلف أصحابنا فيما قام الدليل على عدم وجوبه من هذه الصيغ هل يسمى أمرا على قولين انتهى وفي كتاب المصادر عن الشريف المرتضى أنها حقيقة في طلب الفعل والإباحة والتهديد والتحذير وقد اختلفوا في ذلك على بضعة عشر قولا الأول أنها حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي وهو قول الفقهاء وجماعة المتكلمين ونقل عن الشافعي قاله إمام الحرمين في التلخيص أما الشافعي فقد ادعى كل من أهل هذه المذاهب أنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات متفرقة في كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه واستنبط منها مصيره إلى الوقف وهذا عدول عن سنن الإنصاف فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل الأمر على الوجوب وقال ابن القشيري إنه مذهب الشافعي وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني وهذا الذي ذكرناه من أن الأمر بمجرده يحمل على الوجوب هو الظاهر من كلام الشافعي فإنه قال في الرسالة وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على التحريم حتى تأتي دلالة تدل على غير ذلك ثم قال يعني الشافعي بعد ذلك بكلام كثير ويحتمل أن يكون الأمر كالنهي وأنهما على الوجوب إلى أن يدل دليل على خلاف ذلك فقد قطع القول في النهي أنه على التحريم وسوى بين الأمر في ظاهر كلامه والثاني وذكر أبو علي الوجوب إلا أنه لم يصرح بذلك في الأمر كتصريحه إياه في النهي فجملته أن ظاهر مذهب الشافعي أن الأمر بمجرده على الوجوب إلى أن يدل دليل على خلافه وهو قول أكثر أصحابنا منهم أبو العباس وأبو سعيد وابن خيران وغيرهم وهو قول مالك وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء انتهى قلت الذي يقتضيه كلام الشافعي أن النهي للتحريم قولا واحدا حتى يرد ما يصرفه وأن له في الأمر قولين أرجحهما أنه مشترك بين الثلاثة أعني الإباحة والوجوب الثاني أنه للوجوب وهو الأقوى دليلا فإنه قال في أحكام القرآن فيما جاء من أمر النكاح قال الشافعي رضي الله عنه على قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني أحدها أن يكون الله عز وجل حرم شيئا ثم أباحه كقوله وإذا حللتم فاصطادوا وأن يكون دلهم على ما فيه رشدهم كقوله صلى الله عليه وسلم سافروا تصحوا وأن يكون حتما وفي كل حتم من الله الرشد فيجتمع الحتم والرشد وقال بعض أهل العلم الأمر كله للإباحة حتى توجد دلالة من الكتاب أو السنة أو الإجماع على أنه أريد به الحتم فيكون فرضا قال الشافعي وما نهى الله أو رسوله عنه محرم حتى توجد الدلالة على أن النهي على غير التحريم وإنما أريد به الإرشاد أو تنزها أو تأدبا والفرق بين الأمر والنهي من قوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا ويحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين إلا بدلالة أنهما غير لازمين انتهى وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز هو حقيقة في الوجوب عند الفقهاء واختاره الإمام وأتباعه قال الشيخ أبو إسحاق وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب الشيخ أبي إسحاق المروزي ببغداد وقال الأستاذ أبو إسحاق إنه لا يجوز غيره في تركه دفع الشريعة وقال القاضي عبد الوهاب إنه قول مالك وكافة أصحابه وقال في الملخص هو قول أصحابنا وأكثر الحنفية والشافعية والأقلين من الأصوليين وقال أبو بكر الرازي هو مذهب أصحابنا وإليه كان يذهب شيخنا أبو الحسن الكرخي وقال أبو زيد الدبوسي هو قول جمهور العلماء ثم ظاهر إطلاقهم أنا نقطع بأنه للوجوب وقال المازري بل ظاهر فيه مع احتمال غيره لكن الوجوب أظهر وهل ذلك بوضع اللغة أو الشرع فقيل اللغة وصححه أبو إسحاق ونقله إمام الحرمين في مختصر التقريب عن الأكثرين من القائلين باقتضاء الصيغة للوجوب وأنه كذلك بأصل الوضع لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من قد خالف مطلق الأمر عاصيا وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر واقتضى ذلك دلالة الأمر المطلق على الوجوب وقال المازري صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم وقيل بوضع الشرع وحكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى واختاره وقيل بضم الشرع إلى الفقه وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفراييني فيما حكاه المازري في شرح البرهان واختاره إمام الحرمين أيضا ونزل عليه كلام عبد الجبار وهو المختار فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه وعن المستوعب للقيرواني حكاية قول رابع أنه يدل بالعقل قال الشيخ أبو إسحاق وفائدة الوجهين في الاقتضاء باللغة أو بالشرع أنا إن قلنا يقتضيه من حيث اللغة وجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان من الشارع أو غيره إلا ما خرج بدليل وإن قلنا من حيث الشرع كان الوجوب مقصورا على أوامر صاحب الشرع حكاه بعض شراح اللمع وأغرب صاحب المصادر فحكى عن الأكثرين أنه يقتضي الوجوب بمجرده ثم حكى قولا آخر أنه يقتضي الإيجاب قال والفرق بينهما أن من قال يقتضي الوجوب أراد به أنه يدل على وجوبه لا أنه يؤثر في وجوبه ومن قال يقتضي الإيجاب أراد به أنه بالأمر يصير الفعل واجبا ويؤثر في وجوبه والثاني أنها حقيقة في الندب وهو قول كثير من المتكلمين منهم أبو هاشم وقال الشيخ أبو حامد إنه قول المعتزلة بأسرها وقال أبو يوسف في الواضح هو أظهر قولي أبي علي وإليه ذهب عبد الجبار وربما نسب للشافعي قال القاضي عبد الوهاب كلامه في أحكام القرآن يدل عليه قال الشيخ أبو إسحاق وحكاه الفقهاء عن المعتزلة وليس هو مذهبهم على الإطلاق بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحكيم لا يريد إلا الحسن والحسن ينقسم إلى واجب وندب فيحمل على المحقق وهو الندب فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب إلا على هذا التقدير وقال إمام الحرمين هذا أقرب إلى حقيقة مذهب القوم وقال الأستاذ أبو منصور هو قول المعتزلة لأن عندهم أن الأمر يقتضي حسن المأمور به وقد يكون الحسن واجبا وقد يكون ندبا وكونه ندبا يقين وفي وجوبه شك فلا يجب إلا بدليل وذكر ابن السمعاني نحوه والثالث أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب وحكاه البيهقي في سننه عن حكاية الشافعي في كتاب النكاح فقال وقال بعضهم الأمر كله على الإباحة والدلالة على المرشد حتى توجد الدلالة على أنه أريد بالأمر الحتم وما نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة بأنه على غير التحريم واحتج له بحديث أبي هريرة إذا أمرتكم بأمر ثم قال قال الشافعي وقد يحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين إلا بدلالة أنهما غير لازمين ويكون قوله فأتوا منه ما استطعتم أن عليهم الإتيان بما استطاعوا لأن الناس إنما يلزمون بما استطاعوا وعلى أهل العلم طلب الدلائل حتى يفرقوا بين الأمر والنهي معا انتهى وقال الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب حكي عن بعض أصحابنا أن الأمر للندب وأنه للإباحة وهذا لا يعرف عنهم بل المعروف من عصر الصحابة إلى وقتنا هذا أن الأمر على الوجوب وإنما هذا قول قوم ليسوا من الفقهاء أدخلوا أنفسهم فيما بين الفقهاء كما نسب قوم إلى الشافعي القول بالتوقف في العموم وليس هو مذهبه انتهى الرابع أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب وحكي عن المرتضى من الشيعة وليس كذلك فقد سبق عن صاحب المصادر حقيقة مذهبه وقال الغزالي صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الوجوب والندب وقد سبق تأويله من كلام ابن القطان الخامس أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب لكن يحكم بالوجوب ظاهرا في حق العمل احتياطا دون الاعتقاد وبه قال أبو منصور الماتريدي السادس حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي لكنا ما ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة ونعرف أن لا رابع وحكي عن بعض الواقفية كالشيخ والقاضي وحكاه بعضهم عن ابن سريج وقال إنه صار إلى التوقف حتى يتبين المراد والتوقف عنده في تعيين المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له لأنه عنده موضوع بالاشتراك العقلي للوجوب والندب والإباحة والتهديد وذهب الغزالي وجماعة من المحققين إلى التوقف في تعيين الموضوع له أنه للوجوب فقط أو الندب فقط أو مشترك بينهما اشتراكا لفظيا السابع مشتركة بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة وهل هو بالاشتراك اللفظي أو المعنوي رأيان الثامن أنها مشتركة بين الخمسة هذه الثلاثة والكراهة والتحريم حكاه في المحصول التاسع مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد حكاه الغزالي ونسبه للأشعري والقاضي وأصحابهما قال وعندهم أنها مشتركة بحكم الوضع الأصلي فيكون حقيقة في كل واحد منهما بظاهره وإنما يحمل عليه بدليل وغاير ابن برهان بين مذهب الشيخ والقاضي ذهب الشيخ وأصحابه إلى أن الأمر ليست له صيغة تخصه وإنما قول القائل افعل مشترك بين الأمر والنهي والتهديد والتعجيز والتكوين لا يحمل على شيء منها إلا بدليل ثم ذكر مذهب القاضي كما سيأتي العاشر أنه حقيقة في الطلب مجاز فيما سواه قال الآمدي وهو الأصح الحادي عشر أن أمر الله للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للندب إلا ما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن شيخه أبي بكر الأبهري وكذا حكاه عنه المازري في شرح البرهان وقال إن النقل اختلف عنه فروي عنه كذا وروي عنه موافقة من قال إنه للندب على الإطلاق وقال القاضي عبد الوهاب في كلامه على الأدلة وأما ما حكيناه عن الأبهري فإنه ذكره في شرحه وهو كالمتروك وكان يستدل على ذلك بأن المسلمين فرقوا بين السنن والفرائض فأضافوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على ما قلناه وبهذا فارق بيان المجمل من الكتاب لأنه ليس بابتداء منه قال والصحيح هذا الذي كان يقوله آخر أمره وأنه لا فرق بين أوامر الله تعالى وأوامر رسوله من كون جميعها على الوجوب الثاني عشر وحكاه ابن برهان عن القاضي وأصحابه أنه ليست له صيغة تخصه وليست مشتركة بين الأمر وغيره ولا يدل عند قول القائل افعل على معنى أو مشترك وإنما يدل عند انضمام القرينة إليها ونزول الصيغة من القرينة منزلة الزاي من زيد لا يدل على تركب من الزاي والياء والدال حينئذ يدل على معنى وكذلك قولك افعل بدون القرينة لا يدل على شيء فإذا انضمت القرينة إليه حينئذ دل على المقصود وقال الشيح أبو حامد الإسفراييني ذهب الأشعري ومن تابعه إلى أن لفظ الأمر لا يدل على وجوب ولا غيره بمجرده ولا يحمل على شيء إلا بدليل تنبيهات الأول قال أبو الحسين البصري المسألة ظنية لأنها وسيلة إلى العمل فتنتهض فيها الأدلة الظنية وقال غيره قطعية إذ هي من قواعد أصول الفقه وبنى الصفي الهندي على هذا فقال المطلوب في هذه المسألة إن كان هو القطع فالحق فيها هو التوقف وإن كان أعم منه وهو الحكم إما على سبيل القطع أو الظن وهو الأشبه فالأغلب على الظن أن الحق فيما هو القول بالوجوب الثَّانِي أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ حَقِيقَةً في شَيْءٍ مَجَازًا في غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُرَدَّ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ إلَى الْعَلَاقَةِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى مَجَازِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ الْبَعْضَ يُوجَدُ فيه فَأَشْبَهَ الطَّلَبَ بِوَجْهٍ فإن التَّعْجِيزَ وَالتَّكْوِينَ وَالتَّخْيِيرَ طَلَبٌ بِوَجْهٍ ما وَكَذَا النَّهْيُ الثَّالِثُ أَنَّهُ تَرِدُ صِيغَةُ الْخَبَرِ لِلْأَمْرِ نحو وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ وهو مَجَازٌ وَالْعَلَاقَةُ فيه ما يَشْتَرِكُ كُلُّ وَاحِدٍ منها في تَحْقِيقِ ما تَعَلَّقَ بِهِ وَكَذَا الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ نحو لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ نعم هَاهُنَا بَحْثٌ دَقِيقٌ أَشَارَ إلَيْهِ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ وهو أَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ عليه ما يَتَرَتَّبُ على الْأَمْرِ من الْوُجُوبِ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ أو يَكُونُ ذلك مَخْصُوصًا بِالصِّيغَةِ الْمَعْنِيَّةِ وَهِيَ صِيغَةُ افْعَلْ ولم يُرَجِّحْ شيئا وَهَذَا الْبَحْثُ قد دَارَ بين الشَّيْخَيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ في مَسْأَلَةِ الزِّيَارَةِ فَادَّعَى ابن تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَجَعَلَ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثٍ في مَعْنَى النَّهْيِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ كما أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَنَازَعَهُ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ وقال هذا مَحْمُولٌ على الْأَمْرِ بِصِيغَةِ افْعَلْ وَعَلَى النَّهْيِ بِصِيغَةِ لَا تَفْعَلْ إذْ هو الذي يَصِحُّ دَعْوَى الْحَقِيقَةِ فيه وَأَمَّا ما كان مَوْضُوعًا حَقِيقَةً لِغَيْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيُفِيدُ مَعْنَى أَحَدِهِمَا كَالْخَبَرِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالنَّفْيِ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَلَا يُدَّعَى فيه أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في وُجُوبٍ وَلَا تَحْرِيمٍ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ أو النَّهْيُ فَدَعْوَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً في إيجَابٍ أو تَحْرِيمٍ وهو مَوْضُوعٌ لِغَيْرِهِمَا مُكَابَرَةٌ قال وَهَذَا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ وَيَغْتَرُّونَ بِإِطْلَاقِ الْأُصُولِيِّينَ وَيُدْخِلُونَ فيه كُلَّ ما أَفَادَ نَهْيًا أو أَمْرًا وَالْمُحَقِّقُ الْفَاهِمُ يَعْرِفُ الْمُرَادَ وَيَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ في مَوْضِعِهِ قُلْت صَرَّحَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَمْرِ ذِي الصِّيغَةِ قال وَمِنْ الدَّلِيلِ على أَنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ دُخُولُ النَّسْخِ فيه وَالْأَخْبَارُ الْمَحْضَةُ لَا يَلْحَقُهَا النَّسْخُ وَلِأَنَّهُ لو كان خَبَرًا لم يُوجَدْ خِلَافُهُ قال وَمِنْ هذا الْبَابِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا قَوْله تَعَالَى لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ وقال بَعْضُهُمْ لَا إذَا كانت نَافِيَةً أَبْلَغُ في الْخِطَابِ من النَّهْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ قد كان قَارًّا قبل وُرُودِهِ وَالنَّفْيُ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عن حَالَتِهِ وَأَنَّهَا كانت مَنْفِيَّةً فلم تَكُنْ ثَابِتَةً قبل ذلك وَهَاهُنَا فَوَائِدُ إحْدَاهَا في الْعُدُولِ عن صِيغَةِ الطَّلَبِ إلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ وَفَوَائِدُ منها أَنَّ الْحُكْمَ الْمُخْبَرَ بِهِ يُؤْذِنُ بِاسْتِقْرَارِ الْأَمْرِ وَثُبُوتِهِ على حُدُوثِهِ وَتَجَدُّدِهِ فإن الْأَمْرَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا فِعْلًا حَادِثًا فإذا أُمِرَ بِالشَّيْءِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ آذَنَ ذلك بِأَنَّ هذا الْمَطْلُوبَ في وُجُوبِ فِعْلِهِ وَلُزُومِهِ بِمَنْزِلَةِ ما قد حَصَلَ وَتَحَقَّقَ فَيَكُونُ ذلك أَدْعَى إلَى الِامْتِثَالِ وَمِنْهَا أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ وَإِنْ دَلَّتْ على الْإِيجَابِ فَقَدْ يُحْتَمَلُ الِاسْتِحْبَابُ فإذا جِيءَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ عُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ وَانْتَفَى احْتِمَالُ الِاسْتِحْبَابِ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَحْكَامَ قِسْمَانِ خِطَابُ وَضْعٍ وَأَخْبَارٌ وهو جَعْلُ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَهَذَا من النَّوْعِ فإن الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ فإذا جِيءَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ كان فيه دَلَالَةٌ على أَنَّهُ من قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ الْمُمْتَازَةِ عن سَائِرِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَيُوَضِّحُ هذا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لو كانت مَجْنُونَةً ثَبَتَ حُكْمُ الْعِدَّةِ في حَقِّهَا وَإِنْ لم تَكُنْ مُكَلَّفَةً الثَّانِيَةُ الْخَبَرُ الذي هو مَجَازٌ عن الْأَمْرِ في مِثْلِ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ هل هو مَجْمُوعُ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ أو خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ كَلَامُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ يَمِيلُ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ الْمَعْنَى وَالْوَالِدَاتُ لَيُرْضِعْنَ وَبَعْضِهِمْ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَكُونُ جُمْلَةً إنْشَائِيَّةً الثَّالِثَةُ الْمَشْهُورُ جَوَازُ وُرُودِ صِيغَةِ الْخَبَرِ وَالْمُرَادُ بها الْأَمْرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ جَمَعَ رَجُلٌ عليه ثِيَابَهُ وَحَسْبُك دِرْهَمٌ أَيْ اكْتَفِ بِهِ وَمَنَعَهُ السُّهَيْلِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ قال وَإِنَّمَا هو خَبَرٌ عن حُكْمِ الشَّرْعِ فَإِنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لَا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ من الشَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ من ذلك وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى على خِلَافِ مُخْبَرِهِ وَقِيلَ لِتَتَرَبَّصَ بِحَذْفِ اللَّامِ سقط مسألة إذَا دَلَّ على انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ فَهَلْ يُحْمَلُ على النَّدْبِ أو يُتَوَقَّفُ وَلَا يُحْمَلُ عليه وَلَا على غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ فيه قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ وَعُزِيَ الثَّانِي لِأَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ قال فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كان لِلْإِبَاحَةِ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على نَفْيِ الْإِبَاحَةِ فَفِي جَوَازِ الْفِعْلِ وهو أَنْ يَكُونَ غير مَحْظُورٍ وَلَا يَكُونُ له حُكْمُ الْبَاطِلِ قال وَهَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ من الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا بَعِيدٌ عنه إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ على انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ وَحُمِلَ على النَّدْبِ فَهَلْ هو مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً أو مَجَازًا خِلَافٌ سَبَقَ في بَحْثِ النَّدْبِ وَقِيلَ إطْلَاقُ الْأَمْرِ عليها من بَابِ الْمُشَكَّكِ كَالْوُجُودِ وَالْبَيَاضِ لِأَنَّهُ في الْوُجُوبِ أَوْلَى إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ على انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ وَحُمِلَ على الْإِبَاحَةِ فَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَاخْتَارَهُ ابن عَقِيلٍ وَنَقَلَهُ عن جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَذَكَرَ أبو الْخَطَّابِ منهم أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ من فَوَائِدِ الْأَمْرِ هل هو حَقِيقَةٌ في النَّدْبِ فَيَجِيءُ فيها الْخِلَافُ وَحَكَى ابن عَقِيلٍ أَنَّ الْإِبَاحَةَ أَمْرٌ وَالْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ الْبَلْخِيّ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ لم يُرَدْ بِهِ الْوُجُوبُ فَهَلْ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ في الْجَوَازِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي الطَّبَرِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَصَحَّحُوا الْمَنْعَ لِأَنَّ الْأَمْرَ لم يُوضَعْ لِلْجَوَازِ وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلْإِيجَابِ وَالْجَوَازُ يَدْخُلُ فيه تَبَعًا فإذا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّابِعُ وقد سَبَقَتْ أَيْضًا مَسْأَلَةُ إذَا صَدَرَ من الشَّارِعِ مُجَرَّدًا عن الْقَرِينَةِ وَقُلْنَا يُحْمَلُ على الْوُجُوبِ وَجَبَ الْفِعْلُ لَا مَحَالَةَ وفي وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ قبل الْبَحْثِ خِلَافُ الْعَامِّ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ في بَابِ الْعُمُومِ قال فَعَلَى قَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ يُحْمَلُ الْأَمْرُ على الْوُجُوبِ بِظَاهِرِهِ وَالنَّهْيُ على التَّحْرِيمِ بِظَاهِرِهِ وَعَلَى هذا الْقَوْلُ يُتَوَقَّفُ وَسَيَأْتِي في بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقد تَعَرَّضَ هَاهُنَا صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ فقال إذَا صَدَرَ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ من مُفْتَرِضِ الطَّاعَةِ فَحُكْمُهُ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ وَاعْتِقَادُهُ قَطْعًا هذا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وقال مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ منهم الْمَاتُرِيدِيُّ إنَّ حُكْمَهُ من حَيْثُ الظَّاهِرُ عَمَلًا لَا اعْتِقَادًا على طَرِيقِ التَّعْيِينِ وهو أَنْ لَا يُعْتَقَدَ فيه نَدْبٌ وَلَا ما يُنَافِيهِ وَلَا خِلَافَ في وُجُوبِ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ وَبُنِيَ على هذا ما لو اقْتَرَنَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ قَرِينَةُ النَّدْبِ أو الْإِبَاحَةِ أو التَّهْدِيدِ فَمَنْ قال الْوُجُوبُ عَيْنًا فَلَيْسَ بِأَمْرٍ عِنْدَهُ لِانْعِدَامِ حُكْمِهِ بَلْ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَمْرِ عليه مَجَازًا انْتَهَى وَأَقُولُ الْأَمْرُ ضَرْبَانِ أَمْرُ إعْلَامٍ وَأَمْرُ إلْزَامٍ فَأَمَّا أَمْرُ الْإِعْلَامِ فَمُخْتَصٌّ بِالِاعْتِقَادِ دُونَ الْفِعْلِ وَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْأَمْرُ على الِاعْتِقَادِ بِزَمَانٍ وَاحِدٍ وهو وَقْتُ الْعِلْمِ بِهِ وَأَمَّا أَمْرُ الْإِلْزَامِ فَمُتَوَجِّهٌ إلَى الِاعْتِقَادِ وَالْفِعْلِ فَيَجْمَعُ بين اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَإِيجَابِ الْفِعْلِ وَلَا يُجْزِئُهُ الِاقْتِصَارُ على أَحَدِهِمَا فَإِنْ فَعَلَهُ قبل اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ لم يَجُزْ وَإِنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ ولم يَفْعَلْ كان مَأْخُوذًا بِهِ وَلَا يَلْزَمُ تَجْدِيدُ الِاعْتِقَادِ عِنْدَ الْفِعْلِ إذَا كان على ما تَقَدَّمَ من اعْتِقَادِهِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ تَعَبُّدُ إلْزَامٍ وَالْفِعْلُ تَأْدِيَةُ مُسْتَحَقٍّ وَيَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْأَمْرُ على الْفِعْلِ بِزَمَانِ الِاعْتِقَادِ وَاخْتُلِفَ في اعْتِبَارِ تَقْدِيمِهِ بِزَمَانِ الْمُتَأَهِّبِ لِلْفِعْلِ على مَذْهَبَيْنِ أَحَدُهُمَا وهو قَوْلٌ شَاذٌّ من الْفُقَهَاءِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ على الْفِعْلِ بِزَمَانَيْنِ أَحَدُهُمَا زَمَانُ الِاعْتِقَادِ وَالثَّانِي زَمَانُ التَّأَهُّبِ لِلْفِعْلِ وَبِهِ قال من الْمُتَكَلِّمِينَ من اعْتَبَرَ الْقُدْرَةَ قبل الْفِعْلِ وَالثَّانِي وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يُعْتَبَرُ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ على الْفِعْلِ بِزَمَانِ الِاعْتِقَادِ وَحْدَهُ وَالتَّأَهُّبُ لِلْفِعْلِ شُرُوعٌ فيه فلم يُعْتَبَرْ تَقْدِيمُهُ عليه وَبِهِ قال من الْمُتَكَلِّمِينَ من اعْتَبَرَ الْقُدْرَةَ مع الْفِعْلِ وَسَبَقَتْ في مَبَاحِثِ التَّكْلِيفِ مسألة يجوز تقديم الأمر يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ على وَقْتِ الْفِعْلِ خِلَافًا لِمَنْ قال لَا تَكُونُ صِيغَةُ افْعَلْ قبل وَقْتِ الْفِعْلِ أَمْرًا بَلْ يَكُونُ إعْلَامًا وَسَبَقَتْ في مَبَاحِثِ التَّكْلِيفِ مسألة قول الصحابى أمرنا رسول الله إذَا قال الرَّاوِي أَمَرَنَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ وَجَبَ حَمْلُهُ على الْوُجُوبِ قال وَحَكَى الْقَاضِي أبو الْحَسَنِ الْحَرِيرِيُّ عن دَاوُد أَنَّهُ قال لَا حُجَّةَ فيه حتى يَنْقُلَ لَفْظَ الرَّسُولِ لِاخْتِلَافِ الناس هل الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أو النَّدْبَ وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَجَعَلَهَا مَبْنِيَّةً على أَنَّ الْمَنْدُوبَ ليس مَأْمُورًا بِهِ وَعِنْدَنَا مَأْمُورٌ بِهِ مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ هل يَقْتَضِي الْجَوَازَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ في قَوْلِ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ كما قَالَهُ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ قال وَأَنْكَرَ هذا الْإِطْلَاقَ وقال الْأَمْرُ إذَا اقْتَضَى إيجَابَ الشَّيْءِ فما الْمَعْنَى بِالْجَوَازِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِيجَابِ فَإِنْ قَيَّدْتُمْ الْجَوَازَ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ وَالْخِلَافُ في الْعِبَارَةِ فَإِنَّا لَا نَسْتَحْسِنُ تَسْمِيَةَ الْوُجُوبِ جَوَازًا وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِالْجَوَازِ شيئا آخَرَ سِوَى الْوُجُوبِ فَهُوَ مُحَالٌ وَيُؤَوَّلُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مُبَاحٌ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَثْبُتُ حُسْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ شَرْعًا وَاتَّفَقُوا على ثُبُوتِ صِفَةِ الْجَوَازِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّ الْحُسْنَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يُثْبِتُ جَوَازَ الْأَدَاءِ حتى يَقْتَرِنَ بِهِ دَلِيلٌ بِدَلِيلِ من ظَنَّ طَهَارَتَهُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فإنه مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ شَرْعًا وَلَا تَكُونُ جَائِزَةً إذَا أَدَّاهَا على هذه الصِّفَةِ وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْأَدَاءِ شَرْعًا وَلَا يَكُونُ الْمُؤَدَّى جَائِزًا إذَا أُدِّيَ وَهَذَا مَمْنُوعٌ حُكْمًا وَتَوْجِيهًا مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَهَلْ يَقْتَضِيهَا شَرْعًا أو لُغَةً يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ الْآتِي في النَّهْيِ مَسْأَلَةٌ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ كَذَا حَكَاه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن بَرْهَانٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَالْبَاجِيُّ في الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُمْ وَخَرَّجُوا على ذلك الْوُضُوءَ الْمُنَكَّسَ وَالطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ نُهِيَ عنه إجْمَاعًا أَمَّا عِنْدَنَا فَنَهْيُ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا عِنْدَهُمْ فَنَهْيُ تَنْزِيهٍ وإذا كَانَا مَنْهِيَّيْنِ لم يَكُونَا مَأْمُورَيْنِ لِمَا بين الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ من التَّضَادِّ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَصِحَّانِ لِأَنَّ مُطْلَقَ أَمْرِ الشَّارِعِ يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ حِكَايَةَ ذلك عن أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ فَقَطْ ثُمَّ قال وَالصَّحِيحُ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ كما يُثْبِتُ صِفَةَ الْجَوَازِ وَالْحُسْنِ شَرْعًا يُثْبِتُ انْتِفَاءَ صِفَةِ الْكَرَاهَةِ وقال الْمَازِرِيُّ اخْتَارَ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ كَوْنَهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ قال وَهِيَ كَمَسْأَلَةِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ في تَضْمِينِ الْوُجُوبِ لِلْجَوَازِ حتى إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ وَلِهَذَا الْأَصْلِ فُرُوعٌ سَبَقَتْ في فَصْلِ الْمَكْرُوهِ وقال ابن تَيْمِيَّةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَلْبِيسٌ فإن الْأَمْرَ إنَّمَا هو بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَلَيْسَ في الْأَمْرِ تَعَرُّضٌ لِكَرَاهَةٍ وَلَا غَيْرِهَا فإذا قَارَنَتْهَا الْكَرَاهَةُ فقال قَائِلٌ صَلِّ صَلَاةً غير مَأْمُورٍ بها كان ذلك تَدْلِيسًا فإن الْأَمْرَ لم يَتَعَرَّضْ لِلْكَرَاهَةِ بَلْ أَمْرٌ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ فَلَا يُقَالُ هذه الصَّلَاةُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بها مَسْأَلَةٌ وُرُودُ صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ هل تُفِيدُ الْوُجُوبَ إذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ من اقْتِضَاءِ صِيغَةِ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ فَلَوْ وَرَدَتْ صِيغَةٌ بَعْدَ الْحَظْرِ كَالْأَمْرِ بِحَلْقِ الرَّأْسِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ عليه بِالْإِحْرَامِ وَالْأَمْرُ بِحَمْلِ السِّلَاحِ في صَلَاةِ الْخَوْفِ بَعْدَ تَحْرِيمِ حَمْلِهِ فيها فَهَلْ يُفِيدُ الْوُجُوبَ أَمْ لَا فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ على حَالِهَا في اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ كما لو وَرَدَتْ ابْتِدَاءً وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عن أبي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وهو كما قال فإنه نَصَرَهُ في كِتَابِهِ وَنَقَلَهُ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وهو قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هو قَوْلُ أَهْلِ التَّحْصِيلِ مِنَّا وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَنَصَرَهُ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَهُ في الْوَجِيزِ عن الْقَاضِي وَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي كما حَكَاهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لو كُنْت من الْقَائِلِينَ بِالصِّيغَةِ لَقَطَعْت بِأَنَّ الصِّيغَةَ الْمُطْلَقَةَ بَعْدَ الْحَظْرِ مُجْرَاةٌ على الْوُجُوبِ وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ عن الْقَاضِي بِالْوَقْفِ هُنَا كما هُنَاكَ وَحَكَى عن الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَقْوَى تَأْكِيدُ الْوُجُوبِ فيه عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَتَأْكِيدِ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ عن تَقَدُّمِ حَظْرٍ حتى إنَّ هذا يُتْرَكُ عن ظَاهِرِهِ بِدَلَائِلَ لَا تَبْلُغُ في الْقُوَّةِ مَبْلَغَ الْأَدِلَّةِ التي يُتْرَكُ لِأَجْلِهَا ظَاهِرُ الْمُجَرَّدِ عن ذلك قال الْمَازِرِيُّ وَهَذَا عَيْنُ ما اخْتَرْته في الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ كما سَبَقَ وَحَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الْوَاضِحِ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشِّيعَةِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ الْأَقْوَى في النَّظَرِ وقال في الْإِفَادَةِ ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ أو أَكْثَرُهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ على الْإِبَاحَةِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وَالْخَفَّافُ في كِتَابِ الْخِصَالِ بِأَنَّهُ شَرَطَ لِلْأَمْرِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَهُ حَظْرٌ وقال صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَكَذَا حَكَاهُ عن الشَّافِعِيِّ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وقال الْقَاضِي صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في أَظْهَرِ أَجْوِبَتِهِ وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عن الشَّافِعِيِّ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ الْكِتَابَةِ وقال في كِتَابِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ قال الشَّافِعِيُّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَأَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ تَحْتَمِلُ مَعَانِيَ منها الْإِبَاحَةُ كَالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فإذا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا قال فَنَصَّ على أَنَّ الْأَمْرَ الْوَارِدَ بَعْدَ الْحَظْرِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ دُونَ الْإِيجَابِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا انْتَهَى وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ لِلشَّافِعِيِّ كَلَامٌ يَدُلُّ عليه وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ هو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ من تَكَلَّمَ في أُصُولِ الْفِقْهِ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ إنَّهُ الذي صَارَ إلَيْهِ الْفُقَهَاءُ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَطْلَقُوا على أَنَّ ذلك قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّهُ نَصَّ عليه في كَثِيرٍ من كَلَامِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ معه أَنَّهُ مَذْهَبُهُ خِلَافُهُ لَكِنْ قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ الشَّافِعِيُّ يَجْعَلُ تَقَدُّمَ الْحَظْرِ من مُوَلِّدَاتِ التَّأْوِيلِ وَهَذَا منه اعْتِرَافٌ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الْحَظْرِ يُوهِنُ الظُّهُورَ وَلَكِنْ لَا يُسْقِطُ أَصْلَ الظُّهُورِ كَانْطِبَاقِ الْعُمُومِ على سَبَبٍ انْتَهَى وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ وابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَلِذَلِكَ احْتَجَّ على عَدَمِ وُجُوبِ الْكِتَابَةِ بِقَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فقال هو تَوْسِعَةٌ لِقَوْلِهِ وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَالثَّالِثُ إنْ كان الْحَظْرُ السَّابِقُ عَارِضًا لِعِلَّةٍ وَسَبَبٍ وَعُلِّقَتْ صِيغَةُ افْعَلْ بِزَوَالِهَا كَقَوْلِهِ وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَكَقَوْلِهِ كُنْت نَهَيْتُكُمْ عن ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَادَّخِرُوا فإن الْحَظْرَ السَّابِقَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِسَبَبٍ فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ إذَا وَرَدَتْ صِيغَةُ افْعَلْ مُعَلَّقَةً بِرَفْعِهِ دَلَّ في عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ على أَنَّهُ لِدَفْعِ الذَّمِّ فَقَطْ وَيَغْلِبُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ على الْوَضْعِ وَأَمَّا إنْ كان الْحَظْرُ السَّابِقُ قد عَرَضَ لَا لِعِلَّةٍ وَلَا أَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ عُلِّقَتْ بِزَوَالِ ذلك كَالْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَقِيبَ الزِّنَا بَعْدَ النَّهْيِ عن الْإِيلَامِ فَتَبْقَى صِيغَةُ افْعَلْ على ما دَلَّتْ عليه قبل ذلك فَمَنْ قال إنَّهَا لِلْوُجُوبِ قبل ذلك فَهِيَ لِلْوُجُوبِ بِحَالِهَا وَمَنْ قال إنَّهَا مَوْقُوفَةٌ قال هِيَ أَيْضًا مُتَرَدِّدَةٌ بين الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَيُرِيدُ هُنَا أَيْضًا احْتِمَالَ الْإِبَاحَةِ وَلَا تَنْقُصُ الْإِبَاحَةُ بِسَبَبِهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُنَا دَعْوَى عُرْفٍ أو اسْتِعْمَالٍ حتى يُقَالَ بِأَنَّهُ يَغْلِبُ الْعُرْفُ الْوَضْعَ في هذه الصُّورَةِ بِخِلَافِ الْأُولَى بَلْ يَبْقَى التَّرَدُّدُ لَا غَيْرُ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وقال أَمَّا إذَا أُطْلِقَ غير مُعَلَّلٍ بِعَارِضٍ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ لَفْظُ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِمَا تَقَدَّمَ من الْحَظْرِ بِالْكَلَامِ فَإِنْ انْتَفَى التَّعَلُّقُ لم يُؤَثِّرْ قَطْعًا وَيُحْتَمَلُ وَأَمَّا إذَا لم تَرِدْ صِيغَةُ افْعَلْ كَقَوْلِك قال إذَا حَلَلْتُمْ فَأَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاصْطِيَادِ فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَالْإِبَاحَةَ وَالرَّابِعُ الْوَقْفُ بين الْإِبَاحَةِ وَالْوُجُوبِ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن الْمُتَكَلِّمِينَ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مع كَوْنِهِ أَبْطَلَ الْوَقْفَ في لَفْظِهِ ابْتِدَاءً من غَيْرِ تَقَدُّمِ حَظْرٍ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ إنَّهُ الرَّأْيُ الْحَقُّ وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في بَابِ الْكِتَابَةِ من تَعْلِيقِهِ وَالسَّادِسُ أنها تَرْفَعُ الْحَظْرَ السَّابِقَ وَتُعِيدُ حَالَ الْفِعْلِ إلَى ما كان قبل الْحَظْرِ فَإِنْ كان مُبَاحًا كانت لِلْإِبَاحَةِ كَقَوْلِهِ وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا أو وَاجِبًا فَوَاجِبٌ كَقَوْلِهِ فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوَطْءِ وَهَذَا ما اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ من الْحَنَابِلَةِ وَنَسَبَهُ لِلْمُزَنِيِّ قال وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ قَوْله تَعَالَى فإذا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فإن الصِّيغَةَ رَفَعَتْ الْحَظْرَ وَأَعَادَتْهُ إلَى ما كان أَوَّلًا وَهَذَا هو الْمُخْتَارُ عِنْدِي قُلْت وهو ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ فإنه قال كُلُّ ما حُرِّمَ لِحُدُوثِ مَعْنًى فيه وكان قُبَيْلَ حَظْرِهِ غير وَاجِبٍ فِعْلُهُ فإذا وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ بَعْدَ الْحَظْرِ فَالظَّاهِرُ منه الْإِبَاحَةُ وَرَدُّ الشَّيْءِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى أَلَا تَرَى أَنَّ وَطْءَ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ لم يَكُنْ فَرْضًا عليه ثُمَّ حَرُمَ بِحُدُوثِ الْحَيْضِ فلما قِيلَ فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ لم يَكُنْ ذلك إيجَابًا بَلْ إبَاحَةً كَأَنَّهُ قال فإذا تَطَهَّرْنَ فَهِيَ على الْحَالَةِ الْأُولَى وَكَذَا قَوْلُهُ كُنْت نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا أَيْ فَقَدْ أَبَحْت لَكُمْ الْآنَ ما حَظَرْته عَلَيْكُمْ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحَظْرِ على الْأَمْرِ هل هو قَرِينَةٌ تُوجِبُ خُرُوجَهُ عن مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَمْ لَا فَالْقَائِلُونَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ لَا يَرَوْنَهُ قَرِينَةً مُوجِبَةً لِلْخُرُوجِ عن ذلك وَالْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ يَرَوْنَ تَقَدُّمَ الْحَظْرِ قَرِينَةً خَارِجَةً لِلْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عن مُقْتَضَاهُ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ على ذلك وَلَا مُسْتَنَدَ لهم إلَّا دَعْوَى الْفَرْقِ في صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ عن مُقْتَضَاهُ أو دَعْوَى أَكْثَرِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ في ذلك وَطَرِيقُهُمْ في ذلك إيرَادُ النَّظَائِرِ كَقَوْلِهِ وإذا حَلَلْتُمْ فإذا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ وَإِلَّا فَلَا إشْكَالَ في إمْكَانِ الِانْتِقَالِ من بَعْضِ الْأَحْكَامِ إلَى بَعْضٍ كَيْفَ كانت قال وَمِنْ هذا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ ما قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ في هذه وهو مِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِمٌ وَالْوُجُودُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا وَقَرَّرَ كَوْنَ الْمَوْجُودِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ من الْحَظْرِ إلَى الْوُجُوبِ ليس بِقَوِيٍّ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ جَائِزٌ من غَيْرِ شَكٍّ وَإِنَّمَا الْمُخَالِفُ يَدَّعِي أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ وَالْعُرْفَ دَالَّانِ على صَرْفِ الْأَمْرِ على ظَاهِرِهِ في هذا الْمَحَلِّ وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ جَوَازُ الِانْتِقَالِ وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ مُنَازَعَةُ الْخَصْمِ في ذلك وَإِلْزَامُهُ لِلْحُجَّةِ على ما قال وَأَمَّا النَّاظِرُ في نَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ الْإِطْلَاقَاتِ وَأَمْرِ الْعُرْفِ فَإِنْ صَحَّ عِنْدَهُ ما ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ قال بِهِ وَإِلَّا فَلَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ جَعَلَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ وَصَاحِبُ الْمَصَادِرِ الشِّيعِيُّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كان الْحَظْرُ السَّابِقُ شَرْعِيًّا قَالَا فَإِنْ كان عَقْلِيًّا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَدْلُولُهُ عَمَّا كان لِوُرُودِهِ ابْتِدَاءً وَصَرَّحَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ في الْحَظْرِ بين الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ لِلْمَسْأَلَةِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُبَاحًا في أَصْلِهِ إمَّا بِحُكْمِ الْعَقْلِ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ في مُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ مُبَاحٌ أو بِتَوَقُّفٍ من الشَّرْعِ على ذلك ثُمَّ يَرِدُ حَظْرٌ مُعَلَّقٌ بِغَايَةٍ أو شَرْطٍ أو عِلَّةٍ فإذا وَرَدَ افْعَلْ بَعْدَ زَوَالِ ما عَلَّقَ الْحَظْرَ بِهِ فإنه يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ وَيَرْفَعُ الْحَظْرَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَرِدَ حَظْرٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ مُعَلَّلٍ بَعْلَةٍ عَارِضَةٍ وَلَا مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ وَلَا غَايَةٍ ثُمَّ يَرِدَ بَعْدَهُ صِيغَةُ الْأَمْرِ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَمِثْلُهُ بِالْكِتَابَةِ قال وَيَجُوزُ رُجُوعُهَا إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَنْعَ الْكِتَابَةِ إنَّمَا كان لِدُخُولِهَا في الْغَرَرِ وَحَظْرُ الْغَرَرِ مُبْتَدَأٌ الثَّانِي ليس الْمُرَادُ بِالْحَظْرِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فَقَطْ بَلْ الْمُرَادُ ذلك أو أَنَّهُ كان من حَقِّهِ التَّحْرِيمُ فإن الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه مَثَّلَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَجَوَازُ الْكِتَابَةِ على خِلَافِ الْقِيَاسِ وَمِثْلُ ذلك الْإِجَارَةُ وَالْمُسَاقَاةُ الثَّالِثُ قال الْمَازِرِيُّ تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّهُ كَالْمُتَنَاقِضِ إذْ الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقْتَضِي كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ افْعَلْ إذَا وَرَدَ بَعْدَ الْحَظْرِ وقال عبد الْجَلِيلِ الرَّبَعِيُّ في شَرْحِ اللَّامِعِ هذه الْعِبَارَةُ رَغِبَ عنها الْقَاضِي وقال الْأَوْلَى فيها أَنْ يُقَالَ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ لِأَنَّ افْعَلْ يَكُونُ أَمْرًا تَارَةً وَغَيْرَ أَمْرٍ وَالْمُبَاحُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَإِنَّمَا هو مَأْذُونٌ فيه الرَّابِعُ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِبَاحَةِ بِأَنَّ تَقَدُّمَ الْحَظْرِ قَرِينَةٌ صَرَفَتْ لِلْأَمْرِ عن الْوُجُوبِ وَعَارَضَ ابن عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ فقال إذَا رَاعَيْتُمْ الْحَظْرَ الْمُتَقَدِّمَ وَجَعَلْتُمُوهُ قَرِينَةً صَارِفَةً له عن مُقْتَضَاهُ فَكَانَ من حَقِّكُمْ أَنَّهُ يَكُونُ تَهْدِيدًا وَوَعِيدًا وَيَكُونُ قَرِينَةُ الْحَظْرِ صَارِفَةً له إلَى التَّهْدِيدِ حتى تَكُونَ الْقَرِينَةُ مُبَيِّنَةً لِحُكْمٍ من جِنْسِهَا ثُمَّ يَلْزَمُهُمْ النَّهْيُ إذَا وَرَدَ بَعْدَ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ الْمُتَقَدِّمُ قَرِينَةً تَصْرِفُهُ عن ظَاهِرِهِ إلَى الْكَرَاهَةِ وَأُجِيبَ عن الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إنَّمَا لم يُحْمَلْ على التَّهْدِيدِ لِئَلَّا يَبْطُلَ مَقْصُودُ الْأَمْرِ فَحُمِلَ على الْإِبَاحَةِ مُرَاعَاةً له وَصُرِفَ عن الْوُجُوبِ مُرَاعَاةً لِلْقَرِينَةِ وَلِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ ما رَاعَى الْأَمْرَ فَلَا بُدَّ من جَوَابٍ صَحِيحٍ الْخَامِسُ قِيلَ يُحْتَاجُ إلَى الْجَمْعِ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ ما كان مَمْنُوعًا منه لو لم يَجِبْ فإذا جَازَ وَجَبَ كَالْخِتَانِ وَقَطْعِ الْيَدِ في السَّرِقَةِ وَقَضِيَّةُ هذا الْجَزْمِ بِأَنَّهُ لِلْوُجُوبِ قُلْنَا الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ مَفْرُوضَةٌ في شَيْءٍ كان مَمْنُوعًا على تَقْدِيرِ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَالْأُصُولِيَّةُ فِيمَا هو مَمْنُوعٌ منه لَا على هذه الصُّورَةِ مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ الْوَارِدُ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَمَّا النَّهْيُ الْوَارِدُ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ كَالنَّهْيِ الْمُطْلَقِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ وَالْمَصَادِرِ وَأَمَّا الْوَارِدُ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَمَنْ قال هُنَاكَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ قال هُنَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ وَحَكَى في الْمَنْخُولِ فيه الِاتِّفَاقَ وَمَنْ قال هُنَاكَ بِالْإِبَاحَةِ فَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من طَرَدَ الْخِلَافَ وَحَكَمَ بِالْإِبَاحَةِ وَمِنْهُمْ من قال لَا تَأْثِيرَ هُنَا لِلْوُجُوبِ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ لِلنَّهْيِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ وَبِهِ قال الْأُسْتَاذُ وقال لَا يَنْهَضُ الْوُجُوبُ السَّابِقُ قَرِينَةً في حَمْلِ النَّهْيِ على رَفْعِ الْوُجُوبِ وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ في تِلْكَ وَتَبِعَ في دَعْوَى الْإِجْمَاعِ الْإِمَامَ في التَّلْخِيصِ وهو مَمْنُوعٌ فإن الْخِلَافَ ثَابِتٌ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَمَّا أنا فَأَسْحَبُ ذَيْلَ الْوَقْفِ عليه كما قَدَّمْته في صِيغَةِ الْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وما أَرَى الْمُخَالِفِينَ الْحَامِلِينَ الْأَمْرَ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ يُسَلِّمُونَ ذلك وَعَلَى هذا فَالْفَرْقُ بين الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَنَّ النَّهْيَ لِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَالْأَمْرُ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ أو اعْتِنَاءُ الشَّارِعِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرُ من اعْتِنَائِهِ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ لِأَنَّ الْمَفَاسِدَ في الْوُجُودِ أَكْثَرُ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ الدَّالِّ على عَدَمِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ عَقِيبَ الِاسْتِئْذَانِ الْأَمْرُ عَقِيبَ الِاسْتِئْذَانِ وَالْإِذْنِ حُكْمُهُ في إفَادَةِ الْوُجُوبِ كَالْأَمْرِ بَعْدَ الْحَظْرِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ على فِعْلِ شَيْءٍ فَيَقُولَ افْعَلْ ذَكَرَهُ في الْمَحْصُولِ وهو حَسَنٌ نَافِعٌ في الِاسْتِدْلَالِ على وُجُوبِ التَّشَهُّدِ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذْ سَأَلُوهُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك قال قُولُوا الحديث أَمَّا النَّهْيُ عَقِيبَ الِاسْتِئْذَانِ كَقَوْلِ سَعْدٍ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قال لَا وَقَوْلُهُمْ أَيَنْحَنِي بَعْضُنَا لِبَعْضٍ قال لَا فَالْأَصْلُ في هذا الِاسْتِفْهَامِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عن الْخَبَرِ وقد تَأْتِي قَرِينَةٌ دَالَّةٌ على إرَادَةِ الِاسْتِفْهَامِ عن الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا الْوُجُوبُ أو الْجَوَازُ أو الِاسْتِحْبَابُ وقد يَكُونُ اسْتِرْشَادًا أَيْضًا كما مَثَّلْنَا وَالظَّاهِرُ فيها أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عن الْجَوَازِ وَلِذَلِكَ كان الِانْحِنَاءُ حَرَامًا قال في الْبَحْرِ وَتَحْرُمُ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ على الثُّلُثِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ وَيُتَّجَهُ تَخْرِيجُهُ على هذا الْأَصْلِ مسألة ورود الأمر مقيدا بمرة أو بتكرار الأمر إن ورد مقيدا بمرة أو بتكرار حمل عليه قطعا وإن ورد مقيدا بصفة أو شرط فسيأتي وإن ورد مطلقا عاريا عن القيود فاختلفوا في اقتضائه التكرار وعدمه وسواء قلنا إنه للوجوب أو الطلب على مذاهب أحدها أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة ثم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به إلا أن الأمر لا يدل عليها بذاته بل بطريق الالتزام وقال الخطابي في المعالم إنه قول أكثر الناس وقال ابن السمعاني وهو قول أكثر أصحابنا وقال إلكيا الطبري إنه الصحيح وهو رأي القاضي على تولعه بالوقف في أصل صيغة الأمر والعموم واختاره الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما ونقله في المعتمد عن الأكثرين وقال صاحب اللباب من الحنفية والباجي من المالكية هو قول عامة أصحابنا وحكى ابن السمعاني خلافا عن القائلين بأنه لا يفيد التكرار منهم من قال لا يحتمله أصلا ومنهم من قال يحتمله قال وهو الأولى وهو ظاهر كلام الإمام في البرهان فإنه قال إنه في الزائد على المرة متوقف لا ننفيه ولا نثبته وقال أبو زيد الدبوسي الصحيح أنه لا يقتضي التكرار ولا يحتمله ولكن يحتمل كل الفعل المأمور به ويقتضيه غير أن الكل لا يثبت إلا بدليل وعليه دلت مسائل علمائنا وكذا قال شمس الأئمة السرخسي والثاني أنه للتكرار المستوعب لزمان العمر إجراء له مجرى النهي إلا أن يدل دليل على أنه أريد مرة واحدة وبه قال الأستاذ أبو إسحاق ونقله الشيخ أبو إسحاق عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر وذكر الأصفهاني أن العالمي نقله عن أكثر الشافعية وحكاه شمس الأئمة السرخسي عن المزني ونقله في المنخول عن أبي حنيفة والمعتزلة ونقله الباجي عن ابن خويز منداد وحكاه ابن القصار عن مالك وحكاه أبو الخطاب الحنبلي عن شيخهم لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة واليوم وضروريات الإنسان كما صرح به أبو الحسين بن القطان والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين وابن الصباغ والآمدي وغيرهم قال الصفي الهندي ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي وهو إعادة الفعل الأول فإن ذلك غير ممكن من المكلف وإنما المراد تحصيل مثل الفعل الأول واعلم أن بعضهم يعبر عن التكرار بالعموم لأن أوامر الشرع مما يستلزم فيه العموم التكرار إن قلنا إن العام في الأشخاص عام في الأحوال والأزمنة والثالث أنه نص في المرة الواحدة فقط ولا يحتمل التكرار وإنما يحمل عليه بدليل وحكاه في التلخيص عن الأكثرين والجماهير من الفقهاء وقال ابن فورك إنه المذهب قال أبو الحسين بن القطان وهو مذهب الشافعي وأصحابه وحذا قال الغزالي في المنخول وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني في كتابه في أصول الفقه إنه هو الذي يدل عليه كلام الشافعي في الفروع قال لأنه قال في الطلاق إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق إلا طلقة واحدة بالدخول إلى الدار لأن إطلاق ذلك اقتضى مرة واحدة قال وعليه أكثر الأصحاب وهو الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء قلت بل نص عليه في الرسالة صريحا في باب الفرائض المنسوبة إلى سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم معها قال فكان ظاهر قوله فاغسلوا وجوهكم أقل ما يقع عليه اسم الغسل مرة واحتمل أكثر وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء مرة فوافق ظاهر القرآن ولو لم يرد الحديث به لاستغني عنه بظاهر القرآن انتهى وممن اختاره ابن الصباغ في العدة ونقله الأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي وابن برهان في الأوسط عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب ونقله القاضي عبد الوهاب عن أصحاب مالك ونقله صاحب المصادر عن شيوخ المعتزلة وأبي الحسن الكرخي وقال ظاهر قول الشافعي يدل عليه قيل وأكثر النقلة لا يفرقون بين هذا والقول الأول وليس غرضهم إلا نفي التكرار والخروج عن العهدة بالمرة ولذلك لم يحك أحد المذهب المختار مع حكاية هذا وإنما هو خلاف في العبارة قلت بينهما فرق من جهة أن دلالته على المرة هل هي بطريق المطابقة والالتزام وإن عدم دلالته على التكرار هل هي لعدم احتمال اللفظ له أصلا أو لأنه يحتمله ولكن لما لم يتعين توقف فيه والرابع أنه يدل على المرة الواحدة قطعا ولا ينبئ عن نفي ما عداها ولكن يتردد الأمر في الزائد على المرة الواحدة وهو الذي ارتضاه القاضي كما نقله إمام الحرمين في التلخيص قال والفرق بين هذا والذي قبله أن الأولين قطعوا بأن الأمر يحمل على المرة الواحدة ولا يحتمل معنى غيرها فافهم الفصل بين هذه المذاهب قال الصفي الهندي القائلون باقتضائه للمرة الواحدة اختلفوا فمنهم من قال يقتضيها لفظا ومنهم من نفى ذلك وزعم أن اقتضاءه لها إنما هو بحسب الدلالة المعنوية وهي أنه لا يفيد إلا الطلب بتحصيل الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة لكن لما لم يمكن تحصيلها بدون المرة الواحدة قلنا دل عليها الأمر ضرورة بخلاف الكثرة فإنها لا تدل عليها لفظا ولا معنى قال وهذا اختيار أبي الحسين البصري والإمام فخر الدين ومنهم من قال إن مقتضى الصيغة الامتثال والمرة الواحدة لا بد منها وأما الزائد عليها فيتوقف فيه وهو اختيار إمام الحرمين وإليه ميل الغزالي انتهى وهذا الأخير حكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى وقال إنه الصحيح والذي في البرهان للإمام أنه يتضمن الامتثال بالمرة وهو في الزيادة عليها على الوقف بتوقف على القرينة وهو يرد نقل الآمدي عنه الثالث فاعلمه والخامس الوقف في الكل وهو رأي القاضي أبي بكر وجماعة الواقفية بمعنى أنه يحتمل المرة ويحتمل لعدد محصور زائد على المرة والمرتين ويحتمل التكرار في جميع الأوقات كذا صرح به في التقريب ثم ادعى قيام الإجماع على انتفاء ما عدا التكرار والمرة بالحصر وتوقف حينئذ بالمرة والتكرار ثم ادعى الاتفاق على أن فعل المرة متفق عليه وهو واضح ثم قال تفريعا على القول بعدم الوقف إن المفهوم فعل مرة واحدة هذا تحقيق مذهب القاضي ونقل بعضهم قول الوقف وقال هو محتمل لشيئين أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة والثاني أنه لأحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجهلنا بالواقع والسادس أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها وإلا فلا فيلزمه الأول حكاه الهندي عن عيسى بن أبان ونقل في المعتمد عن أبي عبد الله البصري أن ورود النسخ والاستثناء على الأمر يدلان على أنه قد أريد به التكرار والسابع إن كان الطلب راجعا إلى قطع الواقع كقولك في الأمر الساكن تحرك فللمرة وإن رجع إلى اتصال الواقع واستدامته كقولك في الأمر المتحرك تحرك فللاستمرار والدوام ويجيء هذا في النهي أيضا وهو مذهب حسن مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ أو صِفَةٍ أو وَقْتٍ أَمَّا الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ أو صِفَةٍ أو وَقْتٍ نَحْوُ إنْ كان زَانِيًا فَارْجُمْهُ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ فَهَلْ يَقْتَضِي تَكْرَارَ الْمَأْمُورِ بِهِ بِتَكْرَارِهَا من قال الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَهَاهُنَا أَوْلَى وهو عِنْدَكُمْ آكَدُ التَّكْرَارِ من الْمُجَرَّدِ وَمَنْ قال لَا يَقْتَضِيهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَاهُنَا على وَجْهَيْنِ حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ وابن الْقَطَّانِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في أُصُولِهِمْ وَحَرَّرَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ الْمُعَلَّقِ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْفِعْلِ مِثْلُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وَقَوْلُنَا إنْ كان هذا الْمَائِعُ خَمْرًا فَهُوَ حَرَامٌ فإن الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ اتِّفَاقًا من الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ لم يَثْبُتْ كَوْنُهُ عِلَّةً بَلْ تَوَقَّفَ الْحُكْمُ عليه من غَيْرِ تَأْثِيرٍ له كَالْإِحْصَانِ الذي يَتَوَقَّفُ عليه الرَّجْمُ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ انْتَهَى وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ فإنه قال الْمُرَادُ هُنَا بِالصِّفَةِ ما عَلَّقَ بِهِ الْحُكْمَ من غَيْرِ أَنْ يَتَنَاوَلَ لَفْظَ تَعْلِيلٍ وَلَا شَرْطٍ كَقَوْلِهِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَجَزَمَ بَعْدَ ذلك بِالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا وقد يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْآمِدِيَّ فَرَضَ الْكَلَامَ مع الْقَائِلِينَ بِأَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ وَالْإِمَامُ تَكَلَّمَ في أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مع الْمُخَالِفِ في الْمَوْضِعَيْنِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ على سَبَبٍ كَ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ واقطعوا ( ( ( و ) ) ) واجلدوا ( ( ( اقطعوا ) ) ) في الْآيَتَيْنِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ اتِّفَاقًا وَالْمُعَلَّقُ على شَرْطٍ هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَأَمَّا تَكْرَارُ الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ بِتَكَرُّرِ الْجَنَابَةِ وَتَكْرَارُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ بِتَكَرُّرِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَيَرْجِعُ إمَّا إلَى السَّبَبِيَّةِ أو بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وَيُعْرَفُ السَّبَبُ بِمُنَاسَبَتِهِ أو بِعَدَمِ دُخُولِ أَدَاةِ الشَّرْطِ عليه وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ في الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قال فَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فإن الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا اتِّفَاقًا ثُمَّ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي فِعْلَ مَرَّةٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على التَّكْرَارِ قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ إنَّهُ أَنَظْرُ الْقَوْلَيْنِ وقال ابن فُورَكٍ إنَّهُ الْأَصَحُّ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ الصَّحِيحُ كَالْمُطْلَقِ وَنَقَلَهُ في الْمُعْتَمَدِ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وزاد أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا عبد اللَّهِ الْبَصْرِيَّ وقال السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ في الْمُلَخَّصِ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ من الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَرُبَّمَا نُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ لِأَنَّهُ قال فِيمَا لو قال لِامْرَأَتِهِ كُلَّمَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنَّهَا تَطْلُقُ بِكُلِّ دَخْلَةٍ وَلَوْ قال إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وإذا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّ ذلك يُحْمَلُ على فِعْلِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَرَّقَ بين إذَا وكلما وَهَذَا مَوْضِعُ اللِّسَانِ فَدَلَّ على أَنَّ إحْدَاهُمَا لِلتَّكْرَارِ وَالْأُخْرَى لَا تَقْتَضِيهِ وَاخْتَارَ هذا الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَالثَّانِي أنها تَقْتَضِيَهُ كَالنَّهْيِ قال ابن الْقَطَّانِ قال أَصْحَابُنَا وهو أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لِمَا قال اللَّهُ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَكُلُّ من قام وَجَبَ عليه الْوُضُوءُ قال فلما تَوَضَّأَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِلصَّلَوَاتِ وُضُوءًا وَاحِدًا دَلَّنَا على أَنَّ الْمُرَادَ من ذلك في الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَبَقِيَ في التَّيَمُّمِ في الظَّاهِرِ وَلِأَنَّهُ يقول بِالْعُمُومِ وَهَذَا عَامٌّ في سَائِرِ الْأَوْقَاتِ قال وأبو بَكْرٍ خَرَّجَهَا على وَجْهَيْنِ ثُمَّ قال وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ وَالْأَظْهَرُ على الْمَذَاهِبِ التَّكْرَارُ انْتَهَى وَقَوْلُهُ وَالْأَظْهَرُ هو من كَلَامِ أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ فَاعْلَمْهُ وَحَكَى هذا الِاسْتِدْلَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ أَيْ مُحْدِثِينَ بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ وَعَلَى هذا يَسْتَوِي حُكْمُ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ وقال ابن فُورَكٍ ما تَعَلَّقُوا بِهِ من احْتِجَاجِ الشَّافِعِيِّ في التَّيَمُّمِ فَلَا حُجَّةَ فيه لِأَنَّ وُجُوبَ تَكْرِيرِ التَّيَمُّمِ لَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَال عليه بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَصِحَّ وُجُوبُ تَكْرِيرِ الصَّلَاةِ فَيُجْرَى أَمْرُ التَّيَمُّمِ على ما يُجْرَى عليه أَمْرُهَا وَالثَّالِثُ إنْ كان الشَّرْطُ مُنَاسِبًا لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عليه بِحَيْثُ يَكُونُ عِلَّتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا وَكَآيَةِ الْقَذْفِ وَنَحْوِهِ فإنه يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ لِلِاتِّفَاقِ على أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِهَا وَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ لم يَتَكَرَّرْ إلَّا بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عليه من جِهَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ لم يُوضَعْ اللَّفْظُ له وَلَكِنْ يَدُلُّ من جِهَةِ الْقِيَاسِ بِنَاءً على الصَّحِيحِ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وَالْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ وَالْخَامِسُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالْمُعَلَّقُ بِصِيغَةٍ يَقْتَضِيهِ من طَرِيقِ الْقِيَاسِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ الذي يَصِحُّ وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِشَرْطٍ لَا يَتَضَمَّنُ تَكْرَارَ الِامْتِثَالِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي مَرَّةً وَاحِدَةً وهو على الْوَقْفِ فِيمَا عَدَاهَا وَصَرَّحَ بَعْدَ ذلك بِالتَّكْرَارِ في الْعِلِّيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كما فَصَّلَ الْآمِدِيُّ في الصِّيغَةِ التَّفْصِيلَ السَّابِقَ فَصَّلَ الْقُرْطُبِيُّ في الشَّرْطِ فقال إنْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ نَحْوُ كُلَّمَا جَاءَك وَمَتَى ما جَاءَك فَأَعْطِهِ فإنه يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِحُكْمِ الْقَرِينَةِ وَإِنْ لم يَقْتَضِهِ فَلَا تَخْرُجُ صِيغَتُهُ عن مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ مَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الشَّرْطِ هل تَدُلُّ على فِعْلِ الشَّرْطِ مُؤَثِّرًا كَالْعِلَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا على كَوْنِهِ أَمَارَةً على جَوَازِ الْفِعْلِ وَالْعِلَّةُ وُضِعَتْ مُؤَثِّرَةً جَالِبَةً وَالْخَصْمُ يقول ما يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ يَدُلُّ على كَوْنِهِ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ هذا كُلُّهُ في الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَمَّا في تَصَرُّفِ الْمُكَلَّفِينَ فَلَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا لِمُجَرَّدِهِ وَإِنْ كان عِلَّةً فإنه لو قال أَعْتَقْت غَانِمًا لِسَوَادِهِ وَلَهُ عَبِيدٌ آخَرُونَ سُودٌ لم يُعْتَقُوا قَطْعًا وَالشَّرْطُ أَوْلَى كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فإذا دَخَلَتْ مَرَّةً وَقَعَ الْمُعَلَّقُ عليه وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ ثُمَّ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَكَرُّرِ الْمُعَلَّقِ عليه إلَّا في كُلَّمَا وَمِنْهُ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فيه هذا الْخِلَافُ الْأُصُولِيُّ مَسْأَلَةٌ أَمَّا إذَا تَكَرَّرَ لَفْظُ الْأَمْرِ نَحْوُ صَلِّ ثَلَاثًا صَلِّ ثَلَاثًا فَإِنْ قُلْنَا في الْأَمْرِ الْوَاحِدِ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَهَاهُنَا هو تَأْكِيدٌ قَطْعًا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مُطْلَقَهُ لِلْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَفِي تَكَرُّرِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَأْكِيدٌ له فَلَا يَقْتَضِي من الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هو قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَنَسَبَهُ ابن فُورَكٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن الصَّبَّاغِ لِلصَّيْرَفِيِّ وقد رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ فقال مَتَى خُوطِبْنَا بِإِيجَابِ شَيْءٍ وَكُرِّرَ لم يَتَكَرَّرْ الْفِعْلُ لِتَكَرُّرِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَالدَّلِيلُ عليه حَدِيثُ الْأَقْرَعِ بن حَابِسٍ في الْحَجِّ وَقَوْلُهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ لَمَّا أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ يَغْسِلُ كُلَّ الْأَعْضَاءِ لِلْجَنَابَةِ لم يَجِبْ أَنْ يَغْسِلَ الْأَعْضَاءَ مَرَّتَيْنِ من أَجْلِ الْحَدَثِ أو الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُ أَمَرَ من قام إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَدْخُلَ فيها بِالصَّلَاةِ التي وَضَعَهَا ولم يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى الْوُضُوءَ من الْحَدَثِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنَّمَا هو عَلَمٌ لِنَقْضِ الطَّهَارَةِ لَا لِإِيجَابِهَا وَلَوْ كان كَذَلِكَ لَكَانَ إذَا أَحْدَثَ وَجَبَ أَنْ يَتَطَهَّرَ لَا لِلصَّلَاةِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ وَلَوْ كان من أَجْلِ الْحَدَثِ لَلَزِمَ تَكْرَارُ الْغُسْلِ كما يَلْزَمُ من أُمِرَ إنْ فَعَلَ شيئا من أَجْلِ شَيْءٍ وَفَعَلَ مثله من أَجْلِ غَيْرِهِ كَأَمْرِنَا بِالْفِدْيَةِ إذَا حَلَقَ وإذا لَبِسَ نَعْلَيْهِ وَبِهِ جَزَمَ أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ في تَمْهِيدِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتِئْنَافٌ فَيَقْتَضِي الْأَمْرَ بِتَكْرِيرِ الْفِعْلِ وَنَسَبَهُ ابن الصَّبَّاغِ لِأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ له وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ الْهِنْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ لِعَبْدِ الْجَبَّارِ وَنَسَبَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ لِأَهْلِ الرَّأْيِ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ وقال الْبَاجِيُّ هو قَوْلُ جَمَاعَةٍ من شُيُوخِنَا وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ وَجْهًا ثَالِثًا وهو أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ على التَّأْكِيدِ وَالتَّكْرَارِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَنَسَبَهُ لِابْنِ فُورَكٍ وَرَأَيْت في كِتَابِهِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَهَذَا قَوْلُ الْوَقْفِ الذي حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ عن الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بين التَّأْكِيدِ وَغَيْرِهِ فَيَتَوَقَّفُ على الْقَرِينَةِ قال وَكَلَامُ الْقَاضِي مُتَرَدِّدٌ فَتَارَةً يَمِيلُ إلَى الْوَقْفِ وهو الصَّحِيحُ وَتَارَةً يقول يَقْتَضِي إنْشَاءً لَا مُتَجَدِّدًا انْتَهَى وَمِمَّنْ حَكَى الْوَقْفَ عنه أبو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ في هذه الْمَسْأَلَةِ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْفُرُوعِ فِيمَا إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ ولم يَكُنْ له في الثَّانِيَةِ نِيَّةٌ هل يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ أو الِاسْتِئْنَافَ قَوْلَانِ وَلِمَحَلِّ الْخِلَافِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ ما يَمْنَعُ التَّكْرَارَ فَإِنْ كان فَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ قَطْعًا كَالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ وَالْعِتْقِ إذَا تَكَرَّرَا في شَخْصٍ وَاحِدٍ فإنه لَا يُمْكِنُهُ قَتْلُهُ وَعِتْقُهُ مَرَّتَيْنِ ذَكَرَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الثَّانِي أَنْ يَرِدَ التَّكْرَارُ قبل الِامْتِثَالِ فَإِنْ وَرَدَ بَعْدَهُ حُمِلَ الثَّانِي على الِاسْتِئْنَافِ قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا الثَّالِثُ أَنْ يَتَّحِدَ مَدْلُولُ اللَّفْظَيْنِ نَحْوُ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ اخْتَلَفَا اقْتَضَى التَّكْرَارَ قَطْعًا قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الْوَاضِحِ نَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا أَعْطِهِ دِرْهَمًا اضْرِبْ زَيْدًا اضْرِبْ عَمْرًا صَلِّ رَكْعَتَيْنِ صُمْ يَوْمًا وَلَا فَرْقَ في هذا الْقِسْمِ بين أَنْ يُقْرَنَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ أو لَا وَلَا بين التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ كما ذَكَرَهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ وَغَيْرُهُ قال نعم إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّ الثَّانِيَ ذُكِرَ تَأْكِيدًا أو أُفْرِدَ عَمَّا عَدَاهُ تَفْخِيمًا فَالْحُكْمُ لِلدَّلِيلِ نَحْوُ عَطْفُ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ على الْمَلَائِكَةِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ إنْ وَرَدَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ بِالنَّكِرَةِ وَالثَّانِي بِالْمَعْرِفَةِ فإنه يَنْصَرِفُ الثَّانِي إلَى ما انْصَرَفَ إلَيْهِ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ بِالْعَطْفِ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ إذَا وَرَدَا بِالْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ مَتَى ظَفِرَا بِمَعْهُودٍ فَإِنَّهُمَا يَنْصَرِفَانِ إلَيْهِ إلَّا لِمَانِعٍ وَلِهَذَا حَمَلَ ابن عَبَّاسٍ الْعُسْرَ الثَّانِيَ على الْأَوَّلِ في قَوْله تَعَالَى فإن مع الْعُسْرِ يُسْرًا إنَّ مع الْعُسْرِ يُسْرًا حتى قال لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ الرَّابِعُ أَنْ لَا يُعْطَفَ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ فَإِنْ عُطِفَ فَلَا خِلَافَ في حَمْلِ الثَّانِي على الِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْطَفُ على نَفْسِهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَصَاحِبُ الْوَاضِحِ وَبِهِ جَزَمَ ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَلَكِنَّهُ خَصَّ ذلك بِمَا إذَا لم يَكُنْ فيه لَامُ التَّعْرِيفِ فَإِنْ كانت مِثْلَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ قال فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ يُحْمَلُ على الِاسْتِئْنَافِ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَقْتَضِي الِاتِّحَادَ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ إذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ ثُمَّ عَطَفَ عليه بِآخَرَ فَلِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي خِلَافَ الْأَوَّلِ نحو وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ ضِدَّهُ فَكَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِهِ لَا تَمَسَّ زَيْدًا بِسُوءٍ وَلَا تَضْرِبْهُ ثُمَّ تَقُولُ اضْرِبْهُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْوَقْتُ فَلَوْ اتَّحَدَ لم يَجُزْ وَإِنْ وَرَدَ حُمِلَ على التَّخْيِيرِ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الثَّانِي مِثْلَ مُوجِبِ الْأَوَّلِ فَهَذَا وَضْعُ الْخِلَافِ فَذَهَبَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٌ وَهَذَا الذي يَجِيءُ على قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ الثَّانِيَ هو الْأَوَّلُ وَلَا بُدَّ أَيْضًا في هذا من اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْفِعْلِ مِمَّا يَصِحُّ تَكْرَارُهُ قال فَإِنْ كان الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْجِنْسِ وَالْمَعْطُوفُ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِهِ فَقِيلَ بِالتَّغَايُرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقِيلَ إنَّ هذا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْوُسْطَى غير الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلتَّغَايُرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذلك مَحْمُولٌ على ما سَبَقَ إلَى الْوَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِهِ وهو التَّفْخِيمُ وَالتَّعْظِيمُ وَأَمَّا عَكْسُهُ وهو كَوْنُ الثَّانِي أَعَمَّ من الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ اُقْتُلْ أَهْلَ الْأَدْيَانِ وَاقْتُلْ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ فَاخْتُلِفَ فيه هُنَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الْمُغَايَرَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ التَّفْخِيمُ وَالْبُدَاءَةُ بِمَا هو الْأَهَمُّ قال وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لم تَقُمْ دَلَالَةٌ على أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ التَّأْكِيدِ فَإِنْ قَامَتْ دَلَالَةٌ على غَيْرِ ذلك صِرْنَا إلَيْهِ انْتَهَى الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ في وَقْتَيْنِ كَذَا صَوَّرَ بِهِ سُلَيْمٌ مَسْأَلَةَ الْخِلَافِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا كَرَّرَهُ في وَقْتٍ وَاحِدٍ يُحْمَلُ على التَّأْكِيدِ قَطْعًا لَكِنْ صَرَّحَ ابن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَنْ يَتَخَلَّلَهُ زَمَانٌ أَمْ لَا ثُمَّ قال وقال الْقَاضِي إنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الصَّادِرِ من الْخَلْقِ فَلَا يَبْعُدُ التَّفْصِيلُ بين ما يُرِيدُ من الْأَوَامِرِ على التَّوَالِي أو مع التَّخَلُّلِ بِزَمَانٍ فَإِنْ تَخَلَّلَ حُمِلَ على التَّجَدُّدِ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ على التَّأْكِيدِ فَأَمَّا ما في أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا فَرْقَ وَلِذَلِكَ جَازَ التَّخْصِيصُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْقَاضِي مَحَلُّ نَظَرٍ فإن ما اتَّصَلَ بِنَا من كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَاتُهُ دَالَّةٌ عليه فَأَيُّ فَرْقٍ وَلَوْ صَحَّ هذا لَصَحَّ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ على الْمُسْتَثْنَى منه السَّادِسُ أَنْ تَتَكَرَّرَ صِيغَةُ الْأَمْرِ فَإِنْ تَكَرَّرَ الْمَأْمُورُ بِهِ دُونَ صِيغَتِهِ نَحْوُ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فلم يُصَرِّحْ بها الْأُصُولِيُّونَ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْفُقَهَاءِ منها خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ لَا فَرْقَ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ هل هو بِمَثَابَةِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أو تَقَعُ طَلْقَةٌ قَطْعًا فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ مَسْأَلَةٌ تَصْرِيحُ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ في أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ الْأَمْرُ إنْ صَرَّحَ الْآمِرُ فيه بِالْفِعْلِ في أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ أو قال لَك التَّأْخِيرُ فَهُوَ لِلتَّرَاخِي بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ لِلتَّعْجِيلِ فَهُوَ لِلْفَوْرِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كان مُطْلَقًا أَيْ مُجَرَّدًا عن دَلَالَةِ التَّعْجِيلِ أو التَّأْخِيرِ وَجَبَ الْعَزْمُ على الْفَوْرِ على الْفِعْلِ قَطْعًا قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَهَلْ يَقْتَضِي الْفِعْلَ على الْفَوْرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ الْمُبَادَرَةُ عَقِبَهُ إلَى الْإِتْيَانِ بِالْأُمُورِ بِهِ أو التَّرَاخِي أَمَّا الْقَائِلُونَ بِاقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ فَالْفَوْرُ من ضَرُورِيَّاتِهِ كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا الْمَانِعُونَ فَاخْتَلَفُوا على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَبِهِ قالت الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَاخْتَارَهُ من أَصْحَابِنَا أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي أبو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ وَالدَّقَّاقُ كما حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في بَابِ الْحَجِّ من تَعْلِيقِهِ إنَّهُ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِنَا قال وَإِنَّمَا جَوَّزْنَا تَأْخِيرَ الْحَجِّ بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وَحَكَى في كِتَابِهِ الْأَسْرَارِ عن الْقَفَّالِ الْجَزْمَ بِهِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي اعْتِقَادًا بِالْقَلْبِ وَمُبَاشَرَةً بِالْبَدَنِ ثُمَّ الِاعْتِقَادُ على الْفَوْرِ فَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ وَأَيْضًا فإن أَوَامِرَ الْعِبَادِ حُمِلَتْ على الْفَوْرِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي في بَابِ الزَّكَاةِ من التَّتِمَّةِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الْمُزَنِيّ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَدَاوُد وَحَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عن أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَنَصَرَهُ أبو زَيْدٍ الرَّازِيَّ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عليه تَدُلُّ أُصُولُ أَصْحَابِنَا وقال إنَّهُ الذي يَنْصُرُهُ أَصْحَابُنَا وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُ قَضِيَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وقال أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ في التَّمْهِيدِ إنَّهُ الذي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ وَالْقَائِلُونَ بِالْفَوْرِيَّةِ اخْتَلَفُوا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ وابن فُورَكٍ وَصَاحِبُ الْمَصَادِرِ إذَا لم يَفْعَلْهُ في أَوَّلِ الْوَقْتِ فَقِيلَ يَجِبُ بِظَاهِرِهِ أَنْ يَفْعَلَ في الثَّانِي وَقِيلَ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ ثَانٍ وَلَا يَقْتَضِي إلَّا إيقَاعَ الْفِعْلِ عَقِبَهُ فَقَطْ وَسَيَأْتِي قال ابن فُورَكٍ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هل اقْتِضَاؤُهُ الْفَوْرَ من مُقْتَضَى اللَّفْظِ أَيْ بِاللُّغَةِ أو بِالْعَقْلِ وَزَيَّفَ الثَّانِي وقال إنَّمَا النِّزَاعُ في مُقْتَضَاهُ في اللِّسَانِ وَالثَّانِي أَنَّ الْوَاجِبَ إمَّا الْفَوْرُ أو الْعَزْمُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن أبي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَحَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ عن الْقَاضِي قِيلَ وَبَنَاهُ على أَصْلِهِ في الْمُوَسَّعِ لَكِنَّ الذي رَأَيْته في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي اخْتِيَارَ أَنَّهُ على التَّرَاخِي وَبُطْلَانَ الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في مُخْتَصَرِهِ وهو الْأَصَحُّ إذْ الْمَصِيرُ إلَيْهِ يُؤَدِّي إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ أو يَلْزَمُهُ ضَرْبٌ من التَّنَاقُضِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْفَوْرَ وَلَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمُوتَ حتى يَفْعَلَهُ وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ من أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ قال وهو ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْحَجِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَائِفَةٌ من الْأَشْعَرِيَّةِ وَسَائِرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ لَمَّا ذَكَرَهُ في تَأْخِيرِ الْحَجِّ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ على التَّرَاخِي على حَسَبِ ما قَالَهُ في الْحَجِّ وهو الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ عَزَوْهُ إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وهو اللَّائِقُ بِتَفْرِيعَاتِهِ بِالْفِقْهِ وَإِنْ لم يُصَرِّحْ بِهِ في مَجْمُوعَاتِهِ في الْأُصُولِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ لم يُنْقَلْ عن الشَّافِعِيِّ وَلَا أبي حَنِيفَةَ نَقْلٌ في الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّمَا فُرُوعُهُمَا تَدُلُّ على ما نُقِلَ عنهما قال وَهَذَا خَطَأٌ في نَقْلِ الْمَذَاهِبِ إذْ الْفُرُوعُ تُبْنَى على الْأُصُولِ لَا الْعَكْسُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الصَّبَّاغِ عن أبي عَلِيِّ بن خَيْرَانَ وَابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ صَاحِبِ الْإِفْصَاحِ وَكَذَا نَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن الْقَاضِي وزاد أَبَا عَلِيٍّ وَأَبَا هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّيْنِ وَنَقَلَهُ عنهما صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ أَيْضًا قال وَجَوَّزُوا تَأْخِيرَ الْمَأْمُورِ بِهِ عن أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْهِنْدِيُّ وَأَتْبَاعُهُمْ وقال في الْبُرْهَانِ ذَهَبَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ إلَى ما اُشْتُهِرَ عن الشَّافِعِيِّ من حَمْلِ الصِّيغَةِ على اتِّبَاعِ الِامْتِثَالِ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى وَقْتٍ مُقَدَّمٍ أو مُؤَخَّرٍ وَهَذَا يَدْفَعُ من قِيَاسِ مَذْهَبِهِ مع اسْتِمْسَاكِهِ بِالْوَقْفِ وَتَجْهِيلِهِ من لَا يَرَاهُ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَوْهُ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ من أَصْحَابِنَا وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْوَجْهُ عِنْدَهُ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ على التَّرَاخِي أَنَّهُ ليس على التَّعْجِيلِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ له أَنْ يُؤَخِّرَهُ عن أَوَّلِ أَوْقَاتِ الْفِعْلِ قال وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ قَوْلَهُ افْعَلْ ليس فيه عِنْدَنَا دَلِيلٌ إلَّا على طَلَبِ الْفِعْلِ فَحَسْبُ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْوَقْتِ انْتَهَى وَعَلَى هذا فَهُوَ الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ وقال السَّرَخْسِيُّ الذي يَصِحُّ عِنْدِي من مَذْهَبِ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ على التَّرَاخِي وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ على الْفَوْرِ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ نَصَّ عليه في الْجَامِعِ فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا له أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّ شَهْرٍ شَاءَ وكان الْكَرْخِيُّ يقول إنَّهُ على الْفَوْرِ وهو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ عن الْبَزْدَوِيِّ فقال قال الْإِمَامُ أبو الْيُسْرِ الْبَزْدَوِيِّ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ الْوُجُوبَ مُطْلَقٌ على حَسَبِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَفُوتَ الْأَدَاءُ قبل الْمَوْتِ وقال أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا بَلْ مُطْلَقُ الْأَمْرِ عن الْوَقْتِ الْمُبَادَرَةُ وَإِنَّمَا يُبَيَّنُ هذا في بَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ هل يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِالْأَدَاءِ لِلْحَالِ فَعِنْدَنَا لَا يَصِيرُ مُكَلَّفًا بَلْ الْأَدَاءُ مُوَسَّعٌ له في عُمُرِهِ وَعِنْدَهُمْ يَتَحَتَّمُ الْأَدَاءُ في الْحَالِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ الْوَجْهُ عِنْدَنَا في ذلك الْقَوْلِ بِأَنَّهُ على التَّرَاخِي دُونَ الْفَوْرِ وَالْوَقْتِ انْتَهَى وَهَذَا خِلَافُ ما تَقَدَّمَ النَّقْلُ عنه وَالْخَامِسُ الْوَقْفُ إمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَدْلُولِهِ أو لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَصَحَّحَهُ الْأَصْفَهَانِيِّ في قَوَاعِدِهِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فقال وَذَهَبَ إلَى الْوَقْفِ من جِهَةِ اللُّغَةِ وَأَمَّا من حَيْثُ عُرْفُ الشَّرْعِ فإنه عِنْدَهُ على الْفَوْرِ ثُمَّ افْتَرَقَتْ الْوَاقِفِيَّةُ فَقِيلَ إذَا أتى بِالْمَأْمُورِ بِهِ في أَوَّلِ الْوَقْتِ كان مُمْتَثِلًا قَطْعًا وَإِنْ أَخَّرَ عن الْوَقْتِ الْأَوَّلِ لَانْقَطَعَ بِخُرُوجِهِ عن الْعُهْدَةِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وفي كَلَامِ الْآمِدِيَّ خَلَلٌ عنه وَقِيلَ إنَّهُ وَإِنْ بَادَرَ إلَى فِعْلِهِ في الْوَقْتِ لَا يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُمْتَثِلًا وَخُرُوجُهُ عن الْعُهْدَةِ لِجَوَازِ إرَادَةِ التَّرَاخِي قال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَقَائِلُ هذا لَا يُجَوِّزُ فِعْلَهُ على الْفَوْرِ لَكِنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ قَبْلَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَنْسُوبٌ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ على ثُبُوتِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وهو الصَّحِيحُ وَمَنْ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ فَلَا كَلَامَ معه قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الثَّانِي أَنَّهُ قد اُشْتُهِرَ حِكَايَةُ قَوْلِ التَّرَاخِي وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هذا الْإِطْلَاقَ مَدْخُولٌ إذْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي التَّرَاخِي حتى لو فُرِضَ الِامْتِثَالُ على الْبِدَارِ لم يُعْتَدَّ بِهِ وَهَذَا لم يَصِرْ إلَيْهِ أَحَدٌ فَالْأَحْسَنُ في الْعِبَارَةِ عن هذا الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الِامْتِثَالَ من غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِوَقْتٍ انْتَهَى وَلِهَذَا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إنَّ الْعِبَارَةَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يُقَالَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَالتَّعْجِيلَ قال وَمَعْنَى أَنَّهُ على التَّرَاخِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ فإن أَحَدًا لَا يقول ذلك انْتَهَى لَفْظُهُ وقد سَبَقَ عن ابْنِ الصَّبَّاغِ حِكَايَةُ قَوْلِ إنَّ الْمُبَادَرَةَ لَا يُعْتَدُّ بها وَحَكَى الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافَ أَيْضًا في الْمُبَادِرِ هل هو مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا فقال أَمَّا الْمُبَادِرُ فَمُمْتَثِلٌ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ من غَلَا فقال يُتَوَقَّفُ في الْمُبَادِرِ وَحَكَى الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ من أَخَّرَ لَا يُعْتَدُّ منه بِمَا فَعَلَ مُؤَخَّرًا قال وَعَلَى هذا فَالتَّرْجَمَةُ لَا مُؤَاخَذَةَ عليها وَعَلَى ما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَالتَّعْبِيرُ بِالْفَوْرِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُؤَخِّرَ ليس بِمُمْتَثِلٍ وقد قال الْإِمَامُ في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ لم يَقُلْهُ أَحَدٌ الثَّالِثُ قِيلَ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَا يَكُونُ إلَّا في الْوَاجِبِ دُونَ النَّدْبِ وَقِيلَ يَكُونُ فِيهِمَا قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وهو الصَّحِيحُ قال وَاتَّفَقُوا على أنها لَا تُتَصَوَّرُ على مَذْهَبِ من يقول الْأَمْرُ لِلدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ لِأَنَّهُ إذَا كان كَذَلِكَ اسْتَغْرَقَ الْأَوْقَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفَوْرِيَّةُ هل يَجِبُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ الْمُدَّعَى ذلك فيه بِفِعْلٍ وَاحِدٍ أو بِجُمْلَةِ أَفْعَالٍ فَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ وَقِيلَ يَعُمُّهَا وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي وَاحِدًا إذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ إيقَاعَهُ عَقِبَ الْأَمْرِ هل يَجِبُ عليه فِعْلٌ مِثْلُهُ أو بَدَلٌ منه بِنَفْسِ الْأَمْرِ بِهِ أو لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّرَاخِي هل يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ أو لَا فَقِيلَ يَجُوزُ إلَى غَايَةٍ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ مَاتَ قبل الْأَدَاءِ مَاتَ آثِمًا وَقِيلَ لَا إثْمَ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ فَوَاتُهُ إنْ لو لم يَفْعَلْ وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا قد يَكُونُ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ أَنْ لَا يَغْلِبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ يَمُوتُ فَإِنْ مَاتَ كان مَعْذُورًا غير آثِمٍ وقد يَكُونُ إلَى غَايَةٍ مُحَدَّدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ الِاخْتِرَامُ عِنْدَ حُصُولِهَا فَحِينَئِذٍ يَتَعَجَّلُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي انْتَهَى وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ حَيْثُ قُلْنَا لَا يُفِيدُ الْفَوْرَ فَلَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمُوتَ حتى يَفْعَلَهُ فَإِنْ قِيلَ فإذا أَخَّرَ لم يَأْثَمْ فَلِمَ أَثَّمْتُمُوهُ بَعْدَ الْمَوْتِ قُلْنَا إنَّمَا جَوَّزْنَا له التَّأْخِيرَ على وَصْفٍ فإذا مَاتَ ولم يَفْعَلْهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لم يَكُنْ له التَّأْخِيرُ قال وَنَظِيرُهُ رَامِي الْغَرَضِ يَرْمِي على غَرَرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ وَأَنْ لَا يُصِيبَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ في الْوَصِيَّةِ وَالْكَفَّارَةِ فَإِنْ قِيلَ مَتَى يَكُونُ عَاصِيًا قِيلَ من أَصْحَابِنَا من قال يَكُونُ في جَمِيعِ السِّنِينَ عَاصِيًا كما يقول في السُّكْرِ إنَّهُ لم يَقَعْ بِالْقَدَحِ الْأَخِيرِ دُونَ ما تَقَدَّمَهُ من الْأَقْدَاحِ كَذَلِكَ هذا وكان أبو حَفْصٍ يقول إذَا مَضَتْ عليه سَنَةٌ فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَحُجَّ فلم يَفْعَلْ وَمَاتَ قبل السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عُلِمَ أَنَّ حَجَّهُ لم يَكُنْ له إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَكَانَ عَاصِيًا فإذا بَقِيَ إلَى السَّنَةِ الْأُخْرَى فَأَخَّرَ عنها وَمَاتَ عُلِمَ أَنَّ حَجَّهُ كان له وَمَاتَ فَكَانَ عَاصِيًا بِهِ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِالْفَاءِ هذا كُلُّهُ في الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فَأَمَّا ما عُلِّقَ بِالْفَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا فإذا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَك قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ على الْفَوْرِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَالثَّانِي لَا يَقْتَضِيهِ قال وَالصَّحِيحُ هو الْأَوَّلُ لِلْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَلَوْ خُلِّينَا وَالظَّاهِرَ في قَوْلِهِ إذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَك لَعَمِلْنَا بِهِ لَكِنْ صِرْنَا إلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى مسألة إذا ورد الخطاب من الشارع بفعل عبادة في وقت معين فخرج ذلك الوقت ولم يفعل فهل يجب القضاء بأمر جديد ابتداء أم يجب بالسبب الذي يجب به الأداء وهو الأمر السابق أي يتضمنه ويستلزمه لا أنه عينه فيه قولان وأكثر المحققين من أصحابنا على الأول منهم أبو بكر الصيرفي وابن القشيري قال الشيخ أبو حامد وسليم وابن الصباغ وهو قول أكثر أصحابنا وقال الشيخ أبو حامد وأبو إسحاق إنه الصحيح ونقل عن المعتزلة منهم أبو عبد الله البصري وحكاه عن الكرخي وقال العالمي من الحنفية إنه اللائق بفروع أصحابنا وقال الباجي إنه الصحيح ونقله عن القاضي أبي بكر وابن خويز منداد وقال عبد العزيز الحنفي إنه مذهب أصحابنا ووجهه أن صيغة التأقيت تقتضي اشتراط الوقت في الاعتداد بالمؤقت فإذا انقضى الوقت فليس في الأمر بالأداء أمر بالقضاء فلا بد من أمر ثان ولأن التكليف يتبع مقتضى الأمر وما دلت عليه الصيغة والصيغة لا تدل إلا على الأمر في الوقت المخصوص فدلالتها على الفعل في غيره قاصرة عنه وما وجب القضاء فيه فبدليل من خارج وذهب الحنابلة وأكثر الحنفية إلى الثاني منهم شمس الأئمة والجصاص والرازي وغيرهم وبه قال عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة وحكاه الآمدي عن الحنابلة وحكاه عبد العزيز في الكشف عن عامة أصحاب الحديث قلت وهو ظاهر نص الشافعي في الأم فإنه قال فيما إذا ظاهر عنهما ظهارا مؤقتا إن العود لا يحصل إلا بالوطء قال ووجبت الكفارة واستقرت لا لأجل استحلال للوطء ثم قال ولو طلقها بعد العود أو لاعنها فحرمت عليه على الأبد ولزم كفارة الظهار وكذلك لو ماتت أو ارتدت فقتلت على الردة ومعنى قوله تعالى من قبل أن يتماسا وقت لأن يؤدي ما وجب عليه في الكفارة قبل المماسة فإذا كانت المماسة قبل الكفارة فذهب الوقت لم تبطل الكفارة ولم يزد عليه فيها كما يقال له أد الصلاة في وقت كذا وقبل وقت كذا فيذهب الوقت فيؤديها لأنها فرض عليه فإذا لم يؤدها في الوقت وأداها بعده فلا يقال له زد فيها لذهاب الوقت قبل أن يؤديها انتهى قال ابن الرفعة في المطلب وهذا من الشافعي يدل على أنه لا يرى القضاء بأمر جديد بل بالأمر الأول إذ لو كان لا يجب إلا بأمر جديد عنده لم يقسه على الصلاة لأن الأمر الجديد ورد فيها لكن إمام الحرمين في باب التطوع من النهاية قال إن القضاء بأمر يجدد عند الشافعي ويؤيده نصه في الرسالة على أن الصوم لا يجب على الحائض وإنما وجب القضاء بأمر جديد ونقل الهندي عن صاحب التقويم قولا ثالثا أنه يجب بالقياس على العبادات الفائتة عن وقتها الواجب قضاؤها في الشرع فإنه الأكثر بجامع استدراك مصلحة الفائتة وقال بعضهم وعند أبي زيد الدبوسي أن وجوب القضاء إنما هو بقياس الشرع وأضافه إلى الشرع لتخرج المقدمتان والنتيجة فإن ذلك قياس العقل والمراد بقياس الشرع رد فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما فكأنه قاس القضاء على المعاوضات الشرعية وذهب بعض المتأخرين إلى وجوبه بالأمر الأول باعتبار آخر مخالف لما يقوله الحنابلة وبرهانه العلم القديم لم يتعلق بالأداء في حق من يستحيل وقوعه منه لأن ذاته معدومة في الموجودين فلو كلف العبد به كلف بما لا يطاق فإذن تعلق الأمر إنما هو بالفعل الذي يسمى قضاء وهو أمر واحد وهو الأمر الأول في حق القضاء إذ لا أداء هناك ولا فائت لعدمه في الموجودين العلمي والخارجي ومعنى هذا الخلاف أنه هل يستفاد من الأمر ضمنا الأمر بالقضاء أي يستلزم ذلك كما يستفاد منه جميع الفوائد الضمنية أو لا يستفاد هذا هو الصواب وصرح به المازري وغيره وزعم الأصفهاني في شرح المحصول أن القائلين بأن القضاء بالأمر الأول يقولون إنه يدل عليه مطابقة وأن هذا هو محل الخلاف ويساعده عبارة ابن برهان هل بقيت واجبة بالأمر السابق أم وجبت بأمر جديد وقال عبد العزيز موضع الخلاف في القضاء بمثل معقول فأما القضاء بمثل غير معقول فلا يمكن إيجابه إلا بنص جديد بالاتفاق وهذا كله في العبادة المؤقتة أما المطلقة إذا لم يفعل في أول أزمنة الإمكان على رأي من يجعل الأمر للفور فإن فعله بعده ليس قضاء عند الجمهور خلافا للقاضي أبي بكر ومن فروعه ما لو استأجر الولد سنة معينة ثم لم يسلمه حتى مضت انفسخ العقد ولا يجب بدلها سنة أخرى اعتبارا بالعقد الأول بل لا بد من إنشاء عقد جديد إن أرادها وقال صاحب الواضح المعتزلي هذا الخلاف لا يجيء إلا من القائلين بأن الأمر يقتضي الفور وأما القائل بأنه للتراخي فلا لأن عنده أن الفعل في الوقت الثاني والثالث وفيما بعدها مراد وأن لفظ الأمر بإطلاقه يتناول الفعل في أي وقت شاء وبذلك صرح أبو الحسين في المعتمد فقال أما القائلون بنفي الفور فيقولون باقتضائه فيما بعد ولا يحتاج إلى دليل ثان وأما القائلون بالفور هل يقتضي الفعل فيما بعد أو لا وقال الشيخ أبو إسحاق ليس الغرض بهذه المسألة الكلام في أعيان المسائل التي اتفقنا فيها على وجوب القضاء في العبادة المؤقتة كالصلاة والصوم وإنما الغرض بيان إثبات هذا الأصل من مقتضى الأمر المطلق في موضع لا إجماع فيه قال وكذلك جميع مسائل الأصول التي نتكلم فيها المقصود إثبات أصل عند التجرد من القرائن قال وفائدة الخلاف في هذه المسألة جواز الاستدلال بالأوامر المطلقة في أداء العبادة على قضائها إن قلنا يجب ما يجب به الأداء ومنعه وإن قلنا يجب بأمر جديد قيل ومنشأ الخلاف يرجع إلى قاعدتين الأولى أن الأمر بالمركب أمر بأجزائه الثانية أن الفعل في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت فمن لاحظ القاعدة الأولى قال القضاء بالأول لأنه اقتضى شيئين الصلاة وكونها في ذلك الوقت فهو مركب فإذا تعذر أحد جزأي المركب وهو خصوص الوقت بقي الجزء الآخر وهو الفعل فيوقعه في أي وقت شاء ومن لاحظ الثانية قال القضاء بأمر جديد لأنه إذا كان تعين الوقت لمصلحة فقد لا يشاركه الزمن في تلك المصلحة وإذا شككنا لم يثبت وجوب الفعل الذي هو القضاء في وقت آخر بدليل منفصل والمراد بالأمر الجديد إجماع أو خطاب جلي على وجوب فعل مثل الفائت خارج الوقت لا أنه يتجدد عند فوات كل واجب الأمر بالقضاء لأن زمن الوحي قد انقرض مَسْأَلَةٌ فَوَاتُ الِامْتِثَالِ بِالْأَمْرِ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ فَأَخَّرَ عنه فَهَلْ يَفْعَلُهُ بَعْدَ ذلك بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أو يَحْتَاجُ إلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ قال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ إنْ قُلْنَا الْمُؤَقَّتُ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَاهُنَا على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ أَيْضًا بِفَوَاتِ الْفَوْرِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ في الْوَقْتِ فإذا مَاتَ سَقَطَ كَالْمُؤَقَّتِ وَالثَّانِي لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَتَنَاوَلُ فِعْلَهُ مُطْلَقًا لَا لِوَقْتٍ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْفَوْرُ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ وُجُوبَهُ مَسْأَلَةٌ احْتِيَاجُ الْإِجْزَاءِ إلَى دَلِيلٍ إتْيَانُ الْمُكَلَّفِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ على الْمَشْرُوعِ مُوجِبٌ لِلْإِجْزَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي وَعَبْدِ الْجَبَّارِ حَيْثُ قَالَا الْإِجْزَاءُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وهو خِلَافٌ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ على خِلَافِهِ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ على ما يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ وَنَسَبَاهُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ قال سُلَيْمٌ وهو قَرِيبٌ من مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَفِيهَا مَذْهَبٌ رَابِعٌ وهو أَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ من حَيْثُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَلَا يَقْتَضِيهِ من حَيْثُ وَضْعُ اللُّغَةِ حَكَاهُ في الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى وَخَامِسٌ وهو التَّفْصِيلُ بين ما يَقَعُ على الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ كَالصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْإِجْزَاءِ وَبَيْنَ ما يَدْخُلُهُ ضَرْبٌ من الْخَلَلِ إمَّا من جِهَةِ الْمُكَلَّفِ أو غَيْرِهِ كَالْوَطْءِ في الْحَجِّ وَالصَّوْمِ فَلَا يَدُلُّ على الْإِجْزَاءِ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ ثُمَّ قال وَلَيْسَ هذا في الْحَقِيقَةِ مَذْهَبًا آخَرَ لِأَنَّا لَا نَقُولُ بِالْإِجْزَاءِ على أَيِّ أَمْرٍ وَقَعَ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ إذَا وَقَعَ على الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى إذَا قُلْنَا إنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَأَنَّهُ مِثْلُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ إيجَابَ مِثْلِهِ بَعْدَ الِامْتِثَالِ لَكِنْ إنَّمَا سُمِّيَ قَضَاءً إذَا كان فيه تَدَارُكُ الْفَائِتِ من أَصْلِ الْعِبَادَةِ وَوَضْعِهَا فَإِنْ لم يَكُنْ فَوَاتٌ اسْتَحَالَ تَسْمِيَتُهُ قَضَاءً يَعْنِي شَرْعًا لَا عَقْلًا وَلَا بُدَّ من تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَنَقُولُ الْإِجْزَاءُ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ أَحَدُهُمَا الِامْتِثَالُ وَالثَّانِي إسْقَاطُ الْقَضَاءِ فَالْمُكَلَّفُ إذَا أتى بِالْمَأْمُورِ على وَجْهِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ هو مُجْزِئٌ بِالِاتِّفَاقِ وَعَلَى الثَّانِي هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرُهُمَا أَيْ هل يَسْتَلْزِمُ سُقُوطَ الْقَضَاءِ لَا يَسْتَلْزِمُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ الْحَكِيمُ افْعَلْ كَذَا فإذا فَعَلْت أَدَّيْت الْوَاجِبَ وَيَلْزَمُك مع ذلك الْقَضَاءُ قال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ في الْمُعْتَمَدِ وَهَذَا هو مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئٍ وَلَا يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ لم يُمْتَثَلْ وَلَا أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فيه وَلَا يَكُونُ وَقَعَ مَوْقِعَ الصَّحِيحِ الذي لَا يَقْتَضِي هذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ عبد الْجَبَّارِ في الْمَسْأَلَةِ وَمِمَّنْ اعْتَنَى بِهِ أَيْضًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ فقال وَتَحْرِيرُ الْخِلَافِ فيه أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ هل هو من مَدْلُولِ الْأَمْرِ وَمُقْتَضَاهُ أو هو من مَجْمُوعِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْغَيْرِ وَأَمَّا كَوْنُهُ إذَا فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ يَبْقَى مَطْلُوبًا فما زَادَ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ أَصْلًا لِأَنَّ الْأَمْرَ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ عَمَّا عَدَا الْمَأْمُورَ بِهِ فَلَوْ بَقِيَ عليه شَيْءٌ آخَرُ من جِهَةِ الْأَمْرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مُنْقَطِعًا في تَعَلُّقِهِ وَفِيهِ جَمْعٌ بين النَّقِيضَيْنِ وهو مُحَالٌ انْتَهَى وقد وَقَعَ في الْمَسْأَلَةِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إطْلَاقُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَفَخْرِ الدِّينِ وَأَتْبَاعِهِ الْخِلَافَ في أَنَّ الِامْتِثَالَ هل يُوجِبُ الْإِجْزَاءَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ لم يُخَالِفْ في الْإِجْزَاءِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا خَالَفَ فيه بِالثَّانِي وَالْخِلَافُ في الْأَوَّلِ بَعِيدٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ قال الْهِنْدِيُّ وَعَلَى هذا تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ ليس عِبَارَةً عن سُقُوطِ الْقَضَاءِ بِالْفِعْلِ فَلَا يَلْزَمُ من كَوْنِ الْفِعْلِ سُقُوطُ الْقَضَاءِ بَلْ يَنْبَغِي تَرْجَمَتُهَا على ما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وقال الْمُتَكَلِّمُونَ لَا يَقْتَضِي فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْصِيصِ على هذا بِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَأَبِي هَاشِمٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ فإن كُلَّ من قال الْإِجْزَاءُ ليس عِبَارَةً عن سُقُوطِ الْقَضَاءِ على التَّفْسِيرِ الْمُتَقَدِّمِ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ من كَوْنِ الْفِعْلِ مُجْزِئًا سُقُوطُ الْقَضَاءِ وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في سُقُوطِ الْقَضَاءِ لَا في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِهِ وَكَوْنُهُ امْتِثَالًا وَطَاعَةً لِأَنَّ ذلك كَالتَّنَاقُضِ فَيَبْعُدُ وُقُوعُ الْخِلَافِ فيه لِأَنَّ أَدِلَّتَهُمْ تُشْعِرُ بِذَلِكَ الثَّانِي أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ أَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يَمْنَعُ من الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الْإِجْزَاءِ وَإِنَّمَا الْإِجْزَاءُ مُسْتَفَادٌ من عَدَمِ دَلِيلٍ يَدُلُّ على وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَلَا خِلَافَ بين عبد الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِ في بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ وَاتَّفَقُوا على أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ اقْتَضَتْ الْعَدَمَ السَّابِقَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ يقول الْعَدَمُ اللَّاحِقُ الْكَائِنُ بَعْدَ الْفِعْلِ مُسْتَفَادٌ أَيْضًا من الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْأَعْدَامِ الْكَائِنَةِ قبل الْفِعْلِ وقد شَبَّهَ الْقَرَافِيُّ هذا الْخِلَافَ بِالْخِلَافِ في مَفْهُومِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَنْ نَفَاهُ قال عَدَمُ عِتْقِهِ ما لم يَأْتِ بِالْمَشْرُوطِ مُسْتَفَادٌ من الْمِلْكِ السَّابِقِ وَمَنْ أَثْبَتَهُ قال هو مُسْتَفَادٌ من ذلك وَمِنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ أَيْضًا وَظَهَرَ بهذا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّهُ أتى بِالْمَأْمُورِ على وَجْهِهِ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يُمْكِنُ إيرَادُ أَمْرٍ ثَانٍ بِعِبَادَةٍ يُوقِعُهَا الْمَأْمُورُ على حَسَبِ ما أَوْقَعَ الْأُولَى لِأَنَّهُ كَاسْتِئْنَافِ شَرْعٍ وَتَعَبُّدٍ ثَانٍ وَالنِّزَاعُ في تَسْمِيَةِ هذا الْأَمْرِ الثَّانِي قَضَاءٌ لِلْأَوَّلِ فَالْجُمْهُورُ يَنْفُونَهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِنْدَهُمْ ما فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ وُجُوبُهُ وَهَذَا ليس كَذَلِكَ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ بِنَاءُ من بَنَى عليه صَلَاةَ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ إذَا تَمَكَّنَ من أَحَدِهِمَا هل يُعِيدُ قال ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ إنْ أَرَادَ عبد الْجَبَّارِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَرِدَ أَمْرٌ بَعْدَهُ بمثله فَمُسَلَّمٌ وَمَرْجِعُ النِّزَاعِ في تَسْمِيَتِهِ قَضَاءً وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على سُقُوطِهِ فَسَاقِطٌ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَا يَتَحَقَّقُ لِأَنَّهُ إنْ كان الْمُرَادُ لُزُومَ الْإِتْيَانِ بمثله فَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّكْرَارِ وَالْأَوَّلُ يُجْزِئُ عن الْآخَرِ لَكِنْ لم يَسْتَكْمِلْ وَإِنْ كان لِأَنَّهُ لم يَقَعْ الْمَوْقِعَ فَهُوَ غَيْرُ مُجْزِئٍ بِالِاتِّفَاقِ وقال هذه الْمَسْأَلَةُ مَقْلُوبَةٌ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ كَوْنُ النَّهْيِ يَدُلُّ على الْفَسَادِ مَسْأَلَةٌ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِمُعَيَّنٍ الْأَمْرُ إنْ تَعَلَّقَ بِمُعَيَّنٍ لم يَخْرُجْ الْمُكَلَّفُ عن عُهْدَتِهِ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِهِ قَطْعًا وَإِنْ تَعَلَّقَ بِمُطْلَقٍ وهو الْمُتَنَاوِلُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَاخْتَلَفُوا في الْمَطْلُوبِ بِهِ هل هو الْمَاهِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ أو جُزْءٌ من جُزْئِيَّاتِهَا قال الْآمِدِيُّ هو أَمْرٌ يُجْزِئُ مُعَيَّنٌ من جُزْئِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ لَا بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هو أَمْرٌ بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بين الْأَفْرَادِ لَا بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ لِأَنَّ الدَّالَّ على الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ على الْأَخَصِّ فإذا قال في الدَّارِ جِسْمٌ لَا يَدُلُّ على أَنَّهُ حَيَوَانٌ لِأَنَّ الْجِسْمَ أَعَمُّ وَهَذَا ما حَكَاهُ أبو الْمَنَاقِبِ الزَّنْجَانِيّ عن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ الْأَوَّلَ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ أَيْضًا الْقَرَافِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحَا الْمَحْصُولِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ هِيَ هِيَ وَلَا لَازِمَةً لها فلم يَدُلَّ عليها لَا مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا فَعَلَى هذا الْأَمْرُ بِالْجِنْسِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِشَيْءٍ من أَنْوَاعِهِ أَلْبَتَّةَ وَذَلِكَ كَالْمَأْمُورِ بِالْبَيْعِ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ أو بِغَبْنٍ فَاحِشٍ أو غَيْرِ ذلك لِأَنَّ الْبَيْعَ مُشْتَرَكٌ بين هذه الْأُمُورِ وَحَيْثُ حُمِلَ على مُعَيَّنٍ كَالْأَمْرِ من الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا فإنه مَحْمُولٌ على الشَّيْءِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَإِنَّمَا هو لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَحَيْثُ لم يُوجَدْ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ يُخَيَّرُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من تَحْصِيلِ الْمَاهِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ ذلك إلَّا في ضِمْنِ جُزْئِيٍّ وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى من الْبَعْضِ فَيَتَعَيَّنُ التَّخْيِيرُ وَتَوَسَّطَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فقال الْمَطْلُوبُ الْمَاهِيَّةُ من حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا بِقَيْدِ الْجُزْئِيَّةِ وَلَا بِقَيْدِ الْكُلِّيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِ اعْتِبَارِ أَحَدِهَا اعْتِبَارُ الْآخَرِ وَأَنَّ ذلك غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ بَلْ هو مَوْجُودٌ في ضِمْنِ الْجُزْئِيَّاتِ قال وَيُوَضِّحُ هذا كَلَامُهُمْ في الْفَرْقِ بين الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ شَيْءٍ وَبِشَرْطِ لَا شَيْءٍ وَلَا بِشَرْطٍ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ هذه الْمَسْأَلَةُ تَسْتَدْعِي تَجْدِيدَ الْعَهْدِ بِمَسْأَلَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ الْكُلِّيَّ إمَّا مَنْطِقِيٌّ أو طَبِيعِيٌّ أو عَقْلِيٌّ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا الْبَيْعُ كُلِّيٌّ فَهُنَاكَ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ مَاهِيَّةُ الْبَيْعِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وهو الطَّبِيعِيُّ الثَّانِي قَيَّدَ كَوْنَهُ كُلِّيًّا أَيْ يَشْتَرِكُ في مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ وَهِيَ الْمَنْطِقِيُّ وَالثَّالِثُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ بِقَيْدِ كَوْنِهَا كُلِّيَّةً وهو الْعَقْلِيُّ فَأَمَّا الطَّبِيعِيُّ فَهُوَ مَوْجُودٌ في الْأَعْيَانِ لِأَنَّ هذا الْبَيْعَ مَوْجُودٌ وَجُزْءُ هذا الْبَيْعِ نَفْسُ الْبَيْعِ بِالضَّرُورَةِ وَجُزْءُ الْمَوْجُودِ مَوْجُودٌ وَأَمَّا الْمَنْطِقِيُّ وَالْعَقْلِيُّ فَفِي وُجُودِهِمَا في الْخَارِجِ خِلَافٌ يَتَفَرَّعُ على أَصْلٍ آخَرَ وهو أَنَّ الْأُمُورَ النِّسْبِيَّةَ هل لها وُجُودٌ في الْخَارِجِ أَمْ لَا وَفِيهِ خِلَافٌ بين الْعُقَلَاءِ قال وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ كَلَامِ الْآمِدِيَّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ وهو الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين الْبِيَاعَاتِ هو الْكُلِّيُّ الطَّبِيعِيُّ وَلَا شَكَّ في وُجُودِهِ في الْأَعْيَانِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْكُلِّيَّيْنِ الْآخَرَيْنِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ عَدَمُ تَصَوُّرِهِ في نَفْسِ الطَّلَبِ وَلُزُومِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُطْلَقِ غَيْرُ الْقَيْدِ في اللَّفْظِ بِقَيْدٍ أو وَصْفِهِ بَلْ أَطْلَقَ إنْ طُلِبَ فِعْلٌ من الْأَفْعَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ما لَا يُطْلَبُ إيقَاعُهُ في الْأَعْيَانِ لَا يَكُونُ كُلِّيًّا لِأَنَّ الْكُلِّيَّ ليس في الْخَارِجِ وَلَا يَقْبَلُهُ الْخَارِجُ وإذا كان هَكَذَا فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ جُزْئِيًّا قُلْنَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جُزْئِيًّا مُعَيَّنًا عِنْدَ الْمُكَلَّفِ تَقَعُ فيه الْإِشَارَةُ إلَيْهِ لِأَنَّ ذلك مُتَعَذِّرٌ قَطْعًا فَإِذَنْ يَكُونُ الْمَطْلُوبُ جُزْئِيًّا غير مُعَيَّنٍ مِثْلَ النَّكِرَاتِ كُلِّهَا كما تَقُولُ إذَا لَقِيت رَجُلًا فَأَكْرِمْهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الذي يَلْقَاهُ هو جُزْئِيٌّ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ وَيُفَسِّرُ اللِّقَاءُ بِمُعَيَّنٍ وَالْقَائِلُ الْآخَرُ يقول الْمَطْلُوبُ الْمَاهِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ وَيَتَفَسَّرُ بِجُزْءٍ منها أو جُزْئِيَّاتٍ مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ ليس أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ ما لم يَدُلَّ عليه دَلِيلٌ وَإِلَّا لَزِمَ التَّخَلُّفُ في مِثْلِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ كَذَا قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ كما كان على ضَرْبَيْنِ بِوَسَطٍ وَبِغَيْرِ وَسَطٍ جَعَلُوا الْأَمْرَ بِوَسَطٍ ليس أَمْرًا حَقِيقِيًّا وَنَقَلَ الْعَالَمِيُّ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَمْرٌ وَنَصَرَهُ الْعَبْدَرِيُّ وابن الْحَاجِّ في كَلَامِهِمَا على الْمُسْتَصْفَى وَقَالَا هو أَمْرٌ حَقِيقَةً لُغَةً وَشَرْعًا بِدَلِيلِ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ آللَّهُ أَمَرَكَ بهذا فقال نعم فَفَهِمَ الْأَعْرَابِيُّ الْجَافِي من أَمْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَبَادَرَ إلَى الطَّاعَةِ قَائِلًا وَأَيُّ فَرْقٍ بين قَوْلِهِ لِلنَّاسِ افْعَلُوا كَذَا وَقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ مُرْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فإنه قد جاء في رِوَايَةٍ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا وفي رِوَايَةٍ فَأَمَرَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُرَاجِعَهَا فَفِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ الْأَمْرُ له وهو رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَوْ لم يَكُنْ قَوْلُهُ في الرِّوَايَةِ الْأُولَى مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا دَالًّا على أَنَّهُ مَأْمُورٌ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَمَا كان مَرْوِيًّا في الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِالْمَعْنَى لِأَنَّ الْمَعْنَى يَكُونُ مُخْتَلِفًا حِينَئِذٍ وَكَلَامُ سُلَيْمٍ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجِبُ على الثَّانِي الْفِعْلُ جَزْمًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في تَسْمِيَتِهِ أَمْرًا أَمْ لَا فإنه قال إذَا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَنْ يَأْمُرَ أُمَّتَهُ بِشَيْءٍ فإن ذلك الشَّيْءَ يَجِبُ فِعْلُهُ عليهم من حَيْثُ الْمَعْنَى وَهَكَذَا إذَا أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْوَاحِدَ من أُمَّتِهِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِشَيْءٍ كان دَالًّا على وُجُوبِ الْفِعْلِ عليه وَيَصِيرُ ذلك بِمَنْزِلَةِ وُرُودِ الْأَمْرِ ابْتِدَاءً عليه انْتَهَى وَجَعَلَ ابن الْحَاجِبِ في الْمُنْتَهَى مَوْضِعَ الْخِلَافِ نحو مُرْ فُلَانًا بِكَذَا أَمَّا لو قال قُلْ لِفُلَانٍ افْعَلْ كَذَا فَالْأَوَّلُ آمِرٌ وَالثَّانِي مُبَلِّغٌ قَطْعًا وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْخِلَافُ في أَمْرِ الِاسْتِصْلَاحِ نَحْوُ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ فَأَمَّا ما أُرِيدَ بِهِ التَّبْلِيغُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الثَّالِثَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ على أَنَّ من طَلَّقَ زَوْجَتَهُ في الْحَيْضِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بَعْدَ الدُّخُولِ اُسْتُحِبَّ له أَنْ يُرَاجِعَهَا لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعُمَرَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَلَوْ كان لِلْخِلَافِ في هذه الْحَالَةِ مَجَالٌ لَجَرَى خِلَافٌ في الِاسْتِحْبَابِ وَفَصَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فقال إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ التَّبْلِيغُ كان ذلك أَمْرًا لِلثَّانِي وَإِلَّا فَلَا وهو حَسَنٌ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ إنْ كان لِلْأَوَّلِ بِأَمْرِ الثَّالِثِ فَالْأَمْرُ الثَّانِي بِالْأَمْرِ الثَّالِثِ وَإِلَّا فَلَا وَمَعْنَى هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَمَرَ مُبَلِّغًا بِشَيْءٍ فَهَلْ هو أَمْرٌ لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي بِذَلِكَ كما لو تَوَجَّهَ نَحْوَهُ الْأَمْرُ من غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ ليس كَذَلِكَ وَنُقِلَ فيه خِلَافٌ ولم يُسَمِّ قَائِلَهُ نعم الْخِلَافُ بين أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ مَشْهُورٌ في أَنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الْوَلِيِّ فَقَطْ أو مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الشَّارِعِ وَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ وَذَلِكَ نَظَرٌ إلَى وَضْعِ اللَّفْظِ فَقَطْ وَجُنُوحٌ إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ خَارِجٌ عن حُكْمِ الْخِطَابِ وهو مُقْتَضَى حَدِّ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْأَحْسَنُ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ وَمَثَّلَ جَمَاعَةٌ منهم الْغَزَالِيُّ هذه الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً الْآيَةَ وَقَالُوا إنَّ ذلك بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِعْطَاءِ إلَّا من جِهَةِ وُجُوبِ طَاعَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْجُمْلَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ ليس أَمْرًا إلَّا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ الذي اقْتَضَاهُ وُجُوبُ طَاعَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَلْ هذه الْآيَةُ تَرْجِعُ إلَى أَنَّ ما لَا يَتِمُّ الشَّيْءُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَلَيْسَ من فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ هل يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ أَمْ لَا وَلَا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْإِتْمَامِ الْأَمْرُ بِالْإِتْمَامِ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالشُّرُوعِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِتْمَامُ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ وَلِهَذَا احْتَجَّ أَصْحَابُنَا على وُجُوبِ الْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَسْأَلَةٌ إيجَابُ اللَّهِ على رَسُولِهِ شيئا إذَا أَوْجَبَ اللَّهُ على رَسُولِهِ شيئا لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِغَيْرِهِ مِثْلُ أَنْ يُوجِبَ عليه أَخْذَ الزَّكَاةِ فَهَلْ يَتَضَمَّنُ هذا الْأَمْرُ إيجَابَ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ على أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَمْ لَا فيه خِلَافٌ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ فقال قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَجِبُ عليهم بِنَفْسِ ذلك الْأَمْرِ وَلَعَلَّهُمْ يُقَرِّبُونَ هذا من قَوْلِنَا الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالْوُضُوءِ وقال الْقَاضِي يَجِبُ على أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ الِابْتِدَارُ إلَى الْإِعْطَاءِ لَا من جِهَةِ الْأَمْرِ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ ليس في إيجَابِ الْأَخْذِ على الرَّسُولِ إيجَابُ الْإِعْطَاءِ على الْغَيْرِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عليه الْأَخْذُ فَيَأْمُرُ بِالْإِعْطَاءِ وَأَمْرُهُ وَاجِبٌ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على وُجُوبِ الْإِعْطَاءِ عِنْدَ وُجُوبِ الْأَخْذِ عليه حُكْمًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عليه مَسْأَلَةٌ الْآمِرُ هل يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْآمِرَ هل يَدْخُلُ تَحْتَ الْأَمْرِ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَنَصَّ على عَدَمِ الدُّخُولِ وَكَذَا نَصَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وقال الْقَوْلُ بِالدُّخُولِ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ في كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قال لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَأْمُورَ غَيْرُهُ وَلَا بُدَّ من تَحْرِيرِ النِّزَاعِ فَنَقُولُ له حَالَاتٌ إحْدَاهَا أَنْ يَقُولَ لِنَفْسِهِ افْعَلِي مُرِيدًا ذلك الْفِعْلَ من نَفْسِهِ وَلَا نِزَاعَ في جَوَازِهِ وَهَلْ يُسَمَّى حَسَنًا أَمْ لَا قال الْهِنْدِيُّ الْحَقُّ الْمَنْعُ إذْ لَا فَائِدَةَ فيه وَهَلْ يُسَمَّى أَمْرًا إنْ شَرَطْنَا الْعُلُوَّ أو الِاسْتِعْلَاءَ امْتَنَعَ وَإِنْ لم نَشْرِطْهُ فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُغَايَرَةَ بين الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ مُعْتَبَرَةٌ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هَاهُنَا فَإِنْ لم نَعْتَبِرْهَا سُمِّيَ بِهِ وهو بَعِيدٌ الثَّانِيَةُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ بِهِ لَا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يَدْخُلُ الْآمِرُ تَحْتَهُ قَطْعًا سَوَاءٌ أَمَرَ عن نَفْسِهِ أو أَخْبَرَ بِالْأَمْرِ عن غَيْرِهِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ مُتَنَاوِلٍ له فَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ الْغَيْرِ قال الْهِنْدِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ في دُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ كما إذَا تَلَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَإِمَّا أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرِ نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ يا أَيُّهَا الناس أو يا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ افْعَلُوا كَذَا فَهَذَا هو مَحَلُّ النِّزَاعِ وَالْأَكْثَرُونَ على دُخُولِهِ نَظَرًا إلَى عُمُومِ اللَّفْظِ فإن كَوْنَهُ أَمْرًا لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا له وَلِهَذَا دخل عليه السَّلَامُ في كَثِيرٍ من أَوَامِرِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ آخَرَ كَذَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَسَيَأْتِي في الْعُمُومِ لَكِنَّ الْأَكْثَرِينَ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ على عَدَمِ دُخُولِهِ وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ لَا خِلَافَ في أَنَّ الْآمِرَ لَا يَدْخُلُ في الْأَمْرِ إذَا أَمَرَ عن نَفْسِهِ فَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ بِالْأَمْرِ عن غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لِأُمَّتِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ بِصَوْمِ يَوْمٍ فَاخْتَلَفُوا فيه على قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ دُخُولُهُ قال وَأَمَّا الْمُخْبِرُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ في الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ من قَعَدَ في الْمَطَرِ ابْتَلَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عَبَثٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُخْبِرًا لِغَيْرِهِ عن نَفْسِهِ أَنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَكَلَامُ الْهِنْدِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَبَرَ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ قال وَلِهَذَا قِيلَ وَلَا أنت يا رَسُولَ اللَّهِ وَمَرْتَبَتُهُ كَوْنُهُ مُخَاطِبًا لَا يَخُصُّهُ وَكَذَا في الْأَمْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِمَزِيدِ تَتِمَّةٍ في بَابِ الْعُمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ أَمْرٌ بِالْمَوْصُوفِ فإذا أَمَرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كان أَمْرًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ قال وَغَلِطَتْ الْحَنَفِيَّةُ حَيْثُ اسْتَدَلُّوا على وُجُوبِ التَّلْبِيَةِ في الْإِحْرَامِ بِمَا رُوِيَ أَنْ جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ نَزَلَ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال مُرْ أَصْحَابَك لِيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَجَعَلُوا النَّدْبَ إلَى الصِّفَةِ وَهِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ دَلِيلًا على وُجُوبِ التَّلْبِيَةِ وَهَذَا غَلَطٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ قد يُنْدَبُ إلَى صِفَةِ ما هو وَاجِبٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ في نَدْبِهِ إلَى الصِّفَةِ ما يَقْتَضِي إيجَابَ الْمَوْصُوفِ وَاَلَّذِي يَتَنَاوَلُهُ بِصَرِيحِهِ هو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَنَفْسُ التَّلْبِيَةِ إنَّمَا يُعْلَمُ من ضَمِيمِهِ على سَبِيلِ التَّبَعِ له وما تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ ما كان مُسْتَفَادًا من ضِمْنِهِ الْمُتَوَصَّلِ إلَيْهِ أَوْلَى وَفِيمَا أُطْلِقَ حِكَايَتُهُ عن الْحَنَفِيَّةِ نَظَرٌ وقال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَيْئَةٍ أو صِفَةٍ لِفِعْلٍ دَلَّ الدَّلِيلُ على أنها مُسْتَحَبَّةٌ جَازَ التَّمَسُّكُ بِهِ على وُجُوبِ أَصْلِ الْفِعْلِ لِتَضَمُّنِهِ الْأَمْرَ بِهِ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُهَا فإذا خُولِفَ في الصَّرِيحِ بَقِيَ التَّضَمُّنُ على أَصْلِ الِاقْتِضَاءِ قال ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَنَصَّ عليه أَحْمَدُ حَيْثُ تَمَسَّكَ على وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ بِالْأَمْرِ بِالْمُبَالَغَةِ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ لَا يَبْقَى دَلِيلٌ على وُجُوبِ الْأَصْلِ انْتَهَى وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ الْأَمْرُ بِإِيجَادِ الصِّفَةِ وَإِدْخَالِهَا في الْوُجُودِ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالْمَوْصُوفِ لِاسْتِحَالَةِ دُخُولِ الصِّفَةِ في الْوُجُودِ بِدُونِ الْمَوْصُوفِ وما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وقد يَكُونُ الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ على تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَوْصُوفِ وقد يَحْتَمِلُ الْحَالُ الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ هل الْمُرَادُ إدْخَالُ إفْشَاءِ السَّلَامِ في الْوُجُودِ فَيَكُونُ أَمْرًا بِأَصْلِ السَّلَامِ أو الْمُرَادُ إفْشَاؤُهُ على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ أَيْ إذَا سَلَّمْتُمْ فَلْيَكُنْ فَاشِيًّا مَسْأَلَةٌ وُرُودُ الْأَمْرِ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِإِيجَادِ فِعْلٍ فَهَلْ يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَقَعُ الِاسْمُ عليه أَمْ لَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ اخْتَلَفَ فيه الْأُصُولِيُّونَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْزِئُ ما وَقَعَ عليه الِاسْمُ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ الْأَمْرُ بِفِعْلِ الشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ وُجُوبَ أَدْنَى ما يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ ذلك الْفِعْلِ وَقِيلَ يَقْتَضِي الْأَكْثَرَ لنا أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فإذا وَرَدَ مُطْلَقُ الْأَمْرِ تَعَلَّقَ بِالْمُتَيَقَّنِ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فيها قال وإذا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَزَادَ عليه فَالزِّيَادَةُ تَطَوُّعٌ وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده إن كان له ضد واحد كصوم العيد فالنهي عن صومه أمر بضده وهو الفطر فلا خلاف وإلا لأدى إلى التناقض ومثله الأمر بالإيمان نهي عن الكفر وإن كان له أضداد كالأمر بالقيام فإن له أضدادا من القعود والركوع والسجود والاضطجاع ونحوها وكالزنى فإن من أضداده الصلاة والنوم والمشي وغيرها فهو محل الخلاف قيل نهي عن جميع أضداده وقيل عن واحد منها لا بعينه حكاه عبد العزيز في شرح البزدوي واعلم أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما النفساني واختلف المثبتون له في أن الأمر بشيء معين هل هو نهي عن ضده الوجودي على مذاهب أحدها أنه ليس نهيا عن ضده لا لفظا ولا يقتضيه عقلا واختاره الإمام والغزالي وإلكيا الطبري وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم وابن برهان وصاحب الواضح والمعتمد وإمام الحرمين في التلخيص عن المعتزلة بناء على أصلهم في اعتبار إرادة الناهي وذلك غير معلوم لكن نقل إمام الحرمين في البرهان عنهم أنه يتضمنه وهو محمول على اللسان كما سيأتي فتفطن له وقال إمام الحرمين وإلكيا في تعليقه إن هذا الذي استقر عليه رأي القاضي أبي بكر بعد أن كان يقول إنه نهي عن ضده والثاني أنه نفس النهي عن ضده من حيث اللفظ والمعنى بناء على أن الأمر لا صيغة له واتصافه بكونه أمرا ونهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قريبا من شيء بعيدا من شيء وهذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي وأطنب في نصرته في التقريب ونقله عن جميع أهل الحق النافين لخلق القرآن ونقله في المنخول عن الأستاذ أبي إسحاق والكعبي ونقله ابن برهان في الأوسط عن العلماء قاطبة وقال صاحب اللباب هو قول أبي بكر الجصاص وهو أشبه وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص هو قول المتكلمين منهم الأشعري وغيره أنه نهي عن ضده من حيث اللفظ والمعنى لأن الأمر لا صيغه له قال ابن دقيق العيد وهذا المذهب لا يتأتى مع القول بأن الأمر هو القول لأن إحدى الصيغتين لا تكون عين الأخرى قطعا فليؤول على أنه يستلزمه انتهى وهو عجب لأن الأشعري بناه على أن الأمر لا صيغه له كما سبق نقله عن القاضي عبد الوهاب وغيره وكذلك قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني بنى الأشعري هذا على أصله في أن الأمر لا صيغه له وإنما هو معنى قائم بالنفس وكذلك للنهي فالأمر عندهم هو نفس النهي من هذا الوجه وقال الهندي لم يرد القائل أن صيغة تحرك مثلا غير صيغة لا تسكن فإن ذلك معلوم الفساد بالضرورة بل يعني أن المعنى المعبر عنه ب تحرك عين المعنى المعبر عنه ب لا تسكن وقالوا إن كونه أمرا ونهيا بالنسبة إلى الفعل وضده الوجودي لكون الحركة قربا وبعدا بالنسبة إلى جهتين وقد وجهه الماوردي بأن الأمر له متعلقان متلازمان اقتضاء الفعل والإيقاع والنهي عن الفعل والاجتناب وترك الفعل فعل آخر وهو ضد المتروك والثالث أنه ليس هو ولكن يتضمنه من طريق المعنى وبه جزم القاضي أبو الطيب ونصره الشيخ أبو إسحاق في التبصرة وابن الصباغ في العدة ونقله الشيخ أبو حامد الإسفراييني وسليم عن أكثر أصحابنا قال وهو قول أكثر الفقهاء كافة وقال ابن السمعاني هو مذهب عامة الفقهاء ونقله عبد الوهاب عن أكثر أصحاب الشافعي قال وهو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا وإن لم يصرحوا به وقال الباجي عليه عامة الفقهاء واختاره الآمدي والإمام فخر الدين وقال أبو زيد الدبوسي في التقويم إنه المختار وبه جزم أبو منصور الماتريدي فقال إنه نهي عن ضده بدلالة الالتزام وكذا ا قال البزدوي والسرخسي منهم وقال إمام الحرمين وابن القشيري والمازري إن القاضي مال إليه في آخر مصنفاته وقال صاحب الواضح وقصد الفقهاء من هذه المسألة أن الأمر للوجوب فلهذا قالوا إنه نهي عن ضده ثم رد الإمام على من قال هو عينه بأنه جحد للضرورة فإن القول المعبر عنه ب افعل مغاير للمعبر عنه ب لا تفعل قيل وهذا منه غلط أو مغالطة إذ ليس الكلام في افعل ولا تفعل بل في افعل ولا تترك وليس بطلان اتحاد مدلولهما ضروريا وأبطل مذهب التضمن بأن الأمر قد لا يخطر له الضد ولو خطر له فلا قصد له في تركه إلا على معنى أن ذلك وسيلة إلى المأمور به واعترف بأنه يرى استلزام الوجوب الوعيد على الترك فكيف لا يخطر له الضد من الترك ولا بد أن يكون متوعدا عليه ثم هذا الخلاف في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق لأنه الذي يغفل عن الضد وأما الله تعالى فكلامه واحد لا يتطرق إليه ذهول كما صرح به الغزالي وابن القشيري واحترزنا بقولنا معين عن الواجب المخير والموسع فإن الأمر بهما ليس نهيا عن الضد والمسألة مقصورة على الواجب المعين صرح به الشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي في التقريب واحترزنا بالوجودي عن الترك فإن الأمر بالشيء نهي عن تركه بطريق التضمن قطعا كما قاله الهندي وغيره وإنما الخلاف في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي المقام الثاني بالنسب إلى الكلام اللساني عند من رأى أن للأمر صيغة وفيه مذهبان أحدهما أن الأمر يتضمن النهي عن الضد وهو رأي المعتزلة منهم عبد الجبار وأبو الحسين قال ابن الأنباري وإنما ذهبوا إلى ذلك لإنكارهم كلام النفس والكلام عندهم ليس إلا العبارات فلم يمكنهم أن يقولوا الأمر بالشيء نهي عن ضده لاختلاف الألفاظ قطعا فقالوا إنه يقتضيه ويتضمنه وليس يعنون بذلك إشعارا لغويا أو أمرا لفظيا فقط ولكنهم يقولون الأمر قول القائل لمن دونه افعل مع إرادات ومريد الشيء لا بد وأن يكون كارها لضده فيلزم أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وفرق إمام الحرمين بين هذا القول وقول القاضي آخرا بأن المعتزلة يقولون صيغه الأمر تقتضي النهي وذلك الاقتضاء راجع إلى فهم معنى من لفظ من يشعر به والقاضي يقول بالكلام النفسي وما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره ولكنه يقول إذا قام بالنفس الأمر الحقيقي فمن ضروراته أن يقوم بالنفس معه قول آخر هو نهي عن أضداد المأمور به كما يقتضي قيام العلم بالمحل قيام الحياة به والثاني أنه لا يدل عليه أصلا وجزم به النووي في الروضة في كتاب الطلاق ولا يمكن أحد هنا أن يقول إنه هو فإن صيغة تحرك غير صيغة لا تسكن قطعا ولبعض المعتزلة مذهب ثالث وهو أن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها لكونها مانعة من فعل الواجب المندوب فإن أضداده مباحة غير منهي عنها ولا تنزيه غالبا واختار الآمدي أن يقال إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فالأمر بالفعل ليس نهيا عن الضد ولا مستلزما للنهي عنه بل يجوز أن يؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة وإن منع فالأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده واختاره الهندي أنه نهي عن ضده بطريق الاستلزام لا أنه وضده يستلزم ذلك بل مع مقدمة أخرى وهي أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لو قيل باستحالة تكليف ما لا يطاق وقال أبو الحسين في المعتمد ليس الخلاف في تسمية الأمر حقيقة لبطلانه ولا في أن صيغة لا تفعل موجودة في الأمر لأن الحس يدفعه بل في أنه نهي عن ضده في المعنى واعلم أن الذي دلنا على الفصل بين المقامين وتنزيل خلاف كل قوم على حالة أن الشيخ والقاضي لم يتكلما إلا في النفسي ويدل لذلك قولهما إن اتصافه بالأمر والنهي على ما سبق والإمام في المحصول اختار أن الأمر يتضمن النهي عن ضده والظاهر أن كلامه في اللساني لأنه عبر بالصيغة وخلاف المعتزلة أنما يتصور فيه لأنهم ينكرون النفسي ولا أمر عندهم إلا بالعبارة إذا علمت ذلك فقد استشكل تصوير المسألة بأنه إن كان الكلام في النفساني بالنسبة إلى الله تعالى فالله تعالى بكل شيء عليم وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر واحد بالذات متعدد بالمتعلقات وحينئذ فأمر الله عين نهيه فكيف يتجه فيه خلاف وإن كان الخلاف بالنسبة إلى المخلوق فقط كما صرح به الغزالي وابن القشيري فكيف يقال هو أو يتضمنه مع احتمال ذهوله عن الضد مطلقا وهذا هو عمدة إمام الحرمين كما سبق وجوابه أن القائل بأنه أجراه مجرى العلم المتعلق بمتلازمين كيمين وشمال وفوق وتحت فإن من المستحيل علم الفوق وجهل التحت وعكسه وكذلك يستحيل أن يتعلق الأمر بالنفسي باقتضاء فعل ولا يتعلق النهي عن تركه وإنما الإشكال على القول بتضمنه النهي وجوابه ما ذكره إمام الحرمين أن هؤلاء لا يعنون بالاقتضاء ما يريده المعتزلة وإنما هؤلاء يعتقدون أن الأمر النفسي مقارنة نهي نفسي أيضا يجري ذلك مجرى الحياة في العلم فإن العلم إذا وجد اقتضى وجود الحياة وممن جزم أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو بالنسبة إلى الكلام اللساني لا النفساني القرافي وتبعه عليه التبريزي في التنقيح فقال لا يتحقق هذا الخلاف في كلام الله تعالى لأن مثبتي كلام النفس مطبقون على اتحاد كلام الله من أمر ونهي ووعد ووعيد واستفهام إلى جميع الأقسام الواقعة في الكلام فهو تعالى آمر بعين ما هو ناه عنه ولا شك أن قول القائل تحرك غير قوله لا تسكن وإنما النظر في قوله افعل إنما يتضمن ذلك على خلاف فيه طلب الفعل فهو طالب ترك ضده أم لا وكذا قال الصفي الهندي هذا النزاع غير متصور في كلام الله تعالى على رأي من يرى اتحاده بل في كلام المخلوقين وفي كلام الله تعالى على رأي من يرى تعدده وقال ابن القشيري الكلام في هذه المسألة مع مثبتي كلام النفس أما من نفاه فلا يمكنه أن يقول الأمر عين النهي فإن صيغة افعل غير صيغة لا تفعل لكنهم قالوا يقتضيه من طريق المعنى قال وصار إلى هذا ضعفة الفقهاء ومن لم يتحقق عنده كلام النفس ثم قال الخلاف في أمر المخلوق أما كلام الله فهو قديم وهو صفة واحدة يكون أمرا بكل مأمور ونهيا عن كل نهي خبرا عن كل مخبر ثم قال في آخر المسألة والقول بأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده يلزم المصير إلى مذهب الكعبي لأن من ضرورة ارتكاب المباح أن يترك محظورات فوجه النظر إلى مقصود الآمر والناهي والمبيح لا فيما يقع من ضرورة الجبلة وهذا نهاية المسألة النَّهْيُ عن الشَّيْءِ إنْ كان له أَضْدَادٌ أَمَّا النَّهْيُ عن الشَّيْءِ فَأَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ كان له ضِدٌّ وَاحِدٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالنَّهْيِ عن الْحَرَكَةِ يَكُونُ أَمْرًا بِالسُّكُونِ وَإِنْ كان له أَضْدَادٌ فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ نَفْسُ الْأَمْرِ بِضِدِّهِ كما في جَانِبِ الْأَمْرِ قَالَهُ الْقَاضِي ثُمَّ مَالَ آخِرًا إلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ وَقِيلَ بَلْ ذلك في جَانِبِ الْأَمْرِ لَا النَّهْيِ فَلَا يَجْرِي الْخِلَافُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عنه وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن جَمِيعِ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَجَرَى عليه الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ فَقَالُوا إنْ كَالَ له ضِدٌّ وَاحِدٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ الضِّدِّ أَيْ تَضَمُّنًا كما قَالَهُ سُلَيْمُ كَالصَّوْمِ في الْعِيدَيْنِ وَكَقَوْلِهِ لَا تَكْفُرْ فإنه أَمْرٌ بِالْإِيمَانِ وَإِنْ كان له أَضْدَادٌ كَثِيرَةٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِضِدٍّ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عنه إلَّا بِهِ فَأَمَّا إثْبَاتُ الْأَمْرِ بِسَائِرِ الْأَضْدَادِ فَلَا مَعْنَى له وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِضِدِّهِ إنْ كان ذَا ضِدٍّ وَاحِدٍ فَإِنْ كان له أَضْدَادٌ فقال أبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ لَا يَقْتَضِي أَمْرًا بها وقال الشَّافِعِيُّ يَقْتَضِي أَمْرًا بِالْوَاحِدِ وهو قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا انْتَهَى وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ ليس بِأَمْرٍ بِشَيْءٍ مُطْلَقًا وَشَنَّعَ على من قال بِأَنَّ النَّهْيَ عن ذِي أَضْدَادٍ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ فقال من قال إنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ فَقَدْ اقْتَحَمَ أَمْرًا عَظِيمًا وَبَاحَ بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ الْكَعْبِيِّ في نَفْيِ الْإِبَاحَةِ فإنه إنَّمَا صَارَ إلَى ذلك من حَيْثُ قال الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن الْأَضْدَادِ وَيَتَضَمَّنُ لِذَلِكَ من حَيْثُ تَفَطَّنَ لِغَائِلَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ نَاقَضَ كَلَامَهُ فإنه كما يَسْتَحِيلُ الْإِقْدَامُ على الْمَأْمُورِ بِهِ دُونَ الِانْكِفَافِ عن أَضْدَادِهِ فَيَسْتَحِيلُ الِانْكِفَافُ عن الْمَنْهِيِّ عنه دُونَ الِاتِّصَافِ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ وَالتَّحْقِيقُ في هذه الْمَسْأَلَةِ ما أَشَارَ إلَيْهِ ابن الْقُشَيْرِيّ أَنَّ هَاهُنَا شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا كَوْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هل هو نَهْيٌ عن ضِدِّهِ أَمْ لَا الثَّانِي الْمَأْمُورُ بِشَيْءٍ مَنْهِيٌّ عن جَمِيعِ أَضْدَادِهِ وَأَنَّ الْآمِرَ بِهِ نَاهٍ عن جَمِيعِ الْأَضْدَادِ فَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي فيه الْإِجْمَاعَ وقال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ أنا لَا أَشُكُّ أَنَّ هذا مَمْنُوعٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ قال إنْ مَنَعَ ذلك مَانِعٌ قِيلَ له هذا خَرْقُ ما عليه الْكَافَّةُ مع أَنَّا نُلْجِئُهُ إلَى ما قِيلَ له بِهِ فَنَقُولُ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ على الْجَزْمِ بِشَيْءٍ وهو مُقَيَّدٌ بِالْفَوْرِ وَانْتَفَى عنه سِمَةُ التَّخْيِيرِ فَتَحْرِيمُ ضِدِّ الِامْتِثَالِ لَا شَكَّ فيه إذْ لو لم يَحْرُمْ فما مَعْنَى وُجُوبِ الِامْتِثَالِ انْتَهَى وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مع تَجْوِيزِ عَدَمِ خُطُورِهِ بِالْبَالِ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْخُطُورِ فَلَيْسَ الضِّدُّ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا هو ضَرُورِيٌّ دَعَا إلَيْهِ تَحَقُّقُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَيْسَ كُلُّ ضَرُورِيٍّ لِلشَّيْءِ يُقَالُ له إنَّهُ مَدْلُولُهُ أو يَتَضَمَّنُهُ قال وَهَذَا التَّحْقِيقُ تَحْرِيرٌ في أَنَّ الْآمِرَ بِالشَّيْءِ ليس نَاهِيًا عن أَضْدَادِهِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْقِيَامِ طَالِبٌ له وقد يَخْطِرُ له ضِدُّهُ فَكَيْفَ يَطْلُبُ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ عَيْنَ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ نَهْيًا عن ضِدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ وَكَذَا النَّهْيُ عن الشَّيْءِ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِضِدِّ الْمَنْهِيِّ عنه لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هل يُوجِبُ حُكْمًا في ضِدِّ ما أُضِيفَ إلَيْهِ فَذَهَبَ أبو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ من مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ له في ضِدِّهِ أَصْلًا بَلْ هو مَسْكُوتٌ عنه وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يُوجِبُ حُرْمَةَ ضِدِّهِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من مُحَقِّقِي الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ على كَرَاهَةِ ضِدِّهِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ من قال لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الضِّدِّ قال إذَا أَدَّى الِاشْتِغَالُ بِهِ إلَى فَوَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرُمَ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَرَامٌ فلما نهى الْمُحْرِمَ عن لُبْسِ الْمَخِيطِ دَلَّ على أَنَّ من السُّنَّةِ لُبْسَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَطْلَقُوا الْأَمْرَ وهو يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَجَعَلَهَا نَهْيًا عن الضِّدِّ تَحْرِيمًا وَتَنْزِيهًا وَنُقِلَ تَخْصِيصُهُ بِالْوَاجِبِ عن بَعْضِ أَهْلِ الْحَقِّ وهو الذي حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن الشَّيْخِ فقال ذَهَبَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ إنْ كان له ضِدٌّ وَاحِدٌ وَأَضْدَادُهُ إنْ كان ذَا أَضْدَادٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْخَ شَرَطَ في ذلك أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لَا نَدْبًا قال وقد حُكِيَ عن الشَّيْخِ أَنَّهُ قال في بَعْضِ كُتُبِهِ إنَّ النَّدْبَ حَسَنٌ وَلَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ وَعَلَى هذا الْقَوْلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ الْوُجُوبِ في الْأَمْرِ إذْ هو حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا ثُمَّ قال الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ من وُجُوبٍ وَنَدْبٍ قال وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الشَّيْخُ في ذلك شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مع وُجُوبِهِ مُضَيِّقًا مُسْتَحِقَّ الْعَيْنِ لِأَجْلِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسِّعَ ليس بِنَهْيٍ عن ضِدِّهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عن ضِدِّهِ وَضِدُّ الْبَدَلِ منه الذي هو بَدَلُ لَا ما إذَا كان أَمْرٌ على غَيْرِ وَجْهِ التَّخْيِيرِ انْتَهَى وَهَذَا الشَّرْطُ الثَّانِي قد سَبَقَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِهِ وقد ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ فقال إذَا كان شَيْءٌ وَاحِدٌ مُضَيِّقٌ مُعَيَّنٌ لَا بَدَلَ له وَذَكَرَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ أَيْضًا فقال هذا في الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ على التَّنْصِيصِ لَا على التَّخْيِيرِ فإن الْأَمْرَ على التَّخْيِيرِ قد يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ وَضِدِّهِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَذَكَرَ عبد الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ عن ضِدِّهِ إذَا كان الْمَأْمُورُ بِهِ مُضَيَّقَ الْوُجُوبِ بِلَا بَدَلٍ وَلَا تَخْيِيرٍ كَالصَّوْمِ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَهْيًا عن ضِدِّهِ كَالْكَفَّارَاتِ وَاحِدَةٌ منها وَاجِبَةٌ مَأْمُورٌ بها غَيْرُ مَنْهِيٍّ عن تَرْكِهَا لِجَوَازِ رَدِّهَا إلَى غَيْرِهَا كما في الْأَمْرِ وقد احْتَرَزَ الْقَاضِي عن هذا فقال الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَبَدَلِهِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ إنْ كان له بَدَلٌ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُشْتَمِلُ على التَّخْيِيرِ انْتَهَى وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا كان الْأَمْرُ يُوجِبُ تَحْصِيلَ الْمَأْمُورِ بِهِ على الْفَوْرِ فَلَا بُدَّ من تَرْكِ ضِدِّهِ عَقِبَ الْأَمْرِ كما لَا بُدَّ من فِعْلِهِ عَقِبَ الْأَمْرِ فَأَمَّا إذَا كان الْأَمْرُ على التَّرَاخِي فَلَا وَهَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ كَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عن ضِدِّهِ إذَا اقْتَضَى التَّحْصِيلَ على الْفَوْرِ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَاسْتُشْكِلَ وَجْهُهُ الْمُوَسَّعُ إنْ لم يَصْدُقْ عليه أَنَّهُ وَاجِبٌ فَأَيْنَ الْأَمْرُ حتى يُسْتَثْنَى منه قَوْلُهُمْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَإِنْ صَدَقَ عليه وَاجِبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْلَاءُ الْوَقْتِ عنه فَضِدُّهُ الذي يَلْزَمُ من فِعْلِهِ تَفْوِيتُهُ مَنْهِيٌّ عنه وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ صَدَقَ الْأَمْرُ عليه انْقَدَحَ كَوْنُهُ نَهْيًا عن ضِدِّهِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهِ كما قُلْنَا في الْمُخَيَّرِ الثَّانِي ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في الضِّدِّ الذي هو الْأَمْرُ الْوُجُودِيُّ الذي هو من لَوَازِمِ نَقِيضِ الشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ هل هو نَهْيٌ عن نَفْسِ السُّكُونِ الذي هو ضِدٌّ أَمْ لَا هذا هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ أَمَّا النَّقِيضُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هو عَيْنُ النَّهْيِ عن نَقِيضِهِ فإن الْحَرَكَةَ نَقِيضُ اللَّا حَرَكَةَ فَاللَّا حَرَكَةَ نَقِيضٌ وَلَيْسَ بِضِدٍّ بَلْ ضِدُّ الْحَرَكَةِ هو السُّكُونُ وَهَذَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ إلَّا أَنَّهُ لَازِمٌ مُسَاوٍ لِنَقِيضِ الْحَرَكَةِ فإذا وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ فَهَذَا بِعَيْنِهِ نَهْيٌ عن نَقِيضِهَا لِأَنَّ النَّهْيَ عن نَقِيضِهَا هو سَلْبٌ لِسَلْبِهَا وهو في نَفْسِهِ عِبَارَةٌ عن سَلْبِ الْحَرَكَةِ وَسَلْبُ سَلْبِ الْحَرَكَةِ هو نَفْسُ الْحَرَكَةِ لِأَنَّ سَلْبَ السَّلْبِ إثْبَاتٌ وَطَلَبُ سَلْبِ الْحَرَكَةِ هو طَلَبُ سَلْبِ نَفْسِ الْحَرَكَةِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ بِالْحَرَكَةِ هو بِعَيْنِهِ نَهْيًا عن نَقِيضِهَا وهو سَلْبُ الْحَرَكَةِ الثَّالِثُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ إذَا لم يَقْصِدْ الضِّدَّ بِالنَّهْيِ فَإِنْ قَصَدَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ فإن الضِّدَّ مِثْلُ هذه الصُّورَةِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ النَّهْيُ هو اقْتِضَاءُ كَفٍّ عن فِعْلٍ فَالِاقْتِضَاءُ جِنْسٌ وكف مُخْرِجٌ لِلْأَمْرِ لِاقْتِضَائِهِ غير الْكَفِّ وَشَرَطَ ابن الْحَاجِبِ هُنَا على جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ كما شَرَطَهُ في الْأَمْرِ وقال الْقَرَافِيُّ لم يَذْكُرُوا الْخِلَافَ السَّابِقَ في الْأَمْرِ في اشْتِرَاطِ الْعُلُوِّ أو الِاسْتِعْلَاءِ هُنَا وَيَلْزَمُهُمْ التَّسْوِيَةُ بين الْبَابَيْنِ قُلْت قد أَجْرَاهَا ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَلَيْسَ من شَرْطِ النَّهْيِ كَرَاهَةُ الْمَنْهِيِّ عنه كما ليس من شَرْطِ الْأَمْرِ إرَادَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ اعْتَبَرُوا إرَادَةَ التَّرْكِ كما في الْأَمْرِ وَلِلنَّهْيِ صِيغَةٌ مُبَيِّنَةٌ له تَدُلُّ بِتَجْرِيدِهَا عليه وَهِيَ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا تَفْعَلْ وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْأَمْرِ وقال الْأَشْعَرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ ليس له صِيغَةٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وإذا قُلْنَا له صِيغَةٌ فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وَنُسِبَ لِلْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَغَيْرَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ حَقِيقَةً لَا لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهَا يَقِينٌ فَحُمِلَ عليه ولم يُحْمَلْ على التَّحْرِيمِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا وَعَزَاهُ أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ لِقَوْمٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ حَقِيقَةً كما أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَجَعُوا في التَّحْرِيمِ إلَى مُجَرَّدِ النَّهْيِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا وَهَذَا هو الذي عليه الْجُمْهُورُ وَتَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عليه فقال في الرِّسَالَةِ في بَابِ الْعِلَلِ في الْأَحَادِيثِ وما نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهُوَ على التَّحْرِيمِ حتى يَأْتِيَ دَلَالَةٌ على أنها إنَّمَا أَرَادَ بِهِ غير التَّحْرِيمِ وقال في الْأُمِّ في كِتَابِ صِفَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ النَّهْيُ من رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ كان ما نهى عنه فَهُوَ مُحَرَّمٌ حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ أَنَّهُ بِمَعْنَى غَيْرِ التَّحْرِيمِ وَنَصَّ عليه في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَيْضًا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ إنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ فإنه في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَيَّنَ الْقَوْلَ فيه وَهَذَا الذي قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ هو الذي دَلَّ عليه كَلَامُ الشَّافِعِيِّ كما سَبَقَ فَنَقُولُ إنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا حتى يَرِدَ ما يَصْرِفُهُ وَلَهُ في الْأَمْرِ قَوْلَانِ وَعَلَى هذا فَهَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ من جِهَةِ اللُّغَةِ أَمْ من جِهَةِ الشَّرْعِ فيه وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ في الْأَمْرِ ثُمَّ الْمُرَادُ صِيغَةُ لَا تَفْعَلْ فَأَمَّا لَفْظُ ن هـ ى فإنه لِلْقَوْلِ الطَّالِبِ لِلتَّرْكِ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أو مَكْرُوهًا وقال ابن فُورَكٍ صِيغَتُهُ عِنْدَنَا لَا تَفْعَلْ وانته ( ( ( و ) ) ) واكفف ( ( ( انته ) ) ) وَنَحْوُهُ وُرُودُ صِيغَةِ النَّهْيِ لِمَعَانٍ وَتَرِدُ صِيَغُهُ النَّهْيِ لِمَعَانٍ أَحَدُهَا لِلتَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا الثَّانِي الْكَرَاهَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عليه وَمَثَّلَهُ الْهِنْدِيُّ بِقَوْلِهِ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ أَيْ على عُقْدَةِ النِّكَاحِ وقد يَدُلُّ عليه السِّيَاقُ كَقَوْلِهِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ منه تُنْفِقُونَ قال الصَّيْرَفِيُّ لِأَنَّهُ حَثَّهُمْ على إنْفَاقِ أَطْيَبِ أَمْوَالِهِمْ لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عليهم إنْفَاقُ الْخَبِيثِ من التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ من الْقُوتِ وَإِنْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ ما فَوْقَهُ وَهَذَا إنَّمَا نَزَلَ في الْأَقْنَاءِ التي كانت تُعَلَّقُ في الْمَسْجِدِ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحَشَفَ قال فَالْمُرَادُ بِالْخَبِيثِ هُنَا الْأَرْدَأُ وقد يَقَعُ على الْحَرَامِ كَقَوْلِهِ وَيُحَرِّمُ عليهم الْخَبَائِثَ وقد يُعَلَّلُ بِالتَّوَهُّمِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا اسْتَيْقَظَ أحدكم من نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ في الْإِنَاءِ حتى يَغْسِلَهَا فإنه لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيٍّ في الْعَبْدِ إنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قد أَمْسَكَ على نَفْسِهِ فَنَبَّهَهُ على مَظِنَّةِ الشُّبْهَةِ احْتِيَاطًا الثَّالِثُ الْأَدَبُ كَقَوْلِهِ وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ الرَّابِعُ التَّحْقِيرُ لِشَأْنِ الْمَنْهِيِّ عنه كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى ما مَتَّعْنَا بِهِ الْخَامِسُ التَّحْذِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ السَّادِسُ بَيَانُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا السَّابِعُ الْيَأْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَعْتَذِرُوا الثَّامِنُ لِلْإِرْشَادِ إلَى الْأَحْوَطِ بِالتَّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَسْأَلُوا عن أَشْيَاءَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا قال الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْهِبَةِ قال الْأَئِمَّةُ هذا إرْشَادٌ مَعْنَاهُ لَا تُعْمِرُوا طَمَعًا في أَنْ يَعُودَ إلَيْكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْمِيرَاثِ التَّاسِعُ اتِّبَاعُ الْأَمْرِ من الْخَوْفِ كَقَوْلِهِ وَلَا تَخَفْ إنَّك من الْآمَنِينَ الْعَاشِرُ الدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ لَا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا الْحَادِيَ عَشَرَ الِالْتِمَاسُ كَقَوْلِك لِنَظِيرِك لَا تَفْعَلْ هذا الثَّانِيَ عَشَرَ التَّهْدِيدُ كَقَوْلِك لِمَنْ لَا يَمْتَثِلُ أَمْرَك لَا تَمْتَثِلْ أَمْرِي الثَّالِثَ عَشَرَ الْإِبَاحَةُ وَذَلِكَ في النَّهْيِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فإنه إبَاحَةٌ لِلتَّرْكِ الرَّابِعَ عَشَرَ الْخَبَرُ وَمَثَّلَهُ الصَّيْرَفِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَنْفُذُونَ إلَّا بِسُلْطَانٍ فَالنُّونُ في تَنْفُذُونَ جُعِلَ خَبَرًا لَا نَهْيًا يَدُلُّ على عَجْزِهِمْ عن قُدْرَتِهِمْ وَلَوْلَا النُّونُ لَكَانَ نَهْيًا وَأَنَّ لهم قُدْرَةً كَفَّهُمْ عنها النَّهْيُ وَعَكْسُهُ قَوْلُهُ لَا رَيْبَ فيه أَيْ لَا تَرْتَابُوا فيه على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لم يَنْهَهُمْ عن الْمَوْتِ في وَقْتٍ لِأَنَّ ذلك ليس إلَيْهِمْ وقَوْله تَعَالَى الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً لَفْظُهُ الْخَبَرُ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَيْ لَا تَنْكِحُوا وَلَيْسَتْ حَقِيقَةً في الْكُلِّ اتِّفَاقًا بَلْ في الْبَعْضِ وهو إمَّا تَحْرِيمٌ فَقَطْ وَإِمَّا الْكَرَاهَةُ فَقَطْ وَإِمَّا هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أو هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَقْوَالٌ وَالْأَوَّلُ مَعْنَوِيٌّ وَالثَّانِي لَفْظِيٌّ أو لَا يُدْرَى حَالُ هذه الْأَقْسَامِ مع أَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عنها أو الْوَقْفُ على ما سَبَقَ في الْأَمْرِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْقَوْلَ بِالْإِبَاحَةِ هُنَا وَرَأَيْت من يُنْكِرُهُ عليه وَإِنَّمَا قال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إنَّ من حَمَلَ الْأَمْرَ على الْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ حَمَلَ هذا على رَفْعِ الْحَرَجِ في تَرْكِ الْفِعْلِ وقال أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ لم أَقِفْ على الْخِلَافِ في حُكْمِ النَّهْيِ كما في الْأَمْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَقْوَالُهُمْ في النَّهْيِ حَسَبَ اخْتِلَافِهِمْ في الْأَمْرِ فَمَنْ قال بِالْوَقْفِ ثَمَّ يقول بِهِ هُنَا وَمَنْ قال بِالْإِبَاحَةِ ثَمَّ يقول بِالْإِبَاحَةِ هُنَا وهو إبَاحَةُ الِانْتِهَاءِ وَمَنْ قال بِالنَّدْبِ هُنَاكَ يُنْدِبُ الِانْتِهَاءَ هُنَا وَمَنْ قال بِالْوُجُوبِ ثَمَّ يقول بِهِ هَاهُنَا وقال الْبَزْدَوِيُّ إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قالوا بِالنَّدْبِ في بَابِ الْأَمْرِ وفي النَّهْيِ قالوا بِالْوُجُوبِ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْدُوبُ وَالْوَاجِبُ في اقْتِضَاءِ الْحُسْنِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ النَّهْيِ فإنه يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عنه وَالِانْتِهَاءُ عن الْقَبِيحِ وَاجِبٌ فَأَمَّا إتْيَانُ الْحَسَنِ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلِهَذَا فَرَّقُوا يَجِيءُ النَّفْيُ في مَعْنَى النَّهْيِ وقد يَجِيءُ النَّفْيُ في مَعْنَى النَّهْيِ وَيَخْتَلِفُ حَالُهُ بِحَسَبِ الْمَعَانِي منها أَنْ يَكُونَ نَهْيًا وَزَجْرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما كان لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ من الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ تَعْجِيزًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما كان لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ تَنْزِيهًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ما كان لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ من وَلَدٍ ذَكَرَهُ ابن عَطِيَّةَ في سُورَةِ مَرْيَمَ مَسْأَلَةٌ مُفَارَقَةُ الْأَمْرِ لِلنَّهْيِ في الدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ النَّهْيُ يُفَارِقُ الْأَمْرَ في الدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ فإن في اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ التَّكْرَارَ خِلَافًا مَشْهُورًا وَهَا هُنَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ منهم الصَّيْرَفِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ بِأَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَالدَّوَامَ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فيه الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وابن بَرْهَانٍ وَكَذَا قَالَهُ أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ وَأَمَّا الْخِلَافُ في أَنَّ الْأَمْرَ هل يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا فَلَا يُتَصَوَّرُ مَجِيئُهُ في النَّهْيِ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ عن النَّهْيِ مِمَّا يَسْتَغْرِقُ الْعُمُرَ إنْ كان مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا انْتِهَاءَ إلَّا بِعَدَمِ الْمَنْهِيِّ عنه من قِبَلِهِ وَلَا يَتِمُّ الِانْعِدَامُ من قِبَلِهِ إلَّا بِالثُّبُوتِ عليه قبل الْفِعْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُسْتَمِرَّ له حَدٌّ يُعْرَفُ وُجُودُهُ بِحَدِّهِ ثُمَّ يُتَصَوَّرُ التَّكْرَارُ بَعْدَهُ وقال الْمَازِرِيُّ حَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ الِاتِّفَاقَ على أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ لِلْأَزْمِنَةِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ لَكِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ كَالْأَمْرِ في اقْتِضَائِهِ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ ولم يُسَمِّ من ذَهَبَ إلَيْهِ وَالْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْأَمْرِ في أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ وقال أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ النَّهْيُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ في قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَسَمِعْت فيه وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِاجْتِنَابَ عن الْفِعْلِ في الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ حِكَايَتُهُ لِضَعْفِهِ وَسُقُوطِهِ انْتَهَى وقال ابن عَقِيلٍ في الْوَاضِحِ النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ لَا يَقْتَضِيهِ وَهَذَا النَّقْلُ عن الْقَاضِي يُخَالِفُهُ نَقْلُ الْمَازِرِيُّ وهو الصَّوَابُ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْخِلَافَ في الْمَسْأَلَةِ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ كما لَا يَقْتَضِيهِ في الْأَمْرِ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَعَنْ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْكَفَّ عَقِبَ لَفْظِ النَّهْيِ فَتَحَصَّلْنَا فيه على مَذَاهِبَ يَقْتَضِيهِ مُطْلَقًا يَقْتَضِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَقْتَضِيهِ بَلْ يُوقَفُ إلَى الدَّلِيلِ من خَارِجٍ وهو الْمَنْقُولُ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وَيَجِيءُ مِمَّا سَبَقَ في الْأَمْرِ مَذْهَبٌ آخَرُ بِالتَّفْصِيلِ من أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَطْعِ الْوَاقِعِ فَلِلْمَرَّةِ كَقَوْلِك لِلْمُتَحَرِّكِ لَا تَتَحَرَّكْ وَإِنْ رَجَعَ إلَى اتِّصَالِ الْوَاقِعِ وَاسْتِدَامَتِهِ فَلِلدَّوَامِ كَقَوْلِك لِلْمُتَحَرِّكِ لَا تَسْكُنْ أَمَّا النَّهْيُ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ أو صِفَةٍ فَالْخِلَافُ السَّابِقُ في الْأَمْرِ في اقْتِضَائِهِ التَّكْرَارَ يَأْتِي هُنَا فَمَنْ قال النَّهْيُ لَا يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِهِ التَّكْرَارَ وَالدَّوَامَ قال بِهِ هَاهُنَا قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وهو آكَدُ من مُطْلَقِهِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ لِأَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ التَّكْرَارُ فَالْمُعَلَّقُ على الشَّرْطِ أَوْلَى وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ النَّهْيُ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ أو صِفَةٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِخِلَافِ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ إذَا قَيَّدَهُ بِوَصْفٍ صَارَ مَغْلُوبًا على الِاعْتِمَادِ مُخْتَصًّا بِهِ فَلَوْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ مع فَهْمِ تَعَدُّدِهِ كان كَالْأَمْرِ وَحَكَى صَاحِبُ الْوَاضِحِ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ فَرَّقَ بين النَّهْيِ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ وَبَيْنَ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ فَحَمَلَ الْمُطْلَقَ على التَّأْبِيدِ وَفَصَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ وَحَمَلَ النَّهْيَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ على أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ وَمَثَّلَهُ بِالسَّيِّدِ إذَا قال لِعَبْدِهِ لَا تَسْقِنِي الْمَاءَ إذَا دخل زَيْدٌ الدَّارَ فَدَخَلَ زَيْدٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَفَى وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ من سَقْيِهِ كُلَّ دَفْعَةٍ يَدْخُلُ زَيْدٌ الدَّارَ مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ فَتَقَدُّمُ صِيغَةِ الْأَمْرِ هل يُغَيِّرُهُ فيه طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهَا لَا تُغَيِّرُهُ وَإِنْ جَرَى الْخِلَافُ في الْأَمْرِ وَبِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَحَكَيَا الْإِجْمَاعَ على ذلك وَالثَّانِي طَرْدُ خِلَافِ الْأَمْرِ وقد حَكَى الطَّرِيقِينَ ابن فُورَكٍ وقال الْأَشْبَهُ التَّسْوِيَةُ وَمَنَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْإِجْمَاعَ وَطَرَدَ الْوَقْفَ هُنَا بِنَاءً على اعْتِقَادِهِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ أَحَدُ مَحَامِلِ افْعَلْ بِخِلَافِ لَا تَفْعَلْ مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَفَّ على الْفَوْرِ على الْمَشْهُورِ قالوا وَلَا يُتَصَوَّرُ مَجِيءُ خِلَافِ الْأَمْرِ هُنَا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ بِلَا خِلَافٍ على الْمَذْهَبِ وَحَكَى ابن عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ وقال ابن فُورَكٍ يَجِيءُ الْخِلَافُ إنْ قُلْنَا الْأَمْرُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِظَاهِرِهِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَتَكَرَّرُ بِظَاهِرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ فَالْقَوْلُ فيه كَالْقَوْلِ في الْأَمْرِ وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ إنْ قُلْنَا النَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَهُوَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَإِلَّا فَلَا وَنَازَعَهُ النَّقْشَوَانِيُّ وَالْأَصْفَهَانِيُّ وَقَالَا بِنَاءُ الْفَوْرِ على وُجُوبِ التَّكْرَارِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا بِنَاءُ عَدَمِ وُجُوبِ الْفَوْرِ على عَدَمِ اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ فَمُشْكِلٌ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَقْتَضِيَ التَّكْرَارَ وَيَقْتَضِيَ الْفَوْرَ مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عن وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ سَبَقَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ على الْأَصَحِّ وَأَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ إنْ كان له ضِدٌّ وَاحِدٌ كَالصَّوْمِ في الْعِيدَيْنِ وَالْفِطْرِ وَإِنْ كان له أَضْدَادٌ فَهُوَ أَمْرٌ بِوَاحِدٍ منها وَسَبَقَ في الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ وَأَمَّا في النَّهْيِ عن وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ نَحْوُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أو عَمْرًا فإن النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ له فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ يَقْتَضِي النَّهْيَ عنهما وَلَا يَجُوزُ بِهِ فِعْلُ أَحَدِهِمَا بِنَاءً على أَنَّ أو في النَّهْيِ تَقْتَضِي الْجَمْعَ دُونَ التَّخْيِيرِ فإذا قال لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا أو عَمْرًا فَعَلَى مَذْهَبِنَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّمَ أَيَّهُمَا شَاءَ على الِانْفِرَادِ وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَجُوزُ مَسْأَلَةٌ الِاخْتِلَافُ في مَعْنَى لَا تَقُمْ اخْتَلَفُوا في مَعْنَى قَوْلِك لَا تَقُمْ فَذَهَبَ كَثِيرٌ من الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ مِنْك قِيَامٌ فَ لَا حَرْفُ نَهْيٍ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمَصْدَرِ بِوَاسِطَةِ إشْعَارِ الْفِعْلِ بِهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وقال قَائِلُونَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّفْيُ مَطْلُوبًا لَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ وَلَا بِفِعْلِ عَدَمٍ مَحْضٍ ليس بِشَيْءٍ وَلَا يَصِحُّ الْإِعْدَامُ بِالْقُدْرَةِ ذَكَرَ هذه الْمَسْأَلَةَ كَذَا ابن الْأَنْبَارِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ قال وَالنَّظَرُ فيها يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ عن مُتَعَلَّقِ التَّكْلِيفِ مَسْأَلَةٌ الْمُكَلَّفُ بِهِ في النَّهْيِ لَا خِلَافَ في أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ في الْأَمْرِ الْفِعْلُ وَاخْتُلِفَ في الْمُكَلَّفِ بِهِ في النَّهْيِ هل الْمُكَلَّفُ بِهِ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عنه أو عَدَمُ الْفِعْلِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَمَعْنَى لَا تَزْنِ عِنْدَهُمْ تَلَبُّسُ ضِدٍّ من أَضْدَادِ الزِّنَى أَيْ افْعَلْ فِعْلًا غَيْرَهُ مُبَاحًا أَيَّ فِعْلٍ كان وقال أبو هَاشِمٍ مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ الزِّنَى من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلضِّدِّ حتى لو خَلَا عن الْمَأْمُورِ وَعَنْ كل تَرْكٍ له اسْتَحَقَّ الذَّمَّ على أَنَّهُ لم يَفْعَلْ قال الْقَاضِي وَلَمَّا بَاحَ بهذا خَالَفَهُ أَصْحَابُنَا من الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالُوا ما زِلْت مُنْكِرًا على الْجَبْرِيَّةِ إثْبَاتَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ على ما ليس بِخَلْقٍ لهم وَلَيْسَ بِفِعْلٍ لهم على التَّحْقِيقِ ثُمَّ صِرْت إلَى ثُبُوتِ الذَّمِّ من غَيْرِ إقْدَامٍ على فِعْلٍ وَسُمِّيَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أبو هَاشِمٍ الذِّمِّيُّ حَيْثُ إنَّهُ عَلَّقَ بِالذَّمِّ الْمَعْدُومَ وَهَذَا يَهْدِمُ جُمْلَةَ قَوَاعِدِهِ في التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّظَرَ هل هو إلَى صُورَةِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ فيه إلَّا الْعَدَمُ فإذا قال لَا تَتَحَرَّكْ فَعَدَمُ الْحَرَكَةِ هو مُتَعَلَّقُ النَّهْيِ أو يُلَاحَظُ أَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا وُضِعَ لِمَا هو مَقْدُورٌ مِمَّا ليس بِمَقْدُورٍ وَلَا يُطْلَبُ عَدَمُهُ وَالْعَدَمُ نَفْيٌ صِرْفٌ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبٌ فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالضِّدِّ فَالْجُمْهُورُ لَحَظُوا الْمَعْنَى وأبو هَاشِمٍ لَحَظَ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى أَتَمُّ في الِاعْتِبَارِ من صُورَةِ اللَّفْظِ وَنَقَلَ التَّبْرِيزِيُّ عن الْغَزَالِيِّ مُوَافَقَةَ أبي هَاشِمٍ وهو مَعْذُورٌ في ذلك فإنه قال في الْمَنْخُولِ قُبَيْلَ بَابِ الْعُمُومِ وَأَمَّا التُّرُوكُ فَعِبَارَةٌ عن أَضْدَادِ الْوَاجِبَاتِ كَالْقُعُودِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْقِيَامِ ثُمَّ بَعْضُ تَرْكِ الْقِيَامِ لَا بِالْقُعُودِ وَوَافَقَنَا عليه أبو هَاشِمٍ الذِّمِّيُّ من حَيْثُ إنَّهُ عَلَّقَ الذَّمَّ بِالْمَعْدُومِ انْتَهَى وَهَذَا النَّقْلُ عن أبي هَاشِمٍ مَرْدُودٌ فإن من أُمِرَ بِالْقِيَامِ فلم يَمْتَثِلْ عَصَى عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ لم يَفْعَلْ الْقِيَامَ لَا لِكَوْنِهِ فَعَلَ التَّرْكَ وَكَوْنُهُ لم يَفْعَلْ نَفْيٌ لَا حَقِيقَةَ له وَعَلَيْهِ يُذَمُّ وَلِهَذَا سُمِّيَ الذِّمِّيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ في الْمُسْتَصْفَى في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بين التَّرْكِ الْمُجَرَّدِ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ من غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ معه ضِدَّهُ بِالْمُكَلَّفِ فيه بِالْفِعْلِ كَالصَّوْمِ فَالْكَفُّ منه مَقْصُودٌ وَلِهَذَا وَجَبَ فيه النِّيَّةُ وَبَيْنَ التَّرْكِ الْمَقْصُودِ من جِهَةِ إيقَاعِ ضِدِّهِ كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ فَالْمُكَلَّفُ فيه بِالضِّدِّ وَتَبِعَهُ الْعَبْدَرِيُّ في شَرْحِهِ قال وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هل التَّرْكُ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ كَالْفِعْلِ أَمْ لَا قال وَهِيَ حِينَئِذٍ كَلَامِيَّةٌ فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْبَحْثِ في أَنَّهُ مَقْدُورٌ أَمْ لَا على هذه لَكِنَّهُمْ لم يَنْظُرُوا إلَّا لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ في الشَّرْعِ وقال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ التَّحْرِيرُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ في النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ وَيَلْزَمُ من الِانْتِهَاءِ فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عنه وَلَا يُعْكَسُ فقال الْمَطْلُوبُ ضِدُّ الْمَنْهِيِّ عنه وَيَلْزَمُ منه الِانْتِهَاءُ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ في الرُّتْبَةِ في الْفِعْلِ على فِعْلِ الضِّدِّ فَكَانَ معه كَالسَّبَبِ مع الْمُسَبَّبِ فَالِانْتِهَاءُ وَفِعْلُ الضِّدِّ في زَمَانٍ وَاحِدٍ لَكِنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ بِالرُّتْبَةِ تَقَدُّمَ الْعِلَّةِ على الْمَعْلُولِ حتى لو فُرِضَ أَنَّ الِانْتِهَاءَ يَحْصُلُ بِدُونِ فِعْلِ الضِّدِّ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ بِهِ ولم يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى فِعْلِ الضِّدِّ لَكِنَّ ذلك فَرْضٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ إنَّمَا هو الِانْتِهَاءُ وَأَمَّا فِعْلُ الضِّدِّ فَلَا يُقْصَدُ إلَّا بِالِالْتِزَامِ بَلْ قد لَا يُقْصَدُ أَصْلًا وَلَا يَسْتَحْضِرُ الْمُتَكَلِّمُ وَمَتَى قَصَدَ فِعْلَ الضِّدِّ وَطَلَبَهُ من حَيْثُ هو كان أَمْرًا لَا نَهْيًا عن ضِدِّهِ وَعَلَى هذا يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا قَوْلُ أبي هَاشِمٍ إنَّ الْمَطْلُوبَ نَفْسُ لَا تَفْعَلْ فَهُوَ وَإِنْ تَبَادَرَ إلَى الذِّهْنِ من جِهَةِ أَنَّ حَرْفَ النَّهْيِ وَرَدَ على الْفِعْلِ فَقَدْ طَلَبَ منه عَدَمَهُ لَكِنَّ نَفْسَ أَنْ لَا تَفْعَلَ عَدَمٌ مَحْضٌ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ وَلَا يُطْلَبُ وَإِنَّمَا يُطْلَبُ من الْمُكَلَّفِ ما له قُدْرَةٌ على تَحْصِيلِهِ فَلَعَلَّ مُرَادَ أبي هَاشِمٍ الذي هو من الِانْتِهَاءِ وَالِانْتِهَاءُ فِعْلٌ فَإِنْ أَرَادَ ذلك تَقَارَبَ الْمَذْهَبَانِ وَيَكُونُ الْجُمْهُورُ نَظَرُوا إلَى حَقِيقَةِ ما هو مُكَلَّفٌ بِهِ وأبو هَاشِمٍ نَظَّرَ إلَى الْمَقْصُودِ بِهِ وهو إعْدَامُ دُخُولِ الْمَنْهِيِّ عنه في الْوُجُودِ وَإِنْ لم يَرُدَّ أبو هَاشِمٍ ذلك وَأَرَادَ أَنَّ الْعَدَمَ الصِّرْفَ الذي لَا صُنْعَ لِلْمُكَلَّفِ في تَحْصِيلِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ الْفَرْقُ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ سَأَلُوا الْفَرْقَ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَنَا الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ هو مَعْنَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِعْلُ الضِّدِّ وَمَعْنَى أَنَّهُ ليس أَمْرًا بِضِدِّهِ هو أَنَّ الْمَطْلُوبَ انْتِفَاءُ الْمَنْهِيِّ عنه فَالْمَسْأَلَتَانِ وَاحِدَةٌ وَأَجَابَ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ وفي هذه مَعْنَوِيٌّ وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَمْرَ لَفْظًا أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْمَعْنَوِيَّ مَأْمُورٌ بِهِ على ما قَالَهُ فَيَحْصُلُ الِاشْتِبَاهُ وقال الْقَرَافِيُّ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَنَا النَّهْيُ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ بَحْثٌ في الْمُتَعَلِّقَاتِ بِكَسْرِ اللَّامِ فإن النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْهِيِّ عنه وَالْأَمْرُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَأْمُورِ وَقَوْلُنَا الْمَطْلُوبُ في النَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ بَحْثٌ في الْمُتَعَلَّقَاتِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَرُدَّ بِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَغَايَرَا لَكِنَّهُ تَغَايُرٌ صُورِيٌّ وَلَا يَلْزَمُ منه عَدَمُ تَدَاخُلِ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ في الْأُخْرَى الثَّانِي أَنَّ الْبَحْثَ في تِلْكَ من جِهَةِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ أَيْ أَنَّهُ من نهى عن الشَّيْءِ مُطَابَقَةً دَلَّ على طَلَبِ ضِدِّهِ الْتِزَامًا وَالْبَحْثُ في هذه من جِهَةِ دَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ فما مَدْلُولُهُمَا الْمُطَابِقُ هل هو الْعَدَمُ أو ضِدُّهُ قِيلَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْكَلَامَ في الْمَسْأَلَتَيْنِ في الِالْتِزَامِ لَا الْمُطَابَقَةِ على ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ مُرَادُهُمْ بِهِ الضِّدُّ الْعَامُّ وهو الِانْتِهَاءُ الْحَاصِلُ بِوَاحِدٍ من الْأَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عنه وَقَوْلُهُ النَّهْيُ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ قد بَيَّنُوا أَنَّهُ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ مُرَادٌ بِهِ الضِّدُّ الْخَاصُّ وهو أَحَدُ الْأَضْدَادِ الذي يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِهَاءُ أو بِغَيْرِهِ فَإِنْ أَرَادُوا الضِّدَّ الْعَامَّ لَزِمَ من كُلٍّ من الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَكِنْ لَا يَكُونُ تَكْرَارًا بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ وَإِنْ لَزِمَ من مَعْرِفَةِ إحْدَاهُمَا حُكْمُ الْأُخْرَى فَلَا يَضُرُّ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ السُّؤَالُ لو كَانُوا وَضَعُوا مَسْأَلَةَ النَّهْيُ عن الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ أو لَا وَلَيْسَ ذلك في الْمَحْصُولِ بَلْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ وَتَكَلَّمَ غَيْرُهُ في أَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ هل هو أَمْرٌ بِضِدِّهِ التَّنْبِيهُ الثَّانِي عُلِمَ من كَلَامِهِمْ فَرْضُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كان لِلْمَنْهِيِّ عنه ضِدٌّ وُجُودِيٌّ يُفْهَمُ فَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يُنْهَى عن شَيْءٍ لَا يُفْهَمُ غَيْرُ تَرْكِ ذلك الشَّيْءِ نَحْوُ لَا تَفْعَلْ فَلَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ إلَّا على الْقَوْلِ بِالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ مَسْأَلَةٌ النَّهْيُ عن مُتَعَدِّدٍ النَّهْيُ عن مُتَعَدِّدٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عن الْجَمْعِ أَعْنِي الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ دُونَ الْمُفْرَدَاتِ كَالنَّهْيِ عن نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ وَكَالْحَرَامِ الْمُخَيَّرِ عِنْدَنَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا على الْجَمِيعِ أَيْ عن كُلٍّ سَوَاءٌ كان مع صَاحِبِهِ أو مُنْفَرِدًا كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ فَالنَّهْيُ على الْجَمِيعِ مَعْنَاهُ على الْجَمْعِ في النَّهْيِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْهِيٌّ عنه لَا تَفْعَلْ هذا وَلَا ذَاكَ وَالنَّهْيُ عن الْجَمْعِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْبَدَلِ لَا تَفْعَلْ هذا إنْ فَعَلْت ذلك فَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَعَنْ الْبَدَلِ النَّهْيُ عن أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ بَدَلًا وَيُفْهَمَ منه النَّهْيُ عن أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ وَفَرَّقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ بين النَّهْيِ عن الْجَمْعِ وَالنَّهْيِ على الْجَمْعِ بِأَنَّ النَّهْيَ على الْجَمْعِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ من كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَمَّا النَّهْيُ عن الْجَمْعِ من فِعْلِهِمَا مَعًا بِقَيْدٍ الْجَمْعِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ منه الْمَنْعُ من أَحَدِهِمَا إلَّا مع الْجَمْعِيَّةِ فَيُمْكِنُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَالنَّهْيُ عن الْجَمْعِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الِانْفِكَاكِ عن الشَّيْئَيْنِ وَالنَّهْيُ على الْجَمْعِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْخُلُوِّ عن الشَّيْئَيْنِ فَالنَّهْيُ على الْجَمْعِ مَنْشَؤُهُ أَنْ يَكُونَ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَفْسَدَةٌ تَسْتَقِلُّ بِالْمَنْعِ وَالنَّهْيُ عن الْجَمْعِ حين تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ نَاشِئَةً عن اجْتِمَاعِهِمَا مسألة اقتضاء النهي للفساد إذا ثبت أن النهي للتحريم فهل يقتضي الفساد اعلم أن النهي عن الشيء على قسمين أحدهما أن يكون لغيره وهو ضربان أحدهما ما نهي عنه لمعنى جاوزه جمعا كالبيع وقت النداء للاشتغال عن السعي إلى الجمعة بعدما لزم وهو معنى تجاوز المبيع وكالصلاة في الدار المغصوبة والثاني ما نهي عنه لمعنى اتصل به وصفا ويعبر عنه بالنهي عن الشيء لوصفه اللازم له كالزنى فإنه قبح لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به شرعا وكصوم يوم النحر وأيام التشريق فإنه لمعنى اتصل بالوقت الذي هو محل الأداء وصفا وهو أنه يوم عيد فأما الضرب الأول فلا يقتضي الفساد عند الشافعي والجمهور سواء كان في العبادات كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير أو في العقود كالنهي عن البيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وغيره وقال الآمدي لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نقل عن مالك وأحمد قلت هو المشهور عند الحنابلة وداود وعزي إلى أبي هاشم وغيره وسوى أبو زيد الدبوسي في كتابه التقويم بين هذا القسم والذي بعده فقال فيهما دليلان على كون المنهي عنه غير مشروع لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب رفع المنهي عنه بسبب القبح في غيره هذا مذهب علمائنا انتهى وأما الثاني ففيه مذاهب أحدهما وهو المختار أنه يفيد الفساد شرعا كالمنهي عنه لعينه الثاني لا يفيده وعزاه ابن الحاجب للأكثرين وثالثها وهو قول الحنفية أنه يدل على فساد ذلك الوصف لا فساد المنهي عنه وهو الأصل لكونه مشروعا بدون الوصف وبنوا على هذا ما لو باع درهما بدرهمين ثم طرحا الزيادة أنه يصح العقد قال الشافعي والنهي عن الشيء لوصفه يضاد وجوب أصله قال ابن الحاجب أراد أنه يضاده ظاهره لا قطعا وإلا لورد عليه نهي الكراهة كالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل والأماكن المكروهة فإنه يلزمه حينئذ إذا كان يضاد الوجوب الأصل أن لا تصح الصلاة وليس كذلك فإذا قيل إنه يضاد ظاهرا فقد ترك في هذه المواضع الظاهر لدليل راجح وفي كلام ابن الحاجب ما يقتضي اختيار ذلك أعني أنه يدل على الفساد ظاهرا لا قطعا وقيده البيضاوي في توضيحه بالتحريم فقال قال الشافعي حرمة الشيء لوصفه تضاد وجوب أصله وهذا تقييد حسن لا يحتاج معه أن يقول ظاهره إذا جعل ذلك مختصا بالنهي المحرم كما نص عليه الشافعي فلا ترد الكراهة واعلم أن حقيقة هذا الخلاف بيننا وبين الحنفية ترجع إلى مسألة أخرى وهي أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقا ثم نهى عنه في بعض أحواله هل يقتضي ذلك النهي إلحاق شرط المأمور به حتى يقال إنه لا يصح بدون ذلك الشرط ويصير الفعل الواقع بدونه كالعدم كما في الفعل الذي اختل منه شرطه الثابت بشرطيته بدليل آخر أم لا يكون كذلك مثاله الأمر بالصوم والنهي عن إيقاعه يوم النحر والأمر بالطواف والنهي عن إيقاعه في حال الحيض وغيره فالشافعي والجمهور قالوا النهي على هذا الوجه يقتضي الفساد وإلحاق شرط بالمأمور به لا يثبت صحته بدونه وذهب الحنفية إلى تخصيص الفساد بالوصف المنهي عنه دون الأصل المتصف به حتى لو أتى به المكلف على الوجه المنهي عنه يكون صحيحا بحسب الأصل فاسدا بحسب الوصف إن كان ذلك النهي نهي فساد وإلا فمجرد النهي عنده لا يدل على الفساد بل على الصحة كما إذا نذر صوم يوم النحر ينعقد نذره عندهم ويجب عليه إيقاعه في غير يوم النحر فإن أوقعه فيه كان ذلك محرما ويقع عن نذره وكذلك يحرم على الحائض الطواف ويجزئها عن طواف الفرض حتى يقع به التحلل وإذا باع درهما بدرهمين بطل العقد في الدرهم الزائد وصح في القدر المساوي وهذا معنى قولهم صحيح بأصله فاسد بوصفه وبالغوا في التخريج على هذه القاعدة حتى قالوا إن الزنى يترتب عليه حرمة المصاهرة من أم المزني بها وبنتها وإن الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين ملكوها والحق أن هذا ليس من هذه المسألة لأن الزنى والاستيلاء من الأفعال الحسية ولا خلاف عندهم أن النهي عن الأفعال الحسية لانتفاء المشروعية ولهذا لم يقل أحد بمشروعية الزنى والغصب ولهم في ذلك مأخذان أحدهما أن المنهي عنه في يوم النحر هو إيقاع الصوم لا الصوم الواقع وهما مفهومان متغايران فلا يلزم من تحريم الإيقاع تحريم الواقع كما لا يلزم من تحريم الكون في الدار المغصوبة تحريم نفس الصلاة لتغاير المفهومين الثاني أن النهي يستلزم تصور حقيقة الشرعية ويقتضي ذلك الصحة والنهي عنه قبح لذاته وذلك قائم بالوصف لا بالفعل فيجب العمل بمقتضى الأصلين وقال الشافعي المعصية والصحة متنافيان لأن معنى الصحة ترتب الآثار المشروعة على الشيء فلا يجتمع المشروعية والمعصية في ذات واحدة بالنسبة إلى شيء واحد ولهذا قال الشافعي النكاح أمر حمدت عليه والزنى أمر ذممت عليه ولم يجز أن يحمل أحدهما على الآخر ولا يرد وطء البهيمة والجارية المشتركة لأنهما لا يوصفان بالتحريم من كل وجه وقد أورد على قولنا أن النهي عن التصرفات الشرعية يقتضي رفع المشروعية بالكلية كالظهار فإنه تصرف منهي عنه محرم وقد انعقد سببا للكفارة التي هي عبادة أجيب بأن كلامنا في الحكم المطلوب شرعا المتعلق بسبب مشروع كالبيع للملك والنكاح للحل أنه هل يبقى سببا لذلك الحكم بعد ورود النهي عنه أم لا أما الظهار فليس بتصرف موضوع لحكم مطلوب شرعا بل هو حرام والكفارة وصالحا لإيجاب الجزاء بل يخصه كمادة القتل القسم الثاني أن يكون لعينه كبيع الملاقيح والمضامين فإن البيع مقابلة مال بمال والماء في الصلب والرحم لا مالية فيه هذا معنى كون الشيء منهيا عنه لعينه وليس معناه أنه نهى عنه غير مقيد بقيد نحو لا تصم ولا تبع كما فهم القطب الشيرازي وفيه مذاهب أحدها أن يدل على الفساد مطلقا سواء كان المنهي عبادة أو معاملة ولا يحمل على الصحة مع التحريم إلا بدليل وهو رأي الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأهل الظاهر وطائفة من المتكلمين كما نقله القاضي في مختصر التقريب وابن فورك والأستاذ أبو منصور وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني مذهبنا الذي نص عليه الشافعي وأكد القول فيه في باب البحيرة والسائبة أن النهي إذا ورد متجردا اقتضى فساد الفعل المنهي عنه وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود وأهل الظاهر وكافة أهل العلم انتهى وكلامه في مواضع من الرسالة يدل عليه ومن تأمل استدلاله بالآيات والحديث علم ذلك كاحتجاجه في النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة وقال في موضوع منها وكل نكاح خلا عن الولي والشهود والرضى من المنكوحة الثيب كان فاسدا وذكر مثل ذلك في النهي عن بيع الغرر وقال ابن السمعاني إنه الظاهر من مذهب الشافعي وأن عليه أكثر الأصحاب وقال ابن فورك والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق إنه قول أكثر أصحابنا وأكثر الحنفية وقال القاضي عبد الوهاب إنه مذهب مالك قيل ولهذا إنما يفيد العقود عند الشافعي ومالك إذا وقعت على وفق الشرع أي إذا استجمعت الشروط الشرعية وقال أبو زيد الدبوسي في التقويم إنه قول علمائهم لأن القبيح لعينه لا يشرع لعينه وقال سواء قبح لعينه وضعا أو شرعا كالنهي عن بيع الملاقيح والصلاة بغير طهارة فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال متقوم حال العقد والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثا بحلوله في غير محله والثاني لا يدل عليه أصلا ويحتاج الفساد إلى دليل غير النهي وهو قول الأشعري والقاضيين أبي بكر وعبد الجبار وحكاه في المعتمد عن أبي الحسن الكرخي وأبي عبد الله البصري وعبد الجبار قال وذكر أنه ظاهر مذهب شيوخنا المتكلمين انتهى زاد ابن برهان أبا علي وأبا هاشم الجبائيين واختاره من أصحابنا القفال الشاشي وأبو جعفر السمناني والغزالي وحكاه القاضي عن جمهور المتكلمين وإلكيا الطبري عن أكثر الأصوليين وصاحب المحصول عن أكثر الفقهاء والآمدي عن المحققين قال الشيخ أبو إسحاق وللشافعي كلام يدل عليه ولهذا قال المازري أصحاب الشافعي يحكون عنه القولين ونص الغزالي على أن الاعتماد على فساده إنما هو اعتماد الشرع على فوات شرط ويعرف الشرط بدليل يدل عليه وعلى ارتباط الصحة به وقد أطلق جماعة آخرهم الصفي الهندي هذا المذهب عن الحنفية والصواب أن خلافهم إنما هو في المنهي عنه لغيره أما المنهي عنه لعينه فلا يختلفون في فساده وبذلك صرح أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة وشمس الأئمة السرخسي في أصوله وقرره ابن السمعاني وهو الأثبت لأنه كان أولا حنفيا والثالث أنه يدل على الفساد في العبادات دون العقود وهو مذهب أبي الحسين البصري وحكاه ابن الصباغ في العدة عن متأخري أصحابنا وحكاه الصفي الهندي عن اختيار الغزالي والإمام الرازي وهو كذلك في المستصفى لكن كلامه في ذيل المسألة يقتضي تفصيلا آخر سنذكره وقد خالف ذلك أيضا في كتبه الفقهية فقال في الوسيط عندنا أن مطلق النهي عن العقد يدل على فساده فإن العقد الصحيح هو المشروع والمنهي عنه في عينه غير مشروع فلم يكن صحيحا إلا إذا ظهر تعلق النهي بأمر عن العقد اتفق مجاوزته العقد كالنهي عن البيع وقت النداء وقسم المناهي إلى ما لا يدل على الفساد كالنجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي وإلى ما لا يدل على الفساد إما لتطرق خلل إلى الأركان والشرائط أو لأنه لم يبق للنهي تعلق سوى العقد فحمل على الفساد كبيع حبل الحبلة وبيع الحصاة وبيوع الغرر وأشباهها ويجوز أن يؤول كلام المستصفى على القسم الأول فلا يكون تناقضا وقد اتفق الأصحاب على اقتضائه الفساد في القسم الثاني فلا يستقيم من شافعي إطلاق القول بأن النهي في العقود لا يقتضي الفساد من غير تفصيل وكذلك إطلاقه الفساد في العبادات ومراده إذا كان النهي عنها لعينها فإنه صرح بصحة الصلاة في الدار المغصوبة واعلم أن هذا التقسيم الذي ذكرناه هو أقرب الطرق في المسألة ومنهم من جمع بين القسمين أعني المنهي عنه لعينه ولغيره وحكوا مذاهب ثالثها إن كان النهي مختصا بالمنهي عنه كالصلاة في الثوب النجس دل على فساده وإلا فلا يدل كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن بعض أصحابنا رابعها أنه يدل على فساده في العبادات سواء نهى عنها لعينها أم لأمر قارنها لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورا به منهيا عنه وأما المعاملات فالنهي إما أن يرجع إلى نفس الفعل كبيع الحصاة أو إلى أمر داخل فيه كبيع الملاقيح أو خارج عنه لازم له كالربا فهذه الأقسام الثلاثة تبطل وإن رجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم كالبيع وقت النداء فلا يدل على الفساد وهذا القول نقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي واختاره الإمام فخر الدين في المعالم في أثناء الاستدلال وجرى عليه البيضاوي ونقله الآمدي بالمعنى المذكور عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره فتأمله قيل ونص عليه الشافعي في الرسالة والبويطي إلا أن الصحة في المقارن ذكرها في موضع آخر ويتحصل في المسألة مذاهب أحدها أن النهي يقتضي الفساد مطلقا سواء كان النهي لعينه أو لوصفه أو لغيره من العبادات والمعاملات وبه قال أحمد في المشهور والثاني لا يقتضيه مطلقا سواء كان لعينه أو لوصفه أو لغيره أو لاختلال ركن من أركانه من عبادة وعقد صرح به ابن برهان والثالث يقتضي شبه الفساد حكاه القرافي عن المالكية وظاهره تخصيصه بالعقد والرابع يقتضي الصحة إذا كان النهي لوصفه ولم يكن من الأفعال الحسية وأما النهي عن الشيء لعينه فيقتضي الفساد وهو مذهب الحنفية والخامس يقتضي الفساد في العبادات دون العقود وهو اختيار الغزالي والآمدي والسادس إن كان لعينه أو لوصفه اللازم له فهو الفساد بخلاف ما لو كان لغيره سواء كان عبادة وعقدا وهذا الذي ينبغي أن يكون مذهب الشافعي وتصرفه في الأدلة يقتضيه والسابع الفرق بين ما يختص بالمنهي عنه كالصلاة في البقعة النجسة فيقتضي الفساد دون ما لا يختص به كالصلاة في الدار المغصوبة حكاه الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وغيرهما والثامن الفرق بين ما يخل بركن أو شرط فإنه يقتضي الفساد دون ما لا يخل بواحد منهما ذكره ابن برهان وابن السمعاني وكلام المستصفى في آخر المسألة مصرح به وقال الصفي الهندي لا ينبغي أن يكون في هذا القسم خلاف والتاسع ذكره المازري في شرح البرهان عن شيخه وأظنه أبا الحسن اللخمي التفصيل بين ما النهي عنه لحق الخلق فلا يدل على الفساد وإلا دل ما اتصل بهذا إلى صحة الصلاة في الدار المغصوبة لأن النهي عنه لحق الخلق وتزول المعصية بإسقاط المالك حقه بخلاف ما هو حق لله فلا يسقط بإذن أحد ولا إسقاطه واحتج بأن التصرية تدليس حرام بالإجماع والنهي عنه عائد للمخلوق ولم يبطل الشارع البيع المقترن به بل أثبت الخيار للمشتري ولم يقتض النهي فساد العقد لما فيه من حق الخلق وهذا القول غريب جدا ومقتضاه أن النهي في العبادات يقتضي الفساد مطلقا لأن جميع مناهيها لحق الله تعالى والتفصيل إنما هو في غيرها ويرد عليه صور كثيرة مما قيل فيها بالفساد والنهي فيها لحق الخلق كالبيع المقترن بالشرط الفاسد والأجل المجهول خصوصا عند المالكية في البيع على بيع أخيه ولا يجيء ما ذكره إلا في صور قليلة والبيع وقت النداء فإنه فاسد على المشهور عندهم والنهي فيه لحق الله إذا علمت هذا فهاهنا أمور إطلاق النهي هل يقتضي الفساد أحدها إذا اختصرت ما سبق قلت المنهي عنه إما تمام الماهية أو جزؤها أو لازم لها أو خارج مقارن فهذه أربعة أقسام فالأولان يفيدان الفساد عندنا وعند أبي حنيفة لتمكن المفسدة من جوهر الماهية ثم الشافعي ومالك يقولان إطلاق النهي يقتضي الفساد بظاهره فيما أضيف إليه ولا ينصرف عنه إلا بدليل منفصل يصرف النهي إلى خارج مقارن وأبو حنيفة يقول يحمل على المفارق ولا ينصرف إلى ما أضيف إليه إلا بدليل والحاصل أن الأصل عندنا انسحاب الفساد على المنهيات ما لم يصرف صارف وعنده بالعكس قال صاحب التقويم قال علماؤنا مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حسا ينصرف إلى ما قبح لعينه وعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعا كالعقود والعبادات لا ينصرف إلى ما قبح لغيره إلا بدليل وقال الشافعي في الموضعين يدل على قبحه في عينه وقال بعض محققيهم النهي بلا قرينة يقتضي القبح لعينه عند الشافعي وفائدته بطلان التصرف وعندنا يقتضي القبح لغيره والصحة لأصله قال وينبني على الخلاف أنه إذا وجدت القرينة على أن النهي سبب القبح لغيره وكان ذلك وصفا فإنه باطل عند الشافعي وعندنا يكون صحيحا بأصله لا بوصفه وقد اعتاصت هذه المسألة على قوم من المحققين منهم الغزالي فذهبوا إلى آراء معضلة تداني مذهب أبي حنيفة والثالث اللازم كالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة وعن بيع وشرط وعن التفرقة بين الأم وولدها فعندنا يدل على الفساد خلافا لأبي حنيفة حتى إنه قال من نذر صوما فصام يوم العيد يجزئه وينعقد مع وصف الفساد والرابع الخارج المقارن فلا يمنع الصحة عند الأكثرين وللفرق بين هذه المقامات تأثير وقد ضرب له المازري مثلا حسنا وهو أن الرجل إذا غص بلقمة أو عطش فأمر غلامه أن يأتيه بماء حلو في كوز وأن يرفق في مجيئه ولا يكون منه عجلة ولا لعب فله أحوال أحدها أن يقعد فلا يأتيه بشيء فالمخالفة فيه ظاهرة والثاني أن يأتيه بالكوز ليس فيه ماء فهذا ارتكاب المنهي عنه لعينه لأن وجود هذا الكوز كالعدم والثالث أن يأتيه بالكوز وفيه ماء مالح زعاق فهو كالذي قبله في المخالفة وارتكابه المنهي عنه اللازم له الرابع أن يأتيه بكوز ماء عذب بارد ولكنه جرى في مجيئه وخالف ما نهي عنه من ذلك فلا ريب في أن امتثال المقصود قد حصل وإن كان قد خالف في أمر خارج عن ذلك فهذا هو المنهي عنه لغيره وحاصله أنه لم يتوارد فيه النفي والإثبات بالنسبة إلى معنى واحد وأقوى ما يرد من قال بأن النهي عن الشيء لغيره يقتضي الفساد أن من تعين عليه قضاء دين وهو متمكن من أدائه فاشتغل عنه بالتحرم بصلاة مفروضة أو إنشاء عقد بيع أو نكاح فإن صلاته لا تصح وكذلك بيعه ونكاحه ولا قائل به النَّهْيُ في الْمُعَامَلَاتِ يَدُلُّ على الْفَسَادِ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا أَنَّ النَّهْيَ في الْمُعَامَلَاتِ يَدُلُّ على الْفَسَادِ إنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ فيها أو لَازِمٍ لها فَإِنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ لم يَقْتَضِهِ فَصَرَّحُوا بِالرَّاجِعِ إلَى أَمْرٍ دَاخِلٍ أو خَارِجٍ أو لَازِمٍ وَسَكَتُوا عَمَّا شَكَكْنَا فيه هل هو رَاجِعٌ إلَى الدَّاخِلِ أو الْخَارِجِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ نَبَّهَ عليها الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في قَوَاعِدِهِ قال كُلُّ تَصَرُّفٍ مَنْهِيٍّ عنه لِأَمْرٍ يُجَاوِزُهُ أو يُقَارِنُهُ مع تَوَفُّرِ شَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ مَنْهِيٍّ عنه ولم يُعْلَمْ لِمَا نُهِيَ عنه فَهُوَ بَاطِلٌ حَمْلًا لِلَفْظِ النَّهْيِ على الْحَقِيقَةِ انْتَهَى ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عنه لِعَيْنِهِ وَاَلَّذِي لم يُعْلَمْ لِمَاذَا نهى عنه لِأَمْرٍ دَاخِلٍ أو خَارِجٍ هو الْمُحْتَمِلُ لَأَنْ يَرْجِعَ إلَى دَاخِلٍ الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَدُلُّ على الْفَسَادِ اخْتَلَفُوا هل يَدُلُّ عليه من جِهَةِ اللَّفْظِ أو الْمَعْنَى أو خَارِجٍ عن اللَّفْظِ وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَالثَّالِثُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فإنه قال في الْمُسْتَصْفَى فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ قال قَائِلٌ النَّهْيُ يَدُلُّ على الْفَسَادِ إنْ رَجَعَ إلَى عَيْنِ الشَّيْءِ دُونَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى غَيْرِهِ قُلْنَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الطَّلَاقِ في حَالِ الْحَيْضِ وَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فإنه إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ ليس مَنْهِيًّا عن الطَّلَاقِ لِعَيْنِهِ وَلَا عن الصَّلَاةِ لِعَيْنِهَا بَلْ لِوُقُوعِهِ في حَالِ الْحَيْضِ وَلِوُقُوعِهَا في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مِثْلِهِ في الصَّلَاةِ في حَالِ الْحَيْضِ فَلَا اعْتِمَادَ إلَّا على فَوَاتِ الشَّرْطِ وَيُعْرَفُ الشَّرْطُ بِدَلِيلٍ دَلَّ عليه وَعَلَى ارْتِبَاطِ الصِّحَّةِ بِهِ وَلَا يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ فإنه لَا يَدُلُّ عليه لَا وَضْعًا وَلَا شَرْعًا قال وَكُلُّ نَهْيٍ تَضَمَّنَ ارْتِكَابُهُ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ دَلَّ على الْفَسَادِ من حَيْثُ الْإِخْلَالُ بِالشَّرْطِ لَا من حَيْثُ النَّهْيُ انْتَهَى وإذا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهَلْ دَلَّ عليه شَرْعًا لَا لُغَةً أو إنَّمَا دَلَّ عليه بِاللُّغَةِ فَقَطْ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عنه وَصَحَّحَهُ وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَجَرَى عليه الْبَيْضَاوِيُّ وَهَذَا نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْأَمْرِ هل اقْتَضَى الْوُجُوبَ بِصِيغَتِهِ أو بِالشَّرْعِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ ثَمَّ تَأْتِي هُنَا مثله وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الْفَسَادِ فَاخْتَلَفُوا هل يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْإِجْزَاءَ فَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عليها وَإِلَّا يَلْزَمُ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ في جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ وَنَقَلَ ابن الْقُشَيْرِيّ فيه الْإِجْمَاعَ وَقِيلَ يَدُلُّ عليها لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ يَقْتَضِي انْصِرَافَهُ إلَى الصَّحِيحِ إذْ يَسْتَحِيلُ النَّهْيُ عن الْمُسْتَحِيلِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في مَوَاضِعَ من الْمُسْتَصْفَى مع تَصْرِيحِهِ هُنَا بِبُطْلَانِهِ وَأَطْلَقَ وَتَابَعَهُ الْآمِدِيُّ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ على الصِّحَّةِ وَلَيْسَ ذلك في كل مَنْهِيٍّ فَقَدْ قالوا في النَّهْيِ عن صَوْمِ الْعِيدِ إنَّهُ يَدُلُّ على صِحَّتِهِ لِأَنَّ النَّهْيَ عنه لِوَصْفٍ لَا لِعَيْنِهِ فإذا نَذَرَهُ انْعَقَدَ فَإِنْ صَامَهُ صَحَّ وَإِنْ كان مُحَرَّمًا اتَّفَقُوا على أَنَّ صَلَاةَ الْحَائِضِ بَاطِلَةٌ مع أَنَّ النَّهْيَ عنها لِوَصْفِهَا بَلْ قالوا ذلك في مُخَالَفَةِ الْأَوَامِرِ بِنَاءً على أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ فَأَبْطَلُوا صَلَاةَ من يُحَاذِي الْمَرْأَةَ في إتْمَامِهَا جميعا فَأَقَامَ وَاحِدٌ لِمَا ذَكَرُوا من قَوْلِهِ أَخِّرُوهُنَّ من حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ وَاتَّفَقُوا على بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَصِحَّةِ نِكَاحِ الشِّغَارِ مع أَنَّ النَّهْيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا لِوَصْفِهِمَا وَنَقَلَ الدَّبُوسِيُّ عن أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ أَنَّهُ يَدُلُّ على الصِّحَّةِ وَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالنَّهْيِ عن صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ على انْعِقَادِهِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ النَّهْيَ عن غَيْرِ الْمَقْدُورِ عليه عَبَثٌ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ لِلْأَعْمَى لَا تُبْصِرْ وَلِلْأَبْكَمِ لَا تَتَكَلَّمْ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ ذلك في الْمُمْتَنِعِ حِسًّا لَا شَرْعًا وَإِلَّا لَانْتَقَضَ بِجَمِيعِ الْمَنَاهِي الْفَاسِدَةِ هَكَذَا أَطْلَقَ الْخِلَافَ ابن السَّمْعَانِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا إنَّمَا قَالَا ذلك في الْمَنْهِيِّ عنه لِوَصْفِهِ كما سَبَقَ وقد صَرَّحَ أبو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُمَا من الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عنه لِعَيْنِهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ أَصْلًا قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَالْقَائِلُ بهذا الْمَذْهَبِ لَا يُمْكِنُهُ دَعْوَى أَنَّهُ يَدُلُّ على الصِّحَّةِ دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ فلم يَبْقَ إلَّا دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ وَشَرْطُهَا اللُّزُومُ وهو مَفْقُودٌ هَاهُنَا وَقِيلَ إنْ أَرَادُوا بِالصِّحَّةِ الْعَقْلِيَّةَ وَهِيَ الْإِمْكَانُ أَيْ كَوْنُ الْمَنْهِيِّ عنه مُمْكِنُ الْوُجُودِ لَا مُمْتَنِعٌ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادُوا الصِّحَّةَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْمُسْتَفَادَةِ من الشَّرْعِ وَهِيَ تَرَتُّبُ آثَارِ الشَّيْءِ شَرْعًا عليه فَذَلِكَ تَنَاقُضٌ إذْ يَصِيرُ مَعْنَاهُ النَّهْيَ شَرْعًا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عنه شَرْعًا وهو مُحَالٌ إذْ يَلْزَمُ منه صِحَّةُ كل ما نهى الشَّرْعُ عنه وقد أَبْطَلُوا هُمْ منه أَشْيَاءَ كَبَيْعِ الْحَمْلِ في الْبَطْنِ وَنَحْوِهِ وَلِأَنَّ النَّهْيَ لُغَةً وَشَرْعًا يَقْتَضِي إعْدَامَ الْمَنْهِيِّ عنه فَكَيْفَ تُرَتَّبُ آثَارُهُ مع إعْدَامِهِ وَكَذَلِكَ إنَّ الصِّحَّةَ إمَّا عَقْلِيَّةٌ وَهِيَ إمْكَانُ الشَّيْءِ وَقَبُولُهُ لِلْعَدَمِ وَالْوُجُودِ في نَظَرِ الْعَقْلِ كَإِمْكَانِ الْعَالَمِ وَالْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ أو عَادِيَّةٌ كَالْمَشْيِ في الْجِهَاتِ أَمَامًا وَيَمِينًا وَشِمَالًا أو شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ الْإِذْنُ في الشَّيْءِ فَيَتَنَاوَلُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إلَّا التَّحْرِيمَ إذْ لَا إذْنَ فيه وَحِينَئِذٍ دَلِيلُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا يَدُلُّ على اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الصِّحَّةَ الْعَقْلِيَّةَ أو الْعَادِيَّةَ وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عليه أَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ليس فيها مَنْهِيٌّ عنه وَحِينَئِذٍ دَلِيلُهُمْ لَا يَمَسُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَيَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا النَّهْيُ الذي لِلتَّنْزِيهِ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ الْأَمْرُ الرَّابِعُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ أو لَا إنَّمَا هو النَّهْيُ الذي لِلتَّحْرِيمِ لِمَا بين الصِّحَّةِ وَالتَّحْرِيمِ من التَّضَادِّ أَمَّا النَّهْيُ الذي لِلتَّنْزِيهِ فقال الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ لَا خِلَافَ على ما يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُمْ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ انْتَهَى أَيْ لَا خِلَافَ في عَدَمِ اقْتِضَائِهِ الْفَسَادَ إذْ لَا تَضَادَّ بين الِاعْتِدَادِ بِالشَّيْءِ مع كَوْنِهِ مَكْرُوهًا وَعَلَى ذلك بَنَى أَصْحَابُنَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ في الْحَمَّامِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْمَقْبَرَةِ وَنَحْوِهِ مع الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهَا لَكِنْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى بِجَرَيَانِهِ في نَهْيِ الْكَرَاهَةِ قال كما يَتَضَادُّ الْحَرَامُ وَالْوَاجِبُ يَتَضَادُّ الْمَكْرُوهُ وَالْوَاجِبُ حتى لَا يَكُونَ الشَّيْءُ وَاجِبًا مَكْرُوهًا وَهَذَا هو الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ وَالصِّحَّةُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ صَحِيحًا لِأَنَّ طَلَبَ تَرْكِهِ يُوجِبُ عَدَمَ الْإِتْيَانِ بِهِ إذَا وَقَعَ وَذَلِكَ هو الْفَسَادُ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ في الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وقد قال ابن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ إنَّ الْكَرَاهَةَ مَانِعَةٌ من الصِّحَّةِ سَوَاءٌ كانت تَحْرِيمًا أو تَنْزِيهًا لِأَنَّهَا تُضَادُّ الْأَمْرَ كَيْفَ كانت لِأَنَّهَا لِلتَّرْكِ وَالْأَمْرُ طَلَبُ الْفِعْلِ وقد اُسْتُشْكِلَ ذلك عَلَيْهِمَا وَلَا إشْكَالَ لِمَا قَرَّرْنَاهُ قَالَا وَمَأْخَذُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ النَّهْيَ هل يَعُودُ إلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ أَمْ إلَى خَارِجٍ عنها وَمِنْ هُنَا حَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلَيْنِ في أَنَّ نَهْيَ التَّنْزِيهِ إذَا كان لِعَيْنِ الشَّيْءِ هل يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَمْ لَا وقد يُتَوَقَّفُ في نَهْيِ التَّنْزِيهِ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ إنَّمَا يَجِيءُ إذَا كان النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَعَلَى تَقْدِيرِ ما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وابن الصَّلَاحِ فَذَلِكَ التَّضَادُّ إنَّمَا يَجِيءُ فِيمَا هو وَاجِبٌ خَاصَّةً لِمَا بين الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ من التَّبَايُنِ فَأَمَّا الصِّحَّةُ مع الْإِبَاحَةِ كما في الْعُقُودِ الْمَنْهِيِّ عنها تَنْزِيهًا فَلَا تَضَادَّ حِينَئِذٍ وَالْفَسَادُ مُخْتَصٌّ بِمَا كان النَّهْيُ فيه لِلتَّحْرِيمِ الْأَمْرُ الْخَامِسُ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّهُ هل يَقْتَضِي الْفَسَادَ أَمْ لَا إنَّمَا هو في الْفَسَادِ بِمَعْنَى الْبُطْلَانِ على رَأْيِنَا أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ لَا بِالْمَعْنَى الذي ذَهَبَ إلَيْهِ أبو حَنِيفَةَ نَبَّهَ عليه الْهِنْدِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابن فُورَكٍ السَّادِسُ قد تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَسَادَ إذَا أُطْلِقَ في الْعِبَادَاتِ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وإذا أُطْلِقَ في الْمُعَامَلَاتِ أُرِيدَ بِهِ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِ الْمَعْقُودِ عليها من اللُّزُومِ وَانْتِقَالِ الْمِلْكِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفِ وَغَيْرِ ذلك من الْأَحْكَامِ وَعَلَى هذا فإذا قِيلَ النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَيَدُلُّ عليه مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عنه إذَا قُدِّرَ وُقُوعُهُ لَا يُجْزِئُ في نَفْسِهِ إنْ كان عِبَادَةً وَلَا يَتَرَتَّبُ عليه حُكْمُهُ إنْ كان مُعَامَلَةً وإذا قِيلَ لَا يَدُلُّ على الْفَسَادِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْمَنْهِيِّ عنه وَتَرَتَّبَ عليه أَحْكَامُهُ كَالْمَنْقُولِ عن الْحَنَفِيَّةِ فَفَاسِدٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ لَا تَنْصَرِفُ لِشَيْءٍ من ذَيْنِك الْأَمْرَيْنِ وهو الظَّاهِرُ كان أَقْرَبَ فإن الْفَسَادَ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَأْخُذُونَهُ من الْقَرَائِنِ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ الصِّيغَةَ لو دَلَّتْ عليه فَأَمَّا من جِهَةِ اللُّغَةِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا يُتَلَقَّى من اللُّغَةِ وَأَمَّا من جِهَةِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عليه السَّابِعُ قد سَبَقَ الْخِلَافُ في تَفْسِيرِ الْفَسَادِ في الْعِبَادَاتِ قال الْهِنْدِيُّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلَّ من ذَهَبَ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ في الْعِبَادَاتِ أو لَا يَقْتَضِيهِ فَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عليه عِنْدَهُ لَا بِالْمَعْنَى الْآخَرِ وَإِنْ كان الْأَمْرُ في الْأَمْرِ على خِلَافِ هذا الثَّامِنُ أَطْلَقَ الْمُفَصِّلُونَ بِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ في الْعِبَادَاتِ دُونَ الْعُقُودِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِغَيْرِهِمَا وزاد ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ الْإِيقَاعَاتِ وَأَلْحَقَهَا بِالْعُقُودِ وَمُرَادُهُ بها الطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ كَطَلَاقِ الْحَائِضِ وَكَإِرْسَالِ الثَّلَاثِ جميعا على قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ في أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الْمَنْهِيُّ عنه إذَا قُلْنَا بِنُفُوذِهِ وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ كَالْوَطْءِ في الْحَيْضِ فإنه يَحْصُلُ بِهِ الدُّخُولُ وَيَكْمُلُ بِهِ الْمَهْرُ وَلِهَذَا أَشَارَ ابن الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ في الْإِجْزَاءِ دُونَ السَّبَبِيَّةِ فَأَتَى بِالسَّبَبِيَّةِ لِيَشْمَلَ الْعُقُودَ وَالْإِيقَاعَاتِ وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ لَكِنْ يَرِدُ عليها أَنَّهُ جَعَلَ هذا قَوْلًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا بين طَرَفَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ الذي اخْتَارَهُ شَمِلَ هذه الصُّوَرَ وَيَكُونُ النَّهْيُ عنهما يَدُلُّ على فَسَادِهَا وَأَنَّهُ اخْتَارَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ على وُقُوعِ الطَّلَاقِ في الْحَيْضِ وَإِرْسَالُ الثَّلَاثِ وَخِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ وَالشِّيعَةِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ التَّاسِعُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في مُطْلَقِ النَّهْيِ لِيَخْرُجَ الْمُقْتَرِنُ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ على الْفَسَادِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ دَالًّا على الْمَنْعِ لِخَلَلٍ في أَرْكَانِهِ أو شَرَائِطِهِ أو يَقْتَرِنَ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ على أَنَّهُ ليس لِلْفَسَادِ نحو النَّهْيِ عن الشَّيْءِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عنه كما في الْمَنْهِيَّيْنِ وَلَا خِلَافَ فيه وَإِنْ أَشْعَرَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ بِجَرَيَانِ خِلَافٍ فيه فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ له دَلَالَةٌ على الْفَسَادِ مع دَلَالَتِهِ على اخْتِلَالِ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ قُلْت كَلَامُ ابْنِ بَرْهَانٍ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فيه وَمِثَالُ ما فيه قَرِينَةُ الْفَسَادِ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فإن الزَّانِيَةَ هِيَ التي تُنْكِحُ نَفْسَهَا رَوَاهُ ابن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ من عِدَّةِ طُرُقٍ فإن الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ منه تَقْتَضِي أَنَّ ذلك إذَا وَقَعَ يَكُونُ فَاسِدًا فَلَا يَتَوَجَّهُ فيه خِلَافٌ أَلْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عن بَيْعِ الْكَلْبِ وقال فيه إنْ جاء وَطَلَبَ ثَمَنَهُ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا رَوَاهُ أبو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عن الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ أو الرَّوْثِ وقال إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عن نِكَاحِ الشِّغَارِ فإنه لِلْفَسَادِ وقد نُقِلَ النَّهْيُ عن الشَّافِعِيِّ تَوْجِيهُهُ أَنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إلَّا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ من نِكَاحٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ فَلَا يَحِلُّ الْمُحَرَّمُ من النِّسَاءِ بِالْمُحَرَّمِ من النِّكَاحِ وَمِثَالُ ما فيه قَرِينَةُ الصِّحَّةِ حَدِيثُ لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا فإن إثْبَاتَ الْخِيَارِ فيه قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْعَ قد انْعَقَدَ ولم يَقْتَضِ فَسَادًا وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عن بَيْعِ الرُّكْبَانِ وَإِثْبَاتُ الْخِيَارِ لِصَاحِبِهِ إذَا وَرَدَ السُّوقَ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عن الطَّلَاقِ في الْحَيْضِ لِمَا فيه أَمْرٌ بِالْمُرَاجَعَةِ دَلِيلٌ على أَنَّهُ وَاقِعٌ الْعَاشِرُ لم يَتَعَرَّضُوا لِضَبْطِ الْفَرْقِ بين الْمَنْهِيِّ عنه لِنَفْسِهِ أو غَيْرِهِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَامِ في مَسْأَلَةِ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ إذَا كان لِطَلَبِ ضِدِّهِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عن نَفْسِ الشَّيْءِ وإذا لم يَكُنْ لِطَلَبٍ فَلَا يَكُونُ في نَفْسِهِ مَنْهِيًّا عنه قال وَعَلَى هذا تُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ بِالنَّهْيِ عن الصَّلَاةِ في الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ليس لِطَلَبِ ضِدِّهَا وهو تَرْكُ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ في وَقْتِ النِّدَاءِ حتى لو اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْبَيْعِ كان مَنْهِيًّا عنه وَلَوْ بَاعَ وهو يَسْعَى لم يَكُنْ مَنْهِيًّا عنه وَكَذَا النَّهْيُ عن الطَّلَاقِ في الْحَيْضِ لم يَكُنْ لِطَلَبِ ضِدِّهِ وهو بَقَاءُ النِّكَاحِ حَالَةَ الْحَيْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو طَلَّقَ وَهِيَ طَاهِرٌ ثُمَّ حَاضَتْ فَلَا نِكَاحَ وَالْحَيْضُ مَوْجُودٌ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عن الْإِحْرَامِ مُجَامِعًا وَغَيْرُ ذلك بِخِلَافِ النَّهْيِ عن صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِ قُلْت وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في بَابِ النَّذْرِ من تَعْلِيقِهِ فقال كُلُّ نَهْيٍ يُطْلَبُ لِضِدِّ الْمَنْهِيِّ عنه فَهُوَ لِعَيْنِهِ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ وَكُلُّ نَهْيٍ لم يَكُنْ لِطَلَبِ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عنه لم يَكُنْ لِعَيْنِهِ كَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ في النَّهْيِ رُجُوعُهُ لِمَعْنًى في نَفْسِهِ وَلَا يُحْكَمُ فيه بِتَعَدُّدِ الْجِهَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فيه لِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ الشَّارِعِ حُرْمَةُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ يَحْرُمُ إمْسَاكُهُ مع النِّيَّةِ لَا يُفْهَمُ منه عِنْدَ إطْلَاقِهِ سِوَاهُ فَمَنْ أَرَادَ صَرْفَ التَّحْرِيمِ عن الْحَقِيقَةِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ احْتَاجَ إلَى الدَّلِيلِ وَلِهَذَا قَطَعَ الشَّافِعِيُّ بِبُطْلَانِهِ إذْ لم يَظْهَرْ صَرْفُ التَّحْرِيمِ إلَى أَمْرٍ خَاصٍّ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَقَطَعَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ في زَمَنِ الْحَيْضِ لِانْصِرَافِ التَّحْرِيمِ عن الْحَقِيقَةِ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ وهو تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ أو لُحُوقِ النَّدَمِ عن الشَّكِّ في وُجُودِ الْوَلَدِ لِدَلِيلٍ دَلَّ عليه وَكَذَا قَطَعَ بِبُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ ولم يَلْحَظْ الْمَعْنَى الْخَارِجَ من كَوْنِهِ مُقَدِّمَةَ الْإِفْسَادِ الْحَادِيَ عَشَرَ ضَايَقَ ابن السَّمْعَانِيِّ في بَعْضِ خِلَافِيَّاتِهِ في قَوْلِهِمْ نهى عنه لِعَيْنِهِ وقال النَّهْيُ أَبَدًا إنَّمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ لَا لِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ قد عُرِفَ من أَصْلِنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْأَفْعَالِ بَلْ عِبَارَةٌ عن تَعْلِيقِ خِطَابِ الشَّرْعِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْمَنْعِ تَارَةً وَبِالْبَحْثِ أُخْرَى قال وَهَكَذَا نَقُولُ في بَيْعِ الْحُرِّ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عنه لِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا يُنْهَى عنه لِغَيْرِهِ وَالصَّلَاةِ في الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَنَحْوِهِ وَالنَّهْيُ فيه لم يَكُنْ مُتَنَاوِلًا لِلصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِدُونِ الْبَيْعِ فَدَلَّ على أَنَّ الْبَيْعَ مَنْهِيٌّ عنه وَالنَّهْيُ يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عنه إذَا صَادَفَ عَيْنَ الشَّيْءِ بِالِاتِّفَاقِ الثَّانِيَ عَشَرَ إذَا جَعَلْنَا الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو في نَهْيِ التَّحْرِيمِ فَقَطْ فَإِنَّمَا هو في صِيغَةِ لَا تَفْعَلْ فإنه الْحَقِيقِيُّ في التَّحْرِيمِ كَعَكْسِهِ في الْأَمْرِ أَمَّا لَفْظُ نهى فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بين الْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ كما سَبَقَ فَلَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَال بِهِ على التَّحْرِيمِ كَاسْتِدْلَالِ أَصْحَابِنَا على بُطْلَانِ بَيْعِ الْغَائِبِ وَنَحْوِهِ بِحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ فَيُقَالُ هذه الصِّيغَةُ مُشْتَرَكَةٌ بين التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَالنَّهْيُ الْمُقْتَضِي لِلْفَسَادِ إنَّمَا هو في نَهْيِ التَّحْرِيمِ وهو قَوْلُهُ لَا تَفْعَلْ الثَّالِثَ عَشَرَ إذَا قام الدَّلِيلُ على أَنَّ النَّهْيَ ليس لِلْفَسَادِ فقال ابن عَقِيلٍ في الْوَاضِحِ لَا يَكُونُ مَجَازًا لِأَنَّهُ لم يَنْتَقِلْ عن مُوجِبِهِ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عن بَعْضِهِ فَصَارَ كَالْعُمُومِ الذي خَرَجَ بَعْضُهُ يَبْقَى حَقِيقَةً فِيمَا بَقِيَ وَهَذَا منه بِنَاءً على أَنَّ دَلَالَتَهُ على الْفَسَادِ من جِهَةِ اللَّفْظِ فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَنَّهُ من جِهَةِ الشَّرْعِ لم يَكُنْ انْتِفَاؤُهُ مَجَازًا قال وَكَذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ على نَقْلِهِ عن التَّحْرِيمِ فإنه يَبْقَى نَهْيًا حَقِيقَةً على التَّنْزِيهِ كما إذَا قَامَتْ دَلَالَةٌ على أَنَّ الْأَمْرَ ليس لِلْوُجُوبِ وَهَذَا منه بِنَاءً على قَوْلِ الِاشْتِرَاكِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ خَاتِمَةٌ ما يَمْتَازُ بِهِ الْأَمْرُ عن النَّهْيِ فِيمَا يَمْتَازُ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ هو أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي فِعْلَ مَرَّةٍ على الْأَصَحِّ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ على الدَّوَامِ وَالنَّهْيُ لَا يَتَّصِفُ بِالْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي مع الْإِطْلَاقِ وَالْأَمْرُ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ على الْأَصَحِّ وَالنَّهْيُ لَا يُقْضَى إذَا فَاتَ وَقْتُهُ الْمُعَيَّنُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ النَّهْيِ ابْتِدَاءً قَطْعًا على الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ وفي الْأَمْرِ خِلَافٌ وفي تَكْرَارِ النَّهْيِ يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ لِلْأَمْرِ على أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّهْيُ يَدُلُّ على فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عنه على أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالنَّهْيُ الْمُعَلَّقُ على شَرْطٍ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الْمُعَلَّقِ على شَرْطٍ على شَرْطٍ على الْأَصَحِّ قال ابن فُورَكٍ وَيَفْتَرِقَانِ في أَنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ ليس أَمْرًا بِضِدِّهِ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عن ضِدِّهِ إذَا كان على طَرِيقِ الْإِيجَابِ وفي أَنَّهُ إذَا نهى عن أَشْيَاءَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ لم يَجُزْ له فِعْلُ وَاحِدٍ منها كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُطِعْ منهم آثِمًا أو كَفُورًا سُورَةُ الْإِنْسَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مباحث العام تَعْرِيفُ الْعَامِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ رضي اللَّهُ عنه لم نَكُنْ نَعْرِفُ الْخُصُوصَ وَالْعُمُومَ حتى وَرَدَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه وهو في اللُّغَةِ شُمُولُ أَمْرٍ لِمُتَعَدِّدٍ سَوَاءٌ كان الْأَمْرُ لَفْظًا أو غَيْرَهُ وَمِنْهُ عَمَّهُمْ الْخَبَرُ إذَا شَمِلَهُمْ وَأَحَاطَ بِهِمْ وَلِذَلِكَ يقول الْمَنْطِقِيُّونَ الْعَامُّ ما لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الشَّرِكَةِ فيه كَالْإِنْسَانِ وَيَجْعَلُونَ الْمُطْلَقَ عَامًّا وَاصْطِلَاحًا اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ ما يَصْلُحُ له من غَيْرِ حَصْرٍ أَيْ يَصْلُحُ له اللَّفْظُ الْعَامُّ كَ من في الْعُقَلَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وكل بِحَسَبِ ما يَدْخُلُ عليه لَا أَنَّ عُمُومَهُ في جَمِيعِ الْأَفْرَادِ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِقَيْدِ الِاسْتِغْرَاقِ النَّكِرَةُ وَبِقَوْلِهِ من غَيْرِ حَصْرٍ أَسْمَاءُ الْعَدَدِ فَإِنَّهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِكُلِّ ما يَصْلُحُ له لَكِنْ مع حَصْرٍ وَمِنْهُمْ من زَادَ عليه بِوَضْعِ وَاحِدٍ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَمَّا يَتَنَاوَلُهُ بِوَضْعَيْنِ فَصَاعِدًا كَالْمُشْتَرَكِ وَذَكَرَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ الْعَامَّ يُطْلَقُ أَيْضًا على اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ مُسَمَّيَاتِهِ مِثْلَ الْعَشَرَةِ وَالْمُسْلِمِينَ لِمَعْهُودٍ وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ كما يُطْلَقُ التَّخْصِيصُ على قَصْرِ اللَّفْظِ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ عَامًّا وقال أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ مُسَاوَاةُ بَعْضِ ما تَنَاوَلَهُ لِبَعْضٍ وَنُوقِضَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ فإن أَحَدَهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَقَلُّ الْعُمُومِ شَيْئَانِ كما أَنَّ أَقَلَّ الْخُصُوصِ وَاحِدٌ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وهو الشُّمُولُ وَالشُّمُولُ حَاصِلٌ في التَّثْنِيَةِ وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَا تُسَمَّى عُمُومًا لَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثٌ فإذا سَلَبَ عنها اسْمَ الْجَمْعِ فَالْمَعْلُومُ أَوْلَى ثُمَّ إنَّ الْقَفَّالَ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ لَفْظِ الْعُمُومِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَلَا يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ وفي الْجَمْعِ بين الْكَلَامَيْنِ تَنَافٍ وقال الْمَازِرِيُّ الْعُمُومُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ هو الْقَوْلُ الْمُشْتَمِلُ على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا وَالتَّثْنِيَةُ عِنْدَهُمْ عُمُومٌ لِمَا يُتَصَوَّرُ فيها من مَعْنَى الْجَمْعِ وَالشُّمُولُ الذي لَا يُتَصَوَّرُ لِلْوَاحِدِ وَحَصَلَ من هذا خِلَافٌ في التَّثْنِيَةِ هل لها عُمُومٌ وهو غَرِيبٌ وقال الْغَزَالِيُّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فَصَاعِدًا عن لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وَأَرَادَ بِالْوَاحِدِ مُقَابِلَ الْمُرَكَّبِ حتى يَشْمَلَ الِاثْنَيْنِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ في الْمُسْتَصْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَاحِدٌ وَمِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَصْلٌ وَاحِدٌ وَاحْتِرَازٌ بِهِ عن قَوْلِهِمْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا فإنه دَلَّ على شَيْئَيْنِ وَلَكِنْ بِلَفْظَيْنِ لَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمِنْ جِهَتَيْنِ لَا من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَرَادَ بِالْجِهَتَيْنِ الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ اُعْتُرِضَ عليه بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ دَلَالَةَ ضَرَبَ عَلَيْهِمَا فَبَاطِلٌ لِأَنَّهَا الْتِزَامِيَّةٌ وَدَلَالَةُ الْعَامِّ على مَعْنَاهُ بِالْمُطَابَقَةِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ دَلَالَتَهَا على ذَاتِهِمَا فَكَذَلِكَ لِخُرُوجِهِ عنه بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ وقال ابن الْحَاجِبِ يَدْخُلُ فيه كُلُّ مَعْهُودٍ وَنَكِرَةٍ وقد نَلْتَزِمُهُ فَنَقُولُ إنَّهُمَا عَامَّانِ لِدَلَالَتِهِمَا على شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَيْسَ كما قال أَمَّا أَوَّلًا فَلَا نُسَلِّمُ دُخُولَهُ لِأَنَّهُ ليس بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ اخْتَارَ في الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ ليس بِعَامٍّ وقال ابن فُورَكٍ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ اشْتَهَرَ من كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْعُمُومَ هو اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ عُمُومٌ وما دُونَهُ عُمُومٌ وَأَقَلُّ الْعُمُومِ اثْنَانِ وَلَمَّا لم يَصِحَّ أَنْ يَعُمَّ الشَّيْءُ نَفْسَهُ كان ما زَادَ عليه يَسْتَحِقُّ بِهِ اسْمَ الْعُمُومِ قَلَّ أَمْ كَثُرَ وَكَذَلِكَ قال الْمُتَكَلِّمُونَ من الْوَاقِفِيَّةِ إنَّا نَقُولُ بِالْعُمُومِ لَا نَقُولُ بِالِاسْتِيعَابِ وهو الْخُصُوصُ في عِبَارَةِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ يَحْمِلُ الْخِطَابَ على ثَلَاثَةٍ إنَّهُمْ أَهْلُ الْخُصُوصِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ عُمُومًا أو خُصُوصًا من جِهَتَيْنِ وقد أَخَذَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ في حَدِّ الْعَامِّ الِاسْتِغْرَاقَ ولم يَأْخُذْهُ آخَرُونَ وقد تَظْهَرُ فَائِدَةُ ذلك في الْعَامِّ الذي خَصَّ بِهِ الْبَعْضَ فَمَنْ اشْتَرَطَ في الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقَ لَا يُجَوِّزُ التَّمَسُّكَ بِهِ أو يُضَعِّفَهُ لِأَنَّهُ لم يَبْقَ عَامًّا وَمَنْ لم يَشْتَرِطْهُ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الدَّلَالَةَ على جَمْعٍ جَوَّزَهُ الْفَرْقُ بين الْعُمُومِ وَالْعَامِّ وَهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهُمَا في الْفَرْقِ بين الْعُمُومِ وَالْعَامِّ فَالْعَامُّ هو اللَّفْظُ الْمُتَنَاوِلُ وَالْعُمُومُ تَنَاوُلُ اللَّفْظِ لِمَا صَلُحَ له فَالْعُمُومُ مَصْدَرٌ وَالْعَامُّ اسْمُ الْفَاعِلِ مُشْتَقٌّ من هذا الْمَصْدَرِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْفِعْلُ وَالْفِعْلُ غَيْرُ الْفَاعِلِ وَمِنْ هذا يَظْهَرُ الْإِنْكَارُ على عبد الْجَبَّارِ وَابْنِ بَرْهَانٍ وَغَيْرِهِمَا في قَوْلِهِمْ الْعُمُومُ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ فَإِنْ قِيلَ أَرَادُوا بِالْمَصْدَرِ اسْمَ الْفَاعِلِ قُلْنَا اسْتِعْمَالُهُ فيه مَجَازٌ وَلَا ضَرُورَةَ لِارْتِكَابِهِ مع إمْكَانِ الْحَقِيقَةِ وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بين الْأَعَمِّ وَالْعَامِّ بِأَنَّ الْأَعَمَّ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في الْمَعْنَى وَالْعَامُّ في اللَّفْظِ فإذا قِيلَ هذا أَعَمُّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ لِلْمَعْنَى وإذا قِيلَ هذا عَامٌّ تَبَادَرَ الذِّهْنُ لِلَّفْظِ الْفَرْقُ بين عُمُومِ الشُّمُولِ وَعُمُومِ الصَّلَاحِيَةِ الثَّانِي الْعُمُومُ يَقَعُ على مُسَمَّى عُمُومِ الشُّمُولِ وهو الْمَقْصُودُ هُنَا وَعُمُومِ الصَّلَاحِيَةِ وهو الْمُطْلَقُ وَتَسْمِيَتُهُ عَامًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَوَارِدَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ لَا أَنَّهُ في نَفْسِهِ عَامٌّ وَيُقَالُ له عُمُومُ الْبَدَلِ أَيْضًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ عُمُومَ الشُّمُولِ كُلِّيٌّ وَيُحْكَمُ فيه على كل فَرْدٍ وَعُمُومُ الصَّلَاحِيَةِ كُلِّيٌّ أَيْ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ من وُقُوعِ الشَّرِكَةِ تَفَاوُتُ صِيَغِ الْأَعَمِّ الثَّالِثُ صِيَغُ الْأَعَمِّ تَتَفَاوَتُ قال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ أَعَمُّ الْأَسْمَاءِ قَوْلُنَا مَعْلُومٌ وَمَذْكُورٌ لِتَنَاوُلِهِ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ ثُمَّ شَيْءٌ وَمَوْجُودٌ لِتَنَاوُلِهِ الْقَدِيمَ وَالْمُحْدَثَ ثُمَّ مُحْدَثٌ لِتَنَاوُلِ الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ ثُمَّ جِسْمٌ ثُمَّ حَيَوَانٌ ثُمَّ إنْسَانٌ ثُمَّ رَجُلٌ ثُمَّ أنا وَأَنْتَ ما يَدْخُلُهُ الْعُمُومُ وما لَا يَدْخُلُهُ وَالْكَلَامُ في الْعُمُومِ في مَوَاضِعَ أَحَدِهِمَا هل يُتَصَوَّرُ في الْقَوْلِ النَّفْسِيِّ الْمَشْهُورُ من مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ تَصَوُّرُهُ كما قالوا في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ اعْلَمْ أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ يَرْجِعَانِ إلَى الْكَلَامِ ثُمَّ الْكَلَامُ الْحَقِيقِيُّ هو الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وهو الذي يَعُمُّ وَيَخُصُّ وَالصِّيَغُ وَالْعِبَارَاتُ دَالَّةٌ عليه وَلَا تُسَمَّى بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إلَّا تَجَوُّزًا كما أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَرْجِعَانِ إلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ دُونَ الصِّيَغِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ وَصْفَانِ رَاجِعَانِ إلَى الْعِبَارَاتِ وَالصِّيَغِ كَقَوْلِهِمْ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ انْتَهَى وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ظُهُورَهُ في ذلك وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِجَمَاعَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ فِيمَا قَالُوهُ وَصَرَفَ عُمُومَ النَّفْسِيِّ إلَى عُمُومٍ فيها تَكُونُ الْمَعْلُومَاتُ على جِهَاتٍ دُونَ جِهَاتٍ قال الْمَازِرِيُّ وَيُقَالُ له إنْ أَنْكَرْت وُجُودَ قَوْلٍ في النَّفْسِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاسْتِيعَابِ بِنَفْسِهِ وَحَقِيقَةً فَمُسَلَّمٌ وَأَمَّا إثْبَاتُ قَوْلٍ في النَّفْسِ هو خَبَرٌ عن مَعْنَى الْعُمُومِ فَلَيْسَ هو الْمُرَادُ وَالنِّزَاعُ فيه الثَّانِي هل الْعُمُومُ في الْعُمُومِ قال الْمَازِرِيُّ اخْتَلَفُوا في نَحْوِ قَوْلِهِمْ هذا عَطَاءٌ عَامٌّ هل ذِكْرُ الْعُمُومِ هُنَا حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ قال الْأَكْثَرُونَ من أَئِمَّةِ الْكَلَامِ إنَّهُ مَجَازٌ لِكَوْنِ ما تَنَاوَلَهُ كُلُّ إنْسَانٍ من الْعَطَاءِ مُخْتَصًّا بِهِ وهو غَيْرُ ما يَتَنَاوَلُهُ صَاحِبُهُ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ فإن هذه اللَّفْظَةَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مُشْرِكٍ تَنَاوُلًا وَاحِدًا وَقِيلَ حَقِيقَةً وَالْخِلَافُ في هذا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ الثَّالِثِ هل يُتَصَوَّرُ في الْأَحْكَامِ حتى يُقَالَ حُكْمُ قَطْعِ السَّارِقِ عَامٌّ أَنْكَرَهُ الْقَاضِي فإذا قِيلَ حُكْمُ اللَّهِ عَامٌّ في قَطْع السَّارِقِ فَكُلُّ سَارِقٍ يَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فيه من الْحُكْمِ وَأَثْبَتَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْقَطْعَ الذي يَخْتَصُّ بِهِ هذا السَّارِقُ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَعَلَّهُ تَخَرَّجَ على الْقَوْلِ بِرُجُوعِ الْأَحْكَامِ إلَى صِفَاتِ النَّفْسِ فَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْأَحْكَامُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الشَّارِعِ وقال الْمَازِرِيُّ الْحَقُّ ابْتِنَاءُ هذه الْمَسْأَلَةِ على أَنَّ الْحُكْمَ يَرْجِعُ إلَى قَوْلٍ أو إلَى وَصْفٍ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لم يُتَصَوَّرْ الْعُمُومُ لِمَا تَقَدَّمَ في الْأَفْعَالِ وَإِنْ قُلْنَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَالسَّارِقُ يَشْمَلُ كُلَّ السَّارِقِ فَنَفْسُ الْقَطْعِ فِعْلٌ وَالْأَفْعَالُ لَا عُمُومَ لها حَقِيقَةً الرَّابِعِ هل يُتَصَوَّرُ في الْأَفْعَالِ قال الْقَاضِي أبو عبد اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ الْحَنَفِيُّ في كِتَابِهِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ في أُصُولِ الْفِقْهِ دَعْوَى الْعُمُومِ في الْأَفْعَالِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وقال بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْعُمُومَ ما اشْتَمَلَ على أَشْيَاءَ مُتَغَايِرَةٍ وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ إلَّا على دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِقَوْلِهِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ دَلَّ على أَنَّ فِعْلَهُ في عَيْنٍ وَاحِدَةٍ يَقْتَضِي تَعَدِّيهِ في كل عَيْنٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ هذا لم يَعْرِفْ مَوْضِعَ النِّزَاعِ منه انْتَهَى وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ لَا يَصِحُّ الْعُمُومُ إلَّا في الْأَلْفَاظِ وَأَمَّا في الْأَفْعَالِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا تَقَعُ على صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ عُرِفَتْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ وَإِلَّا صَارَ مُجْمَلًا فَهَذَا عُرِفَتْ صِفَتُهُ قَوْلُ الرَّاوِي جَمَعَ بين الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ فَهَذَا مَقْصُورٌ على السَّفَرِ وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ في السَّفَرِ فَلَا يَدْرِي إنْ كان طَوِيلًا أو قَصِيرًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فيه وَلَا نَدَّعِي فيه الْعُمُومَ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ أَطْلَقَ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا في الْأَقْوَالِ وَلَا يَدْخُلُ في الْأَفْعَالِ أَعْنِي في ذَوَاتِهَا فَأَمَّا في أَسْمَائِهَا فَقَدْ يَتَحَقَّقُ وَلِهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ ادِّعَاءُ الْعُمُومِ في أَفْعَالِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عِنْدَ من اسْتَدَلَّ على أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ يَدْخُلُ بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ صلى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَالْعُمُومُ في الْأَقْوَالِ دُونَ الْمَعَانِي وَالْأَفْعَالِ وقال أَصْحَابُ مَالِكٍ يَكُونُ الْعُمُومُ في الْأَفْعَالِ كَالْأَقْوَالِ وَلِذَلِكَ اسْتَدَلُّوا على أَنَّ كُلَّ فِطْرٍ بِمَعْصِيَةٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْكَفَّارَةِ وقال أَصْحَابُنَا إطْلَاقُ مَعْنَى الْعُمُومِ يَصِحُّ في الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي وَدَلَائِلِ الْأَلْفَاظِ من مَفْهُومٍ أو دَلِيلِ خِطَابٍ وَكَذَلِكَ أَحْوَالُ الْفِعْلِ الْمَقْضِيِّ فيه بِحُكْمٍ من الْأَحْكَامِ إذَا تَرَكَ فيه التَّفْصِيلَ كَتَخْيِيرِ من أَسْلَمَ على أُخْتَيْنِ بَيْنَهُمَا وَمَنْ أَسْلَمَ على عَشْرٍ بِاخْتِيَارِ أَرْبَعٍ ولم نَسْأَلْهُ عن حَقِيقَةِ عُقُودِهِنَّ وَقَعْنَ مَعًا أو مُرَتَّبًا وَأَمَّا نَفْسُ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى الْعُمُومِ فيه كما رُوِيَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَهَا فَسَجَدَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال على أَنَّ كُلَّ سَهْوٍ يُوجِبُ السُّجُودَ الْخَامِسِ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ صِيَغِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّ الْأُصُولِيَّ إذَا أَطْلَقَ لَفْظَ الْعَامِّ لم يُفْهَمْ منه إلَّا اللَّفْظُ قال في الْبَدِيعِ بِمَعْنَى وُقُوعِ الشَّرِكَةِ في الْمَفْهُومِ لَا بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ في اللَّفْظِ يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَامًّا حَقِيقَةً أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِكَ في مَفْهُومِهِ كَثِيرُونَ في مَعْنَاهُ وَلَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ اللَّفْظِ عَامًّا كَوْنَهُ مُشْتَرَكًا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ كَالْقُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً في الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ بَلْ الِاشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ وقال الْإِبْيَارِيُّ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ إنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ لَا يُظَنُّ بِهِ إنْكَارُ كَلَامِ النَّفْسِ وَإِنَّمَا الظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصِّيَغَ لِلِاحْتِيَاجِ إلَى مَعْرِفَةِ وَضْعِ اللُّغَةِ فيها انْتَهَى وَأَمَّا في الْمَعَانِي فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَامًّا حَقِيقَةً وإذا أُضِيفَ الْعُمُومُ إلَى مَعْنًى كَقَوْلِنَا هذا حُكْمٌ عَامٌّ أو قَضِيَّةٌ أو حَدِيثٌ عَامٌّ فَهُوَ من قَبِيلِ الْإِطْلَاقِ الْمَجَازِيِّ أَيْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْنَى بِحَقِّ الْأَصْلِ أَنْ يُوصَفَ بِالْعُمُومِ وَإِنَّمَا هو بِحَسَبِ الِاسْتِعَارَةِ إمَّا من اللَّفْظِ أو نَظَرٍ إلَى شُمُولِ مَجْمُوعِ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِمَجْمُوعِ مَحَالِّهِ وَكَذَا إطْلَاقُ الْعُمُومِ في الْعِلَّةِ وَالْمَفْهُومِ وَنَحْوِهِمَا فَمَنْ أَطْلَقَ عليها الْعُمُومَ لَا يُنَاقِضُ اخْتِيَارَهُ هُنَا أَنَّ الْمَعْنَى لَا يُسَمَّى عَامًّا لِأَنَّ ذلك إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ وقال ابن بَرْهَانٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ من صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّا إذَا قُلْنَا مُسْلِمُونَ أو الْمُسْلِمُونَ عَادَ الِاسْتِغْرَاقُ إلَى الصِّيغَةِ فإن الصِّيغَةَ الْمُتَّحِدَةَ هِيَ الْمُتَنَاوِلَةُ لِلْكُلِّ وقال قَوْمٌ يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ في الْمَعَانِي تَقُولُ الْعَرَبُ عَمَّهُمْ الْخَصْبُ وَالرَّجَاءُ وَغَيْرُ ذلك وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فإن الْمَعَانِيَ في هذه الصُّورَةِ مُتَعَدِّدَةٌ فإن ما خَصَّ هذه الْبُقْعَةَ غَيْرُ ما خَصَّ الْأُخْرَى وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في تَعْلِيقِهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ حَقِيقَةً إلَّا على الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَا يَشْمَلُ الْكُلَّ فإن اللَّذَّةَ التي حَصَلَتْ لِزَيْدٍ غَيْرُ التي حَصَلَتْ لِعَمْرٍو وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ الْجُمْهُورُ على أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ إلَّا الْقَوْلُ فَقَطْ وَذَهَبَ قَوْمٌ من أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ ادِّعَاؤُهُ في الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ حَمْلُ الْكَلَامِ على عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ لم تَكُنْ هُنَاكَ صِيغَةٌ تَعُمُّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ أَيْ نَفْسُ الْمَيْتَةِ وَعَيْنُهَا لَمَّا لم يَصِحَّ تَنَاوُلُ التَّحْرِيمِ لها عَمَّ التَّحْرِيمُ جَمِيعَ التَّصَرُّفِ من الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَاللَّمْسِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ وَإِنْ لم يَكُنْ لِلْأَحْكَامِ ذِكْرٌ في التَّحْرِيمِ بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ وَكَذَا قَوْلُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ عَامٌّ في الْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالِ وَاَلَّذِي يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ اخْتِصَاصُهُ بِالْقَوْلِ وَإِنَّ وَصْفَهُمْ الْجَوْرَ وَالْعَدْلَ بِأَنَّهُ عَامٌّ مَجَازٌ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ الْعُمُومُ لَا يَدْخُل في الْمَعَانِي على الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْتِظَامُهَا تَحْتَ لَفْظٍ وَاحِدٍ إلَّا إذَا اخْتَلَفَتْ في أَنْفُسِهَا وإذا اخْتَلَفَتْ تَدَافَعَتْ وَهَذَا كَالْمُشْتَرَكِ فَلَا عُمُومَ له بَلْ هو بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلِّ وقال وَذَكَرَ أبو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ أَنَّ الْعُمُومَ ما يَنْتَظِمُ جَمْعًا من الْأَسَامِي وَالْمَعَانِي وَكَأَنَّهُ غَلَطٌ منه في الْعِبَارَةِ دُونَ الْمَذْهَبِ فإنه ذَكَرَ من بَعْدُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ له وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْمَعَانِي مَعْنًى وَاحِدًا عَامًّا كَقَوْلِنَا خِصْبٌ عَامٌّ وَمَطَرٌ عَامٌّ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ ذَكَرَ أبو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ في الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ كما هو في الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْفَاظِ وهو غَلَطٌ فإن الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَعَانِيَ حَقِيقَةً وَإِنْ كانت تُوصَفُ بِهِ مَجَازًا وَهَذَا خِلَافُ طَرِيقَةِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ فإنه حُكِيَ عن مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الْمَعَانِي أَيْضًا وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَعَمَّمَ الْحَقِيقَةَ في الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِعُمُومِ الْمَطَرِ وَالْخِصْبِ ثُمَّ قال وَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْحَقُّ هو التَّفْصِيلُ بين الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ في الْخَارِجِ وَبَيْنَ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ الْمَوْجُودَةِ في الْأَذْهَانِ فَإِنْ عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ الْمَعَانِيَ غير مَوْصُوفَةٍ بِالْعُمُومِ الْمَعَانِيَ الْمَوْجُودَةَ خَارِجَ فَهُوَ حَقٌّ لِأَنَّ كُلَّ ما له مَوْجُودٌ في الْخَارِجِ فإنه لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَصِّصًا بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ وَحَالٍ مَخْصُوصٍ وَمُتَخَصِّصًا بِعَوَارِضَ لَا تُوجَدُ في غَيْرِهِ وَعِنْدَ ذلك يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ وَإِنْ عَنَوْا بِهِ مُطْلَقَ الْمَعَانِي سَوَاءٌ كانت ذِهْنِيَّةً أو خَارِجِيَّةً فَهُوَ بَاطِلٌ فإن الْمَعَانِيَ الْكُلِّيَّةَ الذِّهْنِيَّةَ عَامَّةٌ بِمَعْنَى أنها مَعْنًى وَاحِدٌ مُتَنَاوِلٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ قال وَلَا يَجْرِي هذا التَّفْصِيلُ في اللَّفْظِ إذْ لَا وُجُودَ له في الْخَارِجِ وَأَمَّا تَخْصِيصُ وُجُودِهِ بِاللِّسَانِيِّ فَلَا يَمْنَعُ من حَمْلِهِ وَدَلَالَتِهِ على مُسَمَّيَاتِهِ انْتَهَى وقال الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ إنْ كان الْخِلَافُ في الْإِطْلَاقِ اللُّغَوِيِّ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ أَيْ وَيَصِيرُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَإِنْ كان في وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِمُتَعَدِّدٍ فَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ في الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ في الْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ وَالْأُصُولِيُّونَ يُنْكِرُونَ وُجُودَهَا قُلْت وَصَرَّحَ الْهِنْدِيُّ في الرِّسَالَةِ السَّيْفِيَّةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ في اللُّغَةِ فقال الْعُمُومُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ خَاصَّةً بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ إجْمَاعًا وَكَذَا اللُّغَةُ على الْمُخْتَارِ وَقِيلَ من عَوَارِضِ الْمَعَانِي أَيْضًا انْتَهَى وَفَصَّلَ ابن بَرْهَانٍ بين الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ مِثْلَ حِكْمَةِ الرَّدْعِ في نَصْبِ الْقَتْلِ سَبَبًا فَهِيَ مِثْلُ الْحُكْمِ يَجْرِي فيها الْعُمُومُ وَبَيْنَ الْجُزْئِيَّةِ فَلَا يَجْرِي فيها الْعُمُومُ وقال الْآمِدِيُّ في غَايَةِ الْأَمَلِ لَعَلَّ من مَنَعَ عُرُوضَ الْعُمُومِ لِلْمَعَانِي لم يَكُنْ إلَّا لِنَظَرِهِ إلَى ما لَا يَنْحَصِرُ منها وَغَفْلَتِهِ عن تَحْقِيقِ مَعْنَى كُلِّيَّتِهَا فَتَحَصَّلْنَا على ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ أَحَدِهَا أَنَّهُ لَا يَعْرِضُهُمَا مُطْلَقًا وَالثَّانِي وهو قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَعْرِضُهُمَا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَالثَّالِثِ أَنَّهُ يَعْرِضُهُمَا حَقِيقَةً بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ الرَّابِعِ أَنَّهُ يَعْرِضُهُمَا حَقِيقَةً بِالتَّوَاطُؤِ فَتَكُونُ مَوْضُوعَةً لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بين اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ يُخَرَّجَانِ من كَلَامِ الْقَرَافِيِّ في كِتَابِهِ الْعِقْدِ الْمَنْظُومِ وَالْخَامِسِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الْمَعَانِي مَجَازٌ في الْأَلْفَاظِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ نَقَلَهُ ابن الْحَاجِبِ وهو غَرِيبٌ السَّادِسِ التَّفْصِيلُ بين الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ السَّابِعِ التَّفْصِيلُ بين الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ وَالثَّامِنِ الْوَقْفُ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ الْآمِدِيَّ فإنه أَبْطَلَ أَدِلَّةَ الْقَائِلِينَ بِالْحَقِيقَةِ وَالْقَائِلِينَ بِالْمَجَازِ ولم يَخْتَرْ منها شيئا فَدَلَّ على أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ وَيُخَرَّجُ على هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها أَنَّ الْمَفْهُومَ لَا عُمُومَ له على رَأْيِ الْغَزَالِيِّ لِأَنَّهُ ليس بِلَفْظٍ وَمِنْهَا دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ هل هِيَ عَامَّةٌ أَمْ لَا وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي تَأَمُّلُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ في أَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ الْمَعَانِي حَقِيقَةً وَأَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له وَمِنْهَا أَنَّ الْعَقْلَ هل يَخْتَصُّ وَمِنْهَا سُكُوتُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هل يَكُونُ دَلِيلًا عَامًّا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعَانِي هُنَا الْمَعَانِي الْمُسْتَقِلَّةُ وَلِهَذَا مَثَّلُوهُ بِالْمَفْهُومِ وَالْمُقْتَضَى لَا الْمَعَانِي التَّابِعَةِ لِلْأَلْفَاظِ فَتِلْكَ لَا خِلَافَ في عُمُومِهَا لِأَنَّ لَفْظَهَا عَامٌّ وقال الْقَرَافِيُّ اعْلَمْ أَنَّا كما نَقُولُ لَفْظٌ عَامٌّ أَيْ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَذَلِكَ نَقُولُ لِلْمَعْنَى إنَّهُ عَامٌّ أَيْضًا فَنَقُولُ الْحَيَوَانُ عَامٌّ في النَّاطِقِ وَالْبَهِيمَةِ وَالْعَدَدُ عَامٌّ في الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ وَاللَّوْنُ عَامٌّ في السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَالْمَطَرُ عَامٌّ وَهَذِهِ كُلُّهَا عُمُومَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ لَا لَفْظِيَّةٌ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِالْعُمُومِ في هذه الصُّوَرِ على هذه الْمَعَانِي عِنْدَ تَصَوُّرِنَا لها وَإِنْ جَهِلْنَا اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ بِإِزَائِهَا هل هو عَرَبِيٌّ أو عَجَمِيٌّ شَامِلٌ أو غَيْرُ شَامِلٍ وَأَمَّا عُمُومُ اللَّفْظِ فَلَا نَقُولُ هذا اللَّفْظُ عَامٌّ حتى نَتَصَوَّرَ اللَّفْظَ نَفْسَهُ وَنَعْلَمَ من أَيِّ لُغَةٍ هو وَهَلْ وَضَعَهُ أَهْلُ تِلْكَ اللُّغَةِ عَامًّا شَامِلًا أو غير شَامِلٍ فَلَوْ وَجَدْنَاهُ شَامِلًا سَمَّيْنَاهُ عَامًّا وَإِنْ لم نَجِدْهُ شَامِلًا لم نُسَمِّهِ عَامًّا عُمُومَ الشُّمُولِ وقد نُسَمِّيهِ عَامًّا عُمُومَ الصَّلَاحِيَةِ فَقَدْ ظَهَرَ حِينَئِذٍ أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ يَصْلُحُ لِلْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَهَلْ ذلك بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ أو بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ فيه ما سَبَقَ الثَّانِي أَنَّ هذا الْخِلَافَ فَرَضُوهُ في الْعَامِّ ولم يُجْرُوهُ في الْخُصُوصِ هل هو حَقِيقَةٌ في الْمَعَانِي أَمْ لَا وَلَا شَكَّ في طَرْدِهِ قال الْمُقْتَرِحُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ اخْتَلَفُوا على مَذْهَبَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْعَامَّ رَاجِعٌ إلَى وَصْفِ مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ كَالْخَبَرِ فإنه مُتَعَلِّقٌ بِمُخْبِرِينَ وَالْعِلْمِ بِمَعْلُومِينَ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا صِفَتَانِ زَائِدَتَانِ على الْمَعَانِي وَهُمَا من أَقْسَامِ الْكَلَامِ الثَّالِثُ قال الْقَرَافِيُّ اصْطَلَحُوا على أَنَّ الْمَعْنَى يُقَالُ له أَعَمُّ وَأَخَصُّ وَاللَّفْظُ يُقَالُ له عَامٌّ وَخَاصٌّ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ أَعَمَّ صِيغَةُ أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ وَالْمَعَانِي أَفْضَلُ من الْأَلْفَاظِ فَخُصَّتْ بِصِيغَةِ أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ وَإِطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ يُخَالِفُ هذا الِاصْطِلَاحَ الرَّابِعُ الْمَعْرُوفُ من إطْلَاقَاتِهِمْ أَنَّ الْأَخَصَّ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْأَعَمِّ وَوَقَعَ في عِبَارَةِ صَاحِبِ الْمُقْتَرَحِ الْأَعَمُّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْأَخَصِّ قال بَعْضُ شَارِحِيهِ وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ إنْ كَانَا في الْأَلْفَاظِ فَالْأَخَصُّ مِنْهُمَا مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْأَعَمِّ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ مَثَلًا يَتَنَاوَلُ زَيْدًا الْمُشْرِكَ بِخُصُوصِهِ وَإِنْ كَانَا في الْمَعَانِي فَالْأَعَمُّ منها مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْأَخَصِّ لِأَنَّ زَيْدًا إذَا وُجِدَ بِخُصُوصِهِ انْدَرَجَ فيه عُمُومُ الْجَوْهَرِيَّةِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّة وَالنَّاطِقِيَّةِ مَسْأَلَةٌ في عُمُومِ الْمَجَازِ وَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْعُمُومُ بِالْمَجَازِ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ فَلَا يَدْخُلُ الْعُمُومُ إلَّا في الْحَقَائِقِ وَالثَّانِي يَدْخُلُ فيه الْمَجَازُ كَالْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُخَاطِبُ بِهِ كما تُخَاطِبُ بِالْحَقِيقَةِ قُلْت وَالْأَوَّلُ صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قال فإنه على خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقْصَرُ على الضَّرُورَةِ كما قال أَصْحَابُنَا إنَّ ما ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ عُمُومِ الْمُقْتَضِي وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَيْسَ الْمَجَازُ مُخْتَصًّا بِمَحَالِّ الضَّرُورَاتِ بَلْ هو عِنْدَ قَوْمٍ غَالِبٌ على اللُّغَاتِ وَعَزَى صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ لِلشَّافِعِيِّ وقال بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ الْمَجَازُ الْمُقْتَرِنُ بِشَيْءٍ من أَدِلَّةِ الْعُمُومِ كَالْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَنَحْوِهِ لَا خِلَافَ في أَنَّهُ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ ما يَصْلُحُ له اللَّفْظُ من أَنْوَاعِ الْمَجَازِ كَالْحُلُولِ وَالسَّبَبِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَنَحْوِهِ أَمَّا إذَا اُسْتُعْمِلَ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ كَلَفْظِ الصَّاعِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيمَا يَحِلُّهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ أَفْرَادِ ذلك الْمَعْنَى لِأَنَّ هذه الصِّيَغَ لِلْعُمُومِ من غَيْرِ فَرْقٍ بين كَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً في الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ أو الْمَجَازِيَّةِ وَنُقِلَ عن بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَعُمُّ حتى إذَا أُرِيدَ الْمَطْعُومُ اتِّفَاقًا لَا يَثْبُتُ غَيْرُهُ من الْمَكِيلَاتِ لِأَنَّ الْمَجَازَ ضَرُورِيٌّ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإِيرَادِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا يَثْبُتُ الْكُلُّ كَالْمُقْتَضَى وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالضَّرُورَةِ من جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ في الِاسْتِعْمَالِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لم يَجِدْ طَرِيقًا لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى سِوَاهُ فَمَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْمَجَازِ لِأَغْرَاضٍ مع الْقُدْرَةِ على الْحَقِيقَةِ وَإِنْ أُرِيدَ من جِهَةِ الْكَلَامِ وَالسَّامِعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَجَبَ الْحَمْلُ على الْمَجَازِ ضَرُورَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْغَاءُ الْكَلَامِ فَلَا نُسَلِّمُ قال وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ عُمُومِ الْمَجَازِ مِمَّا لم نَجِدْهُ مَنْقُولًا في كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ في قَوْلِنَا جَاءَنِي الْأُسُودُ الرُّمَاةُ إلَّا زَيْدًا وَتَخْصِيصُهُمْ الصَّاعَ بِالْمَطْعُومِ مَبْنِيٌّ على قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ لَا على عَدَمِ عُمُومِ الْمَجَازِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ لَا يَصِحُّ دُخُولُ الْمَجَازِ في الِاسْمِ الْعَامِّ كَقَوْلِنَا مَعْلُومٌ وَمَذْكُورٌ وَمُخْبَرٌ عنه مسألة القائلون ليس للعموم صيغة تخصه اختلفوا في أصل صيغته على مذاهب أحدها وهم الملقبون بأرباب الخصوص أنه ليس للعموم صيغة تخصه وأن ما ذكروه من الصيغ موضوع للخصوص وهو أقل الجمع إما اثنان أو ثلاثة ولا يقتضي العموم إلا بقرينة وبه قال ابن المنتاب من المالكية ومحمد بن شجاع البلخي من الحنفية وغيرهما وقال القاضي في التقريب والإمام في البرهان يزعمون أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الجمع محتملات فيما عداه إذا لم تثبت قرينة تقتضي تعديها عن أقل المراتب وقال أبو الحسين في المعتمد يشبه أن يكونوا جعلوا لفظة من حقيقة في الواحد مجازا في الكل وجعلوا بقية ألفاظ العموم حقيقة في جمع غير مستغرق لأنه يبعد أن يجعلوا ألفاظ الجمع المعرف باللام كالمسلمين حقيقة في الواحد مجازا في الجمع ولفظ كل وجميع أبعد الذين قالوا للعموم صيغة حقيقية تخصه والثاني أن له صيغة مخصوصة بالوضع حقيقة وتستعمل مجازا في الخصوص لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة لتعذر جميع الآحاد على المتكلم فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة كألفاظ الآحاد والخصوص لأن الغرض من وضع اللغة الإعلام والإفهام كما عكسوا في الترادف فوضعوا للشيء الواحد أسماء مختلفة للتوسع وهو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم قال القاضي عبد الوهاب مذهب مالك وكافة أصحابه أن للعموم صيغة =================================================ج9. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي ومن يتتبع كلامه في الموطإ يجد من استدلاله بالعموم كثيرا قال وهو قول الفقهاء بأسرهم وقال ابن حزم وهو قول جميع أهل الظاهر وبه نأخذ تحقيق مذهب الشافعي وقال الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام زعمت طائفة من أصحابنا أن مذهب الشافعي أن الآية إذا وردت ظاهرة في العموم لا يقضى عليها بعموم ولا خصوص إلا بدليل من خارج قال وهذا الذي قال ضده وقول الشافعي سواء لأنه الذي قد اشتهر به في كتبه وعند خصومه أن الكلام على عمومه وظاهره حتى تأتي دلالة تقوم على أنه خاص دون عام وعلى أنه باطن دون ظاهر وقد قال رضي الله عنه في الرسالة الكلام على عمومه وظاهره حتى تأتي دلالة تدل على خصوصه وقال أيضا ما نصه فكل خطاب في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في كلام الناس فهو على عمومه وظهوره إلا أن يأتي دلالة تدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر ثم قال وإذا وجدت خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجملا فهو على عمومه وظاهره إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر فيستدل بذلك ثم قسم القرآن والأخبار على ذلك قال فثبت من هذا أن مذهب الشافعي أن الكلام من كل مخاطب على ما اشتمل عليه الاسم ما لم يمنع من إجراء الاسم عليه دليل ومعنى قوله إلا أن يأتي دلالة يجوز على نفسه استتار الدليل من خبر أو غيره فإذا علم صار إليه وعلم أن الكلام كان عاما ثم ذكر الصيرفي نصوصا للشافعي كثيرة صريحة في ذلك بل قطعية فيه قال والدليل القطعي قائم عليه وإنما يثبت هنا أن ذلك مذهب الشافعي وأني لم أقلده فيه لقيام البرهان عليه ثم بين وجه شبهة الناقلين عن الشافعي الوقف ثم ردها ثم قال ولا يقال إن له في المسألة قولين لأن هذا غير معروف بل المعروف بينه وبين أصحابه ما وصفت لك منهم المزني وأبو ثور والبويطي والحسين الكرابيسي والأشعري وداود وسائر الشافعيين هذا كلام الصيرفي وعجيب نقله القول بالصيغة عن الأشعري وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني قال الشافعي في الرسالة كل كلام كان عاما ظاهرا فهو على عمومه وظهوره حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إنما أراد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض وقال في كتاب أحكام القرآن قال لي قائل تقول الحديث على عمومه وظهوره وإن احتمل معنى غير العام والظاهر حتى يأتي دلالة على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر قلت فكذلك أقول وقال في كتاب اختلاف الحديث القرآن عربي كما وصفت والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها وليس لأحد أن يحيل منها ظاهرا إلى باطن ولا عاما إلى خاص إلا بدلالة وقال الشيخ أبو حامد وهذا صحيح العموم عندنا له صيغة إذا أوردت مجردة عن القرائن دلت على استغراق الجنس هذا مذهبنا وبه قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وداود وأهل الظاهر وبه قال من المتكلمين الجبائي وطائفة وذهبت طائفة إلى أن هذه الألفاظ إذا وردت فإنها تحمل على أقل الخصوص حتى يدل دليل على أن المراد بها زيادة على ذلك ثم اختلفوا في قدر ما يحمل عليه فمنهم من قال يحمل على اثنين ومنهم من قال على ثلاثة ذهب إلى هذا جماعة من المعتزلة منهم أبو هاشم وغيره وذهبت الأشعرية إلى الوقف الذين لا يثبتون للعموم صيغة لفظية والثالث أن شيئا من الصيغ لا يقتضي العموم ولا مع القرائن بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم وهو قول جمهور المرجئة ونسب إلى الأشعري قال في البرهان نقل مصنفون المقالات عن أبي الحسن الأشعري والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل على الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتني منهم أحد وإنما كرر هذه الألفاظ قطعا لتوهم يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى وما ادعى فيه الوفاق فهو محل الخلاف صرح به في كتاب التلخيص من التقريب للقاضي وسيأتي وليس مراده بالجمع القدر المخصوص من ثلاثة أو اثنين إنما مراده الشمول بدليل المثال المذكور القائلون بالوقف والرابع الوقف ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشيخ أبي الحسن ومعظم المحققين وذهب إليه وحقيقة ذلك أنا سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم وسواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد وقال الإمام في البرهان ومما زل فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتابعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد وهذا إن صح النقل فيه مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائلين رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين فأما ألفاظ صحيحة صريحة تفرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها انتهى وقد أنكر عليه المازري في إمكان النقل عن الواقفية وإن تقيدت بالقرائن قال وهذا منصوص عليه في كتب أئمتهم ولو سلم له ذلك فإنما يقتضي إنكار وجود لفظة تقتضي الاستيعاب على حسب ما ذكروه وأشار إلى أن تلك الصور إنما استفيد العموم منها بإضافة قرائن استشعرت من المتكلم بهذه الألفاظ التابعة للصيغة وقال أبو الحسين بن القطان شذت طائفة من أصحابنا فنسبت هذا القول للشافعي لأشياء يتعلق به كلامه لأنه قال في مواضع من الآي يحتمل الخصوص ويحتمل العموم ولم يرد الشافعي ما ذهبوا إليه وإنما احتمل عنده أن ترد دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص لا أن حقه الاحتمال وكذلك أبو بكر الصيرفي حكى قول الوقف عن الشافعي قال ولا يقال له في المسألة قولان واختاره أبو الحسين البصري في بعض كتبه ونقل الماوردي والروياني في كتاب الأقضية عن الظاهرية الذي نقله الصيرفي عن داود القول بالصيغة مذاهب الواقفية في محل الوقف واختلفت الواقفية في محل الوقف على ستة أقوال وفي صفته على قولين فأما محله فالمشهور من مذهب أئمتهم القول به على الإطلاق من غير تفصيل والثاني أن التوقف في أخبار الوعد والوعيد دون الأمر والنهي وحكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي قال وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة لأنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة وليس ذلك مدركه بل لأن الأدلة الموجبة للوعيد بالتخليد في النار إنما انتهضت في حق الكفار بدلائل من خارج والثالث عكسه وهم جمهور المرجئة فقالوا بصيغ العموم في الوعد والوعيد وتوقفوا فيما عدا ذلك والرابع الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها والخامس الوقف في الوعيد دون الوعد قال القاضي وفرقوا بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق والسادس التفصيل بين أن لا يسمع قبل اتصالها به شيء من أدلة السمع وكانت وعدا أو وعيدا فيعلم أن المراد بها العموم وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص فلا يعلم حينئذ العموم في الأخبار التي اتصلت به حكاه القاضي في مختصر التقريب السابع الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشارع منه صلى الله عليه وسلم فأما من سمع منه وعرف تصرفاته فيه ما بين عموم وخصوص فإنه لا يقف كذا حكاه المازري وهو عكس ما قبله الثامن التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد فيكون للعموم دون ما إذا لم يتقيد فلفظ الناس مثلا إذا قلنا إنه لا يعم حالة الإطلاق سلم أنه عام في مثل قولك الناس أجمعون عن آخرهم صغيرهم وكبيرهم لا يشذ منهم أحد إلى غير ذلك حكاه القاضي قال والمحققون من الواقفية يقولون وإن قيدت بهذه القيود فليس موضوعة للاستغراق في اللغة ولكن قد يعرف عمومها بقرائن الأحوال المتقربة بالمقام وهي مما ينحصر بالعبارة كما يعرف بالقرائن وجل الوجل وإن كانت القرائن لا توجب معرفتها ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندنا والتاسع أن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم دون غيرهما حكاه المازري عن بعض المتأخرين قال ويمكن أن يكون هذا من أحكام الشرع في الأحكام اللغوية كأحكامه في الصلاة والحج والصوم مذهب الواقفية في صفة الوقف وأما صفة الوقف فقد اختلف النقل فيه عن الشيخ وأصحابه فنقل عنهم مذهبان أحدهما أن اللفظ مشترك بين الواحد اقتصارا عليه وبين أقل الجمع فما فوقه اشتراكا لفظيا كالقرء والعين ونحوهما أي أنه موضوع لهما وضعا متساويا حكاه المازري والأصفهاني وهذا فيما يحمل من الصيغ على الواحد كمن وما وأي ونحوها وأما ألفاظ الجموع فهي مشتركة بين أقل الجمع وبين ما فوقه اشتراكا لفظيا والثاني نفي العلم بكيفية الوضع من أصله ويقولون هي مستعملة للعموم والخصوص ولكن لا ندري هل ذلك على وجه الحقيقة أو المجاز وحكى ابن الحاجب هذين القولين على وجه آخر أحدهما أنا لا ندري هل وضعت هذه الصيغة للعموم أم لا والثاني أنا ندري أنها استعملت للعموم ولكن لا ندري أذلك على وجه الحقيقة أم لا ونقل قول الاشتراك في أصل المسألة مباينا لقول الوقف واعلم أن الواقفية وإن قالوا بأن اللفظ لم يوضع لخصوص ولا عموم فقالوا إنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه وجعل إمام الحرمين الخلاف في غير الصيغ المؤكدة وأما هي فلا خلاف في اقتضائها العموم وحكى القاضي في التقريب وتبعه هو في التلخيص الخلاف مع التأكيد أيضا نعم قال بعضهم ما يدل على العموم من الصيغ بحكم القرائن المنفصلة إما عرفا أو عقلا أو غير ذلك لا خلاف فيه فإن المخالف في العموم لم ينكر أن في الكلام ما يدل على العموم فإن العموم وقصد إفادته ضروري وأما المنكرون فأنكروا أن يكون للعموم صيغة خاصة موضوعة للدلالة عليه وجعل غيره منشأ الخلاف أمرين أحدهما أن التأكيد بالجمع في لفظ الجمع هل إنما حسن لمكان احتمال إرادة الخصوص أو لكون اللفظ صالحا للاستيعاب والثاني هو أن الاستثناء هل هو استخراج ما تتناوله الصيغة أو ما يجب دخوله تحت الصيغة أم هو استخراج ما اللفظ صالح لتناوله ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد الواردة في الكتاب والسنة كقوله وإن الفجار لفي جحيم وقوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ونحوه ومع المرجئة في عموم الوعد نفى أن يكون هذه الصيغ موضوعة للعموم وتوقف فيها وتبعه جمهور أصحابه وقال أبو نصر بن القشيري في كتابه في باب المفهوم لم يصح عندنا عن الشيخ إنكار الصيغ بل الذي صح عنه أنه لا ينكرها ولكن قال في معارضاته في أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ قال سر مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما يطلب فيه القطع وهذا هو الحق المبين ولم يمنع من العمل بالظواهر في مظان الظنون وقد سبق أن الصيرفي حكى عن الشيخ القول بالصيغ كالشافعي تنبيه زعم الشريف المرتضى في الذريعة أن الخلاف في هذه المسألة بالنسبة إلى وضع اللغة أنه هل يقتضي الاستغراق ولا خلاف في أن الشرع يقتضيه مَسْأَلَةٌ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ الْعَامَّةِ ليس أَمْرًا كُلِّيًّا وَإِلَّا لَمَا دَلَّ على جُزْئِيَّاتِهِ لِأَنَّ الدَّالَّ على الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَدُلُّ على شَيْءٍ من جُزْئِيَّاتِهِ أَلْبَتَّةَ وَلَيْسَ كُلًّا مَجْمُوعًا وَإِلَّا لَحَصَلَ الِامْتِثَالُ بِتَرْكِ قَتْلِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ إذَا قِيلَ لَا تَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ بَلْ مَدْلُولُهَا كُلِّيَّةً أَيْ مَحْكُومٌ فيه على كل فَرْدٍ فَرْدٌ مُطَابَقَةً سَلْبًا أو إيجَابًا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ منهم الشَّيْخُ الْأَصْفَهَانِيُّ خِلَافًا لِلسُّهْرَوَرْدِيِ وَالْقَرَافِيِّ حَيْثُ أَخْرَجَاهُ من أَقْسَامِ الدَّلَالَةِ وَمِنْهُمْ من قال إنَّمَا هِيَ كُلِّيَّةٌ في غَيْرِ جَانِبِ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ عِنْدَ تَأَخُّرِ كُلٍّ وَنَحْوِهَا عن أَدَوَاتِ النَّهْيِ أو النَّفْيِ نَحْوُ ما جاء كُلُّ الرِّجَالِ وَلَا يُعْرَفُ كُلُّ الرِّجَالِ فَإِنَّهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ لَا الْأَفْرَادِ قال الْقَرَافِيُّ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْفَرْدِ الْوَاحِدِ كَالْمُشْرِكِينَ على زَيْدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُ ليس تَمَامُ مُسَمَّى الْمُشْرِكِينَ وَلَا بِالِالْتِزَامِ لِأَنَّهُ ليس خَارِجًا وَلَا بِالتَّضْمِينِ لِأَنَّهُ ليس جُزْءَ الْمُسَمَّى إذْ الْجُزْءُ مُقَابِلُ الْكُلِّ وَالْعُمُومُ كُلِّيٌّ لَا كُلٌّ كما عَرَفْت فَإِذَنْ لَا يَدُلُّ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ على زَيْدٍ لِانْتِفَاءِ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ وإذا لم يَدُلَّ بِذَلِكَ بَطَلَ أَنْ يَدُلَّ لَفْظُ الْعُمُومِ مُطْلَقًا لِانْحِصَارِ الدَّلَالَةِ في الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَأَجَابَ عنه الْأَصْفَهَانِيُّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمُطَابَقَةِ وقال نَحْنُ حَيْثُ قُلْنَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ مُطَابَقَةً أو تَضَمُّنًا أو الْتِزَامًا فَذَلِكَ في لَفْظٍ مُتَرَدِّدٍ دَالٍّ على مَعْنًى ليس ذلك الْمَعْنَى نِسْبَةً بين مُفْرَدَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى هُنَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ وإذا عُرِفَ هذا فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ في قُوَّةِ جُمَلٍ من الْقَضَايَا وَذَلِكَ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ اُقْتُلْ هذا الْمُشْرِكَ وَهَذَا وَهَذَا إلَى آخِرِ الْأَفْرَادِ وَهَذِهِ الصِّيَغُ إذَا اُعْتُبِرَتْ بِجُمْلَتِهَا فَهِيَ لَا تَدُلُّ على زَيْدٍ الْمُشْرِكِ وَلَكِنَّهَا تَتَضَمَّنُ ما يَدُلُّ على مِثْلِهِ لَا بِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَيْدًا بَلْ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فَرْدًا ضَرُورَةُ تَضَمُّنِهِ اُقْتُلْ زَيْدًا الْمُشْرِكَ فإنه من جُمْلَةِ هذه الْقَضَايَا وَهِيَ جُزْءٌ من مَجْمُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا فَتَكُونُ دَلَالَةُ هذه الصِّيغَةِ على وَجْهَيْنِ قَتْلِ زَيْدٍ الْمُشْرِكِ لِتَضَمُّنِهَا ما يَدُلُّ على ذلك الْوُجُوبِ وَاَلَّذِي هو في ضِمْنِ ذلك الْمَجْمُوعِ هو دَالٌّ على ذلك مُطَابَقَةً قال فَافْهَمْ ذلك فإنه دَقِيقُ الْكَلَامِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَ نَحْوُ قَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فإن فيه عُمُومَاتٍ أَحَدُهَا في الْمُشْرِكِينَ وَالثَّانِي في الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ وَدَلَالَةُ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ فَيَكُونُ أَمْرُ كل فَرْدٍ بِقَتْلِ كل فَرْدٍ فَرْدٌ من الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْمُسْتَحِيلِ وهو غَيْرُ وَاقِعٍ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّهُ وَإِنْ كان ظَاهِرُ اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ على خِلَافِهِ فَيُحْمَلُ على الْمُمْكِنِ دُونَ الْمُسْتَحِيلِ قال بَعْضُهُمْ هذا السُّؤَالُ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا لِأَنَّ الْفَرْدَ الْوَاحِدَ من الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْتُلَ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ مَسْأَلَةٌ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْأَفْرَادِ هل هِيَ قَطْعِيَّةٌ إذَا ثَبَتَ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْأَفْرَادِ فَاخْتَلَفُوا هل هِيَ قَطْعِيَّةٌ أو ظَنِّيَّةٌ وَالثَّانِي هو الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْأَوَّلُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ قال صَاحِبُ اللُّبَابِ منهم وأبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ دَلَالَةُ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِعُمُومِهِ قَطْعًا وَإِحَاطَتَهُ كَالْخَاصِّ إنْ كان النَّصُّ مَقْطُوعًا بِهِ وقال الشَّافِعِيُّ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْخَاصَّ يَنْسَخُ الْعَامَّ وَالْعَامَّ الْخَاصَّ لِاسْتِوَائِهِمَا رُتْبَةً وَعِنْدَهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَيَمْتَنِعُ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ وَلِهَذَا قال أَصْحَابُنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِخَاتَمٍ ثُمَّ لِعَمْرٍو بِفَصِّهِ في كَلَامٍ مَفْصُولٍ بِالْحَلَقَةِ لِلْأَوَّلِ على الْخُصُوصِ وَالْفَصُّ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّ الْفَصَّ بِوَصِيَّةٍ عَامَّةٍ لِلْفَصِّ وَالْخَاتَمِ وَالثَّانِي اسْتَحَقَّ الْفَصَّ بِوَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَزَاحَمَهُ بِالْمُشَارَكَةِ معه انْتَهَى وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ النَّقْلَ عن الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْحُولِ عن الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ الذي صَحَّ عِنْدَنَا من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصِّيغَةَ إنْ تَجَرَّدَتْ عن الْقَرَائِنِ فَهِيَ نَصٌّ في الِاسْتِغْرَاقِ وَإِنْ لم يَقْطَعْ بِانْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ فَالتَّرَدُّدُ بَاقٍ وَجَرَى عليه الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وزاد حِكَايَتَهُ عن الْمُعْتَزِلَةِ قال وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ فَالْمُعْتَزِلَةُ تَلَقَّوْهُ من اسْتِحَالَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن الْخِطَابِ فَلَوْ كان الْمُرَادُ بِهِ غير ما هو ظَاهِرٌ لَكَانَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ وهو مُحَالٌ وَالشَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ وَارِدًا على كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ لِاقْتِرَانِ اللَّفْظَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قال وَهَذَا بَحْثٌ لُغَوِيٌّ يَفْتَقِرُ إلَى النَّقْلِ وقد رَأَيْت من يُنْكِرُ على الْإِبْيَارِيِّ هذا النَّقْلَ عن الشَّافِعِيِّ ظَنًّا منه تَفَرُّدَهُ بهذا نعم قد أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أبو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِإِلْكِيَا فقال في كِتَابِهِ التَّلْوِيحِ نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا تَعَرَّتْ عن الْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ كانت نَصًّا في الِاسْتِغْرَاقِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالٌ وَهَذَا لم يَصِحَّ عنه وَإِنْ صَحَّ عنه فَالْحَقُّ غَيْرُهُ فإن الْمُسَمَّيَاتِ النَّادِرَةَ يَجُوزُ أَنْ لَا تُرَادَ بِلَفْظِ الْعَامِّ وَيَجِبُ منه أَنَّ التَّخْصِيصَ إذَا وَرَدَ في مَوْضِعٍ آخَرَ كان نَسْخًا وَذَلِكَ خِلَافُ رَأْيِ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى وَلَعَلَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ في نَقْلِهِ عن الشَّافِعِيِّ كَوْنَهَا قَطْعِيَّةً أَخَذَهُ من قَوْلِهِ إنَّهَا نَصٌّ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن الشَّافِعِيَّ يُسَمِّي الظَّوَاهِرَ نُصُوصًا كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ عنه في مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا هو الْحَقُّ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فإنه قال وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعُمُومَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ من الْمُسَمَّيَاتِ وقد سَمَّى الشَّافِعِيُّ الظَّوَاهِرَ نُصُوصًا في مَجَارِي كَلَامِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُسَمِّيَ الْعُمُومَ نَصًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَلِأَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا يَدْخُلُ فيه من الْمُسَمَّيَاتِ ليس بِأَرْفَعِ وُجُوهِ الْبَيَانِ وَلَكِنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ في الِاسْتِيعَابِ لِأَنَّهُ يَبْتَدِرُ إلَى الْفَهْمِ ذلك مع أَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وهو الْخُصُوصُ انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ في الْكَلَامِ على أَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ نَصًّا في بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قال أَصْحَابُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا في بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ وَهِيَ الظَّاهِرَةُ التي يَقْطَعُ بِكَوْنِهَا مَقْصُودَةَ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَاسْتَخْرَجَهَا عن مُقْتَضَى الْعَامِّ وَيَكُونُ ظَاهِرًا في الْبَعْضِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الشَّرْعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ فَحِينَئِذٍ تَقُولُ شَمِلَهُ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ وَفَرَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بين أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَغَيْرِهَا فَرَأَى أَنَّ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ تَدُلُّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً وَإِنَّمَا نَقَلَ التَّخْصِيصَ بِنَاءً على الْقَرَائِنِ وَرَأَى أَنَّ جَمْعَ الْكَثْرَةِ يَدُلُّ ظَاهِرًا لَا قَطْعِيًّا وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ ظَاهِرٌ فِيمَا وَرَاءَهُ وَخَصَّ الْمَازِرِيُّ الْخِلَافَ بِمَا زَادَ على أَقَلِّ الْجَمْعِ أَمَّا ما دُونَهُ فَدَلَالَتُهُ عليه قَطْعِيَّةٌ وَالْمُخْتَارُ الذي عليه أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ دَلَالَتَهُ عليه بِطَرِيقِ الظُّهُورِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَأْكِيدُ الصِّيَغِ الْعَامَّةِ إذْ لَا فَائِدَةَ فيه وقد قال تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ وَيُبْنَى على هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها وُجُوبُ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَمِنْهَا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنِّيَّيْنِ ابْتِدَاءً وَالْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَأَنَّ الْخَاصَّ لَا يَصِيرُ مَنْسُوخًا بِالْعَامِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ خَبَرَ الْعَرَايَا على خَبَرِ التَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُمْ الْعَامُّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ وَالْخَاصُّ مَقْطُوعُ الدَّلَالَةِ لَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ فيه قَطْعِيَّةٌ بَلْ إنَّ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالْخَاصَّ لَا يَحْتَمِلُهُ فَرْعٌ لو قال في الْإِقْرَارِ له عِنْدِي خَاتَمٌ ثُمَّ قال ما أَرَدْت الْفَصَّ فَفِي قَوْلِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْفَصَّ مُتَنَاوَلٌ لِاسْمِ الْخَاتَمِ فَهُوَ رُجُوعٌ عن بَعْضِ ما أَقَرَّ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَنَا وقد قال اللُّغَوِيُّونَ الْخَاتَمُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْحَلَقَةِ مع الْفَصِّ وَإِلَّا فَهُوَ حَلَقَةٌ وَقِيلَ فَتْخٌ مَسْأَلَةٌ في أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ هل هو عَامٌّ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ من الناس أَنَّ الْبَحْثَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مِمَّا أَثَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَ في كَلَامِ من قَبْلَهُمْ وَالْمَشْهُورُ نعم وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أبو الْمُظَفَّرِ في الْقَوَاطِعِ في الْكَلَامِ على اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فقال لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَالٌّ على اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ في أَصْلِ الْوَضْعِ في الْأَعْيَانِ وفي الْأَزْمَانِ وفي أَيِّ عَيْنٍ وُجِدَ ثَبَتَ الْحُكْمُ فيها بِعُمُومِ اللَّفْظِ هذا كَلَامُهُ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَحْصُولِ في كِتَابِ الْقِيَاسِ حَيْثُ قال جَوَابًا عن سُؤَالٍ قُلْنَا لَمَّا كان أَمْرًا بِجَمِيعِ الْأَقْيِسَةِ كان مُتَنَاوِلًا لَا مَحَالَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَإِلَّا قَدَحَ ذلك في كَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ الْأَقْيِسَةِ انْتَهَى وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في فَتَاوِيهِ فإنه قال فِيمَا إذَا قال لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ كما يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى يَشْمَلُ اخْتِلَافَ الْوَقْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ وَيَتَكَرَّرَ هذا لَفْظُهُ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قال أَرَدْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنَّهُ لَا يَدِينُ وإذا نَوَى إلَى شَهْرَيْنِ يَدِينُ فَفَرَّقَ بين الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فَإِنَّهُمَا حَكَيَا وَجْهَيْنِ في التَّدْيِينِ في إنْ دَخَلْت الدَّارَ وقال الْإِمَامُ وَلِلْفَقِيهِ نَظَرٌ في هذا فإن قَوْلَ الْقَائِلِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْمَانِ ظَاهِرًا على الْعُمُومِ بِخِلَافِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فإن اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ على التَّقْيِيدِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ حَيْثُ قال اللَّفْظُ عَامٌّ في الْأَزْمَانِ فإذا قال أَرَدْت شَهْرًا فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعَامَّ قال الرَّافِعِيُّ وقد تُقَابَلُ هذه الْمَسْأَلَةُ فَيُقَالُ اللَّفْظُ عَامٌّ في الْأَحْوَالِ إلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِحَالِ دُخُولِ الدَّارِ انْتَهَى لَكِنَّ الْإِمَامَ قَائِلٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عن الْأَحْوَالِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على الْأَزْمَانِ على أَنَّ هذا اللَّفْظَ لَا عُمُومَ له أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هو مُطْلَقٌ وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ وَالْأَحْوَالِ وَالتَّعَلُّقَاتِ فَلَا تَعُمُّ الصِّيغَةُ في شَيْءٍ من هذه الْأَرْبَعِ من جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ في غَيْرِهَا حتى يُوجَدَ لَفْظٌ يَقْتَضِي فيها الْعُمُومَ لِأَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ لَا دَلَالَةَ له على خُصُوصِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَلَا مَكَان مُعَيَّنٍ وَلَا حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ فإذا قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عَمَّ كُلَّ مُشْرِكٍ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فَرْدٌ وَلَا يَعُمُّ الْأَحْوَالَ حتى لَا يُقْتَلَ في حَالِ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ وَلَا خُصُوصِ الْمَكَانِ حتى يَدُلَّ على الْمُشْرِكِينَ في أَرْضِ الْهِنْدِ مَثَلًا وَلَا الْأَزْمَانِ حتى يَدُلَّ على يَوْمِ السَّبْتِ مَثَلًا وَيُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ في دَفْعِ كَثِيرٍ من الِاسْتِدْلَالَاتِ بِأَلْفَاظٍ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُؤَدِّي إلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ التي اتَّفَقَ عليها الْخَصْمَانِ فَيُقَالُ إنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وقد عَمِلْت بِهِ في الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا يَلْزَمُ الْعَمَلَ بِهِ في صُورَةِ النِّزَاعِ وقد ارْتَضَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وفي كَلَامِ الْآمِدِيَّ في مَسْأَلَةِ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ ما يُشِيرُ إلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وقد رَدَّهَا جَمَاعَةٌ منهم الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ فقال وَهَذَا عِنْدِي بَاطِلٌ بَلْ الْوَاجِبُ أَنَّ ما دَلَّ عليه الْعُمُومُ في الذَّوَاتِ مَثَلًا يَكُونُ دَالًّا على ثُبُوتِ الْحُكْمِ في كل ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ وَلَا يَخْرُجُ عنها ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَمَنْ أَخْرَجَ شيئا من ذلك فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ نعم يَكْفِي في الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ مَرَّةً كما قالوا وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ في هذه الْمَوَاضِعِ من حَيْثُ الْإِطْلَاقُ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ من حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ على ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْعُمُومِ في كل ذَاتٍ فَإِنْ كان الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ مَرَّةً مُخَالَفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ قُلْنَا بِالْعُمُومِ مُحَافَظَةً على مُقْتَضَى صِيغَتِهِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ مِثَالُ ذلك إذَا قال من دخل دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ الْعُمُومُ في كل ذَاتٍ صَدَقَ عليها أنها دَاخِلَةٌ فإذا قال قَائِلٌ هو مُطْلَقٌ في الْأَزْمَانِ وقد عَمِلْت بِهِ مَرَّةً فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ أُخْرَى لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ قُلْنَا له لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ على الْعُمُومِ في كل ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ في آخِرِ النَّهَارِ فإذا أَخْرَجْت تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ أَخْرَجْت ما دَلَّتْ الصِّيغَةُ على دُخُولِهِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ على ذلك بِحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ فإنه لَمَّا رَوَى قَوْلَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ الحديث أَتْبَعهُ بِأَنْ قال فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَتْ نحو الْكَعْبَةِ فَنُحَرِّفُ عنها وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عز وجل قال فإن أَبَا أَيُّوبَ من أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعِ وقد اسْتَعْمَلَ قَوْلَهُ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا عَامًّا في الْأَمَاكِنِ وهو مُطْلَقٌ فيها وَعَلَى ما قَالَهُ هَؤُلَاءِ لَا يَلْزَمُ منه الْعُمُومُ وَعَلَى ما قُلْنَاهُ يَعُمُّ بِمَعْنَى فَيَكُونُ الْعَامُّ في الْأَشْخَاصِ عَامًّا في الْأَمْكِنَةِ وقد رَدَّ بَعْضُهُمْ هذا الِاسْتِدْلَالَ من جِهَةِ أَنَّ في اللَّفْظِ هُنَا ما يَدُلُّ على الْعُمُومِ وهو وُقُوعُ الِاسْتِقْبَالِ نَكِرَةً في سِيَاقِ النَّهْيِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الْأَمَاكِنِ في الشَّامِ وَغَيْرِهِ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هو فِيمَا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على الْعُمُومِ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْقَرَافِيِّ فإنه لو كان عُمُومُ الْفِعْلِ في سِيَاقِ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ في الْمَكَانِ لَمَا كان لِتَعْرِيفِ الْمَكَانِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَائِدَةٌ وَتَمَسَّك آخَرُونَ في رَدِّ هذه الْقَاعِدَةِ بِحَدِيثِ أبي سَعِيدِ بن الْمُعَلَّى حَيْثُ دَعَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو في الصَّلَاةِ فلم يُجِبْهُ فقال عليه السَّلَامُ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ الحديث فَقَدْ جَعَلَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامًّا في الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ احْتَجَّ عليه بِالْآيَةِ وهو في الصَّلَاةِ وَرَدَّ بِأَنَّ ذلك جاء من صِيغَةِ إذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ في جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وقد خَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ هذه الْقَاعِدَةَ فقال في حديث بَيْعِ الْخِيَارِ إنَّ الْخِيَارَ عَامٌّ وَمُتَعَلِّقُهُ وهو ما يَكُونُ فيه الْخِيَارُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ على خِيَارِ الْفَسْخِ وَهَذَا اعْتِرَافٌ بِمَقَالَةِ الْقَرَافِيِّ وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال فَلَوْ كان الْعَامُّ في الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ وَجَدْتُمُوهُمْ تَكْرَارًا وحيث من صِيَغِ الْعُمُومِ في الْمَكَانِ قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وقد تَوَسَّطَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ بين هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فقال ما مَعْنَاهُ إنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَامِّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقًا في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ أَنَّهُ إذَا عَمِلَ بِهِ في الْأَشْخَاصِ في زَمَانٍ ما وَمَكَانٍ ما وَحَالَةٍ ما لَا يَعْمَلُ بِهِ في تِلْكَ الْأَشْخَاصِ مَرَّةً أُخْرَى في زَمَانٍ آخَرَ وَنَحْوِهِ أَمَّا في أَشْخَاصٍ أُخْرَى مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ ذلك اللَّفْظُ الْعَامُّ فَيَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لو لم يَعْمَلْ بِهِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ في الْأَشْخَاصِ كما قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَالتَّوْفِيَةُ بِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ أَنْ لَا يَبْقَى شَخْصٌ ما في أَيِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَحَالٍ إلَّا حُكِمَ عليه وَالتَّوْفِيَةُ بِالْإِطْلَاقِ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ذلك الْحُكْمُ فَكُلُّ زَانٍ مَثَلًا يُجْلَدُ بِعُمُومِ الْآيَةِ وإذا جُلِدَ مَرَّةً ولم يَتَكَرَّرْ زِنَاهُ بَعْدَ ذلك لَا يُجْلَدُ ثَانِيَةً في زَمَانٍ آخَرَ وَمَكَانٍ آخَرَ فإن الْمَحْكُومَ عليه وهو الزَّانِي وَالْمُشْرِكُ وما أَشْبَهَ ذلك فيه أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا الشَّخْصُ وَالثَّانِي الصِّفَةُ كَالزِّنَى وَالشِّرْكِ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا أَدَاةُ الْعُمُومِ أَفَادَتْ عُمُومَ الشَّخْصِ لَا عُمُومَ الصِّفَةِ وَالصِّفَةُ بَاقِيَةٌ على إطْلَاقِهَا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ الْعَامُّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ فَبِمُطْلَقِ زَنَى حُدَّ وَكُلُّ شَخْصٍ حَصَلَ منه مُطْلَقُ شِرْكٍ قُتِلَ بِشَرْطِهِ فَرَجَعَ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ إلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهَا وَاعْتُرِضَ على هذا بِأَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ جاء من أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَخْذِ ذلك من الْإِطْلَاقِ وَرُدَّ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرِ أَحَدُ الْمُقْتَضَيَاتِ لِلْإِطْلَاقِ في الْأَزْمَانِ وَغَيْرِهَا فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا قُلْت وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ حَيْثُ قال إنَّا نَقُولُ أَمَّا كَوْنُ اللَّفْظِ الْعَامِّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقًا في الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ في الِاسْتِدْلَالِ فَيَلْزَمُ منها عَوْدُ التَّخْصِيصِ إلَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَيَبْقَى الْعُمُومُ في تِلْكَ الْأَحْوَالِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ عَامٌّ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِغْرَاقِ بَلْ من حَيْثُ إنَّ الْمُحَافَظَةَ على صِيغَةِ الْعُمُومِ في الْأَشْخَاصِ وَاجِبٌ فَالْعُمُومُ من حَيْثُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الصِّيغَةِ الْعَامَّةِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ عُمُومُ اسْتِغْرَاقٍ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُطْلَقَ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً فَنَقُولُ هل يَكْتَفِي فيه بِالْمَرَّةِ فِعْلًا أو حَمْلًا فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ كان الثَّانِي فَمَمْنُوعٌ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا فُعِلَ مُقْتَضَاهُ مَرَّةً وَوُجِدَتْ الصُّورَةُ الْجُزْئِيَّةُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَ الْكُلِّ كَفَى ذلك في الْعَمَلِ بِهِ كما إذَا قال اعْتِقْ رَقَبَةً فَفَعَلَ ذلك مَرَّةً لَا يَلْزَمُ إعْتَاقُهُ رَقَبَةً أُخْرَى لِحُصُولِ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ من غَيْرِ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ الْعُمُومَ وَكَذَلِكَ إذَا قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرَّةً وَحَنِثَ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا ثَانِيَةً لِوُجُودِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِعْلًا من غَيْرِ اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ أَمَّا إذَا عَمِلَ بِهِ مَرَّةً حَمْلًا أَيْ في أَيِّ صُورَةٍ من صُوَرِ الْمُطْلَقِ لَا يَلْزَمُ التَّقَيُّدُ بها وَلَا يَكُونُ وَفَاءً بِالْإِطْلَاقِ لِأَنَّ مُقْتَضَى تَقْيِيدِ الْإِطْلَاقِ بِالصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ حَمْلًا أَنْ لَا يَحْصُلَ الِاكْتِفَاءُ بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ يُنَاقِضُ الْإِطْلَاقَ وَمِثَالُهُ إذَا قال اعْتِقْ رَقَبَةً فإن مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِجْزَاءُ بِكُلِّ ما يُسَمَّى رَقَبَةً لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ في كل من يُعْتَقُ من الرِّقَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ بِهِ فإذا خَصَّصْنَا الْحُكْمَ بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ مَنَعْنَا إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ وَمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ إجْزَاؤُهَا إنْ وَقَعَ الْعِتْقُ بها فَاَلَّذِي فَعَلْنَاهُ خِلَافُ مُقْتَضَاهُ قال فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ التي تَرِدُ عَلَيْك من أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذَا كان الْإِطْلَاقُ في الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَقْتَضِي الْحَمْلُ على الْبَعْضِ فيه عَوْدَ التَّخْصِيصِ إلَى مَحَلِّ الْعُمُومِ هِيَ الْأَشْخَاصُ أو مُخَالَفَةُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ الْحَمْلِ فَالْحُكْمُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ لِوُجُودِ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ أو الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أَمَّا إذَا كان الْإِطْلَاقُ في صُورَةٍ لَا تَقْتَضِي مُخَالَفَةَ صِيغَةِ الْعُمُومِ وَلَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ فَالْكَلَامُ صَحِيحٌ وَيَتَعَدَّى النَّظَرُ بَعْدَ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما ذَكَرْنَا إلَى أَمْرٍ آخَرَ وهو أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِالْعُمُومِ فَإِنْ اقْتَضَى إخْرَاجَ بَعْضِ الصُّوَرِ وَعَدَمَ الْجَرْيِ على ظَاهِرِ الْعُمُومِ وَجَبَ أَنْ يَنْظُرَ في قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا قُصِدَ بِهِ مُعَيَّنٌ فَهَلْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لم يُقْصَدْ بِهِ أو لَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَلَا حَاجَة بِنَا إلَى هذا وَإِلَّا احْتَجْنَا إلَى النَّظَرِ فيها بَعْدَ الِانْتِهَاءِ بِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَأَنَّ الْوَفَاءَ بِمُقْتَضَاهَا وَاجِبٌ فَهَذَا ما عِنْدِي في هذا الْمَوْضِعِ وَاَلَّذِي يُزِيدُهُ وُضُوحًا أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كان مُطْلَقًا في هذه الْأَحْوَالِ يَلْزَمُ منه أَنْ يَصِحَّ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ من الْعُمُومَاتِ أو أَكْثَرِهَا إذْ ما من عَامٍّ إلَّا وَلَهُ أَحْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّوَاتِ التي يَتَعَلَّقُ بها الْعُمُومُ فإذا اكْتَفَيْنَا في الْعَمَلِ بِحَالَةٍ من الْحَالَاتِ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ وَهَذَا خِلَافُ ما دَرَجَ عليه الناس مَسْأَلَةٌ هل يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَلَا يَبْلُغُهُ الْمُخَصِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً بِالْمَعْنَى السَّابِق قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ سِيَّمَا الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ الْمُكَلَّفُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَلَا يَسْمَعَ الْمُخَصَّصَ إذَا كان له مُخَصِّصٌ في أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَعَلَيْهِ الْبَحْثُ في ذلك بِقَدْرِ ما يَعْلَمُ أَنَّهُ لو كان هُنَاكَ مُخَصِّصٌ لَبَلَغَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا اعْتَقَدَ عُمُومَهُ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَ اللَّهُ وَاحِدًا من الْمُكَلَّفِينَ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ وَلَا يُسْمِعَهُ خُصُوصَهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ إيَّاهُمَا أو يَصْرِفَهُ عن سَمَاعِ الْعُمُومِ إذَا لم يَسْمَعْ الْخُصُوصَ قُلْت وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَالْمَحْصُولِ عن الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ قال صَاحِبُ الْوَاضِحِ وهو قَوْلُ أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ قال وَكَذَا كان يقول في النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قال الْقَاضِي وَاتَّفَقَ الْكُلُّ على أَنَّهُ إذَا كان الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ جَازَ أَنْ يَسْمَعَهُ من لم يَتَقَدَّمْ نَظَرُهُ في الدَّلِيلِ على تَخْصِيصِهِ وَأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ الْمُخَصِّصَ له مُقَدَّمٌ عليه لِتَقَدُّمِ الْعَقْلِ على السَّمْعِ وهو من أَوْضَحِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ فإنه إذَا جَازَ ذلك في الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ جَازَ في السَّمْعِيَّةِ قال الْقَاضِي وَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْمَنْسُوخُ وَلَا يَبْلُغَهُ النَّاسِخُ وَحَكَى صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ ثَالِثَهَا التَّفْصِيلَ بين الْمُخَصِّصِ الْعَقْلِيِّ فَيَجُوزُ وَالسَّمْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ وَحَكَاهُ في الْمُعْتَمَدِ عن الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَمِمَّنْ تَبِعَ الْقَاضِي في ذِكْرِ هذه الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى قال وَنَحْنُ نَقُولُ يَجِبُ على الشَّارِعِ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ إمَّا مُقْتَرِنًا أو مُتَرَاخِيًا على ما ذَكَرْنَا من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ كل مُحْتَمِلٍ يَبْلُغُهُ الْعُمُومُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْخُصُوصُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَغْفُلَ عنه وَيَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ وهو الذي بَلَغَهُ دُونَ ما لم يَبْلُغْهُ وقال في الْبُرْهَانِ لَا يَمْتَنِعُ وُرُودُ اللَّفْظِ الْعَامِّ مع اسْتِئْخَارِ الْمُخَصِّصِ عنه إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى مَنْعِ ذلك وَهِيَ من فُرُوعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ مَسْأَلَةٌ هل يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن مُخَصِّصٍ إذَا جَوَّزْنَا وُرُودَ الْعَامِّ مُجَرَّدًا عن مُخَصِّصِهِ فَهَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ أو يَتَوَقَّفُ إلَى أَنْ يَنْظُرَ دَلِيلَ الْمُخَصِّصِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه فقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ في الْحَالِ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ وقال عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ وأبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وأبو عَلِيِّ بن خَيْرَانَ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فيه حتى يَنْظُرَ في الْأُصُولِ التي يَتَعَرَّفُ فيها الْأَدِلَّةَ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على تَخْصِيصِهِ خَصَّ بِهِ وَإِنْ لم يَجِدْ دَلِيلًا يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ اعْتَقَدَ عُمُومَهُ وَعَمِلَ بِمُوجَبِهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَحَكَى الْقَفَّالُ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ سُئِلَ عن قَوْله تَعَالَى فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا من رِزْقِهِ هل تَقُولُ إنَّ من سمع هذا يَأْكُلُ جَمِيعَ ما يَجِدُهُ من رِزْقِهِ فقال أَقُولُ إنَّهُ يَبْلَعُ الدُّنْيَا بَلْعًا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ في الرِّسَالَةِ وَالْكَلَامُ إذَا كان عَامًّا ظَاهِرًا كان على ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ تَدُلُّ على خِلَافِ ذلك وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ يَتَطَلَّبُوا دَلِيلًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِبُ طَلَبُ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ على مُوجِبِ اللَّفْظِ قُلْت وَمِنْ هذه الطَّرِيقَةِ يُؤْخَذُ حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ وهو غَرِيبٌ وما حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ من الْخِلَافِ في وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ جَرَى عليه الْعِرَاقِيُّونَ من أَصْحَابِنَا منهم الْقَاضِي ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَنَصَرُوا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمِمَّنْ حَكَاهُ من الْمَرَاوِزَةِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وأبو النَّصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْإِمَامُ أبو عُمَرَ بن عبد الْبَرِّ وَنَقَلَ التَّمَسُّكَ بِالْعُمُومِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصِّصَ عن أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَنْعَ منه عن أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَالنَّقْلَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَالْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ قال وَذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ في الْأَدِلَّةِ ثُمَّ إذَا نَظَرَ فيها جَرَى على قَضِيَّتِهَا قال وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وهو الصَّحِيحُ وَكَذَلِكَ صَوَّرَهَا إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في الْمَدَارِكِ وَنَقَلَ مُوَافَقَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ عن الْقَفَّالِ وَابْنِ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَكَذَلِكَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا اخْتَارَهُ ابن عَقِيلٍ وَالْمَقْدِسِيُّ وَالْقَاضِي أبو يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ وأبو بَكْرٍ الْخَلَّالُ من الْحَنَابِلَةِ وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وأبو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَنَقَلَ فيه الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَزَيَّفَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وقال في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قُلْت هو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فإنه قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هذا لَفْظُهُ فَنَصَّ على طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بين مَوَاقِعِ الْكَلَامِ ولم يَكِلْهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْقَرَائِنِ لَكِنَّهُ نَصَّ في مَوْضِعٍ آخَرَ على ما يُخَالِفُهُ فَيَصِيرُ له في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فذكر في الْأُمِّ حَدِيثَ أبي أَيُّوبَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عن الِاسْتِقْبَالِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وقال يَعْنِي أَبَا أَيُّوبَ بِالْحَدِيثِ جُمْلَةً كما سَمِعَهُ جُمْلَةً قال الشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ سمع الحديث أَنْ يَقُولَ بِهِ على عُمُومِهِ وَجُمْلَتِهِ حتى يُجَدِّدَ دَلَالَةً يُفَرِّقُ منها فيه ثُمَّ مَثَّلَ الدَّلَالَةَ الْمُفَرِّقَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عن الْأَوْقَافِ الْمَكْرُوهَةِ ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا غَيْرُ هذا من حديث رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هو على الظَّاهِرِ من الْعُمُومِ حتى تَأْتِيَ الدَّلَالَةُ عنه من سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو إجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمِعُوا على خِلَافِ سُنَّةٍ أَنَّهُ بَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ وَخَاصٌّ دُونَ عَامٍّ انْتَهَى هذا لَفْظُهُ وَذَكَرَ في الرِّسَالَةِ مثله وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ سَمِعَهُ جُمْلَةً فقال بِهِ جُمْلَةً وقد سَبَقَ في مَسْأَلَةِ صِيَغِ الْعُمُومِ نَقَلَ الصَّيْرَفِيُّ مِثْلَ ذلك عن نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ الْكَثِيرَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا على أَنَّ الْعُمُومَ إذَا وَرَدَ وَسَمِعَهُ الْمُكَلَّفُ وَفَهِمَ ما يَجِبُ وَجَبَ عليه عَرْضُهُ إذَا أَرَادَ تَنْفِيذَهُ على ما يَقْدِرُ من أَدِلَّةِ الْعُقُولِ وَأُصُولِ الشَّرْعِ فَإِنْ كان فيه ما أَوْجَبَ تَخْصِيصَهُ خَصَّهُ بِهِ وَإِلَّا أَجْرَاهُ على ظَاهِرِهِ فِيمَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ وَهَذَا وَقْفٌ منه على مِقْدَارِ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ هو من جِنْسِ ما تَقُولُهُ الْوَاقِفِيَّةُ انْتَهَى وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ نَظَرَ إنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يَخُصُّ اللَّفْظَ كان مَقْصُودًا عليه وَإِلَّا أُجْرِيَ على عُمُومِهِ لِأَنَّ الْعَامَّ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يَجُوزُ الْهُجُومُ على الْحُكْمِ دُونَ النَّظَرِ في الْمُرَادِ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فما الذي يَعْتَقِدُهُ السَّامِعُ قبل النَّظَرِ قُلْنَا قد يَقْتَرِنُ بِالْخِطَابِ من دَلَالَةِ الْحَالِ ما يَقِفُ بِهِ السَّامِعُ على مُرَادِ الْخِطَابِ وقد يَتَقَدَّمُ الْخِطَابُ ما يَتَعَقَّلُ لِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ وَقَرِينَتِهِ عليه كما وَرَدَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ولم يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذلك على الصَّحَابَةِ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ مُجَرَّدًا من دَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ فَالْوَاجِبُ على الْمُخَاطَبِ قبل النَّظَرِ أَنْ يَعْتَقِدَ ما حَصَلَ عِنْدَهُ من ظَاهِرِ اللَّفْظِ فإنه حَقٌّ وَلَا يَعْتَقِدُ انْصِرَافَهُ إلَى عُمُومٍ وَلَا إلَى خُصُوصٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ على ما هو بِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ قبل النَّظَرِ في هذا أَكْثَرُ من اللَّفْظِ الْعَامِّ فَالْعَامُّ يَرِدُ عليه الْحَادِثَةُ وَجْهَيْنِ فَلَا يَعْتَقِدُ في حُكْمِهَا شيئا بِعَيْنِهِ إلَى أَنْ يَنْظُرَ فَيَتَبَيَّنَ له الْحُكْمُ انْتَهَى وقد احْتَجَّ بَعْضُهُمْ على الْعَمَلِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ بِمَا في الصَّحِيحَيْنِ عن حديث أبي عُبَيْدَةَ في الْعَنْبَرِ الذي أَلْقَاهُ الْبَحْرُ فإن أَبَا عُبَيْدَةَ حَكَمَ بِتَنْجِيسِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْقُرْآنِ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبَاحَهَا بِحُكْمِ الِاضْطِرَارِ مع أَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ في الْمَيْتَةِ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ولم يَكُنْ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ خَبَرٌ من هذا الْمُخَصِّصِ وَحَصَلَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ في هذه الْمَسْأَلَةِ عِنْدَنَا طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا حِكَايَةٌ لِقَوْلَيْنِ أو وَجْهَيْنِ وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعَ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ من غَيْرِ خِلَافٍ على طَرِيقَةِ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ مَشْهُورَانِ من غَيْرِ مَذْهَبِنَا وَلَهُمْ فيها أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ غَرِيبَةٍ أَحَدُهَا إنْ سَمِعَهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على طَرِيقِ تَعْلِيمِ الْحُكْمِ وَجَبَ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ في الْحَالِ وَإِنْ سَمِعَهُ من غَيْرِهِ لَزِمَهُ التَّثَبُّتُ وَنُسِبَ لِأَبِي عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ من الْحَنَفِيَّةِ وَالثَّانِي وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ بَيَانًا بِأَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ أو أَمْرًا أو نَهْيًا وَجَبَ حَمْلُهُ على عُمُومِهِ وَإِنْ وَرَدَ ابْتِدَاءً وَجَبَ التَّوَقُّفُ فيه وَحَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ وَاخْتَارَهُ على غَيْرِ هذا الْوَجْهِ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَرِدَ جَوَابًا عن سُؤَالٍ أو أَمْرًا أو نَهْيًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ على عُمُومِهِ لِأَنَّهُ لو كان خَاصًّا لَمَا تَرَكَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَا بَيَانٍ في الْحَالِ التي أُلْزِمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ مع جَهْلِ السَّائِلِ وَإِنْ وَرَدَ ابْتِدَاءً من غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِسُؤَالٍ أو سمع آيَةً من الْقُرْآنِ مُبْتَدَأَةً وَالسَّائِلُ من أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ قال الرَّازِيَّ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَحْكُمُ بِظَاهِرِهِ حتى يَبْحَثَ عن الْمُخَصِّصِ فَإِنْ لم يَجِدْهُ أَمْضَاهُ على عُمُومِهِ وَالثَّانِي إنْ كان مُخَاطَبًا بِحُكْمِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ يُخَلِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ من آيَةِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عليه حتى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ لِلْجُمْلَةِ وَأَمَّا من لم يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالْحُكْمِ فَلَيْسَ عليه أَنْ يَعْتَقِدَ فيه عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا قال وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَلَيْسَ له أَنْ يَعْتَقِدَ شيئا من ذلك وَلَكِنَّهُ إذَا سَأَلَ عن حُكْمِ حَادِثَةٍ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ قَبُولُ قَوْلِهِ فَأَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُطْلَقٍ أَمْضَاهُ على ما سَمِعَهُ وَمِنْهُ من اقْتَصَرَ على الْعُمُومِ من غَيْرِ تَفْصِيلٍ وهو خَطَأٌ لِأَنَّ فيه إيجَابَ اعْتِقَادِ عُمُومِ ما لَا يَعْلَمُ صِحَّةَ عُمُومِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كان مُخَصَّصًا في نَفْسِ الْأَمْرِ ا هـ الثَّالِثُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَدْخُلَهُ تَخْصِيصٌ أو لَا فَقِيلَ التَّخْصِيصُ يُسْتَعْمَلُ على عُمُومِهِ من غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا نَظَرٍ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ يُحْتَمَلُ قال وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَلَامُ ابْنِ كَجٍّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِمَا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ ما يُخَصِّصُهُ فَإِنْ وَجَدْنَا ما يُخَصِّصُهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ بِلَا خِلَافٍ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَإِنْ كان يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُخَصِّصٌ آخَرُ فإنه جَعَلَ هذا أَصْلًا قَاسَ عليه مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَحَكَى ابن فُورَكٍ مَذْهَبَ الصَّيْرَفِيِّ وَمُقَابِلَهُ قَوْلًا بِالتَّفْصِيلِ بين الْأَوَامِرِ وَالْأَخْبَارِ قال وَمِنْهُمْ من جَمَعَ في الْوَقْفِ بَيْنَهُمَا وهو الْأَفْقَهُ وَمِنْهُمْ من حَمَلَهُ على ثَلَاثَةٍ وَتَوَقَّفَ في الزَّائِدِ عليه وَالْمَشْهُورُ حِكَايَةُ هذا في تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عن الْأُصُولِ لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ الْعَامُّ بَعْدَ وَفَاتِهِ عليه السَّلَامُ فَإِنْ وَرَدَ في عَهْدِهِ وَجَبَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْفِعْلِ عُمُومِهِ لِأَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ لم تَكُنْ مُقَرَّرَةً مَذْهَبُ الصَّيْرَفِيِّ في الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن مُخَصِّصٍ وفي ذلك نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ من كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ الْخِلَافُ في ذلك فقال ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ ما سُمِعَ من النبي عليه السَّلَامُ من الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ من الْعَامِّ مُخَاطَبًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُ حتى يُبَيِّنَهُ لِلْمُخَاطَبِينَ لِيَصِلُوا إلَى عِلْمِ ما أُمِرُوا بِهِ وَأَمَّا السَّاعَةَ فَقَدْ تَكَامَلَ الدِّينُ وَثُبُوتُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَلَيْسَ على من سمع آيَةً من الْعَامِّ الْعَمَلُ بها حتى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ فَيَعْرِفَ حُكْمَهَا لِمَا في ذلك من النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ وَإِنْ كان مِمَّنْ يَبْحَثُ وَلَهُ أَنْ يَبْحَثَ فَقَدْ أتى بِمَا يُمْكِنُهُ فَلَيْسَ عليه إلَّا اعْتِقَادُ ما سَمِعَهُ إذْ قد بَلَغَ ما يُمْكِنُهُ في الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ لِلْعِلْمِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا حتى لَا يَفُوتَهُ منها شَيْءٌ وَاخْتَارَ قَوْمٌ جَوَازَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ منه عليه السَّلَامُ إلَى وَقْتِ التَّقْيِيدِ وقال قَوْمٌ على من سمع شيئا وَحَصَلَ في يَدَيْهِ أَمْرٌ من اللَّهِ أو نَهْيُ اعْتِقَادِ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ قال أبو بَكْرٍ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّ كُلَّ آيَةٍ أو سُنَّةٍ خَاطَبَ اللَّهُ بها أو رَسُولُهُ مُوَاجِهًا بها من يُخَاطِبُ آمِرًا أو نَاهِيًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَحُكْمُهُ في تِلْكَ مَرْفُوعٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ آمِرًا بِشَيْءٍ حُكْمُهُ أَنْ يُنْهَى عنه في تِلْكَ الْحَالِ وهو مُحَالٌ في صِفَتِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُوَاجِهَ رَجُلًا آمِرًا له بِشَيْءٍ أو نَاهِيًا عنه بِاسْمٍ عَامٍّ وَوَقْتُ بَيَانِهِ مُمْكِنٌ وَلَا يَتَقَدَّمُ ما يُوجِبُ له الْبَيَانَ فَيَصِيرُ ما يُرِيدُ منه أَنْ يَعْلَمَ من خِطَابِهِ أو فِعْلِهِ بِخِلَافِ ما أَظْهَرَ لِأَنَّهُ في الظَّوَاهِرِ آمِرٌ له بِخِلَافِ ما يُرِيدُ منه وَلَا سَبِيلَ له إلَى عِلْمٍ من لَفْظِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يُبَيِّنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وَهَذَا خِطَابُ من كَتَمَ لَا من بَيَّنَ وَالرَّسُولُ عليه السَّلَامُ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ من أَنْ يَفْعَلَ ذلك فإذا سمع الْمُخَاطَبُونَ ذلك منه عليه السَّلَامُ ثُمَّ فَارَقُوهُ وَاحْتَمَلَ وُرُودَ النَّسْخِ عليه فَعَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ عليه حتى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَزَالَهُ أو رَسُولَهُ لِأَنَّهُ قد حَصَلَ في أَيْدِيهِمْ الْيَقِينُ فَلَا يَزُولُونَ عنه لِإِمْكَانِ ما يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عنه لِأَنَّ في ذلك إسْقَاطَ ما عَلِمَ صِحَّتَهُ لِمَا لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ وقد عَلِمَ أَنَّ الناس لَا يُمْكِنُهُمْ مُرَاعَاةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في كل الْأَحْوَالِ لَا يُفَارِقُونَهُ بَلْ عليهم اسْتِعْمَالُ ما عَلِمُوهُ حتى يَعْلَمُوا خِلَافَهُ مع احْتِمَالِ زَوَالِ ما عَلِمُوا أو وَجَبَ عليهم تَبْلِيغُهُ قال تَعَالَى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وَعَلَى ذلك جَرَى أَمْرُ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ في الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ لم يَنْزِلْ عليه حتى قَدِمَ عليه السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وكان مُعَاذٌ وَمَنْ بَلَّغَهُ مُعَاذٌ سَوَاءً في الِاعْتِقَادِ وفي الْفِعْلِ حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَوْجِيهِهِ لِيُعَلِّمَ الناس لِإِمْكَانِ نَسْخِ ما بُعِثَ بِهِ ثُمَّ قال بَابُ الْإِبَانَةِ عَمَّا سمع من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْرُ مُوَاجِهٍ في الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا قال قَائِلُونَ ليس على من سمع ذلك اعْتِقَادُ ما سمع وَلَا فِعْلُهُ حتى يَسْأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيُبَيِّنَ له لِأَنَّهُ لم يُوَاجِهْهُ بِالْخِطَابِ وَإِنَّمَا سمع دَرْسًا وقد يُدَرَّسُ الْمَنْسُوخُ وَقِيلَ لَا يُكَلَّفُ إلَّا ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ وقال أبو بَكْرٍ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّ كُلَّ آيَةٍ سُمِعَتْ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَمْرٍ أو نَهْيٍ وكان الْكَلَامُ قد تَمَّ ولم يَتَعَقَّبْهُ وَيُقَارِنْهُ بِمَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ فَعَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ ثُمَّ احْتَجَّ على ذلك بِأُمُورٍ منها قَوْله تَعَالَى وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا من الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فلما حَضَرُوهُ قالوا أَنْصِتُوا فلما قُضِيَ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال فلما سَمِعُوا عِنْدَ انْقِضَائِهِ أَثْنَى عليهم عِنْدَ التَّقَضِّي بِالِانْصِرَافِ ولم يَتَوَقَّفُوا لِلسُّؤَالِ وَلَا غَيْرِهِ فلما آمَنُوا بِهِ لَزِمَهُمْ حُكْمُ ما سَمِعُوا حتى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَزَالَ حُكْمَهُ وَأَبْقَى تِلَاوَتَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول ذلك فإن من جُمْلَةِ ما احْتَجَّ بِهِ على هذا أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ على خُصُوصِهِ بِقَوْلِهِ رُبَّمَا حَضَرَ الرَّجُلُ من الصَّحَابَةِ قد سمع الْجَوَابَ ولم يَسْمَعْ السُّؤَالَ وَالْكَلَامُ يَخْرُجُ على السَّبَبِ فَيَحْكِي ما سمع وَعَلَى كل إنْسَانٍ أَنْ يَحْكِيَ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ فإذا كان هذا من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَوَازُ مُمْكِنًا من النبي عليه السَّلَامُ وَالصَّحَابَةُ يَسْمَعُونَ ذلك وَيُمْكِنُهُمْ سُؤَالُهُ فَيُجِيبُهُمْ فَهُوَ في غَيْرِهِمْ أَوْلَى ثُمَّ قال بَابُ الْإِبَانَةِ عن الْعَامِّ يَسْمَعُ من غَيْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في عَصْرِ النبي عليه السَّلَامُ وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى وَقْتِنَا هذا فَنَقُولُ كُلُّ آيَةٍ أو سُنَّةٍ وَرَدَتْ عَلَيْنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ ما سَمِعْنَا حتى نَعْلَمَ خِلَافَهُ من خُصُوصٍ أو نَسْخٍ وَعِلَّتُنَا فيه ما اعْتَلَلْنَا من أَمْرِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ من عُمَّالِ النبي عليه السَّلَامُ وَمَنْ لم يَلْقَ النبي عليه السَّلَامُ بَلْ اعْتَقَدُوا ما سَمِعُوا منه وَعَمِلُوا بِهِ لِأَنَّهُ لو جَازَ التَّوَقُّفُ لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ لَجَازَ التَّوَقُّفُ عَمَّا عَلِمْنَاهُ ثَانِيًا وَاحْتَمَلَ في مَنْعِهِ وَهَذَا يُؤَوَّلُ إلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلَيْنَا طَلَبَ ذلك بِقَدْرِ الطَّاقَةِ كَطَلَبِ الْمَاءِ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا صَارَ إلَى التُّرَابِ وَإِذًا قد يُدْرِكُ الْجَلِيُّ منه ما لَا يُدْرِكُ الْخَفِيُّ فَلَيْسَ عليه إلَّا ما يَقْدِرُ عليه فَإِنْ وَجَدَهُ فيها وَإِلَّا عَادَ إلَى الْقَضَاءِ بِالْعُمُومِ قُلْنَا له تَطْلُبُ دَلِيلَ الْخُصُوصِ في بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أو في كل ذلك فَإِنْ قال أَطْلُبُهُ في الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَقَدْ عَمَدَ إلَى أَهْلِ الْخُصُوصِ وَإِنْ قال أَطْلُبُهُ في كل ذلك قُلْنَا وقد عَلِمْت أَنَّك لَا تَبْلُغُ عِلْمَ ذلك كُلِّهِ فَتَوَقُّفُك خَطَأٌ من وَجْهَيْنِ فَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَخَطَأٌ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَلْتَمِسُوا الْمَاءَ إلَى الطَّهُورِ كما يَلْتَمِسُوا أَهْلَ الزُّقَاقِ ولم يُكَلَّفُوا غير ذلك انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا الْبَابُ الْأَخِيرُ يُعْلَمُ منه ثُبُوتُ الْخِلَافِ في الصُّورَةِ التي نَقَلَ عن الْأُسْتَاذِ الْوِفَاقَ فيها وقد اسْتَفَدْنَا من جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا أَنْ يُخَاطِبَ النبي عليه السَّلَامُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فَعَلَى الْمُخَاطَبِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ ثَانِيهَا أَنْ يَقُولَ ذلك لَا على جِهَةِ الْخِطَابِ له فَعَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ ثَالِثُهَا أَنْ يَسْمَعَ الْعَامُّ من غَيْرِ النبي عليه السَّلَامُ في عَصْرِهِ أو بَعْدَهُ فَالْحُكْمُ فيه كَذَلِكَ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ في الْجَمِيعِ لَكِنَّ الْحَالَةَ الْأُولَى فَرَّعَهَا على مَذْهَبِهِ في مَنْعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذلك تَقْيِيدَ ما سَبَقَ بِمَا إذَا لم يَعْلَمْ أَنَّ فيه تَخْصِيصًا أو نَاسِخًا أَمَّا إذَا عَلِمَ فإنه يَتَوَقَّفُ فإنه قال بَعْدَ أَوْرَاقٍ بَابُ الْقَوْلِ في الْأَسْمَاءِ التي قد عُلِمَ أَنَّهُ قد خَصَّ أو نَسَخَ بَعْضَ حُكْمِهِ وَلَا نَعْلَمُ نَاسِخَهُ أو الْبَعْضَ الْمَنْسُوخَ منه قال أبو بَكْرٍ كُلُّ خِطَابٍ خُوطِبْت بِهِ وَعَلِمْت أَنَّ فيه خُصُوصًا أو نَسْخًا ولم تَعْلَمْهُ فَلَا تُقْدِمْ فيه على شَيْءٍ منه لِأَنَّك لَا تَتَوَجَّهُ إلَى وَجْهٍ من وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا تَعَادَلَ في نَفْسِك بِضِدِّهِ فَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى من الْآخَرِ فَلَا تُقْدِمْ عليه حتى تَعْلَمَ الْمَرْفُوعَ من الثَّابِتِ ثُمَّ قال وَلَيْسَ هذا مِثْلَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ فيه مَنْسُوخًا لِأَنِّي لَا أَدْرِي هل ذلك في الْقُرْآنِ من النَّسْخِ وَاقِعٌ لِهَذَا أو لِغَيْرِهِ فَلَا أَتْرُكُ ما ثَبَتَ أَمْرُهُ حتى أَعْلَمَ خِلَافَهُ انْتَهَى اخْتِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ في تَحْدِيدِ مَذْهَبِ الصَّيْرَفِيِّ وَإِنَّمَا حَكَيْت كَلَامَ الصَّيْرَفِيِّ بِنَصِّهِ لِعِزَّةِ وُجُودِ هذا الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ قد وَقَعَ أَغْلَاطٌ لِجَمَاعَةٍ من الْأَكَابِرِ في النَّقْلِ عنه فَأَرَدْت الِاسْتِظْهَارَ في ذلك وَبَيَانُهُ بِأُمُورٍ أَحَدِهَا قالوا إنَّ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً من غَيْرِ طَلَبِ الْمُخَصِّصِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَظُنَّ عُمُومَهُ إذْ ذَاكَ إذْ ليس من شَرْطِهِ حُكْمًا وَالتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الذي تَمَسَّكَ بِهِ وَالثَّانِيَ أَنَّهُ يَجِبُ عليه أَنْ يَقْطَعَ بِعُمُومِهِ إذْ ذَاكَ لَكِنْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي نَقْلًا عنه فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ عليه قُلْت وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ نَصَبَ خِلَافَ الصَّيْرَفِيِّ في وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ولم يَذْكُرُوا وُجُوبَ الْعَمَلِ وما سَكَتُوا عنه فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُمْ وقال الْمَازِرِيُّ لم يُرِدْ الرَّجُلُ هذا وَإِنَّمَا أَرَادَ اعْتِقَادَ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ قال الْمُقْتَرِحُ في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ إنَّمَا أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ا هـ وقد عَلِمْت أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ فَرَضَ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً وَجَعَلَ بَعْضَهَا من الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَبَعْضَهَا من الْأَخِيرِ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يُخَاطِبَهُ عليه السَّلَامُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ ولم يَخْتَرْ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ بِخِلَافِهِ في الْحَالَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ اسْتَفَدْنَا منه أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مَقْطُوعٌ أَمَّا مُطْلَقُ اللَّفْظِ الْعَامِّ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فَلَا قَطْعَ فيه وَهَذَا الذي اشْتَبَهَ على من قال إنَّ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُفِيدُ الظَّنَّ أَحْكَامٌ مَعْلُومَةٌ ولم يَعْرِفْ أَنَّ الْمَقْطُوعَ بِهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ مَعْلُومٌ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ صَوَّرَ مَحَلَّ الْخِلَافِ في صُورَةٍ خَاصَّةٍ فقال إذَا وَرَدَتْ الصِّيغَةُ الظَّاهِرَةُ في اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ ولم يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهَا فَقَدْ قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ على الْمُتَعَبِّدِينَ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا على جَزْمٍ ثُمَّ إنْ كان الْأَمْرُ على ما اعْتَقَدُوهُ فَذَاكَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُصُوصَ تَغَيُّرُ الْعَقْدِ انْتَهَى وَالصَّوَابُ في النَّقْلِ عنه إطْلَاقُ الْعُمُومِ سَوَاءٌ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ أو بَعْدَهُ بَلْ هو مُصَرَّحٌ بِالْعَمَلِ بِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَنَقَلَ ذلك أَيْضًا في كِتَابِهِ الْبَيَانِ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عنه الْجُمْهُورُ كما سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ في كَلَامِهِمْ ولم يُقَيِّدْ أَحَدٌ منهم النَّقْلَ عنه بِهَذِهِ الْحَالَةِ تَفْرِيعٌ الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى إجْرَائِهِ على الْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُتَخَصِّصِ كَالصَّيْرَفِيِّ قال لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه بَيَانُ الْخُصُوصِ إنْ كان ثَمَّ مُرَادٌ كما يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَنْ مَنَعَ اقْتِضَاءَ عُمُومِهِ أَجَازَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْوُرُودِ وَكَذَا ذَكَرَهُ ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ فقال من ذَهَبَ إلَى الِاقْتِضَاءِ بِنَفْسِ السَّمَاعِ قال لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه بَيَانُ الْخُصُوصِ إنْ كان ثَمَّ مُرَادٌ وَمَنْ أَبَى الْمُبَادَرَةَ إلَى الْإِمْضَاءِ جَوَّزَهُ وَكَذَا قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَصْلِ الصَّيْرَفِيِّ فإنه مِمَّنْ يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ كما سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ في صَدْرِ كَلَامِهِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ عنه الْجُمْهُورُ وَلَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عنه هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَاسْتَدَلَّ عليه بِأَنَّهُ من الرَّادِّينَ عليهم في كُتُبِهِ فَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ فقال الْقَوْلُ بِالْإِجْرَاءِ على الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ من يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ أَمَّا من يُجَوِّزُهُ فَلَا فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ وُرُودِ الْمُخَصِّصِ مع الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعُمُومِ تَنَاقُضٌ وقد عَلِمْتَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ صَرَّحَ في صَدْرِ كَلَامِهِ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِمَنْعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مُسْتَقِيمٌ وَكَذَا نَقَلَهُ عنه ابن الصَّبَّاغِ في الْعِدَّةِ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّهُ من الرَّادِّينَ على مَانِعِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ في تَصَانِيفِهِ صَحِيحٌ وَلَكِنْ في غَيْرِ مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ نعم سَيَأْتِي عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ رُجُوعُ الصَّيْرَفِيِّ عن هذا الْمَذْهَبِ ولم يَقِفْ جَمَاعَةٌ على تَحْرِيرِ النَّقْلِ عن الصَّيْرَفِيِّ في مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ وَظَنُّوا صِحَّةَ ما نَقَلَهُ عنه الْإِمَامُ فَأَخَذُوا في تَأْوِيلِ كَلَامِهِ قال الْمَازِرِيُّ قد أَغْلَظَ الْإِمَامُ الْقَوْلَ على الصَّيْرَفِيِّ وَنَسَبَهُ إلَى الْغَبَاوَةِ وهو غَيْرُ لَائِقٍ فإنه إمَامٌ جَلِيلٌ مع إمْكَانِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ قال الْمُقْتَرِحُ لَا تَنَاقُضَ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فإن مَحَلَّ الِاعْتِقَادِ إنَّمَا هو وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ وَالتَّجْوِيزُ رَاجِعٌ إلَى تَبَيُّنِ مُرَادِ اللَّفْظِ انْتَهَى وَهَذَا بِنَاءٌ منه على أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ كَلَامُهُ في وُجُوبِ الْعَمَلِ لَا الِاعْتِقَادِ وَالْإِمَامُ بَنَى اعْتِرَاضَهُ على أَنَّ كَلَامَ الصَّيْرَفِيِّ في الِاعْتِقَادِ وقد سَبَقَ تَحْرِيرُهُ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَزْمَ بِاعْتِقَادِ الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْمَانِعِ من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَلْ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ لهم أَيْضًا إلَّا من لم يُجَوِّزْ سَمَاعَ الْمُكَلَّفِ الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ فإن التَّنَاقُضَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَنْدَفِعُ عَنْهُمْ لَا غَيْرُ وَهَذَا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ أَوْجَبُوا اتِّصَالَ الْمُخَصَّصِ بِالْعَامِّ في الْوُرُودِ لَكِنَّهُمْ لم يُوجِبُوا وُصُولَهُ إلَى من يَصِلُ إلَيْهِ الْعَامُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصَّصُ لِلْمُكَلَّفِ بَعْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَا عِنْدَ الْوُرُودِ مُقْتَرِنَيْنِ وَمَعَ هذا الِاحْتِمَالِ وَالتَّجْوِيزِ كَيْفَ يَجِبُ عليه الْقَطْعُ بِالْعُمُومِ الْغَزَالِيُّ يَنْقُلُ الْإِجْمَاعَ على وُجُوبِ الْبَحْثِ قبل الْحُكْمِ بِالْعَامِّ الْأَمْرُ الرَّابِعُ قِيلَ إنَّ الْغَزَالِيَّ خَالَفَ طَرِيقَةَ الناس في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال في الْمُسْتَصْفَى لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ عن الْأَدِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ لِأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ وَالشَّرْطُ بَعْدُ لم يَظْهَرْ وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ فيه الْمُعَارَضَةُ وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ في الْقِيَاسِ فَالْعِلَّةُ دَلِيلٌ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وقد تَبِعَهُ على ذلك الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ فَنَقَلَا الْإِجْمَاعَ على امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن كل ما يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا وَغَلَّطَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعِنْوَانِ مُتَمَسِّكًا بِكَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ السَّابِقِ وَمَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ مُقَدَّمٌ على من نَقَلَ الْإِجْمَاعَ لِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ انْتَهَى قُلْت وَهَذَا لَا يُنَافِي نَقْلَ الْخِلَافِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذلك طَرِيقَةٌ في الْمَذْهَبِ قَاطِعَةٌ بِذَلِكَ وَطَرِيقَةٌ حَاكِيَةٌ لِلْخِلَافِ على أَنَّ من الناس من عَكَسَ هذه الطَّرِيقَةَ فقال الْمَعْرُوفُ ما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَخِلَافُ الصَّيْرَفِيِّ إنَّمَا هو في اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قبل دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وإذا ظَهَرَ مُخَصِّصٌ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ هَكَذَا نَقَلَهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَعَلَى هذا فَنَصْبُ الْخِلَافِ على التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ غَلَطٌ بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافِ الصَّيْرَفِيِّ وَامْتِنَاعُ التَّمَسُّكِ بِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ إجْمَاعٍ وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ الِاتِّفَاقَ على امْتِنَاعِ الْعَمَلِ مع إيجَابِ الْبَعْضِ اعْتِقَادَ عُمُومِهِ إذْ لَا يَظْهَرُ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ إلَّا الْعَمَلَ بِهِ فِعْلًا أو كَفًّا فَلَوْ قِيلَ قَاتِلُوا الْكُفَّارَ أو اُقْتُلُوهُمْ وَاعْتَقَدْنَا عُمُومَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ في قِتَالِهِمْ حتى يَأْتِيَ الْمُخَصِّصُ وَإِنْ لم يَكُنْ الْأَمْرُ هَكَذَا لم يَكُنْ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ في الْحَالَيْنِ وَمِمَّنْ نَصَبَ فِيهِمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ فقال هل يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا قال الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ الْأَخِيرُ وقد سَبَقَ تَوَهُّمُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصَ النَّقْلِ عنه بِذَلِكَ وقال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا في الْأَزْمَانِ وَالْأَعْيَانِ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ فيه الْوَجْهَانِ وَأَيْضًا فَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ في النَّقْلِ عن الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ وَمَعَ الْجَزْمِ بِالْعُمُومِ يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّمَسُّكُ بِهِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ في مَنْعِ التَّمَسُّكِ بِهِ وَكَيْفَ تُجْعَلُ مَسْأَلَةُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ غير مَسْأَلَةِ جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ هو لَازِمُهُ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ من وُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ ثُمَّ حين ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ فإنه مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ أَغْلَظَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَوْلَ فيه بِسَبَبِهِ بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً فإن له وَجْهًا وَجِيهًا قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ هُمَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا قبل مَجِيءِ وَقْتِ الْعَمَلِ وَالْحَقُّ فيها ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ وَالْعَمَلَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَثَانِيَتُهُمَا عِنْدَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْغَزَالِيِّ وَالْحَقُّ فيها ما اخْتَارَهُ وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ من كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ على الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ دُونَ الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَأَمَّا الْخِلَافُ الْمَحْكِيُّ عن الصَّيْرَفِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ فَهُوَ حُكْمُ مُقْتَضَى الْعُمُومِ ابْتِدَاءً وَيَعْتَمِدُ على ظُهُورِ التَّخْصِيصِ ابْتِدَاءً وَالْخِلَافُ في الْعَامِّ في إجْرَائِهِ على عُمُومِهِ وفي الْخَاصِّ في إجْرَائِهِ على حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِقْصَاءَ عن الْمُخَصِّصِ أَوْجَبَ الْبَحْثَ عن الْمُقْتَضَى بِحَمْلِ اللَّفْظِ على الْمَجَازِ وَهَكَذَا جَعَلَ الْهِنْدِيُّ خِلَافَ الصَّيْرَفِيِّ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ قال فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ مع الْجَزْمِ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ عِنْدَ جَمْعٍ كَالْقَاضِي وَمَعَ ظَنِّهِ عِنْدَ آخَرِينَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وهو الْأَوْلَى انْتَهَى وقد سَبَقَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ وَالْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عنه من غَيْرِ فَرْقٍ بين حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ لَا وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ في الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَسْتَقِيمُ لِمَا سَيَأْتِي من كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا حَضَرَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ لِقَرَائِنَ تَتَوَفَّرُ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ الْعَامُّ كَالنَّصِّ وقد لَا يَقْطَعُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْقَطْعِ بَلْ يَغْلِبُ على ظَنِّهِ الْعُمُومُ فَيَعْمَلُ بِنَاءً على غَلَبَةِ الظَّنِّ كما في خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ الْمَذَاهِبُ في الْمُدَّةِ التي يَجِبُ فيها الْبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ الْأَمْرُ الْخَامِسُ إذَا أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ عن الْمُخَصِّصِ فَاخْتُلِفَ في الْمُدَّةِ التي يَجِبُ فيها الْبَحْثُ على أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ حَكَاهَا في الْمُسْتَصْفَى أَحَدِهَا يَكْفِيهِ أَدْنَى نَظَرٍ وَبَحْثٍ كَاَلَّذِي يَبْحَثُ عن مَتَاعٍ في بَيْتٍ وَلَا يَجِدُهُ فَيَغْلِبُ على ظَنِّهِ عَدَمُهُ وَالثَّانِي يَكْفِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالِانْتِفَاءِ عِنْدَ الِاسْتِقْصَاءِ في الْبَحْثِ وَالثَّالِثِ لَا بُدَّ من اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ وَلَا يَكْفِي الظَّنُّ وَرَابِعِهَا لَا بُدَّ من الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْأَدِلَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي وَالْقَطْعُ بِهِ مُمْكِنٌ وَمَنَعَ غَيْرُهُ ذلك الْإِمْكَانَ لِأَنَّ غَايَةَ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ على عَدَمِ الْوُجُودِ وَلَا يَلْزَمُ منه إلَّا الظَّنُّ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لَا الْقَطْعُ بِعَدَمِهِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْأَدِلَّةِ وَاحْتِمَالِ الشُّذُوذِ وقال الْقَاضِي وَلَا يَكْفِي عَدَمُ وُجْدَانِ الْمُخَصِّصِ لِمُجْتَهِدٍ سَابِقٍ وَلَا قَوْلُهُ وَلَوْ كان الْحُكْمُ خَاصًّا لَنَصَبَ اللَّهُ عليه دَلِيلًا لِلْمُكَلَّفِينَ وَلْيَكْفِهِمْ ذلك وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْقَوْلَ قَرِيبٌ من الذي قَبْلَهُ فإن الْمُعْتَقِدَ أَيْضًا لَا يُجَوِّزُ النَّقِيضَ وَإِلَّا لَكَانَ ظَانًّا لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ في أَنَّ الْمُعْتَقِدَ على الثَّالِثِ يَكُونُ مُصِيبًا في الْحُكْمِ وَإِنْ تَبَيَّنَ له الْغَلَطُ بَعْدَ ذلك وَالْقَاضِي يَرَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ من غَيْرِ عِلْمٍ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا في الشَّرِيعَةِ قَالَهُ الْإِبْيَارِيُّ وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ الْأَوَّلُ فقال عليه تَحْصِيلُ عِلْمٍ أو ظَنٍّ بِاسْتِقْصَاءِ الْبَحْثِ أَمَّا الظَّنُّ فَبِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ في نَفْسِهِ وَأَمَّا الْقَطْعُ فَبِانْتِفَائِهِ في حَقِّهِ يَتَخَيَّرُ عن نَفْسِهِ عن الْوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ بَذْلِ وُسْعِهِ وَهَذَا الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ في مَسْأَلَةِ الْمُخَابَرَةِ وَنَحْوِهَا وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ في الْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ وَكُلُّ ما هو مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ وَيَجْتَمِعُ من كَلَامِ الْأَصْحَابِ في الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ فَقَدْ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ كِلَاهُمَا في الْأَقْضِيَةِ ليس لِزَمَانِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا هو مُعْتَبَرٌ بِمَا يُؤَدِّي الِاجْتِهَادُ إلَيْهِ من الرَّجَاءِ وَالْإِيَاسِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ ليس لِمُدَّةِ الْبَحْثِ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ وَلَكِنَّهَا مَعْقُولَةٌ وَهَذَا كما أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لم يَجِدْ نَصًّا في الْحَادِثَةِ يَجْتَهِدْ حتى يَجِدَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَيْسَ له في ذلك زَمَنٌ مُحَدَّدٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ من سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَتْلُو آيَةً بِلَفْظٍ عَامٍّ كان عليه أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا سَمَاعًا فَلَعَلَّهُ اسْتَثْنَى عَقِبَ الْكَلَامِ فإذا اسْتَوْعَبَهَا ولم يَجِدْ فيها اسْتِثْنَاءً وَلَا خُصُوصًا اعْتَقَدَ عُمُومَهَا وَعَمِلَ بِمَا يُوجِبُهُ لَفْظُهَا وَلَيْسَ لِمُدَّةِ الِاسْتِمَاعِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ وَلَكِنْ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ فَكَذَلِكَ من سمع آيَةً عَامَّةً نَظَرَ وَلَا مُدَّةَ لِنَظَرِهِ أَكْثَرَ من زَمَانٍ يَخْطُرُ بِبَالِهِ ما قد عَلِمَهُ من الْأُصُولِ فيه فَإِنْ لم يَجِدْ في ذلك ما يَدُلُّ على خُصُوصِهَا وَاحْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ أَجْرَاهَا على الْعُمُومِ وَإِنْ لم يَحْتَجْ سَأَلَ من يَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا أو ازْدَادَ في التَّأَمُّلِ بِمَا عِنْدَهُ من الْأُصُولِ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِهِ على خُصُوصٍ إنْ كان فيها كما سَأَلَ الصَّحَابَةُ عن قَوْله تَعَالَى ولم يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ وَقَالُوا أَيُّنَا لم يَظْلِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَسَأَلُوا النبي عليه السَّلَامُ عن قَوْلِهِ من أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَهُ كَرِهَ لِقَاءَهُ فَقَالُوا أَيُّنَا لَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَكَشَفَ لهم عن الْمَعْنَى وَلَيْسَ كُلُّ ما قَدَرَ حَصْرُهُ بِمِقْدَارٍ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ كما تَقُولُ في التَّوَاتُرِ أَنْ يَكُونَ عَدَدًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ قال وفي ذلك إبْطَالُ قَوْلِ من نَظَرَ إلَى إبْطَالِ النَّظَرِ في مَعْنَى الْعُمُومِ لِجَهْلِ الْمُدَّةِ التي يَقَعُ فيها النَّظَرُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَلَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ أَبَدًا بَلْ هو كَالْحَاكِمِ يَتَوَقَّفُ حتى يَسْأَلَ عن عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ هو الْوَاجِبُ دُونَ التَّكْرَارِ كَالْمُجْتَهِدِ تَنْزِلُ بِهِ الْحَادِثَةُ قال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ الْمُوجِبُونَ لِلْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ إنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ من نَظَرِهِ فِيمَا تَأَخَّرَ من النُّصُوصِ أو ما يَتَيَسَّرُ له مُرَاجَعَتُهُ مِمَّا سَتَعْرِفُهُ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ التَّوَقُّفَ حتى يَقَعَ على ما لَعَلَّهُ لم يَبْلُغْهُ من النُّصُوصِ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ مع قُرْبِ الْمُرَاجَعَةِ فَلَا يَصِحُّ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ ما بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ على الْبَحْثِ في الْأَمْصَارِ وَالْبِلَادِ عَمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا وَبِهَذَا يُجَابُ عن قَوْلِ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ إنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَكَانَتْ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ مُمْكِنَةً لِكُلِّ أَحَدٍ حَصَلَتْ له أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ لِأَنَّا أَوَّلًا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّلَاعَهُ على جُمْلَةٍ من النُّصُوصِ زَائِدَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا من له أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ انْتَهَى مَنْشَأُ الْخِلَافِ في الْمَسْأَلَةِ الْأَمْرُ السَّادِسُ أَنَّ مَثَارَ الْخِلَافِ في وُجُوبِ الْبَحْثِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا التَّعَارُضُ بين الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَالثَّانِي عَدَمُ الْمُخَصِّصِ هل هو شَرْطٌ في الْعُمُومِ أو التَّخْصِيصُ من بَابِ الْمُعَارِضِ فيه قَوْلَانِ يُؤْخَذَانِ مِمَّا سَبَقَ وَكَمَا في تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَالصَّيْرَفِيُّ يقول إنَّ التَّخْصِيصَ مَانِعٌ فَ يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ ما لم يَنْتَهِضْ الْمَانِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وابن سُرَيْجٍ يقول عَدَمُهُ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ من تَحَقُّقِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يقول صِيَغُ الْعُمُومِ لَا تَدُلُّ على الِاسْتِيعَابِ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ وَانْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ من الْبَحْثِ هَكَذَا نَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إنَّمَا يَدُلُّ على الْعُمُومِ صِيغَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَالتَّجَرُّدُ لم يَثْبُتْ قال وَهَذَا كما تَقُولُ إذْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمَا فإنه يَجِبُ السُّؤَالُ عن عَدَالَتِهِمَا وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بها قبل السُّؤَالِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَانِ مع الْعَدَالَةِ لَا الشَّاهِدُ فَقَطْ انْتَهَى هل يُؤَوَّلُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ في الْمُخَصِّصِ إلَى الْقَوْلِ بِالْوُقُوفِ في صِيَغِ الْعُمُومِ الْأَمْرُ السَّابِعُ يَلْزَمُ على الْمُصَحِّحِ من قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورِ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ في صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّا لم نَعْتَقِدْ أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في الْعُمُومِ وَلَا يَجْرِي عليه حتى يَبْحَثَ عن الْمُخَصِّصِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ وَصَارَ إلَى مَذْهَبِ الْوَاقِفِيَّةِ وَعَلَى هذا جَرَى ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ وهو من الْوَاقِفِيَّةِ فقال غَلِطَ عَلَيْنَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَزَعَمَ أَنَّ الْمَذْهَبَيْنِ يَفْتَرِقَانِ فإن أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِي الْعُمُومَ إذَا عَدِمَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِدَلَالَةِ غَيْرِ نَفْسِ الْكَلَامِ قال وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ نَقُولُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ وَلَا نَهْجُمُ على أَحَدِهِمَا إلَّا بِتَبَيُّنٍ وَبَحْثٍ فَإِنْ وَجَدْنَا ما يَخُصُّهُ عَمِلْنَا بِعُمُومِهِ وَرَجَعْنَا إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ بِالْقَرِينَةِ وَلِهَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ بِنَاءُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ على حَرْفٍ وهو أَنَّ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ عِنْدَنَا يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِغْرَاقِ وَالْقَوْلِ بِالْوَقْفِ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُفْضِي إلَى ذلك وَلِهَذَا اخْتَارَ هو قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْوَاقِفِيَّةِ قد اتَّفَقَ على تَرْكِ الْهُجُومِ على إمْضَاءِ الْكَلَامِ على الْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ إلَّا أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِيهِ على عُمُومِهِ إذَا عَدِمَ الدَّلَائِلَ الْخَاصَّةَ من نَفْسِهِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ وَالْوَاقِفِيَّةِ يَقُولُونَ لَا بُدَّ من قَرِينَةٍ على خُصُوصِ حُكْمِ الِاسْتِيعَابِ قال إلْكِيَا في الْمَدَارِكِ ظَنَّ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُوَافِقُهُمْ على مَذْهَبِهِمْ فإنه قال الْأَلْفَاظُ تُطْلَقُ وَالْقَصْدُ منها الْمَعَانِي التي تَحْتَهَا فَيَكُونُ الْكَلَامُ عَامًّا في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جميعا وقد يَكُونُ عَامَّ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ منه مَعْنًى دُونَ مَعْنًى فإذا وَرَدَ في الْكَلَامِ نَظَرْنَا فإذا كان هُنَاكَ دَلَائِلُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لِمَعْنًى دُونَ مَعْنًى صُيِّرَ إلَى ذلك وَإِلَّا أُجْرِيَ على عُمُومِهِ قال وَذَكَر الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ما يُومِئُ إلَيْهِ فإنه قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ على وُجُوبِ طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بين مَوَاقِعِ الْكَلَامِ ولم يَكِلْهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ قال وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ لِأَنَّ أَبَا الْحَسَن يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في الْعُمُومِ وَالظَّاهِرُ يُفِيدُ الظَّنَّ وَالظَّنُّ إنَّمَا يَنْتَفِي بِالْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصَاتِ وَالْوَاقِفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ عَامًّا لَا ظَاهِرًا وَلَا نَصًّا انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ على التَّخْصِيصِ ليس هو بِقَوْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ طَلَبُوا ما يُمْنَعُ إجْرَاؤُهُ على ظَاهِرِهِ فَإِنْ لم يَجِدُوا ما يُوجِبُهُ عَمِلُوا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ وَأَصْحَابُ الْوَقْفِ طَلَبُوا دَلِيلَهُ الذي يُبَيِّنُ مُرَادَهُ فَإِنْ لم يَجِدُوا لم يَعْمَلُوا بِشَيْءٍ منه وقال أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ليس هذا بِآيِلٍ إلَى قَوْلِ الْوَقْفِ في الصِّيَغِ كما ظَنَّ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يقول إذَا لم يَجِدْ في الْأُصُولِ ما يَخُصُّهُ حَمَلَهُ على الْعُمُومِ وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يقول ذلك وَيَتَوَقَّفُ فيه على الدَّلِيلِ فَافْتَرَقَا وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ نَحْنُ نُفَارِقُ الْوَاقِفِيَّةَ في الصِّيَغِ من وِجْهَتَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّا إذَا لم نَجِدْ في الْأُصُولِ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ أُجْرِيَ اللَّفْظُ على عُمُومِهِ وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يقول ذلك لَكِنْ يَتَوَقَّفُ حتى يَدُلَّ الدَّلِيلُ على أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّا نَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِإِخْرَاجِ ما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ وَالْأَشْعَرِيُّ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِمَعْرِفَةِ ما هو مُرَادٌ بِاللَّفْظِ فَهُوَ لِبَيَانِ الْمُحَالِ دُونَ بَيَانِ الْعُمُومِ تَقْسِيمُ الصَّيْرَفِيِّ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ في الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ في مَوْضِعٍ منه قَسَّمَ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا ما يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَحُكْمُهُ الْعُمُومُ حتى يَعْلَمَ ما يَخُصُّهُ الدَّلِيلُ وَلَا يُتْرَكُ شَيْءٌ يَقَعُ عليه الِاسْمُ إلَّا لَزِمَ حُكْمُهُ الثَّانِي ما لَا يَقْدِرُ الْمُخَاطَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمُومِ ما اشْتَمَلَ عليه فَلَا يَلْزَمُ من ذلك إلَّا ما وَقَفَ عليه لِأَنَّهُ ليس بَعْضُهُ أَوْلَى من بَعْضٍ إذْ الْكُلُّ مَعْجُوزٌ عنه كَقَوْلِنَا لَا تَنَامُوا وَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا فَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ على الِامْتِنَاعِ فيه دَائِمًا فَلَا بُدَّ من التَّوَقُّفِ لِلْعَجْزِ عن دَوَامِ ذلك وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ وهو أَنْظَرُهَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ من الذي نهى عنه أَبَدًا حتى يَغْلِبَ عليه هذا كَلَامُهُ الْبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ الْأَمْرُ التَّاسِعُ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ لِيَشْمَلَ ما إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وقال أبو نَصْرِ بن الصَّبَّاغِ في كِتَابِ عُدَّةِ الْعَالِمِ له في أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إنْ اقْتَضَى عَمَلًا مُؤَقَّتًا وَضَاقَ الْوَقْتُ عن طَلَبِ الْخُصُوصِ فَهَلْ يَعْمَلُ بِهِ أو يَتَوَقَّفُ قال فيه خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا وَهَذَا فيه رَدٌّ على من حَكَى الْإِجْمَاعَ في مِثْلِ هذه الْحَالَةِ كما سَبَقَ وَنَظِيرُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هل يُقَلِّدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ جَوَّزَهُ ابن سُرَيْجٍ وقال لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهِ وقال الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ له الْقَضَاءُ وَأَوْلَى وَمِنْهُمْ من طَرَدَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ في الْقَضَاءِ قال الرَّافِعِيُّ وَمَنْ قال بِهِ فَقِيَاسُهُ طَرْدُهُ في الْفَتْوَى الْأَمْرُ الْعَاشِرُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ لَا يَخْتَصُّ بِالْعُمُومِ بَلْ يَجْرِي في لَفْظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذَا وَرَدَا مُطْلَقَيْنِ كما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَكَذَلِكَ الْحَقِيقَةُ إذَا وَرَدَتْ هل يُطْلَبُ لها مَجَازٌ أَمْ لَا وَعَمَّمَهُ الْغَزَالِيُّ وابن الْحَاجِبِ في كل دَلِيلٍ مع مُعَارِضِهِ قال الْغَزَالِيُّ وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ فَهُوَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عن الْمُعَارِضِ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِعِلَّةٍ تُحِيلُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقَدِحَ فَرْقٌ فَعَلَيْهِ الْبَحْثُ عن الْفَوَارِقِ جَهْدَهُ وَنَفْيِهَا ثُمَّ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ وَكُلُّ ما هو مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ انْتَهَى لَكِنْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْإِجْمَاعَ على أَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ طَلَبُ الْمَجَازِ وَإِنْ وَجَبَ عِنْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ الْبَحْثُ عن الْخَاصِّ لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إلَى الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ وهو ظَاهِرُ اسْتِدْلَالِ الْبَيْضَاوِيِّ في الْمَنَاهِجِ وَسَبَقَ في بَحْثِ الْحَقِيقَةِ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في هذا الْأَصْلِ إنَّمَا هو في التَّوَقُّفِ لِأَجْلِ طَلَبِ التَّخْصِيصِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْإِمْضَاءُ فَلَا خِلَافَ فيه فإنه قال في تَعْلِيقِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي إنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَقَّفُ في أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَلَا يَتَوَقَّفُ لِطَلَبِ الْجُرْحِ أو طَلَبِ الْعَدَالَةِ وَجْهَانِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْعُمُومِ إذَا وَرَدَ قال بَعْضُهُمْ ظَاهِرُ الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ وَمِنْهُمْ من قال يَتَوَقَّفُ فيه طَلَبًا لِلتَّخْصِيصِ لَا طَلَبًا لِلْإِمْضَاءِ انْتَهَى وَبِهَذَا التَّصْوِيرِ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ في الْمَسْأَلَةِ وإذا انْضَمَّ إلَى ما سَبَقَ خَرَجَ في الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مَسْأَلَةٌ الصُّورَةُ النَّادِرَةُ هل تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ اخْتَلَفُوا في الصُّوَرِ النَّادِرَةِ هل تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عليها أو لَا لِأَنَّهَا لَا تَخْطِرُ بِالْبَالِ غَالِبًا وَبَنَى عليه أَصْحَابُنَا في الْمُسَابَقَةِ على الْفِيلِ فَمَنْ مَنَعَ ذلك ادَّعَى أَنَّهُ لم يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ لَا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حَافِرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الدُّخُولِ فإنه قال في الْبَسِيطِ في بَابِ الْوَصِيَّةِ لو أَوْصَى بِعَبْدٍ أو رَأْسٍ من رَقِيقِهِ جَازَ دَفْعُ الْخُنْثَى وفي وَجْهٍ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُهُ هذا لَفْظُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ دُخُولِهَا فإنه قال الشَّاذُّ يَجِيءُ بِالنَّصِّ عليه وَلَا يُرَادُ على الْخُصُوصِ بِالصِّيغَةِ الْعَامَّةِ انْتَهَى وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ الْعُمُومِ فقال إنَّ الْعُمُومَ إذَا وَرَدَ وَقُلْنَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْغَالِبَ دُونَ الشَّاذِّ النَّادِرِ الذي لَا يَخْطِرُ بِبَالِ الْقَائِلِ كَذَا حَكَاهُ عنه ابن الْعَرَبِيِّ في كِتَابِ الزِّنَى من كِتَابِهِ الْقَبَسِ لَكِنْ حَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْوَصِيَّةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا أَوْصَى لِعَبْدٍ مُبَعَّضٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ يَنْبَنِي على أَنَّ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ هل تَدْخُلُ في الْمُهَايَأَةِ ثُمَّ قال وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِإِدْرَاجِ الْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ في الْمُهَايَأَةِ أنها تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ أو تَكُونُ على الْخِلَافِ وَفِيمَا إذَا عَمَّتْ الْهِبَاتُ وَالْوَصَايَا في قُطْرٍ أنها تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ كَالْأَكْسَابِ الْعَامَّةِ أو هِيَ على الْخِلَافِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فيها النُّدُورُ انْتَهَى وَيَجِيءُ مِثْلُ هذا فِيمَا لو عَمَّ بَعْضُ النَّادِرِ في قُطْرٍ هل يَدْخُلُ في الْعُمُومِ وَقَلَّ من تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَقِيلَ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَاهُ ولم أَرَهُ في كُتُبِهِ وَإِنَّمَا حَكَوْا في بَابِ التَّأْوِيلِ الْخِلَافَ في تَنْزِيلِ الْعَامِّ على الصُّورَةِ النَّادِرَةِ بِخُصُوصِهَا فَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ في الْكَلَامِ على أَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ أَنَّ الصُّورَةَ النَّادِرَةَ بَعِيدَةٌ عن الْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمَقَالِ وَلَا تَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ فإن اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ عليها لِأَنَّا نَقْطَعُ بِكَوْنِهَا غير مَقْصُودَةٍ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ قال وَبَنَى على هذا أَصْحَابُنَا كَثِيرًا من الْمَسَائِلِ منها أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا حَمْلَ أبي حَنِيفَةَ حَدِيثَ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ على الْمُكَاتَبَةِ وَقَالُوا الْمُكَاتَبَةُ نَادِرَةٌ من نَادِرٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ في النِّسَاءِ الْحَرَائِرُ وَالْإِمَاءُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ وَالْمُكَاتَبَاتُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَاءِ فَلَا يَجُوزُ تَنْزِيلُ الْعَامِّ عليها وَذَكَرَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا فقال تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالصُّورَةِ النَّادِرَةِ إنْ تَقَدَّمَ عَهْدٌ يَدُلُّ عليه لم يَبْعُدْ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَيُّمَا رَجُلٍ دخل الدَّارَ أَكْرِمْهُ ثُمَّ يقول عَنَيْت بِهِ من تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ من خَوَاصِّي وَإِنْ لم يَظْهَرْ سَبْقُ عَهْدٍ فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِهِ اتِّكَالًا على احْتِمَالِ اللَّفْظِ الْقَرَائِنَ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِنَاءً على تَقْدِيرِ حِكَايَاتٍ وَقَرَائِنَ فإن ذلك لَا يَسْلَمُ عنه حَدِيثٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ أَخْذُ الْخِلَافِ من هذه الصُّورَةِ في مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ جَوَازَ التَّخْصِيصِ فَرْعُ شُمُولِ اللَّفْظِ وقد اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إطْلَاقَ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال لَا يَتَبَيَّنُ لي في كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فإنه لَا يَخْفَى عليه خَافِيَةٌ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْخُطُورِ بِبَالِ الْعَرَبِ في مُخَاطَبَاتِهَا فإذا كانت عَوَائِدُهُمْ إطْلَاقَ الْعَامِّ الذي يَشْمَلُ وَضْعًا صُورَةً لَا تَخْطِرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ غَالِبًا بِبَالِهِمْ فَوَرَدَ ذلك الْعَامُّ في كَلَامِ الْبَارِي تَعَالَى قُلْنَا إنَّهُ تَعَالَى لم يُرِدْ تِلْكَ الصُّورَةَ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ على أُسْلُوبِ الْعَرَبِ في مُحَاوَرَاتِهَا وَعَادَاتِهَا في الْخِطَابِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في بَابِ الْمُسَابَقَةِ كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ يَدُلُّ على أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ في الْعَامِّ ما خَطَرَ لَا لِلَّافِظِ بِهِ حين النُّطْقِ بِهِ وَهَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إذَا قُلْنَا إنَّ جَمِيعَ ما يَقُولُهُ عن وَحْيٍ وَاجْتِهَادٍ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ جَمِيعَ ما يَقُولُهُ عن وَحْيٍ فَلَا يَظْهَرُ اعْتِبَارُهُ لِأَنَّ مُوحِيَهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ وَجَوَابُهُ ما تَقَدَّمَ الثَّانِي أَطْلَقُوا هذا الْخِلَافَ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَدُومَ فَإِنْ دَامَ دخل قَطْعًا لِأَنَّ النَّادِرَ الدَّائِمَ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ ثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ فِيمَا ظَهَرَ انْدِرَاجُهُ في اللَّفْظِ ولم يُسَاعِدْهُ الْمَعْنَى أَمَّا إذَا سَاعَدَهُ فَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ فيه بِالدُّخُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فيه خِلَافٌ من الْخِلَافِ في بَيْعِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ من نَفْسِهِ وَبِالْعَكْسِ هل يَثْبُتُ فيه خِيَارُ الْمَجْلِسِ على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا لَا فإن الْمُعَوَّلَ عليه الْخَبَرُ وهو إنَّمَا وَرَدَ في الْمُتَبَايِعَيْنِ وَالْوَلِيُّ قد تَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا الثُّبُوتُ فإنه بَيْعٌ مُحَقَّقٌ وَغَرَضُ الشَّارِعِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالذِّكْرِ إجْرَاءً لِلْكَلَامِ على الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ كَذَا وَجَّهَهُ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ في الْعُمُومِ ما يَمْنَعُ دَلِيلُ الْعَقْلِ من دُخُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ اضْرِبْ كُلَّ من في الدَّارِ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ من وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ مَرْجِعَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ يُوجِبُ إخْرَاجَهُ منه وَالثَّانِي أَنَّهُ خَارِجٌ منه لِسُقُوطِهِ في نَفْسِهِ وَاللَّفْظُ لم يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ في الْعُمُومِ الصُّوَرُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ فيه قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وقال ذَهَبَ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا إلَى وُجُوبِ وَقْفِ الْعُمُومِ على ما قَصَدَ بِهِ وَأَنْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كانت الصِّيغَةُ تَقْتَضِيهِ وَبِهِ قال أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ من الشَّافِعِيَّةِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ الْوَقْفِ فيه وَوُجُوبِ إجْرَائِهِ على مُوجِبِهِ لُغَةً قال وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ إلَى قَوْلِهِ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ على إبَاحَةِ كل نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ في جَوَازِ أَكْلِهِ أو شُرْبِ بَعْضِ ما يَخْتَلِفُ في شُرْبِهِ وقد عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ من الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ في لَيْلَةِ الصِّيَامِ لَا يَحْرُمُ بَعْدَ النَّوْمِ نَسْخًا لِمَا تَقَدَّمَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في نَذْرٍ مُخْتَلَفٍ فيه أو نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ في تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ وَكَذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالْخِطَابِ الْخَارِجِ على الْمَدْحِ وَالذَّمِّ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ على جَوَازِ الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهِ قُلْت وَسَتَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِ الْعَامِّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالذَّمُّ هل هو عَامٌّ أو لَا فَهِيَ فَرْدٌ من أَفْرَادِ هذه فَيُعَابُ على من ذَكَرَهُمَا في كِتَابِهِ من غَيْرِ تَنْبِيهٍ إلَى ما أَشَرْنَا إلَيْهِ وَظَهَرَ من هذا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى وَقْفَهُ على ما قَصَدَ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ وَلِهَذَا مَنَعَ الزَّكَاةَ في الْحُلِيِّ مَنَعَ التَّمَسُّكَ في الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِأَنَّ الْعُمُومَ لم يَقَعْ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا وَقَعَ هُنَا قَرِينَةَ الذَّمِّ وَقَرِينَةُ الذَّمِّ أَخْرَجَتْهُ عن الْعُمُومِ وَالْحَنَفِيَّةُ يَمِيلُونَ إلَيْهِ وَيَبْنُونَ عليه أُصُولًا في بَابِ الْوَقْفِ وَاسْتَنْبَطَ ابن الرِّفْعَةِ من كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في الْفَتَاوَى أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُعْتَبَرُ أَعْنِي مَقَاصِدَ الْوَاقِفِينَ فَيَتَخَصَّصُ بها الْعُمُومُ وَيَعُمُّ بها الْخُصُوصُ تَنْبِيهٌ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هذه الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهَا لَا تُتَصَوَّرُ في كَلَامِ اللَّهِ الْمُنَزَّهِ عن الْغَفْلَةِ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ قال بِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ وهو لَا يُتَصَوَّرُ في حَقِّ اللَّهِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَرَبِيُّ بِلَفْظٍ عَامٍّ على قَصْدِ التَّعْمِيمِ مع ذُهُولِهِ عن بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ فلما كان هذا مُعْتَادًا في لُغَةِ الْعَرَبِ كَذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَكُونَانِ على هذا الطَّرِيقِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ حَيْثُ وَقَعَ في الْقُرْآنِ الرَّجَا بِلَعَلَّ وَعَسَى وَنَحْوِ ذلك مِمَّا يَسْتَحِيلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ ذلك نَزَلَ مُرَاعَاةً لِلُغَتِهِمْ قَاعِدَةٌ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ تَقْسِيمًا نَافِعًا وَزَادَهُ وُضُوحًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ وهو أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ بِوَضْعِ اللُّغَةِ على ثَلَاثِ مَرَاتِبَ إحْدَاهَا ما ظَهَرَ منه قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ على اللَّفْظِ مَقَالِيَّةٍ أو حَالِيَّةٍ بِأَنْ أَوْرَدَ مُبْتَدَأً لَا على سَبَبٍ لِقَصْدِ تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ فَلَا إشْكَالَ في الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى عُمُومِهِ قال إلْكِيَا وَالْقَرَائِنُ إمَّا أَنْ تَنْشَأَ عن غَيْرِ اللَّفْظِ كَالنَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ وَالتَّعْلِيلِ فإنه أَمَارَةُ الْحُكْمِ على الْإِطْلَاقِ وَإِمَّا أَنْ يَنْشَأَ من اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَنَظْمِهِ على وَجْهٍ يَظْهَرُ منه قَصْدُ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ بَعْدَ أَنْ قَسَّمَ الْبَابَيْنِ قِسْمَيْنِ الثَّانِيَةُ ما يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ فيه التَّعَرُّضُ لِحُكْمٍ آخَرَ وَأَنَّهُ بِمَعْزِلٍ عن قَصْدِ الْعُمُومِ فَهَلْ يَتَمَسَّكُ بِعُمُومِهِ إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إرَادَةِ اللَّفْظِ بِغَيْرِهِ أو يُقَالُ لَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فيه مُجْمَلٌ فَيَتَبَيَّنُ من الْجِهَةِ الْأُخْرَى فيه قَوْلَانِ قال إلْكِيَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ لِأَنَّ الْعَرَبَ ما وَضَعَتْ لِلْوَعِيدِ لَفْظًا أَحْسَنَ منه وَمَثَّلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فإن اللَّفْظَ عَامٌّ في الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ منه بَيَانُ قَدْرِ الْمُخْرَجِ لَا قَدْرِ الْمُخْرَجِ منه وَيُؤْخَذُ ذلك من قَوْلِهِ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ فَهَذَا لَا عُمُومَ له في قَصْدِهِ وَالْحَنَفِيُّ يَحْتَجُّ بِهِ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْحَرْثِ سَوَاءٌ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَالسِّيَاقُ لَا يَقْتَضِيهِ قال الشَّيْخُ وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي أَنَّ دَلَالَتَهُ على ما لم يُقْصَدْ بِهِ أَضْعَفُ من دَلَالَتِهِ على ما قُصِدَ بِهِ وَمَرَاتِبُ الضَّعْفِ مُتَفَاوِتَةٌ وَالدَّلَالَةُ على تَخْصِيصِ اللَّفْظِ وَتَعَيُّنِ الْمَقْصُودِ مَأْخُوذَةٌ من قَرَائِنَ وَتَضْعُفُ تِلْكَ الْقَرِينَةُ عن دَلَالَةِ اللَّفْظِ على الْعُمُومِ وَمِنْ فَوَائِدِ هذا أَنَّ ما كان غير مَقْصُودٍ يَخْرُجُ عنه بِذَلِكَ قَرِينَةُ الْحَالِ لَا يَكُونُ في قَرِينَةِ الذي يَخْرُجُ بِهِ الْعُمُومُ عن الْمَقْصُودِ وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ التي حَكَى فيها الْخِلَافَ في وَقْفِ الْعُمُومِ على الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ الثَّالِثَةُ ما يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ولم يَظْهَرْ فيه قَرِينَةٌ زَائِدَةٌ تَدُلُّ على التَّعْمِيمِ وَلَا على عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فَيَحْتَجُّ بِهِ على إبْطَالِ شِرَاءِ الْكَافِرِ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فإن الْمِلْكَ نَفْيُ السَّبِيلِ قَطْعًا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُرَادَ ذلك بِاللَّفْظِ قال الطَّبَرِيُّ وهو مُحْتَمَلٌ وَالْمَنْعُ منه ظَاهِرٌ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوَاجِبُ في هذا الْقِسْمِ أَنَّهُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسِ اتِّبَاعِ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ الْقَاضِي وقال الْغَزَالِيُّ هِيَ لِلْإِجْمَالِ أَقْرَبُ من الْعُمُومِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَافْعَلُوا الْخَيْرَ في التَّمَسُّكِ بِهِ على إيجَابِ الْوِتْرِ وَبِالْآيَةِ السَّابِقَةِ على قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَكَذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ فإن إيجَابَ الْقِصَاصِ تَسْوِيَةٌ قال فَلَفْظُ الْخَيْرِ وَالسَّبِيلِ وَالِاسْتِوَاءِ إلَى الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ قال وَلَيْسَ منه فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ خِلَافًا لِقَوْمٍ مَنَعُوا التَّمَسُّكَ بِعُمُومِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ الْفَصْلِ بين الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ صِيغَتَهُ عَامَّةٌ لِأَنَّهَا من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ السَّبِيلِ وَالْخَيْرِ وَالِاسْتِوَاءِ نعم تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أَنَّهُ عَامٌّ أو مُجْمَلٌ وَسَنَذْكُرُهُ ذَيْلَ الْكَلَامِ في تَعْمِيمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ فَصْلٌ في تَقْسِيمِ صِيَغِ الْعُمُومِ الذي يُفِيدُ الْعُمُومَ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ من جِهَةِ اللُّغَةِ أو الْعُرْفِ أو الْعَقْلِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ صِيَغُ الْعُمُومِ التي تُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً وَالْأُولَى على ضَرْبَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا له أو بِوَاسِطَةِ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَعْنِي الذي يَدُلُّ بِنَفْسِهِ نَوْعَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمْعِ الْمَفْهُومَاتِ كَلَفْظِ كل وَجَمِيعِ وَأَيِّ في حَالِ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَامِلًا لِلْكُلِّ فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّصَ بِأُولِي الْعِلْمِ كَلَفْظِ من شَرْطًا أو اسْتِفْهَامًا فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعُقَلَاءِ وقد تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِمْ لِلتَّغَلُّبِ أو غَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِ الْعَالَمِينَ فَإِمَّا أَنْ يَعُمَّهُمْ أو يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ وَالْأَوَّلُ ما الِاسْمِيَّةُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا كانت مَعْرِفَةً نَحْوُ هَاتِ ما رَأَيْت فَتُفِيدُ الْعُمُومَ فِيمَا عَدَا الْعَالَمِينَ من الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمَادِ وَالْإِنْسَانِ وَقِيلَ إنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْعَالَمِينَ أَيْضًا كما في قَوْله تَعَالَى وَالسَّمَاءِ وما بَنَاهَا وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَنَحْوِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَصَّ عُمُومُ بَعْضِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْأَمْكِنَةِ نَحْوُ أَيْنَ تَجْلِسْ أَجْلِسْ وَمِنْهُ حَيْثُ أو بِالْأَزْمِنَةِ نَحْو مَتَى تَقُمْ أَقُمْ الثَّانِي ما يُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً لَا بِالْوَضْعِ بَلْ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ فَهُوَ إمَّا في جَانِبِ الثُّبُوتِ كَ لَامِ التَّعْرِيفِ التي لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ وَلَامُ التَّعْرِيفِ إنَّمَا تُفِيدُ الْجِنْسَ إذَا دَخَلَتْ على الْجُمُوعِ أو على اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ الْمُضَافِ لِهَذَيْنِ نَحْوُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَعَبْدِي حُرٌّ وَإِمَّا في جَانِبِ الْعَدَمِ وَهِيَ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ الْقِسْمُ الثَّانِي الذي يُفِيدُ الْعُمُومَ عُرْفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فإنه يُفِيدُ في الْعُرْفِ تَحْرِيمَ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ التي تُفْعَلُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَلَيْسَ ذلك مَأْخُوذًا من مُجَرَّدِ اللُّغَةِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الذي يُفِيدُهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ وهو على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدِهَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ وَلِعِلَّتِهِ إمَّا بِصَرَاحَتِهِ وَإِمَّا بِوَجْهٍ من وُجُوهِ الْإِيمَاءَاتِ فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ أَيْنَمَا ثَبَتَ الْعِلَّةُ وَثَانِيهِمَا ما يُذْكَرُ جَوَابًا عن سُؤَالِ السَّائِلِ كما إذَا سُئِلَ عَمَّنْ أَفْطَرَ فَقِيلَ من أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَيَعْلَمُ منه أَنَّ كُلَّ مُفْطِرٍ عليه مِثْلُهَا ثَالِثِهَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فإنه يَدُلُّ بِمَفْهُومٍ على أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ ليس بِظُلْمٍ وَهَذَا التَّقْسِيمُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وَلَا يَخْلُو بَعْضُهُ عن نِزَاعٍ وَلَيْسَ شَامِلًا لِجَمِيعِ الصِّيَغِ كما سَيَأْتِي سَرْدُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْتَرَضَ عليه الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ من وما لَا يُفِيدَانِ أَيْضًا الْعُمُومَ إلَّا بِاسْتِضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِمَا إمَّا الصِّلَةِ إنْ كَانَتَا مَوْصُولَيْنِ أو الْمُسْتَفْهَمِ عنهما إنْ كانت اسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ أو الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ إنْ كَانَا لِلشَّرْطِ وَلَوْ نَطَقَ وَاحِدٌ بِمَنْ وما وَحْدَهَا لم يُفِدْ كَلَامُهُ شيئا وَكَذَلِكَ كُلُّ وَجَمِيعُ فَلَا بُدَّ من إضَافَةِ لَفْظٍ إلَيْهِمَا حتى يَحْصُلَ الْعُمُومُ وهو اعْتِرَاضٌ عَجِيبٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إفَادَةُ الْعُمُومِ عَلَيْهِمَا إنَّمَا يَتَوَقَّفُ مُطْلَقُ الْإِفَادَةِ في الْجُمْلَةِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِصِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ بِجَمِيعِ التَّرَاكِيبِ وَذَكَرَ النَّقْشَوَانِيُّ في مُلَخَّصِهِ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْعُمُومِ لَا يَخْرُجُ عن ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةٍ كَجَمِيعِ وَكُلِّ وَمَتَى وما وَإِمَّا بِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ كَالْمُعَرَّفِ بِ لَامِ الْجِنْسِ من الْجُمُوعِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أو بِزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ يَعْنِي عن الْكَلِمَةِ أو بِ لَا النَّافِيَةِ وَغَيْرِهَا من أَدَوَاتِ النَّفْيِ وقال بَعْضُهُمْ هو قِسْمَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَجْمُوعًا وَالْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا سَوَاءٌ كان له مُفْرَدٌ من لَفْظِهِ أو لَا كَالنِّسَاءِ وَإِمَّا عَامٌّ بِمَعْنَاهُ فَقَطْ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا مُسْتَوْعَبًا لِكُلِّ ما يَتَنَاوَلُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ عَامٌّ بِصِيغَةٍ فَقَطْ إذْ لَا بُدَّ من تَعَدُّدِ الْمَعْنَى وَهَذَا الْعَامُّ مَعْنَاهُ إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَجْمُوعَ الْأَفْرَادِ كَالْقَوْلِ وَالرَّهْطِ وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ نَحْوُ من وما الصِّيغَةُ الْأُولَى كُلُّ وَمَدْلُولُهَا الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ فَرْدٍ من الْجُزْئِيَّاتِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى النَّكِرَةِ أو الْأَجْزَاءِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ وَمِنْهُ الْإِكْلِيلُ لِإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ وَالْكَلَالَةُ لِإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَمَعْنَاهَا التَّأْكِيدُ لِمَعْنَى الْعُمُومِ وَلِهَذَا قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ ليس بَعْدَهَا في كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ منها وَلَا فَرْقَ بين أَنْ تَقَعَ مُبْتَدَأً بها أو تَابِعَةً تَقُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَجَاءَنِي الْقَوْمُ كلهم فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ بِهِ عَامٌّ وَهِيَ تَشْمَلُ الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ وَالْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ وَالْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعَ فَلِذَلِكَ كانت أَقْوَى صِيَغِ الْعُمُومِ وَتَكُونُ في الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ تَقُولُ كُلُّ الناس وَكُلُّ الْقَوْمِ وَكُلُّ رَجُلٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ قال سِيبَوَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ كُلُّ رَجُلٍ كُلُّ رِجَالٍ فَأَقَامُوا رَجُلًا مَقَامَ رِجَالٍ لِأَنَّ رَجُلًا شَائِعٌ في الْجِنْسِ وَالرِّجَالُ الْجِنْسُ وَلَا يُؤَكَّدُ بها الْمُثَنَّى اسْتِغْنَاءً عنه بِكِلَا وَكِلْتَا وَلَا يُؤَكَّدُ بها إلَّا ذُو أَجْزَاءَ فَلَا يُقَالُ جاء زَيْدٌ كُلُّهُ قال ابن السَّرَّاجِ وَالضَّابِطُ أنها إمَّا أَنْ تُضَافَ لَفْظًا أو تُجَرَّدَ عن الْإِضَافَةِ وإذا أُضِيفَتْ فَإِمَّا إلَى مَعْرِفَةٍ أو إلَى نَكِرَةٍ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ أَنْ تُضَافَ إلَى النَّكِرَةِ فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ فِيمَا لها من ضَمِيرٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كان الْمُضَافُ إلَيْهَا مُفْرَدًا فَمُفْرَدًا وَمُثَنَّى فَمُثَنًّى وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ قال تَعَالَى كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ كُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عليها حَافِظٌ وَمَعْنَى الْعُمُومِ في هذا الْقِسْمِ كُلُّ فَرْدٍ لَا الْمَجْمُوعُ فإذا قِيلَ كُلُّ رَجُلٍ فَمَعْنَاهُ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ من الرِّجَالِ وقد يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ لِلْجُزْئِيَّاتِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ فَرْدٍ من جُزْئِيَّاتِ النَّكِرَةِ قد يَكُونُ مع ذلك الْحُكْمِ على الْمَجْمُوعِ لَازِمًا كَقَوْلِهِ كُلُّ مُشْرِكٍ مَقْتُولٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وقد لَا يَلْزَمُ كَقَوْلِنَا كُلُّ رَجُلٍ يُشْبِعُهُ رَغِيفٌ وما ذَكَرْنَا من وُجُوبِ مُرَاعَاةِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا كان في جُمْلَتِهَا فَإِنْ كان في جُمْلَةٍ أُخْرَى جَازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ على لَفْظِهَا أو على مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عليه ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لم يَسْمَعْهَا فَبِشَرِّهِ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وإذا عَلِمَ من آيَاتِنَا شيئا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لهم عَذَابٌ مُهِينٌ فَرَاعَى الْمَعْنَى في الْجَمِيعِ لِكَوْنِهِ في جُمْلَةٍ أُخْرَى وَعَلَى هذا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ أبي حَيَّانَ على الْقَاعِدَةِ بِبَيْتِ عَنْتَرَةَ جَادَتْ عليه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ حَيْثُ قال فَتَرَكْنَ وَقِيَاسُ ما قالوا تَرَكَتْ وَجَوَابُهُ ما سَبَقَ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ على الْعُيُونِ التي دَلَّ عليها كُلُّ عَيْنٍ وَلَا يَعُودُ على كل عَيْنٍ لِيُفِيدَ أَنَّ تَرْكَ كل حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ نَاشِئٌ عن مَجْمُوعِ الْعُيُونِ لَا عن كل وَاحِدَةٍ الثَّانِي أَنْ يُضَافَ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْأَكْثَرُ مَجِيءُ خَبَرِهَا مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يوم الْقِيَامَةِ فَرْدًا وَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ حِكَايَةً عن رَبِّهِ يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا من أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا من كَسَوْتُهُ وَقَوْلِهِ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ حَمْلًا على الْمَعْنَى وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ في هذه الْحَالَةِ كما في التي قَبْلَهَا من دَلَالَتِهَا على كل فَرْدٍ وَأَنَّ دَلَالَتَهَا فيه كُلِّيَّةٌ وَاقْتَضَى كَلَامُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ أَنَّ مَدْلُولَهَا في هذه الْحَالَةِ الْمَجْمُوعُ فإنه جَوَّزَ فيها اعْتِبَارَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَلِهَذَا جَعَلَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ من الْحَنَفِيَّةِ كُلَّ الرِّجَالِ كُلًّا مَجْمُوعِيًّا وقال ابن فُورَكٍ الْقَائِلُ كُلَّ حَبَّةٍ من الْبُرِّ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ بِخِلَافِ ما إذَا قال كُلَّ الْحَبَّاتِ منه غير مُتَقَوِّمٍ فإنه غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ وقد اسْتَضْعَفَ هذا منه فإن كُلَّ إذَا أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ جَمْعٍ كانت ظَاهِرَةً في كل فَرْدٍ كما دَلَّ عليه الْأَمْثِلَةُ السَّابِقَةُ وقد نَقَلَ ابن السَّرَّاجِ عن الْمُبَرِّدِ في قَوْلِ الْقَائِلِ أَخَذْت الْعَشَرَةَ كُلَّهَا أَنَّ إضَافَةَ كُلٍّ إلَى الْعَشَرَةِ كَإِضَافَةِ بَعْضِهَا إلَيْهَا وَأَنَّ الْكُلَّ ليس الْمَعْنَى الْجُزْئِيَّ وَإِنَّمَا الْكُلُّ اسْمٌ لِأَجْزَائِهِ جميعا الْمُضَافَةِ إلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَ ابن السَّرَّاجِ هذا الْكَلَامَ من الْمُبَرِّدِ وَكَأَنَّ مُرَادَ ابْنِ السَّاعَاتِيِّ إذَا أُرِيدَ بها الْمَجْمُوعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلًا قَوْلُنَا كُلُّ شَيْءٍ ليس مَعْنَاهُ كُلَّ الشَّيْءِ فإن الْأَوَّلَ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ وَالثَّانِيَ كُلِّيٌّ مَجْمُوعِيٌّ فَالْخَلَلُ إنَّمَا جاء من تَمْثِيلِهِ بَعْدَ ذلك بِكُلِّ حَبَّةٍ من الْبُرِّ غَيْرِ مُتَقَوِّمَةٍ وَكُلُّ الْحَبَّاتِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَهَذَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِخِلَافِ كل شَيْءٍ فإنه مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمَعْرِفَةُ مُفْرَدًا أو جَمْعًا فَإِنْ كان مُفْرَدًا كانت لِاسْتِغْرَاقِ أَجْزَائِهِ وَيَلْزَمُ منه الْمَجْمُوعُ وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ قَوْلُنَا كُلُّ رُمَّانٍ مَأْكُولٌ وَلَا يَصْدُقُ كُلُّ الرُّمَّانِ مَأْكُولٌ لِدُخُولِ قِشْرِهِ وَإِنْ كان جَمْعًا احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ الْمَجْمُوعُ كما في قَوْلِنَا كُلُّكُمْ يَكْفِيكُمْ دِرْهَمٌ وَأَنْ يُرَادَ كُلُّ فَرْدٍ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَلِذَلِكَ فَصَّلَهُ بَعْدُ فقال السُّلْطَانُ رَاعٍ وَالرَّجُلُ رَاعٍ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَكْثَرُ فَيُحْمَلُ عليه عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَلَا يَعْدِلُ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وإذا دَخَلَتْ كُلُّ على ما فيه الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأُرِيدَ كُلُّ فَرْدٍ لِأَنَّ ذلك جَمْعٌ أو اسْمُ جَمْعٍ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ فَهَلْ نَقُولُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا تُفِيدُ الْعُمُومَ على بَابِهَا وكل تَأْكِيدٌ لها أو أنها لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ حتى تَكُونَ كُلُّ تَأْسِيسًا لِلْعُمُومِ فيه نَظَرٌ وَالثَّانِي أَقْرَبُ من جِهَةِ أَنَّ كُلَّ إنَّمَا تَكُونُ تَأْكِيدًا إذَا كانت تَابِعَةً دُونَهَا إذَا كانت مُضَافَةً وقد يُقَالُ بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تُفِيدُ الْعُمُومَ في مَرَاتِبَ ما دَخَلَتْ عليه وكل تُفِيدُ الْعُمُومَ في أَجْزَاءِ كُلٍّ من الْمَرَاتِبِ فإذا قُلْت كُلَّ الرِّجَالِ أَفَادَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ اسْتِغْرَاقَ كل مَرْتَبَةٍ من مَرَاتِبِ جَمْعِ الرَّجُلِ وَأَفَادَتْ كُلُّ اسْتِغْرَاقَ الْآحَادِ فَيَصِيرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى وهو أَوْلَى من التَّأْكِيدِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أنها لَا تَدْخُلُ في الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْعُمُومُ وقد نَصَّ عليه ابن السَّرَّاجِ في الْأُصُولِ قُلْت وَلِهَذَا مَنَعَ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ على كُلٍّ وَاعْتَرَضَ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ بَدَلَ الْكُلِّ من الْكُلِّ وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ على أَنَّ كُلَّ مُؤَكِّدَةٌ كما هو أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُ في الْمَجْمُوعِ الْمُعَرَّفِ قِيلَ وَمِنْ دُخُولِهَا على الْمُفْرَدِ الْمَعْرِفَةِ قَوْله تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كان حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هذا من قِسْمِ الْمُعَرَّفِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْجِنْسُ فَهُوَ جَمْعٌ في الْمَعْنَى وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ الناس يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ نعم إنْ أُرِيدَ بِالنَّاسِ وَاحِدٌ صَحَّ تَمْثِيلُهُ الثَّالِثُ أَنْ تُقْطَعَ عن الْإِضَافَةِ لَفْظًا فَيَجُوزُ فيها الْوَجْهَانِ الْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ قال اللَّهُ تَعَالَى كُلٌّ له أَوَّابٌ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ كُلٌّ له قَانِتُونَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لم يَكُنْ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَإِنْ كانت في حَيِّزِهِ كان الْكَلَامُ مَنْفِيًّا وَاخْتَلَفَ حُكْمُهَا بين أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّفْيُ عليها وَبَيْنَ أَنْ تَتَقَدَّمَ هِيَ على النَّفْيِ فإذا تَقَدَّمَتْ على حَرْفِ النَّفْيِ نَحْوُ كُلُّ الْقَوْمِ لم يَقُمْ أَفَادَتْ التَّنْصِيصَ على انْتِفَاءِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ كما تَقَدَّمَ وَإِنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عليها مِثْلُ لم يَقُمْ كُلُّ الْقَوْمِ لم يَدُلَّ إلَّا على نَفْيِ الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِانْتِفَاءِ الْقِيَامِ عن بَعْضِهِمْ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ عُمُومَ السَّلْبِ وَالثَّانِي سَلْبَ الْعُمُومِ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ فيه بِالسَّلْبِ عن كل فَرْدٍ وَالثَّانِي لم يُفِدْ الْعُمُومَ في حَقِّ كل أَحَدٍ بَلْ إنَّمَا أَفَادَ نَفْيَ الْحُكْمِ عن بَعْضِهِمْ قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا شَيْءٌ اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ من بَيْنِ سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عليها عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ لَمَّا قال له ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ وَقَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ له قد كان بَعْضُ ذلك وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّؤَالَ بِ أَمْ عن أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لِطَلَبِ التَّعْيِينِ عِنْدَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ على وَجْهِ الْإِبْهَامِ وإذا كان السُّؤَالُ عن أَحَدِهِمَا فَالْجَوَابُ إمَّا بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا أو بِنَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَ قَوْلُهُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ لِنَفْيِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَوْ كان يُفِيدُ نَفْيَ الْمَجْمُوعِ لَا نَفْيَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكَانَ قَوْلُهُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ غير مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ ولم يَكُنْ في قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ قد كان بَعْضُ ذلك جَوَابٌ له فإن السَّلْبَ الْكُلِّيَّ يُنَاقِضُهُ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ وقد ذَكَرُوا في سَبَبِ ذلك طُرُقًا منه أَنَّ النَّفْيَ مع تَأَخُّرِ كُلٍّ مُتَوَجِّهٌ إلَى الشُّمُولِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ ما إذَا تَقَدَّمَتْ فإن النَّفْيَ حِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ قال الْجُرْجَانِيُّ من حُكْمِ النَّفْيِ إذَا دخل على كَلَامٍ وكان في ذلك الْكَلَامِ تَقْيِيدٌ على وَجْهٍ من الْوُجُوهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلَى ذلك التَّقْيِيدِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ فإذا قِيلَ لم يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمَعِينَ كان النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلَى الِاجْتِمَاعِ الذي هو قَيْدٌ في الْإِتْيَانِ دُونَ أَصْلِ الْإِتْيَانِ وَلَوْ قال قَائِلٌ لم يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمِعِينَ وكان لم يَأْتِهِ أَحَدٌ منهم لَقِيلَ له لم يَأْتُوكَ أَصْلًا فما مَعْنَى قَوْلِكَ مُجْتَمِعِينَ فَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فيه عَاقِلٌ وَالتَّأْكِيدُ ضَرْبٌ من التَّقْيِيدِ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَوْرَدَ على قَوْلِهِمْ إنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ على كُلٍّ لِسَلْبِ الْعُمُومِ وَلَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ قَوْله تَعَالَى إنْ كُلُّ من في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرحمن عَبْدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذلك بِمَا إذَا لم يُنْتَقَضْ النَّفْيُ فَإِنْ انْتَقَضَ فَالِاسْتِغْرَاقُ بَاقٍ كَالْآيَةِ وَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ وَمِنْهُ ما كُلُّ رَجُلٍ إلَّا قَائِمٌ وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّفْيَ لِلْمَجْهُولِ وما بَعْدَ إلَّا لَا تَسَلُّطَ لِلنَّفْيِ عليه لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وهو في الْمُفَرَّغِ مُسْتَنِدٌ لِمَا قَبْلَهَا وهو كُلُّ فَرْدٍ كما كان قبل دُخُولِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ النَّهْيِ فِيمَا سَبَقَ حُكْمُ النَّفْيِ فإذا قُلْت لَا تَضْرِبْ كُلَّ رَجُلٍ أو كُلَّ الرِّجَالِ كان النَّهْيُ عن الْمَجْمُوعِ لَا عن كل وَاحِدٍ وَلَوْ قُلْت كُلَّ الرِّجَالِ لَا تَضْرِبْ كان عُمُومًا في السَّلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل فَرْدٍ وَلِذَلِكَ قال الْفُقَهَاءُ لو قال وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ كُلَّ رَجُلٍ إنَّمَا يَحْنَثُ بِكَلَامِهِمْ كُلِّهِمْ فَلَوْ كَلَّمَ وَاحِدًا لم يَحْنَثْ وَهَذَا وَإِنْ لم يَكُنْ نَهْيًا فَهُوَ في حُكْمِهِ وقد رَدَّ بَعْضُهُمْ هذه الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ وَنَظَائِرِهِ فإنه لم يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ وَكَذَلِكَ قال الْفُقَهَاءُ فِيمَا لو قال وَاَللَّهِ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ يَكُونُ مُولِيًا من كل وَاحِدَةٍ وَيَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ كل وَاحِدَةٍ الْحِنْثُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَتَأَخُّرِهِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ على أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَا يَخْتَصُّ بِ كُلٍّ بَلْ يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ كَقَوْلِكَ لَا تَضْرِبْ الرِّجَالَ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ قال إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّهْيِ لِكُلِّ فَرْدٍ وَجَعَلَ هذا وَارِدًا على قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ ولم يَفْصِلُوا في النَّفْيِ وَالنَّهْيِ بين تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا وَجَعَلَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ إنَّمَا ثَبَتَ الْعُمُومُ فيه لِكُلِّ فَرْدٍ بِقَرِينَةٍ أو بِجَعْلِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ في مِثْلِ ذلك لِمُجَرَّدِ الْجِنْسِ لَا الْعُمُومِ لِلْقَرِينَةِ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التِّبْيَانِ في عِلْمِ الْبَيَانِ في صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مع كُلٍّ فقال إذَا قُلْت لَا تَضْرِبْ الرَّجُلَيْنِ كِلَيْهِمَا كان النَّهْيُ ليس بِشَامِلٍ وَمِنْ ثَمَّ قالوا وَلَكِنْ اضْرِبْ أَحَدَهُمَا وَكَذَلِكَ لَا تَأْخُذْهُمَا جميعا وَلَكِنْ خُذْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَكِنْ تَقَدَّمَ عن الْقَرَافِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هذا الْفَرْقَ بين تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَعَدَمِهِ من خَصَائِصِ كُلٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بَلْ ما دَلَّ على مُتَعَدِّدٍ أو مُفْرَدٍ ذِي أَجْزَاءٍ كَذَلِكَ فإذا قُلْت ما رَأَيْت رِجَالًا أو ما رَأَيْت رَجُلَيْنِ أو ما أَكَلْت رَغِيفًا أو ما رَأَيْت رَجُلًا وَعَمْرًا كُلُّ ذلك سَلَبَ الْمَجْمُوعَ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِخِلَافِ ما لو تَقَدَّمَ السَّلْبُ الثَّالِثُ قَوْلُهُمْ إنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ وقد مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مُدَّعِيًا أنها اقْتَضَتْ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالْمُسْتَلْزِمُ ذلك نَفْيُ الْحُكْمِ عن كل وَاحِدٍ وَعَنْ الْجُمْلَةِ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ كُلٌّ تَأْكِيدًا بَلْ دَلَّ على مَعْنًى آخَرَ وهو نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْإِفْرَادِ وهو مَرْدُودٌ لِأَنَّ كُلًّا وَكُلَّمَا وَلَا شيئا وَلَا وَاحِدًا وَسَائِرَ كَلِمَاتِ السُّوَرِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى في الطَّبِيعِيَّةِ لَا في الْمُسَوَّرَةِ الرَّابِعُ هذا حُكْمُهَا في النَّفْيِ وَسَكَتُوا عن حُكْمِهَا في الشَّرْطِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقَدُّمَهَا عليه كَتَقَدُّمِهَا على النَّهْيِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ عَامًّا لِكُلِّ فَرْدٍ فإذا قُلْت كُلُّ رَجُلٍ إنْ قام فَاضْرِبْهُ وَكُلُّ عَبْدٍ لي إنْ حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ فَمَنْ حَجَّ منهم عَتَقَ فَلَوْ قَدَّمْتَ الشَّرْطَ فَقُلْت إنْ حَجَّ كُلُّ عَبْدٍ من عَبِيدِي فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ منهم حتى يَحُجَّ جَمِيعُهُمْ وَمِنْ هذا قَوْله تَعَالَى وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بها الْخَامِسُ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ في كُلٍّ من إفَادَتِهَا اسْتِيعَابَ جُزْئِيَّاتِ ما دَخَلَتْ عليه إنْ كان نَكِرَةً أو جَمْعًا مُعَرَّفًا وَأَجْزَائِهِ إنْ كان مُفْرَدًا مَعْرِفَةً لَا فَرْقَ فيه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً أو تَابِعَةً مُؤَكَّدَةً مِثْلُ أَخَذْتُ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا وَجَاءَ الْقَوْمُ كلهم وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدْخُلُ فيه التَّأْكِيدُ لَكِنَّ الْعُمُومَ فيها مُسْتَفَادٌ من الصِّيغَةِ الْمُؤَكِّدَةِ وكل جَاءَتْ لِلتَّنْصِيصِ على الْأَفْرَادِ وَعَدَمِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ إذَا وَقَعَتْ مُؤَكَّدَةً بين تَقْدِيمِهَا على نَفْيٍ أو تَقْدِيمِ النَّفْيِ عليها نَحْوُ لم أَرَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ وَالْقَوْمُ كلهم لم أَرَهُمْ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ وَالثَّانِي لِعُمُومِ السَّلْبِ كما إذْ تَقَدَّمَ في الْمُضَافَةِ قال الْقَرَافِيُّ لم أَرَ فيه نَقْلًا وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ الْحُكْمِ في الْبَابَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ من حَقَائِقِ الْمُسْتَقِلَّةِ دُونَ التَّابِعَةِ وَرَجَّحَ هذا لِأَنَّ وَضْعَ التَّأْكِيدِ تَقْرِيرُ السَّابِقِ فَلَوْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عليه لَا يَعُمُّ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْعُمُومِ قُلْت لَكِنْ صَرَّحَ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وهو التَّسْوِيَةُ اللَّفْظُ الثَّانِي جَمِيعٌ وما يَتَصَرَّفُ منها كَأَجْمَعَ وَأَجْمَعُونَ وَهِيَ مِثْلُ كل إذَا أُضِيفَتْ وَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ وَتَكُونُ لِإِحَاطَةِ الْأَجْزَاءِ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ أَنَّ دَلَالَةَ كُلٍّ على كل فَرْدٍ بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ بِخِلَافِ جَمِيعٍ وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ على سَبِيلِ الِانْفِرَادِ وجميعا تَعُمُّهَا على سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَذَكَرَ ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِهِ النُّكَتِ أَنَّ الزَّجَّاجَ حَكَاهُ عن الْمُبَرِّدِ قُلْت وَإِنَّمَا نَقَلَ عنه بِالنِّسْبَةِ إلَى أَجْمَعِينَ في نَحْوِ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ وَكَذَا حَكَاهُ ابن الْخَشَّابِ وابن إيَازٍ وَنَقَلَ ابن بَابْشَاذَ عنه خِلَافَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَجْمَعِينَ لَا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ في الزَّمَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ إذَا جَمَعَ في التَّأْكِيدِ بين كُلٍّ وأجمع في أَنَّ التَّأْكِيدَ حَاصِلٌ بِهِمَا مَعًا أو بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على حِدَتِهِ وَحِينَئِذٍ فما الذي أَفَادَهُ الثَّانِي وَرَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ حَصَلَ بِهِمَا جميعا فَكَيْفَ ذلك من الْوَاحِدِ إذَا اقْتَصَرَ عليه وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ وَتَقْوِيَتُهُ كما في التَّوَابِعِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَجْمَعَ إنَّمَا تُفِيدُ تَمْكِينَهُ في النَّفْسِ وَمَنَعَ ابن مَالِكٍ وَالسُّهَيْلِيُّ جَوَازَ تَثْنِيَةِ أَجْمَعَ زَادَ السُّهَيْلِيُّ وَجَمْعَهُ لِأَنَّهُ في مَعْنَى كُلٍّ وَهِيَ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ لَكِنْ صَرَّحَ ابن سِيدَهْ وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّ أَجْمَعِينَ جَمْعُ أَجْمَعَ وَمَنَعَ ذلك الزَّوْزَنِيُّ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وقال أَجْمَعُونَ ليس جَمْعًا لِأَجْمَعَ وَإِلَّا لَتَنَكَّرَ بِالْجَمْعِ كما يَتَنَكَّرُ الزَّيْدُون بَلْ هو مُرْتَجَلٌ كَذَلِكَ عُلِمَ مَعْنَاهُ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ إفَادَةَ الْعُمُومِ من جَمِيعِ لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ تَقُولُ جَمِيعُ الْقَوْمِ قَوْمُكَ وَلَا تَقُولُ جَمِيعُ قَوْمٍ وَمَعَ التَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أو الْإِضَافَةِ يَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا منها لَا من لَفْظَةِ جَمِيعٍ وقد يُقَالُ إنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ من جَمِيعٍ وَالْأَلِفُ اللَّامُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ أو هو مُسْتَفَادٌ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ وجميع لِلتَّأْكِيدِ فَائِدَةٌ يُقَالُ جاء الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ بِضَمِّ الْمِيمِ لِأَنَّ أَجْمَعَ جَمْعُ جُمُعٍ كَعُبُدٍ وَأَعْبُدٍ وَلَا يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ أَجْمَعُ الذي يُؤَكِّدُ لِإِضَافَتِهِ إلَى الضَّمِيرِ وَإِدْخَالِ حَرْفِ الْجَرِّ عليه وأجمع الْمَوْضُوعُ لِلتَّأْكِيدِ لَا يُضَافُ وَلَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عليه قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ في الدُّرَّةِ لَكِنْ حَكَى ابن السِّكِّيتِ الضَّمَّ وَالْفَتْحَ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ اللَّفْظُ الثَّالِثُ سَائِرٌ إنْ كانت من سُورِ الْمَدِينَةِ وهو الْمُحِيطُ بها كما جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وقد عَدَّهَا الْقَاضِيَانِ أبو بَكْرٍ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ كما نَقَلَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ قُلْت وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فيها حِكَايَةُ ذلك ثُمَّ تَغْلِيطُهُ بِأَنَّهَا من أَسْأَرَ أَيْ أَبْقَى فَإِنْ كانت مَأْخُوذَةً من السُّؤْرِ بِالْهَمْزَةِ وهو الْبَقِيَّةُ فَلَا تَعُمُّ وَذَلِكَ هو الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ فيه الِاتِّفَاقَ وَغَلَّطُوا الْجَوْهَرِيَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ وأبو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ في شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ وابن بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمْ وَأَوْرَدُوا فيه شَوَاهِدَ كَثِيرَةً فَيَكُونُ فيها اللُّغَتَانِ وقد مَنَعَ ابن وَلَّادٍ وَالْفَارِسِيُّ من النُّحَاةِ كَوْنَهُ من السُّؤْرِ لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُقَالُ لِمَا فَضَلَ من الشَّيْءِ سَوَاءٌ قَلَّ أو كَثُرَ وَالسُّؤْرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلتَّقْلِيلِ الْفَاضِلِ وَسَائِرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْأَكْثَرِ تَقُولُ أَخَذْتُ من الْكِتَابِ وَرَقَةً وَتَرَكْتُ سَائِرَهُ وَلَا تَقُولُ بَقِيَّتَهُ قال وَلَا يُوجَدُ شَاهِدٌ يَدُلُّ على أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي قَلَّ أو كَثُرَ بَلْ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في الْأَكْثَرِ وَالظَّاهِرُ أنها لِلْعُمُومِ وَإِنْ كانت بِمَعْنَى الْبَاقِي خِلَافًا لِلْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْقَرَافِيِّ لِأَنَّ بها شُمُولَ ما دَلَّتْ عليه سَوَاءٌ كان بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَالْبَاقِي تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ تُرِيدُ تَعْمِيمَهُمْ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ مَعْشَرٌ وَمَعَاشِرُ وَعَامَّةٌ وَكَافَّةٌ وَقَاطِبَةٌ قال تَعَالَى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً وفي الحديث نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا مَاتَ عليه السَّلَامُ ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ قَاطِبَةً قال ابن الْأَثِيرِ أَيْ جَمِيعُهُمْ وَلَكِنَّ مَعْشَرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا وقاطبة لَا يُضَافُ وعامة ( ( ( و ) ) ) وكافة ( ( ( عامة ) ) ) يُسْتَعْمَلَانِ مُضَافَيْنِ وَخَالِيَيْنِ الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ من وما الشَّرْطِيَّتَيْنِ أو الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى من عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ يَقْنَطُ من رَحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ وَقَوْلِهِ ما يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ من رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لها وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى وَهُمَا من صِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ هُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ في أَعْلَى صِيغَةٍ قال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ من اسْمٌ يُغْنِي عن الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْمُتَنَاهِي في التَّضَادِّ وَالطُّولِ فإذا قُلْت من يَقُمْ أَقُمْ معه كان كَافِيًا عن ذِكْرِ جَمِيعِ الناس وَلَوْلَا من لَاحْتَجْتَ إلَى ذِكْرِ الْأَفْرَادِ ثُمَّ لَا تَجِدْ إلَى ذلك سَبِيلًا أَمَّا الشَّرْطِيَّتَانِ فَبِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا الِاسْتِفْهَامِيَّتَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ من أَصْحَابِنَا وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَالْبَزْدَوِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْهِنْدِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا من الْعُمُومِ فإنه قَيَّدَ من بِالشَّرْطِيَّةِ ذَكَرَهُ في مَسْأَلَةِ عُمُومِهَا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ فَلَيْسَتَا لِلْعُمُومِ وَبِهِ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فقال وَإِنْ كَانَتَا بِمَعْنَى الذي وَاَلَّتِي فَهُمَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ وَلَيْسَتَا لِلْجِنْسِ وَلَكِنْ رُبَّمَا تَنَاوَلَا في الْمَعْرِفَةِ وَاحِدًا وَرُبَّمَا تَنَاوَلَا جَمْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وَكَذَلِكَ قال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ فَإِنْ وَرَدَا مَعْرِفَتَيْنِ بِمَعْنَى الذي لم يَدُلَّا على الْعُمُومِ هذا لَفْظُهُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا الْعُمُومَ بِالشَّرْطِيَّتَيْنِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّتَيْ فَقَطْ لَكِنْ مَثَّلَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى لِعُمُومِ من بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ على الْيَدِ ما أَخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ وهو تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الْمَوْصُولَةِ وهو لَازِمٌ لِلْجَمِيعِ في مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ في قَوْلِهِ إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ وَسُؤَالُ ابْنِ الزِّبَعْرَى وَعَلَيْهِ جَرَى الْقَرَافِيُّ وابن الْحَاجِبِ وابن السَّاعَاتِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عن صَاحِبِ التَّلْخِيصِ يَعْنِي النَّقْشَوَانِيَّ وَأَنْكَرَ ذلك الْأَصْفَهَانِيُّ وقال وَجَدْتُ كِتَابَ التَّلْخِيصِ مُصَرِّحًا بِخِلَافِ ذلك وَأَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَيْسَتَا لِلْعُمُومِ وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ من تَعُمُّ في الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ عُمُومَ الْأَفْرَادِ وفي الْخَبَرِ بِمَعْنَى الْمَوْصُولَةِ عُمُومَ الشُّمُولِ فإذا قُلْت من زَارَنِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ كُلُّ من زَارَهُ الْعَطِيَّةَ وإذا قال أَعْطِ من في هذه الدَّارِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ الْكُلُّ دِرْهَمًا وَاحِدًا وقد اُسْتُشْكِلَ قَوْلُنَا من لِلْعُمُومِ بِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا بِقَوْلِنَا من في الدَّارِ فإنه يَحْسُنُ الْجَوَابُ بِزَيْدٍ وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ كَيْفَ يَنْطَبِقُ عليه زَيْدٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ الْعُمُومَ وَكَذَلِكَ ما عِنْدَكَ فَتَقُولُ دِرْهَمٌ وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هو بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الِاسْتِفْهَامِ لَا بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ في الدَّارِ وَالِاسْتِفْهَامُ عَمَّ جَمِيعَ الْمَرَاتِبِ وَكَأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ قال سَأَلَتْكَ عن كل أَحَدٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ في الدَّارِ لَا أَخَصُّ سُؤَالِي بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ وَالْوَاقِعُ من ذلك قد يَكُونُ فَرْدًا أو أَكْثَرَ فَالْعُمُومُ ليس بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِفْهَامِ الْأَمْرُ الثَّانِي قَوْلُ الْفُقَهَاءِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِلَفْظِ من اقْتَضَى مَشْرُوطَهُ مَرَّةً ولم يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ كما لو قال من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وَدَخَلَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً اسْتَحَقَّهُ ولم يَسْتَحِقَّ شيئا آخَرَ بِدُخُولِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا لو قال لِنِسَائِهِ من دَخَلَتْ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مَرَّةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً ولم تَطْلُقْ بِدُخُولٍ آخَرَ الْجَوَابُ أَنَّ من وَغَيْرَهَا من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ إنَّمَا تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَشْخَاصِ لَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ فَلِهَذَا لم يَتَعَدَّدْ الطَّلَاقُ لِتَعَدُّدِ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْجَزَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَمَّا التَّكْرَارُ فَلَا تَقْتَضِيهِ إلَّا أَنَّهُ قد يَتَحَقَّقُ التَّكْرَارُ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِوَاسِطَةِ قِيَاسٍ أو فَهْمِ أَنَّ الشَّرْطَ عِلَّةٌ فإن الْأَصْلَ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ على عِلَّتِهِ فَلَزِمَ التَّكْرَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى من عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ أَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِعُمُومِ الْأَفْعَالِ فَهِيَ كُلَّمَا وَمَتَى وما وَمَهْمَا فإذا عَلَّقَ بِشَيْءٍ منها اقْتَضَى التَّكْرَارَ وقد قال الْأَصْحَابُ لو قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جَزَاءٌ وَأَوْرَدَ عليه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَزَاءَ في قَتْلِ الصَّيْدِ وَعَلَّقَهُ بِلَفْظِ من بِقَوْلِهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا وَالْمُعَلَّقُ بِلَفْظِ من لَا يَتَكَرَّرُ فيه الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ نَحْوُ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ لَا يَتَكَرَّرُ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ منهم الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ في بَابِ الْحَجِّ من الْمُعَايَاةِ فَقَالُوا إنَّمَا لم يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ إذَا كان الْفِعْلُ الثَّانِي وَاقِعًا في مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ كَالْمِثَالِ السَّابِقِ فَأَمَّا إذَا كان الْفِعْلُ الثَّانِي في غَيْرِ مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَيَتَكَرَّرُ كما لو قال من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وَلَهُ عِدَّةُ دُورٍ فَدَخَلَ دَارًا له اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا ثُمَّ لو دخل دَارًا أُخْرَى اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا آخَرَ لَمَّا كانت الدَّارُ الثَّانِيَةُ غير الْأُولَى كَذَلِكَ هَاهُنَا لَمَّا كان الصَّيْدُ الثَّانِي غير الْأَوَّلِ تَعَلَّقَ بِهِ ما تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ يُرِيدُ في قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ وَوَقَعَ في كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ الْحَاوِي تَمْثِيلُ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ بِقَوْلِهِ من دخل دُورِي وهو أَقْرَبُ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي في هذا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ جَمِيعَ الدُّورِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إذَا اشْتَرَكَ جَمْعٌ في قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وقال مَالِكٌ وأبو حَنِيفَةَ على كُلٍّ منهم جَزَاءٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ وَلَفْظَةُ من إذَا عَلَّقَ عليها الْجَزَاءَ اسْتَوَى حَالُ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ في اسْتِحْقَاقِهِ كَقَوْلِهِ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَدَخَلَهَا وَاحِدٌ اسْتَحَقَّهُ أو جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهم دِرْهَمًا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالشَّرْطُ إذَا عُلِّقَ عليه الْجَزَاءُ بِلَفْظِ من إذَا كان مَوْجُودًا من كل وَاحِدٍ من الْجَمَاعَةِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهم جَزَاءً كَامِلًا نَحْوُ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منهم دِرْهَمٌ لِأَنَّ الدُّخُولَ مَوْجُودٌ من كل وَاحِدٍ منهم وَإِنْ كان الشَّرْطُ مَوْجُودًا من جَمَاعَتِهِمْ فَالْجَزَاءُ يُسْتَحَقُّ من جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كل وَاحِدٍ منهم كَقَوْلِهِ من جاء بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ دِرْهَمٌ وَمَنْ شَالَ الْحَجَرَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فإذا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ في الْمَجِيءِ بِالْآبِقِ وَشَيْلِ الْحَجَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مُسْتَحَقًّا بين جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كل وَاحِدٍ منهم وَاعْلَمْ أَنَّ من تَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ لَكِنْ هل الْعُمُومُ في جَمِيعِ هذه الْمَرَاتِبِ أو في الْآحَادِ فيه نَظَرٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ قال وَيَظْهَرُ فِيمَا إذَا قال من دخل دَارِي من هَؤُلَاءِ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا بِدُخُولِهِ وَحْدَهُ وَنِصْفَ دِرْهَمٍ بِدُخُولِهِ مع الْآخَرِ وَإِنْ دخل ثَلَاثَةٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَعَلَى الثَّانِي يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً إلَى الْآحَادِ كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا بِدُخُولِ الثَّلَاثَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ لِأَنَّ صِفَةَ الِاثْنِينِيَّةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فَيَسْتَحِقُّونَ بها ثَلَاثَةً لِكُلٍّ دِرْهَمٌ فَمَجْمُوعُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ سَبْعَةٌ وَعَلَى هذا الْقِيَاسُ تَنْبِيهٌ أَطْلَقُوا أَنَّ من لِلْعُمُومِ في الْعُقَلَاءِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الذي دَخَلَتْ عليه صَالِحًا لِكُلِّ فَرْدٍ لِيُخْرِجَ ما لو قال الْأَمِيرُ من غَزَا مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ قال في الْكِفَايَةِ في بَابِ السِّيَرِ خَرَجَ منه أَهْلُ الْفَيْءِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَيَخْرُجَ النِّسَاءُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ من قَاتَلَ مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ لِأَنَّ الْغَزْوَ حُكْمٌ لَا فِعْلٌ يَتَوَجَّهُ لِأَهْلِهِ وَيَخْرُجُ الصِّبْيَانُ منها لِأَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ وَهِيَ لَا تَصِحُّ منهم وَكَذَا الْعَبْدُ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ لِوُجُودِ الْحَجْرِ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَيْهَا لِوَاحِدٍ لِيُخْرِجَ ما لو قال الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ من نِسَائِي من شِئْتَ قال الْقَاضِي في تَعْلِيقِهِ لَا يُطَلِّقْ الْوَكِيلُ إلَّا وَاحِدَةً في أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ ما إذَا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شَاءَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ من شَاءَتْ الطَّلَاقَ وَجَرَى عليه النَّوَوِيُّ في زَوَائِدِهِ في كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمَشِيئَةِ مُضَافٌ إلَى وَاحِدٍ فإذا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ وفي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ فَكُلُّ من اخْتَارَتْ طَلَقَتْ وَقَوْلُهُمْ من لِلْعُمُومِ في الْعُقَلَاءِ وَإِنْ أَرَادُوا أَصْلَ وَضْعِ اللُّغَةِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ من لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ مُرَادٌ فيها كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْعَاشِرُ أَيُّ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً أو اسْتِفْهَامِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَقَوْلِهِ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَلِهَذَا أَجَابَهُ الْكُلُّ عن نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَأْتِيهِ وقد ذَكَرَهَا في صِيَغِ الْعُمُومِ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلَاتِ من الْبُرْهَانِ في قَوْلِهِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا وابن الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَالْقَاضِيَانِ أبو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ قالوا وَيَصْلُحُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في التَّلْخِيصِ إلَّا أنها تَتَنَاوَلُ على وَجْهِ الْإِفْرَادِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ وَلِهَذَا إذَا قُلْت أَيُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَك لم يُجِبْ إلَّا بِذِكْرِ وَاحِدٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَأَمَّا كَلِمَةُ أَيِّ فَقِيلَ كَالنَّكِرَةِ لِأَنَّهَا تَصْحَبُهَا لَفْظًا وَمَعْنًى تَقُولُ أَيُّ رَجُلٍ فَعَلَ هذا وَأَيُّ دَارٍ قال تَعَالَى أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَهِيَ في الْمَعْنَى نَكِرَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بها وَاحِدٌ منهم انْتَهَى وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ أنها لِلِاسْتِغْرَاقِ الْبَدَلِيِّ لَا الشُّمُولِيِّ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أنها لِلْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ فإنه قال فِيمَا إذَا قال لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ فَقُلْنَ حِضْنَ وَصَدَّقَهُنَّ أَنَّهُ تُطْلَقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ من الْعِرَاقِيِّينَ وَخَرَجَ لنا من هذا أَنَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا لِلْعُمُومِ فَهَلْ هو عُمُومُ شُمُولٍ أَمْ بَدَلٍ وَجْهَانِ وَتَوَسَّعَ الْقَرَافِيُّ فَعَدَّى عُمُومَهَا إلَى الْمَوْصُولَةِ وَالْمَوْصُوفَةِ في النِّدَاءِ وَمِنْهُمْ من لم يَعُدَّهَا في الصِّيَغِ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ لِأَجْلِ قَوْلِ النُّحَاةِ إنَّهَا بِمَعْنَى بَعْضٍ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ أَيُّ وَقْتٍ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ كما في كُلَّمَا وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ لَا يُنَافِي الْعُمُومَ وَكَوْنُ مَدْلُولِهَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الصِّيَغِ في الِاسْتِفْهَامِ وقد سَبَقَ أَنَّ من وما الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ لِلْعُمُومِ فَلْتَكُنْ أَيُّ كَذَلِكَ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ وأبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ كَلِمَةَ أَيٍّ نَكِرَةٌ لَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ بِنَفْسِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ولم يَقُلْ يَأْتُونِي وَلَوْ قال لِغَيْرِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنْ وَصَفَهَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ كانت لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ جميعا عَتَقُوا لِعُمُومِ فِعْلِ الضَّرْبِ وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ من صِيَغِ الْعُمُومِ فقال وَأَمَّا أَيُّ فَهُوَ اسْمُ فَرْدٍ يَتَنَاوَلُ جُزْءًا من الْجُمْلَةِ الْمُضَافَةِ قال تَعَالَى أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَإِنَّمَا جاء بِهِ وَاحِدٌ وقال أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاكَ وَلَا تَقُولُ أَيُّ الرِّجَالِ أَتَاكَ إذْ لَا عُمُومَ في الصِّيغَةِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ قال الْغَزَالِيُّ في فَتَاوِيهِ لو قال أَيُّ عَبِيدِي حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ فَحَجُّوا كلهم لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ قال أَيُّ رَجُلٍ دخل الْمَسْجِدَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فإنه يَقْصُرُ على الْوَاحِدِ وَهَذَا بَنَاهُ على أنها لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ وقال محمد بن الْحَسَنِ إذَا قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ كلهم عَتَقُوا جميعا وَإِنْ قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَ جَمَاعَةً لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في فَتَاوِيهِ وفي فَتَاوَى الشَّاشِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بين الصُّورَتَيْنِ وَأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ جميعا عَمَلًا بِعُمُومِ أَيٍّ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فقال أَيُّ أَعَمُّ الْمُبْهَمَاتِ وَزَعَمَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنَّهُ على الْوَاحِدِ غَالِبًا وَلِذَلِكَ قال أبو حَنِيفَةَ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّ ذلك يُحْمَلُ على الْوَاحِدِ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْفِعْلَ الذي عَلَّقَ بِهِ الْحُرِّيَّةَ إلَى الْجَمَاعَةِ قال الْأُسْتَاذُ وَقُلْنَا بِعُمُومِ هذا اللَّفْظِ في الْمَوْضِعَيْنِ انْتَهَى وَوَجَّهَ ابن يَعِيشَ وَغَيْرُهُ من النُّحَاةِ مَسْأَلَتَيْ مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ بِأَنَّ الْفِعْلَ في الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَامٌّ وفي الثَّانِيَةِ خَاصٌّ فإنه في الْأُولَى مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ عَبِيدِي وَهِيَ كَلِمَةُ عُمُومٍ وفي الثَّانِيَةِ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وهو خَاصٌّ ثُمَّ قَرَّرُوا أَنَّ الْفِعْلَ يَعُمُّ بِعُمُومِ فَاعِلِهِ لَا بِعُمُومِ مَفْعُولِهِ من جِهَةِ أَنَّ الْفَاعِلَ كَالْجُزْءِ من الْفِعْلِ وهو لَا يُسْتَغْنَى عنه وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ وَالْمَفْعُولُ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ قد يَسْتَغْنِي عنه الْفِعْلُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْفَاعِلِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْمَفْعُولِ إلَى الْفِعْلِ وَهَذَا هو الذي وَجَّهَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فإنه قال فَرْعٌ إذَا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شِئْتَ لَا يُطَلِّقُ الْكُلَّ في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وإذا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شَاءَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ من اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ وَالْمَشِيئَةَ مُضَافٌ بِمَعْنَى في الْأُولَى إلَى وَاحِدٍ فإذا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ وفي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ فَكُلُّ من اخْتَارَتْ طَلُقَتْ نَظِيرُهُ ما إذَا قال أَيُّ عَبْدٍ من عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا لَا يُعْتَقُ الثَّانِي لِأَنَّ حَرْفَ أَيِّ وَإِنْ كان حَرْفَ تَعْمِيمٍ فَالْمُضَافُ إلَيْهِ الضَّرْبُ وَاحِدٌ وإذا قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَبْدٌ عَتَقُوا لِأَنَّ الضَّرْبَ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ انْتَهَى وقد اعْتَرَضَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بن عَمْرُونٍ النَّحْوِيُّ الْحَلَبِيُّ وقال لَا فَرْقَ بين الصُّورَتَيْنِ وَالْفِعْلُ عَامٌّ فِيهِمَا وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ في ذلك على حَدٍّ سَوَاءٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الْعَبَّاسِ بن مِرْدَاسٍ يُخَاطِبُ النبي عليه السَّلَامُ وما كنت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ فإن من الشَّرْطِيَّةُ عَامَّةٌ بِاتِّفَاقٍ وَالْمُرَادُ عُمُومُ الْفِعْلِ مُطْلَقًا مع أَنَّ الِاسْمَ الْعَامَّ هُنَا إنَّمَا هو ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ إذْ التَّقْدِيرُ وَمَنْ تَخْفِضْهُ الْيَوْمَ وهو عَائِدٌ على من وهو الِاسْمُ الْعَامُّ وَأَمَّا ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فَخَاصٌّ وهو ضَمِيرُ النبي عليه السَّلَامُ وَهَذَا وِزَانُ قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ التي ادَّعَى فيها عَدَمَ عُمُومَ الْفِعْلِ وَاخْتَارَ ابن الْحَاجِبِ أَيْضًا التَّعْمِيمَ فِيهِمَا وقال نِسْبَةُ فِعْلِ الشَّرْطِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ في اقْتِضَاءِ التَّعْمِيمِ في الْمَشْرُوطِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ وَأَنَّ التَّعْمِيمَ فِيمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فيه ليس من قَبِيلِ إثْبَاتِ الْمَشْرُوطِ بِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ في أَنَّهُ يُعْتَقُ الْمَضْرُوبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كلهم كما يُعْتَقُ الضَّارِبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كلهم وَاسْتَشْهَدَ على ذلك بِمَنْ فإنه قد تَسَاوَى فيها الْأَمْرَانِ قال اللَّهُ تَعَالَى من يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ فإنه مُسَاوٍ في الدَّلَالَةِ على التَّعْمِيمِ لِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى من يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَالْأَوَّلُ مَنْسُوبٌ في شَرْطِهِ إلَى عُمُومِ الْمَفْعُولِ وهو الْمَصْدَرُ مُنَازَعًا فيه الثَّانِي مَنْسُوبٌ إلَى عُمُومِ الْفَاعِلِ وهو الْمُتَّفَقُ عليه إذَا ثَبَتَ في من فَكَذَلِكَ في أَيٍّ بَلْ هِيَ من أَقْوَى من من في الدَّلَالَةِ على التَّفْصِيلِ تَنْبِيهٌ عَدَّى الْحَنَفِيَّةُ هذا إلَى أَيِّ عَبِيدِي ضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هَكَذَا قَالَهُ ابن جِنِّي لِأَنَّ الْفَاعِلَ وَإِنْ لم يُذْكَرْ فَهُوَ في حُكْمِ الْمَذْكُورِ وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وقد قالوا هُمْ فيه بِالْعُمُومِ أَكْثَرَ مِنَّا لِأَنَّهُمْ أَدْرَجُوا فيه جِلْدَ الْكَلْبِ تَنْبِيهٌ إذَا اتَّصَلَتْ أَيُّ بِمَا كانت تَأْكِيدًا لِأَدَاةِ الشَّرْطِ وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ في بَابِ التَّأْوِيلِ أَنَّ ما الْمُتَّصِلَةَ بها لِلْعُمُومِ في نَحْوِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا فَاعْتَقَدَ أنها ما الشَّرْطِيَّةُ وهو وَهْمٌ وقد قَارَبَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى هُنَاكَ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ هو أَقْرَبُ مِمَّا قَالَهُ الْإِمَامُ إلَى الصَّوَابِ لَكِنَّ الصَّوَابَ أنها تَوْكِيدٌ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ وهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ من التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ كَأَنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظَ الْحَادِيَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الْخَامِسِ عَشَرَ مَتَى وَأَيْنَ وَحَيْثُ وَكَيْفَ وإذا الشَّرْطِيَّةُ أَمَّا مَتَى فَهِيَ عَامَّةٌ في الْأَزْمَانِ الْمُبْهَمَةِ كُلِّهَا كما قَيَّدَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ولم يُقَيِّدْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُبْهَمَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا لَا يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ فَلَا يَقُولُونَ مَتَى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَائْتِنِي بَلْ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَهِيَ عَكْسُ إذَا وَقِيلَ مَتَى تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا لَا تَكْرَارَ فيه كما إذَا قِيلَ مَتَى قَتَلْتَ زَيْدًا وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ منها تَكْرَارُ الْفِعْلِ وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا على التَّحْقِيقِ فإذا قال مَتَى دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالطَّلَاقُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لِاقْتِضَائِهَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ فإذا قال كُلَّمَا دَخَلْتِ فَمَعْنَاهُ كُلُّ دُخُولٍ يَقَعُ مِنْكِ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يُضَافُ لِلْأَسْمَاءِ وَيَنْضَمُّ إلَيْهَا ما لِتَصْلُحَ لِلدُّخُولِ على الْأَفْعَالِ فَهِيَ كَ رُبَّ وَأَمَّا أَيْنَ وَحَيْثُ فَيَعُمَّانِ الْأَمْكِنَةَ وقد ذَكَرَهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا كَيْفَ وإذا فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَرَافِيُّ من الصِّيَغِ إذَا كانت كَيْفَ اسْتِفْهَامِيَّةً أو اتَّصَلَتْ بها ما إذَا جُوزِيَ بها وَهُمَا دَاخِلَانِ في إطْلَاقِهِمْ عُمُومَ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ حَيْثُمَا وَمَتَى ما من صِيَغِ الْعُمُومِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ مَتَى أَعَمُّ من إذَا السَّادِسَ عَشَرَ وما بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْعِشْرِينَ مَهْمَا وَأَنَّى وَأَيَّانَ وَإِذْ ما على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وأي حِينٍ وَكَمْ أَمَّا مَهْمَا فَهِيَ اسْمٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهَا وَلَا يُعَادُ إلَّا إلَى الْأَسْمَاءِ وَهِيَ من أَدَوَاتِ الْجَزْمِ بِاتِّفَاقٍ وَتَجِيءُ لِلِاسْتِفْهَامِ قَلِيلًا وَأَمَّا أَنَّى فَأَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ إمَّا بِمَعْنَى من أَيْنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَنَّى لَكِ هذا وَإِمَّا بِمَعْنَى كَيْفَ كَقَوْلِهِ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَأَمَّا أَيَّانَ فَهِيَ في الْأَزْمَانِ بِمَنْزِلَةِ مَتَى لَكِنْ مَتَى أَشْهَرُ منها وَلِذَلِكَ تُفَسَّرُ أَيَّانَ بِمَتَى وَأَمَّا إذْ ما فَهِيَ من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَكُلُّهَا تَدْخُلُ في إطْلَاقِهِمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الشُّرُوطِ من صِيَغِ الْعُمُومِ وَلِمَا فيها من الْإِبْهَامِ وَعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِوَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ وَأَمَّا أَيُّ حِينٍ على طَرِيقَةِ من يَصِلُهَا من أَيِّ الْمُقَدَّمَةِ وَأَمَّا كَمْ الِاسْتِفْهَامِيَّة لَا الْخَبَرِيَّةُ فَإِنَّمَا عُدَّتْ من صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بها سَائِغٌ في جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ لَا يَخْتَصُّ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ كما أَنَّ مَتَى سَائِغَةٌ في جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وأين في جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ ومن في جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ فإذا قِيلَ كَمْ مَالُكَ حَسُنَ الْجَوَابُ بِأَيِّ عَدَدٍ شِئْتَ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ الْأَسْمَاءُ الْمَوْصُولَةُ سِوَى ما تَقَدَّمَ من ما وَمَنْ وَأَيٍّ وَهِيَ الذي وَاَلَّتِي وَجُمُوعُهُمَا من الَّذِينَ وَاَللَّاتِي وَذُو الطَّائِيَّةِ وَجَمْعُهَا وقد بَلَغَ بِذَلِكَ الْقَرَافِيُّ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ صِيغَةً وقد صَرَّحَ بِأَنَّ الذي من صِيَغِ الْعُمُومِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ من وما وَأَيُّ وَمَتَى وَنَحْوُهَا من الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُسْتَوْعَبُ بِظَاهِرِهَا وَإِنَّمَا تُسْتَوْعَبُ بِمَعْنَاهَا عِنْدَ قَوْمٍ من حَيْثُ إنَّ الْإِبْهَامَ يَقْتَضِي ذلك وقال أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ إنَّهُ يَجْرِي في بَابِهِ مُجْرَى اسْمٍ مَنْكُورٍ كَقَوْلِنَا رَجُلٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زَيْدًا أو عَمْرًا فَلَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْإِبْهَامُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ من وما إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَا تَعُمَّانِ يقول بِأَنَّ الذي وَاَلَّتِي وَفُرُوعَهُمَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ أَمَّا الْحُرُوفُ الْمُوصَلَةُ فَلَيْسَتْ لِلْعُمُومِ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا يَكُونُ الذي إذَا كانت جِنْسِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ من قَبْلِكَ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهم مِنَّا الْحُسْنَى إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمُومَ في ذلك كُلِّهِ مُسْتَفَادٌ من الصِّيغَةِ أَمَّا الْعَهْدِيَّةُ فَلَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وقال الذي آمَنَ يا قَوْمِ قد سمع اللَّهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا أو نَحْوِهِ وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ من الصِّيَغِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمَوْصُولَةَ الدَّاخِلَةَ على اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَلَوْ قال لِعَبِيدِهِ الضَّارِبُ مِنْكُمْ زَيْدًا حُرٌّ وَلِنِسَائِهِ الدَّاخِلَةُ مِنْكُنَّ الدَّارَ طَالِقٌ عَتَقَ الْجَمِيعُ وَطُلِّقَ الْكُلُّ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الذي وهو ظَاهِرٌ على الْقَوْلِ الصَّحِيحِ إنَّهَا اسْمٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ لِمَا في الصِّفَةِ من الْجِنْسِيَّةِ وَتَكُونُ مُشْعِرَةً بِذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عُمُومَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمَوْصُولَةِ قال لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَاخِلَةٌ في الْمُوصَلَاتِ فَلَهُ حُكْمُ الْعُمُومِ لِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَخَرَجَ من هذا أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْأُصُولِيِّينَ في إثْبَاتِ الْعُمُومِ من الْمُشْتَقَّاتِ الْمُعَرَّفَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مِثْلُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ليس من مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ فيه نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَا تَنْبِيهٌ جَعْلُ الْمَوْصُولَاتِ من صِيَغِ الْعُمُومِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ النُّحَاةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ الصِّلَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْهُودَةً مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ وَلِهَذَا كانت مُعَرِّفَةً لِلْمَوْصُولِ وَالْمَعْهُودُ لَا عُمُومَ فيه كما صَرَّحَ بِهِ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَإِنْ كانت اسْمًا فَلَا عُمُومَ فيها على ما سَبَقَ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ في الْحَرْفِيَّةِ وَاَلَّذِي تَدْخُلُ عليه أَقْسَامٌ أَحَدُهَا الْجَمْعُ سَوَاءٌ كان سَالِمًا أو مُكَسَّرًا لِلْقِلَّةِ أو الْكَثْرَةِ وَسَوَاءٌ كان له وَاحِدٌ من لَفْظِهِ أَمْ لَا كَالزَّيْدَيْنِ وَالْعَالَمِينَ وَالْأَرْجُلِ وَالرِّجَالِ وَالْأَبَابِيلِ وَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآحَادُ الْمُجْتَمِعَةُ دَالًّا عليها دَلَالَةَ تَكْرَارِ الْوَاحِدِ قَالَهُ بَدْرُ الدِّينِ بن مَالِكٍ في أَوَّلِ شَرْحِ الْخُلَاصَةِ وَدَلَالَةُ الْجَمْعِ على كل وَاحِدٍ من أَفْرَادِهِ مُطَابِقَةٌ وَلِهَذَا مَنَعُوا أَنْ يُقَالَ جاء رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ في الْقِيَاسِ إذْ لَا فَائِدَةَ في التَّكْرَارِ لِإِغْنَاءِ لَفْظِ الْجَمْعِ عنه فَلَوْ كانت دَلَالَتُهُ على رَجُلٍ بِالتَّضَمُّنِ لَكَانَ قَوْلُنَا رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ مُشْتَمِلًا على فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ الثَّانِي اسْمُ الْجَمْعِ سَوَاءٌ كان له وَاحِدٌ من لَفْظِهِ أَمْ لَا كَرَكْبٍ وَصَحْبٍ وَقَوْمٍ وَرَهْطٍ وما قِيلَ إنَّ قَوْمًا جَمْعُ قَائِمٍ كَصَوْمٍ وَصَائِمٍ وَهَمٌ قال ابن عُصْفُورٍ هذا النَّوْعُ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ بَلْ هو مَحْفُوظٌ وقال ابن مَالِكٍ هو مَوْضِعٌ لِمَجْمُوعِ الْآحَادِ أَيْ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ على الِانْفِرَادِ وَكَذَا قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قال وَحَيْثُ تَثْبُتُ الْآحَادُ فَلِدُخُولِهَا في الْمَجْمُوعِ حتى لو قال الرَّهْطُ أو الْقَوْمُ الذي يَدْخُلُ الْحِصْنَ فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ كان النَّفَلُ لِمَجْمُوعِهِمْ وَلَوْ دَخَلَهُ وَاحِدٌ لم يَسْتَحِقَّ شيئا فَإِنْ قُلْت إذَا لم يَتَنَاوَلْ كُلَّ وَاحِدٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ منه في مِثْلِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ ما يَجِبُ انْدِرَاجُهُ لَوْلَاهُ قُلْت من حَيْثُ إنَّ مَجِيءَ الْمَجْمُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ كل وَاحِدٍ حتى لو كان الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ من غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ فَرْدٍ لم يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِثْلُ يُطِيقُ رَفْعَ هذا الْحَجَرِ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَهَذَا كما يَصِحُّ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وَلَا يَصِحُّ الْعَشَرَةُ زَوْجٌ إلَّا وَاحِدًا إذْ ليس الْحُكْمُ على الْآحَادِ بَلْ على الْمَجْمُوعِ الثَّالِثُ اسْمُ الْجِنْسِ الذي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ وَلَيْسَ مَصْدَرًا وَلَا مُشْتَقًّا منه كَتَمْرٍ وَشَجَرَةٍ وَهَذَا هو الْمَشْهُورُ أَعْنِي كَوْنَهُ اسْمَ جِنْسٍ وَالْغَزَالِيُّ يُسَمِّيهِ جَمْعًا وابن مَالِكٍ يُسَمِّيهِ اسْمَ جَمْعٍ فإنه عَدَّهُ في أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ لَكِنْ سَمَّاهُ في شَرْحِ الْكَافِيَةِ اسْمَ جِنْسٍ وَاخْتُلِفَ في مَدْلُولِهِ على أَقْوَالٍ أَصَحِّهَا أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وَالْجِنْسُ مَوْجُودٌ مع كُلٍّ من الثَّلَاثَةِ وَحَكَى الْكِسَائَيُّ عن الْعَرَبِ إطْلَاقَهُ على الْوَاحِدِ وقال بِهِ الْكُوفِيُّونَ سَوَاءٌ كان الْوَاحِدُ مُذَكَّرًا أو مُؤَنَّثًا قال الرَّاغِبُ في مُفْرَدَاتِهِ النَّحْلُ يُطْلَقُ على الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ على أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ قَالَهُ ابن جِنِّي وَتَبِعَهُ ابن مَالِكٍ وَالثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا على جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَنَقَلَ ذلك عن الشَّلَوْبِينَ وَابْنِ عُصْفُورٍ وهو مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ في بَابِ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ وَلِأَجْلِ ذلك أَوْرَدَهُ شُرَّاحُ سِيبَوَيْهِ على قَوْلِهِ بَابُ عِلْمِ ما الْكَلِمُ من الْعَرَبِيَّةِ وَقَالُوا إنَّمَا هِيَ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ ثُمَّ أَجَابُوا بِأَنَّ تَحْتَ كل نَوْعٍ منها أَنْوَاعًا وَالرَّابِعِ الْمُثَنَّى نَحْوُ الزَّيْدَانِ وَالرَّجُلَانِ وما أُلْحِقَ بِهِ وَدَلَالَتُهُ على كُلٍّ مِنْهُمَا كَدَلَالَةِ الْجَمْعِ على أَفْرَادِهِ الْخَامِسُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ وَلَيْسَ له مُؤَنَّثٌ بِالتَّاءِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ وَالْقَصْدُ بِهِ الْجِنْسُ مع الْوَحْدَةِ ما لم تَقْتَرِنْ بِمَا يُزِيلُهَا من تَثْنِيَةٍ أو جَمْعٍ أو عُمُومٍ وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَالسَّكَّاكِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَيَشْهَدُ له تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ وَصِحَّةُ قَوْلِك ما عِنْدِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ السَّادِسُ الِاسْمُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ وهو مُؤَنَّثٌ لِإِطْبَاقِهِمْ على أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ ما يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ السَّابِعُ الِاسْمُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ وَلَيْسَ لها مُؤَنَّثٌ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فيه على وَحْدَةٍ وَلَا تَعَدُّدٍ كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ في الْأَعْيَانِ وَالضَّرْبِ وَالنَّوْمِ في الْمَصَادِرِ الثَّامِنُ ما كان كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فيه التَّاءَ لَا من أَصْلِ الْوَضْعِ كَضَرْبَةٍ فَمَدْلُولُهُ الْوَاحِدَةُ التَّاسِعُ ما كان عَدَدًا كَالثَّلَاثَةِ فَهُوَ نَصٌّ في مَدْلُولِهِ وهو مَوْضُوعٌ لِمَجْمُوعِهَا وَدَلَالَتُهُ على أَحَدِهَا بِالتَّضَمُّنِ الجمع إذا دخلت عليه الألف واللام إذا علمت هذا فإن دخلت الألف واللام على الجمع أفادت الاستغراق فإن تقدم عهد ودلت قرينة على قصده حمل عليه بلا خلاف وكان ذلك قرينة التخصيص ومنه ما إذا سبقه تنكير وظهر ترتب التعريف عليه لكن القاضي عبد الوهاب في الإفادة قال اختلف في الألف واللام على ثلاثة مذاهب أحدها أنه يحمل على معهود إن كان فإن لم يكن حمل على الجنس وهو قول أكثر الفقهاء والثاني عكسه أنها تحمل على الجنس إلا أن يقوم دليل على العهد الثالث أنه يحمل عند فقد العهد على الجنس من غير تعميم وفيه خلاف آخر وهو أنه لا بد من عهد وإلا لم يصح دخولها انتهى وإن لم يسبقه عهد فهي للعموم عند معظم العلماء قاله ابن برهان وقاله ابن الصباغ إنه إجماع أصحابنا وحكي عن الجبائي أنها لا تقتضي الاستغراق قال ابن السمعاني سواء جمع السلامة والتكسير كاقتلوا المشركين واعمروا مساجد الله وقال سليم الرازي في التقريب سواء المشتق وغيره كالمسلمين والرجال وقال غيره سواء كان للقلة كالمسلمين والمسلمات أو للكثرة كالعباد والرجال وحكاه أبو الحسين البصري في المعتمد عن أبي علي الجبائي وجماعة الفقهاء وحكي عن أبي هاشم أنه يفيد الجنس لا الاستغراق وحكاه صاحب الميزان عن أبي علي الفارسي وأبي هاشم قال وحكي عنه أنه فرق بين المفرد والجمع فقال وفي المفرد يصرف إلى مطلق الجنس من غير استغراق إلا بدليل وحكاه المازري عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني من أصحابنا وهو غريب قال وقالوا في قوله تعالى وإن الفجار لفي جحيم إنه يستوعب من حيث دخول الألف واللام ثم أنكر إلكيا هذا وقال الألف واللام معناها في لسان العرب تعريف العهد لا غير هكذا قال سيبويه وأن الألف الأصل لما كانت ساكنة ولم يتوصل إلى النطق بها وأن حرف التعريف هو اللام فثبت أنه لا يصير عاما ومستوعبا بدخول الألف واللام وقد كان ولم يكن مستوعبا قبل دخولها ولو كان اللام مفيدا للاستيعاب لما صح دخوله عن الأسماء المفردة لأن معناه لا يتغير بكون الاسم مفردا أو مجموعا كما لا يتغير معنى سائر الحروف قال ولذلك زعم المحققون أن عموم قوله تعالى والسارق والسارقة الزانية والزاني في معناه وهو ترتب الحكم على الوصف بفاء التعليل وهو أقرب من ادعاء العموم من لفظه ولعل إلكيا بنى هذا على قول أرباب الخصوص فإنه قال بعد ذلك الصحيح أن هذه الألفاظ للعموم ونبه أبو الحسين على فائدة ترفع الخلاف وهي أن أبا هاشم وإن لم يجعله مستغرقا من جهة اللفظ فهو عنده عام من جهة المعنى إن صلح له كقوله تعالى وإن الفجار لفي جحيم فإنه يفيد أنهم في الجحيم لأجل فجورهم فوجب أن يكون كل فاجر كذلك لأنه خرج مخرج الزجر انتهى هذا كله إذا قام الدليل على أنه لم يرد العهد فإن أشكل الحال واحتمل كونها للعهد أو الاستغراق أو الجنس فلم يصرحوا فيها بنقل صريح ويخرج من كلامهم فيها ثلاثة مذاهب وظاهر كلام بعضهم أنها تحمل على العهد وبه صرح ابن مالك من النحويين وظاهر كلام أكثر الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق لعموم فائدته ولدلالة اللفظ عليه ونقله ابن القشيري عن المعظم وصاحب الميزان عن أبي بكر بن السراج النحوي فقال إذا تعارضت جهتا العهد والجنس يصرف إلى الجنس وهو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع قالا لأن الجنس يدخل تحته العهد والعهد لا يدخل تحته الجنس والثالث أنه مجمل لأن عمومه ليس من صيغته بل من قرينة نفي المعهود فيتعين الجنس لأنه لا يخرج عنها وهو قول إمام الحرمين وتبعه ابن القشيري في كتابه وقال صاحبه إلكيا الهراسي إنه الصحيح لأن الألف واللام للتعريف وليست إحدى جهتي التعريف بأولى من الثانية فيكتسب اللفظ جهة الإجمال لاستوائه بالنسبة إليها قلت وما ذكره إمام الحرمين قد حكاه الأستاذ أبو إسحاق في كتابه عن بعض أصحابنا وقال قبله إن المذهب أنه عام ولا يصار إلى غير العموم إلا بدليل ويخرج من كلام ابن دقيق العيد مذهب رابع فإنه قال في شرح العنوان وعندنا أن هذا مختلف باختلاف السياق ومقصود الكلام ويعرف ذلك بقرائن ودلائل منه وأصل الخلاف أن الألف واللام للعموم عند عدم العهد وليست للعموم عند قرينة العهد لكن هل الأصل فيها العموم حتى يقوم دليل على خلافه أو الأصل أنها موضوعة للعهد حتى يقوم دليل على عدم إرادته فيه وكلام الأصوليين فيه مضطرب ومن أخذ بظواهر عباراتهم حكى في ذلك قولين وقد صرح بها بعض متأخري الحنفية فقال الأصل هو للعهد الخارجي لأنه حقيقة التعيين وكمال التمييز ثم الاستغراق لأن الحكم على نفس الحقيقة بدون اعتبار الأفراد قليل الاستعمال جدا والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية فالاستغراق هو المفهوم من الإطلاق حيث لا عهد في الخارج خصوصا في الجمعية هذا ما عليه المحققون وقيل العهد الذهني مقدم على الاستغراق بناء على أن البعض متيقن وهذا معارض فإن الاستغراق أعم فائدة وأكثر استعمالا في الشرع وأحوط في أكثر الأحكام أعني الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وأن البعض أحوط في الإباحة ومنقوض بثبوت الماهية فإنه لا يوجد بدون الماهية وقد جعلوه متأخرا عن الاستغراق بها على أنه لا يفيد فائدة جديدة زائدة على ما يفيد الاسم بدون اللام ويظهر أثر هذا الخلاف فيما إذا لم تقم قرينة على إرادة عهد في أن العهد مراد أم لا هل يحمل على العموم أم لا وذكر الماوردي في كتاب الأيمان من الحاوي عند الكلام فيما إذا حلف لا يشرب ماء النهر أن الألف واللام يستعملان تارة للجنس وللعهد أخرى وأنه حقيقة فيهما فإن قيل إذا كانت القرينة تصرف إلى العهد وتمنع من الحمل على العموم فهلا جعلتم العام بالألف واللام مصروفا إلى العهد بقرينة السبب الخاص وقلتم إن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ أجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة في أنه لا يراد لا أن غيره ليس بمراد فنحن نعلمه بهذه القرينة ونقول دلالة هذا العام على محل السبب قطعية وعلى غيره ظنية إذ ليس في السبب ما يثبتها ولا ما ينفيها ما يُفِيدُهُ جَمْعُ السَّلَامَةِ وَجَمْعُ التَّكْسِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ لِلتَّكْثِيرِ كَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَقَسَّمَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ من النَّحْوِيِّينَ الْجَمْعَ إلَى قِسْمَيْنِ جَمْعِ سَلَامَةٍ وهو لِلتَّقْلِيلِ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ وهو نَوْعَانِ ما هو لِلْقِلَّةِ وَهِيَ أَرْبَعُ صِيَغٍ أَفْعَالٌ وَأَفْعُلٌ وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ وَالْبَاقِي لِلتَّكْثِيرِ إذَا عُرِفَ هذا فَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الْعُمُومُ مع جَمْعِ الْقِلَّةِ وَالْأَوَّلُ يَسْتَغْرِقُ الْأَفْرَادَ وَالثَّانِي لَا يَسْتَغْرِقُ الْعَشَرَةَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْعُمُومَ يَجْمَعُ ما لَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَ فَاجْتِمَاعُ الْعُمُومِ مع ما لَا يَتَجَاوَزُ الْعَشَرَةَ أَوْلَى فإذا قُلْت أَكْرِمْ الزَّيْدَيْنِ فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ مُجْتَمِعٍ مع تِسْعَةٍ أو دُونَهَا إلَى اثْنَيْنِ بِخِلَافِ أَكْرِمْ الرِّجَالَ فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مُنْضَمٍّ إلَى عَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ الثَّانِي أَنَّ الْعُمُومَ في نَحْوِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ من الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ التي تَصَرَّفَ الشَّارِعُ فيها بِالنَّقْلِ كما في الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا فَحَيْثُ جاء ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَنَحْوِهِ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كان الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومَ تَصَرُّفًا من الشَّارِعِ فيه وَإِنْ لم يَكُنْ ذلك مُقْتَضَى الْعُمُومِ لُغَةً ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عن بَعْضِ من عَاصَرَهُ ثُمَّ ضَعَّفَهُ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ على هذا التَّصَرُّفِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ الثَّالِثِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كما قال سِيبَوَيْهِ من أَنَّ كُلَّ اسْمٍ لَا تَسْتَمِرُّ الْعَرَبُ فيه بِصِيغَةِ الْكَثِيرِ فَصِيغَةُ التَّقْلِيلِ فيه مَحْمُولَةٌ على التَّكْثِيرِ أَيْضًا لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ كَقَوْلِهِمْ في جَمْعٍ رِجْلٍ أَرْجُلٌ فَهُوَ لِلتَّكْثِيرِ الرَّابِعِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يُحْمَلُ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ على ما إذَا كان مُنَكَّرًا وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ على ما إذَا كان مُعَرَّفًا بِأَلْ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اسْمَ الْعِلْمِ إذَا ثُنِّيَ أو جُمِعَ ولم يُعَرَّفْ بِاللَّامِ كان نَكِرَةً بِالِاتِّفَاقِ وَزَالَتْ عنه الْعَلَمِيَّةُ وَإِنَّمَا يُفِيدُ مُفَادَ الْعِلْمِ إذَا عُرِّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَالزَّيْدِينَ وَالزُّيُودِ فَمَوْضُوعُ الْجَمْعِ إذَا لم يُعَرَّفْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ كما في قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا مَالَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كنا نَعُدُّهُمْ بِخِلَافِ حَالَةِ التَّعْرِيفِ وَيَشْهَدُ له قَوْلُ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ بِأَنَّ جَمْعَيْ التَّصْحِيحِ لِلْقِلَّةِ ما لم يَقْتَرِنْ بِأَلْ التي لِلِاسْتِغْرَاقِ أو يُضَافُ إلَى ما يَدُلُّ على الْكَثْرَةِ فَإِنْ اقْتَرَنَ صُرِفَ إلَى الْكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَقَوْلِهِ وَهُمْ في الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ وقد جَمَعَ بين الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ حَسَّانُ رضي اللَّهُ عنه في قَوْلِهِ لنا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحَى وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَمًا وَاعْتَرَضَ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ على إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في اتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَنَقَلَا الْخِلَافَ فيه عن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وهو غَرِيبٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لم يَثْبُتْ عنه وَإِنَّمَا نُقِلَ فيه عن أبي هَاشِمٍ وقد سَبَقَ في كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ ما يَقْتَضِي رَفْعَ الْخِلَافِ فَكَلَامُ الْإِمَامِ إذَنْ مُسْتَقِيمٌ وقال بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ قد قِيلَ إنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لَا يَدُلُّ على الِاسْتِغْرَاقِ وهو ما يَكُونُ على وِزَانِ الْأَفْعَالِ كَالْأَبْوَابِ أو الْفِعْلَةِ كَالصِّبْيَةِ قال وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدُلَّ هذا على الِاسْتِغْرَاقِ وَلَكِنَّ دَلَالَتَهُ دُونَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَاعْتَرَضَ الْأَصْفَهَانِيِّ شَارِحِ الْمَحْصُولِ عليه بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُنَكَّرَ لَا خِلَافَ فيه وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَامِسِ قال الْإِمَامُ أَيْضًا إنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مَوْضُوعٌ في الْعَرَبِيَّةِ لِلْقِلَّةِ وقد يُسْتَعْمَلُ في الْكَثْرَةِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَنَظَرُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَنَظَرُ النَّحْوِيِّينَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْإِمَامُ نَقَلَهُ ابن الصَّائِغِ في شَرْحِ الْجُمَلِ عن سِيبَوَيْهِ فقال مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ جَمْعَيْ السَّلَامَةِ لِلتَّقْلِيلِ غير أَنَّ كَثِيرًا من الْأَسْمَاءِ لَا سِيَّمَا الصِّفَاتِ يُقْتَصَرُ منها على جَمْعِ السَّلَامَةِ وَلِذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ في الْكَثْرَةِ أَكْثَرَ من غَيْرِهِ كَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَزَعَمَ ابن خَرُوفٍ أَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فإنه مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ إنَّهُ الْحَقُّ وَهَذَا أَبْلَغُ في تَقْوِيَةِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ وقد حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ عن الزَّجَّاجِ أَيْضًا فإنه قال في قَوْله تَعَالَى وَاذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَإِنْ كان جَمْعَ السَّلَامَةِ فَلَا يَدُلُّ على الْقِلَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَهُمْ في الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ قال ابن إيَازٍ وَاسْتُضْعِفَ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بين الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى قال بَلْ جَمْعُ السَّلَامَةِ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ لِلْقِلَّةِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ في الْكَثْرَةِ فَذَلِكَ اتِّسَاعٌ وَهَاهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ يَنْقَسِمُ إلَى سَالِمٍ وهو ما سَلِمَتْ فيه بِنْيَةُ الْوَاحِدِ كَالزَّيْدِينَ وَالْهِنْدَاتِ وقد سَبَقَ الْكَلَامُ فيه وَإِلَى ما لَا يَسْلَمُ كَرِجَالٍ وهو ضَرْبَانِ جَمْعُ قِلَّةٍ وهو أَرْبَعَةٌ أَفْعِلَةٌ كَأَرْغِفَةٍ وَأَفْعُلٌ كَأَبْحُرٍ وَفِعْلَةٌ كَفِتْيَةٍ وَأَفْعَالٌ كَأَحْمَالٍ وَمَدْلُولُهُ من الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَوَقَعَ في الْبُرْهَانِ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ فقال وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ على ما دُونَ الْعَشَرَةِ وهو تِسْعَةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ولم يَخُصُّوهُ بِثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ قَوْلُهُمْ جَمْعُ الْقِلَّةِ من الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَة اُخْتُلِفَ في الْعَشَرَةِ فَمِنْهُمْ من جَعَلَهَا من جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو قَوْلُهُ من أَدْخَلَ ما بَعْدَ إلَى فِيمَا قَبْلَهَا وَلِذَلِكَ يُقَالُ عَشَرَةُ أَفْلُس وَمِنْهُمْ من جَعَلَهَا أَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَالتِّسْعَةُ مُنْتَهَى جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو قَوْلُ من لم يُدْخِلْ وَأَمَّا تَمْيِيزُهَا بِجَمْعِ الْقِلَّةِ فَلِقُرْبِهَا من جَمْعِ الْقِلَّةِ قال تَعَالَى عليها تِسْعَةَ عَشَرَ فَجَمَعَ في هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ أَكْثَرَ الْقَلِيلِ وَأَقَلَّ الْكَثِيرِ وما بَعْدَ الْعَشَرَةِ كَثِيرٌ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى وَهَذِهِ فَائِدَةٌ ما يَدُلُّ عليه جَمْعُ الْجَمْعِ وَنَبَّهَ بَعْدَ ذلك على فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ جاء الْجَمْعُ في أَلْفَاظٍ مَسْمُوعَةٍ نَحْوُ نَعَمٌ وَأَنْعَامٌ وَأَنَاعِيمُ وَهَذَا جَمْعُ الْجَمْعِ قال وَأَقَلُّهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ لِأَنَّ النَّعَمَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَأَنْعَامٌ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ تِسْعَةٌ وَأَنَاعِيمُ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ ذلك وَلَوْ قُلْت في هذه الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ لَكَانَ أَقَلُّهَا تِسْعَةً لِأَنَّهَا جَمْعُ أَقْوَالٍ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ولم يُوضَعْ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِاتِّفَاقٍ قال الْإِبْيَارِيُّ إنْ أَرَادَ ظَاهِرًا فَنَعَمْ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ قَطْعًا فَبَاطِلٌ وقد قال أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ إنَّ الْجَمْعَ الْقَلِيلَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ وَعَكْسَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَثَّلَ بَعْدَ ذلك بِقَوْلِهِ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَظَاهِرُهُ إلْحَاقُ أَبْنِيَةِ الْقِلَّةِ من جَمْعِ التَّكْسِيرِ بِجَمْعِ السَّلَامَةِ في إفَادَةِ الْعُمُومِ وَبِهِ صَرَّحَ ابن قُدَامَةَ في الرَّوْضَةِ فقال إنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا عُرِّفَتْ وَيَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا من الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجِنْسِ كما كان قَبْلَهُ في أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمُفْرَدَةِ وهو اخْتِيَارُ الْأَصْفَهَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ وَابْنِ الْحَاجِبِ تَخْصِيصُ ذلك بِالْجَمْعِ السَّالِمِ وَأَنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لَمَّا كان لِلْقِلَّةِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ وَإِنْ عُرِّفَ تَعْرِيفَ جِنْسٍ وَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ وَجَعَلَ الِاسْتِغْرَاقَ خَاصًّا بِجَمْعِ السَّلَامَةِ إذَا عُرِّفَ قال وَإِنَّمَا حَمَلَ قَوْلَهُ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ على الْعُمُومِ لِقَرِينَةٍ فَائِدَةٌ أَلْ إذَا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ الثَّانِي أَنَّ أَدَاةَ الْعُمُومِ إذَا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ فَهَلْ تَسْلُبُهُ مَعْنَى الْجَمْعِ وَيَصِيرُ لِلْجِنْسِ وَيُحْمَلُ على أَقَلِّهِ وهو الْوَاحِدُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ على الْكَلِمَةِ عُمُومَانِ أو مَعْنَى الْجَمْعِ بَاقٍ مَعَهَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَوَّلُ وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِنَا الثَّانِي وَلِهَذَا اشْتَرَطُوا ثَلَاثَةً من كل صِنْفٍ في الزَّكَاةِ إلَّا الْعَامِلِينَ وَقَالُوا لو حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أو لَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ حَنِثَ عِنْدَهُمْ بِالْوَاحِدِ وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ كما نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ مُحَافَظَةً على الْجَمْعِ ولم يَنْظُرُوا إلَى كَوْنِهِ جَمْعَ كَثْرَةٍ حتى لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَحَدَ عَشَرَ نعم ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الْأَيْمَانِ من الْحَاوِي أَنَّهُ لو حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ على الْمَسَاكِينِ حَنِثَ بِالصَّدَقَةِ على الْوَاحِدِ بِخِلَافِ ما لو قال لَأَتَصَدَّقَنَّ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ لِأَنَّ نَفْيَ الْجَمْعِ مُمْكِنٌ وَإِثْبَاتَ الْجَمْعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وقال السُّرُوجِيُّ في الْغَايَةِ ذَكَرَ ابن الصَّبَّاغِ في الشَّامِلِ أَنَّ اللَّامَ إذَا دَخَلَتْ على الْجُمُوعِ تَجْعَلُهَا لِلْجِنْسِ كَقَوْلِنَا لَكِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ الثَّلَاثَةَ من كل صِنْفٍ في الزَّكَاةِ يُخَالِفُ ما قَالَهُ ابن الصَّبَّاغِ قُلْت وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أو الشُّهُورَ وَقَعَ على الْعَشَرَةِ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُحْمَلُ على الْأُسْبُوعِ وَالسَّنَةِ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ الْعَهْدِ وَلَا يُحْمَلُ على الْجِنْسِ وَالرَّاجِحُ ما صَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ فيه عَمَلًا بِالصِّيغَتَيْنِ وهو بَقَاءُ مَعْنَى اللَّامِ وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ قال تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ وَقَوْلُهُمْ فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَيُلْزِمُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لَا يَصِحَّ منه الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَخْصِيصُهُ وَكَذَلِكَ في اسْمِ الْجِنْسِ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وقد قال تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وقال فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلَى قَوْلِهِ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ تَخْصِيصِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يَتَنَاهَى وقال تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وقال تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَالْبَاقِي بَعْدَ تَخْصِيصِ الرِّبَا تَحْتَ الْبَيْعِ دَائِرٌ بين الْأَقَلِّ وَالْكُلِّ وهو كَثِيرٌ وَأَيْضًا اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ على جَوَازِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا يُطْلَقَ جِنْسٌ من الْأَجْنَاسِ إلَّا على الْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أو على كل الْجِنْسِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ النُّحَاةَ أَطْبَقُوا على أَنَّ الْمَصْدَرَ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِدُونِ تَقَيُّدِهِمْ بِالْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أو الْكُلِّ بَلْ أَطْلَقُوا ذلك وَكَذَلِكَ قالوا الْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ لِصَلَاحِيَتِهِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَثْنِيَتِهِ وَجَمْعِهِ وقال ابن الْمُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ اللَّامُ تُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ وَالْجَمْعِيَّةُ تُفِيدُ التَّعَدُّدَ وما كُلُّ تَعَدُّدٌ اسْتِيعَابًا فَإِنْ قُلْت أَلَيْسَ يَتَدَاخَلُ التَّعَدُّدُ وَالِاسْتِيعَابُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِيعَابِ فَلَا يَحْتَاجُ مع لَامِ الْجِنْسِيَّةِ إلَى الْجَمْعِ قُلْت اُحْتِيجَ إلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ لِقَطْعِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ فَالْجِنْسُ الْعَامُّ الْمُفْرَدُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ وَلَا يَجُوزُ في الْجَمْعِ الْعَامِّ الْجِنْسِ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ بَلْ يَقِفُ جَوَازُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ أَقَلِّ ذلك الْجَمْعِ وَلَك أَنْ تَقُولَ الرَّجُلُ أَفْضَلُ من الْمَرْأَةِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَالرِّجَالُ أَفْضَلُ من النِّسَاءِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ جَمَاعَةً جَمَاعَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِغَرَضٍ يَخُصُّهُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ وَأَمَّا في النَّفْيِ فَقَالُوا إنَّ قَوْله تَعَالَى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ إنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ دُونَ الْجِنْسِ وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ بَصَرٍ وهو سَلْبُ الْعُمُومِ أَعْنِي نَفْيَ الشُّمُولِ فَيَكُونُ سَلْبًا جُزْئِيًّا وَلَيْسَ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ من الْأَبْصَارِ لِيَكُونَ عُمُومُ السَّلْبِ أَيْ شُمُولُ النَّفْيِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَيَكُونُ سَلْبًا كُلِّيًّا كما أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ في الْإِثْبَاتِ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَكَذَلِكَ هو في النَّفْيِ لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ فإن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجِوَارِ أَنْ يَكُونَ ذلك بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالْجِنْسُ في النَّفْيِ يَعُمُّ وَبِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَعُمُّ الْأَحْوَالَ وَالْأَوْقَاتِ وَبِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ أَخَصُّ من الرُّؤْيَةِ فَلَا يَلْزَمُ من نَفْيِهِ نَفْيُهَا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ الناس حَنِثَ بِالْوَاحِدِ كما لو قال لَا آكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِبَعْضِهِ بِخِلَافِ ما لو قال لَا أُكَلِّمُ نَاسًا يُحْمَلُ على ثَلَاثَةٍ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْأَيْمَانِ عن ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِجَمِيعِهِ وهو يَدُلُّ على أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ في إفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ جَرَيَانُ خِلَافِ أبي هَاشِمٍ فيه فإنه جَعَلَ من صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ الناس وَجَعَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْجَمْعَ مِمَّا يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَهَذَا مِمَّا يَعُمُّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ أَقَلُّ ما يَدُلُّ عليه لَفْظُ الطَّائِفَةِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ من هذا الْقِسْمِ لَفْظَ الطَّائِفَةِ قال لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا على قِطْعَةٍ من شَيْءٍ وَاخْتُلِفَ في أَقَلَّ ما يُطْلَقُ عليه ذلك هل هو ثَلَاثَةٌ أو أَقَلُّ فَمِنْ حَيْثُ كان مَدْلُولُهَا الْقِطْعَةَ من الناس لم تَكُنْ عَامَّةً لِأَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ شُمُولٌ لِغَيْرِ مُتَنَاهٍ وَلَا مَحْصُورٍ قُلْت وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْمُخْتَصَرِ على أَنَّ أَقَلَّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ فقال في بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ من طَائِفَةٍ انْتَهَى هذا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ عليه الْأَصْحَابُ وَذَكَرُوا عن أبي بَكْرِ بن دَاوُد أَنَّهُ قال قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ خَطَأٌ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ في اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ تُطْلَقُ على وَاحِدٍ أَمَّا في اللُّغَةِ فَحَكَى ثَعْلَبٌ عن الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قال مَسْمُوعٌ من الْعَرَبِ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدُ وَأَمَّا في الشَّرْعِ فَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه احْتَجَّ في قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَوْلَا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم طَائِفَةٌ فَحَمَلَ الطَّائِفَةَ على الْوَاحِدِ وقال تَعَالَى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهُرُهَا تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا على الْوَاحِدِ فما فَوْقَهُ وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ ابن قُتَيْبَةَ وابن فَارِسٍ في فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ في صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا من وَرَائِكُمْ وقال في الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لم يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ في كل الْمَوَاضِعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَثَانِيهِمَا أنها لَا تُطْلَقُ إلَّا على ثَلَاثَةٍ كما هو ظَاهِرُ النَّصِّ وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ من أَهْلِ اللُّغَةِ منهم الزَّمَخْشَرِيُّ فقال وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أو أَرْبَعَةٌ وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الطَّائِفَةَ على الْوَاحِدِ في قَوْلِهِ فَلَوْلَا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم طَائِفَةٌ بِالْقَرِينَةِ وَهِيَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ كما حَمَلَهُ في الْأُولَى على الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ في الْكَلَامِ على أَقَلِّ الْجَمْعِ جاء أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وقال وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أنها تَقَعُ على الْوَاحِدِ كَالْقِطْعَةِ فَيُقَالُ هذه طَائِفَةٌ من هذا أَيْ قِطْعَةٌ منه قال وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ على الْقِطْعَةِ من الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فيه دَلِيلٌ على الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ هذه طَائِفَةٌ من الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ اسْمُهَا على جِنْسٍ كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْفِيلِ فَالْمَقْصُودُ بها الْجَمَاعَةُ كما يُقَالُ كان طَائِفَةٌ من الناس أَيْ جَمَاعَةٌ وَالْجَمَاعَةُ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ هذا كَلَامُهُ وقد اُخْتُلِفَ في دَلَالَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ هذا النَّوْعِ كَالْقَوْمِ فإن بَعْضَهُمْ قال يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِالذُّكُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ من قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا منهم وَلَا نِسَاءٌ من نِسَاءٍ وَكَذَلِكَ الرَّهْطُ قال الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ من الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ قال ابن سِيدَهْ الرَّهْطُ جَمْعٌ من ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَكَذَلِكَ النَّفَرُ وَعَلَى هذا فَفِي عَدِّ هذه الْأَسْمَاءِ من صِيَغِ الْعُمُومِ نَظَرٌ اسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُدْخِلَتْ عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ بِأَقْسَامِهِ السَّابِقَةِ فإذا دَخَلَتْ عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ سَوَاءٌ الِاسْمُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أو الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ كَالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَالْقَائِمِ وَالسَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَإِنْ كان لِلْعَهْدِ فَخَاصٌّ سَوَاءٌ الذِّكْرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كما أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أو الذِّهْنِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ على يَدَيْهِ يقول يا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مع الرَّسُولِ سَبِيلًا فإن اللَّامَ في الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ وهو النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ في اللَّفْظِ وَإِنْ لم يُرَدْ بِهِ مَعْهُودٌ فَاخْتَلَفُوا فيه على أَقْوَالٍ أَحَدِهَا أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ وَنُقِلَ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ والبويطي وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ عنه في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وهو كَذَلِكَ في الْأُمِّ من رِوَايَةِ الرَّبِيعِ وَيَدُلُّ عليه قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ إنْكَارًا على قَوْلِ عبد اللَّهِ بن أُبَيٍّ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ منها الْأَذَلَّ فَدَلَّ على أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ يَعُمُّ وَلَوْلَا ذلك لَمَا تَطَابَقَ وَالْفُقَهَاءُ كَالْمُجْمِعِينَ عليه في اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَحْوِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الْجِنْسَ مَعْلُومٌ قبل دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فإذا دَخَلَتَا وَلَا مَعْهُودَ فَلَوْ لم يَجْعَلْهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لم يُفِدْ شيئا جَدِيدًا وقال الْأُسْتَاذ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْقَائِلِينَ بِالصِّيَغِ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وقال بِهِ أبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ وَنَسَبَهُ لِأَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ وقال الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ من الْفُقَهَاءِ وقال الْبَاجِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْجُبَّائِيُّ وَنَصَرَهُ عبد الْجَبَّارِ وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وابن الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عن الْمُبَرِّدِ وَالْفُقَهَاءِ قُلْت وَنَصَّ عليه سِيبَوَيْهِ فإنه قال قَوْلُك شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ مَحْكُومٌ بِفَسَادِهِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا اقْتِضَاؤُهُ الْعُمُومَ لَمَا جاء الْفَسَادُ لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في أَنَّ الْعُمُومَ فيه من حَيْثُ اللَّفْظُ أو الْمَعْنَى على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَصَحَّحَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ من حَيْثُ الْمَعْنَى وَكَأَنَّهُ لَمَّا قال وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فُهِمَ أَنَّ الْقَطْعَ من أَجْلِ السَّرِقَةِ وَصَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ من جِهَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّ اللَّامَ إمَّا لِلْعَهْدِ وهو مَفْقُودٌ فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ من اللَّفْظِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَخْلُفَ اللَّامَ فيه كُلُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفِيدُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وَلَا يُحْمَلُ على الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي هَاشِمٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ النَّحْوِيِّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ عن الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ على الْعَهْدِ وَلَا يَقْتَضِي الْجِنْسَ قال وَحَقِيقَةُ هذا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لم يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَعْهُودِ صَارَ مُجْمَلًا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُرَادَ إلَّا بِتَفْسِيرٍ وَهَذَا صِفَةُ الْمُجْمَلِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجِنْسِ وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ يُحْكَمُ بِظَاهِرِهِ وَيُطْلَبُ دَلِيلُ الْمُرَادِ بِهِ وَالرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين ما فيه الْهَاءُ وَبَيْنَ ما لَا هَاءَ فيه فما ليس فيه الْهَاءُ لِلْجِنْسِ عِنْدَ فِقْدَانِهَا وفي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّوَقُّفُ وَنَقَلَهُ الْإِبْيَارِيُّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَاَلَّذِي في الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ عنه الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ عن عَهْدٍ فَلِلْجِنْسِ نَحْوُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَإِنْ لَاحَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لِلْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ نَحْوُ الدِّينَارُ أَشْرَفُ من الدِّرْهَمِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ هل خَرَجَ على عَهْدٍ أو إشْعَارٍ بِجِنْسٍ فَمُجْمَلٌ وَأَنَّهُ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ عُمُومُهُ وَتَنَاوَلَهُ الْجِنْسُ بِحَالَةٍ مُقْتَرِنَةٍ معه مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ الْخَامِسُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَتَمَيَّزَ لَفْظُ الْوَاحِدِ فيه عن الْجِنْسِ بِالتَّاءِ كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ فإذا عُرِّيَ عن التَّاءِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ قال في الْمَنْخُولِ وَأَنْكَرَهُ الْفَرَّاءُ مُسْتَدِلًّا بِجَوَازِ جَمْعِهِ على تُمُورٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ جُمِعَ على اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى وَإِنْ لم تَدْخُلْ فيه التَّاءُ لِلتَّوْحِيدِ فَإِنْ لم يَتَشَخَّصْ مَدْلُولُهُ ولم يَتَعَدَّدْ كَالذَّهَبِ فَهُوَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ إذْ لَا يُعَبَّرُ عن أَبْعَاضِهِ بِالذَّهَبِ الْوَاحِدِ وَإِنْ تَشَخَّصَ مَدْلُولُهُ وَتَعَدَّدَ كَالدِّينَارِ وَالرَّجُلِ فَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ نَحْوُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَيَحْتَمِلُ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ وَلَا يُحْمَلُ على الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنَّمَا الْجِنْسُ قَوْلُك الدِّينَارُ أَفْضَلُ من الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ التَّسْعِيرِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى والمنخول وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَرِيسِيُّ وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ في الدِّينَارِ وَالرَّجُلِ وقال الْحَقُّ ما حَقَّقَهُ وهو في كِتَابِ مِعْيَارِ الْعِلْمِ في الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إذْ دخل عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ فإنه أَطْلَقَ فيه اقْتِضَاءَهُ الِاسْتِغْرَاقَ بِمُجَرَّدِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فيه إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ وقال في الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْعَهْدِ أو الْجِنْسِ وَكَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَهَذَا تَنَاقُضٌ قال وَالْعُمُومُ فيه غَيْرُ عُمُومِ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فإن عُمُومَ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدُلُّ على مَعْنًى يَدْخُلُ تَحْتَهُ كَثْرَةٌ تَشْمَلُهُ وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ عن كل وَاحِدٍ منها وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الْمُفْرَدِ كُلِّيًّا وَأَمَّا الْعُمُومُ الْآخَرُ وهو عُمُومُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ إلَّا في قَوْلٍ كَخَبَرٍ أو أَمْرٍ أو نَهْيٍ مِثْلُ الْإِنْسَانُ في خُسْرٍ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَالْحُكْمُ في قَوْلِك خُسْرٍ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ في الْأَمْرِ انْتَهَى وَحَكَى الْإِمَامُ وابن الْقُشَيْرِيّ عن بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِيَغِ الْعُمُومِ أَنَّ ما كان من أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يُجْمَعُ كَالتَّمْرِ وَالتُّمُورِ فإن ذلك لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ لِأَنَّ ذلك إنَّمَا يُؤْخَذُ منه حَالَةُ الْجَمْعِ قال الْإِمَامُ وَهَذَا لَا حَاصِلَ له فإن الِاسْتِغْرَاقَ ثَابِتٌ في أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَيَرِدُ عليهم امْتِنَاعُ قَوْلِ الْقَائِلِ تَمْرٌ وَاحِدٌ وهو أَظْهَرُ من مُتَعَلِّقِهِمْ في الْجَمْعِ وقد قال سِيبَوَيْهِ النَّاقَةُ تُجْمَعُ على نُوقٍ ثُمَّ النُّوقُ تُجْمَعُ على نِيَاقٍ وَهُمَا من أَبْنِيَةِ الْكَثْرَةِ ثُمَّ يُجْمَعُ النِّيَاقُ على أَيْنُقْ هو وهو مَقْلُوبُ آنِقٍ أو أَنِيقً وَالْأَفْعَلُ من جَمْعِ الْقِلَّةِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّمْرَ أَقْعَدُ بِالْعُمُومِ من التُّمُورِ لِاسْتِرْسَالِهِ على الْآحَادِ لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَأَمَّا التُّمُورُ فإنه يَرِدُ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَجِيءُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَهُ من صِيغَةِ الْجَمْعِ قال شَارِحُوهُ يُرِيدُ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ التَّمْرِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمُشْتَمِلِ لِلْآحَادِ وَالتَّمْرُ يُلْتَفَتُ فيه إلَى الْوَاحِدِ فَلَا يَحْكُمُ فيه على الْحَقِيقَةِ بَلْ على أَفْرَادِهَا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قال تُمُورٌ فَقَدْ تَخَيَّلَ رَدَّهُ إلَى الْوَاحِدِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمْعِ وَأَرَادَ دَلَالَتَهُ على الْجِنْسِ وَهِيَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فيها وَصَيَّرَ دَلَالَةَ الْجِنْسِ إلَى لَفْظِ الْجَمْعِ الذي فيه خِلَافٌ وَقَوْلُهُ الْجَمْعُ يُرَدُّ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْمَقْصُودَةُ وَإِلَّا فَاسْمُ الْجِنْسِ يَتَخَيَّلُ فيه الْوَحَدَاتِ لَكِنَّ آحَادَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلَافِ الْجَمْعِ وَتَمْثِيلُهُ بِالتَّمْرِ مُعَرَّفًا يُؤْخَذُ منه أَنَّ التَّمْرَ مُفْرَدٌ وَأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ يَعُمُّ وقد اُخْتُلِفَ في التَّمْرِ هل هو اسْمُ جِنْسٍ لِأَنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ وَلَا تَمَيُّزَ إلَّا بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أو جَمْعُ تَمْرَةٍ يُفَرَّقُ بين وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ بِالتَّاءِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ فإن التَّمْرَ لَا يَدُلُّ على أَفْرَادٍ مَقْصُودَةٍ بِالْعَدَدِ وَإِنَّمَا يُجْمَعُ إذَا قَصَدْت أَنْوَاعَهُ لَا أَفْرَادَهُ فَهُوَ في أَصْلِ وَضْعِهِ كَمَاءٍ وقد قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وقال كِتَابُهُ أَكْثَرُ من كُتُبِهِ يُرِيدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ فَدَلَالَتُهُ أَعَمُّ من كُتُبِهِ لِأَنَّ كُتُبَهُ جَمْعٌ قال الزَّمَخْشَرِيُّ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَاحِدٌ نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الْجِنْسِ فَهُوَ أَبْلَغُ في الْعُمُومِ من الْجَمْعِ فَمَعْنَاهُ مُفْرَدًا أَدَلُّ على الِاسْتِغْرَاقِ منه جَمْعًا وفي قَوْلِهِ نَحَّى بِهِ نحو اسْمِ الْجِنْسِ ما يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غير اسْمِ الْجِنْسِ لِأَنَّ ما نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الشَّيْءِ غَيْرُ ذلك الشَّيْءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَرَى أَنَّ تَمْرًا اسْمُ جَمْعٍ لَا جَمْعٌ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ وهو قَوْلٌ فَفِي تَمْرٍ إذَنْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وقال في قَوْله تَعَالَى وَالْمَلَكُ على أَرْجَائِهَا إنَّ الْمَلَكَ أَعَمُّ من الْمَلَائِكَةِ وَذُكِرَ هذا الْمَعْنَى في مَوَاضِعَ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْخِلَافَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ على الْجَمْعِ وَيَزِيدُ هَاهُنَا مَذَاهِبُ أُخْرَى كما بَيَّنَّا وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ على الْمُفْرَدِ أو الْجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِمَا جميعا عِنْدَ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ إلَّا إذَا كان مَعْهُودًا وَالثَّانِي أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ فِيهِمَا لَا الِاسْتِغْرَاقِ وهو أَحَدُ قَوْلَيْ أبي هَاشِمٍ من الْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّالِثُ وهو قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ في الْمُفْرَدِ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وفي الْجَمْعِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ إذَا دَخَلَتْ على الْمُفْرَدِ كان صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إلَى الْوَاحِدِ منه وإذا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ صَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إلَى الْوَاحِدِ وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ فإن الْحُرْمَةَ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ على الْجَمْعِ وقَوْله تَعَالَى فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَالصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ منه وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لقد خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلَى قَوْلِهِ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَقَوْلِهِ إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إلَى قَوْلِهِ إلَّا الْمُصَلِّينَ وَاسْتِثْنَاءُ الْمُصَلِّينَ دَالٌّ على الِاسْتِغْرَاقِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ جِنْسِ الْحِنْطَةِ وَلَنَا في الْجَمْعِ قَوْله تَعَالَى يَأَيُّهَا الناس وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكُلُّ وَالْمَعْقُولُ في الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجِنْسِ كان مُسْتَفَادًا قبل دُخُولِ اللَّامِ وَلَا بُدَّ لِدُخُولِهَا من فَائِدَةٍ وَلَيْسَ ذلك إلَّا الِاسْتِغْرَاقَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ على اسْمِ الْجِنْسِ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ بها الْعَهْدَ فَلَا إشْكَالَ في عَدَمِ عُمُومِهِ وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بها تَعْرِيفَ اسْمِ الْجِنْسِ فَلَا إشْكَالَ في عُمُومِهِ وَإِمَّا أَنْ يُشْكِلَ الْحَالُ فَهَلْ يُحْمَلُ على الْعُمُومِ أو الْعَهْدِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ أَيْ حَقِيقَةَ الْجِنْسِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الْأَفْرَادِ فَهِيَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَمِنْهُ قَوْلُك الرَّجُلُ أَفْضَلُ من الْمَرْأَةِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ هذا مِمَّا تَرَدَّدُوا فيه فَقِيلَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَقِيلَ لَا وَاخْتَارَ الْإِمَامُ التَّفْصِيلَ بين أَنْ يُعَرِّفَ هُنَا بِنَاءً على تَنْكِيرٍ سَابِقٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اُقْتُلْ رَجُلًا ثُمَّ يَقُولَ اُقْتُلْ الرَّجُلَ فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَإِنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلِلْجِنْسِ وَإِنْ لم يَدْرِ هل خَرَجَ تَعْرِيفًا لِنَكِرَةٍ سَابِقَةٍ أو إشْعَارًا بِالْجِنْسِ فَمَيْلُ الْمُعْظَمِ إلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فإنه من حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ بَلْ لِاقْتِرَانِ حَالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ فإذا لم تُوجَدْ لم يُتَّجَهْ إلَى التَّوَقُّفِ وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أو لِلْغَلَبَةِ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا فَلَا إشْكَالَ في عَدَمِ عُمُومِهَا كَغَيْرِهَا من الْأَعْلَامِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ احْتِمَالَانِ عَامًّا وَمُجْمَلًا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَتَرَدَّدَا بَيْنَهُمَا وَمِنْ الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَعَامًّا في كل بَيْعٍ إلَّا ما نَهَتْ عنه السُّنَّةُ وَفِيهِ سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قد يُشْكِلُ الْفَرْقُ بين الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلِ قال ابن التِّلِمْسَانِيِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ في الْفَرْقِ إنَّ الْأَوَّلَ على تَقْدِيرِ أَنَّ لِلشَّارِعِ عُرْفًا في الْأَسْمَاءِ وإذا كان لِلشَّارِعِ عُرْفٌ في الْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَمَتَى وَرَدَ الِاسْمُ منه صُرِفَ إلَى عُرْفِهِ فَقَوْلُهُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يَتَنَاوَلُ ذلك الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ وَيَنْدَرِجُ فيه كُلُّ نَوْعٍ من أَنْوَاعِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَخْصِيصَ فيه وَلَا اسْتِثْنَاءَ وَأَمَّا الْأَخِيرُ فَعَلَى قَوْلِنَا إنَّ الشَّارِعَ لم يُغَيِّرْ الْأَسْمَاءَ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا في مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ فَيَكُونُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أَيْ كُلُّ ما يُسَمَّى بَيْعًا لُغَةً إلَّا ما نُهِيَ عنه على لِسَانِ نَبِيِّهِ عليه السَّلَامُ أو كان في مَعْنَاهُ فَهُوَ عَامٌّ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَرَجَّحُ احْتِمَالُ الِاسْتِغْرَاقِ في الْآيَةِ فإنه لَا يَتَوَقَّفُ على تَوَقُّفِهِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ على خِلَافِ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ في آيَةِ الْبَيْعِ على أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ وَاخْتَلَفَ في قَوْلِهِ في آيَةِ الزَّكَاةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَآتُوا الزَّكَاةَ إلَى قَوْلَيْنِ أَحَدِهِمَا أنها عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ وَالثَّانِي مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ وَهُمَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَاحِدٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدٌ مُشْتَقٌّ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَإِنْ عَمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ في الْآيَتَيْنِ وَإِنْ عَمَّ من حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا وَإِنْ لم يَعُمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَلَا من حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَكُنْ ذلك في الْآيَتَيْنِ مع أَنَّ الصَّحِيحَ في آيَةِ الْبَيْعِ الْعُمُومُ وفي آيَةِ الزَّكَاةِ الْإِجْمَالُ وَالسِّرُّ في ذلك أَنَّ حِلَّ الْبَيْعِ على وَفْقِ الْأَصْلِ من حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ في النَّافِعِ الْحِلُّ وفي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فَمَهْمَا حُرِّمَ الْبَيْعُ فَهُوَ على خِلَافِ الْأَصْلِ وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ على خِلَافِ الْأَصْلِ لِتَضَمُّنِهَا أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ فَوُجُوبُهَا على خِلَافِ الْأَصْلِ ثُمَّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ في الْبَابَيْنِ نَاظِرَةٌ إلَى هذا الْمَعْنَى فَلِذَلِكَ اعْتَنَى عليه السَّلَامُ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الْفَاسِدَةِ كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ حَبَلِ الْحُبْلَةِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ولم يَعْتَنِ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا في الزَّكَاةِ فإنه عليه السَّلَامُ اعْتَنَى بِبَيَانِ ما يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ ولم يَعْتَنِ بِبَيَانِ ما لَا يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ فَمَنْ ادَّعَى الزَّكَاةَ في شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فيه كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا على خِلَافِ الدَّلِيلِ وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ في آيَةِ الْبَيْعِ هل الْمُخَصِّصُ أو الْمُبَيِّنُ لها الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ الزَّكَاةِ فَلِأَنَّهُ عَقَّبَ حِلَّ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَحَرَّمَ الرِّبَا وَالرِّبَا من أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ ولم يُعَقِّبْ الزَّكَاةَ بِشَيْءٍ الثَّالِثُ عن هذا الْخِلَافِ نَشَأَ الْخِلَافُ في مَعْنَى الْحَمْدِ فقال عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وقال الْمُعْتَزِلَةُ ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ من الْحَمْدُ بِحَسْبِهِ فَهُوَ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وَلِهَذَا قال الزَّمَخْشَرِيُّ وَمَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إلَى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ من الْحَمْدِ ما هو وما قِيلَ من أَنَّ اللَّامَ في الْحَمْدِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعَهْدِ فَذَلِكَ كَلَامٌ بِلَا أَسَاسٍ لِأَنَّهُ لم يَصِحَّ عَنْهُمْ هذا النَّقْلُ بَلْ قالوا إنَّ اللَّامَ فيه لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وَبِهَذَا ظَهَرَ تَقْرِيرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ الذي قَالَهُ كَثِيرٌ من الناس وَهَمٌ منهم الرَّابِعُ حَكَى الْقَرَافِيُّ عن الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ على هذه الْقَاعِدَةِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي فإنه لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِنَاءً على أَنَّهُ الْتِزَامُ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَعَلَى قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَأَجَابَ بِأَنَّ هذا نَقْلٌ عن مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى الْعُرْفِ فَنَقْلُ الْعُرْفِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عن الْعُمُومِ إلَى حَقِيقَةِ الْجِنْسِ في الطَّلَاقِ خَاصَّةٌ لِدَلِيلٍ وَبَقِيَ على عُمُومِهِ في غَيْرِ هذا الْبَابِ وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَفْرَادَ له وَلَكِنْ له مَرَاتِبُ مُشْتَرَكَةٌ في قَطْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَحُمِلَ على أَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْخَامِسُ قال الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ لَامُ الْجِنْسِ تُخَصِّصُ جِنْسًا من سَائِرِ الْأَجْنَاسِ كَ لَامِ الْعَهْدِ تُخَصِّصُ وَاحِدًا من الْآحَادِ وَلَا يَكُونُ تَخْصِيصٌ ما لم يَكُنْ عُمُومٌ أو تَقْدِيرُهُ فَتَقُولُ إنْ زَارَك الصَّدِيقُ أَيْ من صِفَتُهُ الصَّدَاقَةُ خَاصَّةً دُونَ الْعَدُوِّ وَمَنْ ليس بِصَدِيقٍ وَلَا عَدُوٍّ فَإِنْ نُكِّرَتْ زَالَ هذا التَّخْصِيصُ وَانْقَلَبَ إلَى مَعْنَى الشِّيَاعِ في كل صَدِيقٍ قال فَقَوْلُنَا رَجُلٌ فَاسِقٌ هو بَعْضٌ من شِيَاعِهِ وَلَيْسَ فيه إفْرَازُ الْفَاسِقِ من الْعَدْلِ وَلَا قَصَدَ إلَى ذلك وَإِنَّمَا كان يَقْصِدُ إلَيْهِ لو دَخَلَتْ اللَّامُ فإن التي تُمَيِّزُ الْجِنْسَ مِمَّا سِوَاهُ وَالصِّفَةُ إنَّمَا تَقْتَضِي الشِّيَاعَ وَالْكَلَامُ في التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ أَدَقُّ من الدَّقِيقِ وَأَمَّا الْمُثَنَّى فقال الْقَرَافِيُّ هو كَالْجَمْعِ في الْعُمُومِ ثُمَّ قال لَا يُفْهَمُ الْعُمُومُ من إضَافَةِ التَّثْنِيَةِ في شَيْءٍ من الصُّوَرِ سَوَاءٌ كان الْفَرْدُ يَعُمُّ أَمْ لَا فإذا قال عَبْدَايَ حُرَّانِ لم يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُمَا وَكَذَلِكَ مَالَايَ فَالْفَهْمُ عن الْعُمُومِ في التَّثْنِيَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ وَالْفَرْدِ انْتَهَى وَالْإِضَافَةُ وَالتَّعْرِيفُ سَوَاءٌ وَكَلَامُهُ الْأَوَّلُ لَا يَجْتَمِعُ مع الثَّانِي وَسَيَأْتِي فيه مَزِيدٌ في الْإِضَافَةِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْعُمُومُ مِمَّا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ فَالدَّاخِلُ على اسْمِ الْجِنْسِ يَعُمُّ الْأَفْرَادَ أَعْنِي كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ وَالدَّاخِلُ على الْجَمْعِ يَعُمُّ الْجُمُوعَ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَعُمُّ أَفْرَادَ ما دَخَلَا عليه وقد دَخَلَا على جَمْعٍ فَتَفَطَّنْ له وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ في النَّفْيِ وَالنَّهْيِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِفَرْدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ النَّفْيُ وَالنَّهْيُ عن كل فَرْدٍ وَلَا قَرِينَةَ تَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ ما تَقَدَّمَ من أَنَّ الْعُمُومَ من بَابِ الْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ كُلِّيَّةَ الْجَمْعِ هِيَ أَفْرَادُ الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ كل جَمْعٍ وَيَنْبَغِي على مَسَاقِ هذا التَّقْدِيرِ أَنْ تَخْتَلِفَ الْجُمُوعُ فَتَشْمَلَ جُمُوعَ الْقِلَّةِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَلَا تَشْمَلُ جُمُوعُ الْكَثْرَةِ إلَّا أَحَدَ عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُشْكِلٌ على اسْتِدْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الصِّيَغِ على كل فَرْدٍ فَرْدٍ وقد أَجَابَ عنه الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ التَّعْرِيفَ الْجِنْسِيَّ لِاسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَفْرَادِ ما دخل عليه سَوَاءٌ كان مُفْرَدًا أو جَمْعًا في إثْبَاتٍ أو نَفْيٍ وَهَذَا لَا يُجْدِي لِأَنَّ النِّزَاعَ فيه وَالْخَصْمُ يقول إنَّمَا يَدُلُّ على أَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا على فَرْدٍ فَرْدٍ وقد يُقَالُ إنَّ قَرِينَةَ الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقِيِّ هُنَا اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ من الْآحَادِ لَا من مَرَاتِبِ الْجُمُوعِ لِأَنَّ ذلك أَقْوَى في دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْكُلِّيَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي إلَى أَنَّ اسْتِغْرَاقَ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ لِمَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَقْوَى من اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا رَجُلَ في الدَّارِ إذْ كان فيها وَاحِدٌ أو اثْنَانِ وَيَصْدُقُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ لَا رِجَالَ في الدَّارِ وَهَذَا إنَّمَا جاء في جَانِبِ النَّفْيِ أَمَّا في حَالَةِ الْإِثْبَاتِ مع التَّعْرِيفِ الْجِنْسِيِّ فَالشُّمُولُ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ كما سَبَقَ نَقْلُهُ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى وَكُتُبِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكِتَابُ أَكْثَرُ من الْكُتُبِ وَقَرَّرَهُ ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ يَدُلُّ على أَفْرَادِ جِنْسِهِ كُلِّهَا لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ بَلْ بِمَعْنَاهُ وَمَوْضُوعِهِ وَأَمَّا في الْجَمْعِ فإنه يُرَدُّ أَوَّلًا إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَحْصُلُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَ ذلك من صِيَغِ الْجَمْعِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَقْوَى الثَّانِي أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ وَأَطْبَقَ الْمَنْطِقِيُّونَ على أَنَّ نحو قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ قَضِيَّةٌ مُهْمَلَةٌ في قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ وقد تَكَلَّمَ الْغَزَالِيُّ في كِتَابِهِ مِعْيَارِ الْعِلْمِ على وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فقال اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ من لُغَةِ الْعَرَبِ وَجَبَ طَلَبُ الْمُهْلَةِ من لُغَةٍ أُخْرَى وَإِنْ لم يَثْبُتْ فَهُوَ مُهْمَلٌ إذْ يَحْتَمِلُ الْكُلَّ وَيَحْتَمِلُ الْجُزْءَ وَيَكُونُ قُوَّةُ الْمُهْمَلِ قُوَّةَ الْجُزْءِ لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ يَشْتَمِلُ عليه وَأَمَّا الْعُمُومُ فَمَشْكُوكٌ فيه وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ ما يَصْدُقُ جُزْئِيًّا أَنْ لَا يَصْدُقَ كُلِّيًّا انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الِاسْتِغْرَاقُ لَزِمَ أَنَّهُ ليس في لُغَةِ الْعَرَبِ مُهْمَلٌ وَطَلَبَ ذلك من لُغَةٍ أُخْرَى إذْ ليس بَحْثُ الْمَنْطِقِيِّينَ قَاصِرًا على لُغَةٍ دُونَ لُغَةٍ وَإِنْ مُنِعَ الِاسْتِغْرَاقُ بِنَاءً على أنها كما تَأْتِي في لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْعُمُومِ تَأْتِي لِلْخُصُوصِ كَالْعَهْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ يُرَادُ بها الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ بِاعْتِبَارَيْنِ فَلَا يَكُونُ بِمَعْنَى كُلٍّ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لَفْظَ الْإِهْمَالِ إذَا أُطْلِقَ فَلَا يُفْهَمُ منه تَعْمِيمٌ وَلَا تَخْصِيصٌ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَوْ كان يَدُلُّ على الْعُمُومِ وَيُقَابِلُ التَّنْوِينَ لِلتَّنْكِيرِ في الدَّلَالَةِ على الْخُصُوصِ لَكَانَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ لَا يَدُلُّ على الْوَاحِدِ أَلْبَتَّةَ وَقَوْلُنَا إنْسَانٌ لَا يَتَنَاوَلُ الشِّيَاعَ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ وَأَخْذُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ بِمَعْنَى أنها سُوَرٌ هو الْمُغَلَّطُ فإن الْقَضِيَّةَ إذَا ذُكِرَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ صَدَقَتْ في بَعْضٍ ما وإذا قُرِنَ بِهِ لَفْظُ السُّوَرِ كَذَبَتْ وَالسُّوَرُ الْكُلِّيَّةُ إنَّمَا تَدُلُّ على كُلِّيَّةِ الْحُكْمِ الْمَوْضُوعِ لَا على كُلِّيَّةِ الْمَحْمُولِ الثَّالِثُ أَجْمَعَ النُّحَاةُ بِأَنَّ أَلْ تَأْتِي لِتَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَيَلْزَمُ عليه تَعْرِيفُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ لِأَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يُرِيدُوا تَعْرِيفَ الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ أَيْ لو بِقَيْدِ وُجُودِهَا ذِهْنًا أو خَارِجًا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مَعَارِفَ كما قُلْنَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أو تَعْرِيفَهَا من حَيْثُ وُجُودُهَا في الذِّهْنِ أو في الْخَارِجِ فَحِينَئِذٍ هِيَ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا فَرْقَ وَإِذْ قد تَعَذَّرَ هذا فَالْأَوْلَى ما قَالَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ أَلْ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ خَاصَّةً حَيْثُمَا وَرَدَتْ فَحَيْثُ يُقَالُ هذه لِلْحَقِيقَةِ قُلْنَا لِلْعَهْدِ بِوَاسِطَةِ التَّهَكُّمِ أو غَيْرِهِ وَحَيْثُ قِيلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ قُلْنَا لِلْعَهْدِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُ هذا الْقَوْلِ لِمَا سَبَقَ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْإِضَافَةُ هِيَ من مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلِهَذَا عَاقَبَتْهَا فَإِنْ دَخَلَتْ على جَمْعٍ أَفَادَتْ الْعُمُومَ سَوَاءٌ كان جَمْعَ تَصْحِيحٍ أو جَمْعَ تَكْسِيرٍ كَذَا قالوا وفي تَعْمِيمِ أَبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ الْأَرْبَعَةِ التي لِلْقِلَّةِ نَظَرٌ كما لو قال أَعْبُدِي أَحْرَارٌ وَلَهُ عَبِيدٌ كَثِيرُونَ أَزْيَدُ من الْعَشَرَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فيه ما سَبَقَ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ من الْخِلَافِ وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ فَكَذَلِكَ وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ فَكَذَاك وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّا رسول رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَوْلُهُ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ قَفِيزَهَا وَصَاعَهَا وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَيَشْرَبَن مَاءَ هذا الْبِئْرِ فإنه يَحْنَثُ في الْحَالِ على الْأَصَحِّ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي جَمِيعَ مَائِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ فَكَانَ كَقَوْلِهِ لَأَصْعَدَن إلَى السَّمَاءِ وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْعُرْفَ حَمَلَهُ على التَّبْعِيضِ وهو مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَفَصَلَ الْقَرَافِيُّ بين أَنْ يَصْدُقَ على الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ نَحْوُ مَالِي صَدَقَةٌ فَيَعُمُّ وَبَيْنَ أَنْ يَصْدُقَ على الْجِنْسِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ فَلَا يَعُمُّ نَحْوُ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وقد أَشَارَ إلَيْهِ أبو عَمْرِو بن الْحَاجِبِ إشَارَةً لَطِيفَةً يَعْنِي في مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ حَيْثُ ذَكَرَ صِيَغَ الْعُمُومِ وَذَكَرَ أَسْمَاءَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَاتِ وَالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وما في مَعْنَاهَا وَاسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وَالْمُضَافَ لِمَا يَصْلُحُ لِلْبَعْضِ وَالْجَمِيعِ فَقَوْلُهُ لِمَا يَصْلُحُ إلَخْ يَقْتَضِي التَّقَيُّدَ بِمَا سَبَقَ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَعَلَّ الْقَرَافِيَّ أَخَذَهُ من تَفْصِيلِ الْغَزَالِيِّ السَّابِقِ في اسْمِ الْجِنْسِ إذْ دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ في أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ على أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ مع اخْتِيَارِهِ بِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِأَلْ لَا يَعُمُّ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ كما ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ ولم يَقِفْ الْهِنْدِيُّ على نَقْلٍ في ذلك فقال في النِّهَايَةِ وَكَوْنُ الْمُفْرَدِ الْمُضَافِ لِلْعُمُومِ وَإِنْ لم يَكُنْ مَنْصُوصًا لهم لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّسْوِيَةِ بين الْإِضَافَةِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْحَقُّ أَنَّ عُمُومَ الْإِضَافَةِ أَقْوَى وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ حَنِثَ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ لِعَدَمِ تَنَاهِي أَفْرَادِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِكُلِّهِ وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ فَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْآحَادِ وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُضَافُ فَهَلْ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْجُمُوعِ أو الْآحَادِ على قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ على أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ أو الْجِنْسُ وَأَمَّا الْمُثَنَّى الْمُضَافَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَصْلِحُوا بين أَخَوَيْكُمْ فَإِنْ قَدَّرْت الْإِضَافَةَ دَاخِلَةً على الْمُثَنَّى بَعْدَ التَّثْنِيَةِ كان مَعْنَاهَا التَّعْمِيمَ في كل فَرْدٍ من الْإِخْوَةِ وَإِنْ قَدَّرْت التَّثْنِيَةَ دَاخِلَةً بَعْدَ الْإِضَافَةِ كان مَعْنَاهَا تَثْنِيَةَ الْجِنْسَيْنِ الْمُضَافَيْنِ وَإِنْ كان الْجِنْسُ لَا يُثَنَّى وَالْعَامُّ لَا يُثَنَّى لِاسْتِغْرَاقِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا امْتَازَ بِنَوْعٍ من الشِّقَاقِ جَازَ ذلك وقد سَبَقَ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ فيه فَرْعٌ كان له أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فقال زَوْجَتِي طَالِقٌ وَقَعَ على وَاحِدَةٍ وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ تَطْلُقُ الْأَرْبَعُ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ في الْأَيْمَانِ قد يُعَبَّرُ بِهِ عن الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ وَأَرَادَ لَيَالِيَ الصِّيَامِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَالْكَلَامُ يُحَالُ على الْحَقِيقَةِ ما أَمْكَنَ وهو إنَّمَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ على وَاحِدَةٍ فَلَا يَقَعُ على الْجَمَاعَةِ قُلْت وَهَذَا الْفَرْعُ مُخَالِفٌ لِتَعْمِيمِ الْمُضَافِ وَيُجَابُ عنه بِمَا سَبَقَ في الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي من أَنَّ الْأَصْلَ فيه التَّعْمِيمُ وَإِنَّمَا خَصَّ هذه الصُّورَةَ وَأَمْثَالَهَا بِنَقْلِ الْعُرْفِ لها عن مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ بِدَلِيلِ ما لو قال مَالِي صَدَقَةٌ فإنه يَعُمُّ وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدَلَّ على إبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي من قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْحِلُّ مِيتَتُهُ تَنْبِيهٌ الْبَعْضُ وَنَحْوُهُ من الْجُزْءِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ إذَا أُضِيفَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَإِلَّا لَكَانَ قام بَعْضُ الرِّجَالِ مِثْلَ قام كلهم كَذَا قال بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ هذا بِبَعْضِ الْمُحَالِ وهو إذَا لم تَدْعُ إلَى الْعُمُومِ ضَرُورَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ على بَعْضٍ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ من الْآخَرِ فَإِنْ دَعَتْ كان لِلْعُمُومِ وهو حِينَئِذٍ بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ يوم الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فإنه عَامٌّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وقَوْله تَعَالَى فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فإن يَتَسَاءَلُونَ يَدُلُّ على أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فإن كُلَّ وَاحِدٍ عَدُوُّ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّك لو قُلْت كُلُّكُمْ لِكُلٍّ عَدُوٌّ صَحَّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وَيَنْبَغِي النَّظَرُ في مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَفَائِدَةُ هذا فِيمَا يَجُوزُ فيه الْأَمْرَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ بِمَا أو لَنْ أو لم أو ليس وَسَوَاءٌ دخل حَرْفُ النَّفْيِ على فِعْلٍ نَحْوُ ما رَأَيْت رَجُلًا أو على اسْمٍ نَحْوُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ وَسَوَاءٌ بَاشَرَهَا النَّفْيُ نَحْوُ ما أَحَدٌ قَائِمًا أو عَامِلَهَا نَحْوُ ما قام أَحَدٌ وَيَدُلُّ له قَوْله تَعَالَى وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دُونِ اللَّهِ وقال الْآمِدِيُّ في أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ إنَّمَا تَعُمُّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ فَأَمَّا التي لَيْسَتْ بِمَنْفِيَّةٍ لَكِنَّهَا في سِيَاقِهِ فَلَا تَعُمُّ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى قُلْ من أَنْزَلَ الْكِتَابَ الذي جاء بِهِ مُوسَى في جَوَابِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ من شَيْءٍ فَلَوْ لم يَكُنْ الْعُمُومُ لم يَلْزَمْ الرَّدُّ عليه بِالْوَاحِدِ وَالْمَعْنَى في ذلك أَنَّ النَّكِرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمُعَيَّنٍ كَقَوْلِكَ رَأَيْت رَجُلًا وَالنَّفْيُ لَا اخْتِصَاصَ له فإذا انْضَمَّ النَّفْيُ الذي لَا اخْتِصَاصَ له إلَى التَّنْكِيرِ الذي لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ اقْتَضَى ذلك الْعُمُومَ احْتَجَّ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بِأَنَّهَا لو لم تَكُنْ لِنَفْيِ الْعُمُومِ لَمَا كان لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ نَفْيًا لِدَعْوَى من ادَّعَى سِوَى اللَّهِ ثُمَّ إنْ كانت النَّكِرَةُ صَادِقَةً على الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَشَيْءٍ وَمَوْجُودٍ وَمَعْلُومٍ أو مُلَازِمَةً لِلنَّفْيِ نَحْوُ أَحَدٍ وما أُلْحِقَ بِهِ مِثْلُ غَرِيبٍ وَدَاعٍ وَمُجِيبٍ أو وَاقِعَةً بَعْدَ لَا الْعَامِلَةِ عَمَلَ إنْ وَهِيَ لَا التي لِنَفْيِ الْجِنْسِ مِثْلُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ بِبِنَاءِ رَجُلٍ على الْفَتْحِ أو دَاخِلًا عليها من مِثْلِ ما جَاءَنِي من رَجُلٍ فإن كَوْنَهَا لِلْعُمُومِ من الْوَاضِحَاتِ لَكِنْ هل اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ في قَوْلِك ما جَاءَنِي من رَجُلٍ من لَفْظَةِ من أو كان مُسْتَفَادًا من النَّفْيِ قبل دُخُولِهَا وَدَخَلَتْ هِيَ لِلتَّأْكِيدِ فيه قَوْلَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ وَالصَّحِيحُ الثَّانِي وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ حَكَاهُ في الِارْتِشَافِ في الْكَلَامِ على حُرُوفِ الْجَرِّ وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَزَعَمَ أنها لَا تَعُمُّ إلَّا إذَا بَاشَرَتْهَا من وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْله تَعَالَى ما لَكُمْ من إلَهٍ غَيْرُهُ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ من لَفْظَةِ من وَلَوْ قال ما لَكُمْ إلَهٌ لم يَعُمَّ مع أَنَّ لَفْظَةَ إلَهٍ نَكِرَةٌ وقد حَكَمَ بِأَنَّهُ لم يَعُمَّ وقد ذَكَرَ الْحَرِيرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَقَالَا لَا حُجَّةَ في قَوْلِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ مع نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عن سِيبَوَيْهِ إنَّ ما جَاءَنِي رَجُلٌ عَامٌّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِكَلَامِهِ ظَاهِرَهُ فَهُوَ شُذُوذٌ وَيُحْمَلُ أَنْ يُرِيدَ ما أَرَادَهُ غَيْرُهُ من أَنَّهُ بَعْدَ دُخُولِ من في النَّفْيِ يَكُونُ الْعُمُومُ نَصًّا وَدُونَهَا ظَاهِرًا وَالِانْتِقَالُ من الظُّهُورِ إلَى النَّصِّ تَأْكِيدُ تَأْسِيسٍ فإنه تَقْوِيَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَكَذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ إلَى أَنَّ لَا التي لِنَفْيِ الْجِنْسِ نَصٌّ في الْعُمُومِ دُونَ لَا التي هِيَ أُخْتُ ليس فإن مَعْنَى من مُتَضَمِّنٌ مع الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وقال ابن الصَّائِغِ رَادًّا على من قال لَا رَجُلَ بَنَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ وهو من قال سِيبَوَيْهِ إنَّهُ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ النَّفْيِ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ ما جَاءَنِي من أَحَدٍ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ من في الْمَوْضِعَيْنِ لِتَأْكِيدِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلِ هِيَ لِلْعُمُومِ ظَاهِرًا عِنْدَ تَقْدِيرِ من فَإِنْ دَخَلَتْ من كانت نَصًّا وَهَذَا هو الْحَقُّ وَنَقَلَهُ ابن الْخَبَّازِ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ عن النَّحْوِيِّينَ فقال فَرَّقَ النَّحْوِيُّونَ بين قَوْلِنَا ما جَاءَنِي رَجُلٌ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْتَمِلُ نَفْيَ وَاحِدٍ من الْجِنْسِ فَلَوْ جاء اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ كان صَادِقًا وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا نَفْيَ جَمِيعِ الْجِنْسِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَلَوْ قُلْت بَلْ رَجُلَانِ كان كَذِبًا وَكَذَا قال أبو الْبَقَاءِ إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بين دُخُولِ من على أَدَاةِ عُمُومٍ كَأَحَدٍ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ وَبَيْنَ دُخُولِهَا على غَيْرِهِ كَرَجُلٍ فَجَعَلَهَا مُقَيِّدَةً له وَهَذَا هو الصَّوَابُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ قد فَرَّقَ أَهْلُ اللُّغَةِ بين النَّفْيِ في قَوْلِهِ ما جَاءَنِي أَحَدٌ وما جَاءَنِي من أَحَدٍ وَبَيْنَ دُخُولِهِ على النَّكِرَةِ من أَسْمَاءِ الْجِنْسِ في ما جَاءَنِي رَجُلٌ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ فَرَأَوْا تَسَاوِيَ اللَّفْظَيْنِ في الْأَوَّلِ وَأَنَّ من زَائِدَةٌ فيه وَافْتِرَاقُ الْمَعْنَى في الثَّانِي لِأَنَّ قَوْلَهُ ما جَاءَنِي رَجُلٌ يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُلُّ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فإذا دَخَلَتْ من أَخْلَصَتْ النَّفْيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَغَيَّرَتْ الْفَائِدَةَ ا هـ لَا لو لم يُفِدْ الْعُمُومَ مع عَدَمِهَا لم يُفِدْ في قَوْله تَعَالَى لَا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئا وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا شَكَّ في إفَادَتِهِ الْعُمُومَ وَلَيْسَ هُنَاكَ من وَأَيْضًا فَإِنَّهَا دَالَّةٌ على الْمَاهِيَّةِ فَدُخُولُ النَّافِي يَنْفِي مَعْنَاهَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وهو مُطْلَقُ الْمَاهِيَّةِ وَيَلْزَمُ منه الْعُمُومُ وَتَسْمِيَتُهُمْ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ وهو بِانْتِفَاءِ كل فَرْدٍ أَمَّا النَّكِرَةُ الْمَرْفُوعَةُ بَعْدَ لَا الْعَامِلَةُ عَمَلَ ليس نَحْوُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ فَهِيَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ قَطْعًا لَا لِلْعُمُومِ وَلِهَذَا يُقَالُ في تَوْكِيدِهِ بَلْ رَجُلَانِ أو رِجَالٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا رَجُلَ بِالْفَتْحِ بَلْ رَجُلَانِ وَذَلِكَ يَدُلُّ على اقْتِضَاءِ الثَّانِي التَّعْمِيمَ دُونَ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ في حَالَةِ الرَّفْعِ الرَّجُلُ الْمُقَيَّدُ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَذَلِكَ لَا يُعَارِضُهُ وُجُودُ الِاثْنَيْنِ أو الْجَمْعِ بِخِلَافِ الْمَنْفِيِّ حَالَةَ الْفَتْحِ فإن الْمَنْفِيَّ فيه الْحَقِيقَةُ لَا بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَذَلِكَ يُنَافِيهِ ثُبُوتُ الْفَرْدِ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ فَرْدٌ ثَبَتَتْ الْحَقِيقَةُ بِالضَّرُورَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَحَكَاهُ عن سِيبَوَيْهِ وَالْمُبَرِّدِ وَالْجُرْجَانِيِّ في أَوَّلِ شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَابْنِ السَّيِّدِ في شَرْحِ الْجُمَلِ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرِهِمْ وَتَبِعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ عن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ولم يُنْكِرْهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْعَلَمُ الْقَرَافِيُّ في مُخْتَصَرِ الْمَحْصُولِ وَحَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ والقرطبي في أُصُولِهِ عن النُّحَاةِ قال وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَبْنِيَّةِ على الْفَتْحِ وَالصَّوَابُ عَدَمُ اقْتِصَارِهَا على نَفْيِ الْوَحْدَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَأَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ وَيُقَالُ في تَوْكِيدِهِ على الْأَوَّلِ بَلْ امْرَأَةٌ وَعَلَى الثَّانِي بَلْ رَجُلَانِ أو رِجَالٌ وقد قال الشَّاعِرُ تَعَزَّ فَلَا شَيْءٌ على الْأَرْضِ بَاقِيًا وقد نَقَلَ الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ عن سِيبَوَيْهِ أنها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ مع الْإِعْرَابِ في قَوْلِكَ ما جاء من أَحَدٍ وما قام من رَجُلٍ وَنَقَلَهُ عنه من الْأُصُولِيِّينَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كَلَامِهِ على حُرُوفِ الْمَعَانِي فقال قال سِيبَوَيْهِ إذَا قُلْت ما جَاءَنِي رَجُلٌ فَاللَّفْظُ عَامٌّ وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَا جَاءَنِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ فإذا قُلْت ما جَاءَنِي من رَجُلٍ اقْتَضَى نَفْيَ جِنْسِ الرِّجَالِ على الْعُمُومِ من غَيْرِ تَأْوِيلٍ وقد ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ هذا النَّصَّ وَلَكِنَّهُ قال لم أَجِدْهُ في كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَسَأَلْتُ عنه من هو عَالِمٌ بِالْكِتَابِ فقال لَا أَعْرِفُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ فإن الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ على النَّافِي وقد صَنَّفَ ابن خَرُوفٍ في مَوَاضِعَ نَقَلَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن سِيبَوَيْهِ ولم يَرَهَا في كِتَابِهِ ولم يذكر هذا منها وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ دَلَالَةَ هذه الْأَقْسَامِ على الْعُمُومِ مُتَفَاوِتَةٌ وَتَجِيءُ على مَرَاتِبَ فَأَدْنَاهَا ما جَاءَنِي رَجُلٌ لِعَدَمِ دُخُولِ من وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِ رَجُلٍ بِالنَّفْيِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ في الْعُمُومِ لَا نَصَّ وَأَعْلَاهَا ما جَاءَنِي من أَحَدٍ لِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا نَصٌّ في الْعُمُومِ وَالْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ ما جَاءَنِي من رَجُلٍ وما جَاءَنِي أَحَدٌ وَهِيَ تَلْحَقُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي وَتَلْحَقُ بِهِ النَّكِرَةُ الْمَبْنِيَّةُ مع لَا على الْفَتْحِ فَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا بَلْ ظَاهِرٌ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَتِمَّاتٌ الْأُولَى أَنَّ حُكْمَ الْمَنْهِيِّ في ذلك حُكْمُ الْمَنْفِيِّ كَقَوْلِكَ لَا تَعِظْ نَاسًا وَلَا تَعِظْ رِجَالًا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الثَّانِيَةُ زَعَمَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ أَنَّ النَّكِرَةَ في النَّفْيِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهَا لَا بِزِيَادَةٍ عليها وَصَرَّحَ الرَّازِيَّ بِخِلَافِهِ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ لَا رَجُلَ عَمَّتْ بِزِيَادَةٍ دَخَلَتْ على رَجُلٍ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّمَا عَمَّتْ النَّكِرَةُ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ من الْإِفْهَامِ لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ فَالْعُمُومُ فيه من الْقَرِينَةِ هذا لَفْظُهُ وَقَطَعَ بِهِ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ فقال النَّكِرَةُ عَمَّتْ اقْتِضَاءً لَا نَصًّا الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا في أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ النَّفْيِ هل عَمَّتْ لِذَاتِهَا أو لِنَفْيِ الْمُشْتَرَكِ فيها فقال أَصْحَابُنَا بِالْأَوَّلِ وهو أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَأَنَّ سَلْبَ الْكُلِّيِّ حَصَلَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِنَفْيِ الْكُلِّيَّةِ وقال الْحَنَفِيَّةُ إنَّمَا حَصَلَ الْعُمُومُ لِأَنَّ النَّفْيَ فيه لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ التي هِيَ مَفْهُومُ الرَّجُلِ وَيَلْزَمُ من نَفْيِهِ نَفْيُ كل فَرْدٍ لِأَنَّهُ لو ثَبَتَ فَرْدٌ لَمَا كانت حَقِيقَةُ الرَّجُلِ مَنْفِيَّةً لِاسْتِلْزَامِ ذلك الْفَرْدِ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ فإن نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ يَلْزَمُ منه نَفْيُ كل فَرْدٍ فَرْدٍ وَنَفْيُ الْأَعَمِّ يَلْزَمُ منه نَفْيُ الْأَخَصِّ فَحَصَلَتْ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِلسَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُنَا النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْيَ رَفْعٌ لِلْأَفْرَادِ بَلْ رَفَعَ الْحَقِيقَةَ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعُمُومِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِنَفْيِهِ نَفْيَ كل رَجُلٍ رَجُلٍ لَا نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ فَإِنْ قِيلَ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ لَازِمَةٌ على كِلَا الْقَوْلَيْنِ فإن نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ لَازِمٌ لِنَفْيِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ وهو عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَنَفْيُ كل فَرْدٍ فَرْدٍ لَازِمٌ له قُلْنَا لَكِنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ نَفْيِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ فَجَعْلُهُ مَدْلُولًا بِالْمُطَابَقَةِ أَوْلَى من جَعْلِ ذلك لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمُخْتَارُ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بين النَّكِرَةِ الْمَبْنِيَّةِ على الْفَتْحِ فَبِاللُّزُومِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فَبِالْوَضْعِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ على هذا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ أَعْنِي نَفْيَ الْكُلِّيَّةِ أو الْكُلِّيِّ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي جَوَابًا لِقَسَمٍ أو شَرْطًا نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ أو إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى مَأْكُولًا فَعِنْدَنَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ لِأَنَّهُ عَامٌّ قَطْعِيًّا فَتُؤَثِّرُ النِّيَّةُ في بَعْضِ أَفْرَادِهِ وقال أبو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ بَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ كل مَأْكُولٍ بِنَاءً على أَنَّهُ نَفْيٌ لِلْكُلِّيِّ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ أنها تُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ لَا نَفْيَ الْعُمُومِ الذي قد يَكُونُ بِالثُّبُوتِ في الْبَعْضِ وقد يَسْلَمُ لُزُومُهُ من نَفْيِ النَّكِرَةِ لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ ذلك بِوَاسِطَةِ نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ وهو غَيْرُ قَادِحٍ في مَقْصُودِنَا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ الْأَوَّلَ يُحَقَّقُ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا نَفْيُ ما ليس بِعَامٍّ لَكِنْ يَلْزَمُ منه عُمُومُ النَّفْيِ كما هو في نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ وَثَانِيهِمَا بِنَفْيِ كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ من أَفْرَادِ ما هو عَامٌّ وَمَتَى تَحَقَّقَ الْخَاصُّ تَحَقَّقَ الْعَامُّ الرَّابِعَةِ اسْتَثْنَى من كَوْنِ النَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ سَلْبَ الْحُكْمِ عن الْعُمُومِ كَقَوْلِنَا ما كُلُّ عَدَدٍ زَوْجًا فإن هذا ليس من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ أَيْ ليس حُكْمًا بِالسَّلْبِ عن كل فَرْدٍ وَإِلَّا لم يَكُنْ في الْعَدَدِ زَوْجٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ إبْطَالُ قَوْلِ من قال إنَّ كُلَّ عَدَدٍ زَوْجٌ فَأَبْطَلَ السَّامِعُ ما ادَّعَاهُ من الْعُمُومِ وَهَكَذَا اسْتَثْنَاهُ السُّهْرَوَرْدِيّ في التَّنْقِيحَاتِ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْخَامِسَةِ قال أبو حَيَّانَ في آخِرِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ من شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما ذَكَرَهُ النُّحَاةُ وَالْأُصُولِيُّونَ من أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ليس عِنْدِي على إطْلَاقِهِ فَإِنَّا نُفَرِّقُ بين ما قام كُلُّ رَجُلٍ وما قام رَجُلٌ وَالنَّفْيُ عِنْدِي مَبْنِيٌّ على الْإِثْبَاتِ فَإِنْ كان الْإِثْبَاتُ عَامًّا كان النَّفْيُ عَامًّا وَإِنْ كان الْإِثْبَاتُ خَاصًّا بِمُطْلَقٍ كان النَّفْيُ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ لَكِنْ يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عن الْمُطْلَقِ انْتِفَاؤُهُ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ فإذا قُلْت قام كُلُّ رَجُلٍ فَهَذَا إثْبَاتٌ لِقِيَامِ كل رَجُلٍ فإذا نَفَيْتَ فَقُلْتَ ما قام كُلُّ رَجُلٍ انْتَفَى الْقِيَامُ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من الرِّجَالِ وإذا قُلْت قام رَجُلٌ فيه إثْبَاتُ قِيَامٍ لِمُطْلَقِ رَجُلٍ فإذا قُلْت ما قام رَجُلٌ نَفَيْتَ الْقِيَامَ عن مُطْلَقِ رَجُلٍ هذه دَلَالَةُ هذا اللَّفْظِ لَكِنْ يَلْزَمُ من حَيْثُ نَفْيُ الْقِيَامِ عن مُطْلَقِ رَجُلٍ أَنْ لَا يُوجَدَ في صُورَةٍ ما من صُوَرِ الْمُطْلَقِ فَمَعْنَى الْعُمُومِ لَازِمٌ له لَا أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِلْعُمُومِ وَهَذَا لَفْظُهُ وَنَازَعَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال ليس هذا الْحُكْمُ على ما ذُكِرَ فإن قَوْلَهُ ما قام كُلُّ رَجُلٍ سَلَبَ الْقِيَامَ عن كل رَجُلٍ وَلَا يَلْزَمُ السَّلْبُ عن كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ إذَا سَلَبَ الْجُزْئِيَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُلِّيَّ نعم يَكُونُ سَلْبُ الْقِيَامِ عن كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ إذَا كانت جَمْعًا السَّادِسَةُ هذا كُلُّهُ إذَا كانت النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ مُفْرَدَةً فَإِنْ كانت جَمْعًا نَحْوُ ما رَأَيْت رِجَالًا فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ فقال الْقَاضِي هو لِلِاسْتِغْرَاقِ كَنَكِرَةِ الْوَاحِدِ بَلْ أَوْلَى وقال أبو هَاشِمٍ لَا يَقْتَضِيهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ما لنا لَا نَرَى رِجَالًا وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا وقال لِأَنَّ الْإِبْهَامَ في النَّكِرَةِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ وإذا ثُنِّيَ أو جُمِعَ زَالَ مَعْنَى الْإِبْهَامِ وَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رِجَالًا وَإِنَّمَا رَأَيْت رَجُلًا أو رَجُلَيْنِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رَجُلًا وَإِنَّمَا رَأَيْت رِجَالًا سِيَّمَا إذَا قال ما رَأَيْت من أَحَدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا فإنه قال وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فذكر ما ذَكَرَهُ إلْكِيَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عن سِيبَوَيْهِ جَوَازَ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رَجُلًا ثُمَّ يقول ما رَأَيْت رِجَالًا وقال ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ الْجَمْعُ بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ سَوَاءٌ في اقْتِضَائِهِ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عن قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا جاء بِلَفْظِ النَّكِرَةِ نَحْوُ قال رِجَالٌ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ وهو فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عليه انْتَهَى وإذا جاء هذا في الْإِثْبَاتِ فَلَأَنْ يَقُولَ بِهِ في النَّفْيِ من طَرِيقِ الْأَوْلَى السَّابِعَةُ إنْ كانت النَّكِرَةُ مُثْبَتَةً لم تَعُمَّ هذا هو الْمَشْهُورُ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْأَكْثَرِينَ وقال أَصْحَابُنَا ليس الِاعْتِبَارُ بِالنَّفْيِ وَلَا الْإِثْبَاتِ وَلَكِنْ كُلُّ نَكِرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ غَيْرُ عَامَّةٍ على الِاسْتِغْرَاقِ وَإِنْ صَحَّ عُمُومُهَا على الْبَدَلِ وَكُلُّ نَكِرَةٍ تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ عَامَّةٌ ا هـ وَأَمَّا نَحْوُ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وَحَدِيثُ صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا فَغَيْرُ ما نَحْنُ فيه لِأَنَّ الْحُكْمَ فيه على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ فَجَاءَ الْعُمُومُ فيه بِالْعَرْضِ وَلَيْسَ فيه عُمُومٌ حَقِيقِيٌّ إذْ لَا أَفْرَادَ تَحْتَ مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ حتى يَعُمَّهَا وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ النَّكِرَةُ قبل دُخُولِ أَلْ عليها تُفِيدُ الْعُمُومَ على الصَّلَاحِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا وَلِهَذَا قالوا لو قال السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِالْبَابِ رِجَالٌ ائْذَنْ لِرَجُلٍ صَلَحَ ذلك لِكُلِّهِمْ على الْبَدَلِ ولم يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيُّهُمْ أَرَادَ ا هـ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ تَعُمُّ فيها مع الْإِثْبَاتِ لِقَرِينَةٍ على خِلَافٍ فيه منها وُقُوعُهَا في سِيَاقِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَيَدُلُّ له قَوْله تَعَالَى وَلَوْ أَنَّمَا في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالسَّبَبُ فيه أَنَّ الشَّرْطَ لَا اخْتِصَاصَ له فَأَشْبَهَ النَّفْيَ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ وفي الْحَقِيقَةِ ليس هذا نَقْضًا لِأَنَّ الشَّرْطَ في مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَنْفِيِّ لِأَنَّ الْمُشْتَرِطَ لم يُجِزْ وُقُوعَ الشَّرْطِ حَيْثُ جَعَلَهُ شَرْطًا وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِالنَّكِرَةِ في سِيَاقِ الثُّبُوتِ الْمَحْضِ كَقَوْلِنَا في الدَّارِ رَجُلٌ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا النَّهْيُ وَالشَّرْطُ وَالِاسْتِفْهَامُ فَهُوَ عِنْدَ النُّحَاةِ كُلُّهُ كَلَامٌ غَيْرُ مُوجِبٍ مع أَنَّ الْإِبْيَارِيَّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ رَدَّ عليه حَيْثُ مَثَّلَ بِقَوْلِهِ من يَأْتِنِي بِمَالٍ فَأُكْرِمْهُ وَأَنْكَرَ الْعُمُومَ فقال لو كانت لَمَا اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ من أتى بِمَالٍ وَاحِدٍ بَلْ كان يَفْتَقِرُ إلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ كما لو قال من جَاءَنِي بِكُلِّ مَالٍ وَكَأَنَّ هذا منه اعْتِرَاضٌ على الْمِثَالِ لَا الِاسْتِثْنَاءِ وقال غَيْرُهُ النَّكِرَةُ هُنَا لم تَقْتَضِ عُمُومًا إذْ الْمَطْلُوبُ مَالٌ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا الْعُمُومُ في سِيَاقِ الشَّرْطِ لَا في مُتَعَلِّقِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ من عُمُومِ الشَّرْطِ عُمُومُ ما وَقَعَ في مَسَاقِهِ فإذا قُلْت من يَأْتِنِي بِزَيْدٍ فَالْعُمُومُ في الْآتِي لَا في الْمَأْتِيِّ بِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ الشَّرْطِ لَا تَتَنَاوَلُ الْآحَادَ عُمُومًا وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُهَا على الْبَدَلِ وَلَوْ كانت عَامًّا في الشَّرْطِ لَعَمَّتْ مع الْأَمْرِ إذَا قال ائْتِنِي بِثَوْبٍ فَلَوْ أَتَاهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَكَانَ مُمْتَثِلًا وَلَوْ أَتَاهُ بِعَشَرَةٍ كان حَائِدًا عن الْمَطْلُوبِ فَلَوْ كان لَفْظُ الثَّوْبِ يَتَنَاوَلُ الْعَشَرَةَ لَمَا عُدَّ مُخَالِفًا وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في حَيِّزِ الْإِنْكَارِ الِاسْتِفْهَامِيِّ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ كَالنَّفْيِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَرَافِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى هل تَعْلَمُ له سَمِيًّا فَهَلْ تَرَى لهم من بَاقِيَةٍ وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في سِيَاقِ الِامْتِنَانِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ وَذَكَرَهُ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ لَكِنْ أَخَذَهُ من قَوْلِ الْبَيَانِيِّينَ إنَّ النَّكِرَةَ تَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ ظَنًّا منه أَنَّ التَّكْثِيرَ هو التَّعْمِيمُ أو مُلَازِمُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لِلتَّكْثِيرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى فيها عَيْنٌ جَارِيَةٌ وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في سِيَاقِ الطَّلَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الْآخِرَةِ حَسَنَةً فإن حَسَنَةً نَكِرَةٌ مُرَادٌ بها التَّعْمِيمُ وَلِهَذَا كان من جَوَامِعِ الْأَدْعِيَةِ وَمِنْهَا في الْأَمْرِ لِلْعُمُومِ وَنَسَبَهُ في الْمَحْصُولِ لِلْأَكْثَرِينَ نَحْوُ أُعْتِقُ رَقَبَةً وَإِلَّا لَمَا خَرَجَ عن الْعُهْدَةِ بِأَيِّ إعْتَاقٍ وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وقال هذا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَدُلُّ على أنها لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ لِأَنَّهَا لو كانت لِلْعُمُومِ لَمَا خَرَجَ عن الْعُهْدَةِ إلَّا بِإِعْتَاقِ رِقَابِ الدُّنْيَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يَجِبُ قَتْلُ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّوَابُ أنها لَا تَعُمُّ وَبِهِ صَرَّحَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ فقال إذَا قال الْحَكِيمُ اُقْتُلْ مُشْرِكًا لم يُعْقَلْ منه إلَّا قَتْلُ مُشْرِكٍ ما قال يَجِبُ الْوَقْفُ حتى يَقْتَرِنَ بِهِ الْبَيَانُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكَ الذي صِفَتُهُ كَذَا فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ وَقِيلَ إذَا حُمِلَ على الْجِنْسِ خُصَّ وَوُقِفَ فيه وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَوْ قام دَلِيلٌ على التَّقْيِيدِ لم يَكُنْ مُخَالِفًا وَلَا مُخَصَّصًا وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ في عُمُومِ النَّكِرَةِ في الْإِنْشَاءِ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْعُمُومِ لَا يُرِيدُ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ حتى يَجِبَ في مِثْلِ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ذَبْحُ كل بَقَرَةٍ وفي مِثْلِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تَحْرِيرُ كل رَقَبَةٍ بَلْ الْمُرَادُ ذَبْحُ أَيِّ بَقَرَةٍ كانت وَعِتْقُ أَيِّ رَقَبَةٍ كانت فَإِنْ سُمِّيَ مِثْلُ هذا عَامًّا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ تَصَوُّرَهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ فيه وَإِنْ جُعِلَ مُسْتَغْرِقًا فَكُلُّ نَكِرَةٍ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا جِهَةَ لِلْعُمُومِ وَمِنْهَا قالت الْحَنَفِيَّةُ قد تَعَرَّضَتْ النَّكِرَةُ لِلْعُمُومِ فِيمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مَعْرِفَةً لِأَنَّ الْوَصْفَ من التَّعْرِيفِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ في اسْمِ الْجِنْسِ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا فإن له أَنْ يُكَلِّمَ جَمِيعَ الْكُوفِيِّينَ وَلَوْ قال إلَّا رَجُلًا فَكَلَّمَ رَجُلَيْنِ حَنِثَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعُمُومَ من إلْحَاقِ الْوَصْفِ الْعَامِّ بهذا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ من مُشْرِكٍ لِأَنَّهُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا فَلَوْ لم تَكُنْ الْعِلَّةُ عَامًّا لَمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ وَكَذَا قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قالوا وَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الْمَعْنَوِيُّ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ النَّكِرَةَ قد تَكُونُ خَبَرًا أو صِلَةً أو شَرْطًا وقد صَرَّحُوا في قَوْله تَعَالَى لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أنها نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ وهو عَامٌّ فَعَمَّتْ لِذَلِكَ وَلَا خَفَاءَ في أنها مُبْتَدَأٌ وَأَحْسَنُ عَمَلًا خَبَرُهُ وقد رُدَّ عليهم بِمَا نَصَّ عليه محمد بن الْحَسَنِ في الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لو قال لَأُكَلِّمَنَّ رَجُلًا كُوفِيًّا بَرَّ بِوَاحِدٍ وَلَوْ اقْتَضَى الْوَصْفُ الْعُمُومَ كما قَالُوهُ لَمَا بَرَّ إلَّا بِالْجَمِيعِ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ ليس لِلتَّعْمِيمِ بَلْ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّكِرَةِ فإن النَّكِرَةَ فيها أَمْرَانِ النَّوْعُ وَالْوَحْدَةُ فإن الرَّجُلَ يُذْكَرُ في مُقَابَلَةِ الْمَرْأَةِ فَيُرَادُ بِهِ النَّوْعُ وفي مُقَابَلَةِ الرَّجُلَيْنِ فَيُفِيدُ الْوَحْدَةَ مع النَّوْعِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ من الْكُوفِيِّ وَغَيْرِهِ فإذا قال كُوفِيًّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْوَحْدَةِ فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا وَاحِدًا كُوفِيًّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلنَّوْعِ فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا النَّوْعَ الْكُوفِيَّ فَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا اتَّبَعَ وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْمُتَّجَهُ حَمْلُهُ على الْوَحْدَةِ وَيَحْنَثُ بِالِاثْنَيْنِ وقد فَرَّعُوا على هذه الْقَاعِدَةِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ في أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ جميعا عَتَقُوا وَأَيُّ عَبْدِي ضَرَبْتَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ جميعا لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ منهم وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُصِفَ في الْأَوَّلِ بِالضَّرْبِ وهو عَامٌّ وفي الثَّانِي قُطِعَ عن الْوَصْفِ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا إلَى النَّكِرَةِ التي يَتَنَاوَلُهَا أَيْ وهو عَجِيبٌ فإنه إنْ كان الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ النَّعْتَ النَّحْوِيَّ فَلَا نَعْتَ في شَيْءٍ من الصُّورَتَيْنِ إذْ النَّكِرَةُ صِلَةٌ أو شَرْطٌ لِأَنَّ أَيًّا هُنَا مَوْصُولَةٌ أو شَرْطِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ وَإِنْ كان الْمُرَادُ الْوَصْفَ الْمَعْنَوِيَّ فَأَيُّ مَوْصُوفٍ في الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّهُ كما وُصِفَ في الْأُولَى بِالضَّارِبِيَّةِ لِلْمُخَاطَبِ وُصِفَ في الثَّانِيَةِ بالمضروبية له فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَصْفٌ وَالثَّانِيَ قَطْعٌ عن الْوَصْفِ تَحَكُّمٌ إلَّا أَنَّ يَوْمًا في قَوْلِكَ لَا أَقْرَبُكُمَا الْيَوْمَ أَقْرَبُكُمَا فيه عَامٌّ بِعُمُومِ الْوَصْفِ مع أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بِأَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ فَلَا يَقُومُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فإن الْفِعْلَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَقِيقَةً فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ عَامًّا بِهِ وَأَيْضًا الْمَفْعُولُ بِهِ فَضْلَةٌ ثَبَتَ ضَرُورَةً فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ في التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه فإنه صَرَّحَ بِهِ وَقَصَدَ وَصْفَهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ لها تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هو وَصْفٌ له وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هو وَصْفٌ له وَلَا امْتِنَاعَ في قِيَامِ الْإِضَافَاتِ بِالْمُضَافَيْنِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَفْعُولِ في التَّعَقُّلِ وَالْوُجُودِ جميعا وَإِلَى الْمَفْعُولِ فيه في الْوُجُودِ فَقَطْ فَاتِّصَالُهُ بِالْأَوَّلِ أَشَدُّ وَأَثَرُ الْمَفْعُولِ بِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هو في رَبْطِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا في التَّعْمِيمِ وَكَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لَا يُنَافِي الرَّبْطَ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَاعِلُ أَيْضًا الضَّرُورَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ في التَّعْمِيمِ وَكَوْنُهُ غير فَضْلَةٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا الثَّامِنَةُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ لِلْعُمُومِ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ فَهُوَ عَامٌّ عِنْدَنَا لِأَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي نَفْيَهَا من كل وَجْهٍ حتى احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا على امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ من الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ وَاَللَّهُ تَعَالَى قد نَفَاهُ وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنَعُوا عُمُومَهُ وَبِهِ قالت الْمُعْتَزِلَةُ وَوَافَقَهُمْ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ والمحصول لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَحْتَمِلُ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ من كل وَجْهٍ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ وهو مَرْدُودٌ فإن ذلك في جَانِبِ الثُّبُوتِ أَمَّا في النَّفْيِ فَيَدُلُّ لِأَنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَدُلُّ على نَفْيِ الْخَاصِّ وهو نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ فَتَنْتَفِي جُزْئِيَّاتُهَا وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ في الْإِثْبَاتِ هل مَدْلُولُهَا لُغَةً الْمُشَارَكَةُ في كل الْوُجُوهِ حتى يَكُونَ اللَّفْظُ شَامِلًا أو مَدْلُولُهَا الْمُسَاوَاةُ في بَعْضِ الْوُجُوهِ حتى يَصْدُقَ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لم يَكُنْ النَّفْيُ لِلْعُمُومِ لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي كان لِلْعُمُومِ لِأَنَّ نَقِيضَ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِيغَةَ لَا يَسْتَوِي عُمُومُ سَلْبِ التَّسْوِيَةِ أو سَلْبُ عُمُومِ التَّسْوِيَةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ شَيْءٍ من أَفْرَادِهَا وَعَلَى الثَّانِي لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْبَعْضِ فَإِنْ قُلْت فَهَذَا يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُمْ لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ سَابِقٌ وهو شَرْطٌ لِسَلْبِ الْعُمُومِ قُلْت الشَّرْطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ على لَفْظٍ عَامٍّ تَحْتَهُ مُتَعَدِّدٌ فإذا سُلِبَ عُمُومُهُ نُفِيَ الْحُكْمُ عن بَعْضِ الْأَفْرَادِ نَحْوُ لم أَضْرِبْ كُلَّ الرِّجَالِ بِخِلَافِ لَا يَسْتَوِيَانِ فإن السَّلْبَ دخل على مَاهِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَاهِيَّةُ من حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا تَعَدُّدَ فيها وَلَا اتِّحَادَ فلم يَبْقَ بَعْدَ سَلْبِهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ له الْحُكْمُ فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ هذه الصِّيغَةَ من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ لَا سَلْبِ الْعُمُومِ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه لَمَّا رَأَى الْمَبَاحِثَ مُتَقَابِلَةً من الْجَانِبَيْنِ عَدَلَ عن مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَحَالَ الْعُمُومَ على النَّفْيِ فإن الْفِعْلَ لَمَّا وَقَعَ في جَانِبِ النَّفْيِ كان نَفْيًا لِمَصْدَرِهِ كما سَيَأْتِي فَلِذَلِكَ قال وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ من النَّفْيِ وهو الذي عَوَّلَ عليه الْآمِدِيُّ وَسَلَكَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ طَرِيقَةً أُخْرَى فَحَكَى عن قَوْمٍ أَنَّهُ من بَابِ الْمُجْمَلِ لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ إذَا أُطْلِقَ فِيمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ مُتَمَاثِلٌ بِالذَّاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ في بَعْضِ أَوْصَافِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ من اللَّفْظِ فَهُوَ مُجْمَلٌ إذْ قال وَمَتَى عُقِّبَ هذا النَّوْعُ بِشَيْءٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فيه وَجَبَ حَمْلُ أَوَّلِهِ عليه وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ في الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَلِذَا قال في آخِرِهِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ وَعَلَيْهِ جَرَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فقال الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ يَسْتَوِي أو لَا يَسْتَوِي من بَابِ الْمُجْمَلِ من الْمُتَوَاطِئِ لَا من بَابِ الْعَامِّ وَنَظِيرُهُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وَنَظِيرُ هذا الْخِلَافِ خِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ في قَوْله تَعَالَى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى هل هو عَامٌّ حتى يَخُصَّ ما يَخُصُّ من الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ أو مُجْمَلٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ مُسَاوَاتِهِمَا في الْإِنْسَانِيَّةِ وَغَيْرِ ذلك وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْتَجُّ بِهِ على أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيًا وَلَا إمَامًا وَلَا يَلْزَمُهَا الْجُمُعَةُ وَغَيْرُ ذلك بِخِلَافِ الثَّانِي تَنْبِيهٌ هذا الْخِلَافُ في عُمُومِ الْمُسَاوَاةِ يَجْرِي في كَلِمَةِ مِثْلِ بَلْ هو أَدَلُّ على الْمُشَابَهَةِ من لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ ولم يَذْكُرُوهُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لَفْظُ الْمِثْلِ دَالٌّ على الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ إلَّا فِيمَا لَا يَقَعُ التَّعَدُّدُ إلَّا بِهِ التَّاسِعَةُ إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ في سِيَاقِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ فَهُوَ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا فَهَلْ يَتَضَمَّنُ ذلك الْمَصْدَرُ فَيَكُونُ نَفْيُهُ بِمَصْدَرِهِ وهو نَكِرَةٌ في سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ أَمْ لَا حَكَى الْقَرَافِيُّ عن الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَعُمُّ وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ نَصَّ على ذلك وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ حَيْثُ قَيَّدُوا الْخِلَافَ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي إذَا نُفِيَ هل يَعُمُّ مَفَاعِيلَهُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّازِمَ لَا يَعُمُّ نَفْيَهُ وَلَا يَكُونُ نَفْيًا لِلْمَصْدَرِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْخِلَافُ فِيهِمَا على السَّوَاءِ لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ حَيْثُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا سَبَقَ مَثَّلَ بِمَا إذَا قال وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ أو إنْ ضَرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الضَّرْبَ بِآلَةٍ بِعَيْنِهَا أو إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مَكَانًا بِعَيْنِهِ وهو يُخِلُّ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ لِأَنَّ الضَّرْبَ وَالْخُرُوجَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى الْآلَةِ وَالْمَكَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أو بِالْحَرْفِ سَوَاءٌ كان معه الْحَرْفُ أو لم يَكُنْ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْخِلَافُ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا ثُمَّ إنَّهُ أُطْلِقَ الْفِعْلُ وَلَا بُدَّ من تَقْيِيدِهِ بِالْوَاقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ لَا الْإِثْبَاتِ فَتَفَطَّنْ له وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ ذلك في قُوَّةِ نَفْيِ الْمَصْدَرِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ ليس مثله بَلْ أَنْزَلَ منه دَرَجَةً وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ كما في نَفْيِ الْمَصْدَرِ مِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى لَا يَمُوتُ فيها وَلَا يحيى لَا يُقْضَى عليهم فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذَابِهَا إنَّ لَك أَلَّا تَجُوعَ فيها وَلَا تَعْرَى الْآيَةَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّفْيَ في هذا وَأَمْثَالِهِ لِلْعُمُومِ وَأَنَّ الْمَفْهُومَ منه أَنَّهُ نَفْيٌ كما لو قال لَا حَيَاةَ وَلَا مَوْتَ وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يُطَلِّقُ حَنِثَ بِأَيِّ بَيْعٍ كان وَأَيِّ طَلَاقٍ كان لِأَنَّهُ لم يُفْهَمْ منه إلَّا نَفْيُ أَفْرَادِ هذا الْجِنْسِ من الْبَيْعِ أو الطَّلَاقِ وَالْأَصْلُ في الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ حَقِيقَةً في عُمُومِ نَفْيِ جَمِيعِ الْمَصَادِرِ وهو الْمَطْلُوبُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَوَقَعَ في سِيَاقِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ ولم يُصَرَّحْ بِمَفْعُولِهِ ولم يَكُنْ له دَلَالَةٌ على مَفْعُولٍ لَا وَاحِدٍ وَلَا أَكْثَرَ فَهَلْ يَكُونُ عَامًّا فيها أَمْ لَا كما إذَا قال وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ أو لَا آكُلُ أو إنْ أَكَلْتُ فَعَلَيَّ كَذَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وأبو يُوسُفَ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ فيه وقال أبو حَنِيفَةَ لَا يَعُمُّ وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ مِنَّا وَجَعَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ من بَابِ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ نَحْوُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ فَلَا يَدُلُّ على مَفْعُولٍ لَا بِالْعُمُومِ وَلَا بِالْخُصُوصِ لِأَنَّ هذه الْأَفْعَالَ لَمَّا لم تُقْصَدْ مَفْعُولَاتُهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ قُصِدَ بها مَاهِيَّاتُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْمُجَرَّدَةِ عن الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ بَلْ وَعَنْ الْقُيُودِ الْمَكَانِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ هذه الْأَفْعَالِ لِتَدُلَّ على مَاهِيَّاتٍ مُقَيَّدَةٍ بِالْمَحَالِّ التي هِيَ الْمَفْعُولَاتُ كما وُضِعَتْ لِتَدُلَّ على الْفَاعِلِ وَمَعَ ذلك فَقَدْ يُحْذَفُ الْفَاعِلُ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لم يُوضَعْ له الْفِعْلُ كما فَعَلُوا في بَابِ إعْمَالِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو إطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لو نَوَى بِهِ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا قُبِلَ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ بِنَاءً على عُمُومِ لَفْظِهِ وَقَبُولُ الْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ كَسَائِرِ الْعُمُومَاتِ فَصَحَّ أَنْ يَنْوِيَ في هذه الْأَفْعَالِ ما كان أَصْلًا لها مع كَوْنِهِ مَحْذُوفًا لَفْظًا لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ له وَضْعًا وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ وقد قال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ لو حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ في الدُّنْيَا وَنَوَى الْبَلَدَ فَهَلْ يُحْمَلُ عليه أو لَا إذْ ليس بِمُسَاكَنَةٍ فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ وَجْهَانِ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَعْمِيمِهِ قالوا إنَّهُ لَا يَدُلُّ على جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا له على جِهَةِ الْجَمْعِ بَلْ على جِهَةِ الْبَدَلِ قال وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا الْمَاهِيَّةَ مُقَيَّدَةً وَلَا يَنْبَغِي ============================================ج10. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُنَازِعَهُ قال وإذا الْتَفَتَ إلَى هذا ارْتَفَعَ الْخِلَافُ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ نَظَرُ أبي حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ دَقِيقٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ لو صَحَّتْ لَصَحَّتْ إمَّا في الْمَلْفُوظِ أو غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ هو الْأَكْلُ وهو مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَإِنْ أُخِذَتْ مع قُيُودٍ زَائِدَةٍ عليها تَعَدَّدَتْ وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّخْصِيصِ لَكِنْ تِلْكَ الزَّوَائِدُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بها فَالْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ من الْمَاهِيَّةِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ فَيَكُونُ الْقَابِلُ لِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ شيئا غير مَلْفُوظٍ وَهَذَا هو الْقِسْمُ الثَّانِي وهو إنْ جَازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ بَاطِلٌ شَرْعًا لِأَنَّ إضَافَةَ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ إلَى الْخُبْزِ تَارَةً وَإِلَى غَيْرِهِ أُخْرَى إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لها بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه وَإِضَافَتُهَا إلَى هذا الْيَوْمِ وَذَاكَ وَهَذَا الْمَوْضِعِ وَذَاكَ إضَافَاتٌ عَارِضَةٌ لها بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه ثُمَّ أَجْمَعْنَا على أَنَّهُ لو نَوَى التَّخْصِيصَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لم يَصِحَّ فَكَذَا التَّخْصِيصُ بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَالْجَامِعُ رِعَايَةُ الِاحْتِيَاطِ في تَعْظِيمِ التَّمْيِيزِ هذا كَلَامُهُ وَالنَّظَرُ الدَّقِيقُ إنَّمَا هو لِأَصْحَابِنَا وما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَدْخُولٌ وَقَوْلُهُ الْأَكْلُ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ مع قَرِينَةِ دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ له على التَّعَدُّدِ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَلْفُوظَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَغَيْرُ الْمَلْفُوظِ يَقْبَلُهُ وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرَهُ من الْقِيَاسِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْمَنْعِ فإنه يَجُوزُ تَخْصِيصُ النِّيَّةِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كما يَجُوزُ بِالْمَأْكُولِ الْمُعَيَّنِ بِلَا خِلَافٍ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على أَنَّهُ إذَا قال إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قال أَرَدْت شَهْرًا أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُقْبَلُ منه بِلَا فَرْقٍ وَثَانِيهَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَفْعُولِ بِهِ على الْمَفْعُولِ فيه ظَاهِرُ التَّعَسُّفِ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ من مُقَوِّمَاتِ الْفِعْلِ في الْوُجُودِ لِأَنَّ أَكْلًا بِلَا مَأْكُولٍ مُحَالٌ وَكَذَا في الذِّهْنِ فَهْمُ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ دُونَ الْمَأْكُولِ مُسْتَحِيلٌ فَإِلْزَامُ الْأَكْلِ لِلْمَأْكُولِ وَاضِحٌ وَأَمَّا الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَلَيْسَا من لَوَازِمِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ وَلَا من مُقَوِّمَاتِهِ بَلْ هُمَا من لَوَازِمِ الْفَاعِلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ دَلَالَةَ الْفِعْلِ على الْمَفْعُولِ بِهِ أَقْوَى من دَلَالَتِهِ على الْمَفْعُولِ فيه وقال محمد بن يحيى في تَعْلِيقِهِ الْخِلَافُ الْمَفْهُومُ من اللَّفْظِ مُنْحَصِرٌ في ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ما وُضِعَ له اللَّفْظُ كَاسْمِ الْبَيْتِ لِلْبَيْتِ وما دَلَّ عليه اللَّفْظُ وما تَضَمَّنَهُ كَدَلَالَةِ اسْمِ الْبَيْتِ على السَّقْفِ وَالْحَائِطِ وما لَزِمَهُ لِضَرُورَةِ الْوُجُودِ كَكَوْنِهِ ذَا ظِلٍّ وَاقِعٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَمِثَالُ الْأَوَّلِ دَلَالَةُ لَفْظِ الْأَيْمَانِ على مَعْنَاهُ وَمِثَالُ الثَّانِي دَلَالَةُ الطَّلَاقِ على الْمُطَلِّقِ وَالْمُطَلِّقَةِ وَمِثَالُ الثَّالِثِ دَلَالَتُهُ على زَمَانِ الطَّلَاقِ وَمَكَانِ الْمُطَلِّقِ أَمَّا الْمَوْضُوعُ فَيَحْتَمِلُ النِّيَّةَ بِالْإِجْمَاعِ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ إذَا نَوَى بِهِ مُسَمَّيَاتِهِ وَأَمَّا اللَّازِمُ فَلَا يَحْتَمِلُهَا كما إذَا نَوَى زَمَانَ الطَّلَاقِ وَمَكَانَهُ وَأَمَّا الْمَدْلُولُ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في أَنَّ من قال وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَنَوَى بَعْضَ الْمَأْكُولَاتِ هل يُخَصُّ بِهِ يَمِينُهُ فإن الْمَأْكُولَاتِ التي يَتَعَلَّقُ بها الْأَكْلُ كَثِيرَةٌ وَغَيْرُ مَلْفُوظَةٍ وَضْعًا وَهَلْ يَقُومُ عُمُومُ الْمَدْلُولِ مَقَامَ عُمُومِ اللَّفْظِ حتى يَحْتَمِلَ التَّخْصِيصَ بِنِيَّتِهِ اخْتَلَفُوا فيه مع اتِّفَاقِهِمْ على أَنَّ تَعْيِينَ زَمَانِ الْأَكْلِ لَغْوٌ في نِيَّتِهِ وَالصَّحِيحُ إلْحَاقُ الْمَدْلُولِ بِالْمَوْضُوعِ فإنه مُرَادُ اللَّافِظِ بِلَفْظِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فيه بِنِيَّتِهِ بِخِلَافِ ما ذَكَرُوهُ من الْمُقْتَضَى فَإِنَّمَا يُضْمَرُ لِضَرُورَةٍ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ أو صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عليه تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما حَكَيْنَاهُ عن أبي حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ هو الْمَشْهُورُ وَلِهَذَا قالوا لو قال إنْ تَزَوَّجْت أو أَكَلْت أو شَرِبْت أو سَكَنْت أو لَبِسْت أو اغْتَسَلْت وَنَوَى شيئا دُونَ شَيْءٍ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ في الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ له قال السُّرُوجِيُّ قد قال أَصْحَابُنَا في تَخْصِيصِ الْفِعْلِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إذَا قال لها طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى الثَّلَاثَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وإذا قال إنْ خَرَجْت وَنَوَى السَّفَرَ صُدِّقَ وإذا قال إنْ سَاكَنْتُك في هذه الدَّارِ وَنَوَى أَنْ يَكُونَ في بَيْتٍ منها غير مُعَيِّنٍ صُدِّقَ وإذا قال إنْ اشْتَرَيْت وَنَوَى الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ صُدِّقَ قال وَوَجْهُ خُرُوجِ هذه الْمَسَائِلِ عن هذا الْأَصْلِ أَنَّ في قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك الْمَصْدَرُ فيه مَحْذُوفٌ أَيْ افْعَلِي فِعْلَ الطَّلَاقِ وَالْمَحْذُوفُ له عُمُومٌ لِأَنَّهُ من بَابِ اللُّغَةِ لَا من بَابِ الضَّرُورَةِ وَالْمَعْنَى فيه أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ إدْخَالِ الْمَصْدَرِ في الْوُجُودِ لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْفِعْلِ من الْفَاعِلِ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وهو فِعْلٌ فيه طَلَبُ الْمَصْدَرِ وَإِدْخَالُهُ في الْوُجُودِ فَكَانَ أَدَلَّ على الْمَصْدَرِ من مُجَرَّدِ الْفِعْلِ كَالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ قال وَبِالتَّخْرِيجِ الثَّانِي أَجَبْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ تَقِيَّ الدِّينِ بن رَزِينٍ الشَّافِعِيَّ لَمَّا سَأَلَنِي عن الْفَرْقِ بين طَلَّقْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قَوْلِهِ إنْ خَرَجْتُ أَنَّ بهذا الْفِعْلِ شُيُوعًا يُقَالُ خَرَجَ فُلَانٌ إلَى السَّفَرِ وَخَرَجَ من بَيْتِهِ وَدَارِهِ من غَيْرِ سَفَرٍ فَكَانَ السَّفَرُ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ في الْمَسْجِدِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَاكَنَةِ فَالْمُفَاعَلَةُ تَقَعُ من اثْنَيْنِ في الدَّارِ وَهِيَ في بَيْتٍ منها أَكْمَلُ فَقَدْ نَوَى النَّوْعَ الْكَامِلَ فَيُصَدَّقُ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشِّرَاءِ فَالشِّرَاءُ أَصَالَةً هو الْأَصْلُ فَكَانَ أَقْوَى فَجَازَ تَخْصِيصُهُ من اشْتَرَيْت وَنَظِيرُهُ عن مُحَمَّدٍ لَا يَتَزَوَّجُ وَنَوَى عَرَبِيَّةً أو حَبَشِيَّةً دِينَ في الْجِنْسِ وَلَوْ نَوَى كُوفِيَّةً أو بَصْرِيَّةً لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَكَانِ قَلَّمَا يُعْتَبَرُ الثَّانِي أَنَّ الْغَزَالِيَّ حَكَى عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ رَدُّوا هذه الْمَسْأَلَةَ إلَى أنها من قَبِيلِ الْمُقْتَضَى وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له في تَقْدِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ الْكَلَامُ فَكَذَلِكَ هذه كما أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ يَسْتَدْعِي مُقَدَّرًا لِيَصِحَّ بِهِ الْكَلَامُ ثُمَّ رَدَّ الْغَزَالِيُّ هذا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ أَنَّ الْمَصْدَرَ في الْمُقْتَضَى إنَّمَا هو لِيَتِمَّ الْكَلَامُ بِهِ وَيَكُونَ مُفِيدًا وَلَا كَذَلِكَ الْمَفْعُولُ فإن الْفِعْلَ يَدُلُّ عليه بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ فَالْأَكْلُ يَدُلُّ على الْمَأْكُولِ وَهَذَا صَحِيحٌ أَعْنِي دَلَالَةَ الْمَصْدَرِ على الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا لَكِنْ من جِهَةِ مُقْتَضَاهُ لَا من جِهَةِ صِيغَتِهِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَدُلُّ على الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ مَمْنُوعٌ فَقَدْ قال النَّحْوِيُّونَ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا الْمُتَعَدِّيَةُ وَغَيْرُهَا تَدُلُّ على الْمَصْدَرِ وَالْفَاعِلِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَالِ وَالْمَفْعُولِ من أَجْلِهِ وَغَيْرِ ذلك وَتَدُلُّ الْمُتَعَدِّيَةُ على الْمَفْعُولِ بِهِ لَكِنَّ دَلَالَتَهَا على الْأَشْيَاءِ تَخْتَلِفُ فَدَلَالَتُهَا على الْمَصْدَرِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ دَلَالَةٌ بِالْوَضْعِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ على الْمَصْدَرِ بِلَفْظِهَا وَعَلَى ظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ بِصِيغَتِهَا وَدَلَالَتُهَا على الْبَاقِي بِالْمُقْتَضَى لَا بِالْوَضْعِ ثُمَّ إنْ دَلَّتْ على الْمَصْدَرِ بِالْوَضْعِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عليه مُطْلَقًا كَدَلَالَةِ أَكَلَ وَيَأْكُلُ على الْأَكْلِ وَلَا تَدُلُّ على أَنْوَاعِ الْأَكْلِ كَالْخَضْمِ وَالْقَضْمِ وَلَا يَدُلُّ على أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ كَخَضْمِ زَيْدٍ وَقَضْمِ عَمْرٍو فَدَلَالَتُهَا على الْمَصْدَرِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى تَفَاصِيلِهِ مُجْمَلٌ وَلِذَلِكَ تَدُلُّ بِصِيغَتِهَا على الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ مُطْلَقًا كَدَلَالَةِ أَكَلَ على الْمَاضِي وَلَا يَدُلُّ على أَمْسِ الْمُعَيَّنِ وَعَامِ أَوَّلٍ وَدَلَالَةُ يَأْكُلُ على الْمُضَارِعِ وَلَا يَدُلُّ على الْيَوْمِ وَغَدًا فَدَلَالَتُهَا على الْمَاضِي الْمُطْلَقِ أو الْمُضَارِعِ الْمُطْلَقِ نَصٌّ وَدَلَالَتُهَا على أَجْزَاءِ كُلٍّ منها مُجْمَلٌ وقد أُورِدَ على الْحَنَفِيَّةِ مَوَاقِفَهُمْ على نِيَّةِ التَّخْصِيصِ فِيمَا لو صَرَّحَ بِالْمَصْدَرِ فقال لَا آكُلُ أَكْلًا فَالْفِعْلُ دَالٌّ عليه فَلَا فَرْقَ بين التَّصْرِيحِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَصْدَرَ الثَّابِتَ لُغَةٌ في قَوْلِهِ لَا آكُلُ هو الدَّالُّ على الْمَاهِيَّةِ لَا على الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ لَا آكُلُ أَكْلًا فإنه نَكِرَةٌ في مَوْضِعِ الْعُمُومِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ وَيُرَدُّ عليه بِأَنَّهُمْ حَنَّثُوهُ بِكُلِّ أَكْلٍ فِيمَا إذَا لم يُصَرِّحْ بِالْمَصْدَرِ وَلَوْ لم يَكُنْ عَامًّا لَمَا تَوَجَّهَ ذلك وَغَايَةُ ما قالوا في تَوْجِيهِهِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا آكُلُ مَعْنَاهُ لَا أُوجِدُ مَاهِيَّةَ الْآكِلِ وهو يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ من أَفْرَادِهِ وقد اعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ على فَرْقِ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ مَنْعَ عُمُومِ الْمُقْتَضَى لِأَجْلِ أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ يَتِمُّ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ فَيَقْتَصِرُ عليه وَلَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا عُمُومَ وَهَكَذَا يُقَالُ في هذه الْمَفَاعِيلِ وَهَذَا لَا يَجِيءُ على طَرِيقَةِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ من دَلَالَتِهِ على مَفْعُولٍ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ هو بِنَاءٌ على أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَوَائِدُ الْكَلَامُ الْمُطْلَقُ إذَا نُوِيَ بِهِ مُقَيَّدٌ كَالْكَلَامِ في الْعَامِّ إذَا نُوِيَ بِهِ الْخَاصُّ وقد رَدَّهُ الْقَرَافِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ إلَى الْمُطْلَقِ بِنَاءً على قَاعِدَتِهِ أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ قال فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مع الْحَنَفِيَّةِ في أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ هل يَجُوزُ في غَيْرِ الْمَلْفُوظِ أَيْ فِيمَا دَلَّ عليه الْتِزَامًا أَمْ لَا وقد سَبَقَ رَدُّ هذه الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ الْمَصْدَرِ الْعُمُومَ قِيلَ إنَّ مُجَرَّدَ الْمَصْدَرِ يَدُلُّ على اسْتِيعَابِ الْأَفْرَادِ وَحَكَاهُ في الْمَحْصُولِ في الْكَلَامِ على أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ في اللُّغَاتِ عن ابْنِ جِنِّي وهو بَعِيدٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ كما سَيَأْتِي نَظِيرُهُ في الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْعِرُ بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ قال من قال إنَّهُ مُشْتَرِكٌ بين الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَقَدْ زَلَّ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ من الْفِعْلِ على رَأْيٍ أو الْفِعْلُ منه على آخَرَ وَيَسْتَحِيلُ تَخَيُّلُ الْعُمُومِ في الْفِعْلِ وَلَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ عُمُومٍ فَالْعُمُومُ منها لَا منه كما لو اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ وَأَوْرَدَ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْكَثْرَةِ نَحْوُ ضَرْبًا كَثِيرًا يَقْتَضِي أنها أَحَدُ مَحْمَلَيْهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أنها أَجْنَبِيَّةٌ وَالْمَوْصُوفُ لَا يُشْعِرُ بِالصِّفَةِ وقال الْمَازِرِيُّ أَمَّا كَوْنُهُ غير مُشْعِرٍ بِالْجَمْعِ فَمُتَّفَقٌ عليه وَأَمَّا كَوْنُهُ صَالِحًا لِلْإِشْعَارِ فَمُخْتَلَفٌ فيه وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِوَاحِدٍ أو جَمْعٍ وَتَمَسَّكَ بِاعْتِذَارِ سِيبَوَيْهِ عن قَوْلِهِمْ ضَرَبْته ضَرْبًا كَثِيرًا نَعْتٌ لِلضَّرْبِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ في الضَّرْبِ التَّعَدُّدُ وَالْمَنْعُوتُ لَا يُشْعِرُ بِنَعْتِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ رَأَيْت رَجُلًا عَالِمًا فإن لَفْظَةَ رَجُلٍ لَا تُشْعِرُ بِعَالَمٍ وَأَنْكَرَ عليه ابن خَرُوفٍ ذلك وقال هذا لم يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ وَلَا هو مَذْهَبُهُ قُلْت وقال صَاحِبُ الْبَيَانِ من أَصْحَابِنَا إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أو أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فإنه لَا يَقَعُ عليها إلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَزِيدُ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ ما زَادَ على وَاحِدَةٍ فَيَقَعُ ما نَوَاهُ كما لو لم يَأْتِ بِالْمَصْدَرِ انْتَهَى تَنْبِيهٌ إفَادَةُ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ الْعُمُومَ ما أَطْلَقُوهُ من أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ على اسْتِغْرَاقِهِ في حَيِّزِ الْإِثْبَاتِ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ نَكِرَةٌ وقد نَقَلَ الزَّجَّاجِيُّ في الْإِيضَاحِ إجْمَاعَ النَّحْوِيِّينَ على أَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ الْإِضَافَةِ وَلْيُتَفَطَّنَ لِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ إنَّمَا هذا في غَيْرِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ جُمْلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ أَمَّا الْمَذْكُورَاتُ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ لِأَنَّك إذَا قُلْت أَعْجَبَنِي أَنْ قام زَيْدٌ فَمَعْنَاهُ قِيَامُهُ فَهُوَ اسْمٌ في الْمَعْنَى فَيَجْرِي على حُكْمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُضَافِ وَهَذَا يَخْرُجُ من كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ وَالْبَيَانِيِّينَ فَصْلٌ في ذِكْرِ مَرَاتِبِ الصِّيَغِ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ أَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالنَّكِرَةُ في النَّفْيِ وَادَّعَى الْقَطْعَ بِوَضْعِ ذلك الْعُمُومِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ تَسْمِيَةٌ خَارِجَةٌ مَخْصُوصَةٌ رَأْسًا قال وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ ظَاهِرٌ فيه لَا نَصُّ وَكَلَامُ الْمَحْصُولِ وَأَتْبَاعِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ ثُمَّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ لِدَلَاتِهَا بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ وَعَكَسَ الْهِنْدِيُّ في بَابِ التَّرَاجِيحِ فَقَدَّمَ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ على الْكُلِّ فَحَصَّلَ ثَلَاثَةَ آرَاءٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ أَلْفَاظُ الْجُمُوعِ أَبْيَنُ وُجُوهِ الْعُمُومِ ثُمَّ يَلِيهَا اسْمُ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ دُونَ ذلك في الرُّتْبَةِ وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هذه الْمَقَالَةَ في تَفْسِيرِهِ فَزَعَمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالنَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ منها في سِيَاقِ النَّفْيِ وَاَلَّتِي بِمِنْ أَدَلُّ من الْمُجَرَّدَةِ منها وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنَّ مَجِيءَ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مُعَرَّفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَكْثَرُ من مَجِيئِهَا مُضَافَةً وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ أَلْفَاظُ الْعُمُومِ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ كَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالثَّانِي عَامٌّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ كَالرَّهْطِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهَا من أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَالثَّالِثُ أَلْفَاظٌ مُبْهَمَةٌ نَحْوُ ما وَمَنْ وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ وَاحِدٍ وَالرَّابِعُ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ نَحْوُ لم أَرَ رَجُلًا وَذَلِكَ يَعُمُّ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ من الْإِفْهَامِ لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ فَالْعُمُومُ فيه من الْقَرِينَةِ فَلِهَذَا لم يَخْتَلِفُوا فيه انْتَهَى وقال إلْكِيَا في مَوْضِعٍ آخَرَ الْعَامُّ الذي لم يَرِدْ على سَبَبٍ أَقْوَى من الْوَارِدِ وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا في التَّمَسُّكِ بِعُمُومِهِ دُونَ الْأَوَّلِ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ بَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْبَاحِثِينَ لَا الْمُصَنِّفِينَ في مَنْعِ تَفَاوُتِ رُتَبِ الْعُمُومِ نَظَرًا إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ وَضْعِيَّةٌ وَلَا تَفَاوُتَ في الْوَضْعِ وَتَنَاوُلَهُ لِلْأَفْرَادِ وقد صَرَّحَ في الْمُسْتَصْفَى بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُمُومِ في تَنَاوُلِهَا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ لَكِنْ هذا التَّفَاوُتُ ليس من جِهَةِ الْوَضْعِ وَإِنَّمَا هو لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عنه وَالْعُمُومُ يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ فيه قَصْدُ التَّعْمِيمِ وَسِرُّ ذلك بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَخْرَجُ منه وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمَثَّلَهُ بِأَصْلِ دَلَالَةِ الْبَيْعِ فإن دَلَالَةَ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ على تَحْرِيمِ الْأَرُزِّ أَظْهَرُ من دَلَالَةِ هذا الْعُمُومِ على تَحْلِيلِهِ وَلِهَذَا جَوَّزَ عِيسَى بن أَبَانَ دُونَ ما بَقِيَ على الْعُمُومِ قال وَلَا يَبْعُدُ ذلك عِنْدَنَا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا لِأَنَّا لَا نَشُكُّ في أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِ ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذلك الْمُسَمَّى بها فإذا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ وَكَذَا الْقِيَاسَانِ إذَا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَجْلَاهُمَا وَأَقْوَاهُمَا قال الشَّيْخُ أَمَّا ظُهُورُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ فَلَا شَكَّ في اقْتِضَائِهِ الْقُوَّةَ لَكِنْ قد يُقَالُ هل الْمُعْتَبَرُ في الضَّعْفِ عَدَمُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ أو قَصْدُ عَدَمِ التَّعْمِيمِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُسْتَصْفَى الْأَوَّلُ ثُمَّ ذلك إنَّمَا يَكُونُ بِقَرَائِنَ خَارِجَةٍ عن مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ قَسَّمُوا الْمَرَاتِبَ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الرَّسُولَ عليه السَّلَامُ لم يَقْصِدْ التَّعْمِيمَ وَإِنْ كان اللَّفْظُ عَامًّا لُغَةً كَقَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فإن سِيَاقَهُ لِبَيَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ لَا غَيْرُ فَهَذَا لَا عُمُومَ له في قَصْدِهِ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى وَثِيَابَك فَطَهِّرْ لَا عُمُومَ له في الْآلَةِ الْمُطَهِّرَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَمْرُ بِأَصْلِ التَّطْهِيرِ الثَّانِي لَفْظٌ عَامٌّ ظَهَرَ منه قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ على اللَّفْظِ فَحَكَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَوَّلُ بِقِيَاسٍ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كانت الْقَرِينَةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالتَّعْمِيمِ صَارَ نَصًّا وَإِنْ لم يُفِدْهُ إلَّا قُوَّةَ الظَّنِّ فما الْمَانِعُ من تَأْوِيلِهِ بِقِيَاسٍ أَجْلَى منه في النَّظَرِ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ الثَّالِثُ لَفْظٌ عَامٌّ لُغَةً وَلَا قَرِينَةَ معه في تَعْمِيمٍ وَلَا تَقْتَضِيهِ فَالْوَاجِبُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسٍ اتِّبَاعُ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ عِنْدَ الْقَاضِي وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدَّمَ الْإِمَامُ الْخَبَرَ لِنَصِّيَّتِهِ وهو كَقَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ انْتَهَى وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ يقول إنَّهُ لو قُدِّمَ ظَنِّيُّ الْقِيَاسِ على ظَنِّيِّ اللَّفْظِ لَكَانَ تَقْدِيمًا لِمَرْتَبَةِ الْقِيَاسِ على مَرْتَبَةِ الْخَبَرِ وإذا آلَ الْأَمْرُ إلَى تَقْدِيمِ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَقِيَاسُ الشَّبَهِ ضَعِيفٌ فَإِنْ قِيلَ بِهِ فَيُقَدَّمُ عليه الْعُمُومُ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَتِهِ وَرُتْبَتُهُ الْعُمُومُ وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْقِيَاسُ الشَّبَهِيُّ إلَّا عِنْدَ ضَعْفِ الْعُمُومِ ضَعْفًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَكُونُ قِيَاسُ الشَّبَهِ أَغْلَبَ على الظَّنِّ منه فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُومَاتٍ وَنُصُوصٍ بَعِيدَةِ التَّنَاوُلِ في الْقَصْدِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ بِظُهُورِ الْقَصْدِ وَأَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ فَهُوَ أَرْفَعُ من الشَّبَهِ وَأَمَّا ما ليس فيه إلَّا مُجَرَّدُ مُنَاسَبَةٍ يُبْدِيهَا النَّظَرُ لَا تَقْوَى بِالتَّعْلِيلِ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْعُمُومِ وَالظَّاهِرُ عليها لَا سِيَّمَا إذَا قَرُبَ أَنْ يُزَاحِمَ وكان تَرْجِيحُهَا على ما يُعَامَلُ بِهِ ليس بِقَوِيٍّ مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ كَرِجَالٍ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ وَنَصَرَهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ منه قال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَحُكِيَ عن أبي هَاشِمٍ مُخَالَفَتُهُ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ وابن السَّاعَاتِيِّ وَأَصَحُّهُمَا كما قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ سَمَّوْهُ نَكِرَةً وَلَوْ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْجِنْسِ لم يَكُنْ نَكِرَةً قال وَعَلَى هذا فِيمَا يُحْمَلُ عليه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا على أَقَلِّ الْجَمْعِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي هَاشِمٍ وَالثَّانِي يُحْمَلُ على الْجَمْعِ وَلَا يُقْتَصَرُ على أَقَلِّهِ قال سُلَيْمٌ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ قال صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ تَعُمُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ على طَرِيقِ الْبَدَلِ كما قالوا في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَمِنْهُمْ من حَكَى في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا ليس بِعَامٍّ وَالثَّانِي عَامٌّ وهو رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قالوا الْعَامُّ ما انْتَظَمَ جَمْعًا من الْمُسَمَّيَاتِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا وهو قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ من الْحَنَفِيَّةِ وهو غَرِيبٌ تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَطْلَقُوا الْخِلَافَ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَاَلَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّ الْخِلَافَ في غَيْرِ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فيه بَعِيدٌ جِدًّا إذْ هو مُخَالِفٌ لِنَصِّهِمْ فَإِنَّهُمْ نَصُّوا على أَنَّهُ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ انْتَهَى لَكِنْ حَكَاهُ الْجُمْهُورُ عن الْجُبَّائِيُّ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ مُصَرِّحًا بِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ وَقَضِيَّةُ ذلك عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بين جُمُوعِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَزْدَوِيُّ أَعْنِي أَنَّ جُمُوعَ الْقِلَّةِ لِلْعُمُومِ وَإِنْ كانت مُنَكَّرَةً وَعَلَى هذا فَيُحْمَلُ على أَقَلِّ الْجَمْعِ الصَّالِحِ له لَكِنْ فَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَهُمَا فقال في جَمْعِ الْقِلَّةِ الْمُنَكَّرِ يُحْمَلُ على الْمُتَيَقَّنِ وهو أَقَلُّ الْجَمْعِ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ يُحْمَلُ على الْعُمُومِ وَإِنْ كان نَكِرَةً وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ حَكَوْا عن الْجُبَّائِيُّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ من الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بين النَّحْوِيِّينَ فَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ لِأَنَّ النَّكِرَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بين مَحَالَّ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ على الْبَدَلِ فَحَسُنَ الِاسْتِثْنَاءُ من أَجْلِ عُمُومِ الْمَحَالِّ وَعَلَى هذا فَنَقُولُ جَاءَنِي رِجَالٌ إلَّا زَيْدٌ وَقِيلَ بِالْمَنْعِ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ من فَرْدٍ بِلَفْظِهَا فَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ منها مُحَالًا وَلِهَذَا كانت في قَوْله تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا لِلْوَصْفِ لَا الِاسْتِثْنَاءِ وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُمْ نَصُّوا على أَنَّ أَلْ الْجِنْسِيَّةَ في الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ الثَّانِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ عَامٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِاعْتِبَارِ صَلَاحِيَّتِهِ لِأَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا اسْتِغْرَاقِ الْأَفْرَادِ مسألة ضمير الجمع كقوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوله أنتم للمخاطبين وهم للغائبين فإنه ضمير يرجع إلى المذكورين أولا إن سبق ذكرهم وإلا رجع إلى المدلول الذي يجوز صرف الضمير إليه وإن كان في موضع الخطاب انصرف للمخاطبين فالحاصل أن عمومه وخصوصه يتقدر بقدر ما يرجع إليه وفيه دقيقة لا تخفى وهي أن لا يدخله التخصيص لأنه موضوع للكناية عن المراد فإن كان المراد عاما كان حقيقة وإن كان خاصا كان حقيقة فلا يثبت التخصيص لأنه عبارة عن خروج بعض ما يتناوله اللفظ وهو لا يتناول إلا المراد لأنه موضوع للكناية عن المراد فلا يقبل التخصيص وممن ذكر أن الكناية تابعة للمكنى في العموم والخصوص الإمام في المحصول والهندي في النهاية وقال صاحب الكبريت الأحمر أما إذا قال افعلوا فذكر القاضي عبد الجبار في الدرس عن الشيخ أبي عبد الله البصري أنه يحمل على الاستغراق وقال أبو الحسين البصري الأولى أن يصرف إلى المخاطبين سواء كانوا ثلاثة أو أكثر وأطلق سليم في التقريب أن المطلقات لا عموم فيها لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ولم يبين فيه ما هم أولى به وإنما يضمر فيه فلا يدعى فيه العموم ولا الخصوص وإنما يدعى في الألفاظ الظاهرة وكذلك الأعلام كزيد وعمرو لا عموم فيها انتهى مَسْأَلَةٌ قد ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ على أَقَلِّ الْجَمْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِهِ وَالْخِلَافُ في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مَاذَا لَا بُدَّ من تَحْرِيرِهِ فَنَقُولُ ليس الْخِلَافُ في مَعْنَى لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُرَكَّبِ من الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَالْعَيْنِ كما قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ فإن ج م ع مَوْضُوعُهَا يَقْتَضِي ضَمَّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ في الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وما زَادَ بِلَا خِلَافٍ قال سُلَيْمٌ بَلْ قد يَقَعُ على الْوَاحِدِ كما يُقَالُ جَمَعْت الثَّوْبَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِ التَّرْتِيبِ وَأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مَحَلُّ وِفَاقٍ فإنه قال لَفْظُ الْجَمْعِ في اللُّغَةِ له مَعْنَيَانِ الْجَمْعُ من حَيْثُ الْفِعْلُ الْمُشْتَقُّ منه الذي هو مَصْدَرُ جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا وَالْجَمْعُ الذي هو لَقَبٌ وهو اسْمٌ لِعَدَدٍ وُضِعَ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا اللَّقَبُ لِهَذَا الْعَدَدِ كَسَائِرِ الْأَلْقَابِ كَزَيْدٍ وَحِمَارٍ وَنَارٍ وقال وَبَعْضُ من لم يَهْتَدِ إلَى هذا الْفَرْقِ خَلَطَ الْبَابَ فَظَنَّ أَنَّ الْجَمْعَ الذي هو بِمَعْنَى اللَّقَبِ من جُمْلَةِ الْجَمْعِ الذي بِمَعْنَى الْفِعْلِ فقال إذَا كان الْجَمْعُ من الضَّمِّ فَالْوَاحِدُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْوَاحِدِ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا وَثَبَتَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَخَالَفَ بهذا الْقَوْلِ جَمِيعَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَسَائِرَ من كان مثله من أَهْلِ الْعِلْمِ وقال إنَّ هذا الْمُخَالِفَ هو أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ حَكَى عن الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ قال في أُصُولِهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَضَعَّفَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ اثْنَانِ وَلَيْسَ من مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا تَعْبِيرُ الِاثْنَيْنِ عن أَنْفُسِهِمَا بِضَمِيرِ الْجَمْعِ نَحْوُ نَحْنُ فَعَلْنَا لِأَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ لِلْمُتَكَلِّمِ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ كما وَضَعَتْ لِلْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ وَلَيْسَ لِلِاثْنَيْنِ إذَا عَبَّرَا عن أَنْفُسِهِمَا بِمُضْمَرٍ إلَّا الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ ليس في مَدْلُولِ مِثْلِ قَوْلِهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَقَوْلِ الْقَائِلِ ضَرَبْت رُءُوسَ الرَّجُلَيْنِ وَقَطَعْت بُطُونَهُمَا بَلْ الْخِلَافُ في الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَمْعِ سَوَاءٌ كانت لِلسَّلَامَةِ أو التَّكْسِيرِ كما قال إلْكِيَا نَحْوُ مُسْلِمِينَ وَرِجَالٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْخِلَافُ في أَقَلِّ الْجَمْعِ الذي تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ بِنَفْسِهَا أو بِعَلَامَةِ الْجَمْعِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا فإنه جَعَلَ من صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ الناس وَفِيهِ مَذَاهِبُ الْمَذَاهِبُ في أَقَلِّ الْجَمْعِ الْأَوَّلُ أَنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ وهو الْمَرْوِيُّ عن عُمَرَ وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ وَحَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ عن الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قال الْبَاجِيُّ وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَحَكَاهُ هو وابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عن مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ كان الْأَشْعَرِيُّ يَخْتَارُهُ وَيَنْصُرُهُ في الْمَجَالِسِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الْقَاضِي أبي يُوسُفَ قال وَلِهَذَا ذَهَبَ إلَى انْعِقَادِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْنِ سِوَى الْإِمَامِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ مُتَنَاوِلًا اثْنَيْنِ وَأَنْكَرَ ذلك السَّرَخْسِيُّ كما سَيَأْتِي وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وَسُلَيْمٌ عن الْأَشْعَرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ وقال ابن حَزْمٍ إنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الظَّاهِرِ ثُمَّ أَجَازَ خِلَافَهُ وَحَكَاهُ ابن الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ في الْغُرَّةِ عن مُحَمَّدِ بن دَاوُد وَأَبِي يُوسُفَ وَالْخَلِيلِ وَنِفْطَوَيْهِ قال وَسَأَلَ سِيبَوَيْهِ الْخَلِيلَ عن ما أَحْسَنُ فقال الِاثْنَانِ جَمْعٌ وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وقد يُحْتَجُّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى قالوا يا مُوسَى اجْعَلْ لنا إلَهًا كما لهم آلِهَةٌ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا إلَهًا مع اللَّهِ ثُمَّ قالوا كما لهم آلِهَةٌ فَدَلَّ على أَنَّهُمْ إذَا صَارَ لهم إلَهَانِ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ آلِهَةٍ الثَّانِي أَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَبِهِ قال عُثْمَانُ وابن عَبَّاسٍ وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ الْعَدَدِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ قال وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقال إلْكِيَا هو مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ ابن حَزْمٍ عن الشَّافِعِيِّ وَبِهِ يَأْخُذُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَرَأَيْت من حَكَى عنه اخْتِيَارَ الْأَوَّلِ وهو سَهْوٌ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ عن مَالِكٍ قال وَبِهِ أَجَابَ فِيمَنْ قال عَلَيَّ عُهُودُ اللَّهِ أنها ثَلَاثَةٌ وَلَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَنَحْوُهُ وَنَقَلَهُ أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ عن نَصِّ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ ابن الدَّهَّانِ عن جُمْهُورِ النُّحَاةِ وقال ابن خَرُوفٍ في شَرْحِ الْكِتَابِ إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ قال وإذا كَانُوا لَا يُوقِعُونَ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ مَوْضِعَ الْقَلِيلِ وَلَا الْقَلِيلَ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ إذَا كان لِلِاسْمِ جَمْعُ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُوقِعُوا على الِاثْنَيْنِ لَفْظَ الْجَمْعِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو بَكْرِ بن طَاهِرٍ الِاثْنَانِ وَإِنْ كان جَمْعًا لَا يُعَبَّرُ عنهما بِذَلِكَ لِلَّبْسِ انْتَهَى وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَنِسْبَتُهُ على أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّ الْجَمْعِ لِلْعَدَدِ قال فَأَمَّا الِاثْنَانِ فَجَمْعُهُمَا جَمْعُ اجْتِمَاعٍ لَا جَمْعُ عَدَدٍ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ أَقَلَّ ما يُعْطَى من الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثَلَاثَةً وقال في الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ إنَّ أَقَلَّهُمْ ثَلَاثَةٌ وَلِأَنَّ الْأَسْمَاءَ دَلَائِلُ على الْمُسَمَّيَاتِ وقد جَعَلُوا لِلْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى صِيغَةً فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلْجَمْعِ صِيغَةٌ خِلَافُهُمَا وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ أَيْ أَقَلُّ جَمْعٍ وَمَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ جَعَلَهُمَا أَقَلَّ الْعُمُومِ قال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَنَصَّ عليه مُحَمَّدٌ في السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يقول إنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ على قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن عِنْدَهُ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ ثَلَاثَةٌ وإذا قُلْنَا بهذا الْقَوْلِ فَهَلْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ على اثْنَيْنِ على جِهَةِ الْمَجَازِ أَمْ لَا يَصِحُّ أَصْلًا فيه كَلَامٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَحَكَى ابن الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ على اثْنَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وفي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا ولم يَصِحَّ مَجَازًا من مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْكُلِّ عن الْبَعْضِ الثَّالِثُ الْوَقْفُ حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن الْآمِدِيَّ وفي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْآمِدِيَّ فإنه قال في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ وإذا عُرِفَ مَأْخَذُ الْجَمْعِ من الْجَانِبَيْنِ فَعَلَى النَّاظِرِ الِاجْتِهَادُ في التَّرْجِيحِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ لَازِمٌ هذا كَلَامُهُ وَمُجَرَّدُ هذا لَا يَكْفِي في حِكَايَتِهِ مَذْهَبًا الرَّابِعُ أَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ هَكَذَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَهُ من قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرَّدَّ إلَى وَاحِدٍ ليس بِدَعًا وَلَكِنَّهُ أَبْعَدُ من الرَّدِّ إلَى اثْنَيْنِ كَأَنْ تَرَى امْرَأَةً تَبَرَّجَتْ لِرَجُلٍ فَتَقُولَ أَتَتَبَرَّجِينَ لِلرِّجَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كان مُرَادُ الْإِمَامِ حَمْلُ ذلك بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كما نَقَلَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عنه فَهَذَا لَا نِزَاعَ فيه وَلَيْسَ الْكَلَامُ فيه وقد صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ فقال بَعْدَ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ وقد يَسْتَوِي حُكْمُ التَّثْنِيَةِ وما دُونَهَا بِدَلِيلٍ كَالْمُخَاطِبِ لِلْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ في قَوْله تَعَالَى رَبِّ ارْجِعُونِ وَإِنَّا له لَحَافِظُونَ وقد تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْوَاحِدِ افْعَلَا افْعَلُوا هذا كَلَامُهُ وهو ظَاهِرٌ في أَنَّهُ مَجَازٌ لِاشْتِرَاطِهِ الْقَرِينَةَ فيه وَكَذَلِكَ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَذَكَرَ ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ صِحَّةَ إطْلَاقِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ وهو وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فلما جاء سُلَيْمَانَ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ الْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ نُوحٌ نَحْوُ قَوْلِك فُلَانٌ يَرْكَبُ الدَّوَابَّ وَيَلْبَسُ الْبُرُودَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّ ذلك مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ قال وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ وَيُرِيدُ رَجُلًا وَاحِدًا فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْجَمْعِ بَدَلًا عن لَفْظِ الْوَاحِدِ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ الزَّوْجِ بِجِنْسِ الرِّجَالِ لَا أَنَّهُ عَنَى بِلَفْظِ الرَّجُلِ رَجُلًا وَاحِدًا قُلْت هذا صَحِيحٌ لِأَنَّ الرَّجُلَ لم يُطْلِقْ الرِّجَالَ على وَاحِدٍ بَلْ على جَمْعٍ لِظَنِّهِ أنها ما تَبَرَّجَتْ لِوَاحِدٍ إلَّا وقد تَبَرَّجَتْ لِغَيْرِهِ فَتَبَرُّجُهَا لِوَاحِدٍ سَبَبٌ لِلْإِطْلَاقِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِرِجَالٍ وَاحِدٌ وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ حَكَى الِاتِّفَاقَ على أَنَّهُ مَجَازٌ قال لَكِنْ الْإِمَامُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ خَالَفَ فيه وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَبْقَى في تَنَاوُلِهِ لِلْوَاحِدِ على الْحَقِيقَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا له لَحَافِظُونَ وهو سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ مُنَزِّلُ الذِّكْرَ فإذا ثَبَتَتْ الْعِبَارَةُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عن الْوَاحِدِ لم يُسْتَنْكَرْ حَمْلُ الْعُمُومِ الْمُخَصَّصِ على الْوَاحِدِ حَقِيقَةً قال الْمَازِرِيُّ وَهَذَا يُجَابُ عنه بِأَنَّ هذا نَوْعٌ آخَرُ من أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ وَالْوَاحِدُ الْعَظِيمُ يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهَذَا مَنْصُوصٌ لِأَهْلِ اللِّسَانِ في مَقَامِ التَّعْظِيمِ فَلَا يَجْرِي هذا في جَانِبِ الْعُمُومِ انْتَهَى وقال الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ الذي عليه الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَى وَاحِدٍ لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ وَلِهَذَا صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نُصُوصٌ في أَقَلِّ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ وما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ من أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فيه وقد قال هو إنَّهُ ليس من مُقْتَضَى الْجَمْعِ وَإِنَّمَا صَارَتْ رُؤْيَةُ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِلتَّوْبِيخِ على التَّبَرُّجِ لِلْجِنْسِ وَلِهَذَا كانت صِيغَةُ الْجَمْعِ هُنَا أَحْسَنَ من الْإِفْرَادِ وَفَرَّقَ بين إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ على الْوَاحِدِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ على الْحَقِيقَةِ وَأَقُولُ في تَحْرِيرِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ إنَّ هَاهُنَا مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَمْلِ كَنَظِيرِهِ في مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ فَالْأَوَّلُ أَنْ يُطْلِقَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدَ وَهَذَا لَا مَنْعَ منه بِالِاتِّفَاقِ لَا سِيَّمَا إذَا كان مُعَظِّمًا نَفْسَهُ وَالثَّانِي أَنْ يُورِدَ لَفْظَ الْجَمْعِ هل يَصِحُّ من السَّامِعِ رَدُّهُ إلَى الْوَاحِدِ وَهَذَا مَوْضِعُ كَلَامِ الْإِمَامِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ كما قال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ وَلِذَلِكَ صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُسَلَّمَةِ الرَّدِّ وَأَنَّهُ إنْ وُجِدَ هُنَاكَ ثَلَاثَةٌ صَحَّ الرَّدُّ إلَيْهَا وِفَاقًا وَإِنْ وُجِدَ اثْنَانِ انْبَنَى على الْخِلَافِ في أَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَإِنْ رُدَّ إلَى الْوَاحِدِ بَطَلَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ بِانْتِهَاءِ اللَّفْظِ إلَى أَنْ بَطَلَ الْمُخَصَّصُ فِيمَا وَرَاءَ ذلك لِأَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ فَحَمْلُهُ على ما دُونَ ذلك خُرُوجٌ عن حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَعَلَى هذا فَلَا يَحْسُنُ حِكَايَةُ قَوْلٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ لَكِنْ تَابَعْتُ ابْنَ الْحَاجِبِ على ما فيه وقد جَعَلَ الْإِمَامُ الْمَرَاتِبَ في الرَّدِّ ثَلَاثَةً فإنه يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ في الزِّيَادَةِ على الْوَاحِدِ لَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وهو نَصٌّ في الزِّيَادَةِ على الِاثْنَيْنِ لَا يَنْقُصُ عن ذلك إلَّا بِقَرِينَةٍ وَيَرَى أَنَّهُ ليس بِنَصٍّ في الزِّيَادَةِ على الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرًا في الزِّيَادَةِ فإذا دَلَّ الدَّلِيلُ على إرَادَةِ الظَّاهِرِ تُرِكَ ولم يَقْتَصِرْ على نَوْعٍ مَخْصُوصٍ كَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ وقال إنَّ النَّاظِرَ في هذه الْمَسْأَلَةِ في أَوَّلِ مَرَّةٍ لَا يَظْهَرُ له مَقْصُودُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذلك سَبَبًا لِمَنْعِهِ من التَّكْمِيلِ فإن الْمَقْصُودَ منها يَظْهَرُ على التَّدْرِيجِ انْتَهَى وَتَحْرِيرُ هذا من النَّفَائِسِ التي لم يُسْبَقْ إلَيْهَا وقد حَكَى أَصْحَابُنَا فِيمَا لو وَصَّى لِأَقَارِبِهِ وَلَيْسَ له إلَّا قَرِيبٌ وَاحِدٌ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُصْرَفُ إلَيْهِ الْجَمِيعُ لِأَنَّ الْقَصْدَ جِهَةُ الْقَرَابَةِ وَالثَّانِي اعْتِبَارُ الْجَمْعِ من ثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ الْخَامِسُ التَّفْرِيقُ بين جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَجَمْعِ الْقِلَّةِ وَالْخَامِسُ ما حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ من التَّفْصِيلِ بين جَمْعِ الْكَثْرَةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ في الِاسْتِغْرَاقِ وَبَيْنَ جَمْعِ الْقِلَّةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَلَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُهُ إلَى الِاثْنَيْنِ بِقَرِينَةٍ وَكَذَلِكَ إلَى الْوَاحِدِ وهو مَجَازٌ هذا كَلَامُهُ وَعَنْ ابْنِ عَرَبِي أَنَّهُ ذَكَرَ في الْفُتُوحَاتِ الْمَلَكِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمَنَامِ فَسَأَلَهُ عن أَقَلِّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَمْ ثَلَاثَةٌ فقال عليه السَّلَامُ إنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْأَزْوَاجِ فَاثْنَانِ وَإِنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْإِفْرَادِ فَثَلَاثَةٌ تَنْبِيهَاتٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ في مَسْأَلَةِ أَقَلِّ الْجَمْعِ الْأَوَّلُ اسْتَشْكَلَ ابن الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ وَالْقَرَافِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال ابن الصَّائِغِ في شَرْحِ الْجُمَلِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنْ كان الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرَ الْمَعْنَوِيَّ فَلَا شَكَّ في أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ لِأَنَّهُ ضَمُّ أَمْرٍ إلَى آخَرَ وَإِنْ كان الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْجَمْعِ فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَ فيه وَالْأَكْثَرُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْجَمْعِ على الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا وهو قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَيَكْفِي فيه قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ ليس الْإِخْوَةُ أَخَوَيْنِ بِلُغَةِ قَوْمِك وَمُوَافَقَةُ عُثْمَانَ له حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ اللُّغَةِ وَنَصَّ سِيبَوَيْهِ على أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عن الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مع أَنَّ لِلتَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَحَمَلَهُ عليه قَوْله تَعَالَى لَا تَخَفْ خَصْمَانِ لِأَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِدَاوُدَ عليه السَّلَامُ من اثْنَيْنِ وقَوْله تَعَالَى فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وقال ابن خَرُوفٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مَعَكُمْ لَهُمَا وَلِفِرْعَوْنَ وَبِهِ جَزَمَ ابن الْحَاجِبِ وقال السِّيرَافِيُّ في قَوْلِهِ في الْآيَةِ الْأُخْرَى إنَّنِي مَعَكُمَا يَدُلُّ على ما قَالَهُ سِيبَوَيْهِ وَأَيْضًا فَالْمَعْنَى وأنا مَعَكُمْ في النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْرِكَهُمَا فِرْعَوْنُ في ذلك وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ فَأَطْنَبَ في إشْكَالِ هذه الْمَسْأَلَةِ وقال إنَّ له نَحْوًا من عِشْرِينَ سَنَةً يُورِدُهُ ولم يَتَحَصَّلْ عنه جَوَابٌ وهو أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ لِأَنَّهُ إنْ فُرِضَ الْخِلَافُ في صِيغَةِ الْجَمْعِ الذي هو ج م ع امْتَنَعَ إتْيَانُهُ في غَيْرِهَا بَلْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ مَجِيئِهِ فيه بَلْ الْخِلَافُ في مَدْلُولِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَدْلُولُهَا ما يُسَمَّى جَمْعًا وَصِيَغُ الْجُمُوعِ شَيْئَانِ جَمْعُ قِلَّةٍ وَجَمْعُ كَثْرَةٍ وَاتَّفَقَ النُّحَاةُ على أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا إلَى الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ على الْخِلَافِ وَجَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ قال الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وقد يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ وَتَصْرِيحُهُمْ بِالِاسْتِعَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَى الْآخَرِ مَجَازًا فإن جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ فإذا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا دُونَهَا كان مَجَازًا وَإِنْ كان الْخِلَافُ في جَمْعِ الْكَثْرَةِ لم يَسْتَقِمْ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ على هذا التَّقْدِيرِ أَحَدَ عَشَرَ وَإِطْلَاقُهُ على الثَّلَاثَةِ حِينَئِذٍ مَجَازٌ وَالْبَحْثُ في هذه الْمَسْأَلَةِ ليس في الْمَجَازِ فإن إطْلَاقَ لَفْظِ الْجَمْعِ على الِاثْنَيْنِ لَا خِلَافَ فيه إنَّمَا الْخِلَافُ في كَوْنِهِ حَقِيقَةً بَلْ لَا خِلَافَ في جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مَجَازًا فَكَيْفَ الِاثْنَانِ وَإِنْ كان الْخِلَافُ في جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو الْمُتَّجَهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَقَلُّهُ اثْنَانِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هذا مُرَادَهُمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا تَمْثِيلَهُمْ في جُمُوعِ الْكَثْرَةِ فَدَلَّ على أَنَّ مُرَادَهُمْ الْأَعَمُّ من جَمْعِ الْقِلَّةِ وَغَيْرِهِ وقد حَكَى الْأَصْفَهَانِيُّ عنه هذا الْإِشْكَالَ ثُمَّ قال وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كان جَمْعَ قِلَّةٍ أو كَثْرَةٍ وَنَقُولُ جَمْعُ الْكَثْرَةِ يَصْدُقُ على ما دُونَ الْعَشَرَةِ حَقِيقَةً وَأَمَّا جَمْعُ الْقِلَّةِ فإنه لَا يَصْدُقُ على ما فَوْقَ الْعَشَرَةِ قال وَإِنْ سَاعَدَ على ذلك مَنْقُولُ الْأُدَبَاءِ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا فَمَتَى خَالَفَ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ الدَّالَّةِ على عُمُومِ الْجَمْعِ على الْإِطْلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ إجْمَاعِهِمْ على خِلَافِ ذلك ا هـ وَيَقْدَحُ في ذلك نَقْلُ الْقَرَافِيِّ عن ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ جَمْعَ الْكَثْرَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إلَّا مُسْتَعَارًا وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ من تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ ما نَقَلَهُ إلْكِيَا عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقد سَبَقَ لَكِنْ كَلَامُ إلْكِيَا يُخَالِفُهُ وَأَيْضًا فَقَدْ قال أَصْحَابُنَا لو قال له عَلَيَّ دَرَاهِمُ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِثَلَاثَةٍ مع أَنَّهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِالْجَمْعِ الِاسْتِغْرَاقَ أَمَّا مُطْلَقُ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُعَمِّمِينَ فَحَقِيقَةٌ في الِاسْتِغْرَاقِ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَهَذَا أَخَذَهُ من شَيْخِهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فإنه قال هذه الْمَسْأَلَةُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا إلَّا إذَا قَامَتْ الْمُخَصِّصَاتُ وَإِلَّا فَالْأَلْفَاظُ لِلْعُمُومِ عِنْدَ فُقْدَانِ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ وَنَازَعَهُ الْإِبْيَارِيُّ وقال إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا على أَصْلِهِ وَلَا على أَصْلِ غَيْرِهِ أَمَّا أَصْلُهُ فإنه يَرَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ عِنْدَ التَّنْكِيرِ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ فإذا لم يُعْرَفْ أَقَلُّ الْجَمْعِ كَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مُقْتَصِرَةٌ عليه وَكَذَلِكَ نَقُولُ في جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ فَلَا بُدَّ إذَنْ من بَيَانِ أَقَلِّ الْجَمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَإِلَى جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِنْ عُرِفَ وَأَمَّا على رَأْيِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إلَى ذلك فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَالْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِهَا وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في جَوَازِ الْكِنَايَةِ عن الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَكِنَّ الْخِلَافَ هل هو حَقِيقَةٌ في الِاثْنَيْنِ أو مَجَازٌ على الْوَجْهَيْنِ الثَّالِثُ اسْتَثْنَى النَّحْوِيُّونَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلثَّلَاثَةِ التَّعْبِيرَ عن عُضْوَيْنِ من جَسَدَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ نَحْوُ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ فإنه لو قِيلَ قَلْبَاكُمَا لَثَقُلَ اجْتِمَاعُ ما يَدُلُّ على التَّثْنِيَةِ فِيمَا هو كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ وَشَرَطُوا أَنْ يَكُونَ ذلك الشَّيْءُ مُتَّصِلًا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وقد سَبَقَ أَصْلُ هذا الِاسْتِثْنَاءِ في كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الرَّابِعُ قال الْقَاضِي الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي من مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا من مَسَائِلِ الْقَطْعِ فَيَكْفِي فيها الظَّنِّيَّاتُ الْخَامِسُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ أو لِجِيرَانِهِ وَكَانُوا غير مَحْصُورِينَ فَهَلْ يُفَرَّقُ على ثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ على هذا الْخِلَافِ الثَّانِي أَنَّ من قال إنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْجَمْعِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْبَاقِي منه بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَإِنْ كان الْبَاقِي منه بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ كان ذلك نَسْخًا ولم يَكُنْ تَخْصِيصًا وَمَنْ قال أَقَلُّهُ اثْنَانِ أَجَازَ التَّخْصِيصَ فيه إلَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي اثْنَيْنِ وَلَا يَكُونُ ذلك نَسْخًا عِنْدَهُ فَإِنْ بَقِيَ منه وَاحِدٌ فَقَدْ صَارَ مَنْسُوخًا يَعْنِي على الْقَوْلَيْنِ وقد ذَكَرَ هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ أَيْضًا الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ والبرهان فقال في التَّلْخِيصِ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِمَالِهِ لِأَقَلِّ من يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمَسَاكِينِ هل يُصْرَفُ لِاثْنَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ وقال في الْبُرْهَانِ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ من آثَارِ هذا الْخِلَافِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أو أَوْصَى بِدَرَاهِمَ فَلَفْظُ الْمُقِرِّ وَالْمُوصِي مَحْمُولٌ على الْأَقَلِّ فَإِنْ قِيلَ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ حُمِلَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ قِيلَ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ لم يُقْبَلْ التَّفْسِيرُ بِالِاثْنَيْنِ قال وَلَا أَرَى الْفُقَهَاءَ يَسْمَحُونَ بهذا وَلَا أَرَى لِلنِّزَاعِ في أَقَلِّ الْجَمْعِ مَعْنًى إلَّا ما ذَكَرْته انْتَهَى وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في أُصُولِهِ الْفَائِدَةَ الثَّانِيَةَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُزَيَّفَةٌ لِأَنَّ أَئِمَّتَنَا مُجْمِعُونَ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْجَمْعِ وَالْعُمُومِ بِمَا هو دَلِيلٌ إلَى أَنْ يَبْقَى تَحْتَهُ وَاحِدٌ انْتَهَى وَلَعَلَّ هذه طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ تَنْفِي الْخِلَافَ وَإِلَّا فَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ مُصَرِّحٌ بِالْخِلَافِ وَإِنْكَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْفَائِدَةَ الْأُولَى لَا وَجْهَ له ثُمَّ اخْتَارَ في الْمَسْأَلَةِ بِنَاءَهَا على الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَرَأَى أَنَّ إفَادَةَ الْجُمُوعِ لِلتَّعْمِيمِ ثَابِتَةٌ على حَسَبِ اخْتِلَافِ طَبَقَاتِ الْعُمُومِ في قُوَّةِ الِاسْتِيعَابِ وَالْخُرُوجُ عن الْعُمُومِ إلَى قَصْرِهِ على الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ في حُكْمِ الْخِطَابِ وَدَلَالَتِهِ من قَصْرِهِ على الْمُحْتَمَلَاتِ فَاقْتَضَى هذا عِنْدَهُ طَلَبَ قُوَّةٍ في الْمُخْرِجِ له عن بَابِهِ وَتَقْدِيمَ ما هو الْأَرْجَحُ من غَيْرِ مَنْعٍ من الرَّدِّ إلَى الِاثْنَيْنِ السَّادِسُ وَقَعَ في عِبَارَةِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا من كُتُبِ الْفِقْهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ثَلَاثَةٌ وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْمُطْلَقِ نحو دَرَاهِمَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ الْمُقَيَّدِ نَحْوُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أو تِسْعَةٍ أو ثَلَاثَةٍ فإنه جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مُقَيِّدَهُ فَوَائِدُ ذَكَرَهَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في أُصُولِهِ الْأُولَى اتَّفَقُوا على أَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يُحْمَلُ على ما هو أَكْثَرُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كانت ظَوَاهِرُ وَرَدَتْ عليه في مَعْنَاهُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا في مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فَقِيلَ إنَّ آحَادَهُ تُقَابِلُ آحَادَهُ وَقِيلَ بَلْ الْجَمْعُ الْجَمْعَ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الظَّاهِرُ مُوجِبًا تَحْرِيمَ كل من يَقَعُ عليه اسْمُ الْأُمُومَةِ على كل وَاحِدٍ وَالثَّانِي يُوجِبُ تَحْرِيمَ كل أُمٍّ على ابْنِهَا وَيُطْلَبُ في تَحْرِيمِهِ على غَيْرِهِ دَلِيلٌ يَخْتَصُّ بِهِ قال وَالظَّاهِرُ منه مُقَابَلَةُ الْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ كَقَوْلِهِمْ وَصَلَ الناس دُورَهُمْ وَحَصَدُوا زُرُوعَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ جَمْعُهُ في الْوَاحِدِ بِمَا عَدَاهُ من الْأَدِلَّةِ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا في الطَّائِفَةِ فَقِيلَ كَالْجَمْعِ مُطْلَقُهُ لِثَلَاثَةٍ وَقِيلَ لِلْجُزْءِ وَأَقَلُّهُ وَاحِدٌ ولم يُرَجِّحْ شيئا وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ لِمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ نعم جَعَلَهَا الْأَصْحَابُ في بَابِ اللِّعَانِ أَرْبَعَةً فَقَالُوا يُغَلِّظُ الْحَاكِمُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ ذلك إنْ كان من مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ طَائِفَةً تُطْلَقُ على الْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ وَإِنْ كان لِأَجْلِ أَنَّهُ زِنًا فَالْإِقْرَارُ بِهِ يَكْفِي فيه رَجُلَانِ على الصَّحِيحِ الرَّابِعَةُ الضَّمَائِرُ الرَّاجِعَةُ إلَى الظَّاهِرِ تُحْمَلُ على ما وُضِعَتْ له في الْأَصْلِ وَإِنْ كان الْمُتَقَدِّمُ عليها مُخَالِفًا ثُمَّ تَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ منها بِدَلِيلٍ على مُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ كَقَوْلِهِمْ رَجُلَانِ قالوا وَرِجَالٌ قَالَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ قالوا على الْجَمْعِ وَرَجُلَانِ على التَّثْنِيَةِ في ظَاهِرِ الْكَلَامِ ثُمَّ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ الذي يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُمَا فَإِنْ قام على أَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ على الْخَبَرِ حُمِلَ عليه وَإِنْ قام على أَنَّ الْخَبَرَ يُحْمَلُ على الْمُبْتَدَأِ صُيِّرَ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ ضَمَائِرُ الْإِنَاثِ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ كَقَوْلِهِ رَجُلَانِ قَتَلَهُمْ أو رِجَالٌ قَتَلَهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ أَصْلًا وَالْخَبَرُ مُرَكَّبًا عليه وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُرَادًا وَالِابْتِدَاءُ مَحْمُولٌ على ما يُوَافِقُهُ وَلَا يُغَيَّرُ أَحَدُهُمَا عَمَّا وُضِعَ له لِمُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ فَصْلٌ في الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَيَشْتَمِلُ على مَسَائِلَ الْأُولَى الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا جَعَلْنَاهُ لِلْعُمُومِ فَالْعُمُومُ فيه من حَيْثُ الْمَعْنَى على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا بُدَّ أَنْ تُفِيدَ التَّعْرِيفَ وَلَيْسَ التَّعْرِيفُ إلَّا تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وإذا قُلْنَا إنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ وَاحِدًا خَرَجَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عن كَوْنِهِمَا لِلْجِنْسِ ولم يَبْقَ لَهُمَا فَائِدَةٌ وإذا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لِلْجِنْسِ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ لِأَنَّهُ إذَا قال الْإِنْسَانُ أَفَادَ دُخُولَ كل من كان من جِنْسِ الْإِنْسَانِ في اللَّفْظِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا عَلَّقَ الشَّارِعُ حُكْمًا في وَاقِعَةٍ على عِلَّةٍ تَقْتَضِي التَّعَدِّيَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مِثْلُ حَرَّمْت السُّكَّرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا فَإِنْ قَطَعَ بِاسْتِقْلَالِهَا فَالْجُمْهُورُ على التَّعَدِّي قِيَاسًا وَشَذَّ من قال فيه يَتَعَدَّى بِاللَّفْظِ فَإِنْ لم يَقْطَعْ بَلْ كان ظَاهِرًا فيه كما في الْمُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا فإن الظَّاهِرَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ فَاخْتَلَفُوا في أَنَّهُ يَعُمُّ أَمْ لَا فقال أبو حَنِيفَةَ لَا يَعُمُّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصَ ذلك بِهَذِهِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا لِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ أو لِأَنَّهُ عُلِمَ من نِيَّتِهِ إخْلَاصُهُ وَغَيْرُهُ لَا يُعْلَمُ منه ذلك وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَحَكَاهُ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ هل عَمَّ بِالصِّيغَةِ أو بِالْقِيَاسِ على قَوْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ عن الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ بِالْقِيَاسِ قُلْت وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي خِلَافَ ما نَقَلَ ابن الْحَاجِبِ عنه إذَا طُرِدَتْ الْعِلَّةُ ولم يُمْكِنْ احْتِمَالُ اخْتِصَاصِ الْعِلَّةِ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ خَاصَّةً بِهِ لم يَعُمَّ كَقَوْلِهِ لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا قال يُعَمَّمُ بِتَعْمِيمِ ذلك في كل مُحْرِمٍ وفي الحديث ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ فإنه عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُهُ في حَقِّ كل مُحْرِمٍ وَكَذَا حَكَاهُ عنه في الْمُسْتَصْفَى وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ يَعُمُّ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ وهو يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّيغَةِ وَنُقِلَ ذلك عن الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا وَاَلَّذِي وَجَدْته في كِتَابِ الْأَعْلَامِ إطْلَاقُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ في كل من وُجِدَتْ فيه تِلْكَ الْعِلَّةُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ وقد سَأَلَتْهُ عن الِاسْتِحَاضَةِ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ التي كُنْت تَحِيضِينَ فيها ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي قال فَلَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِذَلِكَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وهو الِاسْتِحَاضَةُ حَيْثُ وُجِدَتْ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّخْصِيصِ وَذَهَبَ حُذَّاقُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يَعُمُّ بِاللَّفْظِ لَا بِالْقِيَاسِ حتى إنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ يُنْسَخُ بها كما يُنْسَخُ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مع مَنْعِهِمْ من النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ ذَكَرَ هذا غَيْرُ وَاحِدٍ منهم الْقَاضِي أبو يَعْلَى وابن عَقِيلٍ وأبو الْخَطَّابِ وابن الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمْ تَنْبِيهٌ إذَا عَلَّقَ غَيْرُ الشَّارِعِ حُكْمًا في وَاقِعَةٍ على عِلَّةٍ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا غَيْرُهُ لو قال وَلَهُ عَبِيدٌ أَعْتَقْتُ هذا الْعَبْدَ لِأَنَّهُ أَبْيَضُ فَلَا يُعْتَقُ الْبَاقُونَ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ في الْكَلَامِ على وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فَفَرَّقَ بين وُقُوعِ الْعِلَّةِ في كَلَامِ الشَّارِعِ حَيْثُ تَعُمُّ وَبَيْنَ وُقُوعِهَا في كَلَامِ غَيْرِهِ فَلَا تَعُمُّ قال وَلِذَلِكَ إذَا قال الشَّارِعُ لَا تَأْكُلْ الرُّءُوسَ وَجَبَ أَنْ لَا يَأْكُلَ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الرَّأْسِ وَلَوْ قال غَيْرُهُ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتَ الرُّءُوسَ انْصَرَفَ ذلك إلَى الْمَعْهُودِ انْتَهَى وَهَكَذَا رَأَيْت الْجَزْمَ بِهِ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَكَذَا الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى في بَابِ الْقِيَاسِ فقال الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا غَانِمًا لِقَوْلِهِ أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ وَإِنْ نَوَى عِتْقَ السُّودَانِ لِأَنَّهُ بَقِيَ في حَقِّ غَيْرِ غَانِمٍ مُجَرَّدُ السَّوَادِ وَالْإِرَادَةُ فَلَا تُؤْثَرُ انْتَهَى وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ له مَاءً من عَطَشٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَلُبْسِ ثِيَابِهِ وَشُرْبِ الْمَاءِ من غَيْرِ عَطَشٍ وَإِنْ كان دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ تَقْتَضِيهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ في الْعُمُومِ وَإِلَيْهِ صَارَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَابِلَةِ فقال أبو الْخَطَّابِ لو قال لِوَكِيلِهِ أَعْتِقْ عَبْدِي لِأَنَّهُ أَسْوَدُ سَاغَ له أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ له أَسْوَدَ وقال ابن عَقِيلٍ في الْفُنُونِ بَدِيهَتِي تَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الْعِتْقِ إلَى كل أَسْوَدَ من عَبِيدِهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في بَابِ الْقِيَاسِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ في وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ في الْمَقَالِ وَعَلَيْهِ اُعْتُمِدَ في صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وفي الْإِسْلَامِ على أَكْثَرَ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذلك لِقَضِيَّةِ غَيْلَانَ حَيْثُ لم يَسْأَلْهُ عن كَيْفِيَّةِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ في الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ فَكَانَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ دَالًّا على أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْعُقُودُ مَعًا أو على التَّرْتِيبِ وَاسْتَحْسَنَهُ منه محمد بن الْحَسَنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فيها أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّفْظَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ في جَمِيعِ مَحَامِلِ الْوَاقِعَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى على الْوَقْفِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ ليس من أَقْسَامِ الْعُمُومِ بَلْ إنَّمَا يَكْفِي الْحُكْمُ فيه من حَالِهِ عليه السَّلَامُ لَا من دَلَالَةِ الْكَلَامِ وهو قَوْلُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ وَالرَّابِعُ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا لم يَعْلَمْ عليه السَّلَامُ تَفَاصِيلَ الْوَاقِعَةِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا يَعُمُّ وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ وَاعْتُرِضَ على ما قال بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ في تِلْكَ الْوَاقِعَةِ وَلِأَجْلِ هذا حَكَى الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ في هذه الْقَاعِدَةِ فقال حُكْمُ الشَّارِعِ الْمُطْلَقِ في وَاقِعَةٍ سُئِلَ عنها ولم تَقَعْ بَعْدُ عَامٌ في أَحْوَالِهَا وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَتْ ولم يَعْلَمْ الرَّسُولُ كَيْفَ وَقَعَتْ وَإِنْ عَلِمَ فَلَا عُمُومَ وَإِنْ الْتَبَسَ هل عَلِمَ أَمْ لَا فَالْوَقْفُ وَأَجَابَ الشَّيْخُ عن الِاعْتِرَاضِ الْمُوجِبِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِالْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَعُودُ إلَى الْحَالَةِ التي لم تُعْلَمُ حَقِيقَةُ وُقُوعُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقَطْعَ وَهَذَا الذي قُلْنَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَيَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ وَتَأَوَّلَ أبو حَنِيفَةَ الحديث على وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنْ وَقَعَ مُرَتَّبًا فإن الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ تَصِحُّ وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ وَأَجَابَ الْإِمَامُ أبو الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَعْرِفَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْعَقْدِ من غَيْلَانَ وهو رَجُلٌ من ثَقِيفٍ وَفَدَ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَزَوْجَاتِهِ في نِهَايَةِ الْبَعْدُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الْعُمُومَ في كل ما يَظْهَرُ فيه اسْتِفْهَامُ الْحَالِ وَيَظْهَرُ من الشَّارِعِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَرْسِلًا على الْأَحْوَالِ كُلِّهَا قُلْت وَلَا سِيَّمَا وَالْحَالُ حَالُ بَيَانٍ بِحُدُوثِ عَهْدِ غَيْلَانَ بِالْإِسْلَامِ على أَنَّهُ قد وَرَدَ ما يَدْفَعُ هذا التَّأْوِيلَ وهو ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عن عَمْرِو بن الْحَارِثِ عن نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ قال أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا قال فَعُدْتُ إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٌ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُرَتَّبًا وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ وَأَجَابَ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ ليس مُرَادُ الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ لَفْظِ الْحِكَايَةِ لِتِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَالِمٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِلسَّائِلِ إمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لم تَقَعْ على تِلْكَ الْحَالَةِ أو لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ على أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ له بَلْ الْمُرَادُ منه احْتِمَالُ وُقُوعِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ في تِلْكَ الْحَالَةِ عِنْدَ الْمَسْئُولِ مع احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهَا وَعِنْدَ ذلك لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَسْقُطُ ما ذَكَرُوهُ من الِاحْتِمَالِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقد وَافَقَنَا أَهْلُ الرَّأْيِ على هذا في غُرَّةِ جَنِينِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَوْجَبَ فيه غُرَّةً عَبْدًا أو أَمَةً ولم يَسْأَلْ عنه هل كان ذَكَرًا أو أُنْثَى فلما تَرَكَ التَّفْصِيلَ فيه دَلَّ على التَّسْوِيَةِ فِيهِمَا انْتَهَى وَلِذَلِكَ اسْتَدَلُّوا لِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ في أَيَّامِ الْحَيْضِ لِلِاسْتِحَاضَةِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ التي كانت تَحِيضُهُنَّ من الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ بِقَدْرِهَا قالوا فَأُطْلِقَ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ من غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ عن أَحْوَالِ الدَّمِ من سَوَادٍ وَحُمْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا فَدَلَّ هذا على اعْتِبَارِ الْعَادَةِ مُطْلَقًا وَتَقْدِيمِهِ على التَّمْيِيزِ وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لها إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فإذا كان كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عن الصَّلَاةِ فَأُطْلِقَ اعْتِبَارُ التَّمْيِيزِ من غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لها هل هِيَ ذَاكِرَةٌ لِعَادَتِهَا أَمْ لَا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وقد قَسَّمَ الْإِبْيَارِيُّ هذه إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا إنْ تَبَيَّنَ اطِّلَاعُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ فَلَا رَيْبَ في أنها لَا يَثْبُتُ فيها مُقْتَضَى الْعُمُومِ ثَانِيهَا أَنْ لَا يَثْبُتَ بِطَرِيقٍ ما اسْتِفْهَامُ كَيْفِيَّةِ الْقَضِيَّةِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ وَالْحُكْمُ قد يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهَا فَيُنَزَّلُ إطْلَاقُهُ الْجَوَابَ فيها مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ الذي يَعُمُّ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِأَنَّهُ لو كان الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ حتى يَثْبُتَ تَارَةً وَلَا يَثْبُتَ أُخْرَى لَمَا صَحَّ لِمَنْ الْتَبَسَ عليه الْحَالُ أَنْ يُطْلِقَ الْحُكْمَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْحَالَةُ وَاقِعَةً على وَجْهٍ لَا يَسْتَقِرُّ مَعَهَا الْحُكْمُ فَلَا بُدَّ من التَّعْمِيمِ على هذا التَّقْدِيرِ بِالْإِضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وفي كَلَامِهِ ما يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ على هذه الصُّورَةِ ثَالِثُهَا أَنْ يَسْأَلَ عن الْوَاقِعَةِ بِاعْتِبَارِ دُخُولِهَا الْوُجُودَ لَا بِاعْتِبَارِ وُقُوعِهَا كما إذَا سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ في نَهَارِ رَمَضَانَ فيقول فيه كَذَا فَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِرْسَالَ الْحُكْمِ على جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عنها على الْإِبْهَامِ ولم يُفَصِّلْ الْجَوَابَ كان عُمُومُهُ مُسْتَرْسِلًا على كل أَحْوَالِهِ رَابِعُهَا أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عنها حَاصِلَةً في الْوُجُودِ وَيُطْلَقُ السُّؤَالُ عنها فَيُجِيبُ أَيْضًا كَذَلِكَ فإن الِالْتِفَاتَ إلَى الْقَيْدِ الْوُجُودِيِّ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ على الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَالِالْتِفَاتُ إلَى الْإِطْلَاقِ في السُّؤَالِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ الْأَحْوَالِ في غَرَضِ الْمُجِيبِ فَالْتَفَتَ الشَّافِعِيُّ إلَى هذا الْوَجْهِ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْإِرْشَادِ وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ وَحُصُولِ تَمَامِ الْبَيَانِ وأبو حَنِيفَةَ نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهَا لم تَقَعْ في الْوُجُودِ إلَّا خَاصَّةً فقال احْتِمَالُ عِلْمِ الشَّارِعِ بها يَمْنَعُ التَّعْمِيمَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ إنَّ هذه الْقَاعِدَةَ مَقْصُورَةٌ بِمَا إذْ وُجِدَ اللَّفْظُ جَوَابًا عن السُّؤَالِ فَأَمَّا التَّقْرِيرُ عِنْدَ السُّؤَالِ فَهَلْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ حتى يَعُمَّ أَحْوَالَ السُّؤَالِ في الْجَوَابِ وَغَيْرِهِ لم يَتَعَرَّضُوا له وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَقْرَبُ تَنْزِيلُهُ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ وَلِإِقَامَةِ الْإِقْرَارِ مَقَامَ الْحُكْمِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إذْ لَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ لِغَيْرِهِ على أَمْرٍ بَاطِلٍ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ الْمُبِينِ لِلْحُكْمِ فَيَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ في الْعُمُومِ فَإِنْ قِيلَ التَّقْرِيرُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً وَالْعُمُومُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَلِهَذَا قال الْغَزَالِيُّ لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَنَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ بِمَعْنَى شُمُولِ الْحُكْمِ لِلْأَحْوَالِ فَلَا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً في الْعُمُومِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ حَدِيثُ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فإن السَّائِلَ قال لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ من الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا الحديث فَاسْتَدَلَّ بِهِ على أَنَّ إعْدَادَ الْمَاءِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مع الْقُدْرَةِ عليه غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْقَلِيلَ من الْمَاءِ وهو كَالْعَامِّ في حَالَاتِ حَمْلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ على الْقُدْرَةِ عليه وَالْعَجْزِ عنه لِضِيقِ مَرَاكِبِهِمْ وَغَيْرِ ذلك بِالنِّسْبَةِ إلَى ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ أَيْضًا وقد أَقَرَّهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يُنْكِرْ عليه فَيَكُونُ ذلك دَالًّا على جَوَازِهِ في هذه الْأَحْوَالِ كما يَدُلُّ عليه اللَّفْظُ الْوَارِدُ في الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مع تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ الثَّانِي أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاحْتِمَالِ كَيْفَ كان مَرْجُوحًا وَغَيْرَهُ فَيَحْصُلُ التَّعْمِيمُ فيه وفي غَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ لَا يَدْخُلُ وَحِينَئِذٍ فَيَحْصُلُ التَّصْوِيرُ بِالِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ وَالْمُتَسَاوِيَةِ في الْإِطْلَاقِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وقال جَدُّهُ الْمُقْتَرِحُ لم يُرِدْ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ مُطْلَقَ الِاحْتِمَالِ حتى يَنْدَرِجَ فيه التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ وَإِنَّمَا يُرِيدُ احْتِمَالًا يُضَافُ إلَى أَمْرٍ وَاقِعٍ لِأَنَّهُ لو اُعْتُبِرَ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ لَأَدَّى إلَى رَدِّ مُعْظَمِ الْوَقَائِعِ التي حَكَمَ فيها الشَّارِعُ إذْ ما من وَاقِعَةٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فيها تَجْوِيزٌ عَقْلِيٌّ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ في الْأُمِّ في مُنَاظَرَةٍ له قَلَّ شَيْءٌ إلَّا وَيَطْرُقُهُ الِاحْتِمَالُ وَلَكِنْ الْكَلَامُ على ظَاهِرِهِ حتى تَقُومَ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَأَبَانَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَةَ الْكَلَامِ وإذا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فَالْعُمُومُ يُتَمَسَّكُ بِهِ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَإِمْكَانِ إرَادَتِهِ كَسَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ بَقِيَ أَنَّ احْتِمَالَ عِلْمِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في صُورَةِ الْحَالِ ما يَقْتَضِي خُرُوجَ الْجَوَابِ على ذلك هل يَكُونُ قَادِحًا في التَّعْمِيمِ قال الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ نعم وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ يُخَالِفُهُ وهو الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَا من أَنَّ التَّمَسُّكَ بِلَفْظِهِ وَلَفْظُهُ مع تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ على الْعُمُومِ فَلَا يُعْدَلُ عنه بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثُ أَنَّهُ قد اسْتَشْكَلَ هذه الْقَاعِدَةَ بِمَا نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّ قَضَايَا الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بها الِاسْتِدْلَال قال الْقَرَافِيُّ سَأَلْتُ بَعْضَ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عن ذلك فقال يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ في الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ جَمَعَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ من الِاسْتِدْلَالِ الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أو الْقَرِيبُ منه وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِمَالِ الذي لَا يَقْدَحُ الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ فإنه لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الدَّلَالَةِ فَلَا يَصِيرُ اللَّفْظُ بِهِ مُجْمَلًا إجْمَاعًا لِأَنَّ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا كَذَلِكَ لَا تَخْلُو عن احْتِمَالٍ لَكِنَّهُ لَمَّا كان مَرْجُوحًا لم يَقْدَحْ في دَلَالَتِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الِاحْتِمَالَ تَارَةً يَكُونُ في دَلِيلِ الْحُكْمِ وَتَارَةً في مَحَلِّ الْحُكْمِ فَالْأَوَّلُ هو الذي يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال دُونَ الثَّانِي وَمَثَّلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِيقَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ في كل شَيْءٍ حتى الْخَضْرَاوَاتِ كما يقول بِهِ أبو حَنِيفَةَ وَيَكُونُ الْعُمُومُ مَقْصُودًا له لِأَنَّهُ أتى بِلَفْظٍ دَالٍّ عليه وهو ما يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لم يَقْصِدْهُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اللَّفْظُ لِبَيَانِ مَعْنًى لَا يُحْتَجُّ بِهِ في غَيْرِهِ وَهَذَا إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ دُونَ الْوَاجِبِ فيه فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ على الْعُمُومِ في الْوَاجِبِ فيه وإذا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْخَضْرَاوَاتِ قال وَمِثْلُهُ الْمُحْرِمُ الذي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ في غَيْرِهِ وَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال على التَّعْمِيمِ في حَقِّ كل مُحْرِمٍ هذا كَلَامُهُ وَهَذَا الْجَمْعُ يُخَالِفُ طَرِيقَةَ الشَّافِعِيِّ يقول الشَّافِعِيُّ يقول بِالْعُمُومِ في مِثْلِ هذه الْحَالَةِ بِالْقِيَاسِ كما سَبَقَ وَلَيْسَ في هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ ما يَبِينُ بِهِ الْفَرْقُ بين الْمَقَامَيْنِ لِأَنَّ غَالِبَ وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ الشَّكُّ وَاقِعٌ فيها في مَحَلِّ الْحُكْمِ وَالصَّوَابُ في الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ما ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى في تَرْكِ اسْتِفْصَالِ الشَّارِعِ الِاسْتِدْلَال فيها بِقَوْلِ الشَّارِعِ وَعُمُومٌ في الْخِطَابِ الْوَارِدِ على السُّؤَالِ عن الْوَاقِعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَحْوَالِ وَالْعِبَارَاتُ الثَّانِيَةُ في الْفِعْلِ الْمُحْتَمَلِ وُقُوعُهُ على وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهِيَ في كَوْنِ الْوَاقِعَةِ نَفْسِهَا لم يُفَصَّلْ وَهِيَ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا فَلَا عُمُومَ له كَقَوْلِهِ صلى في الْكَعْبَةِ أو فَعَلَ فِعْلًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْوَاقِعَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَكَلَامُ الشَّارِعِ حُجَّةٌ لَا احْتِمَالَ فيه الرَّابِعُ أَنَّ الْمُرَادَ بِسُقُوطِ الِاسْتِدْلَالِ في وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ إلَى أَفْرَادِ الْوَاقِعَةِ لَا سُقُوطُهُ مُطْلَقًا فإن التَّمَسُّكَ بها في صُورَةٍ ما مِمَّا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا عليه غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَهَكَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ جَمَعَ بين الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ من غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ فإن هذا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كان في مَطَرٍ وَأَنَّهُ كان في مَرَضٍ وَلَا عُمُومَ له في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَلِهَذَا حَمَلُوهُ على الْبَعْضِ وهو الْمَطَرُ لِمُرَجِّحِ لِلتَّعْيِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ من اخْتِلَافِ قَوْلِهِ إنَّ الْمُعْتَادَةَ الْمُمَيَّزَةَ هل يُحْكَمُ لها بِالتَّمَيُّزِ أو تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ كَغَيْرِهَا وَسَبَبُهُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيها ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي فَرَدَّهَا إلَى الْعَادَةِ ولم يَسْأَلْهَا هل هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ لَا فَدَلَّ ذلك على أَنَّ الْحُكْمَ لِلْعَادَةِ مُطْلَقًا كما هو أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَكِنْ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ وقد تَعَاكَسَ الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مع مَسْأَلَةِ غَيْلَانَ فإن أَبَا حَنِيفَةَ حَمَلَ حَدِيثَ غَيْلَانَ على التَّعَاقُبِ وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ على الْعُمُومِ وأبو حَنِيفَةَ حَمَلَ هذا الحديث على الْعُمُومِ وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ على أنها كانت مُمَيِّزَةً بِحَدِيثٍ وَرَدَ فيه سَبْقُ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ في أَنَّ الْمُقْتَضَى هل هو عَامٌّ أَمْ لَا وَلَا بُدَّ من تَحْرِيرِ تَصْوِيرِهِ قبل نَصْبِ الْخِلَافِ فَنَقُولُ الْمُقْتَضِي بِكَسْرِ الضَّادِ هو اللَّفْظُ الطَّالِبُ لِلْإِضْمَارِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ وَهُنَاكَ مُضْمَرَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَهَلْ له عُمُومٌ في جَمِيعِهَا أو لَا يَعُمُّ بَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ منها وَأَمَّا الْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فَهُوَ ذلك الْمُضْمَرِ نَفْسُهُ هل نُقَدِّرُهُ عَامًّا أَمْ نَكْتَفِي بِخَاصٍّ منه إذَا عَرَفْتَ هذا فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَشَرْحِهَا وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هو في الْقِسْمِ الثَّانِي حَيْثُ قَالَا الْخِطَابُ الذي يَفْتَقِرُ إلَى الْإِضْمَارِ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ في إضْمَارِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فإنه يَفْتَقِرُ إلَى إضْمَارٍ فَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ وَقْتُ إفْعَالِ الْحَجِّ وَالْحَمْلُ على الْعُمُومِ لَا يَجُوزُ بَلْ يُحْمَلُ على ما يَدُلُّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ لِأَنَّ الْعُمُومَ من صِفَاتِ النُّطْقِ فَلَا يَجُوزُ دَعْوَاهُ في الْمَعَانِي قَالَا وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ في لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا في الْمَسْجِدِ ولا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ في نَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ من يَحْمِلُهُ على الْعُمُومِ في كل ما يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَائِدَةً وَمِنْهُمْ من يَحْمِلُهُ على الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فيه لِأَنَّ ما سِوَاهُ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْحَمْلَ على الْجَمِيعِ لَا يَجُوزُ وَلَيْسَ هُنَاكَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَلَا يُحْمَلُ على مَوْضِعِ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ إنَّمَا هو في الْمُضْمَرِ لَا في الْمُضْمَرِ له فإن الْمُضْمَرَ له مَنْطُوقٌ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وأبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا الْمُقْتَضَى ما اقْتَضَاهُ النَّصُّ وَأَوْجَبَهُ شَرْطًا لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ وَالنَّصُّ مُقْتَضٍ له كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ولم يَزِدْ غير ذلك لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بَلْ رَافِعٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ الْحُكْمُ أو الْإِثْمُ أو هُمَا جميعا فَالشَّافِعِيُّ أَثْبَتَ لِلْمُقْتَضِي عُمُومًا وَعِنْدَنَا لَا عُمُومَ له لِأَنَّ دَلَالَتَهُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْحَاجَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ ما يَصِحُّ الْمَذْكُورُ بِهِ عِنْدَنَا وقال الشَّافِعِيُّ الْمُقْتَضَى كَالْمَنْصُوصِ في احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُقْتَضَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّصِّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَكَانَ مَعْدُومًا حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُجْعَلُ مَوْجُودًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وما ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وقد أُرِيدَ بِهِ رَفْعُ الْإِثْمِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُزَادُ عليه ثُمَّ فَرَّعَ السَّرَخْسِيُّ على الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ وَهِيَ ما لو قال إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى طَعَامًا قال فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَقْتَضِي مَأْكُولًا وَذَلِكَ كَالْمَنْصُوصِ عليه فَكَأَنَّهُ قال إنْ أَكَلْتُ طَعَامًا فلما كان لِلْمُقْتَضَى عُمُومٌ عِنْدَهُ عُمِلَ بِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ وَعِنْدَنَا لَا يُعْمَلُ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا عُمُومَ له لَاغِيَةٌ انْتَهَى وَجَعَلَ غَيْرُهُ الحديث من بَابِ الْحَذْفِ لَا من بَابِ الِاقْتِضَاءِ فَكَانَ تَقْدِيرُ الْحُكْمِ وَالْإِثْمِ من بَابِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ له وَكَذَا قَوْلُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ في الْحَذْفِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ من الْمَنْطُوقِ إلَى الْمَحْذُوفِ وفي الْمُقْتَضَى لَا يَنْتَقِلُ من الْمُقْتَضَى شَيْءٌ بَلْ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ ما يُصَحِّحُهُ قالوا وَنَظِيرُهُ الْمَيْتَةُ أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ فَيَقْتَصِرُ على سَدِّ الرَّمَقِ وَلَا يَتَنَاوَلُ ما وَرَاءَهُ من الشِّبَعِ بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ فإنه عَامِلٌ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى يَعُمُّ سَائِرَ جِهَاتِ الِانْتِفَاعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَرَّجُ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فإنه قال في الْأُمِّ في قَوْله تَعَالَى فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا أو بِهِ أَذًى من رَأْسِهِ الْآيَةَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا فَتَطَيَّبَ أو لَبِسَ أو أَخَذَ ظُفْرَهُ لِأَجْلِ مَرَضِهِ أو بِهِ أَذًى من رَأْسِهِ فَحَلَقَهُ فَفِدْيَةٌ فَقُدِّرَ جَمِيعُ الْمُضْمَرَاتِ وقال في الْإِمْلَاءِ ليس هذا مُضْمَرًا في الْآيَةِ وَإِنَّمَا تَضَمَّنَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ فَقَطْ وَالْبَاقِي مَقِيسٌ عليه فَقَدَّرَهُ خَاصًّا وقد حَكَى الْبَصِيرُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي والحاصل أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن شَرْحِ اللُّمَعِ لِلشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ عَامٌّ وَبِهِ قال جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَصَحَّحَهُ وَالنَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ فقال الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّاسِي لِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ عَامَّةٌ يَعْنِي من قَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي فإنه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حُكْمُ الْخَطَأِ أو إثْمُهُ أو كُلٌّ مِنْهُمَا جميعا وَقَاعِدَةُ الشَّافِعِيِّ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَلِهَذَا كان كَلَامُ النَّاسِي عِنْدَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وأبو حَنِيفَةَ أَبْطَلَهَا بِهِ لِأَنَّهُ يَرَى عَدَمَ عُمُومِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ له في كل ما يَصِحُّ التَّقْدِيرُ بِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِضْمَارِ وَهِيَ الْمُنْدَفِعَةُ بِإِضْمَارٍ وَاحِدٍ وَتَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ تَكْثِيرٌ لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ ليس إضْمَارُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى من الْآخَرِ فَإِمَّا أَنْ لَا يُضْمَرَ حُكْمٌ أَصْلًا وهو غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ تَعْطِيلُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أو يُضْمَرُ الْكُلُّ وهو الْمَطْلُوبُ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ هذا وَأَجَابَ عنه بِأَنَّ قَوْلَهُمْ ليس إضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى من الْبَعْضِ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لو قُلْنَا بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إضْمَارُ حُكْمٍ ما وَالتَّعْيِينُ إلَى الشَّارِعِ ثُمَّ أَوْرَدَ عليه أَنَّهُ يَلْزَمُ منه الْإِجْمَالُ فَأَجَابَ بِأَنَّ إضْمَارَ الْكُلِّ يَلْزَمُ منه تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَعْنِي من الْإِجْمَالِ وَإِضْمَارِ الْكُلِّ خِلَافُ الْأَصْلِ وإذا قُلْنَا بِأَنَّهُ ليس بِعَامٍّ فَهَلْ هو مُجْمَلٌ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَإِذْ قُلْنَا ليس بِمُجْمَلٍ فَقِيلَ يُصْرَفُ إطْلَاقُهُ في كل عَيْنٍ إلَى الْمَقْصُودِ اللَّائِقِ بِهِ حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ وَقِيلَ يُضْمَرُ الْمَوْضِعُ الْمُخْتَلَفُ فيه لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عليه مُسْتَغْنٍ عن الدَّلِيلِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ إنْ قُلْنَا الْمُقْتَضَى له عُمُومٌ أُضْمِرَ الْكُلُّ وَإِنْ قُلْنَا لَا عُمُومَ له فَهَلْ يُضْمَرُ ما يُفْهَمُ من اللَّفْظِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قبل الشَّرْعِ أو يُضْمَرُ حُكْمًا من غَيْرِ تَعَيُّنٍ وَتَعْيِينُهُ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ وَالثَّالِثُ التَّوَقُّفُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيَّ آخِرًا لِتَعَارُضِ الْمَحْذُورَيْنِ كَثْرَةُ الْإِضْمَارِ وَالْإِجْمَالُ إذَا قِيلَ بِإِضْمَارِ حُكْمٍ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه قال الْتِزَامُ الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ من مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِتَكْثِيرِ الْإِضْمَارِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ هو اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ في مِثْلِ قَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ أَنْ تَكُونَ مُجْمَلَةً وقد صَرَّحَ ابن الْحَاجِبِ هُنَاكَ بِمُخَالَفَتِهِ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ في بَابِ الْمُجْمَلِ بِأَنَّ الْتِزَامَ مَحْذُورِ الْإِضْمَارِ الْكَثِيرِ أَوْلَى من الْتِزَامِ مَحْذُورِ الْإِجْمَالِ في اللَّفْظِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْإِضْمَارَ في اللُّغَةِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا من اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ وَلَوْلَا أَنَّ الْمَحْظُورَ في الْإِضْمَارِ أَقَلُّ ما كان اسْتِعْمَالُهُ أَكْثَرَ الثَّانِي أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على وُجُودِ الْإِضْمَارِ في اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَاخْتَلَفُوا في جَوَازِ الْإِجْمَالِ فِيهِمَا الثَّالِثُ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ قال لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ على إضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّحُومِ في التَّحْرِيمِ وَإِلَّا لَمَا أَلْزَمَهُمْ الذَّمُّ بِبَيْعِهَا هذا كُلُّهُ إذَا كانت الْمُقَدَّرَاتُ على حَدٍّ وَاحِدٍ في الدَّلَالَةِ أَمَّا إذَا كان بَعْضُهَا أَعَمَّ من غَيْرِهِ فَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إضْمَارُ الْأَعَمِّ لِمَا فيه من زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَتَكْثِيرِهَا مع انْدِفَاعِ الْمَحْذُورِ الذي هو تَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ وَقَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ فقال وَهُنَا وَجْهٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ مَقْصُودُ من أَرَادَ التَّعْمِيمَ وهو أَنْ يُضْمِرَ شيئا وَاحِدًا مَدْلُولُ ذلك مُقْتَضٍ لِلْعُمُومِ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ من الْعُمُومِ مع عَدَمِ تَعَدُّدِ الْمُضْمَرِ مِثْلُ أَنْ يُضْمِرَ في قَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْحُكْمُ فَيَعُمُّ الْأَحْكَامَ مع غَيْرِ تَعَدُّدٍ في الْمُضْمَرِ انْتَهَى وَقَدَّرَ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ في قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ التَّصَرُّفَ في الْمَيْتَةِ لِيَعُمَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَةِ وَغَيْرِ ذلك تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الصُّوَرَ في الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثٌ أَحَدُهَا أَنْ تَتَسَاوَى وَلَا يَظْهَرُ في وَاحِدٍ منها أَنَّهُ أَرْجَحُ فَهَلْ هو عَامٌّ أو مُجْمَلٌ قَوْلَانِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي ثَانِيهِمَا أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُهَا لَا بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ بَلْ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ مِثْلُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتْ الصِّيَامَ وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَأَصْحَابُنَا يُقَدِّرُونَ وَاحِدًا ثُمَّ يُرَجِّحُونَ تَقْدِيرَ ما كان أَقْرَبَ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ وهو الْجَوَازُ مَثَلًا سَوَاءٌ كان أَعَمَّ من غَيْرِهِ أَمْ لَا وَالْخَصْمُ يُقَدِّرُ الْكُلَّ ثُمَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يقول هُنَا إنَّ الْخَصْمَ لَا يَنْبَغِي له أَنْ يُقَدِّرَ الْكُلَّ إلَّا إذَا لم يُنَافِ بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنْ تَنَافَيَا وَارْتَكَبَ تَقْدِيرَ الْكُلِّ فَقَدْ أَسَاءَ مِثْلُ لَا صِيَامَ فإن تَقْدِيرَ الْكَمَالِ يُنَافِي تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ إذْ نَفْيُ الْكَمَالِ منهم إثْبَاتُ الصِّحَّةِ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ مع تَقْدِيرِ نَفْيِ الصِّحَّةِ معه وَوَافَقَهُ على ذلك ابن السَّمْعَانِيِّ فقال لَا يَجُوزُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ مع انْتِفَاءِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من وُجُودِ الْجَوَازِ فَيُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ وَجَرَى على ذلك ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فإنه قال وَالْخِلَافُ في هذا إنَّمَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا تَنَافِيَ بين مَضْمُونِهِ وَثَالِثُهَا أَنْ يَظْهَرَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَفَادٍ من خَارِجٍ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ هُنَا كما قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ بَلْ يُقَدَّرُ ما ظَهَرَ فَإِنْ كان عَامًّا فَهُوَ عَامٌّ وَإِلَّا فَلَا فَالْعَامُّ كَقَوْلِهِ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ وَالْخَاصُّ كَقَوْلِهِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ أَيْ لَا تَجِبُ فإن الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على جَوَازِهَا وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَامٌّ كما يقول الشَّافِعِيُّ في الْجَمْعِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مع أَنَّ الْحَقِيقَةَ قد تَعَيَّنَتْ الثَّانِي أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قالوا إذَا تَعَيَّنَ لِلْمُقْتَضَى أَحَدُ الْمُضْمَرَاتِ كان كَظُهُورِهِ في اللَّفْظِ وَرَدُّوا ادِّعَاءَ الْكَرْخِيِّ الْإِجْمَالَ فإن الذي يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ وإذا كان كَذَلِكَ كان كَالْمَلْفُوظِ بِهِ فَلَا إجْمَالَ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ على قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فإن تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ عِنْدَهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ بَلْ يَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا في الصَّلَاةِ وَبَيْعُهَا وَغَيْرُ ذلك إلَّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ ولم يُعَدَّهُ لِلشَّعْرِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فيه فَنَجَاسَتُهُ ثَابِتَةٌ عِنْدَهُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْآمِدِيُّ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ الحديث إلَّا أَنْ يُقَرِّرَ ذلك بِطَرِيقٍ أُخْرَى وهو أَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ظَاهِرٌ في نَجَاسَتِهَا وإذا تَنَجَّسَتْ بِالْمَوْتِ لَزِمَ من النَّجَاسَةِ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ في شَيْءٍ منها إلَّا ما طَهُرَ بِالدِّبَاغِ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ نَاشِئَةٌ عن النَّجَاسَةِ الْمَأْخُوذَةِ من تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَلَيْسَ في اللَّفْظِ إجْمَالٌ وَلَا تَكْثِيرُ إضْمَارٍ وَهَذَا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ ولم يَسْلُكْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ هذه الطَّرِيقَةَ بَلْ قَدَّرَ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ التَّصَرُّفَ في الْمَيْتَةِ لِيُفِيدَ عُمُومَ التَّصَرُّفِ كَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَاتِ كما هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وقال إنَّهُ الْمُتَعَارَفُ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لَا تَحْرِيمِ أَكْلِهَا وفي هذا الْكَلَامِ ضَعْفٌ لَا يَخْفَى وهو خِلَافُ ما قَرَّرَهُ في الْمَحْصُولِ كما مَرَّ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إنَّمَا حُرِّمَ من الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا دَلِيلُ انْصِرَافِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ إلَى أَكْلِهَا وَلَا يَلْزَمُ منه عَدَمُ تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ ظَاهِرٌ في النَّجَاسَةِ وهو مَعْنًى مُنَاسِبٌ يَصْلُحُ لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ وَالنَّجَاسَةِ عليه لِلْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لم يَقُمْ على تَعْيِينِ أَحَدِ الْمُقَدَّرَيْنِ دَلِيلٌ أَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُعَيِّنُهُ فإنه يَكُونُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ كما في قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فإن الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ بِخِلَافِ نَحْوِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فإنه لم يَقُمْ دَلِيلٌ يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْفُوعِ الْحُكْمُ أو غَيْرُهُ الْفَرْقُ بين دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَدَلَالَةِ الْإِضْمَارِ الثَّالِثُ الْكَلَامُ في هذه يَسْتَدْعِي فَهْمَ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَهَلْ هِيَ مُغَايَرَةٌ لِلْإِضْمَارِ وقد اُخْتُلِفَ في ذلك فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ شَيْءٍ من الْكَلَامِ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ أو الشَّرْعِ أو إلَيْهِمَا لَا إلَى اللَّفْظِ إذْ اللَّفْظُ صَحِيحٌ مِنْهُمَا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى الْفَرْقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وَجْهِ التَّغَايُرِ على أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إثْبَاتُ شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ عليه وُجُودُ الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ نَحْوُ اصْعَدْ السَّطْحَ فإنه يَقْتَضِي نَصْبَ السُّلَّمِ وهو أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ عليه وُجُودُ الصُّعُودِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْإِضْمَارِ فإنه إثْبَاتُ أَمْرٍ تَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ من بَابِ الْإِضْمَارِ وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ اللَّفْظِ على إضْمَارِ الْأَهْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ السُّؤَالَ من الْقَرْيَةِ وَثَانِيهَا ذَكَرَهُ عبد الْعَزِيزِ في الْكَشْفِ شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ في صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ كَالْأَهْلِ في وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ فإنه يَبْقَى الْإِسْنَادُ على حَالِهِ وَرُدَّ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ من بَابِ الِاقْتِضَاءِ مع أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْإِسْنَادُ بِالْمُضْمَرِ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُضْمَرَ كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَلِهَذَا له عُمُومٌ وَلِهَذَا لو قال لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى ثَلَاثًا صَحَّتْ نِيَّتُهُ إذْ الْمَصْدَرُ مُضْمَرٌ فيه فَكَأَنَّهُ قال طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقًا وَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَلَيْسَ هو كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَكَذَا لَا يَعُمُّ وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إضْمَارَ الْمَصْدَرِ في الْأُولَى لِأَنَّهُ على خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ فيه قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا من حَيْثُ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ أَمَّا من حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمُقْتَضِي أَعَمُّ من الْمُضْمَرِ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ قد يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ وقد لَا يَكُونُ بِخِلَافِ الْمُضْمَرِ فإنه لَا يَكُونُ إلَّا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ لِأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ من أَضْمَرَهُ الْمُتَكَلِّمُ فَعَلَى هذا كُلُّ مُضْمَرٍ مُقْتَضًى وَلَا عَكْسُ وَأَمَّا من حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِضْمَارَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ شَيْءٍ يَدُلُّ عليه الْبَاقِي بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ فإنه قد يُحْتَاجُ فيه إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ وَثَانِيهِمَا أَنَّ في صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ وفي الِاقْتِضَاءِ قد يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وقد لَا يَكُونُ كما في اصْعَدْ السَّطْحَ وَكَذَلِكَ في اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ الْغَفْلَةِ عن الشَّيْءِ وَتَغَيُّرِ الْإِسْنَادِ وَهُمَا مُتَّحِدَانِ في أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَلَامِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا وقال عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ وَجَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَّا وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ما يُضْمَرُ في الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ على أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما أُضْمِرَ لِضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي وَالثَّانِي ما أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَالثَّالِثُ ما أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَشُمُولُ مُقْتَضًى وَلِذَلِكَ قالوا في حَدِّهِ هو جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ في الثَّلَاثَةِ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْمَنْعِ فيها وهو أبو زَيْدٍ وَذَهَبَ الْبَزْدَوِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ اسْمَ الْمُقْتَضِي يُطْلَقُ على الثَّالِثِ فَقَطْ وَسَمَّوْا الْبَاقِيَ مَحْذُوفًا وَمُضْمَرًا وَقَالُوا بِالْعُمُومِ في الْمُضْمَرِ دُون الْمُقْتَضِي الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ حَذْفُ الْمَعْمُولِ نَحْوُ زَيْدٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ وَقَوْلُهُ وَاَللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ أَيْ كُلَّ أَحَدٍ وَهَذَا لم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْبَيَانِ وَفِيهِ بَحْثٌ فإن ذلك إنَّمَا أُخِذَ من الْقَرَائِنِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ على أَنَّ الْمُقَدَّرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَالتَّعْمِيمُ من عُمُومِ الْمُقَدَّرِ سَوَاءٌ ذُكِرَ أو حُذِفَ وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ على التَّعْمِيمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذُكِرَ إنَّمَا هو دَلَالَةُ الْقَرِينَةِ على أَنَّ الْمُقَدَّرَ عَامٌّ وَالْحَذْفُ إنَّمَا هو لِمُجَرَّدِ الِاقْتِضَاءِ لَا التَّعْمِيمِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ في أَنَّ الْمَفْهُومَ هل له عُمُومٌ أَمْ لَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَنَّهُ عَامٌّ فقال قال أَصْحَابُنَا الْعُمُومُ يَكُونُ في الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي وَدَلَائِلِ الْأَلْفَاظِ من مَفْهُومٍ أو دَلِيلِ خِطَابٍ ا هـ وَظَاهِرُ إيرَادِ الْأَكْثَرِينَ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعُمُومَ من صِفَاتِ النُّطْقِ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَلِهَذَا مَنَعَا تَخْصِيصَهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعَامِّ وَهَذَا بِنَاءٌ منهم أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ قِيَاسِيَّةٌ لَا لَفْظِيَّةٌ وهو الصَّحِيحُ كما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا لَفْظِيَّةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ في عُمُومِهِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا لَفْظِيَّةٌ وَهُنَا نَفَى الْعُمُومَ وَأَشَارَ إلَى بِنَاءِ هذه الْمَسْأَلَةِ على أَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أو الْمَعَانِي فقال من يقول بِالْمَفْهُومِ قد يَظُنُّ أَنَّ له عُمُومًا وَيَتَمَسَّكُ بِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَفْهُومُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً فإذا قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَنَفْيُ الزَّكَاةِ عن الْمَعْلُوفَةِ ليس بِلَفْظٍ حتى يَعُمَّ أو يَخُصَّ وَرَدَّ ذلك صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وقال إنْ كُنْت لَا تُطْلِقُ عليه لَفْظَ الْعَامِّ فَلَكَ ذلك وَإِنْ عَنَيْتَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ في جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ فَذَلِكَ من تَقَارِيعِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ في جُمْلَةِ صُورَةِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ وَإِلَّا لم يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ قال الْقَرَافِيُّ وَالظَّاهِرُ من حَالِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ في التَّسْمِيَةِ لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ إنَّمَا وُضِعَ لِلَّفْظِ لَا لِلْمَعْنَى وَأَمَّا عُمُومُ النَّفْيِ في الْمَنْطُوقِ فَهُوَ من الْقَائِلِينَ بِهِ لِأَنَّهُ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّمَا أَرَادَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْعُمُومَ لم يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فَقَطْ بَلْ بِوَاسِطَتِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه وقال الْخِلَافُ لَا يَتَحَقَّقُ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْحَالَ مُخْتَلِفٌ فَإِنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتٌ فَالْحُكْمُ مُنْتَفٍ في جُمْلَةِ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ وَإِنْ كان نَفْيًا لم يَلْزَمْ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ إذَا تَخَلَّفَ النُّطْقُ إثْبَاتًا لَزِمَ نَفْيُ الْحُكْمِ إذَا انْتَفَى عن كل أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ على تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ أو لَا فَإِنْ دَلَّ فَهُوَ لِلْأَفْرَادِ وَإِلَّا فَهُوَ دَالٌّ حِينَئِذٍ على نَفْيِ الْحُكْمِ عن مُسَمَّى الْمُخَالِفِ وَلَزِمَ انْتِفَاؤُهُ عن كل فَرْدٍ ضَرُورَةً وَأَنَّ ما سُلِبَ عن الِاسْمِ مَسْلُوبٌ عن جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ وَهَذَا كَتَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِسَائِمَةِ الْغَنَمِ فَإِنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتًا فَيَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عن الْمَعْلُوفَةِ وَإِنْ كان بِصِفَةٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ سَلْبٌ عن مُسَمَّى الْمَعْلُوفِ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْوُجُوبِ عن كل أَفْرَادِ الْمَعْلُوفَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ من أَنَّ الْمَسْلُوبَ عن الْأَعَمِّ مَسْلُوبٌ عن كل أَفْرَادِهِ وَأَمَّا إنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ نَفْيًا كَقَوْلِهِ لَا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ فإنه يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عن الْمُخَالِفِ وهو النَّفْيُ فَيَكُونُ الثَّابِتُ لِلْمُخَالِفِ إثْبَاتًا فإن مُطْلَقَ الْحُكْمِ في السَّوْمِ لَا يَلْزَمُ منه الْعُمُومُ كما أَنَّ الْعُمُومَ له صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ لَا كُلُّ صِيغَةٍ فإذا كان بَعْضُ الْأَلْفَاظِ الْمَنْطُوقِ بها لَا يَدُلُّ على الْعُمُومِ إذَا كانت في جَانِبِ الْإِضَافَةِ فما ظَنُّك بِمَا لَا لَفْظَ فيه أَصْلًا وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ أَنْ يَدُلَّ على الْعُمُومِ في مِثْلِ هذا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ وَقَوْلُ الْإِمَامِ وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عن جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ وَإِلَّا لم يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ مَمْنُوعٌ لِأَنَّا إذَا عَلَّقْنَا الْحُكْمَ بِالْمُسَمَّى الْمُطْلَقِ كانت فَائِدَةُ الْمَفْهُومِ حَاصِلَةً في بَعْضِ الصُّوَرِ ضَرُورَةً فَلَا يَخْلُو الْمَفْهُومُ من فَائِدَةٍ وفي مِثْلِ هذا يَتَوَجَّهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ قال فَهَذِهِ مَبَاحِثُهُ يُنْظَرُ فيها ثُمَّ بَعْدَ ذلك تَقُولُ فَقَدْ نَأْخُذُ عُمُومَ الْأَحْكَامِ في أَفْرَادِ الْمُخَالِفِ من أَمْرٍ خَارِجٍ عن دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ قَائِمًا على عَدَمِ اقْتِرَانِ الْأَحْكَامِ أو يَكُونَ الْحُكْمُ في الْمُخَالِفِ ثَابِتًا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ لَا يَخْتَصُّ ذلك الْمَعْنَى بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ دُونَ بَعْضٍ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ الْقَائِلُ بِأَنَّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ إذَا قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذلك قَوْلًا آخَرَ وهو لَا زَكَاةَ في الْمَعْلُوفَةِ وهو لو صَرَّحَ بِذَلِكَ لَكَانَ عَامًّا وَالْمَقْصُودُ أَنَّا إذَا وَجَدْنَا صُورَةً من صُوَرِ الْمَفْهُومِ مُوَافَقَةً لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فَهَلْ نَقُولُ بَطَلَ الْمَفْهُومُ بِالْكُلِّيَّةِ حتى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ في غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ أو نَقُولُ نَتَمَسَّكُ بِهِ فِيمَا وَرَاءَ ذلك هذا مَوْضِعُ نَظَرٍ قال وَالْأَشْبَهُ بِنَاءُ ذلك على أَنَّ مُسْتَنَدَ الْمَفْهُومِ مَاذَا هل هو الْبَحْثُ عن فَوَائِدِ التَّخْصِيصِ كما هو اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ له عُمُومٌ وَإِنْ قُلْنَا اسْتِنَادُهُ إلَى عُرْفٍ لُغَوِيٍّ فَصَحِيحٌ وَخَرَجَ لنا من كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ وَلَيْسَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا كما زَعَمُوا وَفَائِدَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الشَّيْخُ وَهِيَ أَنَّ خِلَافَ أَصْحَابِنَا في الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا كُوثِرَ بِمَاءٍ ولم يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ هل يَطْهُرْ يَنْبَنِي على ذلك فَإِنْ قُلْنَا له عُمُومٌ لم يَطْهُرْ وهو الصَّحِيحُ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَنْجُسْ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ على أَنَّ ما دُونَهُمَا يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا كُوثِرَ ولم يَبْلُغْهُمَا أَمْ لم يُكَاثَرْ وَإِنْ قُلْنَا لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ لم يَقْتَضِ الْحَدِيثُ النَّجَاسَةَ في هذه الصُّورَةِ وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فيه نَجَاسَةٌ ولم يَتَغَيَّرْ وَالْجَدِيدُ يُنَجِّسُ وَالْقَدِيمُ لَا فَيُبْنَى على ما ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ الْمَفْهُومُ يَكُونُ عَامًّا إذَا كان الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا ما ذَكَرُوهُ من عُمُومِ الْمَفْهُومِ حتى يُعْمَلَ بِهِ فِيمَا عَدَا الْمَنْطُوقِ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عليه على أَنَّ الْمُرَادَ ما إذَا كان الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الثَّابِتَ بِالْمَفْهُومِ إنَّمَا هو نَقِيضُ الْمَنْطُوقِ وَالْإِجْمَاعُ على أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُثْبَتِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُثْبَتِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ وَمِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ ما كان مَنْطُوقُهُ كُلِّيًّا سَالِبًا كان مَفْهُومُهُ جُزْئِيًّا سَالِبًا فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمَفْهُومَ عَامٌّ على ما إذَا كان الْمَنْطُوقُ بِهِ خَاصًّا لِيَجْتَمِعَ أَطْرَافُ الْكَلَامِ وَانْظُرْ إلَى عِبَارَةِ الْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ في أَوَّلِ بَابِ الْعُمُومِ وَقَوْلُهُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا زَكَاةَ في كل ما ليس بِسَائِمَةٍ فإن قَوْلَهُ لَا زَكَاةَ في كل ما ليس بِسَائِمَةٍ من بَابِ سَلْبِ الْعُمُومِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْمُشْتَرَكُ إذَا تَجَرَّدَ عن الْقَرَائِنِ صَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على التَّخْصِيصِ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِيمَا أَمْكَنَ وَنُقِلَ ذلك عن الشَّافِعِيِّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وهو عِنْدَهُ في حُكْمِ الْعَامِّ لَا نَفْسِهِ لِأَنَّ الْعَامَّ يُحْمَلُ على جَمِيعِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ هذا وَإِنَّمَا شَابَهُ الْعَامَّ من حَيْثُ شُمُولُهُ مُتَعَدِّدًا وَأَنَّهُ يُحْمَلُ على النَّوْعَيْنِ وقد بَالَغَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في رَدِّ هذا الْقَوْلِ وقال هذا غَلَطٌ فإنه لم يُوضَعْ وَضْعَ عُمُومٍ وَلَكِنْ وُضِعَ لِآحَادِ الْمَحَامِلِ على الْبَدَلِ فَالتَّعْمِيمُ فيه إخْرَاجُهُ عن مَوْضُوعِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِقَبِيلٍ آخَرَ قال وَهَذَا قَاطِعٌ ا هـ وَيَشْهَدُ له أَنَّهُمْ نَقَلُوا عن الْقَاضِي مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيِّ مع أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يقول بِصِيَغِ الْعُمُومِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا أَنْكَرَ وَضْعَ صِيَغِ الْعُمُومِ وَهُنَا جُوِّزَ الِاسْتِعْمَالُ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً في مَبَاحِثِ الْمُشْتَرَكِ وَمِمَّا يَفْتَرِقُ فيه حَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ على مَعْنَيَيْهِ وَحَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ أَنَّ الْعَامَّ يَسْتَرْسِلُ على آحَادِهِ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ على الْوُجُودِ حَالَ اللَّفْظِ وَلِهَذَا لو وَقَفَ على أَوْلَادِهِ صُرِفَ إلَى الْمَوْجُودِينَ حَالَ الْوَقْفِ وَلِمَنْ يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ لِأَنَّ الصِّيغَةَ عَامَّةٌ وَلَوْ وَقَفَ على مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ من أَعْلَى وَأَسْفَلَ صُرِفَ إلَيْهِمَا لَا من يَحْدُثُ من الْمَوَالِي من الْأَسْفَلِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ في عُمُومِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ إذَا كان له جِهَاتٌ الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ إذَا كان له جِهَاتٌ ليس بِعَامٍّ في أَقْسَامِهِ لِأَنَّهُ يَقَعُ على صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ عُرِفَ تَعَيَّنَ إلَّا إذَا كان مُجْمَلًا يُتَوَقَّفُ فيه حتى يُعْرَفَ نَحْوُ قَوْلِ الرَّاوِي صلى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ فَلَا يُحْمَلُ على الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَكَذَلِكَ صلى في الْكَعْبَةِ لَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَكَذَلِكَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَنَحْوِهِ لِجَوَازِ قَضَائِهِ لِجَارٍ كان بِصِفَةٍ يَخْتَصُّ بها هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وسليم الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قال الْقَفَّالُ قَوْلُ الرَّاوِي فَعَلَ النبي عليه السَّلَامُ كَذَا وَقَضَى بِكَذَا وَغَيْرِهِ لَا يَجْرِي على عُمُومِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عن فِعْلٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاعِلَ لم يَشْتَمِلْ كُلُّ ما اشْتَمَلَ عليه قِسْمَةُ ذلك الْفِعْلِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ فِعْلِهِ فَلَا مَعْنَى لِلْعُمُومِ في ذلك بَلْ يُطْلَبُ على ما وَقَعَ فيه أو بِهِ ذلك الْفِعْلُ جَمِيعُ ما اشْتَمَلَ عليه الْمُسَمَّى فَيَمْضِي على عُمُومِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ من ذلك دَلِيلٌ قال فَأَمَّا إذَا رُوِيَ عنه عليه السَّلَامُ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ وَأَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ بِكَذَا فَنَقُولُ إنَّ الْقَضِيَّةَ وَقَعَتْ في شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّ الْإِفْطَارَ وَقَعَ لِشَيْءٍ منه يُوجِبُ طَلَبَ الدَّلِيلِ على ما وَقَعَ الْقَضَاءُ فيه وكان الْإِفْطَارُ بِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ في إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ انْتَهَى قال الْغَزَالِيُّ وَكَمَا لَا عُمُومَ له بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْوَالِ الْفِعْلِ فَلَا عُمُومَ له بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ بَلْ يَكُونُ خَاصًّا في حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ من خَارِجٍ كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَقِيلَ ما ثَبَتَ في حَقِّهِ فَهُوَ ثَابِتٌ في حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا ما دَلَّ عليه دَلِيلٌ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وهو فَاسِدٌ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لو تَحَقَّقْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلٌ فَلَيْسَ بِعَامٍّ وَإِنْ كان لَفْظًا فَإِنْ اخْتَصَّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ في خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على الْعُمُومِ فَإِنْ كان لَفْظًا عَامًّا في وَضْعِ اللُّغَةِ تَمَسَّكْنَا بِعُمُومِهِ وَكَذَا الذي يَقْتَضِيهِ تَصَرُّفُ أَصْحَابِنَا وقد قال الْمَاوَرْدِيُّ وابن أبي هُرَيْرَةَ في تَعْلِيقِهِ وَغَيْرُهُمَا وقد ذَكَرُوا أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَرِثُ مع ابْنِهَا وَأَوْرَدَ الْخَصْمُ عليهم أَنَّ النبي عليه السَّلَامُ وَرَّثَ جَدَّةً وَابْنُهَا حَيٌّ فَأَجَابُوا بِحَمْلِهِ على صُورَةٍ خَاصَّةٍ أو كَكَوْنِهِ قَاتِلًا أو مَمْلُوكًا أو كَافِرًا أو كان ابْنُهَا خَالًا قال ابن أبي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ وَرَّثَ عُمُومًا لِأَنَّ ذلك قَضِيَّةٌ وَالْقَضِيَّةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ في نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عُمُومٌ في الْأَلْفَاظِ انْتَهَى هذا ما وَجَدْته لِقُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فيه فإنه يَقْتَضِي تَخْرِيجَ قَوْلَيْنِ له في هذه الْمَسْأَلَةِ قال في الْأُمِّ مُجِيبًا عن قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له فقال وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ الذي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَعَنَهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ضَرْبٌ من نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ا هـ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ له انْتَهَى وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَقْتَضِي أَنَّهُ عَامٌّ فإنه احْتَجَّ على تَأْجِيلِ الدِّيَةِ على الْعَاقِلَةِ ثَلَاثَةَ سِنِينَ في الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِحَدِيثِ ضَرْبُ الْعَقْلِ على الْعَاقِلَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ قال الشَّافِعِيُّ في بَعْضِ مَجَارِي كَلَامِهِ لم يَنْقُلْ النَّقَلَةُ وَاقِعَةً قَضَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِضَرْبِ الْعَقْلِ فيها على الْعَاقِلَةِ إلَّا الْمَرْأَتَيْنِ فَأَمْكَنَ من ذلك أَنْ يَضْرِبَ عَقْلَ الْمَرْأَةِ على الْعَاقِلَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ ثُمَّ إذَا قُلْت ذلك اطَّرَدَ فيه أَنَّ بَدَلَ كل نَفْسٍ مَضْرُوبٌ في ثَلَاثِ سِنِينَ يَعْنِي سَوَاءٌ كان الْوَاجِبُ فيه الدِّيَةَ كَامِلَةً كَالرَّجُلِ أو نِصْفُهَا كَالْمَرْأَةِ قال الْإِمَامُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُ الرَّاوِي قَضَى تَأْسِيسُ شَرْعٍ منه وَلَيْسَ تَمْهِيدًا في قَضِيَّةٍ ولم يَنْقُلْ على التَّخْصِيصِ وَالتَّفْصِيلِ في قَضِيَّةِ الْجَارِيَتَيْنِ فَيَضْرِبُ الْعَقْلَ على الْمَرْأَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ انْتَهَى وَأَطْلَقَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُثْبَتَ ليس بِعَامٍّ في أَقْسَامِهِ ثُمَّ اخْتَارَ في نَحْوِ قَوْلِهِ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ أَنَّهُ يَعُمُّ الْغَرَرُ وَالْجَارُ مُطْلَقًا وقد سَبَقَهُ إلَى هذا شَيْخُهُ الْإِبْيَارِيُّ فإنه ذَكَرَهُ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ سُؤَالًا وَالْآمِدِيَّ بَحْثًا فَارْتَضَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَأَقَامَهُ مَذْهَبًا وَتَبِعَهُ ابن السَّاعَاتِيِّ في الْبَدِيعِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ اخْتَارَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ الْحَاجِبِ عُمُومَ نَحْوِ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ بِنَاءً على عَدَالَةِ الصَّحَابِيِّ وَمَعْرِفَتِهِ بِاللُّغَةِ وَمَوَاقِعِ اللَّفْظِ مع وُجُوبِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ على وَفْقِ السَّمَاعِ من غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَمِنْهُمْ من قال لَا يَعُمُّ لِأَنَّ الْحُجَّةَ في الْمَحْكِيِّ وَلَا عُمُومَ في الْمَحْكِيِّ قُلْت وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ وَسَبَقَ ما يُؤَيِّدُهُ وَصَحَّحَهُ في الْمَحْصُولِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا لَا بُدَّ فيه من تَفْصِيلٍ وهو أَنَّ الْمَحْكِيَّ فِعْلًا لو شُوهِدَ لم يَجُزْ حَمْلُهُ على الْعُمُومِ فَلِذَلِكَ وَجْهٌ وَإِنْ كان فِعْلًا لو حُكِيَ لَكَانَ دَالًّا على الْعُمُومِ فَعِبَارَةُ الصَّحَابِيِّ عنه يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً لِلْمَقُولِ لِمَا تَقَدَّمَ من مَعْرِفَتِهِ وَعَدَالَتِهِ وَوُجُوبِ مُطَابَقَةِ الرِّوَايَةِ الْمَعْنَى الْمَسْمُوعَ ا هـ وقد اخْتَارَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قَرِيبًا من هذا فقال وَالْأَقْرَبُ في هذا عِنْدَنَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْعَالِمَ بِاللِّسَانِ إذَا قال إنَّ النبي عليه السَّلَامُ عَبَّرَ عن إثْبَاتِ مَعْنًى وَحُكْمٍ ليس له في اللِّسَانِ أَلْفَاظٌ مُحْتَمَلَةٌ قبل ذلك بِمَثَابَةِ رِوَايَتِهِ اللَّفْظَ وَإِنْ ذُكِرَ عنه مَعْنًى وهو مِمَّا له عِبَارَةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَجَبَ مُطَالَبَتُهُ بِحِكَايَةِ اللَّفْظِ ا هـ وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ الْقَرَافِيَّ جَعَلَ هذه الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً على جَوَازِ رِوَايَةِ الحديث بِالْمَعْنَى فَإِنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ قَضَى ليس هو لَفْظُ الشَّارِعِ وَإِنْ جَوَّزْنَا وهو الصَّحِيحُ فَشَرْطُهُ الْمُسَاوَاةُ فإذا رَوَى الْعَدْلُ اللَّفْظَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ كَالْغَرَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكِيُّ عَامًّا وَإِلَّا كان ذلك قَدْحًا في عَدَالَتِهِ حَيْثُ رَوَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ما ليس عَامًّا فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُنَا الْحُجَّةُ في الْمَحْكِيِّ لَا في الْحِكَايَةِ بَلْ الْحُجَّةُ في الْحِكَايَةِ لِأَجْلِ قَاعِدَةِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وفي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ رَابِعٌ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْبَاءُ فَلَا عُمُومَ له كَقَوْلِهِ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَلَا يَدُلُّ على ثُبُوتِهَا لِكُلِّ جَارٍ بَلْ يَدُلُّ على أَنَّ الْحُكْمَ في الْقَضِيَّةِ دُونَ الْقَوْلِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفِ أَنَّ فَيَكُونُ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ من ذلك حِكَايَةُ لَفْظِهِ عليه السَّلَامُ فَلِذَلِكَ صَحَّ دَعْوَى الْعُمُومِ فيها حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَصَحَّحَهُ وَحَكَاهُ عن أبي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَصْحَابِنَا وفي نِسْبَةِ ذلك لِلْقَفَّالِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ من كَلَامِهِ وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ النِّزَاعَ لَفْظِيًّا من جِهَةِ أَنَّ الْمَانِعَ لِلْعُمُومِ يَنْفِي عُمُومَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ نَحْوُ أَمَرَ وَقَضَى وَالْمُثْبِتُ لِلْعُمُومِ يُثْبِتُهُ فيها من دَلِيلٍ خَارِجٍ وهو إجْمَاعُ السَّلَفِ على التَّمَسُّكِ بها بِقَوْلِهِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ التَّعْمِيمَ فيها حَاصِلٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ كما قَالَهُ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فَإِنَّا رَأَيْنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكَمَ بِقَضَاءٍ في وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ حَدَثَتْ لنا أُخْرَى مِثْلُهَا وَجَبَ إلْحَاقُهَا بها لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ وَيَتَحَصَّلُ حِينَئِذٍ في الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ صِيَغُ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ الذي له أَكْثَرُ من احْتِمَالٍ ثُمَّ الْكَلَامُ على الصِّيَغِ إحْدَاهَا إذَا قال الرَّاوِي سَمِعْته يقول قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فقال الْقَاضِي يُحْمَلُ على الْعُمُومِ في كل جَارٍ وَيَحْتَمِلُ الْعَهْدَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ فقال لَا يَعُمُّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ أَلْ لِلْعَهْدِ وَهَذَا بِنَاءٌ منه على اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِأَلْ لَا يَعُمُّ فَأَمَّا إذَا كان مُنَوَّنًا كَقَوْلِهِ قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِجَارٍ فَجَانِبُ الْعُمُومِ أَرْجَحُ قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاصِلِ وقال الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ الثَّانِيَةُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وأمر بِقَتْلِ الْكِلَابِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ أَيْضًا وَأَنَّهُ مِثْلُ قَضَى وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ كما قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ لِأَنَّ أَمَرَ وَنَهَى عِبَارَةٌ عن أَنَّهُ وَقَعَ منه عليه السَّلَامُ خِطَابَا التَّكْلِيفِ اللَّذَانِ هُمَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فلما لم يذكر الصَّحَابَةُ مَأْمُورًا وَلَا مَنْهِيًّا مَخْصُوصًا عُلِمَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ كُلُّ الْمُكَلَّفِينَ كَسَائِرِ خِطَابَاتِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ إنْ صَدَّرَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ يَتَوَجَّهُ لِلْجَمْعِ قُلْت وقد احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ على بُطْلَانِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ بِمُطْلَقٍ من جِنْسِهِ وَغَيْرِهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ نهى عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وقد احْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِالنَّهْيِ عن بَيْعِ الْغَرَرِ على كَثِيرٍ من الْمَسَائِلِ وَكَذَلِكَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وقال الْقَاضِي اسْتِدْلَالُ الْفُقَهَاءِ بِمِثْلِ هذه الصِّيَغِ إنْ اقْتَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ على الْعُمُومِ حُمِلَ عليه وَإِلَّا امْتَنَعَ التَّعَلُّقُ بِهِ وما رُوِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ بِقَضِيَّةِ عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ في ذلك وَأَنَّ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قال لِعُمَرَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَى في مِثْلِ هذا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ فَإِنَّهُمَا إنَّمَا احْتَجَّا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّ حُكْمَهُ على الْوَاحِدِ حُكْمُهُ على الْجَمِيعِ وَأَنَّهُ عَلَّقَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعْمِيمَ على أَنَّهُ قد رُوِيَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ بِدُونِ قَضَى فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِهِ حِينَئِذٍ وفي الْمُسْتَصْفَى في بَابِ السُّنَّةِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا أو نهى عن كَذَا قِيلَ إنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ من يقول بِصِيغَةِ الْعُمُومِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ في هذا إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ما سَمِعَهُ أَمْرًا لِلْأُمَّةِ أو لِطَائِفَةٍ أو لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ فيه على الدَّلِيلِ لَكِنْ يَدُلُّ عليه أَنَّ أَمْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَمْرٌ لِلْجَمَاعَةِ إلَّا إذَا كان لِوَصْفٍ يَخُصُّهُ من سَفَرٍ أو حَيْضٍ كَقَوْلِنَا أُمِرْنَا إذَا كنا مُسَافِرِينَ نعم إنْ عُلِمَ من عَادَةِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهُ إلَّا في أَمْرِ الْأُمَّةِ حُمِلَ عليه وَإِلَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا له وَلِلْأُمَّةِ وَلِطَائِفَةٍ وقال شَارِحُهُ الْعَبْدَرِيُّ من قال إنَّهُ عَامٌّ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ على الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ بَلْ بِمُقْتَضَاهُ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له الثَّالِثَةُ أَنْ يُورَدَ الْفِعْلُ بِصِيغَةِ كان فَهَلْ هو عَامٌّ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن بَرْهَانٍ وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّهُ وَإِنْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ على صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُشَارِكُهَا فيها سَائِرُ الصِّفَاتِ فَأَمَّا إذْ قِيلَ كان يَفْعَلُ كَقَوْلِهِ كان يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ لِخُرُوجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ تَكْرَارِ الْأَفْعَالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُ ما يَلْزَمُهُ اسْمُ الْجَمْعِ في حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ قال وما هو بِالْبَيِّنِ أَيْضًا وَفَصَلَ ابن بَرْهَانٍ بين أَنْ يَكُونَ ذلك في الْأُمُورِ التي تَشِيعُ وَلَا تَبْقَى في طَيِّ الْكِتْمَانِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ كانت الْأَيْدِي لَا تُقْطَعُ في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الشَّيْءِ التَّافِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا على السَّتْرِ وَالْكِتْمَانِ كَالْوَطْءِ فَلَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فيه قَطْعًا وَلَا يَكُونُ حُجَّةً كما نُقِلَ في قَضِيَّةِ الِاغْتِسَالِ وَالْأَقْوَالِ كَقَوْلِ زَيْدِ بن ثَابِتٍ كانت عُمُومَتِي يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَغْتَسِلُونَ وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى خِلَافٍ آخَرَ وهو أَنَّهُ هل يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا وَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا يَعُمُّ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فقال قَوْلُ الرَّاوِي كان يَفْعَلُ كَذَا يُفِيدُ في عُرْفِ اللُّغَةِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرَهُ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ كان فُلَانٌ يُطْعِمُ الطَّعَامَ وَيَحْمِي الذِّمَارَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بَلْ يَخُصُّونَ بِهِ الْمُدَاوِمَ على ذلك وقد قال تَعَالَى وكان يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ على ذلك وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ هِيَ تَقْتَضِي تَكْرِيرَ الْفِعْلِ من طَرِيقِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ في اللُّغَةِ كان يَفْعَلُ كَذَا إلَّا إذَا تَكَرَّرَ منه وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرَيْهِ وَالثَّانِي أنها لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ الْمُخْتَارُ الذي عليه أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأُصُولِيِّينَ وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ دَلَّ على وُقُوعِهِ مَرَّةً وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِيهَا بِوَضْعِهَا وقال بَعْضُ النُّحَاةِ كان عِبَارَةٌ عن وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنٍ مَاضٍ على سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَيْسَ فيه دَلِيلٌ على عَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا انْقِطَاعٍ طَارِئٍ وَالثَّالِثُ أنها لَا تُفِيدُهُ لُغَةً وَتُقَيِّدُهُ عُرْفًا إذْ لَا يُقَالُ كان يَتَهَجَّدُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ عن عبد الْجَبَّارِ بَعْدَ أَنْ عَدَّهَا من صِيَغِ الْعُمُومِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَالتَّحْقِيقُ ما قَالَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهُ يُقَالُ كان يَفْعَلُ كَذَا بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ منه فِعْلُهُ وكان عَادَتُهُ كما يُقَالُ كان فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ وكان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَجْوَدَ الناس بِالْخَيْرِ وقد تُسْتَعْمَلُ لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ وَوُقُوعِهِ دُونَ الدَّلَالَةِ على التَّكْرَارِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ في الِاسْتِعْمَالِ وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الحديث مَسْأَلَةٌ في عُمُومِ مِثْلِ قَوْلِهِ خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً الْجُمْهُورُ أَنَّ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً قد يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ من كل نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الْمَالِ فَكَانَ مَخْرَجُ الْآيَةِ عَامًّا على الْأَمْوَالِ وكان يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ الْأَمْوَالِ دُونَ بَعْضٍ فَدَلَّتْ السُّنَّةُ على أَنَّ الزَّكَاةَ في بَعْضِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ فقال عَقِبَ ذِكْرِ هذه الْآيَةِ إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلَالَةٍ من السُّنَّةِ وَلَوْلَا دَلَالَةُ السُّنَّةِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ وَأَنَّ الزَّكَاةَ في جَمِيعِهَا لَا في بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَنُقِلَ عن نَصِّهِ أَيْضًا في الْبُوَيْطِيِّ نَحْوُهُ وَلِهَذَا احْتَجَّ بها أَصْحَابُنَا على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في مَالِ التِّجَارَةِ وَعَلَى أَخْذِ الشَّاةِ الصَّغِيرَةِ من الصِّغَارِ وَاللَّئِيمَةِ من اللِّئَامِ وَنَحْوِهِ لَكِنَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ جَعَلَهَا من الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا الزَّكَاةَ وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَخْذَ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ وَرَجَّحَهُ ابن الْحَاجِبِ لِأَنَّ من لِلْبَعْضِ الْمُطْلَقِ وَالْوَاحِدَةُ من الْجَمِيعِ يَصْدُقُ عليها وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فقال في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَمَأْخَذُ الْكَرْخِيِّ دَقِيقٌ كَذَا نَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ عن الْكَرْخِيِّ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن شَيْخِهِ أبي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي عُمُومَ وُجُوبِ الْحَقِّ في سَائِرِ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَاخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ أَيْضًا وهو الصَّوَابُ في النَّقْلِ عنه وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْوَالَ جَمْعٌ مُضَافٌ وهو من صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْمَعْنَى خُذْ من كل نَوْعٍ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَاعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ مِثْلَ هذه الصِّيغَةِ لَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ لِأَجْلِ من وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ من تَعَلُّقِهَا بِمَحْذُوفٍ صِفَةِ الصَّدَقَةِ وَالتَّقْدِيرُ كَائِنَةً أو مَأْخُوذَةً من أَمْوَالِهِمْ بَلْ من بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ وهو خُصُوصٌ مع أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لِأَنَّ مَعْنَى كَائِنَةٍ من أَمْوَالِهِمْ أَنْ لَا يَبْقَى نَوْعٌ من الْمَالِ إلَّا وَيُؤْخَذُ منه وَهَذَا هو بَيَانُ الْعُمُومِ هذا هو الذي لَحَظَهُ الشَّافِعِيُّ وقال بَعْضُهُمْ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الذي هو من أَمْوَالِهِمْ إنْ كان مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ خُذْ فَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ مُطْلَقٌ وَالصَّدَقَةَ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ من نَوْعٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كان مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ صَدَقَةً فَيَقْوَى قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَكُونُ من أَمْوَالِهِمْ إذَا كانت من كل نَوْعٍ من أَمْوَالِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا كان الْمُعْتَبَرُ دَلَالَةَ الْعُمُومِ في أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ من كل نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَلَا نَظَرَ إلَى تَنْكِيرِ صَدَقَةٍ لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِخُذْ أو بِصَدَقَةٍ وَإِنْ اُعْتُبِرَ لَفْظُ صَدَقَةً وَأَنَّهُ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ له على الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا يَتَرَتَّبُ على هذا الْخِلَافِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ اُخْتُلِفَ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ فيه فَلِلْقَائِلِ بِالْعُمُومِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وهو نَظِيرُ الْخِلَافِ في قَوْلِهِ وَآتُوا الزَّكَاةَ في أنها عَامَّةٌ أو مُجْمَلَةٌ الثَّانِي هل الزَّكَاةُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ أو الْفِعْلِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْجَاجَرْمِيُّ في رِسَالَتِهِ في الْأُصُولِ فَقِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَقَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ وَمَحَلُّ الْأَخْذِ هو الْعَيْنُ لَا الْفِعْلُ غير أَنَّ اسْمَ الزَّكَاةِ على الْفِعْلِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ على الْحَالِ وَقِيلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يَصِيرُ فَاعِلَ الْفِعْلِ لَا لِمَحَلِّ الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ جَعَلَ الزَّكَاةَ عِبَادَةً فصل في اشتمال العموم على بعض من يشكل تناوله بالنسبة إلى النساء والعبيد والمخاطب وغيره وفيه مسائل الأولى الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على أقسام أحدها ما يختص به أحدهما ولا يطلق على الآخر بحال كرجال للمذكر والنساء للمؤنث فلا يدخل أحدهما في الآخر بالاتفاق إلا بدليل من خارج من قياس أو غيره قاله الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور وغيرهما قيل ومما يختص به الذكور الهاء والميم والواو والنون ومما يختص به الإناث الألف والتاء ومنه الوقف على البنين لا تدخل البنات أو البنات لا تدخل البنون لكن سيأتي في الجموع بالواو والنون ومنه القوم فإنه خاص بالذكور قال تعالى لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولهذا لا يدخلن في الوصية لهم على الأصح الثاني ما يعم الفريقين بوضعه وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل كالناس والإنس والجن والأناس والبشر فيدخل فيه كل منهما بالاتفاق أيضا وفي كلام الغزالي في المنخول إثبات خلاف وهو بعيد الثالث لفظ يشملها من غير قرينة ظاهرة في أحدهما كمن وهذا من موضع الخلاف فقيل لا يدخل فيه النساء إلا بدليل والصحيح أنه يتناولهما بدليل قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى فلولا اشتماله عليه لم يحسن التقسيم بعد ذلك وممن حكى الخلاف في هذه المسألة من الأصوليين أبو الحسين في المعتمد وإلكيا الهراسي في التلويح وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية وإنهم لذلك قالوا إن المرتدة لا تقتل لعدم دخولها في قوله من بدل دينه فاقتلوه لكن الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع كقول الجمهور وصرح به البزدوي وشراح كتابه وابن الساعاتي وغيرهما ونقل في المحصول الإجماع على أنه لو قال من دخل داري من أرقائي فهو حر دخل فيه الإماء وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصية أو توكيلا أو إذنا في أمر لم يختص بالذكور وكان بعض مشايخنا لهذا ينكر حكاية الخلاف على ابن الحاجب وقد علمت مستنده ثم إن إمام الحرمين خص الخلاف بما إذا كانت شرطية قال الهندي والظاهر أنه لا فرق بينهما وبين من الموصولة والاستفهامية والخلاف جار في الجميع وهو كما قال بناء على عمومهن والإمام إنما فرض الخلاف في الشرطية لأنه لم يذكر عموم غيرها ثم ذكر إمام الحرمين أن مستند القائلين بأنها لا تتناول المؤنث قولهم في باب الحكاية من ومنه يدل على أن اللفظ لا يتناول المؤنث إلا بعلامة تأنيث وأجاب وتبعه ابن القشيري بأنها لغة شاذة وليست من الفصيح وليس كذلك بل هي الفصيحة في باب الحكاية وظن الإمام أنها شرطية وهو وهم بل هي استفهامية ووهم أيضا في قوله إنه قد يعود الضمير مفردا على اللفظ وجمعا على المعنى كقوله تعالى ومنهم من يستمعون إليك ومنهم من ينظر إليك وهذه ليست شرطية بل موصولة وتبعه إلكيا في الموضعين وإنما الجواب ما ذكره ثانيا أن ذلك على وجه الحكاية بأن العرب لم تقصد حينئذ بها معناها الأصلي وإنما تأتي به في حكاية النكرات خاصة فيحصل الشبه بين كلام الحاكي والمخبر فإذا قال جاءتني امرأة قال له المستفهم منه للمحاكاة لا لأن اللفظ لا يتناول المؤنث إلا بعلامة التأنيث وذكر بعضهم أن من وإن لم يكن لها علامة تأنيث يفصل بها بالأصالة لكن يعرف ذلك من تأنيث الفعل الواقع بعدها وتذكيره نحو من فعل كذا ومن فعلت وهذا ضعيف لأنه يصح تذكير الفعل وتأنيثه مراعاة للفظها تارة ولمعناها أخرى قال تعالى ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا فذكر الفعل أولا ثم أنثه والخطاب فيهما للإناث فروع ينبغي بناؤها على هذا الأصل منها أن المرتدة هل تقتل بناء على أنها دخلت في قوله من بدل دينه أو لا تعم ومنها إذا قتلت هل لها السلب فيه وجهان والأصح تعم لعموم قوله من قتل فله سلبه ومنها إذا نظرت في بيت بغير إذن صاحبه فالأصح أنها تهدر كالرجل لعموم قوله من اطلع على قوم بغير إذنهم الحديث عُمُومُ الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ الذُّكُورَ وَالْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْإِنَاثَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ في الْمُؤَنَّثِ وَبِحَذْفِهَا في الْمُذَكَّرِ كَجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ نَحْوُ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ نَحْوُ قالوا كما قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وَهَذَا هو مَحَلُّ الْخِلَافِ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فيه إلَّا بِدَلِيلٍ كما لَا يَدْخُلُ الرِّجَالُ في لَفْظِ الْمُؤَنَّثِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِمَّنْ نَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وأبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في الْأَقْضِيَةِ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ السِّيَرِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَأَخَذُوا ذلك من قَوْلِهِ لَا جِهَادَ على النِّسَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قال جَاهِدُوا وقال حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ على الْقِتَالِ دَلَّ على أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ لِأَنَّ الْإِنَاثَ الْمُؤْمِنَاتِ قال الْقَفَّالُ وَأَصْلُ هذا أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ على الْمُسَمَّى فَخُصَّ كُلُّ نَوْعٍ بِمَا يُمَيِّزُهُ فَالْأَلِفُ وَالتَّاءُ جُعِلَتْ عَلَمًا لِجَمْعِ الْإِنَاثِ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ لِجَمْعِ الذُّكُورِ فَالْمُؤْمِنَاتُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَاتِلُوا خِلَافُ قَاتِلْنَ ثُمَّ قد تَقُومُ قَرَائِنُ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ دُخُولُ الْإِنَاثِ في الذُّكُورِ وقد لَا تَقُومُ فَيَلْحَقْنَ بِالذُّكُورِ بِالِاعْتِبَارِ وَالدَّلَائِلِ كما يَلْحَقُ الْمَسْكُوتُ عنه بِالْمَذْكُورِ بِدَلِيلٍ وَمِمَّا يَدُلُّ على هذا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ على أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ فَلَوْلَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلْمُذَكَّرِ لم يَكُنْ هو الْغَالِبَ ولم يَكُنْ حَظُّهُ منها كَحَظِّ الْمُؤَنَّثِ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا اسْتَقَلَّ أَفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَصْفٍ فَغُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَجُعِلَ الْحُكْمُ له فَدَلَّ على أَنَّ الْمَقْصُودَ هُمْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ تَوَابِعُ انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في الْكِفَايَةِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَنَصَرَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَنَقَلَهُ في الْأَوْسَطِ عن مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ وقال الْقَاضِي إنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَلَسْت أَحْفَظُ عن مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا شيئا غير أَنَّ ظَاهِرَ مَذَاهِبِهِمْ الدُّخُولُ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ كما قَالَهُ سُلَيْمٌ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن السَّاعَاتِيِّ قُلْت منهم شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن أبي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَنُسِبَ لِلْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ سَبَقَ الْمُفْرِدُونَ هُمْ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ فَلَوْلَا دُخُولُهَا فيه لم يَحْسُنْ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ رَأَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ انْدِرَاجَ النِّسَاءِ تَحْتَ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ بِقَضِيَّةِ التَّغْلِيبِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ إذْ اللَّفْظُ لم يُوضَعْ لَهُنَّ وَهَذَا ما حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وقال الْإِبْيَارِيُّ لَا خِلَافَ بين الْأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ أَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ بِحَالٍ وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى تَنَاوُلِهِ الْجِنْسَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اشْتِرَاكُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ في الْأَحْكَامِ لم تَقْصُرْ الْأَحْكَامُ على الذُّكُورِ قال وإذا حَكَمْنَا بِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمَا فَهَلْ تَقُولُ اجْتَمَعَ في اللَّفْظِ مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أو يَكُونُ جميعا مَجَازًا صِرْفًا فيه خِلَافٌ وَقِيَاسُ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا صِرْفًا وَقِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فيه مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ انْتَهَى وَحَاصِلَةُ الْإِجْمَاعِ على عَدَمِ الدُّخُولِ لُغَةً حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في ظُهُورِهِ لِاشْتِهَارِهِ عُرْفًا وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ وَجَعَلَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ مَحَلَّهُ ما إذَا وَرَدَ الْجَمْعُ مُجَرَّدًا أَمَّا لو ذُكِرْنَ مع الرِّجَالِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ يا أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ من شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فَلَا خِلَافَ في دُخُولِهِنَّ في الْخِطَابِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فإنه وَافَقَ على الدُّخُولِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ قال أَوْصَيْت لَكُمْ بِكَذَا فإنه يَدْخُلُ النِّسَاءُ اتِّفَاقًا بِقَرِينَةِ الْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ قال الْهِنْدِيُّ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ من الشَّرْعِ لِقَرِينَةٍ عليه وَهِيَ الْمُشَارَكَاتُ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قال وَاتَّفَقَ الْكُلُّ على أَنَّ الْمُذَكَّرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إنْ وَرَدَ مُقْتَرِنًا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ وَمِنْ أَقْوَى ما احْتَجَّ بِهِ الْمُعَمِّمُونَ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ على أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَعَلَى هذا وَرَدَ قَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا منها جميعا في خِطَابِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ قال الْمَاوَرْدِيُّ هذا مَنْشَأُ الْخِلَافِ وَأُجِيبَ عنه بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من صِحَّةِ إرَادَةِ الشَّيْءِ من الشَّيْءِ إرَادَتُهُ منه إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا من غَيْرِ قَرِينَةٍ كَيْفَ وَالْوَاقِعُ من أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا هو تَغْلِيبُ الْخِطَابِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إذَا اجْتَمَعُوا وَأَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ التَّذْكِيرِ ولم يَذْكُرُوا أَنَّ اللَّفْظَةَ عِنْدَ إطْلَاقِهَا مَوْضُوعَةٌ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ في الْخِلَافِ غَيْرِ الشِّفَاهِيِّ وَقِيَامِ الْقَرِينَةِ على الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ أَمَّا الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ كَقَوْلِهِ أَعْطُوا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ وَهُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ دَخَلْنَ قَطْعًا ولم يَخْتَلِفْ الْمُفَسِّرُونَ في قَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا منها جميعا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَوَّاءَ وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُخْرِجَةُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ خَصَّهُ عليه السَّلَامُ بِغَيْرِ النِّسَاءِ لِنَهْيِهِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُدْخِلَةُ فَكَقَوْلِهِ أَقِيمُوا الْحُدُودَ على ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فإن الْمَعْنَى في اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ الْمِلْكُ وهو شَامِلٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلِهَذَا أَقَامَتْ عَائِشَةُ الْحَدَّ على أَمَةٍ لها وَيَخْرُجُ من هذا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ ما يَدْخُلْنَ قَطْعًا وما لَا يَدْخُلْنَ قَطْعًا وما يَدْخُلْنَ على الْأَصَحِّ وما لَا يَدْخُلْنَ على الْأَصَحِّ الثَّانِي سَكَتُوا عن الْخَنَاثَى هل يَدْخُلُونَ في خِطَابِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالظَّاهِرُ من تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ دُخُولُهُمْ في خِطَابِ النِّسَاءِ فِيمَا فيه تَغْلِيظٌ وَخِطَابُ الرِّجَالِ فِيمَا فيه تَخْفِيفٌ وقد يَجْعَلُونَهُ في مَوَاضِعَ خَارِجًا عن الْقِسْمَيْنِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ تَحْتَ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ نَحْوُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي أَحَدُهَا يَدْخُلُونَ فيه لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِمْ الثَّانِي لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْأَحْرَارِ وَالثَّالِثُ إنْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ تَعَبُّدًا تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ وَإِنْ تَضَمَّنَ مِلْكًا أو عَقْدًا أو وِلَايَةً لم يَدْخُلُوا فيه قِيلَ وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْغَزْوِ وَالْخَرَاجِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ له وَإِنْ مَلَكَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي عليه أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وهو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ إتْبَاعًا لِمُوجِبِ الصِّيغَةِ وَلَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ كما قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن مُعْظَمِ أَصْحَابِهِمْ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ قد جَعَلَ الشَّافِعِيُّ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ بِالتَّرْجِيحِ لِلْأَحْرَارِ إذْ كان أَكْثَرُ الْخِطَابِ في الشَّرْعِ مَخْصُوصًا بِهِمْ فَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَيْنِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا جُعِلَ في الْأَحْرَارِ بِالتَّرْجِيحِ على حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَفَصَّلَ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ بين أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِحَقِّ اللَّهِ فَيَشْمَلُهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَلَا وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ وَلِأَنَّ اسْتِغْرَاقَهُمْ بِحُقُوقِ السَّادَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على امْتِيَازِهِمْ عن حُكْمِ الْعُمُومِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ منهم وفي دُخُولِ الْمُبَعَّضِ كَلَامٌ سَبَقَ في بَحْثِ التَّكْلِيفِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْأَكْثَرُ كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ دُخُولُ الْكَافِرِ في الْخِطَابِ الصَّالِحِ له وَلِلْمُؤْمِنِينَ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا كَيَا أَيُّهَا الناس يا أُولِي الْأَلْبَابِ فَيَعُمُّ وَلَا يَخْرُجُ منها أَحَدٌ إلَّا بِدَلِيلٍ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ يَدْخُلُونَ في حُقُوقِ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في بَابِ التَّكْلِيفِ قال الْهِنْدِيُّ وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ إنْ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا من حَيْثُ اللُّغَةُ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَإِنْ زَعَمُوا التَّنَاوُلَ لَكِنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ في الشَّرْعِ خَصَّصَهُمْ فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ على أَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ في الْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْخِطَابُ بِيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَشْمَلُ الْأُمَّةَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عليهم قال أبو الْبَرَكَاتِ بن تَيْمِيَّةَ في مُسَوَّدَتِهِ الْأُصُولِيَّةِ هو على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا خِطَابٌ على لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَقَوْلِهِ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ يا بَنِي إسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِي فَهَذَا حُكْمُ سَائِرِ الناس فيه حُكْمُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ إنْ شَارَكُوهُمْ في الْمَعْنَى دَخَلُوا وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ صِنْفٌ من الْمَأْمُورِينَ بِالْقُرْآنِ نَظِيرُ خِطَابِهِ لِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ في حَقِّ مِثْلِهِ ثُمَّ هل عَمَّ عُرْفًا أو عَقْلًا فيه الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي خِطَابُهُ لهم على لِسَانِ مُوسَى وَغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ من قَبْلَنَا وَالْحُكْمُ هُنَا لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا لَكِنْ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كما دَلَّ عليه قَوْله تَعَالَى لقد كان في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَقَوْلُهُ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصَارِ وَنَحْوُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُمُومَ يَكُونُ تَارَةً لِلْأَشْخَاصِ وَتَارَةً لِلْأَفْعَالِ وفي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يَعُمُّ وَهَلْ هو بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أو بِالْعِبَارَةِ الْعُرْفِيَّةِ أو بِالْعِبْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْخِطَابُ بِ يا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ حَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَاحِ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَهُمْ من الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ ثُمَّ اخْتَارَ التَّعْمِيمَ لهم وَلِغَيْرِهِمْ لِعُمُومِ التَّكْلِيفِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا خُصُّوا بِالذِّكْرِ من بَابِ خِطَابِ التَّشْرِيفِ لَا خِطَابِ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبَا وقد ثَبَتَ تَحْرِيمُ الرِّبَا في حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ في التَّنَاوُلِ بِالصِّيغَةِ لَا بِأَمْرٍ خَارِجٍ وقال بَعْضُهُمْ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظًا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أو من عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَإِلَّا كَيْفَ بِعُمُومِ الشَّرِيعَةِ لهم وَلِغَيْرِهِمْ وَأَمَّا حَيْثُ يَظْهَرُ الْفَرْقُ أو يُمْكِنُ مَعْنًى غَيْرُ شَامِلٍ لهم فَلَا يُقَالُ بِثُبُوتِ ذلك الْحُكْمِ لهم لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَالتَّعَلُّقُ قَدْرٌ زَائِدٌ على الْوُجُوبِ فَلَا يَثْبُتُ في حَقِّهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا مَعْنًى مَسْأَلَةٌ وقد يَجِيءُ الْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا الناس لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً في قَوْلِهِ يا أَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا له بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وقال إنَّهُ من الْعُمُومِ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ هل يَشْمَلُ الْمَعْدُومِينَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا في عَصْرِ النبي عليه السَّلَامُ مِثْلُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَيُسَمَّى خِطَابَ الْمُوَاجَهَةِ لَا خِلَافَ في شُمُولِهِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ من الْمَعْدُومِينَ حَالَ صُدُورِهِ لَكِنْ هل هو بِاللَّفْظِ أو بِدَلِيلٍ آخَرَ من إجْمَاعٍ أو قِيَاسٍ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ من اللَّفْظِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ شُمُولَ الْحُكْمِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ أو الْقِيَاسِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ من دِينِهِ عليه السَّلَامُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ هُمْ مُكَلَّفُونَ لَا من الْخِطَابِ وَلَكِنْ لَمَّا كانت الرِّسَالَةُ رَاجِعَةً إلَى سَائِرِ الْقُرُونِ كَانُوا سَوَاءً قال تَعَالَى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وَقَوْلُهُ بُعِثْت إلَى الناس كَافَّةً قُلْت وَأَصْرَحُ مِنْهُمَا قَوْله تَعَالَى هو الذي بَعَثَ في الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا إلَى قَوْلِهِ وَآخَرِينَ منهم لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ من قال بِخُصُوصِهِ بِالْمُخَاطَبِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فيه أَحْوَالَ الْمُخَاطَبِينَ وَلَا يُدْخِلُ في خِطَابِهِمْ من ليس بِصِفَتِهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وَهَذَا غَيْرُ الِاخْتِصَاصِ بِأَعْيَانِهِمْ وهو أَعْلَى مَرْتَبَةً منه لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَعْيَانِ في الْأَحْكَامِ مَحْمُولٌ غَالِبًا غَلَبَةً كَثِيرَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تُعْتَبَرُ أَحْوَالُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ إلَّا أَنْ يُحْتَمَلَ اعْتِبَارُهَا لِمُنَاسَبَةٍ أو غَيْرِهَا وَالْأَلْيَقُ بِالتَّخْصِيصِ الْأَوَّلُ وقال في شَرْحِ الْعُنْوَانِ الْخِلَافُ في أَنَّ خِطَابَ الْمُشَافَهَةِ هل يَشْمَلُ غير الْمُخَاطَبِينَ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فيه خِلَافٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ لُغَةً وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ غير الْمُخَاطَبِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحُكْمَ يَقْتَصِرُ على غَيْرِ الْمُخَاطَبِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على الْعُمُومِ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا عُلِمَ قَطْعًا من الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ عَامَّةٌ إلَّا حَيْثُ يَرِدُ التَّخْصِيصُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَبَّرَ جَمَاعَةٌ عن هذه الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْخِطَابَ مع الْمَوْجُودِينَ في زَمَنِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَتَنَاوَلُ من بَعْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ أَخَصَّ من هذا وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ في يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كما ذَكَرْنَا وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَلْفَاظُ لها حَالَتَانِ تَارَةً تَكُونُ مَحْكُومًا بها نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ أو مُخَاطَبَةً بِخِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ نَحْوُ يا زَيْدُ وَتَارَةً تَكُونُ مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ نَحْوُ اصْحَبْ الْعُلَمَاءَ فَالْمُسَمَّيَاتُ في الْحَالَةِ الْأُولَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً حَالَ الْحُكْمِ أو الْخِطَابِ فإن الْقَضَاءَ بِالْحَقِيقَةِ في الْخَارِجِ فَرْعُ وُجُودِهَا وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُ مَعَهَا وَمَدَارُهَا في الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً في الْخَارِجِ بَلْ اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيمَا وُجِدَ وَسَيُوجَدُ منها كَقَوْلِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ اصْحَبْ الْعُلَمَاءَ لَا فَرْقَ فيه بين من يَكُونُ عَالِمًا حَالَ الْخِطَابِ وَبَيْنَ من سَيَصِيرُ عَالِمًا بَعْدَ ذلك وَكَذَلِكَ اقْطَعُوا السَّارِقَ وَحُدُّوا الزُّنَاةَ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على نَحْوِ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يَتَنَاوَلُ مُشْرِكِي زَمَانِنَا وَسُرَّاقَهُمْ وَزُنَ لَا على وَجْهِ الْمَجَازِ لَكِنْ اتَّفَقُوا أَيْضًا على أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالصِّفَةِ الْمُشْتَقَّةِ لِمَنْ لم تَعُمَّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيَامِهَا في الْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ كما في قَوْله تَعَالَى إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بين هَذَيْنِ الِاتِّفَاقَيْنِ إلَّا ما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِ الصِّفَةِ مَحْكُومًا بها وَكَوْنِهَا مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ وقد اعْتَرَضَ النَّقْشَوَانِيُّ في تَلْخِيصِ الْمَحْصُولِ على هذه الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْمَعْدُومَ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالْخِطَابِ السَّابِقِ ولم يُفَرِّقُوا بين خِطَابِ الْمُشَافَهَةِ وَغَيْرِهِ وهو غَفْلَةٌ منهم لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ في الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ له تَعَلُّقٌ بِمَنْ سَيُوجَدُ على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَتَعَلُّقُ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ ليس من بَابِ أَوْضَاعِ اللُّغَةِ في شَيْءٍ بَلْ هو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ وَلِذَلِكَ مَثَّلُوهُ بِأَنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ في نَفْسِهِ طَلَبَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَاَلَّذِي من وَلَدٍ سَيُوجَدُ له على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ بِخِلَافِ هذه الْمَسْأَلَةِ فإن مُعْتَمَدَ الْقَوْلِ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُشَابَهَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ مِثْلَ قُومُوا وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ بَلْ وَلَا لِلْمَوْجُودِ الْغَائِبِ بَلْ الْحَاضِرُ الْقَرِيبُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَحْثَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لُغَوِيٌّ وَتِلْكَ عَقْلِيٌّ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا وَمِمَّنْ أَوْرَدَ هذا السُّؤَالَ أَيْضًا صَاحِبُ الْبَدِيعِ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ في تَسْمِيَتِهِ أَمْرًا وَهُنَا في تَسْمِيَتِهِ خِطَابًا وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فإن مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ التَّعَلُّقُ الْعِلْمِيُّ لَا التَّنْجِيزِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خِطَابًا لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا قُصِدَ بِهِ إفْهَامُ من هو مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ في الْمَعْدُومِ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا قُلْنَا إنَّ كَلَامَ اللَّهِ في الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا فَإِنْ قُلْنَا يُسَمَّى فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذي قال بِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لِلْمَعْدُومِ زَمَنَ النبي عليه السَّلَامُ أَرَادَ بِهِ التَّنَاوُلَ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ كما في الْأَمْرِ لَا أَنَّهُ حَالَ عَدَمِهِ مُخَاطَبٌ بِمَعْنًى يَفْهَمُهُ في ذلك الْوَقْتِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هل خِطَابُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِلَفْظٍ يَخْتَصُّ بِهِ يَشْمَلُ أُمَّتَهُ الْخِطَابُ الْمُخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ بِوَضْعِ اللِّسَانِ مِثْلُ يا أَيُّهَا النبي وَيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْأُمَّةُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ من قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُهُمْ الْحُكْمُ لَا بِاللَّفْظِ وَقِيلَ يَدْخُلُ في اللَّفْظِ فَهُوَ عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُخْرِجُهُ وَنُقِلَ عن أبي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا وهو بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ على التَّعْبِيرِ بِالْكَبِيرِ عن أَتْبَاعِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وقال ابن الْقُشَيْرِيّ قالت الْحَنَفِيَّةُ الْأُمَّةُ معه بِشَرْعٍ في الْخِطَابِ الْمُخْتَصِّ وَلِهَذَا قالوا يَصِحُّ لنا النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ قال وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ أَمَّا اللَّفْظُ في وَضْعِهِ فَمُخْتَصٌّ بِهِ وَأَمَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ هل كَانُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مِثْلًا له في الْخِطَابِ فَلَسْنَا على ثَبْتٍ في ذلك وَالْغَالِبُ على الظَّنِّ أَنَّهُمْ ما كَانُوا يَطْلُبُونَ مُشَارَكَتَهُ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ فَأَمَّا ما لم تَظْهَرْ خَاصَّتُهُ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال الصِّيغَةُ إمَّا أَنْ تَرِدَ في مَحَلِّ التَّخْصِيصِ أو لَا فَإِنْ وَرَدَتْ فَهُوَ خَاصٌّ وَإِلَّا عَامٌّ لِأَنَّا لم نَجِدْ دَلِيلًا نَاطِقًا على التَّخْصِيصِ وَلَا على التَّعْمِيمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ ظَهَرَ اخْتَصَّ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْصِيلِ فَكَأَنَّ الْإِمَامَ يقول بِالْعُمُومِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَلِهَذَا نَقَلْنَاهُ عنه أَوَّلًا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُقَيَّدًا بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هو الْمَقْصُودُ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَّا ما قَامَتْ قَرِينَةٌ على أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحُكْمِ غَيْرُهُ وَأَتَى بِلَفْظِهِ لِجَلَالَةِ وُقُوعِ الْمُشَافَهَةِ معه كما في قَوْله تَعَالَى لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك فَهَذَا لَا مَدْخَلَ له فيه صلى اللَّهُ عليه وسلم بِلَا خِلَافٍ وَعَلَى هذا فَذِكْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ هذه الْآيَةَ في صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ ليس بِجَيِّدٍ وَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمُخَاطَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ وَهُمْ مَعْصُومُونَ بَلْ ذلك على سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالْمُحَالُ يَصِحُّ فَرْضُهُ لِغَرَضٍ وَحَكَى ابن عَطِيَّةَ عن مَكِّيِّ وَالْمَهْدَوِيِّ أَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ فَلَا تَكُونَنَّ من الْجَاهِلِينَ لِلنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ قال وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَارْتَكَبَ شَطَطًا في التَّأْوِيلِ قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْلَمَ قَوْلَ اللَّهِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هذا وَنَحْوَهُ من بَابِ الْخِطَابِ الْعَامِّ من غَيْرِ قَصْدِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَالْمَعْنَى اتِّفَاقُ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ على ذلك وَيُسْتَرَاحُ حِينَئِذٍ من إيرَادِ هذا السُّؤَالِ من أَصْلِهِ أَمَّا فِيمَا لم يَظْهَرْ أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ بِهِ فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ على دُخُولِهِمْ فَلَا خِلَافَ في عُمُومِهِ وَتَكُونُ الْقَرِينَةُ مُبَيِّنَةً أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِهِ عنه وَعَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا هذا كما في قَوْله تَعَالَى يا أَيُّهَا النبي إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ الْآيَةَ فإن ضَمِيرَ الْجَمْعِ في قَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ وَطَلِّقُوهُنَّ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ تَدُلُّ على أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ معه بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ خُصَّ بِالْخِطَابِ لِكَوْنِهِ مَتْبُوعَهُمْ وَلَوْلَا فَهْمُ عُمُومِهَا لِلْأُمَّةِ لَمَا افْتَتَحَ بها وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هذا الْخِطَابِ نَوْعَانِ نَوْعٌ مُخْتَصٌّ لَفْظُهُ بِالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَقَوْلِهِ يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِك ثُمَّ قال قد فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَقَوْلُهُ يا أَيُّهَا النبي إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ وَنَوْعٌ يَكُونُ الْخِطَابُ له وَلِلْأُمَّةِ وَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ لِكَوْنِهِ هو الْمُوَاجَهُ بِالْوَحْيِ وهو الْأَصْلُ فيه وَالْمُبَلِّغُ لِلْأُمَّةِ وَالسَّفِيرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ الْخِطَابُ له وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ ولم يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لم يُخَاطَبْ بِذَلِكَ أَصْلًا كما يقول السُّلْطَانُ لِمُقَدِّمِ الْعَسَاكِرِ اُخْرُجْ غَدًا أو انْزِلْ بِمَكَانِ كَذَا وَاحْمِلْ على الْعَدُوِّ في وَقْتِ كَذَا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ما أَصَابَك من حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وما أَصَابَك من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَرْسَلْنَاك لِلنَّاسِ رَسُولًا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ إنْ اخْتَصَّ بِهِمْ نَحْوُ يا أَيُّهَا الْأُمَّةُ فَلَا يَدْخُلُ الرَّسُولُ تَحْتَهُ بِلَا خِلَافٍ كما قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في كِتَابِ الْإِفَادَةِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ فَالْأَوَّلُ عَامٌّ وَالثَّانِي خَاصٌّ فِينَا دُونَهُ لِأَنَّهُ هو الذي أَمَرَنَا بِالِاسْتِجَابَةِ له وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ قد أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا تَقْدِيرُهُ اُطْلُبُوا رَسُولًا على الْإِغْرَاءِ وَهَذَا أَيْضًا فِينَا دُونَهُ ا هـ وَإِنْ أَمْكَنَ تَنَاوُلُهُ نَحْوُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَيَا عِبَادِي فَاخْتَلَفُوا فيه فَالْأَكْثَرُ على أَنَّهُ يَشْمَلُهُ وَقِيلَ لَا لِأَجْلِ الْخَصَائِصِ الثَّابِتَةِ له وَالثَّالِثُ نُقِلَ عن أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَالْحَلِيمِيِّ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَسْبِقَهُ تَبْلِيغٌ نَحْوُ قُلْ وَنَحْوِهِ فَلَا يَشْمَلُهُ فإن الْأَمْرَ بِالتَّبْلِيغِ يُؤَثِّرُ في عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ وَرَدَ مُسْتَرْسِلًا فَالرَّسُولُ فيه بِمَثَابَةِ غَيْرِهِ وَاسْتَنْكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ الْقَوْلَ فيها جميعا مُسْتَنِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ خِطَابَهُ إلَيْنَا فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ وقال الْمُقْتَرَحُ في تَعْلِيقِهِ الْخِطَابُ إمَّا أَنْ يَكُونَ من الْكِتَابِ أو من السُّنَّةِ فَإِنْ كان من الْكِتَابِ فَهُوَ مُبَلِّغٌ عن اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمُبَلِّغُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ كان من السُّنَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهَدًا أو لَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مُجْتَهَدٌ فَيَرْجِعُ إلَى أَنْ الْمُخَاطَبَ هل يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا وَإِنْ لم يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَهُوَ مُبَلِّغٌ وَالْمُبَلِّغُ إذَنْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ ثُمَّ قِيلَ لَا فَائِدَةَ لِلْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَقِيلَ بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِيمَا إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ وَجَاءَ فِعْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِخِلَافِهِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ دَاخِلٌ في خِطَابِهِ كان فِعْلُهُ نَسْخًا وَإِنْ قُلْنَا ليس بِدَاخِلٍ لم يَخُصَّ فِعْلُهُ الْعُمُومَ وَبَقِيَ على شُمُولِهِ في ذلك الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ هل يَشْمَلُ غَيْرَهُ من الْأُمَّةِ الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ إنْ خُصَّ فيه بِالتَّخْصِيصِ فَلَا شَكَّ فيه لِقَوْلِهِ وَلَنْ تَجْزِيَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وَإِنْ صَلَحَ أَنْ يَتَنَاوَلَ غَيْرَهُ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ من الْأُمَّةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على وُجُوبِ تَعْمِيمِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ قال الْإِمَامُ في بَابِ الرَّضَاعِ من النِّهَايَةِ في الْكَلَامِ على إرْضَاعِ الْكَبِيرِ وقد أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَصَرُّفٍ في حَدِيثٍ سَالِمٍ رَمَزَ إلَيْهِ الْمُزَنِيّ وهو أَنَّ خِطَابَ رسول اللَّهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا اخْتَصَّ بِشَخْصٍ في حِكَايَةِ حَالٍ فَحُكْمُ الصِّيغَةِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْمُخَاطَبِ وإذا قَضَيْنَا بِأَنَّ الناس في الشَّرْعِ وَاحِدٌ فَهُوَ يُتَلَقَّى من إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِمَا يُشَاهِدُونَهُ من قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ على الِاخْتِصَاصِ قُلْنَا اضْطَرَبَ رَأْيُهُمْ في قَضِيَّةِ سَالِمٍ في التَّخْصِيصِ وَاللَّفْظُ في نَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِالْمُخَاطَبِ فلم يَجُزْ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ سِيَّمَا إذَا اعْتَقَدَ خِلَافَهُ مِمَّا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا انْتَهَى وقال الْقَاضِي من الْحَنَابِلَة وَغَيْرُهُ عَامٌّ بِنَفْسِهِ قال أبو الْخَطَّابِ منهم هذا إذَا وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَاقَعْت فقال اعْتِقْ فَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَلَا يَدْخُلُ فيه كُلُّ الصَّحَابَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ قُمْ فَبَارِزْ فَلَا يَجُوزُ على غَيْرِهِ الْمُبَارَزَةُ قال وَكَذَلِكَ إذَا حُكِمَ صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَادِثَةٍ بين نَفْسَيْنِ كان وَاجِبًا على كل أَحَدٍ أَنْ يُحْكَمَ عليه بِمِثْلِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فيه خِلَافًا انْتَهَى وَاقْتَضَى كَلَامُ الْقَاضِي منهم أَنَّهُ عَامٌّ بِعُرْفِ الشَّرْعِ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِلْقَطْعِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهِ لُغَةً وَمِنْ ثَمَّ قال بَعْضُهُمْ ليس النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا في الْمَسْأَلَةِ وقال الْأَكْثَرُونَ على الْأَوَّلِ قال وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِدَلِيلِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ وَعَلَى هذا فقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ في غَيْرِ السَّائِلِ هل هو بِالْقِيَاسِ أو بِقَوْلِهِ خِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابِي لِلْجَمَاعَةِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ انْتَهَى وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْإِمَامِ السَّابِقِ رَأْيٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ صَوَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا الْمَسْأَلَةَ بِخِطَابِهِ عليه السَّلَامُ وَصَوَّرَهَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في أَعَمَّ من ذلك وَهِيَ مُخَاطَبَةُ الشَّارِعِ وَاحِدًا بِلَفْظٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سَوَاءٌ كان الْمُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَحْوُ يا أَيُّهَا النبي حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ على الْقِتَالِ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ أو الْمُخَاطِبُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحِدًا من أُمَّتِهِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ في الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فقال لَا شَكَّ أَنَّ الْخِطَابَ خُصَّ لُغَةً بِذَلِكَ الْوَاحِدِ وَلَا يَنْبَغِي فيه خِلَافٌ وَأَنَّهُ عَامٌّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَلَا يَنْبَغِي فيه خِلَافٌ فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ في الْمَسْأَلَةِ قال الْمُقْتَرِحُ بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ وهو أَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ ما هو هل هو مَوْرِدُ الشَّرْعِ أو مُقْتَضَى الْعُرْفِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ في الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بَلْ الذي نُسَلِّمُهُ عُمُومُ مُقْتَضَى الْخِطَابِ غير عُمُومٍ قَطْعًا وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هو في الثَّانِي لَا في الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّعْمِيمَ مُنْتَفٍ لُغَةً ثَابِتٌ شَرْعًا وَالْخِلَافُ في أَنَّ الْعَادَةَ هل تَقْضِي بِالِاشْتِرَاكِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ إلَيْهَا أو لَا فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ لَا قَضَاءَ لِلْعَادَةِ في ذلك كما لَا قَضَاءَ لِلُّغَةِ وَالْخَصْمُ يقول إنَّهَا تَقْضِي بِذَلِكَ وَهَذَا نَقْلُ ابن السَّمْعَانِيِّ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجَ بِأَنَّ عَادَةَ أَهْلِ اللِّسَانِ مُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ وَإِرَادَةُ الْجَمَاعَةِ تَنْبِيهٌ تَطْبِيبُهُ عليه السَّلَامُ هل يُفِيدُ التَّعْمِيمَ هذا في الْأَحْكَامِ وَأَمَّا تَطْبِيبُهُ عليه السَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ أَرْضِهِ فقال الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ في مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ هو خَاصٌّ بِطِبَاعِهِمْ وَأَرْضِهِمْ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على التَّعْمِيمِ لِأَنَّ تَطْبِيبَهُ من بَابِ الْمُبَاحِ بِخِلَافِ أَوَامِرِهِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَهُ في حَدِيثٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِصَبِيٍّ لها فقالت أَتْقَأُ منه الْعَذِرَةَ فقال تَحَرَّقُوا حُلُوقَ أَوْلَادِكُمْ خُذِي قُسْطًا هِنْدِيًّا وَوَرْسًا فَأَسْعِطِيهِ إيَّاهُ وقال إسْنَادُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْعُلَمَاءِ سِيَّمَا من صَنَّفَ في الطِّبِّ النَّبَوِيِّ إنَّمَا يَفْهَمُ التَّعْمِيمَ كَالْأَوَامِرِ وَلِهَذَا تَكَلَّفُوا الْجَوَابَ عن حديث أَبْرِدُوا الْحُمَّى بِالْمَاءِ مع أَنَّ كَثِيرًا من الْحُمَّيَاتِ لَا يَقْتَضِي الطِّبُّ تَسْوِيغَ ذلك وَحَمَلُوهُ على ما يَقْتَضِي الْحَالَ اللَّائِقَ بِذَلِكَ من أَنْوَاعِ الْحُمَّيَات وَقَوْلُهُ إنَّ التَّطْبِيبَ من بَابِ الْمُبَاحِ مَمْنُوعٌ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ دُخُولُ الْمُخَاطِبِ في عُمُومِ خِطَابِهِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الْمُخَاطِبِ بِكَسْرِ الطَّاءِ في عُمُومِ خِطَابِهِ على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَحَدُهُمَا قال وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْمُخَالِفِينَ إنَّهُ يُتَنَاوَلُ وَلَا يَخْرُجُ من عُمُومِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ وَالثَّانِي قال وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وهو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَرَدَ منه عليه السَّلَامُ لَفْظٌ عَامٌّ في إيجَابِ حُكْمٍ أو حَظْرِهِ أو إبَاحَتِهِ هل يَدُلُّ ذلك على دُخُولِهِ فيه أَمْ لَا وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إذَا أَمَرَ النبي عليه السَّلَامُ أُمَّتَهُ بِأَمْرٍ لم يَدْخُلْ هو في الْأَوَامِرِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا كَذَا قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إذَا أَمَرَ عليه السَّلَامُ بِأَمْرٍ لم يَدْخُلْ في حُكْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ كَقَوْلِهِ افْعَلُوا كَذَا فَإِنَّكُمْ مُكَلَّفُونَ وَقِيلَ يَدْخُلُ مُطْلَقًا وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْآمِرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وَنَقَلَ عبد الْجَبَّارِ وَغَيْرُهُ من الْمُعْتَزِلَةِ دُخُولَهُ وَكَذَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فيه عليه السَّلَامُ إذَا كان آمِرًا وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ على أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَأَمَّا الْأَمْرُ الْوَارِدُ من اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ الناس فَقَدْ اتَّفَقُوا على أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَدْخُلُ في ذلك هَكَذَا قال وقد سَبَقَ الْخِلَافُ فيه وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَنَا عَدَمُ الدُّخُولِ وَلِهَذَا قال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وقد رَأَيْت من أَنْكَرَ عليه ذلك بِنَقْلِ الْمَحْصُولِ عن الْأَكْثَرِينَ الدُّخُولَ وقد عَجِبْت من نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْأَمْرِ لَا لِلْخَبَرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وقد سَوَّى صَاحِبُ الْمَحْصُولِ بَيْنَهُمَا في النَّقْلِ عن الْأَكْثَرِينَ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في الْمَنْخُولِ حَيْثُ قال بِهِمَا ثُمَّ قال وَالْمُخْتَارُ الِانْدِرَاجُ وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ قال صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أَمْرًا قَرِينَةً مُخَصَّصَةً فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَدْخَلَهُ في الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ قال صَاحِبُ الْحَاصِلِ وهو الظَّاهِرُ وَعَلَى هذا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِ الْجُمْهُورِ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُ نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ خَارِجٌ عنه عَادَةً وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْقَوْلُ الْمُوجَزُ فيه أَنَّ مُوجِبَ الْخِلَافِ الِانْدِرَاجُ وَلَكِنْ اُشْتُهِرَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَأْثِيرًا في مُوجِبِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ رَاجِعًا إلَى غَيْرِ اللَّفْظِ لَا إلَى حَالِ الْمُخَاطِبِ قال وَهَذَا دَقِيقٌ قَاطِعٌ خَيَالَ الْمُخَالِفِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هذه الْمَسْأَلَةُ قد تَعْرِضُ في الْأَمْرِ وقد سَبَقَتْ في مَبَاحِثِهِ وَمِثْلُهُ النَّهِيُّ وَمَرَّتْ في الْخَبَرِ وَالْجُمْهُورُ على دُخُولِهِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا كان الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ما وُضِعَ لِلْمُخَاطَبِ يَشْمَلُ الْمُتَكَلِّمَ وَضْعًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كان الْمُرَادُ حُكْمًا فَمُسَلَّمٌ إذَا دَلَّ عليه دَلِيلٌ أو كان الْوَضْعُ شَامِلًا له كَأَلْفَاظِ الْعُمُومِ تَنْبِيهٌ دُخُولُ جِبْرِيلَ في التَّكَالِيفِ التي يَنْزِلُ بها وَقَعَ الْبَحْثُ في أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ هل يَدْخُلُ في التَّكْلِيفِ بِمَا يَأْتِي بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَوَقَّفُ على فِعْلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كما في إمَامَتِهِ بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ في الْيَوْمَيْنِ وَأَمَّا ما لَا يَتَوَقَّفُ على فِعْلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَقَطْ مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْمُخَاطَبِ في عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ له أَمَّا الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ فقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ لَا يَدْخُلُ في عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ له على الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَلِهَذَا لو قال وَكَّلْتُك في إبْرَاءِ غُرَمَائِي وكان هو منهم لم يَدْخُلْ قلت وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ الْعَامَّةِ هل يَدْخُلُ فيها النبي عليه السَّلَامُ وقد سَبَقَتْ لَكِنْ الصَّحِيحُ هُنَاكَ الدُّخُولُ فَصْلٌ في الْقَرَائِنِ التي يُظَنُّ أنها صَارِفَةٌ لِلَّفْظِ عن الْعُمُومِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْخَارِجُ على جِهَةِ الْمَدْحِ أو الذَّمِّ نَحْوُ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ وَالْمُرَادُ مَدْحُ قَوْمٍ وَذَمُّ آخَرِينَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذِكْرُ النِّسَاءِ وَمِلْكُ الْيَمِينِ وَنَحْوُ ذلك فَفِي التَّعَلُّقِ بِعُمُومِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا مُنِعَ التَّمَسُّكُ بِآيَةِ الزَّكَاةِ في وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ لم يَقَعْ مَقْصُودًا له وَرُبَّمَا نَقَلُوا عنه أَنَّهُ قال الْكَلَامُ مُفَصَّلٌ في مَقْصُودِهِ وَمُجَمِّلٌ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن الْقَاشَانِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ فقال لَا يُحْكَمُ الْعُمُومُ بِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ الْعَامِّ وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ على ما حُكِمَ فيه ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا عَدَاهُ مِمَّا هو دَاخِلٌ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا لِلْعُمُومِ وَأَطَالَ في الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ قال فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في قَلِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَثِيرِهِمَا بَلْ مَقْصُودُ الْآيَةِ الْوَعِيدُ لِتَارِكِ الزَّكَاةِ وَكَذَا لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ في بَيَانِ ما يَحِلُّ منها وما لَا يَحِلُّ وَلَكِنْ فيها بَيَانُ أَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ عنهما ثُمَّ إذَا اُحْتِيجَ إلَى تَفْصِيلِ ما لَا يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ أو بِمِلْكِ الْيَمِينِ صُيِّرَ فيه إلَى ما قُصِدَ تَفْصِيلُهُ مِثْلُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَنَحْوُهُ قال وَمَنْ ضَبَطَ هذا الْبَابَ أَفَادَهُ عِلْمًا كَثِيرًا وَاسْتَرَاحَ من لَا يُرَتِّبُ الْخِطَابَ على وَجْهِهِ وَلَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ انْتَهَى وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ ما يَحْرُمُ من النِّكَاحِ وَعِبَارَتُهُ قُلْنَا الْآيَةُ إذَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ فَإِنَّمَا يُوجَبُ التَّعْمِيمُ في مَحَلِّ الْمَقْصُودِ فَأَمَّا في مَحَلِّ غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَالْغَرَضِ بِالْخِطَابِ فَلَا يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ بَلْ يُعْرَضُ عنه صَفْحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الْآيَةَ ا هـ وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَامٌّ وَلَا تَنَافِيَ بين قَصْدِ الْعُمُومِ وَالذَّمِّ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّهُ الظَّاهِرُ من الْمَذْهَبِ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ قال وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ من أَئِمَّتِنَا وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الشَّافِعِيَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ صِحَّةُ ادِّعَاءِ الْعُمُومِ فيه حتى لَا يُعَارِضَهُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ عليه أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَنَقَلَهُ ابن الْقَطَّانِ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَخَطَّأَ مُخَالِفَهُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقد جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَجْهَ الْمَنْعِ من الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ قلت وَلِلشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ ما يَدُلُّ عليه فإنه ذَهَبَ فيه إلَى أَنَّ النَّوْمَ في الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا قال فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ وما خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ يُنْفَى عنه إبْطَالُ الْعِبَادَةِ وَاحْتَجَّ في الْجَدِيدِ على أَصْحَابِ مَالِكٍ في أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَبْقَى إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ من حديث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ صلى الْمَغْرِبَ في الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وفي الثَّانِي عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ثُمَّ قال ما بين هَذَيْنِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهَذَا نَصٌّ في مُسَاوَاتِهَا في الْوَقْتِ بِغَيْرِهَا فقال الْمُعْتَرِضُ يُحْمَلُ على أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فَقِيلَ له لم يَقْصِدْ ذلك وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْلِيمَ أَوَائِلِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ وَآخِرِهَا لَكِنْ نَصَّ في مَوْضِعٍ آخَرَ على مُوَافَقَةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فإن الْحَنَفِيَّةَ احْتَجُّوا على أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْوَلُ من وَقْتِ الْعَصْرِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ أَجْرًا قالوا وَهَذَا يَدُلُّ على سَعَةِ الْوَقْتِ فقال لهم لم يُقْصَدْ بِالْخَبَرِ ذلك لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا تَدُلُّ على ما ذَكَرْتُمْ فَمُنِعَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَكَذَا يُمْنَعُ تَمَسُّكُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْخَضْرَاوَاتِ وقال إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ لَا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ فيه لَكِنْ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَإِنَّمَا لم يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ هُنَا لِمُعَارِضٍ آخَرَ لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِغَيْرِهِ هذا كُلُّهُ إذَا لم يُعَارِضْهُ عُمُومٌ آخَرُ لم يُقْصَدْ بِهِ الْمَدْحُ أو الذَّمُّ فَإِنْ عَارَضَهُ فَلَا خِلَافَ على الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ الذي لم يَسْبِقْ لِذَلِكَ فَيَجْرِي على عُمُومِهِ وَيُقْصَرُ ما سِيقَ لِلْمَدْحِ أو الذَّمِّ عَلَيْهِمَا هَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ لَكِنْ حَكَى أبو عبد اللَّهِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ يُوقَفُ هَذَانِ الْعَامَّانِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَالُ كَالْمُتَعَارَضِينَ وهو الْقِيَاسُ وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ دُونَ الْعَدَدِ مع قَوْله تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فإنه سِيقَ لِلْعَدَدِ وهو يَعُمُّ الْأُخْتَ وَغَيْرَهَا فَيُقْضَى بِتِلْكَ لِأَنَّهَا مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ وَكَذَا يُقْضَى بها على أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ مع قَوْلِهِ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَالْأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ فَقُدِّمَ على ما سِيَاقُهَا لِلْمَدْحِ وَكَذَا قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إذَا قَدَّرْنَا دُخُولَ الشَّعْرِ فيها قُدِّمَ على قَوْلِهِ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِمَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أو الذَّمِّ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ في كل ما سِيقَ لِغَرَضٍ كما سَبَقَ من نَحْوِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَغَيْرِهِ المسألة الثانية وروده على سبب خاص فتقول لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما جاء من الشارع ابتداء كقوله مفتاح الصلاة الطهور فأما ما ذكره جوابا لسؤال فأطلق جماعة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بلا خلاف ولا بد في ذلك من تفصيل وهو أن الخطاب إما أن يكون جوابا لسؤال سائل أم لا فإن كان جوابا فإما أن يستقل بنفسه أو لا فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فلا خلاف في أنه تابع للسؤال في عمومه وخصوصه حتى كأن السؤال معاد فيه فإن كان السؤال عاما فعام أو خاصا فخاص مثال خصوص السؤال قوله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم وقوله في الحديث أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذن وكقول القائل وطئت في نهار رمضان عامدا فيقول عليك الكفارة فيجب قصر الحكم على السائل ولا يعم غيره إلا بدليل من خارج على أنه عام في المكلفين أو في كل من كان بصفته ومثال عمومه ما لو سئل عمن جامع امرأته في نهار رمضان فقال يعتق رقبة فهذا عام في كل واطئ في رمضان وقوله يعتق وإن كان خاصا بالواحد لكنه لما كان جوابا عمن جامع امرأته بلفظ يعم كل من جامع كان الجواب كذلك وصار السؤال معادا في الجواب واختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله حمل هذا الحكم على العموم فقيل لأنه لما لم يستفصل بأي شيء أفطرت دل على أن الحكم باختلاف ما يقع به الفطر وضعف باحتمال علمه بالحال فأجاب على ما علم وقيل لما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل وجوب العتق بوجود الفطر لأن السبب في الحكم تعليل وهذا موجود في غير السائل وهذا أصح وقيل من قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة قال الغزالي وهذا يشترط فيه أن يكون حال غير المحكوم عليه كحاله وكل وصف مؤثر للحكم وجعل القاضي في التقريب من هذا الضرب قوله أنتوضأ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه فقال لأن الضمير لا بد له من تعلق بمذكور قبله ولا يحسن أن يبتدأ به وفيه نظر لأن هذا ضمير الشأن ومن شأنه صدر الكلام وإن لم يتعلق بما قبله وقد رجع القاضي في موضع آخر فجعله من القسم الثاني وهو الصواب وبه صرح ابن برهان وغيره وإن استقل الجواب بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان كلاما تاما مفيدا للعموم فهو على ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكون أخص أو مساويا أو أعم الأول أن يكون مساويا له لا يزيد عليه ولا ينقص كما لو سئل عن ماء بضاعة وماء البحر فقال لا ينجسه شيء فيجب حمله على ظاهره بلا خلاف كما قاله ابن فورك والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وابن القشيري وغيرهم وكذا قال أبو الحسين في المعتمد لا شك في كونه مقصودا فيه ولا يجوز خروج شيء من السؤال عن الجواب إلا بدليل ومثل القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية هذا القسم بحديث المجامع في نهار رمضان قال والظاهر تعلق الحكم الذي هو الإعتاق بالوقوع المذكور تعلق الحكم بالعلة لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره فيعم كل من وجد فيه ذلك قال ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي عليه السلام وعليه جبة مضمخ بالخلوق فقال وعلى هذه الجبة فقال أحرمت انزع الجبة واغسل الصفرة ولم يأمره بالفدية فدل على أن الفدية غير واجبة والسبب علق الحكم بمثله وظاهر كلام الأستاذ أبي منصور جريان الخلاف إلا في هذا القسم أيضا وقال ابن الصباغ في العدة ذكر القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية أن المخاطب بذلك يكون أصلا وكل من فعل فعلا مثله يكون فرعا له بعلة تعدت إليه كما كان الأرز فرعا للبر في إثبات الربا فيه قال وهذا فيه نظر لأن خطابه صلى الله عليه وسلم لواحد خطاب للجماعة بالإجماع ولو كان غيره فرعا له لكان هو أيضا فرعا لنفسه وهو محال الثاني أن يكون الجواب أخص من السؤال مثل أن يسأل عن أحكام المياه فيقول ماء البحر طهور فيخص الجواب بالبعض ولا يعم بعموم السؤال بلا خلاف قاله الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وغيرهما لكن كلام الأستاذ أبي إسحاق يقتضي جريان الخلاف فيه قال ابن القشيري ولا يجوز أن يصدر مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا علم أن الحاجة إنما تمس إلى بيان ما خصصه بالذكر أما إذا علم أن الحاجة عامة في بيان جملة المياه فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولهذا قال المازري إن قيل هل يجوز أن لا يطابق النبي صلى الله عليه وسلم السؤال بزيادة أو نقص قلنا أما الزيادة فنعم كقوله الحل ميتته وقد سئل عن الماء وأما النقصان فإن مست الحاجة إلى بيان جميعه ولم يكن في المذكور تنبيه على المسكوت عنه لم يجز وإن كان فيه تنبيه يعلم به السامع حكم المسكوت عنه قبل فوت الحادثة فإن ذلك لا يسوغ فإن لم تمس الحاجة إليه فعلى الخلاف في تأخير البيان وقال القاضي أبو بكر وابن فورك وصاحب المعتمد وغيرهم هذا لا يجوز إلا بثلاثة شروط أن ينبه في الجواب على حكم غيره وأن يكون السائل مجتهدا وإلا لم يفد التنبيه ولعلهم أرادوا بالمجتهد من له قوة التنبه وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد وأن يبقى من زمن العمل وقت متسع للاجتهاد فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما سأله وينبهه بذلك على جواز البعض الآخر بطريق من طرق العلة كقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت وقوله للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أينفعه ذلك قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى قال وحكمه حينئذ كحكم السؤال لكن لا يسمى عاما لدلالة التنبيه ومتى انتفى شرط من الثلاثة لا يجوز أن يجيب المسئول فيها عن البعض للإخلال بما يجب بيانه ومثل القاضي في شرح الكفاية هذا القسم بما لو سئل عن قتل النساء الكوافر فقال اقتلوا المرتدات قال فيختص القتل بهن ولا تقتل الحربيات لأجل دليل الخطاب ولأن عدوله عن الجواب العام إلى الخاص دليل على قصد المخالفة قال ولهذا قال أصحابنا في حديث جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا علق على اسم الأرض كونها مسجدا وعلق على تربتها كونه طهورا فدل على قصد المخالفة بين المسجد والطهورية خلاف قول الحنفية إن الأرض كلها مسجد وطهور ومنه احتجاج أصحابنا بقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم إلى قوله حتى يضعن حملهن فأوجب السكنى مطلقا والنفقة بشرط الحمل فدل على قصد المخالفة بينهما وأن المبتوتة الحائل لا نفقة لها ومثل الأستاذ أبو إسحاق هذا القسم بقول السائل هلكت وأهلكت فقال اعتق رقبة فأجاب بما يلزمه ولم يتعرض لحكم الموطوءة قال فمن أسقط السبب واعتبر اللفظ جعله ظاهرا فيها وطلب دلالة في حكمها الثالث أن يكون الجواب أعم من السؤال فيتناول ما سئل عنه وعن غيره فهو قسمان أحدهما أن يكون أعم منه في حكم آخر غير ما سئل عنه كسؤالهم عن التوضؤ بماء البحر وجوابه بقوله هو الطهور ماؤه الحل ميتته فلا خلاف أنه عام لا يختص بالسائل ولا بمحل السؤال من ضرورتهم إلى الماء وعطشهم بل يعم حال الضرورة والاختيار قاله أبو بكر بن فورك وصاحب المعتمد والمحصول لكن صرح القاضي أبو الطيب وابن برهان بجريان الخلاف الآتي في هذا القسم وجعل الأستاذ أبو إسحاق هذا الحديث من قسم المساوي وفيه نظر الثاني أن يكون أعم منه في ذلك الحكم الذي سأل عنه كقوله وقد سئل عن بئر بضاعة الماء طهور لا ينجسه شيء وعمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا الخراج بالضمان وفيه مذاهب أحدها وبه قال بعض أصحابنا ونسبه المتأخرون للشافعي أنه يجب قصره على ما أخرج عليه السؤال ونسبه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وسليم الرازي وابن برهان وابن السمعاني إلى المزني وأبي ثور والقفال والدقاق وفي نسبة ذلك للقفال نظر وهو ظاهر كلام الخفاف في الخصال فإنه جعل من المخصصات خروج الكلام على معهود متقدم ونسبه الأستاذ أبو منصور إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري قال وعليه يدور كلامه في كثير من الآيات يقتصر بها على أسبابها التي ترتب فيها ويجعلها تفسيرا لها ودلالة على المراد باللفظ ونسبه القاضي عبد الوهاب والباجي لأبي الفرج من أصحابهم ونسبه الإمام في البرهان لأبي حنيفة وقال إنه الذي صح عندنا من مذهب الشافعي وكذا قال الغزالي في المنخول وتبعه في المحصول والذي في كتب الحنفية وصح عن الشافعي خلافه كما سيأتي نقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان وابن السمعاني عن مالك قال الماوردي ولهذا لو قذف زوجته ثم وطئها لم يلاعن عنده ويجعل الوطء تكذيبا له لأن آية اللعان وردت في العجلاني على سبب خاص وهو قوله رأيت بعيني وسمعت بأذني وما قربتها منذ سمعت وقصد بذلك أنه ترك إصابتها مدة طويلة واقتضى أن يكون ترك إصابتها شرطا في جواز لعانها والثاني أنه يجب حمله على العموم لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه إلى العام دليل على إرادة العموم ولأن الحجة في اللفظ وهو مقتضى العموم ووروده على السبب لا يصلح معارضا لجواز أن يكون المقصود عند ورود السبب بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها وهذا مذهب الشافعي كما قاله الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان في الأوسط وذكر ابن السمعاني في القواطع أن عامة الأصحاب يسنده إلى الشافعي واختاره أبو بكر الصيرفي وابن القطان وقال الأستاذ أبو إسحاق وابن القشيري وإلكيا الطبري والغزالي إنه الصحيح وبه جزم القفال الشاشي في كتابه فقال والأصل أن العموم له حكم إلا أن يخصه دليل والدليل قد يختلف فإن كان في الحال دلالة يعقل بها المخاطب أن جوابه العام يقتصر به على ما أجيب عنه أو على جنسه فذاك وإلا فهو عام في جميع ما يقع عليه عمومه ثم قال والأصل في ذلك أن الأحكام لا يخلو أكثرها عن سبب وأمر يحدث ولا ينظر إلى ذلك وإنما النظر إلى الحكم كيف مورده فإن ورد عاما لم يخص إلا بدليل وإن ورد مطلقا لم يقيد إلا بدليل لأن الأسباب متقدمة والأحكام بعدها فقد ينظمها مع تقدمها كما أن الأحكام لا يخلو أكثرها من أن يقضى به على غير أولها أو فمها وليس في ذلك ما يوجب الاقتصار بالخطاب على العين هذا كلامه وقال القاضي ابن كج في كتابه في الأصول ذهب عامة أصحابنا إلى أن الحكم للفظ وبه قال أبو حنيفة وهو مذهب الشافعي قال نصا والأسباب لا تصنع شيئا وإنما الحكم للألفاظ وقال قوم من أصحابنا إن الحكم للسبب وادعوا أن ذلك مذهب الشافعي لأنه قال في قوله إنما الربا في النسيئة إنه خرج عن سؤال السائل لأنه سأل عن الربا في الجنس انتهى وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا والحنفية وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية وحكاه الباجي عن أكثر المالكية والعراقيين إسماعيل القاضي والقاضي أبي بكر وابن خويز منداد وغيرهم وقال إنه الصحيح عندي انتهى وقال القاضي في التقريب إنه الصحيح لأن الحكم يتعلق بلفظ الرسول دون ما وقع عليه السؤال ولو قال ابتداء لوجب حمله على العموم فكذلك إذا صدر جوابا وقال الباجي روي عن مالك المذهبان وقال القاضي أبو بكر روي عن الشافعي المذهبان لأنه جعل الخراج بالضمان عاما وحمله على جميع المبيعات ولم يخصه بمال وهو العبد وقال في موضع آخر إن قوله إنما الربا في النسيئة يحتمل أن يكون خارجا عن سؤال سائل فيجب قصره عليه انتهى مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في جَوَابٍ يَكُونُ أَعَمَّ من السُّؤَالِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ وَفُرُوعُ مَذْهَبِهِ تَدُلُّ عليه وقد نَصَّ في الْأُمِّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ على أَنَّ الْعَمَلَ لِلْأَلْفَاظِ وَلَا تَعْمَلُ الْأَسْبَابُ شيئا لِأَنَّ السَّبَبَ قد يَكُونُ وَيَحْدُثُ الْكَلَامُ على غَيْرِ السَّبَبِ وَلَا يَكُونُ مُبْتَدَأُ الْكَلَامِ الذي حَكَمَ وَخَدَشَ بَعْضُهُمْ في هذا فإن الشَّافِعِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ ذلك في مَعْرِضِ أَنَّ الْغَضَبَ وَغَيْرَهُ من الْأَسْبَابِ التي يَرِدُ عليها الطَّلَاقُ لَا يَدْفَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَنَحْنُ نَقُولُ بَلْ الْعِبْرَةُ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَقَوْلُهُ لَا عَمَلَ لِلْأَسْبَابِ على عُمُومِهِ وَلَا يَخُصُّهُ سِيَاقُهُ وقال في الْأُمِّ في بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا لِلْأَغْنِيَاءِ ما نَصُّهُ وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حين أَحَلَّهَا لم يذكر أنها تَحِلُّ لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ كما قال تَحِلُّ لَك وَلِمَنْ كان مِثْلَك كما قال في التَّضْحِيَةِ بِالْجَذَعَةِ تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي عن أَحَدٍ بَعْدَك وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ فلم يُرَخِّصْ فيها إلَّا لِلْمُضْطَرِّ وَكَثِيرٌ من الْفَرَائِضِ نَزَلَ بِأَسْبَابِ قَوْمٍ وكان لهم وَلِلنَّاسِ عَامَّةً إلَّا ما بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً أو حَاجَةً انْتَهَى وقد نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عنه عِنْدَ الْكَلَامِ في أَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ لَا تَجْعَلَ الْكِنَايَةَ صَرِيحًا أَنَّهُ إذَا كان لَفْظُهُ عَامًّا لم أَعْتَبِرْ خُصُوصَ السَّبَبِ وَإِنْ كان خَاصًّا لم أَعْتَبِرْ عُمُومَ السَّبَبِ وقال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ لو مَنَّ عليه بِمَالٍ فقال وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً من عَطَشٍ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ على الْمَاءِ وَحْدَهُ وقال مَالِكٌ بِكُلِّ ما يَنْتَفِعُ بِهِ من مَالِهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ وَبِهِ أَعْتُبِرَ عُمُومُهُ وَإِنْ كان السَّبَبُ خَاصًّا وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كان السَّبَبُ عَامًّا وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ وقد أَنْكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ على من نَقَلَ عنه الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وقال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَصِحَّ هذا النَّقْلُ عنه كَيْفَ وَكَثِيرٌ من الْآيَاتِ نَزَلَ في أَسْبَابِ خَاصَّةٍ ثُمَّ لم يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ على تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالسَّبَبُ في وُقُوعِ هذا النَّقْلِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يقول بِأَنَّ دَلَالَتَهُ على سَبَبِهِ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ السُّؤَالُ عن تِلْكَ الصُّورَةِ لم يَجُزْ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ جَوَابًا عنه وَلَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وأبو حَنِيفَةَ عَكَسَ ذلك وقال دَلَالَتُهُ على سَبَبٍ على النُّزُولِ أَضْعَفُ وَحُكِمَ بِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُ أَمَتِهِ وَإِنْ وَطِئَهَا ما لم يُقِرَّ بِالْوَلَدِ مع أَنَّ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ إنَّمَا وَرَدَ في أَمَةٍ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ في عبد ابْنِ زَمْعَةَ فَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ في الرَّدِّ على من يُجَوِّزُ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَأَطْنَبَ في أَنَّ الدَّلَالَةَ عليه قَطْعِيَّةٌ كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عليه بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ فَتَوَهَّمَ الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ يقول إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ قلت وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَاسْتَدَلَّ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول بِخُصُوصِ السَّبَبِ بِأَنَّهُ لم يَجْعَلْ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا الْآيَةَ قَاصِرًا لِلْمُحَرَّمَاتِ في هذه الْأَشْيَاءِ قال لِوُرُودِ الْآيَةِ في الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يُحِلُّونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَيَتَحَرَّجُونَ عن كَثِيرٍ من مُبَاحَاتِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ سَجِيَّتُهُمْ تُخَالِفُ وَضْعَ الشَّرْعِ وَتُضَادُّهُ وكان الْغَرَضُ منه إبَانَةَ كَوْنِهِمْ على مُضَادَّةِ الْحَقِّ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قال لَا حَرَامَ إلَّا ما حَلَّلْتُمُوهُ وَالْقَصْدُ الرَّدُّ عليهم فَقَطْ قال وَلَوْلَا سَبْقُ الشَّافِعِيِّ إلَى ذلك ما كان يَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ تِلْكَ في مَصِيرِهِ إلَى حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى في هذه الْآيَاتِ انْتَهَى وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مَوَاضِعَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يُؤْخَذُ منها ذلك منها أَنَّهُ قال في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ خَرَجَ على سَبَبٍ وهو بِئْرُ بُضَاعَةَ فَقَصَرَهُ على سَبَبِهِ وقال في اخْتِلَافِ الحديث أَمَّا حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ فإن بِئْرَ بُضَاعَةَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَاسِعَةٌ كان يُطْرَحُ فيها من الْأَنْجَاسِ ما لَا يُغَيِّرُ لها لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا فَقِيلَ أَنَتَوَضَّأُ منها وَيُطْرَحُ فيها كَذَا فقال عليه السَّلَامُ مُجِيبًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وكان جَوَابُهُ مُحْتَمِلًا كُلَّ مَاءٍ وَإِنْ قَلَّ وَبَيَّنَّا أَنَّ في الْمَاءِ مِثْلَهَا إذَا كان مُجِيبًا عليها فَلِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبي عليه السَّلَامُ أَنْ يُغْسَلَ الْإِنَاءُ من وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا دَلَّ على أَنَّ جَوَابَهُ في بِئْرِ بُضَاعَةَ عليها وكان الْعِلْمُ أَنَّهُ على مِثْلِهَا أو أَكْثَرِ منها وَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحْدَهُ على أَنَّ ما دُونَهَا من الْمَاءِ لَا يُنَجَّسُ وَكَانَتْ آنِيَةُ الناس صِغَارًا وكان في حديث الْوُلُوغِ دَلِيلٌ على أَنَّ قَدْرَ مَاءِ الْإِنَاءِ يُنَجَّسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ له وَإِنْ لم يُغَيَّرْ انْتَهَى وقال في قَوْلِهِ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ إنَّهُ خَرَجَ على سُؤَالِ سَائِلٍ فَقَصَرَهُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ إنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَجُعِلَ قَوْلُهُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ فَقَدْ قَصَرَهُ على سَبَبِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ خَصَّصَ النَّهْيَ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِالْحَرْبِيَّاتِ لِخُرُوجِهِ على سَبَبٍ وهو أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فقال لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ وَنَهَى عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرْبِيَّاتِ وَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ عن اسْتِدْلَالِ أبي حَنِيفَةَ بِهِ على مَنْعِ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ فَقَدْ أَلْغَى الشَّافِعِيُّ التَّعْمِيمَ وَقَصَرَهُ على السَّبَبِ وَمِنْهَا قال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أَفْضَلُ من الْفِطْرِ لِأَنَّ الْفِطْرَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليس من الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ فَهَذَا وُرُودٌ على سَبَبٍ وهو أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرَّ بِرَجُلٍ وقد أَحْدَقَ بِهِ الناس فَسَأَلَ عنه فَقِيلَ مُسَافِرٌ قد أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فقال ليس من الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ وَعِنْدَنَا أَنَّ من أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فَفِطْرُهُ أَوْلَى ا هـ قُلْت وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْبَغِي السَّبَقُ بِهِ إلَى نِسْبَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ أَمَّا ما ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَلَيْسَ ذلك مُصَيِّرًا إلَى اعْتِبَارِ السَّبَبِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لم يَأْخُذْ التَّخْصِيصَ هُنَا من السَّبَبِ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ من التَّأْوِيلِ في اللَّفْظِ وَلَهُ مَحَامِلُ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَى الْآيَةِ التي تَمَسَّكَ بها مَالِكٌ وَلَوْلَا فَتْحُ هذا الْبَابِ لَكَانَتْ الْآيَةُ نَصًّا في الْحَصْرِ وَهِيَ من أَوَاخِرِ ما نَزَلَ من الْقُرْآنِ وَلَا نَسْخَ فيها وَيَدُلُّ على ذلك إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ على تَحْرِيمِ الْحَشَرَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْعُذُرَاتِ ولم تَنْطَوِ الْآيَةُ عليها وَكَيْفَ تَجْرِي الْآيَةُ مع هذا على الْعُمُومِ وَالثَّانِي أَنَّ النِّزَاعَ في هذه الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُصْرَفُ إلَى السَّبَبِ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَصَرَ الْآيَةَ على سَبَبِهَا لَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٍ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَذَكَرَ الْآيَةَ الْأُخْرَى على جَمْعِ الْخَبَائِثِ فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بين الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا بِأَنْ قَصَرَ آيَةَ الْإِبْهَامِ على سَبَبِهَا وقد أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ذلك في الرِّسَالَةِ وهو أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وإنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ فَإِنَّمَا فَعَلَ ذلك كما قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ رَأَى الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فلم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهَا على ظَاهِرِهَا فَحَمَلَهَا على السَّبَبِ لِلتَّعَارُضِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدِّبَاغِ فلم يَقْصُرْ الْحُكْمَ على السَّبَبِ وَإِلَّا لَقَصَرَهُ على خُصُوصِ الشَّاةِ بَلْ سَائِرُ جِلْدِ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا أُخْرِجَ جِلْدُ الْكَلْبِ عن الْعَامِّ بِدَلِيلٍ وَكَذَا مَسْأَلَةُ الْقَطْعِ وَأَمَّا ما قَالَهُ في النَّهْيِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فإنه إنَّمَا قَصَرَهُ على سَبَبِهِ لَمَّا عَارَضَهُ قَوْلُهُ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ولم يَكُنْ بِهِ من تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ على سَبَبِهِ وَحُمِلَ الْآخَرُ على عُمُومِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ من أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَأَمَّا ما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ حَدِيثُ ليس من الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ السَّبَبَ لِقَصْدِ الْجَمْعِ بين الْأَحَادِيثِ كَنَظِيرِ ما سَبَقَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ كَيْفَ وقد نَصَّ في كِتَابِ اللِّعَانِ على أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ في إقَامَةِ الدَّلِيلِ عليه وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ قَصَرَهُ أَصْحَابُنَا على سَبَبِهِ وهو فيه عَبْدٌ بِيعَ فَظَهَرَ فيه عَيْبٌ فَجَهِلَ لِمُشْتَرِيهِ خَرَاجُهُ لِضَمَانِهِ إيَّاهُ لو تَلِفَ قال فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا ذلك حُكْمًا في الْبُيُوعِ دُونَ الْغُصُوبِ وَإِنْ كانت الْغُصُوبُ مَضْمُونَةً وقد خَالَفَهُمْ في ذلك غَيْرُهُمْ ا هـ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ الْغَاصِبُ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ في خَرَاجِ الْمِلْكِ فإنه وَرَدَ في الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ ثُمَّ اطَّلَعَ على عَيْبٍ فَأَرَادَ الرَّدَّ ا هـ هذا من الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هذا الحديث بِلَفْظِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فيه إذْ لَا عُمُومَ لِمِثْلِ هذه الصِّيغَةِ على الْأَصَحِّ كما فِيمَنْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ قُلْت لَكِنْ رَوَاهُ أبو دَاوُد عن عَائِشَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَهَذِهِ صِيغَةٌ عَامَّةٌ ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ قال في الْبُوَيْطِيِّ وَالْحُجَّةُ في أَنَّ على الْغَاصِبِ غَلَّةُ ما اغْتَصَبَهُ وَإِنْ لم يَسْكُنْ الدَّارَ ولم يَرْكَبْ الدَّابَّةَ حَدِيثُ مُجَالِدِ بن خَلَّافٍ حين قال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَإِنَّمَا ذلك في عَبْدٍ وَلَيْسَ بِعَيْبِهِ فَقَضَى النبي عليه السَّلَامُ بِالْغَلَّةِ لِمَالِك الرَّقَبَةِ فَذَلِكَ يَقْضِي بِالْغَلَّةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وهو الْمَغْصُوبُ منه لِأَنَّهُ مَالِكُ الشَّيْءِ ا هـ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وقد قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ قِيلَ إنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ في بِئْرِ بُضَاعَةَ وقال في قَوْلِهِ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَقْصُودٌ على سَبَبِهِ وقال في قَوْلِهِ لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ أَنَّهُ خَرَجَ على عَادَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ في ثِمَارِهِمْ وَأَنَّهَا لم تَكُنْ في مَوَاضِعَ مُحَوَّطَةٍ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ قالوا إنَّمَا قال الشَّافِعِيُّ هذا لِأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عليه فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ على التَّخْصِيصِ فَمَذْهَبُهُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ على عُمُومِهِ ا هـ وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في أُصُولِهِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَيْضًا كُلُّ خِطَابٍ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ مَعْنًى فَإِنْ كان في الْخِطَابِ أو غَيْرِهِ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ في الْمَعْنَى فَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كان أَعَمَّ من الِاسْمِ أو أَخَصَّ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ على اعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَإِنْ لم تَقُمْ دَلَالَةٌ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حتى يَقُومَ الدَّلِيلُ على خِلَافِهِ انْتَهَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْقَصْرَ على السَّبَبِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ كما فَعَلَ في الْآيَةِ وفي حديث الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَبِئْرِ بُضَاعَةَ وَغَيْرِهَا وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن أَصْحَابِنَا وَلَا يَلْزَمُ من الْقَصْرِ على السَّبَبِ لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا فَمِنْ هَاهُنَا مَثَارُ الْغَلَطِ على الشَّافِعِيِّ فَقَدْ عَمِلُوا بِحَدِيثِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ مُطْلَقًا في الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ وَالْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ مع أَنَّهُ وَرَدَ في التَّدَاعِي في وَلَدِ الْمَمْلُوكَةِ وَعَمِلُوا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا مُطْلَقًا لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ مع أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ في الْفُقَرَاءِ وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّمَلِ ثَبَتَتْ مُطْلَقًا وَإِنْ وَرَدَ على سَبَبٍ خَاصٍّ وقد زَالَ وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ على أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْصُرُهُ عَدُوٌّ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ سَوَاءٌ كان الْمَانِعُ مُسْلِمًا أو كَافِرًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَإِنْ كانت قد وَرَدَتْ على سَبَبٍ خَاصٍّ وهو صَدُّ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الْبَيْتِ أو يُقَالُ إنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ على سَبَبٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ مَقْصُودًا بِهِ حَقِيقَةُ السَّبَبِ وَمُؤَثِّرًا في دَفْعِهِ وَإِمَّا أَنْ يَرِدَ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ وَالْأَوَّلُ هو مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَمْلِ على الْخُصُوصِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فيه خِلَافٌ وَالثَّانِي هو الْمُرَادُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيَّ لَمَّا جَزَمَ الْقَوْلَ بِالْحُكْمِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ قال يَعُمُّ الْعَامُّ الذي لم يَرِدْ على سَبَبٍ أَقْوَى وَهَذَا دُونَهُ قال وَلَا جُرْمَ قال الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةَ لَا نَرَى دَلَالَتَهُ على حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا رَآهُ مَالِكٌ فإنه نَزَلَ على سَبَبٍ وهو عَادَةُ الْعَرَبِ في تَنَاوُلِ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَا مُحَرَّمَ مِمَّا يَأْكُلُونَ إلَّا كَذَا وَكَذَا يَعُمُّ قد بَانَ الشَّرْعُ بِصِيغَةٍ في تَمْهِيدِ قَاعِدَةٍ ثُمَّ يُجْعَلُ مَحَلُّ السُّؤَالِ كَالْفَرْعِ له أو كَالْمِثَالِ فَذَلِكَ لَا يُوهِنُ التَّعَلُّقَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ثُمَّ قال فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ الحديث وَمَحَلُّ السُّؤَالِ الْهِجْرَةُ وَلَكِنْ اللَّفْظُ لَا يَتَأَثَّرُ وَلَا يَنْحَطُّ عن غَيْرِهِ على ما قَالَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ بَحْثٌ ا هـ وَيَجْتَمِعُ مِمَّا سَبَقَ في الْمَنْسُوبِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ طُرُقٍ أَحَدُهَا حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ له وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالثَّانِيَةُ تَنْزِيلُهُمَا على حَالَيْنِ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ التي ذَكَرْتُهَا أَخِيرًا وَالثَّالِثَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّابِعَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَهِيَ الْمَشْهُورُ الْخَامِسَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِيمَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على الْقَصْرِ على السَّبَبِ وَهِيَ في الْحَقِيقَةِ مُنَقِّحَةٌ لِلرَّابِعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا إذَا كان الْجَوَابُ أَعَمُّ من السُّؤَالِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ الْوَقْفُ فإنه يَحْتَمِلُ الْبَعْضَ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ سُؤَالَ سَائِلٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ فَلَا حَكَاهُ عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ وَالْخَامِسُ إنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ قَصَرَ ذلك على سَبَبِهِ وَإِنْ لم يُعَارِضْهُ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هذا هو الصَّحِيحُ قال وَلِذَلِكَ قَصَرْنَا نَهْيَهُ عليه السَّلَامُ عن قَتْلِ النِّسَاءِ على الْحَرْبِيَّاتِ دُونَ الْمُرْتَدَّاتِ لِمُعَارَضَتِهِ قَوْلَهُ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وقد يُقَالُ هذا عَيْنُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي لِأَنَّ الْمُعَمِّمِينَ شَرَطُوا عَدَمَ الْمُعَارِضِ الْخِطَابُ الْوَارِدُ على سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ هذا كُلُّهُ في الْخِطَابِ الْخَارِجِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ وَرَدَ على سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ فقال الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ يَجْرِي فيه الْخِلَافُ كَقَوْلِهِ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يَرِدَ في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَالسَّبَبُ رَجُلٌ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ فَالْإِتْيَانُ بِالسَّارِقَةِ معه قَرِينَةٌ تَدُلُّ على عَدَمِ الِاقْتِصَارِ على الْمَعْهُودِ وَكَذَلِكَ عن الْإِفْرَادِ إلَى الْجَمْعِ كما في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا فَإِنَّهَا نَزَلَتْ في عُثْمَانَ بن طَلْحَةَ أَخَذَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَتَغَيَّبَ بِهِ وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقِيلَ إنَّ عَلِيًّا أَخَذَهُ منه وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَنَزَلَتْ فَأَعْطَاهُ النبي إيَّاهُ وقال خُذُوهَا يا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً فِيكُمْ أَبَدًا لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ فَقَوْلُهُ الْأَمَانَاتِ قَرِينَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالتَّعْمِيمِ وَإِنْ لم يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أو لَا فَإِنْ كان فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ الْحَمْلُ على الْمَعْهُودِ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ من نَفْسِ الشَّارِعِ قَصْدُ تَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ فَيَكُونُ دَلِيلًا على الْعُمُومِ وَإِنْ كان الْعُمُومُ لَفْظًا آخَرَ غير الْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ هو مَحَلُّ الْخِلَافِ فَتَجْرِي فيه الْأَقْوَالُ السَّابِقَةُ وَيَزِيدُ هُنَا قَوْلٌ آخَرُ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ ذَكَرَ السَّبَبَ في كَلَامِهِ فَيَقْتَصِرُ عليه وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ إلَّا إذَا وُجِدَ فيه ذلك الْمَعْنَى أو يَلْحَقُ بِبَيَانِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ كَنَهْيِهِ عن ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ مع قَوْلِهِ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أَجْلِ الدَّافَّةِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ من غَيْرِهِ فَالِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا السَّبَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ فإنه على سَبَبِ الِاخْتِيَانِ ثُمَّ يَدْخُلُ فيه من اخْتَانَ وَمَنْ لم يَخْتَنْ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن فُورَكٍ وَنَسَبَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ لِأَبِي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ من أَصْحَابِنَا قال وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ سُقُوطَ قِيَامِ اللَّيْلِ مَخْصُوصٌ بِالْمَرَضِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال عِنْدَ تَخْفِيفِهِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى قال أبو الْحُسَيْنِ وَذَكَرَ كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَسْبَابَ على ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْبَابٌ تَقْتَضِي لِأَجْلِهَا الْحُكْمَ في الِابْتِدَاءِ فَيَدْخُلُ الْمُتَعَقِّبُ وَالِابْتِدَاءُ وَالثَّانِي لِأَجْلِهَا كان الْحُكْمُ وما يَرْتَفِعُ السَّبَبُ إلَّا يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُتَأَمَّلَ الْخِطَابُ فَإِنْ كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ عَامًّا عَمَّمْنَاهُ ولم يُرَاعَ السَّبَبُ وَإِنْ كانت الرُّخْصَةُ مَنُوطَةً بِالسَّبَبِ عَلَّقْنَاهُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى السَّبَبُ إلَى غَيْرِهِ وَعَلَى هذا تُحْمَلُ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ تُوجِبُ قَصْرَهُ على السَّبَبِ من الْعَادَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ ظَهَرَتْ وَجَبَ قَصْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وأبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَنَقَلَهُ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ كَقَوْلِهِ في جَوَابِ تَغَدَّ عِنْدِي وَاَللَّهِ لَا تَغَدَّيْت فَالْعَادَةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْغَدَاءِ عِنْدَهُ وَإِنْ كان مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ يَعْنِي فَلَا يَحْنَثُ إذَا تَغَدَّى عِنْدَ غَيْرِهِ وَكَمَا لو قِيلَ له كَلِّمْ زَيْدًا أو كُلْ هذا الطَّعَامَ فقال وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت وَلَا كَلَّمْت فإنه يُعْلَمُ أَنَّ قَصْدَهُ تَخْصِيصُ الْيَمِينِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ قال الْقَاضِي وَعِنْدَ هذه الْقَرِينَةِ لَا خِلَافَ في قَصْرِهِ على السَّبَبِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَيْثُ لم يُعْلَمْ قال وَالطَّرِيقُ إلَى هذه الْقَرِينَةِ في كَلَامِ اللَّهِ مُتَعَذِّرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا من جِهَةِ الرَّسُولِ أَنَّهُ مَقْصُورٌ على ما خَرَجَ عليه وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ بَعْدَ أَنْ صَحَّحَ عُمُومَ اللَّفْظِ هذا في الْمُطْلَقِ الذي لَا يَتَقَدَّمُ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ فَإِنْ عُلِمَ بِقَرِينَةِ حَالٍ إرَادَةُ الْخُصُوصِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كَلِّمْ زَيْدًا فَيُقَالُ وَاَللَّهِ لَا تَكَلَّمْت فَيُفْهَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ لَا تَكَلَّمْت معه فَلَا يُحْمَلُ في مِثْلِ هذا على التَّعْمِيمِ انْتَهَى وفي قَوْلِ الْقَاضِي لَا خِلَافَ في قَصْرِهِ على السَّبَبِ نَظَرٌ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ في لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً من عَطَشٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَلُبْسِ ثِيَابِهِ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الِاقْتِصَارُ على مَوْرِدِ الْيَمِينِ وهو الْمَاءُ خَاصَّةً وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ عن الْمُبْتَدِئِ لِلرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لو قِيلَ كَلِّمْ زَيْدًا فقال وَاَللَّهُ لَا كَلَّمْته انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ على الْأَبَدِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَوْمَ فَإِنْ كان ذلك في طَلَاقٍ وقال أَرَدْت الْيَوْمَ لم يُقْبَلْ في الْحُكْمِ وقال الْأَصْحَابُ فِيمَنْ دخل عليه صَدِيقُهُ فقال تَغَدَّ مَعِي فَامْتَنَعَ فقال إنْ لم تَتَغَذَّ مَعِي فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فلم يَفْعَلْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لو تَغَدَّى بَعْدَ ذلك معه وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ فَإِنْ نَوَى الْحَالَ فلم يَفْعَلْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وهو يُخَالِفُ قَوْلَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْجَوَابَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ وَالْعُرْفُ يَقْضِي بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ في حُكْمِهِ الذي لَا يَسْتَقِلُّ بِوَضْعِهِ فَيَكُونُ على حَسَبِ السُّؤَالِ وَرَأَى الْبَغَوِيّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ على الْحَالِ لِلْعَادَةِ وهو يُوَافِقُ قَوْلَ الْأُصُولِيِّينَ وَلَوْ دُعِيَ إلَى مَوْضِعٍ فيه مُنْكَرٌ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ في ذلك الْمَوْضِعِ فإن الْيَمِينَ تَسْتَمِرُّ وَإِنْ رُفِعَ الْمُنْكَرُ كما قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَالْعُنْوَانِ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لم يَقْتَضِ السِّيَاقُ التَّخْصِيصَ بِهِ فَإِنْ كان السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مُنْشَؤُهُمَا يَقْتَضِي ذلك فَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّخْصِيصِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّ السِّيَاقَ مُبَيِّنٌ لِلْمُجْمَلَاتِ مُرَجِّحٌ لِبَعْضِ الْمُحْتَمَلَاتِ وَمُؤَكِّدٌ لِلْوَاضِحَاتِ قال فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا وَلَا يُغْلَطْ فيه وَيَجِبُ اعْتِبَارُ ما دَلَّ عليه السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ مَقْصُودُ الْكَلَامِ وَصَرَّحَ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ بِأَنَّ ذلك بَحْثٌ وَكَلَامُ الْقَاضِي السَّابِقُ يَشْهَدُ له الثَّانِي قال الْمَازِرِيُّ لو خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ على الْخِلَافِ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ هل تَقْتَضِي الصِّيَغُ التي دَخَلَتْ عليها الْعُمُومَ أو تُحْمَلُ على الْعَهْدِ لَكَانَ لَائِقًا فَمَنْ يَقْصِرُ اللَّفْظَ على سَبَبِهِ يَجْعَلُهَا لِلْعَهْدِ وَمَنْ يُعَمِّمُهُ لَا يَفْعَلُ ذلك وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذلك الْخِلَافَ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ إلَى الْعَهْدِ وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ في هذه الْحَالَةِ هُمْ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ مع أَنَّ كَثِيرًا منهم يَقْصِرُونَهُ على السَّبَبِ وَعَلَى مُقْتَضَى ما قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَوْرَدَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ سُؤَالًا وهو أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بين قَوْلِ النُّحَاةِ إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهَا على الْعَهْدِ لَا تُحْمَلُ على الْعُمُومِ وَقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَنْحَصِرُ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ بَلْ له صِيَغٌ كَثِيرَةٌ فَإِنْ أَوْرَدَ ما إذَا كانت الصِّيغَةُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ قُلْنَا إرَادَةُ الْعُمُومِ قَرِينَةٌ دَلَّتْ على ذلك وقال بَعْضُهُمْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِلَفْظِهِ فَيَعُمُّ إلَّا إذَا كان في اللَّفْظِ ما يَمْنَعُ الْعُمُومَ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ وَهَذَا بِنَاءً على أَنَّ الْعَهْدَ هو الْأَصْلُ فيها وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْعُمُومِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ وَالْحَقُّ أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لم يَجْمَعُوا بين الْمَقَالَتَيْنِ ولم يُخَالِفُوا أَصْلَهُمْ بَلْ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعُمُومُ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ فَلِهَذَا لم يُقْصِرُوهُ على سَبَبِهِ وَعِنْدَ النُّحَاةِ الْأَصْلُ الْعَهْدُ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وقد سَبَقَ في الْكَلَامِ على الصِّيَغِ أَنَّ مُعْظَمَ الْأُصُولِيِّينَ على أنها لِلْعُمُومِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهَا إلَى الْعَهْدِ وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فيه ابن مَالِكٍ وَأَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ نَقَلَهُ عن سِيبَوَيْهِ لَكِنْ في نِسْبَتِهِ لِجَمِيعِ النَّجَاةِ نَظَرٌ فَقَدْ سَبَقَ عن أبي بَكْرِ بن السَّرَّاجِ النَّحْوِيِّ مُوَافَقَةُ الْأُصُولِيِّينَ وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ السُّؤَالَ لَا على جِهَةِ الْجَمْعِ فقال إذَا كانت الْقَرِينَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَهْدِ وَتَمْنَعُ من الْحَمْلِ على الْعُمُومِ فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الْعَامَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَصْرُوفًا إلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ وَقُلْتُمْ وَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَأَجَابَ بِأَنَّ تَقَدُّمَ السَّبَبِ الْخَاصِّ قَرِينَةٌ في أَنَّهُ مُرَادٌ لَا أَنَّ غَيْرَهُ ليس بِمُرَادٍ فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ فَنَقُولُ دَلَالَةُ هذا الْعَامِّ على مَحَلِّ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ وَدَلَالَتُهُ على غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ إذْ ليس في السَّبَبِ ما يُثْبِتُهَا وَلَا ما يَنْفِيهَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُدُولَ عَمَّا يَقْتَضِيهِ السَّبَبُ من الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ على إرَادَةِ الْعُمُومِ وقد أَشَارَ إلَى هذا الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قال فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ قِيلَ مَسَاجِدُ اللَّهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ وَالتَّخْرِيبُ على مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وهو بَيْتُ الْمَقْدِسِ أو الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْت لَا بَأْسَ أَنْ يَجِيءَ الْحُكْمُ عَامًّا وَإِنْ كان السَّبَبُ خَاصًّا كما تَقُولُ لِمَنْ آذَى صَالِحًا وَاحِدًا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ آذَى الصَّالِحِينَ وَكَمَا قال اللَّهُ تَعَالَى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ وَالْمَنْزُولُ فيه الْأَخْنَسُ بن شُرَيْقٍ قال وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِ مِمَّنْ مَنَعَ الْعُمُومُ كما أُرِيدَ بِمَسَاجِدِ اللَّهِ وَلَا يُرَادُ الَّذِينَ مَنَعُوا بِأَعْيَانِهِمْ إذَا كان سَبَبُ الْوَاقِعَةِ شَرْطًا فَهَلْ يَعُمُّ الْخِطَابُ الْوَارِدُ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الثَّالِثُ حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَاسْتَثْنَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ من ذلك ما إذَا كان السَّبَبُ شَرْطًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فإنه كان لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا فَالْأَوَّابُونَ عَامٌّ في كل أَوَّابٍ مَاضِيًا كان أو حَاضِرًا أو مُسْتَقْبَلًا قال فَيَجِبُ في هذا الْعُمُومِ أَنْ يُخَصَّصَ بِنَا وَالْعِدَّةُ بِالْغُفْرَانِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ من الْمُخَاطَبِينَ في قَوْله تَعَالَى إنْ تَكُونُوا وَلَا يَعُمُّ هذا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ وَلَا جَمِيعَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ في ذلك لِأَنَّ التَّعَالِيقَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ وَالْجَزَاءُ الْمُرَتَّبُ عليها أَسْبَابُ تِلْكَ التَّعَالِيقِ وَصَلَاحُ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاحِ غَيْرِهِمْ من الْأُمَمِ لِأَنَّ عَمَلَ كل وَاحِدٍ تَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْ ليس لِلْإِنْسَانِ إلَّا ما سَعَى وإذا لم يَكُنْ شَرْطًا فَالْحَقُّ الْعُمُومُ حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ثُمَّ قال وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ قُلْت وَارْتَضَاهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْقَرَافِيُّ تَحْقِيقُ مُرَادِهِمْ بِالسَّبَبِ الرَّابِعُ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ كَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ بَلْ السَّبَبُ في الْجَوَابِ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَسَبَقَ مَنْقُولُ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن الْفُقَهَاءِ في ذلك وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا ما يُوَلِّدُ الْفِعْلَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الدَّاعِي إلَى الْخِطَابِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَالْبَاعِثِ عليه فَعَلَى هذا لَا بُدَّ في خِطَابِ الْحُكْمِ من أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا على سَبَبِهِ أَيْ دَاعِيَتُهُ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في اخْتِلَافِ الحديث كما سَبَقَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ عَيْنَ ما وَقَعَ الْحُكْمُ بِسَبَبِهِ بَلْ هو أو مِثْلُهُ أو ما هو أَوْلَى بِالْحُكْمِ منه حَيْثُ قال وكان الْعِلْمُ أَنَّهُ على مِثْلِهَا أو أَكْثَرَ منها وَمِنْ هُنَا قال بَعْضُهُمْ لَا مُتَمَسِّكَ لِلْمُسْتَدِلِّينَ بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَاللِّعَانِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهَا على التَّعْمِيمِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ على السَّبَبِ فإن الْقَطْعَ وَأَحْكَامَ اللِّعَانِ وَالظِّهَارِ ثَبَتَتْ فِيمَنْ كان مِثْلَ من نَزَلَتْ فيه وَذَلِكَ ليس من الْعُمُومِ وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ إلْحَاقُ مِثْلِهِ أو ما هو أَوْلَى منه إنْ كان بِالْقِيَاسِ فَخُرُوجٌ عن مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كان من اللَّفْظِ لَزِمَ اتِّحَادُ الْقَوْلِ بِالْقَصْرِ على السَّبَبِ وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ ثُمَّ من أَيِّ الدَّلَالَاتِ هو فَلْيُتَأَمَّلْ ذلك الْخَامِسُ قال الْقَاضِي يَجِبُ أَنْ تُتَرْجَمَ هذه الْمَسْأَلَةُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ إذَا وَرَدَ على سَبَبٍ خَاصٍّ أو في سَبَبٍ خَاصٍّ وَلَا يُقَالُ عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّك إذَا قُلْت عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ لِلسَّبَبِ تَعَلُّقٌ بِهِ أَصْلًا وَفَرْقٌ بين قَوْلِك ضَرَبْت الْعَبْدَ على قِيَامِهِ وَضَرَبْته عِنْدَ قِيَامِهِ فَفِي الْأَوَّلِ جَعَلْت الْقِيَامَ سَبَبًا لِلضَّرْبِ بِخِلَافِ الثَّانِي قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ السَّادِسُ هذا الْعَامُّ وَإِنْ كان حُجَّةً في مَوْضِعِ السَّبَبِ أو السُّؤَالِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ دَلَالَتُهُ على صُورَةِ السَّبَبِ أَقْوَى فَلِهَذَا قال الْأَكْثَرُونَ إنَّهَا قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ فَهُوَ نَصٌّ في سَبَبِهِ ظَاهِرٌ فِيمَا زَادَ عليه وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا قَطْعِيَّةً في السَّبَبِ لِاسْتِحَالَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَلَا يَصِحُّ منه عليه السَّلَامُ أَنْ يُسْأَلَ عن بَيَانِ ما يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ فَيَضْرِبُ عن بَيَانِهِ وَيُبَيِّنُ غَيْرَهُ مِمَّا لم يُسْأَلْ عنه وَعَلَى هذا فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ هذا الْعَامِّ بِدَلِيلٍ كَغَيْرِهِ من الْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ صُورَةِ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ الْعَامَّ يَدُلُّ عليه بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ وَحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ إخْرَاجَ صُورَةِ السَّبَبِ عن عُمُومِ اللَّفْظِ إجْرَاءً له مَجْرَى الْعَامِّ الْمُبْتَدَأِ فإنه يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِ آحَادِهِ مُطْلَقًا وَاسْتُنْبِطَ ذلك من مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُلَاعَنُ مع أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ في امْرَأَةِ الْعَجْلَانِيُّ وَكَانَتْ حَامِلًا وَمِنْ مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْمَشْرِقِيَّةِ يَلْحَقُ بِفِرَاشِ الْمَغْرِبِيِّ مع عَدَمِ الِاحْتِمَالِ تَلَقِّيًا من قَوْلِهِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وقد وَرَدَ في عبد بن زَمْعَةَ إذْ تَدَاعَى وَلَدَ وَلِيدَةِ أبيه وَكَانَتْ رَقِيقَةً وَلَدَتْهُ على فِرَاشِ أبيه وَعِنْدَهُ أَنَّ الْأَمَةَ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُ السَّيِّدَ إلَّا إنْ أَقَرَّ بِهِ فقال بِالْخَبَرِ فِيمَا لم يَرِدْ فيه وهو الْحُرَّةُ فَأَلْحَقَهُ بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا ولم يَقُلْ بِهِ فِيمَا وَرَدَ فيه وهو الْأَمَةُ فلم يَلْحَقْ وَلَدُهَا بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا فَاسْتُعْمِلَ عُمُومُ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وَرَدَ فيه وَأُخْرِجَ ما وَرَدَ فيه عن حُكْمِهِ وَأَعْجَبُ من هذا أَنَّهُ عُمِلَ بِعُمُومِ الحديث مُطْلَقًا حَيْثُ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْفِرَاشِ في الْحُرَّةِ وَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُهُ كَالْمَغْرِبِيَّةِ مع الْمَشْرِقِيِّ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَكَذَا خِلَافُهُمْ في تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ هِيَ سُنَّةٌ فِيهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَسْقَطَهَا أبو حَنِيفَةَ في عِيدِ الْفِطْرِ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ على ما هَدَاكُمْ وقال الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ في الْأَوَّلَيْنِ الظَّنُّ أَنَّ ذلك لَا يَصِحُّ عن أبي حَنِيفَةَ وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ الْمُقْتَرِحُ وقال لَعَلَّهُ لم يَبْلُغْهُ الْحَدِيثَانِ قُلْت وَلَوْ صَحَّ نِسْبَةُ ذلك إلَى أبي حَنِيفَةَ من هذا لَلَزِمَ نِسْبَتُهُ إلَى مَالِكٍ أَيْضًا فإن مَالِكًا قال بِالْقِيَافَةِ في وَلَدِ الْأَمَةِ لَا الْحُرَّةِ مع أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ إنَّمَا وَرَدَ في الْحُرَّةِ وَنُقِلَ عنه أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ لَا يُبَاحُ له التَّحْلِيلُ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ بِخِلَافِ الْحَجِّ مع أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُحْرِمٌ بِالْعُمْرَةِ وَتَحَلَّلَ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُهُمْ إنَّ دُخُولَ السَّبَبِ قَطْعِيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أو مَقَالِيَّةٌ على ذلك أو على أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَقَدْ يُنَازِعُ الْخَصْمُ في دُخُولِهِ وَضْعًا بِحَسَبِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ ليس دَاخِلًا في الْحُكْمِ فإن لِلْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا في عبد بن زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَإِنْ كان وَارِدًا في أَمَةٍ فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذلك الْوَلَدِ وَبَيَانُ حُكْمِهِ إمَّا بِالثُّبُوتِ أو الِانْتِفَاءِ فإذا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا هِيَ التي يُتَّخَذُ لها الْفِرَاشُ غَالِبًا وقال الْوَالِدُ لِلْفِرَاشِ كان فيه حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ وَمُقْتَضَى ذلك لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ فَكَانَ فيه بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جميعا نَفْيُ السَّبَبِ عن الْمُسَبِّبِ وَإِثْبَاتُهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ هُنَا وَذَلِكَ من جِهَةِ اللَّفْظِ وَهَذَا في الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ في أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هل هو مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أو الْحُرَّةِ فَقَطْ الْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ له في الْأَمَةِ فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ عن هذا الْبَحْثِ نعم قَالَهُ هو لَك يا عبد بن زَمْعَةَ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ على حُكْمِ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ من قَوْلِهِ الْفِرَاشَ قُلْت وَمِنْ الْمَسَائِلِ التي يُعَاكِسُ فيها أبو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَصْلَهُمَا ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ في الْحَجِّ مَخْصُوصٌ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ وَمَنَعَاهُ في الْمَرَضِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ نَزَلَ في الْحُدَيْبِيَةِ وكان الْحُصْرُ بِعَدُوٍّ فَاعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ وَخَالَفَهُمَا أبو حَنِيفَةَ في ذلك فَاعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ على جَوَازِ خُرُوجِهِ من الْحَجِّ بِالْأَعْذَارِ فإن الْإِحْصَارَ عِنْدَ الْمُعْتَبِرِينَ من أَهْلِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِحْصَارِ الْأَعْذَارِ وَالْحَصْرُ مَوْضُوعٌ لِحَصْرِ الْعَدُوِّ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَحَلَّ السَّبَبِ يَقْتَضِي حَصْرَ الْعَدُوِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ على حَصْرِ الْعَدُوِّ كانت دَلَالَتُهُ على حَصْرِ الْأَعْذَارِ من طَرِيقٍ أَوْلَى فَنَزَلَتْ لِتَدُلَّ على إحْصَارِ الْعَدُوِّ بِمَنْطُوقِهَا وَعَلَى إحْصَارِ الْعُذْرِ بِمَفْهُومِهَا فَتَنَاوَلَتْ الْأَمْرَيْنِ جميعا فَإِنْ قِيلَ قد قُرِّرَ بها ما يَدُلُّ على أنها نَزَلَتْ في حَصْرِ الْعَدُوِّ وهو قَوْله تَعَالَى فإذا أَمِنْتُمْ وَالْأَمْنُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في زَوَالِ الْخَوْفِ من الْأَعْدَاءِ دُونَ زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْأَعْذَارِ وَأَجَابَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا دَلَّتْ على التَّحَلُّلِ بِالْحَصْرِ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى ما دَلَّتْ عليه بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ وَإِنْ جَعَلْنَا حَصَرَ وَأُحْصِرَ لُغَتَيْنِ دَلَّ أُحْصِرَ على الْأَمْرَيْنِ وَرَجَعَ لَفْظُ الْأَمْنِ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ قال وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا نَظِيرَ له في الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ فإن من انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَتَعَذَّرَ عليه الْعَوْدُ إلَى الْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ يَبْقَى في بَقِيَّةِ عُمُرِهِ حَاسِرَ الرَّأْسِ مُجَرَّدًا عن اللِّبَاسِ مُحَرَّمًا عليه كُلُّ ما يَحْرُمُ على الْمُحْرِمِ بَعِيدٌ شَرْعًا وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَرَدَّ عليه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِحَدِيثِ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ قال وَلَوْ جَازَ الْكَلَامُ في مَصْلَحَتِهَا لَمَا أُمِرَ الْمَأْمُورُ في ذلك إذَا نَابَ الْإِمَامَ شَيْءٌ وَيَلْزَمُ مَالِكًا إخْرَاجُ مَحَلِّ السَّبَبِ من الْعُمُومِ فإن الحديث وَرَدَ على شَيْءٍ نَابَ أَبَا بَكْرٍ في صَلَاتِهِ لَمَّا صلى بِهِمْ وَصَفَّقُوا فلما فَرَغَ من الصَّلَاةِ قال صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ السَّبَبِ وَيُعْتَبَرُ اللَّفْظُ حتى لو اسْتَأْذَنَ عليه شَخْصٌ وهو في الصَّلَاةِ أو رَأَى أَعْمَى يَقَعُ في بِئْرٍ فإنه يُفَهِّمُهُ بِالتَّسْبِيحِ السَّابِعُ أَوْرَدَ على قَوْلِهِمْ إنَّ السَّبَبَ دَاخِلٌ قَطْعًا أَنَّهُ قبل نُزُولِ الْآيَةِ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ من حِينِ نُزُولِهَا فَكَيْفَ يَنْعَطِفُ على ما مَضَى وقد أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّ أَوْسَ بن الصَّامِتِ شَمِلَهُ الظِّهَارُ وَأَمْثَالُهُ من الْأَسْبَابِ وَهَذَا الْإِشْكَالُ وَارِدٌ على سَبَبٍ وَيَخُصُّ آيَةَ الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ إشْكَالٌ آخَرُ وهو أَنَّ الَّذِينَ في قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ من نِسَائِهِمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ فَتَحْرِيرُ أَيْ فَكَفَّارَتُهُمْ تَحْرِيرُ وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عليه وَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ في الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَتَضَمُّنِ الْخَبَرِ مَعْنَى الْجَزَاءِ فإذا أُرِيدَ التَّنْصِيصُ على أَنَّ الْخَبَرَ مُسْتَحَقٌّ بِالصِّلَةِ دَخَلَتْ الْفَاءُ حَتْمًا لِلدَّلَالَةِ على ذلك وإذا لم تَدْخُلْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا بِهِ أو بِغَيْرِهِ كما لو قِيلَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ عليهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَإِنْ كنا نَقُولُ إنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ وَلَكِنْ ليس بِنَصٍّ وَدُخُولُ الْفَاءِ نَصٌّ إذَا عَرَفْت هذا فَالْآيَةُ لَا تَشْمَلُ إلَّا من وُجِدَ منه الظِّهَارُ بَعْدَ نُزُولِهَا لِأَنَّ نَفْيَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ فَلَا يَدْخُلُ فيه الْمَاضِي وقد أَوْجَبَ النبي عليه السَّلَامُ الْكَفَّارَةَ على أَوْسِ بن الصَّامِتِ وَذَلِكَ لَا شَكَّ فيه من جِهَةِ أَنَّهُ السَّبَبُ وَأُجِيبَ عنه بِأَنَّ إثْبَاتَ أَحْكَامِ هذه الْآيَاتِ لِمَنْ وُجِدَ منه السَّبَبُ قبل نُزُولِهَا لِأَنَّ هذه الْأَفْعَالَ كانت مَعْلُومَةَ التَّحْرِيمِ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى وَوُجُوبُ الْحَدِّ فِيهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ وَالْفَاعِلُ لها قبل نُزُولِ الْآيَةِ إذَا كان هو السَّبَبُ في نُزُولِهَا من حُكْمِ الْمُقَارِنِ لها لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِهِ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ حُكْمُهَا فيه دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلَ وَسَبَبُ النُّزُولِ حَاضِرٌ أو في الْحُكْمِ الْحَاضِرِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الْفَاءِ على الِاخْتِصَاصِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ يُمْنَعُ الثَّامِنُ أَنَّ الْعُمُومَ الْخَارِجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ أَوْلَى من الْخَارِجِ على سَبَبٍ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ مع قَوْلِهِ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ فَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ وَالْأَوَّلُ أَمْكَنَ خُرُوجُهُ على سُؤَالِ سَائِلٍ تَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَ سَبَبِهِ قَالَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وقال الْغَزَالِيُّ يَصِيرُ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ لِلْخَارِجِ على سَبَبٍ أَقْرَبَ مِمَّا لم يَخْرُجْ على سَبَبٍ وَيَقْنَعُ فيه بِدَلِيلٍ أَخَفَّ وَأَضْعَفَ وقد يُصْرَفُ بِقَرِينَةِ اخْتِصَاصٍ بِالْوَاقِعَةِ وَيَأْتِي فيها ما ذُكِرَ في بَابِ التَّرَاجِيحِ التَّاسِعُ لَك أَنْ تَسْأَلَ عن الْفَرْقِ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحُكْمَ إذَا شُرِعَ لِحِكْمَةٍ أو سَبَبٍ ثُمَّ زَالَ ذلك السَّبَبُ هل يَبْقَى الْحُكْمُ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ أو لَا يَبْقَى نَظَرًا لِلْعِلَّةِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ في اسْتِحْبَابِ الذَّهَابِ إلَى الْعِيدِ من طَرِيقٍ الرُّجُوعِ من أُخْرَى وَتَرْجِيحِهِمْ الْمَيْلَ إلَى تَعْمِيمِ الْحُكْمِ كما في الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ في الطَّوَافِ وَجَعَلَ الرَّافِعِيُّ منه أَنَّ الْعَرَايَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمَحَاوِيجِ على الصَّحِيحِ وَإِنْ كان سَبَبٌ على الرُّخْصَةِ وَرَدَ في الْمَحَاوِيجِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْعَاشِرُ إذَا اعْتَبَرْنَا السَّبَبَ فَلَا يَنْبَغِي جَعْلُهُ من الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بَلْ من الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَائِدَةٌ نُزُولُ الْآيَةِ لِمَحَلٍّ لَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهِ وقد يَخْرُجُ فيها قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فإنه ذَهَبَ في الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ له صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عن تَمَتُّعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى قَوْله تَعَالَى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا خِلَافَ بين أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وهو الثَّامِنُ من ذِي الْحِجَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بها أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْمُوَافِقِ له في الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بَلْ الْأَوَّلُ بَاقٍ على عُمُومِهِ قال الْقَفَّالُ فَصَارَ الْخَاصُّ كَأَنَّهُ وَرَدَ فيه خَبَرَانِ خَبَرٌ يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ غَيْرَهُ وَخَبَرٌ يَخُصُّهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ فإنه خَصَّصَ الدِّبَاغَ بِالْمَأْكُولِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ مع إفْرَادِهِ ذِكْرَ الشَّاةِ في حديث مَيْمُونَةَ وَقَوْلُهُ في قِصَّةِ الْمُجَامِعِ في رَمَضَانَ مع قَوْلِهِ من أَفْطَرَ في رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ ما على الْمُظَاهِرِ إنْ صَحَّ الْخَبَرُ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن الْأَكْثَرِينَ من فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَخَرَّجَ فيه الْخِلَافُ إلَّا أَنَّ أَجْوِبَتَهُمْ تَطَّرِدُ على الْأَوَّلِ قال وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ لِخَوْلَةِ في دَمِ الْحَيْضِ اغْسِلِيهِ وفي حديث عَمَّارٍ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ من الْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرِضِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ فَذُكِرَ الْمَاءُ وهو بَعْضُ ما دخل في اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ جُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وقال في خَبَرٍ آخَرَ وَتُرَابُهَا طَهُورًا وَالتُّرَابُ بَعْضُ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ الطَّعَامُ مِثْلًا بِمِثْلٍ وقال في خَبَرٍ آخَرَ الْبُرُّ بِالْبُرِّ فَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ أَصْحَابِنَا في هذه الْأَمْثِلَةِ على الْمَذْهَبِ جميعا انْتَهَى وقال صَاحِبُ الْمَصْدَرِ إنَّمَا قال أبو ثَوْرٍ في قَوْله تَعَالَى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ وَقَوْلُهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ فَأَثْبَتَ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ التي هذه سَبِيلُهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هذا هو الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ التي لم تُمَسَّ ولم يُفْرَضْ لها وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّخْصِيصِ حَيْثُ التَّنَافِي انْتَهَى وقد حَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْآيَةِ وَسَيَأْتِي في التَّخْصِيصِ بِالْمَفْهُومِ وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ أبي ثَوْرٍ وقد احْتَجَّ الْجُمْهُورُ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّ الْمُخَصَّصَ مُنَافٍ ذِكْرَ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ فَذِكْرُ الْحُكْمِ ليس بِمُخَصَّصٍ وَاعْتُرِضَ بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّ ذِكْرَ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ بِنَاءً على قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ وَفُرِّقَ بين مُنَافَاةِ الْحُكْمِ وَبَيْنَ مُنَافَاةِ الذِّكْرِ فَثُبُوتُ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ لِثُبُوتِهِ في غَيْرِهَا وَأَمَّا الذِّكْرُ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُنَافَاتِهِ لِأَصْلِ الْمَفْهُومِ الدَّالِّ على نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يَتَأَتَّى في ذِكْرِ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَتَخْصِيصُهُ بِمَا له مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَالصِّفَّةِ مَثَلًا وَلَا يَجِيءُ في ذِكْرِ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ بِذِكْرِ ما لَا مَفْهُومَ له كَاللَّقَبِ وَاَلَّذِينَ أَوْرَدُوا هذه الْمَسْأَلَةَ أَوْرَدُوهَا عَامَّةً وَمِنْ الناس من أَنْكَرَ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال لَمَّا كان أبو ثَوْرٍ مِمَّنْ يقول بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ظُنَّ أَنَّهُ يقول بِالتَّخْصِيصِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَعَلَّ أَبَا ثَوْرٍ يقول إنَّ هذه الصُّورَةَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا من الْعَامِّ وَتَصِيرُ قَطْعِيَّةً لِمَحَلِّ السَّبَبِ على ما سَبَقَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فيه خِلَافٌ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ما فَائِدَةُ هذا الْخَاصِّ مع دُخُولِهِ في الْعَامِّ قُلْت يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ عَدَمَ التَّخْصِيصِ أو التَّفْخِيمِ وَالْمَزِيَّةِ على بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ أو اخْتِصَاصِهِ بِضَرْبٍ من التَّأْكِيدِ إنْ جَدَّتْ وَاقِعَةٌ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ وقد يَرْجِعُ مَذْهَبُ أبي ثَوْرٍ من جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذلك الْعَامُّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَالْقَرِينَةُ فيه الْإِفْرَادُ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى في تَقْرِيرِ هذه الْفَائِدَةِ وَنِسْبَةُ هذا الْمَذْهَبِ لِأَبِي ثَوْرٍ بهذا الْحَالِ لِأَنَّ اسْتِنْتَاجَ الْكُلِّيَّاتِ من الْجُزْئِيَّاتِ يُعْتَمَدُ كَوْنُهَا الْخُصُوصِيَّاتِ وَيُوجَدُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَأَمَّا الْفَرْدُ الْمُعَيَّنُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فيه لِأَمْرٍ يَخْتَصُّهُ بَيَانُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أبو ثَوْرٍ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَأْكُولَ يَخْتَصُّ بِمَعْنًى يُنَاسِبُ التَّطْهِيرَ أو التَّخْفِيفَ فَيُجْعَلُ ذلك قَرِينَةً في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ كما جَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَمَ اعْتِبَارِ دِبَاغِ جِلْدِ الْكَلْبِ قَرِينَةً تَخُصُّ هذا الْعُمُومَ أو يُمْنَعُ تَطْهِيرُ جِلْدِ ما لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِنَهْيِ النبي عليه السَّلَامُ عن افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ كما اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إنْ كان أبو ثَوْرٍ نَصَّ على الْقَاعِدَةِ فَذَاكَ وَإِنْ كان أَخَذَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ من مَذْهَبِهِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَدُلُّ على ذلك قُلْت وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أبو ثَوْرٍ في كِتَابِهِ فَقَدْ حَكَى عنه أبو عُمَرَ بن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَى تَخْصِيصِ الدِّبَاغِ بِالْمَأْكُولِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ في جِلْدِ الشَّاةِ هَلَّا دَبَغْتُمُوهُ وقال في حَدِيثٍ آخَرَ نهى عن جُلُودِ السِّبَاعِ قال أبو ثَوْرٍ فلما رُوِيَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِهِمَا جميعا لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهِمَا انْتَهَى وَيُقَالُ له هَذَانِ الْخَبَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ من وَجْهٍ خَاصٌّ من وَجْهٍ فإن خَبَرَ السِّبَاعِ عَامٌّ في جُلُودِ السِّبَاعِ قبل الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ وَخَاصٌّ بِالسِّبَاعِ وَحَدِيثُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ عَامٌّ في كِلَيْهِمَا وَخَاصٌّ بِالدِّبَاغِ وَيَتَأَكَّدُ في مِثْلِهِ التَّرْجِيحُ بِأَمْرِهِ خَارِجٌ الثَّانِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَفْهُومُهُ مُوَافِقًا فَإِنْ كان مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ مِثْلُ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ وَسَائِمَةِ الْغَنَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَنَحْوِهِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ وَسَتَأْتِي وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فقال فَأَمَّا إذَا كان لِلْخَاصِّ دَلِيلُ خِطَابٍ فإنه يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فَيَخْرُجُ منه ما تَنَاوَلَهُ دَلِيلُهُ كَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ مع قَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَتَخْرُجُ الْمَعْلُوفَةُ من قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَالْمَفْهُومُ كَالْمَنْطُوقِ في وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَاللَّفْظُ الْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ على الْعَامِّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مع قَوْلِهِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا ما غَيَّرَهُ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِالتَّخْصِيصِ بِمَا ليس له مَفْهُومٌ كَاللَّقَبِ فَأَمَّا ما له مَفْهُومٌ كَالصِّفَاتِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ أَجَازُوا تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِهِ قُلْت وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ فقال بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّ ذلك لَا يُخَصَّصُ أَمَّا إذَا كان إفْرَادُ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ على مَعْنَى نَفْيِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ كما رُوِيَ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ وَرُوِيَ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَذِكْرُ السَّوْمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ على نَفْيِ الزَّكَاةِ فِيمَا لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا زَكَاةَ إلَّا في السَّائِمَةِ فَإِنْ لم يَقُمْ دَلِيلٌ على أَنَّ إفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ على مَعْنَى مُخَالَفَةِ الْمَسْكُوتِ عنه له في حُكْمِهِ فإنه لَا يُجْعَلُ مُخَصَّصًا لِلْعُمُومِ لِأَنَّ ذلك الْعُمُومَ يَشْتَمِلُ عليه وَعَلَى غَيْرِهِ قال وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلِيلِ على أَنَّ قَوْلَهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ خَبَثًا على أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لَدَخَلَ في جُمْلَةِ قَوْلِهِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ انْتَهَى وَكَذَا قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا عُرِّيَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ من وُجُودِ الْأَدِلَّةِ التي تَقْتَضِي الْمُنَافَاةَ سِوَى خُصُوصِهِ في ذلك الْمُسَمَّى فَإِنْ كان معه ما يَقْتَضِي ذلك فَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يَخُصُّ الْعُمُومَ إلَّا في الْمَوَاضِعِ التي يُخْتَلَفُ فيها مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فيها مُتَعَلِّقًا بِصِفَةٍ فَيَدُلُّ على ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أو أَنْ يَكُونَ فيه تَعْلِيلٌ يُوجَدُ في بَعْضِ ما دخل تَحْتَ الْعُمُومِ فإذا عُرِّيَ من ذلك فَفِيهِ الْخِلَافُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هل يُخَصِّصُ الْعَامَّ الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَقْصُرُ على وُرُودِ الْخَاصِّ بِالنَّصِّ بَلْ إذَا وَرَدَ الْعَامُّ ثُمَّ وَرَدَ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَاءٌ أو فِعْلٌ بِمَا يُوَافِقُ الْعُمُومَ ولم يَقُمْ دَلِيلٌ على أَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ لِلْعُمُومِ وَمُفَسِّرٌ له فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَطْعِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثُ دَرَاهِمَ أو عَشَرَةٌ وَلَيْسَ فيه أَنَّ ذلك تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ قال وَكَذَلِكَ لم يَجْعَلْ أَصْحَابُنَا ثَلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ حَدًّا كما ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَلَا عَشَرَةً كما ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ لِأَنَّ الْعُمُومَ قد ثَبَتَ بِقَطْعِ السُّرَّاقِ أَمْرًا وَالتَّقْيِيدُ إنَّمَا يَقَعُ على ما سُرِقَ من قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِهَذَا لم يَجْعَلْ الْخَبَرَيْنِ في قِيمَةِ الْمِجَنَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِأَنَّ قِيمَتَهُمَا قد تَخْتَلِفُ الرَّابِعُ قَيَّدَ ابن الرِّفْعَةِ في بَابِ الْأَوَانِي من الْمَطْلَبِ هذه الْمَسْأَلَةَ فقال مَحَلُّ قَوْلِنَا إنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصَّصُ ما إذَا لم يُعَارِضْ الْعُمُومَ عُمُومٌ آخَرُ فَإِنْ عَارَضَهُ قُدِّمَ وَمَثَّلَهُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَانِ حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ وَرِوَايَةِ أبي مُوسَى حُرِّمَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ على ذُكُورِ أُمَّتِي فَاقْتَضَى الثَّانِي تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِاللُّبْسِ وقد عَارَضَ عُمُومَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الذي يَأْكُلُ أو يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ في جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ فإنه يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَوَانِي على الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَوَانِي غَيْرُ حديث الِاسْتِعْمَالِ فَائِدَةٌ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّا نَقْصُرُ الْحُكْمَ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ أو نَقِيسُ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ ما هو في مَعْنَاهَا من كل مَأْكُولِ اللَّحْمِ كما في شَاةِ مَيْمُونَةَ قال الْإِمَامُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ تَخْصِيصُ الْمَعْنَى الثَّانِي مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ وَعُطِفَ عليه بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَهَلْ يَدُلُّ فيه التَّخْصِيصُ على أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ عن وَالِدِهِ في كِتَابِ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ حَكَى خِلَافَ الْعُلَمَاءِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال بَعْضُهُمْ هذا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ لم يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ لِأَنَّا لو جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا تَحْتَهُ لم يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ قُلْت وَعَلَى هذا جَرَى أبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَتِلْمِيذُهُ ابن جِنِّي وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عليه فإنه قال في حديث عَائِشَةَ في الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ إنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ الْعَصْرَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ثُمَّ قال الرُّويَانِيُّ وقال بَعْضُهُمْ هذا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ هو دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ أَيْ فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْعُمُومِ وَمَرَّةً بِالْخُصُوصِ وَفَرَّعَ الرُّويَانِيُّ على هذا الْخِلَافِ ما لو أَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ وَبِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَزَيْدٌ فَقِيرٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى غير الدِّينَارِ لِأَنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ قَطَعَ اجْتِهَادَ الْقَاضِي جَزَمَ بِهِ في الْحَاوِي وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فيه وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هذا وهو الْأَظْهَرُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُجْمَعُ بين ما أَوْصَى له بِهِ وَبِشَيْءٍ آخَرَ من الثُّلُثِ على ما أَرَادَ الْمُوصِي الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كان خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ في الْمَعْطُوفِ عليه عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَيُوجِبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ لنا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ في هذه الْأَحْكَامِ وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا على أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وهو عَامٌّ في الْحَرْبِ وَالذِّمِّيُّ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ النَّفْيِ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ بَلْ هو خَاصٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيُّ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْخَاصِّ عليه وهو قَوْلُهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ عَطْفٌ عليه قَوْلُهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكَافِرٍ على حَدِّ قَوْله تَعَالَى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ من رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ثُمَّ إنَّ الْكَافِرَ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هو الْحَرْبِيُّ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُعَاهَدَ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ أَيْضًا هو الْحَرْبِيُّ تَسْوِيَةً بين الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عليه وَهَذَا التَّقْدِيرُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ بين الْمُتَعَاطِفَيْنِ من كل وَجْهٍ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ كَلَامٌ تَامٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ قَوْلِهِ بِكَافِرٍ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَهْدَ عَاصِمٌ من الْقَتْلِ وقد ذَهَبَ أبو عُبَيْدٍ في غَرِيبِ الحديث إلَى ذلك فقال إنَّ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ في عَهْدِهِ لِأَنَّهُ لو اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ لَتُوُهِّمَ أَنَّ من وُجِدَ منه عَهْدٌ ثُمَّ خَرَجَ منه لَا يُقْتَلُ فلما قال في عَهْدِهِ عَلِمْنَا اخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْعَهْدِ فَإِنْ قِيلَ ما وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بين هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ على رَأْيِكُمْ إذْ لَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِنَا وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ مُطْلَقًا مع قَوْلِنَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ أَجَابَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ بِأَنَّ عَدَاوَةَ الصَّحَابَةِ لِلْكُفَّارِ كانت شَدِيدَةً جِدًّا فلما قال عليه السَّلَامُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ خَشِيَ أَنْ يَتَجَرَّدَ هذا الْكَلَامُ فَتَحْمِلُهُمْ الْعَدَاوَةُ الشَّدِيدَةُ بَيْنَهُمْ على قَتْلِ كل كَافِرٍ من مُعَاهَدٍ وَغَيْرِهِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ما مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في زَمَنِ عَهْدِهِ الثَّالِثُ أَنَّ حَمْلَ الْكَافِرِ الْمَذْكُورِ على الْحَرْبِيِّ لَا يَحْسُنُ لِأَنَّ هَدْرَ دَمِهِ من الْمَعْلُومِ من الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِهِ وَيُبْعِدُ هذا الْجَوَابَ قَلِيلًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَدْلُولَ الحديث مُسْتَغْنًى عنه بِمَا دَلَّ عليه قَوْله تَعَالَى فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ فَالْحَمْلُ على فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى وَثَانِيهَا أَنَّ صَدْرَ الحديث نَفَى فيه الْقَتْلَ قِصَاصًا لَا مُطْلَقَ الْقَتْلِ فَقِيَاسُ آخِرِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ الرَّابِعُ سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّقْدِيرِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَسَاوِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ عليه لِأَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ لو لُفِظَ بِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِإِحْدَاهُمَا غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ بِالْأُخْرَى فَكَذَلِكَ مُنِعَ ذِكْرُ إحْدَاهُمَا وَتَقْدِيرُ الْأُخْرَى وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ وَالْمُطَلَّقَاتُ وَخُصُوصُ وَبُعُولَتُهُنَّ مع عَوْدِ الضَّمِيرِ عليه إذَا عَلِمْت هذا فَاعْلَمْ أَنَّهُ قد اخْتَلَفَ طُرُقُ الْأُصُولِيِّينَ في تَرْجَمَةِ هذه الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كما ذَكَرْنَا وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ كما سَيَأْتِي وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كَالْآمِدِيِّ في الْأَحْكَامِ بِأَنَّ الْعَطْفَ على الْعَامِّ هل يَقْتَضِي الْعُمُومَ في الْمَعْطُوفِ وَهَذِهِ تَشْمَلُ ما لَا خِلَافَ فيه وَهِيَ ما لو قال لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ فَلَا يقول أَحَدٌ بِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ على الْعَامِّ الْعُمُومَ حتى لَا يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ بِكَافِرٍ حَرْبِيًّا كان أو ذِمِّيًّا وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وَنَاقَشَهُمْ النَّقْشَوَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هذه الْعِبَارَةَ تَشْمَلُ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَامٌّ مَعْطُوفٌ على عَامٍّ قام الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مَخْصُوصٌ كَقَوْلِك لَا تَضْرِبُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ لنا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرُ الْقَاذِفَةِ أو شَارِبَةِ الْخَمْرِ وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ثُمَّ يُخَصَّصُ الْكَافِرُ في الْمَعْطُوفِ عليه بِدَلِيلٍ وَالثَّانِيَةُ عَطْفُ خَاصٍّ بِلَفْظِهِ على عَامٍّ بِلَفْظِهِ فَهَلْ يَقْتَضِي ذلك تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ كَقَوْلِنَا لَا تَضْرِبْ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً كَهْلَةً فَهَلْ يَخُصُّ الرَّجُلَ بِالْكَهْلِ أَيْضًا وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِحَرْبِيٍّ قالوا وَمِثَالُهُمْ إنَّمَا هو من الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِلثَّانِيَةِ وَالْإِمَامُ تَرْجَمَ لِلثَّانِيَةِ وَمِثَالُهُ إنَّمَا يُطَابِقُ الْأُولَى وَحِينَئِذٍ فَكَانَ من حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عِلَّتِهِ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ وقال بَلْ كَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخَاصَّ وَمُرَادُهُمْ سَوَاءٌ كان خَاصًّا لَفْظًا أو دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مَخْصُوصٌ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ من الْمُتَأَخِّرِينَ في مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ قال وَالْحَقُّ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْإِمَامِ تَعُمُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ فإن الْخَاصَّ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أو غَيْرِهِ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كانت عَامَّةً تَقَعُ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَذْكُورًا في الْمَعْطُوفِ من غَيْرِ تَقْدِيرٍ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا لَكِنْ لَا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ مُسْتَفَادًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا من حَيْثُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَمِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ مُسْتَفَادًا من تَخْصِيصٍ بِمُنْفَصِلٍ وَالْحَدِيثُ من الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالْبَيَانُ في الْجَمِيعِ لَا يَتَفَاوَتُ انْتَهَى وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ بِالْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو أَنَّ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إذَا عُطِفَتْ على الْأُخْرَى وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي إضْمَارًا كَقَوْلِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ على ما تَدَّعِيه الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَقِيمُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ إضْمَارٍ وَإِلَّا يَلْزَمُ قَتْلُ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا فَهَلْ يُضْمَرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ إنْ كان عَامًّا اقْتَضَى الْعَطْفُ عليه تَقْدِيرَ الْعَامِّ فَكَانَ الْعَطْفُ على الْعَامِّ يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِذَلِكَ أو يُضْمَرُ مِقْدَارُ ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ لِأَنَّ ما وَرَاءَهُ تَقْدِيرٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ قالت الْحَنَفِيَّةُ بِالْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا بِالثَّانِي وقد أَجَادَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ حَيْثُ افْتَتَحَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ الْمَعْطُوفُ لَا يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ فيه جَمِيعُ ما يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا في الْمَعْطُوفِ عليه بَلْ بِقَدْرِ ما يُفِيدُ وَيَسْتَقِلُّ بِهِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعُ ما سَبَقَ مِمَّا يُمْكِنُ إضْمَارُهُ انْتَهَى وَكَذَا ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ حَيْثُ قال هل يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ في الْمَعْطُوفِ جَمِيعُ ما يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا في الْمَعْطُوفِ عليه وإذا وَجَبَ ذلك وكان الْمُضْمَرُ في الْمَعْطُوفِ عليه مَخْصُوصًا فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ في الْمَعْطُوفِ عليه مَخْصُوصًا أَمْ لَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّهُ هل يَجِبُ تَقْدِيرُ ما ذُكِرَ في الْأُولَى أو ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ فَنَحْنُ لَا نُقَدِّرُ إلَّا ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ وَالْحَنَفِيَّةُ يَجْعَلُونَ الْمُضْمَرَ في الثَّانِيَةِ هو الْمُضْمَرَ في الْأُولَى وَقَالُوا حَرْفُ الْعَطْفِ يَجْعَلُ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عليه كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا في أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ وَسَاعَدَهُمْ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا حتى قال ابن السَّمْعَانِيِّ كَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ جِدًّا وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَفَصَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بين أَنْ يُقَيَّدَ الْمَعْطُوفُ بِقَيْدٍ غَيْرِ قَيْدِ الْمَعْطُوفِ عليه فَلَا يُضْمَرُ فيه وَأَنْ يُطْلَقَ فَيُضْمَرُ فيه وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ من أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمَعْطُوفِ عليه بِخُصُوصِ الْخَاصِّ الْمَعْطُوفِ فِيمَا هو مَخْصُوصُ الْمَادَّةِ ========================================ج11. اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي كَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ وهو أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ في الْمَوْضِعَيْنِ أَمَّا إذَا لم يَتَعَيَّنْ كما لو قال ضَرَبْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَائِمًا في الدَّارِ فإن الْمَعْطُوفَ هُنَا خَاصٌّ وهو أَنَّ ضَرَبْت في حَالِ قِيَامِهِ وَحَالَ كَوْنِهِ في الدَّارِ وَالْمَعْطُوفُ عليه عَامٌّ فَلَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْمَعْطُوفِ عليه وَالضَّابِطُ أَنَّ لِلْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا أَنْ يَتَّضِحُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ مُسْتَقِيمَةً وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين الْفَرِيقَيْنِ وَمِنْهُ فَرِيقٌ لم يُتَرْجِمْ الْمَسْأَلَةَ بِالْعَطْفِ على الْعَامِّ هل يَقْتَضِي الْعُمُومَ فإذا عَطَفْت جُمْلَةً على أُخْرَى وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا وَكَانَتْ الْمُشَارَكَةُ في أَصْلِ الْحُكْمِ لَا في جَمِيعِ صِفَاتِهِ وقد لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةً أَصْلًا وَهِيَ التي تُسَمَّى وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ على قَلْبِك وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ فإن قَوْلَهُ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لها بِمَا قَبْلَهَا وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ في جَوَابِ الشَّرْطِ الثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَتَّضِحَ اسْتِقَامَتُهَا إلَّا بِتَقْدِيرٍ وَإِضْمَارٍ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَالْحَنَفِيَّةُ يُقَدِّرُونَ الْأَوَّلَ ثُمَّ له حَالَتَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَامًّا أَيْضًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فَيَكُونُ خَاصًّا وَهَذِهِ الْحَالَةُ عِنْدَهُمْ تُشَارِكُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى في جَمِيعِ ما هِيَ عليه وَلِهَذَا لو قال هذه طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا بِخِلَافِ ما إذَا قال هذه طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ فَلَا يُطَلِّقُ إلَّا وَاحِدَةً لِاسْتِقْلَالِهَا وَوَافَقَهُمْ ابن الْحَاجِبِ وَالْتَزَمَ في أَثْنَاءِ كَلَامٍ له في مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ضَرَبْت زَيْدًا يوم الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عِنْدَهُ على الْكَامِلَةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُمَا في أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ ابْنِ عُصْفُورٍ من النَّحْوِيِّينَ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا في ذلك فَقَالُوا إذَا قال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فإن الثَّانِيَةَ تَتَقَيَّدُ أَيْضًا بِالشَّرْطِ وَكَذَا لو قَدَّمَ الْجَزَاءَ على الشَّرْطِ وهو ظَاهِرٌ وَقَالُوا فِيمَا إذَا قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ وَنَحْوَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مُفَسِّرًا لِلْأَلْفِ بَلْ له تَفْسِيرُهَا بِمَا شَاءَ وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وقال الْحَنَفِيَّةُ إنْ كان الْمَعْطُوفُ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا أو مَعْدُودًا فُسِّرَتْ الْأَلْفُ بِهِ وَإِنْ كان مُتَقَوِّمًا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ بَقِيَ الْعَدَدُ الْأَوَّلُ على إبْهَامِهِ وَلَوْ قال كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَأَنْتِ يا أُمَّ أَوْلَادِي قال الْعَبَّادِيُّ لَا يَقَعُ عليه الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ قبل النِّكَاحِ لَغْوٌ وقد رَتَّبَ طَلَاقَهَا عليه فَيَلْغُو حَكَاهُ عنه الرَّافِعِيُّ ولم يُنْكِرْهُ ثُمَّ قال وَيَقْرَبُ من هذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لو قال لِزَوْجَتِهِ نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يا فَاطِمَةُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ طَلَاقَهَا على طَلَاقِ نِسْوَةٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُنَّ وَقَضِيَّةُ هذه الْعِلَّةِ أَنَّهُ إذَا عَطَفَ الطَّلَاقَ على طَلَاقٍ نَافِذٍ يَقَعُ الثَّالِثَةَ أَنْ يَشْكُلَ الْحَالُ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أنها مُحْتَاجَةٌ إلَى الْإِضْمَارِ وَآخَرُونَ إلَى أنها غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ كَهَذَا الحديث فإنه عِنْدَنَا تَامٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَهُمْ يُقَدِّرُونَهُ قالوا وَلَوْ لم نُقَدِّرْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ امْتِنَاعُ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَهُ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ كما يَجُوزُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ بِكَافِرٍ على تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هو مُقَدَّرًا وقد ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ في كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ في الحديث تَقْدِيرَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا حَذْفَ فيه وَلَكِنَّهُ على التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْأَصْلُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكَافِرٍ ثُمَّ أَخَّرَ الْمَعْطُوفَ عن الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وإذا ثَبَتَ ذلك فَالْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُعَاهَدُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ من لَا عَهْدَ له وهو الْحَرْبِيُّ فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ فَرَّ من ضَرُورَةِ تَقْدِيرِ الْحَرْبِيِّ إلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وهو خِلَافُ الْأَصْلِ أَيْضًا وَبِأَنَّ فيه ما سَبَقَ الثَّانِي أَنَّ ذُو عَهْدٍ مُبْتَدَأٌ وفي عَهْدِهِ خَبَرُهُ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ ليس ذَا عَهْدٍ في عَهْدِهِ وَنَحْنُ لو فَرَضْنَا خُلُوَّ الْوَقْتِ عن عَهْدٍ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ لم يُقْتَلْ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قال وَمِثْلُهُ في الْمَعْنَى ما أَنْشَدَ أبو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِأَيْدِي رِجَالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ولم تَكْثُرْ الْقَتْلَى بها حَيْثُ سُلَّتْ وَهَذَا فيه بُعْدٌ لِأَنَّ فيه إخْرَاجَ الْوَاوِ عن أَصْلِهَا وهو الْعَطْفُ وَمُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ من رَوَى وَلَا ذِي عَهْدٍ بِالْخَفْضِ إمَّا عَطْفًا على كَافِرٍ كما يقول الْجُمْهُورُ وَإِمَّا على مُسْلِمٍ كما تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ وَلَكِنَّهُ خُفِضَ لِمُجَاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ وَأَيْضًا فإن مَفْهُومَهُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا في حَالَةِ كَوْنِ ذِي الْعَهْدِ في عَهْدِهِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ فإنه لَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ اتِّفَاقًا مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا في لَفْظِ الْعَامِّ إذَا كان مَعْطُوفًا على عُمُومٍ قَبْلَهُ وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا في نَفْسِهِ إذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ من غَيْرِ تَعَلُّقِ الثَّانِي بِمَا قَبْلَهُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَكُلُّ من اعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ زَعَمَ أَنَّ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ على حُكْمِ الْعُمُومِ الذي يَلِيه وَمَنْ اعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ الثَّانِي بِظَاهِرِهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْطُوفِ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا إلَى قَوْلِهِ فَمَنْ تَابَ من بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإن اللَّهَ يَتُوبُ عليه فَمَنْ تَابَ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مُفْرَدٌ فَلَا يَصِحُّ تَضْمِينُهُ بِمَا قَبْلَهُ من السَّرِقَةِ من سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالتَّوْبَةِ بَلْ هو عَامٌّ في السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ منه وَلَيْسَ هذا كَقَوْلِهِ في آيَةِ الْمُحَارَبَةِ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا الْآيَةُ اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ قال الْأُسْتَاذُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ هذا الْمَذْهَبُ الذي أَخَتَرَتَاهُ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ على الْمُطَلَّقَةِ وَعَلَى الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا ولم يَحْمِلُوهَا على الْمَعْطُوفِ عليه في قَوْلِهِ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ المسألة الخامسة إذا ورد اللفظ العام ثم ورد عقيبه تقييد بشرط أو استثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما يتناوله العموم فهل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض أو لا فيه قولان والمذهب كما قاله ابن السمعاني أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط وبه جزم الشيخ أبو حامد الإسفراييني فقال بل يحمل الأول على عمومه والآخر على أنه بيان لبعض حكم الأول قال وأبو حنيفة يوافقنا على هذه القاعدة وإن خالفنا في مثل لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده انتهى وجزم به أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام والقفال الشاشي في كتابه وابن القشيري وإلكيا الطبري والشيخ أبو إسحاق وسليم في التقريب وابن الصباغ في العدة وبه جزم أبو بكر الرازي من الحنفية ونقله عن عيسى بن أبان وغيره وقالت الحنفية إن ذلك يقتضي تخصيصه وبه قال القاضي من الحنابلة وقال إنه ظاهر كلام أحمد قال سليم وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وإنما خالفه في اعتبار مسائل خص عموم أولها بخصوص آخر كقوله لا يقتل مسلم بكافر الحديث فحمل أول الحديث على الكافر الحربي والمستأمن لأجل آخره لنا أن العام إنما يخص بما ينافيه قلت ونقل الرافعي في أول باب قاطع الطريق عن أكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم أن الآية في المسلمين دون الكفار وأنهم احتجوا على ذلك بقوله إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم الآية فدل هذا الاستثناء على أنها في المسلمين انتهى وذهب بعض الأصوليين إلى الوقف واختاره أبو الحسين البصري في المعتمد كذا رأيته فيه وكذا حكاه ابن برهان في الأوسط وابن السمعاني في القواطع ونقل ابن الحاجب عنه أنه يخصص وهو وهم قلت ونص عليه الشافعي في الأم ونقله عن ابن عباس واعلم أن للشافعي في المسألة نصا صريحا لكن وقع في كلامه ما يقتضي الأمرين فأما ما يدل على أنه تخصيص فمواضع أحدها أنه قال في الأم في قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده إن الضمير عائد على بعض ما تقدم وهو الزرع لا النخل والزيتون لأن الحصاد لا يكون إلا في الزرع فلم يوجب الزكاة إلا في الزرع وحمل الإتاء العام عليه لأجل الضمير المخصص الثاني أنه قال في قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا إن هذا وإن كان لفظه عاما للحر والعبد إلا أنه خاص بالحر لقوله بعده وجاهدوا بأموالكم والعبد لا يملك الثالث قوله في الاحتجاج على أن العبد لا يملك الطلاق الثلاث بقوله سبحانه الطلاق مرتان لأنه وإن كان عاما لكنه خاص بالحر لأجل قوله ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن والعبد لا يعطي شيئا الرابع أنه استدل على أن العبد لا تحل له أربع زوجات بقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وقال هذا خاص بالحر لقوله أو ما ملكت أيمانكم فإن العبد لا يملك الخامس آية المحاربة السابقة وأما المواضع التي تدل على أنه ليس بتخصيص فمنها أن ظهار الذمي عنده صحيح مع أن قوله تعالى عقب قوله والذين يظاهرون وإن الله لعفو غفور وهو لا يكون إلا للمؤمنين فلم يجعل هذا مخصصا لعموم الذين يظاهرون ومنها أن إيلاء الذمي عنده صحيح مع أن قوله تعالى عقبه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم فلم يجعله مخصصا فخرج من هذا أن للشافعي في المسألة قولين أصحهما أنه تخصيص كما دل عليه الأكثر من كلامه إلا أن يدل دليل على عدم المخصص فيعمل به كإيلاء الذمي وظهاره وقد مثلوا الاستثناء بقوله تعالى إلا أن يعفون بعد قوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ومعلوم أن العفو لا يكون إلا من البالغة الرشيدة فهل يتخصص النساء بهن قال صاحب المصادر وهذا ليس بوزان المسألة لأنه إنما يصح لو لم يذكر بعده أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فقد ذكر حكم البلغ وحكم غيرهن ومثال الصفة قوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا بعد قوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ويعني بالأمر الرغبة في رجعتهن ومعلوم أن ذلك لا يتأتى في البائنة فكان الأول عاما في المطلقات قال القفال ولهذا جعل أصحابنا قوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن فيما يملك الزوج من عدد الطلاق وإن كان قوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يقتضي تخصيصه بالرجعي ومثال رجوع الضمير قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فهذا عام في الرجعية والبائن المدخول بها ثم قوله وبعولتهن أحق بردهن وهذا لا يتأتى في البائن وقوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وهذا عام في المسلمين والمشركين ثم قال لقد تقطع بينكم وهي خاصة بالمشركين وجعل بعض المتأخرين مدرك الخلاف أن التخصيص هل يدخل على الأسماء المضمرة كما يدخل على الأسماء المظهرة كما يدل عليه التخصيص المتصل في مثل قوله تعالى ما فعلوه إلا قليل منهم فشربوا منه إلا قليلا منهم فمنهم من قال أكثر الناس على الدخول وتوهم بعض المتأخرين أنه لا يدخل في الضمائر لأن المضمر لا يدل بنفسه على جنس من الأجناس وإنما يعود إلى المذكور أو المعلوم فيقل بقلته ويكثر بكثرته فلا حاجة إلى دخول التخصيص عليه وهذا ليس بشيء لأن موضوعه في اللغة أن يعود إلى ما قبله فإذا عاد إلى بعض ما قبله فقد خص ببعض معناه انتهى وجعل الصيرفي من هذا القسم قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن إلى قوله إلا أن يعفون فأطلق تعالى الاسم على من طلقت بهذه الصفة وأوجب لها نصف المهر من كل مطلق ثم قال إلا أن يعفون فلو كان الضمير راجعا إلى الكل لجاز أن تعفو غير البالغة لأنه لو كان نصف الصداق لا يكون إلا على الزوج الذي له العفو لامرآته أو لامرآته عليه لكان من لا يكون له العفو لا نصف له من الصداق وإذا بطل هذا علم أن الخطاب بالعفو في بعض المذكورين في الابتداء ثم قال وكل ما يجوز أن يكون في الابتداء على الإطلاق فالضمير راجع إلى هذا الوصف والحكم ثابت على ما ثبت وكل ما لا يصح إلا على الترتيب فالحكم له وما جاز أن يقع على الجميع فالضمير عن جميعه ومثل أيضا بقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ثم قال وإن جاهداك لتشرك بي فهذا إنما يكون في الكافر والأول على عمومه وكذا قوله يوصيكم الله في أولادكم الآية ثم قال من بعد وصية يوصي بها أو دين وقال أبو الحسين بن القطان الكناية إنما تكون على مذكور متقدم فإن لم يكن لم يجز أن يحمل عليه وقد خاطبنا الله بخطاب مواجهة لم يكن على ما تقدم كقوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وإنما أراد بكم ولو خلينا والظاهر لقلنا فيه إن ذلك ليس بعطف لكن لما تقدم ذكر المواجهة علمنا عوده إليهم نظيره قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح خرجه الشافعي على قولين أحدهما أن المراد به الولي لأنه لو أراد الزوج لواجهه فلما عدل إلى الكناية علمنا أنه لم يرده والثاني أنه رد الكناية إلى المواجهة وهو الزوج لأنه ذكر عفوها وعفو زوجها فكنى كما كنى في جرين بهم قال وهذا يجري في كل موضع إن قام الدليل صرنا إليه وإلا حمل على الظاهر قال وجعل بعض أصحابنا من هذا أن يعطف شيء فيكون حكم الثاني حكم الأول كقوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ثم قال ومن قتله منكم متعمدا فكان الصيد اسما للفعل فلما قال لا تقتلوا استحال أن يكون إشارة إلى الفعل فعلم أن الإشارة وقعت إلى عين المصيد ثم عطف بقوله وحرم عليكم صيد البر فكان المعطوف الثاني على العطف الأول وذلك أن أهل اللغة قالوا إن العطف على حكم المتقدم قال ولذلك قال أحل لكم صيد البحر ومن أصحابنا من قال هذا إذا جرين كان للفعل الثاني لأن الأول لم يعهد أن يكون للفعل لقيام الدلالة عليه وإذا لم نقدر على هذا رجعنا في ذلك إلى الحقيقة في الثاني فكان للفعل والأجود أن يقال في هذه الآية إنه للفعل والمصيد نفسه فقد حرم الأمرين جميعا لأنه قد يقع على المصيد وإذا كان يقع عليه حمل على الأمرين ومما يبين هذا أن الآية واردة في القسم الأول أنه للفعل قوله وحرم عليكم صيد البر فلا يجوز أن يقال فعل البر وإنما أراد عين المصيد ومثل ذلك قوله فطلقوهن لعدتهن ثم قال لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فكان الأول محمولا على البائن والرجعية والثاني محمول على الرجعية مَسْأَلَةٌ وَأَمَّا إذَا كان أَوَّلُ الْكَلَامِ خَاصًّا وَآخِرُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ خُصُوصُ أَوَّلِهِ مَانِعًا من عُمُومِ آخِرِهِ كَالْعَكْسِ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَقَوْلُهُ فَمَنْ تَابَ من بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإن الْأَوَّلَ في صِنْفٍ من الظَّالِمِينَ وَهُمْ السُّرَّاقُ وَالتَّوْبَةُ بَعْدَ الظُّلْمِ وَالْإِصْلَاحِ لِجَمِيعِ الظَّالِمِينَ وَقَوْلُهُ وَاَللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيضِ من نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لم يَحِضْنَ فَكَانَ هذا لِلْمُطَلَّقَاتِ ثُمَّ قال وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهو عَامٌّ في الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ وَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ يُوصِيكُمْ اللَّهُ في أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كان أَوَّلُهُ خَاصًّا بِالْأَوْلَادِ وَآخِرُهُ يَشْمَلُ الْأَوْلَادَ وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ إذَا وَرِثُوا فإن لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَلَوْ قِيلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كان مَقْصُورًا على الْأَوْلَادِ فلما لم يَقُلْ منهم دَلَّ على إرَادَةِ الْعُمُومِ قلت وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فيها الْخِلَافُ في الْعَكْسِ وقد سَبَقَ في قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ تَنْبِيهٌ إذَا تَقَدَّمَ الْمَعْنَى الْمُخَصَّصُ وَتَأَخَّرَ اللَّفْظُ الْعَامُّ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا التَّخْصِيصُ وَلِهَذَا خَصُّوا قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ بِالْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَقَالُوا إذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ يَصِحُّ فلم يَعْتَبِرُوا الْعُمُومَ لِأَجْلِ سَبْقِ الْعِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ مَسْأَلَةٌ وَأَمَّا إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِقَيْدٍ أو شَرْطٍ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ مُرَادٌ بِمَا عَدَا الشَّرْطَ وَيَكُونُ مُخَصِّصًا له قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ قال فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لم يُرِدْ مَجْمُوعَ الرَّقَبَتَيْنِ على الْقَاتِلِ إنْ كان الْقَتْلُ من عَدُوٍّ لنا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ ذِكْرًا عَامًّا فَكَانَ الِاسْمُ يَنْظِمُ من هو عَدُوٌّ لنا وَمَنْ هو من دَارِنَا فلما قال في الثَّانِيَةِ فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ دَلَّ على مُخَالَفَةِ الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ ذِكْرَ الْأَوَّلِ في بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا الذي في غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ وَبِقَوْلِهِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ثُمَّ قال وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ مُعَلَّقٌ بِمَعْنًى ليس في أَوَّلِ ما اُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا من صِفَةٍ ثُمَّ أُعِيدَ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عنه كَقَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مع قَوْلِهِ قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ من الْمُشْرِكِينَ كان ذلك مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُوجِبُ الْمَنْعَ من أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُخَصِّصُ ما بَعْدَ الْعُمُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مَبَاحِثُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالتَّخْصِيصِ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا الْخَاصُّ اللَّفْظُ الدَّالُ على مُسَمًّى وَاحِدٍ وما دَلَّ على كَثْرَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ على الْبَحْثِ في الْعَامِّ تَقْدِيمًا لِلْمُفْرَدِ على الْمُرَكَّبِ وَالْخُصُوصُ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ ما يَصْلُحُ له لَا لِجَمِيعِهِ وقد يُقَالُ خُصُوصٌ في كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِلْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ الذي لَا يَصْلُحُ إلَّا له كَتَنَاوُلِ كل اسْمٍ من أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ له تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ الزَّجَّاجُ في كِتَابٍ له في أُصُولِ الْفِقْهِ نَقَلَهُ عنه ابن الصَّلَاحِ في فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه عَبَّرَ عن الْمُخْرَجِ مَرَّةً بِالْخَاصِّ وَعَنْ الْمُبْقَى مَرَّةً بِالْخَاصِّ وَالْخُصُوصُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً وفي الْمَعَانِي الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْعُمُومِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ وَفَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بين الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ فقال الْخَاصُّ يَكُونُ فِيمَا يُرَادُ بِهِ بَعْضُ ما يَنْطَوِي عليه لَفْظُهُ بِالْوَضْعِ وَالْخُصُوصُ ما اخْتَصَّ بِالْوَضْعِ لَا بِإِرَادَةٍ وَقِيلَ الْخَاصُّ ما يَتَنَاوَلُ أَمْرًا وَاحِدًا بِنَفْسِ الْوَضْعِ وَالْخُصُوصُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شيئا دُونَ غَيْرِهِ وكان يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ذلك الْغَيْرُ تَعْرِيفُ الْمُخَصَّصِ وَأَمَّا الْمُخَصَّصُ فَيُطْلَقُ على مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ يُوصَفُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ ما يَتَنَاوَلُهُ وَيُوصَفُ النَّاصِبُ لِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ يُوصَفُ الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ يُقَالُ السُّنَّةُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ وَيُوصَفُ الْمُعْتَقِدُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ كما قال الشَّافِعِيُّ يُخَصُّ الْكِتَابُ بِالْخَبَرِ وَغَيْرُهُ لَا يُخَصُّ تَعْرِيفُ التَّخْصِيصِ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ وهو الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ فَهُوَ لُغَةً الْإِفْرَادُ وَمِنْهُ الْخَاصَّةُ وَاصْطِلَاحًا قال ابن السَّمْعَانِيِّ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِالْحُكْمِ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ بَيَانُ ما لم يُرِدْ بِلَفْظِ الْعَامِّ وقال ابن الْحَاجِبِ قَصْرُ الْعَامِّ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَرَدَ بِأَنَّ لَفْظَ الْقَصْرِ يَحْتَمِلُ الْقَصْرَ في التَّنَاوُلِ أو الدَّلَالَةِ أو الْحَمْلِ أو الِاسْتِعْمَالِ وَذَكَر ابن الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُطْلَقُ على قَصْرِ اللَّفْظِ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ عَامًّا كما يُطْلَقُ الْعَامُّ على اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ مُسَمَّيَاتِهِ كَالْعَشَرَةِ وَالْمُسْلِمِينَ لِمَعْهُودَيْنِ وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ وَقِيلَ إخْرَاجُ ما يَتَنَاوَلُ الْخِطَابَ وهو أَحْسَنُ لِأَنَّ الصِّيغَةَ الْعَامَّةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الْمُعَارِضِ مُقْتَضَى الْإِرَادَةِ شُمُولُ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَيُخَصَّصُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِالْحُكْمِ دُونَ بَعْضٍ فَهِيَ دَاخِلَةٌ في جُمْلَةِ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ ظَاهِرًا مُخْرَجَةٌ عنه بِالتَّخْصِيصِ وَحِينَئِذٍ فَالْإِخْرَاجُ عن الدَّلَالَةِ أو التَّنَاوُلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْمُمْكِنُ إخْرَاجُ بَعْضِ الْمُتَنَاوَلِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ إذَا ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِبَعْضِ ما اشْتَمَلَ عليه عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْخِطَابِ وَأَنَّ الْمُرَادَ ما عَدَاهُ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ كان دَاخِلًا في الْخِطَابِ فَخَرَجَ عنه بِدَلِيلٍ وَإِلَّا لَكَانَ نَسْخًا ولم يَكُنْ تَخْصِيصًا فإن الْفَارِقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالتَّخْصِيصَ بَيَانُ ما قُصِدَ له بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ قد أَرَادَ بَعْضَ ما وُضِعَ له دُونَ بَعْضٍ وَذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْخُصُوصِ الذي يُوضَعُ في الْأَصْلِ لِلْخُصُوصِ وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ لَا تُصَيِّرُهُ مَوْضُوعًا في الْأَصْلِ لِذَلِكَ وَلَوْ كان حَقِيقَةً لَكَانَ الْعَامُّ خَاصًّا وهو مُتَنَافٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ خَاصًّا بِالْقَصْدِ كَالْأَمْرِ يَصِيرُ أَمْرًا بِالطَّلَبِ وَالِاسْتِدْعَاءِ انْتَهَى وَكَذَا قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هذا عَامٌّ مَخْصُوصٌ أو قد خُصَّ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ يَقُولُونَ هو لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَقَدْ تَجَوَّزَ بِهِ عن حَقِيقَتِهِ وَوَضْعِهِ فلم يَتَصَرَّفْ في الْوَضْعِ ولم يُغَيِّرْ حتى يُقَالَ ذلك وَإِلَّا فَإِذَنْ هذا اللَّفْظُ مُؤَوَّلٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَضْعَهُ لِلْعُمُومِ وَاسْتُعْمِلَ في غَيْرِ وَضْعِهِ مَجَازًا فَهُوَ عَامٌّ من جِهَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ وَخَاصٌّ بِالْإِرَادَةِ أو التَّجَوُّزِ إذْ قُصِدَ بِهِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وَإِلَّا فَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ بِالْوَضْعِ لَا يَنْقَلِبُ عن وَضْعِهِ بِالْإِرَادَةِ قَالَا وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ بَلْ هو عَلَامَةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْعَامُّ بِالْوَضْعِ أو الصَّالِحُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ الْخُصُوصَ فَيُقَالُ على سَبِيلِ التَّوَسُّعِ لِمَنْ عَرَفَ ذلك إنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ أَيْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ قال الْقَاضِي وَأَمَّا عِنْدَنَا يَعْنِي الْوَاقِفِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِلصِّيَغِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ وَلَكِنَّهُ بَيَانٌ مُشْتَرَكٌ وَيَحْتَمِلُ من اللَّفْظِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لَمَّا كان التَّخْصِيصُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ عن الْإِرَادَةِ منه وَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ قَصْدَ الْإِخْرَاجِ عن الْإِرَادَةِ وَأَمَّا الْعَامُّ فَيَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ بِوَضْعِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ من الْأَفْرَادِ وَلَيْسَ من شَرْطِهِ إرَادَةُ الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ إذَا لم يَخْرُجْ منه بَعْضُ الْأَفْرَادِ كَفَتْ الْإِرَادَةُ الْعَامَّةُ لِتَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجُمْلَةِ أَفْرَادِهِ حُصُولُ الْحُكْمِ في الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ وَإِنْ لم يَخْطُرْ بِالْبَالِ ذلك الْفَرْدُ بِخُصُوصِهِ قال وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه أَعْنِي أَنَّهُ ليس من شَرْطِ الْعَامِّ إرَادَةُ كل فَرْدٍ من أَفْرَادِهِ بِخُصُوصِهِ انْتَهَى وقال الْعَبَّادِيُّ في زِيَادَاتِهِ الْعِبَارَاتُ أَمَارَاتُ الْإِرَادَاتِ فإذا خُصَّتْ الْعِبَارَةُ خُصَّتْ الْإِرَادَةُ وإذا عَمَّتْ عَمَّتْ وهو جَارٍ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الْمُخَصِّصِ الْخِصِّيصَ أَمْ لَا قَوْلَانِ قالت الْأَشْعَرِيَّةُ بِالثَّانِي وَالْمُعْتَزِلَةُ بِالْأَوَّلِ وَهُمَا الْقَوْلَانِ في تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في التَّخْصِيصِ مُقَارَنَةُ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْعَقْلِيُّ مَحَلُّ وِفَاقٍ في اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي في بَابِ الْحَجِّ حِكَايَةُ خِلَافٍ في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالتَّكْلِيفِ ما يَدُلُّ على النَّسْخِ ولم يَذْكُرُوهُ هُنَا لِأَنَّهُ أَخَفُّ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالنَّسْخِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِنَقْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وقد فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَالنَّسْخَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَزْمَانِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الثَّانِي أَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمَانَ وَالْأَعْيَانَ وَالْأَحْوَالَ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَزْمَانَ قال الْغَزَالِيُّ وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ فإن الْأَعْيَانَ وَالْأَزْمَانَ لَيْسَا من أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالنَّسْخُ يَرِدُ على الْفِعْلِ في بَعْضِ الْأَزْمَانِ وَالتَّخْصِيصُ يَرِدُ على الْفِعْلِ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه يَكُونُ لِكُلِّ الْأَفْرَادِ وَعَلَى هذا فَالنَّسْخُ أَعَمُّ قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ لَكِنْ اخْتَارَ إمَامُهُ خِلَافَهُ فإنه قال النَّسْخُ لَا مَعْنَى بِهِ إلَّا تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بِطَرِيقٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ فَرْقَ ما بين الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وقد سَبَقَهُ إلَى ذلك الْأُسْتَاذُ فِيمَا نَقَلَهُ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ النَّسْخِ فقال صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ بِأَنَّ النَّسْخَ تَخْصِيصٌ في الزَّمَانِ وَاعْتَرَضَ عليه الرَّابِعُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَقْلِيلٌ وَالنَّسْخَ تَبْدِيلٌ وقال هذا لَفْظٌ جَمِيلٌ وَلَكِنْ رِيعُهُ قَلِيلٌ وَمَعْنَاهُ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَبْدِيلٌ وَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ قال تَعَالَى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إثْمُهُ على الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ الْخَامِسُ أَنَّ النَّسْخَ يَتَطَرَّقُ إلَى كل حُكْمٍ سَوَاءٌ كان ثَابِتًا في حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ أو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ وَالتَّخْصِيصُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَوَّلِ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنه بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ في الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ وَالنَّسْخَ يَدْخُلُ فيه السَّادِسُ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبْقِي دَلَالَةَ اللَّفْظِ على ما بَقِيَ تَحْتَهُ حَقِيقَةً كان أو مَجَازًا على الْخِلَافِ وَالنَّسْخُ يُبْطِلُ دَلَالَةَ حَقِيقَةِ الْمَنْسُوخِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمَنِ بِالْكُلِّيَّةِ السَّابِعُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَخْصُوصِ وِفَاقًا الثَّامِنُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ وَقَعَ في كُتُبِ الْعُلَمَاءِ كَثِيرًا وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ قد تَنْسَخُ بَعْضَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَمَّا كُلَّهَا فَلَا لِأَنَّ قَوَاعِدَ الْعَقَائِدِ لم تُنْسَخْ وَكَذَلِكَ حِفْظُ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ فَحِينَئِذٍ النَّسْخُ إنَّمَا يَقَعُ في بَعْضِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ وَإِنْ جَازَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى عَقْلًا التَّاسِعُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فإنه بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ في زِيَادَاتِهِ وَهَذَا على رَأْيِ الْقَاضِي وَأَمَّا على رَأْيِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ انْتِهَاءُ حُكْمٍ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ الْعَاشِرُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ ما أُرِيدَ بِالْعُمُومِ وَالنَّسْخَ بَيَانُ ما لم يُرَدْ بِالْمَنْسُوخِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِالْعَامِّ وَمُقَدَّمًا عليه وَمُتَأَخِّرًا عنه وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُتَقَدِّمًا على الْمَنْسُوخِ وَلَا مُقْتَرِنًا بِهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه الثَّانِي عَشَرَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلٍ وَخِطَابٍ وَالتَّخْصِيصَ قد يَكُونُ بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ وَالْقَرَائِنِ وَسَائِرِ أَدِلَّةِ السَّمْعِ وَيَقَعُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّسْخُ لَا يَقَعُ بِهِ الثَّالِثَ عَشَرَ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ في الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَالنَّسْخُ يَخْتَصُّ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ الرَّابِعَ عَشَرَ التَّخْصِيصُ على الْفَوْرِ وَالنَّسْخُ على التَّرَاخِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وفي هذا نَظَرٌ الْخَامِسَ عَشَرَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَاقِعٌ وَنَسْخُهُ لَا يَقَعُ بِهِ السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ في غَيْرِ الْعَامِّ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ على خِلَافٍ فيه الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ عِنْدَ الْخِطَابِ ما عَدَاهُ وَالنَّسْخُ يُحَقِّقُ أَنَّ كُلَّ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مُرَادٌ في حَالِ الْحَالِ وَإِنْ كان غير مُرَادٍ فِيمَا بَعْدَهُ وكان اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ على الزَّمَانِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَدُلُّ على الْفِعْلِ ثُمَّ الزَّمَانُ ظَرْفٌ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الْفُرُوقَ أَكْثَرُهَا أَحْكَامٌ أو لَوَازِمُ ثَابِتَةٌ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بَعْدَهُ هل يَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِمَا دُونَهُ نَسْخًا أو تَخْصِيصًا فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ من الْبَحْرِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا ما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَوَى بِقَلْبِهِ إلَّا وَاحِدَةً قال في الْإِفْصَاحِ فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ في الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَالثَّانِي يَصِحُّ في الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَإِنْ قُلْنَا تَخْصِيصٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ في الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بهذا إلَى الْفَرْقِ الْحَادِيَ عَشَرَ مَسْأَلَةٌ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْخِطَابُ في الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ على أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ فَهَذَا عَامٌّ لَا خَاصٌّ وَاعْتَرَضَ ابن دَاوُد عليه فقال كَيْفَ عَدَّ هذه الْآيَةِ في الْعُمُومَاتِ التي لم يَدْخُلْهَا التَّخْصِيصُ وَاَللَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ وَرَدَّ ابن سُرَيْجٍ عليه وقال أَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْمُخَاطِبَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وقال في كِتَابِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ لِابْنِ دَاوُد وَأَمَّا ما عَرَّضَ بِهِ من قَوْلِهِ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً وَأَيُّ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إلَى هذا وَكَيْفَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومُ ما أَوْمَأَ إلَيْهِ وقد بَدَأَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ فَأَخْبَرَ بِقَوْلِهِ اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ وَهَلْ تَحْتَمِلُ الْأَوْهَامُ في الْمُخَاطَبَةِ ما أَوْمَأَ إلَيْهِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُطِيقُ الْكَلَامَ لَكَانَ عليه فيه كَلَامٌ كَثِيرٌ وَيَقُولُ إنَّ الْآيَةَ تَخْرُجُ عَامَّةً في مَذَاهِبِ جَمِيعِ الناس لِأَنَّهُ لَمَّا كان ما عَرَّضَ بِهِ في اللَّهِ مُحَالًا خَارِجًا عن الْوَهْمِ عُلِمَ أَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يُخَرَّجُ على ما يُعْقَلُ وَيُتَوَهَّمُ دُونَ ما لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَوَهَّمُ فإذا لم يُخَرَّجْ على ما لَا يُتَوَهَّمُ لم يَدْخُلْ في ذلك عُمُومٌ وَلَا خُصُوصٌ ثُمَّ قال بَعْدَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ في دَفْعِ ما أَوْرَدَهُ ابن دَاوُد مِمَّا يَسْتَحِيلُ انْدِرَاجُهُ في الصِّفَاتِ قد أَوْمَأْنَا إلَى جُمَلٍ وَكَرِهْنَا التَّفْسِيرَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ بَعْدَهُ يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ في هذا انْتَهَى وقال الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ اعْتَرَضَ ابن دَاوُد وَيَحْيَى بن أَكْثَمَ على الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ إنَّهُ عَامٌّ وَجَهِلُوا الصَّوَابَ وَذَهَبُوا عن اللُّغَةِ وَذَلِكَ لو أَنَّ رَجُلًا من كِبَارِ أَهْلِ بَغْدَادَ قال أَطْعَمْت أَهْلَ بَغْدَادَ جميعا لم يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِمْ ولم تَقُلْ له خَرَجْت أنت بِخُصُوصٍ وَإِنَّمَا الْعُمُومُ في الْمُطْعَمِينَ سِوَاهُ لِأَنَّهُ هو الْمُطْعِمُ لهم قال وفي الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَثَانِيهمَا أَنَّ ما سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِيمَا سِوَاهُ قال وَلَا شَكَّ أَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ لَا تُطْلَقُ على اللَّهِ وَإِنْ شَمِلَتْ الْمَوْجُودَاتِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَسَنَدُ الْمَنْعِ كَوْنُ الْأَسْمَاءِ تَوْقِيفِيَّةً وَلِأَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ مَأْخُوذَةٌ من شَاءَ وَالشَّاءُ من الْمُحْدَثِ الذي ليس بِقَدِيمٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ فَلَا يَصْدُقُ فيه ذلك الثَّانِي خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ يا أَيُّهَا النبي قُلْ لِأَزْوَاجِك الْآيَةُ فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ عليه السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ على أَحَدٍ التَّخْيِيرُ الثَّالِثُ خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الْآيَةُ الْخِطَابُ معه وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وقد نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الْكِتَابِ ولم يُنَزِّلْ في الْكِتَابِ إلَّا هذه الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك وَقَوْلِهِ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَلَا يُصَارُ إلَى ذلك إلَّا بِدَلِيلِ غَيْرِ الْخِطَابِ وَأَنْكَرَ ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وُجُودَ هذا الْقِسْمِ وقال ليس مَوْجُودًا في اللُّغَةِ وهو مَحْجُوبٌ بِمَا ذَكَرْنَا الرَّابِعُ خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَهَذَا اُخْتُلِفَ فيه وَالْأَكْثَرُونَ على جَوَازِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ قال لهم الناس إنَّ الناس قد جَمَعُوا لَكُمْ فإن الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْأَوَّلُ نُعَيْمُ بن مَسْعُودٍ أو أَرْبَعَةُ نَفَرٍ كما قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ قال الْكَرْخِيُّ وهو مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وإذا خَاطَبَ بِذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّنَا على مُرَادِهِ بِهِ وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الدَّلِيلِ الْخِطَابَ أو يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عنه فيه الْقَوْلَانِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى إنْكَارِ هذا الْقِسْمِ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْجُمْلَةِ وَلَا يَجُوزُ في قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا أَنَّ هذه الصِّيغَةَ مُرَادٌ بها أَلْفُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً أَطْلَقُوا الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ منهم صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَخَصَّهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ في الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُمْ بِالْخَبَرِ ولم يَنْقُلُوا الْخِلَافَ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ جَعَلُوهُ مَحَلَّ وِفَاقٍ كَالنَّسْخِ وهو الظَّاهِرُ فإن الْمَانِعَ هُنَا في الْخَبَرِ قِيَاسُ التَّخْصِيصِ على النَّسْخِ كما قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهُ عَامًّا مَخْصُوصًا وَيَقُولُ إنَّهُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَال عليه بِمَا ذَكَرُوهُ من الْآيَاتِ الْمُخَصِّصَةِ وهو قَوِيٌّ وَمِنْ هُنَا قال بَعْضُهُمْ يُشْتَرَطُ في التَّخْصِيصِ وُرُودُهُ في الْإِنْشَاءَاتِ لَا في الْأَخْبَارِ فإنه لَا يَكُونُ فيها عَامٌّ مَخْصُوصٌ بَلْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَائِدَةٌ عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ في الْأَكْثَرِ حتى قال الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ليس في الْقُرْآنِ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ إلَّا أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فَكُلُّ من سُمِّيَتْ أُمًّا من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ أو أُمِّ أُمٍّ وَإِنْ عَلَتْ فَهِيَ حَرَامٌ ثَانِيهَا قَوْلُهُ كُلُّ من عليها فَانٍ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثَالِثُهَا قَوْلُهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ رَابِعُهَا وَأَنَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ خَامِسُهَا وما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إلَّا على اللَّهِ رِزْقُهَا وَغَلِطَ من جَعَلَ منه قَوْله تَعَالَى وَاَللَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ إذْ الْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ الْمَعْدُومَ لَا يُطْلَقُ عليه شَيْءٌ عِنْدَنَا حَقِيقَةً فما بِالْمُسْتَحِيلِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي في الْخَصَائِصِ في قَوْله تَعَالَى له ما في السَّمَوَاتِ وما في الْأَرْضِ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ من مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَتْ له فَبَنَاهُ على مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ في الِاعْتِزَالِ فَصْلٌ في الْفَرْقِ بَيْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لم يَتَعَرَّضُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ فيه مِمَّا أَثَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِنَا فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ هل هو عَامٌّ مَخْصُوصٌ أو عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ في كِتَابِ الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ما كان الْمُرَادُ بِهِ أَقَلَّ وما ليس بِمُرَادٍ هو الْأَكْثَرُ قال أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هو الْأَكْثَرُ وما ليس بِمُرَادٍ هو الْأَقَلُّ قال وَيَفْتَرِقَانِ في الْحُكْمِ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ وَهَذَا يُمْكِنُ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِهِ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي بَيْنَهُمَا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَامَ الْمَخْصُوصَ ما يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ وما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ وَالْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ما يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ وما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ على اللَّفْظِ وَفِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مُتَأَخِّرٌ عن اللَّفْظِ أو يَقْتَرِنُ بِهِ وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا من الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ فقال في شَرْحِ الْإِمَامِ يَجِبُ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بين قَوْلِنَا هذا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَبَيْنَ قَوْلِنَا هذا عَامٌّ مَخْصُوصٌ فإن الثَّانِيَ أَعَمُّ من الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ بِاللَّفْظِ أَوَّلًا ما دَلَّ عليه ظَاهِرُ الْعُمُومِ ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذلك بَعْضَ ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ كان عَامًّا مَخْصُوصًا ولم يَكُنْ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ثُمَّ يُقَالُ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ الذي أُخْرِجَ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ إذَا قَصَدَ الْعُمُومَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْخُصُوصَ بِخِلَافِ ما إذَا نَطَقَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ مُرِيدًا بِهِ بَعْضَ ما يَتَنَاوَلُهُ في هذا وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ من الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَعْضًا مُعَيَّنًا فَهُوَ الْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَإِنْ أَرَادَ سَلْبَ الْحُكْمِ عن بَعْضٍ منه فَهُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِثَالُهُ قَوْلُهُ قام الناس فإذا أَرَدْت إثْبَاتَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ مَثَلًا لَا غَيْرُ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَإِنْ أَرَدْت سَلْبَ الْقِيَامِ عن زَيْدٍ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَامَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إنَّمَا يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ مَعْنَوِيٍّ يَمْنَعُ إرَادَةَ الْجَمِيعِ فَيَتَعَيَّنُ له الْبَعْضُ وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ غَالِبًا كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةُ وَالْمُتَّصِلُ نَحْوُ قام الْقَوْمُ ثُمَّ يقول ما قام زَيْدٌ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ هو أَنْ يُطْلَقَ الْعَامُّ وَيُرَادَ بِهِ بَعْضُ ما يَتَنَاوَلُهُ هو مَجَازٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في بَعْضِ مَدْلُولِهِ وَبَعْضُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ قال وَشَرْطُ الْإِرَادَةِ في هذا أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ اللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي طُرُوءُهَا في أَثْنَائِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منها نَقْلُ اللَّفْظِ عن مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَلَيْسَتْ الْإِرَادَةُ فيه إخْرَاجًا لِبَعْضِ الْمَدْلُولِ بَلْ إرَادَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ مَوْضُوعِهِ كما يُرَاد بِاللَّفْظِ مَجَازُهُ وَأَمَّا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَهُوَ الْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ مُخَرَّجًا منه بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِالْإِرَادَةِ إرَادَةً لِلْإِخْرَاجِ لَا إرَادَةً لِلِاسْتِعْمَالِ فَهِيَ تُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ اللَّفْظِ وَلَا تَأْخِيرُهَا عنه بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا في أَثْنَائِهِ كَالْمَشِيئَةِ في الطَّلَاقِ وَهَذَا هو مَوْضُوعُ خِلَافِهِمْ في أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ مَجَازٌ أو حَقِيقَةٌ وَمَنْشَأُ التَّرَدُّدِ أَنَّ إرَادَةَ إخْرَاجِ بَعْضِ الْمَدْلُولِ هل تُصَيِّرُ اللَّفْظَ مُرَادًا بِهِ الْبَاقِي أو لَا وهو يُقَوِّي كَوْنَهُ حَقِيقَةً لَكِنَّ الْجُمْهُورَ على الْمَجَازِ وَالنِّيَّةُ فيه مُؤَثِّرَةٌ في نَقْلِ اللَّفْظِ عن مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ عَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ الْبَدَلَ في الْمُخَصَّصَاتِ ليس بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْأَوْلَى في قَوْلِنَا أَكَلَتْ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ أَنَّهُ من الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ لَا الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ قال عَلِيُّ بن عِيسَى النَّحْوِيُّ في كِتَابِ الْعَرَضُ وَالْآلَةُ إذَا أتى بِصُورَةِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فَهُوَ مَجَازٌ إلَّا في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إذَا صَارَ الْأَظْهَرُ الْخُصُوصَ كَقَوْلِهِمْ غَسَلْت ثِيَابِي وَصَرَمْت نَخْلِي وَجَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ وَجَاءَتْ الْأَزْدُ انْتَهَى فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ من حَقِّ التَّخْصِيصِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ فَاللَّفْظُ الذي لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَعْنَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ منه لِأَنَّهُ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مع بَقَاءِ الْبَعْضِ وَالْوَاحِدُ لَا بَعْضَ له فَاسْتَحَالَ تَخْصِيصُهُ وَلِهَذَا قال ابن الْحَاجِبِ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصٌ إلَّا في ذِي أَجْزَاءٍ يَصِحُّ افْتِرَاقُهَا لِيُمْكِنَ صَرْفُهُ إلَى بَعْضٍ يَصِحُّ الْقَصْرُ عليه وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْوَاحِدَ يَنْدَرِجُ فيه الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ وهو يَصِحُّ إخْرَاجُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ لِصِحَّةِ قَوْلِك رَأَيْت زَيْدًا وَتُرِيدُ بَعْضَهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ وَأَمَّا الذي يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ من وَاحِدٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُمُومُهُ من جِهَةِ اللَّفْظِ أو الْمَعْنَى أَيْ الِاسْتِنْبَاطِ فَالْأَوَّلُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ أَمْرًا أو خَبَرًا نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ خُصَّ الذِّمِّيُّ وَمَنْ في مَعْنَاهُ وَالثَّانِي على ثَلَاثَةٍ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا الْعِلَّةُ وقد اُخْتُلِفَ في تَخْصِيصِهَا على مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ وَالْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ الْمَنْعُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في بَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسَمَّاةُ هُنَاكَ بِالنَّقْصِ كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِأَجْلِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ وَوَجَدْنَا هذه الْعِلَّةَ في الْعَرَايَا مع أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَهُ فيها الثَّانِي مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَدَلَالَةِ التَّأْفِيفِ على حُرْمَةِ الضَّرْبِ فَالتَّخْصِيصُ فيه جَائِزٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَلْفُوظِ وهو التَّأْفِيفُ في مِثَالِنَا هذا وَمَنَعَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ من جَوَازِ تَخْصِيصِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ في الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ إلَّا في الْأَلْفَاظِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا قال فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وكان الْمَنْعُ من أَجْلِ الْأَذَى لم يَجُزْ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على إجَازَةِ الضَّرْبِ مع أَنَّ فيه أَذًى لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ قالوا وَهَكَذَا الْقِيَاسُ لَا يَدْخُلُهُ تَخْصِيصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ تَنْبَنِيَانِ على الْوَجْهَيْنِ في الْمَعْلُومِ من جِهَةِ الْفَحْوَى هل هو من جِهَةِ اللُّغَةِ أو من جِهَةِ الْقِيَاسِ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَشَرَطَ الْهِنْدِيُّ في الْجَوَازِ أَنْ لَا يَعُودَ نَقْصًا على الْمَلْفُوظِ كَإِبَاحَةِ ضَرْبِ الْأُمِّ إذَا فَجَرَتْ أَمَّا إذَا عَادَ نَقَضَا على الْمَلْفُوظِ كما إذَا قال فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ لَكِنْ أَبَاحَ له نَوْعًا من أَنْوَاعِ الْأَذَى مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ هذا كُلُّهُ مع بَقَاءِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ أَمَّا لو وَرَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ على إخْرَاجِ الْمَلْفُوظِ وهو التَّأْفِيفُ مَثَلًا فإنه لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بَلْ نَسْخًا له وَلِلْمَفْهُومِ أَيْضًا لِأَنَّ رَفْعَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْفَرْعِ الثَّالِثُ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَسَائِمَةِ الْغَنَمِ فإن مَفْهُومَهُ نَفْيُ الْإِيجَابِ عن مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ على ثُبُوتِ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الْمَسْكُوتِ عنه الذي ثَبَتَ فيه الْمَفْهُومُ خِلَافَ ما ثَبَتَ لِلْمَنْطُوقِ وَيُعْمَلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بين الدَّلِيلِينَ فَتُخَصُّ الْمَعْلُوفَةُ الْمُعَدَّةُ لِلتِّجَارَةِ من هذا الْعُمُومِ وَشَرَطَ الْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاصِلِ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصَّصُ رَاجِحًا ولم يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ في الْمُخَصَّصِ الرُّجْحَانُ وَمِنْهُمْ من مَنَعَ من تَخْصِيصِهِ كما حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وهو احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ مَنَعَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ اللَّفْظَ وَاخْتَارَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي الْمَنْعُ فِيهِمَا مُطْلَقًا نعم هذا اخْتِيَارُ سُلَيْمٍ الرَّازِيَّ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ فإنه مَنَعَ دُخُولَ التَّخْصِيصِ لِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ثُمَّ قال وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّفْظِ إنْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا لم يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ وَإِنْ تَنَاوَلَ أَشْيَاءَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ قال شَارِحُ اللُّمَعِ تَخْصِيصُ دَلِيلِ الْخِطَابِ قبل اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يَنْبَنِي على الْوَجْهَيْنِ فيه هل هو كَالنُّطْقِ أو كَالْقِيَاسِ فَإِنْ قُلْنَا كَالْقِيَاسِ لم يَجُزْ تَخْصِيصُهُ وَإِنْ قُلْنَا كَالنُّطْقِ فَفِي تَخْصِيصِهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ مَبْنِيَّانِ على الْمَعْنَى في فَحْوَى الْخِطَابِ قال فَأَمَّا إذَا اسْتَقَرَّ كان ما يَرِدُ مُنَاقِضًا له من بَابِ النَّسْخِ مَسْأَلَةٌ الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَنَحْوِهَا هل يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ فيه قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ أَحَدُهُمَا لَا وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن بَعْضِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ الْمَازِرِيُّ وَلِهَذَا قالوا إنَّ التَّأْكِيدَ يَنْفِي التَّجَوُّزَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضَ وَيَشْهَدُ له قَوْله تَعَالَى يَقُولُونَ هل لنا من الْأَمْرِ من شَيْءٍ قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ في قِرَاءَةِ النَّصْبِ لِأَنَّهُ لو لم يُعَيِّنْهُ لِلْعُمُومِ لَمَا قال هل لنا من الْأَمْرِ من شَيْءٍ وَهَذَا يَدْخُلُ في الْمَجَازِ لَا في التَّخْصِيصِ وَأَصَحُّهُمَا نعم بِدَلِيلِ ما جاء في الحديث فَأَحْرَمُوا كلهم إلَّا أَبَا قَتَادَةَ لم يُحْرِمْ فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مع تَأْكِيدِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ إنْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا فَإِنْ قِيلَ التَّأْكِيدُ هُنَا مُقَدَّرٌ حُصُولُهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَالْمُؤَكَّدُ هُنَا إنَّمَا هو غَيْرُ الْمُخْرَجِ قُلْنَا كَيْفَ يَفْعَلُ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا وَالِاسْتِغْرَاقُ فيه مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ لَا تَتَنَاهَى قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَمِمَّا زَلَّ فيه النَّاقِلُونَ عن الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مع الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً وَهَذَا إنْ صَحَّ يُحْمَلُ على مَوَانِعِ الْعُمُومِ كَالصِّيَغِ الْمُؤَكَّدَةِ انْتَهَى وقد صَرَّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا فقال في كِتَابِهِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ الْمُؤَكِّدُ وَمَثَّلَهُ بِالْآيَةِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ قال وَالتَّأْكِيدُ لَا يُزِيلُ احْتِمَالَ اللَّفْظِ وَإِلَّا لم يَدْخُلْهُ اسْتِثْنَاءٌ وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ من كِتَابِهِمَا ثُمَّ قال وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُؤَكَّدِ وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ كَوُجُودِهِ من قَبْلُ ا هـ وَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا في جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالْأَبَدِيَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْهِنْدِيِّ في بَابِ النَّسْخِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ تَنْبِيهٌ إذَا عُطِفَ الْخَاصُّ على الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ له وَقُلْنَا إنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ وَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْخُصُوصِ وَمَرَّةً بِالْعُمُومِ يَجِيءُ في تَخْصِيصِهِ هذا الْخِلَافُ مسألة في الغاية التي ينتهي إليها التخصيص اختلف في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب أحدها أنه لا بد من بقاء جمع كثير ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين البصري وصححه الرازي وقال في الآمدي وبه قال أكثر أصحابنا وإليه مال إمام الحرمين ونقله ابن برهان عن المعتزلة قلت وعبارة أبي الحسين في المعتمد الأولى المنع من ذلك في جميع أفراد العموم وإيجاب أن يراد بها كثرة وإن لم يعلم قدرها إلا أن يستعمل في الواحد على سبيل التعظيم والإبانة فإن ذلك يجري مجرى الكثير وأما غير ذلك فلا انتهى وقال الأصفهاني ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد نعم اختاره الغزالي والرازي واختلف في ذلك الكثير فقال أكثرهم لا بد أن يعرف من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص وقال البيضاوي لا بد أن يكون غير محصور وقال ابن برهان في الأوسط لم يحدوا الكثرة هنا بل قالوا تعرف بالقرائن وأغرب بعضهم فادعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عددا بل الكثير وقوعا والغالب وجودا بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام وقال آخرون شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثير وإما في الاعتبار أما في الكثرة فكما إذا قلت كل إنسان مصاب وكل محسن مشكور فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك ويحسن أن لا يقدح في كلامه وأما في الاعتبار فكما إذا قلت خرج الناس كلهم للقاء الملك فإن المراد من له اعتبار وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا والثاني أن العام إن كان ظاهرا مفردا كمن والألف واللام نحو اقتل من في الدار واقفع السارق جاز التخصيص إلى أهل المراتب وهو واحد لأن الاسم يصلح لهما جميعا وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف قاله القفال الشاشي كذا رأيته في كتابه في نسخة قديمة واعتمد ابن الصباغ في العدة أيضا فاضبط ذلك فقد زال الناقلون عنه في هذه المسألة فنقل ابن برهان في الأوسط عنه جواز الرد إلى الواحد مطلقا ونقل القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية وابن السمعاني في القواطع عنه جواز الرد إلى ثلاثة ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ لكن ظاهر كلام القاضي أن من وما محل وفاق فإنه قال لنا إن كل ما جاز تخصيصه إلى ثلاثة جاز تخصيصه إلى ما دونها كمن وما انتهى وبذلك صرح الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني فقال لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا كمن وما والمفرد المحلى بالألف واللام وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس كالسارق والسارقة بالجمع المعروف في امتناع رده إلى الواحد كذلك والفرق بين الصيغتين أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن الموضع ولا كذلك من وما والمفرد المحلى بالألف واللام لتناول الواحد والاثنين قال الأصفهاني وينبغي أن يلحق أي بمن وما قلت وهو كذلك لوجود العلة وبه صرح إلكيا الطبري وقال بعض المتأخرين ما أظن القفال يقول به في كل تخصيص فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد بل الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل علي عشرة إلا تسعة ويحتمل أن يعم الخلاف إلا لأن الظاهر خلاف من المنقول عنه ثم قلت وحكى أبو الحسين بن القطان الخلاف في الاستثناء فقال ذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجوز أن يستثنى إلا أن يبقى أقل الجمع وهو ثلاثة وأنه يمتنع إذا بقي منه واحد أو اثنان وذهب بعضهم إلى جوازه وأنه يحل التخصيص محل الاستثناء وقد اتفقنا على جواز استثناء الأقل من الأكثر وعكسه انتهى قال صاحب المصادر والذي ذهب إليه القفال عجيب لأنه إن كان البلوغ في لفظ من إلى الواحد أو الاثنين يجعله مجازا عنده فهلا جاز مثل ذلك في ألفاظ الجمع والثالث التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد وإلا فلا حكاه ابن المطهر والرابع أنه لا يجوز رده إلى أقل الجمع مطلقا على حسب اختلافهم في أقل الجمع حكاه ابن برهان وغيره والخامس أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم ما بقي في قضية اللفظ واحد وحكاه إمام الحرمين في التلخيص عن معظم أصحاب الشافعي قال وهو الذي اختاره الشافعي ونقله ابن السمعاني في القواطع عن سائر أصحابنا ما عدا القفال وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله عن إجماع أئمتنا وحكاه ابن الصباغ في العدة عن أكثر أصحابنا وصححه القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وقال ابن برهان في الأوسط إنه ظاهر المذهب ونسبه القاضي عبد الوهاب في الإفادة إلى الجمهور وقال صاحب المصادر إنه الصحيح قال إلا أن ألفاظ الجمع كالرجال والناس متى بلغ التخصيص منها إلى أقل من ثلاث صار اللفظ مجازا بخلاف لفظ من ما فإنه لا يصير مجازا وما أظن أصحابنا يوافقون على صحة ذلك وقد قالوا في كتاب الطلاق لو قال نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة يقبل وقال القاضي الحسين يجب أن لا يقبل لأن النساء لفظ الجمع فينبغي أن يبقى من عدد النساء ما يكون اللفظ مطابقا له لأن أقل الجمع ثلاثة انتهى وكلام القاضي موافق لمذهب القفال والسادس الذي اختاره ابن الحاجب قال الأصفهاني في شرح المحصول ولا نعرفه لغيره أن التخصيص إن كان متصلا فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز إلى الواحد نحو أكرم الناس إلا الجهال وأكرم الناس تميم فيجوز وإن لم يكن العالم إلا واحدا إن كان بالصفة والشرط فيجوز إلى اثنين نحو أكرم القوم الفضلاء أو إذا كانوا فضلاء وإن كان التخصيص بمنفصل وكان في العام المحصور القليل كقولك قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة ولم يبق سوى اثنين جاز إلى اثنين إن كان غير محصور أو محصورا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام وحاصل مذهبنا على ما ذكره الشيخ أبو حامد وسليم في التقريب أن العام إن كان واحدا معرفا باللام كالسارق ونحوه جاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد بلا خلاف وكذلك الألفاظ المبهمة كمن وما لا خلاف فيه وفي معناه الطائفة وإن كان كذلك جمعا كالمسلمين أو ما في معناه كالرهط والقوم جاز تخصيصه إلى أن يبقى أقل الجمع وفي جواز تخصيصه إلى أن يبقى أقل من ذلك وجهان أحدهما يجوز وهو قول العراقيين والمعتزلة كما قاله سليم الثاني لا يجوز وهو قول القفال انتهى وقال الشيخ أبو حامد والصحيح عندي أنه يجوز التخصيص إلى أقل من ثلاثة وإن كان اللفظ موضوعا للثلاثة في اللغة حقيقة إلا أنه يجوز أن يعدل به إلى المجاز واحتج له بقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال إلكيا الهراسي هذه المسألة تستدعي تقديم أصل وهو القول في أقل الجمع قلت وعلى ما اختاره الجمهور من الجواز إلى الواحد لا يبقى للبناء على ذلك وجه وقد سبق في مسألة أقل الجمع كلام يتعلق بهذا مسألة اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي على مذاهب أحدها أنه مجاز مطلقا على أي وجه خص سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا أو غيره ونقله الإمام الرازي عن جمهور أصحابنا والمعتزلة كأبي علي وابنه واختاره البيضاوي وابن الحاجب والهندي قال ابن برهان في الأوسط وهو المذهب الصحيح ونسبه إلكيا الطبري إلى المحققين ونقله في المنخول عن القاضي أبي بكر وحكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه في الأصول وسليم في التقريب عن المعتزلة بأسرها وأكثر الحنفية منهم عيسى بن أبان وغيره قلت وبه جزم الدبوسي والسرخسي والبزدوي وحكوه عن اختيار العراقيين من الحنفية وقال الشيخ أبو حامد وحكاه بعض أصحابنا عن الأشعري أيضا ووجهه أنه وضع للمجموع فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة صار مجازا ولأنه حقيقة في الاستغراق فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك والمجاز خير منه والثاني أنه حقيقة فيما بقي مطلقا سواء خص بدليل متصل كالاستثناء أو منفصل كدليل العقل والقياس وغير ذلك قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني وهذا مذهب الشافعي وأصحابه وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة انتهى وقد وافق أبا حامد على ذلك أئمة أصحابنا كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق في اللمع وابن الصباغ في كتاب العدة وسليم في التقريب فجزموا على أنه حقيقة وحكوا الخلاف فيه بالمجاز عن المعتزلة ونقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر علمائنا وقال إمام الحرمين في التلخيص وابن القشيري هو مذهب جماهير الفقهاء ونقله الغزالي في المنخول عن الشافعي وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص هو قول الكل والأكثر من أصحاب الشافعي وبعض الحنفية والمالكية إذا كان الباقي أقل الجمع فصاعدا وقال صاحب المصادر إنه قول أكثر أصحاب الشافعي والثالث إنه إن خص بمتصل لفظي كالاستثناء فحقيقة أو بمنفصل فمجاز وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم وابن برهان وعبد الوهاب عن الكرخي وغيره من الحنفية زاد عبد الوهاب إنه قول أكثرهم قاله ابن برهان وإليه مال القاضي ونقله عن الشيخ أبي إسحاق في اللمع أيضا قلت هو الذي صرح في التقريب فقال ما نصه ولو قررنا القول بالعموم فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول إذا قدر التخصيص باستثناء متصل فاللفظ حقيقة في بقية المسميات وإن قدر بدليل منفصل فاللفظ مجاز لا يستدل به في بقية المسميات وقال كنا قد نصرنا القول بأنه مجاز مطلقا انتهى قال المقترح ذهب القاضي في أحد مصنفاته إلى أنه مجاز مطلقا ثم رجع عنه إلى الفرق بين التخصيص المقارن والمنفصل فقال إن التخصيص المقارن لا يصير اللفظ مجازا بل هو باق حقيقة ونرى أنه كلام واحد والتخصيص المتأخر نقول فيه إنه يبقى مجازا في البقية ويحتمل أن القاضي ما أراد بأنه مجاز إلا في الاقتصار وفيما عدا المبقى أما في دلالة اللفظ وضعا فهو حقيقة والقاضي إنما قال هذا تفريعا على رأي المعممين لأن مذهبه في صيغ العموم الوقف والرابع عكسه كذا حكاه ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار والخامس إن خص بدليل لفظي لم يصر مجازا متصلا كان الدليل أو منفصلا وإن خص بدليل غير لفظي كان مجازا كذا حكاه الآمدي والسادس إن خص بالشرط والتقيد بالصفة فهو حقيقة وإلا فهو مجاز معنى في الاستثناء حكاه أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار والسابع إن كان المخصص مستقلا فهو مجاز سواء كان عقليا أو لفظيا كقول المتكلم بالعام أردت به البعض المعين إن لم يكن مستقلا فهو حقيقة كالاستثناء والشرط والصفة قاله أبو الحسين البصري واختاره الإمام فخر الدين الرازي ولم يذكروا التقييد بالغاية على هذا المذهب قال الهندي وحكمه حكم أخواته من المتصلات ظاهرا إذ لا يظهر فرق بينهما والثامن أنه مجاز فيما أخرج عنه فأما استعماله في بقية المسميات فحقيقة لأنه إذا قال تجب الصلاة على المسلمين ثم أخرجنا من الوجوب المجانين والحيض وأصحاب الأعذار فإطلاق لفظ المسلمين على البقية حقيقة وهو اختيار إمام الحرمين وذكر المقترح في تعليقه على البرهان أنه معنى كلام القاضي قلت وكذا ذكره أبو نصر بن القشيري وهذا الذي قاله الإمام قد أورد القاضي سؤالا على نفسه فقال إن قال قائل إذا خص بعض المسميات فاستعمال اللفظ في الباقي ليس بمجاز بل التجوز في نفي الشمول فلا مجاز إذن في بقية المسميات فالجواب أن هذا ساقط لأن معنى المجاز أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له لغة فترك الاستعمال في المخصص عن المسميات لا يحقق التجوز فيه فإنه عند من استعمل اللفظ الذي وضع فيه فيجب أن يكون في استعمال مجازا إلا فيما ترك استعماله فيه ولفظ الحمار إذا أطلق على البليد لم يكن مجازا لعدم استعماله في الهيئة المخصوصة وإن كان مجازا لاستعماله في غير ما وضع له وكذا ما نحن فيه وإذا بطل طرف وجه التجوز إلى العدم وجب أن يكون مجازا في بقية الأسماء ثم أوضح القاضي هذا فقال لو لم يبق من المسميات إلا واحد فلفظ الجمع مجاز فيه وفاقا ولم يقدر خلافا وإن كان يتناوله اللفظ مع غيره إن قدر عاما فصرف الجمع إلى الواحد كصرف الجمع إلى غير الشمول قال ابن القشيري وهذا الذي ذكره القاضي حق من وجه وكذا الذي ذكره إمام الحرمين حق من وجه وذلك أن انطلاق لفظ المسلمين على جميعهم حقيقة في وضع اللفظ فإذا أخرج الحيض والمجانين تناول لفظ المسلمين البقية بعد هذا الإخراج والتخصيص كتناوله لهم قبل التخصيص لم يتغير منه شيء فمن حيث إن اللفظ يتناولهم فاللفظ حقيقة فيهم ومن حيث إن اللفظ لم يجر على التعميم وإنما وضع التعميم للفظ مجازا ولا بعد أن يكون اللفظ حقيقة من وجه ومجازا من وجه وإنما المحال كونه حقيقة ومجازا من وجه واحد فتأمله انتهى وحاصله أن كونه مجازا من حيث إنه لم يرد به المتكلم بعض مقتضاه لا ينافي أن استعماله في الباقي بجهة الحقيقة وقال الصفي الهندي إنه أجود المذاهب بعد الأول وجزم به في المنخول وفيه نظر إذ ليس للفظ بقضية الوضع جهتان وقال في المستصفى هذا ضعيف فإنه لو رد إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغيير عن موضوعه في الدلالة والتاسع إن بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز وحكاه الآمدي عن أبي بكر الرازي واختاره الباجي من المالكية وجعل القاضي والغزالي محل الخلاف فيما إذا كان الباقي أقل الجمع فأما إذا بقي واحد أو اثنان كما لو قال لا تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة فإنه يصير مجازا بلا خلاف وإن كان حاصلا فيه لأنه اسم جمع والواحد والاثنان ليسا بجمع قلت لكن القاضي حكى في أواخر كلامه عن بعض أصحابنا أنه حقيقة فيما بقي وإن وكان أقل الجمع ثم استبعده فكأنه لم يعبأ بهذا الخلاف لكن الخلاف فيه ثابت استدركه ابن القشيري في أصوله علي القاضي فقال وذكر القاضي أبو الطيب في أصوله عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقة فما بقي وإن كان أقل الجمع ا هـ وحكاه الماوردي عن أبي حامد الإسفراييني فقال إذا لم يبق إلا واحد فالمشهور أن اللفظ يتناوله على المجاز فإن العام بصيغة الجمع في أصل اللغة لا يعبر به عن الواحد قال وحكى القاضي أبو بكر فيه الاتفاق لكن أبا حامد الإسفراييني خالف وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة احتجاجا منه بقوله تعالى فقدرنا فنعم القادرون فأخبر سبحانه عن نفسه بلفظ الجمع وهو سبحانه واحد فإذا ثبت حمل الجمع على الواحد فلا يستنكر حمل العموم المخصوص على الواحد حقيقة قال المازري والمشهور أن موضع الخلاف إنما هو فيما إذا بقي أقل الجمع قلت وحكى الباجي عن أبي تمام من شيوخهم أنه يبقى حقيقة وإن انتهى التخصيص إلى الواحد تنبيهات الأول حكى الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه حكى عن الأشعري القول بأنه مجاز ثم قال وهذا لا يجيء على قوله من وجهين أحدهما أن اللفظ المشترك عنده بين العموم والخصوص إذا دل الدليل على العموم كان حقيقة فكيف يصح على قوله إنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص والثاني أن نقول إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج به مجردا من غير دلالة وهذا معنى قولنا إنه حقيقة في الباقي فإذا سلم هذا لم يبق تحت قولنا إنه مجاز فيما بقي معنى وقال بعض المتأخرين هذا القول أعني كونه مجازا ضعيف أما على قاعدة أصحابنا في إثبات كلام النفس فإن المتكلم بقوله من دخل داري من العلماء فله درهم لم يبين أول كلامه على قصد غير العلماء أصلا فكلام النفس لم يتناول غير العلماء لا حقيقة ولا مجازا لا قبل التخصيص ولا بعده وهي في كلامه سبحانه بمعنى الأول لعلمه بمراده قطعا بل تعبيره بصيغة العموم إنما كان توطئة للإتيان بالخصوص كالجنس مثلا في عموم معناه عندما تورده في تحديد النوع فإنك تأتي به عاما ثم تخصصه باقتران الفصل به فلا يكون العموم من أول القصد أصلا مرادا فكذلك في تخصيص اللفظ العام إذ العموم حقيقة واحدة معقولة في عموم اللفظي كالمعنوي وهذا الذي قاله هذا القائل خارج عن المذاهب السابقة قال وأما على قاعدة المعتزلة في إنكارهم النفسي فهو الحد إذا تصور اللفظ في الذهن للتلفظ به فيكون الخصوص إذن من أول اللفظ وأما علم السامع بالعموم فلا يعتبر إذ ليس له أمر في كلام غيره الثاني أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص وهو الذي أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فإرادة إخراج بعض المدلول هل تعين اللفظ مرادا به الباقي أم لا فإن قلنا بالمنع كان حقيقة وإلا فلا أما العام الذي أريد به الخصوص فالظاهر أنه مجاز قطعا ولا يطرقه هذا الخلاف لأنه مستعمل في بعض مدلوله إلا إذا قلنا إن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة فيحتمل أن يكون حقيقة في كل فرد فيطرقه الخلاف وهو بعيد وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان القول بأنه مجاز صحيح في العموم الذي أريد به بعض ما تناوله عند الإطلاق أما ما وقع التخصيص فيه بعد إرادة العموم به إن صح أنه تخصيص لا نسخ يقوى هذا فيه الثالث إطلاقهم الكلام في هذه المسألة يشمل ما لو كان التخصيص بدليل العقل ونقل بعض الحنفية عن القائلين بأن من المخصصات العقل أنه لا يصير العام ظنيا مثل هذا التخصيص وإنما يصير ذلك فيما يقبل التعليل والتفسير دون ما لا يقبله ألا ترى أن الاستثناء وهو من أدلة التخصيص عندهم كدليل العقل لا يخرج العام من القطع إلى الظن لأنه لا يقبل التعليل فكذا هنا الرابع قد يدعى في القولين الأولين أعني أنه حقيقة أو مجاز أنه لم يتوارد الخلاف فيهما على محل واحد فإن القائل مجاز أراد بالنسبة إلى اللغة والقائل بأنه حقيقة أراد أنها حقيقة شرعية فإن الإجماع على العمل به بعد التخصيص بين أن وضع الشرع في العام إذا خص يكون متناولا للباقي فهو إذن حقيقة شرعية أنبأ عن وضعها الإجماع فصار حقيقة شرعية مجازا لغويا الخامس ذكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه الأصولي وسليم في كتاب التقريب أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن من يقول إن ذلك حقيقة في الباقي يحتج بلفظ العموم فيما لم يخص منه مجردا من غير دليل يدل عليه ومن يقول إنه يكون مجازا لا يمكنه الاحتجاج بالعموم المخصوص فيما بقي إلا بدليل يدل عليه أي على أن حكمه ثابت في الباقي وظهر بهذا أن الخلاف في كون العام المخصوص حجة فرع الكلام في هذا فلهذا أخرنا ذكرها وبه يتضح تقرير مذهبنا في كونه حقيقة لكن إلكيا الطبري عكس ذلك فقرر كونه حجة ثم قال وإذا تقرر أنه ليس بمجمل فاختلفوا هل هو مجاز أم حقيقة والطريقة الأولى أقعد وأحسن السادس قال الشيخ أبو حامد القائلون بأنه مجاز احتجوا بنكتة واحدة وهي أن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا دل الدليل على تخصيصه فإنه يعدل به عن موضوعه بالقرينة فيكون مجازا قال ودليلنا أن لفظ العموم إذا ورد مطلقا فإنه يقتضي استغراق الجنس فإذا ورد التخصيص فإن ذلك يبين ما ليس بمراد باللفظ فيخرجه عنه فلم يؤثر فيما بقي بل يكون ما بقي ثابتا فيه باللفظ فحسب والذي يدل على هذا أن دليل التخصيص مناف لحكم ما بقي من اللفظ ومضاد له فلا يجوز أن يؤثر فيه ويثبت الحكم مع مضادته ومنافاته قال ويصير لأهل الحرب عندنا اسمان كل منهما حقيقة أحدهما حقيقة فيهم بمجرده وهو أن يقول اقتلوا أهل الحرب والآخر حقيقة فيهم بعد وجود قرينة وهو أن يقول اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة ولا يمتنع قبل هذا ألا ترى أنه إذا قال أعطوا فلانا ثوبا أبيض أو أصفر كان ذلك حقيقة في الثوب الأصفر بهذا اللفظ وإذا قال أعطوا ثوبا ولا تعطوه غير الأصفر كان حقيقة فيه عند وجود القرينة فكذلك هذا ويخالف هذا استعمال اسم الحمار في الرجل البليد واسم الأسد في الشجاع لأن ذلك اللفظ يحمل عليه بالقرينة الدالة عليه لا بمجرد اللفظ فإن القرينة تدل على المراد باللفظ وهي مماثلة له في الحكم فهي دالة على ما أريد به فكان اللفظ مستعملا فيه بالقرينة فكان مجازا وليس كذلك استعمال لفظ العموم في الخصوص فإن القرينة ما بينت المراد باللفظ وإنما بينت ما ليس بمراد فكان استعمال اللفظ في المراد بنفسه لا بالقرينة فإنه لا يجوز أن يكون مستعملا بالقرينة والقرينة مضادة له فكان ذلك حقيقة فيما استعمل فيه لا مجازا قال ودلالة ثانية على من سوى بين القرينة المتصلة والمنفصلة يعني يجعل الجميع مجازا لأنه لا فرق عند أهل اللغة بين أن يقول القائل لفلان علي خمسة دراهم وبين قوله عشر إلا خمسة في أن كلا منهما إقرار بخمسة وأما من فرق بين الدليل المنفصل والمتصل فإنه فصل بينهما بأن الكلام إذا اتصل بعضه ببعض بني بعضه على بعض فكان ذلك حقيقة فيما بقي وإذا انفصل بعضه عن بعض لم يبين فكان مجازا فيه وهذا غلط لأنه لا فرق بين القرينة المتصلة والمنفصلة في أن اللفظ بني عليها ودالة على ما ليس بمراد منه وما بقي يكون ثابتا فيها باللفظ لا بالقرينة فيختار أن لا يفترق حالهما بوجه انتهى مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ إذَا خُصَّ فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّ بِمُبْهَمٍ أو مُعَيَّنٍ فَإِنْ خُصَّ بِمُبْهَمٍ كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا بَعْضَهُمْ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ على شَيْءٍ من الْأَفْرَادِ إذْ ما من فَرْدٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هو الْمُخْرَجُ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْمَجْهُولِ من الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا وَلِهَذَا لو قال بِعْتُك هذه الصُّبْرَةَ إلَّا صَاعًا منها لَا يَصِحُّ وَمِثْلُهُ في الْمَنْخُولِ بِمَا لو تَمَسَّكَ في مَسْأَلَةِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ افْعَلُوا الْخَيْرَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى من عُمُومِ هذا الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا وَهَذَا قد ادَّعَى فيه جَمَاعَةٌ الِاتِّفَاقَ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وقال لم يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا كان الْمُخَصَّصُ مُجْمَلًا قال الْقَاضِي وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا في أَمْرٍ وَاجِبٍ على التَّرَاخِي عِنْدَ من أَجَازَ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْعَامِّ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ من مَنَعَ ذلك في أَمْرٍ على الْفَوْرِ قُلْت وما ذَكَرُوهُ من الِاتِّفَاقِ ليس بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَكَى ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ الْخِلَافَ في هذه الْحَالَةِ وَبَالَغَ في تَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِ مع الْإِبْهَامِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى فَرْدٍ شَكَكْنَا فيه هل هو من الْمُخَرَّجِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيَبْقَى على الْأَصْلِ وَيُعْمَلُ بِهِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ مُعَارِضٌ لِلَّفْظِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُعَارِضًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ انْتَهَى وهو صَرِيحٌ في الْإِضْرَابِ عن الْمُخَصِّصِ وَالْعَمَلُ بِالْعَامِّ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ وهو بَعِيدٌ وقد رَدَّ الْهِنْدِيُّ هذا الْبَحْثَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ في الِاحْتِجَاجِ بِهِ في الْكُلِّ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ وَلَا قَائِلَ بِهِ انْتَهَى وَلَيْسَ كما قال فَقَدْ حَكَى الْخِلَافَ فيه صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ وَعِبَارَتُهُ وَقِيلَ إنْ كان الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا لم يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًّا كما كان كَذَا حَكَاهُ أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فقال في كِتَابِهِ الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ ولم يُعْلَمْ مِمَّا يَخُصُّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إحَالَةِ هذا وقال إنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِهِ إنْ أَجَزْنَاهُ وقال بَعْضُهُمْ يَجُوزُ ذلك وَيُعْتَقَدُ فيه الْعُمُومُ إلَّا مَوْضِعًا خُصَّ منه غير أَنَّهُ إذَا جاء ما يَشْتَمِلُ عليه الْعُمُومُ أَمْضَاهُ لِأَنَّهُ لو كان فيه خُصُوصٌ لَخَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ من قال أَقِفُ في هذا لِأَنِّي قد عَلِمْت أَنَّهُ مَخْصُوصٌ وَلَعَلَّ الْحُكْمَ الذي حُكِمَ من حَيِّزِ الْخُصُوصِ كما لو عَلِمَ في الْآيَةِ نَسْخًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْرِيَهُ على الْأَصْلِ لِجَوَازِ النَّسْخِ فَكَذَلِكَ التَّخْصِيصُ انْتَهَى وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ في كُتُبِهِمْ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا إذَا خُصَّ وَجَبَ الْوَقْفُ فيه إلَى الْبَيَانِ سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أو مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَصِيرُ مَجَازًا في الْبَعْضِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ فلم يَبْقَ حُجَّةً وَنُقِلَ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِمَجْهُولٍ لم يَثْبُتْ التَّخْصِيصُ ثُمَّ قال وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدِي من مَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ بَاقٍ على عُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أو مَعْلُومٍ لَكِنَّ دَلَالَتَهُ على أَفْرَادِهِ تَبْقَى ظَنِّيَّةً وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ يَبْقَى عَامًّا فِيمَا وَرَاءَ التَّخْصِيصِ وَيَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ سَوَاءٌ كان الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا وَلَكِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ لَا لِلْعِلْمِ بِخِلَافِ ما قبل التَّخْصِيصِ عِنْدَنَا فإنه قَطْعِيٌّ وَقِيلَ إنْ كان الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وقال الْكَرْخِيُّ وأبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ لَا يَبْقَى لِلْبَاقِي عُمُومٌ وَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ وَلَكِنْ إذَا كان مَعْلُومًا يَبْقَى مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أو مَجْهُولًا لَا يُوجِبُهُمَا بَلْ يُوقَفُ على دَلِيلٍ آخَرَ وَقِيلَ إنْ كان الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا لم يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًا كما كان انْتَهَى وَإِنْ خُصَّ بِمُعَيَّنٍ كما لو قِيلَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أو الْمُسْتَأْمَنَ فَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيقُ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ اخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ في الْبَاقِي مُطْلَقًا وهو قَوْلُ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وابن الْحَاجِبِ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وقال الْقَفَّالُ لَا فَرْقَ بين الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهِ وَلَا بين الْمُتَّصِلِ بِالْخِطَابِ وَالْمُنْفَصِلِ عنه قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَلَكِنَّهُ دُونَهُ ما لم يَتَطَرَّقْ التَّخْصِيصُ إلَيْهِ فَيُكْسِبُهُ ضَرْبًا من التَّجَوُّزِ وَلَوْ رَجَحَ نَهْيُهُ عليه السَّلَامُ عن أَكْلِ كل ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ من الطَّيْرِ على عُمُومِ قَوْلِهِ قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا لَكَانَ الْخَمْرُ وَالْقَاذُورَاتُ الْمُحَرَّمَةُ خَارِجَةً عنها وقال أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ إنَّهُ الذي صَحَّ عِنْدَهُ من مَذْهَبِ السَّلَفِ قال لَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ قَطْعًا بِخِلَافِ ما قبل التَّخْصِيصِ وَكَذَا قال السَّرَخْسِيُّ قال أبو حَنِيفَةَ خُصَّ هذا الْعَامُّ بِالْقِيَاسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ وَإِنْ لم يُوجِبْ الْعِلْمَ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن أَصْحَابِهِمْ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وَنُقِلَ عن عِيسَى بن أَبَانَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْغَزَالِيُّ عن الْقَدَرِيَّةِ قال ثُمَّ منهم من يقول يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ قال وَكَلَامُ الْوَاقِفِيَّةِ في الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ أَظْهَرُ لَا مَحَالَةَ وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ما إذَا كان الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِلْكِيَا قال وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضِعٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عنه بِقَرِينَةٍ وَمِقْدَارُ التَّأْثِيرِ لِلْقَرِينَةِ في اللَّفْظِ مَجْهُولٌ فَلَا يَدُلُّ عليه فَيَصِيرُ مَجْهُولًا قال وهو مُتَّجِهٌ جِدًّا وَغَايَةُ ما يَرُدُّ عليه بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ عَلِمُوا بِمَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ من الْعُمُومِ وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُ من الْقَرَائِنِ التي شَاهَدُوهَا وَأَلِفُوهَا وَكَانُوا بِمَرْأَى من الرَّسُولِ وَمَسْمَعٍ من الْوَحْي الثَّانِي أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ لَيْسَتْ نَصًّا في الِاسْتِغْرَاقِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْخُصُوصِ وَإِجْرَاءِ اللَّفْظِ على غَالِبِ الْمُسَمَّيَاتِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ تَخْطُرُ بِالْبَالِ نعم إنْ كان مَضْمُونُ التَّخْصِيصِ اسْتِثْنَاءَ ما لَا يَشِذُّ عن الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فَيَتَّجِهُ ما قَالَهُ عِيسَى بن أَبَانَ ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ بِأَنَّهُ إسْقَاطُ أَمْرِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْمُمْكِنِ في الْجَوَابِ عنه أَنَّ الْقَدْرَ الذي ظَهَرَ من الْقَرِينَةِ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ وَلَا يُقَدَّرُ وَرَاءَهُ قَرِينَةٌ هِيَ غَائِبَةٌ عَنَّا فإن ذلك يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الْعُمُومِ الذي لم يَتَنَاوَلْهُ تَخْصِيصٌ إجْمَاعًا لِإِمْكَانِ أَنَّهُ بَنَاهُ على سُؤَالٍ وَقَرِينَةِ حَالٍ ا هـ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْقَائِلُ بهذا إنْ كان مِمَّنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ فَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ وَإِنْ كان مِمَّنْ يُثْبِتُهُ فَمِنْ نَفْسِ قَوْلِهِ يَسْقُطُ قَوْلُهُ هذا لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَمَّا بَقِيَ لِأَنَّ الْبَعْضَ خَصَّ وما لم يُخَصَّ دَاخِلٌ ولم يَمْتَنِعْ فِيمَا جاء عَامًّا لِإِمْكَانِ خُصُوصِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِ حتى يُعْلَمَ أَنَّهُ لم يُخَصَّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ ذَهَبَ كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ إلَى أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَوْضُوعَةَ إذَا خُصَّتْ صَارَتْ مُجْمَلَةً وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بها في بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ إلَّا بِدَلِيلٍ كَسَائِرِ الْمَجَازَاتِ وَإِلَيْهِ مَالَ عِيسَى بن أَبَانَ وقال الْمُقْتَرِحُ هذا الْمَذْهَبُ يُعْتَبَرُ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ بِمَا هو كُلٌّ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ فإذا تَبَيَّنَ بِالتَّخْصِيصِ أَنَّ الْكُلَّ ليس مُرَادًا بَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لَا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ وَلَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى من بَعْضٍ فَكَانَ مُجْمَلًا وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِصِفَةِ الظُّهُورِ فإذا وَرَدَ التَّخْصِيصُ تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّمُولَ ليس مُرَادًا فَيَبْقَى اللَّفْظُ مُجْمَلًا فَيَكْتَسِبُ الْإِجْمَالَ وَالثَّالِثُ إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِيمَا بَقِيَ وَإِنْ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ فَلَا بَلْ يَصِيرُ مُجْمَلًا وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْكَرْخِيِّ وَمُحَمَّدِ بن شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ وَكَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن الْكَرْخِيِّ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ كان شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يقول في الْعَامِّ إذَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ وَصَارَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا على دَلَالَةٍ أُخْرَى من غَيْرِهِ فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ وكان يُفَرِّقُ بين الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِاللَّفْظِ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ من غَيْرِ اللَّفْظِ فيقول إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مَانِعٍ من بَقَاءِ اللَّفْظِ فِيمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّفْظَ مَجَازًا فَكَانَ يقول هذا بَدِيهِيٌّ وَلَا أَقْدِرُ أَعْزِيهِ إلَى أَصْحَابِنَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ محمد بن شُجَاعٍ وَالرَّابِعُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إنْ لم يَمْنَعْ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ وَتَعْلِيقِهِ بِظَاهِرِهِ جَازَ التَّعْلِيقُ بِهِ كما في قَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ على الْمَنْعِ من قَتْلِ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وهو الْقَتْلُ بِاسْمِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كان يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطِ لَا يُنْبِئُ عنه الظَّاهِرُ لم يَجُزْ التَّعَلُّقُ بِهِ كما في قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ على اعْتِبَارِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ وَكَوْنِ الْمَسْرُوقِ لَا شُبْهَةَ فيه لِلسَّارِقِ يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وهو الْقَطْعُ بِعُمُومِ اسْمِ السَّارِقِ وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُنْبِئُ عنه ظَاهِرُ اللَّفْظِ وهو قَوْلُ أبي عبد اللَّهِ تِلْمِيذِ الْكَرْخِيِّ وَالْخَامِسُ إنْ كان لَا يَتَوَقَّفُ على الْبَيَانِ كَالْمُشْرِكِينَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَلَا كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ فَيَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ على بَيَانِ التَّخْصِيصِ وهو إخْرَاجُ الْحَائِضِ وَهَذَا قَوْلُ عبد الْجَبَّارِ وَالسَّادِسُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في أَقَلِّ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عليه حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ وقال إنَّهُ تَحَكُّمٌ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَعَلَّهُ قَوْلُ من لَا يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ إلَيْهِ وَحُكِيَ في الْمَنْخُولِ عن أبي هَاشِمٍ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ في وَاحِدٍ وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ جَمْعًا وَالسَّابِعُ الْوَقْفُ فَلَا نَقُولُ خَاصٌّ أو عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَجَعَلَهُ مُغَايِرًا لِقَوْلِ عِيسَى بن أَبَانَ وَنُقِلَ عنه أَنَّ الْبَاقِيَ على الْخُصُوصِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ مَحَلُّ قَوْلِنَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ إنَّمَا هو في الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ أَمَّا الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِ الْبَيْعِ من تَعْلِيقِهِ وَفِيهِ ما يَدُلُّ على أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ قَالَهُ أَيْضًا الثَّانِي حَيْثُ قُلْنَا إنَّهُ مُجْمَلٌ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل هو مُجْمَلٌ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ الْمُرَادَ من ظَاهِرِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ أو مُجْمَلٌ من حَيْثُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَجْهَانِ قال وَالْأَكْثَرُونَ على الثَّانِي لِأَنَّ افْتِقَارَ الْمُجْمَلِ إلَى الْقَرِينَةِ من جِهَةِ التَّعْرِيفِ بِمَا هو مُرَادٌ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَافْتِقَارُ الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إلَى الْقَرِينَةِ من جِهَةِ أَنْ يُعْرَفَ بها ما ليس بِمُرَادٍ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ على التي قَبْلَهَا فَمَنْ قال إنَّهُ مَجَازٌ لَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ وَمَنْ قال إنَّهُ حَقِيقَةٌ جَوَّزَهُ وَأَمَّا من قال إنَّهُ مَجَازٌ ثُمَّ أَجَازَ التَّعَلُّقَ بِهِ يَعْنِي كَالْقَاضِي صَارَ الْخِلَافُ معه لَفْظِيًّا كَذَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ على أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ أو ظَنِّيَّةٌ فَمَنْ قال قَطْعِيَّةٌ جَعَلَ الذي خُصَّ كَاَلَّذِي لم يُخَصَّ وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ نَظَرٌ وقال غَيْرُهُ يَنْبَنِي على أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إذَا وَرَدَ هل يَتَنَاوَلُ الْجِنْسَ أو لَا وَتَنْدَرِجُ الْآحَادُ تَحْتَهُ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عليه أو يَتَنَاوَلُ الْآحَادَ وَاحِدًا وَاحِدًا حتى يَسْتَغْرِقَ الْجِنْسَ فَالْمُعْتَزِلَةُ قالوا بِالْأَوَّلِ وهو عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَظْهَرُ عُمُومَهُ فإذا تَخَصَّصَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لم يُرِدْ الْعُمُومَ وَعِنْدَ إرَادَةِ عَدَمِ الْعُمُومِ ليس بَعْضٌ أَوْلَى من بَعْضٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا فَصْلٌ في الْمُخَصِّصِ تَعْرِيفُهُ قد اُخْتُلِفَ فيه على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ تَعْرِيفَ بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ وَالدَّلِيلُ حَظُّهُ أَنْ يَكْشِفَ عن أَنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَقَعَ بِهِ وَهَذَا ما صَحَّحَهُ ابن بَرْهَانٍ وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ الدَّلِيلُ على الْإِرَادَةِ وقال في الْمَحْصُولِ الْمُخَصِّصُ في الْحَقِيقَةِ هو إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهَا الْمُؤَثِّرَةُ وَتُطْلَقُ على الدَّالِ على الْإِرَادَةِ مَجَازًا وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ الْعَامُّ يَصِيرُ عِنْدَنَا خَاصًّا بِالْأَدِلَّةِ وَيَصِيرُ خَاصًّا في نَفْسِ الْأَمْرِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُخَصِّصَ حَقِيقَةٌ هو الْمُتَكَلِّمُ لَكِنْ لَمَّا كان الْمُتَكَلِّمُ يُخَصِّصُ بِالْإِرَادَةِ أُسْنِدَ التَّخْصِيصُ إلَى إرَادَتِهِ فَجُعِلَتْ الْإِرَادَةُ مُخَصِّصَةٌ ثُمَّ جُعِلَ ما دَلَّ على إرَادَتِهِ وهو الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ أو غَيْرُهُ مُخَصِّصًا في الِاصْطِلَاحِ وَالْمُرَادُ هُنَا إنَّمَا هو الدَّلِيلُ فَنَقُولُ الْمُخَصِّصُ لِلْعَامِّ إمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْمُنْفَصِلُ وَإِمَّا أَلَا يَسْتَقِلُّ بَلْ يَتَعَلَّقُ مَعْنَاهُ بِاللَّفْظِ الذي قَبْلَهُ فَالْمُتَّصِلُ أَقْسَامُهُ وَقَسَّمَهُ الْجُمْهُورُ إلَى أَرْبَعَةٍ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ وَالْغَايَةُ وزاد ابن الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ بَدَلَ الْبَعْضِ من الْكُلِّ وَنَازَعَ الْأَصْفَهَانِيُّ فيه لِأَنَّهُ في نِيَّةِ طَرْحِ ما قَبْلَهُ وقال الْقَرَافِيُّ وقد وَجَدْته بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ هذه الْخَمْسَةُ وَسَبْعَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْحَالُ وَظَرْفُ الزَّمَانِ وَظَرْفُ الْمَكَانِ وَالْمَجْرُورُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْمَفْعُولُ معه وَالْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ ليس فيها وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَتَى اتَّصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عُمُومًا كان أو غَيْرَهُ صَارَ غير مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَيَشْهَدُ لِمَا قال في الْحَالِ حِكَايَةُ سِيبَوَيْهِ عن الْخَلِيلِ أَنَّك إذَا قُلْت مَرَرْت بِالْقَوْمِ خَمْسَتَهُمْ بِالنَّصْبِ كان الْمَعْنَى حَصْرَ الْمَمْرُورِ في خَمْسَةٍ منهم فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ سِتَّةً وإذا رَفَعْت الْخَمْسَةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ أَكْثَرَ الْأَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ وهو لُغَةً بِمَعْنَى الْعَطْفِ وَالْعَوْدِ كَقَوْلِهِمْ ثَنَيْت الْحَبْلَ إذَا عَطَفْت بَعْضَهُ على بَعْضٍ وَقِيلَ بِمَعْنَى الصَّرْفِ وَالصَّدِّ من قَوْلِهِمْ ثَنَيْت فُلَانًا عن رَأْيِهِ وقال ابن فَارِسٍ لِأَنَّهُ قد ثَنَّى ذِكْرَهُ مَرَّةً في الْجُمْلَةِ وَمَرَّةً في التَّفْصِيلِ وَاصْطِلَاحًا الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أو إحْدَى أَخَوَاتِهَا من مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ لِيَخْرُجَ ما لو قال اللَّهُ سُبْحَانَهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فقال عليه السَّلَامُ إلَّا زَيْدًا فإنه لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً كما قَالَهُ الْقَاضِي وَسَيَأْتِي وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الثَّانِي من الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِذَلِكَ فَقَوْلُنَا الْحُكْمُ جِنْسٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حُكْمٌ من أَحْكَامِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَخَرَجَ بِالْوَسَائِطِ الْمَوْضُوعَةِ له نَحْوُ قام الْقَوْمُ وَأَسْتَثْنِي زَيْدًا وَخَرَجُوا ولم يَخْرُجْ زَيْدٌ تَنْبِيهٌ الْإِخْرَاجُ إنَّمَا يَأْتِي على قَوْلِ من يَجْعَلُهُ عَامِلًا بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ إذْ الْإِخْرَاجُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ وَأَمَّا على قَوْلِ من يَجْعَلُهُ مَبْنِيًّا فَلَا إخْرَاجَ عنه كما سَنُبَيِّنُهُ وَحَدَّهُ ابن عَمْرُونٍ من النُّحَاةِ بِأَنْ يَنْفِيَ عن الثَّانِي ما يُثْبِتُ لِغَيْرِهِ بِإِلَّا أو كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا فَيَشْمَلُ أَنْوَاعَ الِاسْتِثْنَاءِ من مُتَّصِلٍ وَمُنْقَطِعٍ وَمُفْرَدٍ وَجُمْلَةٍ وَتَامٍّ وَمُفَرَّغٍ وَخَرَجَ الْوَصْفُ بِإِلَّا أو غَيْرِهَا وَذَكَرَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ على الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ لِتَغَايُرِ حَقِيقَتِهِمَا إذْ الْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ وَجَمَعَهُمَا ابن مَالِكٍ في حَدٍّ وَاحِدٍ فقال تَحْقِيقًا أو تَقْدِيرًا وقد يُقَالُ هو في قُوَّةِ حَدَّيْنِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْإِقْرَارِ من النِّهَايَةِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ تَعْلِيقَ الْأَلْفَاظِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءً في مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ وفي الْمُحِيطِ لِلْحَنَفِيَّةِ يُسَمَّى الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا اسْتِثْنَاءَ التَّحْصِيلِ وَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءَ التَّعْطِيلِ قال الْخَفَّافُ الِاسْتِثْنَاءُ ضِدُّ التَّوْكِيدِ يُثْبِتُ الْمَجَازَ وَيُحَقِّقُهُ وَصَرَّحَ النُّحَاةُ بِأَنَّ اللَّفْظَ قبل الِاسْتِثْنَاءِ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فإذا جاء الِاسْتِثْنَاءُ رُفِعَ الْمَجَازُ وَقَرَّرَهُ فَاللَّفْظُ قبل الِاسْتِثْنَاءِ ظَنِّيٌّ وَبَعْدَهُ قَطْعِيٌّ وَهَذَا مُعَاكِسٌ لِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا الِاسْتِثْنَاءَ من الْمُخَصِّصَاتِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَامَّ قبل التَّخْصِيصِ قَطْعِيٌّ وَبَعْدَهُ ظَنِّيٌّ قِيلَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّجَوُّزِ قبل التَّخْصِيصِ ثَابِتٌ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُقَرِّرُ الْمَجَازَ في إخْرَاجِ شَيْءٍ وَيُحَقَّقُ أَنَّ الْمُرَادَ ما بَقِيَ تَحْقِيقًا ظَاهِرًا لَا يُخَالِفُ ما لم تَأْتِ قَرِينَةٌ كما قبل الِاسْتِثْنَاءِ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ قَبْلَهُ يُشْتَرَطُ فيها الْقُوَّةُ وَهَلْ الْإِخْرَاجُ من الِاسْمِ أو الْحُكْمِ أو مِنْهُمَا أَقْوَالٌ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَهَلْ هو إخْرَاجٌ من اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ أو لَجَازَ فيه قَوْلَانِ رَجَّحَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الْأَوَّلَ قال وَإِلَّا لم يَفْتَرِقْ الْحَالُ بين الِاسْتِثْنَاءِ من الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ فلما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ من الْجِنْسِ حَقِيقَةً وَمِنْ غَيْرِهِ مَجَازًا ثَبَتَ ما قُلْنَاهُ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَصِحُّ إلَّا من مُسْتَثْنًى منه عَامٍّ أو من عَدَدٍ شَائِعٍ فَالْأَوَّلُ نَحْوُ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وَلِهَذَا صَحَّ على عَشَرَةٍ إلَّا دِرْهَمًا لِشُيُوعِ الْخَمْسِينَ في مُطْلَقِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَشُيُوعُ الْعَشَرَةِ في مُطْلَقِ الْعَدَدِ وَمِثْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً فإن ثَلَاثًا نَكِرَةٌ شَائِعَةٌ تَقَعُ على الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ حَمْزَةُ الْحَمَوِيُّ وَسَنُعِيدُ الْخِلَافَ في الْعَدَدِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ كَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وهو الْمُتَّصِلُ وَمِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ على الْأَصَحِّ وهو الْمُنْقَطِعُ وَيُعَبَّرُ عنه بِالْمُنْفَصِلِ نَحْوُ إلَّا حِمَارًا وَأَفْسَدَ تَعْرِيفَ الْمُتَّصِلِ بِقَوْلِنَا ما جَاءَنِي أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لم يَدْخُلْ تَحْتَ أَحَدٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ كان من جِنْسِ الْأَوَّلِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْمُتَّصِلُ ما كان اللَّفْظُ الْأَوَّلُ منه يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ نَحْوُ جاء الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَالْمُنْقَطِعُ ما لَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فيه الثَّانِيَ أو نَقُولُ الْمُتَّصِلُ ما كان الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا من الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُنْقَطِعُ ما لَا يَكُونُ قال ابن سِرَاجٍ وَلَا بُدَّ في الْمُنْقَطِعِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الذي قبل إلَّا قد دَلَّ على ما يُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَأَوْضَحَهُ ابن مَالِكٍ فقال لَا بُدَّ فيه من تَقْدِيرِ الدُّخُولِ في الْأَوَّلِ كَقَوْلِك قام الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا فإنه بِذِكْرِ الْقَوْمِ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ لِأَتْبَاعِهِمْ الْمَأْلُوفَاتِ فذكر إلَّا حِمَارًا لِذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا وَكَذَا قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَلَكِنْ بِشَرْطٍ وهو أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهُ في الْمُسْتَثْنَى منه بِوَجْهٍ ما وَإِلَّا لم يَجُزْ كَقَوْلِهِ وَبَلْدَةٌ ليس بها أَنِيسُ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ فَالْيَعَافِيرُ قد تُؤَانِسُ فَكَأَنَّهُ قال ليس بها من يُؤْنَسُ بِهِ إلَّا هذا النَّوْعُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ يَكُونُ مُسْتَثْنًى من مِقْدَارٍ أو من مَفْهُومِ لَفْظٍ لَا من مَنْطُوقِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ غَالِبًا إذَا تَشَارَكَ الْجِنْسَانِ في مَعْنًى أَعَمَّ كما في السَّلَامِ وَاللَّغْوِ الْمُتَشَارِكَيْنِ في أَصْلِ الْقَوْلِ في قَوْله تَعَالَى لَا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إلَّا قِيلًا سَلَامًا وَقَوْلِهِ ما لهم بِهِ من عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الرُّجْحَانِ ثُمَّ الْكَلَامُ فيه في مَوَاطِنَ الْأَوَّلُ في أَنَّهُ هل وَقَعَ في اللُّغَةِ فَمِنْهُمْ من أَنْكَرَهُ وَتَأَوَّلَهُ تَأَوُّلًا رَدَّهُ بِهِ إلَى الْجِنْسِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ في الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُقُوعَهُ في الْقُرْآنِ وَالصَّوَابُ وُقُوعُهُ قال ابن عَطِيَّةَ لَا يُنْكِرُ وُقُوعَهُ في الْقُرْآنِ إلَّا أَعْجَمِيٌّ الثَّالِثُ اخْتَلَفَ في صِحَّتِهِ في الْمُخَاطَبَاتِ في الْعَادَاتِ وقد اخْتَلَفَتْ طُرُقُ أَصْحَابِنَا فيه فقال الْقَاضِي أبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى جَوَازِهِ وَأَبَى ذلك عَامَّةُ أَصْحَابِنَا فَأَمَّا من جَوَّزَهُ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قال لو قال له عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا عَبْدًا قُبِلَ منه وَأَيْضًا فإنه وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَدَلِيلُنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ شَرْطُهُ أَنْ يُخْرِجَ من دخل تَحْتَ الِاسْمِ غير الْجِنْسِ لم يَدْخُلْ فيه وَالْجَوَابُ عن الْآيَةِ بِأَنَّ إبْلِيسَ دخل تَحْتَ الْأَمْرِ فَرَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قد كان أُضْمِرَ فيه وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّمَا قُبِلَ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ لِأَنَّهُ اقْتَضَى الْإِطْلَاقَ وَالْمَعْنَى إلَّا من ثَمَنِ عَبْدٍ انْتَهَى وَكَذَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ قال وَتَمَسَّكَ الْمُجَوِّزُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَبْدًا فَقَدْ اسْتَثْنَى الْعَبْدَ من الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ الْعَبْدُ من جِنْسِهَا قال وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا قِيمَةَ الْعَبْدِ وهو كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَدَلَّ على أَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ من الْجِنْسِ قال وَأَمَّا قَوْلُهُ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيس مع أَنَّهُ ليس من الْمَلَائِكَةِ فَالْمُرَادُ في قَوْله تَعَالَى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا أَيْ الْمَلَائِكَةُ وَإِبْلِيسُ فَحُذِفَ فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الْمُضْمَرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ في الْأَمْرِ من لم يُذْكَرْ فيه قال وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا على جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ بِدَلِيلٍ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا وَمِمَّنْ اخْتَارَ الْمَنْعَ من أَصْحَابِنَا إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن الْقُشَيْرِيّ عن الْحَنَفِيَّة وَالْأُسْتَاذِ ابْنِ دَاوُد وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ في الْإِقْرَارِ وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَاهُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ قال لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا في صِحَّتِهِ في الْإِقْرَارِ وَاخْتَلَفُوا في غَيْرِ الْإِقْرَارِ على وَجْهَيْنِ وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ على صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ قال وَيُعْتَبَرُ فيه الْقِيمَةُ دُونَ الْعَدَدِ في الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فإذا قال له عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا أَلْفًا جَوَّزَهُ نَظَرًا إلَى قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى فَإِنْ كانت عَشَرَةً فما زَادَ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كانت دُونَهَا صَحَّ وَأَلْزَمَ ما بَقِيَ وَلِهَذَا أَنْكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْخِلَافَ فيه وقال لم يَسْتَعْمِلْ اللُّغَوِيُّونَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في كَوْنِهِ حَقِيقَةً أو مَجَازًا وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ قال وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا انْطَوَى على التَّعَرُّضِ بِمَا يُنْبِئُ عنه الْمُسْتَثْنَى منه جِنْسًا فَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْحَقِيقِيُّ كَقَوْلِك رَأَيْت الناس إلَّا زَيْدًا قال وقد تَرِدُ صِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مع اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لم يَكُنْ من الْمَلَائِكَةِ وقد قال تَعَالَى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ وما كان لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَالْخَطَأُ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ قال وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُسَمَّى هذا الْجِنْسُ اسْتِثْنَاءً على الْحَقِيقَةِ أو لَا وَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا فَهُوَ على التَّحْقِيقِ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ من جِنْسِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ وأبو حَنِيفَةَ وَإِنْ أَنْكَرَ هذا فَقَدْ جَوَّزَ اسْتِثْنَاءَ الْمَكِيلِ من الْمَكِيلِ مع اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَاسْتِثْنَاءَ الْمَوْزُونِ من الْهَيْكَلِ ا هـ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً أو مَجَازًا وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ وَمِنْهُمْ الْآمِدِيُّ في الْإِحْكَامِ فقال ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَاخْتَارَ التَّوَقُّفَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسَمَّى ما وَرَدَ من ذلك اسْتِثْنَاءً بَلْ يَجْعَلُ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ وَسَيَأْتِي في كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ ما يَقْتَضِيه وَحَكَى الْمَازِرِيُّ في التَّعْلِيقَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا صِحَّتُهُ وَالِاعْتِدَادُ بِهِ مُطْلَقًا وَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٌ وَالثَّانِي عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَالثَّالِثُ إنْ قَدَّرَ بِفَرْدٍ نَحْوُ قَوْلِهِ له عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً مُعَيَّنَةً اعْتَدَّ بِهِ وَيَسْقُطُ مِقْدَارُهُ من الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ بِوَزْنٍ أو كَيْلٍ فإن من لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ من ذلك لم يُعْتَدَّ بِهِ وَلَزِمَتْ الْجُمْلَةُ الْأُولَى قال وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ حَكَاهُ عنه ابن الْحَكَمِ انْتَهَى وقال ابن الْحَاجِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُسْتَصْفَى الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَنَعَهُ قَوْمٌ من جِهَةِ الْغَرَضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ من جِهَةِ وُجُودِهِ في كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْمُجَوِّزُونَ لم يَقْدِرُوا أَنْ يَدْفَعُوا وُجُودَهُ في كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْمَانِعُونَ لم يَقْطَعُوا الْجِهَةَ التي يَصِحُّ بها الْمُنْقَطِعُ على وَضْعِ الِاسْتِثْنَاءِ قال وقد حَلَّ هذا الشَّكَّ الْقَاضِي أبو الْوَلِيدِ بن رُشْدٍ فقال إنَّ من عَادَةِ الْعَرَبِ إبْدَالَ الْجُزْئِيِّ مَكَانَ الْكُلِّيِّ كما يُبْدَلُ الْكُلِّيُّ مَكَانَ الْجُزْئِيِّ اتِّكَالًا على الْقَرَائِنِ وَالْعُرْفِ مَثَلًا إذَا قال ما في الدَّارِ رَجُلٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ ما سِوَاهُ فَلِذَلِكَ يُسْتَثْنَى وَيَقُولُ إلَّا امْرَأَةً وَعَلَى هذا الْوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ مُتَّصِلًا إلَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ منه في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَمِنْهُ في الْمَعْنَى خَاصَّةٌ قال وإذا تَصَفَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ وُجِدَ على ما قَالَهُ وقد انْفَرَدَ بِحَلِّ هذا الشَّكِّ قال ابن الْخَشَّابِ النَّحْوِيُّ في كِتَابِ الْعَوْنِيِّ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَتَأَوَّلُوا تَأَوُّلًا بِهِ إلَى الذي من الْجِنْسِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ قال لَكِنَّ النُّحَاةَ قَدَّرُوهُ بِلَكِنَّ وهو غَيْرُ مُشَابِهٍ لِمَا اخْتَلَفَ فيه الْفُقَهَاءُ بَلْ الذي أَجَازَهُ الْفُقَهَاءُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِنَحْوِ له عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا وَهَذَا فَاسِدٌ من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَمَّا اللَّفْظُ فإن اللُّغَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ هذا الضَّرْبَ من الِاسْتِثْنَاءِ في الْمُثْبَتِ إنَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ في الْمَنْفِيِّ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الْأَصْلِ إنَّمَا جِيءَ بِهِ مُقَابِلًا لِلتَّأْكِيدِ فَإِنَّمَا قُلْت جاء الْقَوْمُ كلهم إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْإِشْكَالَ في عُمُومِ الْمَجِيءِ لهم وَأَنَّهُ لم يَتَخَلَّفْ منهم من لم يَجِئْ فإذا قُلْت جاء الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضَ لهم وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَصَوُّرُهُ في له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا فَإِنْ قال الْمَعْنَى إلَّا ثَوْبًا وَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ فَأَيْنَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ قُلْت وَقَوْلُهُ في الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ في الْإِثْبَاتِ مَمْنُوعٌ بَلْ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ سَوَّغُوهُ فيه الرَّابِعُ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً على مَذَاهِبَ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَنَقَلَهُ ابن الْخَبَّازِ عن ابْنِ جِنِّي وقال الْإِمَامُ هو ظَاهِرٌ من كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ وَعَلَى هذا فَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ على الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ هل هو بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أو الْمَعْنَوِيِّ قَوْلَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَجَازٌ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ منهم الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وابن الْأَنْبَارِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ لِأَنَّهُ ليس فيه مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَلَيْسَ في اللُّغَةِ ما يَدُلُّ على تَسْمِيَتِهِ وَاخْتَارَهُ الرُّمَّانِيُّ من النَّحْوِيِّينَ في شَرْحِ الْمُوجَزِ وقال ابن أبي الرَّبِيعِ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الناس إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هو الْأَصْلُ وَالْمُنْقَطِعَ اتِّسَاعٌ وَمِنْهُمْ من قال كِلَاهُمَا أَصْلٌ انْتَهَى وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْمَازِرِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَلَامٍ مُبْدَأٍ مُسْتَأْنَفٍ وقال قَوْلُ من قال مُنْقَطِعٌ حَقِيقَةً وَمَنْ قال كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَاحِدٌ في الْمَعْنَى وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ ثُمَّ قال الْقَاضِي وَالْمَازِرِيُّ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ فإن من جَعَلَهُ حَقِيقَةً جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَأَيْضًا هو مَبْنِيٌّ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ما لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ أو لَجَازَ دُخُولُهُ وَاحْتَجَّ في الْمَحْصُولِ على أَنَّهُ ليس بِحَقِيقَةٍ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ من اللَّفْظِ إذْ لم يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى صَارِفٍ عنه وَلَا من الْمَعْنَى وَإِلَّا صَحَّ اسْتِثْنَاءُ كل شَيْءٍ من كل شَيْءٍ لِوُجُوبِ اشْتَرَاكِ كل شَيْئَيْنِ في مَعْنًى لو حُمِلَ اللَّفْظُ عليه جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْخِلَافَ على نَمَطٍ آخَرَ فقال اخْتَلَفُوا في الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ وَأَحَدُهَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ من طَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وهو قَوْلُ كَثِيرٍ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَعَلُوهُ لَغْوًا وَالثَّانِي يَجُوزُ لَفْظًا وَمَعْنًى الثَّالِثُ يَصِحُّ من طَرِيقِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ قال وهو الْأَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وهو قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأَصْحَابِ وَلِهَذَا لو قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أو مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا ثَوْبًا يَكُونُ مُثْبِتًا لِلدِّينَارِ وَالثَّوْبِ بِالتَّقْدِيرِ قال وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى من زَيْدٍ وَجْهَهُ أو من الدَّارِ بَابَهَا فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ في أَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ من جِنْسِهِ أو من غَيْرِ جِنْسِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ من جِنْسِهِ لِأَنَّ وَجْهَ زَيْدٍ جُزْءٌ منه انْتَهَى قِيلَ وَهَذَا الْخِلَافُ غَرِيبٌ وقد جَزَمَ الْأَصْحَابُ بِدُخُولِ بَابِ الدَّارِ في بَيْعِهَا ولم يَحْكُوا خِلَافًا قُلْت يُؤْخَذُ من الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافُ فإنه جَزَمَ بِأَنَّهُ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَشَرَطَ هو قبل ذلك كَوْنَهُ من الْجِنْسِ قال لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَنْطَلِقُ على الْبَابِ وَلَا اسْمُ زَيْدٍ على وَجْهِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِائَةُ ثَوْبٍ إلَّا ثَوْبًا قال وَعَلَى هذا قال قَوْمٌ ليس من شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ من الْجِنْسِ وَشَرَطَ هو قبل ذلك كَوْنَهُ من الْجِنْسِ فَجَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَيَجِيءُ على الثَّانِي قَوْلُهُ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَمِنْهُمْ من أَلْحَقَهُ بِقَوْلِك رَأَيْت زَيْدًا إلَّا يَدَهُ وَمِنْهُمْ من أَلْحَقَهُ بِاسْمِ الْجُمْلَةِ وهو قَوْلُهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أو إلَّا زَيْدًا وهو الْأَشْبَهُ فيه وَأَمَّا الْخِلَافُ الْأَوَّلُ فَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إذْ قال فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَأَجَازَهُ قَوْمٌ في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَأَبْطَلَهُ قَوْمٌ فِيهِمَا وقال الطَّبَرِيُّ في الْعُدَّةِ في بَابِ الْإِقْرَارِ إذَا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل هو اسْتِثْنَاءٌ من الْمَعْنَى أو من اللَّفْظِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا من الْمَعْنَى فإذا قال له عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى من قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَالثَّانِي من اللَّفْظِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذَا انْتَهَى تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ ليس الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا ما اصْطَلَحَ عليه الْمُتَكَلِّمُونَ فإن الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا عِنْدَهُمْ مُتَجَانِسَةٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِجِنْسٍ يُسْتَثْنَى منه بِلَفْظٍ لم يُوضَعْ لِذَلِكَ الْجِنْسِ نَحْوُ مَالِي ابْنٌ إلَّا بِنْتٌ فإن لَفْظَ الِابْنِ غَيْرُ جِنْسِ لَفْظِ الْبِنْتِ وقال السُّهْرَوَرْدِيّ لَا نَعْنِي بِالْجِنْسِ هُنَا الْمَنْطِقِيَّ فإن الثَّوْرَ مُجَانِسٌ لِلْإِنْسَانِ وَمُشَارِكٌ له في الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ بَلْ نَعْنِي بِهِ غير الْمُشَارِكِ في الدُّخُولِ تَحْتَ الْمَحْكُومِ عليه قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَصْلُ كَوْنُهُ من جِنْسِهِ وَمَعْنَى الْمُجَانِسَةِ أَنْ لَا يُقْصَرَ الْمُسْتَثْنَى منه في الْمُسْتَثْنَى في الْفِعْلِ الذي وَرَدَ عليه الِاسْتِثْنَاءُ سَوَاءٌ كان رَاجِحًا عليه أو لَا وَكَذَلِكَ قال مُحَمَّدٌ في الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لو قال إنْ كان في الدَّارِ إلَّا رَجُلٌ فَعَبْدِي حُرٌّ فَكَانَ في الدَّارِ شَاةٌ لَا يَحْنَثُ لِقُصُورِ الشَّاةِ على الْآدَمِيِّ في الْكَيْنُونَةِ في الدَّارِ لِأَنَّ كَيْنُونَةَ الْآدَمِيِّ في الدَّارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَكَيْنُونَةَ الشَّاةِ بِطَرِيقِ الْقَصْرِ وَالتَّبَعِيَّةِ وَلَوْ قال إنْ كان في الدَّارِ إلَّا شَاةً فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَكَانَ فيها آدَمِيٌّ حَنِثَ لِقُصُورِ الشَّاةِ عن الْآدَمِيِّ في الْكَيْنُونَةِ الثَّانِي ما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِهِ الِاسْتِثْنَاءَ مُخَصِّصًا يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ وقال بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ لَا تَخْصِيصَ فيه وَلَا بَيَانَ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ من الْمُسْتَثْنَى شيئا وَإِنَّمَا هو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَإِنْ زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ وَأَنَّهُ مع الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَذَلِكَ اعْتِرَافٌ منه بِأَنَّهُ من الْجِنْسِ لَا من غَيْرِهِ وهو الْمَطْلُوبُ وقال ابن عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ يُخَصَّصُ تَخْصِيصًا ما وَلَيْسَ كَالْمُتَّصِلِ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ من الْجِنْسِ أو الْجُمْلَةِ وَالْمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أَجْنَبِيًّا من ذلك قُلْت وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ الْمَنْطُوقَ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى منه وَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَيُخَصِّصُ الْمَفْهُومَ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى منه فإذا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا فَقِيلَ وُرُودُ الِاسْتِثْنَاءِ كان يُفْهَمُ أَنَّهُ لم يَقُمْ غَيْرُهُمْ فَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ من الْمَفْهُومِ الْمُقَدَّرِ وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُخَصَّصًا إذَا جَعَلْنَا لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا مَسْأَلَةٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا الِاتِّصَالُ بِالْمُسْتَثْنَى منه لَفْظًا بِأَنْ يُعَدَّ الْكَلَامُ وَاحِدًا غير مُنْقَطِعٍ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا أو حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ انْفِصَالُهُ وَتَأَخُّرُهُ على وَجْهٍ لَا يَدُلُّ على أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قد اسْتَوْفَى غَرَضَهُ من الْكَلَامِ كَالسُّكُوتِ لِانْقِطَاعِ نَفْسٍ أو بَلْعِ رِيقٍ فَإِنْ انْفَصَلَ لَا على هذا الْوَجْهِ لَغَا وَنُقِلَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ على نَحْوِ ما جَوَّزَهُ من تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ عن الْعُمُومِ وَالْبَيَانِ عن الْمُجْمَلِ ثُمَّ اخْتَلَفَ عنه فَقِيلَ إلَى شَهْرٍ وَقِيلَ إلَى سَنَةٍ وَقِيلَ أَبَدًا ثُمَّ منهم من رَدَّهُ وقال لم يَصِحَّ عنه كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ بِمَا يَلْزَمُ منه من ارْتِفَاعِ الثِّقَةِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ لِإِمْكَانِ تَرَاخِي الِاسْتِثْنَاءِ وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا يَصِحَّ يَمِينٌ قَطُّ وَمِنْهُمْ من أَوَّلَهُ كَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ بِمَا إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ فإنه يُدَيَّنُ وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ ما يُدَيَّنُ فيه الْعَبْدُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَقِيلَ يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا أُرِيدَ الِاسْتِثْنَاءُ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ اسْتِثْنَاءَاتِ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ في كَلَامِ اللَّهِ خَاصَّةً وقد قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّ التَّأْخِيرَ فيه غَيْرُ قَادِحٍ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ خَيَالٌ تَخَيَّلُوهُ من قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ الصَّائِرِينَ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْأَزَلِيَّ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا التَّرْكِيبُ في جِهَاتِ الْوُصُولِ لِلْمُخَاطَبِينَ لَا في كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقال الْمُقْتَرِحُ هو بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ فَلَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَكَذَلِكَ الْمُثْبَتُ في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَالْعَرَبُ لَا تُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ وقال الْقَرَافِيُّ الْمَنْقُولُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا هو في التَّعْلِيقِ على مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً كَمَنْ حَلَفَ وقال إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَيْسَ هو في الْإِخْرَاجِ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا قال وَنَقَلَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُدْرِكَهُ في ذلك وَلَا تَقَوَّلْنَ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذلك غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ قالوا الْمَعْنَى إذَا نَسِيتَ قَوْلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُلْ بَعْدَ ذلك ولم يُخَصِّصْ قُلْت وفي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ على يَمِينٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إلَى سَنَةٍ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هذه الْآيَةُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ قال إذَا ذَكَرَ اسْتَثْنَى وقال صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَكِنْ قال الْحَافِظُ أبو مُوسَى الْمَدِينِيُّ لو صَحَّ هذا عِنْدَهُ لَاحْتَمَلَ رُجُوعَهُ إذْ عُلِمَ أَنَّ ذلك خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ أَسْنَدَ ذلك من جِهَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وقد ذُكِرَتْ طُرُقُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ في الْمُعْتَبَرِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمِنْهَاجِ وَالْمُخْتَصَرِ وَحَكَى ابن النَّجَّارِ في تَارِيخِ بَغْدَادَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مَرَّةً من بَغْدَادَ فَاجْتَازَ في بَعْضِ الطُّرُقِ وإذا بِرَجُلٍ على رَأْسِ سَلَّةٍ فيها بَقْلٌ وهو يُحْمَلُ على ثِيَابِهِ وهو يقول لِآخَرَ معه مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ في الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لو كان صَحِيحًا لَمَا قال تَعَالَى لِأَيُّوبَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ بَلْ كان يقول له اسْتَثْنِ وَلَا حَاجَةَ إلَى هذا التَّحَيُّلِ في الْبِرِّ قال فقال أبو إِسْحَاقَ بَلْدَةٌ فيها رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ وهو يَرُدُّ على ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَخْرُجَ منها وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ فَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ شَرْطِ الِاتِّصَالِ لم يَكُنْ لِشَرْعِ الْكَفَّارَةِ وَإِيجَابِهَا مَعْنًى لِأَنَّهُ كان يُسْتَثْنَى وقد حُكِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ اسْتَدْعَى أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ وقال له كَيْفَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ في الِاسْتِثْنَاءِ فقال له أبو يُوسُفَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ يَلْحَقُ بِالْخِطَابِ وَيُغَيِّرُ حُكْمَهُ وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ فقال عَزَمَتْ عَلَيْك أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَلَا تُخَالِفَهُ وكان أبو يُوسُفَ لَطِيفًا فِيمَا يُورِدُهُ مُتَأَنِّيًا فِيمَا يُرِيدُهُ فقال له رَأْيُ ابن عَبَّاسٍ يُفْسِدُ عَلَيْك بَيْعَتَك لِأَنَّ من حَلَفَ لَك وَبَايَعَك رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَاسْتَثْنَى فَانْتَبَهَ الرَّشِيدُ وقال إيَّاكَ أَنْ تُعَرِّفَ الناس مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاكْتُمْهُ وقال ابن ظَفَرَ في الْيَنْبُوعِ إذَا حَقَّقْت هذه الْمَسْأَلَةَ ضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافِ فيها وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْحَالِفُ التَّارِكُ لِلِاسْتِثْنَاءِ من أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْجَزْمَ وَتَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ فما أَظُنُّ الْخِلَافَ يَقَعُ في مِثْلِ هذا أو يَكُونُ نَوَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ ولم يَنْطِقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ فَتَلَفَّظَ بِهِ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُعَدَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لَغْوًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِلًا عن الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَهَذِهِ الصُّورَةُ صَالِحَةٌ لِلِاخْتِلَافِ وَلَا يَظْهَرُ فيها قَوْلُ من صَحَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَشْهَدُ له من حَيْثُ إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَحْلِفْ وَلَا تَضَمَّنَتْ الْآيَةُ ذِكْرَ يَمِينٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هل هو حَالٌ لِلْيَمِينِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا أو مَانِعٌ من الِانْعِقَادِ لَا حَالٌ فَمَنْ قال مَانِعٌ شَرَطَ الِاتِّصَالَ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حَالٌ فَقِيلَ بِالْقُرْبِ وَقِيلَ مُطْلَقًا من غَيْرِ تَأْقِيتٍ بِالْقُرْبِ وفي الْبَابِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إلَّا الْإِذْخِرَ وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ لَمَّا قال لَأَطُوفَنَّ الحديث وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ في صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا سَهْلَ بن بَيْضَاءَ الشَّرْطُ الثَّانِي عَدَمُ الِاسْتِغْرَاقِ وَإِلَّا لَتَنَاقَضَ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ وَيَبْقَى أَصْلُ الْكَلَامِ على حَالِهِ حَكَوْا فيه الْإِجْمَاعَ وفي هذا الْإِطْلَاقِ وَالنَّقْلِ نِزَاعٌ في الْمَذَاهِبِ أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ رَأَيْت في كِتَابِ الْمَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ من الْمَالِكِيَّةِ حِكَايَةَ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ في أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وقد حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا عنه وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ عن بَعْضِهِمْ في أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ لِأَنَّ النَّدَمَ مُنْتَفٍ بِإِمْكَانِ الرَّجْعَةِ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا لِظُهُورِ النَّدَمِ وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَيَّدُوا الْبُطْلَانَ بِمَا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذلك اللَّفْظِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي أو أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي فَإِنْ كان بِغَيْرِهِ صَحَّ وَإِنْ كان مُسْتَغْرَقًا في الْوَاقِعِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِنَّ وَأَوْصَيْت له بِثُلُثِ مَالِي إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ وهو ثُلُثُ مَالِهِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ في الْبَابِ الْأَوَّلِ من الزِّيَادَاتِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ على صِحَّةِ اللَّفْظِ لَا على صِحَّةِ الْحُكْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرَ طَلَقَاتٍ إلَّا ثَمَانِيَ طَلْقَاتٍ تَقَعُ طَلْقَتَانِ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كانت الْعَشَرَةُ لَا صِحَّةَ لها من حَيْثُ الْحُكْمِ وَمَعَ هذا لَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَيُلْغَى ما بَعْدَهُ من الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَتْبَعُ صِحَّةَ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ ما تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَمُتَصَوَّرٌ أَنْ يَدْخُلَ في مِلْكِهِ أَكْثَرُ من هذه النِّسْوَةِ بِخِلَافِ ما إذَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذلك اللَّفْظِ فإنه لَا يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ ما تَنَاوَلَهُ فلم يَصِحَّ اللَّفْظُ فلم يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَأَمَّا عِنْدَنَا أَيْ الشَّافِعِيَّةِ فَهَذَا ما لم يُعَقِّبْهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ فَلَوْ عَقَّبَهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً فَقِيلَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لم يَصِحَّ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَقِيلَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ وَسَقَطَ من الْبَيْنِ وَأَمَّا إذَا كان زَائِدًا على الْمُسْتَثْنَى منه فَالْمَنْعُ منه أَوْلَى وَعَنْ الْفَرَّاءِ جَوَازُهُ في الْمُنْقَطِعِ نَحْوُ له عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفَيْنِ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى من الْمَفْهُومِ وفي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ من الْكُلِّ لَفْظًا كما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا أَمَّا حَالًا وَحُكْمًا فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَلَيْسَ له امْرَأَةٌ سِوَاهُنَّ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثَةً صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ ثُمَّ إمَّا أَنْ يُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ أو الْأَكْثَرُ أو الْمُسَاوِي أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ من الْكَثِيرِ فَجَائِزٌ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فيه الْإِجْمَاعَ وقال الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إنْ كان ليس بِوَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا حَبَّةً أو إلَّا سُدُسًا وَإِنْ كان جُزْءًا صَحِيحًا كَالْوَاحِدِ وَالثُّلُثِ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَمِنْهُمْ من اسْتَهْجَنَهُ وقال الْأَحْسَنُ في الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ له عِنْدِي تِسْعَةٌ وَلَا يقول عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وقال في شَرْحِ التَّلْقِينِ عن قَوْمٍ إنَّهُمْ شَذُّوا فَقَالُوا لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ إلَيْهِ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُسُورِ كَقَوْلِهِ له عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا رُبْعَ دِرْهَمٍ أو إلَّا نِصْفَ دِرْهَمٍ وَقَالُوا قَوْلُك مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً يَعْنِي له عِنْدِي تِسْعُونَ فَنُقِضَ عليهم بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وفي هذا اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ من الْأَكْثَرِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ كَسْرًا في الْعَدَدِ فَأَجَابُوا بِأَنَّهُ في مَعْنَى الْكَسْرِ لِأَنَّ التَّجْزِئَةَ الْمُقْتَرَحَةَ من النِّصْفِ إلَى الْعُشْرِ وَهَذَا كَالْكَسْرِ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ من الْأَلْفِ كَنِصْفِ الْعُشْرِ فَصَارَ في مَعْنَى اسْتِثْنَاءِ الْكَسْرِ وَهَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَتَكَلُّفٌ فيه لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلنُّحَاةِ أَحَدُهُمَا يَمْتَنِعُ وَعَلَيْهِ الزَّجَّاجُ وقال ولم تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا نَقَصَ يَسِيرًا لم يَزُلْ عنه اسْمُ ذلك الشَّيْءِ فَلَوْ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ لَزَالَ الِاسْمُ وقال ابن جِنِّي لو قال له عِنْدِي مِائَةٌ إلَّا سَبْعَةً وَتِسْعِينَ ما كان مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ وكان عَبَثًا من الْقَوْلِ وقال ابن قُتَيْبَةَ في كِتَاب الْمَسَائِلِ لَا يَجْرِي في اللُّغَةِ لِأَنَّ تَأْسِيسَ الِاسْتِثْنَاءِ على تَدَارُكِ قَلِيلٍ من كَثِيرٍ أَغْفَلْتَهُ أو نَسِيتَهُ لِقِلَّتِهِ ثُمَّ تَدَارَكْته بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ قد يَنْقُصُ نُقْصَانًا يَسِيرًا فَلَا يَزُولُ عنه اسْمُ الشَّيْءِ وَأَمَّا مع الْكَثْرَةِ فَيَزُولُ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ من النُّحَاةِ وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ منهم وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ نَحْوُ له عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وهو قَوْلُ السِّيرَافِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ من النُّحَاةِ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ عِبَادِي ليس لَك عليهم سُلْطَانٌ إلَّا من اتَّبَعَك من الْغَاوِينَ وَالْمُتَّبِعُونَ له هُمْ الْأَكْثَرُ بِدَلِيلِ وَقَلِيلٌ من عِبَادِي الشَّكُورُ وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وَالْعِبَادَ الْمُضَافِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هُمْ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِتَشْرِيفِ الْمُضَافِ لَكِنَّهُ يَدْخُلُ الْغَاوُونَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى منه لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقَوْلُهُ إلَّا من اتَّبَعَكَ من الْغَاوِينَ أَقَلُّ من الْمُسْتَثْنَى منه لِأَنَّ قَوْلَهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلَكَ وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَكُلُّ الْغَاوِينَ أَقَلُّ من الْمَلَائِكَةِ وفي الحديث الْمَلَائِكَةُ يَطُوفُونَ بِالْمَحْشَرِ سَبْعَةَ أَدْوَارٍ وَذَلِكَ أَعْظَمُ من في الْمَحْشَرِ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْقَاطِعُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ من الْمُخْلَصِينَ في هذه الْآيَةِ وَاسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ من الْغَاوِينَ في قَوْلِهِ حِكَايَةً عن إبْلِيسَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا عِبَادَك منهم الْمُخْلَصِينَ فَلَوْ كان الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ من الْمُسْتَثْنَى منه لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ من الْغَاوِينَ وَالْمُخْلَصِينَ أَقَلَّ من الْآخَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ منهم عَائِدٌ لِبَنِي آدَمَ وَالْمُخْلَصُ منهم قَلِيلٌ وَانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ عنه فقال الْمُخْلَصُونَ هُنَا هُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَسُكَّانُ السَّمَوَاتِ وَهُمْ أَكْثَرُ من الْغَاوِينَ فَيَكُونُ من بَابِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ من الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ وَجْهًا آخَرَ وهو أَنَّهُ إذَا لم يَعْلَمْ السَّامِعُ الْأَقَلَّ من الْأَكْثَرِ جَازَ ذلك وَإِنَّمَا يَقْبُحُ إذَا اسْتَثْنَى ما يَعْلَمُ السَّامِعَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَبْقَاهُ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ثُمَّ قال وَاخْتَارَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وهو قَوْلُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ التَّلْقِينِ عن ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ قال وَذُكِرَ أَنَّهُ نَاظَرَ في ذلك أَبَا عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَيْنِ وَكَذَا قال عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ وهو غَرِيبٌ وَمِنْ شُبَهِ الْمُجَوِّزِينَ الْقِيَاسُ على الْمُخَصَّصِ فإنه يَجُوزُ وَإِنْ كان ما خُصِّصَ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ في الْعُمُومِ فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إذَا قُلْنَا إنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ قِيَاسًا فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لم يَتِمَّ وَكَثِيرًا ما يَتَّحِدُ الْمَعْنَى وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُ إعْرَابِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ يَحْسُنُ إخْرَاجُ أَكْثَرِ الْعُمُومِ بِغَيْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَصِحُّ بِهِ ثُمَّ الْمَانِعُونَ لِلْأَكْثَرِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الْقَلِيلِ الذي يُسْتَثْنَى فقال ابن مُغِيثٍ من الْمَالِكِيَّةِ هو الثُّلُثُ فما دُونَهُ هذا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَمَّا الْمُسَاوِي فَمَنْ جَوَّزَ الْأَكْثَرَ فَهُوَ هُنَا أَجْوَزُ وَمَنْ مَنَعَهُ اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ وَطَرَدَ ابن دُرُسْتَوَيْهِ فَأَلْحَقَهُ بِأَكْثَرَ في الْمَنْعِ وَالْجُمْهُورُ على الْجَوَازِ وَاحْتَجَّ على اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ فَالضَّمِيرُ في نِصْفَهُ عَائِدٌ على اللَّيْلِ قَطْعًا وَنِصْفَهُ بَدَلٌ فَإِمَّا من اللَّيْلِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فَيَكُونُ إلَّا قَلِيلًا نِصْفًا وَإِمَّا من قَلِيلٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِاللَّيْلِ نِصْفَ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْأَكْثَرِ من جِهَةِ قَوْلِهِ أو زِدْ عليه وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِصْفَهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ قُمْ نِصْفَهُ لَا بَدَلَ لِأَنَّ النِّصْفَ لَا يُقَالُ فيه قَلِيلٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ على هذا أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ أَوَّلًا بِقِيَامِ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا فَيَكُونُ أَمْرًا بِقِيَامِ الْأَكْثَرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ نِصْفَهُ مُخَالِفٌ له فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَشَرْطُ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ مُتَرَاخِيًا وقال ابن عُصْفُورٍ بَلْ ضَمِيرُ نِصْفُهُ يَعُودُ على الْقَلِيلِ وهو بَدَلٌ منه بَدَلُ الْبَعْضِ من الْكُلِّ وَجَازَ وَإِنْ كان الْقَلِيلُ مُبْهَمًا لِأَنَّهُ قد تَعَيَّنَ بِالْعَادَةِ أَيْ ما يُسَمَّى قَلِيلًا في الْعَادَةِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ قال وَلَهُ في الْمُسَاوِي وَجْهَانِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ عن الْقَاضِي قَوْلَيْنِ في أَكْثَرَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْمَازِرِيُّ وَالْآمِدِيَّ عن الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْأَكْثَرُ وَالْمُسَاوِي وَشَرَطُوا أَنْ يَنْقُصَ عن النِّصْفِ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ في شَرْحِ الْجُزُولِيَّةِ عن الْبَصْرِيِّينَ وَاَلَّذِي في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي يَمْتَنِعُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ في الْأَشْبَهِ عِنْدَنَا وَإِنْ كنا قد نَصَرْنَا في غَيْرِ هذا الْمَوْضِعِ جَوَازَهُ وَلِهَذَا قال الْمَازِرِيُّ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي الْمَنْعُ ولم يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي لِلْمُسَاوِي وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ كان الْقَاضِي أَوَّلًا يُجَوِّزُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ ثُمَّ رَجَعَ عنه آخِرًا في التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وقال لَا يَجُوزُ ذلك وهو مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ قالوا لو قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ صَحَّ وَاَلَّذِي في كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ تَخْصِيصُ ذلك بِالْعُقُودِ قالوا وَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ إذَا كانت الْكَثْرَةُ من دَلِيلٍ خَارِجٍ لَا من اللَّفْظِ وَعَلَى هذا فَلَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ عليهم بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّهُ ليس فيها عَدَدٌ مَحْصُورٌ وَفَرَّقُوا بِوُرُودِ اللُّغَةِ في هذا دُونَ ذلك وَلِأَنَّ حَمْلَ الْجِنْسِ على الْعُمُومِ إنَّمَا هو من طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لَا من جِهَةِ الْقَطْعِ على جَمِيعِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْأَعْدَادِ فإن جَمِيعَهَا مَنْطُوقٌ بها فَصَارَ صَرِيحًا قد صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ هذا مَذْهَبًا آخَرَ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ صَرِيحًا فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ نَحْوُ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ نَحْوُ خُذْ الدَّرَاهِمَ إلَّا ما في الْكِيسِ الْفُلَانِيِّ وكان ما في الْكِيسِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي وَحَكَى ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ له قَوْلًا رَابِعًا عن بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ من أَهْلِ عَصْرِهِ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةً فَيَمْتَنِعُ نَحْوُ جاء إخْوَتُك الْعَشَرَةُ إلَّا تِسْعَةً وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُفَصَّلًا وَمُعَدَّدًا فَيَجُوزُ نَحْوُ إلَّا زَيْدًا وَبَكْرًا وَخَالِدًا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى التِّسْعَةِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْمَازِرِيِّ السَّابِقِ خَامِسٌ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَعْلَمَ السَّامِعُ الْأَكْثَرَ من الْأَقَلِّ فَيَمْتَنِعُ وَإِلَّا جَازَ وَيَخْرُجُ أَيْضًا من كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ آخَرُ هو جَوَازُهُ في الْمُنْقَطِعِ دُونَ الْمُتَّصِلِ فَحَصَلَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ ثُمَّ يُضَافُ إلَيْهَا الْقَوْلُ الْآتِي أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَكِنْ لم تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ وقال ابن قُتَيْبَةَ الْقَلِيلُ الذي يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ الثُّلُثُ فما دُونَهُ وَهَاهُنَا فَوَائِدُ إحْدَاهَا أَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَذَرَ عن الْمَانِعِ في الْأَكْثَرِ بِأَنَّهُ لم يُخَالِفْ في الْحُكْمِ وَإِنَّمَا خَالَفَ في اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ في ذلك فَرَأَى أنها لم تَسْتَعْمِلْ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ من الْأَقَلِّ وما تَمَسَّكَ بِهِ الْخُصُومُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ لُغَةِ الْعَرَبِ لَكِنَّ الْعَرَبَ وَإِنْ لم تَسْتَعْمِلْهُ فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ في الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فقال يَصِحُّ ذلك وَلَكِنْ لم يَقَعْ في اللُّغَةِ وَكَذَا قال ابن الْخَشَّابِ من أَئِمَّةِ النُّحَاةِ أَجَازَ قَوْمٌ اسْتِثْنَاءَ أَكْثَرِ الْجُمْلَةِ وَمَنَعَ آخَرُونَ فلم يُجِيزُوا أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا ما كان دُونَ النِّصْفِ منها وَلِهَذَا الْقَوْلِ يَشْهَدُ قِيَاسُ الْعَرَبِيَّةِ وَبِهِ جاء السَّمَاعُ وقد وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عليه وَالْأَوَّلُ ليس بِمُسْتَحِيلٍ في الْمَعْقُولِ وَلَكِنَّ الْآخَرَ يَمْنَعُهُ وَمَنْ ادَّعَى فيه سَمَاعًا أو اسْتَنْبَطَ منه فَقَدْ أَخْطَأَ وَادَّعَى ما لَا أَصْلَ له الثَّانِيَةُ قال ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ الصَّحِيحُ في الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ من الْكَثِيرِ وَيُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ مِمَّا هو أَكْثَرُ منه فَأَمَّا قَوْلُ من قال يُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ من الْقَلِيلِ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَيُقَالُ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً حتى يَبْلُغَ تِسْعَةً الثَّالِثَةُ أَنَّ الْكَلَامَ في الِاسْتِثْنَاءِ من الْعَدَدِ مَبْنِيٌّ على صِحَّتِهِ وَلِلنُّحَاةِ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ بَنَى الْفُقَهَاءُ مَذَاهِبَهُمْ في الْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا وَالثَّانِي الْمَنْعُ وَاخْتَارَهُ ابن عُصْفُورٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا نُصُوصٌ فَالْإِخْرَاجُ منها يُخْرِجُهَا عن النَّصِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت ثَلَاثَةٌ بِهِ إلَّا وَاحِدًا كُنْت قد أَوْقَعَتْ الثَّلَاثَةَ على الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ قَوْلِك جاء الْقَوْمُ إلَّا عَشَرَةً وَأَجَابَ عن قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ بِأَنَّ الْأَلْفَ لَمَّا كان يُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْثِيرِ كَقَوْلِك اُقْعُدْ أَلْفَ سَنَةٍ تُرِيدُ بها زَمَنًا طَوِيلًا دخل الِاحْتِمَالُ فَجَازَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لم يُسْتَعْمَلْ لِلتَّكْثِيرِ قال أبو حَيَّانَ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِثْنَاءُ الْعَقْدِ نَحْوُ قُصِدَ عِشْرُونَ إلَّا عَشَرَةً وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ ما دُونَهُ نَحْوُ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْتَرِنَ قَصْدُهُ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَلَوْ بَدَا له عَقِبَ الْفَرَاغِ فَالْأَصَحُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَادَّعَى أبو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ الْإِجْمَاعَ عليه الْمَنْعُ لِإِنْشَائِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِنْ بَدَا له في الْأَثْنَاءِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وهو نَصُّ الْبُوَيْطِيِّ صِحَّتُهُ الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَلِيَ الْكَلَامَ بِلَا عَاطِفٍ فَلَوْ وَلِيَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كان لَغْوًا بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَمَثَّلَهُ بِنَحْوِ له عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَإِلَّا دِرْهَمًا أو فَإِلَّا دِرْهَمًا وَشَرَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسِلًا فَإِنْ كان في مُعَيَّنٍ لم يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كما لو أَشَارَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فقال هذه الدَّرَاهِمُ لِفُلَانٍ إلَّا هذا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ على الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى مُعَيَّنٍ اقْتَضَى الْإِقْرَارُ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فيها فإذا أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ في الْبَعْضِ كان رَاجِحًا لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ من جِنْسِ الْأَصْلِ لِيَصِحَّ خُرُوجُ بَعْضِهِ فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وقد سَبَقَ الْخِلَافُ فيه وَشَرَطَ أَيْضًا أَنْ يُعَلِّقَ على الِاسْتِثْنَاءِ ضِدَّ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنْ كان الْأَصْلُ إثْبَاتًا جاء الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا وَإِنْ كان الْأَصْلُ نَفْيًا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ إثْبَاتًا وَسَيَأْتِي مَسْأَلَةٌ وُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ في لُغَةِ الْعَرَبِ قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ في لُغَةِ الْعَرَبِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا في الْعُمُومِ أو غير دَاخِلٍ وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ مع الْقَوْمِ امْتَنَعَ إخْرَاجُهُ من النِّسْبَةِ وَإِلَّا لَزِمَ تَوَارُدُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ على مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ وهو مُحَالٌ وَلِهَذَا قال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ما لَا يَدْخُلُ لَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ تَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ لو لم يَكُنْ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وهو مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فُهِمَ منه الْقِيَامُ بِمُفْرَدِهِ وَالْقَوْمُ بِمُفْرَدِهِ وَأَنَّ منهم زَيْدًا وَفُهِمَ إخْرَاجُ زَيْدٍ من الْقَوْمِ بِقَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا ثُمَّ حُكِمَ بِنِسْبَةِ الْقِيَامِ بَعْدَ إخْرَاجِ زَيْدٍ وَعَلَى هذا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الذي يُورَدُ على قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا لِأَنَّ الْعَالِمَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَحْكُمُ على كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْإِسْنَادِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ الْمَذَاهِبُ في تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِقُوَّةِ هذا الْإِشْكَالِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ في الِاسْتِثْنَاءِ وَهَلْ هو إخْرَاجٌ قبل الْحُكْمِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَنَسَبَهُ ابن الْحَاجِبِ لِلْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ عَشَرَةٌ في قَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً سَبْعَةٌ وَقَوْلُهُ إلَّا ثَلَاثَةً قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ وَأُرِيدَ بِهِ الْجُزْءُ مَجَازًا كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ وَرَدَّهُ ابن الْحَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ إخْرَاجٌ وَلِأَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ في مَدْلُولِهَا وَالنَّصُّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ وَإِنَّمَا التَّخْصِيصُ في الظَّاهِرِ وما قَالَهُ من الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ فإن الْكُوفِيِّينَ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُخْرِجُ شيئا فإذا قُلْت قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَإِنَّك أَخْبَرْت بِالْقِيَامِ عن الْقَوْمِ الَّذِينَ ليس فِيهِمْ زَيْدٌ وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عنه لم يُحْكَمْ عليه بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيِهِ وما قَالَهُ من أَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ فَسَيَأْتِي في كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الْخِلَافُ فيه وقد قال بَعْضُ الْأَئِمَّةِ لَا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ هذا الْمَذْهَبِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَلَوْ أَرَادَ الْأَلْفَ من لَفْظِ الْأَلْفِ لَمَا تَخَلَّفَ مُرَادُهُ عن إرَادَتِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ ما أَرَادَ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ من الْأَلْفِ كما أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ مع اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ لم يُرِدْ منها إلَّا التِّسْعَةَ وَالثَّانِي وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّ عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً بِمَنْزِلَةِ سَبْعَةٍ من غَيْرِ إخْرَاجٍ كَاسْمَيْنِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا مُفْرَدٌ وَالْآخَرُ مُرَكَّبٌ وَجَرَى عليه في الْمَحْصُولِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتَنْكَرَ قَوْلَ الْأَوَّلِينَ وقال إنَّهُ مُحَالٌ لَا يَعْتَقِدُهُ لَبِيبٌ قال ابن الْحَاجِبِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَارِجٌ من قَانُونِ اللُّغَةِ إذْ لم يُعْهَدْ فيها لَفْظٌ مُرَكَّبٌ من ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْإِخْرَاجِ وقال في شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ أَيْضًا لِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ يُعَبِّرُ بها عن مَدْلُولِهَا وهو خَمْسَتَانِ وَبِإِلَّا عن مَعْنَى الْإِخْرَاجِ وَبِالْوَاحِدِ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ وَلَوْ كان كما قالوا لم يَسْتَقِمْ فَهْمُ هذه الْمَعَانِي منها كما لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُفْهَمَ من بَعْضِ حُرُوفِ التِّسْعَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهَا على مَدْلُولِهَا مَعْنًى آخَرُ وَهَذَا الذي قَالَهُ مُصَادَرَةٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفْهَمُ من الْعَشَرَةِ خَمْسَتَانِ مع اسْتِثْنَاءِ الدِّرْهَمِ منها بَلْ الْمَفْهُومُ من ذلك تِسْعَةٌ لَا غَيْرُ وَلَا بِإِلَّا مَعْنَى الْإِخْرَاجِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لُغَةً الصَّرْفُ وَالرَّدُّ وَقَوْلُهُ كما لَا يَسْتَقِيمُ ليس بِنَظِيرِ ما نَحْنُ فيه إذْ عَدَمُ فَهْمِ ما ذُكِرَ لِعَدَمِ الْوَضْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ في غَيْرِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا ذُكِرَ لُغَةً وَعُرْفًا وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْدَ الْبَاجِيِّ بهذا الْقَوْلِ أَنْ يُفَرَّقَ بين التَّخْصِيصِ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ فَإِنْ كان بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ فَمِنْ الْبَاقِي حَقِيقَةً أو مُنْفَصِلٍ فإن الْبَاقِيَ مَجَازٌ وَلِذَلِكَ قال في الِاسْتِثْنَاءِ إنَّ الْكَلَامَ بِجُمْلَتِهِ يَصِيرُ عِبَارَةً عن أَمْرٍ آخَرَ وَالثَّالِثُ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى منه مُرَادٌ بِتَمَامِهِ ثُمَّ أُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى ثُمَّ حُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَهُ تَقْدِيرًا وَإِنْ كان قَبْلَهُ ذِكْرًا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِك عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ ثُمَّ أُخْرِجَتْ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَى الْبَاقِي تَقْدِيرًا فَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ ما يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَلِذَلِكَ لَا يَحْكُمُ عَالِمٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بِالْإِسْنَادِ قبل تَمَامِهِ لِتَوَقُّعِ التَّغْيِيرِ قَبْلَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ أو غَيْرِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ على حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ من كَوْنِهِ إنْكَارًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَتَنَاقَضَا وَالْفَرْقُ بين هذا الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلِ أَنَّ الْأَفْرَادَ بِكَمَالِهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ في الْمُسْتَثْنَى منه في الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عليه وفي الثَّالِثِ مُرَادَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هو لِتَغَيُّرِ النِّسْبَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ على عَدَمِ الْمُرَادِ وَيَتَفَرَّعُ على الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ هو تَخْصِيصٌ أَمْ لَا فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ليس تَخْصِيصًا وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْصِيصٌ قَطْعًا وَعَلَى الثَّالِثِ يُحْتَمَلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ خَاصٌّ لِعَدِّهِمْ إيَّاهُ من التَّخْصِيصِ الْمُتَّصِلِ وَتَطَرُّقِهِ إلَى النُّصُوصِ قِيلَ ليس بِتَخْصِيصٍ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَرْطُهُ الْإِرَادَةُ وَالْمُقَارَنَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ إلَّا في قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ وقال الْهِنْدِيُّ في الرِّسَالَةِ السَّيْفِيَّةِ الْجَمْعُ بين احْتِمَالِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ تَخْصِيصًا على هذا الرَّأْيِ مع أَنَّ الْأَفْرَادَ مُرَادَةٌ بِكَمَالِهَا فيه مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا على أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ من الذي خَصَّ عنه وُجُودَ التَّنَاوُلِ فَإِنْ قُلْت يُخَصُّ قَوْلُهُمْ ذلك بِالِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ النُّصُوصِ قُلْت الذي قال بِالْمَذْهَبِ الثَّالِثِ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ من أَلْفَاظِ الْعَدَدِ أو غَيْرِهَا فإن الْكَلَامَ في تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقٌ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هذا الْمَذْهَبُ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ الْفَرْدَ الْمَخْصُوصَ من الْعَامِّ ليس مُرَادًا منه وقال الْمَازِرِيُّ أَصْلُ هذا الْخِلَافِ في الِاسْتِثْنَاءِ من الْعَدَدِ هل يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَرِينَةٍ غَيَّرَتْ وَضْعَ الصِّيغَةِ أو لم تُغَيِّرْهُ وَإِنَّمَا كَشَفَتْ عن الْمُرَادِ بها فَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَالنُّصُوصِ التي لَا تَحْتَمِلُ سِوَى ما يُفْهَمُ منها قال بِالْأَوَّلِ وَيُنَزَّلُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى منه كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الدَّالَّةِ على عَدَدٍ ما وَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى كَجُزْءٍ من أَجْزَاءِ هذه الْكَلِمَةِ لِمَجْمُوعِ الدَّالِّ على الْعَدَدِ الْمُبْقَى وَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَيْسَتْ نَصًّا فإن الْعَشَرَةَ رُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ في عَشَرَةٍ نَاقِصَةٍ رَأَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ دَلَّتْ على الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى منه كما دَلَّ قَوْلُهُ لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ على الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ قال وَهَذَا ظَاهِرٌ على الْقَوْلِ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ ظَاهِرَةٌ فَإِنْ قُلْنَا نَصٌّ فَلَا يَسْتَقِيمُ ثُمَّ ذَكَرَ من الْفَرْقِ بين التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ على النُّصُوصِ وَالتَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ عليها وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّك إذَا اسْتَعْمَلْت الْعَشَرَةَ في سَبْعَةٍ مَجَازًا دَلَّ عليه قَوْلُك إلَّا ثَلَاثَةً وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُسْتَعْمَلُ في السَّبْعَةِ وابن الْحَاجِبِ عِنْدَهُ أَنَّك تَصَوَّرْت مَاهِيَّةَ الْعَشَرَةِ ثُمَّ حَذَفْت منها ثَلَاثَةً ثُمَّ حَكَمْت بِالسَّبْعَةِ فَكَأَنَّهُ قال له عَلَيَّ الْبَاقِي من عَشَرَةٍ أَخْرَجَ منها ثَلَاثَةً أو عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً له عِنْدِي وَكُلُّ من أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ على شَيْءٍ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِهِ في ذِهْنِهِ فَهَذَا الْقَائِلُ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِ الْعَشَرَةِ في ذِهْنِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ حَكَمَ كما أَنَّك تُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ من الْكِيسِ ثُمَّ تَرُدُّ منها إلَيْهِ ثَلَاثَةً ثُمَّ تَهَبُ الْبَاقِي وهو السَّبْعَةُ هذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَكِنَّ تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ إلَّا أَدَاةٌ أُخْرِجَتْ من الِاسْمِ وَالْحُكْمِ وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي على الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ أَنَّ الْإِخْرَاجَ من الِاسْمِ فَقَطْ وَيُرَدُّ عليه أَيْضًا أَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يُسْتَثْنَى منه وَلَوْ اُسْتُثْنِيَ منه لم يَنْتَظِمْ أَنْ يُقَالَ الْعَامِلُ في الْمُسْتَثْنَى هو الْعَامِلُ في الْمُسْتَثْنَى منه كما هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ من النُّحَاةِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْنَادِ ما يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لِلْجُمْلَةِ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ بِآخِرِ الْكَلَامِ فَإِنْ عُطِفَ عليها بِأَوْ كان ثَابِتًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ عُطِفَ عليها بِالْوَاوِ كان ثَابِتًا لِلْمَجْمُوعِ وَإِنْ اُسْتُثْنِيَ منه كان ثَابِتًا لِبَعْضِ مَدْلُولِهَا وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ بِالْأَوَّلِ بَلْ يَحْصُلُ الْإِخْرَاجُ وَالْحَاصِلُ قَبْلَهُ قُصِدَ أَنْ يُسْتَثْنَى لَا بِقَصْدِ الْمَعْنَى حتى لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ مَوْتِهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَلَوْ كان مُبَيِّنًا لَزِمَهُ وَعَلَى هذا لَا يُسَمَّى تَخْصِيصًا مَسْأَلَةٌ هل يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أو الْبَيَانِ تَتَفَرَّعُ على ما سَبَقَ وَتَتَأَصَّلُ على الْخِلَافِ الْآتِي في الِاسْتِثْنَاءِ من الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أو بِطَرِيقِ الْبَيَانِ فقال بِالثَّانِي وهو عِنْدَهُمْ بَيَانٌ مَعْنَوِيٌّ أَيْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لم يَكُنْ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ من الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مَنَعَ دُخُولَهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى منه وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إلَى صُورَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ اسْتِخْرَاجٌ صُورِيٌّ وَنَسَبُوا لِأَصْحَابِنَا الْأَوَّلَ وهو أَنَّهُ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مِثْلُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ فإن صَدْرَ الْكَلَامِ يَدُلُّ على إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَآخِرَهُ يَدُلُّ على إرَادَةِ إخْرَاجِ الْبَعْضِ عن الْإِرَادَةِ فَتَعَارَضَا في ذلك الْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ خُرُوجُهُ عن الْمُرَادِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ وَعَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ هو مُتَكَلِّمٌ بِالْبَاقِي في صَدْرِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى قُلْت هو نَظِيرُ الْخِلَافِ في أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أو بَيَانٌ وقال صَاحِبُ الْمُحِيطِ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَيْ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى منه بَعْدَ صَرْفِ الْكَلَامِ عن الْمُسْتَثْنَى وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لو قال عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا أو غَانِمًا لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ كان الْمُسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا لِأَنَّهُ فيه فَثَبَتَ حُكْمُ الشَّكِّ فِيهِمَا وَيَصِيرُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ لَا بَعْضَ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كان الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا لِأَنَّ الْكَلَامَ لم يَتَنَاوَلْ الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا فَلَا أَثَرَ لِلْجَهَالَةِ فيه وفي الْمُغْنِي ابن قُدَامَةَ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هو مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ وهو أَنْ يَمْنَعَ أَنْ يَدْخُلَ فيه ما لَوْلَاهُ لَدَخَلَ وقَوْله تَعَالَى إلَّا خَمْسِينَ عَامًا عِبَارَةٌ عن تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَخَرَجَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَى وقَوْله تَعَالَى إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلَّا الذي فَطَرَنِي فَقَدْ تَبَرَّأَ من غَيْرِ اللَّهِ لَا أَنَّهُ تَبَرَّأَ منه أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عنه وَفَصَّلَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ بين الِاسْتِثْنَاءِ الْعَدَدِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالُوا في غَيْرِ الْعَدَدِيِّ إنَّهُ إخْرَاجٌ قبل الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمُهُ على الْبَاقِي وَقَالُوا في الْعَدَدِيِّ لَا إخْرَاجَ حتى قالوا في إنْ كان لي إلَّا مِائَةٌ وَكَذَا ولم يَمْلِكْ إلَّا خَمْسِينَ لَا يَحْنَثُ قُلْت وما نَسَبُوهُ لِأَصْحَابِنَا مَمْنُوعٌ وقد قال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ ما لم يَرِدْ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ لَا أَنَّهُ إبْطَالُ ما ثَبَتَ وَلِهَذَا لو قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أو سِتَّةً يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ مَشْكُوكٌ فيه فَصَارَ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ خَمْسَةٌ أو سِتَّةٌ فإنه يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَاحْتَمَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعَشَرَةَ وَالشَّكُّ في الْمَنْفِيِّ قُلْت وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْوِيَهُ من أَوَّلِ الْكَلَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَادًا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وهو يُرِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ وَكَذَا قال صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ لو لم يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ بَيَانًا لَأَدَّى إلَى النَّسْخِ في كَلَامٍ وَاحِدٍ فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ في كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى قال وَمَسَائِلُ الشَّافِعِيِّ كُلُّهَا تُخَرَّجُ على الْبَيَانِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على التَّعَارُضِ لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بين الْمِثْلَيْنِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بين الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُسْتَثْنَى لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى منه مُسْتَقِلٌّ وَالْمُسْتَثْنَى نَاقِصٌ وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ بِهِ وَيَدُلُّ على بُطْلَانِ دَعْوَى الْإِخْرَاجِ قَوْله تَعَالَى في حَقِّ نُوحٍ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُخَرِّجُ الْخَمْسِينَ من الْأَلْفِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِلُبْثِهِ الْأَلْفَ بِكَمَالِهِ فلم يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ صَالِحًا لِدُخُولِ الْخَمْسِينَ تَحْتَ الْأَلْفِ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ من صَلَاحِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُرِيدٌ لِلْأَلْفِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ ما لَبِثَ الْخَمْسِينَ فَكَيْفَ يُرِيدُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَضْعُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُخَرِّجَ ما لَوْلَاهُ لَانْتَظَمَهُ وَذَكَرَ الْإِخْرَاجَ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ في اللَّفْظِ وَبِهَذَا كُلِّهِ تَبْطُلُ دَعْوَى الْقَرَافِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا إخْرَاجَ فيه أَصْلًا لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ اتَّصَفَ بِالدُّخُولِ وَلَا يُقَالُ خَرَجَ زَيْدٌ من الدَّارِ إذَا لم يَكُنْ دَخَلَهَا إلَّا مَجَازًا وقد بَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ من الصَّلَاحِيَّةِ لِلدُّخُولِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ وهو كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُقَارِنِ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا وَرَاءَ الْخُصُوصِ من الْأَصْلِ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ وَصَارَ كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارِبِينَ فلم يَكُنْ غَيْرُ الْمُحَارِبِينَ مُرَادًا من الْمُشْرِكِينَ من الِابْتِدَاءِ وَنَظِيرُ هذا الْخِلَافِ في الِاسْتِثْنَاءِ خِلَافُ أَصْحَابِنَا فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا هل يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الْفَرَاغِ من قَوْلِهِ ثَلَاثَةً أو نَقُولُ إذَا فَرَغَ من قَوْلِهِ ثَلَاثًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَفَائِدَتُهُ إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَتْ ثُمَّ قال ثَلَاثًا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ تَنْبِيهٌ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ من الْمُخَصَّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ وَاضِحٌ في الْكَلَامِ الْوَاحِدِ أَمَّا لو قال اللَّهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فقال عليه السَّلَامُ على الِاتِّصَالِ لَا الْحَرْبِيِّينَ فَاخْتَلَفُوا فيه فقال قَوْمٌ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ في كَلَامِ اللَّهِ وقال الْقَاضِي الذي أَرْتَضِيهِ أَنَّهُ إنْ أَبْدَى من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَلَامًا ولم يُضِفْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْتَحَقَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ ولم يُجْعَلْ اسْتِثْنَاءً حَقِيقِيًّا بَلْ هو تَخْصِيصٌ سَوَاءٌ قُدِّرَ مُتَّصِلًا أو مُنْفَصِلًا كَذَا حَكَاهُ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ وَأَطْلَقَ الْهِنْدِيُّ تَرْجِيحَ كَوْنِهِ مُنْفَصِلًا وَمِنْ فُرُوعِهِ لو قال لي عَلَيْك أَلْفٌ فقال الْمُدَّعَى عليه إلَّا عَشَرَةً فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا بِبَاقِي الْأَلْفِ قال في التَّتِمَّةِ الْمَذْهَبُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ منه إلَّا نَفْيُ ما قَالَهُ خَصْمُهُ وَنَفْيُ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ على ثُبُوتِ غَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ على الْأَصَحِّ وقال الْحَنَفِيَّةُ لَا يَقْتَضِي ذلك وَجَعَلُوا بين الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَالْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَاسِطَةً وَهِيَ عَدَمُ الْحُكْمِ وَنُقِلَ في الْمَعَالِمِ الِاتِّفَاقُ على الْأَوَّلِ وَالْخِلَافُ في الثَّانِي وَاخْتَارَ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَعَالِمُ وفي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ في سُورَةِ النِّسَاءِ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ في الْمَحْصُولِ وَلَيْسَ كما ادَّعَى من الْوِفَاقِ فإن الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ مَوْجُودٌ كما ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ قال الْهِنْدِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الْمَأْخَذَ الذي ذَكَرُوهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا وهو أَنَّ بين الْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةً وهو عَدَمُ الْحُكْمِ وَتَرْكُهُ على ما كان عليه قبل الِاسْتِثْنَاءِ بِلَا فَرْقٍ بين الِاسْتِثْنَاءِ من النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إذْ الْوَاسِطَةُ حَاصِلَةٌ نعم يَلْزَمُ النَّفْيُ الْمُسْتَثْنَى من الْإِثْبَاتِ عِنْدَهُ بِنَاءً على أَنَّهُ الْأَصْلُ قبل الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اقْتَضَى ذلك فَإِنْ قِيلَ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا كان مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ الدِّرْهَمَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عليه بِاللُّزُومِ لَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عليه بِعَدَمِ اللُّزُومِ وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ اللُّزُومِ لَازِمٌ له بِنَاءً على الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ لِهَذَا السَّبَبِ خَصَّصَ الْخِلَافَ بِالِاسْتِثْنَاءِ من النَّفْيِ إذْ لَا يَظْهَرُ لِلْخِلَافِ في الْإِثْبَاتِ فَائِدَةٌ فإن النَّفْيَ ثَابِتٌ فيه بِالِاتِّفَاقِ لَكِنَّ الْمَأْخَذَ مُخْتَلِفٌ فَعِنْدَنَا بِسَبَبِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعِنْدَهُ بِسَبَبِ الْبَقَاءِ على الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَمِنْ هُنَا ظَنَّ عَدَمَ خِلَافِهِ فيها وَلِهَذَا قِيلَ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُفَرِّقُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ من جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّ السُّكُوتَ عن إثْبَاتِ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُكْمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ السُّكُوتِ عن النَّفْيِ إذْ لَا مُقْتَضَى معه لِلْإِثْبَاتِ فَهُوَ يَحْمِلُ كَلَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ على نَفْيِ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ وَكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ على عُرْفِ الشَّارِعِ قُلْت وَالْحَنَفِيَّةُ مُوَافِقُونَ لِنُحَاةِ الْكُوفَةِ إذْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ قَوْلَك قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامِ عن الْقَوْمِ الَّذِينَ فِيهِمْ زَيْدٌ وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عنه لم يُحْكَمْ عليه بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيٍ وأبو حَنِيفَةَ كُوفِيٌّ فَلِهَذَا كان مَذْهَبُهُ كَذَلِكَ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْأَدَاةَ أَخْرَجَتْ الِاسْمَ الثَّانِيَ من الْأَوَّلِ وَحُكْمَهُ من حُكْمِهِ وَهَذَا الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ في الْمُتَّصِلِ لَا في الْأَعَمِّ من الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ بَلْ حَكَى الْقَرَافِيُّ في الْعِقْدِ الْمَنْظُومِ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ أَجْرَوْا ذلك في التَّامِّ وَالْمُفَرَّغِ نَحْوُ ما قام إلَّا زَيْدٌ قالوا زَيْدٌ غَيْرُ مَحْكُومٍ عليه بِالْإِثْبَاتِ وَالْمَعْنَى ما قام أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ قال وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُعْرِبُوهُ بَدَلًا لَا فَاعِلًا وَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا وَتَقْدِيرُهُ ما قام أَحَدٌ فَلَا يَكُونُ زَيْدٌ فَاعِلًا وَالنُّحَاةُ لَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الْفَاعِلِ نَحْنُ نَقُولُ زَيْدٌ فَاعِلٌ بِالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ السَّابِقِ قبل إلَّا وهو الذي نُسِبَ إلَيْهِ عَدَمُ الْقِيَامِ فَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْإِجْمَاعِ على الِاكْتِفَاءِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كما قال صلى اللَّهُ عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ من النَّفْيِ إثْبَاتٌ قَوْله تَعَالَى فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلَّا عَذَابًا وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَأْخُوذٌ من قَوْلِك ثَنَيْت الشَّيْءَ عن جِهَتِهِ إذَا صَرَفْته عنها فإذا قُلْت لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ فَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا هذا الْحُكْمُ وَالثَّانِي نَفْسُ الْعَدَمِ فَقَوْلُك إلَّا زَيْدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ إذْ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يُزِيلُ الْحُكْمَ بِالْعَدَمِ فَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى مَسْكُوتًا عنه غير مَحْكُومٍ عليه نَفْيٌ وَلَا إثْبَاتٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الثَّانِي وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْعَدَمِ يُحَصِّلُ الْوُجُودَ لَا مَحَالَةَ لَكِنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى إذْ الْأَلْفَاظُ وُضِعَتْ دَالَّةً على الْأَحْكَامِ الذِّهْنِيَّةِ لَا على الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى الثَّانِي ما جاء من وَضْعِ هذا الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَالْمُرَادُ في الْكُلِّ مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاطِ قال وَالصُّوَرُ التي دَلَّ فيها على الْإِثْبَاتِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَفَادًا من اللَّفْظِ بَلْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَأَجَابَ عن الدَّلِيلِ السَّابِقِ بِأَنَّ هذه الْكَلِمَةَ وَإِنْ كانت لَا تُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَكِنَّهَا تُفِيدُهُ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فإن الْمَقْصُودَ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَأَمَّا إثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ فَمُتَّفَقٌ عليه قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَكُلُّ هذا عِنْدِي تَشْغِيبٌ وَمُرَاوَغَاتٌ جَدَلِيَّةٌ وَالشَّرْعُ خَاطَبَ الناس بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرَهُمْ بها لِإِثْبَاتِ مَقْصُودِ التَّوْحِيدِ وَحَصَلَ الْفَهْمُ لِذَلِكَ منهم وَالْقَبُولُ له منهم من غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَلَوْ كان وَضْعُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ لَكَانَ أَهَمُّ الْمُهِمَّاتِ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ الذي يَقْتَضِيهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَالِاكْتِفَاءُ الذي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَنَا في مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالظَّنِّ لَكِنْ هل هو لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ أو لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ لَا تَبْلُغُ إلَى الْقَطْعِ وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ رَاجِعٌ إلَى الشَّرْطِ وقد اسْتَعْظَمَ الْقَرَافِيُّ شُبْهَتَهُمْ من لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَلَيْسَ كما زَعَمَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ في غَيْرِ الشَّرْطِ فإن الِاسْتِثْنَاءَ يَقَعُ في الْأَحْكَامِ وَالْمَوَانِعِ وَالشُّرُوطِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ ولم يَتَعَرَّضْ لها الْأُصُولِيُّونَ وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الذَّخَائِرِ من الْفُقَهَاءِ في بَابِ الْعَدَدِ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا على زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَاسْتُشْكِلَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ على وُجُوبِ الْإِحْدَادِ على الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ هذا الِاسْتِثْنَاءُ لِلْوَاجِبِ من الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ الْإِحْدَادَ على غَيْرِ الزَّوْجِ فَوْقَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ وَعَلَى الزَّوْجِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى الْوَاجِبُ من الْجَائِزِ وَالْحَرَامُ من الْمُبَاحِ وَيُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِالْحَدِيثِ على جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من الِاسْتِثْنَاءِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ من الِاسْتِثْنَاءِ وَحَكَى ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ عن بَعْضِهِمْ مَنْعَهُ وقال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ في بَابِ الْإِقْرَارِ حَكَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عن بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْعَهُ لِأَنَّ الْعَامِلَ في الِاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يَعْمَلُ عَامِلٌ في أَحَدِ الْمَعْمُولَيْنِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ قال أبو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ اسْتَثْنَى الْآلُ من الْقَوْمِ ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ قال الْقَاضِي مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ولم يَحْكِ الزَّجَّاجِيُّ سِوَاهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أَيْ لِإِهْلَاكِهِمْ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ آلِ لُوطٍ منهم لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا من الْمُجْرِمِينَ بَلْ هو كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَعْنَاهُ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ فَإِنَّهُمْ مُنَجَّوْنَ ثُمَّ قال إلَّا امْرَأَتَهُ اسْتَثْنَاهَا من الْمُنَجِّينَ وَجُعِلَتْ من الْهَالِكِينَ فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً قال وَهَذَا قَدْحٌ في الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ لَكِنَّ الدَّلِيلَ على الْجَوَابِ لِسَانُ الْعَرَبِ وقد تَرْجَمَ عليه سِيبَوَيْهِ بَابَ تَثْنِيَةِ الْمُسْتَثْنَى إذَا ثَبَتَ ذلك فَتَقُولُ الِاسْتِثْنَاءَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ إنْ كان الْبَعْضُ مَعْطُوفًا على الْبَعْضِ كان الْكُلُّ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى منه وَأُسْقِطَ الْمَجْمُوعُ من الْعَدَدِ وَيَلْزَمُ الْبَاقِي نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً وَإِلَّا ثَلَاثَةً وَإِلَّا اثْنَيْنِ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ هذا إذَا كان الْمَجْمُوعُ نَاقِصًا عن الْمُسْتَثْنَى منه فَإِنْ كان مُسَاوِيًا أو أَزْيَدَ بَعْضَهَا أو مَجْمُوعَهَا فَإِنْ حَصَلَتْ الْمُسَاوَاةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا شَكَّ في فَسَادِهِ وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَثَلًا وكان الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ وقد تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ مع الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى منه وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ إلَى الثَّانِي بِالْعَطْفِ وَالْمُسَاوَاةِ فَيَفْسُدُ لَا مَحَالَةَ وَهَلْ يَفْسُدُ معه الْأَوَّلُ أَيْضًا حتى لَا يَسْقُطَ من الْمُسْتَثْنَى منه شَيْءٌ أَمْ يُخَصُّ الثَّانِي بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ نَشَأَ منه فيه احْتِمَالَاتٌ قال الْهِنْدِيُّ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَإِنْ كان الثَّانِي أَنْقَصَ من الْأَوَّلِ تَعَارَضَا أَمَّا إذَا لم يَكُنْ الْبَعْضُ مَعْطُوفًا على الْبَعْضِ فَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ أَصْحَابِنَا على رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ وَيُوجِبُ ذلك الزِّيَادَةَ في الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهَمًا فَأَسْقَطَ من الدِّرْهَمَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَثْنَاهُمَا من الْعَشَرَةِ دِرْهَمًا فَيَبْقَى دِرْهَمٌ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ وَكَذَا قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الذي يَلِيهِ فإذا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ منها إلَى الذي يَلِيهِ فَإِنْ كان الْأَوَّلُ إثْبَاتًا كان هو نَفْيًا وَإِنْ كان نَفْيًا كان هو إثْبَاتًا فإذا قال أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ خَمْسًا إثْبَاتٌ وإذا قال إلَّا أَرْبَعًا كان نَفْيًا تَبْقَى وَاحِدَةٌ فإذا قال إلَّا اثْنَيْنِ فَيَقَعُ عليها ثَلَاثٌ فإذا قال إلَّا وَاحِدَةً كان نَفْيًا فَيَبْقَى طَلْقَتَانِ ا هـ قُلْت لَكِنْ لَا إجْمَاعَ فَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عن الْحَنَّاطِيِّ احْتِمَالًا فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً فإنه يُحْتَمَلُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ اللَّفْظِ أَعْنِي الْمُسْتَثْنَى منه قُلْت وهو قَوِيٌّ فإن الْأَوَّلَ ليس له مَأْخَذٌ غَيْرُ الْقُرْبِ وهو لَا يُوجِبُ ذلك إنَّمَا يَقْتَضِي الرُّجْحَانَ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هذا إذَا كان أَقَلَّ من الْأَوَّلِ يَعْنِي كما دَلَّ عليه أَمْثِلَتُهُمْ فَإِنْ كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ أو مُسَاوِيًا له عَادَ الْكُلُّ إلَى الْمُتَقَدِّمِ وهو الْمُسْتَثْنَى منه نَحْوُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً وَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ وَتَبِعَهُ في الْمِنْهَاجِ وقال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ هذا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِمَّا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ من الْأَوَّلِ فَإِنْ لم يُمْكِنْ فإن الثَّانِي لَغْوٌ وَيَعْمَلُ الْأَوَّلُ فإذا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً لَغَا الثَّانِي وَصَارَ كَقَوْلِهِ ثَلَاثٌ إلَّا طَلْقَةً فَتَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ يُلْغَى قَوْلُهُ طَلْقَتَيْنِ قال هذا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وقد حَكَى السِّيرَافِيُّ عن أَهْلِ اللِّسَانِ في هذا الْمَحَلِّ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا إعْمَالُ الِاسْتِثْنَاءَيْنِ لِجَعْلِهِمَا بِمَثَابَةِ اسْتِثْنَاءٍ وَاحِدٍ حتى لو قال عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا إلَّا دِرْهَمًا يَسْقُطَانِ من الْعَشَرَةِ وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ وَحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ إذَا قال ما أَتَانِي إلَّا زَيْدٌ إلَّا عَمْرٌو يَكُونَانِ جميعا أَتَيَاهُ فَعَلَى هذا إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً تَطْلُقُ طَلْقَةً وإذا قال ثَلَاثَةً إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَحُكِيَ عن الْفَرَّاءِ أَنَّهُ إذَا كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ مَنْفِيًّا كَأَنَّهُ قال عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً بَقِيَتْ سَبْعَةٌ ثُمَّ قال إلَّا أَرْبَعَةً فَيُضَافُ إلَى السَّبْعَةِ فَيَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ فَعَلَى هذا وَمِثْلُهُ الطَّلَاقُ مع الثَّلَاثِ لِأَنَّا إذَا أَضَفْنَا الِاثْنَيْنِ في الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى ما بَقِيَ من الثَّلَاثِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ صَارَ أَرْبَعًا ثُمَّ بَقِيَتْ الثَّلَاثُ انْتَهَى وما نَقَلَهُ عن الْفَرَّاءِ حَكَاهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً تَكُونُ الثَّلَاثَةُ مُسْتَثْنَاةً من الْعَشَرَةِ فَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَيُزَالُ منها أَرْبَعَةٌ فَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ ثَلَاثَةً وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا خَمْسَةً لُزُومُ عَشَرَةٍ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَوَّلِ فَيُلْغِيهِ وَذُكِرَ فيه أَيْضًا فِيمَا إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ تَوْكِيدًا وَحَكَى فيه في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَجْهَيْنِ من غَيْرِ تَرْجِيحٍ أَحَدُهُمَا هذا وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ من النَّفْيِ إثْبَاتٌ أَمَّا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنَى منه دُونَ الثَّانِي لِأَنَّهُ من بَاطِلٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءَانِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ قال ابن الصَّبَّاغِ وَهَذَا أَقْيَسُ وَالثَّالِثُ يَلْزَمُهُ سِتَّةٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ قُلْت وَالثَّانِي هو نَظِيرُ ما صَحَّحُوهُ من الطَّلَاقِ في أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ اثْنَتَانِ مسألة الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة يمكن عوده لجمعها ولبعضها ومثله ابن كج في كتابه بقوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى قوله إلا من تاب فيه مذاهب أحدها وهو قول الشافعي كما قاله الماوردي والروياني أنه يعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل كقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية ونقله البيهقي في سننه في باب شهادة القاذف عن نص الشافعي فقال قال الشافعي والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل اللغة لا يفرق بين ذلك أحد انتهى وقال في الأم في باب الخلافة في إجازة شهادة القاذف قال الشافعي لمن يناظره أرأيت رجلا لو قال لا أكلمك أبدا ولا أدخل لك بيتا ولا آكل لك طعاما ولا أخرج معك سفرا وإنك لغير حميد عندي ولا أكسوك إن شاء الله أيكون الاستثناء واقعا على ما بعد غير حميد عندي أم على الكلام كله قال بل على الكلام كله انتهى وقال القفال الشاشي إنه الذي جرى عليه الشافعي وقال القاضي أبو الطيب إنه المحكي عن الشافعي وأصحابه قال وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلا أنه قال في كتاب الشاهد واليمين إذا تاب قبلت شهادتهم ذلك بين في كتاب الله تعالى وهذا يدل على أن الاستثناء رده إلى الفسق ورد الشهادة وقد استدل أبو إسحاق المروزي وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء وأنه راجع إلى الجميع انتهى وقال المازري نسبه ابن القصار لمالك وهو الظاهر من مذاهب أصحابه وحكاه صاحب المصادر عن القاضي عبد الجبار وقال ابن القشيري قال القاضي لو قلنا بالعموم فأوضح المذاهب صرفه إلى الجميع وهذا الراجح عند الحنابلة ونقلوه عن نص أحمد فإنه قال في قوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه قال أرجو أن يكون الاستثناء على كله والثاني أنه يعود إلى الأخيرة خاصة إلا أن يقوم الدليل على التعميم وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه واختاره الإمام فخر الدين في المعالم وقال الأصفهاني في القواعد إنه الأشبه ونقله صاحب المعتمد عن الظاهرية وحكاه صاحب عن أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي وإليه ذهب أبو علي الفارسي وحكاه إلكيا الطبري وابن برهان عن الفارسي واختاره المهاباذي من النحويين في شرح اللمع وقد يظن أن ذلك مذهب الشافعي فإن الشيخ أبا إسحاق قال وإن قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة ففيه وجهان أحدهما تطلق طلقة والثاني وهو المنصوص أنها تطلق طلقتين لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو الطلقة واستثناء طلقة من طلقة باطل فيسقط وتبقى الطلقات انتهى وقال ابن الصباغ في كتاب الطلاق قال في البويطي إذا قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا وقعت ثلاثا وهذا إنما هو لأنه أوقع جملتين واستثنى إحداهما بجملتها فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخير من الجملتين أي ولو عاد إلى الجميع لوقع طلقتان وكأنه قال ستا إلا أربعا ا هـ والجواب أنه ليس المأخذ ما ظنوه وإنما قاله الشافعي مفرعا على أن المفرق لا يجمع وهو الأصح فإن قلنا يجمع وقع طلقتان وكأنه قال ستا إلا أربعا تفريعا على أن الاستثناء يرجع إلى الملفوظ فإن عاد إلى المنوي وقع الثلاث ثم إن هذا لبس ويدل لهذا قول القاضي أبي الطيب في باب الإقرار من تعليقه لو قال علي درهم ودرهم إلا درهما فالذي نص عليه الشافعي أنه يلزمه درهمان لأنه ذكر جملتين ثم عقبهما بالاستثناء والاستثناء يرجع لما يليه وهو يستغرقه فلا يبقى شيء فيبطل كما لو قال علي درهم إلا درهما لا يصح الاستثناء فكذلك هنا وكذلك لو قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة يقع طلقتان ونص الشافعي على هذه المسألة في كتاب إباحة الطلاق قال القاضي ومن أصحابنا من خرج فيها وجها أنه يصح الاستثناء ويلزمه درهم واحد وطلقة واحدة واحتج بأن الجملتين إذا كان بينهما حرف العطف كانتا بمنزلة الجملة الواحدة فهو بمنزلة أن يقول علي درهمان إلا درهما وأنت طالق طلقتين إلا طلقة وهذا خلاف النص وإن كان له وجه انتهى وتمسك القائلون بهذا بأن الموجب لتعليق الاستثناء بالمتقدم كونه لا يفيد بنفسه فإذا تعلق بالأخيرة صار مفيدا فلا حاجة إلى صرفه إلى غيره ولنا أن الجمل إذا تعاطفت صارت كالجملة الواحدة بدليل الشرط والاستثناء بالمشيئة فإنهما يرجعان إلى ما تقدم إجماعا فإن فرق بأن الشرط قد يتقدم كما يتأخر فيجوز أن يوقف ما قبل الآخر على الاتصال بالشرط ولا كذلك الاستثناء قلنا هذا لا يؤثر في الجمع إذ تعليقه على ما يليه لا يمنع من تعليقه على ما تقدم والذي يليه والمتقدم والمتأخر في هذا الفرق سواء قال القرطبي وقد خالف أبو حنيفة أصله فإنه يلزمه أن لا يقبل التوبة قبل الحد ولا بعده كما ذهب إليه شريح لكنه قال بقبولها قبله لا بعده فخالف أصله تنبيه قياس مذهب الحنفية أن الاستثناء إذا تقدم اختص بالجملة الأولى لأنها التي تليه ويحتمل خلافه والثالث والوقف بين الأمرين فيجوز أن يصرف إلى الأول وإلى المتوسط وإلى الأخير ولكن في الحال توقف والمتبع الدليل فإن قام دليل على انصرافه لأحدها صرنا إليه قال أبو الحسين بن فارس في كتاب فقه العربية فإن دل الدليل على عوده إلى الجميع عاد كآية المحاربة وإن دل على منعه امتنع كآية القذف قال سليم في التقريب وهو مذهب الأشعرية وحكاه ابن برهان عن القاضي واختاره الغزالي والإمام فخر الدين في المنتخب وصرح به في المحصول في الكلام على التخصيص وحكاه إلكيا الطبري عن اختيار إمام الحرمين قال فقيل له فقد قال الشافعي إذا قال الواقف وقفت داري على بني فلان وحبست أرضي على بني فلان وذكر نوعا آخر ثم قال إلا الفساق فيصرف الاستثناء إلى الكل فأجاب بأن ذلك ليس لظهور الاستثناء في الأنواع ولكن للتعارض بين الأمرين وهما احتمال عوده إلى الجميع أو إلى ما يليه والتوقف فيه ولا صرف مع التوقف قال إلكيا وهذا المأخذ غير مرضي فإن التوقف في المستثنى يوجب التوقف في المستثنى منه حتى لا ينصرف إلى العدول أيضا ونحن نصرف كل المال إلى العدول والتوقف يقتضي التوقف في حق الكل فإنا لا ندري أنهم يستحقون أم لا وهو كالتوقف في الميراث للحمل ونقل ابن القشيري والمازري عن إمام الحرمين مسلك التفصيل في التوقف فرأى أن الجمل إن كانت متناسبة والغرض منها متحد فاللفظ متردد ولا قرينة وإن كانت مختلفة الجهات متباينة المأخذ فالظاهر الاختصاص بالجملة الأخيرة لانقطاع ما بين الجمل في المعنى والغرض وإن أمكن انعطافه على جميعها وهذا ما اختاره إلكيا الطبري فقال نعم لو تباينت الجمل في الأحكام بأن يذكر حكما ثم يأخذ في حكم آخر فالأول منقطع والاستثناء لا يعمل فيه وإن صرح به والواو هنا لا تعد مشركة ناسفة للنظم كقولك ضرب الأمير زيدا وخرج إلى السفر وخلع على فلان قال وهذا حسن جدا وبه تهذب مذهب الشافعي ويغني عما عداه واعلم أنهم حكوا قول الوقف عن الشريف المرتضى وأنه يغاير مذهب القاضي من جهة أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخير فقط وهو من باب الاشتراك في المركبات لا في المفردات قلت والذي حكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى أنه يقطع بعوده إلى الجملة الأخيرة وتوقف في رجوعه إلى غيرها لما تقدم فجوز صرفه إلى الجميع وقصره على الأخيرة كمذهبه في الأمر هذا لفظه وهو أثبت منقول عنه لأنه على مذهبه الشيعي والرابع إن كانت الجمل كلها سيقت لمقصود واحد انصرف إلى الجميع وإن سيقت لأغراض مختلفة اختص بالأخيرة حكاه ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار والخامس إن ظهر أن الواو للابتداء كقوله أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاددة اختص بالأخيرة وإن ترددت بين العطف والابتداء فالواقف والسادس إن كانت الجملة الثانية إعراضا وإضرابا عن الأولى اختص بالأخيرة وإلا انصرف إلى الجميع حكاه ابن برهان عن أبي الحسين البصري والذي وجدته في المعتمد حكاية هذا عن عبد الجبار وسكت عليه أبو الحسين وقرر دليله وحكي في المحصول عن أبي الحسين أنه إن كان بينهما تعلق عاد إلى الجميع وإلا اختص بالأخير وقال إنه دخل التحقيق وإنه حق ثم قال ابن برهان والحق في ذلك قول أبي الحسين البصري وهو المعتمد وهو مذهب الشافعي قال ولم ينقل عن الشافعي نص في هذه المسألة بخصوصها وإنما أخذ من مذهبه في مسألة المحدود بالقذف ونحن نبين أن الشافعي إنما صار إلى ذلك لأن ذكر الجمل هناك لم يكن إضرابا عن الجملة المتقدمة لأن الآيات سيقت لغرض واحد هو الجزاء على تلك الجريمة انتهى وقد اختاره ابن السمعاني في القواطع أيضا فقال إذا لم يكن خروجا من قضية إلى قضية أخرى لا يليق بها عاد إلى الكل وإلا اختص بالأخيرة ونظيره اضرب بني تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلاني وهذا لأنه لما عدل الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قضية والأخرى قضية أخرى دل على أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شيء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه أيضا انتهى وحاصله أنه إن صلح العود إلى الكل عاد إليه وإلا فلا وهذا تحرير لمذهب الشافعي في الحقيقة كما سيأتي فلا ينبغي أن يعد مذهبا آخر وقال في المقترح لا خلاف في صلاحية اللفظ لعوده إلى الجميع أو البعض وإنما النزاع في أنه هل هو ظاهر في الجميع ولا يحمل على الأخيرة إلا بدليل أو بالعكس فأبو حنيفة يقول بالثاني والشافعي بالأول وقال صاحب المصادر الخلاف في هذه المسألة إنما نشأ من اختلافهم في الفروع من المحدود في القذف هل تقبل شهادته بعد التوبة أم لا على معنى أنهم اختلفوا في هذه المسألة التي هي فرع حداهم هذا الاختلاف الذي هو أصل لذلك الفرع لا أنهم ذهبوا فيما هو فرع هذا الأصل إلى مذاهب ثم رتبوا عليه هذا الأصل لأن هذا عكس الواجب من حيث إن الفرع يترتب على أصله ويستوي عليه لا أن يترتب الأصل على فرعه ويستوي عليه على مقدار المبتاع في أنه غير صحيح ولا يستقيم إذا الصحيح المستقيم أن يستوي مقدار المبتاع الموزون على الصنجة المعتدلة انتهى واعلم أن للقول بعوده إلى الجميع عندنا شروطا الأول أن تكون الجمل متعاطفة فإن لم يكن عطف فلا يعود إلى الجميع قطعا بل يختص بالأخيرة إذ لا ارتباط بين الجملتين وممن صرح بهذا الشرط القاضيان أبو بكر في التقريب وأبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن القشيري والآمدي وابن الساعاتي والهندي وغيرهم وأما من أطلق فأمره محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه وأمثلتهم وكلامهم يرشد إلى أن المسألة مصورة بحالة العطف ويدل لذلك قول أصحابنا في كتاب الطلاق لو قال يا طالق أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أن الاستثناء منصرف إلى الثلاثة ووقعت واحدة بقوله يا طالق ولو كان العطف يشترط لكان الاستثناء عائدا إلى الجميع وأما ما فهمه القرافي من جريان الخلاف وإن لم يعطف فغره إطلاق الرازي وغيره فإنه إذا لم يكن عطف فلا ارتباط بينهما نعم ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط بين الجملتين كقوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه فإذا كان مثل ذلك فلا يبعد مجيء الخلاف ويحتمل أن يقال إنهما كالجملة الواحدة لأن الثانية كالمؤكدة للأولى فيعود للجميع قطعا وقد حكى الرافعي باب الاستثناء في الطلاق به لو قال أنت طالق أنت طالق إن شاء الله وقصد التأكيد أنه يعود للجميع ولم يحك فيه خلافا وكذا لو قال أنت طالق واحدة ثلاثا إن شاء الله من غير واحد فلا يقع شيء لأن الواحدة المتقدمة عائدة إلى الثلاث والاستثناء راجع إلى جميع الكلام نعم قال القرافي في كتاب الأيمان فيما لو قال إن شاء الله أنت طالق عبدي حر أنها لا تطلق ولا يعتق قال وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعا فإن أطلق فيشبه أن يجيء فيه خلاف في أنه يختص بالجملة الأولى أم يعمهما قال في الروضة قلت الصحيح التعميم واستفدنا من هذا فائدتين إحداهما أن الخلاف جار مع عدم العطف والثانية أن المسألة لا تخص بما إذا تأخر الاستثناء بل تكون في حالة تأخره وحالة تقدمه وهو خلاف قول الأصوليين في الاستثناء إذا تعقب جملا وهي مسألة حسنة الشرط الثاني أن يكون العطف بالواو فإن كان بثم اختص بالجملة الأخيرة ذكره إمام الحرمين في تدريسه حكاه عنه الرافعي في باب الوقف بعد أن صرح أن أصحابنا أطلقوا العطف وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وابن الساعاتي والعجب أن الأصفهاني في شرح المحصول حكاه عن الآمدي وقال لم أر من تقدمه به لكن ذكر الإمام في النهاية من صور الخلاف التمثيل بثم وصرح بأن مذهبنا عوده إلى الجميع والظاهر أن ثم والفاء وحتى مثل الواو في ذلك وقد صرح القاضي أبو بكر في التقريب بالفاء وغيرها فقال وهذه سبيل جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من فاء وواو وغيرها انتهى وأطلق ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق أن صورة المسألة أن يجمع بين الجمل بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع ويوافقه ما ذكره ابن الصباغ في كتاب العدة فإنه قال ومن أصحابنا من احتج بأن واو العطف تشترك بين الجملتين فتجعلان كالجملة الواحدة وهذا يخالف ما نص عليه الشافعي فإنه قال إذا قال أنت طالق وطالق فطالق إلا واحدة لم يصح الاستثناء ولو كان الإيقاع جملة واحدة صح الاستثناء هذا لفظه وهو صريح في أنه لا فرق بين الواو والفاء وإن كانت للترتيب وأما بقية حروف العطف فلا يتأتى فيها ذلك لأن بل ولا ولكن لأحد الشيئين بعينه فلا يصح عوده إليهما وكذلك أو وأم وأما لأحد الشيئين لا بعينه لكن الماوردي وغيره مثلوا المسألة بآية المحاربة مع أن العطف فيها ب أو وحكى الرافعي الخلاف في بل قبيل الطلاق بالحساب فقال لو قال أنت طالق واحدة بل ثلاثا إن دخلت الدار فوجهان أصحهما وبه قال ابن الحداد تقع واحدة بقوله أنت طالق وثنتان بدخول الدار ردا للشرط إلى ما يليه خاصة والثاني يرجع الشرط إليهما جميعا إلا أن يقول أردت تخصيص الشرط بقولي بل ثلاثا الثالث أن لا يتخلل الجملتين كلام طويل فإن تخلل اختص بالأخيرة كما لو قال وقفت على أولادي فمن مات منهم وأعقب كان نصيبه لأولاده للذكر مثل حظ الأنثيين وإلا فنصيبه لمن في درجته فإذا انقرضوا صرف إلى إخواني فلان وفلان الفقراء إلا أن يفسقوا حكاه الرافعي عن إمام الحرمين والمعنى أن طول الفصل يشعر بقطع الأولى عن الثانية الرابع أن تكون الجمل منقطعة بأن تنبئ كل واحدة عما لا تنبئ عنه أخواتها ذكره أبو نصر بن القشيري قال فإن توالت عبارات كلها تنبئ عن معنى واحد ثم عقبها باستثناء كقولك اضرب العصاة والجناة والطغاة والبغاة إلا من تاب رجع الاستثناء إلى الجميع قطعا ويوافقه ما لو قال أنت طالق أربع مرات بنية التكرار وقال في الرابعة إن شاء الله ففي فتاوى الغزالي أنه راجع إلى الجميع قال لأن الكلام ما دام متصلا برابطة التأكيد كان كالجملة الواحدة الخامس أن يكون بين الجمل تناسب فإن لم يكن بينها تناسب لا يصح العطف فضلا عن إرادة البعض أو الكل وهذا الشرط اعتبره البيانيون في صحة عطف الجمل فمنعوا عطف الإنشاء على الخبر وعكسه ووافقهم ابن مالك لكن أكثر النحويين على الجواز مطلقا وعلى الأول فلا يحسن التمثيل بآية القذف لأن قوله وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية عطفت على إنشائية لكن يقال وإن كانت خبرية لفظا لكنها إنشائية معنى نعم من اشترط في عطف الجمل اتفاقهما في الاسمية أو الفعلية حتى لو اختلفتا امتنع لم يحسن أن تكون الآية منه فإن قوله وأولئك هم جملة اسمية وقوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا جملة فعلية بل الواو هنا للاستئناف أو الابتداء وإذا كان كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله لم ينصرف الاستثناء إليه السادس أن يمكن عوده إلى كل واحدة على انفرادها فإن تعذر عاد إلى ما أمكن أو اختص بالأخيرة قاله القفال الشاشي وابن فورك والقاضي أبو الطيب في شرح الكفاية وإلكيا الطبري في التلويح قال القفال وهذا كآية الجلد فلا يمكن عود الاستثناء فيها إلى الأول لأنه تعلق به حق آدمي ولهذا لا يسقط عنه الجلد بالتوبة وإن قبلت شهادته وزالت عنه سمة الفسق لأنه من حقوق الآدميين فالتوبة لا ترفعه إنما ترفع حق الله تعالى وحكى الرافعي في باب قاطع الطريق عن ابن كج أنه حكى قولا عن الشافعي في القديم بسقوط الجلد بالتوبة وبه قال الزهري وحكاه النحاس في معاني القرآن عن الشافعي أيضا فعلى هذا يخرج له في هذه المسألة الأصولية قولان ثم أكثرهم يمثلون الآية بهذا الأصل ومنهم من قال على تقدير نظم الاختصاص بالأخيرة إن الأخيرة هي عدم قبول الشهادة فإنه المحكوم به وأما سمة الفسق فهي علة هذا الحكم فالاستثناء إذا تعقب حكما وتعليلا فإما أن يرجع إلى الكل أو إلى الحكم دون التعليل لأنه المقصود ولا سبيل إلى رجوعه إلى التعليل فقط قال الفقهاء وكذا قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فالاستثناء يرجع إلى الأخيرة لأن الدية حق آدمي فيسقط بالعفو والرقبة حق الله فلا يسقط بالعفو من الآدمي وكذا قال الماوردي وغيره قال ابن أبي هريرة في تعليقه إن الاستثناء في قوله تعالى إلا عابري سبيل يعود على الذي يليه وهو الجنب لا السكران فإن السكران ممنوع من دخول المسجد لما لا يؤمن من تلويثه إياه وخرج من هذا الشرط ما لو قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة فإن المنصوص للشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والشيخ في المهذب وابن الصباغ وعليه جمهور الأصحاب لأنها تطلق طلقتين لأنه يمكن عود الاستثناء إلى ما يليه للاستغراق فيسقط ويبقى الطلقتان ولا يظن أن هذا مخالف للقاعدة الأصولية لأن شرط الرجوع إلى الكل ما ذكرناه هو مفقود هاهنا ولو قال له درهمان ودرهم إلا درهما لزم ثلاثة على الأصح المنصوص لأنه استثنى درهما من درهم قاله الرافعي باب الإقرار وقد استشكل ذلك صاحب الوافي في شرح المهذب فقال هذا مذهب الشافعي في الفروع ومذهبه في الأصول أن الاستثناء يعود إلى الجميع ولا أعلم الفرق إلا أن يقال إنه هاهنا احتاط في وقوع الطلاق وليس بشيء انتهى وقد علمت جوابه السابع أن يكون المعمول واحدا كقوله تعالى والذين يرمون المحصنات الآية فإن كان العامل واحدا والمعمول متعددا فلا خلاف في عوده إلى الجميع كقوله اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح فالاستثناء من الجميع إذا لا موجب للاختصاص ولو ثبت موجب فعل بمقتضاه نحو لا تحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حرمت عليكم الميتة فاشتملت على ما فيه مانع وهو ما أهل به لغير الله وما قبله وهو وما أكل السبع وإلا ما ذكيتم فهو مستثنى من الخمسة إذ كانت تذكيته سبب موته قال ابن مالك اتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع في نحو لا تصحب زيدا ولا تزن ولا تكلم إلا تائبا من الظلم ومذهب أبي حنيفة والشافعي تساوي الاستثناء والشرط في التعلق بالجميع وهو صحيح للإجماع على سد كل واحد مسد الآخر نحو اقتل الكافر إن لم يسلم واقتله إلا أن يسلم انتهى الثامن أن يتحد العامل فإن اختلف خص بالأخيرة ذكره ابن مالك ونحو اكسوا الفقراء وأطعموا أبناء السبيل إلا من كان مبتدعا وصرح إلكيا الطبري بأن الشرط اتحاد العامل والمعمول قال فإن اختلفا اختص بما يليه ونحو ضرب الأمير زيدا وخرج إلى السفر وخلع علي فلان قال وهو حسن جدا وبه يتهذب مذهب الشافعي ا هـ والظاهر أن المراد اتحاده لفظا أو معنى فإن إمام الحرمين جعل من الأمثلة وقفت وحبست وتصدقت ومن أمثلته في الصفة إذ لا فرق بينهما وبين الاستثناء قوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن الشافعي يجعل هذا الوصف وهو قوله اللاتي دخلتم بهن مختصا بالأخيرة وهي قوله وربائبكم لأن الربيبة عنده لا تحرم إلا بالدخول وأم الزوجة تحرم بالعقد وإن لم يدخل قال المبرد والزجاجي وإنما كان كذلك لاختلاف العامل إذ العامل في قوله وأمهات نسائكم الإضافة وفي ربائبكم حرف الجر الذي هو قوله من نسائكم فلما اختلف العامل أشعر بانقطاع الأولى عن الثانية ولك أن تقول إذا جعلنا العامل في الإضافة حرف الجر المقدر اتحد العامل على كل تقدير وهذا الشرط أيضا مخرج مما نقله ابن الحاجب عن أبي الحسين البصري التاسع أن يكون في الجمل فإن كان في المفردات عاد للجميع اتفاقا ونقله ابن القشيري عن اختيار إمام الحرمين ومثله بقولك أكرم زيدا وعمرا وبكرا إلا من فسق منهم ويؤخذ من كلام إمام الحرمين في البرهان وابن الحاجب في جواب شبهة الخصم أن ذلك محل وفاق وحينئذ فتعبير أصحابنا بالجمل ليس للتقيد وإنما جرى الغالب نعم نص الشافعي على أنه إذا قال أنت طالق طلقة وطالقة إلا طلقة أنها تطلق ثنتين فجعل الاستثناء لما يليه في المفردات ومن المهم معرفة المراد بالجملة في هذا الموضوع فالمشهور أنها المركبة من الفعل والفاعل أو المبتدأ والخبر وخالف في ذلك ابن تيمية وقال إنما المراد بها اللفظ الذي فيه شمول ويصح إخراج بعضه ولهذا ذكروا من صورها الأعداد واحتج بآية المحاربة إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله إلا الذين تابوا قال وإنما هي من الجملة بالمعنى الذي فسرناه وبما روى الصحابة أن قوله إلا الذين تابوا في آية القذف عائد إلى الجملتين وقوله عليه السلام لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه العاشر أن يكون الاستثناء متأخرا على ظاهر عباراتهم بالتعقيب لكن الصواب أن ذلك ليس بشرط والخلاف جار في الجميع كما صرح به الرافعي في كتاب الأيمان وقد سبق التنبيه عليه في الشرط الأول وقد صرح القفال في فتاويه بعود الصفة السابقة إلى الجميع فقال فيما إذا وقف على محاويج حتى يستحقوا لأنه معطوف على محاويج أقاربه والمحاويج هم الذين يكون لهم حاجة بحيث يجوز لهم أخذ الصدقة انتهى الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَوَسِّطُ أَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فَإِنْ تَخَلَّلَ بين جُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَعْطُوفَةٌ على الْأُخْرَى فَقَلَّ من تَعَرَّضَ له وقد ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذَانِ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ نَحْوُ أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا من عَصَاك وَأَعْطِ بَنِي عَمْرٍو قَالَا فَاخْتَلَفَ فيه أَصْحَابُنَا على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ما قَبْلَهُ دُونَ ما بَعْدَهُ قَالَا وَسَوَاءٌ كان في الْأَمْرِ أو الْخَبَرِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَإِنْ لم يَكُنْ لَفْظُ الْأَمْرِ أو الْخَبَرِ مَذْكُورًا في الثَّانِيَةِ رَجَعَ إلَيْهِمَا جميعا كَقَوْلِهِ أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا من عَصَاك وَبَنِي عَمْرٍو الثَّمَنَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فَإِنْ كان مَعْطُوفًا عليه يَصِيرُ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ كَالْمُتَقَدِّمِ عليه نَحْوُ أَعْطِ أو أَعْطَيْت بَنِي زَيْدٍ إلَّا من أَطَاعَنِي منهم وَبَنِي عَمْرٍو فَإِنَّهَا صَارَتْ في حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى بِالْعَطْفِ على مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَنَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ هل مَعْنَاهُ الْعَوْدُ إلَى كل وَاحِدٍ منها بِمُفْرَدِهَا أو الْعَوْدُ إلَى الْمَجْمُوعِ وَيَتَوَزَّعُ عليها فيه خِلَافٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ إلَّا خَمْسِينَ وَأَرَادَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةِ جِنْسًا غير الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ قُبِلَ منه وَكَذَا إنْ أَرَادَ عَوْدَهُ إلَى الْجِنْسَيْنِ مَعًا أو إلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ مَاتَ قبل الْبَيَانِ فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ يَعُودُ إلَى ما يَلِيهِ وَعِنْدَنَا يَعُودُ إلَى الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ من الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ ثُمَّ هو على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يَعُودُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا جَمِيعُ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُسْتَثْنَى من أَلْفِ دِرْهَمٍ خَمْسُونَ وَمِنْ مِائَةِ دِينَارٍ خَمْسُونَ وَالثَّانِي يَعُودُ إلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَيُسْتَثْنَى من الدَّرَاهِمِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَمِنْ الدَّنَانِيرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ولم يُصَحِّحْ الْمَاوَرْدِيُّ شيئا وَذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ وقال في بَابِ الْعِتْقِ قال الْقَاضِي أبو حَامِدٍ إذَا قال سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَزِيَادٌ أَحْرَارٌ يَعْنِي وَلَيْسَ له مَالٌ سِوَاهُمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ قال أَرَدْت من حُرِّيَّةِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ قُبِلَ منه وَأُعْتِقَ من غَيْرِ إقْرَاعٍ وَإِنْ قال أَرَدْتُ حُرِّيَّةَ الْأَوَّلِ أو الثَّانِي لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الناس في الْكِنَايَةِ عن الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهُ إلَى الْجَمِيعِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى وَهَذَا يُخَرَّجُ منه خِلَافٌ آخَرُ وهو أَنَّ الْعَوْدَ إلَى وَاحِدٍ إنَّمَا هو الْأَخِيرُ قلت وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ الذي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذْ قُلْت أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي بَكْرٍ أو أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أو بَنِي بَكْرٍ إلَّا ثَلَاثَةً هل مَعْنَاهُ إلَّا ثَلَاثَةً من كل طَائِفَةٍ أو مَجْمُوعَهُمَا يَنْبَنِي على الْخِلَافِ وَيُشْبِهُ أَيْضًا تَخْرِيجَهُ على الْخِلَافِ فِيمَا إذَا عَطَفَ بَعْضَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ أو الْمُسْتَثْنَى منه على بَعْضٍ هل يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حتى يَكُونَا كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَالْقِيَاسُ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَائِدًا إلَى الْمَجْمُوعِ وَيَقَعُ فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ ما سَبَقَ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُجْمَعُ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ بِجُمْلَتِهِ إلَى كل وَاحِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ من وَاحِدَةٍ وهو بَاطِلٌ لِاسْتِغْرَاقِهِ فَوَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ الْمَعْطُوفَةُ وَيَكُونُ من ثِنْتَيْنِ وهو صَحِيحٌ فَيَقَعُ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ طَلْقَتَانِ على التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا الثَّانِي أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً من الْأَصْحَابِ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ في كِتَابِ الْوَقْفِ بِمَا لو قال وَقَفْتُ على أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ إلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ وهو من عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ لَا الْجُمَلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْعَامِلُ في الْمَعْطُوفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمُطَابِقُ تَمْثِيلُ الْإِمَامِ في الْبُرْهَانِ بِقَوْلِهِ وَقَفْتُ على بَنِي فُلَانٍ دَارِي وَحَبَسْت على أَقَارِبِي ضَيْعَتِي وَسَبَّلْتُ على خَدَمَتِي بَيْتِي إلَّا أَنْ يَفْسُقَ منهم فَاسِقٌ الثَّالِثُ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ قَلَّ من تَعَرَّضَ لها من النَّحْوِيِّينَ وقد سَبَقَ أَنَّ ابْنَ فَارِسٍ ذَكَرَهَا في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتَارَ تَوَقُّفَ الْأَمْرِ على الدَّلِيلِ من خَارِجٍ وَذَكَرَهَا الْمَهَابَاذِيُّ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَاخْتَارَ رُجُوعَهُ إلَى ما يَلِيهِ كَالْحَنَفِيَّةِ قال وَحَمْلُهُ على أَنْ يُسْتَثْنَى من جَمِيعِ الْكَلَامِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَيَسْتَحِيلُ ذلك انْتَهَى وَكَذَلِكَ قال ابن عَمْرُونٍ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ في قَوْلِنَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الِاسْتِثْنَاءُ من الثَّانِيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من الْجُمْلَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ وَحَسَّنَهُ هُنَا أَنَّ مَعْنَى الثَّانِيَةِ قَرِيبٌ من مَعْنَى الْأُولَى فإذا اُسْتُثْنِيَ من أَحَدِهَا فَكَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ من الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ سَادًّا مَسَدَّ الِاسْتِثْنَاءِ من جُمْلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَانِيهَا وَإِنْ ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ وَقَاسُوهَا على الشَّرْطِ لِأَنَّهُ مَتَى تَعَقَّبَ عَادَ إلَى الْكُلِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ اجْتِمَاعَ عَامِلَيْنِ على مَعْمُولٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى من لهم وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ على الْبَدَلِ من الْهَاءِ وَالْمِيمِ في لهم أو يُنْصَبُ على أَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ وهو أَوْلَى من جَعْلِهِ مُسْتَثْنًى من أُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَلِهَذَا قال عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه لِلْمَحْدُودِ في الْقَذْفِ تُبْ أَقْبَلْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ من قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ الْفِسْقِ بِخِلَافِ ما إذَا اُسْتُثْنِيَ من الْفَاسِقِينَ فَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِ الْفِسْقِ قَبُولُ الشَّهَادَةِ وَلَا يُضْمَرُ الْفَصْلُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ وَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى من فَاجْلِدُوهُمْ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَهَذَا منهم بِنَاءً على أَنَّ الْعَامِلَ في الْمُسْتَثْنَى ما قَبْلُ إلَّا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعَامِلَ إلَّا كما صَحَّحَهُ ابن مَالِكٍ وَغَيْرُهُ لم يَكُنْ مُسْتَحِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ إنْ قالوا بِأَنَّ الْعَامِلَ إلَّا فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قالوا ما قَبْلَهَا فَعَلَيْهِ هذا الْإِشْكَالُ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ قد نُقِلَ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ مُقَدِّمِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَمَتْبُوعُهُمْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَخِيرَةِ كَمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ وَهَذَا بَنَاهُ أبو عَلِيٍّ على مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامِلَ في الِاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الذي قبل إلَّا وقد قام الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالْقِيَاسُ النَّحْوِيُّ على أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ في مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ في الْمَعْمُولِ أَيْضًا قال شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ سَوَادَانِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمَا لو اجْتَمَعَا لَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِضِدِّهِ وإذا جَازَ ذلك عَقْلًا فَلَوْ قَدَّرْنَا رَفْعَ أَحَدِ السَّوَادَيْنِ بِبَيَاضٍ لَأَدَّى إلَى اجْتِمَاعِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ في مَعْمُولٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُ الْعَامِلَيْنِ بِضِدِّهِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَثَلًا يُوجِبُ الرَّفْعَ وَالْآخَرُ يُوجِبُ النَّصْبَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ الرَّابِعُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَقِيبَ الْجُمَلِ مُخْتَلِفٌ فَمِنْهُ ما يَعُودُ إلَى الْكُلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في آلِ عِمْرَانَ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ إلَى قَوْلِهِ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وفي الْمَائِدَةِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إلَى قَوْلِهِ إلَّا ما ذَكَّيْتُمْ قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَقِيلَ مُنْقَطِعٌ يَعُودُ على الْمُنْخَنِقَةِ وما بَعْدَهَا أَيْ ما أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ من الْمَذْكُورَاتِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ فإن الْإِجْمَاعَ قَائِمٌ كما حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ على أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ وَمِنْهُ ما يَعُودُ على جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ من اللَّيْلِ إلَى قَوْلِهِ إلَّا امْرَأَتَك قُرِئَ بِالنَّصْبِ على الِاسْتِثْنَاءِ من الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ وَبِالرَّفْعِ على الِاسْتِثْنَاءِ من الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا مَنْفِيَّةٌ وقد تَكُونُ خَرَجَتْ مَعَهُمْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَمِنْهُ ما يَتَضَمَّنُ عَوْدَهُ إلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَهَذَا رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الدِّيَةُ لَا الْكَفَّارَةُ وَجَعَلَ منه بَعْضُهُمْ آيَةَ الْقَذْفِ فإن اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ ثَلَاثَ جُمَلٍ وَعَقَّبَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَى الْأُولَى بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ فَلِبُعْدِهِ عن آخِرِ مَذْكُورٍ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِخُرُوجِهِ بِدَلِيلٍ وهو أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا إلَى الثَّانِيَةِ لِتَقَيُّدِهَا بِالتَّأْبِيدِ وَبِهِ يَقُومُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ على اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ بَلْ رَاجِعٌ إلَى الشَّهَادَةِ فَقَطْ لِأَنَّ التَّفْسِيقَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ هو الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فَالِاسْتِثْنَاءُ بِهِ أَوْلَى وَمِنْهُ ما يَتَعَيَّنُ عَوْدُهُ إلَى الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ إلَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا منهم تُقَاةً فَهُوَ عَائِدٌ إلَى النَّهْيِ الْأَوَّلِ دُونَ الْخَبَرِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ فَمَنْ شَرِبَ منه فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لم يَطْعَمْهُ فإنه مِنِّي إلَّا من اغْتَرَفَ غُرْفَةً بيده فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرِ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ من اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه وَلَيْسَ الْمَعْنَى عليه فإن الْمَقْصُودَ من لم يَطْعَمْ مُطْلَقًا وَمَنْ اغْتَرَفَ منه غُرْفَةً على حَدٍّ سَوَاءٍ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُك فإنه عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قد اسْتَثْنَى الْإِمَاءَ من أَزْوَاجٍ وَكَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ ليس على الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فإنه عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ وقال الْمُفَسِّرُونَ في قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ من قَوْلِهِ وإذا جَاءَهُمْ أَمْرٌ من الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم فَهَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ إلَّا قَلِيلًا وَكَقَوْلِهِ إلَّا من خَطِفَ الْخَطْفَةَ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ وهو الْأَوَّلُ وَجَعَلَ ابن جِنِّي في الْخَاطِرِيَّاتِ منه قَوْله تَعَالَى وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كل وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لَا يَفْعَلُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً من الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ في يَفْعَلُونَ وَلَوْ كان ما يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا لَكَانَ مَدْحًا لهم وَثَنَاءً عليهم وَهَذَا ضِدُّ الْمَعْنَى هُنَا فَإِنْ قِيلَ هَلَّا كان الْكَلَامُ مَحْمُولًا على الْمَعْنَى أَيْ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ فيه شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُودَ ذَمُّ الشُّعَرَاءِ على الْإِطْلَاقِ صَدَقُوا أَمْ كَذَبُوا فَالْمُرَادُ أَنَّ الشُّعَرَاءَ هذه حَالَتُهُمْ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا قال وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِثْنَاءِ من الْأَوَّلِ الْأَبْعَدِ دُونَ الْآخَرِ الْأَقْرَبِ وهو حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وهو في الظَّاهِرِ إلَى الْآنِ على أَصْحَابِنَا انْتَهَى وَمِنْهُ ما يَلْتَبِسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إلَى قَوْلِهِ إلَّا من تَابَ وَآمَنَ فَقَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ من الْجُمَلِ وَإِنَّمَا هو من لَفْظِ من وهو مُفْرَدٌ الْخَامِسُ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عن الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَوْجُودُ في كُتُبِهِمْ تَخْصِيصُ هذا الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ نَحْوُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ في عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ ذَكَرَ ذلك أبو عَلِيٍّ الْبُخَارِيُّ في كِتَابِ مَعَانِي الْأَدَوَاتِ فقال الِاسْتِثْنَاءُ بِلَفْظِ الْمَشِيئَةِ يُسَمَّى التَّعْطِيلَ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا يُسَمَّى التَّحْصِيلَ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ وَكَذَا وَقَعَ في كَلَامِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْآمِدِيَّ وَأَتْبَاعِهِمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْمَشِيئَةِ مَحَلُّ وِفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وفي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ يَقُولُونَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا قال نِسْوَتِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ وَدُورِي مُحْبَسَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ رَاجِعٌ إلَى ما تَقَدَّمَ وما أَرَاهُمْ يُسَلِّمُونَ ذلك إنْ عَقَلُوا فَإِنْ سَلَّمُوهُ فَطَالِبُ الْقَطْعِ لَا يُغْنِي فيها التَّعَلُّقُ بِهَفَوَاتِ الْخُصُومِ وَمُنَاقَضَاتِهِمْ فَلْيَبْعُدْ طَالِبُ التَّحْقِيقِ عن مِثْلِ هذا انْتَهَى فَائِدَةٌ اُخْتُلِفَ في إنْ شَاءَ اللَّهُ هل هو اسْتِثْنَاءٌ فَظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ دُخُولُهُ في الِاسْتِثْنَاءِ وَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ لم يَقَعْ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ فَدَلَّ على أَنَّهُ ليس بِاسْتِثْنَاءٍ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ هل هو اسْتِثْنَاءٌ يَمْنَعُ من انْعِقَادِ الْيَمِينِ أو يَكُونُ شَرْطًا يُعَلَّقُ بِهِ فلم يَثْبُتْ حُكْمُهُ لِعَدَمِهِ على وَجْهَيْنِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ ثُمَّ قال وقال الْإِمَامُ لَا يَبْعُدُ عن اللُّغَةِ تَسْمِيَةُ كل تَعْلِيقٍ اسْتِثْنَاءً وإذا قُلْنَا بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ فَهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِالثَّانِي فقال سَمَّاهُ أَئِمَّتُنَا اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا لِأَنَّهُ ثَنَّى بِمُوجِبِ اللَّفْظِ عن الْوُقُوعِ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فإنه ثَنَّى اللَّفْظَ عن إيقَاعِ الثَّلَاثِ لَكِنْ سَمَّاهُ النبي عليه السَّلَامُ اسْتِثْنَاءً في قَوْلِهِ من أَعْتَقَ أو طَلَّقَ ثُمَّ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ وهو عَامٌّ في قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَغَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمَلُ وَجَاءَ بَعْدَهَا ضَمِيرُ جَمْعٍ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِهَا كما قُلْنَا في الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ اُدْخُلْ على بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ سَائِرِ قُرَيْشٍ وَجَالِسْهُمْ وَالْزَمْهُمْ قال بَعْضُهُمْ وَلَا يَجِيءُ فيه خِلَافُ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ ما دخل في اللَّفْظِ وقال من قَصَرَهُ على الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ إنَّ الْمُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في الْجُمَلِ السَّابِقَةِ قَائِمٌ وَالْمُخَرَّجُ مَشْكُوكٌ فيه فَلَا يَزَالُ الْمَقْضِيُّ بِالشَّكِّ وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الضَّمِيرِ فإن الضَّمِيرَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو صَالِحٌ لِلْعُمُومِ على سَبِيلِ الْجَمْعِ وَلَا مُقْتَضِي لِلتَّخْصِيصِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ على الْعُمُومِ وَهَذَا إذَا كان الضَّمِيرُ جَمْعًا فَإِنْ كان مُفْرَدًا اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ فَلَوْ قُلْت أَتَانِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ فَقَتَلْته لَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى خَالِدٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى ما قَبْلَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه رِجْسٌ فإن الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى اللَّحْمِ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عنه خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ حَيْثُ أَعَادَاهُ إلَى الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ اللَّحْمَ دخل في عُمُومِ الْمَيْتَةِ هُرُوبًا من التَّكْرَارِ وَعَمَلًا بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الْأَقْرَبِ وهو مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا قال ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وَالْإِشَارَةُ تُخَالِفُ الضَّمِيرَ في عَوْدِهَا إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ هذا حُكْمُهَا في اللُّغَةِ إذَا كانت الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ أو تِلْكَ أو أُولَئِكَ أو هو أو هُمْ أو هُنَّ أو هُمَا فَإِنْ كانت بهذا أو هذه فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى حَاضِرٍ قَرِيبٍ ضَرُورَةً قال وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين اللُّغَوِيِّينَ وَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ من حُكْمِ الْعِدَّةِ وهو الطُّهْرُ خَاصَّةً دُونَ الْحَيْضِ وَإِنْ كان الْقُرْءُ في اللُّغَةِ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا سَوَاءً وَلَكِنْ لَمَّا قال مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ كَأَنَّ قَوْلَهُ تِلْكَ إشَارَةٌ تَقْتَضِي بَعِيدًا وَأَبْعَدُ مَذْكُورٍ في الحديث قَوْلُهُ تَطْهُرَ فلما تَصِحُّ بهذا الحديث أَنَّ الطُّهْرَ هو الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ صَحَّ أَنَّهُ هو الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ بِحِفْظِهَا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ مَسْأَلَةٌ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا رُجُوعُهَا إلَى الْمُسْتَثْنَى منه وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ إلَى الْمُسْتَثْنَى وَيَتَخَرَّجُ على هذا ما لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً قَضَيْته إيَّاهُ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ دُونَ الْقَضَاءِ وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِتِسْعِمِائَةٍ قد ادَّعَى قَضَاءَهَا وقال أبو حَنِيفَةَ يَكُونُ مُقِرًّا بِأَلْفٍ مُدَّعِيًا لِقَضَاءِ مِائَةٍ فَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ وَلَا يُقْبَلُ منه دَعْوَى الْقَضَاءِ فَجُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ الْمُخَصِّصُ الثَّانِي الشَّرْطُ قالوا وهو لُغَةً الْعَلَامَةُ وَاَلَّذِي في الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ من كُتُبِ اللُّغَةِ ذلك في الشَّرَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٍ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَأَمَّا الشَّرْطُ بِالتَّسْكِينِ فَجَمْعُهُ شُرُوطٌ في الْكَثِيرَةِ وَأَشْرُطٌ في الْقِلَّةِ كَفُلُوسٍ وَأَفْلُسٍ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَذُكِرَ فيه حُدُودٌ أَوْلَاهَا ما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وهو أَنَّ الشَّرْطَ ما يَلْزَمُ من عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ فَاحْتُرِزَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ من الْمَانِعِ فإنه لَا يَلْزَمُ من عَدَمِهِ شَيْءٌ وَبِالثَّانِي من السَّبَبِ فإنه يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَبِالثَّالِثِ مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ أو وُجُودَ الْمَانِعِ فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ لَكِنْ ليس ذلك لِذَاتِهِ بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالشَّرْطُ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْوُجُودِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا لِأَنَّا كما نَشْتَرِطُ في قِيَامِ السَّوَادِ بِمَحَلِّهِ وُجُودَ مَحَلِّهِ يُشْتَرَطُ عَدَمُ ضِدِّهِ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَدْرِ على اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ في صِحَّةِ التَّيَمُّمِ هل لِلشَّرْطِ دَلَالَةٌ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ وَقَعَ في بَابِ الْقِيَاسِ من الْبُرْهَانِ أَنَّ لِلشَّرْطِ دَلَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُصَرَّحٌ بها وَهِيَ إثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ وَالْأُخْرَى ضِمْنِيَّةٌ وَهِيَ الِانْتِفَاءُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا دَلَالَةَ له في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ في جَانِبِ الِانْتِفَاءِ خَاصَّةً وَلَوْ صَحَّ ما قَالَهُ لم يَظْهَرْ فَرْقٌ بين الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَأَمَّا تَمَسُّكُ الْإِمَامِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ إذَا جاء اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ لَكِنْ هل ذلك لِوُجُودِ الشَّرْطِ أو لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ الْمَوْقُوفِ على الشَّرْطِ وَكَذَلِكَ لو قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ لَا لِاقْتِضَاءِ الشَّرْطِ ذلك بَلْ لِلِالْتِزَامِ وَالْإِيقَاعِ من جِهَةِ الْمُطَلِّقِ وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْفِقْهِ فَدُخُولُ الدَّارِ ليس هو سَبَبُ الطَّلَاقِ إذْ لَا يُنَاسِبُ ذلك وَإِنَّمَا السَّبَبُ تَطْلِيقُ الزَّوْجِ الْمَوْقُوفُ على الدُّخُولِ وقد طَوَّلَ الْإِبْيَارِيُّ معه الْكَلَامَ في ذلك وَرَدَّ عليه أبو الْعَبَّاسِ بن الْمُنَيِّرِ وقال قال الْإِمَامُ إنَّ الشَّرْطَ يَدُلُّ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ صَرِيحًا وفي جَانِبِ النَّفْيِ ضِمْنًا وما حَمَلَهُ على ذلك إلَّا رُؤْيَتُهُ الْعِلَلَ تُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ كَثِيرًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ عِلَّةٌ قال وهو عِنْدِي أَعْذَرُ مِمَّنْ رَدَّ عليه فإن الذي رَدَّ عليه زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ شَرْطٌ حَقِيقَةً قال وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِلَّا فَالدُّخُولُ ليس عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا وَهَذَا الرَّدُّ وَهْمٌ من جِهَةِ أَنَّ الدُّخُولَ وَإِنْ كان ليس عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً له بِوَضْعِ الْمُطَلِّقِ وَغَرَضِهِ لِأَنَّهُ قد فَوَّضَ الشَّرْعُ إلَيْهِ في إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ في وَضْعِ الْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا وَلِهَذَا لَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ غَالِبًا إلَّا على وَصْفٍ مُشْتَمِلٍ على حِكْمَةٍ عِنْدَهُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدَّارُ عَوْرَةً أو فيها ما يُنَافِي غَرَضَهُ فإذا ارْتَكَبَتْ الزَّوْجَةُ ذلك نَاسَبَ الْفِرَاقَ في غَرَضِهِ وَقَصْدِهِ وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ شَرْعًا بِدُخُولِ الدَّارِ وقد صَارَ عِنْدَ هذا الْقَائِلِ مَشْرُوطًا بِوَضْعِ الْمُعَلَّقِ فَلَا مَانِعَ من أَنْ يَكُونَ غير مُعَلَّلٍ شَرْعًا وَيَصِيرُ مُعَلَّلًا بِوَضْعِ الْمُطْلَقِ فِعْلًا يَقْتَضِيهِ وَلِهَذَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَصَدَ ذلك وكان فَصِيحًا طَلُقَتْ في الْحَالِ وكان الدُّخُولُ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لَا شَرْطًا وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ شَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَيَلْزَمُ من وُجُودِ الصَّلَاةِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِ الطَّهَارَةِ وُجُودُ الصَّلَاةِ وَعَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ فَيَلْزَمُ من وُجُودِ الْعِلْمِ وُجُودُ الْحَيَاةِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِ الْحَيَاةِ وُجُودُ الْعِلْمِ وَعَادِيٌّ كَالسُّلَّمِ مع صُعُودِ السَّطْحِ فَيَلْزَمُ من صُعُودِ السَّطْحِ وُجُودُ نَصْبِ السُّلَّمِ وَلَا يَلْزَمُ من نَصْبِ السُّلَّمِ صُعُودُ السَّطْحِ وَلُغَوِيٌّ مِثْلُ التَّعْلِيقَاتِ نَحْوُ إنْ قُمْت وَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَالْمُخْتَصُّ الْمُتَّصِلُ الذي الْكَلَامُ فيه إنَّمَا هو اللُّغَوِيُّ وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا من الشُّرُوطِ وَلِهَذَا تَقُولُ النُّحَاةُ في الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ وَمُسَبِّبِيَّةِ الثَّانِي وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا بِتَبَيُّنِ حَقِيقَةِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ الْفَرْقُ بين الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَالْمَانِعِ فَالسَّبَبُ هو الذي يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَالْمَانِعُ هو الذي يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ في الْمَانِعِ وُجُودُهُ وفي الشَّرْطِ عَدَمُهُ وفي السَّبَبِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَمِثَالُهُ الزَّكَاةُ فَالسَّبَبُ النِّصَابُ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ وَالدَّيْنُ مَانِعٌ عِنْدَ من يَرَاهُ مَانِعًا وَإِذْ وَضَحَتْ الْحَقِيقَةُ ظَهَرَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا من الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ فإنه يَلْزَمُ من عَدَمِهَا الْعَدَمُ في الْمَشْرُوطِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِهَا وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ فَقَدْ تُوجَدُ الشُّرُوطُ عِنْدَ وُجُودِهَا كَمُوجِبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَوْلِ الذي هو شَرْطٌ وقد يُقَارِنُ الدَّيْنَ فَيَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ وَأَمَّا الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ التي هِيَ التَّعَالِيقُ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُ من الدُّخُولِ الطَّلَاقُ وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرْطِ على الْجَمِيعِ إمَّا بِالِاشْتِرَاكِ أو الْحَقِيقَةِ في وَاحِدٍ وَالْمَجَازِ في الْبَوَاقِي أو بِالتَّوَاطُؤِ إذْ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وهو مُجَرَّدُ تَوَقُّفِ الْوُجُودِ على الْوُجُودِ وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا عَدَا ذلك ثُمَّ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ يَمْتَازُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمْكَانُ التَّعْوِيضِ عنه وَالْإِخْلَافُ وَالْبَدَلُ كما إذَا قال لها إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ يقول لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْإِنْشَاءِ بَدَلًا عن الْمُعَلَّقَةِ وَكَمَا إذَا قال إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ هذا الدِّرْهَمُ ثُمَّ يُعْطِيهِ إيَّاهُ قبل رَدِّ الْعَبْدِ هِبَةً فَتَخْلُفُ الْهِبَةُ اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ بِالرَّدِّ وَيُمْكِنُ إبْطَالُ شَرْطِيَّتِهِ كما إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ أو اتَّفَقَا على فَسْخِ الْجَعَالَةِ وَالشُّرُوطُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقْتَضِي وُجُودُهَا وُجُودًا وَلَا تَقْبَلُ الْبَدَلَ وَلَا الْإِخْلَافَ وَيُمْكِنُ قَبُولُهَا الْإِبْطَالَ فإن الشَّرْعَ قد يُبْطِلُ شَرْطِيَّةَ الطَّهَارَةِ لِلْعُذْرِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في صِيغَتِهِ وَهِيَ إنْ وَهِيَ أُمُّ الْأَدَوَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عن الشَّرْطِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَهِيَ لِلتَّوَقُّعِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وإذا وَهِيَ لِلْمُحَقَّقِ كَقَوْلِهِ أنت حُرٌّ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ وقد يُسْتَعْمَلُ في التَّوَقُّعِ كَإِنْ مَجَازًا يَجِيءُ شَرْطًا من الْأَسْمَاءِ من وما وَأَيُّ وَمَهْمَا وَمِنْ الظُّرُوفِ أَيْنَ وَأَنَّى وَمَتَى وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَمَتَى وما وَكَيْفَ يُجَازِي بها مَعْنًى لَا عَمَلًا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ من حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا على الْمُنْتَظَرِ لِأَنَّ ما انْقَضَى لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ فيه وَلِهَذَا كانت الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةً أَبَدًا سَوَاءٌ كان لَفْظُهَا مَاضِيًا مُضَارِعًا إلَّا أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ فإن الْفِعْلَ يَكُونُ على حَسَبِ لَفْظِهَا ما هو نَحْوُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ أَكْرَمْته فَإِنْ لم يَكُنْ فَاءٌ فَالْأَمْرُ على ما قُلْنَاهُ إلَّا في كان وَحْدَهَا فإن الْمُبَرِّدَ نُقِلَ عنه أنها تَبْقَى على مُضِيِّهَا فَتَقُولُ إنْ كان زَيْدٌ قَائِمًا قُمْتُ وكان مَاضِيَةٌ وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ كنت قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِذْ قال اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ قد كان وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أنها مُسْتَغْرِقَةٌ لِلزَّمَانِ أَلَا تَرَى أنها لَا تَخُصُّ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ وَزَعَمَ ابن السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ احْتَجَّ بِالْآيَةِ قال وَفِيهَا نَظَرٌ فلم يَجْزِمْ ولم يَجْعَلْ الْآيَةَ قَطْعِيَّةً في الْمَقْصُودِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عن سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَنَزَّلَ الْآيَةَ على أَنَّ إنْ دَخَلَتْ على فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَقْبَلٍ إمَّا على إضْمَارِ يَكُنْ أَيْ إنْ يَكُنْ قُلْته وَإِمَّا على إضْمَارِ الْقَوْلِ أَيْ إنْ أَكُنْ فِيمَا اسْتَقْبَلَ كُنْت قُلْتُهُ أَيْ مَوْصُوفًا بهذا أو إنْ أَقُلْ كنت قُلْتُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَكُونُ غير مُسْتَقْبَلِ الْمَعْنَى بِلَفْظِ كان وَغَيْرِهَا إلَّا مُؤَوَّلًا لَكِنْ ما قَالَهُ مُسْتَدْرَكٌ بِلَوْ وَلَمَّا الشَّرْطِيَّتَيْنِ فإن الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا مَاضِيًا وقال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ الْمَشْرُوطُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا في الِاسْتِقْبَالِ نَقُولُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا حتى يَقُومَ عَمْرٌو وَلَا يَحْسُنُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا بِالْأَمْسِ حتى يَقُومَ عَمْرٌو فَأَمَّا الشَّرْطُ فَقَالُوا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْقُوبًا في الِاسْتِقْبَالِ قال الْقَاضِي وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قد يَقَعُ الشَّرْطُ كَائِنًا في الْحَالِ غير مُسْتَقْبَلٍ فَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ إنْ كان زَيْدٌ الْيَوْمَ رَاكِبًا يَرْكَبُ غَدًا فَيُوَافِقُ وُجُودَ الشَّرْطِ لِفِعْلِك وَيَتَقَدَّمُ على الْمَشْرُوطِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ هذا الْقَوْلَ لَا يَحْسُنُ إذْ مُخَاطِبُك يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ رَاكِبٌ وَكَذَلِكَ إنْ لم يَعْرِفْ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْجَهْلِ فَكَأَنَّك قُلْت إنْ كان أَوْضَحَ لنا أَنَّ زَيْدًا رَاكِبٌ قُمْتَ غَدًا فَهَذَا الشَّرْطُ إذَنْ على الْحَقِيقَةِ مَرْقُوبٌ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ من أَحْكَامِهِ إخْرَاجُ ما لَوْلَاهُ عُلِمَ إخْرَاجُهُ كَأَكْرِمْ زَيْدًا إنْ اسْتَطَعْت أَوَّلًا كَأَكْرِمْهُ إنْ قام ثُمَّ قد يُوجَدُ دَفْعَةً كَالتَّعْلِيقِ على وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَالْحُكْمُ عِنْدَ أَوَّلِ وُجُودِهِ وقد يُوجَدُ على التَّعَاقُبِ كَالْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ فَعِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ إذْ الْعُرْفُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ وقد يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ على الْوَجْهَيْنِ كَالطَّهَارَةِ لِمَنْ نَوَى وهو مُنْغَمِسٌ في الْمَاءِ وَلِمَنْ تَوَضَّأَ نَاوِيًا وَقُلْنَا بِتَفْرِيقِ الِارْتِفَاعِ فَالْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ دَفْعَةٍ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وُجُودُهُ حَقِيقَةً وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِ إلَّا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قد يَتَّحِدَانِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وقد يَتَعَدَّدُ الشَّرْطُ وَيَتَّحِدُ الْمَشْرُوطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَشْرُوطِ الْوَاحِدِ شَرْطَانِ فَإِنْ كَانَا على الْجَمْعِ لم يَحْصُلْ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِحُصُولِهِمَا مَعًا كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَكَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كان على الْبَدَلِ حَصَلَ الْمَشْرُوطُ بِحُصُولِ أَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أو كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمَتَى زِيدَ في شَرْطِهِ زِيدَ في تَخْصِيصِهِ لَا مَحَالَةَ فإنه يَحُطُّهُ في كل دَفْعَةٍ عن رُتْبَةِ الْإِطْلَاقِ قال وَيَنْشَأُ من جَوَازِ مَشْرُوطٍ لِمَشْرُوطٍ أَنْ لَا يُشْعِرَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ بِانْعِكَاسِ حُكْمِ الْمَشْرُوطِ إلَّا في الْعُمُومِ وقد يَتَعَدَّدُ الْمَشْرُوطُ وَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ الْوَاحِدِ مَشْرُوطَاتٌ فَإِمَّا على الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ إنْ زَنَيْت جَلَدْتُك وَعَزَّرْتُك فإذا حَصَلَ الزِّنَى حَصَلَ اسْتِحْقَاقُ الْأَمْرَيْنِ وَإِمَّا على الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ جَلَدْتُك أو عَزَّرْتُك وَالْمُحَقَّقُ أَحَدُهُمَا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ لَا يُشْتَرَطُ في الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عن الْمَشْرُوطِ في اللَّفْظِ حتى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ بَلْ الْأَصْلُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في الْوُجُودِ وَلِأَنَّهُ قِسْمٌ من الْكَلَامِ فَكَانَ له الصَّدْرُ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالتَّمَنِّي وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ لَفْظًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ قال في الْمَحْصُولِ وَلَا نِزَاعَ في جَوَازِ تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في الْأَوْلَى وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَحْرَى هو التَّقْدِيمُ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ قُلْت قَوْلُهُ لَا نِزَاعَ في تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَرْدُودٌ فَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ له صَدْرُ الْكَلَامِ كَالِاسْتِفْهَامِ فَلَا يَتَقَدَّمُ عليه الْجَوَابُ فَإِنْ تَقَدَّمَ عليه شُبِّهَ بِالْجَوَابِ وَلَيْسَ بِجَوَابٍ وَجَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ فَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَا تَقْدِيرَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بَلْ هو جَوَابٌ مُقَدَّمٌ من تَأْخِيرٍ وَرَدٍّ بِأَنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْمَعْنَيَانِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ فَفِي التَّقْدِيمِ مَبْنَى الْكَلَامِ على الْجَزْمِ ثُمَّ طَرَأَ التَّوَقُّفُ وفي التَّأْخِيرِ مَبْنَى الْكَلَامِ من أَوَّلِهِ على الشَّرْطِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْإِمَامِ إنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّرْطِ وما حَكَاهُ عن الْفَرَّاءِ غَرِيبٌ وقال الصَّفِيُّ في صِحَّةِ النَّقْلِ نَظَرٌ وَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ فَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وقال شَارِحُ اللُّمَعِ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ في اللَّفْظِ كما يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ قِيَاسًا على الِاسْتِثْنَاءِ على الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ قال وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى الشَّرْطِ فَإِنْ جاء بِهِ على جِهَةِ الْعَادَةِ لم يَصِحَّ على الْمَشْهُورِ وفي الْوَقْتِ الذي يُعْتَبَرُ فيه الْقَصْدُ وَجْهَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ قُلْت لو قال لِزَوْجَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً يَقَعُ وَلَوْ قال إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً قال ابن الْقَاصِّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ وكان يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قد يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عن الشَّرْطِ مع كَوْنِهِ مُرَادًا فيه وَيُبَيَّنُ في مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فإنه مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ الشَّرْطُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحْوَالِ لَا لِلْأَعْيَانِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مَنْعَ كَوْنِ الشَّرْطِ يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ وقال الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ في زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ فقال لَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ في التَّخْصِيصِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَقْلِيلٌ في الْعَدَدِ قَطْعًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ لِأَنَّ قَوْلَك أَعْطِ الْقَوْمَ إنْ دَخَلُوا الدَّارَ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ خَارِجٌ من الْعَطِيَّةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فَيَسْتَحِقُّوا الْعَطِيَّةَ فَإِذَنْ الشَّرْطُ غَيْرُ مُخَصِّصٍ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِنَّمَا هو مُخَصِّصٌ لِأَحْوَالٍ من حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَطِيَّةِ لو كان مُطْلَقًا لَا يَسْتَحِقُّونَهَا على كل حَالٍ فإذا شُرِطَ بِدُخُولِ الدَّارِ يُخَصَّصُ بِتِلْكَ الْحَالِ التي هِيَ دُخُولُ الدَّارِ قال وَذَكَرَ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ أَنَّ الشَّرْطَ بِ إنْ يُخَصِّصُ ما دَخَلَهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلتَّأْكِيدِ فَلَا كَقَوْلِهِ إنْ تَطَهَّرْت فَصَلِّ لِأَنَّهُ ليس بِشَرْطٍ في التَّحْقِيقِ انْتَهَى وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّرْطَ من الْمُخَصِّصَاتِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَالشَّرْطَ جُمْلَتَانِ صَيَّرَهُمَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَلَامًا وَاحِدًا فَيَتَقَيَّدُ إحْدَاهُمَا بِقَيْدِ الْأُخْرَى وَتَخْصِيصُهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَذَلِكَ وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ فإذا قُلْت أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ صَارَ كَقَوْلِك أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا وَكَذَا إذَا قال من جَاءَك من الناس فَأَكْرِمْهُ وَمَنْ دخل الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ غير أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فيه من إخْرَاجٍ كما تَقَدَّمَ وَالشَّرْطُ يُقَيَّدُ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه الْإِخْرَاجُ إلَّا على ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وقال ابن الْفَارِضِ في النُّكَتِ الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ من حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ يَخُصَّ الْمَشْرُوطَ وَلَيْسَ من حَقِّهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لِلتَّخْصِيصِ إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ له من الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيضِ من نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ وَحُكْمُهَا في الْعِدَّةِ مع وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ يَكُونُ تَخْصِيصًا إلَّا أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ أو غَالِبُ الْحَالِ يُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عن حُكْمِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ فإن الْخَوْفَ تَأْكِيدٌ لَا شَرْطٌ وَقَوْلُهُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لم تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ في الْكَلَامِ وَإِنْ اخْتَلَفَ في الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يَجُوزُ تَقَيُّدُ الْكَلَامِ بِشَرْطٍ يَكُونُ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي وَلَا يَأْتِي فيه الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ قَالَهُ الْإِمَامُ قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ على ما عُلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَأَمَّا ما يُجْهَلُ فيه الْحَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ وَلَوْ بِشَرْطٍ لَا يَبْقَى من مَدْلُولَاتِهِ شَيْءٌ كَقَوْلِك أَكْرِمْ من يَدْخُلُ الدَّارَ إنْ أَكْرَمَك وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا منهم لم يُكْرِمْهُ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ اخْتَلَفُوا في الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ هل يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ أو يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ على طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا على قَوْلَيْنِ وَمِمَّنْ حَكَاهَا الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ فقال اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ في ذلك فقال قَوْمٌ يَرْجِعُ إلَى ما يَلِيهِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على إرَادَةِ الْكُلِّ وقال قَوْمٌ بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ حتى يَقُومَ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ ثُمَّ اخْتَارَ الصَّيْرَفِيُّ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَقَعَ في آخِرِ الْكَلَامِ فلم يَكُنْ آخِرَ الْمَعْطُوفَاتِ أو بِهِ من غَيْرِهِ فَأُمْضِيَ على عُمُومِهِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عن الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ قال ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في النُّكَتِ الذي في كُتُبِ عُلَمَائِنَا كَثِيرًا رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَمِنْهُمْ من سَوَّى بَيْنَهُمَا في رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ قال وَوَجَدْت بَعْضَ الْأُدَبَاءِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا في الرُّجُوعِ إلَى ما يَلِيهِمَا وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مَنْزِلَتُهُ التَّقَدُّمُ على الْمَشْرُوطِ فإذا أُخِّرَ لَفْظًا كان كَالْمَصْدَرِ في الْكَلَامِ وَلَوْ صَدَرَ لَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ فَكَذَا الْمُتَأَخِّرُ وَعَلَى هذا جَرَى ابن مَالِكٍ في بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ من شَرْح التَّسْهِيلِ فقال وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ في نَحْوِ لَا تَصْحَبْ زَيْدًا وَلَا تَزُرْهُ وَلَا تُكَلِّمْهُ إنْ ظَلَمَنِي وَاخْتَلَفُوا في الِاسْتِثْنَاءِ انْتَهَى وهو ما أَوْرَدَهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَا إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فيه اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا لَكِنْ في كُتُبِ الْفُرُوعِ عن ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنَّ الشَّرْطَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ وَنَقَلَ أَصْحَابُ الْمُعْتَمَدِ وَالْمَصَادِرِ والمحصول وِفَاقَ أبي حَنِيفَةَ لنا على ذلك لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيَّ حَكَيَا عن أبي حَنِيفَةَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأَخِيرَةِ على قَاعِدَتِهِ في الِاسْتِثْنَاءِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وهو غَلَطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ إلَى قَوْلِهِ فَمَنْ لم يَجِدْ فَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ لَا إلَى الرَّقَبَةِ وَمَثَّلَ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لم تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فإن الشَّافِعِيَّ قَصَرَ الشَّرْطَ على الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لِدَلِيلٍ قام عِنْدَهُ في ذلك لَا يَصْلُحُ رَدُّهُ إلَى الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لو اقْتَرَنَ بِهِ لم يَسْتَقِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو قِيلَ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لم يَكُنْ لِلْكَلَامِ مَعْنًى لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا أُمَّهَاتُ أَزْوَاجِنَا وَهِيَ نِسَاؤُكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ من أَزْوَاجِكُمْ فَكَيْفَ تَرَوْنَ أُمَّهَاتِ أَزْوَاجِنَا من أَزْوَاجِنَا اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وفي هذا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَصْفٌ لِلرَّبِيبَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ هذه رَبِيبَةٌ لِامْرَأَةٍ لي قد دَخَلْتُ بها وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ هذه أُمُّ امْرَأَتِي من امْرَأَةٍ لم أَدْخُلْ بها وَلِهَذَا بَطَلَ رُجُوعُهُ إلَى الْأُولَى وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إلَى جَمِيعِ ما سَبَقَ إذَا صَلُحَ أَنْ يُذْكَرَ مَقْرُونًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كما سَبَقَ انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ وَشَرَطَ ابن الْقُشَيْرِيّ لِلْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ ما سَبَقَ في الِاسْتِثْنَاءِ فقال إذَا كان الْخِطَابُ على جُمَلٍ منها مُسْتَقِلٍّ وَلَوْ نِيطَتْ وَاحِدَةٌ منها بِشَرْطٍ لم يَقْتَضِ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ وَكَذَا إذَا تَوَالَتْ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ يَثْبُتُ الْمُخَصِّصُ في بَعْضِهَا لم يُوجِبْ التَّخْصِيصَ فِيمَا عَدَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ الْآيَةَ وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ التَّوَقُّفَ هُنَا وَلَا بُعْدَ في تَوَقُّفِ الْقَاضِي فيه على ما تَقَدَّمَ في الِاسْتِثْنَاءِ وَتَكَلُّفُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا ضَعِيفٌ تَنْبِيهَاتٌ حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ على الْمَعْطُوفِ الْأَوَّلُ هذا إذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ فَإِنْ تَقَدَّمَ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ عِنْدَ من خَصَّهُ بِجُمْلَةٍ قُلْت وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ في تَقَدُّمِ الشَّرْطِ على الْمَعْطُوفَاتِ كَحُكْمِهِ إذَا تَأَخَّرَ في الْعَدَدِ إلَى الْكُلِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ فِيمَا لو قال إنْ شَاءَ اللَّهُ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ وَمَالِي صَدَقَةٌ وَقَصْدُ الشَّرْطِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهُ إذَا قُدِّرَ لِلْعُمُومِ شَرْطٌ مُتَقَدِّمٌ أو مُتَأَخِّرٌ اقْتَضَى تَخْصِيصَ الْمَشْرُوطِ وقال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ من أَهْلِ اللُّغَةِ عَوْدُ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الشَّرْطُ الْجُمَلَ أو تَأَخَّرَ عنها وقال أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ إنْ كان في أَوَّلِ كَلَامِهِ رَجَعَ إلَى جَمِيعِ ما يُذْكَرُ عَقِبَهُ وَإِنْ كان في آخِرِهِ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أو إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ انْتَهَى وَهَذَا التَّفْصِيلُ غَرِيبٌ وَجَعَلَ شَارِحُ اللُّمَعِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أو الْبَعْضِ فَإِنْ قام دَلِيلٌ على الْجَمِيعِ تَعَيَّنَ قَطْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَفَّارَتُهُ الْآيَةَ فإن هذا الشَّرْطَ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قام دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى جُمْلَةٍ منها رَجَعَ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الطَّلَاقِ لَا إلَى الزِّنَا لِأَنَّهُ صِفَةٌ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إذَا لم يَكُنْ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ فَهَلْ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الثَّانِي هذا إذَا كان الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ فَلَوْ لم يَنْطِقْ بِهِ وَلَكِنْ دَلَّ عليه دَلِيلٌ من خَارِجٍ في بَعْضِ الْمَذْكُورَاتِ فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَنْطُوقِ حتى يَرْجِعَ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ فيه وَجْهَانِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَرِيبَةٌ لم أَرَهَا إلَّا في تَعْلِيقِ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ قال في بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ إنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَهُ مع الْغِنَى بِخِلَافِ الْيَتَامَى فإنه شَرَطَ فِيهِمْ الْحَاجَةَ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الشَّرْطَ عِنْدَكُمْ إذَا نِيطَ بِآخِرِ الْكَلَامِ نَصًّا أو دَلَالَةً رَجَعَ إلَى أَوَّلِهِ وقد قام الدَّلِيلُ عِنْدَكُمْ في الْيَتَامَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مع الْحَاجَةِ فَوَجَبَ عَوْدُ هذا الشَّرْطِ إلَى ذَوِي الْقُرْبَى قِيلَ له هذا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وهو خَطَأٌ وَنَحْنُ نُفَرِّقُ بين الْمَنْطُوقِ بِهِ وَالْمَدْلُولِ عليه هذا لَفْظُهُ الْفَرْقُ بين الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ فما يُفَارِقُ فيه الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ فَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ من جِهَةِ إثْبَاتِهِمَا حُكْمًا وَنَفْيِهِمَا آخَرَ وَيَفْتَرِقَانِ من وُجُوهٍ منها أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ قَالَهُ ابن الْفَارِضِ في النُّكَتِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْطَ يُثْبِتُ الْحُكْمَ في حَالِ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ في حَالِ عَدَمِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجْمَعُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَرُبَّمَا يَتَقَدَّمُ الْحُكْمَ شَرْطٌ يَقُومُ الدَّلِيلُ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ مع وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إثْبَاتٌ وَلَا نَفْيٌ وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ له من الْحَقِيقَةِ كَآيَةِ الْعِدَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ في الزَّمَانِ عن الْمَشْرُوطِ قَطْعًا وَيَجُوزُ ذلك في الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلٍ وَمِنْهَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلَ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطَ كَلَامٌ يُبْطِلُ جَمِيعَهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَيَبْطُلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ انْتَهَى وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ في الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي بِلَا نِزَاعٍ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلٍ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ يَصِحُّ دُخُولُ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ فَيَكُونُ الثَّانِي شَرْطًا في الْأَوَّلِ وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كان اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وَمَعْنَاهُ إنْ كان اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ وَشَرَطَ ابن مَالِكٍ في تَوَالِي الشَّرْطَيْنِ عَدَمَ الْعَطْفِ قال فَلَوْ عُطِفَا فَالْجَوَابُ لَهُمَا مَعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وقد يُقَالُ هذا من تَوَالِي فِعْلَيْ شَرْطٍ لَا من تَوَالِي شَرْطَيْنِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ أَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَطْفِ كَحُكْمِهِ مع عَدَمِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْمَشْرُوطُ هل يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ آخِرَ جُزْءٍ من الشَّرْطِ أو عَقِبَهُ قال صَاحِبُ النُّكَتِ ذَكَرَ أبو هَاشِمٍ في الْبَغْدَادِيَّاتِ أَنَّهُ يَقَعُ مع آخِرِ جُزْءٍ منه قال وَالْمَحْكِيُّ عن فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ قال وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ في الْإِيقَاعِ وَمِنْهُمْ من فَرَّقَ بين الشَّرْطِ وَالْإِيقَاعِ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ في قَوْلِهِمْ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فإنه يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَ أبي هَاشِمٍ وَيُلْغَى الشَّرْطُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ مع حُصُولِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هو الْعَقْدُ وَالْمَشْرُوطُ حَلُّهُ وَالْعَقْدُ وَحَلُّهُ لَا يَجْتَمِعَانِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَبَ أَنْ يَلْغُوَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْعَقْدُ وَعَلَى قَوْلِ مُخَالِفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ في الْأَوَّلِ وَيَنْحَلُّ في الثَّانِي وقال الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تَتَقَدَّمُ على مَعْلُولِهَا بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ على ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الْمَعْقُولِ وَالشَّرْطُ مع الْمَشْرُوطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِأَنَّ الشَّرْطَ ما يَتَوَقَّفُ عليه تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فإذا وُجِدَ وُجِدَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ وَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يُقَارِنُهُ وُجُودُ الْأَثَرِ من غَيْرِ تَرْتِيبٍ فإن الْمُؤَثِّرَ الشَّرْعِيَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤَثِّرِ الْعَقْلِيِّ وَذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الشَّرِيعَةِ الْحَقِيقَةَ وَمِنْهُمْ من نَقَلَ الْخِلَافَ في أَنَّهُمَا مَعًا وَلَا بُدَّ من تَرَتُّبِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ في بَابِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَقِبَهُ وَلِهَذَا لو قال لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بها إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا لم يَقَعْ الْمُعَلَّقُ على الْأَصَحِّ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لَا يَلْزَمُ في الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيًّا بِالْعَقْلِ بَلْ تَكْفِي الْمُلَازَمَةُ بِالْوَضْعِ فإذا قُلْت إنْ جاء زَيْدٌ أَكْرَمْته فَهَذَا لَازِمٌ بِالْوَضْعِ أَيْ وَضْعِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الْإِكْرَامُ لَازِمًا لِلْمَجِيءِ وَكَلَامُ ابْنِ خَرُوفٍ من النَّحْوِيِّينَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ الْعَقْلِيَّ فإنه قُدِّرَ في قَوْله تَعَالَى وَأَدْخِلْ يَدَك في جَيْبِك تَخْرُجْ بَيْضَاءَ أَنَّ الْمَعْنَى وَأَخْرِجْهَا تَخْرُجُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من إدْخَالِهَا خُرُوجُهَا وتخرج مَجْزُومٌ على الْجَوَابِ فَاحْتَاجَ أَنْ يُقَدِّرَ جَوَابًا لَازِمًا وَشَرْطًا مَلْزُومًا حَذْفًا لِأَنَّهُمَا نَظِيرَا ما أَثْبَتَ لَكِنْ وَقَعَ في تَقْدِيرِ ما لَا يُفِيدُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ إنْ أَدْخَلَهَا تَدْخُلُ وَالصَّوَابُ وَبِهِ قال ابن الصَّائِغِ من النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذلك فإن الْإِدْخَالَ سَبَبٌ في خُرُوجِهَا بَيْضَاءَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَيْضًا من إخْرَاجِهَا أَنْ تَخْرُجَ بَيْضَاءَ لُزُومًا ضَرُورِيًّا إلَّا بِضَرُورَةِ صِدْقِ الْوَعْدِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ هو الْجَزَاءُ وَحْدَهُ وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَالْحَالِ حتى إنَّ الْجَزَاءَ إنْ كان خَبَرًا فَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرِيَّةٌ وَإِنْ كان إنْشَاءً فَإِنْشَائِيَّةٌ وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ دَلَّ على رَبْطِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وَثُبُوتُهُ له على تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ من غَيْرِ دَلَالَةٍ على الِانْتِقَاءِ عِنْدَ الِانْتِفَاءِ وَكُلٌّ من الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَفَرَّعُ مَذْهَبُنَا في مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَعَلَى الثَّانِي يَتَفَرَّعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ في إنْكَارِهِ وَسَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ وَالْمُرَادُ بها الْمَعْنَوِيَّةُ لَا النَّعْتُ بِخُصُوصِهِ نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ الزُّهَّادَ فإن التَّقْيِيدَ بِالزُّهَّادِ يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْقَضَاءِ من النِّهَايَةِ الْوَصْفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ التَّخْصِيصُ فإذا قُلْت رَجُلٌ شَاعَ هذا في ذِكْرِ الرِّجَالِ فإذا قُلْتَ طَوِيلٌ اقْتَضَى ذَاكَ تَخْصِيصًا فَلَا تَزَالُ تَزِيدُ وَصْفًا فَيَزْدَادُ الْمَوْصُوفُ اخْتِصَاصًا وَكُلَّمَا كَثُرَ الْوَصْفُ قَلَّ الْمَوْصُوفُ ا هـ وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ في وُجُوبِ الِاتِّصَالِ وَعَوْدِهَا إلَى الْجُمَلِ قال الْمَازِرِيُّ وَلَا خِلَافَ في اتِّصَالِ التَّوَابِعِ وَهِيَ النَّعْتُ وَالتَّوْكِيدُ وَالْعَطْفُ وَالْبَدَلُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ وقال بَعْضُهُمْ الْخِلَافُ في الصِّفَةِ النَّحْوِيَّةِ وَهِيَ التَّابِعُ لِمَا قَبْلَهُ في إعْرَابِهِ أَمَّا الصِّفَةُ الشَّرْطِيَّةُ فَلَا خِلَافَ فيها وقال أبو الْبَرَكَاتِ بن تَيْمِيَّةَ فَأَمَّا الصِّفَاتُ وَعَطْفُ الْبَيَانِ وَالتَّوْكِيدُ وَالْبَدَلُ وَنَحْوُهَا من الْمُخَصِّصَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إذَا تَعَقَّبَتْ الصِّفَةُ شَيْئَيْنِ فَإِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى نَحْوُ أَكْرِمْ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ الْمُؤْمِنِينَ عَادَتْ إلَيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ وَجَالِسْ الْفُقَهَاءَ الزُّهَّادَ فَهَاهُنَا الصِّفَةُ عَائِدَةٌ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلِلْبَحْثِ فيه مَجَالٌ كما في الِاسْتِثْنَاءِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إنْ كانت الصِّفَاتُ كَثِيرَةً وَذُكِرَتْ على الْجَمْعِ عَقِبَ جُمْلَةٍ تَقَيَّدَتْ بها أو على الْبَدَلِ فَلِوَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ منها وَإِنْ ذُكِرَتْ عَقِبَ جُمَلٍ فَفِي الْعَوْدِ إلَى كُلِّهَا أو إلَى الْأَخِيرَةِ الْخِلَافُ مَسْأَلَةٌ تَوَسُّطُ الْوَصْفِ بين الْجُمَلِ فَأَمَّا إذَا تَوَسَّطَ الْوَصْفُ بين الْجُمَلِ فَفِي عَوْدِهِ إلَى الْأَخِيرَةِ خِلَافٌ حَكَاهُ ابن دَاوُد من أَصْحَابِنَا في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ قال وَبُنِيَ عَلَيْهِمَا الْقَوْلَانِ في إيجَابِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ اسْتِنْبَاطًا من لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ قال وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هو رَفْعُ الْجُنَاحِ عن الْمُطَلِّقِينَ قبل الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ ثُمَّ إنَّهُ عُطِفَ عليه بِقَوْلِهِ وَمَتِّعُوهُنَّ فَإِنْ أَعَدْنَا الصِّفَةَ إلَيْهِ أَيْضًا لم تَجِبْ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ وَكَأَنَّهُ قِيلَ وَمَتِّعُوا الْمَذْكُورَاتِ فَإِنْ لم نَعُدَّهُ وَجَبَتْ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَتِّعُوا النِّسَاءَ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ تَرْجِيحِ عَوْدِهِ إلَيْهِمَا مَسْأَلَةٌ فَائِدَةُ الصِّفَةِ الْوَصْفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْرِفَةٍ أو نَكِرَةٍ فَإِنْ كان لِنَكِرَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ وَمِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَإِنْ كان لِمَعْرِفَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّوْضِيحُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عن غَيْرِهِ نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ الْمُفَارَقَةَ وَخَالَفَهُمْ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ تِلْمِيذُ ابْنِ الْحَاجِبِ في كِتَابِ الْبُرْهَانِ فقال إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ على اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كانت لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لو أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ كان الْوَصْفُ لها نَسْخًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بها الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَيَتَفَرَّعُ على هذا ما لو قال وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لم يَحْنَثْ بِخِلَافِ ما لو قال وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وهو جَالِسٌ فإنه يَحْنَثُ إذْ لم تُفِدْ الصِّفَةُ فيه تَقْيِيدًا وهو حَسَنٌ وقد يُقَالُ إنَّهُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ عِنْدَهُمْ في الْمَعْنَى وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا وَقَعَتْ لِلنَّكِرَةِ فَهِيَ لِلتَّوْضِيحِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا لِلتَّخْصِيصِ وَلِهَذَا كانت الْعَارِيَّةُ عِنْدَنَا على الضَّمَانِ وَعِنْدَهُ على الْأَمَانَةِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ هل مَضْمُونَةٌ لِلتَّخْصِيصِ أو لِلتَّوْضِيحِ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَمْلِكُ وَمُدْرِكُهُ قَوْله تَعَالَى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ على شَيْءٍ هل هذا الْوَصْفُ لِلتَّوْضِيحِ أو لِلتَّخْصِيصِ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ إذْ الْعَبْدُ لَا يَخْرُجُ حَالُهُ عن هذا وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ على سَبِيلِ الشَّرْطِ تَنْبِيهٌ اتَّفَقُوا على الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ وَاخْتَلَفُوا في مَفْهُومِ الصِّفَةِ نَحْوُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَلِمَ اخْتَلَفُوا فيه وَاتَّفَقُوا هُنَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الصِّفَةَ تَأْتِي لِرَفْعِ احْتِمَالٍ في أَحَدِ مُحْتَمَلَيْنِ على السَّوَاءِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ تَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ فإذا قُيِّدَتْ زَالَ الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ وَهِيَ نِهَايَةُ الشَّيْءِ وَمُنْقَطَعُهُ وَهِيَ حَدٌّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا وَانْتِفَائِهِ بَعْدَهَا وَلَهَا لَفْظَانِ حتى وَإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ وَقَوْلِهِ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَنَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ حتى يَدْخُلُوا أو إلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَيَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِمَا قبل الدُّخُولِ وَالْمَقْصُودُ بِالْغَايَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِمَا قَبْلَهَا وَالْمَعْنَى يَرْتَفِعُ بِهَذِهِ الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لو بَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ الْغَايَةِ لم تَكُنْ الْغَايَةُ مُنْقَطِعًا فلم تَكُنْ الْغَايَةُ غَايَةً لَكِنْ هل يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ من غَيْرِ ثُبُوتِ ضِدِّ الْمَحْكُومِ عليه أَمْ تَدُلُّ على ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ عليه فَقَطْ هو مَوْضُوعُ الْخِلَافِ كما في الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا ما جُعِلَ غَايَةً في نَفْسِهِ فَهَلْ يَنْدَرِجُ في حُكْمِ الْمَعْنَى أَمْ لَا فيه الْخِلَافُ الْآتِي في الْمَفْهُومِ فإذا قُلْت اشْتَرَيْت من كَذَا إلَى كَذَا أو من كَذَا حتى كَذَا فَلَا خِلَافَ فِيمَا قبل الْغَايَةِ أَنَّهُ دَاخِلٌ وَأَنَّ ما بين مُبْتَدَأِ الْغَايَةِ وَمُنْتَهَاهَا دَاخِلٌ إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ منهم من فَرَّقَ بين حتى فَتَدْخُلَ وإلى فَلَا تَدْخُلْ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَيَتَعَلَّقُ بِالْغَايَةِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ إذْ الشَّرْطُ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَعْدَهُ وَلَا يَبْقَى بِهِ قَبْلَهُ وَالْغَايَةُ مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا لَا بَعْدَهَا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْغَايَةِ شَرْطُ الْإِثْبَاتِ بِهِمَا وَالنَّفْيُ بِأَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ وَهَذَا غَايَةٌ ثُمَّ قال فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ وَهَذَا شَرْطٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا إلَّا بِالْغُسْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَنْتَفِي الِاسْتِبَاحَةُ بِعَدَمِهِمَا أو عَدَمِ أَحَدِهِمَا من غَايَةٍ أو شَرْطٍ وَكَذَا جَعَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْآيَةَ من تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِغَايَةٍ وَشَرْطٍ وَالْغُسْلُ شَرْطٌ فَكَانَا مُعْتَبَرَيْنِ في إبَاحَةِ الْإِصَابَةِ وقال الْأُصُولِيُّونَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْحُكْمِ غَايَتَانِ كَهَذِهِ الْآيَةِ وقال في الْمَحْصُولِ الْغَايَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ لِأَنَّهَا الذي يَتَرَتَّبُ عليها الْحُكْمُ وَسُمِّيَتْ الْأُولَى غَايَةً مَجَازًا لِقُرْبِهَا من الْغَايَةِ وَاتِّصَالِهَا بها وَنُوزِعَ بِأَنَّ هَاتَيْنِ غَايَتَانِ لِشَيْئَيْنِ فما اجْتَمَعَ غَايَتَانِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ النَّاشِئَ عن دَمِ الْحَيْضِ غَايَتُهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ فإذا انْقَطَعَ حَدَثَ تَحْرِيمٌ آخَرُ نَاشِئٌ عن عَدَمِ الْغَسْلِ فَالْغَايَةُ الثَّانِيَةُ غَايَةُ هذا التَّحْرِيمِ الثَّانِي وقال غَيْرُهُ ليس هُنَا غَايَتَانِ لِأَنَّهُمْ قالوا لها حَرْفَانِ حتى وَإِلَى وَلَيْسَ هُنَا غَيْرُ حتى فَلَوْ كان الْحَرْفَانِ هُنَا لَأَمْكَنَ ما قالوا وَإِنَّمَا هو نَظِيرُ قَوْلِك لَا تُكْرِمْ زَيْدًا حتى يَدْخُلَ الدَّارَ فإذا دخل فَأَكْرِمْهُ وَأَيْضًا فَإِنْ كان على قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ في يَطَّهَّرْنَ فَالْغَايَةُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ على قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ أَيْ يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ فَبَعْدَهُ فإذا تَطَهَّرْنَ أَيْ اغْتَسَلْنَ وهو شَرْطٌ فَيَتَعَارَضُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ الظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَحَمْلُ الْقُرْآنِ على تَكْثِيرِ الْفَوَائِدِ من حَمْلِهِ على التَّأْكِيدِ وَحَكَى التَّبْرِيزِيُّ في اخْتِصَارِ الْمَحْصُولِ فِيمَا إذَا كانت الْغَايَةُ لها جُزْءَانِ أو أَجْزَاءٌ خِلَافًا في أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ الْأُولَى أَمْ الْأَخِيرَةُ قال الْقَرَافِيُّ ولم أَرَهُ إلَّا فيه وَغَيْرُهُ يَحْكِي الِانْدِرَاجَ مُطْلَقًا ولم يَتَعَرَّضْ لِلْأَجْزَاءِ قُلْت وهو قَرِيبٌ من الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ في أَنَّ الْحَدَثَ هل يَرْتَفِعُ عن كل عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أَمْ يَتَوَقَّفُ على تَمَامِ الْأَعْضَاءِ الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حتى يَتَوَضَّأَ فَالْحَدَثُ مُغَيًّا بِالْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ ذُو أَجْزَاءٍ فَهَلْ يَرْتَفِعُ عن الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ منه حتى تُوجَدَ الْغَايَةُ بِتَمَامِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ هل الْمُرَادُ تَطَهَّرَ طُهْرًا كَامِلًا أو طُهْرًا ما حتى غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا ثُمَّ أُخْرَى وَأَدْخَلَهَا جَازَ وَفِيهِ خِلَافٌ هذا مَأْخَذُهُ وَحَكَى غَيْرُهُ مَذْهَبًا ثَالِثًا بِالتَّفْصِيلِ فقال إنْ كانت مُنْفَصِلَةً عن ذِي الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فَالْغَايَةُ أَوَّلُ جُزْءٍ منه وَإِنْ لم تَكُنْ مُنْفَصِلَةً كَقَوْلِهِ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَالْغَايَةُ آخِرُ جُزْءٍ من أَجْزَائِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ أَطْلَقُوا كَوْنَ الْغَايَةِ من الْمُخَصِّصَاتِ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا الْكَلَامُ مُقَيَّدٌ بِغَايَةٍ تَقَدَّمَهَا لَفْظٌ يَشْمَلُهَا لو لم يُؤْتَ بها كَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فإن هذه الْغَايَةَ لو لم يُؤْتَ بها لَقَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أو لم يُعْطُوهَا وَوَرَاءَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا غَايَةٌ لم يَشْمَلْهَا الْعُمُومُ وَلَا صَدَقَ عليها اسْمُهُ فَلَا يُؤْتَى بها إلَّا لِعَكْسِ ما يُؤْتَى بِالْغَايَةِ في الْقِسْمِ قَبْلَهُ فإن تِلْكَ يُؤْتَى بها لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ أو تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَهَذِهِ يُؤْتَى بها لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ وَتَأَكُّدِهِ وَإِعْلَامِ أَنَّهُ لَا خُصُوصَ فيه وَأَنَّ الْغَايَةَ فيه ذَاكِرَةٌ بِحَالِ قَصْدٍ منه أَنْ يَتَعَقَّبَ الْحَالَ الْأُولَى بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُهَا شَيْءٌ وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثٍ عن الصَّبِيِّ حتى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ فَحَالَةُ الْبُلُوغِ وَالِاسْتِيقَاظِ ==== 

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    من /ج1.الي اخر ج9.= كتاب : العباب الزاخر المؤلف : الصاغاني

      من /ج1.الي اخر  ج9.= كتاب : العباب الزاخر المؤلف : الصاغاني      أجَأ ابن الأعرابي: أجَأ: فَرَّ. وأجَأُ: أحد جبلي طيء؛ والآخر سلمى، وأجَأ...