Translate

السبت، 10 مايو 2025

من ج12. الي ج14. **الكتاب : الآداب الشرعية المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيّ


 
 من ج12. الي ج14. والاخر
 **الكتاب : الآداب الشرعية
المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيّ


الشَّعْرُ حَلَقَهُ } .
وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَطْلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ } كَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي النُّورَةِ فِي الْمُفْرَدَاتِ فِي فُصُولِ الطِّبِّ .

فَصْلٌ ( فِي أَقْوَالِ الْأَطِبَّاءِ فِي الْحَمَّامِ ) .
قَالَ الْأَطِبَّاءُ الْحَمَّامُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ أَهْوِيَتِهِ وَمَبَانِيهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ مِنْ الدُّهْنِ والنمريخ .
وَسَبَقَ فِي فُصُولِ الطِّبِّ الْكَلَامُ فِي الدُّهْنِ ، وَالْمَاءِ وَأَمَّا الدَّلْكُ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يَفْتَحُ الْمَسَامَّ وَيُحَلِّلُ الْبُخَارَ وَيُذَوِّبُ الْخَلْطَ فَإِنْ أَفْرَطَ أَحْدَثَ الْبُثُورَ .
قَالَهُ ابْنُ جَزْلَةَ وَقَالَ ابْنُ جُمَيْعٍ الصَّيْدَاوِيُّ يُصَلِّبُ الْأَعْضَاءَ وَيُحَلِّلُ الرُّطُوبَةَ ، وَالْمُعْتَدِلُ يَجْلِبُ الدَّمَ ظَاهِرَ الْجَسَدِ قَالَ والنمريخ بِالدُّهْنِ يَسُدُّ الْمَسَامَّ قَالَ ابْنُ جَزْلَةَ فَإِنَّ بَعْدَ الِاسْتِحْمَامِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ حِفْظُ الْحَرَارَةِ ، وَالرُّطُوبَةِ ، وَأَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ .
وَالْحَمَّامُ قَدْ جَمَعَ الْكَيْفِيَّاتِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ يُوَسِّعُ الْمَسَامَّ وَيَسْتَفْرِغُ الْفَضَلَاتِ وَيُحَلِّلُ الرِّيَاحَ وَيَحْبِسُ الطَّبْعَ إذَا كَانَتْ سُهُولَتُهُ عَنْ هَيْضَةٍ وَيُنَظِّفُ الْوَسَخَ ، وَالْعُرُوقَ وَيُذْهِبُ الْحَكَّةَ ، وَالْجَرَبَ ، وَيُذْهِبُ الْإِعْيَاءَ وَيُرَطِّبُ الْبَدَنَ وَيُجَوِّدُ الْهَضْمَ وَيُنْضِجُ النَّزَلَاتِ ، وَالزُّكَامَ ، وَيَنْفَعُ مِنْ حُمَّى يَوْمٍ ، وَالدَّقِّ ، وَالرَّبْعِ ، وَيُسَمِّنُ الْمَهْزُولَ وَيُهَزِّلُ السَّمِينَ ، وَيَنْفَعُ جَمِيعَ الْأَمْزِجَةِ .
وَفِيهِ مَضَارُّ ، يُسَهِّلُ انْصِبَابَ الْفَضَلَاتِ إلَى الْأَعْضَاءِ الضَّعِيفَةِ وَيُرْخِي الْجَسَدَ وَيُضَعِّفُ الْحَرَارَةَ عِنْدَ طُولِ الْمُقَامِ فِيهِ ، وَيُسْقِطُ شَهْوَةَ الطَّعَامِ وَيُضْعِفُ الْبَاهَ ، وَالْعَصَبَ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَشِطَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الْبَصَرَ ، وَمَنْ قَصَدَ تَسْمِينَ بَدَنِهِ دَخَلَ عَلَى الِامْتِلَاءِ وَلَا يُطِيلُ اللُّبْثَ وَبِالضِّدِّ ، وَمَنْ قَصَدَ حِفْظَ الصِّحَّةِ دَخَلَ عِنْدَ آخِرِ الْهَضْمِ بِحَيْثُ إذَا خَرَجَ يَأْكُلُ ، وَيَجْتَنِبُ الْجِمَاعَ فِي الْحَمَّامِ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ بَعْدَهُ الْأَشْيَاءَ الْبَارِدَةَ بِالْفِعْلِ ، وَالْحَارَّةَ بِالْفِعْلِ فَفِي ذَلِكَ خَطَرٌ

، وَالْمُقَامُ الْكَثِيرُ فِي الْحَمَّامِ يُجَفِّفُ وَرُبَّمَا بَرَّدَ ، وَالْقَلِيلُ يُسَخِّنُ وَيُرَطِّبُ .
قَالَ ابْنُ سِينَا : لَا يُطِيلُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الدَّقُّ ، وَالِاسْتِسْقَاءُ ، أَمَّا الدَّقُّ فَلِاشْتِدَادِ سُخُونَةِ الْقَلْبِ وَأَمَّا الِاسْتِسْقَاءُ فَلِكَثْرَةِ تَحَلُّلِ الْحَارِّ الْغَرِيزِيِّ فَيُبَرَّدُ مِزَاجُ الْأَعْضَاءِ ، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْأَشْيَاءِ الْبَارِدَةِ فِيهِ مِثْلُ النُّقَاعِ ، وَالْمَاءُ الْبَارِدُ فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ جِدًّا لِأَنَّهُ قَدْ يُبَرِّدُ الْكَبِدَ ، وَالْقَلْبَ بِهُجُومِهِ عَلَيْهِمَا ، وَيُبَرِّدُ الْأَحْشَاءَ وَيُضْعِفُهَا وَيُهَيِّئُهَا لِلِاسْتِسْقَاءِ ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْحَمَّامِ يُنْعِشُ الْقُوَّةَ الْمُسْتَرْخِيَةَ مِنْ الْكَرْبِ .
قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ بَعْدَ الْحَارِّ مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ فِي تَقْوِيَةِ الْأَعْضَاءِ وَلَكِنْ لَا تَكُونُ بَغْتَةً بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْفَاتِرِ ، ثُمَّ إلَى الْبَارِدِ قَالَ ابْنُ ماسويه مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ فَأَصَابَهُ الْفَالِجُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ شَمْسُ الْمَعَالِي : أَنْتَ فِي الْحَمَّامِ مَوْقُوفٌ عَلَى بَصَرِي وَسَمْعِي فَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا كُوِّنَتْ مِنْ بَعْضِ طَبْعِي حَرُّهَا مِنْ حَرِّ أَنْفَاسِي وَفَيْضُ الْمَاءِ دَمْعِي وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ قَالَ : أَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَأَنَا شَيْخٌ وَأَخْرُجُ وَأَنَا شَابٌّ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ ، ثُمَّ خَرَجَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَاسْتَغْفَرَ لِمَا رُئِيَ مِنْهُ ، أَوْ رَأَى مِنْ نَفْسِهِ .

فَصْلٌ ( الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَمِنْهَا نَهْيُ النِّسَاءِ عَنْهُ ) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ إنَاثِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى الرِّجَالَ ، وَالنِّسَاءَ عَنْ الْحَمَّامَاتِ ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمِئْزَرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلنِّسَاءِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَائِمِ .
وَعَنْهَا أَيْضًا مَرْفُوعًا { أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا هَتَكَتْ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَقَالَ النَّسَائِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ } حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَقَالَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْذَرُوا بَيْتًا يُقَالُ لَهُ الْحَمَّامُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ يُنَقِّي مِنْ الْوَسَخِ ، وَالْأَذَى قَالَ : فَمَنْ دَخَلَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ } وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ مَوْصُولًا يَذْكُرُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ هَذَا أَصَحُّ إسْنَادِ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ النَّاسَ يُرْسِلُونَهُ عَنْ طَاوُسٍ وَأَمَّا مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد فِي هَذَا مِنْ الْحَظْرِ ، وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ

شَيْءٌ لِضَعْفِ الْأَسَانِيدِ وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَرَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُنَقِّي مِنْ الدَّرَنِ وَيُذَكِّرُ بِالنَّارِ ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَعْنَاهُ وَكَانَ يَدْخُلُهُ .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ نَزَعَ مِنْ أَهْلِهِ الْحَيَاءَ ، وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَا تَدْخُلُوا هَذِهِ الْحَمَّامَاتِ فَإِنَّهَا مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ النَّعِيمِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدْخُلُهُ وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ : لَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا أَنْ تَشْتَكِيَ .
وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَلَا يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَلَا يَغْتَسِلْ اثْنَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ رَوَى هَذِهِ الْآثَارَ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَكْشِفُ الْعَوْرَةَ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ .
وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَدْخُلُهُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهِ الْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ النَّارِ } قَالَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَيَقُولُ : نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُذْهِبُ الْوَسَخَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ ، وَيَقُولُ : بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ إنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أَهْلِهِ الْحَيَاءَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ نِعْمَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يَذْهَبُ بِالْوَسَخِ وَيُذَكِّرُ بِالنَّارِ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا { إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلْهَا الرِّجَالُ إلَّا

بِإِزَارٍ وَامْنَعُوا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ } إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيُّ وَغَيْرُهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ قَالَ مَا رَأَيْت أَبِي دَخَلَ الْحَمَّامَ قَطُّ وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يُسَنُّ مِنْ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ وَتَسْرِيحِهِ وَفَرْقِهِ وَمِنْ إعْفَاءِ اللِّحْيَةِ ) .
يُسَنُّ أَنْ يَغْسِلَ شَعْرَهُ وَيُسَرِّحَهُ وَيَفْرُقَهُ وَيَجْعَلَهُ الرَّجُلُ إلَى مَنْكِبَيْهِ ، أَوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ ، أَوْ شَحْمَتَيْهِمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ ذُؤَابَةً وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى شُهْرَةٍ ، أَوْ نَقْصِ مُرُوءَةٍ ، أَوْ إزْرَاءٍ بِصَاحِبِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا : فِي اللِّبَاسِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ : لَهُ إنَّ فِي فَرْقِ الشَّعْرِ شُهْرَةٌ أَجَابَ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَبِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ .
وَيُسَنُّ أَنْ يُعْفِيَ لِحْيَتَهُ وَقِيلَ : قَدْرَ قَبْضَةٍ وَلَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَنْهَا وَتَرْكُهُ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : تَرْكُهُ أَوْلَى .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا حَجَّ وَاعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ .
وَيُسَنُّ أَنْ يَنْتِفَ إبِطَيْهِ فَإِنْ شَقَّ ؛ حَلَقَهُمَا أَوْ نَوَّرَهُمَا وَقِيلَ : يُكْرَهُ إكْثَارُ التَّنْوِيرِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَسُئِلَ عَنْ اتِّخَاذِ الشَّعْرِ قَالَ : سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَلَوْ أَمْكَنَنَا اتَّخَذْنَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَوْ كُنَّا نَقْوَى عَلَيْهِ لَاتَّخَذْنَاهُ وَلَكِنْ لَهُ كُلْفَةٌ وَمُؤْنَةٌ .
وَسَأَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ وَيُطَوِّلُهُ فَقَالَ فِي الْفَرْقِ سُنَّةٌ ، فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشَهِّرُ نَفْسَهُ فَقَالَ { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَقَ شَعْرَهُ وَأَمَرَ بِالْفَرْقِ ، } وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ } .

فَصْلٌ ( فِي تَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ وَسَائِرِ خِصَالِ الْفِطْرَةِ ) .
وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَ أَظَافِرَهُ مُخَالِفًا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ زَادَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { إنَّ مَنْ قَصَّ أَظَافِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ فِيهِ شِفَاءٌ وَخَرَجَ مِنْهُ دَاءٌ } رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ ، وَالِاسْتِحْبَابُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِهِ عَلِيًّا بِذَلِكَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ عِنْدَ سُفْيَانَ وَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ لَوْ تَرَكْته إلَى غَدٍ الْجُمُعَةِ فَقَالَ سُفْيَانُ لَا تُؤَخِّرْ السُّنَّةُ لِشَيْءٍ ، وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَأَقَلَّ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَقِيلَ : الْمُقِيمُ كُلَّ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَالْمُسَافِرُ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقِيلَ : عَكْسُهُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ كُلَّ أُسْبُوعٍ إنْ شَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ شَاءَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ .
وَيُسَنُّ أَنْ يُقَلِّمَهَا مُخَالِفًا .
وَصِفَتُهُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ ابْنُ بَطَّةَ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، ثُمَّ الْإِبْهَامِ ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ ، ثُمَّ السَّبَّابَةِ ، ثُمَّ إبْهَامِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، ثُمَّ الْخِنْصَرِ ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ .
وَقَالَ الْآمِدِيُّ يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، ثُمَّ الْخِنْصَرِ ، ثُمَّ السَّبَّاحَةِ ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ ، ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ، وَقِيلَ : يَبْدَأُ بِالسَّبَّاحَةِ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى

مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ إلَى خِنْصَرِهَا ، ثُمَّ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى قَالَ الْقَاضِي .
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَنْتِ قَلَّمْت أَظْفَارَكِ فَابْدَئِي بِالْخِنْصَرِ ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، ثُمَّ الْإِبْهَامِ ، ثُمَّ الْبِنْصِرِ ، ثُمَّ السَّبَّابَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْغِنَى } وَهَذَا قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا } رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ وَيُجْتَنَبُ الِاسْتِقْصَاءُ فِي الظُّفْرِ فِي الْغَزْوِ .
وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ التَّقْلِيمِ ، وَيَدْفِنُ الْقُلَامَةَ نَصَّ عَلَيْهِ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَكَذَا الشَّعْرُ وَدَمُ الْحِجَامَةِ ، وَالْفَصْدُ ، وَالتَّشْرِيطُ .
وَيُسْتَحَبُّ نَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنْ أَزَالَ بِمِقْرَاضٍ ، أَوْ نُورَةٍ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } .
قَالَ يُلْقُونَ الْأَحْيَاءُ فِيهَا الدَّمَ ، وَالشَّعْرَ ، وَالْأَظَافِيرَ وَتَدْفِنُونَ فِيهَا مَوْتَاكُمْ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ ، ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ ادْفِنْهُ لَا يَبْحَثُ عَلَيْهِ كَلْبٌ } وَرَوَى الْخَلَّالُ وَابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا } وَرَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ كَانَ يَسْتَحِبُّ دَفْنَهَا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ الدَّمِ ، وَالشَّعْرِ } قَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ ؟ قَالَ يَدْفِنُهُ قُلْت بَلَغَك فِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ تَنْظِيفَ الْعَانَةِ ، وَالْإِبِطِ وَحَفَّ الشَّارِبِ أَكْثَرَ مِنْ

الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الْخِتَانُ ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالُوا وَقَّتَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْغُنْيَةِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ فَرُوِيَ عَنْهُ إنْكَارُهُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي التَّوْقِيتِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، وَالتَّلْخِيصِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَاجِبَيْهِ إذَا طَالَا بِالْمِقْرَاضِ ، وَيَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ بِمَا لَا لَوْنَ فِيهِ ، وَالْمَرْأَةُ قِيلَ : الْبَرْزَةُ بِمَا لَهُ لَوْنٌ لَا رَائِحَةَ مِنْ بَعِيدٍ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا .

فَصْلٌ ( الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي الْحِجَامَةِ وَاخْتِيَارِ يَوْمٍ لَهَا ) .
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { اسْتَعِينُوا بِالْحِجَامَةِ عَلَى شِدَّةِ الْحَرِّ } قَالَ مُهَنَّا لِأَحْمَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ عَوْفٍ إلَّا مُرْسَلًا وَتُكْرَهُ الْحِجَامَةِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٍ وَزَادَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ حَسَّانَ وَيَقُولُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجِمُ يَوْمَ الْأَحَدِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ قَالَ الْقَاضِي فَقَدْ بَيَّنَ اخْتِيَارَ يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَالثُّلَاثَاءِ وَكَرِهَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَالْأَرْبِعَاءِ وَتَوَقَّفَ فِي الْجُمُعَةِ .
انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ إذَا تَوَقَّفَ فِي شَيْءٍ خَرَجَ فِيهِ وَجْهَانِ .
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا { مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ ، أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ .
} ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ أُسْنِدَ وَلَا يَصِحُّ .
وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ وَصَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَضَعَّفَ ذَلِكَ ، وَالْمَحْفُوظُ مُنْقَطِعٌ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا .
، وَالْوَضَحُ الْبَرَصُ وَحُكِيَ لِأَحْمَدَ أَنَّ رَجُلًا احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَاسْتَخَفَّ بِالْحَدِيثِ وَقَالَ مَا هَذَا الْحَدِيثُ ؟ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ ، فَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَخِفَّ بِالْحَدِيثِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { أَنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يَحْتَجِمُ فِيهَا مُحْتَجِمٌ إلَّا عَرَضَ لَهُ دَاءٌ لَا يُشْفَى مِنْهُ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِيهِ عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالطِّبِّ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ الْمُحْتَجِمُ أَكْلَ الْمِلْحِ ، وَالْمَمْلُوحِ ثَلَاثِينَ سَاعَةً لِأَنَّهُ

يُورِثُ الْجَرَبَ ، قَالُوا وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ فِي الشِّتَاءِ الطباهجات وَفِي الصَّيْفِ السِّكْبَاجَ ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ .
الْبَاهَجُ بِفَتْحِ الْهَاءِ طَعَامٌ مِنْ بَيْضٍ وَلَحْمٍ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ فِي غَيْرِ النُّسُكِ وَكَرَاهَةِ الْقَزَعِ فِي الْحَلْقِ ) .
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ حَلْقُ رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ تَكْرَهُهُ قَالَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ ، ثُمَّ قَالَ كَانَ مَعْمَرٌ يَكْرَهُ الْحَلْقَ وَأَنَا أَكْرَهُهُ وَاحْتَجَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك ، وَالرَّجُلُ هُوَ صَبِيغٌ السَّائِلُ لَهُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَوَارِجِ { سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ } .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْإِفْرَادِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُوضَحُ النَّوَاصِي إلَّا فِي حَجٍّ ، أَوْ عُمْرَةٍ } ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْحَلْقِ مَكْرُوهَةٌ .
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّيَالِسِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَوَارِجِ { سِيمَاهُمْ التَّحَلُّقُ ، وَالتَّسْبِيتُ } قَالَ جَعْفَرٌ قُلْت لِأَحْمَدَ مَا التَّسْبِيتُ قَالَ الْحَلْقُ الشَّدِيدُ لِيُشْبِهَ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ .
وَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُكْرَهُ الْحَلْقُ زَادَ فِي الشَّرْحِ لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ احْلِقْهُ كُلَّهُ ، أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ } إسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى مُسْلِمٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ فَأَمَّا أَخْذُهُ بِالْمِقْرَاضِ وَاسْتِئْصَالُهُ فَلَا يُكْرَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ دَلَالَةَ الْكَرَاهَةِ تَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ ، وَيُكْرَهُ ، لِلْمَرْأَةِ حَلْقُ رَأْسِهَا زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَصَّهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَقِيلَ يَحْرُمَانِ عَلَيْهَا .
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ خَلَاصٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { نَهَى

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا } وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ { وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ } وَهَذَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقَيَّدَ فِي الشَّرْحِ كَرَاهِيَةَ حَلْقِهِ لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ .

فَصْلٌ ( فِي كَوْنِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِصَبْغِهِ سُنَّةً ) .
وَيُسَنُّ تَغْيِيرُ الشَّيْبِ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَا يَسْتَحْيِي أَنْ يُخَضِّبَ ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { إنَّ الْيَهُودَ ، وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ ، وَلِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَلَا بَأْسَ بِالْوَرْسِ ، وَالزَّعْفَرَانِ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَفِي التَّلْخِيصِ ، وَالشَّرْحِ وَقَدَّمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ خِضَابَهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ سُنَّةٌ وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو دَاوُد ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ ، وَالزَّعْفَرَانِ } .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ { كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَرْسِ ، وَالزَّعْفَرَانِ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ نَصَّ عَلَيْهِ قِيلَ : لَهُ تَكْرَهُ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ قَالَ إي وَاَللَّهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو ثَوْبَةَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَكُونُ قَوْمٌ يَخْضِبُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِالسَّوَادِ

كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ ، وَالْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ هَلْ هِيَ لِلتَّحْرِيمِ ، أَوْ التَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ وَرَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْن رَاهْوَيْهِ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّنُ بِهِ لِزَوْجِهَا .
وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْحَرْبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اخْضِبُوا بِالسَّوَادِ فَإِنَّهُ آنَسُ لِلزَّوْجَةِ وَمَكِيدَةٌ لِلْعَدُوِّ } وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ .
وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَمْنَعُ مَنْ يَخْضِبُ بِهِ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُلِ ، وَالْمَرْأَةِ بِصُفْرَةٍ ، أَوْ حُمْرَةٍ وَيَحْرُمُ بِالسَّوَادِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ تَرْكُ الْخِضَابِ أَفْضَلُ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَآخَرِينَ .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُونَ يَخْضِبُونَ بِالصُّفْرَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَخَضَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِالْحِنَّاءِ ، وَالْكَتَمِ وَبَعْضُهُمْ بِالزَّعْفَرَانِ ، وَخَضَبَ جَمَاعَةٌ بِالسَّوَادِ .
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَالْحَسَنِ ابْنَيْ عَلِيٍّ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَابْن سِيرِينَ وَأَبِي بُرْدَةَ وَآخَرِينَ وَيُقَالُ : صَبَغَ يَصْبُغُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْضِبُ لِحْيَتَهُ وَيَقُولُ : نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا وَلَا خَيْرَ فِي الْأَعْلَى إذَا فَسَدَ الْأَصْلُ .
وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ وَيَتَمَثَّلُ : نُسَوِّدُ أَعْلَاهَا وَتَأْبَى أُصُولُهَا فَيَا لَيْتَ مَا يُسَوَّدُ مِنْهَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَالَ آخَرُ يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُسَوِّدُ شَيْبَهُ كَيْمَا يُعَدَّ بِهِ مِنْ الشُّبَّانِ أَقْصِرْ فَلَوْ سَوَّدْتَ كُلَّ حَمَامَةٍ بَيْضَاءَ مَا عُدَّتْ مِنْ الْغِرْبَانِ وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ

قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا .
وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ وَقَالَ { إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ } رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ نَظَرَ كِسْرَى إلَى رَجُلَيْنِ مِنْ مَرَازِبَتِهِ شَابَ رَأْسُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ لِحْيَتِهِ ، وَالْآخَرُ لِحْيَتُهُ قَبْلَ رَأْسِهِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ شَعْرَ رَأْسِي خُلِقَ قَبْلَ شَعْرِ لِحْيَتِي ، وَالْكَبِيرُ يَشِيبُ قَبْلَ الصَّغِيرِ وَقَالَ الْآخَرُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الصَّدْرِ مَوْضِعَ الْهَمِّ ، وَالْغَمِّ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ شَيْبُ النَّاصِيَةِ مِنْ الْكَرَمِ وَشَيْبُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الْوَرَعِ ، وَشَيْبُ الشَّارِبَيْنِ مِنْ الْفُحْشِ ، وَشَيْبُ الْقَفَا مِنْ اللُّؤْمِ .

فَصْلٌ ( فِي نَتْفِ الشَّعْرِ وَحَفِّهِ وَتَخْفِيفِهِ وَوَصْلِهِ وَالْوَشْمِ ) .
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهِ وَلَوْ بِمِنْقَاشٍ وَنَحْوِهِ وَحَفُّهُ ، وَالتَّخْفِيفُ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْحَفِّ : أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ ، وَلِلْمَرْأَةِ حَلْقُهُ وَحَفُّهُ ، وَالتَّخْفِيفُ نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا حَفُّهُ ، وَيُكْرَهُ نَتْفُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَحْمَدُ أَكْرَهُ النَّتْفَ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ وَكَرِهَ يَعْنِي أَحْمَدَ أَنْ يُؤْخَذَ الشَّعْرُ بِمِنْقَاشٍ مِنْ الْوَجْهِ وَقَالَ { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَنَمِّصَاتِ .
} وَقَطَعَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِالْكَرَاهَةِ ، وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ ، وَهَلْ تُعَدُّ الْكَرَاهَةُ رِوَايَةً عَنْهُ ؟ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَمَنْ أَثْبَتَ رِوَايَةً فِي نَقْلِ الْمِلْكِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْمُتْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُنَا مِثْلُهُ ، أَوْ أَوْلَى وَقَطَعَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ نَتْفَ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ لَا يَجُوزُ .
وَيُكْرَهُ لَهَا وَصْلُ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ آخَرَ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، وَالتَّلْخِيصِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ .
وَلَا بَأْسَ بِالْقَرَامِلِ وَنَحْوِهَا زَادَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ ، وَعَنْهُ هِيَ كَالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَصِلُ رَأْسَهَا بِقَرَامِلَ فَكَرِهَهُ وَقَالَ لَهُ أَيْضًا فَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ تَصِلُ رَأْسَهَا بِقَرَامِلَ ؟ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهَا ، وَيُبَاحُ مَا تَشُدُّ بِهِ شَعْرَهَا لِلْحَاجَةِ .
وَيُكْرَهُ غَرْزُ جِلْدِهَا بِإِبْرَةٍ وَحَشْوُهُ كُحْلًا وَتَحْسِينُ أَسْنَانِهَا وَتَفْلِيجُهَا وَتَحْدِيدُهَا ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَهُوَ أَوْلَى .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة ، وَالْمُتَنَمِّصَةَ

وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ } .
وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ وَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ وَيَقُولُ : { إنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ } وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا } قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي ، وَالظَّاهِرُ إنَّمَا الْمُحَرَّمُ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ .

فَصْلٌ ( فِي جَوَازِ ثَقْبِ آذَانِ الْبَنَاتِ ) .
وَيَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبِنْتِ لِلزِّينَةِ وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ الصَّبِيِّ نَصَّ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَكْرَهُ ذَلِكَ لِلْغُلَامِ إنَّمَا هُوَ لِلْبَنَاتِ قَالَ مُهَنَّا قُلْت مَنْ كَرِهَهُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَطَعَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبِنْتِ لِأَنَّهُ جَرْحٌ مُؤْلِمٌ وَفِي الْمَخَانِقِ ، وَالْأَسْوِرَةِ كِفَايَةٌ ، وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَالْأُجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : وَأَفْضَلُ الْأَدْهَانِ لِلرَّأْسِ دُهْنُ الْبَنَفْسَجِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَضْلُ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْهَانِ كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ النَّاسِ } وَضَعَّفَ غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْخَبَرَ وَهُوَ كَمَا قَالُوا .

فَصْلٌ ( مَا يُقَالُ : عِنْدَ سَمَاعِ نَهِيقٍ وَنُبَاحٍ وَصِيَاحِ دِيكٍ وَكَرَاهَةِ التَّحْرِيشِ ) .
مَنْ سَمِعَ نَهِيقَ حِمَارٍ ، أَوْ نُبَاحَ كَلْبٍ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا سَمِعْتُمْ نَهَاقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكَلْبِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ يَرَوْنَ مَا لَا تَرَوْنَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَعِنْدَهُ { فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهُنَّ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا لِلْأَذَانِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ وَلِلنَّسَائِيِّ رِوَايَةُ { إذَا سَمِعْتُمْ الدِّيَكَةَ بِاللَّيْلِ } وَذَكَرَهُ .

وَيُكْرَهُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ النَّاسِ وَكُلِّ حَيَوَانٍ بَهِيمٍ كَكِبَاشٍ وَدِيَكَةٍ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ فَهَذَانِ وَجْهَانِ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُهُمَا قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يُكْرَهُ التَّحْرِيشُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إي لَعَمْرِي ، وَالْأَوْلَى الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ النَّاسِ .
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّاتِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبَاقِيهِ ثِقَاتٌ .

فَصْلٌ ( فِي اتِّخَاذِ الطُّيُورِ ) .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى يُكْرَهُ اتِّخَاذُ طُيُورٍ طَيَّارَةٍ تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ وَتُكْرَهُ فِرَاخُهَا وَبَيْضُهَا ، وَلَا تُكْرَهُ الْمُتَّخَذَةُ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ فَقَطْ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي طَيْرِ أُنْثَى جَاءَتْ إلَى قَوْمٍ فَأَزْوَجَتْ عِنْدَهُمْ وَفَرَّخَتْ لِمَنْ الْفِرَاخُ قَالَ : يَتْبَعُونَ الْأُمَّ ، وَأَظُنُّ أَنِّي سَمِعْته يَقُولُ فِي الْحَمَامِ الَّذِي يَرْعَى الصَّحْرَاءَ أَكْرَهُ أَكْلَ فِرَاخِهَا ، وَكَرِهَ أَنْ تَرْعَى فِي الصَّحْرَاءِ وَقَالَ تَأْكُلُ طَعَامَ النَّاسِ .
وَقَالَ حَرْبٌ : سَمِعْت أَحْمَدَ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ الطَّيْرَ فِي مَنْزِلِهِ إذَا كَانَتْ مَقْصُوصَةً لِيَسْتَأْنِسَ إلَيْهَا فَإِنْ تَلَهَّى بِهَا فَإِنِّي أَكْرَهُهُ قُلْت لِأَحْمَدَ إنْ اتَّخَذَ قَطِيعًا مِنْ الْحَمَامِ تَطِيرُ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ إذَا كَانَتْ تَطِيرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَزُرُوعَهُمْ .
وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بُرُوجِ الْحَمَامِ الَّتِي تَكُونُ بِالشَّامِّ ؟ فَكَرِهَهَا وَقَالَ تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ .
فَقُلْت لَهُ وَإِنَّمَا كَرِهْتهَا لِأَجْلِ أَنَّهَا تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ ؟ فَقَالَ أَكْرَهُهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَمَامِ فَقُلْت لَهُ تُقْتَلَ قَالَ : تُذْبَحُ .
وَرَوَى مُهَنَّا وَغَيْرُهُ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، وَالْحَمَامِ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَمَامِ الْمَقْصُوصِ قَالَ : عُثْمَانُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَمَامِ ، وَالْكِلَابِ قُلْت الْمَقَاصِيصُ هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَك مِنْ الطَّيَّارَةِ قَالَ نَعَمْ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِتَرْكِ الْمَقَاصِيصِ وَأَمَرَ بِقَتْلِ الطَّيَّارَةِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالْمُقَصَّصَةِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ بَأْسًا فَقَدْ كَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِلتَّلَهِّي بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي كَرَاهَتِهِ

لِشَيْءٍ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَنْ اتَّخَذَ الْحَمَامَ لَعِبًا وَلَهْوًا فَهُوَ دَنَاءَةٌ وَسَفَهٌ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ لَعِبَ بِالْحَمَامِ الطَّيَّارَةِ يُرَاهِنُ عَلَيْهَا وَيُسَرِّحهُنَّ مِنْ الْمَوَاضِعِ لَعِبًا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا .
وَقَدْ { رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ .
وَأَمَّا اتِّخَاذُ حَمَامٍ طَيَّارَةٍ لِأَجْلِ فِرَاخِهَا فَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِأَجْلِ أَكْلِهَا أَمْوَالَ النَّاسِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا ، وَنَقَلَ غَيْرُهُ عَنْهُ الْكَرَاهِيَةَ وَهَلْ يُعَدُّ هَذَا رِوَايَةً بِالتَّنْزِيهِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ مَا يُشْبِهُهُ فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى يَضْمَنُ وَعَلَى الثَّانِيَةِ فِيهِ نَظَرٌ يُتَوَجَّهُ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَقَدْ يُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَفِي تَضْمِينِ مُقْتَنِيهِ مَا أَتْلَفَهُ رِوَايَتَانِ وَجَّهَ الْقَاضِي التَّضْمِينَ كَإِمْسَاكِ الْحَيَّاتِ ، وَالسِّبَاعِ ، وَوَجَّهَ عَدَمَهُ كَمَا لَوْ شَدَّ حَرْثَهُ عَقُورًا فِي مِلْكِهِ فَعَطِبَ بِهَا إنْسَانٌ وَوَجَّهَ فِي الْمُغْنِي التَّضْمِينَ بِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ سَبَبٌ لِلْعَقْرِ ، وَالْأَذَى كَمَنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، وَوَجَّهَ عَدَمَهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } وَكَسَائِرِ الْبَهَائِمِ فَقَدْ يُتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا أَنَّ اقْتِنَاءَ طَيْرٍ يَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا هَلْ يَضْمَنُ مُقْتَنِيهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّهُ هَلْ يَضْمَنُ مَقَتَنِي الْكَلْبِ مَا أَتْلَفَهُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِي تَحْرِيمِ الِاقْتِنَاءِ فَكَذَا مَقَتَنِي الطَّيْرَ فَهَذِهِ مَسَالِكُ

مُحْتَمَلَةٌ ، أَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ فَبَعِيدٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَبَاحَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِلْأُنْسِ وَاعْتَبَرَ أَنْ تَكُونَ مَقْصُوصَةً لِئَلَّا تَطِيرَ فَتَأْكُلَ زُرُوعَ النَّاسِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتَجَّ بِالْخَبَرِ فِي ذَلِكَ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ السُّنِّيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلْوَانَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْشَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ زَوْجَ حَمَامٍ وَيَذْكُرَ اللَّهَ عِنْدَ هَدِيرِهِ } .
وَهَذَا الْخَبَرُ ضَعِيفٌ أَوْ مَوْضُوعٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلْوَانَ كَذَّابٌ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَخَالِدٌ لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا .
قَالَ فِي الْمُغْنِي : وَقَدْ رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ فَقَالَ اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ } .
وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِهِ اتِّخَاذَ الْحَمَامِ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطِيرَ فَيَأْكُلَ طَعَامَ النَّاسِ وَيَتَعَدَّى الضَّرَرُ إلَى النَّاسِ ، وَأَبَاحُوا أَيْضًا اتِّخَاذَهَا لِاسْتِفْرَاخِهَا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَرِوَايَةُ مُهَنَّا السَّابِقَةُ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ اتِّخَاذِ الْحَمَامِ مُطْلَقًا لِلْأَمْرِ بِقَتْلِهِ ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِاِتِّخَاذِ الْحَمَامِ الْقِمَارَ ، أَوْ أَنْ يَصِيدَ بِهِ حَمَامَ غَيْرِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ حَرُمَ وَتَقَدَّمَ فَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ الصَّبَاحِ ، وَالْمَسَاءِ كَلَامُهُ فِي الْمُغْنِي فِيهِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَحْفُوظَةً لَا

تَأْكُلُ زُرُوعَ النَّاسِ فَقَدْ كَرِهَهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاحْتَجَّ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِهِ وَرِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَنَقَلَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد أَنَّهُ قِيلَ : لَهُ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَهُ حَمَامُ غَيْرِهِ فَيُفْرِخُ يَأْكُلُ مِنْ فِرَاخِهِ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي هَذَا طَيْرُ جَارِهِ .

فَصْلٌ ( اتِّخَاذُ الْأَطْيَارِ فِي الْأَقْفَاصِ لِلتَّسَلِّي بِأَصْوَاتِهَا ) .
فَأَمَّا حَبْسُ الْمُتَرَنِّمَاتِ مِنْ الْأَطْيَارِ كَالْقَمَارِيِّ ، وَالْبَلَابِلِ لِتَرَنُّمِهَا فِي الْأَقْفَاصِ فَقَدْ كَرِهَهُ أَصْحَابُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاجَاتِ لَكِنَّهُ مِنْ الْبَطَرِ ، وَالْأَشَرِ وَرَقِيقِ الْعَيْشِ وَحَبْسُهَا تَعْذِيبٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرَدَّ الشَّهَادَةُ بِاسْتِدَامَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُرَدَّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا أَصْحَابُنَا وَسَمَّوْهُ سَفَهًا .

فَصْلٌ ( فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ ) .
يَجُوزُ اقْتِنَاءُ كَلْبٍ لِصَيْدٍ يَعِيشُ بِهِ ، أَوْ حِفْظِ مَاشِيَةٍ يَرُوحُ مَعَهَا إلَى الْمَرْعَى وَيَتْبَعُهَا ، أَوْ لِحِفْظِ زَرْعٍ وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ ، أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقِيلَ : يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ : وَلِبُسْتَانٍ .
فَإِنْ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ اُحْتُمِلَ الْجَوَازُ ، وَالْمَنْعُ ، وَهَكَذَا الِاحْتِمَالَانِ فِيمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لِيَحْفَظَ لَهُ حَرْثًا ، أَوْ مَاشِيَةً إنْ حَصَلَتْ ، أَوْ يَصِيدَ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى الصَّيْدِ وَيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ لَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ اقْتِنَاءُ جَرْوٍ صَغِيرٍ حَيْثُ يُقْتَنَى الْكَبِيرُ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يُبَاحُ أَوْ يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ مِنْ الْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ الضَّارَّةِ ) .
وَيُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ، وَالْوَزَغِ كَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْبَابِ أَوْلَى وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، وَكَذَا قَالَ فِي كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى وَكَذَا فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ قَالَتْ : عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ ، وَالْحَرَمِ : الْغُرَابِ ، وَالْحِدَأَةِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْفَأْرَةِ ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { لَا جُنَاحَ عَلَى قَتْلِهِنَّ فِي الْحَرَمِ ، وَالْإِحْرَامِ } .
وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا عَنْ إحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِنَّ وَفِيهِ ، وَالْحَيَّةِ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ شَرِيكٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ } وَفِيهِمَا ، أَوْ فِي مُسْلِمٍ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةَ دُونَ ذَلِكَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ } .
وَعَبَّرَ بِالِاسْتِحْبَابِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْأَحَادِيثِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَةِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَصَرَّحَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ مِنْ الْكِلَابِ فَإِنْ كَانَ أَسْوَدَ بَهِيمًا ، أَوْ عَقُورًا أُبِيحَ قَتْلُهُ وَإِنْ كَانَا مُعَلَّمَيْنِ قَالَ وَعَلَى قِيَاسِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلُّ مَا أَذَى النَّاسَ وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ

وَأَمْوَالِهِمْ يُبَاحُ قَتْلُهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ فِي الْكَلْبِ سِتُّ خِصَالٍ : ثَمَنُهُ وَسُؤْرُهُ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهَا وَتَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَيُقْتَلُ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ مَاشِيَةٍ فَلَا بَأْسَ بِقَتْلِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ أَوْ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ مُحَرَّمٌ وَذَلِكَ لِلْأَمْرِ بِقَتْلِهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهِ لِلْوُجُوبِ وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ الِاقْتِنَاءِ .
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَحْدَهُ فِيمَا وَجَدْت فِي بَحْثِ الْمَسْأَلَةِ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ إمْسَاكِهِ وَتَعْلِيمِهِ ، وَالِاصْطِيَادِ بِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا إلْحَاقُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَكَّدَ قَتْلَهُ فَأَبَاحَهُ فِي الْحَرَمِ وَعَلَى قِيَاسِ وُجُوبِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ مَا نَصَّ الشَّارِع عَلَى قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ وَكَذَا مَا كَانَ فِيهِ أَذًى وَمَضَرَّةٌ .
قَالَ فِي الْغُنْيَةِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ لِيُدْفَعَ شَرُّهُ عَنْ النَّاسِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ يَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرَ الْكِلَابِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ : ( أَحَدُهَا ) قَطْعُ الصَّلَاةِ بِمُرُورِهِ .
( وَالثَّانِي ) تَحْرِيمُ صَيْدِهِ وَاقْتِنَائِهِ .
( وَالثَّالِثُ ) جَوَازُ قَتْلِهِ .
وَالْبَهِيمُ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ سَوَادَهُ شَيْءٌ مِنْ الْبَيَاضِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَحْكَامُ وَهَذَا قَوْلُ ثَعْلَبٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ بَهِيمٌ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ فَيَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ

صَحِيحٌ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } ، وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقْلِ شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ الْأَبْيَضَيْنِ مِنْهُ بِالْخُوصَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ مِنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَضْعِ فَلَيْسَ بِبَهِيمٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ إذَا أَسْلَمَ وَلَهُ خَمْرٌ ، أَوْ خَنَازِيرُ يُصَبُّ الْخَمْرُ وَتُسَرَّحُ الْخَنَازِيرُ قَدْ حَرُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَهَا فَلَا بَأْسَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَتْلُهَا وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي تَسْرِيحِهِنَّ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ وَجَبَ قَتْلُهَا .

فَصْلٌ ( كَرَاهَةُ اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ لِلَّهْوِ وَإِتْيَانِ أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ ) .
وَيُكْرَهُ اقْتِنَاءُ كَلْبِ صَيْدٍ لَهْوًا وَلَعِبًا ، وَيُبَاحُ لِغَيْرِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ مُبَاحٌ مُسْتَحَبٌّ ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ إبَاحَةَ اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ ، وَالِاصْطِيَادَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ .
وَرَوَى ، التِّرْمِذِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السَّلَاطِينِ اُفْتُتِنَ } وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَأَبُو مُوسَى هُوَ إسْرَائِيلُ بْنُ مُوسَى ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الْبُخَارِيِّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ .
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ أَبِي دَاوُد قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَكَمِ النَّخَعِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ وَقَالَ { : مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ اُفْتُتِنَ وَزَادَ وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إلَّا زَادَ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بُعْدًا } .
وَيُكْرَهُ اقْتِنَاءُ الْقِرْدِ لَهْوًا وَلَعِبًا ، وَفِي إبَاحَتِهِ فِي غَيْرِ لَهْوٍ وَلَعِبٍ لِلْحِفْظِ وَجْهَانِ ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ ، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِرْدِ بِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ يُبَاعُ لِلتَّلَهِّي بِهِ وَهَذِهِ صِفَةٌ مَحْظُورَةٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْخَمْرِ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يُقَالُ لِحَيَّاتِ الْبُيُوتِ قَبْلَ قَتْلِهَا ) .
يُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لِلْحَيَّةِ الَّتِي فِي الْبُيُوتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَفْظُهُ فِي الْفُصُولِ ثَلَاثًا وَلَفْظُهُ فِي الْمُجَرَّدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ اذْهَبْ بِسَلَامٍ لَا تُؤْذُونَا فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا قَتَلَهُ إنْ شَاءَ ، وَإِنْ رَآهُ ذَاهِبًا كُرِهَ قَتْلُهُ وَقِيلَ : لَا يُكْرَهُ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ الْإِيذَانُ فِي حَقِّ غَيْرِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي بِظَهْرِهِ خَطٌّ أَسْوَدُ ، وَالْأَبْتَرُ وَهُوَ الْغَلِيظُ الذَّنَبِ كَأَنَّهُ قَدْ قُطِعَ ذَنَبُهُ فَإِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ مِنْ غَيْر إيذَانٍ .
وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ مِثْلَ هَذَا الدَّقِيقِ الذَّنَبِ فَهُوَ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ يُؤْذِنُهُ ثَلَاثًا يَقُولُ : لَا تُؤْذُونَا اذْهَبْ بِسَلَامٍ .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِي الرِّعَايَةِ .
وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتْلِ دَوَابِّ الْبُيُوتِ قَالَ لَا يُقْتَلُ مِنْهُنَّ إلَّا ذُو الطُّفْيَتَيْنِ ، وَالْأَبْتَرُ وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ خَطَّيْنِ فِي ظَهْرِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي لُبَابَةَ قِيلَ : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَمَا تَقْتُلُ مِنْ الْحَيَّاتِ قَالَ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ دَوَابِّ الْبُيُوتِ إلَّا ذِي الطُّفْيَتَيْنِ ، وَالْأَبْتَرَ فَقُلْنَا لَهُ إنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِي الْبُيُوتِ مِنْهُنَّ شَيْءٌ الْهَائِلُ مِنْهُنَّ غِلَظًا وَطُولًا حَتَّى يُفْزِعْنَ فَقَالَ إذَا كَانَ هَذَا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ فِي قَتْلِهِ أَيُّ حَرَجٍ } قَالَ فَكَانَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِيهِ سُهُولَةٌ إذَا كُنَّ يُخِفْنَ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عَنْ الْحَيَّةِ تَظْهَرُ قَالَ تُؤْذَنُ ثَلَاثَةً قُلْت ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ ثَلَاثَ مِرَارٍ قَالَ ثَلَاثٌ مِرَارًا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذُو الطُّفْيَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا خَطَّانِ ، وَالْأَبْتَرُ هُوَ الَّذِي كَانَ مَقْطُوعَ الذَّنَبِ يُقْتَلُ وَلَا يُؤْذَنُ .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ وَكُنْت أَحْفِرُ بِئْرًا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَجَتْ حَيَّةٌ حَمْرَاءُ

فَقُلْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَقْتُلُهَا ؟ فَنَظَرَ إلَيْهَا فَقَالَ لِي لَا تَعْرِضْ لَهَا دَعْهَا .
وَجَوَابُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالنَّهْيِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عِنْدَهُ الْقَتْلُ قَبْلَ الْإِيذَانِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ النَّهْي عِنْدَهُ ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَيَّاتُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ لِلْأَخْبَارِ وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُ حَيَّاتِ غَيْرِهَا ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْتَلَ الْحَيَّةُ الْبَيْضَاءُ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَانِّ وَقَالَ الطَّحَاوِيَّ لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْكُلِّ ، وَالْأَوْلَى هُوَ الْإِنْذَارُ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَنْهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخْطِفَانِ الْبَصَرَ وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ .
} الطُّفْيَتَانِ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ الْخَطَّانِ الْأَبْيَضَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ ، وَأَصْلُ الطُّفْيَةِ خُوصَةُ الْمُقْلِ وَجَمْعُهَا طُفًى .
شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ عَلَى ظَهْرِهَا بِخُوصَتَيْ الْمُقْلِ ، وَالْمَعْنَى يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْمِسَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إلَيْهِ لِخَاصَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي بَصَرِهِمَا إذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الْإِنْسَانِ .
وَقِيلَ : يَقْصِدَانِ الْبَصَرَ بِاللَّسْعِ ، وَالنَّهْشِ ، وَفِي الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظِرَ إذَا وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى عَيْنِ إنْسَانٍ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { إنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَفِي لَفْظٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ " فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ " فِي لَفْظٍ لَهُ " فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ " وَلِأَبِي دَاوُد " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَيْضًا " وَرَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ .

وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ إذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ ، أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَلَّا تُؤْذُونَنَا ، فَإِنْ عُدْنَ فَاقْتُلُوهُنَّ } .
ابْنُ أَبِي لَيْلَى مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .
وَالْعُمَّارُ الْحَيَّاتُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ وَكَذَا الْعَوَامِرُ جَمْعُ عَامِرٍ وَعَامِرَةٍ قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِطُولِ أَعْمَارِهَا وَاَلَّتِي فِي الصَّحْرَاءِ يَجُوزُ قَتْلُهَا بِدُونِ إنْذَارِهَا .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَتَلَ حَيَّةً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ رَجُلًا مُشْرِكًا وَمَنْ تَرَكَ حَيَّةً مَخَافَةَ عَاقِبَتِهَا فَلَيْسَ مِنَّا } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ الْمَعْنَى الْآخَرُ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ فِيمَا أَرَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ ، كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ قَالَ { كَانَ يَأْمُرُنَا بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَيَقُولُ : مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ، أَوْ مَخَافَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا } .
قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ الْحَيَّاتِ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ

وَفِي رِوَايَةٍ رَفَعَ الْحَدِيثَ { أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَقَالَ مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ، أَوْ مَخَافَةَ ثَائِرٍ } " وَبَاقِيهِ مِثْلُهُ " .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الشَّامِيُّ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْحَيَّاتُ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ الْقِرَدَةُ ، وَالْخَنَازِيرُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ } وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ وَرَوَاهُ فِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ .

فَصْلٌ ( أَحْكَامُ قَتْلِ الْحَشَرَاتِ وَإِحْرَاقِهَا وَتَعْذِيبِهَا ) .
وَيُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ وَقَتْلُ الْقُمَّلِ بِغَيْرِ النَّارِ وَيُكْرَهُ قَتْلُهُمَا بِالنَّارِ وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ .
وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَقْيُ حَيَوَانٍ مُؤْذٍ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ يُكْرَهُ قَتْلُ مَا لَا يَضُرُّ مِنْ نَمْلٍ وَنَحْلٍ وَهُدْهُدٍ وَصُرَدٍ وَيَجُوزُ تَدْخِينُ الزَّنَابِيرِ وَتَشْمِيسُ الْقَزِّ ، وَلَا يُقْتَلُ بِنَارٍ نَمْلٌ وَلَا قُمَّلٌ وَلَا بُرْغُوثٌ وَلَا غَيْرُهَا وَلَا يُقْتَلُ ضُفْدَعٌ بِحَالٍ وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَمَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ إحْرَاقُ كُلِّ ذِي رُوحٍ بِالنَّارِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إحْرَاقُ مَا يُؤْذِي بِلَا كَرَاهَةٍ إذَا لَمْ يَزُلْ ضَرَرُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ غَالِبَةٍ إلَّا بِالنَّارِ وَقَالَ إنَّهُ سُئِلَ عَمَّا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ صَاحِبُ الشَّرْحِ فَقَالَ مَا هُوَ بَعِيدٌ .
وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الشَّرْحِ بِالْخَبَرِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ ، أَوْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَزَلَ عَلَى قَرْيَةِ نَمْلٍ فَآذَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَحْرَقَ الْقَرْيَةَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً } وَيُجَابُ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَا لِلْإِبَاحَةِ بِدَلِيلِ إبْهَامِ النَّمْلَةِ الْمُؤْذِيَةِ وَهُوَ مَانِعٌ بِدَلِيلِ إبْهَامِ حَرْبِيٍّ مُسْتَأْمَنٍ فِي جَمَاعَةٍ يَحْرُمُ قَتْلُ الْكُلِّ .
( الثَّانِي ) : أَنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَقَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ .
( الثَّالِثُ ) : أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ .
( الرَّابِعُ ) : أَنَّهُ إنْ جُعِلَ دَلِيلًا لِلْجَوَازِ دَلَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مَشَقَّةٌ غَالِبَةٌ فَاعْتِبَارُهَا يُخَالِفُ الْخَبَرَ .
وَاحْتَجَّ صَاحِبُ النَّظْمِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ شَيِّ الْجَرَادِ ، وَالسَّمَكِ كَذَا قَالَ ، وَالْخِلَافُ عِنْدَنَا مَعَ

التَّفْرِيقِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِي السَّمَكِ ، وَالْجَرَادِ قَالَ وَقَدْ جَوَّزَ الْأَصْحَابُ إحْرَاقَ نَخْلِ الْكُفَّارِ إذَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ذَلِكَ فِي بِلَادِنَا لِيَنْتَهُوا فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ دَفْعًا لِضَرَرِ غَيْرِهِ الْمُتَوَقَّعِ فَجَوَازُهُ دَفْعًا لِضَرَرِهِ الْوَاقِعِ أَوْلَى كَذَا قَالَ فَانْتَقَلَ مِنْ نَخْلِ الْكُفَّارِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ إلَى الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ قَالَ وَأَجَازُوا أَيْضًا تَدْخِينَ الزَّنَابِيرِ وَتَشْمِيسَ الْقَزِّ وَيُجَاب بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ تَحْرِيقًا بِالنَّارِ إنَّمَا هُوَ تَعْذِيبٌ بِغَيْرِهَا وَلِهَذَا فَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ التَّدْخِينِ ، وَالتَّحْرِيقِ عَلَى مَا يَأْتِي وَفِي تَرْكِ التَّشْمِيسِ إفْسَادٌ لِلْمَالِ فَاحْتُمِلَ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .
وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَنَّ قَتْلَ النَّمْلِ ، وَالنَّحْلِ ، وَالضُّفْدَعِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهَا وَأَكْلِ الْهُدْهُدِ ، وَالصُّرَدِ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا النَّمْلُ وَكُلُّ مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ كَالْخَنَافِسِ ، وَالْجُعْلَانِ ، وَالدِّيدَانِ ، وَالذُّبَابِ ، وَالنَّمْلِ غَيْرِ الَّتِي تَلْسَعُ فَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا آذَتْهُ يَعْنِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قَتَلَهَا وَيُكْرَهُ قَتْلُهَا مِنْ غَيْرِ أَذِيَّةٍ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْفُصُولِ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلِ وَلَا تَخْرِيبُ أَجْحُرِهِنَّ وَلَا قَصْدُهُنَّ بِمَا يَضُرُّهُنَّ وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الضُّفْدَعِ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ إذَا آذَاكَ النَّمْلُ فَاقْتُلْهُ وَرَأَى أَبُو الْعَتَاهِيَةِ نَمْلًا عَلَى بِسَاطٍ فَقَتَلَهُنَّ .
وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ إنَّا لَنُغْرِقُ النَّمْلَ بِالْمَاءِ يَعْنِي إذَا آذَتْنَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هَلْ يَجُوزُ إحْرَاقُ بُيُوتِ النَّمْلِ بِالنَّارِ ؟ فَقَالَ يُدْفَعُ ضَرَرُهُ

بِغَيْرِ التَّحْرِيقِ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْكَلْبِ أَنَّ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ وَاسْتَدَلَّ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ فَدَلَّ كَلَامُهُ هَذَا عَلَى التَّسْوِيَةِ ، وَأَنَّهُ إنْ أُبِيحَ قَتْلُ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْكِلَابِ أُبِيحَ قَتْلُ الْكِلَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ تَخْصِيصُ جَوَازِ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَحْ قَتْلُ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ خَصَّهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَإِلَّا فَلَا يُتَّجَهُ جَوَازُ قَتْلِ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ غَيْرُ الْكِلَابِ وَمُنِعَ قَتْلُ الْكِلَابِ وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْكِلَابِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اقْتِنَائِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَيُحْمَلُ نَهْيُ الشَّارِعِ عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ عَلَى الْكَرَاهَةِ تَخْصِيصًا لَهُ بِرَأْيِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ رَأَى قَتْلَهُنَّ وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا ، وَالْكَلَامُ فِي هَذَا النَّهْيِ أَخَصُّ فَإِنَّهُ نَهْيٌ بَعْدَ وُجُوبٍ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ ، أَوْ لِلْكَرَاهَةِ أَوْ لِإِبَاحَةِ التَّرْكِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَعَلَى قَوْلِنَا يُمْنَعُ قَتْلُهَا أَنَّهَا إذَا آذَتْ بِكَثْرَةِ نَجَاسَتِهَا وَأَكْلِهَا مَا غَفَلَ عَنْهُ النَّاسُ جَازَ قَتْلُهَا عَلَى مَا يَأْتِي نَصَّ أَحْمَدُ فِي النَّمْلِ يَقْتُلهُ إذَا آذَاهُ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا فَمَا جَازَ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ فِي الْآخَرِ بَلْ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النَّمْلِ وَنَحْوِهِ آكَدُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أَمْرٌ بِقَتْلِهِ وَلَمْ يُرَ صَحَابِيٌّ قَتَلَهُ كَمَا فِي الْكِلَابِ وَهَذَا أَيْضًا دَالٌّ وَلَا بُدَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْرُمْ قَتْلُ النَّمْلِ وَنَحْوِهِ بَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْكِلَابِ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى فَقَدْ ظَهَرَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبًا وَدَلِيلًا ، وَاَللَّهُ

أَعْلَمُ .
وَسَيَأْتِي كَلَامُ صَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ ، وَالْمُغْنِي ، وَالْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْهِرِّ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْإِبَاحَةَ فَصَارَتْ الْأَقْوَالُ فِي قَتْلِ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ثَلَاثَةً : الْإِبَاحَةُ ، وَالْكَرَاهَةُ ، وَالتَّحْرِيمُ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ تَشْمِيسِ الْقَزِّ يَمُوتُ الدُّودُ فِيهِ قَالَ وَلِمَ يُفْعَلُ ذَلِكَ قُلْتُ يَجِفُّ الْقَزَّ وَإِنْ تَرَكَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ كَثِيرٌ قَالَ إذَا لَمْ يَجِدُوا مِنْهُ بُدًّا وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنْ يُعَذِّبُوا بِالشَّمْسِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ فِيمَا نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ يُدَخِّنُ الزَّنَابِيرَ ؟ قَالَ إذَا خَشِيَ أَذَاهُمْ فَلَا بَأْسَ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَحْرِيقِهِ ، وَالنَّمْلُ إذَا آذَاهُ يَقْتُلُهُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنِي أَبِي ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكَوَّازُ حَدَّثَتْنِي حَبِيبَةُ مَوْلَاةُ الْأَحْنَفِ أَنَّهَا رَأَتْ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَآهَا تَقْتُلُ قَمْلَةً فَقَالَ لَا تَقْتُلِيهَا ، ثُمَّ دَعَا بِكُرْسِيٍّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ إنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْكُنَّ إلَّا خَرَجْتُنَّ مِنْ دَارِي فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلْنَ فِي دَارِي قَالَ فَخَرَجْنَ فَمَا رُئِيَ مِنْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَاحِدَةٌ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ رَأَيْت أَبِي فَعَلَ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَى النَّمْلِ ، وَأَكْبَرُ عِلْمِي أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيٍّ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ رَأَيْت النَّمْلَ قَدْ خَرَجْنَ بَعْد ذَلِكَ نَمْلٌ كِبَارٌ سُودٌ فَلَمْ أَرَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةِ ، وَالنَّحْلَةِ ، وَالْهُدْهُدِ ، وَالصُّرَدِ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ لَهُ غَيْرَ طَرِيقٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد

وَابْنُ مَاجَهْ { وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ } إسْنَادُهُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَطَعَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ بِتَحْرِيمِ تَعْذِيبِ كُلِّ حَيَوَانٍ بِالنَّارِ حَتَّى الْقَمْلَةِ وَنَحْوِهَا .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { إنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا أَبُو صَالِحٍ مَحْبُوبُ بْنُ مُوسَى ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ سَعْدٍ وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إلَيْهَا وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ مَنْ حَرَقَ هَذِهِ ؟ قُلْنَا نَحْنُ فَقَالَ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ عَنْ الْأَكْثَرِ .
فَأَمَّا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَضَرَّةٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْبَازِي ، وَالصَّقْرِ ، وَالشَّاهِينِ ، وَالْبَاشِقِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي قَتْلِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَكَذَا فِي الْفُصُولِ لَمَّا اسْتَوَتْ حَالَتَاهُ اسْتَوَى الْحَالُ فِي قَتْلِهِ وَتَرْكِهِ فَمَضَرَّتُهُ فِي اصْطِيَادِهِ لِطُيُورِ النَّاسِ ، وَمَنْفَعَتُهُ كَوْنُهُ يَصْطَادُ لِلنَّاسِ قَالَ وَكَذَا الْفَهْدُ وَكُلُّ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ لِلصَّيْدِ .
وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي أَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ فَحَرُمَ إتْلَافُهُ كَالشَّاةِ قَالَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .
وَقَالَ أَيْضًا إنَّمَا حَرُمَ إتْلَافُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ

الْإِضْرَارِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْبَازِي وَنَحْوِهِ كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَأَوْلَى وَقَدْ يُقَالُ : بِكَرَاهَةِ الْقَتْلِ فَتَصِيرُ الْأَقْوَالُ ثَلَاثَةً وَجَزَمَ صَاحِبُ النَّظْمِ بِخَبَرِ إلَّا إذَا مُلِكَتْ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إلَّا إذَا عَدَتْ عَلَى مَعْصُومِ آدَمِيٍّ أَوْ مَالٍ .
وَيَحْرُمُ قَتْلُ الْهِرِّ وَجَزَمَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ ، وَإِنْ مُلِكَتْ حَرُمَ وَكَذَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ ، وَإِنْ كُرِهَ فَقَطْ فَقَتْلُ الْكَلْبِ أَوْلَى .
وَيَجُوزُ قَتْلُهَا بِأَكْلِهَا لَحْمًا ، أَوْ غَيْرَهُ نَحْوَهُ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَفِي الْفُصُولِ حِينَ أَكْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَرْدَعُهُ إلَّا الدَّفْعُ فِي حَالِ صِيَالِهِ ، وَالْقَتْلُ شُرِعَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَإِنْ فَارَقَ الْفِعْلَ لِيَرْتَدِعَ الْجِنْسُ .
وَفِي التَّرْغِيبِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ كَصَائِلٍ .
وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ وَكَذَا لَوْ كَانَ يَبُولُ عَلَى الْأَمْتِعَةِ أَوْ يَكْسِرُ الْآنِيَةَ وَيَخْطَفُ الْأَشْيَاءَ غَالِبًا إلَّا قَلِيلًا لِمَضَرَّتِهِ ، وَمَنْ تَعَدَّى بِقَتْلِهَا فَضَمَانُهَا يُخَرَّجُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ وَيَضْمَنُ صَاحِبُهَا مَا أَتْلَفَهُ إنْ لَمْ يَحْفَظْهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الْأَقْيَسِ قَالَ جَمَاعَةٌ بِأَكْلِهَا فِرَاخًا عَادَةً قَالَ جَمَاعَةٌ مَعَ عِلْمِهِ .

فَصْلٌ ( كَرَاهَةُ إطَالَةِ وُقُوفِ الْبَهَائِمِ الْمَرْكُوبَةِ وَالْمُحَمَّلَةِ فَوْقَ الْحَاجَةِ وَآدَابٌ أُخْرَى ) .
يُكْرَهُ أَنْ يُطَالَ وُقُوفُ الْبَهِيمَةِ الْمَرْكُوبَةِ ، وَالْمُحَمَّلَةِ ، وَالْحَدِيثُ عَلَيْهَا قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ : وَالْخَطَابَةُ ، وَالْوَعْظُ كَذَا قَالَ وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّلِ ، وَالْمُرَاد إذَا طَالَ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فَلَا يَرِدُ كَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لَا تَحْصُلُ مَعَ النُّزُولِ بِفَوْتِ وَقْتِهَا فَيَجُوزُ مِثْلُ هَذَا وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ وُقُوفٌ عَلَى دَوَابَّ لَهُمْ وَرَوَاحِلَ فَقَالَ لَهُمْ ارْكَبُوهَا سَالِمَةً وَدَعُوهَا سَالِمَةً وَلَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ لَأَحَادِيثِكُمْ فِي الطُّرُقِ ، ، وَالْأَسْوَاقِ فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِنْ رَاكِبِهَا وَأَكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { إيَّاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ، وَجَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَوَائِجَكُمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ كُنَّا إذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نَحُطَّ الرِّحَالَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ لَا نُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَالَ وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَطْعَمَ الرَّاكِبُ إذَا نَزَلَ الْمَنْزِلَ حَتَّى يَعْلِفَ الدَّابَّةَ .
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى حَقُّ الْمَطِيَّةِ أَنْ تَبْدَا بِحَاجَتِهَا لَا أُطْعِمُ الضَّيْفَ حَتَّى أَعْلِفَ الْفَرَسَا .

وَيُكْرَهُ النَّوْمُ بَيْنَ الْمُسْتَيْقِظِينَ وَجُلُوسُ الْيَقِظَانِ بَيْنَ النِّيَامِ وَمَدُّ الرِّجْلِ وَالتَّمَطِّي وَإِظْهَارُ التَّثَاؤُبِ بَيْنَ النَّاسِ بِلَا حَاجَةٍ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرْعَةَ قَالَ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفُسِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا شَبَّهَ خُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ الدُّبُرِ بِخُرُوجِ النَّفَسِ مِنْ الْفَمِ ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : " دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَتْ : مَا يُضْحِكُكُمْ ؟ قَالُوا : فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ فَكَادَتْ عُنُقَهُ ، أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ فَقَالَتْ : لَا تَضْحَكُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ بِشَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ " .
وَالضَّحِكُ مِنْ مِثْلِ هَذَا كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إنْ أَمْكَنَ تَرْكُهُ ، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَهَذَا الْخَبَرُ صَرِيحٌ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ بِالْمَصَائِبِ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطَايَا فَقَطْ .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : الْوَجَعُ لَا يُكْتَبُ بِهِ أَجْرٌ لَكِنْ تُكَفَّرُ بِهِ الْخَطَايَا لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تُكَفِّرُ الْخَطَايَا فَقَطْ .

فَصْلٌ ( فِي الطِّيَرَةِ وَالشُّؤْمِ وَالتَّطَيُّرِ وَالتَّشَاؤُمِ وَالتَّفَاؤُلِ ) .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَتُكْرَهُ الطِّيَرَةُ وَهُوَ التَّشَاؤُمُ دُونَ التَّفَاؤُلِ وَهُوَ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ لِحَدِيثِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهِ وَصَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الطَّيِّبَةُ } وَصَحَّ عَنْهُ أَيْضًا { لَا طِيَرَةَ وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ } رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ ، وَفِي الطِّيَرَةِ تَوَقُّعُ الْبَلَاءِ وَسُوءُ الظَّنِّ ، وَالْفَأْلُ رَجَاءُ خَيْرٍ .
وَعَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَعِنْدَهُمْ " وَمَا مِنَّا إلَّا " وَجَعَلَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ قَالُوا : وَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك وَلَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُك ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ } وَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَبَرِحَ بِي ظَبْيٌ فَمَالَ فِي شِقِّهِ فَاحْتَضَنْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَطَيَّرْت قَالَ إنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاك أَوْ رَدَّك } رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ .
قَوْلُهُ { بَرِحَ بِي أَيْ : طَارَ عَنْ الْيَسَارِ ، وَالْبَارِحُ مَا جَرَى مِنْ الْيَسَارِ ، وَالسَّانِحُ مَا جَرَى مِنْ الْيَمِينِ } .
{ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ قَالَ ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا

يَصُدُّهُمْ } وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا يَصُدُّكُمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الطِّيَرَةَ شَيْءٌ تَجِدُونَهُ فِي نُفُوسِكُمْ ضَرُورَةً وَلَا تَكْلِيفَ بِهِ لَكِنْ لَا تُمْنَعُوا بِسَبَبِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ لِأَنَّهُ مُكْتَسَبٌ فَيَقَعُ بِهِ التَّكْلِيفُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الطِّيَرَةُ هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ يُقَالُ تَطَيَّرَ طِيَرَةً وَتَخَيَّرَ خِيرَةً وَلَمْ يَجِئْ مِنْ الْمَصَادِرِ هَكَذَا غَيْرُهُمَا وَأَصْلُهُ فِيمَا يُقَالُ : التَّطَيُّرُ بِالسَّوَانِحِ وَالْبَوَارِحِ وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ فَنَفَاهُ الشَّرْعُ وَأَبْطَلَهُ وَنَهَى عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي جَلْبِ نَفْعٍ وَلَا دَفْعِ ضَرَرٍ .
وَفِي الْمُسْنَدِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ ، وَالدَّارِ ، وَالدَّابَّةِ } زَادَ مُسْلِمٌ { ، وَالْخَادِمِ } وَرَوَوْا أَيْضًا { إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ } فَيَكُونُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْ النَّهْي عَنْ الطِّيَرَةِ وَرَوَوْا أَيْضًا { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ } .
وَذَكَرُوهُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا { لَا شُؤْمَ وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الدَّارِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَفِيهِمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ تَفَرَّدَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، وَإِنْ يَكُ فَفِي الْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ ، وَالدَّارِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ { إنْ تَكُنْ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ } فَذَكَرَهُ وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ثَلَاثَةٌ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ } .
وَرَوَى أَحْمَدُ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ

بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَرْضًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا فَإِنْ كَانَ حَسَنًا رُئِيَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَكَانَ إذَا بَعَثَ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ فَإِنْ كَانَ حَسَنَ الِاسْمِ رُئِيَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ } وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ وَفِيهِ فَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً وَذَكَرَ مَعْنَاهُ .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ مُثَنَّى عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { لَا تُدِيمُوا إلَى الْمَجْذُومِينَ النَّظَرَ } زَادَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { وَإِذَا كَلَّمْتُمُوهُمْ فَلْيَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ قَدْرُ رُمْحٍ } .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الطِّيَرَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ ، وَالْأَوْلَى الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهَا ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَدِيثَ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ } فَيُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ { لَا يُورِدْ بِكَسْرِ الرَّاءِ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ } وَهُوَ فِي الْمُسْنَدِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ لِلْعَدْوَى بَلْ لِلتَّأَذِّي بِقُبْحِ صُورَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ .
وَالْأَوْلَى أَنَّ حَدِيثَ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ } نَفْيٌ لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ يُعْدِي بِطَبْعِهِ وَلَمْ يَنْفِ حُصُولَ الضَّرَرِ عِنْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ ، فَيَكُون قَوْلُهُ { لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ } إرْشَادًا مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى الِاحْتِرَازِ ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْخَبَرَ الثَّانِيَ مَنْسُوخٌ بِخَبَرِ " لَا عَدْوَى " وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ وَذَكَرْت

لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْنِي حَدِيثَ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَ يَدَهُ مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ فَقَالَ بِاسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاَللَّهِ } فَقَالَ أَذْهَبُ إلَيْهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إلَى الْأَكْلِ مَعَهُ .
وَخَبَرُ جَابِرٍ هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مُفَضَّلٌ هُوَ الْبَصْرِيُّ لَا الْمِصْرِيُّ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِذَاكَ .
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ لَمْ أَرَ لَهُ أَنْكَرَ مِنْ هَذَا .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ .
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ بُرَيْدَةَ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ وَقَالَ وَحَدِيثُ شُعْبَةَ عِنْدِي أَشْهَرُ وَأَصَحُّ .
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ } وَلِأَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ عَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ { : كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ } وَعِنْد هَؤُلَاءِ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ .
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَإِنْ اُسْتُحِبَّ احْتِيَاطًا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَهُوَ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَلِهَذَا يَقُولُ : الْأَطِبَّاءُ : إنَّ الْجُذَامَ وَالسُّلَّ مِنْ الْأَمْرَاض الْمُعْدِيَةِ الْمُتَوَارَثَةِ وَإِنَّ كُلَّ مَرَضٍ لَهُ نَتْنٌ وَرِيحٌ يُعْدِي كَالْجُذَامِ ، وَالسُّلِّ ، وَالْجَرَبِ ، وَالْحُمَّى الْوَبَائِيَّةِ وَالرَّمَدِ وَإِنَّهُ أَعْدَى بِالنَّظَرِ إلَيْهِ ، وَالْقُرُوحِ الرَّدِيئَةِ ، وَالْوَبَاءِ وَهُوَ يَحْدُثُ فِي آخِرِ الصَّيْفِ وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى بَلْ لِأَجْلِ الرَّائِحَةِ وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ بِيُمْنٍ وَشُؤْمٍ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ يَكُونُ فِي بَدَنِ الصَّحِيحِ قَبُولٌ وَاسْتِعْدَادٌ لِذَلِكَ الدَّاءِ ، وَالطَّبِيعَةُ سَرِيعَةُ الِانْفِعَالِ نَقَّالَةٌ لَا سِيَّمَا مَعَ الْخَوْفِ ، وَالْوَهْمِ فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَلَى الْقُوَى ، وَالطَّبَائِعِ ، وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَجِبُ ذَلِكَ هُنَا .
وَفِي قَوْلِهِ { لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ } عَمَلًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالنَّهْيِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَأَظُنُّهُ قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ .
وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّهْيَ ، وَالْأَمْرَ احْتِيَاطًا لِلْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ضَعِيفِ الْإِيمَانِ ، وَالتَّوَكُّلِ وَيُحْمَلُ مَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ ، قَوِيِّ الْإِيمَانِ ، وَالتَّوَكُّلِ فَيَدْفَعُ قُوَّةُ ذَلِكَ قُوَّةَ الْعَدْوَى كَمَا تَدْفَعُ قُوَّةُ الطَّبِيعَةِ قُوَّةَ الْعِلَّةِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ قُوَى النَّاسِ وَطِبَاعِهِمْ وَحَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَكْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْمَجْذُومِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجُذَامَ كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْدِي مِثْلُهُ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ حَدِيثُ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ } رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ التَّحَدُّثِ بِهِ وَتَرَكَهُ وَقَالَ الرَّاوِي فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمْ نَسَخَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مَعَ مَجْذُومٍ } لَا يَصِحُّ ، وَقَدْ قَالَ شُعْبَةُ غَيْرَهُ اتَّقُوا هَذِهِ الْغَرَائِبَ ، وَاَللَّهُ

أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ " إنَّا قَدْ بَايَعْنَاك فَارْجِعْ " قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ " إنَّا قَدْ بَايَعْنَاك فَارْجِعْ " إلَّا وَبَايَعَهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى قَدْ حَصَلَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ فَلَا يَقْدَمُ مَعَ الْوَفْدِ خَوْفًا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَظُنُّوا إنْ أَصَابَهُمْ أَمْرٌ أَنَّهُ تَعَدَّى مِنْهُ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ التَّنَحِّي وَتَوَجَّهَ أَنَّهُمْ إذَا كَثُرُوا لَزِمَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَقَدْ سَبَقَ فِي التَّدَاوِي فِي الْعَائِنِ .

وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ فِي إبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةِ فِي الْأَمْرَاضِ وَأَصْحَابِ الْعَاهَاتِ رِوَايَتَيْنِ ذَكَرَ رِوَايَةَ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ الْمَذْكُورَةَ وَقَالَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْعَدْوَى وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الطِّيَرَةُ كَذَلِكَ ؛ إذْ لَا فَرْقَ اخْتَارَهَا الْقَاضِي ، وَالثَّانِيَةُ إثْبَاتُ الطِّيَرَةِ .
قَالَ أَبُو النَّضْرِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مَيْمُونٍ الْعَسْكَرِيُّ كَتَبْت إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ دَارٍ أَرَدْت شِرَاءَهَا فَقَالَ النَّاسُ إنَّهَا مَشْئُومَةٌ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْ قَوْلِهِمْ فَكَتَبَ إلَيَّ : اعْلَمْ أَنِّي نَظَرْتُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ الْفَرَسِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالدَّارِ } هَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فِي الطِّيَرَةِ وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْعَدْوَى كَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَبْلَغُ مِنْ الطِّيَرَةِ ، ثُمَّ احْتَجَّ لِلْأَوَّلِ بِحَدِيثِ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ } وَهُوَ فِي الْمَسْنَدِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَمَنْ أَرْجَعَتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ } وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا فِعْلٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ إنْ شَاءَ فَعَلَهُ مَعَ مُلَابَسَةِ ذِي الدَّاءِ ، وَالْعَاهَةِ وَإِنْ شَاءَ فَعَلَهُ مُنْفَرِدًا عَنْهُ وَاحْتُجَّ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ { فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ } وَحَدِيثِ الطَّاعُونِ وَبِقَوْلِهِ { الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ } .
وَبِمَا رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَزَلْنَا دَارًا كَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إلَى أُخْرَى فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَرُوهَا ذَمِيمَةً } انْتَهَى كَلَامُهُ وَالْخَبَرُ الْأَخِيرُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي بَاب الطِّيَرَةِ ثَنَا الْحَسَنُ

بْنُ يَحْيَى ثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَادٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مُرْسَلًا مَعْنَاهُ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ : اُتْرُكُوهَا مَذْمُومَةً فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إبْطَالًا لِمَا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ سُكْنَى الدَّارِ فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَزَالَ مَا خَامَرَهُمْ مِنْ الشُّبْهَةِ .
وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ مَا قَالَ أَحْمَدُ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأْنَا مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْرٍ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيَّ قَالَ { قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عِنْدَنَا أَرْضًا يُقَال لَهَا أَرْضُ أَبَيْنَ هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا وَإِنَّهَا وَبِيئَةٌ ، أَوْ قَالَ إنَّ بِهَا لَوَبَاءً شَدِيدًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهَا عَنْك فَإِنَّ مِنْ الْقَرَفِ التَّلَفَ } يَحْيَى تَفَرَّدَ عَنْهُ مَعْمَرٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى عَنْ فَرْوَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ وَكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يُكَذِّبُهُ .
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ هُوَ أَوْثَقُ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الطِّبِّ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمُرَادُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّبِّ فَلَا مُعَارَضَةَ لَكِنَّهُ جَعَلَ بَابَ الطِّيَرَةِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْقَرَفُ مُدَانَاةُ الْمَرَضِ وَكُلُّ شَيْءٍ قَارَبْتَهُ فَقَدْ قَارَفْته وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ : الْقَرَفُ مُلَابَسَةُ الدَّاءِ وَمُدَانَاةُ الْمَرَضِ ، وَالتَّلَفُ الْهَلَاكُ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْوَى وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الطِّبِّ فَإِنَّ اسْتِصْلَاحَ الْهَوَاءِ مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْأَبَدَانِ ، وَفَسَادُ الْهَوَاءِ مِنْ أَسْرَعِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْأَسْقَامِ .
وَعَنْ

أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا قَطُّ وَبِقَوْمٍ عَاهَةٌ إلَّا رُفِعَتْ عَنْهُمْ أَوْ خَفَّتْ } رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالُوا : الْمُرَادُ بِالنَّجْمِ الثُّرَيَّا وَرَوَى أَحْمَدُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا عَوْفٌ عَنْ حِبَّانَ أَبِي الْعَلَاءِ ثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ .
أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ الْعِيَافَةَ ، وَالطَّرْقَ ، وَالطِّيَرَةَ مِنْ الْجِبْتِ } قَالَ عَوْفٌ الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ ، وَالطَّرْقُ الْخَطُّ يُخَطُّ فِي الْأَرْضِ ، وَالْجِبْتُ قَالَ الْحَسَنُ رَنَّةُ الشَّيْطَانِ إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَلِأَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيِّ فِي الْمُسْنَدِ مِنْهُ وَقِيلَ : الْجِبْتُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقِيلَ : السِّحْرُ وَقِيلَ : الْكَاهِنُ .

فَصْلٌ فِي الْمُسْنَدِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : { لَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ } زَادَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ { وَلَا نَوْءَ وَلَا غُولَ } فَالْهَامَةُ مُفْرَدُ الْهَامِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ إلَّا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ هَامَةٌ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَكَانُوا يَقُولُونَ إنَّ الْقَتِيلَ يَخْرُجُ مِنْ هَامَتِهِ أَيْ مِنْ رَأْسِهِ هَامَةٌ فَلَا تَزَالُ تَقُولُ اسْقُونِي اسْقُونِي حَتَّى يُؤْخَذَ بِثَأْرِهِ وَيُقْتَلَ قَاتِلُهُ .
وَقَوْلُهُ " لَا صَفَرَ " قِيلَ : كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِ صَفَرَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا صَفَرَ } وَقِيلَ : كَانَتْ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ فِي الْبَطْنِ حَيَّةً تُصِيبُ الْإِنْسَانَ إذَا جَامَعَ وَتُؤْذِيهِ وَإِنَّمَا تُعْدِي فَأَبْطَلَهُ الشَّارِعُ .
وَقَالَ مَالِكٌ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحِلُّونَ صَفَرَ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا .
وَالنَّوْءُ وَاحِدُ الْأَنْوَاءِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً وَهِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } .
وَيَسْقُطُ فِي الْغَرْبِ كُلَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَنْزِلَةً مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَيَطْلُعُ أُخْرَى مُقَابِلَهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي الشَّرْقِ فَتَنْقَضِي جَمِيعُهَا مَعَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ مَعَ سُقُوطِ الْمَنْزِلَةِ وَطُلُوعِ نَظِيرِهَا يَكُونُ مَطَرٌ فَيَنْسُبُونَهُ إلَيْهَا فَيَقُولُونَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَوْءًا لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ السَّاقِطُ مِنْهَا بِالْغَرْبِ نَاءَ الطَّالِعُ بِالشَّرْقِ يَنُوءُ نَوْءًا أَيْ : نَهَضَ وَطَلَعَ وَقِيلَ : أَرَادَ بِالنَّوْءِ الْغُرُوبَ وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ .
فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْمَطَرَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا أَيْ : فِي نَوْءِ كَذَا أَيْ : إنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَادَةَ بِالْمَطَرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَلَنَا خِلَافٌ فِي تَحْرِيمِهِ وَكَرَاهَتِهِ .
وَالْغُولُ أَحَدُ الْغِيلَانِ وَهِيَ جِنْسٌ مِنْ

الْجِنِّ ، وَالشَّيَاطِينِ .
كَانَتْ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّ الْغُولَ فِي الْفَلَاةِ يَتَرَاءَى لِلنَّاسِ فَيَتَغَوَّلُ تَغَوُّلًا أَيْ : يَتَلَوَّنُ تَلَوُّنًا فِي صُوَرٍ شَتَّى وَيَغُولُهُمْ أَيْ : يُضِلُّهُمْ عَنْ الطَّرِيقِ وَيُهْلِكُهُمْ ، فَنَفَاهُ الشَّارِعُ وَأَبْطَلَهُ قِيلَ هَذَا وَقِيلَ لَيْسَ نَفْيًا لِعَيْنِ الْغُولِ وَوُجُودِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ إبْطَالُ زَعْمِ الْعَرَبِ وَتَلَوُّنِهِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاغْتِيَالِهِ فَيَكُونُ مَعْنَى " لَا غُولَ " لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُضِلَّ أَحَدًا وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ { لَا غُولَ وَلَكِنْ السَّعَالِي } .
وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَالسَّعَالِي سَحَرَةُ الْجِنِّ لَكِنْ فِي الْجِنِّ سَحَرَةٌ لَهُمْ تَلْبِيسٌ وَتَخْيِيلٌ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ { إذَا تَغَوَّلَتْ الْغِيلَانُ فَبَادِرُوا بِالْأَذَانِ } أَيْ : ادْفَعُوا شَرَّهَا بِذِكْرِ اللَّهِ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَجَاءَتْ الْغُولُ فَكَانَتْ تَأْخُذُ التَّمْرَ وَهُوَ مَشْهُورٌ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ رَجُلًا صَحِبَهُ فَصَاحَ غُرَابٌ فَقَالَ خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ لَهُ طَاوُسٌ وَأَيُّ خَيْرٍ عِنْدَ هَذَا وَأَيُّ شَرٍّ ؟ لَا تَصْحَبُنِي .

فَصْلٌ ( فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ فِي الطَّاعُونِ ) .
وَإِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ وَلَسْت فِيهِ فَلَا تُقْدِمْ عَلَيْهِ وَإِنْ كُنْت فِيهِ فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، وَمُرَادُهُمْ فِي دُخُولِهِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ بَلْ فِرَارًا وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ ، وَجَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقُدُومَ عَلَيْهِ ، وَالْخُرُوجَ مِنْهُ فِرَارًا ، وَقَالُوا : لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ غَيْرُ الْمُقَدَّرِ لَكِنْ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَى النَّاسِ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ هَلَاكَ الْقَادِمِ بِقُدُومِهِ وَسَلَامَةُ الْفَارِّ بِفِرَارِهِ وَأَنَّ هَذَا مِنْ نَحْوِ النَّهْي عَنْ الطِّيَرَةِ ، وَالْقُرْبِ مِنْ الْمَجْذُومِ .
وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا وَلِهَذَا رَوَى أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ } وَرَوَوْهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ وَفِي أَوَّلِهِ فَقَالَ { رِجْسٌ أَوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ يَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى } .
وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { إنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ } وَلِأَحْمَدَ { لَا تَفْنَى أُمَّتِي إلَّا بِالطَّعْنِ ، وَالطَّاعُونِ قُلْنَا : فَمَا الطَّاعُونُ قَالَ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ ، وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى { قِيلَ : فَمَا الطَّاعُونُ قَالَ : وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ } .
الْوَخْزُ طَعْنٌ لَيْسَ بِنَافِذٍ .
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { الْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي

الزَّحْفِ } وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ } .
وَلَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِّ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إنَّهُ رِجْزٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ رِجْسٌ فَفِرُّوا مِنْهُ فِي الشِّعَابِ ، وَالْأَوْدِيَةِ ، فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ وَلَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَوَفَاةُ الصَّالِحِينَ فَاجْتَمِعُوا وَلَا تَتَفَرَّقُوا عَنْهُ ، فَقَالَ عَمْرٌو صَدَقَ ، وَبَلَغَ مُعَاذًا قَوْلُ عَمْرٍو فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَقَالَ : بَلْ هُوَ شَهَادَةٌ وَرَحْمَةٌ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ ، اللَّهُمَّ أَعْطِ مُعَاذًا وَأَهْلَهُ نَصِيبَهُمْ مِنْ رَحْمَتِك .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ أَيّهَا النَّاسُ إنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَقْسِمَ لَهُ مِنْهُ حَظَّهُ ، وَمَاتَا فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَعَرَفْت الشَّهَادَةَ وَعَرَفْت الرَّحْمَةَ وَلَمْ أَدْرِ مَا دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ حَتَّى { أُنْبِئْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي ؛ إذْ قَالَ فِي دُعَائِهِ فَحُمَّى إذًا ، أَوْ طَاعُونًا فَقِيلَ : لَهُ فَقَالَ : سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأَبَى عَلَيَّ أَوْ قَالَ مُنِعْت فَقُلْتُ حُمَّى إذًا ، أَوْ طَاعُونًا } .
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ أَخِي أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا { اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ ، وَالطَّاعُونِ } رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ .

فَصْلٌ ( فِي شُعُورِ الْأَنْفُسِ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ وَتَعْلِيلِ ذَلِكَ وَحِكْمَتِهِ ) .
قَالَ فِي الْفُنُونِ جَرَى فِي مَجْلِسٍ مُذَاكَرَةٌ فَقَالَ قَائِلٌ : إنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي ضِيقًا وَإِنْ قَصُرَتْ يَدَيَّ بَلْ طِيبَ النَّفْسِ كَأَنِّي صَاحِبُ ذَخِيرَةٍ ، فَقَالَ رَئِيسٌ فَاضِلٌ قَدْ جَرَّبَ الدَّهْرَ وَحَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ : هَذِهِ صِفَةٌ إمَّا رَجُلٌ قَدْ أَعَدَّتْ لَهُ الْأَيَّامُ سَعَادَةً شَعَرَتْ نَفْسُهُ بِهَا لِأَنَّ فِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ مَا يُشْعِرُ بِالْأَمْرِ قَبْلَ كَوْنِهِ ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ ثِقَةً بِاَللَّهِ لِكُلِّ حَادِثٍ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إلَّا فِي مَوْضِعِهِ ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْ تَعَبِ الِاعْتِرَاضِ وَعَذَابِ التَّمَنِّي قَالَ وَبِالضِّدِّ مِنْ هَذَا إذَا كَانَ بَاكِيًا شَاكِيًا حَزِينًا لَا لِسَبَبٍ ، بَلْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ جَمَّةٌ .
فَذَلِكَ شُعُورُ النُّفُوسِ بِمَا يَئُولُ حَالُهُ إلَيْهِ ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ الْفَأْلِ ، وَالطِّيَرَةِ ، وَالزَّجْرِ ، وَالْهَاتِفِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ اطِّلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى لِلنُّفُوسِ عَلَى عُقْبَاهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَنَامَاتُ ، فَهَذِهِ شَوَاهِدُ الْخَيْرِ ، وَالشَّرِّ ، وَقَدِيمًا رَأَيْنَا الْمَشَايِخَ يَقُولُونَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةُ النَّحْسِ وَزَوَالَ السَّعَادَةِ كُسُوفَ الْبَالِ ، وَتَكَاثُفَ الْهَمِّ وَضِيقَ الصَّدْرِ وَتَغَيُّرَ الْأَخْلَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
فَجَعَلَ عِنْوَانَ تَغَيُّرِ النِّعَمِ تَغَيُّرَ النُّفُوسِ لِعَادَتِهِمْ مِنْ تَنَكُّدِهَا .
كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَيْسَ بِمُتَّجَهٍ ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِزَوَالِ النِّعَمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ مُجَالَسَةِ الْمُتَلَبِّسِينَ بِالْمُنْكَرَاتِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ ) .
يُكْرَهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَنْ يُجَالِسَ مَنْ يَلْعَبُ بِشِطْرَنْجٍ أَوْ نَرْدٍ وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ بَلْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَيَهْجُرُهُ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهُمَا .
وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا إنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى لَاعِبِ الشِّطْرَنْجِ لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ : مَا هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ عَلَى الْمُتَلَبِّسِينَ بِالْمَعَاصِي قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَإِنْ سَلَّمُوا هُمْ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ انْزِجَارُهُمْ بِتَرْكِهِ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فَإِذًا لَا يَرُدُّ .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد قُلْتُ لِأَحْمَدَ أَمُرُّ بِالْقَوْمِ يَتَقَاذَفُونَ أُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ قَالَ : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ سُفَهَاءُ ، وَالسَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قُلْتُ لِأَحْمَدَ أُسَلِّمُ عَلَى الْمُخَنَّثِ قَالَ : لَا أَدْرِي السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَقَدْ تَوَقَّفَ فِي السَّلَامِ عَلَى الْمُخَنَّثِ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَيُكْرَهُ أَنْ يُجَالِسَ دَنِيئًا ، أَوْ سَخِيفًا ، أَوْ فَاسِقًا ، أَوْ مُرَائِيًا أَوْ مُتَّهَمًا فِي دِينِهِ أَوْ عِرْضِهِ .

وَيُكْرَهُ أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ أَوْ مَحُوطٍ أَوْ فِي بَيْتٍ بِلَا بَابٍ وَتَقَدَّمَ فِيمَا يَقُولُهُ عِنْدَ الصَّبَاحِ قَوْلُ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْفِي مِنْهُ كَمُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ .

فَصْلٌ فِي مَكْرُوهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَا يَجْمَعُهَا جِنْسٌ وَلَا نَوْعٌ يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمًا نِيئًا أَوْ غَيْرَ نَضِيجٍ أَوْ طِينًا أَوْ تُرَابًا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ أَحْمَدُ أَكْرَهُ أَكْلَ الطِّينِ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ إلَّا أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَدَنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لِلْأَصْحَابِ فِي الْكَرَاهَةِ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ ، أَوْ التَّنْزِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَقَطَعَ ابْنُ عَقِيلٍ بِكَرَاهَةِ أَكْلِ الطِّينِ إذَا تَحَقَّقْنَا ضَرَرَهُ وَلَا يُكْرَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَطَعَ فِي الْمُغْنِي بِأَكْلِ مَا كَانَ يُتَدَاوَى بِهِ مِنْهُ كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ ، أَوْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ لَا يُكْرَهُ .
وَيُكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِمُبَاضَعَةِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ بِنْتَيْ عَمَّيْنِ أَوْ بَيْنَ بِنْتَيْ خَالَيْنِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .

وَيَحْرُمُ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِلَا إذْنِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ ، أَوْ وَاجِبٍ شَرْعِيٍّ وَأَنْ تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ بِلَا عُذْرٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَأَنْ تَتَزَيَّنَ لِمَحْرَمٍ غَيْرِهِ ، وَيُكْرَهُ تَطَيُّبُهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ .

وَيُكْرَهُ الْخُيَلَاءُ وَالزَّهْوُ فِي الْمَشْيِ بَلْ يَمْشِي قَصْدًا كَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ ، وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .
وَرَوَى هُوَ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إزَارِي فَمِنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي نَارِي } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ { الْعِزُّ إزَارُهُ ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ نَازَعَنِي شَيْئًا مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ } وَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ أَخْبَارٌ فِي الْكِبْرِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَحْكَامِهِ ( بَابُ اسْتِحْبَابِ الْخُيَلَاءِ فِي الْحَرْبِ ) ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ ، وَالْخُيَلَاءُ الَّتِي يَبْغَضُ اللَّهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْفَخْرِ ، وَالْبَغْيِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ .

قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا مَشَيْت فَلَا تَلْتَفِتْ فَإِنَّهُ يُنْسَبُ فَاعِلُ ذَلِكَ إلَى الْحُمْقِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ يُكْرَهُ الصَّفِيرُ وَالتَّصْفِيقُ .
وَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ مُسْتَوَى الْجُلُوسِ لِأَنَّهُ تَجَبُّرٌ وَإِهْوَانٌ بِالْجُلَسَاءِ إلَّا مَعَ الْعُذْرِ ، وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعَلَقِ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ .
وَيُكْرَهُ التَّشَدُّقُ بِالضَّحِكِ وَالْقَهْقَهَةُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْيُهُ مُعْتَدِلًا لَا يُسَارِعُ إلَى حَدٍّ يَصْدِمُ النَّاسَ وَيُتْعِبُ نَفْسَهُ وَلَا يَخْطِرُ بِحَيْثُ يُورِثُهُ الْعُجْبَ ، وَيُكْرَهُ فِي الْبُكَاءِ النَّحِيبُ وَالتَّعْدَادُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّدَمِ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ أَوْقَاتِهِ بِبَطَالَاتِهِ ، وَيُكْرَهُ لَهُ كَشْفُ رَأْسِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَة بِسَتْرِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .

فَصْلٌ ( مَا يَجِبُ مِنْ الْكَفِّ عَنْ مَسَاوِي النَّاسِ وَمَا وَرَدَ فِي حُقُوقِ الطَّرِيقِ ) .
يُسْتَحَبُّ الْكَفُّ عَنْ مَسَاوِئِ النَّاسِ وَعُيُوبِهِمْ كَذَا قَالُوا : وَالْأَوْلَى يَجِبُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الَّتِي يَسْتُرُونَهَا وَعَمَّا يَبْدُو مِنْهُمْ غَفْلَةً ، أَوْ غَلَبَةً مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ ، أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ ، أَوْ صَوْتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ فَالْأَوْلَى لِلسَّامِعِ أَنْ يُظْهِرَ طَرَشًا أَوْ غَفْلَةً ، أَوْ نَوْمًا ، أَوْ يَتَوَضَّأَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَتْرًا لِذَلِكَ .
وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الطُّرُقَاتِ لِلْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْفِتَنِ ، وَالْأَذَى وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ فَقُلْنَا إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ قَالَ أَمَّا لَا فَأَدُّوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا : وَمَا حَقُّهَا قَالَ : غُضُّوا الْبَصَرَ ، وَرُدُّوا السَّلَامَ ، وَحَسِّنُوا الْكَلَامَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ { غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ } وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد { وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ } .
وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا { وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ وَتَهْدُوا الضَّالَّ } وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَعْنَى ذَلِكَ ، وَصَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا } وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي هَذَا الْبَابِ .
وَفِي الْفُنُونِ أَمَّا الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ فَالْمُرُوءَةُ ، وَالنَّزَاهَةُ اجْتِنَابُ الْجُلُوسِ فِيهِ فَإِنْ جَلَسَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّ الطَّرِيقَ ، غَضُّ الْبَصَرِ ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّ وَرَدُّ السَّلَامِ وَجَمْعُ اللُّقَطَةِ لِلتَّعْرِيفِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَمَنْ جَلَسَ وَلَمْ يُعْطِ الطَّرِيقَ حَقَّهَا فَقَدْ اسْتَهْدَفَ لِأَذِيَّةِ النَّاسِ قَالَ وَهَذِهِ الْحُقُوقُ رَأَيْتُهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فَصْلٌ ( فِي صِيَانَةِ الْمَسَاجِدِ وَآدَابِهَا وَكَرَاهَةِ زَخْرَفَتِهَا ) .
يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ وَقَذَرٍ وَقَذَاةٍ وَمُخَاطٍ وَبُصَاقٍ فَإِنْ بَدَرَهُ فِيهِ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُكْرَهُ إزَالَةُ الْأَوْسَاخِ فِي الْمَسَاجِدِ كَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ يُسْتَحَبُّ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْقَذَاةِ ، وَالْبَصْقَةُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَى حَائِطِهِ وَجَبَ إزَالَتُهَا وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهَا لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَتُكْرَهُ زَخْرَفَتُهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ نَقْشٍ ، أَوْ صَبْغٍ أَوْ كِتَابَةٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ وَوَجَبَ الضَّمَانُ .
وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ أَنَّهُ هَلْ يَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا أَوْ يُكْرَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهُ لِذَلِكَ ، وَعِنْد الْمَالِكِيَّةِ يُكْرَهُ ذَلِكَ وَيُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُفِيدِ مِنْهُمْ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ .
وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَعَثَ إلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ ، وَالِي مَكَّةَ حِينَئِذٍ فَيُضَعِّفُ قَوْلَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ عَمَّنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ هُمْ مَحْجُوجُونَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْكَعْبَةِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ : وَالْمُتَوَلِّي عَلَى الْمَسْجِدِ إذَا فَعَلَ مَا يَرْجِعُ إلَى النَّقْشِ ، وَالزِّينَةِ مِنْ

مَالِ الْوَقْفِ ضَمِنَ وَيُصَانُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ ، أَوْ غَيْرِهِ فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ .
قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ ، أَوْ نَحْوُهُ .
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِمَا .
وَيَحْرُمَانِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ فِي آخِر كِتَابِ الِاعْتِكَافِ وَقِيلَ : بَلْ يُكْرَهَانِ قَطَعَ بِهِ فِي الْفُصُولِ ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فَعَلَى التَّحْرِيمِ فِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَقَطَعَ فِي الْوَسِيلَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ .
وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فَقَالَ : لَا أَرَى لِلرَّجُلِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ ، وَالتَّسْبِيحَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ ، وَالصَّلَاةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ وَإِنَّمَا هَذِهِ بُيُوتُ اللَّهِ لَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ مَنَعَ مِنْ صِحَّتِهِ وَجَوَازِهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَيُكْرَهُ إحْضَارُ السِّلَعِ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ الْبَيْعِ وَيَنْعَقِدُ مَعَ ذَلِكَ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُقِدَ مِنْ الْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ ، كَذَا قَالَ .

فَصْلٌ ( فِي صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحِرَفِ وَالتَّكَسُّبِ وَالتَّرَخُّصِ فِي الْكِتَابَةِ وَالتَّعْلِيمِ ) .
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ عَمَلِ صَنْعَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ أَوْ رَشٍّ وَنَحْوِهِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ انْتَهَى كَلَامُهُ قَالَ حَرْبٌ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْعَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ نَحْوُ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ يَعْمَلُ ؟ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ لَيْسَ بِذَاكَ الشَّدِيدِ .
وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَكْتُبُ بِالْأَجْرِ فَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَمَّا الْخَيَّاطُ وَأَشْبَاهُهُ فَمَا يُعْجِبُنِي إنَّمَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ وَكَرِهَ الْبَيْعَ ، وَالشِّرَاءَ فِيهِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ مَا يُعْجِبُنِي مِثْلُ الْخَيَّاطِ ، وَالْإِسْكَافِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَسَهَّلَ فِي الْكِتَابَةِ فِيهِ وَقَالَ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَدْوَةٍ إلَى اللَّيْلِ ، فَلَيْسَ هُوَ كُلَّ يَوْمٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَرَّانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا خَصَّ الْكِتَابَةَ لِأَنَّهَا نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ وَهَذَا يُوجِبُ التَّقْيِيدَ بِمَا لَا يَكُونُ تَكَسُّبًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ التَّسْهِيلُ فِي الْكِتَابَةِ فِيهِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَكْثِيرِ كُتُبِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ الْكِتَابَةَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْأُجْرَةِ وَتَعْلِيمُهُمْ تَبَرُّعًا جَائِزٌ كَتَلْقِينِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَهَذَا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ضَرَرٌ بِحِبْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيمُ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَقَالَ صَالِحٌ لِأَبِيهِ تَكْرَهُ الْخَيَّاطِينَ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ إي لَعَمْرِي شَدِيدًا ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَرِوَايَةُ حَرْبٍ الْكَرَاهَةُ فَهَاتَانِ رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ

فِي تَحْرِيمِ الصَّنَائِعِ وَكَرَاهَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ حَوَانِيتَ وَلَا مَقِيلًا وَلَا مَبِيتًا إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ وَلِذِكْرِ اللَّهِ وَبِالْمَنْعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ الْعَمَلُ ، وَالصَّنَائِعُ كَالْخِيَاطَةِ ، وَالْخَرْزِ ، وَالْحَلْجِ ، وَالتِّجَارَةِ وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ إذَا كَثُرَ ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبِهِ أَوْ خَصْفِ نَعْلِهِ .
وَحَكَى صَاحِبُ الشِّفَاءِ الْمَالِكِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ إنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ عَمَلِ الصَّنَائِعِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِنَفْعِهَا آحَادُ النَّاسِ وَلَا يُكْتَسَبُ فِيهِ وَلَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ ، مَتْجَرًا فَأَمَّا الصَّنَائِعُ الَّتِي يَشْمَلُ نَفْعُهَا الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِمَّا لَا امْتِهَانَ لِلْمَسْجِدِ فِي عَمَلِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ وَحَكَى بَعَضُهُمْ خِلَافًا فِي تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِيهَا وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ صَغِيرٍ ، أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ ، وَالْمُرَادُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ ، وَعَنْ مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ .

فَصْلٌ ( صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْ اللَّغَطِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ قِيلَ إلَّا بِعِلْمٍ لَا مِرَاءَ فِيهِ ) .
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ لَغَطٍ وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لَاغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُبَاحًا ، أَوْ مُسْتَحَبًّا وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ يُكْرَهُ إلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ .
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَرَرْت بِأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَقُلْتُ يَا أَبَا حَنِيفَةَ هَذَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالصَّوْتُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ فِيهِ فَقَالَ : دَعْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَفْقَهُونَ إلَّا بِهَذَا ، وَقِيلَ : لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسْجِدِ كَذَا حَلَقَةٌ يَتَنَاظَرُونَ فِي الْفِقْهِ ، فَقَالَ : لَهُمْ رَأْسٌ فَقَالُوا : لَا قَالَ : لَا يَفْقَهُونَ أَبَدًا .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ قَالَ : لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلَقَدْ أَدْرَكْت النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَكُونُ فِي مَجْلِسِهِ وَمَنْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ كَانَ يَعْتَذِرُ مِنْهُ ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا أَرَى فِيهِ خَيْرًا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَقَالَ صَاحِبُ الشِّفَا الْمَالِكِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَفْعَ الصَّوْتِ فِيهِ فِي الْعِلْمِ ، وَالْخُصُومَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ لِأَنَّهُ مَجْمَعُهُمْ وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ آخِرَ بَابِ الْجُمُعَةِ وَلَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَلَ فِي حَيِّزِ الْمُلَاحَاةِ ، وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسْجِدِ

وَأَمَّا الْمُلَاحَاةُ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ فَلَا تَجُوزُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَخَرَجَ لَيُعْلِمَ النَّاسَ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَأُنْسِيَهَا فَلَوْ كَانَ فِي الْمُلَاحَاةِ خَيْرٌ لَمَا كَانَتْ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْجِدَالِ فَقَالَ { وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } .
وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِ { لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا } انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَسَبَقَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَفِي فَصْلِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَالْحَثِّ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ فُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَفِي حُسْنِ الْخُلُقِ نَحْوَ نِصْفِ الْكِتَابِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا : " وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الْحَدِيثِ ، وَاللَّغَطِ فِي الْمَسَاجِدِ " .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا : وَيُبَاح عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ ، وَالْقَضَاءُ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَالْمُنَاظَرَةُ فِي الْفِقْهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَإِنْشَادُ شِعْرٍ مُبَاحٍ فِيهِ .

فَصْلٌ ( صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَمُكْثِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ) .
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَنَحْوِهَا وَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ فَإِنْ دَخَلَهُ أُخْرِجَ .
ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهَلْ يَخْرُجُ وُجُوبًا ، أَوْ اسْتِحْبَابًا ؟ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَعَلَى قِيَاسِهِ إخْرَاجُ الرِّيحِ مِنْ دُبُرِهِ فِيهِ وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ مَكْرُوهٌ .
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ مُطْلَقًا ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ جُلُوسِهِمَا فِيهِ وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ الْمُرُورِ وَكَذَا الْجُنُبُ بِلَا وُضُوءٍ وَفِي جَوَازِ مَبِيتِ الْجُنُبِ فِيهِ مُطْلَقًا بِلَا ضَرُورَةٍ رِوَايَتَانِ وَقِيلَ : يَجُوزُ إنْ كَانَ مُسَافِرًا ، أَوْ مُجْتَازًا وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الرِّعَايَةِ .
وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ نَوْمٍ وَعَنْهُ كَثِيرٍ وَعَنْهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا ، أَوْ مَقِيلًا كُرِهَ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا ، كَذَا أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذَا نَوْمُ الْمُعْتَكِفِ وَاسْتَثْنَاهُ فِي الْغُنْيَةِ وَاسْتَثْنَى الْغَرِيبَ أَيْضًا وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْآذَانِ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُفَصِّلْ .
وَقَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَرَّانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلْمُعْتَكِفِ وَكَذَا مَا لَا يُسْتَدَامُ كَبَيْتُوتَةِ الضَّيْفِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَالْمُسَافِرِ وَقَيْلُولَةِ الْمُجْتَازِ وَنَحْوِ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ وَمَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ بِهِ فَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ كَمَا مَرَّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي دَاوُد وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ قَالَ وَبِهَذَا أَقُولُ .

فَصْلٌ ( يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْ كَلَامٍ وَشِعْرٍ قَبِيحٍ وَغِنَاءٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ، وَيُبَاحُ فِيهِ اللَّعِبُ بِالسِّلَاحِ ) .
وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ قَبِيحٍ وَمُحَرَّمٍ وَغِنَاءٍ وَعَمَلِ سَمَاعٍ وَإِنْشَادِ ضَالَّةٍ وَنِشْدَانِهَا وَيَقُولُ لَهُ سَامِعُهُ : وَلَا وَجَدْتهَا وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَقُولَ : لَا وُجِدَتْ ، إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُتَوَجَّهُ فِي نَشْدِ الضَّالَّةِ وَهُوَ طَلَبُهَا وَإِنْشَادُهَا وَهُوَ تَعْرِيفُهَا مَا فِي الْعُقُودِ مِنْ التَّحْرِيمِ .
وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّهْيَ عَنْهَا يَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْعُقُودِ فَدَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ لَكِنَّ مَذْهَبَهُ الْكَرَاهَةُ وَإِذَا حَرُمَ وَجَبَ إنْكَارُهُ قَالَ فِي الْغُنْيَةِ لَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ شِعْرٍ خَالٍ مِنْ سُخْفِ وَهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأَوْلَى صِيَانَتُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الزُّهْدِيَّاتِ فَيَجُوزُ الْإِكْثَارُ إلَّا أَنَّ الْمَسَاجِدَ وُضِعَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَفِي الشَّرْحِ يُكْرَهُ إنْشَادُ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْ نَظَرِ حُرُمِ النَّاسِ وَعَنْ إقَامَةِ حَدٍّ وَسَلِّ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِنْ السُّنَّةِ ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَرْكُ الْخَوْضِ ، وَالْفُضُولِ وَحَدِيثِ الدُّنْيَا فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَقَدْ رُوِيَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ غَلِيظَةٌ صَعْبَةٌ بِطُرُقٍ جِيَادٍ صِحَاحٍ وَرِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْهَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ إمَامُهُمْ الدُّنْيَا لَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ } .
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَجْلِسَ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ حَدِيثُهُمْ فِيهَا الدُّنْيَا .
} وَمِنْهَا مَا قَالَهُ الْحَسَنُ : سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ حِلَقًا حِلَقًا حَدِيثُهُمْ الدُّنْيَا لَا تُجَالِسُوهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَرَكَهُمْ مِنْ يَدِهِ .
فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ بِالْجِدَالِ ، وَالْخُصُومَةِ وَإِنْشَادِ الضَّوَالِّ وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ الْغَزَلِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ وَسَلِّ السُّيُوفِ وَكَثْرَةِ اللَّغَطِ وَدُخُولِ الصِّبْيَانِ ، وَالنِّسَاءِ ، وَالْمَجَانِينِ ، وَالْجُنُبِ ، وَالِارْتِقَاءُ بِالْمَسْجِدِ وَاِتِّخَاذَهُ لِلصَّنْعَةِ ، وَالتِّجَارَةِ كَالْحَانُوتِ مَكْرُوهٌ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَالْفَاعِلُ لَهُ آثِمٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ وَتَغْلِيظِهِ عَلَى فَاعِلِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَقَدْ سُئِلَ يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَالَ : يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَبْلَ الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ سَاعَةُ تَسْبِيحٍ .
وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْكَلَامِ ، وَالْحَدِيثِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَرِهَهُ وَقَالَ عُمَرُ : نَنْهَى عَنْهُ ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ قَالَ كُنَّا نَتَنَاظَرُ فِي الْمَسَائِلِ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَنَقَلَ عَنْهُ صَالِحٌ أَنَّهُ أَجَازَ الْكَلَامَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ لَيْسَ الْكَلَامَ الْكَثِيرَ قَالَ الْقَاضِي فَقَدْ أَجَازَ الْكَلَامَ فِي الْفِقْهِ وَأَجَازَ الْيَسِيرَ عِنْدَ الْحَاجَةِ .
{ وَلَعِبَ الْحَبَشَةُ بِدَرَقِهِمْ

وَحِرَابِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ عِيدٍ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُ عَائِشَةَ وَهِيَ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَقَالَ دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ وَبَنُو أَرِفْدَةَ جِنْسٌ مِنْ الْحَبَشَةِ يَرْقُصُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُقَالُ : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرُهَا أَشْهَرُ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّأْفَةِ ، وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ ، وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ .
وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ { جَاءَ جَيْشٌ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ .
} يَزْفِنُونَ أَيْ : يَرْقُصُونَ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى التَّوَثُّبِ بِسِلَاحِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِحِرَابِهِمْ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَيْئَةِ الرَّاقِصِ لِأَنَّ مُعْظَمَ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا فِيهَا لَعِبُهُمْ بِحِرَابِهِمْ فَتَنَاوَلَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَزَادَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ { لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ، أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ } وَلِأَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { لَمَّا كَانَتْ الْحَبَشَةُ يَزْفِنُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرْقُصُونَ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ فَقَالَ مَا يَقُولُونَ ؟ قَالُوا : يَقُولُونَ مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِرَابِهِمْ إذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَهْوَى إلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهُمْ يَا عُمَرُ } قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ

بِالْمَسْجِدِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ .

فَصْلٌ ( فِي إنْكَارِ مَا يُعْمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ فِي إحْيَاءِ لَيَالِي الْمَوَاسِمِ وَالْمَوَالِدِ ) .
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا ، فِي الْمَسَاجِدِ ، وَالْمَشَاهِدِ لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً .
لَعَمْرِي إنَّهَا لِإِحْيَاءِ أَهْوَائِهِمْ ، وَإِيقَاظِ شَهَوَاتِهِمْ ، جُمُوعُ الرِّجَالِ ، وَالنِّسَاءِ مَخَارِجُ ، الْأَمْوَالِ فِيهَا مِنْ أَفْسَدِ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ الرِّيَاءُ ، وَالسُّمْعَةُ وَمَا فِي خِلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّعِبِ ، وَالْكَذِبِ ، وَالْغَفْلَةِ ، مَا كَانَ أَحْوَجَ الْجَوَامِعِ أَنْ تَكُون مُظْلِمَةً مِنْ سُرُجِهِمْ ، مُنَزَّهَةً عَنْ مَعَاصِيهمْ وَفِسْقِهِمْ ، مُرْدَانٍ وَنِسْوَةٍ ، وَفِسْقُ الرَّجُلِ عِنْدِي مَنْ وَزَنَ فِي نَفْسِهِ ثَمَنَ الشَّمْعَةِ فَأَخْرَجَ بِهِ دُهْنًا وَحَطَبًا إلَى بُيُوتِ الْفُقَرَاءِ وَوَقَفَ فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ بَعْدَ إرْضَاءِ عَائِلَتِهِ بِالْحُقُوقِ فَكُتِبَ فِي الْمُتَهَجِّدِينَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِحُزْنٍ وَدَعَا لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَبَكَّرَ إلَى مَعَاشِهِ لَا إلَى الْمَقَابِرِ فَتَرْكُ الْمَقَابِرِ فِي ذَلِكَ عِبَادَةٌ .
يَا هَذَا اُنْظُرْ إلَى خُرُوجِك إلَى الْمَقَابِرِ كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا وُضِعَتْ لَهُ .
قَالَ { تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } فَأَشْغَلَكَ بِتَلَمُّحِ الْوُجُوهِ النَّاضِرَةِ فِي تِلْكَ الْجُمُوعِ لِزَرْعِ اللَّذَّةِ فِي قَلْبِكَ ، وَالشَّهْوَةِ فِي نَفْسِكَ مِنْ مُطَالَعَةِ الْعِظَامِ النَّاخِرَةِ يُسْتَدْعَى بِهَا ذِكْرُ الْآخِرَةِ كَلًّا مَا خَرَجْت إلَّا مُتَنَزِّهًا ، وَلَا عُدْت إلَّا مُتَأَثِّمًا ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَك بَيْنَ الْقُبُورِ ، وَالْمَسَاكِنِ مَعَ الْفُرْجَةِ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمَعَاصِي بَيْنَ الْجُدْرَانِ فَأَمَّا أَنْ تُجْعَلَ الْمَقَابِرُ ، وَالْمَشَاهِدُ عِلَّةً فِي الِاشْتِهَارِ فَلَا فَعَلَى مَنْ فَطِنَ لِقَوْلِي فِي رَجَبٍ وَأَمْثَالِهِ { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } .
عَزَّ عَلَيَّ بِقَوْمٍ فَأَتَتْهُمْ أَيَّامُ الْمَوَاسِمِ الَّتِي يَحْظَى فِيهَا قَوْمٌ بِأَنْوَاعِ الْأَرْبَاحِ

، وَلَيْتَهُمْ خَرَجُوا مِنْهَا بِالْبَطَالَةِ رَأْسًا بِرَأْسٍ مَا قَنَعُوا حَتَّى جَعَلُوهَا مِنْ السَّنَةِ إلَى السَّنَةِ خَلْسًا لِاسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ وَاسْتِلَامِ الشَّهَوَاتِ الْمَحْظُورَاتِ مَا بَالُ الْوُجُوهِ الْمَصُونَةِ فِي جُمَادَى هُتِكَتْ فِي رَجَبٍ بِحُجَّةِ الزِّيَارَاتِ { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } نُوحَ .
وَقَالَ أَتَرَى بِمَاذَا تَتَحَدَّثُ عَنْك سَوَارِي الْمَسْجِدِ فِي الظُّلَمِ ، وَأَفْنِيَةُ الْقُبُورِ ، وَالْقِبَابِ ، بِالْبُكَاءِ مِنْ خَوْفِ الْوَعِيدِ ، وَالتَّذْكِرَةِ لِلْآخِرَةِ ؟ بِنَظَرِ الْعِبْرَةِ إذَا تَحَدَّثَتْ عَنْ أَقْوَامٍ خَتَمُوا فِي بُيُوتِهِمْ الْخَتْمَاتِ وَصَانُوا الْأَهْلَ اتِّبَاعًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ { انْسَلَّ مِنْ فِرَاشِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إلَى الْمَسْجِدِ لَا جُمُوعَ وَلَا شُمُوعَ ؟ طُوبَى لِمَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ فَانْزَوَى إلَى زَاوِيَةِ بَيْتِهِ فَانْتَصَبَ لِقِرَاءَةِ جُزْءٍ فِي رَكْعَتَيْنِ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ } فَيَالَهَا مِنْ لَحْظَةٍ مَا أَصْفَاهَا مِنْ أَكْدَارِ الْمُخَالَطَاتِ وَأَقْذَارِ الرِّيَاءِ ، غَدًا يَرَى أَهْلُ الْجُمُوعِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ تَلْعَنُهُمْ ، وَالْمَشَاهِدَ ، وَالْمَقَابِرَ تَسْتَغِيثُ مِنْهُمْ .
يُبَكِّرُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ : أَنَا صَائِمٌ ، مَتَى أَفْلَحَ عُرْسُك حَتَّى يَكُونَ لَهُ صُبْحَةٌ ؟ قُلْ لِي يَا مَنْ أَحْيَا فِي الْجَامِعِ بِأَيِّ قَلْبٍ رَجَعْت ؟ مَاتَ وَاَللَّهِ قَلْبُك ، وَعَابَتْ نَفْسُك ، مَا أَخْوَفَنِي عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي أَنْ يَخَافَ فِي مَوَاطِنِ الْأَمْنِ ، وَيَظْمَأَ فِي مَقَامَاتِ الرِّيِّ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ فَمَا ظَنُّك بِزَمَنِنَا هَذَا الَّذِي بَيْنَهُمَا نَحْوُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَمَا يَجْرِي بِالشَّامِّ وَمِصْرَ ، وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي أَيَّامِ الْمَوَاسِمِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { لَا يَأْتِي عَامٌ إلَّا

وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ } سَمِعْته مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ فِي حُصُولِ الْمُحَرَّمِ ، وَالْمُنْكَرِ وَلَا بُدَّ حَرُمَ تَعَاطِيهِ وَدُخُولُهُ وَإِنْ ظَنَّ ذَلِكَ كُرِهَ ، وَقَدْ يُقَالُ يَحْرُمُ فَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِكَ اشْتِمَالَهُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْرِ تَزِيدُ عَلَى نَوْعِ الْمَكْرُوهِ ، أَوْ تُسَاوِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ وَبِكُلِّ حَالٍ فَالنَّوَافِلُ ، وَالتَّطَوُّعَاتُ خُفْيَةً أَوْلَى فِي الْجُمْلَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَأَسْلَمُ مِنْ الرِّيَاءِ ، وَالسُّمْعَةِ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ ، وَالْمُسَامَحَةَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

فَصْلٌ وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ حَصَاهُ وَتُرَابُهُ لِلتَّبَرُّكِ وَغَيْرِهِ كَذَا قَالُوا : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ ، إمَّا مُرَادُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ ، وَإِمَّا مُرَادُهُمْ إخْرَاجُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ لَا الْكَثِيرِ ، قَالُوا : وَيُبَاحُ وَضْعُ حَصًى مَكَانَ غَيْرِهِ فِيهِ .

فَصْلٌ فِي صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ كُلِّ حَدَثٍ وَنَجِسٍ وَإِغْلَاقِ أَبْوَابِهِ لِمَنْعِ الْمُنْكَرِ فِيهِ .
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ وَلِلْإِمَامِ قَلْعُ مَا غُرِسَ فِيهِ بَعْدَ إيقَافِهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَجِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، وَقَطَعَ فِي التَّلْخِيصِ بِأَنَّهَا تُقْلَعُ كَمَا لَوْ غُرِسَتْ فِي أَرْضِ غَصْبٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ .
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ أَنَّهُ يُكْرَهُ غَرْسُهَا وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْفَرَجِ بْنِ الصَّبَّاحِ : هَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَاَلَّذِي غَرَسَهَا ظَالِمٌ غَرَسَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ .
وَسَأَلَهُ مُثَنَّى عَنْ هَذَا قَالَ مُثَنَّى : فَلَمْ يُعْجِبْهُ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ الزَّرْعِ فِيهِ ، وَالْغَرْسِ وَأَكْلِ ثَمَرِهِ مَجَّانًا فِي الْأَشْهَرِ ، وَعَنْ الْجِمَاعِ فِيهِ ، أَوْ فَوْقَهُ .

وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَ الْمَسْجِدِ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَهَذَا النَّصُّ فِي مَسَائِلِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْفُصُولِ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ أَكْرَهُ لِمَنْ بَالَ أَنْ يَمْسَحَ ذَكَرَهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ قَالَ ، وَالْمُرَاد بِهِ الْحَظْرُ وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ ، وَالْقَيْءُ وَنَحْوُهُ .

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُبَاحَ الْفَصْدُ فِي الْمَسْجِدِ فِي طَسْتٍ لِحَدِيثِ الْمُعْتَكِفَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ وَعَلَى قِيَاسِهِ إخْرَاجُ كُلِّ نَجَاسَةٍ فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ بَالَ خَارِجًا عَنْهُ وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ كُرِهَ وَعَنْهُ يَحْرُمُ .

وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَتْلُ الْبَرَاغِيثِ ، وَالْقُمَّلِ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِإِخْرَاجِهِ لِأَنَّ إلْقَاءَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَقَاءَهُ لَا يَجُوزُ .
وَفِي الْمُفِيدِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَيُكْرَهُ إغْلَاقُ بَابِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْعًا عَنْ الصَّلَاةِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْآيَةِ قَالَ وَقَالَ مَشَايِخُنَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي زَمَانِنَا فِي غَيْرِ أَوَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ السَّرِقَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَفِي كَرَاهَةِ الْوُضُوءِ فِيهِ ، وَالْغُسْلِ رِوَايَتَانِ .
وَحَكَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَعَلَّهُ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ نَجِسٌ ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ وَاضِحٌ .

فَصْلٌ ( فِي الْخِلَافِ فِي دُخُولِ الْكَافِرِ مَسَاجِدَ الْحِلِّ ، وَالتَّفْصِيلِ فِيهِ ) .
وَفِي جَوَازِ دُخُولِ الْكَافِرِ مَسَاجِدَ الْحِلِّ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ لِمَصْلَحَةٍ رِوَايَتَانِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا أَظْهَرُ فَإِنْ جَازَ فَفِي جَوَازِ جُلُوسِهِ فِيهِ جُنُبًا وَجْهَانِ ، وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةَ الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ إذْنٍ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ هَلْ يَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ دُخُولُ مَسَاجِدِ الْحِلِّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِكَافِرٍ دُخُولَ مَسَاجِدِ الْحِلِّ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، ثُمَّ هَلْ الْخِلَافُ فِي كُلِّ كَافِرٍ أَمْ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَطْ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ .
وَهَلْ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَعَ إذْنِ مُسْلِمٍ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ ، أَوْ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُسْلِمِ فَقَطْ ؟ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ دُخُولِهِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكِتَابِيِّ دُونَ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ الْحَرَمَيْنِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَطَعَ بِهِ ابْنُ حَامِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ يَجُوزُ .
قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَحَكَى أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمَنْعَ مِنْ حَرَمِ مَكَّةَ دُونَ الْمَدِينَةِ وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ دُخُولُ الْحَرَمِ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ .

فَصْلٌ ( فِي الِاجْتِمَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ وَالْأَكْلِ وَإِعْطَاءِ السَّائِلِ فِي الْمَسْجِدِ ) .
وَلَا يَجُوزُ دُخُولُ مَسْجِدٍ لِلْأَكْلِ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنْشَدُ فِيهِ شِعْرٌ وَلَا يُمَرَّ فِيهِ بِلَحْمٍ .
وَذُكِرَ فِي الشَّرْحِ ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ الْأَكْلَ فِي الْمَسْجِدِ وَغَسْلَ يَدِهِ فِي طَسْتٍ .
وَذُكِرَ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْأَكْلِ فِيهِ ، وَالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ السُّؤَالُ ، وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسَاجِدِ وَمُرَادُهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّصَدُّقُ عَلَى السُّؤَالِ لَا مُطْلَقًا وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهَةَ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَأَلَ قَبْلَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَلَسَ لَهَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ تَصَدَّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ أَوْ سَأَلَ الْخَاطِبُ الصَّدَقَةَ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ صَلَّيْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقْرُبُ مِنِّي فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَ فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ إلَى ذَلِكَ السَّائِلِ فَقَالَ أَعْطِنِي تِلْكَ الْقِطْعَةَ فَأَبَى فَقَالَ أَعْطِنِي وَأُعْطِيكَ دِرْهَمًا فَلَمْ يَفْعَلْ فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُوهُ أَنْتَ وَقَالَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ الْحَنَفِيُّ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ سُؤَالَ الْمَسْجِدِ .
قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ لَوْ كُنْت قَاضِيًا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْهُمْ أَنَّهُ إنْ سَأَلَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا ضَرَرَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا كُرْهًا .

فَصْلٌ تَقْدِيمُ الرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ وَجَوَازُ الصَّلَاةِ فِيهِ بِالنَّعْلَيْنِ وَأَيْنَ يَضَعُهُمَا إذَا خَلَعَهُمَا ؟ ) وَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمُ يُمْنَاهُ فِي دُخُولِهِ وَيُسْرَاهُ فِي خُرُوجِهِ وَيَقُولُ مَا وَرَدَ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَنْتَعِلَ قَائِمًا ، وَعَنْهُ يُبَاحُ ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِخَلْعِ الْيُسْرَى وَلُبْسِ الْيُمْنَى بِيَسَارِهِ فِيهَا ، وَالْمَسْجِدُ وَنَحْوُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِد خَلَعَ نَعْلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ .
وَلَهُ الصَّلَاةُ فِي نَعْلِهِ وَتَرْكُهُ أَمَامَهُ ، وَعَنْهُ بَلْ عَنْ يَسَارِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَلَعَ نَعْلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَلَا يُؤْذِ بِهِمَا أَحَدًا لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَفِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِيَجْعَلْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ } رَوَى ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ حَكَاهُ الْقَاضِي قَالَ وَقِيلَ : إنْ كَانَ مَأْمُومًا جَعَلَهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ شِمَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ إمَامًا ، أَوْ مُنْفَرِدًا جَعَلَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا جَانِبَ الْيَسَارِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ .
وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، وَلِأَنَّ الْيَسَارَ جُعِلَتْ لِلْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ قَالَ الْقَاضِي : فَأَمَّا مَوْضِعُهَا مِنْ غَيْرِ الْمُصَلَّى فَإِلَى جَنْبِهِ .
كَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ إذَا جَلَسَ

أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ .
وَيُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ دُخُولِهِ وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ بِلَا تَيَمُّمٍ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ .

فَصْلٌ ( فِيمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي كَنْسِهِ وَتَنْظِيفِهِ وَتَطْيِيبِهِ وَلُقَطَتِهِ ) .
وَإِنْ جَلَسَ غَيْرُ الْإِمَامِ فِي مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ يُكْرَهُ دَوَامُهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ فَإِنْ دَامَ فَلَيْسَ هُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ قَامَ مِنْهُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ .
وَيُسَنُّ كَنْسُ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ فِيهِ وَشَعْلُ الْقَنَادِيلِ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ شَيْءٍ ، أَخَذَ مُلْقًى فِي الْمَسْجِدِ يُصَانُ عَنْهُ ، ثُمَّ يَضَعَهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُتَوَجَّهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُلْزَمُ بِالْأَخْذِ لِأَنَّ خَلَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ فَإِذَا أُلْقِيَ فِيهِ فَهُوَ كَنُخَامَةٍ وَنَحْوِهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي اللُّقَطَةِ يُلْزَمُ بِأَخْذِهَا وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مَقْصُودًا وَضْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَالْحَصْبَاءِ ، أَوْ لَمْ يُقْصَدْ وَضْعُهُ لَكِنَّهُ أَرْضُ الْمَسْجِدِ وَلَمَّا أَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِيرَاطَيْ الْجِنَازَةِ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ حَتَّى رَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ : قَالَتْ : عَائِشَةُ : صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصْبَاءِ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ ، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ حُذَيْفَةَ رَمَى الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْحَصْبَاءِ لِيَأْتِيَهُ فَأَتَاهُ .
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ فِي الْمَسْجِد بِالْحَصْبَاءِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَك يَا أَبَا

هُرَيْرَةَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا اللَّهُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ قَالَ فَأَخَذَ حَصًا بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ ، ثُمَّ قَالَ قُومُوا صَدَقَ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا { لَيَسْأَلَنَّكُمْ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَقُولُوا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَهُ } وَفِي هَذَا تَأْدِيبُ مَنْ يَسْأَلُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي بِالْقَوْلِ ، وَالْفِعْلِ .

فَصْلٌ ( فِي الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ بِالنَّعْلَيْنِ وَكَوْنِ طَهَارَتِهِمَا بِمَسْحِهِمَا بِالْأَرْضِ غَيْرَ أَرْضِ الْمَسْجِدِ ) .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ ، ثُمَّ لِيَنْظُر فِيهِمَا فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا } إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد .
وَمُرَادُهُ أَنْ يَمْسَحَ الْخَبَثَ بِغَيْرِ أَرْضِ الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِي نَعْلَيْهِ وَوَضَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَرْمِ بِهِمَا فِيهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ ، وَالتَّعَاظُمِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ فِي أَذَى أَحَدٍ فَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ وَإِلَّا فَالْأَدَبُ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خِلَافُ التَّعْظِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحَبِّ الْبِقَاع إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُشْبِهُ هَذَا رَمْيَ الْكِتَابِ بِالْأَرْضِ وَقَدْ فَعَلَهُ رَجُلٌ عِنْدَ أَحْمَدَ فَغَضِبَ وَقَالَ هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ ؟ وَفِي الْمُحِيطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ مَشَى فِي الطِّينِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَهُ بِحَائِطِ الْمَسْجِدِ ، وَإِنْ مَسَحَهُ بِتُرَابِ الْمَسْجِدِ وَكَانَ مَجْمُوعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُنْبَسِطًا يُكْرَهُ .

فَصْلٌ وَسَهَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّسْخِ فِيهِ دُونَ وَضْعِ النَّعْشِ .
وَقَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَسُئِلَ عَنْ النَّعْشِ يُوضَعُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَوَقَّاهُ ، وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَسُئِلَ عَنْ الْمَشْيِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ لَا تَتَّخِذُوا الْمَسْجِدَ طَرِيقًا فَإِنْ كَانَتْ عِلَّةٌ فَلَا بَأْسَ .

فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي : فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ : فَأَمَّا جُلُوسُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالتَّصَدِّي لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَاجِرٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ إلَى أَنْ قَالَ وَلِلسُّلْطَانِ فِيهِمْ مِنْ النَّظَرِ مَا يُوجِبهُ الِاحْتِيَاطُ مِنْ إنْكَارٍ وَإِقْرَارٍ ، وَإِذَا أَرَادَ مَنْ هُوَ لِذَلِكَ أَهْلٌ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ لِتَدْرِيسٍ أَوْ فُتْيَا نُظِرَ فِي حَالِ الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مَسَاجِدِ الْمَحَالِّ الَّتِي لَا تَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ يَتَرَتَّبُ فِيهَا لِذَلِكَ اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِي جُلُوسِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ مَنْ يَتَرَتَّبُ فِيهَا لِلْإِمَامَةِ .
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا بِتَقْلِيدِ السُّلْطَانِ رُوعِيَ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْبَلَدِ وَعَادَتُهُ فِي جُلُوسِ أَمْثَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلسُّلْطَانِ فِي جُلُوسِ مِثْلِهِ نَظَرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَرَتَّبَ لِلْجُلُوسِ فِيهِ إلَّا عَنْ إذْنِهِ كَمَا لَا يَتَرَتَّبُ لِلْإِمَامَةِ فِيهِ إلَّا عَنْ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي مِثْلِهِ نَظَرٌ مَعْهُودٌ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْذَانُهُ فِي ذَلِكَ ، وَكَانَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ .
قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ ؛ لِأَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى التَّعْطِيلِ وَلِفِعْلِ السَّلَفِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِافْتِئَاتِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ انْتَهَى كَلَامُهُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ الْبِئْرِ وَطُولِ الْفَرَسِ وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ .
} فَأَمَّا

الْبِئْرُ فَهِيَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا ، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَارَ فِيهِ بِمَقُودِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا ، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ فَهِيَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ .
وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْنَادُهُ جَيِّدٌ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ الْكَاتِبِ عَنْ بِلَالٍ الْعَنْبَسِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ .
وَإِذَا تَنَازَعَ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِيهِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ بَيْنَهُمْ تَنَافُرٌ فَيَكُفُّوا عَنْهُ ، وَإِنْ حَدَثَ مُنَازِعٌ ارْتَكَبَ مَا لَا يَسُوغُ فِي الِاجْتِهَادِ كَفَّ عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَيْهِ وَتَظَاهَرَ بِاسْتْغْوَاءِ مَنْ يَدْعُو إلَيْهِ لَزِمَ السُّلْطَانَ أَنْ يَحْسِمَهُ بِزَوَاجِرِ السَّلْطَنَةِ ، لِيَتَبَيَّنَ ظُهُورَ بِدْعَتِهِ ، وَيُوَضِّحَ بِدَلَائِلِ الشَّرْعِ فَسَادَ مَقَالَتِهِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ بِدْعَةٍ مُسْتَمِعًا ، وَلِكُلِّ مُسْتَغْوٍ مُتَّبِعًا .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ إسْنَادِ الظَّهْرِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَاسْتِحْبَابِ جُلُوسِ الْقُرْفُصَاءِ ) .
يُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَيَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْنِدَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا مَكْرُوهٌ وَصَرَّحَ الْقَاضِي بِالْكَرَاهَةِ قَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَتَسَانَدُوا إلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيِّ : مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَنَاقِبِ : وَهَذِهِ الْجِلْسَةُ تَحْكِيهَا قَيْلَةُ فِي حَدِيثِهَا { إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا جِلْسَةَ الْمُتَخَشِّعِ الْقُرْفُصَاءَ } وَكَانَ أَحْمَدُ يَتَيَمَّمُ فِي جُلُوسِهِ هَذِهِ الْجِلْسَةَ ، وَهِيَ أَوْلَى الْجِلْسَاتِ بِالْخُشُوعِ .
وَالْقُرْفُصَاءُ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ ، وَرُبَّمَا احْتَبَى بِيَدِهِ ، وَلَا جِلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَحَدِيثُ قَيْلَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيِّ حَدَّثَنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيَّةَ وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا أَنَّهَا { رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَخَشِّعَ وَفِي لَفْظٍ الْمُتَخَشِّعَ فِي الْجِلْسَةِ أَرْعَدَتْ مِنْ الْفَرَقِ .
} صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ تَفَرَّدَ عَنْهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِهِ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ قَوْلِهَا { رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ الْقُرْفُصَاءَ } قَالَ : هِيَ

جِلْسَةُ الْمُحْتَبِي بِيَدَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدَيْهِ هَكَذَا وَصَفَ بِيَدَيْهِ الِاحْتِبَاءَ وَهُوَ الْقُرْفُصَاءُ .
} وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَلَسَ احْتَبَى بِيَدَيْهِ ، } وَصَحَّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ } قَالَ فِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ بَابِ النِّيَّةِ : وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ ، وَكَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَزَادَ عَلَى خِلَافِ صِفَةِ مَا شَبَّكَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُكْثِرُ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا أَوْ سُكُوتِهِ وَعَنْهُ لَا يُسَنُّ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فِيهِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَسُنَنِهِ .

فَصْلٌ فِي عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةِ أَبْنِيَتِهَا وَوَضْعِ الْمَحَارِيبِ فِيهَا قَالَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ عِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةُ أَبْنِيَتِهَا مُسْتَحَبَّةٌ .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : بِنَاءُ الْمَسْجِدِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ وَفِي الْمَنْزِلِ وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ بْنُ الْمُنْجِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : بِنَاءُ الْمَسْجِدِ مُسْتَحَبٌّ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِالْحَثِّ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ وَالْجَوَامِعَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَنْبَغِي اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ : يُسْتَحَبُّ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَتَجُوزُ عِمَارَةُ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكِسْوَتُهُ وَإِشْعَالُهُ بِمَالِ كُلِّ كَافِرٍ وَأَنْ يَبْنِيَهُ بِيَدِهِ ، فَظَاهِرُ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِعِمَارَتِهِ فِي الْآيَةِ دُخُولَهُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ .
يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ } .
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } دَرَّاجٌ ضَعِيفٌ لَا سِيَّمَا عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ وَجَوَّزَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ وَقَالَ : لِمَنْ احْتَجَّ بِالْآيَةِ : الْآيَةُ وَارِدَةٌ عَلَى سَبَبٍ ، وَهِيَ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لِكَافِرٍ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ لِشَرَفِهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْعِمَارَةَ لَهُ

هَلْ هِيَ دُخُولُهُ وَالْجُلُوسُ فِيهِ أَمْ الْبِنَاءُ لَهُ وَإِصْلَاحُهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ قَالَ : وَكِلَاهُمَا مَحْظُورٌ عَلَى الْكَافِرِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ .

فَصْلٌ ( فِي التَّغَلُّبِ عَلَى الْمَسْجِدِ وَغَصْبِهِ وَحُكْمِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَالضَّمَانِ لَهُ ) .
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ تَغَلَّبَ مُتَغَلِّبٌ عَلَى مَسْجِدٍ وَمَنَعَ دُخُولَ النَّاسِ إلَيْهِ نَظَرْتَ إلَيْهِ فَإِنْ أَزَالَ الْآلَةَ الدَّالَّةَ عَلَى كَوْنِهِ مَسْجِدًا وَادَّعَاهُ مِلْكًا كَانَ كَسَائِرِ الْمَغْصُوبِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ مَنَعَ النَّاسَ عَنْهُ وَانْفَرَدَ بِهِ دُونَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيبٍ لَمْ يَصِحَّ غَصْبُهُ حُكْمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَسْجِدُ فِي مُدَّةِ مَنْعِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ كَالْحُرِّ إذَا غَصَبَهُ غَاصِبٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ غَصْبُهُ أَنْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ تَغَلَّبَ عَلَى أَرْضٍ لَا يَمْلِكُهَا عَلَى سَبِيلِ التَّعَدِّي أَشْبَهَ مَا إذَا تَغَلَّبَ عَلَى أَمْلَاكِ النَّاسِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ إذَا لَمْ يُمْلَكْ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلَاةِ غَصْبُهُ كَمَا لَوْ غَصَبَ سِتَارَةَ الْكَعْبَةِ وَصَلَّى فِيهَا مُسْتَتِرًا بِهَا انْتَهَى كَلَامُهُ .
فَقَدْ اعْتَبَرَ الْمَسْأَلَةَ بِغَصْبِ الْحُرِّ ، وَفِيهِ خِلَافٌ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ : إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِحِفْظِ الْغَنِيمَةِ وَرَكِبَ دَابَّةً مِنْهَا أَوْ دَابَّةً مِنْ الْجَيْشِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَتُهَا .
وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ : لَوْ غَصَبَهُ وَاِتَّخَذَهُ مَسْكَنًا وَانْهَدَمَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْحُرِّ ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ : إنَّ الْمَسْجِدَ لَوْ تَلِفَ فِي مُدَّةِ مَنْعِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلْ الْمَسْجِدُ عَقَارٌ مِنْ الْعَقَارِ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ إجْمَاعًا وَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ :

إنَّ الْعَقَارَ يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَمَنْ لَمْ يُضَمِّنْهُ بِالْغَصْبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ تَقَوُّمَ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ نَعَمْ يُشْبِهُ الْعَبْدَ الْمَوْقُوفَ عَلَى خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ بِلَا تَرَدُّدٍ انْتَهَى كَلَامُهُ .
قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ يَجِيءُ الرَّجُلُ بِزَكَاتِهِ يَعْنِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ يُطْعِمُهُ قَالَ : يُطْعِمُهُ وَقَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ تُجْمَعُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَقَدْ وُضِعَ تَمْرُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَبَاتَ عِنْدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَجَاءَتْ الْغُولُ وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخَبَرُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .

فَصْلٌ فُرُوعٌ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَبِنَائِهِ فِي الطَّرِيقِ وَمَتَى يَجُوزُ هَدْمُهُ رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَتْ مُحَوَّطَةً فَلَهَا حُكْمُهُ ، وَإِلَّا فَلَا .
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْمُسْتَوْعِبِ .
وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَّهُ الصَّحِيحُ ، وَعَنْهُ لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا .
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَعَنْهُ لَهَا حُكْمُهُ مُطْلَقًا ، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ وَعَلَيْهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ ، وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ بُنِيَ عَلَى سَابَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةِ جِسْرٍ وَقَالَ : أَيْضًا حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطُّرُقِ أَنْ تُهْدَمَ .
وَقَالَ أَيْضًا : هَذِهِ الْمَسَاجِدُ أَعْظَمُ جُرْمًا يَخْرُجُونَ عَلَى أَثَرِهِ ، وَعَنْهُ يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِلَا إذْنِهِ وَحَيْثُ جَازَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، وَتَصِحُّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا تَصِحُّ وَإِنْ جُدِّدَ الطَّرِيقُ وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْمَسْجِدِ فَوَجْهَانِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا أُحْدِثَ الطَّرِيقُ بَعْدَ مَا بُنِيَ الْمَسْجِدُ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ كُرْهُ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَمَنْ جَعَلَ عُلْوِيَّتَهُ أَوْ أَسْفَلَهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِالْآخَرِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَقَالَ : فِي الْمُسْتَوْعِبِ إنْ جَعَلَ أَسْفَلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ ، وَإِنْ جَعَلَ سَطْحَهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِأَسْفَلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَسْفَلَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ الْمَسْجِدُ وَيُبْنَى تَحْتَهُ حَوَانِيتُ تَنْفَعُهُ أَوْ سِقَايَةٌ خَاصَّةٌ أَوْ عَامَّةٌ فَإِنْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ فَكَذَلِكَ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحَالَيْنِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِهِ وَقِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ الْمَسْجِدُ وَيُجَدَّدَ بِنَاؤُهُ لِمَصْلَحَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ تَارَةً فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ

غَيْرُ حَصِينٍ ، وَلَهُ مَنَارَةٌ : لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ ؛ لِئَلَّا تَدْخُلَهُ الْكِلَابُ وَقَالَ : لَا يَبْنِي مَسْجِدًا إلَى جَنْبِ مَسْجِدٍ آخَرَ إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ .

فَصْلٌ كَرَاهَةُ مَدِّ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ .
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا إنْ أَرَادُوا بِهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا فَمُسَلَّمٌ ، وَإِنْ أَرَادُوا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، فَالْكَرَاهَةُ تَسْتَدْعِي دَلِيلًا شَرْعِيًّا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْجُمْلَةِ اسْتِحْبَابُهُ أَوْ جَوَازُهُ كَمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ .
قَالَ فِي الْمُفِيدِ مِنْ كُتُبِهِمْ : وَلَا يَمُدُّ رِجْلَيْهِ يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إهَانَةً بِهِ ، وَلَمْ أَجِدْ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا هَذَا ، وَلَعَلَّ تَرْكَهُ أَوْلَى ، وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مِنْ حُكْمِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ قِيَاسُ كَرَاهَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ الِاسْتِنَادَ إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا سَبَقَ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِيهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمِنْهَاجِ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ قَصْدُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ .

فَصْلٌ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ : لَا قُلْتُ : فَإِنْ حَفَرْتَ بِئْرًا تَرَى أَنْ يُؤْخَذَ الْمُغْتَسَلُ فَيُعْطَى بِهِ الْبِئْرُ قَالَ : لَا إنَّمَا ذَلِكَ لِلْمَوْتَى وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ : إنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَكْرَهْ حَفْرَهَا فِيهِ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : إنْ كُرِهَ الْوُضُوءُ فِيهِ كُرِهَ حَفْرُهَا فِيهِ ، وَإِلَّا فَلَا .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا الْجُسُورُ وَالْقَنَاطِرُ وَأَرَاهُ ذَكَرَ الْمَصَانِعَ وَالْمَسَاجِدَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ هَهُنَا قَوْمٌ أَخْرَجَهُمْ هَذَا الْأَمْرُ إلَى أَنْ أَبَاحُوا السَّرِقَةَ فَقَالُوا : لَوْ سَرَقَ هَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَطْعٌ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانُوا قَدْ مَرَقُوا مِنْ الْإِسْلَامِ قَالَ : نَعَمْ وَقَالَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ : قَدْ دَخَلْتُ إلَى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ عَلَى الْحُصْرِ ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ وَيَعْمُرُونَهُ .

فَصْلٌ ( فِي ذِكْرِ أَخْبَارٍ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ ) .
عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ لِبَيْضِهَا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَيْضًا مَرْفُوعًا قَالَ : { مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْتُ : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنَّ ابْنَ أَسْلَمَ الطُّوسِيَّ لَا يُجَصِّصُ مَسْجِدَهُ وَلَا يَرَى بِطَرَسُوسَ مَسْجِدًا مُجَصَّصًا إلَّا قَلَعَ جِصَّهُ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا .
وَذَكَرْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَسْجِدًا قَدْ بُنِيَ وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ مَالٌ كَثِيرٌ فَاسْتَرْجَعَ وَأَنْكَرَ مَا قُلْتُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَدْ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْحَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ : { لَا عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى .
} قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِثْلُ الْكُحْلِ يُطْلَى بِهِ .
أَيْ فَلَمْ يُرَخِّصْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ شَيْئًا ، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَيَّ بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ بِالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ .
الْقَصَّةُ الْجِصُّ

.
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ } إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { أُرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ كَمَا شَرَّفَتْ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا وَكَمَا شَرَّفَتْ النَّصَارَى بِيَعَهَا } .
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ } رَوَاهُمَا ابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُغَلِّسِ ، وَقَدْ كَذَّبَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : صَدُوقٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ عِنْدِي عَدْلٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُهُ مُضْطَرِبٌ .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ } إسْنَادُهُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مُرْسَلًا وَأَنَّ الْمُرْسَلَ أَصَحُّ .
وَعَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَّخِذَ الْمَسَاجِدَ فِي دِيَارِنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نُنَظِّفَهَا .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ { كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا فِي دِيَارِنَا وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا .
} وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ ضَرْبُ الْخِبَاءِ وَاحْتِجَازُ الْحَظِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي

مَسَائِلِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ تَقْيِيدُ الْإِبَاحَةِ بِوُجُودِ الْبَرْدِ قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ : مِنْ أَصْحَابِنَا وَالصَّوَابُ عَدَمِ اعْتِبَارِ هَذَا الْقَيْدِ .
وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَأَبِي أَسِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَوْ عَنْ أَبِي أَسِيدٍ بِالشَّكِّ .
وَعَنْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ } فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ .
وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { إذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ فِي الْمَسْجِدِ ضَالَّةً فَلْيَقُلْ : لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا } .
وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا وَجَدْتَ إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ } رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ .
وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا

يُسْتَقَادُ فِيهَا } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الضَّالَّةُ .
} إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ تَكَلَّمَ فِيهِ ، وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ .
وَرَوَى حَدِيثَهُ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ وَحَسَّانُ يَنْشُدُ فَلَحَظَ إلَيْهِ فَقَالَ : كُنْتُ أَنْشُدُ فِيهِ ، وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ : أُنْشِدُكَ اللَّهَ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { أَجِبْ عَنِّي ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قَالَ نَعَمْ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ عَنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ وَأَحَادِيثُ فِي الشِّعْرِ .
قَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ : وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ قَالَ : حَجَجْتُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقَدَّمْتُ إلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ أُصَلِّي إذْ دَخَلَ عُمَرُ فَرَآنِي فَأَخَذَ بِرَأْسِي وَجَعَلَ يَضْرِبُ بِهِ الْحَائِطَ وَيَقُولُ : أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَقْدُمُوا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ بِالسَّحَرِ إنَّ لَهُ عَوَامِرَ .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : دَخَلَ حَابِسُ بْنُ سَعْدٍ الطَّائِيُّ الْمَسْجِدَ مِنْ السَّحَرِ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فَإِذَا نَاسٌ فِي صَدْرِ الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَ فَقَالَ : أَرْعِبُوهُمْ فَمَنْ أَرْعَبَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ : كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ

التَّقَدُّمِ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ السَّحَرِ .
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَلِمَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ .
وَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَرْفَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ .
} إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ { وَرَأَى قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ أَخَاهُ لِأُمِّهِ أَبَا سَعِيدٍ كَذَلِكَ وَكَانَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَجِعَةً فَضَرَبَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ : أَوْجَعْتَنِي مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ : أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذِهِ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ الْمَرُّوذِيّ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهُ وَيَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قَدْ رُوِيَ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ سَرَاوِيلُ وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ رِوَايَةِ يُكْرَهُ كَشُرْبِهِ قَائِمًا وَنَهْيِهِ عَنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا لَوْ وَضَعَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ اسْتِلْقَاءٍ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ مَنْعُ الِاسْتِلْقَاءِ ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْوَصْفِ .
أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَضْعُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَالِاسْتِلْقَاءُ ذُكِرَ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ لَا أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ خُولِفَ لِلْخَبَرِ وَهُوَ فِي أَمْرٍ مَخْصُوصٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ : اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ جُلُوسِ الْمَرْءِ كَيْفَ أَحَبَّ مَا لَمْ يَضَعْ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ أَوْ

يَسْتَلْقِي كَذَلِكَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاسْتِلْقَاءِ وَالْقُعُودِ كَمَا قَدَّمْنَا فَمِنْ مَانِعٍ وَمُبِيحٍ .
فَسَوَّى ابْنُ حَزْمٍ فِي حِكَايَتِهِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالِاسْتِلْقَاءِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ وَالْقَوْلُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْأَصْلُ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسَبَقَ قَبْلَ فُصُولِ آدَابِ الْأَكْلِ قَبْلَ فَصْلِ اسْتِحْبَابِ الْقَائِلَةِ كَرَاهِيَةُ الِاتِّكَاءِ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَسَبَقَ قَبْلَ فُصُولِ آدَابِ الْمَسْجِدِ قَبْلَ فَصْلِ الْكَفِّ عَنْ مَسَاوِي النَّاسِ كَلَامُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَرَاهَةِ الِاتِّكَاءِ ، وَسَوَاءٌ وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ، وَيَقْتَضِيهِ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ تَجَبُّرٌ .
وَقَوْلُهُ أَهَوَانٌ بِالْجُلَسَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِالْجَمَاعَةِ بَلْ يُكْرَهُ إنْ كَانَ وَحْدَهُ لِعِلَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ لِعِلَّتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : مُرَادُهُ فِي جَمَاعَةٍ وَسَبَقَ بِنَحْوِ نِصْفِ كُرَّاسَةٍ فِي فُصُولِ آدَابِ الْمَسْجِدِ جِلْسَةُ الْمُحْتَبِي وَالْمُتَرَبِّعِ وَتَأْتِي جِلْسَةُ الْمُتَرَبِّعِ فِي اللِّبَاسِ فِي فَصْلِ كَرَاهَةِ النَّظَرِ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ .
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَكْرَهُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسْتَلْقِيَ عَلَى قَفَاهَا قَالَ : إي وَاَللَّهِ ، يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَرِهَهُ وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ عَزَبٌ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَلَفْظُهُ { كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَنَقِيلُ فِيهِ .
} وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَلَفْظُهُ {

كُنَّا نَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَابٌ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَتَّخِذُوهُ مَقِيلًا وَمَبِيتًا قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : عَنْ أَنَسٍ : { قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا فِي الصُّفَّةِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ فُقَرَاءَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَاِتَّخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إلَيْهِ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، وَفِيهِ كَلَامٌ وَبَاقِيهِ ثِقَاتٌ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ { : كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ .
} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ : ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ فَذَكَرَهُ ، إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَسُلَيْمَانُ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ .
وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ بَعْدَ دُخُولِهِ الْكَعْبَةَ فَقَالَ : إنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيْ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي قُبَّةِ الْبَيْتِ شَيْءٌ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد .
وَعَنْ وَاثِلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ

وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَاِتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَيْضًا .
وَفِي حَوَاشِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي عِنْدَ مَسَائِلِ الْقِسْمَةِ قَالَ : مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيِّ خَرَّجَهُ فِي كِتَابِ الْجَمَاعَاتِ وَأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَأَبِي أُمَامَةَ قَالُوا : سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ { : جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ خُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ ، وَلَا تَتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ مَطَاهِرَ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ مَنْ مَرَّ بِنَبْلٍ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ سُوقٍ أَنْ يُمْسِكَ عَلَى نِصَالِهَا .
} وَهَذَا مِنْ شَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةِ النَّارِ .
} يَنْزِعُ مَعْنَاهُ يَرْمِي فِي يَدِهِ وَيُحَقِّقُ ضَرْبَتَهُ .
وَرُوِيَ بِالْغَيْنِ مِنْ الْإِغْرَاءِ أَيْ : يَحْمِلُ عَلَى تَحْقِيقِ الضَّرْبِ وَيُزَيِّنُهُ وَلِمُسْلِمٍ { مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ .
} أَيْ حَتَّى يَدَعَهُ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ هَازِلًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعِ الْمُسْلِمِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا .
} وَرَوَوْا أَيْضًا { لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا .
} إسْنَادُهُمَا

صَحِيحٌ .
وَكَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ .
} وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : رَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صَنَائِعَكُمْ .
}

فَصْلٌ ( السَّابِقُ إلَى مَكَان مُبَاحٍ أَحَقُّ بِهِ ) .
لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إنْسَانًا وَيَجْلِسَ مَكَانَهُ .
مَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ بِقِيَامِهِ إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ مُصَلًّى أَوْ وَطَاءً فَفِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ ، وَالْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَمَنْ جَلَسَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ لِفَتْوَى أَوْ لِإِقْرَاءِ النَّاسِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ أَوْ غَابَ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ قَرِيبًا ، وَإِنْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِيهَا فَقَطْ ، وَإِنْ غَابَ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ قَرِيبًا فَوَجْهَانِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ .

فَصْلٌ ( أَهْلُ الْمَسَاجِدِ أَحَقُّ بِحَرِيمِهَا فَتُمْنَعُ مُزَاحَمَتُهُمْ فِيهَا ) .
قَالَ الْقَاضِي أَمَّا حَرِيمُ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ فَإِنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهَا مُضِرًّا بِأَهْلِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ مُنِعُوا مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ أَحَقُّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا جَازَ الِارْتِفَاقُ بِحَرِيمِهَا ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي حَرِيمِ الْأَمْلَاكِ ؟ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِي الرَّجُلِ يَحْفِرُ فِي فِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَفِي وَسَطِ الْمَسْجِدِ بِئْرًا لِلْمَاءِ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُحْفَرَ وَإِنْ حُفِرَتْ تُطَمَّ .
وَأَمَّا مَا اخْتَصَّ بِأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْمُجْتَازِينَ يُضَيِّقُ الطَّرِيقَ مُنِعُوا مِنْهُ وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا لِسَعَةِ الطَّرِيقِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا الْمَنْعُ أَيْضًا .
( وَالثَّانِيَةُ ) الْجَوَازُ .
قَالَ : وَهَلْ يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ إذْنَهُ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا إذْنَهُ لَا يَكُونُ السَّابِقُ أَحَقَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْجُلُوسِ أَجْرًا .

فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ أَعْمَالِ الدُّنْيَا فِي الْمَقَابِرِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ فِي كِتَابِ الْوَرَعِ : مَا كُرِهَ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا فِي الْمَقَابِرِ قُلْتُ وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَتَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَ الْمَغَازِلَ وَيَأْتِيَ الْمَقَابِرَ فَرُبَّمَا أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَيَدْخُلُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْقِبَابِ فَيَعْمَلُ فِيهَا ؟ فَقَالَ : الْمَقَابِرُ إنَّمَا هِيَ أَمْرُ الْآخِرَةِ ، وَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ .

فَصْلٌ ( فِي تَجْصِيصِ الْمَسَاجِدِ وَالْقُبُورِ وَالْبُيُوتِ ) .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا يَحْتَجُّونَ فِي الْجِصِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَصَّصَ الْحِيطَانُ فَقَالَ : وَإيش بِهَذَا مِنْ الْحُجَّةِ ؟ وَأَنْكَرَهُ وَذَكَرَ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ ابْنَ أَسْلَمَ الطُّوسِيَّ كَانَ لَا يُجَصِّصُ مَسْجِدَهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُ بِطَرَسُوسَ مَسْجِدًا مُجَصَّصًا إلَّا قَلَعَهُ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ الْجِصِّ وَالْآجُرِّ يَفْضُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : يَصِيرُ فِي مِثْلِهِ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَكْحِيلِ الْمَسْجِدِ : { فَقَالَ لَا ، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُطْلَى بِهِ كَالْكُحْلِ } .
أَيْ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي الْغَنِيَّةِ لَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا ، وَسَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُجَصِّصُ فَقَالَ : أَمَّا أَرْضُ الْبَيْتِ فَيَقِيهِمْ مِنْ التُّرَابِ وَكَرِهَ تَجْصِيصَ الْحِيطَانِ قَالَ وَرَأَيْتُ فِي حُجْرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَيْتًا فِيهِ صُوَرٌ سَقْفُهُ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ فَطَمَسْنَاهُ وَهُوَ مَعَنَا حَتَّى بَيَّضْنَا السَّقْفَ كُلَّهُ .
وَذَكَرَ حَدِيثَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ حَمَّرُوا سِقَافَ بَيْتِهِ وَلَعَلَّهُ سَقْفُ بَيْتِهِ قَالَ : لَا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُغَيَّرَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُنَاوَلَةً عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ثَنَا حَمَّادٌ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ عَنْ سَفِينَةَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا ضَافَ عَلِيًّا فَقَالَتْ لَهُ فَاطِمَةُ : لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مَعَنَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ : { لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيٍّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا .
} إسْنَادٌ حَسَنٌ وَسَعِيدٌ فِيهِ كَلَامٌ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ

تَعَالَى وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ .

فَصْلٌ ( إنْكَارُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُتَحَلِّقِينَ فِي الْمَسْجِدِ لِتَفَرُّقِهِمْ حِلَقًا حِلَقًا ) .
تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِئْذَانِ الْجُلُوسُ وَسَطَ الْحَلْقَةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ( بَابٌ فِي التَّحْلِيقِ ) ثَنَا مُسَدِّدٌ ثَنَا يَحْيَى عَنْ الْأَعْمَشِ حَدَّثَنِي الْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ حِلَقٌ فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ } ؟ ثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا قَالَ : كَأَنَّهُ يُحِبُّ الْجَمَاعَةَ ( عِزِينَ ) جَمْعُ عَزَاةٍ أَيْ حَلْقَةٍ وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ .

فَصْلٌ ( فِيمَا وَرَدَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْبِنَاءِ ) لَمْ أَجِدْ أَصْحَابَنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ ذَكَرُوا النَّفَقَةَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْبِنَاءِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي أَبْوَابِ الْآدَابِ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبِنَاءِ ) ثُمَّ رَوَى الْخَبَرَ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّهِ يُطَيِّنَانِ حَائِطًا ، وَفِي لَفْظٍ يُصْلِحَانِ خِصَاصَهُمَا فَقَالَ : الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ .
} حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ثَنَا زُهَيْرٌ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فَرَأَى قُبَّةً فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرَهَا قَالَ مَا فَعَلَتْ الْقُبَّةُ ؟ قَالُوا شَكَا إلَيْنَا صَاحِبُهَا إعْرَاضَكَ عَنْهُ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : أَمَا إنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا مَا لَا إلَّا مَا لَا .
} إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَأَبُو طَلْحَةَ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ ، وَلَفْظُهُ { كَلٌّ عَلَى صَاحِبِهِ .
} وَعِنْدَهُمَا فِي آخِرِهِ ، وَالْكَلُّ الثِّقَلُ قَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ } قَالَ فِي النِّهَايَةِ : : الْوَبَالُ فِي الْأَصْلِ الثِّقَلُ وَالْمَكْرُوهُ وَيُرِيدُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ .
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَبَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَهُوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ : إنَّ الْمَرْءَ الْمُسْلِمَ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إلَّا فِي شَيْءٍ يَجْعَلُهُ فِي التُّرَابِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ خَبَّابٍ مَرْفُوعًا { إنَّ الْعَبْدَ لَيُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إلَّا

فِي التُّرَابِ أَوْ قَالَ فِي الْبِنَاءِ .
} إسْنَادٌ جَيِّدٌ .
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا إثْمَ لَهُ بِذَلِكَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا الْبِنَاءَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ .
} وَرَوَى أَحْمَدُ ثَنَا حَسَنٌ ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ثَنَا زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ وَغَرَسَ غَرْسًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ لَهُ أَجْرًا جَارِيًا مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ .
} إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْكَنَ لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ فَيَجِبُ تَحْصِيلُهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَمَوْتُهُ عَنْهُ كَبَقِيَّةِ مَالِهِ الْمُخَلَّفِ عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ يُثَابُ عَلَيْهِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { إنَّكَ إنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تُعَدُّ فِي الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ إسْرَافًا وَاعْتِدَاءً وَمُجَاوَزَةً لِلْحَدِّ فَلَا بَأْسَ بِهَا لَا تُكْرَهُ ، وَهَلْ يُثَابُ عَلَيْهَا ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .
وَالْأَحَادِيثُ مُحْتَمِلَةٌ وَلَعَلَّ ظَاهِرَهَا مُخْتَلِفٌ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِثَابَةِ ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لِلْإِثَابَةِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } .
أَيْ : فِي غَيْرِ إسْرَافٍ قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ سُبْحَانَهُ الْجِهَةَ الْمُنْفَقَ فِيهَا .
وَإِخْرَاجُ مَا جَاوَزَ الْحَدَّ وَأَسْرَفَ فِيهِ لِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إخْرَاجُ مَا دُونَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلِيلٍ يُخْرِجُ ذَلِكَ ، وَقَدْ قِيلَ : فِي الْآيَةِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَظَاهِرُهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْكَرَمِ وَالْبُخْلِ بَعْدَ فُضُولِ الْكَسْبِ

بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " أَنْفِقْ يُنْفَقْ عَلَيْكَ " ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيَسُرُّ النَّفْسَ ، وَقَدْ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ وَقَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَمَحْذُورُ الْإِسْرَافِ مُنْتَفٍ فَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْإِسْرَافُ وَالِاعْتِدَاءُ فِي ذَلِكَ فَظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ تَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَمْ يُخَالِفَاهَا كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْمُحَرَّمِ لَا يُقَالُ عَادَةً وَغَالِبًا لَا أَجْرَ لَهُ وَلَا تُخْلَفُ نَفَقَتُهُ بَلْ يُقَالُ : يَعْصِي وَيَأْثَمُ وَيُعَاقَبُ فَيُذْكَرُ الْمَعْنَى الْمُخْتَصُّ بِعَمَلِهِ ، وَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِالْوَبَالِ وَالْكَلِّ فِي الْخَبَرِ الثِّقَلُ فَيُؤْتَى بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لِكَرَاهَةِ الْفِعْلِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَدْمِ تِلْكَ الْقُبَّةِ وَلَا طَلَبَ صَاحِبَهَا فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ ، وَهَذَا وَاضِحٌ .
وَعَلَى هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرُ وَاضِحٍ وَلَا مُتَّجَهٍ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحُهُ بِأَنَّهُ يُحْجَرُ عَلَى مَنْ بَذَلَهُ فِي مُبَاحٍ زَائِدًا عَلَى الْمَصْلَحَةِ ، وَالْمَسْأَلَةُ سَبَقَتْ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَمَذْكُورَةٌ فِي الْفِقْهِ فِي بَابِ الْحَجْرِ .
وَحَيْثُ حَرُمَ أَوْ كُرِهَ فَأُجْرَةُ فَاعِلِهِ تَابِعَةٌ لِذَلِكَ كَمَا يَأْتِي فِي خِيَاطَةِ الْمَلْبُوسِ إذَا حَرُمَ حَرُمَتْ الْأُجْرَةُ ، وَسَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْإِسْرَافِ فِي مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ فِي آدَابِ الْأَكْلِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بِنَاءَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْمَرْءُ وَعِيَالَهُ وَمَالَهُ مِنْ الْعُيُونِ وَالْبَرْدِ وَالْحَرِّ أَوْ الْمَطَرِ فَرْضٌ وَاكْتِسَابِ مَنْزِلٍ أَوْ مَسْكَنٍ يَسْتُرُ مَا ذَكَرْنَا ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ قَبْلَهُ مُبَاحٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا

فَمِنْ كَارِهٍ وَمِنْ غَيْرِ كَارِهٍ ، وَسَبَقَ كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ فِي هَذَا فِي فُصُولِ الْكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ حَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الْأَحْوَالِ وَطَرِيقَهُ خَيْرُ الطُّرُقِ لِمَا عُلِمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ سَفَرٍ لَا دَارُ إقَامَةٍ اتَّخَذَ مَسَاكِنَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ تَسْتُرُ عَنْ الْعُيُونِ وَتَقِي مَضَرَّةَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ وَالرِّيَاحِ وَتَحْفَظُ مَا وُضِعَ فِيهَا مِنْ دَابَّةٍ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُزَخْرِفْهَا وَلَمْ يُشَيِّدْهَا وَلَمْ تَكُنْ ثَقِيلَةً فَيَخَافَ سُقُوطَهَا وَلَا وَاسِعَةً رَفِيعَةً فَتُعَشِّشَ فِيهَا الْهَوَامُّ وَتَصِيرَ مَهَبًّا لِلرِّيَاحِ الْمُؤْذِيَةِ ، وَلَا هِيَ مَسَاكِنُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَتُشْبِهَ مَسَاكِنَ الْجَبَابِرَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَرُبَّمَا تَأَذَّى سَاكِنُهَا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ الْهَوَاءِ أَوْ الشَّمْسِ أَوْ عَدَمِهِمَا أَوْ بِالظُّلْمَةِ أَوْ بِبَعْضِ الْهَوَامِّ ، بَلْ هِيَ مَسَاكِنُ مُتَوَسِّطَةٌ حَسَنَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ بِعَرَقِهِ وَرَائِحَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُحِبُّ التَّطَيُّبَ وَيَتَّخِذُهُ كَمَا سَبَقَ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ مِنْ فُصُولِ الطِّبِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ ( مُضَاعَفَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ) .
وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِينَ أَلْفًا ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَإِذَا فَضِيلَةُ النَّفْلِ فِيهَا عَلَى النَّفْلِ فِي غَيْرِهَا كَفَضِيلَةِ الْفَرْضِ فِيهَا عَلَى الْفَرْضِ فِي غَيْرِهَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَزَادَ لِلْأَثَرِ .
وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ وَلَمْ أَجِدْ أَثَرًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا حَدِيثَ أَنَسٍ الْآتِيَ وَوَقَعَ لَهُمْ فِيهِ غَلَطٌ ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ وَكَذَا قَالَهُ مُطَرِّفٌ الْمَالِكِيُّ وَخَصَّهَا الطَّحَاوِيَّ الْحَنَفِيُّ بِالْفَرْضِ .
وَقَالَ الْقَاضِي السُّرُوجِيُّ الْحَنَفِيُّ : اسْمُ الصَّلَاةِ يَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ ثُمَّ قَالَ : وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَمَلَ هَذَا الْخَبَرَ يَعْنِي صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا عَلَى الْفَرْضِ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } وَلَمْ يَزِدْ السُّرُوجِيُّ عَلَى هَذَا .
وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابَ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ قَالَ : قَالُوا : وَلِأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِهَا مِنْ تَحْصِيلِ الْعِبَادَاتِ وَتَضْعِيفِهَا مَا لَا يَكُونُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا تَتَضَاعَفُ هِيَ وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اسْتِدْلَالِهِ لِأَفْضَلِيَّةِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ عَنْ { مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ : أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ .
قَالَتْ : أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يُطِقْ أَنْ يَتَحَمَّلَ إلَيْهِ أَوْ يَأْتِيَهُ قَالَ فَلْيُهْدِ لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ فَإِنَّ مَنْ أَهْدَى كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ } .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقِّيِّ عَنْ عِيسَى كَذَلِكَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ مِسْكِينِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَوْدَةَ عَنْهَا فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ نَكَارَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّ الزَّيْتَ يَعِزُّ فِي الْحِجَازِ فَكَيْفَ يَأْمُرُ الشَّارِعُ بِنَقْلِهِ مِنْ هُنَاكَ إلَى مَعْدِنِهِ ؟ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا رُزَيْقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَلْهَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجْمِعُ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ .
} أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا لَا يُعْرَفُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ : ( أَحَدُهَا ) { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .
} ( وَالْآخَرُ ) { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قِيلَ : كَمْ كَانَ

بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ عَامًا } وَالْآخَرُ { أَنَّ الصَّلَاةَ تَعْدِلُ سَبْعَمِائَةِ صَلَاةٍ .
} كَذَا قَالَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ .
} وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَزَادُوا { وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ } وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادُوا { وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي هَذَا } فَعَلَى هَذَا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ تَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا أَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْفَ ، وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ سِوَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، وَالْقَوْلُ بِهَذَا أَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي أَحْكَامِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ .
وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّفَلَ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ قَالَ : عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ إلَّا النِّسَاءَ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ ، وَالْأَخْبَارُ مَشْهُورَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ : ثَنَا هَارُونُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ثَنَا دَاوُد بْنُ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا { جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ

الصَّلَاةَ مَعِي ، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي قَالَ : فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا ، وَاَللَّهِ كَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُوَيْدٍ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَقَالَ : رَوَى عَنْهُ دَاوُد بْنُ قَيْسٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَفِيهِ جَهَالَةٌ لَكِنْ الْمُتَقَدِّمُونَ حَالُهُمْ حَسَنٌ وَبَاقِي رِجَالِهِ ثِقَاتٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانَ فِي زَمَانِهِ لَا مَا زِيدَ فِيهِ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَسْجِدِي هَذَا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَنَّ حُكْمَ الزَّائِدِ حُكْمُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَأَنْ أُصَلِّيَ عَلَى رَمْلَةٍ حَمْرَاءَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَوْ سِرْتُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَّا فَرْسَخٌ أَوْ فَرْسَخَانِ مَا أَتَيْتُهُ أَوْ مَا أُحِبُّ أَنْ آتِيَهُ رَوَاهُمَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالْإِسْنَادُ صَحِيحٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ .

فَصْلٌ ( زِيَادَةُ الْوِزْرِ كَزِيَادَةِ الْأَجْرِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الْمَعَاصِي فِي الْأَيَّامِ الْمُعَظَّمَةِ وَالْأَمْكِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ تُغَلَّظُ مَعْصِيَتُهَا وَعِقَابُهَا بِقَدْرِ فَضِيلَةِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ فِي التَّرْغِيبِ ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ حَمْدَيْهِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ ثَنَا أَبُو خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ وَفِي آخِرِهِ { فَاتَّقُوا شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ وَكَذَلِكَ السَّيِّئَاتُ } وَهُوَ خَبَرٌ ضَعِيفٌ .

فَصْلٌ ( دُخُولُ مَعَابِدِ الْكُفَّارِ وَالصَّلَاةُ فِيهَا وَشُهُودُ أَعْيَادِهِمْ ) .
وَلَهُ دُخُولُ بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَالصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ وَعَنْهُ ، يُكْرَهُ إنْ كَانَ ثَمَّ صُورَةٌ ، وَقِيلَ : مُطْلَقًا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي لَا صُوَرَ فِيهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُكْرَهُ كَاَلَّتِي فِيهَا صُوَرٌ ، وَحَكَى فِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الْكَنَائِسَ لِأَجْلِ الصُّوَرِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ لَهَا وَقِيلَ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِمْ .
وَلَنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ } ثُمَّ قَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فَصَلِّ فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ .
} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُخُولُ مَسْجِدٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ كَذَلِكَ ، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَاحْتَجَّ فِي الْمُغْنِي بِدُخُولِ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ، وَيُبَاحُ تَرْكُ الدَّعْوَةِ لِأَجْلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ بِاِتِّخَاذِهِ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ : إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى السُّتُورِ وَمَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ قَالَ فِي صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى بَابِ الْحَمَّامِ أَوْ دَاخِلِهِ : مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلْيَعْدِلْ إلَى حَمَّامٍ آخَرَ .
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مُنْكَرَاتِ الضِّيَافَةِ أَنَّ تَعْلِيقَ السُّتُورِ وَفِيهَا الصُّوَرُ مُنْكَرٌ يَجِبُ تَغْيِيرُهُ وَمَنْ عَجَزَ لَزِمَهُ

الْخُرُوجُ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ .
وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شُهُودُ أَعْيَادِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : لَا يَجُوزُ شُهُودُ أَعْيَادِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قَالَ الشَّعَانِينُ : وَأَعْيَادُهُمْ فَأَمَّا مَا يَبِيعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ فَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فَقَالَ : إنَّمَا يُمْنَعُونَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ ، فَأَمَّا مَا يُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ الْمَأْكَلِ فَلَا ، وَإِنْ قَصَدَ إلَى تَوْفِيرِ ذَلِكَ وَتَحْسِينِهِ لِأَجْلِهِمْ .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : فِي جَامِعِهِ ( بَابٌ فِي كَرَاهِيَةِ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ ) وَذَكَرَ عَنْ مُهَنَّا قَالَ سَأَلْتُ : أَحْمَدَ عَنْ شُهُودِ هَذِهِ الْأَعْيَادِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَنَا بِالشَّامِ مِثْلَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَأَشْبَاهِهِ يَشْهَدُهُ الْمُسْلِمُونَ يَشْهَدُونَ الْأَسْوَاقَ وَيَجْلِبُونَ فِيهِ الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَالدَّقِيقَ وَالْبُرَّ وَغَيْرَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَسْوَاقِ ، يَشْتَرُونَ وَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ قَالَ : إذَا لَمْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ السُّوقَ فَلَا بَأْسَ .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : فَإِنَّمَا رَخَّصَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي دُخُولِ السُّوقِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ بِيَعَهُمْ فَعُلِمَ مَنْعُهُ مِنْ دُخُولِ بِيَعِهِمْ ، وَكَذَلِكَ أَخَذَ الْخَلَّالُ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ خُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيَادِهِمْ فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ دُخُولِ كَنَائِسِهِمْ فِي أَعْيَادِهِمْ وَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِهِمْ قَالَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مَسْأَلَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ حُضُورِ أَعْيَادِهِمْ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ

بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ الدُّخُولِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ يَوْمَ نَيْرُوزِهِمْ وَمِهْرَجَانِهِمْ .
عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الْأَعَاجِمِ وَلَا تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَلَى هَذَا لَا نَدَعُهُمْ يُشْرِكُونَا فِي عِيدِنَا يَعْنِي لِاخْتِصَاصِ كُلِّ قَوْمٍ بِعِيدِهِمْ قَالَ : وَأَمَّا الرَّطَانَةُ وَتَسْمِيَةُ شُهُورِهِمْ بِالْأَسْمَاءِ الْأَعْجَمِيَّةِ فَقَالَ حَرْبٌ : ( بَابُ تَسْمِيَةِ الشُّهُورِ بِالْفَارِسِيَّةِ ) قُلْتُ : لِأَحْمَدَ فَإِنَّ لِلْفُرْسِ أَيَّامًا وَشُهُورًا يُسَمُّونَهَا بِأَسْمَاءِ لَا تُعْرَفُ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ وَرَوَى فِيهِ عَنْ مُجَاهِدٍ حَدِيثًا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ أذرماه وذماه قُلْتُ : فَإِنْ كَانَ اسْمَ رَجُلٍ أُسَمِّيهِ بِهِ فَكَرِهَهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِنَهْيِ عُمَرَ عَنْ الرَّطَانَةِ مُطْلَقًا .
وَقَالَ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ أَنْ يُسَمِّيَ بِغَيْرِهَا أَوْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا خَالِطًا لَهَا بِالْعَجَمِيَّةِ فَذَكَرَ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ آثَارًا .

فَصْلٌ ( النَّظَرُ فِي النُّجُومِ وَمَا يُقَالُ عِنْدَ الرَّعْدِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ) .
وَلَا يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ إلَّا بِمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ عِنْدَ الِالْتِبَاسِ وَآخِرَ اللَّيْلِ وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ .
} زَادَ مَا زَادَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَفِي بَابِ الْمُرْتَدِّ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ثُمَّ أَمْسِكُوا وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ : عِلْمُ النُّجُومِ عَلَى الْعُقُولِ وَبَالٌ وَطِلَابُ شَيْءٍ لَا يُنَالُ ضَلَالٌ هَيْهَاتَ مَا أَحَدٌ مَضَى ذُو فِطْنَةٍ يَدْرِي مَتَى الْأَرْزَاقُ وَالْآجَالُ إلَّا الَّذِي هُوَ فَوْقَ سَبْعِ سَمَائِهِ وَلِوَجْهِهِ الْإِعْظَامُ وَالْإِجْلَالُ وَقَالَ آخَرُ : لَوْ أَنَّ نَجْمًا تَكَلَّمْ لَقَالَ صُكُّوا الْمُنَجِّمْ لِأَنَّهُ قَالَ جَهْلًا بِالْغَيْبِ مَا لَيْسَ يَعْلَمْ وَرَوَى أَحْمَدُ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ { كُنَّا مَعَ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا فَرَأَى كَوْكَبًا انْقَضَّ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : إنَّا قَدْ نُهِينَا أَنْ نُتْبِعَهُ أَبْصَارَنَا } إسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ بْنُ الْمُنْجِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : كَانَ السَّلَفُ يَكْرَهُونَ الْإِشَارَةَ إلَى الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ وَيَقُولُونَ : عِنْدَ ذَلِكَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ، فَيُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّوَاعِقَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ ، وَلَا

تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ اللَّهُمَّ : أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ وَيَقُولُ : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ وَيَقُولُ : آمَنْتُ بِاَلَّذِي خَلَقَكَ ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ الْحُبَابِ أَخْبَرَهُمْ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ } ، مُرْسَلٌ حَسَنٌ وَأَبُو هِلَالٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ .
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ الْقَدَرِ ، وَمِنْ سُوءِ الْمَحْشَرِ } .

فَصْلٌ ( النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ وَمَا يُقَالُ : عِنْدَ هُبُوبِهَا وَعِنْدَ رُؤْيَةِ السَّحَابِ وَالْمَطَرِ ) .
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ ، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ .
} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا مِنْ اللَّهِ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى سَحَابًا مُقْبِلًا مِنْ أُفُقٍ مِنْ الْآفَاقِ تَرَكَ مَا هُوَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَسْتَقْبِلَهُ فَيَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أُرْسِلَ بِهِ فَإِنْ أَمْطَرَ قَالَ اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ، وَإِنْ كَشَفَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُمْطِرْ حَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ .
} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ .
وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَالصَّيِّبُ الْعَطَاءُ وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ .

فَصْلٌ ( النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ وَنِسْبَةِ الشَّرِّ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ اللَّهُ وَعَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ هَلَكَ النَّاسُ ) .
مِنْ النَّاسِ مَنْ يَفْعَلُ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالْمَصَائِبِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ مِنْ سَبِّ الدَّهْرِ وَالزَّمَانِ فَلِهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
} وَفِيهِمَا { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } .
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ .
} أَيْ : إنَّكُمْ إذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَ ذَلِكَ وَقَعَ السَّبُّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ ، وَالدَّهْرُ لَا فِعْلَ لَهُ بَلْ مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ } بِرَفْعِ الْكَافِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَشْهَرُ أَيْ : أَشَدُّهُمْ هَلَاكًا .
وَرُوِيَ أَهْلَكَهُمْ بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ جَعَلَهُمْ هَالِكِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ هَلَكُوا فِي الْحَقِيقَةِ وَهَذَا النَّهْيُ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِقَارِ وَالْإِزْرَاءِ عَلَى النَّاسِ وَتَفْضِيلِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ تَحَزُّنًا لِمَا يَرَى مِنْ النَّقْصِ فِي أَمْرِ الدِّينِ زَادَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي نَفْسِهِ وَفِي النَّاسِ فَلَا بَأْسَ كَمَا قَالَ : يَعْنِي الصَّحَابِيَّ أَظُنُّهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ لَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا .
هَكَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَتَابَعَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا الْمَعْنَى تَحَزُّنًا لِمَا يَرَاهُ فِيهِمْ مِنْ النَّقْصِ فَلَا بَأْسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَا يُزَكِّي نَفْسَهُ .

قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَعِيبُ النَّاسَ وَيَذْكُرُ مَسَاوِيَهُمْ وَيَقُولُ : فَسَدَ النَّاسُ وَهَلَكُوا وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ : أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُمْ بِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْإِثْمِ فِي عَيْبِهِمْ وَالْوَقِيعَةِ فِيهِمْ وَرُبَّمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى الْعَجَبِ بِنَفْسِهِ وَرُؤْيَتِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ مَنْ فَتَحَهَا كَانَتْ فِعْلًا مَاضِيًا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَيِّسُونَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ يَقُولُونَ : هَلَكَ النَّاسُ أَيْ : اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِسُوءِ أَعْمَالِهِمْ ، فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَهُ لَهُمْ لَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ هُوَ الَّذِي لَمَّا قَالَ لَهُمْ وَآيَسَهُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي الْهَلَاكِ ، وَأَمَّا الضَّمُّ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ أَيْ أَكْثَرُهُمْ هَلَاكًا ، وَهُوَ الرَّجُلُ يُولَعُ بِعَيْبِ النَّاسِ وَيَرَى لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلًا .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ : مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ .
} أَوْ كَمَا قَالَ : الْمُرَادُ حَبَطَ بِقَدْرِ هَذِهِ السَّيِّئَةِ لَا كُلُّ عَمَلِهِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي فُصُولِ التَّوْبَةِ .

فَصْلٌ ( فِي قَوْلِ حَرَثْتُ بَدَلَ زَرَعْتُ مُوَافِقَةً لِلْآيَةِ ) .
رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَرَمِيُّ ثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُولُ : أَحَدُكُمْ زَرَعْتُ لِيَقُلْ حَرَثْتُ .
} قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ أَبِي يَعْلَى تَفَرَّدَ بِهِ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَمَخْلَدٌ مِنْ الثِّقَاتِ الْعُقَلَاءِ قَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ أَعْقَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ .

فَصْلٌ ( النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا ؛ لِأَنَّ الْكَرْمَ يُطْلَقُ عَلَى الْخَمْرِ ) .
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ .
} وَفِي لَفْظٍ { فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ .
} وَلِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ { وَلَكِنْ قُولُوا حَدَائِقَ الْأَعْنَابِ .
} وَتُرْجِمَ عَلَيْهِ ( بَابٌ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ ) وَلِمُسْلِمٍ عَنْ وَائِلٍ مَرْفُوعًا { لَا تَقُولُوا الْكَرْمَ وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبْلَةَ } وَالْحَبْلَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِهَا شَجَرَةُ الْعِنَبِ فَفِي هَذَا كَرَاهِيَةُ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ أَوْ شَجَرَتِهِ كَرْمًا ، بَلْ يُقَالُ : عِنَبٌ أَوْ حَبَلَةٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُطْلِقُ الْكَرْمَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْهُ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ إطْلَاقِهَا عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بِهَا الْخَمْرَ فَيَقَعُونَ فِيهَا ، وَقَالَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْكَرْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَرَمِ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَسُمِّيَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَالرَّجُلُ الْمُسْلِمُ كَرْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ : رَجُلٌ كَرْمٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَكَذَا رَجُلَانِ وَرِجَالٌ وَامْرَأَةٌ وَنِسْوَةٌ وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ كَضِيقٍ وَعَدْلٍ وَسَبَقَ الْمُفْرَدَاتُ مِنْ الطِّبِّ .

فَصْلٌ : لِيَقُلْ الْمَرْءُ لَقَسَتْ نَفْسِي بَدَلَ خَبُثَتْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقَسَتْ نَفْسِي .
} وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَفْظُ الْخُبْثِ وَبَشَاعَةُ الِاسْمِ ، وَمَعْنَى لَقَسَتْ عَتَتْ وَقِيلَ : ضَاقَتْ ، وَإِنَّمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الَّذِي يَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ فَأَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ؛ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ صِفَةِ غَيْرِهِ وَعَنْ شَخْصٍ مُبْهَمٍ مَذْمُومٍ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ رَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ عَائِشَةَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ جَاشَتْ نَفْسِي } .

فَصْلٌ قَالَ أَبُو دَاوُد ثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ يَعْنِي الْحَذَّاءَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ : { كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَثَرَتْ دَابَّتُهُ فَقُلْتُ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَقَالَ : لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولُ : بِقُوَّتِي ، وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ } .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ الثَّقَفِيِّ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ فَذَكَرَهُ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ رِدْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ بْنُ حُمْرَانَ الْقَيْسِيُّ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ هَذَا حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَأَبُو تَمِيمَةَ طَرِيفٌ بْنُ مُجَالِدٍ وَأَبُو الْمَلِيحِ هُوَ ابْنُ أُسَامَةَ وَمُحَمَّدٌ بْنُ حُمْرَانَ لَهُ إفْرَادٌ وَغَرَائِبُ .
يُقَالُ : تَعِسَ يَتْعَسُ إذَا عَثَرَ وَانْكَبَّ لِوَجْهِهِ وَقَدْ تُفْتَحُ الْعَيْنُ وَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ .

فَصْلٌ ( مَا وَرَدَ فِي قَطْعِ شَجَرِ السِّدْرِ وَسَبِّهِ ) قَالَ أَبُو دَاوُد : فِي الْأَدَبِ فِي ( بَابِ قَطْعِ السِّدْرِ ) ثَنَا نَصْرٌ بْنُ عَلِيٍّ أَنْبَأَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ .
{ مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ .
} ثَنَا مَخْلَدٌ بْنُ خَالِدٍ وَسَلَمَةُ يَعْنِي ابْنَ شَبِيبٍ قَالَا : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُهُ .
ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَا : ثَنَا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ : سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَصْرِ عُرْوَةَ فَقَالَ : أَتَرَى هَذِهِ الْأَبْوَابَ الْمَصَارِيعَ إنَّمَا هِيَ مِنْ سِدْرٍ عُرْوَةُ يَقْطَعُهُ مِنْ أَرْضِهِ وَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ وَزَادَ أَحْمَدُ فَقَالَ هِيَ يَا عِرَاقِيُّ جِئْتَنِي بِبِدْعَةٍ قَالَ : قُلْتُ إنَّمَا الْبِدْعَةُ مِنْ قِبَلِكُمْ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ بِمَكَّةَ { : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَطَعَ السِّدْرَ } ثُمَّ سَاقَ مَعْنَاهُ .
انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ عِلَّةً لِلْأَوَّلِ ، وَلَعَلَّ أَبَا دَاوُد أَرَادَ هَذَا .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْعُقَيْلِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَوْ مَنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ فِي الْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ دُونَ هَذَا .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : قِيلَ : أَرَادَ سِدْرَ مَكَّةَ وَقِيلَ : الْمَدِينَةِ لِيَكُونَ أُنْسًا وَظِلًّا لِلْمُهَاجِرِينَ إلَيْهَا ، وَقِيلَ : أَرَادَ السِّدْرَ فِي الْفَلَاةِ يَسْتَظِلُّ بِهِ أَبْنَاءُ

السَّبِيلِ وَالْحَرَّانُ أَوْ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ قَالَ : وَمَعَ هَذَا فَالْخَبَرُ مُضْطَرِبُ الرِّوَايَةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ هُوَ يَقْطَعُهُ قَالَ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى إبَاحَةِ قَطْعِهِ وَفِي هَذَا الْإِجْمَاعِ مَعَ ذِكْرِهِ الْقَوْلَ الثَّالِثَ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَحْرُمُ ، وَأَرَادَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْكَرَاهَةَ ، وَقَوْلُهُ : أَكْثَرُ مَا يُرْوَى عَنْ عُرْوَةَ مُتَوَجَّهٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فِي الْأَدَبِ مِنْ مَسَائِلِهِ سَأَلْتُهُ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ عَنْ السِّدْرَةِ تَكُونُ فِي الدَّارِ فَتُؤْذِي أَتُقْطَعُ قَالَ : لَا تُقْطَعُ مِنْ أَصْلِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ تُقْطَعَ شَاخَاتُهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : هَذَا النَّصُّ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَطْعِ ، وَتَضْعِيفُهُ لِلْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ فَيَكُونُ عَنْهُ رِوَايَتَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَالْخَبَرُ الضَّعِيفُ يَحْتَجُّ بِهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَقَدْ يُقَالُ : إذَا ضَعَّفَ أَحْمَدُ الْخَبَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُخَرَّجَ الْعَمَلُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي آدَابِ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرَ فِي مَقْبُولِ الْمَنْقُولِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ اللَّوَاحِقِ أَنَّ أَبَا دَاوُد سُئِلَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي { مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ عَبَثًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ } .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ سَبِّ الدِّيكِ ) .
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ .
} إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ .

فَصْلٌ فِي الرُّؤْيَا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ فِيهَا وَلَا يَعْبُرَهَا عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْخَيْرِ وَلَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ التَّحْرِيمَ .
قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ بَعْضَ مَا يَكْرَهُهُ تَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَتَعَوَّذَ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَآهُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبَزْقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ أَوَّلُهُ الْبَزْقُ ثُمَّ التَّفْلُ ثُمَّ النَّفْثُ ثُمَّ النَّفْخُ وَقَدْ تَفَلَ يَتْفُلُ وَيَتْفِلُ وَكَذَا نَفَثَ يَنْفُثُ .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
} وَفِي رِوَايَةٍ { أَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا .
} قِيلَ " إذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ " أَيْ : اعْتَدَلَ لَيْلُهُ وَنَهَارُهُ وَهُوَ أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الرُّؤْيَا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ إذَا قَارَبَ الْقِيَامَةَ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا { وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٍ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ، وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ } .
وَلِمُسْلِمٍ { رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
} وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
} وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قِيلَ : وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ .
}

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ مِنْ أَجْزَاءٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ ، وَالْأَشْهَرُ { مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ .
} قِيلَ : لِأَنَّهُ أَقَامَ يُوحَى إلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يَرَى فِي الْمَنَامِ الْوَحْيَ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ لِلْمَنَامَاتِ شَبَهًا مِمَّا حَصَلَ لَهُ وَمَرْتَبَةً مِنْ النُّبُوَّةِ بِجُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إنَّمَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ .
قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الرُّؤْيَا تَأْتِي عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّ فِي الْمَنَامِ إخْبَارٌ بِالْغَيْبِ وَهُوَ إحْدَى ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ وَهُوَ يَسِيرٌ فِي جَنْبِ النُّبُوَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا يُشَرِّعُ الشَّرَائِعَ وَيُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ وَلَا يُخْبِرُ بِغَيْبٍ أَبَدًا ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي نُبُوَّتِهِ ، وَهَذَا الْجُزْءُ مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ إذَا وَقَعَ لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا ، وَقِيلَ : هَذَا الِاخْتِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي ، فَالصَّالِحُ رُؤْيَاهُ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، وَالْفَاسِقُ مِنْ سَبْعِينَ ، وَقِيلَ : الْجَلِيُّ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْخَفِيُّ مِنْ سَبْعِينَ وَيَأْتِي كَلَامُ مَالِكٍ .
وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ .
} وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { لَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : لَكِنْ الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا : وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ : رُؤْيَا الْمُسْلِمِ ، وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ .
} رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ

رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي .
} قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَوْ رَآهُ عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ أَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ غَلِطَ فِي بَعْضِ صِفَاتِهِ وَتَخَيَّلَ لَهَا عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْئِيِّ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ { فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ } وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ فِي مَنَامِهِ أَوْ نَهَاهُ ، وَتَلْخِيصُهُ أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْيَقَظَةِ شَرْعًا إجْمَاعًا نَظَرًا إلَى تَرْجِيحِ الدَّلِيلَيْنِ ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَقَظَةِ فَهَلْ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فِي أَوَاخِرِ مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ عَنْ قَوْلِ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ إنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا سَمِعَهُ مِنْ أَبَانَ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ فَمَا عَرَفَ مِنْهُ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ : وَهَذَا وَمِثْلُهُ اسْتِئْنَاسٌ وَاسْتِظْهَارٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ ضَعْفِ أَبَانَ لَا أَنَّهُ يَقْطَعُ بِأَمْرِ الْمَنَامِ لَا أَنَّهُ يَبْطُلُ بِسَبَبِهِ سُنَّةٌ ثَبَتَتْ وَلَا يَثْبُت بِهِ سُنَّةٌ لَمْ تَثْبُتْ ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ : وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ : مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فَنَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَيَّرُ بِسَبَبِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَهُ : { مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي } فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ صَحِيحَةٌ ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ وَتَلَبُّسِ الشَّيْطَانِ ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِهِ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ النَّوْمِ

لَيْسَتْ حَالَةَ ضَبْطٍ وَتَحْقِيقٍ لِمَا يَسْمَعُهُ الرَّائِي .
وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا لَا مُغَفَّلًا وَلَا سَيِّئَ الْحِفْظِ وَلَا كَثِيرَ الْخَطَإِ وَلَا مُخْتَلَّ الضَّبْطِ ، وَالنَّائِمُ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ لِاخْتِلَالِ ضَبْطِهِ ، أَمَّا إذَا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُهُ بِفِعْلٍ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ يُرْشِدُهُ إلَى فِعْلِ مَصْلَحَةٍ فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْعَمَلِ عَلَى وَفْقِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْمَنَامِ بَلْ بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَصْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ .
وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : أَيْضًا لَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي قَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ .
} : إنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا ، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلَا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا { الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ ، وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا فَلْيَنْفُثْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ .
} وَفِي رِوَايَةٍ { فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ ثَلَاثًا .
} وَفِي رِوَايَةٍ { فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا .
وَلِمُسْلِمٍ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ

الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ .
} وَفِي رِوَايَةٍ { الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالرُّؤْيَا السُّوءُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا ، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبَشِّرْ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إلَّا مَنْ يُحِبُّ } .
وَفِي رِوَايَةٍ { فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ .
} رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
الْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَالْفِعْلُ مِنْهُ حَلَمَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فَلْيَنْفُثْ " وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْكُلَّ بِمَعْنًى وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْجَمِيعِ النَّفْثُ فَإِنَّهُ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ .
} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ وَاثِلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ ، أَوْ يَقُولَ : عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ .
} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَحْمَدَ { أَعْظَمُ الْفِرَى } بِإِسْقَاطِ مِنْ وَلِلْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ .
} وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ { أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالْأَسْحَارِ } .
وَفِي خَبَرِ أَنَسٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ فَإِذَا رَأَى الرَّجُلُ رُؤْيَا فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إلَيْهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَرَأَى خُزَيْمَةُ أَنَّهُ

يُقَبِّلُهُ فَتَأَوَّلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَ وَجْهَهُ .
} .
وَفِي رِوَايَةٍ { رَأَى أَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ فَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ : صَدِّقْ رُؤْيَاكَ فَسَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ .
{ وَرَأَى الطُّفَيْلُ بْنُ سَخْبَرَةَ رَهْطًا مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ : إنَّكُمْ أَنْتُمْ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ ثُمَّ رَأَى رَهْطًا مِنْ النَّصَارَى قَالَ : إنَّكُمْ أَنْتُمْ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ .
وَكِلَاهُمَا قَالَ لَهُ ، وَأَنْتُمْ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرَ مَنْ أَخْبَرَ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : أَخْبَرْتَ أَحَدًا قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا صَلَّوْا خَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : إنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ وَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ .
ثَنَا عَفَّانَ ثَنَا حَمَّادٌ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ طُفَيْلٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَقُصَّ الرُّؤْيَا إلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ مَرْفُوعًا { الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَلَا تَقُصَّهَا إلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ } وَكِيعٌ تَفَرَّدَ عَنْهُ يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي لَفْظٍ { مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ } .
وَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ .
قِيلَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيَعْبُرُ الرَّجُلُ الرُّؤْيَا عَلَى

الْخَيْرِ ، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الشَّرِّ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَبِالنُّبُوَّةِ تَلْعَبُ ؟ هِيَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ .
قَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : رَأَيْتُ عَلِيًّا بْنَ عَاصِمٍ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لِي بِالِانْحِدَارِ يَعْنِي مِنْ الْعَسْكَرِ أَيَّامَ الْمُتَوَكِّلِ بِلَيْلَتَيْنِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ نَسِيتُهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَأَوَّلْتُهُ : عَلِيٌّ عُلُوٌّ وَعَاصِمٌ عِصْمَةُ اللَّهِ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ .
وَرَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ فَأَوَّلْتُ : الرِّفْعَةُ لَنَا فِي الدُّنْيَا ، وَالْعَاقِبَةُ لَنَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ .
} قَوْلُهُ : بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الرُّطَبِ مَعْرُوفٌ يُقَالُ : لَهُ رُطَبُ ابْنِ طَابٍ وَتَمْرُ ابْنِ طَابٍ وَعِذْقُ ابْنِ طَابٍ وَعُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ .
وَهُوَ مُضَافٌ إلَى ابْنِ طَابٍ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَوْلُهُ : " وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ " أَيْ : كَمُلَ وَرَأَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً سَوْدَاءَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ بِمَهْيَعَةَ فَتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .

فَصْلٌ الرُّؤْيَا اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَالَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِنِيُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي حَقِيقَةِ الرُّؤْيَا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي قَلْبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ كَمَا يَخْلُقُهَا فِي قَلْبِ الْيَقْظَانِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ فَإِذَا خَلَقَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ تَلْحَقُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ أَوْ كَانَ قَدْ خَلَقَهَا ، فَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْبِ النَّائِمِ الطَّيَرَانَ وَلَيْسَ بِطَائِرٍ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَمْرًا عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ عَلَمًا عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا يَكُونُ خَلْقُ اللَّهِ الْغَيْمَ عَلَمًا عَلَى الْمَطَرِ ، وَالْجَمِيعُ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ يَخْلُقُ الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى مَا يَسُرُّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطَانِ وَيَخْلُقُ مَا هُوَ عَلَمٌ عَلَى مَا يَضُرُّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ فَتُنْسَبُ إلَى الشَّيْطَانِ مُجَازَاةً لِحُضُورِهِ عِنْدَهَا وَإِنْ كَانَ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً .
وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { اعْتَبِرُوهَا بِأَسْمَائِهَا وَكَنُّوهَا بِكُنَاهَا وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ .
} .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَا رُؤْيَا لِخَائِفٍ إلَّا إنْ رَأَى مَا يُحِبُّ .
وَقَالَ هِشَامٌ بْنُ حَسَّانٍ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُسْأَلُ عَنْ مِائَةِ رُؤْيَا فَلَا يُجِيبُ فِيهَا بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ فِي الْيَقَظَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا رَأَيْت فِي النَّوْمِ وَكَانَ يُجِيبُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ وَيَقُولُ : إنَّمَا أُجِيبُهُ بِالظَّنِّ ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ ، قِيلَ لِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ : كَمْ تَتَأَخَّرُ الرُّؤْيَا ؟ قَالَ { : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ كَلْبًا أَبْقَعَ يَلَغُ فِي دَمِهِ ، } فَكَانَ شِمْرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ أَبْرَصَ أَخْزَاهُ اللَّهُ ، وَكَانَ

====================ج 13. ====================================ج13.=

========================================ج13.===========

ج13.


الكتاب : الآداب الشرعية
المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيّ


الشَّعْرُ حَلَقَهُ } .
وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَطْلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ } كَذَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي النُّورَةِ فِي الْمُفْرَدَاتِ فِي فُصُولِ الطِّبِّ .

فَصْلٌ ( فِي أَقْوَالِ

تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً .
بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَالِسٌ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَالْتَفَتَ إلَيْهِمْ فَقَالَ : إنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ خِصَالٍ فَأَخْبِرُونِي بِهَا : أَخْبِرُونِي عَنْ الرَّجُلِ بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُ الشَّيْءَ إذْ نَسِيَهُ ، وَعَنْ الرَّجُلِ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلَمْ يَلْقَهُ وَعَنْ الرُّؤْيَتَيْنِ إحْدَاهُمَا حَقٌّ وَالْأُخْرَى أَضْغَاثٌ ، وَعَنْ سَاعَةٍ مِنْ اللَّيْلِ لَيْسَ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ فِيهَا مُرَوَّعٌ وَعَنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ مَعَ الْفَجْرِ فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَقَالَ : وَلَا أَنْتَ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ بَلَى وَاَللَّهِ إنَّ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ لَعِلْمًا : أَمَّا الرَّجُلُ بَيْنَمَا هُوَ يَذْكُرُ الشَّيْءَ إذْ نَسِيَهُ فَإِنَّ عَلَى الْقَلْبِ طَخَاءً كَطَخَاءِ الْقَمَرِ فَإِذَا سُرِّيَ عَنْهُ ذَكَرَ ، وَإِذَا أُعِيدَ عَلَيْهِ نَسِيَ وَغَفَلَ .
وَأَمَّا الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلَمْ يَلْقَهُ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْنَادٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ، وَأَمَّا الرُّؤْيَتَانِ إنَّ إحْدَاهُمَا حَقٌّ وَالْأُخْرَى أَضْغَاثٌ ، فَإِنَّ فِي ابْنِ آدَمَ رُوحَيْنِ ، فَإِذَا نَامَ خَرَجَتْ رُوحٌ فَأَتَتْ الْحَمِيمَ وَالصَّدِيقَ وَالْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ وَالْعَدُوَّ فَمَا كَانَ مِنْهَا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْهَوَاءِ فَهِيَ الْأَضْغَاثُ ، وَأَمَّا الرُّوحُ الْأُخْرَى فَلِلنَّفَسِ وَالْقَلْبِ .
وَأَمَّا السَّاعَةُ مِنْ اللَّيْلِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ فِيهَا مُرَوَّعٌ فَإِنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي يَرْتَفِعُ فِيهَا الْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ فِي تَغْرِيقِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَتُحِسُّهُ الْأَرْوَاحُ فَتَرْتَاعُ لِذَلِكَ ، وَأَمَّا الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ مَعَ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ خَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ حَرَّكَتْ الْأَشْجَارَ فِي الْجَنَّةِ فَهِيَ الرَّائِحَةُ

الطَّيِّبَةُ خُذْهَا يَا عُمَرُ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الطَّخَاءُ بِالْمَدِّ السَّحَابُ الْمُرْتَفِعُ يُقَالُ أَيْضًا وَجَدْت عَلَى قَلْبِي طَخَاءً وَهُوَ شِبْهُ الْكَرْبِ .
قَالَ اللِّحْيَانِيُّ : مَا فِي السَّمَاءِ طُخْيَةٌ بِالضَّمِّ أَيْ شَيْءٌ مِنْ سَحَابٍ .
قَالَ : وَهُوَ مِثْلُ الطُّحْرُورِ وَالطَّخَاءِ ، فَمَمْدُودٌ اللَّيْلَةُ الْمُظْلِمَةُ ، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ طَخْيَاءَ لَا تُفْهَمُ .

فَصْلٌ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : أَدْخَلْت إبْرَاهِيمَ الْحُمَيْدِيَّ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا فَقَالَ : إنَّ أُمِّيَ رَأَتْ لَك كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَتْ الْجَنَّةَ .
فَقَالَ : يَا أَخِي إنَّ سَهْلَ بْنَ سَلَامَةَ كَانَ النَّاسُ يُخْبِرُونَهُ بِمِثْلِ هَذَا ، وَخَرَجَ سَهْلٌ إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ وَقَالَ : الرُّؤْيَا تَسُرُّ الْمُؤْمِنَ وَلَا تَغُرُّهُ .

فَصْلٌ ( مَا وَرَدَ فِي الْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ وَالْمَدَّاحِينَ ) .
فِي كَرَاهَةِ الْمَدْحِ فِي الْوَجْهِ لِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ مِنْ عُجْبٍ وَنَحْوِهِ ، وَجَوَازِهِ لِمَنْ أُمِنَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ تَحْرِيمُهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ فَقَالَ : أَهْلَكْتُمْ أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
الْإِطْرَاءُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَدْحِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ .
وَجَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَا تَقَدَّمَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَهَا ، وَاسْتَعْمَلَهُ الْمِقْدَادُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَحَثَى التُّرَابَ فِي الْوَجْهِ ، وَقَالَهُ بَعْضُهُمْ : كَذَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ أَثْنَى عَلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ .
وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ الرَّدَّ وَالْخَيْبَةَ كَمَا يُقَالُ لِلطَّالِبِ الْمَرْدُودِ وَالْخَائِبِ لَمْ يُحَصِّلْ فِي كَفِّهِ غَيْرَ التُّرَابِ .
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَأَرَادَ بِالْمَدَّاحِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَدْحَ النَّاسِ عَادَةً وَجَعَلُوهُ بِضَاعَةً يَسْتَأْكِلُونَ بِهِ الْمَمْدُوحَ ، فَأَمَّا مَنْ مَدَحَ عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُودِ تَرْغِيبًا فِي أَمْثَالِهِ وَتَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَشْبَاهِهِ فَلَيْسَ بِمَدَّاحٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَارَ مَادِحًا بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ جَمِيلِ الْقَوْلِ كَذَا قَالَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ { أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَيْلَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبِك ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ فُلَانًا ، وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ وَلَا يُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسَبُ كَذَا وَكَذَا إنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ

مِنْهُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ بِشْرٍ فَذَكَرُوهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِشْرٌ ، وَقَالَ : لَا يَنْسَى اللَّهُ لِأَحْمَدَ صَنِيعَهُ ، ثَبَتَ وَثَبَتْنَا ، وَلَوْلَاهُ لَهَلَكْنَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَوَجْهُ أَبِي يَتَهَلَّلُ ، فَقُلْت : يَا أَبَتِ أَلَيْسَ تَكْرَهُ الْمَدْحَ فِي الْوَجْهِ ؟ فَقَالَ : يَا بُنَيَّ إنَّمَا ذُكِرْت عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، وَمَا كَانَ مِنِّي فَحَمِدَ صَنِيعِي ، وَقَدْ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ } .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يُقَالُ لَهُ فِي وَجْهِهِ : أَحْيَيْت السُّنَّةَ .
قَالَ : هَذَا فَسَادٌ لِقَلْبِ الرَّجُلِ .
وَقَالَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ : قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الشَّافِعِيُّ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَقَائِك وَكَلَامٌ مِنْ هَذَا النَّحْوِ كَثِيرٌ ، فَقَالَ لَهُ : لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَبَا عُثْمَانَ .
وَمَنْ أَنَا فِي النَّاسِ ؟ وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا أَكْثَرَ الدَّاعِينَ لَك فَتَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ ، وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِدْرَاجًا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ : لَوْ أَنَّ لِلذُّنُوبِ رِيحًا مَا جَلَسَ إلَيَّ مِنْكُمْ أَحَدٌ .
قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ بَعْضَ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ لِي : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَزْهَدْ فِي الدَّرَاهِمِ وَحْدَهَا .
قَدْ زَهِدَ فِي النَّاسِ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَمَنْ أَنَا حَتَّى أَزْهَدَ فِي النَّاسِ .
النَّاسُ يُرِيدُونَ أَنْ يُزَهِّدُونِي .
وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ ، وَيَغْفِرَ لَنَا مَا لَا يَعْلَمُونَ .
وَقَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَأَيْتُكَ .
قَالَ : اُقْعُدْ أَيْشٍ ذَا ؟ مَنْ أَنَا ؟ وَقَالَ الْخَلَّالُ : أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ

بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، اللَّهَ اللَّهَ ، فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَيْكَ ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ لَا يُمْكِنُ فَمَسَائِلُ فَإِنَّ النَّاسَ مُضْطَرُّونَ إلَيْكَ .
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إلَيَّ أَنَا ؟ وَاغْتَمَّ مِنْ قَوْلِهِ وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ ، وَرَأَيْت فِي وَجْهِهِ أَثَرَ الْغَمِّ .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا .
فَقَالَ : قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا ، فَقَالَ : لَا بَلْ جَزَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَنِّي خَيْرًا .
ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِلرَّجُلِ أَنَا ؟ وَمَنْ أَنَا وَمَا أَنَا ؟ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ لِلرَّجُلِ أَنْتَ فِي غَيْرِ حِلٍّ مِنْ جُلُوسِكَ .
وَقَدْ سَبَقَ هَذَا النَّصُّ .
وَقَالَتْ هِنْدُ أُمُّ ابْنِ قُتَيْبَةَ لِلْمَرُّوذِيِّ : أُخْبِرْت أَنَّ خُرَاسَانِيًّا جَاءَ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ عِنْدَنَا بِخُرَاسَانَ مِثْلُ الشَّمْسِ ، فَتَغَيَّرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَكَرِهَ مَا قَالَ وَأَظْهَرَ الْكَرَاهَةَ ، وَقَامَ فَدَخَلَ .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا : { إيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ } .
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ ( كَرَاهِيَةِ التَّمَادُحِ ) : ثَنَا مُسَدَّدٌ ثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ ثَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : قَالَ لِي : إنِّي { انْطَلَقْت فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : أَنْتَ سَيِّدُنَا .
فَقَالَ : السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
قُلْنَا : وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طُولًا ، فَقَالَ : قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ ، وَلَا يَسْخَرُ بِكُمْ الشَّيْطَانُ } .
إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ

وَاللَّيْلَةِ مِنْ طُرُقٍ .
وَرَوَى أَيْضًا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ بَهْزٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ { : أَنَّ نَاسًا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا : بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِينَكُمْ الشَّيْطَانُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا { : لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ { : جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ .
فَقَالَ : السَّيِّدُ اللَّهُ } .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ السِّيَادَةُ ، كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُحْمَدَ فِي وَجْهِهِ وَأَحَبَّ التَّوَاضُعَ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَمَّا قَالُوا : أَنْتَ سَيِّدُنَا ، قَالَ : قُولُوا بِقَوْلِكُمْ .
أَيْ : اُدْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِي اللَّهُ ، وَلَا تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ ، فَإِنِّي لَسْت كَأَحَدِهِمْ مِمَّنْ يَسُودُكُمْ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا .
وَالسَّيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى : الرَّبِّ الْمَالِكِ وَالشَّرِيفِ وَالْفَاضِلِ وَالْحَكِيمِ وَمُتَحَمِّلِ أَذَى قَوْمِهِ وَالزَّوْجِ وَالرَّئِيسِ وَالْمُقَدَّمِ .
وَأَصْلُهُ مِنْ سَادَ يَسُودُ ، فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً ؛ لِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ قَبْلَهَا ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ .
وَوَزْنُ سَيِّدٍ فَيْعِلٌ .
وَهُمْ سَادَةٌ وَزْنُهُ فَعَلَةٌ بِالتَّحْرِيكِ ، مِثْلُ : سَرِيٍّ وَسَرَاةٍ .
وَلَا نَظِيرَ لَهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُجْمَعُ عَلَى سَيَائِدَ بِالْهَمْزِ مِثْلُ تَبِيعٍ وَتَبَائِعَ وَأَقِيلٍ وَأَقَائِلَ

.
وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَزْنُ سَيِّدٍ فَعِيلٌ .
وَجُمِعَ عَلَى فَعَلَةٍ كَأَنَّهُمْ جَمَعُوا سَائِدًا مِثْلُ قَائِدٍ وَقَادَةٍ وَذَائِدٍ وَذَادَةٍ .
وَقَالُوا : إنَّمَا جَمَعَتْ الْعَرَبُ السَّيِّدَ وَالْجَيِّدَ عَلَى سَيَائِدَ وَجَيَائِدَ بِالْهَمْزِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ؛ لِأَنَّ جَمْعَ فَعِيلٍ فَيَاعِلَ بِلَا هَمْزٍ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ : سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ .
} وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي قُدَامَةَ عَنْ مُعَاذٍ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُعَاذٍ ، وَلَفْظُهُ : { لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدُنَا إنْ يَكُنْ سَيِّدَكُمْ } وَذَكَرَهُ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ : إنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ : يَا خَيْرَ النَّاسِ وَابْنَ خَيْرِهِمْ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا أَنَا بِخَيْرِ النَّاسِ وَلَا ابْنِ خَيْرِهِمْ ، وَلَكِنِّي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُهُ ، وَاَللَّهِ لَنْ تَزَالُوا بِالرَّجُلِ حَتَّى تُهْلِكُوهُ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي الْوَازِعِ قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَاكَ اللَّهُ لَهُمْ .
قَالَ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ : إنِّي لَأَحْسَبكَ عِرَاقِيًّا مَا يُغْلِقُ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّكَ بَابَهُ .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ أَشْيَاءُ كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { : لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ { : إنَّكُمْ لَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ وَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ } .
وَقَالَ { : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ دَارُ بَنِي عَبْدِ

الْأَشْهَلِ وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ .
} وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ : كَانَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْعَرِيشِ ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْقَبْرِ .
وَقَالَ : الشَّعْبِيُّ لَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى قَبْرِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ ثُمَّ قَالَ : نِعْمَ أَخُو الْإِسْلَامِ كُنْت يَا أَبَتِ جَوَّادًا بِالْحَقِّ بَخِيلًا بِالْبَاطِلِ عَنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ ، تَغْضَبُ حِينَ الْغَضَبِ ، وَتَرْضَى حِينَ الرِّضَى ، عَفِيفَ النَّظَرِ ، غَضِيضَ الطَّرْفِ ، لَمْ تَكُنْ مَدَّاحًا وَلَا شَتَّامًا ، تَجُودُ بِنَفْسِكَ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَبْخَلُ فِيهَا الرِّجَالُ ، صَبُورًا عَلَى الضَّرَّاءِ مُشَارِكًا فِي النَّعْمَاءِ ؛ وَلِذَلِكَ ثَقُلْتَ عَلَى أَكْتَافِ قُرَيْشٍ .
وَذُكِرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ فَقَالَ : هُوَ بِاَللَّهِ عَلِيمٌ وَاَللَّهُ فِي عَيْنَيْهِ عَظِيمٌ .
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ عَلِيٍّ فَقَالَ : مَا شِئْتَ مِنْ ضِرْسٍ قَاطِعٍ فِي الْعِلْمِ بِكِتَابٍ فِي الْعِلْمِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَالْفِقْهِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ لَهُ مُصَاهَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَطُّنُ فِي الْعَشِيرَةِ ، وَالنَّجْدَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَالْبَذْلُ لِلْمَاعُونِ .
وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الَّذِي إلَى جَانِبِكَ ؟ فَقَالَ هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
وَقَالَ عُمَرُ أَيْضًا : أُبَيٍّ أَقْرَؤُنَا ، وَعَلِيٌّ أَقْضَانَا .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ وَإِنِّي مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ عَرَفْتَهُمْ إذَا مَاتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قَامَ صَاحِبُهْ نُجُومُ سَمَاءٍ كُلَّمَا غَابَ كَوْكَبٌ بَدَا كَوْكَبٌ تَأْوِي إلَيْهِ كَوَاكِبُهْ أَضَاءَتْ لَهُ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ دُجَى اللَّيْلِ حَتَّى

نَظَّمَ الْجَزْعُ ثَاقِبَهْ وَقَالَ آخَرُ : نُجُومُ ظَلَامٍ كُلَّمَا غَابَ كَوْكَبٌ بَدَا سَاطِعًا فِي حِنْدِسِ اللَّيْلِ كَوْكَبُ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَاءَ بَنُو تَمِيمٍ بِخَطِيبِهِمْ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبٍ فَخَطَبَ { ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَأَجَابَهُمْ وَشَاعِرَهُمْ الزِّبْرِقَانَ قَالَ ابْنُ بَدْرٍ : فَأَنْشَدَ قَصِيدَةً .
فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ بِقَصِيدَةٍ يَقُولُ فِيهَا : إنَّ الذَّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ يَرْضَى بِهِمْ كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَكُلُّ الْخَيْرِ يُصْطَنَعُ قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمْ أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفُّهُمْ عِنْدَ الدِّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا إنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْمًا فَازَ سَابِقُهُمْ أَوْ وَازَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدَى مَنَعُوا أَعِفَّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحْيِ عِفَّتُهُمْ لَا يَطْمَعُونَ وَلَا يُرْدِي بِهِمْ طَمَعُ لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمْ وَلَا يَمَسُّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوَّهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا خَوْرٌ وَلَا هَلَعُ أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ إذَا تَفَاوَتَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ فَلَمَّا فَرَغَ حَسَّانُ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ : لَخَطِيبُهُمْ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا ، وَلَشَاعِرُهُمْ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَأَحْسَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَائِزَهُمْ ، وَكَانَ بَعَثَ إلَيْهِمْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيٌّ وَلَا أَنْصَارِيٌّ لِيَغْزُوَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَوْا الْجَمْعَ وَلَّوْا ؛ فَأَخَذَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا فَجَاءُوا لِذَلِكَ .
} قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْخَوَرُ بِالتَّحْرِيكِ الضَّعْفُ .
يُقَالُ : رَجُلٌ خَوَّارٌ ، وَرُمْحٌ خَوَّارٌ ، وَأَرْضٌ خَوَّارَةٌ ،

وَالْجَمْعُ : خُورٌ .
وَقَالَ : الْهَلَعُ أَفْحَشُ الْجَزَعِ .
وَقَدْ هَلِعَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ هَلِعٌ وَهَلُوعٌ ، وَحَكَى يَعْقُوبُ : رَجُلٌ هُلَعَةٌ كَهُمَزَةٍ إذَا كَانَ يَهْلَعُ وَيَحْزَنُ وَيَسْتَجِيعُ سَرِيعًا .
{ وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الطَّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سَلْمَى إلَى أَخِيهِ كَعْبٍ الشَّاعِرِ يُخْبِرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُلًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ ، وَأَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ ابْنُ الزِّبَعْرَى وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ قَدْ هَرَبَا ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا مُسْلِمًا ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْحُ إلَى نَجَاتِكَ ، وَكَانَ كَعْبٌ قَدْ قَالَ : أَلَا أَخْبِرَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَك فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا فَبَيِّنْ لَنَا إنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَخًا لَكَا فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْت بِآسِفٍ وَلَا قَائِلٍ إمَّا عَثَرْت لَعًا لَكَا سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيَّةً فَانْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا فَكَرِهَ بُجَيْرٌ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْشَدَهُ إيَّاهَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ ، صَدَقَ وَإِنَّهُ لَكَذُوبٌ ، وَأَنَا الْمَأْمُونُ } وَلَمَّا سَمِعَ : عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا لَا عَلَيْهِ قَالَ : { أَجَلْ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمَّهُ ثُمَّ كَتَبَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ أَرْبَعَةَ أَبْيَاتٍ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِرْجَافُ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعْرِفُهُ

مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَغَدَا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ ، فَصَلَّى مَعَهُ ثُمَّ قَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنكَ تَائِبًا مُسْلِمًا فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُكَ بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ ؛ أَضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَقَالَ : دَعْهُ عَنْكَ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا ؛ } فَغَضِبَ كَعْبٌ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ لِذَلِكَ ؛ فَقَالَ قَصِيدَتَهُ اللَّامِيَّةَ يَصِفُ فِيهَا مَحْبُوبَتَهُ وَنَاقَتَهُ الَّتِي أَوَّلَهَا : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ إلَى أَنْ قَالَ : يَمْشِي الْغُوَاةُ بِجَنْبَيْهَا وَقَوْلُهُمْ إنَّكَ ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَقَالَ كُلُّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ لَا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ إلَى أَنْ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ مَهْلًا هَدَاكَ الَّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِي الْأَقَاوِيلُ إلَى أَنْ قَالَ : إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ شُمُّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمْ مِنْ نَسْجِ دَاوُد فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ إلَى أَنْ قَالَ : لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمْ قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إذَا نِيلُوا لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إلَّا فِي نُحُورِهِمْ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ عَرَّدَ الرَّجُلُ تَعْرِيدًا إذَا فَرَّ ،

وَعِرْنِينُ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ ، وَعَرَانِينُ الْقَوْمِ سَادَاتُهُمْ وَعِرْنِينُ الْأَنْفِ مُجْتَمَعُ الْحَاجِبَيْنِ وَهُوَ أَوَّلُ الْأَنْفِ حَيْثُ يَكُونُ فِيهِ الشَّمَمُ يُقَال : هُمْ شُمُّ الْعَرَانِينِ ، وَإِنَّمَا عَنَى كَعْبٌ بِقَوْلِهِ إذَا عَرَّدَ السُّودُ التَّنَابِيلُ الْأَنْصَارَ لَمَّا صَنَعَ الْأَنْصَارِيُّ مَا صَنَعَ وَخَصَّ الْمُهَاجِرِينَ بِمِدْحَتِهِ وَغَضِبَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَقَالَ : بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي قَالَ فِيهَا : مَنْ سَرَّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِ الْأَنْصَارِ وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ إنَّ الْخِيَارَ هُمْ بَنُو الْأَخْيَارِ وَالذَّائِدِينَ النَّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ بِالْمَشْرَفِيِّ وَبِالْقَنَا الْخَطَّارِ الْمَشْرَفِيَّةُ سُيُوفٌ نُسِبَتْ إلَى مَشَارِفَ قُرًى مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ يُقَالُ : سَيْفٌ مَشْرَفِيٌّ وَلَا يُقَالُ : مَشَارِفِيٌّ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ وَخَطَرَ الرُّمْحُ يَخْطِرُ أَيْ : اهْتَزَّ ، وَرُمْحٌ خَطَّارٌ أَيْ ذُو اهْتِزَازٍ ، وَيُقَالُ خَطَرَانُ الرُّمْحِ ارْتِفَاعُهُ وَانْخِفَاضُهُ لِلطَّعْنِ وَرَجُلٌ خَطَّارٌ بِالرُّمْحِ .
وَالْبَائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إلَيْهِمْ أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَعْقَارِ الْمُرَادُ بِالْمَعْقِلِ الْمَلْجَأُ وَالْأَعْقَارُ الْأُسْدُ .
إلَى أَنْ قَالَ : قَوْمٌ إذَا خَوَتْ النُّجُومُ فَإِنَّهُمْ لِلطَّارِقِينَ النَّازِلِينَ مَقَارِي وَكَعْبٌ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ وَابْنُهُ عُقْبَةُ وَابْنُ ابْنِهِ الْعَوَامُّ بْنُ عُقْبَةَ وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ لِكَعْبٍ قَوْلُهُ : لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى وَهْوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا كَالنَّفْسِ وَاحِدَةً وَالْهَمُّ مُنْتَشِرُ وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ وَقَوْلُهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْدِي بِهِ النَّاقَةُ الْأَدْمَاءُ

مُعْتَجِرًا بِالْبُرْدِ جَلِيٌّ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الظُّلَمِ فَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ ذُكِرَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ فَقَالَ : مَا بَعَثْتُهُ فِي سَوَادٍ إلَّا جَلَاهُ وَمَحَاهُ ، وَلَا فِي بَيَاضٍ إلَّا أَزْكَاهُ وَأَرْضَاهُ وَمَدَحَ أَعْرَابِيٌّ رَجُلًا فَقَالَ : كَالْمِسْكِ إنْ تَرَكْتَهُ عَبِقَ ، وَإِنْ خَبَّأْتَهُ عَبِقَ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا مَاتَ مَنْ تَرَكَ مِثْلَكَ .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِابْنِ مَسْعُودٍ عَبْدَ اللَّهِ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تُعَجِّلَنَّ بِمَدْحِ أَحَدٍ وَلَا بِذَمِّهِ فَإِنَّهُ رُبَّ مَنْ يَسُرُّك الْيَوْمَ يَسُوءُك غَدًا .
وَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِلشَّاعِرِ : إنِّي امْرُؤٌ قَلَّمَا أُثْنِي عَلَى أَحَدٍ حَتَّى أَرَى بَعْضَ مَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ لَا تَحْمَدَنَّ امْرَأً حَتَّى تُجَرِّبَهُ وَلَا تَذُمَّنَّ مَنْ لَمْ يُبْلِهِ الْخَبَرُ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : إذَا قَالَ رَجُلٌ مَا لَا يَعْلَمُ فِيكَ مِنْ الْخَيْرِ أَوْشَكَ أَنْ يَقُولَ فِيك مَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ الشَّرِّ .
وَسَبَقَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ذَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرِجَالٍ مُعَيَّنِينَ قَالَ الْحَسَنُ : ذَمُّ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي الْعَلَانِيَةِ مَدْحٌ لَهَا فِي السِّرِّ ، كَانَ يُقَالُ : مَنْ أَظْهَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ فَقَدْ زَكَّاهَا .
ذَمَّ أَعْرَابِيٌّ رَجُلًا فَقَالَ : أَنْتَ وَاَللَّهِ مِمَّنْ إذَا سَأَلَ أَلْحَفَ ، وَإِذَا سُئِلَ سَوَّفَ ، وَإِذَا حَدَّثَ حَلَفَ ، وَإِذَا وَعَدَ خَلَفَ يَنْظُرُ نَظَرَ حَسُودٍ ، وَيُعْرِضُ إعْرَاضَ حَقُودٍ .
قَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنْ تُصِبْكَ مِنْ الْأَيَّامِ دَاهِيَةٌ لَمْ تَبْكِ مِنْهَا عَلَى دُنْيَا وَلَا دِينِ وَقَالَ آخَرُ : خَنَازِيرُ نَامُوا عَنْ الْمَكْرُمَاتِ فَنَبَّهَهُمْ قَدَرٌ لَمْ يَنَمِ فَيَا قُبْحَهُمْ فِي الَّذِي خُوِّلُوا وَيَا حُسْنَهُمْ فِي زَوَالِ النِّعَمِ وَقَالَ آخَرُ : كَأَنَّ رِيحَهُمْ فِي خُبْثِ فِعْلِهِمْ رِيحُ الْكِلَابِ إذَا مَا مَسَّهَا الْمَطَرُ وَقَالَ آخَرُ : لَوْ

كُنْتَ مَاءً كُنْتَ غَيْرَ عَذْبِ أَوْ كُنْتَ سَيْفًا كُنْتَ غَيْرَ عَضْبِ وَقَالَ آخَرُ : لَوْ كُنْتَ بَرْدًا كُنْتَ زَمْهَرِيرَا أَوْ كُنْتَ رِيحًا كَانَتْ الدَّبُّورَا أَوْ كُنْتَ غَيْمًا لَمْ يَكُنْ مَطُورَا أَوْ كُنْتَ مَاءً لَمْ يَكُنْ طَهُورَا وَمَدَحَ الْوَزِيرُ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْخَلِيفَةَ الْمُسْتَنْجِدَ بِاَللَّهِ وَبَالَغَ وَفِي آخِرِهِ : وَمِنْ عَجَبٍ أَنَّنِي جَالِبٌ مِنْ الشِّعْرِ تَمْرًا إلَى أَهْلِهِ وَقَالَ لَهُ يَوْمًا الْمُسْتَنْجِدُ بِاَللَّهِ لِمَ لَا يَكُونُ رِيحُ التُّفَّاحِ الْأَصْفَهَانِيِّ بِهَا كَمَا نَجِدُهُ عِنْدَنَا ؟ فَأَنْشَدَهُ : يَكُونُ أُجَاجًا دُونَكُمْ فَإِذَا انْتَهَى إلَيْكُمْ يَلْقَى طِيبَكُمْ فَيَطِيبُ فَأَنْشَدَهُ الْمُسْتَنْجِدُ بِاَللَّهِ يَمْدَحُهُ : فَلَوْ رَامَ يَا يَحْيَى مَكَانَكَ جَعْفَرُ وَيَحْيَى لَكَفَى عَنْهُ يَحْيَى وَجَعْفَرُ وَلَوْ قِسْتَ يَا يَحْيَى بِيَحْيَى بْنِ بَرْمَكٍ لَكُنْتَ لَدَى الْأَقْوَامِ أَعْلَى وَأَفْخَرُ .

فَصْلٌ ( فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ الْمَذْمُومَةِ وَمَدْحِهَا بِالْحَقِّ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْ شُكْرِ النِّعْمَةِ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْنِي قَوْلَهُ : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالْفَضْلِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَحْظُورِ .
{ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِي الْفُنُونِ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِهِ : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } .
كَيْفَ سَاغَ لِعُمَرَ أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ صَيْدٍ قَتَلَهُ فَقَالَ : اصْبِرْ حَتَّى يَأْتِ حَكَمٌ آخَرُ فَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ إنَّهُ أَحَدُ الْعَدْلَيْنِ قِيلَ : إنَّمَا نَهَى عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ بِالْمَدْحِ وَالْإِطْرَاءِ الْمُورِثِ عُجْبًا وَتِيهًا وَمَرَحًا وَمَا قَصَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ إنَّمَا قَصَدَ فَصْلَ حُكْمٍ وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ ذَلِكَ فَصَارَ كَقَوْلِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ : { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِافْتِخَارِ .
وَلِذَلِكَ قَالَ : { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } فَنَفَى الْفَخْرَ الَّذِي هُوَ الْإِعْجَابُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ مَدَحَ نَفْسَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَمِنْ شَأْنِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ التَّوَاضُعُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا خَلَا مَدْحُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ بَغْيٍ وَتَكَبُّرٍ وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الْوُصُولَ إلَى حَقٍّ يُقِيمُهُ ، وَعَدْلٍ يُحْيِيه وَجَوْرٍ يُبْطِلُهُ ، كَانَ ذَلِكَ جَمِيلًا جَائِزًا .
وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّهِ } .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَللَّهِ مَا آيَةٌ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَأَتَيْتُهُ فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الشُّكْرِ لِلَّهِ وَتَعْرِيفِ الْمُسْتَفِيدِ مَا عِنْدَ الْمُفِيدِ .
ذَكَرَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَمَا مِنْ آيَةٍ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إلَيْهِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي لَرَحَلْتُ إلَيْهِ قَالَ شَقِيقٌ : فَجَلَسْت فِي حِلَقِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَعِيبُهُ زَادَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ : بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ .
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ أَعْلَمِهِمْ وَفِي تَرْجَمَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَلُونِي فَوَاَللَّهِ لَئِنْ فَقَدْتُمُونِي لَتَفْقِدُنَّ رَجُلًا عَظِيمًا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَبَكَتْ ابْنَتُهُ : يَا بُنَيَّةُ لَا تَبْكِي أَتَخَافِينَ أَنْ يُعَذِّبَنِي اللَّهُ وَقَدْ خَتَمْت فِي هَذِهِ الزَّاوِيَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ نَظَرْت إلَى أَقْرَأِ النَّاسِ فَلَزِمْته عَاصِمًا ثُمَّ نَظَرْت إلَى أَفْقَهِ النَّاسِ فَلَزِمْته مُغِيرَةً فَأَيْنَ تَجِدُ مِثْلِي ؟ وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَافِظُ : سَمِعْت أَصْحَابَنَا بِهَرَاةَ يَحْكُونَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي شُرَيْحٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ بِبَغْدَادَ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَكُنْت

أَقْرَأُ عَلَيْهِ جُزْءًا وَقَدْ وَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ : كَأَنِّي بِهِمْ إذَا مِتُّ يَقُولُونَ : مَاتَ الْبَغَوِيّ وَلَا يَقُولُونَ : مَاتَ جَبَلُ الْعِلْمِ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَاسْتَنَدَ فَلَمَّا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ الْجُزْءِ قُلْت : كَمْ قَرَأْت عَلَيْك ؟ فَلَمْ يُجِبْنِي فَحَرَّكْته فَإِذَا بِهِ قَدْ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ .

فَصْلٌ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْعُزْلَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ الْخِلْطَةِ وَالْعُزْلَةِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : قَالَ : فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْهَا إذَا كَانَتْ الْفِتْنَةُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَزِلَهَا الرَّجُلُ حَيْثُ شَاءَ فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ فِتْنَةٌ ، فَالْأَمْصَارُ خَيْرٌ .
قَالَ أَحْمَدُ : ثَنَا حَجَّاجٌ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَعْمَشُ : هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ } كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُثَنَّى عَنْ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ وَقَالَ : قَالَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ : كَانَ شُعْبَةُ يَرَى أَنَّهُ ابْنُ عُمَرَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ : قُلْتُ : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : التَّخَلِّي أَعْجَبُ إلَيْك ؟ فَقَالَ التَّخَلِّي عَلَى عِلْمٍ وَقَالَ : يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ } ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : رِوَايَةُ شُعْبَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ ثُمَّ قَالَ : { مَنْ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ } .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : فِي الْأَدَبِ مِنْ مَسَائِلِهِ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ : قَالَ أَبُو سِنَانٍ : { وَجَاءَهُ رَجُلَانِ فَقَالَ : تَفَرَّقَا فَإِنَّكُمَا إذَا كُنْتُمَا جَمِيعًا تَحَدَّثْتُمَا ، وَإِذَا كُنْتُمَا وُحْدَانًا ذَكَرْتُمَا اللَّهَ تَعَالَى } قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : رَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ : إنَّهُ نَقَلَ مِنْ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَدَبِ تَأْلِيفَ الْمَرُّوذِيِّ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كَفَى بِالْعُزْلَةِ عِلْمًا ، وَإِنَّمَا الْفَقِيهُ

الَّذِي يَخْشَى اللَّهَ .
وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ .
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُ السَّلَفِ يُؤْثِرُونَ الْعُزْلَةَ عَلَى الْخِلْطَةِ وَقَالَ أَيْضًا : إنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ بِمَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ مَعَ الْقِيَامِ بِحُدُودِ الشَّرْعِ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ إنْ كَانَ لَا يَشْتَغِلُ فِي عُزْلَتِهِ إلَّا بِنَوَافِلِ الصَّلَاةِ وَالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ عَمَلٍ بِالْقَلْبِ بِدَوَامِ ذِكْرٍ أَوْ فِكْرٍ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يُعْدَلُ بِهِ أَلْبَتَّةَ .
وَقَالَ أَيْضًا : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ تَنَزُّهِ الْعَالِمِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ أَنِيسُهُ وَجَلِيسُهُ ، وَقَدْ قَنِعَ بِمَا يَسْلَمُ بِهِ دِينُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ الْحَاصِلَةِ لَا عَنْ تَكَلُّفٍ وَلَا عَنْ تَضْيِيعِ دِينٍ ، وَارْتَدَى بِالْعُزْلَةِ عَنْ الذُّلِّ لِلدُّنْيَا وَأَهْلِهَا ، وَالْتَحَفَ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَثِيرِ فَيَسْلَمُ دِينُهُ وَدُنْيَاهُ ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ يَدُلُّهُ عَلَى الْفَضَائِلِ وَيُفَرِّجُهُ فِي الْبَسَاتِينِ ، فَهُوَ يَسْلَمُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالسُّلْطَانِ وَالْعَوَامِّ بِالْعُزْلَةِ ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ هَذَا إلَّا لِلْعَالِمِ ، فَإِنَّهُ إذَا اعْتَزَلَ الْجَاهِلُ فَاتَهُ الْعِلْمُ فَتَخَبَّطَ .
وَقَالَ أَيْضًا : فَإِذَا عَرَفْت فَوَائِدَ الْعُزْلَةِ وَغَوَائِلِهَا تَحَقَّقْت أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهَا مُطْلَقًا خَطَأٌ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الشَّخْصِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْخَلْطِ وَحَالِهِ وَإِلَى الْبَاعِثِ عَلَى مُخَالَطَتِهِ وَإِلَى الْفَائِتِ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَيُقَاسُ الْفَائِتُ بِالْحَاصِلِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الِانْقِبَاضُ عَنْ النَّاسِ مَكْسَبَةُ الْعَدَاوَةِ ، وَالِانْبِسَاطُ لَهُمْ مَجْلَبَةٌ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ ، فَكُنْ بَيْنَ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ ، وَمَنْ ذَكَرَ سِوَى هَذَا فَهُوَ قَاصِرٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ

يَحْكُمَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي الْحَالِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مِنْ الْفِتَنِ ، وَقَطَعَ بِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كِتَابًا فِي الْعُزْلَةِ ، وَفِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : خَالِطْ النَّاسَ وَزَايِلْهُمْ وَدِينَك لَا تُكَلِّمَنَّهُ قَالَ : الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ خَالِطْهُمْ بِبَدَنِك وَزَايِلْهُمْ بِقَلْبِك ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ النِّفَاقِ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُدَارَاةِ وَقَدْ قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ } وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ : الْمُدَارَاةُ نِصْفُ الْعَقْلِ ، وَأَنَا أَقُولُ : هِيَ الْعَقْلُ كُلُّهُ .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : لَيْسَ بِحَكِيمٍ مَنْ لَا يُعَاشِرُ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بُدًّا حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ فَرَجًا أَوْ قَالَ مَخْرَجًا وَأَنْشَدَ الْمُتَنَبِّي : وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ وَالْخَبَرُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ سَبَقَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ قَبْلَ فُصُولِ التَّوْبَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ وَاضِحٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : وَالْمُدْرَاةُ الَّتِي تَكُونُ صَدَقَةَ الْمُدَارِي .
هُوَ تَخَلُّقُ الْإِنْسَانِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُسْتَحْسَنَةِ مَعَ مَنْ يُدْفَعُ إلَى عِشْرَتِهِ مَا لَمْ يُشِبْهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ .
وَالْمُدَاهَنَةُ هِيَ اسْتِعْمَالُ الْمَرْءِ الْخِصَالَ الَّتِي تُسْتَحْسَنُ مِنْهُ فِي الْعِشْرَةِ ، وَقَدْ يَشُوبُهُ مَا يَكْرَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينِ الْوَاعِظُ فِي آخِرِ جُزْءٍ

جَمَعَهُ فِي فَضَائِلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ ثَنَا هَارُونُ بْنُ يَحْيَى الْحَاطِبِيُّ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : { التَّوَدُّدُ نِصْفُ الدِّينِ } هَارُونُ بْنُ يَحْيَى وَعُثْمَانُ لَمْ أَجِدْ لَهُمَا تَرْجَمَةً ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ } وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ وَنَهَانِي عَنْ مُدَاجَاتِهِمْ } .
وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ التَّوَدُّدُ إلَى النَّاسِ } قَالَ عُمَرُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ مِمَّا يُصَفِّي لَك وُدَّ أَخِيك أَنْ تَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ إذَا لَقِيته وَأَنْ تَدْعُوَهُ بِأَحَبِّ الْأَسْمَاءِ إلَيْهِ وَأَنْ تُوسِعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : رَأْسُ الْمُدَارَاةِ تَرْكُ الْمُمَارَاةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ { إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدَهُ أَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّةَ النَّاسِ } .
أَخَذَهُ الشَّاعِرُ : وَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ يَوْمًا عَبْدَهُ أَلْقَى عَلَيْهِ مَحَبَّةً فِي النَّاسِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : مَنْ لَا يَقْبَلُ عَثْرَةً ، وَلَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةً ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ } .
وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ جَلَسَ كَئِيبًا خَالِيًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ يَا دَاوُد مَا لِي أَرَاك خَالِيًا قَالَ : هَجَرْت النَّاسَ فِيك قَالَ : أَفَلَا أَدُلُّك عَلَى شَيْءٍ تَبْلُغُ بِهِ رِضَائِي ؟ خَالِقْ النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَاحْتَجِرْ الْإِيمَانَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَك قَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ : مَنْ شَدَّدَ نَفَّرَ ،

وَمَنْ تَرَاخَى تَأَلَّفَ ، وَالسُّرُورُ فِي التَّغَافُلِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : شَرْطُ الصُّحْبَةِ إقَالَةُ الْعَثْرَةِ ، وَمُسَامَحَةُ الْعِشْرَةِ ، وَالْمُوَاسَاةُ فِي الْعُسْرَةِ قِيلَ لِلْعَتَّابِيِّ : إنَّك تَلْقَى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِالْبِشْرِ قَالَ : دَفْعُ ضَغِينَةٍ بِأَيْسَرِ مُؤْنَةٍ ، وَاكْتِسَابُ إخْوَانٍ بِأَيْسَرِ مَبْذُولٍ قَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ : أَخُو الْبِشْرِ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ وَلَمْ يَعْدِمْ الْبَغْضَاءَ مَنْ كَانَ عَابِسَا وَيُسْرِعُ بُخْلُ الْمَرْءِ فِي هَتْكِ عِرْضِهِ وَلَمْ أَرَ مِثْلَ الْجُودِ لِلْعِرْضِ حَارِسَا وَقَالَ آخَرُ : وَكَمْ مِنْ أَخٍ لَا تُحْتَمَلْ مِنْهُ عِلَّةٌ قَطَعْت وَلَمْ يُمْكِنْك مِنْهُ بَدِيلُ وَمَنْ لَمْ يُرِدْ إلَّا خَلِيلًا مُهَذَّبًا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَالَمِينَ خَلِيلُ وَقَالَ آخَرُ : وَأَحْبِبْ إذَا أَحْبَبْتَ حُبًّا مُقَارِبًا فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ نَازِعُ وَأَبْغِضْ إذَا أَبْغَضْتَ بُغْضًا مُقَارِبًا فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ رَاجِعُ هَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَهُوَ فِي التِّرْمِذِيِّ { أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا } قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : قُلْ لِمَنْ يَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ رُجُوعِي وَمَقَالِي رُبَّ صَدٍّ بَعْدَ وُدٍّ وَهَوًى بَعْدَ تَقَالِي قَدْ رَأَيْنَا ذَا كَثِيرًا جَارِيًا بَيْنَ الرِّجَالِ قَالُوا : لَا خَيْرَ فِي النَّاسِ وَلَا بُدَّ مِنْ النَّاسِ ، وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا بَعْدَ فُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَفِي أَوَائِلِ الْكِتَابِ بَعْدَ فُصُولِ التَّوْبَةِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي آخِرِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنْ الشِّعَابِ يَتَّقِي رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ } .
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الطَّمَعُ فَقْرٌ

وَالْيَأْسُ غِنًى ، وَالْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ ، وَقَرِينُ الصِّدْقِ خَيْرٌ مِنْ الْوَحْدَةِ .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ يَصُونُ دِينَهُ وَعِرْضَهُ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأَسْوَاقَ فَإِنَّهَا تُلْغِي وَتُلْهِي وَقَالَ مَكْحُولٌ إنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ فَإِنَّ فِي الْعُزْلَةِ سَلَامَةً وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَالِطُوا النَّاسَ فِي مَعَايِشِكُمْ وَزَائِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَانَ النَّاسُ وَرَقًا لَا شَوْكَ فِيهِ وَهُمْ الْيَوْمَ شَوْكٌ لَا وَرَقَ فِيهِ ، يُقَالُ : إنَّ فِي الْإِنْجِيلِ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كُنْ وَسَطًا وَامْشِ جَانِبًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَا حَبَّذَا الْوَحْدَةُ مِنْ أَنِيسِ إذَا خَشِيت مِنْ أَذَى الْجَلِيسِ وَقَالَ سُفْيَانُ : مَا وَجَدْتُ مَنْ يَغْفِرُ لِي ذَنْبًا وَلَا يَسْتُرُ عَلَيَّ زَلَّةً فَرَأَيْتُ فِي الْهَرَبِ مِنْ النَّاسِ سَلَامَةً .
وَقِيلَ : لِلْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ دُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ أَجْلِسْ إلَيْهِ قَالَ : تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُوجَدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَعْرِفَنَّ أَحَدًا فَلَسْتَ بِوَاجِدٍ أَحَدًا أَضَرَّ عَلَيْكَ مِمَّنْ تَعْرِفُ أَمَّا نَظِيرُكَ فَهْوَ حَاسِدُ نِعْمَةٍ أَوْ دُونَ ذَاكَ فَذُو سُؤَالٍ مُلْحِفُ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ حَالَ دُونَ لِقَائِهِ بَوَّابُ سُوءٍ وَالْيَفَاعُ الْمُشْرِفُ وَلِلشَّافِعِيِّ أَوْ لِمَنْصُورٍ الْفَقِيهِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ تَمْثِيلٌ بِهِ : لَيْتَ السِّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً وَلَيْتَنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدَا إنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَدَا فَاهْرَبْ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتِهَا تَعِشْ سَلِيمًا إذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِدَا وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : يَا رَبِّ إنَّ النَّاسَ لَا يُنْصِفُونَنِي وَإِنْ أَنَا لَمْ أُنْصِفْهُمْ ظَلَمُونِي وَإِنْ كَانَ لِي شَيْءٌ تَصَدَّوْا لِأَخْذِهِ وَإِنْ جِئْتُ أَبْغِي شَيْئَهُمْ مَنَعُونِي وَإِنْ نَالَهُمْ بَذْلِي فَلَا شُكْرَ عِنْدَهُمْ وَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْذُلْ لَهُمْ شَتَمُونِي وَإِنْ طَرَقَتْنِي نَكْبَةٌ

فَكِهُوا بِهَا وَإِنْ صَحِبَتْنِي نِعْمَةٌ حَسَدُونِي سَأَمْنَعُ قَلْبِي أَنْ يَحِنَّ إلَيْهِمْ وَأَحْجُبُ عَنْهُمْ نَاظِرِي وَجُفُونِي وَقَالَ آخَرُ : قَدْ كُنْتُ عَبْدًا وَالْهَوَى مَالِكِي فَصِرْتُ حُرًّا وَالْهَوَى خَادِمِي وَصِرْتُ بِالْوَحْدَةِ مُسْتَأْنِسًا مِنْ شَرِّ أَوْلَادِ بَنِي آدَمَ مَا فِي اخْتِلَاطِي بِهِمْ خَيْرٌ وَلَا ذُو الْجَهْلِ بِالْأَشْيَاءِ كَالْعَالِمِ يَا عَاذِلِي فِي تَرْكِهِمْ جَاهِلًا عُذْرِي مَنْقُوشًا عَلَى خَاتَمِي وَكَانَ عَلَى خَاتِمِهِ مَنْقُوشٌ { وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ } وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ رَاوِي الْبُخَارِيِّ يَتَوَشَّحُ لِنَفْسِهِ : كَانَ فِي الِاجْتِمَاعِ لِلنَّاسِ نُورٌ فَمَضَى النُّورُ وَادْلَهَمَّ الظَّلَامُ فَسَدَ النَّاسُ وَالزَّمَانُ جَمِيعًا فَعَلَى النَّاسِ وَالزَّمَانِ السَّلَامُ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } قَالَ : وَكَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ ، وَعَدَمًا مِنْ جِهَةِ الْمَنْطِقِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُنْصَرِفًا إلَى الْمُمَاثَلَةِ فِي الطِّبَاعِ وَالْأَخْلَاقِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّك إنَّمَا تُعَاشِرُ الْبَهَائِمَ فَخُذْ حِذْرَكَ قَالَ : وَلِذَلِكَ رَأَى الْحُكَمَاءُ أَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ آفَاتِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ أَمْكَنُ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ شَرِّ النَّاسِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَقَدْ قِيلَ : لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلَّا لِكَسْبِ مَعِيشَةٍ وَصَلَاحِ حَالٍ وَقِيلَ أَيْضًا : وَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا تَبْقَى عَلَيْنَا وَيَأْتِي رِزْقُهَا رَغَدَا مَا كَانَ مِنْ حَقِّ حُرٍّ أَنْ يَذِلَّ لَهَا فَكَيْفَ وَهْيَ مَتَاعٌ يَسْتَحِيلُ غَدَا .

فَصْلٌ ( فِي الْعِنَايَةِ بِحِفْظِ الزَّمَانِ وَاتِّقَاءِ إضَاعَتِهِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ الزِّيَارَاتِ وَغَيْرِهَا ) .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ رَأَيْت الْعَادَاتِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَى النَّاسِ فِي تَضْيِيعِ الزَّمَانِ فَهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فَلَا يَنْفَكُّونَ عَنْ كَلَامٍ لَا يَنْفَعُ وَغِيبَةٍ ، وَأَقَلُّهُ ضَيَاعُ الزَّمَانِ ، وَقَدْ كَانَ الْقُدَمَاءُ يُحَذِّرُونَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ الْفُضَيْلُ : أَعْرِفُ مَنْ يَعُدُّ كَلَامَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَدَخَلُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْ السَّلَفِ فَقَالُوا لَعَلَّنَا شَغَلْنَاك فَقَالَ : أُصْدِقُكُمْ كُنْت أَقْرَأُ فَتَرَكْت الْقِرَاءَةَ لِأَجْلِكُمْ ، وَجَاءَ عَابِدٌ إلَى سَرِيٍّ السَّقَطِيِّ فَرَأَى عِنْدَهُ جَمَاعَةً فَقَالَ صِرْت مُنَاخَ الْبَطَّالِينَ ، ثُمَّ مَضَى وَلَمْ يَجْلِسْ ، وَمَتَى لَانَ الْمَزُورُ طَمِعَ فِيهِ الزَّائِرُ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ أَذًى .
وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ قَدْ قَعَدُوا عِنْدَ مَعْرُوفٍ وَأَطَالُوا فَقَالَ : إنَّ مَلِكَ الشَّمْسِ لَا يَفْتُرُ عَنْ سَوْقِهَا فَمَتَى تُرِيدُونَ الْقِيَامَ ؟ وَمِمَّنْ كَانَ يَحْفَظُ اللَّحَظَاتِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسِيُّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أُكَلِّمُك فَقَالَ أَمْسِكْ الشَّمْسَ وَكَانَ دَاوُد الطَّائِيُّ يَسْتَفُّ الْفَتِيتَ وَيَقُولُ بَيْنَ سَفِّ الْفَتِيتِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ : قِرَاءَةُ خَمْسِينَ آيَةً .
وَأَوْصَى بَعْضُ السَّلَفِ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : إذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي فَتَفَرَّقُوا لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي طَرِيقِهِ ، وَمَتَى اجْتَمَعْتُمْ تَحَدَّثْتُمْ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الزَّمَانَ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَضِيعَ مِنْهُ لَحْظَةٌ فَكَمْ يَضِيعُ لِلْآدَمِيِّ مِنْ سَاعَاتٍ يَفُوتُهُ فِيهَا الثَّوَابُ الْجَزِيلُ ، وَهَذِهِ الْأَيَّامُ مِثْلُ الْمَزْرَعَةِ ، وَكَأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : لِلْإِنْسَانِ كُلَّمَا بَذَرْت حَبَّةً أَخْرَجْنَا لَك أَلْفًا ، هَلْ تَرَى يَجُوزُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْبَذْرِ أَوْ يَتَوَانَى ؟ وَاَلَّذِي يُعِينُ عَلَى اغْتِنَامِ الزَّمَانِ الِانْفِرَادُ وَالْعُزْلَةُ مَهْمَا أَمْكَنَ وَالِاخْتِصَارُ عَلَى السَّلَامِ أَوْ حَاجَةٍ

مُهِمَّةٍ لِمَنْ يَلْقَى ، وَقِلَّةُ الْأَكْلِ فَإِنَّ كَثْرَتَهُ سَبَبُ النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَضَيَاعِ اللَّيْلِ ، وَمَنْ نَظَرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ وَآمَنَ بِالْجَزَاءِ بَانَ لَهُ مَا ذَكَرْته .

فَصْلٌ ( التَّفَقُّهُ بِالتَّوَسُّعِ فِي الْمَعَارِفِ قَبْلَ طَلَبِ السِّيَادَةِ وَالْمَنَاصِبِ ) .
عَنْ عُمَرَ قَالَ : تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تَسُودُوا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ مَنْ لَمْ يَخْدُمْ الْعِلْمَ فِي صِغَرِهِ اسْتَحْيَا أَنْ يَخْدِمَهُ بَعْدَ كِبَرِ السِّنِّ وَإِدْرَاكِ السُّؤْدُدِ قَالَ : وَبَلَغَنِي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ : مَنْ تَرَأَّسَ فِي حَدَاثَتِهِ كَانَ أَدْنَى عُقُوبَتِهِ أَنْ يَفُوتَهُ حَظٌّ كَبِيرٌ مِنْ الْعِلْمِ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الرِّيَاسَةَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ أَوَانِهِ لَمْ يَزَلْ فِي ذُلٍّ مَا بَقِيَ .
وَقِيلَ : لِلْمُبَرِّدِ لِمَ صَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَعْنِي ثَعْلَبَ أَحْفَظَ مِنْكَ لِلْغَرِيبِ وَالشِّعْرِ ؟ قَالَ : لِأَنِّي تَرَأَّسْت وَأَنَا حَدَثٌ ، وَتَرَأَّسَ وَهُوَ شَيْخٌ .
وَسَبَقَ ذَلِكَ فِي الْفُصُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِلْمِ بِالْقُرْبِ مِنْ ثُلُثِ الْكِتَابِ ذَكَرْته هُنَا لِأَجْلِ الْعُزْلَةِ وَالتَّرَؤُّسِ بِهَا .

فَصْلٌ ( انْقِبَاضُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ مِنْ إتْيَانِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ ) .
كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَأْتِي الْخُلَفَاءَ وَلَا الْوُلَاةَ وَالْأُمَرَاءَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمْ ، وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا نَقَلَهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَكَلَامُهُ فِيهِ مَشْهُورٌ وَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْهَرَوِيِّ فَقَالَ : رَجُلٌ وَسِخٌ ، فَقُلْت مَا قَوْلُك إنَّهُ وَسِخٌ قَالَ : مَنْ يَتْبَعُ الْوُلَاةَ وَالْقُضَاةَ فَهُوَ وَسِخٌ وَكَانَ هَذَا رَأْيَ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ مِنْهُمْ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَدَاوُد الطَّائِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي وَغَيْرُهُمْ .
وَقَدْ سَبَقَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ اُفْتُتِنَ } ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَتَاهُ لِطَلَبِ الدُّنْيَا ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ ظَالِمًا جَائِرًا ، أَوْ عَلَى مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ وَلَزِمَهُ فَإِنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ وَالْعُجْبُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ { وَمَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ اُفْتُتِنَ } .
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيَّ ذَكَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى فِي كِتَابِهِ فِي الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ كَانَ صَاحِبَ أُمَرَاءَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ .
وَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي أَبْوَابِ هَؤُلَاءِ السَّلَاطِينِ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَظْلِمَةٌ فَلَمْ يَرَ أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَذَكَرَ لَهُ تَعْظِيمَهُمْ فَكَأَنَّهُ هَابَ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ

أَهْلِ السُّنَّةِ يُسَلِّمُ عَلَى السُّلْطَانِ وَيَقْضِي حَوَائِجَهُ : يُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَالَ : نَعَمْ لَعَلَّهُ يَخَافُهُ ، يُدَارِيه وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرُّسُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَأْتِيه السُّلْطَانُ وَصَاحِبُ الْبَرِيدِ قَالَ : يُمْكِنُهُ مُعَانَدَةُ السُّلْطَانِ قُلْتُ : رُبَّمَا بَعَثَهُ إلَيْهِ فِي الْحَاجَةِ مِنْ الْخَرَاجِ أَوْ فِي رَجُلٍ فِي السِّجْنِ قَالَ : هَذَا يَكُونُ مَظْلُومًا فَيُفْرِجُ عَنْهُ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ يَقُولُ : خَمْسَةٌ تَجِبُ عَلَى النَّاسِ مُدَارَاتُهُمْ الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ وَالْقَاضِي الْمُتَأَوِّلُ وَالْمَرِيضُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَالِمُ لِيُقْتَبَسَ مِنْ عِلْمِهِ .
فَاسْتَحْسَنْت ذَلِكَ .
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ : وَمِنْ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ أَنْ يَكُونُوا مُنْقَبِضِينَ عَنْ السَّلَاطِينِ ، مُحْتَرِزِينَ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ قَالَ حُذَيْفَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إيَّاكُمْ وَمَوَاقِفَ الْفِتَنِ قِيلَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : أَبْوَابُ الْأُمَرَاءِ يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَيُصَدِّقُهُ بِالْكَذِبِ وَيَقُولُ : مَا لَيْسَ فِيهِ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : إذَا رَأَيْتُمْ الْعَالِمَ يَغْشَى الْأُمَرَاءَ فَاحْذَرُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ لِصٌّ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إنَّك لَنْ تُصِيبَ مِنْ دُنْيَاهُمْ شَيْئًا إلَّا أَصَابُوا مِنْ دِينِك أَفْضَلَ مِنْهُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَقَدْ سَبَقَ عَنْ بَعْضِهِمْ فِعْلُ ذَلِكَ .
وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ إنْ خِيفَ مِنْهُ الْوُقُوعُ فِي مَحْظُورٍ ، وَعَدَمُهَا إنْ أَمِنَ ذَلِكَ فَإِنْ عَرِيَ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَاقْتَرَنَتْ بِهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ تَخْوِيفِهِ لَهُمْ وَوَعْظِهِ إيَّاهُمْ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ كَانَ مُسْتَحَبًّا وَعَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُنَزَّلُ كَلَامُ السَّلَفِ وَأَفْعَالُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْبَنَّا مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي بَابِ

صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّمَا الْمَذْكُورُ بِالذَّمِّ مَنْ خَالَطَهُمْ فَسَعَى بِمُسْلِمٍ أَوْ أَقْرَأ وَسَاعَدَ عَلَى مُنْكَرٍ ، فَيَجِبُ حَمْلُ أَحَادِيثِ التَّغْلِيظِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ .
وَأَمَّا السُّلْطَانُ الْعَادِلُ فَالدُّخُولُ عَلَيْهِ وَمُسَاعَدَتُهُ عَلَى عَدْلِهِ مِنْ أَجَلِّ الْقُرَبِ فَقَدْ كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ شِهَابٍ وَطَبَقَتُهُمَا مِنْ خِيَارِ الْعُلَمَاءِ يَصْحَبُونَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَالْحَسَنُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالسَّلَامَةُ الِانْقِطَاعُ عَنْهُمْ كَمَا اخْتَارَهُ أَحْمَدُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ ابْنُ الْبَنَّا : لَا يَغْتَرُّ مَنْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِبَادَةِ بِمَا وَرَدَ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى الْعُلَمَاءِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ فِعْلِهِمْ الَّذِي رُبَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ حِلِّهِ وَتَأْوِيلِهِ فَيَتْرُك مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَيَهْجُرُهُمْ فَيُفْضِي بِهِ حَالُهُ إلَى اسْتِمْرَارِ جَهْلِهِ ، وَلَعَلَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا تَصِحَّ عِبَادَتُهُ لِعَارِضٍ لَا يَعْلَمُهُ ، فَإِذَا بَدَا لَك مِنْ عَالِمٍ زَلَّةٌ فَاسْأَلْهُ عَنْ حُكْمِ مَا فَعَلَ كَذَا فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَبْدَاهُ فَتَخَلَّصْت مِنْ إثْمِ غَيْبَتِهِ أَوْ خَطَرِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا عَرَفَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَرَفَ مَغْزَى كَلَامِك وَأَنَّك تُنْكِرُ عَلَيْهِ وَبِهَذِهِ الطَّرَائِقِ أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَهُ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي النَّعْجَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزَ الدُّخُولُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ وَالظَّلَمَةِ وَاسْتَدَلَّ بِالْخَبَرِ وَالْأَثَرِ وَالْمَعْنَى قَالَ : إلَّا بِعُذْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا إلْزَامٌ مِنْ جِهَتِهِمْ يُخَافُ الْخِلَافُ فِيهِ الْأَذَى الثَّانِي : أَنْ يَدْخُلَ لِيَرْفَعَ ظُلْمًا عَنْ مُسْلِمٍ فَيَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْذِبَ وَلَا يُثْنِي وَلَا يَدَعُ

نَصِيحَةً يَتَوَقَّعُ لَهَا قَبُولًا انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ كَفُّ ظُلْمٍ عَظِيمٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكِ أَدْنَى الْمَفْسَدَتَيْنِ وَالْتِزَامُهَا بِكَفِّ أَعْلَاهُمَا وَرَفْعِهَا .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ زَائِرًا فَجَوَابُ السَّلَامِ لَا بُدَّ مِنْهُ كَذَا قَالَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَجْرِ الْمُبْتَدِعِ وَالْمُجَاهِرِ بِالْمَعَاصِي قَالَ : وَأَمَّا الْقِيَامُ وَالْإِكْرَامُ فَلَا تَحْرُمُ مُقَابَلَةٌ لَهُ عَلَى إكْرَامِهِ فَإِنَّهُ بِإِكْرَامِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مُسْتَحِقٌّ الْحَمْدَ ، كَمَا أَنَّهُ بِالظُّلْمِ مُسْتَحِقٌّ لِلذَّمِّ إلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصَحَهُ وَيُعَرِّفَهُ تَحْرِيمَ مَا يَفْعَلُهُ مِمَّا لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَأَمَّا إعْلَامُهُ بِتَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُخَوِّفَهُ مِنْ رُكُوبِ الْمَعَاصِي مَهْمَا ظَنَّ أَنَّ التَّخْوِيفَ يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِهِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُرْشِدَهُ إلَى الْمَصَالِحِ ، وَمَتَى عَرَفَ طَرِيقًا لِلشَّرْعِ يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُ الظَّالِمِ عَرَّفَهُ إيَّاهُ .
( الْحَالُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَعْتَزِلَ عَنْهُمْ فَلَا يَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ وَالسَّلَامَةُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ بُغْضَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَا يُحِبُّ بَقَاءَهُمْ وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَلَا يَسْتَخْبِرُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَتَقَرَّبُ إلَى الْمُتَّصِلِينَ بِهِمْ وَلَا يَتَأَسَّفُ عَلَى مَا يَفُوتُهُ بِسَبَبِ مُفَارَقَتِهِمْ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُلُوكِ يَوْمٌ وَاحِدٌ : إمَّا يَوْمٌ مَضَى فَلَا يَجِدُونَ لَذَّتَهُ ، وَأَنَا وَإِيَّاهُمْ فِي غَدٍ عَلَى وَجَلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمُ فَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فِي الْيَوْمِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الْعَدْلُ تَحْصِيلُ مَنْفَعَتِهِ وَدَفْعُ مَضَرَّتِهِ ، وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يُقَدَّمُ أَرْجَحُهُمَا لِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعِ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا .
وَقَالَ

فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْد أَنْ ذَكَرَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : ثَلَاثَةٌ لَا تَبْلُوَنَّ نَفْسَك بِهِمْ : لَا تَدْخُلَنَّ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ وَإِنْ قُلْتَ : آمُرُهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَلَا تَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ وَإِنْ قُلْتَ : أُعَلِّمُهَا كِتَابَ اللَّهِ ، وَلَا تُصْغِيَنَّ بِسَمْعِك لِذِي هَوًى فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا يَعْلَقُ بِقَلْبِك مِنْهُ .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : فَالِاجْتِمَاعُ بِالسُّلْطَانِ مِنْ جِنْسِ الْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ ، وَفِعْلُ ذَلِكَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوِلَايَةِ بِنِيَّةِ الْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَقِّ ، وَاسْتِمَاعُ كَلَامِ الْمُبْتَدِعِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ ، وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَمُحَرَّمٌ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ دُخُولُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِيمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أُمُورًا أَوْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُمُورًا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرْكِ وَاجِبِهَا وَفِعْلِ مَحْظُورِهَا .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدَّجَّالِ : { فَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الدَّجَّالُ فَلَا يَزَالُ بِهِ مَا يَرَاهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ حَتَّى يَفْتِنَهُ ذَلِكَ } .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُذْكَرُ عَنْ طَوَائِفَ مِنْ السَّلَفِ مِنْ امْتِنَاعِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنْ اسْتِمَاعِ كَلَامِ الْمُبْتَدِعَةِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا مَنْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِلْهَجْرِ أَوْ لِلْعُقُوبَةِ عَلَى فِعْلِهِ فَذَلِكَ نَوْعٌ آخَرُ إلَى أَنْ قَالَ : فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْعَدْلُ فِيهِ أَنْ لَا يَطْلُبَ الْعَبْدُ أَنْ يُبْتَلَى بِهَا ، وَإِذَا اُبْتُلِيَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصْبِرْ ، وَالِاسْتِعْدَادُ لَهَا أَنْ تُصِيبَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الِابْتِلَاءِ بِهَا ، فَهَذِهِ الْمِحَنُ وَالْفِتَنُ إذَا لَمْ يَطْلُبْهَا الْمَرْءُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا بَلْ اُبْتُلِيَ بِهَا ابْتِدَاءً أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِحَسَبِ حَالِ

ذَلِكَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِي طَلَبِهَا فِعْلٌ وَلَا قَصْدٌ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ ذَنْبًا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ ، وَلَا كَانَ مِنْهُ كِبْرٌ وَاحْتِيَالٌ مِثْلُ دَعْوَى قُوَّةٍ أَوْ ظَنِّ كِفَايَةٍ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُخْذَلَ بِتَرْكِ تَوَكُّلِهِ وَيُوكَلَ إلَى نَفْسِهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُؤْتَى مِنْ تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ .
وَسَوَاءٌ كَانَ مُرَادُهُ بِهَا مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا ، وَإِرَادَتُهُ بِهَا الْمُحَرَّمَ زِيَادَةُ ذَنْبٍ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْمُسْتَحَبَّ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ .
وَهَذَا مِمَّا يُذَمُّ عَلَيْهِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَنْصَارٌ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ ثُمَّ إنَّهُ يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِ خُلُوفٌ يَقُولُونَ : مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ } .
وَالتَّعَرُّضُ لِلْفِتْنَةِ هُوَ مِنْ الذُّنُوبِ ، فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا أُمِرَ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ عِبَادَةٌ وَلَا يَسْتَعِينُ إلَّا بِاَللَّهِ ، فَإِذَا أَوْجَبَ هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ حَرَّمَ هُوَ بِنَفْسِهِ خَرَجَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ خَرَجَ عَنْ الثَّانِي ، فَإِذَا أَذْنَبَ بِذَلِكَ فَقَدْ يَتُوبُ بَعْدَ الذَّنْبِ فَيُعِينُهُ حِينَئِذٍ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ رَاجِحَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْإِعَانَةَ ، وَقَدْ يَتَدَارَكُهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَيَسْلَمُ أَوْ يُخَفِّفُ عَلَيْهِ وَالتَّوْبَةُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ فِي كُلِّ حَالٍ بِحَبْسِهِ لَيْسَتْ تَرْكَ مَا دَخَلَ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ إلَّا بِذُنُوبٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ ذُنُوبِهِ مَعَ مَقَامِهِ فَتَدَبَّرْ هَذَا .
وَالْمُبْتَلَى مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ قَدْ يُفَرِّطُ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَفِعْلِ الْمَحْظُورِ حَتَّى يُخْذَلَ وَلَا يُعَانَ فَيُؤْتَى مِنْ ذُنُوبِهِ لَا مِنْ نَفْسِ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } الْآيَةُ وَهَذَا كَثِيرٌ أَكْثَرُ

مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ تَفْرِيطٌ وَلَا عُدْوَانٌ فَإِذَا اُبْتُلُوا أُعِينُوا قَالَ : وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْفِتَنِ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ بِالْعُهُودِ وَالنُّذُورِ وَطَلَبِ الْوِلَايَةِ وَتَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ الذُّنُوبِ .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَعَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقِيلَ : لَهُ أَرَأَيْت مَنْ يَدْخُلُ عَلَى هَؤُلَاءِ فَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ قَالَ : أَخَافُ عَلَيْهِ السَّوْطَ قِيلَ : إنَّهُ يَقْوَى قَالَ : أَخَافُ عَلَيْهِ السَّيْفَ قِيلَ : إنَّهُ يَقْوَى قَالَ أَخَافُ عَلَيْهِ الدَّاءَ الدَّفِينَ الْعُجْبَ .
وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : إذَا رَأَيْتَ الْقَارِئَ يَلُوذُ بِالسُّلْطَانِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لِصٌّ ، وَإِنْ لَاذَ بِالْأَغْنِيَاءِ فَمُرَاءٍ ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَخْدَعَ فَيُقَالُ : لَعَلَّك تَرُدُّ عَنْ مَظْلِمَةٍ أَوْ تَدْفَعُ عَنْ مَظْلُومٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ خَدْعَةٌ مِنْ إبْلِيسَ اتَّخَذَهَا فَجَازَ الْقُرَّاءُ سُلَّمًا .
وَقَالَ الْخَلَّالُ : أَنْبَأْنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْهَمْدَانِيُّ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ شَبَّوَيْهِ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : قَدِمْتُ بَغْدَادَ عَلَى أَنْ أَدْخُلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ فَآمُرُهُ وَأَنْهَاهُ فَدَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَاسْتَشَرْتُهُ فِي ذَلِكَ قَالَ : أَخَافُ عَلَيْك أَنْ لَا تَقُومَ بِذَلِكَ قُلْتُ : لَهُ فَقَدْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَقَدْ قَبِلْت ذَلِكَ قَالَ : فَقَالَ : لِي اسْتَشِرْ فِي هَذَا بَشَرًا وَأَخْبِرْنِي بِمَا يَقُولُ لَك فَأَتَيْتُ بَشَرًا ، فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ فَقَالَ : لَا أَرَى لَك ، أَخَافُ أَنْ تَخُونَك نَفْسُك قُلْتُ : فَإِنِّي أَصْبِرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ : لَا أَرَى لَك ذَلِكَ قُلْتُ : لِمَ ؟ قَالَ : إنِّي أَخَافُ عَلَيْك أَنْ يَقْدُمَ عَلَيْك بِقَتْلٍ فَتَكُونَ سَبَبَ دُخُولِهِ إلَى النَّارِ قَالَ : فَأَتَيْتُ أَحْمَدَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ لَك ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ أَنَّ مُثَنَّى الْأَنْبَارِيَّ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُ قَالَ

لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ فِي السُّلْطَانِ إنْ أَرْسَلَ إلَيَّ يَسْأَلَنِي عَنْ الْعُمَّالِ أُخْبِرُ بِمَا فِيهِمْ قَالَ : تُدَارِي السُّلْطَانَ قُلْتُ : فَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ { كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إمَامٍ جَائِرٍ } فَقَدِّمْ هَذَا وَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا أَفْضَلُ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ إبْرَاهِيمَ وَنَحْنُ بِالْعَسْكَرِ يُنَاشِدُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَيَسْأَلُهُ الدُّخُولَ عَلَى الْخَلِيفَةِ لِيَأْمُرَهُ وَيَنْهَاهُ وَقَالَ لَهُ : إنَّهُ يَقْبَلُ مِثْلَ هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يَدْخُلُ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ فَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تَحْتَجُّ عَلَيَّ بِإِسْحَاقَ فَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ بِفِعْلِهِ ، مَا لَهُ فِي رُؤْيَتِي خَيْرٌ ، وَلَا لِي فِي رُؤْيَتِهِ خَيْرٌ ، يَجِبُ عَلَيَّ إذَا رَأَيْتُهُ أَنْ آمُرَهُ وَأَنْهَاهُ ، الدُّنُوُّ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ ، وَالْجُلُوسُ مَعَهُمْ فِتْنَةٌ ، نَحْنُ مُتَبَاعِدُونَ مِنْهُمْ مَا أَرَانَا نَسْلَمُ فَكَيْفَ لَوْ قَرُبْنَا مِنْهُمْ ؟ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ وَسَمِعْت إسْمَاعِيلَ ابْنَ أُخْتِ ابْنِ الْمُبَارَكِ يُنَاظِرُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَيُكَلِّمُهُ فِي الدُّخُولِ عَلَى الْخَلِيفَةِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَدْ قَالَ خَالُك يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ : لَا تَأْتِهِمْ ، فَإِنْ أَتَيْتَهُمْ فَاصْدُقْهُمْ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ لَا أَصْدُقَهُمْ .
وَقَالَ فِي الْفُنُونِ أَكْثَرُ مَنْ يُخَالِطُ السُّلْطَانَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى تَنْفِيقِ نُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الْفَضَائِلِ وَتَدْقِيقِ الْمَذَاهِبِ ، فِي دَرَكِ الْمَبَاغِي وَالْمَطَالِبِ يَبْلُغُونَ مَبْلَغًا يَغْفُلُونَ بِهِ عَنْ الصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ السَّلَاطِينَ دَأْبُهُمْ الِاسْتِشْعَارُ ، وَالْخَوْفُ مِنْ دَوَاهِي الْأَعْدَاءِ فَإِذَا أَحَسُّوا مِنْ إنْسَانٍ تَنَغُّرًا وَلَمْحًا تَحَرَّزُوا مِنْهُ بِعَاجِلِ أَحْوَالِهِمْ ، وَالتَّحَرُّزُ نَوْعُ إقْصَاءٍ فَإِنَّهُ لَا قُرْبَةَ لِمَنْ لَا تُؤْمَنُ مَكَايِدُهُ وَعَنْهُمْ يَفْتَعِلُونَ الدَّوَاهِيَ لِمَا عَسَاهُ يُلِمُّ بِجَانِبِهِمْ ، فَإِنَّ التَّغَافُلَ أَصْلَحُ لِمُخَالَطَتِهِمْ مِنْ التَّجَالُدِ وَإِظْهَارِ

اللَّمْحِ ، فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ كَنْزًا لَا يَجِبُ ظُهُورُهُ إلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيَخَافُ مِنْ تَكَشُّفِ أَحْوَالِهِ الدُّخُولَ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْخِبْرَةِ بِهِ ، وَالْأَوْلَى فِي الْحِكْمَةِ أَنْ لَا يَنْكَشِفَ الْإِنْسَانُ بِخُلُقٍ فِي مَحْبُوبِهِ وَلَا مَكْرُوهِهِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ مِنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ يُقَالُ : شَرُّ الْأُمَرَاءِ أَبْعَدُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ أَقْرَبُهُمْ مِنْ الْأُمَرَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ السِّرِّ الْمَصُونِ : أَمَّا السَّلَاطِينُ فَإِيَّاكَ إيَّاكَ وَمُعَاشَرَتَهُمْ فَإِنَّهَا تُفْسِدُك أَوْ تُفْسِدُهُمْ وَتُفْسِدُ مَنْ يَقْتَدِي بِك ، وَسَلَامَتُك مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ أَبْعَدُ مِنْ الْعَيُّوقِ ، وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَمِيلَ نَفْسُك إلَى حُبِّ الدُّنْيَا قَالَ الْمَأْمُونُ : لَوْ كُنْت عَامِّيًّا مَا خَالَطْت السَّلَاطِينَ ، وَمَتَى اُضْطُرِرْت إلَى مُخَالَطَتِهِمْ فَبِالْأَدَبِ وَالصَّمْتِ وَكَتْمِ الْأَسْرَارِ وَحِفْظِ الْهَيْبَةِ ، وَلَا يُسْأَلُونَ عَنْ شَيْءٍ مَهْمَا أَمْكَنَ .
وَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ الْأَصْمَعِيَّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْت قَالَ لَهُ الرَّبِيعُ : أَسْقَطَ اللَّهُ أَضْرَاسَك أَبِهَذَا تُخَاطِبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : دَخَلْت عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَصَادَفْته فِي سِرَارٍ مَعَ شَخْصٍ فَوَقَفْت سَاعَةً لَا يَرْفَعُ إلَيَّ طَرْفَهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، فَقَالَ لَمْ نَأْذَنْ لَك حَتَّى عَرَفْنَا اسْمَك فَقُلْتُ : نَقْدَةٌ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ رَأَيْتُ رَجُلًا فِي النَّاسِ ذَا هَيْبَةٍ وَرُوَاءٍ وَلَمْ أَعْرِفْهُ فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ الْخُلَفَاءُ : تَسْأَلُ وَلَا تُسْأَلُ هَذَا الْأَخْطَلُ الشَّاعِرُ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذِهِ أُخْرَى قَالَ : وَخُضْنَا فِي الْحَدِيثِ فَمَرَّ لَهُ شَيْءٌ لَمْ أَعْرِفْهُ فَقُلْت : اكْتُبْنِيهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ الْخُلَفَاءُ : تُسْتَكْتَبُ .
فَقُلْت : هَذِهِ ثَالِثَةٌ ،

وَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَأَشَارَ إلَيَّ بِالْقُعُودِ فَقَعَدْت حَتَّى خَفَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ .
ثُمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَقُدِّمَتْ إلَيْهِ الْمَائِدَةُ فَرَأَيْت عَلَيْهَا صُحُفًا فِيهَا مُخٌّ وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُقَدَّمَ إلَيْهِ الْمُخُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَقُلْت : هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } ، فَقَالَ : يَا شَعْبِيُّ مَازَحْت مَنْ لَمْ يُمَازِحْك ، فَقُلْت : هَذِهِ رَابِعَةٌ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الطَّعَامِ وَقَعَدَ فِي مَجْلِسِهِ وَانْدَفَعْنَا فِي الْحَدِيثِ وَذَهَبْتُ لِأَتَكَلَّمَ فَمَا ابْتَدَأْت بِشَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا اسْتَلَّهُ مِنِّي فَحَدَّثَ النَّاسَ وَرُبَّمَا زَادَ فِيهِ عَلَى مَا عِنْدِي وَلَا أُنْشِدُهُ شِعْرًا إلَّا فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَغَمَّنِي وَانْكَسَرَ بَالِي .
فَمَا زِلْنَا عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ نَهَارِنَا ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ وَقْتٍ الْتَفَتَ إلَيَّ .
وَقَالَ لِي يَا شَعْبِيُّ قَدْ وَاَللَّهِ تَبَيَّنَتْ الْكَرَاهَةُ فِي وَجْهِك لِمَا فَعَلْت وَتَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ : لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ : لِئَلَّا تَقُولَ : إنْ فَازَ هَؤُلَاءِ بِالْمُلْكِ لَقَدْ فُزْنَا نَحْنُ بِالْعِلْمِ ، فَأَرَدْت أَنْ أُعَرِّفَك أَنَّا فُزْنَا بِالْمُلْكِ وَشَارَكْنَاك فِيمَا أَنْتَ فِيهِ ، ثُمَّ أَمَرَ لِي بِمَالٍ فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ زَلَلْتُ أَرْبَعَ زَلَّاتٍ وَقَالَ : حَدَّثَ بَعْضُهُمْ الْمَأْمُونَ فَقَالَ : اسْمَعْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَقَالَ الْمَأْمُونُ : أَخْرِجُوهُ .
فَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُمَّارِ الْمُلُوكِ وَحَدَّثَهُ الْحَسَنُ اللُّؤْلُؤِيُّ وَهُوَ خَلِيفَةٌ فَنَامَ فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ : يَا غُلَامُ خُذْ بِيَدِهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ سُمَّارِ الْمُلُوكِ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْتِي فِي مُحْرِمٍ صَادَ ظَبْيًا .
وَقَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ : أَشْقَى النَّاسِ بِالسُّلْطَانِ صَاحِبُهُ ، كَمَا أَنَّ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إلَى النَّارِ أَسْرَعُهَا احْتِرَاقًا قَالَ الشَّاعِرُ : إنَّ الْمُلُوكَ بَلَاءٌ حَيْثُمَا حَلُّوا فَلَا يَكُنْ لَكَ فِي

أَفْنَائِهِمْ ظِلُّ وَمَا تُرِيدُ بِقَوْمٍ إنْ هُمْ سَخِطُوا جَارُوا عَلَيْكَ وَإِنْ أَرْضَيْتَهُمْ مَلُّوا وَإِنْ مَدَحْتَهُمْ ظَنُّوكَ تَخْدَعُهُمْ وَاسْتَثْقَلُوكَ كَمَا يُسْتَثْقَلُ الْكَلُّ فَاسْتَغْنِ بِاَللَّهِ عَنْ أَبْوَابِهِمْ أَبَدًا إنَّ الْوُقُوفَ عَلَى أَبْوَابِهِمْ ذُلُّ وَيُقَالُ : لَا تَغْتَرِرْ بِالْأَمِيرِ ، إذَا غَشَّك الْوَزِيرُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا تَثِقْ بِالْأَمِيرِ ، إذَا خَانَك الْوَزِيرُ .
جَلَسَ مُعَاوِيَةُ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ بِالْبَرَاءِ مِنْ عَلِيٍّ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّا نُطِيعُ أَحْيَاءَكُمْ وَلَا نَبْرَأُ مِنْ أَمْوَاتِكُمْ فَالْتَفَتَ مُعَاوِيَةُ إلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ : يَا رَجُلُ فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا .
وَكَانَ يُقَالُ : إذَا نَزَلْت مِنْ الْوَلِيِّ بِمَنْزِلَةِ الثِّقَةِ فَاعْزِلْ عَنْهُ كَلَامَ الْخَنَا وَالْمَلَقِ ، وَلَا تُكْثِرَن لَهُ الدُّعَاءَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ الْوَحْشَةَ .
وَعَظِّمْهُ وَقَرِّرْهُ فِي النَّاسِ .
قَالَ الْفَرَزْدَقُ : قُلْ لِمُبْصِرٍ وَالْمَرْءُ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ ؛ أَعْمَى مَادَامَ يُدْعَى أَمِيرَا فَإِذَا زَالَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ وَاسْتَوَى بِالرِّجَالِ كَانَ بَصِيرًا كَانَ يُقَالُ : ثَلَاثَةٌ مَنْ عَازَّهُمْ رَجَعَتْ عِزَّتُهُ ذُلًّا ، السُّلْطَانُ وَالْعَالِمُ وَالْوَالِدُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ : فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ أَرْبَعَةٌ لَا يُسْتَحْيَا مِنْ خِدْمَتِهِمْ السُّلْطَانُ وَالْوَالِدُ وَالضَّيْفُ وَالدَّابَّةُ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَكَان آخَرَ وَلَمْ يَعْزُ إلَى أَحَدٍ خَمْسَةٌ لَا يُسْتَحْيَ مِنْ خِدْمَتِهِمْ السُّلْطَانُ وَالْوَالِدُ وَالْعَالِمُ وَالضَّعِيفُ وَالدَّابَّةُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَالُوا تَقَرَّبْ مِنْ السُّلْطَانِ قُلْتُ لَهُمْ يُعِيذُنِي اللَّهُ مِنْ قُرْبِ السَّلَاطِينِ إنْ قُلْتُ دُنْيَا فَلَا دُنْيَا لِمُمْتَحَنٍ أَوْ قُلْتُ دِينًا فَلَا دِينَ لِمَفْتُونِ وَمِنْ الْأَمْثَالِ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ : السُّلْطَانُ كَالنَّارِ إنْ بَاعَدْتَهَا بَطَلَ نَفْعُهَا ، وَإِنْ قَارَبْتَهَا عَظُمَ ضَرَرُهَا صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ

الْأَسَدِ يَهَابُهُ النَّاسُ ، وَهُوَ لِمَرْكَبِهِ أَهْيَبُ ، أَجْرَأُ النَّاسِ عَلَى الْأَسَدِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ رُؤْيَةً ، إذَا قَالَ السُّلْطَانُ لِعُمَّالِهِ هَاتُوا فَقَدْ قَالَ خُذُوا مَنْ خَدَمَ السُّلْطَانَ خَدَمَتْهُ الْإِخْوَانُ ثَلَاثَةٌ لَا أَمَانَ لَهُمْ : السُّلْطَانُ وَالْبَحْرُ وَالزَّمَانُ ، مِثْلُ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ كَقَوْمٍ رَقُوا جَبَلًا ثُمَّ وَقَعُوا مِنْهُ فَكَانَ أَبْعَدُهُمْ مِنْ الْمُرْتَقَى أَقْرَبَهُمْ إلَى التَّلَفِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ لِي أَبِي إنِّي أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُدْنِيك وَيُقَرِّبُك فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا : إيَّاكَ أَنْ يُجَرِّبَ عَلَيْك كَذْبَةً ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَدًا ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُفْشِيَ لَهُ سِرًّا .
ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ثَلَاثٌ وَأَيُّ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ قَالَ : بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ .

فَصْلٌ ( يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ التَّوَسُّطُ فِي كُلِّ شُؤُونِهِ لِلتَّأَسِّي بِهِ ) .
قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَوَسَّطَ فِي مَلْبَسِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلْيَكُنْ إلَى التَّقَلُّلِ أَمْيَلَ فَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ، وَيَنْبَغِي لَهُ الِاحْتِرَازُ مِمَّا يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ فَإِنَّهُ مَتَى تَرَخَّصَ فِي الدُّخُولِ عَلَى السَّلَاطِينِ وَجَمْعِ الْحُطَامِ فَاقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ كَانَ الْإِثْمُ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا سَلِمَ هُوَ فِي دُخُولِهِ فَلَمْ يَفْقَهُوا كَيْفِيَّةَ سَلَامَتِهِ ، وَكَلَامُ ابْنُ الْبَنَّا : فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَأَنْشَدَ : إذَا قَنَعْتَ بِمَيْسُورٍ مِنْ الْقُوتِ أَصْبَحْتَ فِي النَّاسِ حُرًّا غَيْرَ مَمْقُوتِ يَا قُوتَ نَفْسِي إذَا مَا دَرَّ خَلْفَكَ لِي فَلَسْتُ آسَى عَلَى دُرٍّ وَيَاقُوتِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { مَا عَالَ مَنْ اقْتَصَدَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ يَا عُلَمَاءُ مَا نَقْنَعُ مِنْكُمْ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ زِيِّ تَصَارِيفِكُمْ ، فَإِنَّ طَبِيبًا بِهِ مِثْلُ مَرَضِي فَضَيَّقَ عَلَيَّ الْأَغْذِيَةَ وَلَا يَحْتَمِي مَشْكُوكٌ فِي صِدْقِهِ عِنْدِي ، فَالْحَظُوا حَالَ مَنْ أَنْتُمْ مِنْ وَرَثَتِهِ كَيْفَ غُفِرَ لَهُ .
ثُمَّ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ يَا سِبَاعُ يَا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ لَا تُرَوْنَ إلَّا عَلَى مَطَارِحِ الْجِيَفِ : نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ بِإِشَارَتِهَا إلَى السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ تُشَكِّكُونَ النَّاسَ فِي الْعَقَائِدِ ، انْفَتَحَ بِكَلَامِكُمْ الْبَثْقُ الْعَظِيمُ وَهُوَ كَلَامُ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُلْحِدَةِ .

فَصْلٌ ( فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ وَالْغَنِيِّ الشَّاكِرِ ) .
هَلْ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ أَمْ الْعَكْسُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَنَّ أَصَحَّهُمَا أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ وَقَالَ : اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَالْوَالِدُ السَّعِيدُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَالصَّوَابُ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .
فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْفَتْوَى اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ كَذَا قَالَ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعِ بْنِ مُكْرَمٍ الزَّاهِدُ أَبُو عَبَّاسٍ الْعَابِدُ كَانَ مِنْ الْأَبْدَالِ ، تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ ، سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ " أَبُو الْوَلِيدِ " يَقُولُ لَوْ أَنَّ التَّابِعِينَ وَالسَّلَفَ رَأَوْا عُبَيْدَ اللَّهِ الزَّاهِدَ لَفَرِحُوا بِهِ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ الْمُزَكَّى سَمِعْت أَبَا عَلِيٍّ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ : عُبَيْدُ اللَّهِ الزَّاهِدُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قَالَ الْحَاكِمُ : قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلٌ إنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِإِيمَانِهِمْ ثُمَّ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : كَلَّمَنِي أَبُو الْوَلِيدِ فِي فَضْلِ الْغَنِيِّ .
وَاحْتَجَّ عَلِيٌّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غَنِيٍّ } قُلْتُ : يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ } قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْت أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ بِإِيمَانِهِمْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَارِثَةَ : { إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ قَالَ : عَزَفَتْ نَفْسِي عَنْ الدُّنْيَا } .
جَعَلَ اخْتِيَارَ الْفَقْرِ عَلَى الْغِنَى حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ انْتَهَى

كَلَامُهُ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَأَمَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَظَاهِرُ النَّقْلِ يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَفْضِيلٍ فَنَقُولُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الشَّكُّ وَالْخِلَافُ فِي فَقِيرٍ صَابِرٍ لَيْسَ بِحَرِيصٍ بِالْإِضَافَةِ إلَى غَنِيٍّ شَاكِرٍ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْخَيْرَاتِ ، أَوْ فَقِيرٍ حَرِيصٍ مَعَ غَنِيٍّ حَرِيصٍ ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَقِيرَ الْقَانِعَ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الْحَرِيصِ ، فَإِنْ كَانَ الْغَنِيُّ مُتَمَتِّعًا بِالْمَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ ، فَالْفَقِيرُ الْقَنُوعُ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ فِي هَذَا إنَّمَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ وَلَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى مَقْصُودِهِ إذْ بِهِ يَظْهَرُ فَضْلُهُ ، وَالدُّنْيَا لَيْسَتْ مَحْذُورَةً لِعَيْنِهَا بَلْ لِكَوْنِهَا عَائِقَةً عَنْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْفَقْرُ لَيْسَ مَطْلُوبًا لِعَيْنِهِ لَكِنْ ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَقْدَ الْعَائِقِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمَ التَّشَاغُلِ عَنْهُ .
وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَا يَشْغَلُهُ الْغِنَى عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ شَغَلَهُ فَقْرُهُ عَنْ الْمَقْصُودِ وَصَرَفَهُ عَنْ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأُنْسِ بِهِ ، وَإِنَّمَا الشَّاغِلُ لَهُ حُبُّ الدُّنْيَا إذْ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ حُبُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ الْمُحِبَّ لِشَيْءٍ مَشْغُولٌ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي فِرَاقِهِ أَوْ فِي وِصَالِهِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ شُغْلُهُ فِي فِرَاقِهِ أَكْثَرَ .
وَالدُّنْيَا مَشُوقَةُ الْغَافِلِينَ فَالْمَحْرُومُ مِنْهَا مَشْغُولٌ بِطَلَبِهَا ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهَا مَشْغُولٌ بِحِفْظِهَا ، وَالتَّمَتُّعِ بِهَا ، وَإِنْ أَخَذْت الْأَمْرَ بِاعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ ، فَالْفَقِيرُ عَنْ الْخَطَرِ أَبْعَدُ ؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ السَّرَّاءِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الضَّرَّاءِ ، وَمِنْ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِدَ ، وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي الْآدَمِيِّينَ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ جَاءَ الشَّرْعُ بِذَمِّ الْغِنَى وَفَضْلِ الْفَقْرِ ، وَذَكَرَ كَلَامًا

كَثِيرًا .
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى تَفْضِيلِ الْغَنِيِّ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ مُقْتَدِرٌ وَالْفَقِيرَ عَاجِزٌ وَالْقُدْرَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجْزِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ النَّبَاهَةِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ الْفَقِيرِ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ تَارِكٌ وَالْغَنِيَّ مُلَابِسٌ ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا أَفْضَلُ مِنْ مُلَابَسَتِهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ السَّلَامَةِ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى تَفْضِيلِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ الْفَقْرِ إلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الْغِنَى لِيَصِلَ إلَى فَضِيلَةِ الْأَمْرَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَرَى تَفْضِيلَ الِاعْتِدَالِ ، وَأَنَّ خِيَارَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا .
قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْوَزِيرُ الْحَنْبَلِيُّ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفَقْرِ إلَّا أَنَّهُ بَابُ رِضَاءِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغِنَى إلَّا أَنَّهُ بَابُ سَخَطِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى الْفَقِيرَ رَضِيَ عَنْ اللَّهِ فِي تَقْدِيرِهِ ، وَإِذَا رَأَى الْغَنِيَّ تَسَخَّطَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِي فَضْلِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغَنِيِّ .

فَصْلٌ ( فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ ) فِي اللِّبَاسِ يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ اسْتِعْمَالُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَتِكَّةٍ وَسَرَاوِيلَ وَشَرَابَةٍ مِنْ الْحَرِيرِ بِلَا ضَرُورَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِشَرَابَةِ الْحَرِيرِ الْمُنْفَصِلَةُ كَشَرَابَةِ الْبَرِيدِ فَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَمُبَاحَةٌ كَزِرِّ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ ، وَكَلَامُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ يَقْتَضِي هَذَا فَإِنْ قَالَ : إنَّ التَّقْلِيدَ بِشَرَارِيبِهِ يَحْرُمُ وَهُوَ مَا أَكْثَرَهُ وَزْنًا فِي وَجْهٍ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَقِيلَ : بَلْ ظُهُورًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَكَذَلِكَ الْمُلْحَمُ وَهُوَ مَا سَدَاهُ حَرِيرٌ وَاللُّحْمَةُ غَزْلٌ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ وَالتَّقْلِيدُ بِشَرَارِيبِهِ وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ وَالْبِطَانَةُ كَالظِّهَارَةِ فِي ذَلِكَ .

فَصْلٌ الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ بِغَيْرِ اللُّبْسِ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كُلِّ كُتُبِهِ أَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ وَافْتِرَاشَهُ مُحَرَّمٌ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ بْنُ الْمُنَجَّى فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ لِبَاسًا وَافْتِرَاشًا قَالَ هَذَا مَعَ كَوْنِهِ هَذَّبَ كَلَامَ أَبِي الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ .
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ سَتْرَ الْجُدُرِ وَالْحِيطَانِ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ السَّاتِرِ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ الْمَشْهُورَتَانِ ، وَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا وَإِنَّ اسْتِعْمَالَ البقج وَأَكْيَاسِ الْحَرِيرِ الَّتِي تُوضَعُ الْأَثْمَان أَوْ غَيْرُهَا فِيهَا ، والبقج الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الثِّيَابُ وَاِتِّخَاذُ مِخَدَّةِ الْحَرِيرِ لِلزِّينَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَاسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَى ذَلِكَ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَا لُبْسَ لَهُ وَلَا تَدَثُّرَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمً .
وَقَطَعَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَالْأَزَجِيُّ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِمَا لَا يُنَقَّى كَالْحَرِيرِ النَّاعِمِ وَظَاهِرُهُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ إذَا نُقِّيَ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالنَّصِّ اللُّبْسُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُبْسٍ بَلْ اسْتِعْمَالٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ .
وَقَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ { هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا } لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ وَإِضْمَارُ اللُّبْسِ أَوْلَى عَنْ لَفْظِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاحَ لِبَاسَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ ، وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جُمْلَةِ الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْخِطَابِ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَلِبَاسُ الذَّهَبِ

دُونَ الْمِلْكِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفِ وَبِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِاللُّبْسِ ؛ وَلِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ الْمَعْرُوفُ فِي اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالسَّرَفِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ تَعْلِيلٌ بِالْحِكْمَةِ وَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ عَلَى أَنَّهُ مُنْكَسِرٌ بِلُبْسِ الدَّوَابِّ وَالْحَرِيرِ .
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ فِي اللُّبْسِ وَالِافْتِرَاشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، فَأَمَّا الْإِبْرَيْسَمُ فَاسْتِعْمَالُهُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَالتَّقْلِيدُ بِشَرَارِيبِهِ وَجَعْلُهُ تِكَكًا فِي السَّرَاوِيلَاتِ وَتَعْلِيقُهُ سُتُورًا وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اخْتِصَاصِ التَّحْرِيمِ بِاللِّبَاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ } قَالَ : وَلَمْ يَقِسْ عَلَيْهِ التَّوَسُّدَ وَالنَّوْمَ عَلَيْهِ وَالِادِّثَارَ بِهِ وَالسُّتُورَ الْمُعَلَّقَةَ ؛ لِأَنَّهَا دُونَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقَالَ : فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَدْ دَلَّتْ بِعُمُومِهَا وَخُصُوصِهَا عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ اسْتِعْمَالًا مَخْصُوصًا فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهِ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ مَالٍ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَلُبْسُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا يُكْسِبُ الْعُجْبَ وَالْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ ، وَفِيهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالتَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، إلَى أَنْ قَالَ : وَسَوَاءٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ اللُّبْسِ وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ وَالتِّكَكِ فِي السَّرَاوِيلَاتِ والكمراناب وَمَيَاثِرِ السُّرُوجِ وَالشَّرَارِيبِ فِي الشَّعْرِ لِعُمُومِ التَّحْرِيمِ ؛ وَلِأَنَّهُ

نَوْعُ اسْتِعْمَالٍ وَاسْتِخْدَامٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَارِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الِافْتِرَاشَ وَنَحْوَهُ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يُكْرَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَإِبَاحَةُ الِافْتِرَاشِ وَنَحْوِهِ مِنْ مُفْرَدَاتِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَذَكَرَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ غَيْرُ اللُّبْسِ كَافْتِرَاشِهِ وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالْأَحَادِيثِ مِنْهَا قَالَ : وَدَخَلَ أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً فَظَنَّ أَنَّهَا حَرِيرٌ فَتَنَحَّى وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَسْتَمْتِعُ بِالْحَرِيرِ مَنْ يَرْجُو أَيَّامَ اللَّهِ } .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ قَالَ فَفَهِمَ أَبُو أُمَامَةَ دُخُولَ الِافْتِرَاشِ فِي عُمُومِهِ وَقَالَ أَيْضًا لَا يُبَاحُ يَسِيرُ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا كَالتِّكَّةِ وَالشَّرَابَةِ وَنَحْوِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَفَهِمَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا الْعُمُومَ فَقَالَ : وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ ذَلِكَ شَرَابَةُ الدَّوَاةِ وَسِلْكُ السُّبْحَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَالتَّمَتُّعُ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالشَّيْءِ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَالْمَتَاعُ وَالْمُتْعَةُ لِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ .
لَكِنْ خَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ الْمَذْكُورُ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الشَّامِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصَّ عَلَى إبَاحَةَ جَعْلِ الْمُصْحَفِ فِي كِيسٍ حَرِيرٍ وَاتِّخَاذِهِ لَهُ وَلَوْ أُبِيحَ جَعْلُ غَيْرِ الْمُصْحَفِ فِيهِ وَاِتِّخَاذُهُ لَهُ لَمَا خَصَّ الْمُصْحَفَ بِالذِّكْرِ .
وَعَلَّلَ الْآمِدِيُّ مَسْأَلَةَ الْمُصْحَفِ بِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَفِي

ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لَهُ وَهَذَا مِنْ الْآمِدِيِّ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَثِيرِ لِغَيْرِ الْمُصْحَفِ ، وَتَعْلِيلُهُ صَرِيحٌ فِي إبَاحَةِ الْيَسِيرِ الْمُفْرَدِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ .
وَمَسْأَلَةُ كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ مَنْ حَرَّمَهُ يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَوْ اخْتَصَّ بِجِنْسِ اللُّبْسِ لَمْ يَحْرُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ قَدْ يُوَجِّهُهُ بِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَرْأَةِ ، وَالْحَرِيرُ مُبَاحٌ لَهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُوَافَقَةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ يُقَالُ : يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُوَافَقَةُ .
وَقَدْ بَحَثَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي مَسْأَلَةِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، قَالُوا : وَلِأَنَّ اتِّخَاذَهَا يَدْعُو إلَى اسْتِعْمَالِهَا وَيُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا فَحُرِّمَ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَاقْتِنَاءِ الْخَمْرِ ؛ وَلِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَلَاهِي قَالُوا وَتَحْرِيمُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ السَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الِاتِّخَاذِ ، وَهَذَا جَارٍ بِظَاهِرٍ فِي مَسْأَلَتِنَا .
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْبَحْثَ وَلَمْ يَزِدْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ فِي حُجَّةِ الْمُخَالِفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ ثِيَابَ الْحَرِيرِ تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ وَتُبَاحُ لِلتِّجَارَةِ فِيهَا .
فَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ لِأَصْحَابِنَا فِي اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ فِي غَيْرِ جِنْسِ اللُّبْسِ اللُّغَوِيِّ وَجْهَيْنِ ، وَأَنَّ فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ لِلزِّينَةِ وَنَحْوِهَا وَجْهَيْنِ ، فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ إبَاحَةِ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَإِنَّ اخْتِيَارَ الْآمِدِيِّ إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ وَظَاهِرُهُ كَقَوْلِ الْآمِدِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ تَحْرِيمَ اللُّبْسِ وَالِافْتِرَاشِ

وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ اللُّبْسِ اللُّغَوِيِّ وَسَتْرِ الْجُدُرِ بِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ عُرِفَ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ حَرَكَاتِ الْحَرِيرِ والبشخانة وَالْخَيْمَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَرِيرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .

فَصْلٌ فَإِنْ جَلَسَ عَلَى شَيْءٍ طَرَفُهُ أَوْ وَسَطُهُ حَرِيرٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَخْتَصُّ بِجِنْسِ اللُّبْسِ ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطِ طَرَفُهُ نَجِسٌ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ بِمُصَلَّاهُ كَذَا هَهُنَا .
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى بَعْضِهِ اسْتِعْمَالٌ مِثْلُهُ دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ ، بَلْ اسْتِعْمَالُ مِثْلِهِ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْعَيْنِ هُوَ التَّصَرُّفُ فِيهَا حَسَبَ مَا أُعِدَّتْ لَهُ وَهَذِهِ الْعَيْنُ لَا يُجْلَسُ عَلَى الْحَرِيرِ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ ، مُسْتَعْمِلًا لَهُ ، بَلْ وَلَمْ تُعَدَّ جَمِيعُهَا لِلْجُلُوسِ بَلْ بَعْضُهَا مُعَدٌّ لِلْجُلُوسِ وَبَعْضُهَا لِلزِّينَةِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا حُكْمُ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ انْفَصَلَا وَمُجَرَّدُ الِاتِّصَالِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِتَسَاوِي حُكْمَيْهِمَا لَكِنْ يَجِيءُ فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِهِ مَا سَبَقَ وَيُفَارِقُ الْإِنَاءَ إذَا كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً حَيْثُ تَقُولُ : يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا أَغْلَظُ وَأَشَدُّ فَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَأَخَفُّ عَلَى مَا لَا يَخْفَى فِيهَا ، وَتَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَ مَا لَمْ يَحْرُمْ اسْتِعْمَالُهُ بِمَا حُرِّمَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ اسْتِعْمَالِهِ لِكَوْنِهِ اسْتِعْمَالًا مِثْلَهُ .
وَدَلِيلُهُ مَسْأَلَةُ الْإِنَاءِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَتُفَارِقُ مَسْأَلَتُنَا مَسْأَلَةَ الْبِسَاطِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ طَاهِرًا وَبَعْضُهُ نَجِسًا أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ الْحُكْمُ مُعَلَّقٌ فِيهِ بِقُرْبَانِ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُوجَدْ ، وَهَذَا الْحُكْمُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ وُجِدَ وَيُقَوِّي الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ كَلَامُ الشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا .

فَصْلٌ ( فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ بِحَائِلٍ فَوْقَهُ وَفِي بِطَانَتِهِ ) .
فَإِنْ وَضَعَ عَلَى الْحَرِيرِ شَيْئًا وَجَلَسَ عَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ ؟ جَعَلَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ حُكْمَهَا حُكْمَ مَا لَوْ بَسَطَ شَيْئًا وَجَلَسَ عَلَيْهِ طَاهِرًا عَلَى نَجِسٍ وَفِيهَا رِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْحَرِيرِ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ لَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَسْأَلَةِ الطَّاهِرِ عَلَى النَّجِسِ وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ قَاسَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمَ حَشْوِ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ عَلَى الْبِطَانَةِ .
وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَحْرِيمَ بِطَانَةِ الْحَرِيرِ وَظِهَارَتِهِ ، ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْفِرَاشِ وَغِشَاءِ الْمِخَدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ فِي الْمَلْبُوسِ الْعُرْفِيِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَكَمَا فَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ أَحَدُ جَانِبَيْ الْفِرَاشِ حَرِيرًا وَالْآخَرُ غَيْرَ حَرِيرٍ عَلَى مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَأَمَّا سَتْرُ الْكَعْبَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَرِيرِ مَعْرُوفٌ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ أَنَّ إبَاحَتَهُ وِفَاقٌ .

فَصْلٌ ( فِي إبَاحَةِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا إجْمَاعًا ، وَالْأَقْوَالُ فِي حِكْمَةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ ) .
وَيُبَاحُ كُلُّ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَا إبَاحَةُ الذَّهَبِ لَهُنَّ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ خَطَبَ وَقَالَ : لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ وَعَنْهُ أَيْضًا الْإِبَاحَةُ .
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ لِابْنَتِهِ لَا تَلْبَسِي الذَّهَبَ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك مِنْ حَرِّ اللَّهَبِ ، وَرَوَى مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ الذَّهَبَ لِلنِّسَاءِ وَمَا يَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ الْأَخْبَارِ يُحْمَلُ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهَا عَلَى تَحْرِيمٍ سَابِقٍ لِصِحَّةِ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَتَأَخُّرِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ فِي فُصُولِ الطِّبِّ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ أَعْدَلُ اللِّبَاسِ وَأَوْفَقُهُ لِلْبَدَنِ فَلِمَ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ ؟ قِيلَ : لِتَصْبِرَ النَّفْسُ عَنْهُ فَتُثَابَ وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ ، وَقِيلَ : فِي إبَاحَتِهِ مَفْسَدَةُ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَقِيلَ : لِمَا يُورِثُ لُبْسُهُ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتَّخَنُّثِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ ضِدُّ الشَّهَامَةِ وَالرُّجُولِيَّةِ ، وَقِيلَ : لِمَا يُورِثُهُ لُبْسُهُ مِنْ الْفَخْرِ وَالْعُجْبِ ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الْحِكَمَ وَالتَّعْلِيلَ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَوَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ كَالْعَلَمِ وَالزِّرِّ ) .
وَيُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ لِلرَّجُلِ عَلَمُ الثَّوْبِ وَرُقْعَتُهُ وَلَبِنَةُ جَيْبِهِ وَسَجْفُ الْفِرَاءِ وَنَحْوُهَا قَدْرُ كَفٍّ حَرِيرٍ عَرْضًا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ : بَلْ أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٌ فَأَقَلُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِمُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ وَفِي الْعَلَمِ الْمُذَهَّبِ قَدْرُ كَفٍّ أَوْ أَقَلُّ وَالزِّرُّ الذَّهَبِيُّ وَنَحْوُهُمَا وَجْهَانِ .
وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ الدَّقِيقِ دُونَ الْعَرِيضِ وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَلَمِ إنْ كَانَ عَرِيضًا كُرِهَ وَلَا بَأْسَ بِالدَّقِيقِ ، وَمَنْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ جُمِعَ صَارَ ثَوْبًا فَذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ أَنْ لَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ .
وَتُبَاحُ الْخِيَاطَةُ بِحَرِيرٍ وَمَا تُلَفُّ بِهِ رُءُوسُ الْأَكْمَامِ وَفُرُوجُ الثِّيَابِ وَالرَّقْمِ فَوْقَ ثَوْبِ قُطْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا : وَيُبَاحُ الْخَزُّ نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَرِيرٌ ، وَوَبَرٌ طَاهِرٌ مِنْ أَرْنَبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا لَبِسَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَاكَ مُحْدَثٌ بِأَنَّ الْخَزَّ لَا سَرَفَ فِيهِ وَلَا خُيَلَاءَ بِخِلَافِ ذَاكَ فَهَذَا الْفَرْقُ أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَرْقُ الْأَوَّلُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَغَيْرِهِ وَمَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ حَرِيرٍ وَمُشَاقَتِهِ وَمَا يُلْقِيه الصَّانِعُ مِنْ فَمِهِ مِنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ وَدَقٍّ وَغَزْلٍ وَنَسْجٍ فَهُوَ كَحَرِيرٍ

خَالِصٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا وَيُبَاحُ الْكَتَّانُ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : لَا الْقَزُّ ، وَهَذَا الْكَلَامُ عَجِيبٌ ؛ لِأَنَّ الْقَزَّ حَرِيرٌ .

فَصْلٌ وَمَا نُسِجَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَقِيلَ : أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ أَوْ طَلْيٍ أَوْ كُفِّتَ أَوْ طُعِّمَ بِأَحَدِهِمَا حَرُمَ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : بَلْ يُكْرَهُ إلَّا فِي مِغْفَرٍ وَجَوْشَنٍ وَخُوذَةٍ أَوْ فِي سِلَاحٍ لِضَرُورَةٍ كَذَا فِي الرِّعَايَةِ ، وَفِيمَا اسْتَحَالَ لَوْنُهُ مِنْ الْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ ، وَقِيلَ : وَلَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا حُكَّ وَمَا نِصْفُهُ حَرِيرٌ وَزْنًا فِي مُلَحَّمٍ وَخَزٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَحَشْوُ الْحَرِيرِ فِي جُبَّةٍ أَوْ فِرَاشٍ وَجْهَانِ فِي الْكُلِّ جَوَازٌ وَعَدَمُهُ ، وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ فَقَطْ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ مَسَارَاتِهِ غَيْرِهِ مَعَ إبَاحَةِ النِّصْفِ ، وَقِيلَ : الْمَنْسُوجُ بِالذَّهَبِ وَالْمُمَوَّهُ بِهِ كَالْحَرِيرِ فِيمَا ذُكِرَ كُلِّهِ .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : إنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحَالَتِهِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ مُبَاحٌ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خِيَاطَةِ الْمُلَحَّمِ فَقَالَ : مَا كَانَ لِلرَّجُلِ فَلَا وَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : يُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ الْإِبْرَيْسَمَ عَلَى الْأَظْهَرِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ وَرَجَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَيْنِ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ تَمْوِيهُ حَائِطٍ وَسَقْفٍ وَسَرِيرٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا وَلَوْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ .
وَقِيلَ : وَقَلَنْسُوَةٍ كَذَا قَالَ ، وَقِيلَ : إنْ اُسْتُهْلِكَ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا سُبِكَ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ مَجَّانًا وَإِلَّا فَلَا ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي تَحْلِيَةِ سَرْجٍ أَوْ لِجَامٍ وَمَرْكَبٍ وَقِلَادَةِ فَهْدٍ وَكَلْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ فِرَاشِهِ وَلِبَاسِهِ بِذَهَبٍ فَيُزَكَّى إذًا ، وَيُبَاحُ بِفِضَّةٍ فَلَا يُزَكَّى وَقِيلَ : بَلْ يَحْرُمُ فَيُزَكَّى ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا تَحْلِيَةُ دَوَاةٍ وَمِحْبَرَةٍ وَمِقْلَمَةٍ وَمِرْآةٍ وَمُشْطٍ وَمُكْحُلَةٍ وَشَرْبَةٍ

وَمِرْوَدٍ وَكُرْسِيٍّ وَآنِيَةٍ وَسُبْحَةٍ وَمِحْرَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَكَذَا قِنْدِيلٌ وَمِجْمَرَةٌ وَمِدْخَنَةٌ وَمِلْعَقَةٌ وَقِيلَ : يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَرَاهَةُ رَأْسِ الْمُكْحُلَةِ وَحِلْيَةُ الْمِرْآةِ فِضَّةً .
قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَأَلْحَقَ بِذَلِكَ حِلْيَةَ جَمِيعِ الْأَوَانِي بِالْفِضَّةِ وَالْمُصْمَتُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ، وَذَكَرَ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَ قِنْدِيلًا أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ مِجْمَرَةً أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ قَالَ وَلَوْ اتَّخَذَ سَرِيرًا أَوْ كُرْسِيًّا لَمْ يَجُزْ قَالَ وَيُكْرَهُ عَمَلُ خُفَّيْنِ مِنْ فِضَّةٍ وَلَا يَحْرُمُ كَالنَّعْلَيْنِ وَمُنِعَ مِنْ الشَّرَابَةِ وَالْمِلْعَقَةِ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَالرَّجُلُ يُدْعَى فَيَرَى مُكْحُلَةً رَأْسُهَا مُفَضَّضٌ قَالَ : هَذَا يُسْتَعْمَلُ وَكُلُّ مَا اُسْتُعْمِلَ فَأُخْرِجَ مِنْهُ إنَّمَا رُخِّصَ فِي الضَّبَّةِ أَوْ نَحْوِهَا قُلْت : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ إنِّي دَخَلْتُ : عَلَى رَجُلٍ وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَعَثَ بِي إلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَأُتِيَ بِمُكْحُلَةٍ رَأْسُهَا مُفَضَّضٌ فَقَطَعَهَا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَتَبَسَّمَ وَأَنْكَرَ عَلَى صَاحِبُهَا .

فَصْلٌ ( بَيْعُ الْحَرِيرِ وَالْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصُنْعُهُ تَابِعٌ لِاسْتِعْمَالِهِ ) .
فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ بَيْعُ الْحَرِيرِ وَالْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ ، وَكَذَلِكَ خِيَاطَتُهُ وَأُجْرَتُهَا .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ : بَيْعُ الْحَرِيرِ لِلْكُفَّارِ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِخِلَافِ بَيْعِ الْخَمْرِ فَإِنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ حَرَامًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى قِيَاسِهِ بَيْعُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمْ ، وَإِذَا جَازَ بَيْعُهَا لَهُمْ جَازَ صَنْعَتُهَا لِبَيْعِهَا مِنْهُمْ ، وَجَازَ عَمَلُهَا لَهُمْ بِالْأُجْرَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ .

فَصْلٌ ( فِي التَّحَلِّي بِاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ ) .
وَلَا تَحْرُمُ اللَّآلِئُ وَلَا الْجَوَاهِرُ الثَّمِينَةُ ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .
وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ قَالَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي تَشَبُّهِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ؟ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الزَّكَاةِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي بَحْثِ مَسْأَلَةِ إنَاءِ ذَاكَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : التَّحْرِيمُ ، وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ ، وَلَعَلَّ مُرَادَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ غَيْرُ خَاتَمِ الرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الذَّبَائِحِ : اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ تَحَلِّي النِّسَاءَ بِالْجَوَاهِرِ وَالْيَاقُوتِ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِلرَّجُلِ إلَّا فِي الْخَاتِمِ ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ لَهُمْ بِجَمِيعِ الْأَحْجَارِ مُبَاحٌ مِنْ الْيَاقُوتِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ يُكْرَهُ كِتَابَةُ صَدَاقِ الْمَرْأَةِ فِي حَرِيرٍ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ فِي الْأَقْيَسِ وَلَا يَبْطُلُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ فَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهَا اقْتِنَاؤُهُ حَرُمَ شِرَاؤُهُ لَهَا وَإِلَّا فَلَا .

فَصْلٌ ( فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فِي الْحَرْبِ أَوْ لِفَائِدَةٍ صِحِّيَّةٍ ) وَيُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فِي أَرْجَحِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ يُبَاحُ مَعَ نِكَايَةِ الْعَدُوِّ بِهِ ، وَقِيلَ يُبَاحُ عِنْدَ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَكَذَلِكَ افْتِرَاشُهُ ، وَقَالَ فِي آخِرِ بَابٍ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ وَفِي جَوَازِ لُبْسِهِ أَيْضًا لِحِكَّةٍ ، زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُؤَثِّرُ فِي زَوَالِهَا أَوْ لِقَمْلٍ وَمَرَضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ : وَبَرْدٍ رِوَايَتَانِ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ .
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : وَمَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ وَهَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ ؟ زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ : وَالْمَذْهَبُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَشْهُرُهُمَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالثَّانِيَةُ الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ فِي آخِرِ بَابٍ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْمُذْهَبُ لَلصِّبْيَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى لَا يُكْرَهُ .

فَصْلُ حُكْمِ الصُّوَرِ وَالصُّلْبَانِ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَصُنْعِهَا وَاِتِّخَاذِهَا يُكْرَهُ الصَّلِيبُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَيُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي الْخَوَاتِيمِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ كَانَتْ نُقِشَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَنْبَغِي لُبْسُهَا لِمَا فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مِنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وَعُذِّبَ } وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ : أَصَابَ أَصْحَابُنَا خَمَائِصَ فِيهَا صُلُبٌ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا بِالسُّلُوكِ يَمْحُونَهَا بِذَلِكَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ } انْتَهَى كَلَامُهُ وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ بِرَأْسٍ وَلَوْ فِي سَرِيرٍ أَوْ حَائِطٍ ، أَوْ سَقْفٍ ، أَوْ بَيْتٍ أَوْ قُبَّةٍ وَاسْتِعْمَالُ مَا هُوَ فِيهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَجَعْلُهُ سِتْرًا مُطْلَقًا .
وَذُكِرَ فِي الرِّعَايَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ : وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ قَالَ : وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهِ مُحَرَّمٌ كَعَمَلِهِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ تُكْرَهُ التَّصَاوِيرُ فِي السُّقُوفِ وَالسُّتُورِ وَالْحِيطَانِ وَالْأَسِرَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَيُنْهَى عَنْ التَّصَاوِيرِ فِي السُّقُوفِ ، وَالْحِيطَانِ ، وَالْأَسِرَّةِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الصُّوَرُ وَالتَّمَاثِيلُ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْجُدْرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا فِي الرَّقْمِ أَيْسَرُ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ ، فَإِنْ أُزِيلَ رَأْسُ الصُّورَةِ أَوْ كَانَتْ بِلَا رَأْسٍ جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُكْرَهُ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُبَاحُ بَسْطُهُ مُطْلَقًا .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا : وَصُورَةُ غَيْرِهَا مُطْلَقًا كَشَجَرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ

التَّمَاثِيلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَيُكْرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنِ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمَا فِيهِ تَمَاثِيلُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، وَهَلْ يُكْرَهُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْ يَحْرُمُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَلَا بَأْسَ بِافْتِرَاشِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ ابْنُ الْمُنَجَّى : فَأَمَّا صُوَرُ الْأَشْجَارِ وَالتَّزْوِيقَاتِ وَالتَّمَاثِيلِ فَمُبَاحٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : يُكْرَهُ أَيْضًا ، فَإِنْ قُطِعَ رَأْسُ الصُّورَةِ أَوْ صُوِّرَ جَسَدُهَا دُونَهَا جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ الصُّوَرُ فِي الْحِيطَانِ ، وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ وَالْأَسِرَّةِ ، وَالسُّقُوفِ كُرِهَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُسُطِ وَمَا يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ فَغَيْرُ مَكْرُوهَةٍ ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ يَحْرُمُ لُبْسُ الثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا التَّصَاوِيرُ وَتَعْلِيقُهَا سُتُورًا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَلَا بَأْسَ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّمَاثِيلِ غَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ أَوْ الصُّوَرِ الَّتِي لَا رُءُوسَ لَهَا نَصَّ عَلَيْهِ ، وَيُكْرَهُ سَتْرُ الْجُدُرِ بِمَا لَا صُورَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَالنَّهْيُ الْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ الصُّوَرُ .
وَقَالَ فِي بَابٍ آخَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيُكْرَهُ تَعْلِيقُ السُّتُورِ الَّتِي فِيهَا التَّصَاوِيرُ وَاَلَّتِي لَا تَصَاوِيرَ فِيهَا عَلَى الْحِيطَانِ ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ سَتْرِ الْجُدُرِ بِمَا لَا صُورَةَ فِيهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ : يَجُوزُ افْتِرَاشُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ وَجَعْلُهُ وَسَائِدَ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ وَسَتْرُ الْحِيطَانِ بِهِ ، وَفِي جَوَازِ ذَلِكَ بِسُتُورٍ خَالِيَةٍ مِنْ صُوَرِ الْحَيَوَانِ رِوَايَتَانِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَهَلْ يُكْرَهُ جَعْلُ مَا لَا صُورَةَ حَيَوَانٍ فِيهِ سِتْرًا أَوْ يَحْرُمُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَقِيلَ وَلَا يَجْعَلُهُ فِي سَرِيرٍ وَحَائِطٍ وَسَقْفٍ .

فَصْلٌ فِي كَرَاهَةِ أَحْمَدَ لِلْكِلَّةِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَتُبَاحُ الْخَيْمَةُ وَالْقُبَّةُ فَأَمَّا الْكِلَّةُ وَهِيَ قُبَّةٌ لَهَا بَكَرٌ يُجَرُّ بِهَا فَقَدْ كَرِهَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ لَا تَرُدُّ حَرًّا وَلَا بَرْدًا وَصَدَقَ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْعَادَةِ تَكُونُ مِنْ الْخَفِيفِ مِنْ الثِّيَابِ ، وَسَأَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ الرَّجُلِ يُدْعَى فَيَرَى الْكِلَّةَ فَكَرِهَهَا ، وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ .

وَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ وَلَا الْمَرْقُومَةِ الَّتِي تَصْلُحُ بُسُطًا ، أَوْ مَطَارِحَ تُبْسَطُ وَتُدَاسُ ، وَلَا كَسْرُ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ عَلَى الرِّجَالِ إنْ صَلَحَ لِلنِّسَاءِ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يَحْرُمُ وَمَا يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ مِنْ حِلْيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) .
يَحْرُمُ يَسِيرُ الذَّهَبِ مُفْرَدًا كَخَاتَمٍ وَنَحْوِهِ ، وَيُكْرَهُ تَبَعًا وَقِيلَ : لَا يُكْرَهُ إلَّا مَا ذُكِرَ ، كَذَا فِي الرِّعَايَةِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ لِلضَّرُورَةِ وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ يَحْرُمُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسُ الذَّهَبِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ يَسِيرَ الذَّهَبِ مُبَاحٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا } قَالَ : وَتَفْسِيرُهُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ ، فَأَمَّا أَنْ يَلْبَسَهُ مُفْرَدًا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُقَطَّعًا .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَفِي قَبِيعَةِ سَيْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ ذَهَبٍ وَجْهَانِ ، وَقِيلَ يُبَاحُ يَسِيرُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ ، وَقِيلَ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ ضَرُورَةً .
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ أَوْ حَاجَةً لَا ضَرُورَةً وَقِيلَ بَلْ كُلُّ مَا يُبَاحُ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ يُبَاحُ بِذَهَبٍ ، وَقِيلَ بِيَسِيرٍ ، كَذَا ذَكَرَهُ .
وَقَالَ ابْن تَمِيمٍ فِي إبَاحَةِ تَحْلِيَتِهِ : كُلُّ مَا يُبَاحُ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ يُبَاحُ بِيَسِيرِ الذَّهَبِ وَجْهَانِ ، وَاخْتَلَفَ تَرْجِيحُ الْأَصْحَابِ فِي تَحْلِيَةِ قَبِيعَةِ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ بِذَهَبٍ وَفِي الْمِنْطَقَةِ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَعَنْهُ تَحْرُمُ قَبِيعَةُ السَّيْفِ مِنْ الذَّهَبِ فَيَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ وَجْهًا وَاحِدًا .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الزَّكَاةِ : وَتُبَاحُ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ وَشَعِيرَةُ سِكِّينِهِ وَقِيلَ لَا يُبَاحَانِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَقِيلَ يُبَاحُ يَسِيرُهُ فِي السَّيْفِ لَا فِي السِّكِّينِ ، وَيَحْرُمُ تَحْلِيَةُ كَمَرَاتِهِ ، وَخَرِيطَتِهِ ، وَدُرْجِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيُحْتَمَلُ الْإِبَاحَةُ ، وَفِي جَوَازِ تَحَلِّي جَوْشَنِهِ ، وَمِغْفَرِهِ وَخُوذَتِهِ وَنَعْلِهِ ، وَخُفِّهِ وَحَمَائِلِ

سَيْفِهِ ، وَنَحْوِهَا وَرَأْسِ رُمْحِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَمَا اتَّخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ لِتِجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ سَرَفٍ أَوْ مُبَاهَاةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كُرِهَ وَزُكِّيَ وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ السَّرَفَ وَالْمُبَاهَاةَ .
فَصْلٌ : قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ دُعِيَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى عُرْسٍ فَجِيءَ بِجَامٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ خَبِيصٌ فَتَنَاوَلَهُ فَقَلَبَهُ عَلَى رَغِيفٍ وَأَصَابَ مِنْهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا نَهْيٌ فِي سُكُونٍ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَكَذَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُصَبُّ مَا فِي إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي إنَاءٍ مُبَاحٍ أَوْ عَلَى رَغِيفٍ فَيُصَبُّ مِنْهُ .

فَصْلٌ ( فِي إبَاحَة التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْمَرْأَةِ ) .
وَيُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُطْلَقًا وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ أَلْفًا فَهُوَ كَثِيرٌ فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ ذَكَرَهَا فِي التَّلْخِيصِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ الذَّهَبُ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ وَزُكِّيَ .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَعَنْهُ إنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ فَهُوَ كَثِيرٌ .
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ بَلَغَهَا حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَعَنْهُ إنْ بَلَغَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ كَثِيرٌ .
وَقَالَ الْقَاضِي : يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَ ، وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُبَاحُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لَكِنْ إذَا بَلَغَ الْخَلْخَالُ ، وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لِبَاسُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ بِالِاتِّفَاقِ .

فَصْلٌ فِي إبَاحَةِ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ وَمَنْ قَيَّدَهَا بِغَيْرِ الْمُصَوَّرَةِ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ الْإِذْنُ لَهَا فِي اللَّعِبِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَلَهُ شِرَاؤُهَا بِمَالِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ بَلْ بِمَالِهِ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : هَلْ يَشْتَرِيهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ مَالِهِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ قَالَ ابْن حَمْدَانَ : الْمُرَادُ بِالْمُصَوَّرَةِ مَا لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ .
قَالَ الْقَاضِي : فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي فَصْلِ وَالِي الْحِسْبَةِ : وَأَمَّا اللُّعَبُ فَلَيْسَ يُقْصَدُ بِهَا الْمَعَاصِي ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ فَفِيهَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ يُقَارِبُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصَوُّرِ ذَاتِ الْأَرْوَاحِ ، وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا وَجْهٌ وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنْكَارُهُ وَإِقْرَارُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْمَنْعَ مِنْهَا وَإِنْكَارَهَا إذَا كَانَتْ عَلَى صُورَةِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ .
قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْوَصِيِّ يَشْتَرِي لِلصَّبِيَّةِ لُعْبَةً إذَا طَلَبَتْ ؟ فَقَالَ إنْ كَانَتْ صُورَةً فَلَا .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْت أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ، قَالَ لَا بَأْسَ بِلَعِبِ اللُّعَبِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صُورَةٌ فَإِذَا كَانَ فِيهِ صُورَةٌ فَلَا ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ اللَّعِبِ بِهَا إذَا كَانَتْ صُورَةً .
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَمَعَهَا جَوَارٍ فَقَالَ مَا هَذِهِ يَا عَائِشَةُ ؟ فَقَالَتْ هَذَا خَيْلُ سُلَيْمَانَ فَجَعَلَ يَضْحَكُ مِنْ قَوْلِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ غَرِيبٌ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي وَفِي الصَّحِيحِ

أَنَّهَا كَانَتْ فِي مَتَاعِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الصُّوَرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ الصُّوَرِ ثُمَّ نُسِخَ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .

فَصْلٌ ( فِي اسْتِعْمَالِ الْجُلُودِ النَّجِسَةِ فِي اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ مَدْبُوغَةً وَغَيْرَ مَدْبُوغَةٍ ) .
لَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ جِلْدًا نَجِسًا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِب وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ : إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ وَإِلَّا حَرُمَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَقِيلَ يُكْرَهُ ، وَقِيلَ : إنْ دُبِغَ الْجِلْدُ وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ كُرِهَ وَيُكْرَهُ لَهُ هُوَ إذًا لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهَانِ .
وَيُبَاحُ لَهُ فِي الْحَرْبِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَقِيلَ وَغَيْرُهُ بِدُونِ صُورَةٍ وَقَوْلُهُ فِي الرِّعَايَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَقِيلَ يُبَاحُ فِيهِ جِلْدُ كَلْبٍ لَا جِلْدُ خِنْزِيرٍ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ جِلْدٍ نَجِسٍ قَبْلَ دَبْغِهِ فِيمَا لَا يُنَجَّسُ بِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَقِيلَ بَلْ بَعْدَ دَبْغِهِ ، وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : إذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ جَازَ أَنْ يُلْبِسَهُ دَابَّتَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، فَإِنْ كَانَ جِلْدَ خِنْزِيرٍ لَمْ يُبَحْ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَفِي الْكَلْبِ وَجْهَانِ ، وَعَنْهُ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ آخِرَ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ .
وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَى الْأَظْهَرِ لَكِنَّهُ قَطَعَ بِذَلِكَ .
وَلَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ الْحَرِيرَ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، وَخَالَفَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ .

فَصْلٌ قِيلَ : يُبَاحُ ثَوْبٌ مِنْ شَعْرٍ مَا لَا يُؤْكَلُ مَعَ نَجَاسَتِهِ غَيْرَ جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَقِيلَ هُمَا بِنَاءً عَلَى طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الثَّوْبِ مِنْ شَعْرِ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ فَعَنْهُ هُوَ طَاهِرٌ مُبَاحٌ وَعَنْهُ هُوَ نَجِسٌ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسِ وَلُبْسُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ رِوَايَتَانِ ، وَعَنْهُ هُوَ مُبَاحٌ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ نَجِسٍ بِمَوْتِهِ فَقَطْ لَا مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ حَيًّا .

فَصْلٌ ( فِي لُبْسِ الْجُلُودِ الطَّاهِرَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا ) .
وَيَجُوزُ لُبْسُ كُلِّ جِلْدٍ طَاهِرٍ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جِلْدِ الثَّعْلَبِ فَعَنْهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَعَنْهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ دُونَ الصَّلَاةِ فِيهِ .
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ أَنَّهُ يُلْبَسُ إذَا دُبِغَ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ .
وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَإِنْ ذُكِّيَ وَدُبِغَ جِلْدُهُ أُبِيحَ مُطْلَقًا ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنَى كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَيَجُوزُ لُبْسُ الْفِرَاءِ مِنْ جِلْدِ مَأْكُولٍ مُذَكًّى ، وَجِلْدِ طَاهِرٍ لَا يُؤْكَلُ إنْ قُلْنَا يَطْهُرُ بِدَبْغِهِ وَإِلَّا فَلَا .
وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ بَيْعُهُ ، وَعَمَلُهُ لِمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَأَخْذُ أُجْرَتِهِ .

فَصْلٌ ( فِي لُبْسِ السَّوَادِ لِذَاتِهِ وَتَشْدِيدِ أَحْمَدَ فِيهِ إذَا كَانَ لِبَاسَ الظَّلَمَةِ ) .
يُبَاحُ لُبْسُ السَّوَادِ مِنْ عِمَامَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَثَوْبٍ وَقَبَاءٍ وَهَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالشَّرْحِ وَقِيلَ إلَّا لِمُصَابٍ أَوْ جُنْدِيٍّ فِي غَيْرِ حَرْبٍ : وَعَنْهُ يُكْرَهُ لِلْجُنْدِيِّ مُطْلَقًا وَخِيَاطَتُهُ إذَا رَوَّعَ بِهِ مُسْلِمًا ، وَأَجَازَهُ لِلْمَرْأَةِ نَقَلَهُ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ ، وَقِيلَ فَمَنْ تَرَكَ ثِيَابًا سَوْدَاءَ يُحَرِّقُهَا الْوَصِيُّ ، قِيلَ لَهُ فَالْوَرَثَةُ صِبْيَانٌ تَرَى أَنْ يُحْرَقُ ؟ قَالَ نَعَمْ يُحَرِّقُهُ الْوَصِيُّ .
قَالَ الْخَلَّالُ عَنْ الْمَرُّوذِيِّ عَنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ ، وَعَلَّلَ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لِبَاسُ الْجُنْدِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ ، وَالظَّلَمَةِ ، وَسَأَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الْمُتَوَكِّلَ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنْ لُبْسِ السَّوَادِ فَأَعْفَاهُ ، وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى أَحْمَدَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ سَوْدَاءُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ الْمُصْمَتِ لِلرَّجُلِ ) .
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ أَحْمَرَ مُصْمَتٍ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ : لَا يُكْرَهُ ، وَعَنْهُ يُكْرَهُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ دُونَ خَفِيفِهَا ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى : وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْبِطَانَةِ الْحَمْرَاءِ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ الْأَحْمَرَ فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً ، وَقَالَ أَمَّا أَنْ تُرِيدُ الزِّينَةَ فَلَا ، وَيُقَالُ إنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبِسَ الثِّيَابَ الْحُمْرَ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ ثُمَّ قَرَأَ : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ } .
قَالَ فِي ثِيَابٍ حُمْرٍ وَانْصَرَفْت مِنْ عِنْدِ أَبِي هَمَّامٍ وَدَخَلْت عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَأَخْرَجْت الْكِتَابَ فَدَفَعْته إلَيْهِ فَإِذَا فِيهِ أَحَادِيثُ مَنْ كَانَ يَرْكَبُ بِالْأُرْجُوَانِ ، فَقَالَ هَذَا زَمَانٌ لَا يُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذِهِ ، وَكَرِهَهَا ، وَرَأَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِطَانَةَ جُبَّتِي حَمْرَاءَ فَقَالَ : لِمَ صَنَعْتهَا حَمْرَاءَ ؟ قُلْت : لِلرِّقَاعِ الَّتِي فِيهَا قَالَ وَإِيشِ تُبَالِي أَنْ تَكُونَ فِيهَا رِقَاعٌ قُلْت : تَكْرَهُهُ ؟ قَالَ نَعَمْ .
وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ مُدًّا قَالَ لَا يَكُونُ فِيهِ حُمْرَةٌ ثُمَّ قَالَ هُوَ شَيْءٌ لَيْسَ يُنْتَفَعُ بِهِ إنَّمَا هُوَ طَاهِرٌ وَإِنَّمَا كَرِهْته مِنْ أَجْلِ هَذَا ، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْبُ الْأَحْمَرُ تُغَطَّى بِهِ الْجِنَازَةُ فَكَرِهَهُ قُلْت تَرَى أَنْ أَجْذِبَهُ قَالَ نَعَمْ .

فَصْلٌ ( فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْمُمَسَّكِ وَالْمُوَرَّدِ وَالْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ ) .
وَيُبَاحُ الْمُمَسَّكُ وَالْمُوَرَّدُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا الْمُزَعْفَرُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَفِيهِ وَجْهٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَقَطَعَ فِي الشَّرْحِ بِالْكَرَاهَةِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ تَحْرِيمُ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ عَلَى الرَّجُلِ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ جَوَازُهُ وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ ، وَالْأَحْمَرِ لِلنِّسَاءِ .
وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نُهِيَ عَنْهُ غَيْرِ الْعَصْبِ وَالْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ كَالْأَحْمَرِ وَالْمُعَصْفَرِ فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُعَصْفَرِ وَعَنْهُ وَغَيْرِهِ وَيُلْزِمُ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُ عِنْدَهُ مُحَرَّمًا وَإِنْ قَالَ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ كَالْمَغْصُوبِ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ .
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ التَّزَعْفُرُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَا يُبْطِلُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ .
وَتُكْرَهُ الْمِيثَرَةُ الْحَمْرَاءُ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهَا الْخِلَافُ فِي لُبْسِ الْأَحْمَرِ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ الشُّفُوفِ وَالْحَاكِيَةِ الَّتِي تَصِفُ الْبَدَنَ ) .
يُكْرَهُ لُبْسُ ثَوْبٍ رَقِيقٍ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَيُكْرَهُ لِلْأُنْثَى فِي بَيْتِهَا نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ يَحْرُمُ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَقِيلَ زَوْجٌ وَسَيِّدٌ وَهُوَ أَصَحُّ ذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : يُكْرَهُ الثَّوْبُ الرَّقِيقُ إذَا وَصَفَ الْبَدَنَ قَالَ أَصْحَابُنَا : لِلرِّجَالِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ غَيْرَ الْعَوْرَةِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لَا يَرَاهَا إلَّا زَوْجُهَا أَوْ مَالِكُهَا .
وَقَالَ فِي الشَّرْحِ : إذَا كَانَ خَفِيفًا يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةَ فَيُبَيِّنُ مِنْ وَرَائِهِ بَيَاضَ الْجِلْدِ وَحُمْرَتَهُ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ اللَّوْنَ وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّرُ مِنْهُ انْتَهَى كَلَامُهُ ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : وَأَمَرُونِي فِي مَنْزِلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُمْ ثَوْبًا فَقَالَ لِي لَا يَكُونُ رَقِيقًا أَكْرَهُ الرَّقِيقَ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ .
قُلْت وَقَدْ سَأَلُونِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُمْ ثَوْبًا عَلَيْهِ كِتَابٌ فَقَالَ : قُلْ لَهُمْ إنْ أَرَدْتُمْ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَنُقْلِعَ الْكِتَابَ ، قُلْت فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ ذَلِكَ لِلْكِتَابِ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ لُبْسِ مَا يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ ) .
يُكْرَهُ مِنْ الثِّيَابِ مَا يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لِتَرْبِيَةٍ ، وَرِضَاعٍ ، وَحَيْضٍ وَصِغَرٍ وَلِكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا وَقِلَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا فِي صَنْعَةٍ وَغَيْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَفِي كَرَاهَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ ، وَالْحَائِضِ ، وَالصَّبِيِّ رِوَايَتَانِ وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ثَوْبَ الصَّبِيِّ بِثَوْبِ الْمَجُوسِيِّ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِ .
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ فَيَخْرُجُ مِثْلُهُ فِي ثَوْبِ مَنْ لَا يَتَنَزَّهُ مِنْ النَّجَاسَةِ .
وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَمُذْهَبٍ وَمُصَوَّرٍ وَنَحْوِهَا حَرُمَ تَمَلُّكُهُ ، وَتَمْلِيكُهُ كَذَلِكَ وَعَمَلُهُ ، وَخِيَاطَتُهُ لِمَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ، وَأُجْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .

فَصْلٌ ( كَرَاهَةُ النَّظَرِ إلَى مَا يَحْرُمُ وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ وَمَنْ حَرَّمَهُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ ) .
يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ ، وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَنَحْوِهَا إنْ رَغَّبَهُ نَظَرُهَا فِي التَّزَيُّنِ وَالتَّجَمُّلِ ، وَالْمُفَاخَرَةِ ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : رِيحُ الْخَمْرِ كَصَوْتِ الْمَلَاهِي حَتَّى إذَا شَمَّ رِيحَهَا فَاسْتَدَامَ شَمَّهَا كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمَلَاهِي وَأَصْغَى إلَيْهَا ، وَيَجِبُ سَتْرُ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْإِسْرَاعُ كَوُجُوبِ سَدِّ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الِاسْتِمَاعِ ، وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْحَرِيرِ ، وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنْ دَعَتْ إلَى حُبِّ التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمُفَاخَرَةِ ، وَيُحْجَبُ ذَلِكَ عَنْهُ وَنَزِيدُ فَنَقُولُ : التَّفَكُّرُ الدَّاعِي إلَى اسْتِحْضَارِ صُوَرِ الْمَحْظُورِ مَحْظُورٌ ، حَتَّى لَوْ فَكَّرَ الصَّائِمُ فَأَنْزَلَ أَثِمَ وَقَضَى ، وَكَانَ عِنْدِي كَالْعَابِثِ بِذَكَرِهِ فَيُمْنِي ، وَأَدَقُّ مِنْ هَذَا لَوْ اسْتَحْضَرَ صُورَةَ الْمَعْشُوقِ وَقْتَ جِمَاعِهِ أَهْلَهُ .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : كُنْت مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِالْعَسْكَرِ فِي قَصْرِ إتْيَاحَ فَأَشَرْت إلَى شَيْءٍ عَلَى الْجِدَارِ قَدْ نُصِبَ فَقَالَ لِي : لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ .
قُلْت : فَقَدْ نَظَرْتُ إلَيْهِ .
قَالَ لِي : فَلَا تَفْعَلْ لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ .
قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ خِرْقَةً لِمَسْحِ الْعَرَقِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ خِرْقَةً لِلِامْتِخَاطِ كَذَا قَالَ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ تَوَجَّهَ التَّحْرِيمُ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ كَثِيرًا لِلتَّرَفُّهِ وَالنَّظَافَةِ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَإِزَالَةِ الْقَذَرَ وَالْحَاجَةِ لَمْ تُكْرَهْ .
وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ : يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخْلِيَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ حَضَرًا وَسَفَرًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ وَالثِّقَةِ بِهِ :

التَّنْظِيفِ ، وَالتَّزْيِينِ ، وَالْمُكْحُلَةِ ، وَالْمُشْطِ ، وَالسِّوَاكِ ، وَالْمِقَصِّ ، وَالْمُدَارَةِ وَهِيَ خَشَبَةٌ مُدَوَّرَةُ الرَّأْسِ أَوْفَى مِنْ شِبْرٍ تَتَّخِذُهَا الْعَرَبُ وَالصُّوفِيَّةُ يَدْرَءُونَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْأَذَى كَالْقَمْلِ وَغَيْرِهِ ، وَيَحُكُّونَ بِهَا الْجَسَدَ وَيَقْتُلُونَ الدَّبِيبَ حَتَّى لَا يُبَاشِرُوا كُلَّ شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمْ وَالسَّابِعُ قَارُورَةٌ مِنْ الدُّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَفُوتُهُ ذَلِكَ حَضَرًا وَلَا سَفَرًا .
قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ : وَالتَّرَبُّعُ فِي الْجُلُوسِ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كَانَ لِلتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ كُرِهَ كَذَا قَالَ ، وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ لَا كَرَاهَةَ فِي التَّرَبُّعِ فِي الْجُلُوسِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ فَيَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ وَسَبَقَ ذَلِكَ فِي آدَابِ الْمَسْجِدِ وَصِفَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ .
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا بَأْسَ بِرَبْطِ الْخَيْطِ فِي الْإِصْبَعِ لِلْحِفْظِ ، وَالذِّكْرِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَاتُنَا فِي صُدُورِكُمْ فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْك عَقْدُ الرَّتَائِمِ وَقَالَ أَيْضًا : إذَا لَمْ تَكُ الْحَاجَاتُ مِنْ هِمَّةِ الْفَتَى فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ عَقْدُ الرَّتَائِمِ وَالرَّتَائِمُ جَمْعُ رَتِيمَةٍ وَرَتَمَةٍ وَهُوَ خَيْطٌ يُشَدُّ فِي الْإِصْبَعِ لِيَتَذَكَّرَ بِهِ الْحَاجَةَ تَقُولُ مِنْهُ أَرْتَمْت الرَّجُلَ إرْتَامًا : وَالرَّتَمَةُ بِالتَّحْرِيكِ ضَرْبٌ مِنْ الشَّجَرِ وَالْجَمْعُ رَتَمٌ .
وَفِي مَسَائِلِ أَبِي دَاوُد قُبَيْلَ بَابِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ كَانَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ يَحْضُرُ سُفْيَانُ وَمَعَهُ خَيْطٌ فَكُلَّمَا حَدَّثَ سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ عَقَدَ عُقْدَةً فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْبَيْتِ كَتَبَ حَدِيثًا وَحَلَّ عُقْدَةً .

فَصْلٌ ( فِي مِقْدَارِ طُولِ الثَّوْبِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَجَرُّ الذُّيُولِ ) .
يُبَاحُ إزَارُ الرَّجُلِ وَقَمِيصُهُ وَنَحْوُهُ مِنْ نِصْفِ سَاقَيْهِ إلَى كَعْبَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : السُّنَّةُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ مِنْ نِصْفِ السَّاقَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَلَا يَتَأَذَّى السَّاقُ بِحَرٍّ وَبَرْدٍ وَلَا يَتَأَذَّى الْمَاشِي وَيَجْعَلُهُ كَالْمُقَيَّدِ وَيُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ ارْتَفَعَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : جَرُّ الْإِزَارِ إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَقَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا { مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ } لَا يَجُرُّ شَيْئًا مِنْ ثِيَابِهِ وَظَاهِرُ هَذَا التَّحْرِيمُ ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَرِوَايَةُ الْكَرَاهِيَةِ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ .
قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ ثَمِينٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانَ يَجُرُّهُ عَلَى الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ أَوَلَسْنَا نُهِينَا عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ لِذَوِي الْخُيَلَاءِ وَلَسْنَا مِنْهُمْ ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَدَمَ تَحْرِيمِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَرَاهَةٍ وَلَا عَدَمِهَا .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طُولُ قَمِيصِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِلَى شِرَاكِ النَّعْلِ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُسْتَوْعِبِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَطُولُ الْإِزَارِ إلَى مَدِّ السَّاقَيْنِ ، قَالَ وَقِيلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَيَزِيدُ ذَيْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى ذَيْلِهِ مَا بَيْنَ الشِّبْرِ إلَى الذِّرَاعِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ .
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ : هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَمْشِي بَيْنَ الرِّجَالِ كَنِسَاءِ الْعَرَبِ فَأَمَّا نِسَاءُ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ فَذَيْلُهَا كَذَيْلِ الرَّجُلِ وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى أَنَّ ذَيْلَ نِسَاءِ الْمُدُنِ فِي الْبُيُوتِ كَذَيْلِ

الرَّجُلِ ، ثُمَّ قَالَ وَتُرْخِيهِ الْبَرْزَةُ وَنِسَاءُ الْبَرِّ عَلَى الْأَرْضِ دُونَ ذِرَاعٍ .
وَقِيلَ مِنْ شِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ وَقِيلَ يُكْرَهُ مَا نَزَلَ عَنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إطَالَةُ ذَيْلِهَا وَإِنْ جَاوَزَتْ الْكَعْبَيْنِ .

فَصْلٌ ( فِي أَنْوَاعِ اللِّبَاسِ مِنْ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ وَسَرَاوِيلَ إلَخْ ) .
وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتَزِرَ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَعَنْهُ تَحْتَهَا وَيَشُدُّ سَرَاوِيلَهُ فَوْقَهَا ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَلْبَسَ مَعَ الْقَمِيصِ السَّرَاوِيلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْفِصَادَ فِي الْبِلَادِ الرَّطْبَةِ أَوْلَى ، وَأَنَّ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ فِي الْبِلَادِ الرَّطْبَةِ أَوْلَى مِنْ الِادِّهَانِ اعْتِبَارًا فِي كُلِّ بَلَدٍ بِعَادَتِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ ، وَيُبَاحُ التُّبَّانُ وَتُسَنُّ السَّرَاوِيلُ وَالْأَوْلَى قَوْلُ صَاحِبِ النَّظْمِ التُّبَّانُ فِي مَعْنَى السَّرَاوِيلِ .
وَرَوَى وَكِيعٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَأْمُرُ غِلْمَانَهَا بِالتُّبَّانِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ .
وَسِعَةُ كُمِّ قَمِيصِ الْمَرْأَةِ شِبْرٌ وَقِصَرُهُ ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا ، وَطُولُ كُمِّ قَمِيصِ الرَّجُلِ عَنْ أَصَابِعِهِ قَلِيلًا دُونَ سِعَتِهِ كَثِيرًا فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ وَلَا يَمْنَعُهَا خِفَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشَ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : تَوْسِيعُ الْكُمِّ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ حَسَنٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ ، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ السَّرَاوِيلِ وَالتُّبَّانِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ ذُكِرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمَا سُئِلَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ لُبْسِهِ فَقَالَ : هُوَ أَسْتَرُ مِنْ الْأُزُرِ ، وَلِبَاسُ الْقَوْمِ كَانَ الْأُزُرَ .
قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ : فَتَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي اللُّبْسِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُمَا لَبِسَاهُ وَلَبِسَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَسَلْمَانَ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ خَطَبَ بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ } وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ أَحْمَدُ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى جَيْشِهِ بِأَذْرَبِيجَانَ إذَا قَدِمْتُمْ مِنْ غَزَاتِكُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَلْقُوا السَّرَاوِيلَاتِ وَالْأَقْبِيَةَ وَالْبَسُوا الْأُزُرَ ، وَالْأَرْدِيَةَ ، قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ : فَدَلَّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لَهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ زِيِّهِمْ وَقَالَ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي فِي اللِّبَاسِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا أَخْبَارٌ ضَعِيفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ قَالَ { تَسَرْوَلُوا وَاتَّزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَالْقَاسِمُ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُونَ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَتَوْسِيعُ كُمِّ الْمَرْأَةِ ، وَتَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ قَصْدٌ حَسَنٌ .
وَيُبَاحُ الْقَبَاءُ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ لِلرَّجُلِ ، وَيُبَاحُ الرِّدَاءُ ، وَفَتْلُ أَطْرَافِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَكَذَا الطَّيْلَسَانُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ يُكْرَهُ الْمُقَوَّرُ وَالْمُدَوَّرُ وَقِيلَ وَغَيْرُهُمَا غَيْرَ الْمُرَبَّعِ ، وَقِيلَ وَيُكْرَهُ مُطْلَقًا وَيَجُوزُ فَتْلُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَهُدْبُ الثَّوْبِ وَقِيلَ يُسَنُّ الرِّدَاءُ لِلرَّجُلِ قَطَعَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي التَّلْخِيصِ فَإِنَّهُ قَالَ الرِّدَاءُ مِنْ لُبْسِ السَّلَفِ وَقَالَ هُوَ وَابْنُ تَمِيمٍ كَرِهَ السَّلَفُ الطَّيْلَسَانَ زَادَ فِي التَّلْخِيصِ وَهُوَ الْمُقَوَّرُ .
وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ هَلْ طَرْحُ الْقَبَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي أَكْمَامِهِ

مَكْرُوهٌ ؟ فَأَجَابَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ ذَكَرُوا جَوَازَ ذَلِكَ .
قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللُّبْسَةَ لَيْسَتْ لُبْسَةَ الْيَهُودِ .
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَاعْتِيَادُ لُبْسِ الطَّيَالِسَةِ عَلَى الْعَمَائِمِ لَا أَصْل لَهُ فِي السُّنَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ { أَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مطيلسين مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ } وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ { أَنَّ الطَّيَالِسَةَ مِنْ شِعَارِ الْيَهُودِ } وَلِهَذَا كَرِهَ مَنْ كَرِهَ لُبْسَهَا لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ } وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا } انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : { أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ طَيَالِسَةٍ مَكْفُوفَةٌ بِدِيبَاجٍ أَوْ مُزَرَّرَةٌ بِدِيبَاجٍ فَقَالَ : إنَّ صَاحِبَكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَ كُلَّ رَاعِ بْنِ رَاعٍ وَيَضَعَ كُلَّ ذِي فَارِسٍ رَأْسٍ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ فَاجْتَذَبَهُ وَقَالَ أَلَا أَرَى عَلَيْكَ ثِيَابَ مَنْ لَا يَعْقِلُ ؟ ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ ، } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدُّرَّاعَةُ يَكُونُ لَهَا فَرْجٌ فَقَالَ : كَانَ لِخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ دُرَّاعَةٌ لَهَا فَرْجٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا قَدْرَ ذِرَاعٍ .
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَيَكُونُ لَهَا فَرْجٌ مِنْ خَلْفِهَا ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي وَأَمَّا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا فَقَدْ سَمِعْت ، وَأَمَّا مِنْ خَلْفِهَا فَلَمْ أَسْمَعْ ، قَالَ إلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ سَعَةً لَهُ عِنْدَ الرُّكُوبِ وَمَنْفَعَةً .

فَصْلٌ تُبَاحُ الْحَبَرَةُ وَالصُّوفُ نَصَّ عَلَيْهِ وَالْوَبَرُ وَالْكَتَّانُ وَالشَّعْرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ .

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى يُكْرَهُ فِي غَيْرِ حَرْبٍ إسْبَالُ بَعْضِ لِبَاسِهِ فَخْرًا وَخُيَلَاءَ وَبَطَرًا وَشُهْرَةً ، وَخِلَافُ زِيِّ بَلَدِهِ بِلَا عُذْرٍ ، وَقِيلَ يَحْرُمُ ذَلِكَ وَهُوَ أَظْهَرُ وَقِيلَ ثَوْبُ الشُّهْرَةِ مَا خَالَفَ زِيَّ بَلَدِهِ وَأَزْرَى بِهِ وَنَقَصَ مُرُوءَتَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَالْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ خُيَلَاءَ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ وَهُوَ الَّذِي وَجَدْته فِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ .
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ ثَوْبُ الشُّهْرَةِ فَصَارَتْ الْأَقْوَالُ ثَلَاثَةً فَإِنَّ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى عَلَى رَجُلٍ بُرْدًا مُخَلَّطًا بَيَاضًا وَسَوَادًا فَقَالَ ضَعْ عَنْك هَذَا وَالْبَسْ لِبَاسَ أَهْلِ بَلَدِك .
وَقَالَ لَيْسَ هُوَ بِحَرَامٍ وَلَوْ كُنْت بِمَكَّةَ أَوْ بِالْمَدِينَةِ لَمْ أَعِبْ عَلَيْك قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ ؛ لِأَنَّهُ لِبَاسُهُمْ هُنَاكَ .
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ : يَكْرَهُ ثَوْبَ الشُّهْرَةِ وَهُوَ مَا خَالَفَ ثِيَابَ بَلَدِهِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ : وَيُكْرَهُ لُبْسُ مَا يَخْرُجُ بِلَابِسِهِ إلَى الْخُيَلَاءِ .
وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ يُكْرَهُ مِنْ اللِّبَاسِ مَا يُشْتَهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُزْرِي بِصَاحِبِهِ وَيُنْقِصُ مُرُوءَتَهُ وَفِي الْغُنْيَةِ مِنْ اللِّبَاسِ الْمُتَنَزَّهِ عَنْهُ كُلُّ لُبْسَةٍ يَكُونُ بِهَا مُشْتَهِرًا بَيْنَ النَّاسِ كَالْخُرُوجِ عَنْ عَادَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْبَسَ مَا يَلْبَسُونَ لِئَلَّا يُشَارَ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ ، وَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى حَمْلِهِمْ عَلَى غِيبَتِهِ فَيُشَارِكُهُمْ فِي إثْمِ الْغِيبَةِ لَهُ .
وَفِي كِتَابِ التَّوَاضُعِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا ، وَكِتَابِ اللِّبَاسِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { أَنَّهُ نَهَى عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشُّهْرَتَانِ قَالَ رِقَّةُ الثِّيَابِ وَغِلَظُهَا وَلِينُهَا وَخُشُونَتُهَا وَطُولُهَا وَقِصَرُهَا وَلَكِنْ سَدَادًا بَيْنَ ذَلِكَ وَاقْتِصَادًا } وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { مَنْ لَبِسَ

ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .
وَيَدْخُلُ فِي الشُّهْرَةِ وَخِلَافِ الْمُعْتَادِ مَنْ لَبِسَ شَيْئًا مَقْلُوبًا وَمُحَوَّلًا كَجُبَّةٍ وَقَبَاءٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ ، وَالسَّخَافَةِ وَالِانْخِلَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً وَلِيًّا .
.
قَالَ ابْنُ عَبْدُ الْبَرِّ كَانَ يُقَالُ كُلْ مِنْ الطَّعَامِ مَا اشْتَهَيْت وَالْبَسْ مِنْ اللِّبَاسِ مَا اشْتَهَاهُ النَّاسُ نَظَمَهُ الشَّاعِرُ فَقَالَ : إنَّ الْعُيُونَ رَمَتْك مُذْ فَاجَأْتَهَا وَعَلَيْك مِنْ شَهْرِ اللِّبَاسِ لِبَاسُ أَمَّا الطَّعَامُ فَكُلْ لِنَفْسِك مَا اشْتَهَتْ وَاجْعَلْ لِبَاسَكَ مَا اشْتَهَاهُ النَّاسُ كَانَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ يَقُول : الْبَسُوا ثِيَابَ الْمُلُوكِ ، وَأَمِيتُوا قُلُوبَكُمْ بِالْخَشْيَةِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ إنَّ أَقْوَامًا جَعَلُوا خُشُوعَهُمْ فِي لِبَاسِهِمْ ، وَكِبْرَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ وَشَهَّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِلِبَاسِ الصُّوفِ حَتَّى إنَّ أَحَدَهُمْ بِمَا يَلْبَسُ مِنْ الصُّوفِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الطَّرَفِ بِمُطَرَّفِهِ .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ قُلْت لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَا الْمُرُوءَةُ ؟ قَالَ أَمَّا فِي بَلَدِك فَالتَّقْوَى وَأَمَّا حَيْثُ لَا تُعْرَفُ فَاللِّبَاسُ .
وَرَوَى بَقِيَّةُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ لِبَاسَ الصُّوفِ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ وَفِي الْحَضَرِ بِدْعَةٌ .
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَغَيْرُهُمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَمِنْ اللِّبَاسِ الْمَكْرُوهِ مَا خَالَفَ زِيَّ الْعَرَبِ وَأَشْبَهَ زِيَّ الْأَعَاجِمِ وَعَادَتَهُمْ وَمِنْ هَذَا الْعِمَامَةُ الصَّمَّاءُ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ وَهَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، وَقَدْ كَرِهَ أَحْمَدُ النَّعْلَ الصَّرَّارَةَ وَقَالَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ مَا رَأَيْت أَبَا عَبْدِ

اللَّهِ قَطُّ مُرْخِي الْكُمَّيْنِ يَعْنِي فِي الْمَشْيِ .

قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : يُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ وَلُبْسُ الْبَيَاضِ وَالنَّظَافَةُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَمَجْلِسِهِ وَالطِّيبُ فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ ، وَالتَّحَنُّكُ وَالذُّؤَابَةُ مَعَهُ وَإِسْبَالُهَا خَلْفَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَالْمُرَادُ بِالْعِمَامَةِ أَنْ تَكُونَ بِذُؤَابَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَتَقِي الرَّأْسَ مِمَّا يُؤْذِيهِ مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ وَلَا يَتَأَذَّى بِهَا ، وَالتَّحْنِيكُ يَدْفَعُ عَنْ الْعُنُقِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَهُوَ أَثْبَتُ لِلْعِمَامَةِ وَلَا سِيَّمَا لِلرُّكُوبِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مِنْ الْأَلْوَانِ الْخَضِرَةَ وَيَكْرَهُ الْحُمْرَةَ وَيَقُولُ هِيَ زِينَةُ الشَّيْطَانِ } .
وَقَالَ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَيُّ الْأَلْوَانِ أَحْسَنُ ؟ قَالَ الْخُضْرَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَوْنُ ثِيَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ وَأَنْشَدَ غَيْرُ وَاحِدٍ لِلشَّافِعِيِّ : عَلَيَّ ثِيَابٌ لَوْ تُبَاعُ جَمِيعُهَا بِفَلْسٍ لَكَانَ الْفَلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا وَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ يُقَاسُ بِبَعْضِهَا نُفُوسُ الْوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا أَخَذَهُ الْمُتَنَبِّي فَقَالَ : لَئِنْ كَانَ ثَوْبِي فَوْقَ قِيمَتِهِ الْفَلْسُ فَلِي فِيهِ نَفْسٌ دُونَ قِيمَتِهَا الْإِنْسُ فَثَوْبُك بَدْرٌ تَحْتَ أَنْوَارِهِ دُجًى وَثَوْبِي لَيْلٌ تَحْتَ أَطْمَارِهِ شَمْسُ وَقَالَ آخَرُ : لَا تَنْظُرَنَّ إلَى الثِّيَابِ فَإِنَّنِي خَلِقُ الثِّيَابِ مِنْ الْمُرُوءَةِ كَاسِ وَقَالَ مَحْمُودُ الْوَرَّاقُ : تَصَوَّفَ فَازْدَهَى بِالصُّوفِ جَهْلًا وَبَعْضُ النَّاسِ يَلْبَسُهُ مَجَانَهْ يُرِيك مَجَانَةً وَيُجَنُّ كِبْرًا وَلَيْسَ الْكِبْرُ مِنْ شَكْلِ الْمَهَانَهْ تَصَنَّعَ كَيْ يُقَالَ لَهُ أَمِينٌ وَمَا مَعْنَى التَّصَنُّعِ لِلْأَمَانَهْ وَلَمْ يُرِدْ الْإِلَهُ بِهِ وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّرِيقَ إلَى الْخِيَانَهْ وَقَالَ آخَرُ : لَا يُعْجِبَنَّكَ مَنْ يَصُونُ ثِيَابَهُ حَذَرَ الْغُبَارِ وَعِرْضُهُ مَبْذُولُ وَلَرُبَّمَا افْتَقَرَ الْفَتَى فَرَأَيْتَهُ دَنِسَ الثِّيَابِ وَعِرْضُهُ

مَغْسُولُ وَرُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ : التَّقَنُّعُ بِاللَّيْلِ رِيبَةٌ وَبِالنَّهَارِ مَذَلَّةٌ ، قَالَ رَجُلٌ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ : مَا أَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ قَالَ : مَا لَا يُشْهِرُك عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُحَقِّرُك عِنْدَ السُّفَهَاءِ .
قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْ الْعَرَقِ وَالْوَسَخِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَمَا يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ } { وَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا فَقَالَ أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ } وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْخَلَّالُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّ الثَّوْبَ إذَا اتَّسَخَ تَقَطَّعَ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ ، وَالثِّيَابُ النَّقِيَّةُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مُرُوءَةُ الرَّجُلِ نَقَاءُ ثَوْبِهِ وَعَلَى ظَاهِرِ تَعْلِيلِ أَحْمَدَ يَجِبُ غَسْلُهُ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَفِي الْخَبَرِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ } قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيّ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : الْبَذَاذَةُ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ .
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الْأَخْضَرِ فِي تَسْمِيَتِهِ مَنْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُوزَجَانِيِّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ مَعْرُوفٌ فِي السُّنَّةِ وَإِطَالَةُ الذُّؤَابَةِ كَثِيرًا مِنْ الْإِسْبَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الرِّعَايَةِ اسْتِحْبَابُ الذُّؤَابَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ كَالتَّحَنُّكِ وَمُقْتَضَى ذِكْرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِالْعَالِمِ فَإِنْ فَعَلَهَا غَيْرُهُ فَيَتَوَجَّهُ دُخُولُهَا فِي لُبْسِ الشُّهْرَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِعُرْفٍ حَادِثٍ بَلْ بِعُرْفٍ قَدِيمٍ وَلِهَذَا لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ ، وَكَرَاهَةِ الصَّمَّاءِ .
قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ يَحْسُنُ أَنْ يُرْخِيَ الذُّؤَابَةَ خَلْفَهُ وَلَوْ شِبْرًا أَوْ أَدْنَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدَ وَمُرَادُهُ بِنَصِّ أَحْمَدَ فِي إرْخَاءِ الذُّؤَابَةِ خَلْفَهُ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي التَّقْدِيرِ ، مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ .
وَقَالَ هَكَذَا فَاعْتَمَّ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ وَأَجْمَلُ } وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ شِبْرًا وَأَرْخَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ .
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يُسْتَحَبُّ إرْخَاءُ طَرَفِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ، مِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ بِشِبْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ انْتَهَى كَلَامُهُمْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُجَدِّدَ لَفَّ الْعِمَامَةَ فَعَلَ كَيْفَ أَحَبَّ .
وَفِي كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ وَيُلْقِيَهَا عَلَى الْأَرْضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَكِنْ يَنْقُضُهَا كَمَا لَفَّهَا ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِمَامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَتِهَا كَذَا ذَكَرُوا

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَامُ جَمَالِ الْمَرْأَةِ فِي خُفِّهَا ، وَتَمَامُ جَمَالِ الرَّجُلِ فِي عِمَّتِهِ كَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .

فَصْلٌ ( فِي اسْتِحْبَابِ التَّخَتُّمِ وَمَا قِيلَ فِي جِنْسِهِ وَمَوْضِعِهِ ) يُسْتَحَبُّ التَّخَتُّمُ بِعَقِيقٍ أَوْ فِضَّةٍ دُونَ مِثْقَالٍ فِي خِنْصَرِ يَدٍ مِنْهُمَا وَقِيلَ يُمْنَى وَقِيلَ فِي الْيُسْرَى أَفْضَلُ نَصَّ عَلَيْهِ وَضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثَ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَعَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا وَقِيلَ لَا فَضْلَ فِيهِ مُطْلَقًا وَقِيلَ يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ ، وَقَطَعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَابْنِ تَمِيمٍ اسْتِحْبَابَ التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ وَالْأَوَّلُ فِي الرِّعَايَةِ ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ } كَذَا ذَكَرَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ الْحَافِظُ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا شَيْءٌ .
وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ خَاتَمَ الْفِضَّةِ مُبَاحٌ وَأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَصَالِحٍ وَعَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَرْوِيهِ أَهْلُ الشَّامِ وَحَدَّثَ بِحَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ عَشْرَ خِلَالٍ وَفِيهَا الْخَاتَمُ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَوْضِعَ تَبَسَّمَ كَالْمُتَعَجِّبِ ، وَقَطَعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ : اسْتِحْبَابَ التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْفَضْلِ وَسُئِلَ عَنْ التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى أَحَبُّ إلَيْكَ أَمْ الْيُسْرَى ؟ فَقَالَ فِي الْيَسَارِ أَقَرُّ وَأَثْبَتُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّخْيِيرِ قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ لَمْ يَصِحَّ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيُمْنَى شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

الدَّارَقُطْنِيُّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ وَالْمَحْفُوظُ { أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ .
وَيُكْرَهُ التَّخَتُّمُ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى } نَصَّ عَلَيْهِ .
وَزَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ .
قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ أَوْ رَسُولِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ لَا يُكْتَبُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ .
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِيهِ ، وَيُسَنُّ أَنْ يَجْعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَاطِنَ كَفِّهِ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ خَاتَمُ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ عَلَيْهِ فِضَّةٌ فَرَمَى بِهِ فَلَا يُصَلَّى فِي الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ } .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ خَاتَمِ الْحَدِيدِ مَا تَرَى فِيهِ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ { هَذِهِ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ } وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : لُبْسَةُ أَهْلِ النَّارِ وَابْنُ عُمَرَ قَالَ مَا طَهُرَتْ كَفٌّ فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ لِرَجُلٍ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ صُفْرٍ أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ قَالَ فَمَا أَتَّخِذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِضَّةً } انْتَهَى كَلَامُهُ إسْنَادُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ضَعِيفٌ وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ .
وَقَالَ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ هَذَا أَشَرُّ ، هَذَا

حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ فَأَلْقَاهُ وَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَسَكَتَ عَنْهُ } حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ يَحْرُمُ ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ .
( فَصْلٌ ) : ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ إبَاحَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِاعْتِيَادِ لُبْسِهِ كُلًّا مِنْهُمَا فَلَا اخْتِصَاصَ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَكَرِهَهُ الْخَطَّابِيُّ لِلْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ لِلرَّجُلِ .

فَصْلٌ ( فِي لُبْسِ الْفِضَّةِ وَمَنْ قَالَ بِإِبَاحَتِهِ ) يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ الْفِضَّةِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ .
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كَلَالِيبَ الْفِضَّةِ كَخَاتَمِ الْفِضَّةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَأَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ غَالِبًا لِلْحَاجَةِ وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِ الْفِضَّةِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ بِخِلَافِ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَقَدْ أَشَرْت إلَى دَلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَذِكْرِ كَلَامِهِ فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى الْمُحَرَّرِ .

فَصْلٌ ( فِي كَرَاهَةِ تَشَبُّهِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَعَكْسِهِ وَمَنْ حَرَّمَهُ ) يُكْرَهُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَامْرَأَةٍ بِرَجُلٍ فِي لِبَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ ذَلِكَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ وَهُوَ أَوْلَى ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ .
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُخَاطُ لِلنِّسَاءِ هَذِهِ الزِّيقَاتُ الْعِرَاضُ فَقَالَ إنْ كَانَ شَيْءٌ عَرِيضٌ فَأَكْرَهُهُ هُوَ مُحْدَثٌ وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ وَسَطٌ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .
وَكَرِهَ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَرْأَةِ مِثْلُ جَيْبِ الرِّجَالِ ، وَقَطَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِابْنَتِهِ قَمِيصًا وَأَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ لِلْخَيَّاطِ ، صَيِّرْ جَيْبَهَا برشكاب ، يَعْنِي مِنْ قُدَّامَ : وَقَطَعَ لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ قُمُصًا فَقَالَ لِلْخَيَّاطِ صَيِّرْ زِيقَاتِهَا دِقَاقًا وَكَرِهَ أَنْ يَصِيرَ عَرِيضًا .
وَكُنْت يَوْمًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَمَرَّتْ بِهِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا قَبَاءٌ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَقُلْت تَكْرَهُهُ ؟ قَالَ كَيْفَ لَا أَكْرَهُهُ جِدًّا ؟ { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ } وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قُلْ لِلْخَيَّاطِ يُصَيِّرْ عُرَى الْقَمِيصِ عِرَاضٌ فَإِنَّهُ رُبَّمَا صَيَّرَهَا دِقَاقًا فَتَنْقَطِع سَرِيعًا .
وَيَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الْخُفِّ فَيُنْهَى عَنْ لُبْسِ خُفٍّ يُشْبِهُ خُفَّ الرِّجَالِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَصِّ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إبَاحَةِ لُبْسِ الْخُفِّ لِلْمَرْأَةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهَا أَيْضًا حُكْمُ الْعِمَامَةِ لَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَالْمَرْجِعُ فِي اللِّبَاسِ إلَى حُكْمِ عُرْفِ الْبَلَدِ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ .
وَلَا تَخْتَمِرُ الْمَرْأَةُ كَخِمَارِ الرَّجُلِ بَلْ يَكُونُ خِمَارُهَا عَلَى رَأْسِهَا لَيَّةً وَلَيَّتَيْنِ ،

وَيُكْرَهُ النِّقَابُ لِلْأَمَةِ وَعَنْهُ يَحْرُمُ ، وَعَنْهُ يُبَاحُ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ فِي الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ .
وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهَا ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ سَتْرُهُ .

فَصْلُ ( وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ الْخِضَابُ مَعَ حُضُورِ زَوْجِهَا ) وَيُكْرَهُ النَّقْشُ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ : وَالتَّكْتِيبُ وَنَحْوُهُ وَالتَّطَارِيفُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
فَأَمَّا الْخِضَابُ لِلرَّجُلِ فَيَتَوَجَّهُ إبَاحَتُهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَمَعَ عَدَمِهَا يَخْرُجُ عَلَى مَسْأَلَةِ تَشَبُّهِ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ : وَيُبَاحُ مَا صُبِغَ مِنْ الثِّيَابِ بَعْدَ نَسْجِهِ وَقَالَ الْقَاضِي يُكْرَهُ ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَمَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَذْكُورَةٌ فِي التَّعْلِيقِ الْكَبِيرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ فِي الْوَرَعِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّقْشِ وَالتَّطَارِيفِ زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَيَخْتَضِبْنَ غَمْسًا ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الْخِضَابِ فَقَالَتْ لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْشٌ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ يُكْرَهُ النَّقْشُ وَرَخَّصَ فِي الْغَمْسَةِ .
وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ { أَنَّهُ أَمَرَ فِي الْخِضَابِ أَنْ تُغْمَسَ الْيَدُ كُلُّهَا } .
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : وَأَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ قَالَتْ : نَهَانِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّقْشِ فِي الْخِضَابِ وَقَالَ : اغْمِسِي الْيَدَ كُلَّهَا .

مَنْ جَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ عَلَامَةً وَقْتَ الْحَرْبِ مِنْ رِيشِ نَعَامٍ وَغَيْرِهِ جَازَ وَعَنْهُ يُسْتَحَبُّ إنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ شَجَاعَةً وَإِلَّا كُرِهَ ، وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ .

فَصْلٌ ( كَرَاهَةُ تَجَرُّدِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ وَاجْتِمَاعِهِمَا بِغَيْرِ حَائِلٍ وَمَتَى يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ ) .
يُكْرَهُ أَنْ يَتَجَرَّدَ ذَكَرَانِ أَوْ أُنْثَيَانِ فِي إزَارٍ أَوْ لِحَافٍ وَلَا ثَوْبَ يَحْجِزُ بَيْنَهُمَا ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ .
وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ } وَذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي النِّكَاحِ وَقَالَ مُمَيِّزَانِ ، ثُمَّ قَالَ مِنْ عِنْدِهِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا غَيْرَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَمَحْرَمٍ اُحْتُمِلَ التَّحْرِيمُ .
وَمَنْ بَلَغَ مِنْ الصِّبْيَانِ عَشْرًا مُنِعَ مِنْ النَّوْمِ مَعَ أُخْتِهِ وَمَعَ مَحْرَمٍ غَيْرِهَا مُتَجَرِّدَيْنِ ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْمَنْصُوصُ وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا .
وُجُوبُ التَّفْرِيقِ فِي ابْنِ سَبْعٍ فَأَكْثَرَ وَإِنَّ لَهُ عَوْرَةً يَجِبُ حِفْظُهَا وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ تَجَرُّدُ مَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ مَعَ مُبَاشَرَةِ الْعَوْرَةِ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا إذًا ، وَمَعَ عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَإِنْ أَمِنَا ثَوَرَانَ الشَّهْوَةِ جَازَ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ الْكَرَاهَةُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا ، وَإِنْ خِيفَ ثَوَرَانُهَا حَرُمَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَنْعِ النَّظَرِ حَيْثُ أُبِيحَ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا نَصَّ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْأَصْحَابُ ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَحْرَمًا فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ وَاضِحٌ لِمَعْنَى الْخَلْوَةِ وَمَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ وَحُصُولِ الْفِتْنَةِ .
وَعَنْ سَوَّارِ بْنِ دَاوُد وَيُقَالُ دَاوُد بْنُ سَوَّارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا { مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ لَفْظُ أَحْمَدَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ

لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } مُخْتَلَفٌ فِي سِوَارٍ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَإِنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُعْتَادُ مَعَ اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِقَوْلِهِ { لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ } فَأَمَّا إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا تَوَجَّهَ مَا سَبَقَ فَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ فَقَدْ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ فَأَمَّا الْمَحَارِمُ فَلَا مَنْعَ إلَّا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَالْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ مَعَ التَّجَرُّدِ مُحْتَمَلَةٌ لَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

فَصْلٌ ( فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّعَالِ ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِبَاسُ النِّعَالِ الصَّرَّارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ .
وَقَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ أَمَرُونِي فِي الْمَنْزِلِ أَنْ أَشْتَرِيَ نَعْلًا سِنْدِيًّا لِصَبِيَّةٍ فَقَالَ لَا تَشْتَرِ فَقُلْت تَكْرَهُهُ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَكْرَهُهُ وَقَالَ : إنْ كَانَ لِلْمَخْرَجِ وَالطِّينِ فَأَرْجُو ، أَمَّا مَنْ أَرَادَ الزِّينَةَ فَلَا .
وَقَالَ عَنْ شَخْصٍ لَبِسَهَا يَتَشَبَّهُ بِأَوْلَادِ الْمُلُوكِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ إذَا كَانَ الْوُضُوءُ فَأَرْجُو ، وَأَمَّا لِلزِّينَةِ فَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
وَكَرِهَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ وَقَالَ إنْ كَانَ لِلْكَنِيفِ وَالْوُضُوءِ وَأَكْرَهُ الصَّرَّارَ وَقَالَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَظُنُّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَالَ وَكِيعٌ السِّبْتِيَّةُ الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا .
وَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ تَحْرِيمَ الصَّرِيرِ فِي الْمَدَاسِ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامَ أَحْمَدَ .
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ أَحْمَرَ وَيَجُوزُ أَسْوَدَ .
وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ النَّعْلُ السَّوْدَاءُ تُورِثُ الْهَمَّ وَأَظُنُّ الْقَاضِيَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ النَّعْلُ سِبْتِيًّا أَصْفَرَ وَهُوَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ شَعْرٌ .
وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَنْ لَبِسَ نَعْلًا صَفْرَاءَ لَمْ يَزَلْ يَنْظُرُ فِي سُرُورٍ ، ثُمَّ قَرَأَ { صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ } قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَيُبَاحُ الْمَشْيُ فِي قَبْقَابِ خَشَبٍ وَقِيلَ مَعَ

الْحَاجَةِ .
وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالْخَشَبِ أَنْ يُمْشَى فِيهِ إنْ كَانَ حَاجَةً وَنَقَلْتُ مِنْ مَسَائِلِ حَرْبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فَالنَّعْلُ مِنْ الْخَشَبِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهَا إذَا كَانَ مَوْضِعَ ضَرُورَةٍ .

فَصْلٌ رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرْغِيبِ اللُّبْسِ لِلنِّعَالِ ؛ وَلِأَنَّهَا قَدْ تَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالنَّجَاسَاتِ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { لِيُوَسِّعْ الْمُنْتَعِلُ لِلِحَافِي عَنْ جُدُدِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ الْمُنْتَعِلَ بِمَنْزِلَةِ الرَّاكِبِ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإِنَّهَا مُصِيبَةٌ } وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَعَاهَدُوا نِعَالَكُمْ عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ } وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَجَاسَةٌ فَتُنَجِّسُ الْمَسْجِدَ قَالَهُ الْقَاضِي وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { لِيَسْأَلَ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتٍ مُرْسَلَةٍ { حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إذَا انْقَطَعَ } .
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ لَهُ بِمِصْرَ مَا لِي أَرَاك شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الْأَرْضِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْإِرْفَاهِ } قَالَ فَمَا لِي لَا أَرَى عَلَيْك حِذَاءً قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِي أَحْيَانًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِلًا بِمِصْرَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَإِذَا هُوَ شَعِثُ الرَّأْسِ مِشْعَارٌ فَقُلْت مَا لِي أَرَاك شَعِثًا وَأَنْتَ أَمِيرٌ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا عَنْ الْإِرْفَاهِ ، }

قُلْت وَمَا الْإِرْفَاهُ ؟ قَالَ الرَّجُلُ كَانَ يَوْمَ الْإِرْفَاهِ الِاسْتِكْثَارُ مِنْ الزِّينَةِ وَالتَّنَعُّمِ وَالْمِشْعَارُ هُوَ الْبَعِيدُ الْعَهْدُ عَنْ الْحَمَّامِ ، يُقَالُ رَجُلٌ مِشْعَارٌ إذَا كَانَ مُنْتَفِشَ الشَّعْرِ ثَائِرَ الرَّأْسِ بَعِيدَ الْعَهْدِ عَنْ الْحَمَّامِ بِالتَّسْرِيحِ وَالدَّهْنِ .
قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ : وَسِرْ حَافِيًا أَوْ حَاذِيًا وَامْشِ وَارْكَبَنْ وَتَمَعْدَدْ وَاخْشَوْشِنْ وَلَا تَتَعَوَّدْ وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي فَرْدَةِ نَعْلٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي إصْلَاحِ الْأُخْرَى أَوْ لَمْ يَكُنْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْأَثْرَمِ وَجَمَاعَةٍ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقِيلَ : كَثِيرًا وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِلُبْسِ حَائِلِ الْيُمْنَى بِيُمْنَاهُ وَخَلْعِ حَائِلِ الْيُسْرَى بِيُسْرَاهُ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ وَقَدْ سُئِلَ يَنْتَعِلُ قَبْلَ الْيُمْنَى أَوْ يَنْزِعُ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى قَالَ أَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَابِلَ بَيْنَ نَعْلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ } قِبَالُ النَّعْلِ بِكَسْرِ الْقَافِ الزِّمَامُ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَقَدْ أَقْبَلَ نَعْلَهُ وَقَابَلَهَا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ { قَابِلُوا النِّعَالَ } أَيْ اعْمَلُوا لَهَا قِبَالًا ، وَنَعْلٌ مُقْبَلَةٌ إذَا جَعَلْت لَهَا قِبَالًا ، وَمَقْبُولَةٌ إذَا شَدَدْت قِبَالَهَا قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ : وَهَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَنْتَعِلَ قَائِمًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ الْكَرَاهَةَ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ لَا يَنْتَعِلُ قَائِمًا وَزَادَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ وَالْأَثْرَمِ الْأَحَادِيثُ فِيهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْأَحَادِيثِ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ كَتَبَ إلَيَّ يُوسُفُ بْنُ

عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الِانْتِعَالِ قَائِمًا قَالَ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ ضَعَّفَ الْأَحَادِيثَ فِي النَّهْيِ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ .

فَصْلٌ : ( اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ ) رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ الْبَسُوا نِعَالَكُمْ وَصَلُّوا فِيهَا } .
قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ فِي النِّعَالِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ وَنَحْوِهِ مُسْتَحَبٌّ قَالَ وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةٍ أَسْفَلَ الْخُفِّ لَمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ .
وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا { إذَا خَلَعَ أَحَدُكُمْ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنْ ذُنُوبِهِ حَتَّى يَلْقَاهُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ خَلْعِ النَّعْلِ إذَا كَانَ فِيهَا أَذًى انْتَهَى كَلَامُهُ .
فَصْلٌ قَدْ سَبَقَ بَيَانُ آدَابِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ ، وَسَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، وَالْإِسْرَافِ فِيهِ فِي آدَابِ الْأَكْلِ ، وَسَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ الْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ فِي آدَابِ الْمَسَاجِدِ .

فَصْلٌ ( فِي ذِكْرِ أَحَادِيثَ تَتَعَلَّقُ بِالْفُصُولِ السَّالِفَةِ فِي اللِّبَاسِ ) .
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي ، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رِجَالُهُ مَعْرُوفُونَ .
وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ { نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ ، } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
{ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ { وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةٌ عَلَيْهَا لَبِنَةٌ شِبْرٌ مِنْ دِيبَاجٍ كِسْرَوَانِيِّ ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِهِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ الشِّبْرِ .
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا { مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا } وَقَالَ أَيْضًا { مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَقَالَ أَيْضًا : { مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْإِزَارِ فِي النَّارِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ

حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { لَا حَقَّ لِلْإِزَارِ فِي الْكَعْبَيْنِ } إسْنَادُهُ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ { وَلَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، وَالْمُتَشَبِّهَات مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ { وَلَعَنَ أَيْضًا الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ } إسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد .
وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ الْعَوَّامِ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ كَانُوا يُرَخِّصُونَ لِلصَّبِيِّ فِي الْخَاتَمِ الذَّهَبِ فَإِذَا بَلَغَ أَلْقَاهُ { وَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ بِالْوُضُوءِ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ جَاءَ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ أَمَرْته أَنْ يَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ } وَعَنْهُ مَرْفُوعًا { لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
وَفِي رِوَايَةٍ { إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ { وَلَا تَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ } وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا مَشَتْ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَقَالَتْ لَأُحَنِّثَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ إنَّهُ يَقُولُ لَا تَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ .
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَشَى فِي نَعْلٍ .
وَاحِدَةٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ .
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي يَحْيَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ .
وَأَبُو الزُّبَيْرِ إسْنَادُهُ حَسَنٌ .
وَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا مَوْقُوفٌ .
وَرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ وَالْآجُرِّيُّ مَرْفُوعًا .
وَرَوَى أَحْمَدُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَعِلُ قَائِمًا وَقَاعِدًا } .
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ { أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا } ، وَسَبَقَ فِي التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمَاتِ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ { رَأَيْت رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ فَقَالَ كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } سَعْدٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لُبْسُ الْخَزِّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّوْبِ الْمُسَمَّطِ مِنْ قَزٍّ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا .
فِيهِ خُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ

الرَّحْمَنِ وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ } إسْنَادٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ إلَى أَنْ قَالَ يَمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا .
} وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ وَعَنْ لِبَاسِ الْقِسِيِّ وَالْمُعَصْفَرِ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ { وَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَالَ الْبَرَاءُ { رَأَيْته فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو يَحْيَى الْقَتَّاتُ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَبَاقِي إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ .
وَعَنْ سَمُرَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { الْبَسُوا ثِيَابَ الْبَيَاضِ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ

وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ } .
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ { وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ خَالِدٍ خَمِيصَةً سَوْدَاءَ وَقَالَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا } قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ حَسَنٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُرْوَى " أَخَلْقِي " بِالْقَافِ مِنْ إخْلَاقِ الثَّوْبِ تَقْطِيعُهُ وَقَدْ خَلُقَ الثَّوْبُ وَأَخْلَقَ وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بِمَعْنَى الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ قَالَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتنِيهِ أَسْأَلُك خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَقُلْ سَوْدَاءَ وَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ سِوَى يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيِّ فَإِنَّ فِيهِ ضَعْفًا .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَمْرٍو وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا { كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا غَيْرَ مَخْيَلَةٍ وَلَا سَرَفٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ

نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْهُنُ بِالزَّعْفَرَانِ وَيَصْبُغُ بِهِ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
{ وَقَدْ اتَّكَأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُورَةٌ } رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ الْبُخَارِيِّ { أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ قَالَتْ فَعَرَفْت فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْت قَالَ فَمَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟ فَقَالَتْ اشْتَرَيْتهَا لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسُّدِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّورَةِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ } .
وَقَالَ { إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ } وَالْقَوْلُ بِهَذَا الْخَبَرِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَانْفِرَادُ أَحْمَدَ بِالزِّيَادَةِ فَإِنْ صَحَّتْ فَلَا تَحْرُمُ وَفِي الْكَرَاهَةِ نَظَرٌ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصُّوَرِ فِي الْبَيْتِ وَنَهَى أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا تُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ ، فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ

فَاعِلًا فَاجْعَلْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمِيصَ } .
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ كُمُّ يَدِ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الرُّسْغِ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُمَا .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ : إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا قَالَ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ { وَلَكِنَّ الْكِبْرَ مَنْ سَفِهَ النَّاسَ وَأَزْرَى النَّاسَ } سَفِهَ الْحَقَّ أَيْ : جَهِلَهُ وَقِيلَ جَهِلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا ، وَقِيلَ سَفَّهَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ سَفَّهَ الْحَقَّ ، وَبَطَرُ الْحَقِّ قِيلَ تَرْكُهُ ، وَقِيلَ يَجْعَلُ الْحَقَّ بَاطِلًا وَغَمْصُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ ، وَزَادَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ " وَغَمْصُ النَّاسِ بِعَيْنَيْهِ " .
وَصَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا { يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الصَّغَارِ ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ وَيُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
جَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ وَأَصْلُهَا أَنْوَارٌ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوَاوِ ، { وَقَدْ خَسَفَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي جَعَلَ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّتِهِ وَيَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا جَمِيلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ

حُبِّبَ إلَيَّ الْجَمَالُ وَأُعْطِيتُ مِنْهُ مَا تَرَى حَتَّى مَا أُحِبُّ أَنْ يَفُوقَنِي أَحَدٌ إمَّا بِشِرَاكِ نَعْلٍ أَوْ شِسْعِ نَعْلٍ أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَلِكَ ؟ قَالَ لَا ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ .
} وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ يَقُولُونَ فِي التِّيهِ وَقَدْ رَكِبْت الْحِمَارَ وَلَبِسْت الشَّمْلَةَ وَقَدْ حَلَبْت الشَّاةَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ فَعَلَ هَذَا فَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْكِبْرِ شَيْءٌ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَعَنْ أَبِي مَرْحُومٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا { مَنْ تَرَكَ أَنْ يَلْبَسَ صَالِحَ الثِّيَابِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي حُلَلِ الْإِيمَانِ أَيَّتُهُنَّ شَاءَ } إسْنَادٌ لَيِّنٌ أَوْ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { إزْرَةُ الْمُسْلِمِ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَلَا حَرَجَ وَلَا جُنَاحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ، مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ ، مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمٍ إنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِيهِ قَيْسُ بْنُ بِشْرٍ وَقَدْ وُثِّقَ وَضُعِّفَ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ { ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عِنْدَهُ الدُّنْيَا فَقَالَ أَلَا تَسْمَعُونَ ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ ؟ إنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَانِ } يَعْنِي التَّقَحُّلَ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظٍ يَعْنِي

التَّقَشُّفَ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي النِّسَاءِ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ ، قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

فَصْلٌ ( فِي فَضْلِ الْأَدَبِ وَالتَّأْدِيبِ ) قَالَ فِي الْغُنْيَة بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ الْآدَابِ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ الْآدَابِ فِي أَحْوَالِهِ .
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ تَأَدَّبُوا ، ثُمَّ تَعَلَّمُوا وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ أَدَبُ الْعِلْمِ أَكْثَرُ مِنْ الْعِلْمِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ إذَا وُصِفَ لِي رَجُلٌ لَهُ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا أَتَأَسَّفُ عَلَى فَوْتِ لِقَائِهِ ، وَإِذَا سَمِعْت رَجُلًا لَهُ أَدَبُ الْقَسِّ أَتَمَنَّى لِقَاءَهُ وَأَتَأَسَّفُ عَلَى فَوْتِهِ .
وَيُقَالُ مَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ بَلْدَةٍ لَهَا خَمْسَةُ حُصُونٍ ، الْأَوَّلُ مِنْ ذَهَبٍ ، وَالثَّانِي مِنْ فِضَّةٍ وَالثَّالِث مِنْ حَدِيدٍ ، وَالرَّابِعُ مِنْ آجُرٍّ ، وَالْخَامِسُ مِنْ لَبِنٍ فَمَا زَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ مُتَعَاهِدِينَ الْحِصْنَ مِنْ اللَّبِنِ لَا يَطْمَعُ الْعَدُوُّ فِي الثَّانِي فَإِذَا أَهْمَلُوا ذَلِكَ طَمِعُوا فِي الْحِصْنِ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثِ حَتَّى تَخْرَبَ الْحُصُونُ كُلُّهَا ، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ فِي خَمْسَةِ حُصُونٍ : الْيَقِينِ .
ثُمَّ الْإِخْلَاصِ ، ثُمَّ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ أَدَاءِ السُّنَنِ ، ثُمَّ حِفْظِ الْآدَابِ ، فَمَا دَامَ الْعَبْدُ يَحْفَظُ الْآدَابَ وَيَتَعَاهَدُهَا فَالشَّيْطَانُ لَا يَطْمَعُ فِيهِ .
فَإِذَا تَرَكَ الْآدَابَ طَمِعَ الشَّيْطَانُ فِي السُّنَنِ ، ثُمَّ فِي الْفَرَائِضِ ، ثُمَّ فِي الْإِخْلَاصِ ، ثُمَّ فِي الْيَقِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يُزَيِّنْ عَمَلَهُ بِالْأَدَبِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا طَلَبْت الْعِلْمَ فَأَصَبْت فِيهِ شَيْئًا ، وَطَلَبْت الْأَدَبَ فَإِذَا أَهْلُهُ قَدْ مَاتُوا .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَا أَدَبَ إلَّا بِعَقْلٍ ، وَلَا عَقْلَ إلَّا بِأَدَبٍ ، كَانَ يُقَالُ الْعَوْنُ لِمَنْ لَا عَوْنَ لَهُ الْأَدَبُ .
وَقَالَ الْأَحْنَفُ الْأَدَبُ نُورُ الْعَقْلِ ، كَمَا أَنَّ النَّارَ فِي الظُّلْمَةِ نُورُ الْبَصَرِ .
كَانَ يُقَالُ الْأَدَبُ مِنْ

الْآبَاءِ ، وَالصَّلَاحُ مِنْ اللَّهِ .
كَانَ يُقَال مَنْ أَدَّبَ ابْنَهُ صَغِيرًا ، قَرَّتْ بِهِ عَيْنُهُ كَبِيرًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ وَالِدَاهُ أَدَّبَهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } قَالَ أَدِّبُوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَدْ يَنْفَعُ الْأَدَبُ الْأَحْدَاثَ فِي مَهَلٍ وَلَيْسَ يَنْفَعُ بَعْدَ الْكِبَرِ الْأَدَبُ إنَّ الْغُصُونَ إذَا قَوَّمْتَهَا اعْتَدَلَتْ وَلَا تَلِينُ إذَا قَوَّمْتَهَا الْخُشُبُ قِيلَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ أَدَّبَك ؟ قَالَ مَا أَدَّبَنِي أَحَدٌ رَأَيْت جَهْلَ الْجَاهِلِ فَاجْتَنَبْته .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُغِيظَ عَدُوَّهُ فَلَا يَرْفَعْ الْعَصَا عَنْ وَلَدِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَانُوا يَقُولُونَ أَكْرِمْ وَلَدَكَ وَأَحْسِنْ أَدَبَهُ .
وَقَالَ الْحَسَنُ التَّعَلُّمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ وَقَالَ لُقْمَانُ ضَرْبُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ كَالسَّمَادِ لِلزَّرْعِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ لِي مَخْلَدَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَحْنُ إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْحَدِيثِ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا { مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ } وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا { لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ } رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا غَرِيبٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ الشَّاعِرُ : خَيْرُ مَا وَرَّثَ الرِّجَالُ بَنِيهِمْ أَدَبٌ صَالِحٌ وَحُسْنُ الثَّنَاءِ هُوَ خَيْرٌ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالْأَوْرَاقِ فِي يَوْمِ شِدَّةٍ أَوْ رَخَاءِ تِلْكَ تَفْنَى وَالدِّينُ وَالْأَدَبُ الصَّا لِحُ لَا يَفْنَيَانِ حَتَّى اللِّقَاءِ إنْ تَأَدَّبْت يَا بُنَيَّ صَغِيرًا كُنْت يَوْمًا تُعَدُّ فِي الْكُبَرَاءِ .

فَصْلٌ ( فِي ذِكْرِ فَرْضِ الْكِفَايَاتِ ) .
( مِنْهَا ) دَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ كَسَتْرِ الْعَارِي وَإِشْبَاعِ الْجَائِعِ عَلَى الْقَادِرِينَ إنْ عَجَزَ بَيْتُ الْمَالِ عَنْ ذَلِكَ أَوْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْهُ ( وَمِنْهَا ) عِيَادَةُ الْمَرْضَى ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَتَغْسِيلُ الْمَوْتَى وَتَكْفِينُهُمْ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَدَفْنُهُمْ بِشَرْطِهِ ( وَمِنْهُمَا ) الصَّنَائِعُ الْمُبَاحَةُ الْمُهِمَّةُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا غَالِبًا لِمَصَالِحِ النَّاسِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ ( وَمِنْهَا ) الزَّرْعُ وَالْغَرْسُ وَنَحْوُهُمَا ( وَمِنْهَا ) الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى وَإِقَامَةُ الدَّعْوَةِ وَدَفْعُ الشُّبْهَةِ بِالْحُجَّةِ وَالسَّيْفِ وَالْجِهَادِ كُلَّ عَامٍ بِشَرْطِهِ ( وَمِنْهَا ) سَدُّ الْبُثُوقِ وَحَفْرُ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ وَكَرْيُهَا ، وَهُوَ تَنْظِيفُهَا وَعَمَلُ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَالْأَسْوَارِ وَإِصْلَاحُهَا وَإِصْلَاحُ الطَّرِيقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ( وَمِنْهَا ) الْحَجُّ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا ( وَمِنْهَا ) الْفَتْوَى وَالْقَضَاءُ بِشُرُوطِهَا ( وَمِنْهَا ) تَعْلِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حِسَابٍ وَنَحْوِهِ بِشَرْطِهِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ عِيَادَةَ الْمَرْضَى وَاتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَحَبَّةِ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ رَدُّ السَّلَامِ ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ } وَلِمُسْلِمٍ { حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ } وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّ شَهَادَةَ جِنَازَتِهِ آكَدُ فِي

الِاسْتِحْبَابِ مِنْ عِيَادَتِهِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ ثَلَاثَةٌ لَا تُعَادُ وَلَا يُسَمَّى صَاحِبُهَا مَرِيضًا وَإِنْ كَانَتْ وَجَعًا وَأَلَمًا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ثَلَاثَةٌ لَا يُعَادُ صَاحِبُهَا : الضِّرْسُ وَالرَّمَدُ وَالدُّمَّلُ } انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَكَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَيْضًا وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ ، لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ فِي إسْنَادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عُلَيٍّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ مِنْ قَوْلِهِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي وَمَا ذَكَرَ فِي الرِّعَايَةِ مِنْ وُجُوبِ الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَالتَّطَوُّعَاتُ أَوْلَى وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَهَذَا غَرِيبٌ فِي الْمَذْهَبِ .

فَصْلٌ ( فِي التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّخَلِّي عَنْ الرَّذَائِلِ وَمَوَدَّةِ الْإِخْوَةِ ) عَلَيْك رَحِمَك اللَّهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ سِرًّا وَجَهْرًا مَعَ صَفَاءِ الْقَلْبِ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ وَلِكُلِّ أَحَدٍ وَاتْرُكْ حُبَّ الْغَلَبَةِ وَالتَّرَؤُّسِ وَالتَّرَفُّعَ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ : لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ دُونَ قَدْرِهِ وَلَا يَرْفَعَ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ ، وَكُلُّ وَصْفٍ مَذْمُومٍ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا أَوْ عُرْفًا كَغِلٍّ وَحِقْدٍ وَحَسَدٍ وَنَكَدٍ وَغَضَبٍ وَعُجْبٍ وَخُيَلَاءَ وَرِيَاءٍ وَهَوًى وَغَرَضِ سُوءٍ وَقَصْدٍ رَدِيءٍ وَمَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ وَمُجَانَبَةِ كُلِّ مَكْرُوهٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِذَا جَلَسْت مَجْلِسَ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَاجْلِسْ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَلَقَّ النَّاسَ بِالْبُشْرَى وَالِاسْتِبْشَارِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الدَّهَاءِ حُسْنُ اللِّقَاءِ رَوَاهُ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا فِي مَجَالِسِهِ بِإِسْنَادِهِ ، وَحَادِثْهُمْ بِمَا يَنْفَعُ مِنْ الْأَخْبَارِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَصْحَبْ إلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَك إلَّا تَقِيٌّ } حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ .
ثنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا حَيَاةُ أَنْبَأَنَا سَالِمُ بْنُ غَيْلَانَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ التُّجِيبِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَوْ عَنْ الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْن حِبَّانَ .

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد ثنا ابْنُ بَشَّارٍ ثنا أَبُو عَامِرٍ وَأَبُو دَاوُد قَالَا ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَمُوسَى حَدِيثُهُ حَسَنٌ .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ بَشَّارٍ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ .
قَالَ الشَّاعِرُ وَمَا صَاحِبُ الْإِنْسَانِ إلَّا كَرُقْعَةٍ عَلَى ثَوْبِهِ فَلْيَتَّخِذْ مَنْ يُشَاكِلُهْ وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ إنْ لَمْ يُصِبْك مِنْهُ شَيْءٌ أَصَابَك مِنْ رِيحِهِ ، وَمَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ الْكِيرِ إنْ لَمْ يُصِبْك مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَك مِنْ دُخَانِهِ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ ، إمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَك وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً } وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا { الْمُؤْمِنُ مَأْلَفَةٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُؤْلَفُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ { يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ إخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ قَالَ ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ .
} وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { النَّاسُ مَعَادِنُ

كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إذَا فَقِهُوا وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ } وَذَكَرَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { مَا أَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا أَعْجَبَهُ أَحَدٌ إلَّا ذُو تُقًى } ، وَعَنْ أَبِي السَّلِيلِ وَاسْمُهُ ضُرَيْبٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَلَمْ يُدْرِكْهُ مَرْفُوعًا { إنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً .
وَقَالَ عُثْمَانُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا كُلُّهُمْ لَكَفَتْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّةُ آيَةٍ قَالَ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } } إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ طَعَامَ الدَّعْوَةِ دُونَ طَعَامِ الْحَاجَةِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَسْرَاهُمْ الْكُفَّارُ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَدُونَ الْأَتْقِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاكَلَةَ تُوجِبُ الْأُلْفَةَ وَتَجْمَعُ الْقُلُوبَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَتَوَخَّ أَنْ يَكُونَ خُلَطَاؤُك ذَوِي الِاخْتِصَاصِ بِك أَهْلَ التَّقْوَى } وَرَوَى أَحْمَدُ ثنا عَفَّانَ ثنا حَمَّادٌ أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِيطٍ قَالَ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَفِيهِ { مَا تَوَادَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا حَدَثٌ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ ، وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ وَالْمُحْدِثُ شَرٌّ } إسْنَادٌ جَيِّدٌ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا } .

وَعَنْ الْمِقْدَامِ مَرْفُوعًا { إذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ لِأَحْمَدَ جَعْفَرٌ الْوَكِيعِيُّ : إنِّي لَأُحِبّكَ ، ثُمَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ هَنَّادٍ وَقَتَادَةَ عَنْ حَاتِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ الْقَصِيرِ عَنْ هَنَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ يَزِيدَ ابْنِ نَعَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنْ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ ؟ فَإِنَّهُ وَاصِلٌ لِلْمَوَدَّةِ .
} يَزِيدُ لَا صُحْبَةَ لَهُ عِنْدَهُمْ خِلَافًا لِلْبُخَارِيِّ وَسَعِيدٌ تَفَرَّدَ عَنْهُ عِمْرَانُ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .

وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَحِبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ إلَّا بِذَلِكَ وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَقَدْ صَارَ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شَيْئًا ، ثُمَّ قَرَأَ : { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ } .
وَقَرَأَ { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّهُمْ أَخِلَّاءُ فِي الْمَعَاصِي وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ كَذَلِكَ وَقَالَ ( إلَّا الْمُتَّقِينَ ) الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ كَذَا قَالَ وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَفْسُدُ بِمَوَدَّةِ الْكُفَّارِ وَأَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا لَا يُوَالِي كَافِرًا وَلَوْ كَانَ قَرِيبَهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَيَّنَتْ الْآيَةُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا بِذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِهَا مَالِكٌ عَلَى تَرْكِ مُجَالَسَةِ الْقَدَرِيَّةِ وَمُعَادَاتِهِمْ فِي اللَّهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَفِي مَعْنَى أَهْلِ الْقَدَرِ جَمِيعُ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ كَذَا قَالَ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ يَصْحَبُ السُّلْطَانَ .
وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ { اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عِنْدِي نِعْمَةً فَإِنِّي وَجَدْت فِيمَا أَوْحَيْت إلَيَّ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } } .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : التَّارِكُ لِلْإِخْوَانِ مَتْرُوكٌ ، كَانَ يُقَالُ أَنْصَحُ النَّاسِ فِيكَ مَنْ خَافَ اللَّهَ فِيكَ .
قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ : مَنْ ذَا

الَّذِي يَخْفَى عَلَيْ كَ إذَا نَظَرْت إلَى حَدِيثِهْ كَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَتَمَثَّلُ : لِكُلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ يَقَرُّ بِعَيْنِهِ وَقُرَّةُ عَيْنِ الْفَسْلِ أَنْ يَصْحَبَ الْفَسْلَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْفَسْلُ مِنْ الرِّجَالِ الرُّذَّلُ وَالْمَفْسُولُ مِثْلُهُ وَقَدْ فَسُلَ بِالضَّمِّ فَسَالَةً وَفُسُولَةً فَهُوَ فَسْلٌ مِنْ قَوْمٍ فُسَلَاءُ وَأَفْسَالٌ وَفُسُولٌ ، وَفُسَالَةُ الْحَدِيدِ سُحَالَتُهُ ، وَالْفَسِيلَةُ وَالْفَسِيلُ الْوَدِيُّ وَهُوَ صِغَارُ النَّخْلِ ، وَالْجَمْعُ الْفُسْلَانُ ، وَالْفِسْكِلُ بِالْكَسْرِ الَّذِي يَجِيءُ فِي الْحَلَبَةِ آخِرَ الْخَيْلِ وَهُوَ السُّكَيْتُ وَالْقَاشُورُ وَمِنْهُ قِيلَ رَجُلٌ فُسْكُلٌ إذَا كَانَ رَذْلًا ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ فُسْكُلٌ بِالضَّمِّ وَقَالَ آخَرُ : وَصَاحِبْ إذَا صَاحَبْتَ حُرًّا فَإِنَّمَا يَزِينُ وَيُزْرِي بِالْفَتَى قُرَنَاؤُهُ وَقَالَ الْمَأْمُونُ الْإِخْوَانُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ كَالْغِذَاءِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُمْ أَبَدًا وَهُمْ إخْوَانُ الصَّفَاءِ ، وَإِخْوَانٌ كَالدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَهُمْ الْفُقَهَاءُ وَإِخْوَانٌ كَالدَّاءِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ أَبَدًا وَهُمْ أَهْلُ الْمَلَقِ وَالنِّفَاقِ لَا خَيْرَ فِيهِمْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْمَلَقُ الْوُدُّ وَاللُّطْفُ الشَّدِيدُ ، وَأَصْلُهُ التَّبَيُّنُ وَقَدْ مَلِقَ بِالْكَسْرِ يَمْلَقُ مَلَقًا وَرَجُلٌ مَلِقٌ يُعْطِي بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ، وَالْمَلَقُ أَيْضًا مَا اسْتَوَى مِنْ الْأَرْضِ : وَالْمِلْقُ سَاكِنٌ مِثْلُ الْمِلْحِ السَّيْرُ الشَّدِيدُ وَالْمَيْلَقُ السَّرِيعُ وَانْمَلَقَ الشَّيْءُ وَامَّلَقَ بِالْإِدْغَامِ أَيْ صَارَ أَمْلَسَ وَقِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ لِمَ قَطَعْت أَخَاكَ مِنْ أَبِيكَ ؟ فَقَالَ إنِّي لَأَقْطَعُ الْفَاسِدَ مِنْ جَسَدِي الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ لِي مِنْ أَبِي وَأُمِّي أَعَزُّ نَقْدًا .
وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِي أَحَقُّ مَنْ شَرَكَكَ فِي النِّعَمِ شُرَكَاؤُك فِي الْمَكَارِهِ .
أَخَذَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : وَإِنَّ أَوْلَى الْبَرَايَا أَنْ تُوَاسِيَهُ عِنْدَ السُّرُورِ لَمَنْ وَاسَاك فِي الْحَزَنِ إنَّ الْكِرَامَ إذَا مَا أَسْهَلُوا ذَكَرُوا مَنْ كَانَ

يَأْلَفُهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ وَقَالَ الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ : يُوَاعِدُنِي مَوَاعِدَ كَاذِبَاتٍ تَمُرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيْفِ دُونِي فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ فَأَعْرِفُ مِنْك غَثِّي مِنْ سَمِينِي وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاِتَّخِذْنِي عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي فَإِنَّك لَوْ تُعَانِدُنِي شِمَالِي عِنَادَك مَا وَصَلْتُ بِهَا يَمِينِي إذًا لَقَطَعْتُهَا وَلَقُلْتُ بِينِي كَذَلِكَ أَجْتَوِي مَنْ يَجْتَوِينِي وَقَالَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ : قُلْ لِلَّذِي لَسْتُ أَدْرِي مِنْ تَلَوُّنِهِ أَنَاصِحٌ أَمْ عَلَى غِشٍّ يُدَاجِينِي إنِّي لَأُكْثِرُ مِمَّا سُمْتَنِي عَجَبًا يَدٌ تَشُجُّ وَأُخْرَى مِنْك تَأْسُونِي تَغْتَابُنِي عِنْدَ أَقْوَامٍ وَتَمْدَحُنِي فِي آخَرِينَ وَكُلٌّ عَنْكَ يُنْبِينِي هَذَانِ أَمْرَانِ شَتَّى بَوْنُ بَيْنِهِمَا فَاكْفُفْ لِسَانَك عَنْ ذَمِّي وَتَزْيِينِي لَوْ كُنْت أَعْلَمُ مِنْك الْوُدَّ هَانَ عَلَيَّ بَعْضُ الَّذِي قَدْ أَصْبَحْت تُولِينِي لَا أَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ مَا فِي ضَمِيرِي لَهُمْ مِنْ ذَاكَ يَكْفِينِي أَرْضَى عَنْ الْمَرْءِ مَا أَصْفَى مَوَدَّتَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَغْضَاءِ يُرْضِينِي وَاَللَّهِ لَوْ كَرِهَتْ كَفِّي مُصَاحَبَتِي لَقُلْت إذْ كَرِهَتْ يَوْمًا لَهَا بِينِي ثُمَّ انْثَنَيْت عَلَى الْأُخْرَى فَقُلْت لَهَا إنْ تُسْعِدِينِي وَإِلَّا مِثْلَهَا كُونِي إنِّي كَذَاك إذَا أَمْرٌ تَعَرَّضَ لِي خَشِيت مِنْهُ عَلَى دُنْيَايَ أَوْ دِينِي خَرَجْت مِنْهُ وَعِرْضِي مَا أُدَنِّسُهُ وَلَمْ أَقُمْ غَرَضًا لِلنَّذْلِ يَرْمِينِي وَمُلَطِّفٍ بِي مُدَارٍ ذِي مُكَاشَرَةٍ مُغْضٍ عَلَى وَغَرٍ فِي الصَّدْرِ مَكْنُونِ لَيْسَ الصَّدِيقُ الَّذِي تُخْشَى بَوَادِرُهُ وَلَا الْعَدُوُّ عَلَى حَالٍ بِمَأْمُونِ يَلُومُنِي النَّاسُ فِيمَا لَوْ أُخَبِّرُهُمْ بِالْعُذْرِ فِيهِ يَوْمًا لَمْ يَلُومُونِي وَقَالَ أَيْضًا : مَا يَبْلُغُ الْأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ وَالشَّيْخُ لَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ حَتَّى يُوَارَى فِي ثَرَى رَمْسِهِ إذَا ارْعَوى عَادَ إلَى جَهْلِهِ كَذَا الضَّنِيَّ عَادَ إلَى نُكْسِهِ وَإِنَّ مَنْ أَدَّبْتَهُ فِي الصِّبَا كَالْعُودِ يُسْقَى

الْمَاءَ فِي غَرْسِهِ حَتَّى تَرَاهُ مُورِقًا نَاضِرًا بَعْدَ الَّذِي أَبْصَرْت مِنْ يُبْسِهِ وَقَالَ أَيْضًا : الْمَرْءُ يَجْمَعُ وَالزَّمَانُ يُفَرِّقُ وَيَظَلُّ يَرْقَعُ وَالْخُطُوبُ تُمَزِّقُ وَلَأَنْ يُعَادِيَ عَاقِلًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقٌ أَحْمَقُ فَارْغَبْ بِنَفْسِك لَا تُصَادِقْ أَحْمَقَا إنَّ الصَّدِيقَ عَلَى الصَّدُوقِ مُصَدِّقُ وَزِنْ الْكَلَامَ إذَا نَطَقْت فَإِنَّمَا يُبْدِي عُقُولَ ذَوِي الْعُقُولِ الْمَنْطِقُ لَا أُلْفِيَنَّكَ ثَاوِيًا فِي غُرْبَةٍ إنَّ الْغَرِيبَ بِكُلِّ سَهْمٍ يُرْشَقُ مَا النَّاسُ إلَّا عَامِلَانِ فَعَامِلٌ قَدْ مَاتَ مِنْ عَطَشٍ وَآخَرُ يَغْرَقُ وَإِذَا امْرُؤٌ لَسَعَتْهُ أَفْعَى مَرَّةً تَرَكَتْهُ حِينَ يُجَرُّ حَبْلٌ يَفْرَقُ بَقِيَ الَّذِينَ إذَا يَقُولُوا يَكْذِبُوا وَمَضَى الَّذِينَ إذَا يَقُولُوا يَصْدُقُوا وَصَالِحٌ هَذَا هُوَ صَاحِبُ الْفَلْسَفَةِ قَتَلَهُ الْمَهْدِيُّ عَلَى الزَّنْدَقَةِ كَانَ يَعِظُ وَيَقُصُّ بِالْبَصْرَةِ وَحَدِيثُهُ يَسِيرٌ وَلَيْسَ بِثِقَةٍ وَقِيلَ إنَّهُ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ إنِّي وَرَدْت عَلَى رَبٍّ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فَاسْتَقْبَلَنِي بِرَحْمَتِهِ وَقَالَ قَدْ عَلِمْت بَرَاءَتَك مِمَّا قُذِفْت بِهِ .
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ : " يَا بُنَيَّ ثَلَاثَةٌ لَا يُعْرَفُونَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ ، لَا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَلَا الشُّجَاعُ إلَّا عِنْدَ الْحَرْبِ ، وَلَا الْأَخُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ " .
قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ " بِأَيِّ شَيْءٍ يُعْرَفُ وَفَاءُ الرَّجُلِ دُونَ تَجْرِبَةٍ وَاخْتِبَارٍ ؟ قَالَ بِحَنِينِهِ إلَى أَوْطَانِهِ ، وَتَلَهُّفِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ " .
وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : " إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ وَفَاءَ الرَّجُلِ وَوَفَاءَ عَهْدِهِ فَانْظُرْ إلَى حَنِينِهِ إلَى أَوْطَانِهِ وَتَشَوُّقِهِ إلَى إخْوَانِهِ وَبُكَائِهِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ " .
قَالَ عُتَيْبَةُ الْأَعْوَرُ : ذَهَبَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ وَبَقِيت فِيمَنْ لَا أُحِبُّهْ إذْ لَا يَزَالُ كَرِيمُ قَوْمٍ فِيهِمْ كَلْبٌ يَسُبُّهْ وَقَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ : يَا زَمَانًا أَوْرَثَ الْأَحْرَارَ ذُلًّا وَمَهَانَهْ

لَسْت عِنْدِي بِزَمَانٍ إنَّمَا أَنْتَ زَمَانَهْ وَقَالَ آخَرُ : فَسَدَ الزَّمَانُ وَزَالَ فِيهِ الْمُقْرِفُ وَجَرَى مَعَ الْفَرَسِ الْحِمَارُ الْمُوكَفُ كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ ذَهَبَ النَّاسُ فَلَا مَرْتَعَ وَلَا مَفْزَعَ وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ : ذَهَبَ الرِّجَالُ الْمُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَالْمُنْكِرُونَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُنْكَرِ وَبَقِيت فِي خَلَفٍ يُزَيِّنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَأْخُذَ مُعْوِرٌ عَنْ مُعْوِرِ وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ ثَعْلَبَةَ : مَضَى زَمَنُ السَّمَاحِ فَلَا سَمَاحُ وَلَا يُرْجَى لَدَى أَحَدٍ فَلَاحُ رَأَيْت النَّاسَ قَدْ مُسِخُوا كِلَابًا فَلَيْسَ لَدَيْهِمْ إلَّا النُّبَاحُ وَأَضْحَى الظَّرْفُ عِنْدَهُمْ قَبِيحًا وَلَا وَاَللَّهِ إنَّهُمْ الْقِبَاحُ نَرُوحُ وَنَسْتَرِيحُ الْيَوْمَ مِنْكُمْ وَعَنْ أَمْثَالِكُمْ قَدْ يُسْتَرَاحُ إذَا مَا الْحُرُّ هَانَ بِأَرْضِ قَوْمٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي هَرَبٍ جُنَاحُ وَقَالَ آخَرُ : ذَهَبَ الْوَفَاءُ ذَهَابَ أَمْسِ الذَّاهِبِ فَالنَّاسُ بَيْنَ مُخَاتِلٍ وَمُوَارِبِ وَقَالَ آخَرُ : ذَهَبَ التَّكَرُّمُ وَالْوَفَاءُ مِنْ الْوَرَى وَتَقَرَّضَا إلَّا مِنْ الْأَشْعَارِ وَفَشَتْ خِيَانَاتُ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى اتَّهَمْنَا رُؤْيَةَ الْأَبْصَارِ كَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ يُنْشِدُ تَشَوُّقًا إلَى مَكَّةَ وَيَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ : أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ وَقَالَ آخَرُ : مَضَى الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ وَاجْتُثَّ أَصْلُهُ وَأُخْمِدَتْ نِيرَانُ النَّدَى وَالْمَكَارِمِ وَصِرْت إلَى ضَرْبٍ مِنْ النَّاسِ آخَرَ يَرَوْنَ الْعُلَا وَالْمَجْدَ جَمْعَ الدَّرَاهِمِ كَأَنَّهُمُو كَانُوا جَمِيعًا تَعَاقَدُوا عَلَى اللُّؤْمِ وَالْإِمْسَاكِ فِي صُلْبِ آدَمَ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ لَا تَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِيك وَاعْتَزِلْ عَدُوَّك وَاحْذَرْ صَدِيقَك الْأَمِينَ ، إلَّا مَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَيُطِيعَهُ وَلَا تَمْشِ مَعَ الْفَاجِرِ فَيُعَلِّمَك

مِنْ فُجُورِهِ ، وَلَا تُطْلِعْهُ عَلَى سِرِّك وَلَا تُشَاوِرْ فِي أَمْرِك إلَّا الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ .
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ وَكَرِهَ لَهُ صُحْبَةَ أَحْمَقَ : فَلَا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ إذَا هُوَ مَاشَاهُ قِيَاسُ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ إذَا مَا هُوَ حَاذَاهُ وَلِلشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ مَقَايِيسُ وَأَشْبَاهُ وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ مَدْخَلُهُ وَمَمْشَاهُ وَإِلْفُهُ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي وَقَدْ قِيلَ : وَمَا يَنْفَعُ الْجَرْبَاءَ قُرْبُ صَحِيحَةٍ إلَيْهَا وَلَكِنَّ الصَّحِيحَةَ تَجْرَبُ وَعَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : أَقِلَّ مَعْرِفَةً تَسْلَمْ وَعَنْ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ قَالَ إذَا وَثِقْنَا بِمَوَدَّةِ أَخِينَا لَمْ يَضُرَّهُ أَنْ لَا يَأْتِيَنَا .
وَعَنْ إِسْحَاقَ قَالَ كَانَ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ مَوَدَّةٌ وَإِخَاءٌ فَكَانَتْ السَّنَةُ تَمُرُّ عَلَيْهِمَا لَا يَلْتَقِيَانِ فَقِيلَ لِأَحَدِهِمَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ إذَا تَقَارَبَتْ الْقُلُوبُ لَمْ يَضُرَّ تَبَاعُدُ الْأَجْسَامِ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا .
وَلَقَدْ أَبْلَغَ الْقَائِلُ فِي هَذَا حَيْثُ يَقُولُ : رَأَيْت تَهَاجُرَ الْإِلْفَيْنِ بِرًّا إذَا اصْطَلَحَتْ عَلَى الْوُدِّ الْقُلُوبُ وَلَيْسَ يُوَاظِبُ الْإِلْمَامُ إلَّا ظَنِينٌ فِي مَوَدَّتِهِ مُرِيبُ وَعَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي قَالَ أَحَبُّ إخْوَانِي إلَيَّ مَنْ لَا يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إنَّ الرَّحِمَ تُقْطَعُ وَإِنَّ النِّعَمَ تُكْفَرُ وَلَمْ يُرَ مِثْلُ تَفَاوُتِ الْقُلُوبِ ، رَوَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ كُلَّهُ فِي كِتَابِ الْعُزْلَةِ إلَّا قَوْلَهُ مَا يَنْفَعَ الْجَرْبَاءَ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : " لَا تُؤَاخِي الْأَحْمَقَ وَلَا الْفَاجِرَ ،

أَمَّا الْأَحْمَقُ فَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ شَيْنٌ عَلَيْك ، وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيُزَيِّنُ لَك فِعْلَهُ وَيَوَدُّ أَنَّك مِثْلَهُ " .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " لَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ : مَنْ إذَا حَدَّثَك كَذَبَك ، وَإِذَا ائْتَمَنْتَهُ خَانَك ، وَإِذَا ائْتَمَنَك اتَّهَمَك وَإِذَا أَنْعَمْت عَلَيْهِ كَفَرَك وَإِذَا أَنْعَمَ عَلَيْك مَنَّ عَلَيْك " .
وَقَالَ أَيْضًا : " اصْحَبْ مَنْ يَنْسَى مَعْرُوفَهُ عِنْدَك وَيُذَكِّرُك حُقُوقَك عَلَيْهِ " .
وَذُكِرَ لِلرِّيَاشِيِّ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ مَا رَأَيْت شِعْرًا أَشْبَهَ بِالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي وَصَاحِبْ أُولِي التَّقْوَى تَنَلْ مِنْ تُقَاهُمْ وَلَا تَصْحَبْ الْأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى حَلِيمًا حِينَ وَاخَاهُ يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ إذَا مَا هُوَ مَاشَاهُ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسُ بِأَزْمَانِهِمْ أَشْبَهُ مِنْهُمْ بِآبَائِهِمْ .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَالِطْ الْمُؤْمِنَ بِقَلْبِك وَخَالِطْ الْفَاجِرَ بِخُلُقِك كَانَ يُقَالُ يُمْتَحَنُ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : عِنْدَ هَوَاهُ إذَا هَوَى وَعِنْدَ غَضَبِهِ إذَا غَضِبَ ، وَعِنْدَ طَمَعِهِ إذَا طَمِعَ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَا لَك عِنْدَ صَدِيقِك فَأَغْضِبْهُ فَإِنْ أَنْصَفَك وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ .
كَانَ يُقَالُ لَا تُؤَاخِيَنَّ خَصِيًّا وَلَا ذِمِّيًّا وَلَا نُوبِيًّا ، فَإِنَّهُ لَا ثَبَاتَ لِمَوَدَّتِهِمْ قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ مَا كَشَفْت أَحَدًا قَطُّ إلَّا وَجَدْته دُونَ مَا كُنْت أَظُنُّ ، كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ : اُبْلُ الرِّجَالَ إذَا أَرَدْت إخَاهُمُ وَتَوَسَّمَنَّ أُمُورَهُمْ وَتَفَقَّدْ وَإِذَا ظَفِرْت بِذِي الْأَمَانَةِ وَالتُّقَى فَبِهِ الْيَدَيْنِ قَرِيرَ عَيْنٍ فَاشْدُدْ وَدَعِ

التَّذَلُّلَ وَالتَّخَشُّعَ تَبْتَغِي قُرْبَ الَّذِي إنْ تَدْنُ مِنْهُ يَبْعُدْ وَقَالَ آخَرُ : قَدْ كُنْت أَحْمَدُ أَمْرِي فِيك مُبْتَدِئًا فَقَدْ ذَمَمْت الَّذِي حَمِدْت فِي الصَّدْرِ وَقَالَ آخَرُ : وَلَا تَسْمَحْ بِحَظِّك مِنْهُ بَلْ كُنْ بِحَظِّك مِنْ مَوَدَّتِهِ ضَنِينَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَفَرَّدَ بِالْكَمَالِ وَلَمْ يَبْرَأْ أَحَدٌ مِنْ النُّقْصَانِ وَسَبَقَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَنْ يَجِبُ هَجْرُهُ هَلْ يَجُوزُ الْهَجْرُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ؟ وَقَوْلُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا كَانَ لَك أَخٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُمَارِهِ : وَلَا تَسْمَعْ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ فَرُبَّمَا قَالَ لَك مَا لَيْسَ فِيهِ فَحَالَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَكَان آخَرَ أَنَّهُ قَالَ وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا فَلَرُبَّمَا أَخْبَرَك بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَحَالَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَرَدْت لِكَيْمَا أَنْ تَرَى لِي زَلَّةً وَمَنْ ذَا الَّذِي يُعْطَى الْكَمَالَ فَيَكْمُلُ .

قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَقَدْ عَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الصَّدِيقِ عِنْدَ أَهْلِ النَّارِ أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْله تَعَالَى حَاكِيًا عَنْهُمْ : { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقًا حَتَّى يَحْفَظَ الصَّدِيقَ فِي غَيْبَتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ إذَا تَعَادَى اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ بِطَانَتِهِ لَا يَسْمَعُ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي صَاحِبِهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَيَقُولُ الْعَدَاوَةُ تُزِيلُ الْعَدَالَةَ .
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اُبْذُلْ لِصَدِيقِك كُلَّ الْمُرُوءَةِ وَلَا تَبْذُلْ لَهُ كُلَّ الطُّمَأْنِينَةِ وَأَعْطِهِ مِنْ نَفْسِك كُلَّ الْمُوَاسَاةِ وَلَا تُفْضِ إلَيْهِ بِكُلِّ الْأَسْرَارِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ عَلَامَةِ الصَّدِيقِ أَنْ يَكُونَ لِصَدِيقِ صَدِيقِهِ صَدِيقًا وَلِعَدُوِّ صَدِيقِهِ عَدُوًّا ، أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ : عَدُوُّ صَدِيقِي دَاخِلٌ فِي عَدَاوَتِي وَإِنِّي لِمَنْ وَدَّ الصَّدِيقَ وَدُودُ فَلَا تَقْتَرِبْ مِنِّي وَأَنْتَ عَدُوُّ مَنْ أُصَادِقُهُ فَالْخَيْرُ مِنْك بَعِيدُ وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ عَلَى مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ صَدِيقُ عَدُوِّي دَاخِلٌ فِي عَدَاوَتِي وَإِنِّي عَلَى وُدِّ الصَّدِيقِ صَدِيقُ أُعَادِي الَّذِي عَادَى وَأَهْوَى لَهُ الْهَوَى كَأَنِّي مِنْهُ فِي هَوَاهُ شَقِيقُ قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ ثَقُلَ عَلَى صَدِيقِهِ خَفَّ عَلَى عَدُوِّهِ وَمَنْ أَسْرَعَ إلَى النَّاسِ بِمَا يَكْرَهُونَ : قَالُوا فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ .
جَمَعَ كِسْرَى يَوْمًا مَرَازِبَتَهُ وَعُيُونَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَنْتُمْ أَشَدُّ حَذَرًا ؟ قَالُوا مِنْ الْعَدُوِّ الْفَاجِرِ وَالصَّدِيقِ الْغَادِرِ .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ اتَّقِ الْعَدُوَّ وَكُنْ مِنْ الصَّدِيقِ عَلَى حَذَرٍ فَإِنَّ الْقُلُوبَ إنَّمَا سُمِّيَتْ قُلُوبًا لِتَقَلُّبِهَا قَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ : احْذَرْ مَوَدَّةَ مَاذِقٍ مَزَجَ الْمَرَارَةَ بِالْحَلَاوَهْ يُحْصِي الذُّنُوبَ عَلَيْكَ أَيَّامَ الصَّدَاقَةِ لِلْعَدَاوَهْ .
وَقَالَ صَالِحٌ : إذَا وَتَرْتَ امْرَأً

فَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ مَنْ يَزْرَعْ الشَّوْكَ لَا يَحْصُدْ بِهِ عِنَبَا إنَّ الْعَدُوَّ وَإِنْ أَبْدَى مُسَالَمَةً إذَا رَأَى مِنْك يَوْمًا فُرْصَةً وَثَبَا وَقَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ : عَدُوُّك مِنْ صَدِيقِك مُسْتَفَادٌ وَأَقْلِلْ مَا اسْتَطَعْت مِنْ الصِّحَابِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ يَكُونُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ وَقَالَ آخَرُ : إذَا مَا الْمَرْءُ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ فَبِرُّ صَدِيقِهِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَإِنْ عَنْهُ الصَّدِيقُ أَقَامَ يَوْمًا فَوَجْهُ الْبِرِّ أَنْ يَسْعَى إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الصَّدِيقُ قَلِيلَ مَالٍ يَضِيقُ بِذَرْعِهِ مَا فِي يَدَيْهِ فَمِنْ أَسْنَى فِعَالِ الْمَرْءِ أَنْ لَا يَضِنَّ عَلَى الصَّدِيقِ بِمَا لَدَيْهِ .

وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا } تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا ؟ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُ عَائِشَةَ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مَا يَمْنَعُك مِنْ زِيَارَتِنَا قَالَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ : زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا .
وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا { زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا } أَخَذَهُ الشَّاعِرُ فَقَالَ : إذَا شِئْت أَنْ تُقْلَى فَزُرْ مُتَوَاتِرَا وَإِنْ شِئْت أَنْ تَزْدَادَ حُبًّا فَزُرْ غِبَّا وَلِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْكَاتِبِ : إنِّي رَأَيْتُك لِي مُحِبَّا وَلِي حِينَ أَغِيبُ صَبَّا فَهَجَرْت لَا لِمَلَالَةٍ حَدَثَتْ وَلَا اسْتَحْدَثْتُ ذَنْبَا إلَّا لِقَوْلِ نَبِيِّنَا زُورُوا عَلَى الْأَيَّامِ غِبَّا وَلِقَوْلِهِ مَنْ زَارَ غِبَّا مِنْكُمْ يَزْدَادُ حُبَّا وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَضَعْ الزِّيَارَةَ حَيْثُ لَا يُزْرِي بِنَا كَرَمُ الْمَزُورِ وَلَا يُعَابُ الزَّائِرُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلِبَعْضِ أَهْلِ هَذَا الْعَصْرِ : أَزُورُ خَلِيلِي مَا بَدَا لِي هَشُّهُ وَقَابَلَنِي مِنْهُ الْبَشَاشَةُ وَالْبِشْرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَشٌّ وَبَشٌّ تَرَكْتُهُ وَلَوْ كَانَ فِي اللُّقْيَا الْوِلَايَةُ وَالْبِشْرُ وَحَقُّ الَّذِي يَنْتَابُ دَارِي زَائِرًا طَعَامٌ وَبِرٌّ قَدْ تَقَدَّمَهُ بِشْرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا مَرِضْتُمْ أَتَيْنَاكُمْ نَزُوركُمْ وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ وَنَعْتَذِرُ وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ : مَا لِي مَرِضْت فَلَمْ يَعُدْنِي عَائِدٌ مِنْكُمْ وَيَمْرَضُ كَلْبُكُمْ فَأَعُودُ وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ : عَلَيْكَ بِإِقْلَالِ الزِّيَارَةِ إنَّهَا تَكُونُ إذَا دَامَتْ إلَى الْهَجْرِ مَسْلَكَا فَإِنِّي رَأَيْت الْقَطْرَ يُسْأَمُ دَائِمًا وَيُسْأَلُ بِالْأَيْدِي إذَا هُوَ أَمْسَكَا وَادَّعَى أَبُو بِشْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَنَّ الْبَيْتَيْنِ لَهُ فِي شِعْرٍ طَوِيلٍ .
وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ : وَطُولُ لِقَاءِ

الْمَرْءِ فِي الْحَيِّ مُخْلِقٌ لِدِيبَاجَتَيْهِ فَاغْتَرِبْ تَتَجَدَّدْ فَإِنِّي رَأَيْت الشَّمْسَ زِيدَتْ مَحَبَّةً عَلَى النَّاسِ أَنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ وَقَالَ ابْنُ وَكِيعٍ : إنْ كَانَ قَدْ بَعُدَ اللِّقَاءُ فَوُدُّنَا بَاقٍ وَنَحْنُ عَلَى النَّوَى أَحْبَابُ كَمْ قَاطِعٍ لِلْوَصْلِ يُؤْمَنُ وُدُّهُ وَمُوَاصِلٌ بِوِدَادِهِ مَنْ تَابَ وَقَالَ الطَّائِيُّ : وَلَئِنْ جَفَوْتُك فِي الْعِيَادَةِ إنَّنِي لِبَقَاءِ جِسْمِك فِي الدُّعَاءِ لَجَاهِدُ وَلَرُبَّمَا تَرَكَ الْعِيَادَةَ مُشْفِقٌ وَطَوَى عَلَى غِلِّ الضَّمِيرِ الْعَائِدُ وَلَهُ أَيْضًا : ذُو الْفَضْلِ لَا يَسْلَمُ مِنْ قَدْحٍ وَإِنْ غَدَا أَقْوَمَ مِنْ قَدْحٍ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ الْحَنْبَلِيِّ أَنْشَدُوا : لَا تُضْجِرَنَّ عَلِيلًا فِي مُسَاءَلَةٍ إنَّ الْعِيَادَةَ يَوْمًا بَيْنَ يَوْمَيْنِ بَلْ سَلْهُ عَنْ حَالِهِ وَادْعُ الْإِلَهَ لَهُ وَاجْلِسْ بِقَدْرِ فُوَاقٍ بَيْنَ حَلْبَيْنِ مَنْ زَارَ غِبًّا أَخًا دَامَتْ مَوَدَّتُهُ وَكَانَ ذَاكَ صَلَاحًا لِلْخَلِيلَيْنِ وَفِيهَا أَيْضًا نُقِلَ عَنْ إمَامِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَهُ وَلَدُهُ يَا أَبَتِ إنَّ جَارَنَا فُلَانًا مَرِيضٌ فَمَا تَعُودُهُ قَالَ يَا بُنَيَّ مَا عَادَنَا فَنَعُودُهُ .
وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إذَا كَثُرَ الْأَخِلَّاءُ كَثُرَ الْغُرَمَاءُ .
وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ كَثْرَةُ أَصْدِقَاءِ الْمَرْءِ مِنْ سَخَافَةِ دِينِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ مَا لَمْ يُدَاهِنْهُمْ وَلَمْ يُجَابِهُّمْ لَمْ يَكْثُرُوا ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ إنَّمَا هِيَ فِي أَهْلِ الرِّيبَةِ ، إذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ لَمْ يَصْحَبْ إلَّا الْأَبْرَارَ وَالْأَتْقِيَاءَ وَفِيهِمْ قِلَّةٌ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى وَيُعْطِي الْإِخْوَانَ حُقُوقَهُمْ فَتَرَكَ وَاحِدًا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَرَكَهَا كُلَّهَا وَكَانَ يَقُولُ لَا يَتَهَيَّأُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُخْبِرَ بِكُلِّ عُذْرٍ .
وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ لَا تَعُدْ إلَّا مَنْ يَعُودُك وَلَا تَشْهَدْ جِنَازَةَ مَنْ لَا يَشْهَدُ جِنَازَتَك ، وَلَا تُؤَدِّ حَقَّ مَنْ

لَا يُؤَدِّي حَقَّكَ فَإِنْ عَدَلْت عَنْ ذَلِكَ فَأَبْشِرْ بِالْجَوْرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرَادُ بِهِ التَّأْدِيبُ وَالتَّقْوِيمُ دُونَ الْمُكَافَأَةِ ، وَالْمُجَازَاةِ وَبَعْضُ هَذَا مِمَّا يُرَاضُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ وَقَدْ رُوِيَ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَك مِثْلَ الَّذِي تَرَى لَهُ } رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِ الْعُزْلَةِ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ رِضَى النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدْرَكُ لَيْسَ إلَى السَّلَامِ مِنْ النَّاسِ سَبِيلٌ فَانْظُرْ مَا فِيهِ صَلَاحُ نَفْسِك فَالْزَمْهُ وَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ فِيهِ وَعَنْهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : أَصْلُ كُلِّ عَدَاوَةٍ الصَّنِيعَةُ إلَى الْأَنْذَالِ .

رَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ قَالَ إذَا أَخْطَأْتِ الصَّنِيعَةَ إلَى مَنْ يَتَّقِي اللَّهَ فَاصْطَنِعْهَا إلَى مَنْ يَتَّقِي الْعَارَ وَعَنْ لُقْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَا تَكُنْ حُلْوًا وَلَا تَكُنْ مُرًّا فَتُلْفَظْ وَلِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ مَنْ يَكُنْ لِلنَّاسِ حُلْوًا يَثْبُتُ النَّاسُ عَلَيْهِ .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إيَّاكَ وَكُلَّ جَلِيسٍ لَا يُفِيدُك عِلْمًا .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ إيمَانًا صُحْبَةُ الْفَقِيهِ ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ ، وَالصِّيَامُ .
وَتَبَاعَدَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ يَوْمًا فِي مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ فِي حِكْمَةِ لُقْمَانَ وَوَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ إذَا جَلَسْت إلَى ذِي سُلْطَانٍ فَلْيَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مَقْعَدُ رَجُلٍ فَلَعَلَّهُ يَأْتِيهِ مَنْ هُوَ آثَرُ عِنْدَهُ مِنْك فَيُنَحِّيكَ فَيَكُونُ نَقْصًا عَلَيْكَ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ رَجُلَانِ ظَالِمَانِ يَأْخُذَانِ غَيْرَ حَقِّهِمَا رَجُلٌ وُسِّعَ لَهُ فِي مَجْلِسٍ ضَيِّقٍ فَتَرَبَّعَ وَانْتَفَخَ ، وَرَجُلٌ أُهْدِيَتْ لَهُ نَصِيحَةٌ فَجَعَلَهَا ذَنْبًا وَقَالَ زِيَادٌ يُعْجِبُنِي مِنْ الرِّجَالِ مَنْ إذَا أَتَى مَجْلِسًا يَعْرِفُ أَيْنَ يَكُونُ مَجْلِسُهُ وَإِنِّي لَآتِي الْمَجْلِسَ فَأَدَعُ مَالِي مَخَافَةَ أَنْ أَدْفَعَ عَمَّا لَيْسَ لِي وَكَانَ الْأَحْنَفُ إذَا أَتَاهُ رَجُلٌ أَوْسَعَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ أَرَاهُ كَأَنَّهُ يُوسِعُ لَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَا تُجَالِسْ عَدُوَّكَ فَإِنَّهُ يَحْفَظُ عَلَيْك سَقَطَاتِك وَيُمَارِيك فِي صَوَابِك وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْجَلِيسَ يَقُولُ الْقَوْلَ تَحْسَبُهُ خَيْرًا ، وَهَيْهَاتَ ؛ فَانْظُرْ مَا بِهِ الْتَمَسَ .
انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ .
وَقَالَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ : إذَا أَدْنَاك سُلْطَانٌ فَزِدْهُ مِنْ التَّعْظِيمِ وَاحْذَرْهُ وَرَاقِبْ فَمَا السُّلْطَانُ إلَّا الْبَحْرُ عِظَمًا

وَقُرْبُ الْبَحْرِ مَحْذُورُ الْعَوَاقِبْ وَقِيلَ إذَا زَادَك الْمَلِكُ تَأْنِيسًا فَزِدْهُ إجْلَالًا ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يُعَظِّمُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَيُحْضِرُهُ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ وَامْتَنَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْعَوْلِ زَمَنَ عُمَرَ وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْته وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ زَالَ عَنْ أَبْصَارِ الْمُلُوكِ زَالَ عَنْ قُلُوبِهِمْ .
وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ مِنْ آدَابِ صُحْبَةِ الْمُلُوكِ أَنْ لَا يُسْأَلَ الْمَلِكُ عَنْ حَالِهِ وَلَا يُشَمَّتْ وَلَا يُعَلَّمْ وَلَا يُسَلَّمْ عَلَيْهِ ، كَذَا قَالَ وَالصَّوَابُ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الزَّمَانِ وَعَادَةِ الْمُلُوكِ وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَخُوك مَنْ ذَكَّرَك الْعُيُوبَ وَصَدِيقُك مَنْ حَذَّرَك الذُّنُوبَ .
وَقَالَ الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ : لَقَدْ صَدَقُوا وَلِلرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى بِأَنَّ مَوَدَّاتِ الْعِدَى لَيْسَ تَنْفَعُ وَلَوْ أَنَّنِي دَارَيْت دَهْرِي حَيَّةً إذَا اسْتَمْكَنَتْ يَوْمًا مِنْ اللَّسْعِ تَلْسَعُ وَقَالَ ابْنُ وَكِيعٍ : لَاقِ بِالْبِشْرِ مَنْ لَقِيت مِنْ النَّاسِ وَعَاشِرْ بِأَحْسَنِ الْإِنْصَافِ لَا تُخَالِفْ وَإِنْ أَتَوْا بِمُحَالٍ تَسْتَفِدْ وُدَّهُمْ بِتَرْكِ الْخِلَافِ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الْوَرَعِ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ مَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ طَيِّبٍ يُنْفِقُهُ صَاحِبُهُ فِي حَقِّهِ أَوْ أَخٍ تَسْكُنُ إلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا يَزْدَادَانِ إلَّا قِلَّةً وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ { شَيْئَانِ لَا يَزْدَادَانِ إلَّا قِلَّةً : دِرْهَمٌ حَلَالٌ ، أَوْ أَخٌ فِي اللَّهِ تَسْكُنُ إلَيْهِ } وَقَالَ ابْنُ عَجْلَانَ ثَلَاثَةٌ لَا أَقَلَّ مِنْهُنَّ وَلَا يَزْدَدْنَ إلَّا قِلَّةً : دِرْهَمٌ حَلَالٌ تُنْفِقُهُ فِي حَلَالٍ ، وَأَخٌ فِي اللَّهِ تَسْكُنُ إلَيْهِ وَأَمِينٌ تَسْتَرِيحُ إلَى الثِّقَةِ بِهِ .

وَرَوَى الْخَلَّالُ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يُصَاحِبَ خَمْسَةً : الْمَاجِنَ وَالْكَذَّابَ ، وَالْأَحْمَقَ وَالْبَخِيلَ ، وَالْجَبَانَ فَأَمَّا الْمَاجِنُ فَعَيْبٌ إنْ دَخَلَ عَلَيْك ، وَعَيْبٌ إنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِك ، لَا يُعِينُ عَلَى مُعَادٍ وَيَتَمَنَّى أَنَّك مِثْلُهُ ، وَأَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ يَنْقُلُ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ إلَى هَؤُلَاءِ ، وَيُلْقِي الشِّحْنَةِ فِي الصُّدُورِ وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُرْشِدُ لِسُوءٍ يَصْرِفُهُ عَنْك ، وَرُبَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرّكَ فَبُعْدُهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ وَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَأَحْوَجُ مَا تَكُونُ إلَيْهِ أَبْعَدَ مَا تَكُونُ مِنْهُ ، فَفِي أَشَدِّ حَالَاتِهِ يَهْرُبُ وَيَدَعُك .
.
وَرَوَاهُ الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا وَغَيْرُهُ بِنَحْوِهِ وَمَعْنَاهُ .
إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الْمَاجِنَ وَالْجَبَانَ وَذَكَرُوا الْفَاسِقَ قَالَ فَإِنَّهُ بَائِعُك بِأَكْلَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا لِلطَّمَعِ فِيهَا ، ثُمَّ لَا يَنَالُهَا وَقَاطِعَ رَحِمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْبَقَرَةِ وَالرَّعْدِ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا .
وَقَالَ الرَّبِيعُ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ ثَلَاثَةٌ إنْ أَهَنْتهمْ أَكْرَمُوك وَإِنْ أَكْرَمْتهمْ أَهَانُوك الْمَرْأَةُ وَالْمَمْلُوكُ وَالنَّبَطِيُّ وَقَالَ أَيْضًا سَمِعْت الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ مَا رَفَعْت أَحَدًا قَطُّ فَوْقَ قَدْرِهِ إلَّا غَضَّ مِنِّي بِقَدْرِ مَا رَفَعْت مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِي الْخَبَرِ الْأَوَّلِ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ مَا سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ الشَّيْءَ قَطُّ أَظُنُّهُ كَذَا إلَّا كَانَ كَمَا يَظُنُّ : وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ صِحَّةُ الظَّنِّ مِنْ قُوَّةِ الذَّكَاءِ وَالْفَطِنَةِ فَإِنَّ الْفَطِنَ يَرَى مِنْ السِّمَاتِ وَالْأَمَارَاتِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْخَفِيِّ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ظَنُّ الْعَاقِلِ كَهَانَةٌ وَقَالَ آخَرُ : إذَا رَأَيْت

الرَّجُلَ مُوَلِّيًا عَلِمْت قِيلَ فَإِنْ رَأَيْت وَجْهَهُ قَالَ ذَاكَ حِينَ أَقْرَأُ مَا فِي قَلْبِهِ كَالْخَطِّ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَدْ كَانُوا يَعْتَبِرُونَ أَحْوَالَ الرَّجُلِ بِخَلْقِهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ احْذَرْ الْأَعْوَرَ وَالْأَحْوَلَ وَالْأَعْرَجَ وَالْأَحْدَبَ وَالْكَوْسَجَ وَكُلَّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ فِي بَدَنِهِ وَكُلَّ نَاقِصِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ خُبْثٍ وَقَالَ مَرَرْت فِي طَرِيقِي بِفِنَاءِ دَارِ رَجُلٍ أَزْرَقِ الْعَيْنِ نَاتِئِ الْجَبْهَةِ سُنَاطَ فَقُلْت هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَذَا النَّعْتُ أَخْبَثُ مَا يَكُونُ فِي الْفِرَاسَةِ فَأَنْزَلَنِي وَأَكْرَمَنِي فَقُلْت أَغْسِلُ كُتُبَ الْفِرَاسَةِ إذَا رَأَيْت هَذَا فَلَمَّا أَصْبَحْت قُلْت لَهُ إذَا قَدِمْت مَكَّةَ فَسَلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ أَمَوْلًى لِأَبِيكَ كُنْت قُلْت لَا قَالَ أَيْنَ مَا تَكَلَّفْت لَك الْبَارِحَةَ ؟ فَوَزَنْت لَهُ مَا تَكَلَّفَ وَقُلْت بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ ؟ قَالَ كِرَاءُ الدَّارِ ضَيَّقْت عَلَى نَفْسِي ، فَوَزَنْت لَهُ فَقَالَ امْضِ أَخْزَاك اللَّهُ فَمَا رَأَيْت شَرًّا مِنْك .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فُلَانٌ يُبْغِضُك فَقَالَ لَيْسَ فِي قُرْبِهِ أُنْسٌ وَلَا فِي بُعْدِهِ وَحْشَةٌ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ كُنْ مِنْ الْكَرِيمِ عَلَى حَذَرٍ إذَا أَهَنْته وَمِنْ اللَّئِيمِ إذَا أَكْرَمْته وَمِنْ الْعَاقِلِ إذَا أَحْرَجْته ، وَمِنْ الْأَحْمَقِ إذَا مَازَحْته وَمِنْ الْفَاجِرِ إذَا عَاشَرْته وَلَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ أَنْ تُجِيبَ مَنْ لَا يَسْأَلُك أَوْ تَسْأَلَ مَنْ لَا يُجِيبُك أَوْ تُحَدِّثَ مَنْ لَا يُنْصِتُ لَك وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ سَمِعْت أَعَرَابِيًّا يَقُولُ حَمْلُ الْمِنَنِ أَثْقَلُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْعَدَمِ وَقَالَ ابْنُ نَبَاتَةَ : مَا الذُّلُّ إلَّا تَحَمُّلُ الْمِنَنِ فَكُنْ عَزِيزًا إنْ شِئْت أَوْ فَهُنْ وَأَنْشَدَ غُلَامٌ هَاشِمِيٌّ لِنِفْطَوَيْهِ : كَمْ صَدِيقٍ مَنَحْته صَفْوَ وُدِّي فَجَفَانِي وَمَلَّنِي وَقَلَانِي مَلَّ مَا مَلَّ ثُمَّ عَاوَدَ وَصْلِي بَعْدَمَا مَلَّ صُحْبَةَ

الْإِخْوَانِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ وَالْبَيْتُ السَّائِرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى .
وَقَالَ آخَرُ عَتَبْت عَلَى بِشْرٍ فَلَمَّا جَفَوْته وَصَاحَبْت أَقْوَامًا بَكَيْت عَلَى بِشْرِ وَقَالَ آخَرُ : عَتَبْت عَلَى سَعْدٍ فَلَمَّا فَقَدْته وَجَرَّبْت أَقْوَامًا بَكَيْت عَلَى سَعْدِ وَقَالَ آخَرُ : وَنَعْتِبُ أَحْيَانًا عَلَيْهِ وَلَوْ مَضَى لَكُنَّا عَلَى الْبَاقِي مِنْ النَّاسِ أَعْتَبَا .

وَرَوَى الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بِإِسْنَادِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا غَيْرُهُ وَالْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { صَحِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبًا فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْضَتَهُ فَقَطَعَ غُصْنَيْنِ أَحَدُهُمَا أَعْوَجُ ، وَالْآخَرُ مُسْتَقِيمٌ فَدَفَعَ إلَى صَاحِبِهِ الْمُسْتَقِيمَ ، وَأَمْسَكَ الْأَعْوَجَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا فَقَالَ : كَلًّا ، مَا مِنْ صَاحِبٍ يَصْحَبُ صَاحِبًا وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
وَرَوَوْا أَيْضًا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا { الْمَرْءُ كَبِيرٌ بِأَخِيهِ وَلَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَك مِثْلَ مَا تَرَى لَهُ } وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَإِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَخِي أَنْ أَرَى لَهُ عَلَيَّ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي لَا يَرَى لِيَا قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَرَى أَنَّ لِي عَلَيْهِ حَقًّا حَسَبَ مَا أَرَى لَهُ مِنْ وُجُوبِ حَقِّهِ عَلَى هَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى خَبَرِ سَهْلٍ الْمَذْكُورِ وَقِيلَ : الْمَعْنَى إنِّي أَسْتَحْيِي أَخِي أَنْ أَرَى لَهُ عِنْدِي مِنْ فَضْلٍ سَابِقٍ مِنْهُ مَا لَا يَرَى لِي عِنْدَهُ مِنْ فَضْلٍ فَيَكُونُ قَدْ أَثْبَتَ عِنْدِي حَقًّا لَمْ أُثْبِتْ لِنَفْسِي عِنْدَهُ مِنْ الْحَقِّ مِثْلَهُ .
قَالَ الْقَاضِي الْمُعَافَى وَهَذَا أَصَحُّ وَخَبَرُ سَهْلٍ جَارٍ عَلَى عَكْسِ هَذَا الطَّرِيقِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ لَوْ كَانَ قِيلَ فِيهِ وَلَا خَيْرَ لِمَنْ صُحْبَته فِي صُحْبَتِك إذَا لَمْ تَرَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ مِثْلَ الَّذِي يَرَى لَك .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا خَيْرَ فِي صُحْبَةِ مَنْ لَا يَرَى لَك كَاَلَّذِي يَرَى لِنَفْسِهِ } قَالَ الشَّاعِرُ : وَإِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَخِي أَنْ أَبَرَّهُ قَرِيبًا وَأَنْ أَجْفُوهُ وَهْوَ بَعِيدُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيُّ مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِإِخْوَانِهِ قَلَّتْ مَعُونَتُهُ وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالسُّلْطَانِ ذَهَبَتْ دُنْيَاهُ .

وَنَظِيرُهُ قَوْلُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْنُ الزَّمَانُ مَنْ رَفَعْنَاهُ ارْتَفَعَ وَمَنْ وَضَعْنَاهُ اتَّضَعَ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي التَّفَرُّحِ بِالْمُفَاوَضَةِ إلَى الْإِخْوَانِ وَالتَّشَكِّي إلَى أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْأَقْدَارِ وَذَوِي الرِّعَايَةِ وَالْأَخْطَارِ مِثْلَ قَوْلِ بَشَّارٍ : وَأَبْثَثْتُ عَمْرًا بَعْضَ مَا فِي جَوَانِحِي وَجَرَّعْته مِنْ مُرِّ مَا أَتَجَرَّعُ وَلَا بُدَّ مِنْ شَكْوَى إلَى ذِي حَفِيظَةٍ إذَا جَعَلْت أَسْرَارَ نَفْسٍ تَطَلَّعُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ شَرْحِ السُّنَّةِ : وَإِذَا رَأَيْت الرَّجُلَ رَدِيءَ الطَّرِيقِ وَالْمَذْهَبِ فَاسِقًا فَاجِرًا صَاحِبَ مَعَاصٍ ظَالِمًا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَاصْحَبْهُ وَاجْلِسْ مَعَهُ فَإِنَّك لَنْ تَضُرَّك مَعْصِيَتُهُ وَإِذَا رَأَيْت عَابِدًا مُجْتَهِدًا مُتَقَشِّفًا مُتَحَرِّفًا بِالْعِبَادَةِ صَاحِبَ هَوًى فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُ وَلَا تَسْمَعْ كَلَامَهُ وَلَا تَمْشِ مَعَهُ فِي طَرِيقٍ ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ تَسْتَحْلِيَ طَرِيقَتَهُ فَتَهْلِكَ مَعَهُ .
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّبْصِرَةِ لَهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِذَا رَأَيْت الشَّابَّ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَأَرْجِهْ وَإِذَا رَأَيْته مَعَ أَصْحَابِ الْبِدَع فَايئَسْ مِنْهُ فَإِنَّ الشَّابَّ عَلَى أَوَّلِ نُشُوئِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ السِّرِّ الْمَكْتُومِ لَمَّا ذَكَرَ الْمُعْتَزِلَةَ وَغَيْرَهُمْ وَالْفَلَاسِفَةَ قَالَ اللَّهَ اللَّهَ مِنْ مُصَاحَبَةِ هَؤُلَاءِ ، وَيَجِبُ مَنْعُ الصِّبْيَانِ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ لِئَلَّا يَثْبُتَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاشْغَلُوهُمْ بِأَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتُعْجَنَ بِهَا طَبَائِعُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُسَدَّدٍ : وَلَا تُشَاوِرْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي دِينِك ،

==================ج14.=====================ج14.==========

ح14.


الكتاب : الآداب الشرعية
المؤلف : شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيّ


وَلَاتُرَافِقْهُ فِي سَفَرِك وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْهَى عَنْ مُخَالَطَةِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا وَعَنْ النَّظَرِ إلَيْهِمْ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِمْ ، وَيَأْمُرُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَمُخَالَطَةِ الصَّالِحِينَ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ : أَنْشَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ وَيُقَالُ إنَّهَا لَهُ : إنْ صَحِبْنَا الْمُلُوكَ تَاهُوا وَعَقُّوا وَاسْتَخَفُّوا كِبْرًا بِحَقِّ الْجَلِيسِ أَوْ صَحِبْنَا التُّجَّارَ صِرْنَا إلَى الْبُؤْسِ وَعُدْنَا إلَى عَدَّادِ الْفُلُوسِ فَلَزِمْنَا الْبُيُوتَ نَسْتَخْرِجُ الْعِلْمَ وَنَمْلَأُ بِهِ بُطُونَ الطُّرُوسِ وَقَالَ الْقَاضِي يَرْوِي عَنْ شَيْخِنَا إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ اسْتَزَارَهُ الْمُعْتَضِدُ وَقَرَّبَهُ وَأَجَازَهُ فَرَدَّ جَائِزَتَهُ فَقَالَ لَهُ : اُكْتُمْ مَجْلِسَنَا وَلَا تُخْبِرْ بِمَا فَعَلْنَا وَبِمَا قَابَلْتنَا بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَرْبِيُّ لِي إخْوَانٌ لَوْ عَلِمُوا بِاجْتِمَاعِي لَهَجَرُونِي .
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَضْلِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهَذِهِ إشَارَةٌ فِيهَا كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ أَنَا أَقُولُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَدُّ الصَّدَاقَةِ اكْتِسَابُ نَفْسٍ إلَى نَفْسِك ، وَرُوحٍ إلَى رُوحِك وَهَذَا الْحَدُّ يُرِيحُك عَنْ طَلَبِ مَا لَيْسَ فِي الْوُجُودِ حُصُولُهُ ؛ لِأَنَّ نَفْسَك الْأَصْلِيَّةَ لَا تُعْطِيكَ مَحْضَ النَّفْعِ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ إضْرَارٌ فَالنَّفْسُ الْمُكْتَسَبَةُ لَا تَطْلُبُ مِنْهَا هَذَا الْعِيَارَ وَقَدْ بَيَّنْت الْعِلَّةَ فِي تَعَذُّرِ الصَّفْوِ الْخَالِصِ وَهِيَ تَغَايُرُ الْأَمْزِجَةِ ، وَتَغْلِيبُ الْأَخْلَاطِ ، وَاخْتِلَافُ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَغْذِيَةِ فَإِنْ رَطِبَ وَرَاقَ بِالْمَاءِ وَرَقَّ بِالْهَوَاءِ ثَقُلَ وَرَسَبَ بِالتُّرَابِ ، وَإِنْ شَفَّ وَصَفَا بِالرُّوحِ كَثُفَ وَكَدُرَ بِالْجَسَدِ ، وَإِنْ اسْتَقَامَ بِالْعَقْلِ تَرَنَّحَ بِالْهَوَى وَإِنْ خَشَعَ بِالْمَوْعِظَةِ قَسَا بِالْغُرُورِ ، وَإِنْ لَطُفَ بِالْفِكْرِ غَلُظَ بِالْغَفْلَةِ ، وَإِنْ سَخَا بِالرَّجَاءِ بَخِلَ بِالْقُنُوطِ .
فَإِذَا كَانَتْ الْخِلَالُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ بِهَذِهِ الْمُشَاكَلَةِ مِنْ التَّنَافُرِ ، كَيْفَ يُطْلَبُ مِنْ الشَّخْصَيْنِ الْمُتَغَايِرَيْنِ بِالْخِلْقَةِ ، وَالْأَخْلَاقِ الِاتِّفَاقُ ، وَالِائْتِلَافُ ؟ فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَفَادَتْ شَيْئَيْنِ : إقَامَةَ الْأَعْذَارِ وَحُسْنَ التَّأْوِيلِ الْحَافِظِ لِلْمَوَدَّاتِ وَالدُّخُولَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِأَنَّ مَا يَنْدُرُ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى أَخْلَاقِ الشَّخْصِ مَعَ الشَّخْصِ فَهُمَا الصَّدِيقَانِ ، فَأَمَّا طَلَبُ الدَّوَامِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْإِخْلَالِ فِي ذَلِكَ وَالِانْخِرَامُ فَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ الْقَوْلَ لِمَنْ قَالَ إنَّ الصَّدِيقَ اسْمٌ لِمَنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى الْوُجُودِ وَإِنْ تَبِعَ ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا وَجَبَ إفْلَاسُ الْمُسَمَّيَاتِ .
فَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَبْدًا مَعَ ارْتِكَابِ الْمُخَالَفَةِ فَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مِنْ طَرِيقِ شَوَاهِدِ الصَّنْعَةِ الَّتِي تَنْطِقُ بِوَحْدَتِهِ فِيهَا بِغَيْرِ شَرِيكٍ لَهُ فِي إخْرَاجِهِ إلَى الْوُجُودِ ، فَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ

إجَابَةِ عَادَةِ الْعَبْدِ الْمَعْبُودِ فَلَا فَمَنْ لَا يَصْفُو لَهُ اسْمُ عَبْدٍ لِرَبٍّ أَبْدَأَهُ وَأَنْشَأَهُ وَلَا يَصْفُو لِنَفْسِهِ فِي اسْمٍ نَاصِحٍ لَهَا بِطَاعَةِ عَقْلِهِ ، وَعِصْيَانِ هَوَاهُ يُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَصْفُوَ فِيهِ اسْمُ صَدِيقٍ فَاقْنَعْ مِنْ الصَّدَاقَةِ بِمَا قَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْك فِي الْعُبُودِيَّةِ ، مَعَ أَنَّك مَا صَفَوْت فِي الِاسْمِ فَأَنْتَ إلَى أَنْ تَكُونَ عَبْدَ هَوَاكَ وَشَيْطَانُك أَقْرَبُ ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَتَهَا فِيهِ أَكْثَرُ إلَى أَنْ قَالَ وَلَا اقْتَصَرَ فِي ذَاكَ عَلَى الْآدَمِيِّ بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ صَدَرَ عَنْ الْفَاعِلِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ لَمْ يَصْفُ مِنْ شَوْبٍ حَتَّى الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ ذَاتِ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ إلَى أَنْ قَالَ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كُلُّهُ كَذَا فَطَلَبُ مَا وَرَاءَ الطِّبَاعِ طَلَبُ مَا لَا يُسْتَطَاعُ ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْعَنَتِ ، وَالتَّنَطُّعِ وَمَنْ طَلَبَ الْعَزِيزَ الْمُمْتَنِعَ عَذَّبَ نَفْسَهُ وَجَهَّلَ عَقْلَهُ وَضَلَّلَ رَأْيَهُ ، وَقَبِيحٌ بِالْعَقْلِ أَنْ يَعْتَمِدَ إضْرَارَ نَفْسِهِ وَإِتْعَابَهَا فِيمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا بِتَعْجِيلِ التَّعَبِ ضَرَرًا وَمَعَ كَوْنِ النَّفْسِ تَطْلُبُ الْكَمَالَ فِي الصَّدَاقَةِ وَفِي الْعَيْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ظَهَرَ إلَى الْوُجُودِ نَاقِصًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي طَيِّ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ ذَلِكَ وَيَسْتَخْرِجُهُ إلَى الْوُجُودِ وَقْتَ الْإِعَادَةِ وَإِرَادَةِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَمَنْحِهِ النَّعِيمَ الْبَاقِيَ .
ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ إلَى أَنْ قَالَ : يَقْطَعُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ إنْ وَجَدْت مِنْ نَفْسِك خِلَالَ الصَّدَاقَةِ وَشُرُوطَهَا مَعَ النَّقْدِ وَالِاخْتِبَارِ مِنْ الْهَوَى لَمْ تَجِدْ لِنَفْسِك ثَانِيًا فَقُلْ مَا شِئْت مِنْ اللَّوْمِ ، وَالْعَذْلِ وَالتَّوْبِيخِ وَنُحْ عَلَى أَبْنَاءِ الزَّمَانِ بِالْوَحْدَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، فَأَمَّا إذَا لَمْ تَجِدْ ذَاكَ فِي نَفْسِك لِعَجْزِ الْبِنْيَةِ عَنْهُ فَاقْطَعْ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ ، وَقَالَ أَيْضًا

صَدَاقَةُ الْعُقَلَاءِ قَرَابَةُ الْأَبَدِ ، وَمَحَبَّةُ الدُّخَلَاءِ فَرَحُ سَاعَةٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ : الْعَاقِلُ مَنْ لَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ وَلَمْ يَسْكُنْ إلَى مَخْلُوقٍ ، وَمَعَ هَذَا فَالْمُبَايَنَةُ لِلْكُلِّ لَا تَصْلُحُ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا تُبْتَغَى الْمُدَارَاةُ لَا الْمَوَدَّةُ ، وَالْمُسَايَرَةُ بِالْأَحْوَالِ لَا الْمُجَاهَرَةُ ، وَكِتْمَانُ الْأُمُورِ مِنْ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مَهْمَا أَمْكَنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ ، وَالنَّظَرُ لِلنَّفْسِ فِي مَصَالِحِهَا إلَى أَنْ قَالَ عَنْ الْفَقِيرِ لَا يُنْفِقُ إلَّا عَلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَأَقْبِلْ عَلَيْهِ تَرَى أَعْجَبَ الْعَجَبِ وَإِيَّاكَ أَنْ تَثِقَ بِغَيْرِهِ أَوْ تَمِيلَ إلَى سِوَاهُ فَتَلْقَى الْعَطَبَ وَهُوَ وَعِزَّتُهُ الَّذِي يَجِدُهُ الْمُضْطَرُّ فِي الشَّدَائِدِ وَالْمَحْزُونُ عِنْدَ الْهُمُومِ ، وَالْمَكْرُوبُ عِنْدَ الْغُمُومِ احْذَرْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا دَاءٌ دَفِينٌ لَا يُؤْمَنُ تَحَرُّكُهُ .
وَقَالَ أَيْضًا : مَتَى رَأَيْت الشَّخْصَ مُعْتَدِلَ الْخِلْقَةِ حَسَنَ الصُّورَةِ فَهُوَ إلَى الصَّلَاحِ أَقْرَبُ وَمَتَى رَأَيْت ذَا عَيْبٍ فَاحْذَرْهُ مِثْلَ الْكَوْسَجِ ، وَالْأَعْوَرِ ، وَالْأَعْمَى فَقَلَّ أَنْ تَرَى بِأَحَدٍ آفَةً فِي بَدَنِهِ إلَّا وَفِي بَطْنِهِ مِثْلُهَا ، وَإِذَا رَأَيْت عَيْبًا فِي شَخْصٍ فَلَا تُلِحَّنَّ عَلَيْهِ بِالتَّأْدِيبِ ، فَالطَّبْعُ عَلَيْهِ أَغْلَبُ وَدَارِهِ فَحَسْبُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّأْدِيبَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْبَذْرِ ، وَالْمُؤَدَّبُ كَالْأَرْضِ مَتَى كَانَتْ الْأَرْضُ رَدِيئَةً ضَاعَ الْبَذْرُ فِيهَا وَمَتَى كَانَتْ صَالِحَةً نَشَأَ وَنَمَا فَتَأَمَّلْ بِفِرَاسَتِك مَنْ تُخَاطِبُهُ وَتُؤَدِّبُهُ وَتُعَاشِرُهُ ، وَمِلْ إلَيْهِ بِقَدْرِ صَلَاحِ مَا تَرَى مِنْ بَدَنِهِ وَآدَابِهِ فَانْظُرْ إلَى الصُّنَّاعِ وَلَا تَنْظُرْ إلَى حَائِكٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ صَاحِبِ صِنَاعَةٍ خَسِيسَةٍ فَإِنَّك وَإِنْ رَأَيْت مِنْهُ خُلَّةً جَمِيلَةً فَالْكَدَرُ أَثْبَتُ وَالتَّجْرِبَةُ قَبْلَ الثِّقَةِ ، وَالْحَذَرُ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ وَقَلَّ مَنْ يَصْفُو فَإِنْ صَفَا فَقَلَّ أَنْ يَثْبُتَ خُذْ

مِنْ النَّاسِ جَانِبًا .
وَقَالَ أَيْضًا : يَنْبَغِي لِمَنْ صَحِبَ سُلْطَانًا أَوْ مُحْتَشِمًا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ مَعَهُ وَبَاطِنُهُ سَوَاءً فَإِنَّهُ قَدْ يَدُسُّ إلَيْهِ مَنْ يَخْتَبِرُهُ فَرُبَّمَا افْتُضِحَ فِي الِابْتِلَاءِ وَأَكْثَرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى .
وَقَالَ أَيْضًا كَانَ لِي أَصْدِقَاءُ وَإِخْوَانٌ فَرَأَيْت مِنْهُمْ الْجَفَاءَ فَأَخَذْت أَعْتِبُ فَقُلْت ، وَمَا يَنْفَعُ الْعِتَابُ ؟ فَإِنَّهُمْ إنْ صَلَحُوا فَلِلْعِتَابِ لَا لِلصَّفَاءِ فَهَمَمْت بِمُقَاطَعَتِهِمْ فَقُلْت لَا تَصْلُحُ مُقَاطَعَتُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُلَهُمْ إلَى دِيوَانِ الصَّدَاقَةِ الظَّاهِرَةِ فَإِنْ لَمْ يَصْلُحُوا لَهَا فَإِلَى جُمْلَةِ الْمَعَارِفِ وَمِنْ الْغَلَطِ أَنْ تُعَاتِبَهُمْ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : بِئْسَ الْأَخُ أَخٌ تَحْتَاجُ أَنْ تَقُولَ لَهُ اُذْكُرْنِي فِي دُعَائِك ، وَجُمْهُورُ النَّاسِ الْيَوْمَ مَعَارِفُ وَيَنْدُرُ مِنْهُمْ صَدِيقٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا الْأُخُوَّةُ وَالْمُصَافَاةُ فَذَلِكَ شَيْءٌ نُسِخَ فَلَا تَطْمَعْ فِيهِ وَمَا أَرَى الْإِنْسَانَ يَصْفُو لَهُ أَخُوهُ مِنْ النَّسَبِ وَلَا وَلَدُهُ وَلَا زَوْجَتُهُ فَدَعْ الطَّمَعَ فِي الصَّفَاءِ وَخُذْ عَنْ الْكُلِّ جَانِبًا وَعَامِلْهُمْ مُعَامَلَةَ الْغُرَبَاءِ وَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ بِمَنْ يُظْهِرُ لَك الْوُدَّ ، فَإِنَّهُ مَعَ الزَّمَانِ يُبَيِّنُ لَك الْخَلَلَ فِيمَا أَظْهَرَهُ وَقَدْ قَالَ الْفُضَيْلُ : إذَا أَرَدْت أَنْ تُصَادِقَ صَدِيقًا فَأَغْضِبْهُ فَإِنْ رَأَيْته كَمَا يَنْبَغِي فَصَادِقْهُ وَهَذَا الْيَوْمُ مُخَاطَرَةٌ ؛ لِأَنَّك إذَا أَغْضَبْت أَحَدًا صَارَ عَدُوًّا فِي الْحَالِ ، وَالسَّبَبُ فِي نَسْخِ حُكْمِ الصَّفَاءِ أَنَّ السَّلَفَ كَانَتْ هِمَّتُهُمْ الْآخِرَةَ وَحْدَهَا فَصَفَتْ نِيَّاتُهُمْ فِي الْأُخُوَّةِ وَالْمُخَالَطَةِ فَكَانَتْ دِينًا لَا دُنْيَا ، وَالْآنَ فَقَدْ اسْتَوْلَى حُبُّ الدُّنْيَا عَلَى الْقُلُوبِ فَإِنْ رَأَيْت مُتَعَلِّقًا فِي بَابِ الدِّين فَأَخْبَرْ تَقْلُهُ وَقَالَ أَيْضًا رَأَيْت نَفْسِي تَأْنَسُ بِخُلَطَاءَ تُسَمِّيهِمْ أَصْدِقَاءَ فَبَحَثْت التَّجَارِبَ فَإِذَا أَكْثَرُهُمْ حُسَّادٌ عَلَى النِّعَمِ ، وَأَعْدَاءٌ لَا يَسْتُرُونَ

زَلَّةً ، وَلَا يَعْرِفُونَ لِجَلِيسٍ حَقًّا وَلَا يُوَاسُونَ مِنْ مَالِهِمْ صَدِيقًا فَتَأَمَّلْت الْأَمْرَ فَإِذَا أَكْثَرُهُمْ حُسَّادٌ عَلَى النِّعَمِ ، فَإِذَا الْحَقُّ سُبْحَانَهُ يَغَارُ عَلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْعَلَ بِهِ شَيْئًا يَأْنَسُ بِهِ فَهُوَ يَكْدَرُ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا لِيَكُونَ أُنْسَهُ بِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَعُدَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مَعَارِفَ وَلَا تُظْهِرْ سِرَّكَ لِمَخْلُوقٍ مِنْهُمْ وَلَا تَعُدَّنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِشِدَّةٍ بَلْ عَامِلْهُمْ بِالظَّاهِرِ وَلَا تُخَالِطْهُمْ إلَّا حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَبِالتَّوَقِّي لَحْظَةً ، ثُمَّ انْفِرْ عَنْهُمْ وَأَقْبِلْ عَلَى شَأْنِك مُتَوَكِّلًا عَلَى خَالِقِك ، فَإِنَّهُ لَا يَجْلِبُ الْخَيْرَ سِوَاهُ وَلَا يَصْرِفُ السُّوءَ إلَّا إيَّاهُ فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ .

وَقَالَ مِنْ الْغَلَطِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي حَاكِمٍ مَعْزُولٍ بِمَا لَا يَصْلُحُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَلِيَ فَيَنْتَقِمَ ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ لِأَحَدٍ أَصْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ إلَى كُلِّ أَحَدٍ خُصُوصًا مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ وَأَنْ يَخْدُمَ الْمَعْزُولَ فَرُبَّمَا نَفَعَ فِي وِلَايَتِهِ إلَى أَنْ قَالَ فَالْعَاقِلُ مَنْ تَأَمَّلَ الْعَوَاقِبَ وَرَاعَاهَا وَصَوَّرَ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فَعَمِلَ بِمُقْتَضَى الْحَزْمِ ، وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا تَصَوُّرُ وُجُودِ الْمَوْتِ عَاجِلًا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ فَالْحَازِمُ مَنْ اسْتَعَدَّ لَهُ وَعَمِلَ عَمَلًا لَا يَنْدَمُ إذَا جَاءَ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَالَ أَيْضًا مَنْ جَرَتْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مُخَاشَنَةٌ فَإِيَّاكَ أَنْ تَطْمَعَ فِي مُصَافَاتِهِ وَأَنْ تَأْمُلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ يَرَى مَا فَعَلْت وَالْحِقْدُ كَامِنٌ ، وَقَالَ أَمَّا الْعَوَامُّ فَالْبُعْدُ عَنْهُمْ مُتَعَيَّنٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْجِنْسِ فَإِذَا اُضْطُرِرْت إلَى مُجَالَسَتِهِمْ فَلَحْظَةً يَسِيرَةً بِالْهَيْبَةِ وَالْحَذَرِ ، فَرُبَّمَا قُلْت كَلِمَةً فَشَنَّعُوهَا وَلَا تَلْقَ الْجَاهِلَ بِالْعِلْمِ وَلَا اللَّاهِيَ بِالْفِقْهِ ، وَلَا الْغَبِيَّ بِالْبَيَانِ بَلْ مِلْ إلَى مُسَالَمَتِهِمْ بِلُطْفٍ مَعَ هَيْبَةٍ وَأَمَّا الْأَعْدَاءُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَحْتَقِرَهُمْ ، فَإِنَّ لَهُمْ حِيَلًا بَاطِنَةً وَالْوَاجِبُ مُدَارَاتُهُمْ وَمُصَالَحَتُهُمْ فِي الظَّاهِرِ وَمِنْ جِنْسِهِمْ الْحُسَّادُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى النِّعَمِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ وَمُدَارَاتُهُمْ لَازِمَةٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَرْجَانِيُّ : وَلَمَّا بَلَوْت النَّاسَ أَطْلُبُ مِنْهُمْ أَخَا ثِقَةٍ عِنْدَ اعْتِرَاضِ الشَّدَائِدِ تَطَمَّعْت فِي حَالِي رَخَاءً وَشِدَّةً وَنَادَيْت فِي الْأَحْيَاءِ هَلْ مِنْ مُسَاعِدِ فَلَمْ أَرَ فِيمَا سَاءَنِي غَيْرَ شَامِتٍ وَلَمْ أَرَ فِيمَا سَرَّنِي غَيْرَ حَاسِدِ وَقَالَ آخَرُ : مَنْ كَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَسُودَ عَشِيرَةً فَعَلَيْهِ بِالتَّقْوَى وَلِينِ الْجَانِبِ وَيَغُضُّ

طَرْفًا عَنْ مَسَاوِي مَنْ أَسَى مِنْهُمْ وَيَحْلُمُ عِنْدَ جَهْلِ الصَّاحِبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ : إنْ حَدَّثَتْك نَفْسُكَ بِوَفَاءِ أَصْحَابِ الزَّمَانِ فَقَدْ كَذَبَتْك الْحَدِيثَ مَا صَدَقَتْك الْخَبَرَ هَذَا سَيِّدُ الْبَشَرِ مَاتَ وَحُقُوقُهُ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ لِحُكْمِ الْبَلَاغِ ، وَالشَّفَاعَةِ فِي الْأُخْرَى .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } وَقَدْ شَبِعَ بِهِ الْجَائِعُ ، وَعَزَّ بِهِ الذَّلِيلُ فَقَطَعُوا رَحِمَهُ وَضَلَّ أَوْلَادُهُ بَيْنَ أَسِيرٍ ، وَقَتِيلٍ ، وَأَصْحَابُهُ قَتْلَى : عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ وَعُثْمَانُ فِي دَارِهِ هَذَا مَعَ إسْدَاءِ الْفَضَائِلِ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالزُّهْدِ ، اُطْلُبْ لِخَلَفِك مَا كَانَ لِسَلَفِك وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يُعْرَفَ بِعَادَةٍ فَيُدْهَى مِنْهَا مِثْلَ أَنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ أَمْرٌ فَيُقْصَدَ بِهِ وَيُؤْذَى ، أَوْ يُعْرَفَ أَنَّهُ يُحِبُّ أَمْرًا فَيُؤَاخَذُ بِهِ وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعْرُوفًا بِأَخْذِ الْفَأْلِ فَاشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ عَلَى حِيلَةٍ يَأْخُذُونَ بِهَا مَالًا فَقَصَدَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى دَفْعِهِ بِضَاعَةً أَوْ قَرْضًا وَجَلَسَ الشُّرَكَاءُ فِي الْحِيلَةِ عَلَى بُعْدٍ فَنَادَى أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ اسْتَخِرْ اللَّهَ فَهَذِهِ جِهَةٌ مُبَارَكَةٌ وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ مَا هُوَ إلَّا صَوَابٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ قَوِيَتْ عَزِيمَتُهُ عَلَى دَفْعِهِ وَكَانَ آخَرُ يَأْكُلُ مَا يَجِدُهُ مِنْ الْفُتَاتِ ، فَجُعِلَ لَهُ فِي فُتَاتِهِ سُمٌّ فَأَكَلَهُ فَمَاتَ ، فَاحْذَرْ مِنْ اغْتِفَالِ الْأَعْدَاءِ .
وَقَالَ أَيْضًا إنَّ أَبْنَاءَ الزَّمَانِ لَا بَقَاءَ لَهُمْ عَلَى حَالٍ بَيْنَمَا نَرَى أَحَدَهُمْ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالشَّغَفِ ، حَتَّى تَرَى أَحَدَهُمْ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَلِ وَالضَّجَرِ ، فَالْعَاتِبُ لَهُمْ ظَالِمٌ ، كَمَا أَنَّ الْوَاثِقَ بِهِمْ خَائِبٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا حَقَّقَ النَّظَرَ فِي أَحْوَالِهِمْ يَرَاهُمْ فِي أَسْرِ الْمَقَادِيرِ مُسَلَّطَاتِ الْأَقْضِيَةِ وَالتَّصْرِيفِ ، ثُمَّ الدَّهْرُ مَوْصُوفٌ بِالِاسْتِحَالَةِ فَكَيْفَ أَبْنَاؤُهُ فَإِذَا

أَوْقَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْوَحْشَةَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْخَلْقِ فَإِنَّمَا يَصْرِفُك إلَيْهِ وَيَنْدُبُك إلَى التَّعَلُّقِ بِهِ ، فَاحْمَدْ إسَاءَتَهُمْ إلَيْكَ فَإِنَّهُمْ لَوْ أَحْسَنُوا مَعَك الصَّنِيعَ لَقَطَعُوك عَنْهُ ؛ لِأَنَّكَ ابْنُ لُقْمَةٍ وَابْنُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ أَدْنَى شَيْءٍ يَقْتَطِعُك إلَيْهِمْ .
وَقَالَ أَيْضًا : لَا تَطْلُبْ مِنْ مُتَجَدِّدِ الرِّيَاسَةِ أَخَلَاقَهُ مَعَك حَالَ الْعُطْلَةِ فَيَرْفُضَك وَيُؤْذِيَك فَتَكُونَ كَالْمُعَلَّمِ يَتَخَلَّقُ مَعَ مَنْ كَانَ يُعَلِّمُهُ بَعْدَ كِبَرِهِ كَتَخَلُّقِهِ مَعَهُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْكُتُبِ ، وَذَاكَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَطْلُبُ مِنْ السَّكْرَانِ أَخْلَاقَ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّ لِلرِّيَاسَةِ سُكْرًا وَلَوْلَا ذَاكَ مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } .
وَبَيَّنَهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { هَلْ لَك إلَى أَنْ تَزَكَّى } .
فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ السُّؤَالِ لَا الْأَمْرِ لِمَوْضِعِ تَجَبُّرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ أَوْ لِسَلَفِهِ وِلَايَةٌ وَمَنْصِبٌ وَدَوْلَةٌ وَقَدْ أَفْضَى بِهِ الدَّهْرُ إلَى الْعُطْلَةِ لَا يَقْتَضِي أَوْ لَا يَنْبَغِي مُعَامَلَتُهُ بِمَاضِي الرِّيَاسَةِ وَقَالَ فِي قَصِيدَةٍ كَبِيرَةٍ : أَخُوك الَّذِي إنْ تَدْعُهُ لِعَظِيمَةٍ يُجِبْكَ وَإِنْ تَغْضَبْ إلَى السَّبْقِ يَغْضَبْ .

وَقَالَ فِي الْفُنُونِ أَيْضًا مِنْ كَمَالِ الْآدَابِ تَلَمُّحُ النَّفْسِ وَإِزَالَةُ كُلِّ مَا يُكْرَهُ مِنْهَا وَيُؤْذِي عِنْدَ الْمُخَالَطَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ ذَاكَ ، وَإِلَّا فَإِرَاحَةُ النَّاسِ بِالِانْفِرَادِ وَالِاعْتِزَالِ فَالثَّقِيلُ الْمُخَالِطُ سَقَمٌ فِي الْأَبْدَانِ وَمُؤْنَةٌ عَلَى الْقُلُوبِ ، وَتَضْيِيقٌ لِلْأَنْفَاسِ ، وَحَصْرٌ لِلْحَوَاسِّ وَالْأَلَمُ يُعَرِّي الْأَرْوَاحَ تَفَضُّلًا عَنْ الْأَشْبَاحِ ، وَالْقَذَرُ نَقْضُهُ الْمَجَالِسَ ، وَالْمُسْتَعْلِمُ عَمَّا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مُكَشِّفٌ لِأَسْتَارِ التَّجَمُّلِ ، وَالْأَرْعَنُ مُرْتَعِدُ الطِّبَاعِ الْمَغْلُوبَةِ بِالْحِكْمَةِ ، وَالْأَحْمَقُ مُفْسِدٌ لِلْقَوَانِينِ وَمُحْوِجٌ إلَى سُوءِ أَخْلَاقِ الْمُعَلِّمِينَ ، وَمُزْرٍ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ، وَالْمُهَازِلُ مُسْقِطٌ لِوَقَارِ الْمَجَالِسِ مُذْهِبٌ لِحِشْمَةِ الْمَنَازِلِ وَمَا حَطَّ شَرَفًا مِثْلُ هَزْلٍ .
وَقَطْعُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ ، وَالْبَعْدُ عَنْ مَجَالِسِ الْأُنْسِ فَكَمْ مِنْ أَنِيسٍ بَيْنَ جُلَسَاءَ أَوْحَشَهُ مُدَاخَلَةُ ثَقِيلٍ يَجْهَلُ ثِقَلَ نَفْسِهِ عَلَى النَّاسِ ، وَتَقْلِيلُ الْكَلَامِ مِنْ حُسْنِ الْإِصْغَاءِ وَالْإِنْصَاتِ ، وَالْبُعْدُ عَنْ الْعَامِلِينَ ذَوِي النَّشَاطِ إذَا اعْتَرَاك التَّثَاؤُبُ وَالنُّعَاسُ فَذَلِكَ يُكْسِلُ الْعُمَّالَ وَيُفَتِّرُ الصُّنَّاعَ ، وَانْتِقَادُ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا إلَى الْأَسْمَاعِ فَكَمْ مِنْ نَمٍّ أَرَاقَ دِمَاءَكُمْ مِنْ حَرْفٍ جَرَّ حَنَقًا وَإِيَّاكَ وَالْكَلَامَ فِيمَا لَيْسَ مِنْ مَجَارِكَ فَذَاكَ يَحُطُّ قَدْرَك ، وَيَكْشِفُ عَنْ مَحَلِّك وَأَنْتَ مَعَ سُكُوتِك مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِك تَتَرَامَى ظُنُونُ النَّاسِ فِيك بَيْنَ مَنْ يَعْتَقِدُكَ بِذَلِكَ عَالِمًا فَإِذَا ظَهَرَ مِقْدَارُك مِنْ لَفْظِك تَعَجَّلَ سُقُوطُ قَدْرِك .
لَا تُوَاكِلَنَّ جَائِعًا إلَّا بِالْإِيثَارِ ، وَلَا تُوَاكِلَنَّ غَنِيًّا إلَّا بِالْأَدَبِ ، وَلَا تُوَاكِلَنَّ ضَيْفًا إلَّا بِالنَّهْمَةِ وَالِانْبِسَاطِ وَلَا تَلْقَيَنَّ أَحَدًا بِمَا يَكْرَهُ وَإِنْ كُنْت نَاصِحًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَفِّرُهُ عَنْ الْقَبُولِ لِنُصْحِك وَلَا تَدْعُهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ إلَّا

بِأَحَبِّهَا إلَيْهِ ، وَتَغَافَلْ عَنْ هَفَوَاتِ النَّاسِ فَذَلِكَ دَاعِيَةٌ لِدَوَامِ الْعِشْرَةِ ، وَسَلَامَةِ الْوُدِّ ، وَخَفِّفْ مُؤْنَتَك بِتَرْكِ الشَّكْوَى ، وَإِذَا كَرِهْت مِنْ غَيْرِك خُلُقًا فَلَا تَأْتِهِ ، وَإِذَا حَمِدْتَهُ فَتَخَلَّقْ بِهِ ، وَلَا تَسْتَصْغِرْ كَبِيرَ الذَّنْبِ فَتَعْرَى ، وَلَا تَسْتَكْبِرْ صَغِيرَهَا فَتَيْأَسْ ، وَأَعْطِ كُلَّ ذَنْبٍ حَقَّهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ إنْ قَدَرْت ، وَمِنْ اللَّائِمَةِ وَالْهِجْرَانِ إنْ عَنْ الْعُقُوبَةِ عَجَزْت وَلَا تَقْتَضِ النَّاسَ بِجَرَّاءِ إحْسَانِكَ اقْتِضَاءَ الْبَائِعِ بِثَمَنِ سِلْعَتِهِ ، وَلَا تَمْنُنْ عَلَيْهِمْ فَالْمَنُّ اسْتِيفَاءٌ لِمَعْرُوفِك أَوْ تَكْدِيرٌ لِبِرِّك فَإِنْ قَدَرْت عَلَى هَذِهِ الْخَلَائِقِ فِي مُعَاشَرَتِك وَإِلَّا فَالْعُزْلَةُ خَيْرٌ لَك وَخَيْرٌ لِلنَّاسِ ، فَإِنَّك بِسَتْرِ نَفْسِك تَسْتَرِيحُ مِنْ احْتِقَابِ الْآثَامِ بِإِسْقَاطِ جُرْمِ الْأَنَامِ ، وَالسَّلَامُ .
وَرَوَى ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَذِنَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ إذْنًا عَامًّا فَلَمَّا احْتَفَلَ الْمَجْلِسُ قَالَ أَنْشِدُونِي ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ بِمَعْنَاهُ ، فَسَكَتُوا فَلَمَّا سَكَتُوا عَلِمَ أَنَّهُمْ قَدْ أُعْيُوا إذْ طَلَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقِيلَ : مِقْوَلُ الْعَرَبِ وَعَلَّامَتُهَا ، فَقَالَ أَبَا خُبَيْبٍ فَقَالَ مَهْيَمْ قَالَ أَنْشِدْنِي ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ كُلُّ بَيْتٍ قَائِمٌ بِمَعْنَاهُ قَالَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ قَالَ وَتُسَاوِي قَالَ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ وَأَنْتَ وَافٍ كَافٍ فَأَنْشَدَهُ لِلْأَفْوَهِ الْأَوْدِيِّ : بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالٍ قَالَ : صَدَقْت هِيهِ قُلْ الْبَيْتَ الثَّانِيَ ، فَقَالَ : وَذُقْت مَرَارَةَ الْأَشْيَاءِ طُرًّا فَمَا طَعْمٌ أَمَرُّ مِنْ السُّؤَالِ قَالَ : صَدَقْت قُلْ الْبَيْتَ الثَّالِثَ فَقَالَ : وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا وَأَصْعَبَ مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ .

فَصْلٌ ( فِي وَصَايَا نَافِعَةٍ ، وَحِكَمٍ رَائِعَةٍ ، مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَالْأَشْعَارِ ) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا تُكْثِرُوا الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ } .
وَعَنْ سَعْدٍ { ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا } رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ { مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إنَّمَا كَانَ يَبْتَسِمُ } وَعَنْهَا أَيْضًا مَرْفُوعًا { لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .
نَظَمَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ نَثْرًا وَذَكَرَ أَيْضًا أَشْيَاءَ حَسَنَةً يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهَا فَقَالَ : فَكَابِدْ إلَى أَنْ تَبْلُغَ النَّفْسُ عُذْرَهَا وَكُنْ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ طَلَّاعَ أَنْجُدِ وَلَا يَذْهَبَنَّ الْعُمُرُ مِنْك سَبَهْلَلًا وَلَا تَغْبِنَنَّ فِي النِّعْمَتَيْنِ بَلْ اجْهَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنِّي أَكْرَهُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ يَمْشِي سَبَهْلَلًا أَيْ : لَا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا ، وَلَا فِي أَمْرِ آخِرَةٍ .
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ } وَرَأَيْت أَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى فِي الزُّهْدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إنِّي لَأَبْغَضُ الرَّجُلَ فَارِغًا لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ : رَحِمَهُ اللَّهُ فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَّاتِ نَالَ الْمُنَى وَمَنْ أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ وَفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ اعْتِزَازُهَا وَفِي نَيْلِهَا مَا تَشْتَهِي ذُلُّ سَرْمَدِ وَلَا تَشْتَغِلْ إلَّا بِمَا يُكْسِبُ الْعُلَا وَلَا تُرْضِ النَّفْسَ النَّفِيسَةَ بِالرَّدِي وَفِي خَلْوَةِ الْإِنْسَانِ بِالْعِلْمِ أُنْسُهُ وَيَسْلَمُ دِينُ

الْمَرْءِ عِنْدَ التَّوَحُّدِ وَيَسْلَمُ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ وَمِنْ أَذَى جَلِيسٍ وَمِنْ وَاشٍ بَغِيضٍ وَحُسَّدِ فَكُنْ حِلْسَ بَيْتٍ فَهْوَ سِتْرٌ لِعَوْرَةٍ وَحِرْزُ الْفَتَى عَنْ كُلِّ غَاوٍ وَمُفْسِدِ وَخَيْرُ جَلِيسِ الْمَرْءِ كُتْبٌ تُفِيدُهُ عُلُومًا وَآدَابًا وَعَقْلًا مُؤَيِّدِ وَخَالِطْ إذَا خَالَطْت كُلَّ مُوَفَّقٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ التُّقَى وَالتَّسَدُّدِ يُفِيدُك مِنْ عِلْمٍ وَيَنْهَاكَ عَنْ هَوًى فَصَاحِبْهُ تُهْدَ مِنْ هُدَاهُ وَتَرْشُدْ وَإِيَّاكَ وَالْهَمَّازَ إنْ قُمْت عَنْهُ وَاَلْ بَذِيِّ فَإِنَّ الْمَرْءَ بِالْمَرْءِ يَقْتَدِي وَلَا تَصْحَبْ الْحَمْقَى فَذُو الْجَهْلِ إنْ يَرُمْ صَلَاحًا لِشَيْءٍ يَا أَخَا الْحَزْمِ يُفْسِدْ وَخَيْرُ مَقَامٍ قُمْت فِيهِ وَخَصْلَةٍ تَحَلَّيْتَهَا ذِكْرُ الْإِلَهِ بِمَسْجِدِ وَكُفَّ عَنْ الْعَوْرَا لِسَانَك وَلْيَكُنْ دَوَامًا بِذِكْرِ اللَّهِ يَا صَاحِبِي نَدِي وَحَصِّنْ عَنْ الْفَحْشَا الْجَوَارِحَ كُلَّهَا تَكُنْ لَك فِي يَوْمِ الْجَزَا خَيْرَ شَاهِدِ وَوَاظِبْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِيًا مِثْلَ جَلْمَدِ وَحَافِظْ عَلَى فِعْلِ الْفُرُوضِ لِوَقْتِهَا وَخُذْ بِنَصِيبٍ فِي الدُّجَى مِنْ تَهَجُّدِ وَنَادِ إذَا مَا قُمْت فِي اللَّيْلِ سَامِعًا قَرِيبًا مُجِيبًا بِالْفَوَاصِلِ يَبْتَدِي وَمُدَّ إلَيْهِ كَفَّ فَقْرِك ضَارِعًا بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وَادْعُ تُعْطَ وَتَسْعَدْ وَلَا تَسْأَمَنَّ الْعِلْمَ وَاسْهَرْ لِنَيْلِهِ بِلَا ضَجَرٍ تَحْمَدْ سُرَى السَّيْرِ فِي غَدِ وَكُنْ صَابِرًا لِلْفَقْرِ وَادَّرِعْ الرِّضَى بِمَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ وَاشْكُرْهُ وَاحْمَدْ فَمَا الْعِزُّ إلَّا فِي الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَى بِأَدْنَى كَفَافٍ حَاصِلٍ وَالتَّزَهُّدِ فَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْكَفَافُ فَمَا إلَى رِضَاهُ سَبِيلٌ فَاقْتَنِعْ وَتَقَصَّدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ كَلَامِ إدْرِيسَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَنْ يَتَغَنَّ يُغْنِهِ اللَّهُ وَالْغِنَى غِنَى النَّفْسِ لَا عَنْ كَثْرَةِ الْمُتَعَدِّدِ وَلَا تَطْلُبَنَّ الْعِلْمَ لِلْمَالِ وَالرِّيَا فَإِنَّ مِلَاكَ الْأَمْرِ فِي حُسْنِ مَقْصِدِ وَكُنْ عَامِلًا بِالْعِلْمِ فِيمَا اسْتَطَعْته لِيُهْدَى بِك الْمَرْءُ الَّذِي كَانَ يَقْتَدِي

حَرِيصًا عَلَى نَفْعِ الْوَرَى وَهُدَاهُمْ تَنَلْ كُلَّ خَيْرٍ فِي نَعِيمٍ مُؤَبَّدِ وَإِيَّاكَ وَالْإِعْجَابَ وَالْكِبْرَ تَحْظَ بِالسَّ عَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ فَارْشُدْ وَأَرْشِدْ وَهَا قَدْ بَذَلْتُ النُّصْحَ جَهْدِي وَإِنَّنِي مُقِرٌّ بِتَقْصِيرِي وَبِاَللَّهِ أَهْتَدِي انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَدْ نَظَمَ قَبْلَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الصَّرْصَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرًا فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ نُحْ وَابْكِ فَالْمَعْرُوفُ أَقْفَرَ رَسْمُهُ وَالْمُنْكَرُ اسْتَعْلَى وَأَثَّرَ وَسْمُهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا بِدْعَةٌ فَتَّانَةٌ يَهْوِي مُضِلٌّ مُسْتَطِيرٌ سُمُّهُ وَطَعَامُ سُوءٍ مِنْ مَكَاسِبَ مُرَّةٍ يُعْمِي الْفُؤَادَ بِدَائِهِ وَيُصِمُّهُ فَفَشَا الرِّيَاءُ وَغِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ وَقَسَاوَةٌ مِنْهُ وَأَثْمَرَ إثْمُهُ لَمْ يَبْقَ زَرْعٌ أَوْ مَبِيعٌ أَوْ شِرًى إلَّا أُزِيلَ عَنْ الشَّرِيعَةِ حُكْمُهُ فَلَكَيْفَ يُفْلِحُ عَابِدٌ وَعِظَامُهُ نَشَأَتْ عَلَى السُّحْتِ الْحَرَامِ وَلَحْمُهُ هَذَا الَّذِي وَعَدَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى بِظُهُورِهِ وَعْدًا تَوَثَّقَ حَتْمُهُ هَذَا لَعَمْرُ إلَهِك الزَّمَنُ الَّذِي تَبْدُو جَهَالَتُهُ وَيُرْفَعُ عِلْمُهُ هَذَا الزَّمَانُ الْآخِرُ الْكَدِرُ الَّذِي تَزْدَادُ شِرَّتُهُ وَيَنْقُصُ حِلْمُهُ وَهَتْ الْأَمَانَةُ فِيهِ وَانْفَصَمَتْ عُرَى التَّ قْوَى بِهِ وَالْبِرُّ أَدْبَرَ نَجْمُهُ كَثُرَ الرِّبَا وَفَشَا الزِّنَا وَنَمَا الْخَنَا وَرَمَى الْهَوَى فِيهِ فَأَقْصَدَ سَهْمُهُ ذَهَبَ النَّصِيحُ لِرَبِّهِ وَنَبِيِّهِ وَإِمَامِهِ نُصْحًا تَحَقَّقَ عَزْمُهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا عَالِمٌ هُوَ مُرْتَشٍ أَوْ حَاكِمٌ تَخْشَى الرَّعِيَّةُ ظُلْمَهُ وَالصَّالِحُونَ عَلَى الذَّهَابِ تَتَابَعُوا فَكَأَنَّهُمْ عِقْدٌ تَنَاثَرَ نَظْمُهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا رَاغِبٌ هُوَ مُظْهِرٌ لِلزُّهْدِ وَالدُّنْيَا الدَّنِيَّةُ هَمُّهُ لَوْلَا بَقَايَا سُنَّةٍ وَرِجَالُهَا لَمْ يَبْقَ نَهْجٌ وَاضِحٌ نَأْتَمُّهُ يَا مُقْبِلًا فِي جَمْعِ دُنْيَا أَدْبَرَتْ كَبِنَاءٍ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ هَدْمُهُ هَذِي أَمَارَاتُ الْقِيَامَةِ قَدْ بَدَتْ لِمُبَصَّرٍ سَبَرَ الْعَوَاقِبَ فَهْمُهُ ظَهَرَتْ طُغَاةُ

التُّرْكِ وَاجْتَاحُوا الْوَرَى وَأَبَادَهُمْ هَرْجٌ شَدِيدٌ حَطْمُهُ وَالشَّمْسُ آنَ طُلُوعُهَا مِنْ غَرْبِهَا وَخُرُوجُ دَجَّالٍ فَظِيعٍ غَشْمُهُ وَأَنَّى لِيَأْجُوجَ الْخُرُوجُ عَقِيبَهُ مِنْ خَلْفِ سَدٍّ سَوْفَ يُفْتَحُ رَدْمُهُ فَاعْمَلْ لِيَوْمٍ لَا مَرَدَّ لِوَقْعِهِ يُقْصِي الْوَلِيدَ بِهِ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَلَهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي كَسَبَ الذُّنُوبَا وَصَدَّتْهُ الْأَمَانِي أَنْ يَتُوبَا أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي أَضْحَى حَزِينًا عَلَى زَلَّاتِهِ قَلِقًا كَئِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الَّذِي سُطِرَتْ عَلَيْهِ صَحَائِفُ لَمْ يَخَفْ فِيهَا الرَّقِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الْمُسِيءُ عَصَيْتُ سِرًّا فَمَا لِي الْآنَ لَا أُبْدِي النَّحِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الْمُفَرِّطُ ضَاعَ عُمُرِي فَلَمْ أَرْعَ الشَّبِيبَةَ وَالْمَشِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الْغَرِيقُ بِلُجِّ بَحْرٍ أَصِيحُ لَرُبَّمَا أَلْقَى مُجِيبَا أَنَا الْعَبْدُ السَّقِيمُ مِنْ الْخَطَايَا وَقَدْ أَقْبَلْتُ أَلْتَمِسُ الطَّبِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الْمُخَلَّفُ عَنْ أُنَاسٍ حَوَوْا مِنْ كُلِّ مَعْرُوفٍ نَصِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الشَّرِيدُ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَقَدْ وَافَيْتُ بَابَكُمْ مُنِيبَا أَنَا الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مَدَدْتُ كَفِّي إلَيْكُمْ فَادْفَعُوا عَنِّي الْخُطُوبَا أَنَا الْغَدَّارُ كَمْ عَاهَدْتُ عَهْدًا وَكُنْتُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ كَذُوبَا أَنَا الْمَهْجُورُ هَلْ لِي مِنْ شَفِيعٍ يُكَلِّمُ فِي الْوِصَالِ لِي الْحَبِيبَا أَنَا الْمَقْطُوعُ فَارْحَمْنِي وَصِلْنِي وَيَسِّرْ مِنْكَ لِي فَرَجًا قَرِيبَا أَنَا الْمُضْطَرُّ أَرْجُو مِنْكَ عَفْوًا وَمَنْ يَرْجُو رِضَاكَ فَلَنْ يَخِيبَا فَيَا أَسَفَى عَلَى عُمُرٍ تَقَضَّى وَلَمْ أَكْسِبْ بِهِ إلَّا الذُّنُوبَا وَأَحْذَرُ أَنْ يُعَاجِلَنِي مَمَاتٌ يُحَيِّرُ هَوْلُ مَصْرَعِهِ اللَّبِيبَا وَيَا حُزْنَاهُ مِنْ نَشْرِي وَحَشْرِي بِيَوْمٍ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبَا تَفَطَّرَتْ السَّمَاءُ بِهِ وَمَارَتْ وَأَصْبَحَتْ الْجِبَالُ بِهِ كَثِيبَا إذَا مَا قُمْتُ حَيْرَانًا ظَمِيئَا حَسِيرَ الطَّرْفِ عُرْيَانًا سَلِيبَا وَيَا خَجَلَاهُ مِنْ قُبْحِ اكْتِسَابِي إذَا مَا أَبْدَتْ الصُّحُفُ الْعُيُوبَا وَذِلَّةِ مَوْقِفٍ وَحِسَابِ عَدْلٍ

أَكُونُ بِهِ عَلَى نَفْسِي حَسِيبَا وَيَا حَذَرَاهُ مِنْ نَارٍ تَلَظَّى إذَا زَفَرَتْ وَأَقْلَقَتْ الْقُلُوبَا تَكَادُ إذَا بَدَتْ تَنْشَقُّ غَيْظًا عَلَى مَنْ كَانَ ظَلَّامًا مُرِيبَا فَيَا مَنْ مَدَّ فِي كَسْبِ الْخَطَايَا خُطَاهُ أَمَا أَنَى لَكَ أَنْ تَتُوبَا أَلَا فَاقْلِعْ وَتُبْ وَاجْهَدْ فَإِنَّا رَأَيْنَا كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبَا وَأَقْبِلْ صَادِقًا فِي الْعَزْمِ وَاقْصِدْ جَنَابًا نَاضِرًا عَطِرًا رَحِيبَا وَكُنْ لِلصَّالِحِينَ أَخًا وَخِلًّا وَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرِيبَا وَكُنْ عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ جَبَانًا وَكُنْ فِي الْخَيْرِ مِقْدَامًا نَجِيبَا وَلَاحِظْ زِينَةَ الدُّنْيَا بِبُغْضٍ تَكُنْ عَبْدًا إلَى الْمَوْلَى حَبِيبَا فَمَنْ يَخْبُرْ زَخَارِفَهَا يَجِدْهَا مُخَالِبَةً لِطَالِبِهَا خَلُوبَا وَغُضَّ عَنْ الْمَحَارِمِ مِنْك طَرْفًا طَمُوحًا يَفْتِنُ الرَّجُلَ الْأَرِيبَا فَخَائِنَةُ الْعُيُونِ كَأُسْدِ غَابٍ إذَا مَا أُهْمِلَتْ وَثَبَتْ وُثُوبَا وَمَنْ يَغْضُضْ فُضُولَ الطَّرْفِ عَنْهَا يَجِدْ فِي قَلْبِهِ رَوْحًا وَطِيبَا وَلَا تُطْلِقْ لِسَانَكَ فِي كَلَامٍ يَجُرُّ عَلَيْكَ أَحْقَادًا وَحُوبَا وَلَا يَبْرَحْ لِسَانُكَ كُلَّ وَقْتٍ بِذِكْرِ اللَّهِ رَيَّانًا رَطِيبَا وَصَلِّ إذَا الدُّجَى أَرْخَى سُدُولًا وَلَا تَضْجَرْ بِهِ وَتَكُنْ هَيُوبَا تَجِدْ أُنْسًا إذَا أُوعِيتَ قَبْرًا وَفَارَقْتَ الْمُعَاشِرَ وَالنَّسِيبَا وَصُمْ مَا اسْتَطَعْت تَجِدْهُ رِيًّا إذَا مَا قُمْتَ ظَمْآنًا سَغِيبَا وَكُنْ مُتَصَدِّقًا سِرًّا وَجَهْرًا وَلَا تَبْخَلْ وَكُنْ سَمْحًا وَهُوبَا تَجِدْ مَا قَدَّمَتْهُ يَدَاكَ ظِلًّا إذَا مَا اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْكُرُوبَا وَكُنْ حَسَنَ السَّجَايَا ذَا حَيَاءٍ طَلِيقَ الْوَجْهِ لَا شَكِسًا غَضُوبَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : رَجُلٌ شَكِسٌ أَيْ صَعْبُ الْخُلُقِ ، وَقَوْمٌ شُكْسٌ مِثَالُ رَجُلِ صَدُقٍ وَقَدْ شَكِسَ بِالْكَسْرِ شَكَاسَةً وَحَكَى الْفَرَّاءُ رَجُلٌ شَكِسٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ قَالَ الصَّرْصَرِيُّ أَيْضًا : وُصُولًا لِلْخَلِيلِ إذَا تَجَافَى عَسَاهُ بِحُسْنِ عَطْفِك أَنْ يَئُوبَا حَفِيظًا لِلْوِدَادِ بِظَهْرِ غَيْبٍ فَإِنَّ الْحُرَّ مَنْ حَفِظَ الْمَغِيبَا وَلَا تَمْزَحْ وَكُنْ رَجُلًا وَقُورًا كَثِيرَ الصَّمْتِ

مُتَّقِيًا أَدِيبَا وَلَا تَحْسُدْ وَلَا تَحْقِدْ وَطَهِّرْ لِسَانَك أَنْ يَنِمَّ وَأَنْ يَغِيبَا فَإِنَّك إنْ نَهَضْت لِفِعْلِ هَذَا حَلَلْت مِنْ التُّقَى رَبْعًا خَصِيبَا وَلَهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : دَعْ الدُّنْيَا لِطَالِبِهَا لِتَسْلَمَ مِنْ مَعَاطِبِهَا وَلَا يَغْرُرْك عَاجِلُهَا وَفَكِّرْ فِي عَوَاقِبِهَا فَإِنَّ سِهَامَ آفَتِهَا مَشُوبٌ فِي أَطَايِبِهَا وَإِنَّ بَرِيقَ دِرْهَمِهَا لَأَفْتَكُ مِنْ عَقَارِبِهَا وَكُنْ مُتَدَرِّعَ التَّقْوَى تُحَصَّنْ مِنْ قَوَاضِبِهَا فَإِنَّ سِهَامَ فِتْنَتِهَا لَتَرْشُقُ مِنْ جَوَانِبِهَا تُبِيحُكَ فِي مَحَاسِنِهَا لِتَذْهَلَ عَنْ مَعَايِبِهَا فَتُبْدِي لِينَهَا خَدْعَا لِتَنْشَبَ فِي مَخَالِبِهَا فَكُنْ مِنْ أُسْدِهَا لَيْثًا وَلَا تَكُ مِنْ ثَعَالِبِهَا فَإِنَّك إنْ سَلِمْت بِهَا فَإِنَّك مِنْ عَجَائِبِهَا وَجَانِبْهَا فَإِنَّ الْبِرَّ يَدْنُو مِنْ مُجَانِبِهَا وَكُنْ مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ فَإِنَّك مِنْ مَطَالِبِهَا فَكَمْ مِنْ صَاحِبٍ صَحِبَتْ وَلَمْ تَنْصَحْ لِصَاحِبِهَا وَصَادَقَهَا لِيَنْهَبَهَا فَأَصْبَحَ مِنْ مَنَاهِبِهَا فَلَا تَطْمَعْ مِنْ الدُّنْيَا بِصَافٍ فِي شَوَائِبِهَا فَإِنَّ مَجَامِعَ الْأَكْدَارِ صُبَّتْ فِي مَشَارِبِهَا وَكُنْ رَجُلًا مُنِيبَ الْقَلْبِ تَسْلَمْ مِنْ نَوَائِبِهَا وَسَلْ رَبَّ الْعِبَادِ الْعَوْنَ مِنْهُ عَلَى مَصَائِبِهَا وَلَهُ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ - : يَا قَسْوَةَ الْقَلْبِ مَا لِي حِيلَةٌ فِيكِ مَلَكْتِ قَلْبِي فَأَضْحَى شَرَّ مَمْلُوكِ حَجَبْتِ عَنِّي إفَادَاتِ الْخُشُوعِ فَلَا يَشْفِيك ذِكْرٌ وَلَا وَعْظٌ يُدَاوِيك وَمَا تَمَادِيكِ مِنْ كَنْفِ الذُّنُوبِ وَلَ كِنَّ الذُّنُوبَ أَرَاهَا مِنْ تَمَادِيكِ لَكِنْ تَمَادِيكِ مِنْ أَصْلٍ نَشَأْتِ بِهِ طَعَامُ سُوءٍ عَلَى ضَعْفٍ يُقَوِّيكِ وَأَنْتِ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ مُعْضِلَةٍ وَكُلُّ دَاءٍ بِقَلْبِي مِنْ عَوَادِيك أَنْتِ الطَّلِيعَةُ لِلشَّيْطَانِ فِي جَسَدِي فَلَيْسَ يَدْخُلُ إلَّا مِنْ نَوَاحِيكِ لَمَّا فَسَحْتِ بِتَوْفِيرِ الْحُظُوظِ لَهُ أَضْحَى مَعَ الدَّمِ يَجْرِي فِي مَجَارِيك وَالَيْتِهِ بِقَبُولِ الزُّورِ مِنْكِ فَلَنْ يُوَالِيَ اللَّهُ إلَّا مَنْ يُعَادِيكِ مَا زِلْتِ فِي أَسْرِهِ

تَهْوِينَ مُوثَقَةً حَتَّى تَلِفْت فَأَعْيَانِي تَلَافِيك يَا نَفْسُ تُوبِي إلَى الرَّحْمَنِ مُخْلِصَةً ثُمَّ اسْتَقِيمِي عَلَى عَزْمٍ يُنَجِّيكِ وَاسْتَدْرِكِي فَارِطَ الْأَوْقَاتِ وَاجْتَهِدِي عَسَاك بِالصِّدْقِ أَنْ تُمْحَى مَسَاوِيكِ وَاسْعَيْ إلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مُسَارِعَةً فَرُبَّمَا شُكِرَتْ يَوْمًا مَسَاعِيك وَلَنْ تَتِمَّ لَك الْأَعْمَالُ صَالِحَةً إلَّا بِتَرْكِك شَيْئًا شَرَّ مَتْرُوكِ حُبُّ التَّكَاثُرِ فِي الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا فَهِيَ الَّتِي عَنْ طِلَابِ الْخَيْرِ تُلْهِيك لَا تُكْثِرِي الْحِرْصَ فِي تَطْلَابِهَا فَلَكَمْ دَمٍ لَهَا بِسُيُوفِ الْحِرْصِ مَسْفُوكِ بَلْ اقْنَعِي بِكَفَافِ الرِّزْقِ رَاضِيَةً فَكُلَّمَا جَازَ مَا يَكْفِيك يُطْغِيك ثُمَّ اُذْكُرِي غُصَصَ الْمَوْتِ الْفَظِيعِ تَهُنْ عَلَيْك أَكْدَارُ دُنْيَا لَا تُصَافِيكِ وَظُلْمَةَ الْقَبْرِ لَا تَخْشَيْ وَوَحْشَتَهُ عِنْدَ انْفِرَادِك عَنْ خِلٍّ يُوَالِيك وَالصَّالِحَاتِ لِيَوْمِ الْفَاقَةِ ادَّخِرِي فِي مَوْقِفٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُوَاسِيك وَأَحْسِنِي الظَّنَّ بِالرَّحْمَنِ مُسْلِمَةً فَحُسْنُ ظَنِّك بِالرَّحْمَنِ يَكْفِيك .
وَلَهُ أَيْضًا فِي مُجَانَسَاتٍ : إنْ كَانَ ذُلُّ مُحِبٍّ جَالِبًا فَرَحَا فَهَا مُحِبُّكُمْ الْخَدَّيْنِ قَدْ فَرَشَا أَوْ كَانَ يَنْفَعُهُ بَذْلُ الرُّشَى لَسَخَا بِنَفْسِهِ فِي هَوَاكُمْ بَاذِلًا فُرُشًا يَا مَنْ يَزِينُ ثِيَابَ الْوَشْيِ حُسْنُهُمْ مَا لَمْ تَزِنْهُ يَدُ الْوَشَّاءِ حِينَ وَشَى وَمَنْ يُقَالُ مُحَالٌ فِي مَحَبَّتِهِمْ لَا تَسْمَعُوا قَوْلَ وَاشٍ بِالْمُحَالِ وَشَى وَلَهُ أَيْضًا يُثْنِي عَلَى اللَّهِ وَيَذْكُرُ : يَا مَنْ لَهُ الْفَضْلُ مَحْضًا فِي بَرِيَّتِهِ وَهُوَ الْمُؤَمَّلُ فِي الْبَأْسَاءِ وَالْبَاسِ عَوَّدْتَنِي عَادَةً أَنْتَ الْكَفِيلُ بِهَا فَلَا تَكِلْنِي إلَى خَلْقٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا تُذِلَّ لَهُمْ مِنْ بَعْدِ عِزَّتِهِ وَجْهِي الْمَصُونَ وَلَا تَخْفِضْ لَهُمْ رَاسِي وَابْعَثْ عَلَى يَدِ مَنْ تَرْضَاهُ مِنْ بَشَرٍ رِزْقِي وَصُنِّي عَمَّنْ قَلْبُهُ قَاسِي فَإِنَّ حَبْلَ رَجَائِي فِيكَ مُتَّصِلٌ بِحُسْنِ صُنْعِكَ مَقْطُوعٌ عَنْ النَّاسِ وَلَهُ أَيْضًا وَهِيَ مِنْ الْحِكَمِ : إذَا انْقَطَعَتْ أَطْمَاعُ عَبْدٍ عَنْ الْوَرَى

تَعَلَّقَ بِالرَّبِّ الْكَرِيمِ رَجَاؤُهُ فَأَصْبَحَ حُرًّا عِزَّةً وَقَنَاعَةً عَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ وَإِنْ عَلِقَتْ بِالْخَلْقِ أَطْمَاعُ نَفْسِهِ تَبَاعَدَ مَا يَرْجُو وَطَالَ عَنَاؤُهُ فَلَا تَرْجُ إلَّا اللَّهَ لِلْخَطْبِ وَحْدَهُ وَلَوْ صَحَّ فِي خِلِّ الصَّفَاءِ صَفَاؤُهُ وَلَهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : لَا تَلْقَ حَادِثَةً بِوَجْهٍ عَابِسٍ وَاثْبُتْ وَكُنْ فِي الصَّبْرِ خَيْرَ مُنَافِسِ فَلَطَالَمَا قَطَفَ اللَّبِيبُ بِصَبْرِهِ ثَمَرَ الْمُنَى وَانْجَابَ ضُرُّ الْبَائِسِ وَعَلَيْك بِالتَّقْوَى وَكُنْ مُتَدَرِّعًا بِلِبَاسِهَا فَلَنِعْمَ دِرْعُ اللَّابِسِ وَتَتَبَّعْ السُّنَنَ الْمُنِيرَةَ وَاطَّرِحْ مُتَجَنِّبًا إفْكَ الْغَوِيِّ الْيَائِسِ وَاغْرِسْ أُصُولَ الْبِرِّ تَجْنِ ثِمَارَهَا فَالْبِرُّ أَزْكَى مَنْبِتًا لِلْغَارِسِ وَاطْلُبْ نَفِيسَ الْعِلْمِ تَسْتَأْنِسْ بِهِ فَالْعِلْمُ لِلطُّلَّابِ خَيْرُ مُؤَانِسِ لَا تُكْثِرَنَّ الْخَوْضَ فِي الدُّنْيَا وَكُنْ فِي الْعِلْمِ أَحْرَصَ مُسْتَفِيدٍ قَابِسِ فَالْمَالُ يَحْرُسُهُ الْفَتَى حَيْثُ التَّوَى وَالْعِلْمُ لِلْإِنْسَانِ أَحْفَظُ حَارِسِ وَإِذَا شَهِدْت مَعَ الْجَمَاعَةِ مَجْلِسًا يَوْمًا فَكُنْ لِلْقَوْمِ خَيْرَ مُجَالِسِ أَلِنِ الْكَلَامَ لَهُمْ وَصُنْ أَسْرَارَهُمْ وَذَرْ الْمِزَاحَ وَلَا تَكُنْ بِالْعَابِسِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمَزْحُ الدُّعَابَةُ وَقَدْ مَزَحَ يَمْزَحُ وَالِاسْمُ الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ وَالْمُزَاحَةُ أَيْضًا .
وَأَمَّا الْمِزَاحُ فَهُوَ مَصْدَرُ مَازَحَهُ وَهُمَا يَتَمَازَحَانِ .
وَلِلصَّرْصَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا مُجَانَسَاتٌ : اصْحَبْ مِنْ النَّاسِ مَنْ صُدُورُهُمْ طَاهِرَةٌ لَا تُكِنَّ أَوْغَارَا أَنْوَارُهُمْ فِي الظَّلَامِ مُشْرِقَةٌ إنْ لَاحَ نَجْمُ السَّمَاءِ أَوْ غَارَا أَكُفُّهُمْ بِالنَّوَالِ مُطْلَقَةٌ إنْ فَاضَ مَاءُ الْعُيُونِ أَوْ غَارَا عِرْضُهُمْ طَيِّبُ الثَّنَاءِ فَلَا مِسْكَ يُضَاهَى بِهِ وَلَا غَارَا فَاهْرَبْ مِنْ النَّاسِ مَا اسْتَطَعْت وَلَوْ سَكَنْت مِنْ خَوْفِ شَرِّهِمْ غَارَا وَلَا تُطِلْ ذِكْرَ غَادِرٍ مَلِقٍ إنْ جَدَّ فِي الْبُعْدِ عَنْك أَوْ غَارَا وَالْخِلَّ صُنْ عِرْضَهُ فَنِعْمَ فَتًى حُرٍّ عَلَى عِرْضِ

خِلِّهِ غَارَا وَصِلْهُ فِي فَقْرِهِ كَذِي رَحِمٍ فَأَكْرَمُ الْوَاصِلِينَ مَنْ غَارَا وَلَهُ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : إذَا الْفَتَى لَمْ يَكُنْ بِالْفِقْهِ مُشْتَغِلًا وَلَا الْحَدِيثِ وَلَا يَتْلُو الْكِتَابَ لَغَا وَكُلُّ مَنْ أَهْمَلَ التَّقْوَى فَلَيْسَ لَهُ مِنْ حُرْمَةٍ بَالِغًا فِي الْعِلْمِ مَا بَلَغَا وَلَيْسَ يَجْنِي مِنْ الْعِلْمِ الثِّمَارَ سِوَى مَنْ أَصْلُهُ فِي بَسَاتِينِ التُّقَى نَبَغَا وَكُلُّ خِلٍّ صَفَا يَوْمٌ وَلِيتَ لَهُ يَبْغِي الصَّفَاءَ وَلَمْ يُعْطِ اللِّيَانَ بَغَا وَلَهُ أَيْضًا فِي آدَابِ الْقِرَاءَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : تَدَبَّرْ كِتَابَ اللَّهِ يَنْفَعْك وَعْظُهُ فَإِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْلَغُ وَاعِظِ وَبِالْعَيْنِ ثُمَّ الْقَلْبِ لَاحِظْهُ وَاعْتَبِرْ مَعَانِيَهُ فَهْوَ الْهُدَى لِلْمُلَاحِظِ وَأَنْتَ إذَا أَتْقَنْت حِفْظَ حُرُوفِهِ فَكُنْ لِحُدُودِ اللَّهِ أَقْوَمَ حَافِظِ وَلَا يَنْفَعُ التَّجْوِيدُ لَافِظَ حُكْمِهِ وَإِنْ كَانَ بِالْقُرْآنِ أَفْصَحَ لَافِظِ وَيُعْرَفُ أَهْلُوهُ بِإِحْيَاءِ لَيْلِهِمْ وَصَوْمِ هَجِيرٍ لَاعِجِ الْحَرِّ قَائِظِ وَغَضِّهِمْ الْأَبْصَارَ عَنْ مَأْثَمٍ يَجُرُّ بِتَحْرِيرِ الْعُيُونِ اللَّوَاحِظِ وَكَظْمِهِمُو لِلْغَيْظِ عِنْدَ اسْتِعَارِهِ إذَا عَزَّ بَيْنَ النَّاسِ كَظْمُ الْمُغَايِظِ وَأَخْلَاقُهُمْ مَحْمُودَةٌ إنْ خَبَرْتهَا فَلَيْسَتْ بِأَخْلَاقٍ فِظَاظٍ غَلَائِظِ تَحَلَّوْا بِآدَابِ الْكِتَابِ وَأَحْسَنُوا الـ تَفَكُّرَ فِي أَمْثَالِهِ وَالْمَوَاعِظِ فَفَاضَتْ عَلَى الصَّبْرِ الْجَمِيلِ نُفُوسُهُمْ سَلَامٌ عَلَى تِلْكَ النُّفُوسِ الْفَوَائِظِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي بَابِ مَنْثُورِ الْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ ، مُنْتَهِجًا مِنْ نَتَائِجِ عُقُولِ الرِّجَالِ رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ ، امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ قَبِيحَةً ، الْأَحْمَقُ لَا يُبَالِي مَا قَالَ ، وَالْعَاقِلُ يَتَعَاهَدُ الْمَقَالَ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعُجْبُ تَرَكَ الْمَشُورَةَ فَهَلَكَ ، جَانِبْ مَوَدَّةَ الْحَسُودِ ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَدُودٌ .
إذَا جَهِلَ عَلَيْك الْأَحْمَقُ ، فَالْبَسْ لَهُ لِبَاسَ الرِّفْقِ مَنْ طَلَبَ إلَى لَئِيمٍ حَاجَةً ، فَهُوَ كَمَنْ

طَلَبَ صَيْدَ السَّمَكِ فِي الْمَفَازَةِ إذَا صَادَقْت الْوَزِيرَ ، فَلَا تَخَفْ الْأَمِيرَ .
لَا تَثِقْ بِالْأَمِيرِ ، إذَا خَانَك الْوَزِيرُ مَنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَطْلُبُهُ ، ضَاقَ عَلَيْهِ بَلَدُهُ .
صَدِيقِي دِرْهَمِي ، إذَا سَرَّحْته فَرَّجَ هَمِّي وَقَضَى حَاجَتِي .
مَنْ جَالَسَ عَدُوَّهُ فَلْيَحْتَرِسْ مِنْ مَنْطِقِهِ .
مَنْ قَلَّ خَيْرُهُ عَلَى أَهْلِهِ فَلَا تَرْجُ خَيْرَهُ .
عَنَاءٌ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ خَسَارَةٌ حَاضِرَةٌ .
مَنْ أَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ الْحِرْمَانَ .
صُحْبَةُ الْفَاسِقِ شَيْنٌ ، وَصُحْبَةُ الْفَاضِلِ زَيْنٌ ، الْكَرِيمُ يُوَاسِي إخْوَانَهُ فِي دَوْلَتِهِ .
مَنْ مَشَى فِي دِيوَانِ أَمَلِهِ عَثَرَ فِي عَنَانِ أَجَلِهِ ، مَنْ أَحَبَّكَ نَهَاكَ ، وَمَنْ أَبْغَضَك أَغْرَاكَ مَنْ اسْتَهْوَتْهُ الْخَمْرُ وَالنِّسَاءُ ، أَسْرَعَ إلَيْهِ الْبَلَاءُ مَنْ نَسِيَ إخْوَانَهُ فِي الْوِلَايَةِ ، أَسْلَمُوهُ فِي الْعَزْلِ وَالشِّدَّةِ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِرِزْقِهِ عَذَّبَ نَفْسَهُ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَى السُّلْطَانِ تَعَرَّضَ لِلْهَوَانِ ، إذَا لَمْ يُوَاتِك الْبَازِي فِي صَيْدِهِ فَانْتِفْ رِيشَهُ مَنْ مَدَحَك بِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْك سِرًّا ، ذَمَّك بِمَا يَعْلَمُ مِنْك جَهْرًا أَسْلِمْ لِسَانَك ، يَسْلَمْ جَنَانُك ، إنْ قَدَرْت أَنْ لَا تُسْمِعَ أُذُنَك شَرَّك فَافْعَلْ ، لِقَاءُ الْأَحِبَّةِ مَسْلَاةٌ لِلْهُمُومِ ، قَلِيلٌ مُهَنِّي خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مُكَدِّرٍ كَلْبٌ سَاخِرٌ خَيْرٌ مِنْ صَدِيقٍ غَادِرٍ رَوْضَةُ الْعِلْمِ أَزْيَنُ مِنْ رَوْضَةِ الرَّيَاحِينِ ، الْحَسُودُ مُغْتَاظٌ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْعَفِيفَةُ الْمُوَاتِيَةُ جَنَّةُ الدُّنْيَا .
وَمِنْ كَلَامِ أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِي : " مِنْ مَأْمَنِهِ يُؤْتَى الْحَذَرُ " " مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا اسْتَعْبَدَهُ " .
" وَيْلُ عَالِمٍ مِنْ امْرِئٍ جَاهِلٍ " .
" إنْ قَدَرْت أَنْ تُرِيَ عَدُوَّكَ أَنَّك صَدِيقُهُ فَافْعَلْ " .
" سُوقِيٌّ نَفِيسٌ خَيْرٌ مِنْ قُرَشِيٍّ خَسِيسٍ " .
" الْعَقْلُ كَالزُّجَاجِ إنْ تَصَدَّعْ لَمْ يُرَقَّعْ " .
" جَاءَ الْقَدَرُ عَمِيَ الْبَصَرُ " .
" الثَّقِيلُ عَذَابٌ وَبِيلٌ " "

لَا يَضُرُّ السَّحَابَ نُبَاحُ الْكِلَابِ " .
" مَنْ تَرَدَّى بِثَوْبِ السَّخَا غَابَ عَنْ النَّاسِ عَيْبُهُ وَاخْتَفَى " .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قِيلَ لأَرِسْطَاطَاليس مَا الْفَلْسَفَةُ قَالَ فَقْرٌ وَصَبْرٌ ، وَعَفَافٌ وَكَفَافٌ ، وَهِمَّةٌ وَفِكْرَةٌ قِيلَ لِسُقْرَاطَ بِمَ فَضَلْت أَهْلَ زَمَانِك ؟ قَالَ : لِأَنَّ غَرَضِي فِي الْأَكْلِ الْإِحْيَاءُ ، وَغَرَضُهُمْ فِي الْحَيَاةِ لِيَأْكُلُوا قِيلَ لِجَالِينُوسَ بِمَ فُقْتَ أَصْحَابَك فِي عِلْمِ الطِّبِّ قَالَ : لِأَنِّي أَنْفَقْت فِي زَيْتِ السِّرَاجِ لِدَرْسِ الْكُتُبِ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ .
قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ الْحُكَمَاءِ لِمَنْ أَنْتَ أَرْحَمُ قَالَ : لِعَالِمٍ جَارَ عَلَيْهِ جَاهِلٌ .
قِيلَ : لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَتَى أَثَّرَتْ فِيكَ الْحِكْمَةُ قَالَ : مُذْ بَدَا لِي عَيْبُ نَفْسِي .
يُرْوَى عَنْ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ أَمْرٌ لَا تَعْلَمُ مَتَى يَغْشَاكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْتَعِدَّ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْجَأَكَ .
وَقَالَ غَيْرُهُ نِعْمَ الصَّاحِبُ ، وَالْجَلِيسُ كِتَابٌ تَلْهُو بِهِ إنْ خَانَكَ الْأَصْحَابُ لَا مُفْشِيًا عِنْدَ الْقَطِيعَةِ سِرَّهُ وَتُنَالُ مِنْهُ حِكْمَةٌ وَصَوَابُ وَقَالَ آخَرُ : لَنَا جُلَسَاءُ مَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا وَمَشْهَدَا يُفِيدُونَنَا مِنْهُمْ طَرَائِفَ حِكْمَةٍ وَلَا نَتَّقِي مِنْهُمْ لِسَانًا وَلَا يَدَا وَقَالَ آخَرُ : مَا تَطَمَّعْت لَذَّةَ الْعَيْشِ حَتَّى صِرْت فِي الْبَيْتِ لِلْكِتَابِ جَلِيسَا إنَّمَا الذُّلُّ فِي مُخَالَطَةِ النَّاس سِ فَدَعْهُمْ تَعِشْ عَزِيزًا رَئِيسَا وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كَيْفَ لَا تَسْتَوْحِشُ فِي مَكَانِكَ وَحْدَكَ ؟ فَقَالَ كَيْفَ يَسْتَوْحِشُ مَنْ هُوَ مُجَالِسٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَعْنِي : الْكُتُبَ الَّتِي فِيهَا الْأَخْبَارُ ، وَالسِّيَرُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ذَكَرَهُ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا فِي مَجَالِسِهِ .
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ وَكَانَ كَثِيرَ الْجُلُوسِ فِي دَارِهِ ، فَقِيلَ أَلَا تَسْتَوْحِشُ ؟ فَقَالَ كَيْفَ

أَسْتَوْحِشُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَافِظُ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ السَّاتِرِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ السَّاتِرِ الْعَدْلُ بِتَنِيسَ وَأَنَا جَالِسٌ وَحْدِي أَكْتُبُ وَقَدْ أَغْلَقْت بَابَ الْبَيْتِ فَقَالَ دَخَلْت عَلَى الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ السِّجْزِيِّ الْحَافِظِ وَهُوَ وَحْدَهُ فَقُلْت لَهُ أَيُّهَا الشَّيْخُ أَنْتَ جَالِسٌ وَحْدَكَ ؟ فَقَالَ لَسْت وَحْدِي أَنَا بَيْنَ عِشْرِينَ أَلْفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ وَأَحْكِي عَنْهُمْ .
قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ : سَمِعْت الْإِمَامَ سَعْدَ بْنَ عَلِيٍّ يَقُولُ : لَمَّا تُوُفِّيَ الشَّيْخُ أَبُو النَّصْرِ السِّجْزِيُّ الْحَافِظُ وَصَّانِي أَنْ أَبْعَثَ بِكُتُبِهِ إلَى مِصْرَ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْحَبَّالِ أَوْصَى لَهُ بِهَا .

فَصْلٌ : ( فِي وَصَايَا وَمَوَاعِظَ وَأَحَادِيثِ كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ ) وَأَقْبِلْ عَلَى مَنْ يُقْبِلُ عَلَيْكَ ، وَارْفَعْ مَنْزِلَةَ مَنْ عَظُمَ لَدَيْكَ ، وَأَنْصِفْ حَيْثُ يَجِبُ الْإِنْصَافُ ، وَاسْتَعِفَّ حَيْثُ يَجِبُ الِاسْتِعْفَافُ ، وَلَا تُسْرِفْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْإِسْرَافَ ، وَإِنْ رَأَيْت نَفْسَكَ مُقْبِلَةً عَلَى الْخَيْرِ فَاشْكُرْ ، وَإِنْ رَأَيْتهَا مُدْبِرَةً عَنْهُ فَازْجُرْ .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ، أَوْ هَرَمًا مُفْنِدًا ، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ، أَوْ الدَّجَّالَ وَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَإِنْ بُلِيت بِضُرٍّ فَاصْبِرْ وَإِنْ جَنَيْت فَاسْتَغْفِرْ ، وَإِنْ هَفَوْت فَاعْتَذِرْ ، وَإِنْ ذُكِّرْت بِاَللَّهِ فَاذْكُرْ ، وَإِذَا قُمْت مِنْ مَجْلِسِك فَقُلْ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك ، فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك مَا كَانَ فِي مَجْلِسِك .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ يَكْثُرُ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَاكَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَاكَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
ثنا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَمُوسَى ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِالتَّدْلِيسِ .
وَرَوَاهُ

النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ .
وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي تَارِيخِهِ ثنا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْت أَبَا حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدُونٍ الْقَصَّارَ يَقُولُ سَمِعْت مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ وَجَاءَ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ سَلَّامٍ ثنا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ فَمَا عِلَّتُهُ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ وَلَا أَعْلَمُ فِي الدُّنْيَا غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ ثنا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ ثنا وُهَيْبٌ ثنا سُهَيْلٌ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ إسْمَاعِيلَ سَمَاعٌ مِنْ سُهَيْلٍ .
وَأَوْرَدَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ لَا يُبْغِضُكَ إلَّا حَاسِدٌ ، وَأَشْهَدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُك ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الْمَجْلِسِ وَقَالَ { ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ } رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ هُوَ الرُّمَّانِيُّ الْوَاسِطِيُّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ مَرْفُوعًا .
وَرَوَى الْحَاكِمُ حَدِيثَ رَافِعٍ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثٍ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَلَسَ مَجْلِسًا أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنْ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ { إنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَرٍّ كَانَ

كَفَّارَةً لَهُ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك } .
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ الْكَلِمَاتُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيَامِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ ، وَلَا يَقُولُهُنَّ فِي مَجْلِسِ خَيْرٍ ، وَمَجْلِسِ ذِكْرٍ إلَّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الصَّحِيفَةِ ، سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك .
إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، ثُمَّ قَالَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو : وَحَدَّثَنِي بِنَحْوِ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ كَلَامًا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ : ثنا يُونُسُ ثنا لَيْثٌ يَعْنِي : ابْنَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي الْهَادِي عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ { مَا مِنْ إنْسَانٍ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ فَيَقُولُ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبِّي ، وَبِحَمْدِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك } قَالَ فَحَدَّثْت بِهَذَا الْحَدِيثِ يَزِيدَ بْنَ خُصَيْفَةَ فَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ عَنْ أَبِي الزِّنْبَاعِ رَوْحِ بْنِ الْفَرَجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ اللَّيْثِ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ .
قَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مِرَارًا يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ الْمَجْلِسِ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك حَتَّى أَرَى شَفَتَيْهِ تُحَرِّكَانِ فَلَا أَفْهَمُ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ .
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَقُولَ

{ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك } انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ بِمَا رَوَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ أَنْ لَا يَقُومَ أَحَدٌ حَتَّى يَقُولَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ تُبْ عَلَيَّ وَاغْفِرْ لِي { يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ لَغَطٍ كَانَتْ كَفَّارَةً لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ كَانَتْ طَابَعًا عَلَيْهِ } .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مَرْفُوعًا { مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَرَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ { فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ } وَلِأَبِي دَاوُد { مَا مَشَى قَوْمٌ مَمْشًى لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّهِ تِرَةً } وَتَقَدَّمَ هَذَا الْخَبَرُ فِي آدَابِ النَّوْمِ .
رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } الطُّورَ .
مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَأَبُو الْأَحْوَصِ وَيَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ وَعَطَاءٌ قَالُوا حِينَ تَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ تَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَسْتَغْفِرُك ، وَأَتُوبُ إلَيْكَ ، وَقَالُوا مَنْ قَالَهَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ فِي الْمَجْلِسِ وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ كُنْت أَحْسَنْت ازْدَدْت إحْسَانًا ، وَإِنْ كُنْت غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ كَفَّارَةً .

آخِرُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ

ج1وج12وج3.كتاب : الناسخ والمنسوخ المؤلف : أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس

ج1.كتاب : الناسخ والمنسوخ المؤلف : أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله شكرا لأنعمه أخبرنا الشيخ الجل...