من ج1. الي ج 4. كتاب : المنثور في القواعد المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي

ج1.
ج1. كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُ حَسْبِي وَكَفَى قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ رُحْلَةُ الطَّالِبِينَ وَمُفْتِي الْمُسْلِمِينَ وَعُمْدَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ مُحَمَّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَعَالِي عَنْ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ الْمُنَزَّهِ عَنْ وَصْفٍ يُدْرِكُ بِهِ حِسٌّ أَوْ يَخْتَلِجُ بِهِ ضَمِيرٌ .
أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ مِنْ نِعْمَتِهِ وَأَبْلَغَ مِنْ دَقِيقِ حِكْمَتِهِ .
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مُتَحَقِّقٍ لِعُبُودِيَّتِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَرُوسُ حَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ .
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ ضَبْطَ الْأُمُورِ الْمُنْتَشِرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي الْقَوَانِينِ الْمُتَّحِدَةِ هُوَ أَوْعَى لِحِفْظِهَا وَأَدْعَى لِضَبْطِهَا وَهِيَ إحْدَى حِكَمُ الْعَدَدِ الَّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا ، وَالْحَكِيمُ إذَا أَرَادَ التَّعْلِيمَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ بَيَانَيْنِ : إجْمَالِيٍّ تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النَّفْسُ ، وَتَفْصِيلِيٍّ تَسْكُنُ إلَيْهِ .
وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ قُطْبِ الدِّينِ السَّنْبَاطِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّظَائِرِ .
وَهَذِهِ قَوَاعِدُ تَضْبِطُ لِلْفَقِيهِ أُصُولَ الْمَذْهَبِ ، وَتُطْلِعُهُ مِنْ مَأْخَذِ الْفِقْهِ عَلَى نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ وَتُنَظِّمُ عِقْدَهُ الْمَنْثُورَ فِي سِلْكٍ وَتَسْتَخْرِجُ لَهُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مِلْكٍ .
أَصْلَتِهَا لِتَكُونَ ذَخِيرَةً عِنْدَ الِاتِّفَاقِ وَفَرَّعْتُ عَلَيْهَا مِنْ الْفُرُوعِ مَا يَلِيقُ بِتَأْصِيلِهَا عَلَى الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ وَغَالِبُهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مِمَّا لَا عَهْدَ لِلْأَنَامِ بِمِثْلِهَا وَلَا رَكَضَتْ جِيَادُ الْقَرَائِحِ فِي جَوَادِ سُبُلِهَا تَتَنَزَّهُ فِي رِيَاضِهَا عُيُونُ الْعُقُولِ وَيَكْرَعُ مِنْ حِيَاضِهَا لِسَانُ الْمَنْقُولِ وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ أَبْحُرِ الْمَعَانِي دُرُّهَا الثَّمِينُ وَيَتَنَاوَلُ عِقْدَهَا الْفَرِيدَ بِالْيَمِينِ .
وَرَتَّبْتُهَا عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ طِرَازِهَا الْمُعَلِّمِ ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ وَهُوَ خَيْرُ مَأْمُولٍ أَنْ يُلْهِمَنَا مَحَاسِنَ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَيَجْعَلُنَا مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ .
فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : الْفِقْهُ افْتِتَاحُ عِلْمِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ افْتِتَاحُ شِعْبِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ ، حَكَاهُ عَنْهُ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ : حَقِيقَةُ الْفِقْهِ عِنْدِي الِاسْتِنْبَاطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ : هُوَ اسْتِنْبَاطُ حُكْمِ الْمُشْكِلِ مِنْ الْوَاضِحِ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ } أَيْ غَيْرُ مُسْتَنْبِطٍ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِدْلَالٌ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْهَا قَالَ : ( وَمَا أَشْبَهَ الْفَقِيهَ إلَّا بِغَوَّاصٍ فِي بَحْرِ دُرٍّ كُلَّمَا غَاصَ فِي بَحْرِ فِطْنَتِهِ اسْتَخْرَجَ دُرًّا وَغَيْرُهُ يَسْتَخْرِجُ آجُرًّا ) .
وَمِنْ الْمَحَاسِنِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ : أَهَمُّ الْمُطَالَبِ فِي الْفِقْهِ التَّدَرُّبِ فِي مَآخِذِ الظُّنُونِ فِي مَجَالِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِقْهُ النَّفْسِ وَهُوَ أَنْفَسُ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ أَنْوَاعٌ .
( أَحَدُهَا ) مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَعَلَيْهِ صَنَّفَ الْأَصْحَابُ تَعَالِيقَهُمْ الْمَبْسُوطَةَ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ .
( وَالثَّانِي ) مَعْرِفَةُ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَعَلَيْهِ جُلُّ مُنَاظَرَاتِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : ( الْفِقْهُ فَرْقٌ وَجَمْعٌ ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا صُنِّفَ فِيهِ كِتَابُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ ، وَأَبِي الْخَيْرِ بْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَكُلُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ مُؤَثِّرٌ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ قَالَ الْإِمَامُ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَلَا يُكْتَفَى بِالْخَيَالَاتِ فِي الْفُرُوقِ بَلْ إنْ كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ فِي الظَّنِّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ انْقَدَحَ فَرَّقَ عَلَى بُعْدٍ .
قَالَ الْإِمَامُ فَافْهَمُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ .
( الثَّالِثُ ) بِنَاءُ الْمَسَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِاجْتِمَاعِهَا فِي مَأْخَذٍ وَاحِدٍ وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِيهِ كِتَابُ السِّلْسِلَةِ لِلْجُوَيْنِيِّ وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَمَّاحِ وَقَدْ يَقْوَى التَّسَلْسُلُ فِي بِنَاءِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذِهِ سَلْسَلَةٌ طَوَّلَهَا الشَّيْخُ ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ بِنَاءُ الْوَجْهَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ إذَا كَانَ الْمَأْخَذُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى وَأَمَّا الْقَوْلَانِ فَيَنْبَنِيَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَنْكَرُ كَثِيرًا .
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ مَأْخَذُهُمَا قَوْلَانِ فَلَمْ نَبْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا عَلَى قَوْلَيْنِ .
( الرَّابِعُ ) الْمُطَارَحَاتُ : وَهِيَ مَسَائِلُ عَوِيصَةٌ يُقْصَدُ بِهَا تَنْقِيحُ الْأَذْهَانِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلزَّعْفَرَانِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : تَعَلَّمَ دَقِيقَ الْعِلْمِ كَيْ لَا يَضِيعَ .
( الْخَامِسُ ) الْمُغَالَطَاتُ .
( السَّادِسُ ) الْمُمْتَحِنَاتُ .
( السَّابِعُ ) الْأَلْغَازُ .
( الثَّامِنُ
) الْحِيَلُ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ سُرَاقَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
( التَّاسِعُ ) مَعْرِفَةُ الْأَفْرَادِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا لِكُلٍّ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْ الْأَوْجُهِ الْقَرِيبَةِ وَهَذَا يُعْرَفُ مِنْ طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَنَّفَ الطَّبَقَاتِ .
( الْعَاشِرُ ) مَعْرِفَةُ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَجْمَعُ جُمُوعًا وَالْقَوَاعِدُ الَّتِي تَرُدُّ إلَيْهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَهَذَا أَنْفَعُهَا وَأَعَمُّهَا وَأَكْمَلُهَا وَأَتَمُّهَا وَبِهِ يَرْتَقِي الْفَقِيهُ إلَى الِاسْتِعْدَادِ لِمَرَاتِبِ الْجِهَادِ وَهُوَ أُصُولُ الْفِقْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ .
( فَائِدَةٌ ) : كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ : الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْأُصُولِ وَالنَّحْوِ وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ ، وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ .
وَكَانَ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحَّلِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِقْهِ قَيِّمًا وَفِي الْأُصُولِ رَاجِحًا وَفِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ مُشَارِكًا .
وَقَالَ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ : وَلَا يَنْبَغِي لِحَصِيفٍ يَتَصَدَّى إلَى تَصْنِيفٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَرَضَيْنِ إمَّا أَنْ يَخْتَرِعَ مَعْنًى وَإِمَّا أَنْ يَبْتَدِعَ وَضْعًا وَمَبْنًى وَمَا سِوَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ تَسْوِيدُ الْوَرَقِ وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ السَّرَقِ .
الْإِبَاحَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ : ( الْأَوَّلُ ) فِي حَقِيقَتِهَا : وَهِيَ تَسْلِيطٌ مِنْ الْمَالِكِ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَلَا تَمْلِيكَ فِيهَا وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَاحَهُ صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ وُهِبَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ وَفِي فَتَاوَى بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ إذَا قَالَ أَبَحْت لَك كَذَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُتْلَفُ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِبَاحَةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلَفُ صَحَّتْ الْإِبَاحَةُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا لَمْ يُتْلِفْهُ الْمُبَاحُ لَهُ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إذَا أَخَذَ صَيْدًا مَلَكَهُ وَإِذَا أَرْسَلَهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ فَإِذَا قَالَ أَبَحْته لِكُلِّ مَنْ أَخَذَهُ حَلَّ لِمَنْ أَخَذَهُ أَكَلَهُ .
قَالَ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْآخِذِ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ لَمْ يَزُلْ بِالْإِبَاحَةِ كَالضَّيْفِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَبِيعَهُ .
انْتَهَى .
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الضِّيَافَةُ عِنْدَ الْقَفَّالِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بَلْ تَنَاوُلُهُمْ إتْلَافٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ .
وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ تُمْلَكُ لِأَنَّهَا بِالتَّقْدِيمِ أُلْحِقَتْ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْمُبَاحَاتُ تُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ وَمِنْهَا الْكُتُبُ الَّتِي يَكْتُبُهَا النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ وَلِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْكِتَابَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا فِيهِ فَهُوَ كَطَبَقِ الْهَدِيَّةِ .
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الْعَارِيَّةُ عِنْدَ الْمَرَاوِزَةِ فَهِيَ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهَا وَالْمُسْتَبِيحُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِالْإِبَاحَةِ إلَى غَيْرِهِ وَتَابَعَهُمْ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ .
وَمِنْ ثَمَّ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِهَا فَلَوْ قَالَ أَبَحْت لَك دَرَّ هَذِهِ الشَّاةِ وَنَسْلُهَا كَانَتْ عَارِيَّةً
صَحِيحَةً قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَكُونُ الْعَارِيَّةُ لِاسْتِفَادَةِ عَيْنٍ كَالْإِجَارَةِ فِي الرَّضَاعِ وَالْبِئْرِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظٍ إمَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ وَالْإِبَاحَةُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) جَمَاعَةٌ تَيَمَّمُوا لِعَدَمِ الْمَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ أَبَحْت لَكُمْ هَذَا الْمَاءَ وَهُوَ يَكْفِي لِوَاحِدٍ بَطَلَ تَيَمُّمُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ وَإِنْ قَالَ وَهَبْت لَكُمْ فَقَبِلُوا إنْ قُلْنَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا .
( الثَّانِي ) : الْإِبَاحَةُ قَدْ تَكُونُ جَائِزَةَ الرُّجُوعِ وَقَدْ تَكُونُ لَازِمَةً كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ اللَّازِمَةِ لَا التَّمْلِيكِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا مَاتَ لَا تُورَثُ ، عَنْهُ وَفِي جَوَازِ الْإِعَارَةِ لَهُ وَجْهَانِ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ ( فِي الْكَلَامِ عَلَى الضِّيَافَةِ ) لَيْسَ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةٌ تُفْضِي إلَى اللُّزُومِ إلَّا فِي النِّكَاحِ ، إذَا قُلْنَا إنَّهُ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا .
( الثَّالِثُ ) : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُبَاحِ ؟ قَالَ الْعَبَّادِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ قَالَ : أَنْتِ فِي حِلٍّ مِمَّا تَأْخُذُ مِنْ مَالِي أَوْ تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ فَأَكَلَ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ أَخَذَ أَوْ أَعْطَى لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَكْلَ إبَاحَةٌ وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ مَجْهُولَةً وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مَجْهُولَةً .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ ( إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ أَبَحْت لَك حِلَابَ شَاتِي فَهُوَ إبَاحَةُ الْمَجْهُولِ كَمَا لَوْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا تَأْكُلُهُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ فَتَجُوزُ مُسَامَحَتُهُ ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) إذَا قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي بَيْتِي أَوْ اسْتِعْمَالُ مَا فِي دَارِي مِنْ الْمَتَاعِ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ ، وَإِنْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي دَارِي مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مَا فِي كَرْمِي مِنْ الْعِنَبِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَهُ أَوْ يَبِيعَهُ أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ وَهَذَا يُسَاعِدُ مَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَيَوَانٌ لَبُونٌ أَوْ شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَطَرِيقُهُمَا أَنْ يُبِيحَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ مُدَّةً ، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) رَجُلٌ وَكَّلَ آخَرَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً لِيَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ وَمَا أَرَادَ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ فَإِذَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ مَثَلًا مِائَةَ دِرْهَمٍ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ ؟ أَجَابَ إذَا كَانَ لَفْظُ الْإِبَاحَةِ شَامِلًا لِذَلِكَ أَخْذًا وَقَدْرًا وَلِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهَا جَازَ ذَلِكَ وَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ مَعْلُومًا لِلْمُبِيحِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ .
( الرَّابِعُ ) : هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْبَحْرِ لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبَحْت لَك فِيهِ وَجْهَانِ قُلْت : وَيُشْبِهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ إذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا .
( الْخَامِسُ ) : هَلْ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَالَ الْإِمَامُ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ أَبَاحَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَقَالَ الْمُبَاحُ لَهُ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ وَكَانَ الْمُبِيحُ مُسْتَمِرًّا عَلَى إبَاحَتِهِ فَلِلْمُبَاحِ لَهُ الِاسْتِبَاحَةُ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ ثُمَّ قَالَ وَفِي النَّفْسِ مِنْ رَدِّ الْإِبَاحَةِ شَيْءٌ عَلَى بُعْدٍ وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَنَّ كَلَامَ الْمُهَذَّبِ ( يَعْنِي فِي الْعَارِيَّةِ ) يَقْتَضِي الرَّدَّ .
( قُلْت ) وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ فَقَالَ لِلْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الضَّيْفَ لَوْ قَالَ عَزَلْت نَفْسِي كَانَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَهُ .
( السَّادِسُ ) : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْحَاوِي الِاسْتِبَاحَةُ إذَا صَادَفَتْ إبَاحَةً لَمْ يَعْلَمْهَا الْمُسْتَبِيحُ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِبَاحَةِ دُونَ الْحَظْرِ كَمَنْ اسْتَبَاحَ مَالًا قَدْ أَبَاحَهُ لَهُ مَالِكُهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ جَرَى عَلَى الْمَالِ الْمُسْتَبَاحِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبِيحِ وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَظْرِ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَبِيحِ ( قُلْت ) وَلَوْ أَبَاحَهُ ثِمَارَ بُسْتَانِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ الْغَزَالِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ( فَمَا يَتَنَاوَلُهُ ) قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ فَلَا ضَمَانَ .
وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ بِجَهْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْإِمَامِ .
وَاَلَّذِي فِي النِّهَايَةِ لَا غُرْمَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى فِيهِ قَوْلَيْ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ وُجُوبَ الْأُجْرَةِ فِيمَا لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَاسْتَعْمَلَهَا الْمُسْتَعِيرُ جَاهِلًا .
( السَّابِعُ ) : مَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَمَا لَا يُبَاحُ وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَجُوزُ قَطْعًا وَهُوَ الْأَمْوَالُ بِالِانْتِفَاعِ .
الثَّانِي : مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا فَمِنْهَا إتْلَافُ الْمَالِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا الْأَبْضَاعُ وَلِهَذَا لَوْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ فِي الزِّنَى وَطَاوَعَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَوْ أَبَاحَ وَطْءَ أَمَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَوَطِئَهَا لَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِلْإِذْنِ .
قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْلَمَ لَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَعِوَضُهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ كَمَا فِي إذْنِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ ؟ قَوْلَانِ لَكِنَّهُمَا فِي جَاهِلِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ عَلِمَ فَهُوَ زِنًى ، وَالزِّنَى لَا يُوجِبُ الْمَهْرَ إلَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ( وَمِنْهَا ) الْقَتْلُ إذَا قَالَ اُقْتُلْنِي لَا يُبَاحُ بِالْإِذْنِ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فَإِنْ قُلْت : هَلَّا ضَمِنَ فِي الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ حَلَقَ أَجْنَبِيٌّ شَعْرَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ( أَيْ الْمُحْرِمُ ) لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي يَدِهِ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَالنَّفْسُ أَوْلَى بِذَلِكَ .
( قُلْت ) : هُمَا سَوَاءٌ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مُبِيحِ نَفْسِهِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ هُنَاكَ وَإِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَقَدْ أَسْقَطَهُ ( وَمِنْهَا ) إبَاحَةُ الْعَرْضِ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ اقْذِفْنِي فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَجِبُ وَنَقْلَ الْإِمَامُ إجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُ الْعَشِيرَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ الْإِذْنُ فِي حَقِّهِمْ .
يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ : ( الْأَوَّلُ ) : هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ كَالْإِعْتَاقِ أَوْ تَمْلِيكٌ لِلْمَدْيُونِ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا مَلَكَهُ سَقَطَ ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي مَوْضِعٍ لَا يُطْلَقُ التَّرْجِيحُ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الصُّوَرِ أَيْ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ وَأَبْطَلُوهُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَمَنَعُوا إبْهَامَ الْمَحَلِّ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ فَقَالَ أَبْرَأْتُ أَحَدَكُمَا وَلَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَصَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ وَرَجَّحُوا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمَدْيُونِ بِهِ وَلَا قَبُولُهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِشَرْطِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِهَذَا تَوَسَّطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ إنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ إسْقَاطٌ فِي حَقِّ الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إنَّمَا يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مَالًا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ .
( الثَّانِي ) : أَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ الْمَجْهُولِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) إبِلُ الدِّيَةِ ( وَالثَّانِيَةُ ) مَا إذَا ذَكَرَ غَايَةً يَتَحَقَّقُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَيَقُولُ مَثَلًا أَبْرَأَتْك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ إذَا عَلِمَ أَنَّ مَالَهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حِينَئِذٍ عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَهُ .
وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّرَاهِمِ فَهَلْ يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَجْهَانِ فِي بَابِ الضَّمَانِ مِنْ الرَّافِعِيِّ وَأَصَحُّهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ أَدْنَى الْمَرَاتِبِ وَكَلَامُهُ فِي الصَّدَاقِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ أَبْطَلَ الْإِبْرَاءَ فِي غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ وَجَعَلَ الْمُتَيَقَّنَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
تَنْبِيهٌ : فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ مَا لَوْ قَالَ أَبْرِئْنِي مِنْ مِائَةٍ فَأَبْرَأَهُ وَهُوَ
لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةً وَفِي بَرَاءَتِهِ وَجْهَانِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ ، وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ وَكَانَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَسَكَتَ عَمَّا إذَا أَطْلَقَ ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى بَرَاءَةِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَبْرَأُ .
تَنْبِيهٌ آخَرَ : الْمُرَادُ بِالْمَجْهُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُبْرِئِ ، وَأَمَّا الْمُبْرَأُ وَهُوَ الْمَدْيُونُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنْ قُلْنَا إسْقَاطٌ لَمْ يُشْتَرَطْ وَإِنْ قُلْنَا تَمْلِيكُ اشْتِرَاطٍ كَالْمُتَّهَبِ .
قُلْت : وَهَذَا فِيمَا لَا مُعَاوَضَةَ فِيهِ فَأَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ بِمِقْدَارِ مَا أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ وَأَجْرُوا كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ .
( الثَّالِثُ ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبْرَأْتُك ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ .
وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا إنْ طَلَّقْتنِي فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ فَطَلَّقَ لَمْ يَبْرَأْ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ مَجَّانًا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الصَّدَاقِ وَكَلَامُ الْمُتَوَلِّي قُبَيْلَ الصُّلْحِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْبَرَاءَةِ وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ .
أَمَّا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَبْرَأْتنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ وَقَعَ بَائِنًا فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَبْرَأْت فُلَانًا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَيْهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَفِي الْأُولَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الطَّلَاقِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ صُوَرٌ أُخَرُ : ( إحْدَاهَا ) : لَوْ قَالَ إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك صَحَّ وَإِذَا رَدَّ يَبْرَأُ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَهُوَ إسْقَاطٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَنَافِعَ بَدَنِهِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ .
الثَّانِيَةُ ) : الْبَرَاءَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِمَوْتِ الْمُبْرِئِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ : إذَا مِتُّ فَأَنْتِ فِي حِلٍّ ، فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَيُؤَيِّدُهُ جَوَازُ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ .
وَمِثْلُهُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ مَوْهُوبٍ الْجَزَرِيِّ إذَا قَالَ : أَنْتَ بَرِيءٌ عَنْ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ قَالَ إذَا مِتُّ فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ ، كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً صَحِيحَةً ، سَوَاءٌ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ أَوْ إسْقَاطٌ لِأَنَّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تُمْلَكُ الْأَعْيَانُ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ لَك بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ .
( الثَّالِثَةُ ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا كَمَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ ثُمَّ كَاتَبَهُ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ عَتَقَ وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِبْرَاءَ مِنْ النُّجُومِ حَتَّى تَتْبَعَهُ أَكْسَابُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الْإِبْرَاءُ لَمْ يُعْتَقْ عَنْهَا فَلَا يَتْبَعُهُ كَسْبُهُ .
( الرَّابِعَةُ ) : الْبَرَاءَةُ تَنْقَسِمُ إلَى اسْتِيفَاءٍ وَإِسْقَاطٍ .
قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ : وَحَدُّ الِاسْتِيفَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَعَ تَمَكُّنِ صَاحِبِهِ ( وَهُوَ الْمُخْتَارُ ) مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَدَلِهِ غَيْرَ أَنَّ التَّصَرُّفَ اقْتَرَنَ بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ إقْرَاضُهُ مِنْهُ .
قَالَ وَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً حُكْمًا كَالْعِتْقِ جُعِلَ تَمْلِيكًا وَإِزَالَةً وَاخْتَارَ أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَبَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ اسْتَحَالَ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً لَلَزِمَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .
( الْخَامِسُ ) أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَجِبْ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَقَوْلَانِ وَأَصَحُّهُمَا إلْغَاؤُهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ مِنْ الضَّمَانِ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَفِي بَرَاءَتِهِ وَصَيْرُورَةِ يَدِهِ يَدَ أَمَانَةٍ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْإِبْرَاءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ ، وَجَرَى ( سَبَبُ وُجُوبِهِ لِأَنَّ الْغَصْبَ ) سَبَبُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ وَمِثْلُهُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الضَّمَانِ فَخِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبَرَاءَةِ .
وَمِثْلُهُ أَوْدَعَهُ عَيْنًا وَأَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَلَفِهَا وَاسْتِقْرَارِ غُرْمِهَا فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَائِهَا فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ .
وَلَوْ أَبْرَأَتْ الْمُفَوِّضَةُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ وَرَضِيَ بِاسْتِبْقَائِهَا بَعْدَ الْحَفْرِ بَرِئَ مِمَّا يَقَعُ فِيهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُ ابْتِدَاءً قَالَهُ ( صَاحِبُ الْبَيَانِ ) فِي فَتَاوِيهِ .
وَلَيْسَ لَنَا إبْرَاءٌ يَصِحُّ ( قَبْلَ وُجُوبِهِ غَيْرَ ) هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَ دِينَارًا فِي ذِمَّتِهِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ وَأَبْرَأَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَنُقِضَ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَالْأَحْسَنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الرِّبَوِيِّ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ( وَمِنْهُ الدَّعْوَى فَفِي ) صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْهَا وَجْهَانِ .
قَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحُّ ( فَلَوْ قَالَ
أَبْرَأَتْنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا يُسْمَعُ ) .
تُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ وَفِي عَدَمِ تَحْرِيمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَبْنِيَةِ دُونَ الْمُسَافِرِ غَالِبًا وَفِي الْبَيْعِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ الْأَبْنِيَةُ وَالسَّاحَاتُ الْمُحِيطَةُ بِالسُّورِ لَا الْمَزَارِعُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَلِيَ قَضَاءَ بَلْدَةٍ فَحَكَمَ وَهُوَ خَارِجُ الْأَبْنِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَظَائِرِهِ فِي دُخُولِ الْمَزَارِعِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةَ كَذَا لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ مَزَارِعِهَا الْخَارِجَةِ عَنْهَا .
الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ مُتَضَايِفَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ وَمِنْ فُرُوعِهِ : قَالَ الرُّويَانِيُّ الْأَوْلَى فِي ادِّعَاءِ النَّسَبِ أَنْ يَقُولَ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ أَنَا ابْنُك وَمُدَّعِي الْبُنُوَّةَ أَنْتَ ابْنِي فَلَوْ قَالَ الِابْنُ أَنْتِ أَبِي أَوْ الْأَبُ أَنَا أَبُوك صَحَّتْ الدَّعْوَى حُكْمًا وَإِنْ فَسَدَتْ اخْتِيَارًا .
اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ يَمْتَنِعُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) الْأَبُ وَالْجَدُّ فِي بَيْعِ مَالِ الطِّفْلِ لِنَفْسِهِ .
( الثَّانِيَةُ ) إذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ وَنَهَاهُ عَنْ الزِّيَادَةِ فَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ، إذْ اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ إنَّمَا يُمْنَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ الْجَوَازِ فِي حَقِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ .
: الْوَالِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَفِي النِّكَاحِ إذَا أَصْدَقَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ فِي مَالِ وَلَدٍ وَلَدَهُ لِبِنْتِ ابْنِهِ وَفِي صُورَةِ الْخُلْعِ إذَا خَالَعَهَا عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ لِوَلَدِهِ مِنْهَا فَصَرَفَتْهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ قَبْضِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِابْنِ الصَّبَّاغِ مِنْ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ .
وَنَقَلَ الْجُورِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ أَمِينٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَوْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِغَيْرِهِ أَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَأَطْعَمَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقَبْضِ ، وَيُجْعَلُ قَبْضُ الْمَسَاكِينِ كَقَبْضِهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الظُّفْرِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَوْ وَكَّلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُسْتَعِيرَ أَوْ الْمُسْتَأْجِرَ فِي قَبْضِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَبِلَ صَحَّ ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَبْضُ بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الضَّمَانِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ الْهِبَةِ قَالَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ فِي أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ قَابِضًا وَمُقْبِضًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَ دَارًا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي صَرْفِهَا فِي الْعِمَارَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ .
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ .
وَفِي الْإِشْرَافِ لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ مَالٌ فَأَذِنَ لَهُ فِي إسْلَامِهِ فِي كَذَا .
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَصِحُّ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ وَيَنْبَغِي طَرْدُ هَذَا
الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
الْإِثْبَاتُ أَقْرَبُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ النَّفْي .
وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي عِنْدَ التَّعَارُضِ وَكَانَ الْحَلِفُ فِي طَرَفِ الثُّبُوتِ عَلَى الْبَتِّ وَفِي النَّفْي عَلَى الْعِلْمِ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَحَلِفَ ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا لِاسْتِنَادِ قَوْلِهَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَلَوْ زُوِّجَتْ وَكَانَ رِضَاهَا شَرْطًا فَقَالَتْ لَمْ أَرْضَ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ بِهِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ قَبُولُهُ لِأَنَّ قَوْلَهَا الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إلَى النَّفْيِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ النَّفْيَ فِي فِعْلِهَا كَالْإِثْبَاتِ وَلِذَلِكَ يَحْلِفُ فِي نَفْيِ فِعْلِهِ عَلَى الْبَتِّ .
( وَمِنْهَا ) لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ الْمُتْلِفُ أَوْ الضَّامِنُ هَذَا الْمَالُ فِي يَدِي حَرَامٌ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَضْمُونُ لَهُ وَالْمَالِكُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ .
وَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ هُوَ حَلَالٌ وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ حَرَامٌ أُجْبِرَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الْأَخْذِ أَوْ الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ .
تَنْبِيهٌ : فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ مَحْصُورًا كَانَ كَالْإِثْبَاتِ فِي إمْكَانِ الْإِحَاطَةِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ فُلَانًا فِي سَاعَةِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ( أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا سَاعَةَ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ) لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَبُولُ وَوَجَّهَهُ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) بِمَا ذَكَرْنَا .
الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ إلَّا فِي وُجُوبِ التَّأْقِيتِ وَالِانْفِسَاخِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِتَلَفِ الْمَوْرِدِ مِنْ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ .
وَفِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِيهَا خِلَافٌ ، وَأَنَّ الْعَقْدَ يُرَدُّ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْبَيْعِ عَلَى الْعَيْنِ وَأَنَّ الْعِوَضَ يُمْلَكُ فِي الْبَيْعِ بِالْقَبْضِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا ؛ وَفِي الْإِجَارَةِ مِلْكًا مُرَاعًى لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ .
الْأَجَلُ لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ وَقْتِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) الْمَوْتُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ وَفِي يَدِهِ أَمْوَالٌ فَإِنَّهَا تَحِلُّ .
ذَكَرَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ ، فِي بَابِهِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ .
( وَمِنْهَا ) الْجُنُونُ يَحِلُّ بِهِ الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ فِي الْمَشْهُورِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الرَّافِعِيِّ .
( وَمِنْهَا ) اسْتِرْقَاقُ الْحَرْبِيِّ .
فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحُلُولِ بِالْإِفْلَاسِ وَأَوْلَى بِالْحُلُولِ ؛ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي السِّيَرِ .
قَاعِدَةٌ : حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا أُجِّلَ لِأَجْلِهِ هَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ كَمَا فِي الْحَالِّ ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) لَوْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ أَوْ لَا حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ ؟ رَجَّحَ فِي الْكَبِيرِ الْوُجُوبَ وَفِي الصَّغِيرِ عَدَمَهُ .
( وَمِنْهَا ) إذَا أَصْدَقَهَا مُؤَجَّلًا فَلَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ حَتَّى تَقْبِضَ فِي الْأَصَحِّ .
( وَمِنْهَا ) إذَا بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ حَتَّى حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ .
الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ بِهِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَا مِنْ اجْتِهَادٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَتَسَلْسَلَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا تَسْتَقِرُّ الْأَحْكَامُ .
وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهِدِ فِيهَا وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ، وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ لَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْوَى مِنْهُ .
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَجَدَّدَ لَهُ لَا يُعْمَلُ إلَّا بِالثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ بِالْيَقِينِ قَالَهُ يُنْقَضُ .
وَلَوْ تَقَدَّمَ خَصْمَانِ إلَى الْقَاضِي فَقَالَا كَانَ بَيْنَنَا خُصُومَةٌ فِي كَذَا ، وَتَحَاكَمْنَا فِيهَا إلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَحَكَمَ بَيْنَنَا بِكَذَا لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فِيهَا عِنْدَك فَقِيلَ يُجِيبُهُمَا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ بَلْ يَمْضِي حُكْمُ الْأَوَّلِ .
وَلَوْ اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ فَاجْتَهَدَ رَجُلٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ .
وَلَوْ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَاسْتَعْمَلَهُ وَتَرَكَ الْآخَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي وَلَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ الْمَاضِي .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ إنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا الْأَصْحَابُ أَلْزَمُوهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ يَدْفَعُهُ فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ جَدِيدٌ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَاد لَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ .
وَلَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَتَابَ وَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ
الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ كَذَا عَلَّلَهُ فِي التَّتِمَّةِ ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَأَلْحَقهُ بِالْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا فَجَاءَ قَائِفٌ آخَرُ فَأَلْحَقَهُ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَقِيلَ يَتَعَارَضَانِ وَيَصِيرُ كَأَنَّ لَا قَائِفَ .
تَنْبِيهَاتٌ : ( الْأَوَّلُ ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اشْتَهَرَتْ فِي كَلَامِهِمْ وَتَحْقِيقُهَا أَنَّ النَّقْضَ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِانْتِفَاءِ التَّرْجِيحِ ( الْآنَ ) وَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دَلِيلٌ فَأَخَذَ بِهِ ثُمَّ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَمْضَى حُكْمَهُ وَقَضَاءَهُ فِي وَاقِعَةٍ ، وَكَانَ لِقَضَائِهِ مُسْتَنَدٌ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ وَمُتَعَلِّقٌ بِالْحُجَّةِ فَإِذَا أَرَادَ قَاضٍ بَعْدَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَهُ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا .
( الثَّانِي ) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : ( إحْدَاهَا ) أَنَّ لِلْإِمَامِ الْحِمَى فَلَوْ أَرَادَ مَنْ بَعْدَهُ نَقْضَهُ فَالْأَصَحُّ نَعَمْ لِأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ .
وَمَنَعَ الْإِمَامُ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَ لَيْسَ مَأْخَذُ التَّجْوِيزِ هَذَا وَلَكِنَّ حِمَى الْأَوَّلِ كَانَ لِلْمَصْلَحَةِ وَهِيَ الْمُتَّبَعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ .
( الثَّانِيَةُ ) لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِهَا وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا قُضِيَ لِلْخَارِجِ لِعَدَمِ حُجَّةِ صَاحِبِ الْيَدِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّافِعِيِّ .
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ قَالَ الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) : أَشْكَلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُنْذُ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً لِمَا
فِيهَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَتَرَدَّدَ جَوَابِي فَذَكَرْت مَرَّةً إنَّ تَأَكُّدَ الْحُكْمِ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يُنْقَضْ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، كَمَا فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَلَى قَوْلٍ .
ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَعْدَهُ .
( الثَّالِثَةُ ) لَوْ قَسَّمَ الْقَاسِمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَلَطِهِ أَوْ حَيْفِهِ نُقِضَتْ مَعَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَسَّمَ بِاجْتِهَادِهِ ، فَنَقْضُ الْقِسْمَةِ بِقَوْلٍ مِثْلِهِ ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ مُشْكِلٌ اسْتَشْكَلَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَة .
( الرَّابِعَةُ ) إذَا قَوَّمَ الْمُقَوِّمُونَ ثُمَّ اُطُّلِعَ عَلَى صِفَةِ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ بَطَلَ التَّقْوِيمُ الْأَوَّلُ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ يُشْبِهُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالنَّصِّ .
( التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ ) الْمُرَادُ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَيُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ أَجْلَى وَأَوْضَحَ مِنْهُ وَمِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ أَوْ لَا كَمَا فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي .
وَقَدْ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ مُسْتَمِرًّا كَمَا إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بِلَا مُحَلِّلٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ بَاقٍ مَعَهَا بِذَلِكَ النِّكَاحِ قَالَ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِمَا يَلْزَمُ فِي فِرَاقِهَا مِنْ تَغَيُّرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا لِمَا يَلْزَمُ فِي إمْسَاكِهَا مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي مُعْتَقَدِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاكِمِ لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَإِلَّا فَلَا
يَلْزَمُ مِنْ فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَامْتِنَاعِ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي أَيْضًا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا خَلَّلَ خَمْرًا فَأَتْلَفَهَا عَلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا يَعْتَقِدُ طَهَارَتَهَا بِالتَّخْلِيلِ فَتَرَافَعَا إلَى حَنَفِيٍّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِطَرِيقَةٍ فَقَضَى عَلَى الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَدَاءِ ضَمَانِهَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْحُكْمِ بِاعْتِقَادِ الْقَاضِي دُونَ اعْتِقَادِهِ وَكَأَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِهِ بَاطِنًا وَإِلَّا فَيُسَوَّغُ لَهُ الْحَلِفُ وَيُؤَيِّدُهُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ هَلْ تَحِلُّ لَهُ ؟ الرَّابِعُ ) قَالُوا الْمُجْتَهِدُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ لُزُومُ الْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ قَطْعًا .
اجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِوَاحِدٍ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ " رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ فَإِنَّ السَّابِقَ يَرِيضُ نَفْسَهُ وَفَرَسَهُ وَيَأْخُذُ السَّبْقَ .
( قُلْت ) وَيُتَصَوَّرُ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ النُّجُومَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ بَقَاءُ الرَّقَبَةِ عَلَى مِلْكِهِ ، وَقِيلَ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُكَاتَبِ ، وَقِيلَ إلَى اللَّهِ ( تَعَالَى ) حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ .
وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ .
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنْك عَلَى أَلْفٍ فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْعَيْنُ تَكُونُ لِمَالِكَيْنِ وَهِيَ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْحَيْلُولَةِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ حُكْمًا بِدَلِيلِ الِاسْتِرْدَادِ وَيَمْلِكُهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِيهَا وَلَا يَمْلِكُهَا وَمِثْلُهُ الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَيَمْلِكُهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا بَلَّ الْحِنْطَةَ بَلَلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا كَالتَّالِفَةِ فَيَأْخُذُ بَدَلَهَا مِنْ الْغَاصِبِ ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ ؟ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ) لِلْمَالِكِ كَيْ لَا يَكُونَ الْعُدْوَانُ قَاطِعًا حَقَّهُ كَمَا لَوْ نَجَّسَ زَيْتَهُ وَقُلْنَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ فَإِنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى بِهِ .
( وَالثَّانِي ) لِلْغَاسِلِ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ كَالْهَالِكِ وَلَمْ يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) شَيْئًا لَكِنَّهُ جَزَمَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ زَيْتُهُ بِمِثْلِهِ .
وَقُلْنَا إنَّهُ كَالْهَالِكِ أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ ذَلِكَ ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَصَبَ شَجَرَةً وَأَحْرَقَهَا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا لَا قِيمَةَ لَهُ فَالْمَالِكُ أَوْلَى بِالِانْتِفَاعِ بِالرَّمَادِ .
إدْرَاكُ بَعْضِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ نَوْعَانِ ( الْأَوَّلُ ) إدْرَاكُ إلْزَامٍ " كَإِدْرَاكِ زَائِلِ الْعُذْرِ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ " ، وَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَعْذُورُ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ زَالَ عُذْرُهُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا مُلْتَزِمًا بِفِعْلِهَا وَلِهَذَا سَمَّوْهُ إدْرَاكَ إلْزَامٍ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْقَضَاءَ فَسَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ .
وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ وَالِالْتِزَامُ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ .
الثَّانِي ) إدْرَاكُ إسْقَاطٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَمِنْهُ الْجُمُعَةُ لَا تُدْرَكُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطُ رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَوْ صَلَاةٌ بِحَالِهَا وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ الْإِسْقَاطَ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالٍ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ .
وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ قَصَرَ إنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ إنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ فِيمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ تَكْبِيرَةٍ فَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا كَانَ لَهُ الْقَصْرُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لَا إدْرَاكُ إلْزَامٍ فَهَلَّا شَرَطْتُمْ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ .
قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ فَتَحَرَّمَ وَنَوَى الْقَصْرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ الرُّخْصَةِ بِتَمَامِهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الرُّخْصَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا فِعْلُ الْقَصْرِ فَهُوَ مُوجِبٌ هَذِهِ النِّيَّةَ وَلِهَذَا إذَا نَوَاهُ مَعَ
التَّحَرُّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّتِهِ مَعَ السَّلَامِ .
وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فِي الْجُمُعَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ فِعْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ انْتَهَى .
وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى أَضْرُبٍ ( الْأَوَّلُ ) الْمَالِيَّةُ : وَتَنْقَسِمُ إلَى عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَمَّا الدَّيْنُ : فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ .
( وَالْأَوَّلُ ) إنْ كَانَ زَكَاةٌ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ وَكَذَا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ إنْ كَانَ سَبَبُهُمَا بِالتَّعَدِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَتْ عَلَى التَّرَاخِي ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهِمَا ؟ وَجْهَانِ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَتَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ لِحَاظِ هَذَا التَّفْصِيلِ ، وَلَوْ ادَّعَى تَلَفَ النِّصَابِ قُبِلَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَدَعْوَى الْأَمِينِ التَّلَفَ مَقْبُولَةٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ .
( وَالثَّانِي ) ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا .
فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ عَجَّلَهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَخَوْفِ الْإِغَارَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فَقَالَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ اسْتَوْفِ مِنِّي مَا تَسْتَحِقُّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الذِّمَّةَ هُنَاكَ بَرِّيَّةٌ وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْإِثْمِ وَقَدْ حَصَلَ بِبَذْلِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ ، وَإِذَا مَاتَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ .
وَأَمَّا هَا هُنَا فَرُبَّمَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهَلَاكِ مَالِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَقِّهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ .
هَذَا إذَا عَجَّلَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَدَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ قَبْضُهُ لَهُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَالشَّهَادَاتِ الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَظَّ لِلْغَائِبِ فِي أَنْ يَبْقَى الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمَلِيءِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَصِيرَ أَمَانَةً عِنْدَ
الْحَاكِمِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ الْوَجْهَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْقَبُولِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ .
( الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ حَالًّا فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مُوسِرًا رَشِيدًا حَيًّا فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ ؟ يَتَحَصَّلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ : أَحَدُهَا ) يَجِبُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ .
( وَالثَّانِي ) لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمُعَيَّنٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ .
( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا .
( وَالرَّابِعُ ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَالِكُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا .
( وَالْخَامِسُ ) إنْ كَانَ بِرِضَاهُ كَالْقَرْضِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْإِتْلَافَاتِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَجِبُ فَلَوْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٍ تُشْعِرُ بِالطَّلَبِ فَفِي وُجُوبِهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ لِيَخْرُجَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ .
نَعَمْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَطْلُ إذَا كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَحَتَّى يُوسِرَ وَلَا يَجِبُ الِاكْتِسَابُ لَهُ .
وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَرَاوِيُّ إنْ اسْتَدَانَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَجَبَ .
وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ يُخَالِفُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا قَالُوا يُبَادَرُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ( رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ) سَأَلَ وَارِثُهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ تُبْرِئُهُ هُنَا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا
يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهُ حَتَّى يَثْبُتَ وَيُطَالِبَ بِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ مَالُ الْمَحْجُورِ نَاضًّا أَلْزَمَهُمْ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ أَوْ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتْلَفَ الْمَالُ وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ انْتَهَى .
وَسَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ عَلَى مِثْلِهِ وَهَا هُنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى الْفَوْرِ .
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَأَنْوَاعٌ : ( الْأَوَّلُ ) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِهِ بِرِضَا صَاحِبِهَا فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ وَأَدَاؤُهَا يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا إذَا اسْتَمَرَّتْ عُقُودُهَا فَإِنْ ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ اُسْتُصْحِبَ الْحَالُ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي الرَّاهِنِ يَفُكُّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَمَانَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَمَنْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ أَوْ يَرُدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ وَمِثْلُهُ يَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ " يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ " فَلَوْ انْقَضَتْ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ " .
( الثَّانِي ) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا وَهِيَ : الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا لَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا إعْلَامُ الْمَالِكِ أَوْ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا الرَّدَّ عَيْنًا لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا بِهِ وَلَمْ يُطَالِبْ لَمْ يَضْمَنْ بِالتَّأْخِيرِ بِعِلْمِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ
مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَمِنْ ذَلِكَ اللُّقَطَةُ إذَا عَلِمَ صَاحِبَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَهِيَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَمَانَةٌ وَبَعْدَهُ مَضْمُونَةٌ ( وَمِنْهُ ) لَوْ اسْتَعَارَ صُنْدُوقًا فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ طَيَّرَ الرِّيحُ ثَوْبًا لِدَارِهِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَارِيَّةِ وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ الْغَيْرُ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ كَانَ ضَامِنًا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ وَالْمُتَّجَهِ خِلَافُهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا لِيُدَاوِيَهُ ، وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ جِدَارِهِ فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَا يَضْمَنُ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ قَبْلُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ قَالَهُ فِي ( التَّهْذِيبِ ) فِي بَابِ الْغَصْبِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي بَابِ الرِّبَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ نِصْفَ دِينَارٍ شَائِعًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ صَحَّ وَيُسْلِمُ إلَيْهِ الْكُلُّ لِيَحْصُلَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ وَيَكُونَ النِّصْفُ الْآخَرُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً عَدَدًا فَوُزِنَتْ فَكَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الدِّرْهَمُ الْفَاضِلُ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ لَوْ وَزَنَ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَأَخْطَأَ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ كَانَتْ الْعَشَرَةُ مَضْمُونَةً عَلَى الْآخِذِ وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ مِائَةً فَوَزَنَ لَهُ مِائَةً وَعَشَرَةً .
( الثَّالِثُ ) الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِالْعُقُودِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَكَذَا الصَّدَاقُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِذَا قَبَضَ وَجَبَ
التَّسْلِيمُ .
( الرَّابِعُ ) الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِالْيَدِ فَيَجِبُ الرَّدُّ سَوَاءٌ كَانَ أُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَالْأَوَّلُ كَالْعَارِيَّةِ إذَا انْتَهَى قَدْرُ الِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالثَّانِي كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَالثَّالِثُ كَالزَّكَاةِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى دَفْعِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ التَّمْكِينِ ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَهَذَا كَالْإِرْثِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ فَأَتَى بِهَا الْحَاكِمُ وَجَبَ الْقَوْلُ فِي الْأَصَحِّ وَيَبْرَأُ مِنْهَا الْغَاصِبُ وَوَجْهُهُ مَا مَرَّ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي الْمُوجِبَاتُ لِلْعُقُوبَةِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ : فَيَجِبُ إعْلَامُ الْمُسْتَحِقِّ بِهَا لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فِي الْأَصَحِّ ذَكَرُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَذْفِ وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مُكِّنَ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا .
أَمَّا السَّرِقَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهَا بَلْ يُخْبَرُ الْمَالِكُ بِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ كَذَا إنْ كَانَ تَالِفًا ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ أَوْ وَكَّلَ فِيهِ .
نَعَمْ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ بِنَفْسِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَغْصُوبِ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ إلَّا إلَى الْحَاكِمِ وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ وَنَحْوُهُ .
وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَالسَّرِقَةِ يُخْبَرُ بِالْمَالِ مُسْتَحَقُّهُ وَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْجُنَاةِ فَقِيلَ التَّخْلِيَةُ وَالتَّنْكِيلُ كَالْأَمَانَاتِ
الشَّرْعِيَّةِ وَقِيلَ بَلْ الْإِقْبَاضُ وَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْجَلَّادِ وَالْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ ، فَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّمْكِينَ فَقَطْ لَمْ تَلْزَمْ الْجَانِيَ وَإِلَّا وَجَبَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
( الضَّرْبُ الثَّالِثُ ) : الْأَمَانَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذِّمَّةِ كَالشَّهَادَةِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ الْأَدَاءُ إذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ وَيَلْزَمُهُ الْحُضُورُ عِنْدَ الْقَاضِي .
وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْقَاضِي كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ ( كَأَنَّهُ ) يَقُولُ إنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَيَصِيرُ الشَّاهِدُ كَالْمُودِعِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَمَالِكِهَا دُونَ التَّسْلِيمِ .
الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ إذْنٌ فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ إيجَابَهُ وَهَلْ يَكُونُ إذْنًا فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ اسْتِحْقَاقَهُ هُوَ ضَرْبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : مَا يَكُونُ إذْنًا فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْجَدِيدِ بَلْ هُمَا فِي كَسْبِ الْعَبْدِ .
( وَمِنْهَا ) الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ وَمُقْتَضَاهُ وَلَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَعْدَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ .
( وَمِنْهَا ) : إذْنٌ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ فَأَدَّى عَنْهُ الضَّامِنُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ نَتِيجَةُ الضَّمَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْوَدِيعَةِ فَأَتْلَفَهَا فَبَدَلُهَا يُؤَدِّيهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ لَا مِنْ رَقَبَتِهِ كَذَا وَقَعَ فِي ( الْحَاوِي الصَّغِيرِ ) وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْحِفْظِ لَيْسَ إذْنًا فِي الْإِتْلَافِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْجِنَايَةِ لَيْسَ إذْنًا فِي قِيمَةِ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُتْلِفَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ السَّيِّدُ لِأَنَّ إبْقَاءَهَا فِي يَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ .
( الثَّانِي ) : مَا لَا يَكُونُ إذْنًا : كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الدَّمُ عَلَى الْجَدِيدِ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ بِخِلَافِ إذْنِهِ فِي النِّكَاحِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ فِي الْقَدِيمِ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ ، وَلِلدَّمِ بَدَلٌ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ .
( وَمِنْهَا ) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ وَارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ طِيبٍ أَوْ قَتْلِ صَيْدٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّيِّدِ الْفِدْيَةُ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ بَلْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أُحْصِرَ الْعَبْدُ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ
لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي الْأَصَحِّ لِإِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ .
الْإِذْنُ فِي تَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ هَلْ يَتَعَدَّى مَا وَجَبَ بِسَبَبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ .
؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ .
( مِنْهَا ) : الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ هَلْ يُطَالِبُ سَيِّدَهُ فِي بَقِيَّةِ مَالِهِ بِدَيْنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ؟ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا : يُطَالِبُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ وَإِلَّا فَلَا .
( وَمِنْهَا ) : عَامِلُ الْقِرَاضِ وَالْوَكِيلُ يَشْتَرِي بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَجْرَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْخِلَافَ .
مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ .
( الْأَوَّلُ ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ وَضْعِيٍّ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَرَهَنَ عَلَى مِائَتَيْنِ بَطَلَ فِيهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تُخَرَّجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
( الثَّانِي ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْطِيٍّ كَمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ حَتَّى تَصِحَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَحْدَهُ .
( الثَّالِثُ ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْعِيٍّ كَمَا إذَا أَجَّرَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى الْمَحَلِّ فَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ فِي الْجَمِيعِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَتَوَالَى أَذَانَانِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى قَوْلٍ وَهِيَ مَا إذَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَمَّا فَرَغَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ لَا مَحَالَ .
قُلْت : يُضَافُ إلَيْهِ صُوَرٌ .
( إحْدَاهَا ) : إذَا أَخَّرَ أَذَانَ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ أَذَّنَ وَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَلَى اسْتِدْرَاكِ هَذِهِ الصُّورَةِ .
( الثَّانِيَةُ ) : إذَا وَالَى بَيْنَ فَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَمَقْضِيَّتِهِ وَقَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ فَفِي الْأَذَانِ لَهَا الْأَقْوَالُ ، وَأَمَّا فَرِيضَتُهُ فَالْأَصَحُّ يُؤَذِّنُ لَهَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا .
( الثَّالِثَةُ ) : إذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ لِلْجَمْعِ فِي السَّفَرِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ أَرَادَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا فَإِذَا أَذَّنَ لَهَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَتَابَعَهُمْ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ هَلْ يَبْقَى الْعُمُومُ .
هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : مَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا لَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ بَقَاؤُهُ - وَعَكْسُهُ ، وَالضَّابِطُ : أَنَّ اللَّفْظَ الْمُضَافَ لِلْحُكْمِ إنْ كَانَ يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ وَإِذَا صَحَّ بَقِيَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ الْمُضَافُ الْمَذْكُورُ بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى صِحَّتِهِ .
.
( الْأَوَّلُ ) : مَا يَبْقَى فِيهِ الْعُمُومُ قَطْعًا كَمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مَعِيبًا عَنْ كَفَّارَتِهِ بَطَلَ كَوْنُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ اعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ أَعْتَقْتهَا عَنْك عَتَقَتْ وَلَغَا قَوْلُهُ عَنْك وَلَا عِوَضَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ بِشَرْطِ الْوُقُوعِ عَنْهُ وَلَمْ يَقَعْ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) بِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ مَعَ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهَا عَنْك يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَصَفَ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ بِوَصْفٍ مُحَالٍ يُلْغَى الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِمُعَيَّنَةٍ : جَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِهَا وَجَبَ ذَبْحُهَا وَتَكُونُ قُرْبَةً وَيُفَرَّقُ لَحْمُهَا صَدَقَةً وَلَا تَجْزِي عَنْ الضَّحَايَا .
وَمِنْهُ لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ وَهُوَ يَظُنُّ سَلَامَتَهُ فَبَانَ تَالِفًا يَقَعُ تَطَوُّعًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَتَّى لَا تَقَعَ صَدَقَةً عَلَى وَجْهٍ وَيَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْفَقِيرِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِرْدَادَ إنْ عَرَضَ مَانِعٌ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَحْبَبْت أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ نَافِلَةً وَيُصَلِّيَ الْفَرْضَ فَصَحَّحَ النَّفَلَ فِي إبْطَالِ الْفَرْضِ .
وَمِنْهُ :
إذَا اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ شَهْرَيْنِ فَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ جَازَ وَكَأَنَّهُ لَا يَبْغِي إلَّا الْقَصْلَ وَإِنْ شَرَطَ الْإِبْقَاءَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِلتَّنَاقُضِ وَلِجَهَالَةِ غَايَةِ الْإِدْرَاكِ ثُمَّ إذَا فَسَدَ فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَكِنْ إذَا زَرَعَ لَمْ ( يَقْلَعْ ) زَرْعَهُ مَجَّانًا لِلْإِذْنِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ .
قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا .
( الثَّانِي ) : مَا لَا يَبْقَى قَطْعًا كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لَا صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، وَلَا فَاسِدًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ ، وَكَذَا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْمُشْتَرِي قَطْعًا وَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِذْنِ الضِّمْنِيِّ فِيهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي ضِمْنِهِ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ وَلَا يَنْتَقِلُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَحَرَّمَ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بِهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا قَطْعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَيَنْدَرِجُ فِي نِيَّتِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ .
وَلَوْ أَشَارَ إلَى ظَبْيَةٍ وَقَالَ هَذِهِ ضَحِيَّةٌ فَهُوَ لَاغٍ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا قَطْعًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ ضَحَّى عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ قَدْ دَخَلَ فَلَمْ يَكُنْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ " شَاةِ الْأُضْحِيَّةِ " وَقَوْلُهُ { شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ } فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً وَلَا صَدَقَةً فَإِنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ أَصْلًا .
( الثَّالِثُ ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ يَبْقَى فَمِنْهُ إذَا تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ بَطَلَ خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا وَيَبْقَى عُمُومُ كَوْنِهَا نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ بَطَلَ لِتَلَاعُبِهِ .
قَالَ ( الْبَنْدَنِيجِيُّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : وَمِثْلُهُ لَوْ نَوَى صَوْمَ الْفَرْضِ بِالنَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا وَهَلْ يَصِحُّ نَفْلًا فِيهِ الْخِلَافُ .
وَمِثْلُهَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَنَوَى لَيْلَةَ الْأَحَدِ عَلَى اعْتِقَادٍ أَنَّهُ الِاثْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَقَدَّمُ وَقْتَهَا وَهَلْ يَنْعَقِدُ صَوْمُ يَوْمِ الْأَحَدِ نَفْلًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
قَالَ : وَيُحْتَمَلُ ( أَنَّهُ ) لَا يَنْعَقِدُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا إذَا أَدَّى دَيْنًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ نَوَى ( بِوُضُوئِهِ ) الطَّوَافَ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ إلْغَاءً لِلصِّفَةِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ وَإِبْقَاءً لِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْوُضُوءِ إذْ الطَّوَافُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُ الْمَنْعِ اعْتِبَارُ الْمَنْوِيِّ بِجُمْلَتِهِ وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى قَصْدُهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهِ فَفَسَدَتْ النِّيَّةُ .
( وَمِنْهَا ) : إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْفَرْضَ سَنَةَ سِتِّينَ مَثَلًا وَهُوَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ فَحَجَّ قَبْلَ السِّتِّينَ فَهَلْ يَصِحُّ حَجُّهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ يَقَعُ نَفْلًا ؟ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ وَلَهُمَا مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ هَلْ هُوَ بِمَثَابَةِ تَعْيِينِ الشَّارِعِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنْ صَوْمٍ إلَى صَوْمٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَهَلْ يَبْطُلْ مَا هُوَ فِيهِ أَوْ يَبْقَى نَفْلًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ بَقَاؤُهُ .
(
وَمِنْهَا ) : إذَا أَفْسَدَ الْمُكَفِّرُ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرَيْنِ عَمْدًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَمَا مَضَى يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ أَوْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ قَالَ : هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي الْمُعَجَّلَةُ وَعَرَضَ مَانِعٌ فَفِي الِاسْتِرْدَادِ وَجْهَانِ قَرَّبَهُمَا الْإِمَامُ مِنْ قَوْلَيْ التَّحَرُّمِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ عَلَى شَرْطٍ وَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ بَطَلَ خُصُوصُ الْوَكَالَةِ فَيَبْقَى عُمُومُ الْإِذْنِ ، وَهَلْ يَجْرِي هَذَا فِي النِّكَاحِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْوَلِيُّ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَوْ زَوَّجَ الْوَكِيلُ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُصَحِّحُهُ تَخْرِيجًا لَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِيه وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ .
( مِنْهَا ) : لَوْ قَالَتْ وَكَّلْتُك بِتَزْوِيجِي فَلَيْسَ بِإِذْنٍ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إذْنًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَكَالَةِ .
( وَمِنْهَا ) : الشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ إذَا فَسَدَا لِأَمْرٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ فَتَصَرَّفَ الشَّرِيكُ أَوْ الْعَامِلُ نَفَذَ التَّصَرُّفُ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ لَكِنَّ ( ابْنُ يُونُسَ ) طَرَدَ فِيهِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مِنْهَا إذَا انْفَسَخَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بِتَلَفِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَنَّ الْعَامِلَ هَلْ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الْأَوَّلِ قَالَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْإِذْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَالْوَكَالَةُ لَا تَحْتَمِلُ اسْتِرْسَالَ " تَصَرُّفَاتِ الشَّرِيكِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ .
( وَمِنْهَا ) : قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ لَا يَلْزَمُنِي يَلْغُو الْأَخِيرُ ، وَهَلْ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ ؟ الْأَصَحُّ : نَعَمْ .
( الرَّابِعُ ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا يَبْقَى فَمِنْهَا لَوْ وَجَدَ الْقَاعِدُ خِفَّةً فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَكَذَا لَوْ قَلَبَ فَرَضَهُ نَفْلًا بِلَا سَبَبٍ .
حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَلَ .
( وَمِنْهَا ) نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ غَيْرِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَفْلٍ لَمْ يَنْعَقِدْ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا لِأَنَّ الزَّمَانَ مُسْتَحَقٌّ لِرَمَضَانَ قَالَهُ فِي ( الشَّافِي ) وَقَالَ الرَّافِعِيُّ مَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوَى التَّطَوُّعَ لَمْ يَصِحَّ .
وَعَنْ ( أَبِي إِسْحَاقَ ) أَنَّهُ يَصِحُّ .
قَالَ الْإِمَامُ فَعَلَى قِيَاسِهِ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ التَّطَوُّعُ بِهِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ وَقِيلَ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ ( صَوْمُ ) يَوْمٍ آخَرَ حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ ( وَمِثْلُهُ ) لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فَاسِدَةً فَقِيلَ تَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الِانْعِقَادِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَالِ قَبْضُهُ لِلْمُشْتَرِي الْمُحِيلِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَطَلَتْ وَالْوَكَالَةَ عَقْدٌ آخَرُ يُخَالِفُهَا وَإِذَا بَطَلَ عَقْدٌ لَمْ يَنْعَكِسْ لِآخَرَ .
وَقَدْ يَبْطُلُ الْخُصُوصُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِبْطَالِ .
كَمَا لَوْ اشْتَرَى لِزَيْدٍ وَلَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ لَا يَقَعُ لِزَيْدٍ وَهَلْ يَقَعُ لِلْفُضُولِيِّ ؟ الصَّحِيحُ نَعَمْ إنْ كَانَ الشِّرَى فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا إذَا كَانَ بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ خَمْرٌ وَخَلٌّ فَقَالَ
أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْخَلِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَأَيَّدَهُ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِحَمْلٍ فَانْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةِ جَانٍ لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ وَتَكُونُ الْغُرَّةُ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهُ .
( وَكَمَا ) لَوْ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ نَقْصِ الْعَدَدِ فَالْأَصَحُّ انْقِلَابُهَا ظُهْرًا فَبَطَلَتْ إلَى خُصُوصٍ لَا إلَى عُمُومٍ وَهُوَ النَّافِلَةُ وَقِيلَ لَا وَعَلَيْهِ وَجْهَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) تَنْقَلِبُ نَفْلًا .
( وَالثَّانِي ) تَبْطُلُ رَأْسًا وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَا يَحْصُلُ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً .
وَقَدْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ .
كَمَا لَوْ مَنَعْنَا الْقَاضِيَ الْحُكْمَ بِالْحَلِفِ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ بَطَلَ حُكْمُهُ فَإِنْ تَرَاضَيَا بِهِ الْتَحَقَ بِالْمُحَكَّمِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَقَالَ " صَاحِبُ الذَّخَائِرِ " هَذَا إذَا عَلِمَا فَسَادَ تَوْلِيَتِهِ فَإِنْ جَهِلَاهُ فَقَدْ بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُ بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا فَلَا يَلْتَحِقُ بِالْمُحَكَّمِ وَهَذَا أَشْبَهُ .
إذَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِعَيْنٍ فَأُتْلِفَتْ فَهَلْ يَعُودُ الْحَقُّ إلَى الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ .
( مِنْهَا ) : لَوْ أُتْلِفَ الْمَرْهُونُ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ صَارَتْ رَهْنًا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ .
( وَمِنْهَا ) : الْوَقْفُ إذَا أُتْلِفَ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَاشْتَرَى بِهَا بَدَلَهُ فَفِي صَيْرُورَتِهِ وَقْفًا بِدُونِ إنْشَاءٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِنْشَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مُتْلِفِ الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالنُّقُودِ بِخِلَافِ بَدَلِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ .
( وَمِنْهَا ) .
الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ إذَا أُتْلِفَتْ يَشْتَرِي النَّاذِرُ بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا وَتَصِيرُ أُضْحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَكَأَنَّهُمْ اكْتَفَوْا هُنَا بِنِيَّتِهِ إذْ إقْدَامُهُ عَلَى الشِّرَاءِ مُتَضَمِّنٌ لِجَعْلِهِ أُضْحِيَّةً .
إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ .
هَذِهِ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الرَّشِيقَةِ وَقَدْ أَجَابَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ : ( أَحَدُهَا ) : فِيمَا إذَا فَقَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا فِي سَفَرٍ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا يَجُوزُ قَالَ يُونُسُ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ هَذَا ؟ قَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ .
( الثَّانِي ) فِي أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ أَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا ؟ فَقَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَنْ وَجَدَ غَيْرَهَا مِنْ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْحَاجَةِ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ .
( الثَّالِثُ ) حَكَى ( بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ ) أَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) سَأَلَ عَنْ الذُّبَابِ يَجْلِسُ عَلَى غَائِطٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ إنْ كَانَ فِي طَيَرَانِهِ مَا يَجِفُّ فِيهِ رِجْلَاهُ ، وَإِلَّا فَالشَّيْءُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَوَضَّحَ " ابْنُ ( أَبِي هُرَيْرَةَ ) فِي تَعْلِيقِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ وُضِعَتْ الْأَشْيَاءُ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ بِهِ وَكَثْرَةُ الْعَمَلِ فِيهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَلِيلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ دُونَ كَثِيرِهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ ( أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ ) هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَكَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي خُفِّهِ الْمَخْرُوزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَرَاجَعَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ ( إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَأَشَارَ بِهِ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) بَلْ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَيُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا لَمْ
يُصَلِّ بِهِ الْفَرَائِضَ احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ الْعَفْوُ فِيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمِنْ ( فُرُوعِ ) هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ عَمّ ثَوْبَهُ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عُفِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَلَوْ عَمّ الْجَرَادُ طَرِيقَ الْحَرَمِ فَنَحَّاهُ وَقَتَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ بَالَتْ الْبَقَرُ عَلَى دَرِيسِ الْحُبُوبِ فِي حَالِ الدِّرَاسَةِ فَالْمَنْقُولُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعَفْوُ وَإِنْ تَحَقَّقَ بَوْلُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْهَا فِي حَرْفِ الْمِيمِ فِي قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ .
إذَا اتَّسَعَ الْأَمْرُ ضَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ صَرَّحَ بِهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الْإِحْيَاءِ مَا يَجْمَعُهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فَقَالَ كُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ .
إذَا اجْتَمَعَ فِي الْعِبَادَةِ جَانِبُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ غَلَّبْنَا جَانِبَ الْحَضَرِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَوْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ .
وَلَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ امْتَنَعَ الْإِتْمَامُ وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ " وَكَذَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَارَ مُقِيمًا " تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ ، ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَلَوْ ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ امْتَنَعَ " وَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ " بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمٍ لَحْظَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةَ سَفَرٍ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ بِالْعَكْسِ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ الْحَضَرِ فَيَمْتَنِعُ الْقَصْرُ وَلَوْ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَجَبَ إتْمَامُهَا .
( وَفِيهِ ) سُؤَالٌ : وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ الْإِتْمَامَ فَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ فَلَا يُقَالُ يُتِمُّ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ بَلْ لِفَقْدِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا " يُتِمُّ " لِأَنَّهُ مُقِيمٌ لَمْ يُسَافِرْ .
وَأُجِيبُ بِأَنَّا نُعَلِّلُ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ بِعِلَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَالْأُخْرَى : فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ وَخَرَجُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) : لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ مِنْ غَيْرِ وِجْدَانِ الْمَاءِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَيْسَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَا لَوْ اتَّصَلَتْ السَّفِينَةُ بِدَارَ الْإِقَامَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يُعِيدُ تَغْلِيبًا
لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ قَالَهُ فِي ( التَّهْذِيبِ ) وَلَيْسَتْ فِي ( الشَّرْحِ ) ( وَالرَّوْضَةِ ) .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ مَسَحَ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ عَلَى الْأُخْرَى فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ تَمَّ مَسْحُهُ فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ تَغْلِيبًا لِلسَّفَرِ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ .
إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَوْ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ غُلِّبَ جَانِبُ الْحَرَامِ وَمِنْ ثَمَّ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَآخَرُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ قُدِّمَ الْحَظْرُ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ .
وَمِنْ هَذَا قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ الْأَئِمَّةُ ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ مُبَاحٍ لِاجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ إذَا تَعَارَضَ مَا يُوجِبُ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ .
( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَيُعْتَبَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
( وَالثَّانِي ) : يُغَلَّبُ الْحَظْرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا إذَا امْتَزَجَ فِيهِ حَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ فَأَمَّا مَا لَا مَزْجَ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَظْرِ كَالْأَوَانِي إذَا كَانَ بَعْضُهَا نَجِسًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الِاجْتِهَادِ .
وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْحَرَامَ إمَّا أَنْ يُسْتَهْلَكَ أَوْ لَا .
( فَالْأَوَّلُ ) : لَا أَثَرَ لَهُ غَالِبًا وَهَذَا كَالطِّيبِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِيهِ طِيبٌ قَدْ اُسْتُهْلِكَ لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ .
وَالْمَائِعَاتُ يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الطَّهَارَةِ وَإِذَا خَالَطَتْ الْمَاءَ وَاسْتُهْلِكَتْ سَقَطَ حُكْمُهَا وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ يَشْرَبُهُ الرَّضِيعُ لَا يَحْرُمُ فَإِذَا مُزِجَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ بِمَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى ذَهَبَتْ نَشْوَتُهَا وَشُرِبَتْ لَمْ يُحَدَّ لِاسْتِهْلَاكِهَا لَكِنْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّجَاسَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِسْكَارِ قَالَ الْأَصْحَابُ يَمْتَنِعُ الْقِرَاضُ عَلَى الْمَغْشُوشِ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) هَذَا إنْ كَانَ ظَاهِرًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا جَازَ .
وَلَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ مَعَ كَوْنِ
الْحَرَامِ مُنْغَمِرًا .
قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا إذَا عَمَّ الِالْتِبَاسُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِقَالُ إلَى جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ مَحْرَمٌ لَهُ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَنْكِحُ اللَّوَاتِي يَرْتَابُ فِيهِنَّ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَجْرَ .
قُلْت : وَيُؤَيِّدُ احْتِمَالَهُ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ فِي الْأَوَانِي إذَا قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ ثُمَّ مُرَادُهُ بِهَذَا الطَّاهِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَزْمِ بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَا شَكَّ فِيهِ .
لَكِنْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْإِعْلَامِ أَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ مِنْ الْوَرَعِ بَلْ وَسْوَاسٌ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةُ نَجَاسَةٍ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا بِمَاءٍ كَثِيرٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ يَنْجَسُ الْكُلُّ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَغْلِيبُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّهُ غَلَبَ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ بِالتَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَهْلَكًا فَإِنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ بِدَرَاهِمَ حَلَالٍ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا حَتَّى يُمَيِّزَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فَعَفْوٌ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْإِحْيَاءِ إذَا اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ بَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْحَرَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنَّ تَرْكَهُ وَرَعٌ مَحْبُوبٌ وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا ، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ إلَّا بِالْحَرَامِ غَلَبَ الْحَرَامُ احْتِيَاطًا كَالْجَارِيَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَيْهِمَا ، وَالْمُشْرِكِ وَالْمُسْلِمِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَالْمُطَلِّقِ إحْدَى نِسَائِهِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا ، وَالنَّجَاسَةِ تَقَعُ فِي الْمَائِعَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ
تَشْتَبِهُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ مَحْرَمٍ بِعَدَدٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ مَحْصُورَاتٍ ، وَلَحْمٍ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ ، وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامٌ مَمْلُوكٌ بِحَمَامٍ مُبَاحٍ مَحْصُورٍ امْتَنَعَ الصَّيْدُ أَوْ لَا ؟ بِمَحْصُورٍ جَازَ ؟ وَلَوْ اخْتَلَطَ مَا لَا يُحْصَرُ بِمَا يُحْصَرُ جَازَ الصَّيْدُ فِي الْأَصَحِّ .
وَإِذَا قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْإِفْسَادِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَغَلَبَ الْحَرَامُ ، وَلَوْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَصَابَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ .
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) إذَا أَخَذَ الْمَكَّاسُ مِنْ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ الْمَكْسِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ دَرَاهِمِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُخْتَلَطِ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ التَّصَرُّفِ .
لَكِنْ فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَلَالٌ بِدَرَاهِمَ حَرَامٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَطَرِيقَتُهُ أَنْ يَعْزِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ مِنْهَا بِنِيَّةِ الْقَسْمِ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْبَاقِي ، وَاَلَّذِي عَزَلَهُ إنْ عَلِمَ صَاحِبَهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ قَالُوا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ قَدْرَ حَقِّهِ وَيُخَلِّي الْبَاقِيَ لِلْغَاصِبِ .
وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ إنَّ اخْتِلَاطَ مَالِهِ بِغَيْرِهِ يُحَرِّمُهُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ .
وَحَكَى فِي الْإِحْيَاءِ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ الْمَالَ بِكَمَالِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُهُ وَسَكَتَ عَمَّا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ عُلِفَتْ شَاةٌ بِعَلَفٍ مَغْصُوبٍ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْغَزَالِيِّ لَوْ اعْتَلَفَتْ الشَّاةُ
عَلَفًا حَرَامًا أَوْ رَعَتْ فِي حَشِيشٍ حَرَامٍ لَمْ يَحْرُمْ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا وَلَكِنْ تَرْكُهُ وَرَعٌ .
قُلْت وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إنْ كَانَ الْعَلَفُ قَدْرًا لَوْ كَانَ شَيْئًا نَجِسًا يُظْهِرُ تَغَيُّرَ اللَّحْمِ " حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَخْلُو عَنْ الشُّبْهَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ أَصْلَ مَالِ الْغَيْرِ حَلَالٌ وَإِنَّمَا " حَرُمَ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ لَبَنِ الْكَلْبَةِ إذَا رُبِّيَتْ بِهِ سَخْلَةٌ وَظَهَرَ التَّغَيُّرُ فَإِنَّ أَصْلَهُ حَرَامٌ .
قَالَ : وَهَذَا أَشْبَهُ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ أَمَرَّا السِّكِّينَ عَلَى عُنُقِ شَاةِ الْغَيْرِ وَذَكَّيَاهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّحْمَ حَرَامٌ ، وَهَلْ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فَقَطْ لِأَنَّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ أَرْشِ النُّقْصَانِ بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً ؟ احْتِمَالَانِ " أَوْجُهُهُمَا ثَانِيهِمَا " وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَحْرِ وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقَوَائِمِ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَلَوْ وَاحِدَةً فِي الْحَرَمِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا .
فَلَوْ كَانَ نَائِمًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ " صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ " الْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ .
وَلَوْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ يُؤَثِّرُ فَهُوَ سَالِبٌ وَإِلَّا فَلَا .
وَقِيلَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ .
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ اسْتَوَيَا قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ وَجَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ يُسْلَبُ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرِيرِ أَنَّ
الْمَدَارَ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ عَلَى أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ الْمَاءُ وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَا اسْتِهْلَاكَ وَالْمَدَارُ هُنَاكَ عَلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَوْ يُوجَدُ كَذَلِكَ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ ، وَتَسَاوِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ يَحِلُّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَسُّ التَّفْسِيرِ الْمُسَاوِي لِلْقُرْآنِ فِي جَوَازِ مَسِّهِ لِلْمُحْدِثِ ، وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا مُبِيحٌ وَهُوَ انْتِفَاءُ أَحْكَامِ النَّسَبِ وَحَاظِرٌ وَهُوَ كَوْنُهَا جُزْءًا مِنْهُ فَغَلَّبُوا الْمُبِيحَ ، وَمُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إذَا لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَحْرُمُ ، وَاخْتَارَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَوْ رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَاسِدَةً وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَثْمَانِ ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَرِّفُ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ حَلَّ .
وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ حَلَّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَثَارُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ هَلْ يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا أَوْ لَا .
تَنْبِيهٌ : قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إذَا اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ وَجَبَ اجْتِنَابُ الْحَلَالِ مَوْضِعُهُ فِي الْحَلَالِ الْمُبَاحِ أَمَّا إذَا اخْتَلَطَ الْوَاجِبُ بِالْمُحَرَّمِ رُوعِيَ مَصْلَحَةُ الْوَاجِبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ .
( أَحَدُهَا ) .
اخْتِلَاطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَيُمَيَّزُ بِالنِّيَّةِ وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) بِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ } .
( الثَّانِيَةُ ) : اخْتِلَاطُ
الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ حَرَامًا .
( الثَّالِثَةُ ) : الْمَرْأَةُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ وَجْهِهَا فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِكَشْفِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّتْ رَاعَتْ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ .
( الرَّابِعَةُ ) : الْمُضْطَرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا .
( الْخَامِسَةُ ) : الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا .
إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ أَوْ الْغُرُورُ وَالْمُبَاشَرَةُ قُدِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ضِيَافَةً لِلْمَالِكِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ ، وَكَمَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَطَارَ لَا يَضْمَنُهُ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْفَاتِحِ سَبَبٌ وَمِنْ الطَّائِرِ مُبَاشَرَةٌ وَاخْتِيَارٌ فَأُحِيلَ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا ، وَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَإِذَا غَرِمَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْعَافِي فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ ، وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ .
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمُنَفِّرِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ وَإِحَالَتُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِ .
وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ .
وَلَوْ دَلَّ الْمُودِعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ سَارِقًا فَأَخَذَهَا لَا يَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ سَبَبٌ وَالْأَخْذَ مُبَاشَرَةٌ .
وَلَوْ غُرَّ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَتْ مَعِيبَةً أَوْ رَقِيقَةً انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَغَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ .
وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَبَقَ عَقْدٌ صَحِيحٌ فَلَوْ غَصَبَ أَمَةً وَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ غَرِمَ الْمَهْرَ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي مَسْأَلَتِنَا صَحِيحٌ وَفَسْخُ الْعَقْدِ يُوجِبُ اسْتِرْدَادَ الْبَاذِلِ مَا بَذَلَ وَهَا هُنَا الْعَقْدُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَدْ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَيَغْرَمُ وَلَا يَرْجِعُ .
ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الْغَصْبِ .
قَالَ وَنَظِيرُهُ مِنْ الْغُرُورِ لَوْ غُرَّ بِأَمَةٍ وَهُوَ وَاجِدٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ أَوْ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ الْعَنَتِ فَوَطِئَهَا جَاهِلًا غَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ .
وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا وَقَدَّمَهُ لِغَيْرِهِ ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ جَاهِلًا غَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ وَالنَّفْعُ عَائِدٌ إلَيْهِ فَكَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ .
نَعَمْ إنْ غَرِمَ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآكِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الصُّورَةِ أَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ عَلَى اثْنَيْنِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ .
( مِنْهَا ) : إذَا ( اسْتَأْجَرَهُ ) لِحَمْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ عَلَى دَابَّةٍ وَسَلَّمَهُ زَائِدًا فَحَمَلَهُ الْمُؤَجِّرُ جَاهِلًا بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ لَهُ عَشَرَةٌ فَكَانَ أَحَدَ عَشَرَ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ ضَمِنَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ حَمَلَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ هَذَا الْغَارُّ لِأَنَّ يَدَ الْمُبَاشِرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَيَدِ الْغَارِّ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) تَرْجِيحَ الرَّافِعِيِّ الضَّمَانَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ .
قَالَ وَهَذَا التَّرْجِيحُ يُنَافِي التَّخْرِيجَ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا .
( وَمِنْهَا ) : إذَا غَصَبَ شَاةً وَأَمَرَ قَصَّابًا بِذَبْحِهَا وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْحَالِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا قَالَهُ فِي ( الرَّوْضَةِ ) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْتَاهُ الْمُفْتِي بِإِتْلَافٍ فَأَتْلَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ مُقَصِّرٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ .
( وَمِنْهَا ) : وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَصَرَفَ إلَيْهِمْ غَلَّتَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْوَاقِفِ لِتَغْرِيرِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَكُلُّ مَنْ انْتَفَعَ بِهِ غَرِمَ فَإِنْ أَجَّرَ النَّاظِرُ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ وَسَلَّمَهَا لِلْعُلَمَاءِ فَرُجُوعُ مُسْتَحِقِّ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَرُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مَنْ
وَصَلَتْ دَرَاهِمُهُ إلَيْهِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ .
إذَا اجْتَمَعَ الْمُمْسِكُ وَالْقَاتِلُ هُوَ ضَرْبَانِ .
( الْأَوَّلُ ) : مَا يَلْغُو مَعَهُ فِعْلُ الْمُمْسِكِ وَذَلِكَ فِي بَابَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) : الْقِصَاصُ إذَا أَمْسَكَ شَخْصًا فَقَتَلَهُ آخَرُ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ .
( ثَانِيهِمَا ) : الْإِحْرَامُ إذَا أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَزَاءَ كُلَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ .
وَقِيلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ ضَمَانِهِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُمْسِكِ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْغَصْبِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْرِمِ ضَمَانُ يَدٍ وَلَيْسَ بِضَمَانِ إتْلَافٍ فَأَمَّا فِي ضَمَانِ الْإِتْلَافِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ وَلَا يُرَدُّ الْإِكْرَاهُ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُلْجِئٌ .
( الثَّانِي ) : مَا لَا يَلْغُو كَمَا إذَا أَمْسَكَ الْكَافِرَ فِي الْحَرْبِ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَإِنَّ السَّلَبَ بَيْنَهُمَا لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَنْ ( أَبِي الْفَرَجِ ) قَالَ : وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا مَنَعَهُ مِنْ الْهَرَبِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ .
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ الضَّابِطُ فَإِنَّهُ أَسِيرٌ ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلْبُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُمْسِكُ مِنْ قَتْلِهِ أَمَّا إذَا ضَبَطَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ فَبَادَرَ شَخْصٌ وَقَتَلَهُ فَلَا يُشَارِكُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِرْ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ .
وَمِنْهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَقَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْحَلَالِ لِأَنَّ الْحَلَالَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ وَنَازَعَ ( الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ .
وَقَالَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَنَّهُ مَا دَامَ
مَضْمُونًا عَلَى الْمُحْرِمِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَرِّرَ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِهِ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِ .
إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِعَدَدٍ أَوْ تَرَتَّبَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ ( بِالْآخَرِ ) وَلَك أَنْ تَقُولَ إذَا تَعَقَّبَ شَيْءٌ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ فَهَلْ الْمُؤَثِّرُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْهَا أَوْ الْمَجْمُوعُ .
فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ تَرَدُّدٌ .
وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ ( الْمُتَرَتِّبِ ) عَلَى اللَّفْظِ هَلْ ( هُوَ يُنَاطُ ) بِآخَرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ بِكُلِّهِ وَيَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مُتَوَقِّفُ الْوُجُودِ عَلَى مَا سَبَقَهُ فَلِمَا سَبَقَهُ مَدْخَلٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَائِدُ وَالْمَعْزُوُّ لِمَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ الْمَجْمُوعُ .
وَمُقَابِلُهُ الْمَعْزُوُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مَسْأَلَةِ ( السُّكْرِ ) بِالْقَدَحِ الْعَاشِرِ فَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) بِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَحْصُلُ بِالْقَدَحِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ بَلْ بِهِ وَبِمَا قَبْلَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ فِي التَّحْرِيمِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ حُكْمُهُ .
وَحَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) بِحُصُولِهِ بِالْأَخِيرِ وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ إذَا لَمْ يَسْكَرْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ انْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ .
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَشَارَ إلَيْهَا الرَّافِعِيُّ فِي ( كِتَابِ الْخُلْعِ ) وَغَيْرِهِ وَلَهَا فُرُوعٌ .
( الْأَوَّلُ ) : لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً فَالنَّصُّ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَالتَّحْرِيمَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُحَلِّلِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالثَّالِثَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي ( الْحَاوِي الصَّغِيرِ ) إذَا أَفَادَ الْكُبْرَى اسْتَحَقَّ فَأَفَادَ الْحُكْمَ مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيلَ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (
رَحِمَهُ اللَّهُ ) لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى " ذَهَابِ ضَوْئِهِ كُلِّهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ مِنْ النَّبِيذِ وَلَمْ يَسْكَرْ ثُمَّ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ السُّكْرُ بِانْضِمَامِ الْعَاشِرِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَإِنْ تَأَثَّرَتْ بِمَا سَبَقَهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَشَارَكَ فِي ذَلِكَ الْقَدَحُ الْعَاشِرُ وَعَيْنُ الْأَعْوَرِ لَكِنَّ جِهَةَ التَّأْثِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الثَّالِثَةِ تَأْثِيرُ شَرْطٍ فِي مَشْرُوطٍ ، وَالشَّرْطُ لَا يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ مُنْحَطَّةٌ عَنْ الثَّالِثَةِ مَعَ لِحَاظِ التَّقَدُّمِ بِخِلَافِ الْقَدَحِ الْعَاشِرِ وَعَيْنِ الْأَعْوَرِ لِأَنَّ السُّكْرَ نَشَأَ عَنْ الْمَجْمُوعِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُسْتَرُ عَلَى التَّدْرِيجِ فَكُلُّ قَدَحٍ يُزِيلُ شَيْئًا مِنْ التَّمْيِيزِ وَزَوَالِ الْبَصَرِ كَمَا أَثَّرَ فِيهِ الْفَقْءُ أَثَّرَ فِيهِ مَا قَبْلَهُ وَالْحُرْمَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالْكُبْرَى لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالطَّلْقَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْكُبْرَى تَوَقُّفُ الْحِلِّ عَلَى أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَهَذِهِ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ حَتَّى يُبَاشِرَ بَعْضَهَا بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ وَبَعْضَهَا بِمَا قَبْلَهَا .
قِيلَ وَهَذَا الْبَحْثُ مَحَلُّ نَظَرٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِكُلِّ طَلْقَةٍ يَتَشَعَّبُ النِّكَاحُ وَيَنْقُصُ حَقُّ الزَّوْجِ وَبِالثَّالِثَةِ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ .
( الثَّانِي ) : لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجِ الصَّغِيرَةَ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ ارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ الْمَرَّةَ الْخَامِسَةَ فَهَلْ يُحَالُ التَّحْرِيمُ عَلَى الرَّضْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ ارْتَضَعَتْ الْخَمْسَ وَصَاحِبَةُ اللَّبَنِ نَائِمَةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُرْمٌ يُسْقِطُ مَهْرَ الصَّغِيرَةِ أَوْ يُحَالُ عَلَى الْجَمِيعِ فَيَسْقُطُ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى خُمُسُهُ وَيَجِبُ
عَلَى الزَّوْجِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَيَشْهَدُ لَهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
( الثَّالِثُ ) : لَوْ أَوْجَرَهَا ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ مِنْ لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ ( وَاحِدٌ ) مَرَّةً وَآخَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ .
فَهَلْ يُوَزَّعُ الْغُرْمُ أَثْلَاثًا لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرَّضَعَاتِ ؟ صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِيَ وَالصَّوَابُ بِمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ النَّصِّ فِي الْخُلْعِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ .
وَإِنَّ الْغُرْمَ عَلَى مَنْ أَرْضَعَ الْخَامِسَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ .
( الرَّابِعُ ) : إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ عَلَى التَّلَاحُقِ هَلْ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالطَّلْقَةِ وَحْدَهَا أَوْ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ؟ وَجْهَانِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي الشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ .
فَهَلْ يَكُونُ الْغُرْمُ بِجُمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ ثُلُثِهِ فَقَطْ ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ كَانَتْ جُمْلَةُ الْغُرْمِ عَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَثُلُثُهُ وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَهَلْ نَقُولُ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ ؟ قَالَ الشَّيْخُ " بُرْهَانُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ " سُئِلْت .
عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَيْت بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ هَيْئَةَ الثَّلَاثِ وَقَعَتْ الْآنَ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } أَيْ أَكْمَلْت لَكُمْ الْأَحْكَامَ لَا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ آيَاتٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأَحْكَامِ وَفِي الْحَدِيثِ { إنَّ الشَّيْطَانَ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثًا } إلَى أَنْ قَالَ { فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا } وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ انْحَلَّ عُقْدَتَانِ .
( الْخَامِسُ ) : الْعِتْقُ فِي الْكِتَابَةِ هَلْ يُنْسَبُ إلَى النَّجْمِ الْأَخِيرِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيَثْبُتَ بِهِمَا مَا قَبْلَهُ أَوْ إلَى الْمَجْمُوعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
( السَّادِسُ ) : لَوْ جَعَلَ الْجُعَلَ فِي مُقَابَلَةِ
رَدِّ عَبْدَيْهِ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي ( كِتَابِ الْخُلْعِ ) فِيمَا إذَا جَعَلَ لَهُ جُعَلًا فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةٍ ، فَرَدَّ وَاحِدًا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى رَدِّ الثَّانِي أَمْ لَا فَإِنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ أَصْلًا لِاسْتِحْقَاقِ الْحِصَّةِ فِيمَا إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً .
وَلَوْ كَانَ شَرْطُ اسْتِحْقَاقِ الْحِصَّةِ الْعَجْزَ عَنْ رَدِّ الثَّانِي لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ .
( السَّابِعُ ) : السَّبْعُ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ هَلْ يُقَالُ يُحْصَرُ التَّطْهِيرُ بِالْمَجْمُوعِ ( أَوْ ) بِالسَّابِعَةِ ؟ .
يُمْكِنُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ .
وَمِنْ فَوَائِدِهِ مَا لَوْ تَطَايَرَ شَيْءٌ فِي أَثْنَاءِ الْغَسَلَاتِ وَفِيهِ خِلَافٌ .
( الثَّامِنُ ) : مَنْ سَرَقَ زَائِدًا عَلَى النِّصَابِ كَأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقُطِعَ كَانَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ وَيَبْقَى الزَّائِدُ إلَى تَمَامِ الْأَلْفِ لَا مُقَابِلَ لَهُ وَلَا تَكْفِيرَ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي ( الْقَوَاعِدِ ) وَلَكِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوَقْصِ إنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ فِي الْأَوْقَاصِ وَهِيَ مَا بَيْنَ النِّصَابَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْخَمْسِ وَالْعَشْرِ مِنْ الْإِبِلِ هَلْ يَتَعَلَّقُ الْوَاجِبُ بِهَا مَعَ النُّصُبِ أَوْ هِيَ عَفْوٌ وَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنُّصُبِ ؟ قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي .
قُلْت : وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمُوَضَّحَةِ يَجِبُ فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ اسْتَوْعَبَتْ أَكْثَرَ الرَّأْسِ قَطْعًا ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ( الْفُرُوقِ ) .
( التَّاسِعُ ) : الْمَهْرُ يُقَابَلُ بِجَمِيعِ الْوَطَآتِ أَوْ بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى ؟ وَجْهَانِ وَضَعُفَ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّدَاقَ كَالثَّمَنِ فَلَا يُقَابِلُهُ مَجْهُولٌ وَجَمِيعُ الْوَطَآتِ مَجْهُولَةٌ .
( الْعَاشِرُ ) : لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُزْمِنْهُ وَرَمَى إلَيْهِ آخَرُ فَأَزْمَنَهُ
فَلِمَنْ يَكُونُ الصَّيْدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لِلثَّانِي إذْ الزَّمَانَةُ تَعْقُبُ رَمْيَهُ .
وَالثَّانِي هُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِفِعْلِهِمَا .
وَخَرَّجَ عَلَيْهِمَا الْقَاضِي مَا لَوْ وَضَعَ فِي السَّفِينَةِ زِيَادَةً مُغْرِقَةً فَغَرِقَتْ فَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْقِسْطُ .
أَمَّا لَوْ عَلَّقَ بِعَدَدٍ فَزِيدَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الزِّيَادَةِ ثَبَتَ بِالْكُلِّ إذْ لَا يُمْكِنُ إسْنَادُهُ لِمُعَيَّنٍ لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْحَقِّ وَلِهَذَا لَوْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ وُزِّعَ الْغُرْمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ سَوَاءٌ شَهِدُوا جَمِيعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ كَالثَّلَاثِ فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَقِيلَ يَحْرُمُ فَالزَّائِدُ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِإِتْلَافٍ كَمَا لَوْ ضُرِبَ فِي الْخَمْرِ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ فَمَاتَ فَهَلْ يَجِبُ كُلُّ الضَّمَانِ أَوْ نِصْفُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا الثَّالِثُ .
وَكَذَا لَوْ جُلِدَ فِي الْقَذْفِ إحْدَى وَثَمَانِينَ فَهَلْ يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ إحْدَى وَثَمَانِينَ فِيهِ الْقَوْلَانِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ اكْتَرَى اثْنَانِ دَابَّةً فَارْتَدَفَهُمَا ثَالِثٌ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا فَهَلَكَتْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِفِ النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ أَوْ الْقِسْطُ بِحَسَبِ الْوَزْنِ ؟ أَوْجُهٌ .
إذَا اخْتَلَفَ الْقَابِضُ وَالدَّافِعُ فِي الْجِهَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ ثُمَّ دَفَعَ إلَى الْمُدَايِنِ دَرَاهِمَ وَقَالَ أَقَبَضْتهمَا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ وَأَنْكَرَهُ الْقَابِضُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ أَوْ فِي لَفْظِهِ .
قَالَ الْأَئِمَّةُ وَالِاعْتِبَارُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ بِقَصْدِ الْمُؤَدِّي حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهُ يُودِعُهُ عِنْدَهُ وَنَوَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَصَارَ الْمَدْفُوعُ مِلْكًا لِلْقَابِضِ ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى زَوْجَتِهِ دَرَاهِمَ وَقَالَ دَفَعْتهَا عَنْ الصَّدَاقِ فَقَالَتْ بَلْ هِيَ هَدِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ مَالٍ فَقَالَ دَفَعْته صَدَاقًا فَقَالَتْ بَلْ هَدِيَّةً " فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ " وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ وَاخْتَلَفَا هَلْ قَالَ خُذِي هَذَا صَدَقَةً أَمْ هَدِيَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَفْظٌ وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ بِيَمِينِهِ وَقِيلَ بِلَا يَمِينٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ غَيْرِهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا اسْتَرَدَّهُ وَأَدَّى الصَّدَاقَ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا .
وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقَاصِّ وَقَالَ فِي النَّفَقَاتِ لَوْ بَاعَ شَيْئًا فَأَجْرُ دَلَّالَتِهِ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ الدَّلَّالُ لِلْمُشْتَرِي إنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُعْطِنِي أَجْرَهُ فَأَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا وَكَانَ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُعْطِهِ وَقَدْ ظَهَرَ خِلَافُهُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ أَظْهَرَ شَخْصٌ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ
فَدَفَعَ إلَيْهِ النَّاسُ مَالًا لَمْ يَمْلِكْهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ .
وَفِيهِ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَقِيرِ الَّذِي مَاتَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَخَلَفَ دِينَارَيْنِ كَيَّةٌ مِنْ نَارٍ } .
وَلَوْ رَأَى إنْسَانًا دَنِسَ الثِّيَابِ فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا لِيَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى غَسْلِهِ عَمَلًا بِنِيَّةِ الْمَالِكِ ؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ إنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ جَازَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَيْهِ وَحَكَى فِي .
( الشَّهَادَاتِ ) فِيهِ وَجْهَيْنِ كَمَا لَوْ أَعْطَى الشَّاهِدُ أُجْرَةَ مَرْكُوبِهِ فَلَمْ يَرْكَبْ وَالصَّوَابُ أَنَّ فِي الْكُلِّ الْمَدَارَ عَلَى الْقَرِينَةِ فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا الصَّرْفَ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ الْبَدَلَ حُكِمَ لَهُ بِهِ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يَصِيرُ مُبَاحًا بِالِاضْطِرَارِ مَعَ الْبَدَلِ فَالْإِبَاحَةُ لَا تُفِيدُ سُقُوطَ الْبَدَلِ عِنْدَ دَعْوَاهُ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : ( مِنْهَا ) : لَوْ بَعَثَ " إلَى بَيْتِ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ " شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعَثْته بِعِوَضٍ وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ ( الصَّدَاقِ ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ قَبَضْته عَنْ الرَّهْنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ بَلْ قَبَضَهُ إيدَاعًا أَوْ عَارِيَّةً أَوْ إجَارَةً فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَبْضِ مَأْذُونٍ فِيهِ أَوْ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيَجْرِي هَذَا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي وَكَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ وَصَادَفْنَا الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَادَّعَى الْبَائِعٌ أَنَّهُ أَعَارَهُ
أَوْ أَوْدَعَهُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا حُصُولُ الْقَبْضِ لِقُوَّةِ يَدِهِ بِالْمِلْكِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ عَجَّلَ زَكَاةً وَتَنَازَعَ هُوَ وَالْقَابِضُ فِي أَنَّهُ اشْتَرَطَ التَّعْجِيلَ أَمْ لَا فَالْمُصَدَّقُ الْقَابِضُ عَلَى الْأَصَحِّ .
( وَمِنْهَا ) : إذَا سَأَلَهُ سَائِلٌ وَقَالَ إنِّي فَقِيرٌ فَأَعْطَاهُ شَيْئًا ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ دَفَعَهُ قَرْضًا وَأَنْكَرَ الْفَقِيرُ " فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْفَقِيرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ إنِّي فَقِيرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ قَالَهُ الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) ( فِي تَعْلِيقِهِ ) فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي إخْرَاجِ الصَّدَقَةِ .
تَنْبِيهٌ : لَوْ تَنَازَعَا عِنْدَ الدَّفْعِ فِي الْمُؤَدَّى عَنْهُ فَالِاخْتِيَارُ إلَى الدَّافِعِ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ وَاسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَسْأَلَةً ، وَهِيَ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ إلَى سَيِّدِهِ لَا لَهُ وَمَعَ هَذَا فَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْجِهَةِ ثُمَّ قَالَ الْمُكَاتَبُ قَصَدْت النُّجُومَ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَوْ قَالَ صَدَقْت وَلَكِنْ قَصَدْت أَنَا الدَّيْنَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ تَصْدِيقُ الْمُكَاتَبِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ لِأَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُنَا لِلسَّيِّدِ .
فَائِدَةٌ : قَالُوا فِي بَابِ ( الْقِرَاضِ ) إذَا اخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ فِي الْأَصَحِّ .
وَفِي بَابِ الْهِبَةِ إذَا قَالَ وَهَبْتُك بِعِوَضٍ وَقَالَ بَلْ مَجَّانًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُتَّهَبِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ .
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ : أَعْتَقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ : بَلْ مَجَّانًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ .
( وَيَحْلِفُ ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْعِتْقُ فَحَاصِلٌ بِإِقْرَارِ السَّيِّدِ .
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَالَتْ بَلْ بِلَا عِوَضٍ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ وَلَا عِوَضَ عَلَيْهَا .
وَفِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ لَوْ أَطْعَمَهُ وَاخْتَلَفَا فِي ذِكْرِ الْعِوَضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآكِلِ فِي الْأَصَحِّ .
وَفِي بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا قَالَ بِعْتُك فَقَالَ بَلْ
وَهَبْتنِي يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ فَإِذَا حَلَفَا رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ ( الْمَسَائِلِ ) وَمَا الضَّابِطُ لَهَا ؟ وَالْجَوَابُ : الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَتِلْكَ أَنَّ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ اتِّفَاقًا عَلَى اتِّحَادِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْ الْمَالِكِ ثُمَّ الْمَالِكُ يَدَّعِي ضَمَّ مَا يُوجِبُ الْعِوَضَ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ هَذِهِ الضَّمِيمَةَ فَصَدَّقْنَاهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فَاعْتَضَدَ قَوْلُهُ بِأَصْلَيْنِ عَدَمُ الضَّمِيمَةِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .
وَفِي الْأَخِيرَةِ اخْتَلَفَا فِي نَفْسِ اللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْ الْمَالِكِ هَلْ هُوَ لَفْظُ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فَصَدَّقْنَاهُ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ مِنْهُ فَقَوِيَ جَانِبُهُ وَلَمْ يُرَجَّحْ قَوْلُ الْآخَرِ وَإِنَّمَا لَمْ نُلْزِمْهُ بِالثَّمَنِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ الْمُوَافِقَةِ لِلْأَصْلِ وَضَابِطُ الْمَسَائِلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُوَ إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي ضَمِّ لَفْظِ الْعِوَضِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اتِّحَادِ لَفْظِ اللَّافِظِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ .
فَإِنْ قُلْت : وَلِمَ جَرَى الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ وَالْمُتَّهَبِ وَالْمُضْطَرِّ وَلَمْ يَجْرِ ، فِي مَسْأَلَتَيْ الْعِتْقِ ، وَالْخُلْعِ ؟ قُلْت : وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ضَابِطًا لِبَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَهُوَ أَنَّ الدَّافِعَ إمَّا أَنْ يُخَالِفَ الظَّاهِرَ أَوْ لَا ، فَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ الظَّاهِرَ فَهُوَ الْمُصَدَّقُ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ : هُوَ قَرْضٌ ، وَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ : هِبَةٌ ، فَالْمُصَدَّقُ الدَّافِعُ ، وَكَمَسْأَلَةِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ .
أَمَّا إذَا كَانَ قَوْلُ الدَّافِعِ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ صُدِّقَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَتَنَازَعَ هُوَ وَالْقَابِضُ فِي أَنَّهُ شَرَطَ التَّعْجِيلَ فَالْمُصَدَّقُ الْفَقِيرُ لِأَنَّ الدَّافِعَ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالْمُعَجَّلَةُ لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ فِي الْحَالِ
فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .
إذَا اخْتَلَفَ الْغَارِمُ وَالْمَغْرُومُ لَهُ فِي الْقِيمَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَصْلٌ آخَرُ .
وَاحْتُرِزَ بِهَذَا الْقَيْدِ عَمَّنْ يَدَّعِي بَقَاءَ حَيَاةِ الْمَلْفُوفِ حَيْثُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ .
وَمِنْ فُرُوعِ الْقَاعِدَةِ : لَوْ كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ جُزَافًا وَجَوَّزْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى الْفَسْخِ وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ فَالْقَوْلُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ صُدِّقَ الْغَاصِبُ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الشَّرِيكَانِ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ وَقَدْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَتَلِفَ الْعَبْدُ فَالْمُصَدَّقُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَاقْتَضَى الْحَالُ تَقْسِيطَ الثَّمَنِ عَلَى الْقِيمَتَيْنِ كَرَدٍّ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ فَادَّعَى الْمُشْتَرِي مَا يَقْتَضِي زِيَادَةً فِيمَا يُسْتَرْجَعُ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَى الثَّمَنِ فَلَا نَنْزِعُ عَنْهُ إلَّا بِمَا أَقَرَّ بِهِ وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَاقْتَضَى الْحَالُ تَقْسِيطَ الثَّمَنِ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ جَزْمًا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ وَلَوْ اخْتَلَفَا وَانْفَسَخَ الْبَيْعُ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي جَزْمًا .
وَلَوْ رُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ وَاخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَحَالَفَانِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْبَائِعِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ .
وَلَوْ تَقَايَلَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ فَالْأَصَحُّ كَذَلِكَ وَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي وَقِيلَ يَتَحَالَفَانِ .
نَعَمْ لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا فِيهِ الشُّفْعَةُ وَقَالَ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَقَالَ الشَّفِيعُ بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّفِيعِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ غَارِمًا لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَارِمِ فِي حَالَةِ التَّلَفِ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ ، وَلَا يَمْلِكُ بِالْغَرَامَةِ مَالًا فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَارِمٍ يَعْنِي حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يَبْذُلُ بَدَلًا يَمْلِكُ بِهِ شِقْصًا لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي بَدَلٍ يَمْلِكُ بِهِ مَا هُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ .
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِهِ .
فَأَمَّا إذَا كَانَ يَنْزِعُ مِلْكَ غَيْرِهِ بِبَدَلٍ يَبْذُلُهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْبَدَلِ وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلُوا الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مَعَ الْبَائِعِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَنْزِعُ الْمِلْكَ مِنْ الْبَائِعِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ الْبَدَلِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ .
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّا نَنْظُرُ فِي مُدَّعِي الْمِقْدَارِ فِي الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ فَإِنْ وَجَدْنَاهُ أَجْنَبِيًّا عَنْ الْعَقْدِ كَالشَّفِيعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ خَصْمِهِ جَزْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يُرِيدُ بِدَعْوَاهُ إزَالَةَ مِلْكِ خَصْمِهِ عَمَّا هُوَ فِي مِلْكِهِ أَوْ لَا .
إنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يُعَارِضْهُ تَلَفٌ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي " فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُرَادُ إزَالَةُ مِلْكِهِ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ عَارَضَهُ تَلَفٌ تَحْتَ يَدِ الْمُدَّعِي " مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ غَارِمًا جَرَى الْقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَ غَارِمًا فَلَا يَجْرِي الْقَوْلَانِ وَيَجِيءُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَتَّى فِي صُورَةِ الْإِقَالَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَقْدٌ قَائِمٌ فَإِنْ كَانَ جَاءَ التَّحَالُفُ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إزَالَةُ مِلْكِ خَصْمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ
كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ حَتَّى فِي صُورَةِ التَّحَالُفِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ وَإِنْ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ هَذَا وَمِنْ الَّذِي قَبْلَهُ جَرَى الْقَوْلَانِ كَمَا فِي صُورَةِ الْعِتْقِ .
إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا إلَى دَفْعِ الْعَقْدِ وَالْآخَرُ إلَى إمْسَاكِهِ فَالْأَصَحُّ أَجَابَّةُ مَنْ طَلَبَ الْإِمْسَاكَ مَعَ الرُّجُوعِ بِأَرْشِ الْقَدِيمِ بَائِعًا كَانَ أَوْ مُشْتَرِيًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ الْعَقْدِ وَإِبْقَائِهِ إلَّا فِي صُورَةٍ : وَهِيَ مَا إذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ الثَّوْبِ بَعْدَ صَبْغِهِ فَأَرَادَ الْبَائِعُ إعْطَاءَ الْأَرْشِ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي رَدَّ الثَّوْبِ وَأَخْذَ قِيمَةَ الصَّبْغِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُجَابَ هُوَ الْبَائِعُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَضِيَّةُ إيرَادِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمُجَابَ أَيْضًا الْبَائِعُ " وَأَهْمَلَ فِي ( الرَّوْضَةِ ) هَذَا التَّصْحِيحَ .
إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ فِي الْأَظْهَرِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ قَالَ ( الْقَفَّالُ ) وَأَصْلُهَا تَعْقِيبُ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ .
وَلِاخْتِلَافِهِمَا مَرَاتِبُ : ( الْأُولَى ) أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا وُجُودَهُ عَلَى وَجْهٍ مُفْسِدٍ كَأَجَلٍ أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ أَوْ انْضِمَامِ فَاسِدٍ إلَى الثَّمَنِ كَدَرَاهِمَ إلَى الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَيَدَّعِي الْآخَرُ عَدَمَهُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ وَكَلَامُ الرُّويَانِيِّ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِتَصْدِيقِ مُدَّعِي الصِّحَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي ( الْبَحْرِ ) بِهِ .
لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه بِلَا خِلَافٍ .
( الثَّانِيَةُ ) : أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ كَأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا حُرِّيَّةَ الْمَبِيعِ أَوْ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ أَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ أَوْ عَقَدْنَا عَلَى الْعَصِيرِ وَهُوَ خَمْرٌ وَيَقُولُ الْبَائِعُ بَلْ بِعْته وَهُوَ عَصِيرٌ فَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ قَطْعًا وَلِهَذَا جَعَلُوهُ دَلِيلًا لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي دَعْوَى الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ فِي ( التَّحْرِيرِ ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْعِقَادِ .
قَالَ : بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطًا زَائِدًا يُفْسِدُهُ .
( الثَّالِثَةُ ) : أَنْ يَخْتَلِفَا فِيمَا يَكُونُ وُجُودُهُ شَرْطًا كَبُلُوغِ الْبَائِعِ بِأَنْ بَاعَ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَكُنْ بَالِغًا حِينَ الْبَيْعِ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي وَمَا ذَكَرَاهُ مُحْتَمَلٌ فَيُصَدَّقُ الْبَائِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ .
قَطَعَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي آخِرِ بَابِ الرِّبَا وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ كَاتَبْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ صُدِّقَ السَّيِّدُ
إنْ عُرِفَ سَبْقُ مَا ادَّعَاهُ وَإِلَّا فَالْعَبْدُ لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) أَجْرَى فِي نَظِيرِهِ الْخِلَافَ فِي النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ لَوْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ثُمَّ قَالَ كُنْت مَحْجُورًا أَوْ مَجْنُونًا يَوْمَ زَوَّجْتهَا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَعَهِدَ مَا يَدَّعِيه فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا تَصْدِيقُ الزَّوْجِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى جَرَيَانِ الْعَقْدِ .
وَالْغَالِبُ فِي الْعُقُودِ أَنَّهَا عَلَى الصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الرُّؤْيَةِ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي فَتَاوِيهِ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ .
وَقَالَ فِي ( الرَّوْضَةِ ) فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي شَرْطٍ مُفْسِدٍ وَالْأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةَ وَعَلَيْهِ فَرَّعَهَا الْغَزَالِيُّ لَكِنَّ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ جَزَمَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ " السِّنْجِيِّ " فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي تَغْيِيرِ مَا كَانَ رَآهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ ( الصَّرْفِ ) الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ لَازِمٍ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ شَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، انْتَهَى .
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ صُورَةَ الرُّؤْيَةِ مَحَلُّ وِفَاقٍ .
وَلَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اخْتَلَفَا هَلْ شَرَطَا الْقَلْعَ أَمْ لَا فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَأَوْلَى ، فَإِنَّ الْعَامَّةَ أَوْ غَالِبَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِذِكْرِهِ بِخِلَافِ الرُّؤْيَةِ فَيَقْرُبُ هُنَا الْجَزْمُ بِتَصْدِيقِ نَافِيهِ وَتَشْهَدُ لَهُ مَسْأَلَةٌ .
وَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرًا : ( إحْدَاهَا ) : لَوْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ عَلِمَا ذَرْعَهَا فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَرَادَ ذِرَاعًا مُعَيَّنًا حَتَّى لَا
يَصِحَّ الْعَقْدُ وَادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِشَاعَةَ لِيَصِحَّ فَالْأَصَحُّ فِي ( الرَّوْضَةِ ) تَصْدِيقُ الْبَائِعِ حَتَّى يَفْسُدَ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِرَادَتِهِ .
( الثَّانِيَةُ ) : إذَا اخْتَلَفَا فِي أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى الْإِنْكَارِ أَوْ الِاعْتِرَافِ فَالصَّوَابُ فِي ( الرَّوْضَةِ ) تَصْدِيقُ مُدَّعِي وُقُوعِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ .
( الثَّالِثَةُ ) : مَسْأَلَةُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ السَّابِقَةِ وَصُورَةُ الصُّلْحِ هَذِهِ تَشْهَدُ لَهَا .
( الرَّابِعَةُ ) : اخْتِلَافُ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ عَلَى مَا سَبَقَ .
إذَا أَنْفَقَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَلْ يَرْجِعُ ؟ هُوَ نَوْعَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : مَنْ أَدَّى وَاجِبًا عَنْ غَيْرِهِ .
( وَالثَّانِي ) : مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ .
فَالْأَوَّلُ : كَمَا لَوْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ بَرِئَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ هَلْ يَقَعُ فِدَاءً أَوْ مَوْهُوبًا لَهُ ؟ وَجْهَانِ .
وَهَذَا فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ فَأَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَوَقِّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَالزَّكَاةِ فَلَا تَقَعُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ( وَمِنْهَا ) الْكَفَّارَةُ وَهَكَذَا الْعَمَلُ الْبَدَنِيُّ إذَا صَامَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ لَمْ يَصِحَّ لَكِنْ جَوَّزُوا الْحَجَّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِأُمُورٍ .
( وَمِنْهَا ) لَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْآبِقِ فِي حَالِ رَدِّهٍ فَإِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ عِنْدَنَا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ وَتَرَدَّدَ الرَّافِعِيُّ فِي إلْحَاقِهِ بِمُسْتَأْجِرِ الْجِمَالِ .
( وَمِنْهَا ) إذَا أَوْدَعَهُ دَابَّةً وَلَمْ يُعْطِهِ عَلَفًا رَاجَعَهُ أَوْ وَكِيلُهُ ، فَإِنْ فُقِدَا فَالْحَاكِمُ لِيُؤَجِّرَهَا وَيَصْرِفَ الْأُجْرَةَ فِي عَلَفِهَا فَإِنْ عَجَزَ اقْتَرَضَ عَلَى الْمَالِكِ فَإِنْ فَقَدَ الْحَاكِمَ تَعَاطَاهُ بِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ .
ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَمِنْ الثَّانِي : مَسْأَلَةُ الْحَمَّالِ وَاللَّقِيطِ فِي النَّفَقَةِ " عَلَيْهِمَا وَنَظَائِرُهَا " وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَظُنَّ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ ظَنَّ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ رَجَعَ كَمَا إذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ لِلْحَامِلِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ فَبَانَ أَنْ لَا حَمْلَ رَجَعَ عَلَيْهَا وَلَوْ " نَفَى حَمْلَ الْمُلَاعَنَةِ " ثُمَّ رَجَعَ وَكَذَّبَ نَفْسَهُ وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ فَلَهَا الرُّجُوعُ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى ظَنِّ الْوُجُوبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ( مَا ) إذَا أَنْفَقَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَلَا يَرْجِعُ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
النَّفَقَةُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ عَنْ " الصَّيْمَرِيِّ " وَأَجْرَاهُمَا الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) فِي فَتَاوِيهِ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا ( وَعَمَّرَهَا ) ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَأَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ وَنَقَضَ عِمَارَةَ الْمُشْتَرِي هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِأَرْشِ النُّقْصَانِ وَبِمَا أَنْفَقَ عَلَى الدَّارِ ؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَرْجِعُ ، قَالَ الْقَاضِي وَلِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصَّانِ يَدُلَّانِ عَلَى ثُبُوتِ الرُّجُوعِ : ( أَحَدُهُمَا ) قَالَ فِي النَّفَقَاتِ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ( ثَلَاثًا ) وَادَّعَتْ الْحَمْلَ فَصَدَّقَهَا أَوْ شَهِدَتْ بِهِ الْقَوَابِلُ ، وَقُلْنَا الْحَمْلُ يُعْرَفُ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَانَ عَدَمُ الْحَمْلِ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ .
( وَالثَّانِي ) قَالَ فِي الْكِتَابَةِ لَوْ جُنَّ الْمُكَاتَبُ وَحَلَّ النَّجْمُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ بِمَحْضَرِ الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُوجِبُ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمَالِكِ فَلَوْ ظَهَرَ لِلْمُكَاتَبِ مَالٌ فَيَرُدُّ عَجْزَهُ وَيَعْتِقُ وَالسَّيِّدُ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ انْتَهَى .
( وَمِنْهَا ) إذَا عَجَّلَ زَكَاةَ الْحَيَوَانِ ثُمَّ اقْتَضَى الْحَالُ الرُّجُوعَ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي ( شَرْحِ الْوَسِيطِ ) يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ النَّفَقَةِ وَإِلَّا فَلَا .
( وَمِنْهَا ) اللُّقَطَةُ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ التَّمَلُّكِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقَرْضِ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يُلْحِقُ قَالَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا .
إرَاقَةُ الدَّمِ الْوَاجِبَةُ بِسَبَبِ النُّسُكِ تَتَعَيَّنُ بِالْحَرَمِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ .
وَهُوَ دَمُ الْإِحْصَارِ فَإِنَّ مَحَلَّهُ مَحَلُّ الْحَصْرِ .
الْأَسْبَابُ الْمُطْلَقَةُ أَحْكَامُهَا تَتَعَقَّبُهَا وَلَا تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يُطْلِقَ الْبَيْعَ فَيَقْتَرِنُ بِهِ اللُّزُومُ فَلَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ ارْتَفَعَ اللُّزُومُ .
( الثَّانِي ) : إطْلَاقُ الثَّمَنِ يَقْضِي الْحُلُولَ وَإِذَا شَرَطَ الْأَجَلَ ارْتَفَعَ الْحُلُولُ قَالَهُ ( إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ ) فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْخِلَافِ .
اسْتِدَامَةُ بَقِيَّةِ الْفِعْلِ إنْ كَانَ سَبَبُهُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا بَقِيَ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ .
وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا اعْتَبَرَ حُكْمَهُ بِنَفْسِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ ثُمَّ اسْتَدَامَهُ لَا فِدْيَةَ .
وَلَوْ نَسِيَ الْإِحْرَامَ فَتَطَيَّبَ ثُمَّ ذَكَرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ .
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : لِأَنَّ التَّطَيُّبَ نَاسِيًا لَيْسَ بِجَائِزٍ وَلَا مُبَاحٍ وَلَكِنْ يُسْقِطُ حُكْمُ النِّسْيَانِ مَا عَلَيْهِ .
قَالَ : وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ لَوْ أَفْطَرَ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَةُ الْفِطْرِ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِذَا أَفْطَرَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بِسَفَرٍ ثُمَّ قَدِمَ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَكْلِ كَانَ مُبَاحًا .
وَمِنْهُ مَا لَوْ شَرَعَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ مَدَّ حَتَّى غَلَبَ الشَّفَقُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ .
الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ كَلَّفْنَاهُ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ حَالَةَ كُفْرِهِ .
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي نَهَارِ ( رَمَضَانَ ) لَا يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَلَا قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْأَصَحِّ .
وَكَذَلِكَ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السُّقُوطُ .
حَكَاهُ ( الرَّافِعِيُّ ) " فِي الرَّوْضَةِ " فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : لَوْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا تَسْقُطُ .
قَالَ " صَاحِبُ فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ الْمُشْكِلِ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ " لَا سِيَّمَا وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْحُدُودِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي كُفْرِهِ فَلَا يُؤَدِّيهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَاتِ .
( الثَّانِيَةُ ) : إذَا جَاوَزَ الْكَافِرُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَحْرَمَ دُونَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ .
( الثَّالِثَةُ ) : لَوْ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَسْقُطُ حُكْمُ الْغُسْلِ بِإِسْلَامِهِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ .
أَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا تَقَدَّمَهَا الْتِزَامٌ بِذِمَّةٍ أَوْ أَمَانٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَلَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ وَجَبَ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقِسْطِهَا تَغْلِيبًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ .
الِاسْتِثْنَاءُ الْحُكْمِيُّ هَلْ هُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ ؟ هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) : مَا لَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ لَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لِضُرٍّ ، كَبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ يَصِحُّ قَطْعًا ، وَلَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا لَمْ يَصِحَّ .
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمُوصِي بِمَا يَحْدُثُ مِنْ حَمْلِهَا وَثَمَرَتِهَا يَصِحُّ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا ، وَلَوْ بَاعَ وَاسْتَثْنَاهَا لَفْظًا لَا يَصِحُّ .
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ الْكَثِيرَةِ وَالشَّجَرَةِ عَلَيْهَا الثَّمَرَةُ وَالْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ يَصِحُّ ، وَنَفْعُ بَقَاءِ الْأَمْتِعَةِ وَالثَّمَرِ وَالْغَرْسِ مُسْتَثْنًى إلَى أَوَانِ تَفْرِيغِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً فَبَانَ تَحْتَهَا دِكَّةٌ صَحَّ .
نَعَمْ يَتَخَيَّرُ إنْ جَهِلَهَا ، وَلَوْ اسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ مِقْدَارَ مَا تَحْتَهَا لَمْ يَصِحَّ .
( الثَّانِي ) : مَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا كَمَا لَوْ تَلَفَّظَ بِهِ كَبَيْعِ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْحَمْلِ .
( الثَّالِثُ ) : مَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمَزْرُوعَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ وَالْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا ، وَتَقَعُ الْمُدَّةُ مُسْتَثْنَاةً لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعَ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَوْ صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهَا بَطَلَ .
( وَمِنْهَا ) : إذَا بَاعَ نَخْلَةً وَعَلَيْهَا ، ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ وَبَقِيَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ثُمَّ حَدَثَ طَلْعٌ جَدِيدٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَهَلْ هُوَ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ؟ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لِلْبَائِعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَثْنَى ذَلِكَ لَفْظًا لَمْ يَصِحَّ .
الرَّابِعُ ) مَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْحَامِلِ بِحُرٍّ وَيُحْمَلُ لِغَيْرِ مَالِكِهَا ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا حَمْلَهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ حَيْثُ صَحَّحُوا الِاسْتِثْنَاءَ الْحُكْمِيَّ لِلضَّرُورَةِ .
إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالدَّعَاوَى وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا .
قَالَ الْإِمَامُ عَنْهُ فِي ( الْأَسَالِيبِ ) وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا بَيَانٌ وَلَكِنَّ الشَّارِعَ تُعِيدُ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ فَإِذَا عَجَزَ الْأَخْرَسُ بِخَرَسِهِ عَنْ الْعِبَارَةِ أَقَامَتْ الشَّرِيعَةُ إشَارَتَهُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ .
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ النَّاطِقَ لَوْ أَشَارَ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَإِذَا خَرِسَ اُعْتُدَّ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرَ فِي قِيَامِ الْإِشَارَةِ مَقَامَ الْعِبَارَةِ الضَّرُورَةُ وَأَنَّهُ أَتَى بِأَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الْبَيَانِ .
قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْإِشَارَةُ إذَا اقْتَرَنَ بِهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ أَوْرَثَتْ بِمَجْمُوعِهَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ التَّنَاهِي فِي نَصْبِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ مَعَ الْإِشَارَاتِ .
وَاعْلَمْ : أَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ كَنُطْقِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ : ( إحْدَاهَا ) إذَا خَاطَبَ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ .
( الثَّانِيَةُ ) : إذَا شَهِدَ بِالْإِشَارَةِ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ إقَامَتَهَا مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي شَهَادَتِهِ لِإِمْكَانِ شَهَادَةِ النَّاطِقِ .
( الثَّالِثَةُ ) : إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ بِالْإِشَارَةِ لَا يَحْنَثُ .
( الرَّابِعَةُ ) : حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا لِعَانُهُ بِالْإِشَارَةِ فَيَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ وَفِي الْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ( الْأُمِّ ) إنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُوَ أَخْرَسُ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وُقِفَ الْيَمِينُ إلَى أَنْ تُفْهَمَ إشَارَتُهُ وَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَمْ تُرَدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ نُكُولُهُ وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ عَنْ الْإِمَامِ ضَابِطًا لِمَا تَقُومُ فِيهِ الْإِشَارَةُ عَنْ الْعِبَارَةِ ( قَالَ ) وَاَلَّذِي يَنْقَدِحُ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ أَنَّ
كُلَّ مَقْصُودٍ لَا يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ فَلَا يَمْنَعُ إقَامَةَ الْإِشَارَةِ مَقَامَ الْعِبَارَةِ وَمَا يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَعْسُرُ إعْرَابُ الْإِشَارَةِ عَنْهَا وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ صِحَّةَ لِعَانِ الْأَخْرَسِ فِي تَأْدِيَةِ كَلَامِ اللِّعَانِ وَلَا سِيَّمَا إذَا عَيَّنَّا لَفْظَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تُرْشِدُ إلَى تَفْصِيلِ الصِّيَغِ .
قَالَ وَلَوْ كَانَ فِي الْأَصْحَابِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْأَخْرَسِ الْكِتَابَةَ إنْ كَانَ يُحْسِنُهَا أَوْ يَشْتَرِطُ فِي نَاطِقٍ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا ، وَيُشِيرُ إلَى الْأُخْرَى وَيَقُولُ تَشْهَدُ هَكَذَا وَيَقُولُ الْأَخْرَسُ بِالْإِجَابَةِ لَقَرُبَ بَعْضَ الْقُرْبِ .
فَأَمَّا الْإِشَارَةُ الْمُجَرَّدَةُ فَلَا اهْتِدَاءَ إلَى دَلَالَتِهَا عَلَى صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَمَا نَفَاهُ الْإِمَامُ جَزَمَ بِهِ فِي ( الْوَجِيزِ ) وَنَقَلَهُ فِي ( الْبَسِيطِ ) عَنْ بَعْضِهِمْ .
إشَارَةُ النَّاطِقِ الْقَادِرِ عَلَى الْعِبَارَةِ لَغْوٌ إلَّا فِي صُوَرٍ ( أَحَدُهَا ) : لَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إلَى كَافِرٍ فَانْحَازَ مِنْ صَفِّ الْكُفَّارِ إلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ أَرَدْنَا بِالْإِشَارَةِ الْأَمَانَ كَانَ أَمَانًا تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ .
( الثَّانِيَةُ ) : إشَارَةُ الشَّيْخِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ كَنُطْقِهِ .
( الثَّالِثَةُ ) : قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ .
( الرَّابِعَةُ ) .
إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .
إذَا اجْتَمَعَتْ الْإِشَارَةُ وَالْعِبَارَةُ وَاخْتَلَفَ مُوجِبُهُمَا غُلِّبَتْ الْإِشَارَةُ وَيُحْمَلُ ذِكْرُ الْعِبَارَةِ عَلَى الْغَلَطِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ إنَّمَا جَعَلَ الْأَسَامِيَ نَائِبَةً عَنْهَا فِي حَالَةِ الْغَيْبَةِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ وَأَشَارَ إلَى سَخْلَةٍ وَأَكَلَ مِنْهَا يَحْنَثُ قَطْعًا وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي لِأَنَّ الْعُقُودَ يُرَاعَى فِيهَا شُرُوطٌ وَتَقْيِيدَاتٌ لَا يُعْتَبَرُ مِثْلُهَا فِي الْأَيْمَانِ .
وَلَوْ قَالَ أُصَلِّي خَلْفَ هَذَا زَيْدٍ وَكَانَ عَمْرًا أَوْ عَلَى هَذَا زَيْدٍ وَكَانَ عَمْرًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِلَفْظِهِ بَلْ قَالَ أُصَلِّيَ خَلْفَ هَذَا الْإِمَامِ وَاعْتَقَدَهُ زَيْدًا فَكَانَ غَيْرَهُ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْخِلَافِ وَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ جَزْمًا لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَمْ يُعَارِضْهَا عِبَارَةٌ .
وَلَوْ أَشَارَ إلَى ابْنَتِهِ وَقَالَ زَوْجَتك هَذِهِ : فُلَانَةَ ، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا وَقَالَ زَوَّجْتُكِ هَذَا الْغُلَامَ فَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةَ تَعْوِيلًا عَلَى الْإِشَارَةِ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَلَوْ وَقَّعَ الْحَاكِمُ إلَى فَقِيهٍ لِيُزَوِّجَ فُلَانَةَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُوَقَّعَ إلَيْهِ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَهُ هَلْ يَكُونُ هَذَا إذْنًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْقَضِيَّةِ ؟ قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ إذْنًا قِيَاسًا عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَبَانَ عَمْرًا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ .
قُلْت : لَكِنْ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي صُورَةِ الصَّلَاةِ الصِّحَّةَ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ .
وَلَوْ قَالَ إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الثَّوْبَ الْهَرَوِيَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ فَبَانَ مَرْوِيًّا فَالْأَصَحُّ نُفُوذُهُ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ .
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ إذَا جَاءَ الْغَدُ وَقَعَ فِي الْيَوْمِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْحَائِضٍ أَنْتِ طَالِقٌ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِلسَّنَةِ طَلُقَتْ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ .
قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَأَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بَلْ مِنْ قَاعِدَةِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْمُسْتَحِيلِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : ( مِنْهَا ) : مَا الْمَلْحُوظُ فِيهِ اللَّفْظُ كَالْعُقُودِ وَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا نُحَاسًا لَهُ قِيمَةٌ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ غَيْرُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَقِيلَ : إنَّهُ صَحِيحٌ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ بَابِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ الْفَسَادُ فِيمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْبَغْلَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَكَذَلِكَ مِنْ تَشْبِيهِ الْإِمَامِ لِلْوَجْهَيْنِ ، فِيهِ بِمَا إذَا قَالَ خَالِعَتهَا عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْكَتَّانِ فَبَانَ قُطْنًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فَسَادُ الْخَلْعِ وَيَتَبَيَّنُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْبَيْعِ أَوْ بِالْإِفْسَادِ لِأَنَّ بَابَ الْخَلْعِ أَوْسَعُ وَقَالَ فِي ( التَّهْذِيبِ ) لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا الْبَغْلَ فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ صَحَّ قَطْعًا وَإِلَّا فَوَجْهَانِ .
( وَمِنْهَا ) : أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَوْجُودًا ثُمَّ يَزُولُ كَمَا لَوْ قَالَ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ ، أَوْ : لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا فَلَا حِنْثَ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلْعِبَارَةِ .
وَمِثْلُهُ : لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَصَارَتْ عَرْصَةً فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَذْهَبِ لِعَدَمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَالْمُعَبِّرِ عَنْهُ جَمِيعًا .
الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ بِنَاؤُهَا عَلَى قَوْلِ أَرْبَابِهَا فَإِنَّ الْأَيْدِيَ نَرَاهَا تَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا ، كَمَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ وَأَرَادَ بَيْعَهَا أَوْ هِبَتَهَا أَوْ رَهْنَهَا أَوْ إجَارَتَهَا وَغَيْرَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَقَالَ إنَّهَا مِلْكُهُ جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَى مُعَامَلَتِهِ فِيهَا .
قَالَ الْإِمَامُ فِي ( كِتَابِ الشُّفْعَةِ ) وَهَذَا أَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ لِحَاكِمٍ أَمْ لَا ، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا طَلَبَ الشُّرَكَاءُ مِنْ الْقَاضِي قِسْمَةَ مَا بِأَيْدِيهِمْ أَنَّهُ يَعْتَمِدُهُمْ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْيَدِ .
قَالَ : وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ بَاعَ دَارًا فِي يَدِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْبَيْعِ الْقَاضِيَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يُطَالِبُهُ بِتَثْبِيتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْقِسْمَةِ يَسْتَظْهِرُ الْقَاضِي عَلَيَّ الْقَوْلِ بِأَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يُنَادِيَ : هَلْ مِنْ مُنَازِعٍ ، لِيَسْتَدِلَّ بِعَدَمِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمِلْكِ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ وَيَنْبَغِي مَجِيءُ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ .
نَعَمْ لَوْ أَرَادَ الْقَاضِي شِرَاءَهَا لِيَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَسْجِيلَ بَيْعِهِ لَهَا لِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ .
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ إذَا حَجَرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ مِلْكُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَقَرَّ الْمَدِينُ أَنَّهُ مِلْكُهُ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ ، وَبَيْعُ الْقَاضِي حُكْمٌ بِأَنَّهُ لَهُ .
لَكِنْ خَالَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ إنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِالْيَدِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ .
وَاعْلَمْ : أَنَّ مَوْضِعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ قَوْلِهِ مَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اعْتِرَافٌ بِنَاقِلٍ لِيَخْرُجَ صُوَرٌ فِيهَا خِلَافٌ : ( إحْدَاهَا ) : لَوْ
اعْتَرَفَ صَاحِبُ الْيَدِ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ مَا ادَّعَى شِرَاءَهُ فَوَجْهَانِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِسَبْقِ مِلْكِ الْغَيْرِ ثُمَّ ادَّعَى انْتِقَالَهُ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الِانْتِقَالِ فَعَلَى هَذَا يُوقِفُ الْأَمْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ، وَأَصَحُّهُمَا يَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ إذَا رَفَعَ ذَلِكَ لِلشُّهُودِ أَوْ الْقَاضِي كَتَبُوا أَنَّهُ وَقَعَ بِإِقْرَارِهِمَا وَتَصَادُقِهِمَا كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْنِدَ الْمِلْكَ السَّابِقَ إلَى مُعَيَّنٍ أَوْ لَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ مُنَازَعَةٌ وَيَنْقَدِحُ الْفَرْقُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي صُورَةِ النِّكَاحِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ الْمُعَيَّنُ وَنَازَعَهُ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِانْتِقَالِ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِسَبْقِ الْمِلْكِ بَلْ لَوْ لَمْ يُقِرَّ وَلَكِنْ حَضَرَ مُنَازِعٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا وَلَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى فَالظَّاهِرُ انْتِزَاعُهَا فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَإِنْ اعْتَمَدَتْ الظُّهُورَ أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ الْيَدِ .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْخُلُوَّ مِنْ الْمَوَانِعِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَيَحْتَاطُ بِالْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقَنِي زَوْجِي فُلَانٌ وَانْقَضَتْ عِدَّتِي وَطَلَبَتْ مِنْ الْحَاكِمِ تَزْوِيجَهَا فَفِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلدَّبِيلِيِّ إنْ كَانَتْ غَرِيبَةً وَالزَّوْجُ غَائِبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فِي الْبَلَدِ وَلَيْسَتْ غَرِيبَةً فَلَا يَعْقِدُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا حَتَّى يُثْبِتَ مَا ادَّعَتْهُ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّحْلِيلِ قَبُولَهَا قَوْلَهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي ، وَصَدَقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .
وَنَقْلَ ( قَبْلَ ) دَعْوَى النَّسَبِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَاسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا مِنْ الرَّجُلِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ فُلَانٍ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَمْ يُزَوِّجْهَا الْقَاضِي مَا لَمْ تُقِمْ حُجَّةً عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ لِفُلَانٍ .
( الثَّالِثَةُ ) : بِيَدِهِ مِلْكٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقَفَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِ وَعَلَى نَسْلِهِ ، هَلْ يَثْبُتُ الْوَقْفُ ؟ أَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ لَا يَثْبُتُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِ وَادَّعَى انْتِقَالَهُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْوَقْفِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الْيَدِ اشْتَرَيْت هَذَا مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ .
أَمَّا إذَا قَالَ هَذَا مَوْقُوفٌ عَلَيَّ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاقِفًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ بِالْيَدِ .
وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَقْفَ يَثْبُتُ لَكِنْ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهِ الْمِلْكُ ، حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ هُوَ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْمُبْهَمِ .
( قَالَ ) وَقَدْ أَشَارَ " الشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ " إلَى مَا ذَكَرْته وَهُوَ ظَاهِرٌ .
وَقَالَ فِي ( الْإِشْرَافِ ) إنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاقِفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي وَاقِفَهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَلْزَمهُ حُكْمَ إقْرَارِهِ .
وَقَالَ فِي ( الْبَحْرِ ) قُبَيْلَ كِتَابِ السِّيَرِ : فَرْعٌ : إذَا قَالَ هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي وَقَفَهَا عَلَيَّ وَأَنْتَ غَاصِبٌ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ حُكِمَ لَهُ بِالْمِلْكِ ثُمَّ يَصِيرُ وَقْفًا بِإِقْرَارِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا فِي دَعْوَى الْوَقْفِ لَا يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ .
وَفِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ الْأَوْدَنِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا الشَّيْءُ وَقْفٌ لِي وَفِي يَدَيَّ ، وَمَنَافِعُهُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ كَالْعَيْنِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ .
الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ مِنْ فُرُوعِهَا : مَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا لَزِمَهُ الْغُسْلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ قَالَ فِي ( الْأُمِّ ) وَتَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا ( فِيهِ ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ أَيَّامًا وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا حَيَوَانًا مَيِّتًا وَمَاؤُهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ وُقُوعَهُ بَعْدَ آخِرِ وُضُوءٍ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَلَا يَقْضِي شَيْئًا .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ الْحَامِلِ فَانْفَصَلَ الْوَلَدُ حَيًّا وَبَقِيَ زَمَانًا غَيْرَ مُتَأَلِّمٍ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الضَّارِبِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ ضَرْبِهِ أَوْ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ .
( وَمِنْهَا ) : جَرَحَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَمْ بِحَادِثٍ هَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ أَمْ أَرْشُ الْجُرْحِ فَقَطْ ؟ قَوْلَانِ ، قَالَ فِي ( الرَّوْضَةِ ) أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَهُ وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا إحَالَةَ عَلَى اخْتِيَارِ الطَّائِرِ .
وَمِنْهَا ) : ابْتَاعَ عَبْدًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَمَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَتَزَايَدُ فَيَحْصُلُ الْمَوْتُ بِالزَّائِدِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إضَافَتُهُ إلَى السَّابِقِ وَمِثْلُهُ الْجِرَاحَةُ السَّارِيَةُ وَالْحَامِلُ تَمُوتُ فِي الطَّلْقِ ثُمَّ عَلَى الْأَصَحِّ يَتَعَيَّنُ الْأَرْشُ إنْ جَهِلَ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَحِقَ الْوَلَدُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِشَرْطِ أَنْ يُقِرَّ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مَا لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ بَعْدُ بِالْوَطْءِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْأَصَحِّ لِلُحُوقِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقِيلَ لَا تَصِيرُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ النِّكَاحِ .
( وَمِنْهَا ) : الْبَيِّنَةُ تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ تَمَامِهَا بِأَقَلِّ زَمَنٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ثُبُوتُهُ ضَرُورَةً تَصْدِيقُ الْحُجَّةِ وَلَا تُثْبِتُ الْحَقَّ قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ .
هَذَا إذَا أُطْلِقَتْ فَإِنْ أُسْنِدَتْ إلَى زَمَنٍ قَدِيمٍ ثَبَتَ الْحَقُّ مُسْنَدًا إلَيْهِ وَمُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ بِأَقَلِّ زَمَانٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ صِدْقُ الْحُجَّةِ .
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَلَا يُقَدِّرُ الِاسْتِحْقَاقَ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ذَلِكَ لَكَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ النَّاقِلَ لَهُ الْمُسْتَحِقَّ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ نَقْلِهِ إلَيْهِ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : ( مِنْهَا ) : لَوْ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا فَتَبَرَّعَ ثُمَّ قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ أَوْ غَرِقَ حُسِبَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ حَكَاهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ فَتَوَرَّمَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ( قُبَيْلَ الدِّيَاتِ ) عَنْ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا .
الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّحْرِيمُ أَوْ الْوَقْفُ أَقْوَالٌ بَنَاهَا الْأُصُولِيُّونَ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ لِبَيَانِ هَدْمِ الْقَاعِدَةِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَخْرِيجُ فُرُوعِ الْأَحْكَامِ عَلَى قَاعِدَةٍ مَمْنُوعَةٍ فِي الشَّرْعِ .
وَمَا خَرَّجَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي النَّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ صُوَرِ السِّعْرِ الْمَجْهُولِ وَنَحْوِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَصْلِ .
وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ النَّوَوِيُّ فِي النَّبَاتِ الْمَجْهُولِ سِمَتُهُ وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْهُجُومُ ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ الْوَقْفُ إلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ فَإِنْ لَمْ ( نَجِدْ ) مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمٍ فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ .
وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَجْهُولِ أَنَّ مَيْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى الْحِلِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّحْرِيمِ وَلَهُ مَأْخَذٌ آخَرُ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " حَرْفِ الْحَاءِ " .
الْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ فَإِذَا تَقَابَلَ فِي الْمَرْأَةِ حِلٌّ وَحُرْمَةٌ غُلِّبَتْ الْحُرْمَةُ .
وَلِهَذَا امْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَصْلُهُنَّ الْإِبَاحَةَ حَتَّى يَتَأَيَّدَ الِاجْتِهَادُ بِاسْتِصْحَابِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ مَوَانِعُ النِّكَاحِ تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ لِتَأَيُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِهَذَا الْأَصْلِ .
نَعَمْ لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمَةٌ بِنِسْوَةٍ غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ كَيْ لَا تَتَعَطَّلَ مَصْلَحَةُ النِّكَاحِ وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .
الْأَصْلِيُّ لَا يُعْتَدُّ مَعَهُ بِالْمُعَارِضِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ انْفَتَحَ تَحْتَ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقَهَا .
الْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَحْكَامِ وَقَدْ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبِهِ وَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ .
وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ قَبْلَ التَّلَفِ لِتَعَذُّرِ اقْتِرَانِهِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّلَفِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِانْفِسَاخِ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ انْقِلَابُ الْمِلْكَيْنِ [ بَعْدَ ] التَّلَفِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا بَعْدَ هَلَاكِهِ فَتَعَيَّنَ انْقِلَابُهُ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَلَفِهِ .
الْأَصْلُ فِي الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ فَإِنَّ الْحَاجَةَ اغْتَفَرَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِوَضِ لِيَكُونَ ذَلِكَ حَاثًّا لِلْعَامِلِ عَلَى الْعَمَلِ وَالتَّحْصِيلِ .
وَقَدْ تُغْتَفَرُ الْجَهَالَةُ فِي مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي صُورَةِ الصُّلْحِ .
وَكَذَلِكَ تَنْفِيلُ الْإِمَامِ مِمَّا سَيُغْنَمُ مِنْ الْوَقْعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا .
الْأُصُولُ الَّتِي لَهَا أَبْدَالٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي ثَانِي الْحَالِ قَسَّمَهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ كَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ .
وَمِنْهُ الْهَدْيُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ يَنْتَقِلُ " إلَى الصَّوْمِ " أَوْ كَانَ مَا لَهُ غَائِبًا لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ .
قُلْت : وَمِثْلُهُ الْمُحْصَرُ إذَا وَجَدَ الثَّمَنَ وَلَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ يَصُومُ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ لِلضَّرُورَةِ " وَمِنْهُ الْمَالُ الْغَائِبُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ كَمَا لَا يَمْنَعُ ابْنَ السَّبِيلِ الزَّكَاةَ .
( الثَّانِي ) مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ وَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَأْخِيرُهُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْيَمِينِ وَالْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى الْبَدَلِ إذَا كَانَ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ الْغَائِبِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَجِدَ الرَّقَبَةَ ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَمُوتَ فَتُؤَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَوْ مَاتَ .
( الثَّالِثُ ) مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُضَيَّقَةِ الْوَقْتِ .
وَالثَّانِي : لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ ، لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِالتَّأْخِيرِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي إلَى وُجُوبِ الصَّبْرِ وَلَوْ كَانَ وَاجِدًا طُولَ الْحُرَّةِ وَلَا يَجِدُ فِي الْقَرْيَةِ حُرَّةً فَهَلْ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْأَمَةِ ، قَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ عَلَى الظَّاهِرِ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَصْحَابُ لَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ إنْ كَانَ يَخَافُ
الْعَنَتَ فِي مُدَّةِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَيْهَا فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِلَّا فَلَا .
الِاصْطِلَاحُ الْخَاصُّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اللُّغَةِ بِالِاصْطِلَاحِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُصْطَلِحِينَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَصْلِ الْمَعْنَى وَلَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ تَخْصِيصِهِ فِيهِ ؟ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَالْمُخْتَارُ الثَّانِي .
وَمِنْ فُرُوعِهَا : لَوْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَلْفٍ وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ الْأَلْفِ فِي الْعَلَانِيَةِ بِأَلْفَيْنِ فَالْأَظْهَرُ : وُجُوبُ أَلْفَيْنِ لِجَرَيَانِ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِهِ وَالثَّانِي : الْوَاجِبُ أَلْفٌ عَمَلًا بِاصْطِلَاحِهِمَا .
قَالَ الْإِمَامُ : وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الْمُتَلَقَّاةُ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ : إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَإِنَّمَا غَرَضِي أَنْ تَقُومِي وَتَقْعُدِي ، أَوْ أُرِيدُ بِالثَّلَاثِ وَاحِدَةً ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ وَقِيلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَوَافَقَا عَلَيْهِ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصَّدَاقِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ الْخَلَاصِ وَالِانْطِلَاقِ ثُمَّ أَرَادَ الزَّوْجُ حَمْلَ الطَّلَاقِ فِي مُخَاطَبَتِهِ زَوْجَتَهُ عَلَى مَعْنَى التَّخَلُّصِ وَحَلِّ الْوِثَاقِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَالْعُرْفُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إزَالَةِ الْإِبْهَامِ لَا فِي تَغْيِيرِ مُقْتَضَى الصَّرَائِحِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ مَتَى قُلْت لِامْرَأَتِي أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَحُلُّ مَحَلَّ الطَّلَاقِ لِكَلَامِهِ السَّابِقِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَغَيَّرَتْ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أُلَقِّبَهَا بِالْحُرَّةِ وَأَجْعَلَ ذَلِكَ اسْمَهَا ثُمَّ قَالَ : يَا حُرَّةُ فَفِي الْبَسِيطِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَعْتِقُ إذَا قَصَدَ النِّدَاءَ .
وَمِنْهَا : إذَا قَالَ أُرِيدُ أَنْ أُقِرَّ بِمَا لَيْسَ عَلَيَّ ، لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ : لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ ( التَّتِمَّةِ ) الصَّحِيحُ لُزُومُهُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي .
وَمِنْهَا : لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ قَالَ لَمْ يَكُنْ إقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ وَقِيلَ لَا يُحَلِّفُهُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا .
وَمِنْهَا : مَسْأَلَةٌ جَدَلِيَّةٌ حَكَاهَا الْخُوَارِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَعَنَى الْمُسْتَدِلُّ بِهِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا تُسْمَعُ " الْغَايَةُ " ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْكَلَامِ ؟ .
قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُسْمَعُ ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ نَاطِقٌ بِلُغَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلَكِنْ بَعْدَهَا عَرَّفَ الْمُرَادَ وَعَرَّفَ اللُّغَةَ فَلَا يُلْجَأُ إلَى الْمُنَاظَرَةِ بِالْمَعْرُوفَةِ .
الْأَصَابِعُ فِي الصَّلَاةِ لَهَا سِتُّ حَالَاتٍ إحْدَاهَا : حَالَةُ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ فِيهَا .
الثَّانِيَةُ : حَالَةُ الْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ فَلَا تَفْرِيقَ .
الثَّالِثَةُ : حَالَةُ الرُّكُوعِ يُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُهَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ .
الرَّابِعَةُ : حَالَةُ السُّجُودِ يُسْتَحَبُّ ضَمُّهَا وَتَوْجِيهُهَا إلَى الْقِبْلَةِ .
الْخَامِسَةُ : حَالَةُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَالسُّجُودِ ، وَالثَّانِي : تَرْكُهَا عَلَى هَيْئَتِهَا .
السَّادِسَةُ : التَّشَهُّدُ فَالْيُمْنَى مَضْمُومَةُ الْأَصَابِعِ إلَّا فِي الْمُسَبِّحَةِ وَفِي الْإِبْهَامِ خِلَافٌ وَالْيُسْرَى مَبْسُوطَةٌ .
وَفِيهَا الْوَجْهَانِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ ضَمُّهَا .
إعْمَالُ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ مِنْ طُبُولِهِ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلُ حَرْبٍ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْجَائِزِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ أَحَدُهُمَا خَمْرٌ وَالْآخَرُ خَلٌّ فَقَالَ أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْخَلِّ .
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَحِمَارٍ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ، تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ ، وَقَصَدَ الْأَجْنَبِيَّةَ يُقْبَلُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَبُولِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ .
وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ حُمِلَ عَلَيْهِمْ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِهْمَالِ .
وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ زَوْجَاتِي طَوَالِقُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَجْعِيَّاتٌ طُلِّقْنَ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَ فِي دُخُولِهَا فِيهِنَّ مَعَ وُجُودِ مَنْ هِيَ حِيَالُهُ خِلَافٌ .
الْإِعْرَاضُ عَنْ الْمِلْكِ أَوْ حَقِّ الْمِلْكِ ضَابِطُهُ : أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَازِمًا لَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : تَرَكْت نَصِيبِي مِنْ الْمِيرَاثِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَا يُتْرَكُ بِالتَّرْكِ ، بَلْ إنْ كَانَ عَيْنًا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَمْلِيكٍ وَقَبُولٍ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَلَا بُدَّ مِنْ إبْرَاءٍ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ ، أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ تَرَكْت الدَّيْنَ إلَيْك ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَرَكْت الْخُصُومَةَ قَالَهُ فِي ( التَّهْذِيبِ ) فِي بَابِ الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، بَلْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّمْلِيكِ صَحَّ كَإِعْرَاضِ الْغَانِمِ عَنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِأَنْ يَقُولَ أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ الْقِسْمَةِ وَكَذَا قَبْلَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَقَبْلَ قِسْمَةِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِنْ الْأَوَّلِ : إعْرَاضُ ذَوِي الْقُرْبَى ، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ كَالْمِيرَاثِ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ تَعَبٍ .
وَمِثْلُهُ إعْرَاضُ السَّالِبِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ وَلَا إعْرَاضُ السَّفِيهِ عَنْ السَّهْمِ وَيَصِحُّ إعْرَاضُ الْمُفْلِسِ عَنْ السَّهْمِ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ عَنْ الرَّضْخِ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : فِي بَابِ الْفَيْءِ إنَّ أَحَدَ الْمُرْتَزِقَةِ إذَا أَعْرَضَ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ .
وَلَوْ قَالَ عَامِلُ الْقِرَاضِ تَرَكْت حَقِّي مِنْ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ ، قَالَ الْإِمَامُ إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِالْإِسْقَاطِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّمْلِيكُ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ فَفِي سُقُوطِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا رَبِّ الْمَالِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِأَنَّهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةِ مِلْكٍ يَسْقُطُ كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ الْغَانِمِ بِالتَّرْكِ وَالْإِعْرَاضِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .
( وَالثَّانِي ) : لَا يَسْقُطُ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَأَكَّدَ وَلَيْسَ عَقْدًا يُفْسَخُ وَلَيْسَ كَالْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْغَنَائِمَ لَيْسَ مَقْصُودَ الْغُزَاةِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ عَلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَلَوْ اشْتَرَى دَابَّةً وَأَنْعَلَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِهَا عَيْبًا قَدِيمًا وَفِي نَزْعِهِ تَعْيِيبٌ فَرَدَّهَا مَعَ النَّعْلِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ ، وَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ لَوْ سَقَطَ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
( وَمِثْلُهُ ) : بَيْعُ الْأَرْضِ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْ وَفِيهَا حِجَارَةٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ إذَا قَالَ الْبَائِعُ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ يَزُولُ الْمِلْكُ فِيهَا بِالْإِعْرَاضِ : ( أَحَدُهَا ) : فِي الْمُحَقَّرَاتِ كَمَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ أَخَذَهَا فِيهِ ؟ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا فِي ( الرَّوْضَةِ ) .
نَعَمْ قَالَ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَحْوَالِ السَّلَفِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ ، وَمَا فَعَلَهُ ، إبَاحَةٌ لِلطَّاعِمِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ الْتَقَطَ حَقِيرًا يَمْلِكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ زَمَنًا يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا .
( الثَّالِثَةُ ) : خُرُوجُهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ كَمَا لَوْ أَرَاقَ الْخَمْرَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ أَوْ أَلْقَى جِلْدَ الْمَيْتَةِ فَأَخَذَهُ آخِذٌ " فَدَبَغَهُ مَلَكَهُ وَلَيْسَ لِلْمُعْرِضِ اسْتِرْدَادُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي " زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ " فِي بَابِ الْغَصْبِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ وَالِاخْتِصَاصُ الْمُجَرَّدُ يَضْعُفُ بِالْإِعْرَاضِ وَالْوَجْهَانِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَنَّ مَنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ يَكُونُ الْجِلْدُ لِلْمَالِكِ فَإِنْ قُلْنَا لِلْغَاصِبِ مَلَكَهُ الْآخِذُ هُنَا قَطْعًا .
وَلَوْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ الَّتِي أَعْيَتْ بِمَكَانٍ ، رَغْبَةً عَنْهَا فَأَخَذَهَا رَجُلٌ وَعَالَجَهَا حَتَّى صَلَحَتْ فَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لِمَنْ أَحْيَاهَا .
وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : لِصَاحِبِهَا وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَ .
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لِلْمَالِكِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَزُولُ بِالْإِعْرَاضِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَقْدَمِينَ مِنْ شُرَّاحِ التَّنْبِيهِ .
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ هَذِهِ الْحِجَارَةُ الْمُلْقَاةُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ هَلْ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَخْذُهَا وَالْبِنَاءُ بِهَا ؟ نَعَمْ يَجُوزُ إنْ كَانَتْ تُرِكَتْ رَغْبَةً عَنْهَا ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَوْ تَسَاقَطَتْ مِنْ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَالِكُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ مِلْكِ يَتِيمٍ أَوْ وَقْفٍ لَا يَجُوزُ .
قَالَ ( ابْنُ خَيْرَانِ ) فِي ( اللَّطِيفِ ) إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ مَقْبُولٌ وَعَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ إذَا أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِوَارِثٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَحِقَ بِمَنْ أَقَرُّوا عَلَيْهِ .
( قَالَ ) وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَضُرُّ بِهِ غَيْرَهُ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إلَّا فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَتَلَ أَوْ قَطَعَ أَوْ سَرَقَ فَإِنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ضَرَرَ سَيِّدِهِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى .
وَقَالَ ( الْمَرْعَشِيُّ ) فِي " التَّرْتِيبِ " لَفْظَتَانِ إذَا أَقَرَّ بِهِمَا صَاحِبُ الْحَقِّ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا إنْ قَالَ بَرِئْت إلَيَّ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ مُقِرٌّ بِقَبْضِهِ وَإِنْ قَالَ قَدْ أَبْرَأْتُك فَلَيْسَ فِيهِ إقْرَارٌ بِقَبْضٍ وَهُوَ إبْرَاءٌ .
وَهَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ مِنْ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ مُخْتَلِفَتَانِ فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا الْمَطْلُوبُ قَدْ بَرِئَ إلَيَّ كَانَ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ ، وَإِنْ قَالَ : قَدْ أَبْرَأْتُك لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْمَالِ .
الْإِكْرَاهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ ( الْأَوَّلُ ) أَنَّهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ رُخْصَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .
وَلِهَذَا يُبَاحُ لَهُ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَالْإِفْطَارُ وَإِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْإِكْرَاهِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدَ عَقْدِهَا اخْتِيَارًا فِي الْأَظْهَرِ .
وَحَيْثُ أُبِيحَ التَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِيمَانٍ حَالَةَ التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ أَوْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ ؟ وَجْهَانِ .
وَقَدْ اسْتَثْنَى فِي الْبَسِيطِ خَمْسَ مَسَائِلَ : ( إحْدَاهَا ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُبِيحُهُ وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَظْهَرِ ( الثَّانِيَةُ ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَى إنْ قُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ وَإِنْ أَسْقَطَ الْحَدَّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالْكُفْرِ لَا يُوجِبُ وُقُوعَ مَفْسَدَةِ الْكُفْرِ إذْ الْكُفْرُ الَّذِي يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بِالْقَلْبِ بِخِلَافِ الزِّنَى وَالْقَتْلِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ .
( الثَّالِثَةُ ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِرْضَاعِ يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ .
( الرَّابِعَةُ ) : إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ .
( الْخَامِسَةُ ) : تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فِي وَجْهٍ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَقِيقَةِ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، وَإِلَى الْقَتْلِ عَلَى قَوْلٍ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَيُشْبِهُ عَدَمَ تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ أَوْ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْحَصْرِ إكْرَاهَ الصَّائِمِ عَلَى الْأَكْلِ لَا يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ يُبْطِلُ فِي الْأَصَحِّ وَإِكْرَاهَ الْمُصَلِّي حَتَّى فَعَلَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً تُبْطِلُ صَلَاتَهُ قَطْعًا
وَالْإِكْرَاهُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقَدْرِ فَصَلَّى قَاعِدًا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ .
قُلْت : وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْحَدَثِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ ( الْحَنَّاطِيِّ ) وَجْهَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ نَاسِيًا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِجَرَيَانِهِمَا مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فِي الضَّابِطِ : لَا أَثَرَ لِقَوْلِ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَعَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ ( بِالْكَسْرِ ) أَوْ بَيْعِ مَالِهِ أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ فَفَعَلَ صَحَّ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْإِحْرَامِ .
وَلَوْ قَالَ اقْذِفْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَفَعَلَ لَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ اقْطَعْ يَدَيَّ قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ قَطْعِهِ وَلَا يُسْتَعَانُ بِالْغَيْرِ فِي الْقَذْفِ فَيُجْعَلُ الْقَاذِفُ مُتَعَدِّيًا .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالصَّوَابُ لَا حَدَّ وَلَا أَثَرَ لِفِعْلِهِ إلَّا فِي الرَّضَاعِ وَالْحَدَثِ وَالتَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ وَالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرْكِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ .
وَكَذَا الْقَتْلُ فِي الْأَصَحِّ .
وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ أَكَلَهُ يَضْمَنُهُ وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا الْمُودِع يُكْرَهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَكْرَهَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا عَلَى ذَبْحِ شَاةٍ أَوْ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى ذَبْحِ صَيْدٍ فَذَبَحَاهُ حَلَّ .
وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ فَفَعَلَ .
وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَفَقُّهًا أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الذَّبْحِ إنْ اعْتَبَرْنَا فِعْلَهُ وَعَلَّقْنَا بِهِ الْقِصَاصَ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ .
قَالَ : وَكَذَا إنْ جَعَلْنَاهُ آلَةً لَهُ أَيْضًا .
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّا إذَا جَعَلْنَاهُ آلَةً لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ صُورَتَيْ إكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ الْمُسْلِمَ وَالْمُحْرِمِ الْحَلَالَ .
وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ نَظَرٌ وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُكْرِهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْمُحْرِمُ عَجَمِيًّا يَرَى طَاعَةَ أَمْرِهِ حَتْمًا أَنْ لَا تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ لَا مَحَالَةَ .
( وَمِنْهَا ) لَوْ أُكْرِهَ الْمُحْرِمُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِهِ أَوْ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَنَحْوِهِ فِيمَا يَظْهَرُ .
( وَمِنْهَا ) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَشَيَانِ أَمَتِهِ ، فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَلَحِقَهُ النَّسَبُ وَكَذَا عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَصَلَ الْإِحْصَانُ وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْمَهْرُ وَأَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ، أَوْ عَلَى الزِّنَا وَقُلْنَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ فِيهِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَلُحُوقُ النَّسَبِ ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ ابْنِهِ فِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْمَجْنُونِ يَطَأُ زَوْجَةَ ابْنِهِ أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ .
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَأَحْبَلَهَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لِشَرِيكِهِ الْمُكْرِهِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ الْحَامِلُ لَهُ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ( وَمِنْهَا ) : الْإِكْرَاهُ عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَلَوْ أُكْرِهْ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ صَحَّ أَشَارَ إلَيْهِ ( الْفُورَانِيُّ ) فِي الْعَمْدِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ قَالَ وَلَا أُجْرَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَهُ ، وَذَكَرَ فِي ( زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ ) فِي آخِرِ بَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ فَلَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الْإِمَامُ أَحَدَ الرَّعِيَّةِ لِدَفْنِ مَيِّتٍ وَتَجْهِيزِهِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مُتَّسَعٌ فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ ، وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الْجِهَادِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ .
وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَسْتَحِقُّ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إلَى حِينِ حُضُورِ الصَّفِّ وَاسْتَحْسَنَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ .
وَلَوْ أُكْرِهَ الْعَبْدُ فَلِسَيِّدِهِ الْأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ الْإِخْرَاجِ إلَى يَوْمِ رُجُوعِهِ إلَى سَيِّدِهِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي بِنَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَمْ لَا ، إنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ الْتَحَقَ بِالْحُرِّ .
وَلَوْ أُكْرِهَ ذِمِّيٌّ عَلَى الْجِهَادِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يُقَاتِلْ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَحْصُلْ وَلَوْ خَلَّى الْإِمَامُ سُبُلَ الْمَقْهُورِينَ مِنْ قَبْلِ الصَّفِّ فَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ فِي الْأَصَحِّ لِلْمُضِيِّ وَلَا لِلْعَوْدَةِ ، وَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُمْ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ إنَّمَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَالِاسْتِيفَاءِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى غَسْلِ نَجَاسَةٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ طَهُرَ لَا مَحَالَةَ ، وَكَذَا تَخْلِيلُ الْخَمْرِ بِلَا عَيْنٍ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أُكْرِهَ الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ مُكْرَهًا وَحَضَرَ الْوَقْعَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ أَوْ يُرْضَخُ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أُكْرِهَ الْمُتَصَارِفَانِ عَلَى التَّفَرُّقِ قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي ( الْإِيضَاحِ ) وَقِيَاسُهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَذَلِكَ ، وَهَذَا بِخِلَافِ إكْرَاهِ ، أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْمُفَارَقَةِ مِنْ مَجْلِسِ الْخِيَارِ لَا يَنْقَطِعُ فِي الْأَصَحِّ .
( الثَّانِي ) : هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِعْلَ وَأَتَى بِهِ لِدَاعِيَةِ الْإِكْرَاهِ قَالَ ( الْمَحَامِلِيُّ ) فِي الْمَجْمُوعِ الْإِكْرَاهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ مَعَ الْإِكْرَاهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّفْظَ فَيَقَعُ إطْلَاقُهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِيقَاعَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ إرَادَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ وَحَكَى الْأَصْحَابُ فِيمَا لَوْ قَصَدَ الْمُكْرَهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ قِيلَ لَا يَقَعُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ أَسْقَطَ أَثَرَ اللَّفْظِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَدُلُّ وَالْأَصَحُّ الْوُقُوعُ إذْ لَا يَبْعُدُ اخْتِيَارُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ ، فَعَلَى هَذَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ عِنْد الْإِكْرَاهِ كَالْكِنَايَةِ عِنْدَ الِاخْتِيَارِ إنْ نَوَى وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا .
( الثَّالِثُ ) : مَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ فِي حَالِ الطَّوَاعِيَةِ يَصِحُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَمَا لَا فَلَا وَإِنْ شِئْت فَقُلْ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا .
وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ إكْرَاهُ الْإِمَامِ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ لِلْقِيَامِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَيَقَعُ الْمَوْقِعَ وَصَحَّ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَصِحَّ إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بِالْجِزْيَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَإِذَا نَطَقَ الْحَرْبِيُّ بِالشَّهَادَتَيْنِ تَحْتَ السَّيْفِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، فَإِنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ .
اُتُّفِقَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغُمُوضِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَإِنَّ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ نَازِلَتَانِ فِي الْإِعْرَابِ عَنْ الضَّمِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إخْبَارِهِ .
قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " لَوْ أُكْرِهَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ فَأَقَرَّ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إكْرَاهُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَجِبُ إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ عَلَى إنْشَاءِ الْإِسْلَامِ .
انْتَهَى .
وَمِنْ هَذَا لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْأَسِيرِ لِمَنْ أَسَرَهُ وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ مَعَهُمْ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُ الْمُكْرَهِ عَلَيْنَا فَفِي نُفُوذِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَجْهَانِ : قَالَ الْغَزَالِيُّ : نَعَمْ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ اغْتِيَالُهُمْ كَمَا لَوْ دَخَلَ تَاجِرًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَالْأَصَحُّ فِي " الرَّوْضَةِ " الْمَنْعُ ، لِأَنَّ التَّاجِرَ يُخَلَّى مِنْ أَيْدِيهِمْ بِخِلَافِ هَذَا .
وَيُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ فِي صُوَرٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ .
( مِنْهَا ) مَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ إعْتَاقِهِ فَأُكْرِهَ حَتَّى أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ قَالَهُ فِي ( الْبَحْرِ ) وَجَعَلَهُ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ .
وَمِثْلُهُ مَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَقُلْنَا : الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى .
( وَمِنْهَا ) الْمَوْلَى إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَقُلْنَا الْقَاضِي لَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ فَأَكْرَهَهُ الْإِمَامُ عَلَى الطَّلَاقِ وَقَعَ ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ كَذَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي قَالَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ طَلْقَةٌ فَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقُلْنَا الْإِمَامُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَحُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَيْ فَيَلْغُو وَإِنْ قُلْنَا يَنْعَزِلُ أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي أَكْرَهَهُ فَهُوَ كَمَنْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ ، ( لِأَنَّ ) إكْرَاهَهُ إنَّمَا لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ مَا دَامَ بِالْحَقِّ فَإِذَا انْعَزَلَ لَمْ تَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ .
وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى إكْرَاهٌ يَمْنَعُ مِثْلَهُ الطَّلَاقَ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ عَلَى التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ .
( وَمِنْهَا ) إذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ الْوَفَاءِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ .
وَقَدْ يَنْفُذُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفَ كَمَا لَوْ قَالَ طَلِّقْ زَوْجَتِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَطَلَّقَهَا وَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ وَقِيلَ لَا يَقَعُ لِسُقُوطِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِالْإِكْرَاهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَجْنُونٍ طَلِّقْهَا فَطَلَّقَهَا .
الرَّابِعُ : الْإِكْرَاهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمُبَاحِ وَكَذَلِكَ عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمَنْدُوبِ وَإِنَّمَا يَجِيءُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِي فِعْلِ الْحَرَامِ كَالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَالشُّرْبِ .
وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي إيقَاعِ الْوَاجِبِ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى وَطِئَ زَوْجَتَهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كُلُّ الْمَهْرِ وَيَسْقُطُ بِهِ الْوُجُوبُ إذَا قُلْنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ مَرَّةً وَلَوْ أُكْرِهَ الْمُضْطَرُّ حَتَّى أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ .
وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ لِيَتَقَوَّى بِهِ أَوْ أُكْرِهَ حَتَّى عَتَقَ الْعَبْدَ الَّذِي نَذَرَ عِتْقَهُ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَشْرُوطُ عِتْقُهُ فِي الْبَيْعِ .
الْخَامِسُ : كُلُّ قَرِينَةٍ إذَا ادَّعَاهَا الْمُخْتَار يُدَيَّنُ بِهَا فِي الْبَاطِنِ ، إذَا ادَّعَاهَا الْمُكْرَهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ظَاهِرًا .
فَمِنْهُ : إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ وَشَرَطْنَا الْفَوْرِيَّةَ فَقَالَ : فَاطِمَةُ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت فَاطِمَةَ أُخْرَى غَيْرَ زَوْجَتِي أَوْ نَوَى طَلَاقًا مِنْ وَثَاقٍ لَمْ يَقَعْ ظَاهِرًا قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُخْتَارِ يَنْوِي ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ .
وَمِنْهُ : أَنَّ الْمُخْتَارَ إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ كَاذِبًا لَمْ تَطْلُقْ بَاطِنًا .
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا صُدِّقَ ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ فِي دَعْوَى الْكَذِبِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَظَرٍ ، وَهِيَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا الْمُكْرَهُ وَقَالَ فِي نَفْسِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُخْتَارِ بَلْ يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا .
السَّادِسُ : قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُكْرَهِ عَقْدٌ وَلَا حَلٌّ فِي الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِعْتَاقِ وَنَحْوِهَا وَيَقَعُ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا فِي الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ وَغَيْرِهِمَا فِيهِ قَوْلَا الْمُكْرَهِ .
وَهَذَا غَيْرُ مَا جَزَمُوا فِيهِ .
وَمَوْضِعُ الْجَزْمِ مَا يُوقِعُهُ الْمُكْرَهُ تَنْجِيزًا حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَمَوْضِعُ الْقَوْلِ الْإِكْرَاهُ عَلَى إيقَاعِ فِعْلٍ سَبَقَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ كَأَنْ يَقُولَ فِي حَالَةِ اخْتِيَارِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ يُكْرَهُ عَلَى دُخُولِهَا .
السَّابِعُ : إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْرَهِ فِعْلٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ قَطْعًا غَالِبًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ فَقَوْلَانِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْجَرَ الصَّائِمُ الطَّعَامَ لَمْ يُفْطِرْ قَطْعًا وَأَغْرَبَ الْحَنَّاطِيُّ بِحِكَايَةِ خِلَافٍ ، وَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ فَقَوْلَانِ .
وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَمْكِينِهَا لَمْ تُفْطِرْ وَإِنْ ضَرَبَهَا حَتَّى مَكَّنَتْ فَقَوْلَانِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ وَأُدْخِلَهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ ضُرِبَ حَتَّى دَخَلَهَا فَقَوْلَانِ : وَلَوْ أَكْرَهَ الْمُودِعُ لِصٌّ مُتَغَلِّبٌ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ وَأَخَذَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِهَا وَدَفْعِهَا إلَيْهِ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهَا فَوَجْهَانِ : بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إكْرَاهِ الصَّائِمِ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي ( الْمُقْنِعِ ) وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي ( الْحَاوِي ) وَغَيْرِهِمَا .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ فَأُوجِرَ فِي حَلْقِهِ حَتَّى صَارَ فِي جَوْفِهِ لَمْ يَحْنَثْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ أُكْرِهَ حَتَّى تَنَاوَلَهُ فَقَوْلَانِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَطْعِ فِيمَا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ صُورَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) إذَا تَعَلَّقَ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ كَمَا إذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَأُوجِرَ مُعَالَجَةً وَإِصْلَاحًا لَهُ وَقُلْنَا لَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ فَفِي بُطْلَانِهِ بِهَذَا الْإِيجَارِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا يُفْطِرُ .
قَالَ : الرَّافِعِيُّ وَنَظِيرُهُ إذَا عُولِجَ الْمُحْرِمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ هَلْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ ؟ .
( الثَّانِيَةُ ) لَوْ أَوْجَرَ الْمَالِكُ طَعَامَهُ الْمُضْطَرَّ قَهْرًا أَوْ أَوْجَرَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ ؟ ؟ وَجْهَانِ : أَحْسَنُهُمَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ نَعَمْ ، لِأَنَّهُ خَصَّهُ مِنْ الْهَلَاكِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ .
الثَّامِنُ : إيجَابُ الشَّرْعِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ .
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَصُومِي غَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ .
نَعَمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ يَمِينًا مُغَلَّظَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ ، وَقُلْنَا بِوُجُودِ التَّغْلِيظِ حَلَفَ وَحَنِثَ وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُقَيَّدٌ فَحَلَفَ بِعِتْقِهِ أَنَّ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ وَحَلَفَ بِعِتْقِهِ لَا يَحُلُّهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شَاهِدَانِ أَنَّ قَيْدَهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ ثُمَّ حَلَّ الْقَيْدَ فَوَجَدَ فِيهِ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِحَلِّ الْقَيْدِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِتَحَقُّقِ كَذِبِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ ( كِتَابِ ) الْعِتْقِ .
التَّاسِعُ الْإِكْرَاهُ هَلْ يَكُونُ إذْنًا مُؤَكَّدًا أَوْ لَا ؟ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرِهِ فَطَلَّقَ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ إذْنٌ وَزِيَادَةٌ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَكَذَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ صَحَّ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ ثُمَّ أُكْرِهَ الْوَكِيلُ عَلَى الْإِيقَاعِ فَفِي ( الْبَحْرِ ) فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا : يَقَعُ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُخْتَارٌ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا ، لِعَدَمِ اخْتِيَارِ الْمُبَاشِرِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ عَنْ ( أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ ) لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَخْرَجَهَا هُوَ هَلْ يَكُونُ إذْنًا ؟ الْقِيَاسُ الْمَنْعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا وَهِيَ مُخْتَارَةٌ : وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ أَمَّا إذَا أَكْرَهَهَا ، فَإِنْ أَوْقَعْنَا طَلَاقَ الْمُكْرِهِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقِينَ ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ وَإِنَّمَا أُخْرِجَتْ .
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ أَخَذْت حَقَّك مِنِّي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ حَتَّى أَعْطَى بِنَفْسِهِ ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي فِعْلِ الْمُكْرَهِ .
وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ ، لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ .
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَ شَخْصًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَكُونُ إذْنًا فِي الْقَتْلِ حَتَّى لَا يَجِبَ بِهِ الْقِصَاصُ .
الْإِمَامُ هَلْ يَلْحَقُ بِالْوَلِيِّ الْخَاصِّ قَدْ نَزَّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْذُوفِ الْمَيِّتِ وَارِثٌ خَاصٌّ ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ .
وَهَلْ لَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ كَالْوَارِثِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِلْحَاقِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ وَكَأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى الْقَوْلِ بِتَوْرِيثِ بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُتَّجَهُ مِثْلُهُ فِي إجَازَةِ الْإِمَامِ وَصِيَّةَ مَنْ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يُنَزِّلُوهُ مَنْزِلَتَهُ فِيمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ .
إمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْوَاجِبَاتِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُحْكَمُ بِالْوُجُوبِ قَبْلَهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ فَلَوْ طَرَأَ عُذْرٌ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ لَمْ يَثْبُتْ الظَّهْرُ فِي ذِمَّتِهِ .
خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ .
وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ .
لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مُفْطِرًا فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ كَافِرًا أَوْ طَهُرَتْ فِيهِ حَائِضٌ لَا يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْقَضَاءُ لَوْ دَامَ عُذْرُ الْمَرِيضِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُكَفَّرْ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إمْكَانُ السَّيْرِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَهُوَ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّيْرُ قَبْلَ فِعْلِ الْحَجِّ فَلَوْ أَيْسَرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ ثُمَّ مَاتَ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ .
وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الزَّكَاةُ فَالْجَدِيدُ أَنَّ الْإِمْكَانَ فِيهَا مِنْ شَرَائِطِ الضَّمَانِ خَاصَّةً لَا الْوُجُوبَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ وَلَوْ لِلْوُجُوبِ لَسَقَطَتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْحَوْلِ .
وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اعْتَذَرَ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَوُجُوبُهَا أَوْسَعُ ، وَبِأَنَّا نَقُولُ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ بِالزَّوَالِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِالْإِمْكَانِ وَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ مِثْلُهُ وَالْإِمْكَانُ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِهَا وَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِهَا إلَّا فِعْلُهَا فَإِذَا تَعَذَّرَ الْفِعْلُ لَمْ تَجِبْ .
أَمَّا الزَّكَاةُ إذَا أَوْجَبْنَاهَا قَبْلَ إمْكَانِ الْفِعْلِ فَفِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ مُشَارَكَةُ الْمَسَاكِينِ لَهُ فِي النِّصَابِ وَحُصُولُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ .
هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالْعَيْنِ ، فَإِنْ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ صَارَتْ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .
الِانْعِطَافُ عَلَى مَا قَبْلَهُ إنْ كَانَ فِي حُكْمِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ انْعَطَفَ كَمَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ حَتَّى يَنَالَ ثَوَابَ جَمِيعِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ يَكُونُ مُدْرِكًا لِثَوَابِ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ .
وَقِيلَ إنَّمَا يُثَابُ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ وَكَانَ ( الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ ) يُرَجِّحُهُ وَيَقُولُ مَا رَجَّحُوهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ) وَكَمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ بَعْضِ الْأُضْحِيَّةِ وَتَصَدَّقَ بِبَعْضِهَا هَلْ يُثَابُ عَلَى الْكُلِّ أَوْ عَلَى مَا تَصَدَّقَ بِهِ فِيهِ ؟ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ضَحْوَةً هَلْ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ مِنْ وَقْتِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ .
وَمِنْ الِانْعِطَافِ : مَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ أَجْزَأَتْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَلْ يَقَعُ حَجُّهُمَا فَرْضًا ابْتِدَاءً ( بِالتَّبَيُّنِ ) أَوْ نَفْلًا ثُمَّ انْقَلَبَ فَرْضًا ؟ وَجْهَانِ .
وَمِنْ الِانْعِطَافِ : التَّعْصِيَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُؤَخِّرِ لِلْحَجِّ حَتَّى مَاتَ يُعْصَى آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَجْرَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ .
كَمَا إذَا تَرَكَ الْمُودِعُ الْوَصِيَّةَ الْوَدِيعَةِ وَتَلِفَتْ فِي الْمَرَضِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ .
وَقِيلَ يَضْمَنُ أَخْذًا مِنْ انْعِطَافِ التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ الْحَجِّ عَلَى مَا مَضَى وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الِانْعِطَافَ عُهِدَ مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ ، أَمَّا انْعِطَافُ التَّضْمِينِ إلَى حَالَةٍ لَا يَقْصِدُ فِيهَا فَبَعِيدٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَمْ يَنْعَطِفْ كَمَا لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْوِ قَبْلَهُ لَا
يُثَابُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْأَصَحِّ .
( وَمِنْهُ ) : الْقُدْوَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى الْمَاضِي فِي الْأَصَحِّ .
وَلِذَلِكَ فَائِدَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ سَهَا ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَتَحَمَّلْ سَهْوَهُ فِي الْأَصَحِّ .
( الثَّانِيَةُ ) : فِي حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُ مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ حِينِ أَحْرَمَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ .
الْإِنْشَاءُ إيقَاعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى يُقَارِبُهُ فِي الْوُجُودِ كَإِيقَاعِ الْبَيْعِ بِبِعْت وَالنِّكَاحِ بِتَزَوَّجْت وَالطَّلَاقِ بِطَلَّقْتُ .
وَأَمَّا الظِّهَارُ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي ( الْوَجِيزِ ) فِي بَابِهِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَخَالَفَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَصَرَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَقِيلَ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَمَا أَحْدَثَ حُكْمًا .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ .
وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةً : خَبَرٌ مَحْضٌ كَقَامَ زَيْدٌ ، وَإِنْشَاءٌ مَحْضٌ كَبِعْت ، وَمَا فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْهُمَا وَهُوَ الظِّهَارُ .
وَمِنْ الْقَوَاعِدِ فِيهِ : أَنَّ إنْشَاءَ التَّعْلِيقِ جَائِزٌ ، وَتَعْلِيقَ الْإِنْشَاءِ لَا يَجُوزُ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك إنْ شِئْت صَحَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ ( التَّجْرِيدِ ) وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ إنْ شِئْت بِعْتُك .
وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِ زَيْنَبَ إنْ شَاءَتْ جَازَ وَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَتْ زَيْنَبُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي طَلَاقِهَا لَمْ يَجُزْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ صَحَّ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلَّقْتُك فَظَنَّ ( التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ ) أَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَخُولِفَ وَقِيلَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ وَهُوَ وَعْدٌ مَحْضٌ لَا تَعْلِيقٌ وَفِيهِ نَظَرٌ .
قَالَ ( الْكِنْدِيُّ ) وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَقَالَ لَا نَقْلَ فِيهَا فِي الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّ صِنَاعَةَ النَّحْوِ تَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَخُولِفَ فِيهِ بِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَيَدُلُّ لَهُ مَا حَكَاهُ ( شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ يَا زَانِيَةُ طَلَّقْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا طَلَاقَ وَأَنَّهُ قَاذِفٌ .
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا شَاءَ فُلَانٌ أَمْ لَا ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَشِيئَةُ فُلَانٍ لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا .
وَمِثْلُهُ : النَّذْرُ لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا إنْ شَاءَ فُلَانٌ
فَشَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي ( شَرْحِ التَّلْخِيصِ ) .
أَوَائِلُ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ بِمَا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْآخَرِ فَإِنْ أَجَازَ فَبِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى وَفِي قَوْلٍ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَجِيءُ قَوْلُ أَخْذِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَغَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَخَرَّجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَاتَّبَعَ فِيهِ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ أَوَائِلَ الْعُقُودِ تُؤَكَّدُ مِمَّا لَا يُؤَكَّدُ بِهِ أَوَاخِرُهَا فَلَمَّا دَعَتْ الضَّرُورَةُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِي أَوَّلِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَاقِيَ فِيهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فِي قَوْلٍ حَتَّى لَا يُوقِعَ جَهَالَةً فِي الثَّمَنِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ اسْتِرْجَاعِ الْبَائِعِ بِفَلَسِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ عَقْدًا تَقَعُ الْجَهَالَةُ ) فِي ثَمَنِهِ .
الِائْتِمَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) : ائْتِمَانُ الْمَالِكِ يُوجِبُ تَصْدِيقَ الْمُؤْتَمَنِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَعَامِلُ الْقِرَاضِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْجُعْلِ وَالْمُودِعُ ؛ لِائْتِمَانِهِ إيَّاهُ ، وَكَذَا الْمُسْتَأْجِرُ إذَا ادَّعَى الرَّدَّ .
( الثَّانِي ) ائْتِمَانٌ بِالشَّرْعِ كَأَمِينِ الْأَيْتَامِ وَالْعُمَّالِ وَالْأَوْصِيَاءِ ، فَائْتِمَانُ الْحَاكِمِ لَهُمْ لَيْسَ كَائْتِمَانِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُمْ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيمَا يَدَّعُونَهُ .
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ : أَيْدِي الْأُمَنَاءِ ثَلَاثَةٌ : يَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِلْمَالِكِ ، وَلَهُ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِلَا جُعْلٍ وَالْمُودِعِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِيَمِينِهِ قَطْعًا .
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّدِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَقَالَ الْقَفَّالُ : الْقَوْلُ قَوْلُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْأَمَانَةُ .
وَيَدٌ تَحْفَظُ الْعَيْنَ لِنَفْسِهِ ، وَلِلْمَالِكِ الِانْتِزَاعُ مِنْ يَدِهِ مَتَى شَاءَ كَالْوَكِيلِ بِالْجُعْلِ وَالْمُدَّعِي الشَّرِكَةِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : ذَكَرَ هَذَا الضَّابِطَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْوِكَالَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الْأَصْحَابُ : وَكُلُّ مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ فَقَوْلُنَا : مَنْ أَخَذَ الْعَيْنَ ، يَتَنَاوَلُ يَدَ السَّوْمِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُقَارِضِ وَالْوَكِيلِ ، وَقَوْلُنَا : لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، احْتِرَازٌ عَنْ الْمُودَعِ فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ الْمَالِكِ ، وَقَوْلُنَا : مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ يُخْرِجُ الْإِجَارَةَ ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ لَكِنْ بِاسْتِحْقَاقٍ .
وَمَنْ كَانَ أَمِينًا بِائْتِمَانِ الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ أَوْ بِائْتِمَانِ
الشَّرْعِ كَالْمُلْتَقِطِ لِلْحِفْظِ لَا يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ ، وَمِنْهُ لَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ ، فَلَوْ خَافَ ضَيَاعَهُ مِنْهُ ، فَأَخَذَهُ حِسْبَةً ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مِنْ جَارِحِهِ لِيُنْقِذَهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ ، وَالْأَصَحُّ لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اسْتِنْقَاذُهُ ؛ وَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ قَالَ الْمَرْعَشِيُّ : وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَسْلِفَ السَّاعِي زَكَاةَ رَجُلٍ قَبْلَ حَوْلِهَا فَتَتْلَفُ فِي يَدِهِ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمَسَاكِينِ مِثْلَ مَا تَلِفَ ، إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ ، أَوْ ( قِيمَتَهُ ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) نَصًّا .
الْإِيثَارُ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بِالشَّيْءِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَعَكْسُهُ الْأَثَرَةُ : وَهِيَ اسْتِئْثَارُهُ عَنْ أَخِيهِ بِمَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً } وَالْإِيثَارُ ضَرْبَانِ : ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَكُونَ فِيمَا لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ كَالْمُضْطَرِّ يُؤْثِرُ بِطَعَامِهِ غَيْرَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَالْإِمَامِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُتَوَلِّي يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ ( الْبُغَاةِ ) فِي كَلَامِهِ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ : إنَّهُ لَوْ كَانَ مُضْطَرًّا ، وَوَلَدُهُ مُضْطَرٌّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ الطَّعَامِ لَهُ انْتَهَى .
وَغَيْرُ الْوَلَدِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ : وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ وَأَهْلُهُ مُضْطَرِّينَ ، وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِالطَّعَامِ ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَالِكٍ إذَا جَامَعَ امْرَأَتَهُ ، وَمَعَهُ مَاءٌ قَلِيلٌ يَكْفِي غُسْلَ أَحَدِهِمَا كَانَ هُوَ أَوْلَى ( بِهِ ) انْتَهَى .
( وَقَالَ ) الْإِمَامُ فِي بَابِ صَوْلِ الْفَحْلِ : لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِيثَارِ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى هَلَاكِ الْمُؤْثِرِ ، وَهُوَ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ ، فَإِذَا اُضْطُرَّ ، وَانْتَهَى إلَى الْمَخْمَصَةِ ، وَمَعَهُ مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ ، وَفِي رُفْقَتِهِ مُضْطَرٌّ فَآثَرَهُ بِالطَّعَامِ ، فَهُوَ حَسَنٌ ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْإِيثَارَاتِ الَّتِي يُتَدَارَكُ بِهَا الْمُهَجُ ، قَالَ : وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيثَارُ الْبَهِيمَةِ ، وَكَيْف يُظَنُّ هَذَا ، وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ ؛ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ ، وَقَالَ وَالِدُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْفُرُوقِ : الْمُضْطَرُّ إنْ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِمَا مَعَهُ لِاسْتِحْيَاءِ مُهْجَةٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الْإِيثَارُ ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ .
وَمَنْ دَخَلَ
عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ حَقٌّ لِلَّهِ ، فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَارُ ، وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ .
قَالَ : وَيُقَوِّي هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَةُ الْمُدَافَعَةِ وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا ، وَالْمَقْصُودُ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالدَّفْعِ رُبَّمَا يَقْتُلُ الْقَاصِدَ كَانَ لِلْمَقْصُودِ الِاسْتِسْلَامُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي ذَلِكَ .
انْتَهَى .
وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصِّيَالِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْغَيْرِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ قَطْعًا ( الثَّانِي ) : فِي الْقُرُبَاتِ كَمَنْ يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ لِغَيْرِهِ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ أَوْ يُؤْثِرُ بِقُرْبِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ السَّابِقِ أَنَّهُ حَرَامٌ ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ : لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَمَعَهُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ وَالْمُهَجِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ ، وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ : لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِيثَارُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي ( الْقَوَاعِدِ ) : لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الْمُتَيَمِّمِ ، وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ ، فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمَهُ فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِأَمْرٍ فَتَرَكَهُ وَقَالَ لِغَيْرِهِ
قُمْ بِهِ ، فَإِنَّ هَذَا يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ النَّاسِ بِتَبَاعُدِهِ مِنْ إجْلَالِ الْأَمْرِ وَقُرْبِهِ ( انْتَهَى ) .
وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ ، فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ( ابْنِ عُمَرَ ) : ( كَانَ إذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ ) ، هَذَا نُوزِعَ فِيهِ ) لِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَحْيَا مِنْهُ إنْسَانٌ فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ قَلْبِهِ فَسَدَّ ابْنُ عُمَرَ الْبَابَ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا ، ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَرْتَكِبَ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا ، أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيُؤْثِرَ بِهِ وَنَحْوُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا يُحْمَدُ الْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الْقُرَبِ .
انْتَهَى .
وَذُكِرَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) : إنَّهُ لَا يُقِيمُ مَنْ جَلَسَ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ ، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ ، قَالَ ( الْأَصْحَابُ ) : لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ .
انْتَهَى .
وَهَذَا كُلُّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَنْ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا جَاءَ الْمُنْفَرِدُ لِيُصَلِّيَ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً فَلَهُ أَنْ يَجُرَّ شَخْصًا وَيُسَاعِدَهُ الْمَجْرُورُ ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ فَوَّتَ لِنَفْسِهِ قُرْبَةً ، وَهُوَ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ : إنَّ الْإِيثَارَ لَا يَكُونُ فِي الْقُرَبِ بَلْ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ قَدْ أَعْطَى الْمَاءَ مَنْ يُؤَدِّي بِهِ عِبَادَةً ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الصَّفِّ فَقَدْ فَاتَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُصَلِّي الثَّانِي عَلَى أَجْرِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } ، وَهَذَا ، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ لَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ أَيْضًا
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ حَرَامٌ ، أَوْ مَكْرُوهٌ ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى خِلَافٌ ، وَأَمَّا الْإِيثَارُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ فَمُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الدُّعَاءُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى } ، وَمِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ ، وَقَدْ حَكَى ( الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ ) فِي كِتَابِهِ ( الْجَامِعِ ) عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ ، وَالْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ .
وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي الْإِيثَارِ بِالشَّيْءِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ قُرْبَةٌ أَوْ لَا ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إخْرَاجِ فِطْرَةِ نَفْسِهِ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَقَارِبُ ( ، وَالْأَصَحُّ ) أَنَّهُ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ وَقِيلَ : زَوْجَتَهُ ، وَقِيلَ : يَتَخَيَّرُ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَلَعَلَّ قَائِلَهُ تَلَقَّى مَذْهَبَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِيثَارِ فِي النَّفَقَةِ لَمَّا رَأَى الْفِطْرَةَ مُتَلَقَّاةً مِنْ النَّفَقَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ قُرْبَةٌ ، وَلَا إيثَارَ فِي الْقُرَبِ .
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْأَئِمَّةُ فِي إيثَارِ عَائِشَةَ لِعُمَرَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُجْرَتِهَا ، وَقَوْلِهَا : كُنْت أَعْدَدْتُهُ لِنَفْسِي وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ إيثَارٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيثَارَ بِشَرَابِهِ مِنْ الشَّابِّ الْجَالِسِ عَنْ يَمِينِهِ لِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ .
الْبِدْعَةُ قَالَ ( ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ ) : هِيَ فِي اللُّغَةِ إحْدَاثُ سُنَّةٍ لَمْ تَكُنْ ، وَتَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : فُلَانٌ بِدْعَةٌ ، إذَا كَانَ مُجَاوِزًا فِي حِذْقِهِ ، وَجَعَلَ مِنْهُ ( ابْنُ فَارِسٍ ) فِي ( الْمَقَايِيسِ ) قَوْله تَعَالَى { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ } أَيْ أَوَّلَ فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَمَوْضُوعَةٌ لِلْحَادِثِ الْمَذْمُومِ ، وَإِذَا أُرِيدَ الْمَمْدُوحُ قُيِّدَتْ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَجَازًا شَرْعِيًّا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً ، وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الْمُحْدَثَاتُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إجْمَاعًا ، فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلَالَةُ .
وَالثَّانِي : مَا أُحْدِثَ مِنْ الْخَيْرِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِيَامِ ( رَمَضَانَ ) : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هِيَ يَعْنِي أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ لَمْ تَكُنْ ، وَإِذَا كَانَتْ لَيْسَ فِيهَا رَدٌّ لِمَا مَضَى انْتَهَى .
وَانْظُرْ كَيْفَ تَحَرَّزَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كَلَامِهِ عَنْ لَفْظِ الْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى لَفْظِ الْمُحْدَثَةِ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي ( التَّتِمَّةِ ) فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ : الْبِدْعَةُ اسْمٌ لِكُلِّ زِيَادَةٍ فِي الدِّينِ سَوَاءٌ كَانَتْ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً ، فَالْبِدْعَةُ بِزِيَادَةِ الطَّاعَةِ ، مِثْلُ كَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ سَوَاءٌ وَافَقَ الشَّرْعَ أَمْ لَا بِأَنْ يَتَعَبَّدَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ قَالَ : وَالْمُبْتَدِعُ بِالْمَعْصِيَةِ كَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ أَوْ بِهِ خَلَلٌ فِي الْعَقِيدَةِ فَإِنْ كَانَ لَا يَكْفُرُ بِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْفَاسِقِ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ .
قَالَ : وَهَلْ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَاصِينَ وَحَالُهُ فِي الْمَشِيئَةِ كَحَالِ
سَائِرِ الْعُصَاةِ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كُلُّ كَذِبٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ } .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : هِيَ فِعْلُ مَا لَمْ يُعْهَدْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ ، فَأَيُّ حُكْمٍ دَخَلَتْ فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَمِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ تَعَلُّمُ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ، لِأَنَّ ضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ ، وَلَا يَتَأَتَّى ضَبْطُهَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ .
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَذْهَبُ ( الْقَدَرِيَّةِ ) ، ( وَالْجَبْرِيَّةِ ) ، ( وَالْمُرْجِئَةِ ) ، ( وَالْمُجَسِّمَةِ ) ، وَالرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ ، وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَنْدُوبَةِ إحْدَاثُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ ، وَكُلِّ إحْسَانٍ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ .
وَمِنْ الْمُبَاحَةِ الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَلُبْسُ الطَّيَالِسَةِ وَتَوْسِيعُ الْأَكْمَامِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ .
الْبَدَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ ، وَلَمْ يَجِدْهُ لَا يَتْرُكُهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ثَمَنِهِ ، كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ وَلَمْ يَجِدْهَا لَا يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ ، وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا انْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا يَشْتَرِيهِ ، فَعَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ فِي الْحَجِّ ، وَكَمَا لَوْ عَدِمَ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ وَكَانَ مَالُهُ غَائِبًا ، بِخِلَافِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إذَا كَانَ مَالُهُ غَائِبًا يُؤَخَّرُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ .
الثَّانِي : إذَا شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَثْنَاءِ هَلْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نُظِرَ ، إنْ كَانَ الْبَدَلُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ ، وَكَمَا لَوْ قَدَرَ الْمُتَمَتِّعُ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَرُجُوعِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَمَادَى إتْمَامَ الْعَشَرَةِ ، وَلَا أَثَرَ لِوُجُودِ الْهَدْيِ بَعْدُ .
وَمِثْلُهُ : إذَا نَكَحَ عَادِمُ الطَّوْلِ الْأَمَةَ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْأَمَةِ ، وَكَذَا إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِشُهُودِ الْفَرْعِ ، ثُمَّ ظَهَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَلَمْ يَجِدْ الْإِبِلَ وَأَعْطَى الْبَدَلَ ، ثُمَّ وُجِدَتْ ، فَلَا يَسْتَرِدُّ ، وَلَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَتَلِفَ ، وَلَمْ يَجِدْ مِثْلَهُ ، فَأَعْطَى الْقِيمَةَ ، ثُمَّ وَجَدَهُ فَهَلْ لِلْمَالِكِ رَدُّ الْقِيمَةِ وَطَلَبُ الْمِثْلِ ؟ .
وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، كَمَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ الْآبِقِ ، إنْ عَادَ ، وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِانْفِصَالِ الْأَمْرِ بِالْبَدَلِ ، وَيُخَالِفُ الْإِبَاقَ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عَيْنُ حَقِّهِ كَالْمَغْصُوبِ ، وَالْمِثْلُ بَدَلُهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَمْكِينِهِ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى حَقِّهِ التَّمْكِينُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى بَدَلِهِ ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ ، بَلْ يُرَادُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهُ ، فَمِنْهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ التَّيَمُّمِ ، أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُرَادُ لِغَيْرِهِ ، فَلَا يَسْتَقِرُّ حُكْمُهُ ، إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ ، وَكَذَا إذَا تَحَرَّمَ الْمُتَيَمِّمُ بِالصَّلَاةِ ، ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَائِهَا ، وَالصَّلَاةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ بِخِلَافِ مَا تَسْقُطُ بِهِ ، وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ مَا لَوْ تَخَلَّفَ الْمَعْذُورُ فِي الْجُمُعَةِ وَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهُ الْمُعْتَدَّةُ
بِالْأَشْهُرِ ، إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تَرْجِعُ لِلْأَشْهُرِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً فِي نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ اسْتِفَادَةُ النِّكَاحِ وَمِنْهُ لَوْ حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ عِنْدَ شَهَادَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى شَهَادَةِ الْفَرْعِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَيُرَدُّ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِقُدُومِهِ مِنْ السَّفَرِ ، وَقِيلَ : لَا مَنْعَ ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ قَرَأَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، مِثْلَ : إنْ أَتَى بِنِصْفِ الذِّكْرِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى قِرَاءَتِهَا بِتَلْقِينٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ النِّصْفِ الْآخَرِ قَطْعًا ، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ تَمَامِ التَّيَمُّمِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ قَدْ تَمَّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى الْمُكَفِّرُ بِالْبَدَلِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوُضُوءِ ، وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ : وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ ، وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَاعِدًا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ بِالْمَشَقَّةِ ، ثُمَّ رَأَى انْتِفَاءَهَا هَا هُنَا ، وَأَيْضًا فَمَنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَذْكَارٌ قَبْلَهَا وَقِرَاءَةٌ بَعْدَهَا ، بِخِلَافِ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ بِالنِّيَّةِ إلَيْهَا .
وَلَوْ أَتَى بِالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ ، ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
قِرَاءَتُهَا الثَّالِثُ : إذَا فَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا ، فَقَدْ مَضَى الْأَمْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا ، وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ وَصَلَّى ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَالُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَكَذَا الْمُتَمَتِّعُ ، إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَصَامَ ، ثُمَّ عَادَ الْمَالُ ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُضَيَّقٌ كَالصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا ، فَقَوْلَانِ ، كَمَا لَوْ عَادَ مَالُهُ بَعْدَ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَفِي الْحَجِّ ، إذَا وَجَبَ قَبْلَ الْغَصْبِ ، أَوْ عَادَ مَالُهُ وَبَقِيَ مُدَّةً ، وَقَدْ لَزِمَهُ ، فَإِنْ مَاتَ حُجَّ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهُ وَلَا قُدِّرَ فِيهِ الرُّجُوعُ ( فَوَجْهَانِ ) ، وَلَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا فَلَا ( يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ ) ، وَهَلْ يُقَوَّمُ إذَا رَجَعَ مَالُهُ ؟ وَجْهَانِ : كُلُّهُ مِنْ ( الِاسْتِذْكَارِ ) لِلدَّارِمِيِّ .
وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ، ثُمَّ نَزَعَهُ وَهُوَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ ، فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ فَاتَتْ ( الْمُوَالَاةُ ) ، وَلَوْ ضَلَّتْ الشَّاةُ الْمَنْذُورَةُ بِتَقْصِيرِهِ ، وَلَمْ يَجِدْهَا انْفَكَّتْ وَعَادَتْ إلَى مِلْكِهِ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ التَّضْعِيفُ ، وَإِنْ وَجَدَ الضَّالَّةَ بَعْدَ التَّعْيِينِ وَقَبْلَ الذَّبْحِ ، فَالْأَصَحُّ يُضَحِّي بِالضَّالَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، وَالثَّانِي بِالْبَدَلِ ، وَالثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ وَالرَّابِعُ يَجِبُ ، ذَبْحُهُمَا لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِمَا .
وَلَوْ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ الدَّرَاهِمَ لِفَقْدِ الْإِبِلِ ، ثُمَّ وُجِدَتْ قَالَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَةً عَنْ الْأَصْحَابِ : لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّ الدَّرَاهِمَ وَيَرْجِعُ إلَى الْإِبِلِ بِخِلَافِ مَا إذَا غَرِمَ قِيمَةَ الْمِثْلِ ثُمَّ وَجَدَهُ فَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْمِثْلِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا .
الرَّابِعُ : الْبَدَلُ مَعَ مُبْدَلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : تَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْمُبْدَلِ ، وَتَارَةً يَتَعَيَّنُ الِابْتِدَاءُ بِالْبَدَلِ ، وَتَارَةً يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَتَارَةً يَتَخَيَّرُ ، فَمِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْغَالِبُ ( التَّيَمُّمُ ) مَعَ الْوُضُوءِ وَإِبْدَالُ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ ( الْجُبْرَانِ ) ، وَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ وَقِيلَ : لَيْسَ كُلُّ خَصْلَةٍ بَدَلًا عَمَّا قَبْلَهَا بَلْ هِيَ خِصَالٌ مُسْتَقِلَّاتٌ .
وَمِنْ الثَّانِي : صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إذْ قِيلَ : إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ، وَمِنْ الثَّالِثِ : وَاجِدُ بَعْضِ الْمَاءِ أَوْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ لِأَجْلِ الْجِرَاحَةِ مَعَ التَّيَمُّمِ ، إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْأَعْضَاءَ فِي طَهَارَتِهِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ ، وَعَدَّ مِنْهُ الْإِطْعَامَ مَعَ الصَّوْمِ فِيمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْإِطْعَامَ جُبْرَانٌ لِلتَّأْخِيرِ لَا بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ .
وَمِنْ الرَّابِعِ مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ ، إذَا قُلْنَا : إنَّ الشَّعْرَ بَدَلٌ عَنْ الْبَشَرَةِ حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى الشَّعْرِ ثُمَّ حَلَقَهُ اسْتَأْنَفَ الْمَسْحَ عَلَى الْبَشَرَةِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ ثُمَّ ظَهَرَتْ الرِّجْلُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الْخُفِّ مَعَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَصْلٌ ، وَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَتَابَعَهُ ( الْحَاوِي الصَّغِيرُ ) ، وَمِثْلُهُ الْأَحْجَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ، وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا .
( الْخَامِسُ ) : مَا عُلِّقَ جَوَازُ الْبَدَلِ فِيهِ عَلَى فِقْدَانِ الْمُبْدَلِ عِنْدَ الْإِيجَابِ ، فَإِذَا فُقِدَا مَعًا ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ وَجَدَ ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبْدَلِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْبَدَلُ صَارَ وَاجِدًا لَهُ دُونَ الْمُبْدَلِ ، فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ عَدَلَ إلَى ابْنِ لَبُونٍ ، فَإِنْ فُقِدَا مَعًا فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا شَاءَ ، وَالْحَانِي يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَمِنْهَا : الْحَقُّ هَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهُ بَدَلًا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ ، إذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهَا فِيهِ الْوَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : مَنْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ ، وَعِنْدَهُ الْحِقَاقُ وَبَنَاتُ لَبُونٍ ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ : إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ الْأَغْبَطِ لِلْمَسَاكِينِ ، فَلَوْ كَانَا مَفْقُودَيْنِ عِنْدَهُ ، فَهَلْ يَجِبُ شِرَاءُ الْأَغْبَطِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ .
( السَّادِسُ ) : قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ : الْأَبْدَالُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلَاتِهَا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ ، وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْإِعْتَاقِ ، وَلَا الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ إذْ لَوْ تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ لَمَا شُرِطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ فَقْدُ الْمُبْدَلِ انْتَهَى .
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ : ( مِنْهَا ) الْجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ ، فَإِنَّهُ هُنَا أَعَنَى فِي الْجُمُعَةِ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمُبْدَلِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْبَدَلِ فَمِنْ لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ هَا هُنَا أَفْضَلَ مِنْ الْمُبْدَلِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْدَلُ عَنْ شَرْعِيَّةِ الشَّيْءِ إلَى آخَرَ لِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُتَّحِدًا كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ ، أَوْ عَلَى الْغَالِبِ ، أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ أَخَصَّ مِنْ الْمُبْدَلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ، قِيلَ : إنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْوُضُوءِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ : إمَّا الْغَسْلُ وَإِمَّا الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا .
( ضَابِطٌ ) : الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ الْأَصْلِ إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْمُسْتَعْمَلِ سَقَطَ حُكْمُ الْمَوْجُودِ مِنْهُ كَوِجْدَانِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ فِي نَفْسِ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الْمَقْدُورِ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ جَرِيحًا ، وَكَانَ يُكَفِّرُ الْمُبَعَّضَ بِالْمَالِ ذَكَرَهُ ( الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ) .
تَنْبِيهٌ : كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ
الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ لَهَا بَدَلًا فَيُتَسَامَحُ فِيهَا بِالْمَسْكَنِ وَالْعَبْدِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَجِّ وَنَحْوِهِ قَالَ ( ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ) ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِالْمَتِينِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَبْدَالِ وَتَجْوِيزَ الْعُدُولِ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأُصُولِ ، وَالشَّأْنُ فِي تَعَذُّرِ الْأُصُولِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ حَتَّى تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الشَّيْءِ لَهُ بَدَلٌ لَا يَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِأَصْلِهِ إلَّا عَلَى مُلَاحَظَةِ قَاعِدَةِ ( الِاسْتِحْسَانِ ) الضَّعِيفَةِ .
الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا يَجِبُ قَطْعًا كَمَا إذَا قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ قَطْعًا وَهَلْ يُضِيفُ إلَيْهَا مِنْ الذِّكْرِ مَا يُتِمُّ بِهِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ ، أَوْ يُكَرِّرُهَا سَبْعًا ؟ قَوْلَانِ وَلَمْ يَحْكُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا كَمَا فِي بَعْضِ الْمَاءِ وَنَظَائِرِهِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : كُلُّ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا بِنَفْسِهَا ، فَلَا يَأْتِي بِبَدَلِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ لَزِمَهُ قَطْعًا ، وَكَذَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِفَوَاتِهَا ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ تَمْنَعُهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ لَزِمَهُ الْقِيَامُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَكَمَنْ انْتَهَى فِي التَّكْفِيرِ إلَى الْإِطْعَامِ فَقَدَرَ عَلَى إطْعَامِ ثَلَاثِينَ ، فَيَتَعَيَّنُ إطْعَامُهُمْ قَطْعًا ، وَكَمَا إذَا كَانَ مُحْدِثًا ، وَعَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا بَدَلٌ ، وَلِلطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ بَدَلٌ وَخَصَّ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ مُسَافِرًا قَالَ : وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَغَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ أَوْلَى ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الصَّلَاةِ ، سَوَاءٌ غَسَلَ النَّجَاسَةَ أَوْ تَوَضَّأَ ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ النَّجَاسَةِ أَشَدُّ مُنَافَاةً مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ .
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَسُدُّ بِهِ بَعْضَ رَمَقِهِ لَزِمَهُ تَنَاوُلُهُ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الْمَيْتَةِ ، وَالْمُحْرِمُ إذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ ، وَهُوَ مُحْدِثٌ وَمَعَهُ مَا يَكْفِي لِغُسْلِ أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَغَسْلُ الطِّيبِ بِهِ فَعَلَ ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ الطِّيبِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ لَهَا بَدَلٌ ، بِخِلَافِ الطِّيبِ ، وَلَوْ
كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَطِيبٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَمْ يَجِدْ ، إلَّا مَا يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا غَسَلَ النَّجَاسَةَ لِغِلَظِهَا .
الثَّانِي : مَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ هَذَا ، إذَا قَدَرَ عَلَى الْبَدَلِ وَهُوَ التُّرَابُ ، فَإِنْ فَقَدَهُ اسْتَعْمَلَ الْمَيْسُورَ قَطْعًا لِعَدَمِ الْبَدَلِ ، وَقِيلَ يَطَّرِدُ الْقَوْلَانِ ، وَلَوْ كَانَ بِجَسَدِهِ جِرَاحَاتٌ تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيعَابِ الْمَاءِ فَالْمَذْهَبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَرِيحِ .
( وَالثَّانِي ) عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ غَسْلُ وَجْهِهِ ، فَإِنَّ فِي وُجُوبِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَرَقَبَتِهِ وَهُوَ مَا كَانَ يَغْسِلُهُ مَعَ وَجْهِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ ذَلِكَ مَعَ الْوَجْهِ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ ، أَوْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي ( الِاسْتِذْكَارِ ) ، ( وَمِثْلُهُ ) مَا لَوْ قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِ الْعَظْمِ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَاتٌ ، وَوَجَدَ مَا يَغْسِلُ بَعْضَهَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ لَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلَاةِ .
وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصَّاعِ مِنْ الْفِطْرَةِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ مَلَكَ مِائَةً نَقْدًا وَمِائَةً مُؤَجَّلَةً عَلَى مَلِيءٍ ، وَقُلْنَا : لَا يَجِبُ إخْرَاجُ الْجَمِيعِ فِي الْحَالِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ حِصَّةِ النَّقْدِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا لِنُقْصَانِ هَذَا الْقَدْرِ عَنْ النِّصَابِ ، وَأَصَحُّهُمَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ .
وَلَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ ، وَهُوَ مُوسِرٌ بِبَعْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْرِي إلَى الْقَدْرِ الَّذِي هُوَ مُوسِرٌ بِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الِاسْتِقْلَالُ وَثُبُوتُ أَحْكَامِ الْأَحْرَارِ ، وَلَوْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ انْهَدَمَ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ صُلِّيَ
عَلَيْهِ عَلَى النَّصِّ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ حَكَاهُ الشَّيْخُ ( أَبُو مُحَمَّدٍ ) فِي الْفُرُوقِ ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمُسَاعِدَةُ النَّوَوِيِّ لَهُ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ .
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ صَلَّى قَائِمًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، فَإِنَّ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَتِمُّ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ : قَالَ الْإِمَامُ : وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْعُرْيَ ، إذَا عَمَّ فِي قَوْمٍ ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ ، بِأَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، فَإِنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي أُمُورِهِمْ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ عُرَاةً ، فَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ ، وَلَا يَقْضُونَ قَطْعًا .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَجِبُ قَطْعًا ، كَمَا إذَا وَجَدَ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ بَعْضَ الرَّقَبَةِ ، لَا يَجِبُ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصْدُهُ تَكْمِيلَ الْعِتْقِ مَا أَمْكَنَ ؛ وَلِهَذَا شُرِعَتْ السِّرَايَةُ ، وَيَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ ؛ وَلِأَنَّ إيجَابَ بَعْضِ الرَّقَبَةِ مَعَ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ ، وَصِيَامُ شَهْرٍ مَعَ عِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِيهِ تَبْعِيضُ الْكَفَّارَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : لَوْ وَجَدَ بَعْضَ رَقَبَةٍ بَاقِيهَا حُرًّا ، يَجِبُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِقْصًا ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَمِنْهُ : إذَا أَوْصَى أَنْ يَشْتَرُوا بِثُلُثِهِ رَقَبَةً وَيُعْتِقُونَهَا ، فَلَمْ تُوجَدْ كَامِلَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي شِقْصًا بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ قَطْعًا وَمِنْهَا : الشَّفِيعُ ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ ثَمَنِ الشِّقْصِ لَا يَأْخُذُ قِسْطَهُ مِنْ الْمُثَمَّنِ وَكَصَوْمِ بَعْضِ الْيَوْمِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ إتْمَامِهِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ ثَلْجًا ، أَوْ بَرَدًا وَتَعَذَّرَتْ إذَابَتُهُ ، فَلَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ هَذَا فِي الرَّأْسِ قَبْلَ
التَّيْمِيمِ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ تَيَمَّمَ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلرِّجْلَيْنِ ، وَمِنْهَا الْوَاجِبُ فِي السُّجُودِ التَّنْكِيسُ ، فَلَوْ تَعَذَّرَ لِمَرَضٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ يَجِبُ وَضْعُ وِسَادَةٍ لِيَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ؟ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ السَّاجِدَ يَلْزَمُهُ هَيْئَةُ التَّنْكِيسِ ، وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَتَى بِالثَّانِي مُحَافَظَةً عَلَى الْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ ، وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ السُّجُودِ فَاتَتْ ، وَمِنْهَا لَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْتَتِرَ فِي الْمَاءِ وَيَسْجُدَ عَلَى الشَّطِّ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ : لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى ( التَّطْيِينِ ) لَزِمَهُ .
( وَمِنْهَا ) الْأَخْرَسُ يَقِفُ فِي الصَّلَاةِ سَاكِتًا ، وَقِيلَ : يُحَرِّكُ لِسَانَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ النَّصِّ وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ : يُحَرِّكُ لِسَانَهُ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَتَضَمَّنُ نُطْقًا وَتَحْرِيكَ اللِّسَانِ ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ .
وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ ضَابِطًا لِبَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ ، فَقَالَ : كُلُّ أَصْلٍ ذِي بَدَلٍ فَالْقُدْرَةُ عَلَى بَعْضِ الْأَصْلِ ، لَا حُكْمَ لَهَا وَسَبِيلُ الْقَادِرِ عَلَى الْبَعْضِ كَسَبِيلِ الْعَاجِزِ عَنْ الْكُلِّ ، إلَّا فِي الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ ، أَوْ الْقَادِرِ عَلَى إطْعَامِ بَعْضِ الْمَسَاكِينِ إذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْإِطْعَامِ ، وَإِنْ كَانَ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْفِطْرَةِ لَزِمَهُ الْمَيْسُورُ مِنْهُمَا وَكَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، إذَا وَجَدَ بَعْضَ السَّاتِرِ يَجِبُ الْمَقْدُورُ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ بِانْتِقَاضِ بَعْضِ الْمَحَلِّ ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْإِتْيَانِ
بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ يَعْنِي ، كَمَا لَوْ قَطَعَ بَعْضَ يَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْبَاقِي ، قَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِيهِ خِلَافًا بَعِيدًا ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ التَّرَدُّدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَعْنِي مِنْ الْفِطْرَةِ .
قُلْت : وَيُرَدُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ صُورَةِ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْمَاءِ ، مَا سَبَقَ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بَدَلٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ أَنْ يُقَالَ ، إنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ مَقْصُودًا مِنْ الْعِبَادَةِ ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لَمْ يَجِبْ قَطْعًا كَإِمْرَارِ مُوسَى عَلَى الرَّأْسِ فِي الْحَلْقِ وَالْخِتَانِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ لِقَصْدِ الْحَلْقِ وَالْقَطْعِ ، وَقَدْ سَقَطَ الْمَقْصُودُ فَسَقَطَ الْوَسِيلَةُ ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي تَحْرِيكِ اللِّسَانِ مِنْ الْأَخْرَسِ ، وَنَظَائِرُهُ لِلْخِلَافِ فِي أَنَّهُ وَجَبَ وُجُوبُ الْمَقَاصِدِ ، أَوْ الْوَسَائِلِ ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ وَجَبَ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ يُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَ اسْمُ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصْدُقُ عَلَى بَعْضِهِ وَجَبَ أَيْضًا كَالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْدُقُ لَمْ يَجِبْ كَبَعْضِ الرَّقَبَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رَقَبَةً وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي وَلَا يُخَافُ فَوَاتُهُ لَمْ يَجِبْ كَالْكَفَّارَةِ ، وَإِلَّا وَجَبَ .
التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ مِنْ فُرُوعِهِ : إنَّ مَنْ أَحْيَا شَيْئًا لَهُ حَرِيمُ مِلْكِ الْحَرِيمِ عَلَى الْأَصَحِّ تَبَعًا ، كَمَا يَمْلِكُ عَرْصَةَ الدَّارِ بِبِنَاءِ الدَّارِ فَلَوْ بَاعَ حَرِيمَ مِلْكِهِ دُونَ الْمِلْكِ لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِرْبَ الْمَاءِ وَحْدَهُ ، وَمِنْهُ : يَدْخُلُ الْحَمْلُ فِي بَيْعِ الْأُمِّ ، وَلَوْ بَاعَ الْحَمْلَ لَمْ يَصِحَّ .
نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَهُ صَحَّ وَلَمْ تَعْتِقْ الْأُمُّ عَلَى الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ ، وَمِنْهُ : الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الطَّعَامِ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مَعَهُ تَبَعًا لَا مُنْفَرِدًا فِي الْأَصَحِّ : وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهُدْنَةِ عَنْ ابْنِ كَجٍّ : إنَّهُ لَوْ نَقَضَ السُّوقَةُ الْعَهْدَ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّئِيسُ وَالْأَشْرَافُ ، فَفِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي حَقِّ السُّوقَةِ ، وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِعَهْدِهِمْ .
التَّابِعُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ أَيَّامِ الْجُنُونِ لَا يُسْتَحَبُّ ( لَهُ قَضَاءُ رَوَاتِبِهَا ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ وَكَذَلِكَ ) مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، وَلَا يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ الْوُقُوفِ ، وَقَدْ سَقَطَ فَيَسْقُطُ التَّابِعُ ، أَمَّا إذَا كَانَ التَّابِعُ مَقْصُودًا لَمْ يَسْقُطْ بِسُقُوطِ الْمَتْبُوعِ كَغَسْلِ الْعَضُدِ يُشْرَعُ مَعَ قَطْعِ الْيَدِ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ ، لِأَنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مَقْصُودٌ بِنَفْسِهِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ غَسْلِ الْمِرْفَقِ وَالسَّاعِدِ جَازَ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ .
وَيَنْبَغِي مَجِيءُ خِلَافٍ فِيهِ فَكَمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ أَنَّهُ هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ مَا يُغْسَلُ مِنْ الرَّأْسِ ، لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ ، إذَا سَقَطَ غَسْلُ الْوَجْهِ لِعِلَّةٍ أَوْ عُذْرٍ وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ تَبَعًا ، فَإِنْ قُلْنَا : وَجَبَ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَسْقُطْ ، كَمَا فِي الْعَضُدِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ : فِيمَا قَالَهُ الْإِمَامُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ تَطْوِيلَ الْغُرَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَالتَّحْجِيلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَا يَبْعُدُ إذَا كَانَ الْإِمْسَاسُ مُسْتَحَبًّا لِلتَّحْجِيلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَيْضًا مُسْتَحَبًّا فِي الْوَجْهِ لِأَجْلِ الْغُرَّةِ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي الْعَضُدِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَغَايِرٌ .
وَهُوَ اسْتِحْبَابُ الْعَضُدِ وَوُجُوبُ الْغَسْلِ فِي السَّاعِدِ ، بِخِلَافِ تَطْوِيلِ الْغُرَّةِ ، فَإِنَّهُ تَابِعٌ ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا أَيْ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَإِذَا سَقَطَ الْمَتْبُوعُ سَقَطَ التَّابِعُ وَأَيْضًا ، فَإِنَّ فَرْضَ هَذَا الْعُضْوِ أَعْنِي الرَّأْسَ ، وَهُوَ الْمَسْحُ ، بَاقٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ غَسْلِ
====================ج222222222.............................
ج2222222222222222
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الْوَجْهِ ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ ، فَلَا يَفُوتُ شَيْءٌ .
بِخِلَافِهِ ثُمَّ ، فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْعَضُدِ لَفَاتَتْ سُنَّةُ التَّحْجِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ ، لَا إلَى بَدَلٍ ، وَمِنْهَا : إذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ ، لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ فِي الْأَصَحِّ ، وَمِنْهَا : نَصَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَلَى أَنَّ الْفَارِسَ ، إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَرْبِ سَقَطَ سَهْمُهُ .
وَلَوْ مَاتَ الْفَرَسُ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَارِسَ مَتْبُوعٌ ، فَإِذَا فَاتَ فَاتَ الْأَصْلُ ، وَالْفَرَسُ تَابِعٌ ، فَإِذَا مَاتَ جَازَ أَنْ يَقَعَ سَهْمُهُ لِلْمَتْبُوعِ ، وَإِذَا مَاتَ الْغَازِي صُرِفَ لِزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْجِهَادِ وَفِي قَوْلٍ لَا ، لِأَنَّ تَبَعِيَّتَهُمْ زَالَتْ بِمَوْتِ الْمَتْبُوعِ .
التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْبَيَاضِ بَيْنَ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَهَا بِشُرُوطٍ : مِنْهَا : أَنْ يَتَقَدَّمَ لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ ، فَقَالَ : زَارَعْتُكَ عَلَى الْبَيَاضِ وَسَاقَيْتُك عَلَى النَّخِيلِ عَلَى كَذَا لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ ، فَقَدَّمَ لَفْظَ الرَّهْنِ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ .
التَّابِعُ هَلْ يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ ، لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ وَحْدَهَا ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ ، وَيُجْعَلُ الْكَفُّ تَبَعًا لِلْأَصَابِعِ ، وَإِنْ قَطَعَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجْعَلْ تَبَعًا ، بَلْ يَلْزَمُهُ لِلزِّيَادَةِ حُكُومَةٌ عَلَى قَدْرِهَا ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ ، كَذَا عَلَّلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمَاسَرْجِسِيِّ ، وَمِنْهَا : إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ فِي الْوُضُوءِ ، فَعَنْ الرُّويَانِيِّ يَمْسَحُهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمَيْلُ الْأَكْثَرِينَ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُهُ بِالْبَلَلِ الْبَاقِي ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَسْعُودِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْقَفَا فِي الْمَسْحِ ، وَالْقَفَا تَابِعٌ لِلرَّأْسِ ، لِتَطْوِيلِ الْغُرَّةِ .
وَمِنْهَا : هَلْ يُسَنُّ تَكْبِيرُ الْعِيدِ خَلْفَ النَّوَافِلِ ، فِيهِ خِلَافٌ قَالَ فِي الْبَيَانِ : وَالْأَصَحُّ لَا يُسَنُّ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَابِعٌ لِلْفَرَائِضِ ، وَالتَّابِعُ لَا يَكُونُ لَهُ تَابِعٌ ، وَمِنْهَا : يُقَالُ أَيْضًا : لَيْسَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ ، وَالنَّافِلَةُ لَا أَتْبَاعَ لَهَا ، وَمِنْهَا : لَوْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ مَنْ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ ، فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُمْ ، إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ ، كَمَا فِي أَهْلِ الْكَمَالِ مَعَ الْإِمَامِ ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ، وَقِيَاسُهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْهِمْ التَّقَدُّمُ فِي الْأَفْعَالِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، بَلْ الْقَصْدُ الِانْعِقَادُ فِي الِابْتِدَاءِ خَاصَّةً وَلِهَذَا لَوْ خَطَبَ بِأَرْبَعِينَ وَأَحْرَمَ بِهِمْ ، ثُمَّ لَحِقَهُمْ أَرْبَعُونَ ، وَأَحْرَمُوا مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ انْفَضَّ السَّابِقُونَ جَمِيعُهُمْ ، وَبَقِيَ الْأَرْبَعُونَ اللَّاحِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ ،
وَلَوْ لُوحِظَ مَا ذَكَرَهُ لَبَطَلَتْ الْجُمُعَةُ ، وَمِنْهَا : لَوْ تَبَاعَدَ الْمَأْمُومُ عَنْ ( الْإِمَامِ ) أَبْعَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَخْصٌ يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّصَالُ صَحَّ بِشَرْطِ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ ، كَمَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِإِمَامِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَيْضًا .
التَّبَعِيَّةُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَعَ الِاتِّصَالِ بِالْمَتْبُوعِ فَيَلْتَحِقُ بِهِ لِتَعَذُّرِ انْفِرَادِهِ عَنْهُ كَذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِذَبْحِ الْأُمِّ حِلَّ الْجَنِينِ بِشَرْطِهِ ، وَكَذَلِكَ تَبَعِيَّةُ الْحَمْلِ فِي الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَتَبَعِيَّةُ الْمُغْرِسِ لِلْأَشْجَارِ وَالْأُسِّ لِلدَّارِ قَالَ الْإِمَامُ وَيَدْخُلُ الْحَمْلُ وَالثَّمَرَةُ فِي كُلِّ عَقْدٍ اخْتِيَارِيٍّ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ ، وَأَمَّا الْقَهْرِيَّةُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَفِي الْفَلْسِ إلَى بَيْعِ الرَّهْنِ قَهْرًا فَلَا يَدْخُلَانِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ عُقُودَ الِاخْتِيَارِ مَصُونَةٌ عَنْ الْغَرَرِ بِخِلَافِ التَّصَرُّفِ الْقَهْرِيِّ ، وَلَمَّا نُقِصَتْ الْهِبَةُ عَنْ تَعَبُّدَاتِ الْبَيْعِ ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَدِيدِ ، فَقَالَ لَا يَدْخُلَانِ فِيهَا وَأَلْحَقَهَا فِي الْقَدِيمِ بِالْبَيْعِ ، وَالثَّانِي : بَعْدَ الِانْفِصَالِ كَالصَّبِيِّ إذَا أُسِرَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُهُمَا فَوَجْهَانِ ، وَإِنْ كَانَا مَعْدُومَيْنِ تَبِعَ السَّابِيَ قَطْعًا ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُسْلِمِ يَتْبَعُهُ ، إذَا كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الذِّمِّيِّ يَتْبَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَالِغًا ؛ وَلِهَذَا لَوْ بَلَغَ جُعِلَتْ جِزْيَتُهُ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ عَلَى وَجْهٍ تَبَعًا وَمِمَّا يَثْبُتُ تَبَعًا لَا ابْتِدَاءً ، إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَفِي الْإِفْطَارِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ابْتِدَاءً فِي هِلَالِ شَوَّالٍ لَمَا كَفَى ، وَأَصَحُّهُمَا ثُبُوتُهُ ضِمْنًا كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا ، وَلَوْ شَهِدَتْ بِهِ ابْتِدَاءً لَمْ يُسْمَعْ .
التَّبْعِيضُ وَالتَّجْزِئَةُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ كَالثَّلَاثَةِ نُصِّفَتْ عَلَى مَا يُمْكِنُ مَعَ الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ اثْنَانِ ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ لِلْعَبْدِ جُعِلَ لَهُ طَلْقَتَانِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ ، وَكَذَلِكَ الْأَقْرَاءُ فِي الْأَمَةِ قُرْءَانِ وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الْحَلْقُ وَالرَّمْيُ وَالطَّوَافُ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا .
التَّأْقِيتُ كُلُّ عَقْدٍ كَانَتْ الْمُدَّةُ رُكْنًا فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَقَّتًا كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهُدْنَةِ ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْعَيْنِيَّةُ فَأَمَّا الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا تَارَةً تَقُومُ بِالزَّمَانِ وَتَارَةً بِالْعَمَلِ ، وَقَدْ يَعْرِضُ التَّأْقِيتُ حَيْثُ لَا يُنَافِيهِ كَالْقَارِضِ يَذْكُرُ فِيهِ مُدَّةً يَمْتَنِعُ مِنْ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا فَقَطْ ، وَكَالْإِذْنِ الْمُقَيَّدِ بِالزَّمَانِ فِي أَبْوَابِهِ خَاصَّةً كَالْوِصَايَةِ ، وَمِمَّا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ وَنَحْوُهَا ، وَمِمَّا لَا يَقْبَلُهُ الْحُرِّيَّةُ لَا تَصِحُّ مُؤَقَّتَةً عَلَى الْمَذْهَبِ .
التَّتَابُعُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ التَّتَابُعَ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ قَطْعًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَةِ ، وَمَا أَوْجَبَ فِيهِ التَّفْرِيقَ كَصَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ هَلْ يَجُوزُ تَتَابُعُهُ ؟ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا ، وَإِنَّمَا جَرَى هُنَا خِلَافٌ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعَبُّدِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ وَالتَّيْسِيرِ ، فَإِنَّ التَّوَالِيَ تَغْلِبُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَالصَّحِيحُ تَغْلِيبُ التَّعَبُّدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالتَّفْرِيقِ شَرْطًا كَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِالتَّتَابُعِ .
تَحَمُّلُ الْمُؤْنَةِ بِمَالِ الْغَيْرِ ضَرْبَانِ : ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَكُونَ فِي أَدَاءِ وَاجِبٍ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ وَهَبَ لِلْمُسَافِرِ الْمَاءَ فَيَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَإِنْ ثَقُلَتْ لَمْ يَجِبْ وَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَدَلٌ كَهِبَةِ ثَمَنِ الْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ فِي الْأَصَحِّ ، أَوْ لَا بَدَلَ لَهُ كَالْعَارِي يُوهِبُ الثَّوْبَ ، فَلَا ( يَلْزَمُهُ ) قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَيُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ قَهْرًا وَقِيلَ لَا يَرُدُّهُ ، ( وَمِنْهُ ) : لَوْ وَهَبَ لَهُ رَاحِلَةً لِيَحُجَّ عَلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا لِلْمَانَّةِ وَمِنْهُ ) إذَا بَذَلَ لِلْمَعْضُوبِ مَالًا لِيَحُجَّ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِقَطْعِ الْمَانَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَعْضَهُ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَذَلَا الطَّاعَةَ فَيَلْزَمُ الْقَبُولُ فِي الْوَلَدِ قَطْعًا ، وَكَذَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ ( الثَّانِي ) : أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ فَيَسْتَحِقُّهَا ، وَالضَّابِطُ فِيهِ : إنْ كَانَ أَثَرًا مَحْضًا كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَقَصَّرَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَ مِنْهُ الْقِصَارَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ قَطْعًا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي ( الْمَجْمُوعِ ) وَإِنْ كَانَ عَيْنًا فَقَسَمَهَا الْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُمْ فِي بَابِ الْغَصْبِ إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنْ يَهَبَ لَهُ عَيْنًا مُتَمَيِّزَةً مِنْ مَالِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهَا بِلَا خِلَافٍ قُلْت : إلَّا إذَا وَهَبَ لِفَاقِدِ الْمَاءِ مَاءً أَوْ أَعَارَ دَلْوًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ بَاعَ مُصَرَّاةً فَاطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلْبِ ، وَاللَّبَنُ بَاقٍ لَمْ يُكَلَّفْ رَدُّهُ مَعَ الْمُصَرَّاةِ ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ مِلْكٌ لَهُ وَقَدْ اخْتَلَطَ بِاللَّبَنِ الْمَبِيعِ حَالَ الْعَقْدِ
وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَكَانَ كَالتَّالِفِ ، فَلَوْ أَرَادَ رَدَّهُ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَخْذِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : نَعَمْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ مِنْ بَدَلِهِ ، وَأَصَحُّهُمَا " : لَا ؛ لِذَهَابِ طَرَاوَتِهِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَحَمُضَ لَمْ يُكَلَّفْ أَخْذُهُ وَلَوْ تَبَرَّعَ شَخْصٌ بِقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكًا لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْهُ بِمِلْكِهِ ، إلَّا أَنَّ تَمَلُّكَهُ لَمَّا كَانَ فِي ضِمْنِ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ .
( الثَّانِي ) : أَنْ يَهَبَ لَهُ مَنْفَعَةً مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَسَمِنَ أَوْ تَعَلَّمَ صَنْعَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ بِزِيَادَتِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ بِلَا خِلَافٍ .
( قُلْت ) : إلَّا إذَا وَهَبَتْ الزَّوْجَةُ نِصْفَ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ لِلزَّوْجِ فَفِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِلْمِنَّةِ .
( الثَّالِثُ ) : أَنْ يَهَبَهُ عَيْنًا مُتَّصِلَةً بِمَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَوَهَبَهُ الصَّبْغَ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا ثُمَّ وَهَبَهُ الْغِرَاسَ فَفِي إجْبَارِهِ وَجْهَانِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْوَاحًا وَسَمَّرَهَا بِمَسَامِيرَ ثُمَّ رَدَّهَا وَتَرَكَ الْمَسَامِيرَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَقِيلَ : لَا يُجْبَرُ ، وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا وَلَا يُمْكِنُهُ قَلْعُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُصُ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الْأَرْضُ ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَهُ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ وَجْهَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى دَابَّةً فَأَنْعَلَهَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ بِهَا لَوْ قَلَعَ النَّعْلَ لَنَقَصَتْ فَيَمْتَنِعُ الرَّدُّ بِهِ ، فَلَوْ تَرَكَ النَّعْلَ لَزِمَهُ الْقَبُولُ قَطْعًا ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي
خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَيْسَ بِمُتَعَدٍّ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَةً يَغْلِبُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتَلَطَتْ وَرَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ حَقِّهِ وَقُلْنَا : لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِالِاخْتِلَاطِ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الثَّمَرَةِ كُلِّهَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ( الْفُرُوقِ ) ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَبْذُورَةً إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَدْخُلْ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ جَهِلَهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْبَائِعُ لَهُ سَقَطَ خِيَارُهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ ، وَلَوْ قَالَ خُذْهُ وَأَفْرِغْ الْأَرْضَ سَقَطَ خِيَارُهُ أَيْضًا إنْ أَمْكَنَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ ، وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا أَحْجَارٌ فِي قَلْعِهَا ضَرَرٌ لَا فِي تَرْكِهَا يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهَا سَقَطَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي إبْقَاءً لِلْعَقْدِ ، ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ تَرَكْتهَا لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ مُجَرَّدُ إعْرَاضٍ لِقَطْعِ الْخُصُومَةِ ( وَجْهَانِ : ) كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَرْكِ النَّعْلِ فِي الدَّابَّةِ الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ أَحَدُهُمَا : تَمْلِيكٌ لِيَكُونَ سُقُوطُ الْخِيَارِ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكٍ حَاصِلٍ ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ قَطْعٌ لِلْخُصُومَةِ لَا غَيْرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي يَوْمًا فَهِيَ لَهُ ، وَلَوْ بَدَا لِلْبَائِعِ فِي تَرْكِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَعَلَى الثَّانِي فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ خِيَارُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ .
التَّحَمُّلُ مَرَاتِبُ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ : ( الْأُولَى ) : وَهِيَ الْعُلْيَا تَأْدِيَةُ الزَّكَاةِ صَرْفًا إلَى الْغَارِمِ ، وَهَذَا تَحَمُّلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَارِدٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُسْتَقِرِّ .
( الثَّانِيَةُ ) : تَحَمُّلُ ( الْعَاقِلَةِ ) فِي الدِّيَةِ ، وَهَلْ الْوُجُوبُ يُلَاقِي الْقَاتِلَ أَوْ لَا ؟ وَجْهَانِ : ( أَصَحُّهُمَا ) نَعَمْ ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ ، وَالْمُتَحَمِّلُ مُخَفِّفٌ عَنْهُ ، وَبِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَتْ الْعَاقِلَةُ غَرَّمْنَا الْقَاتِلَ الدِّيَةَ .
قَالَ الْإِمَامُ : فَإِذَا قَطَعْتُمْ بِهَذَا فَأَيُّ أَثَرٍ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ : الْوُجُوبُ لَا يُلَاقِيهِ ؟ قِيلَ : أَثَرُهُ أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَوْ وُجِّهَ عَلَيْهِ مَعَ تَحَمُّلِ الْعَقْلِ لَغَا ، وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ مِمَّنْ الْقَاتِلُ وَارِثُهُ لَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ مَعَ الْعَاقِلَةِ كَالْبَعْضِ ، مِنْهُمْ مَعَ الْقُرَبِ مَعَ إمْكَانِ مُطَالَبَةِ الْقُرَبِ .
( الثَّالِثَةُ ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ الزَّوْجَةِ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَالسَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ وَالْقَرِيبِ عَنْ قَرِيبِهِ ، وَهَلْ هِيَ وَجَبَتْ عَلَى الزَّوْجِ ابْتِدَاءِ أَوْ عَلَيْهَا وَتَحَمَّلَهُ الزَّوْجُ ؟ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَقِيلَ بِطَرْدِهِ فِي السَّيِّدِ وَالْقَرِيبِ ، وَقِيلَ : بَلْ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً قَطْعًا ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا قُدْرَةَ لَهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ ، وَالْقَرِيبُ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ لَا قِيَمًا ، وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّحَمُّلِ فَهَلْ هُوَ كَالْحَوَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ ؟ وَجْهَانِ .
( الرَّابِعَةُ ) : تَحَمُّلُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ قَالَ الْإِمَامُ ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَرَاتِبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحَمُّلِ الْقُرَبِ وَإِيجَادِ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، فَإِنَّا نُوجِبُهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فِي زَوْجَتِهِ وَرَقِيقِهِ وَقَرِيبِهِ .
التَّحِيَّاتُ ثَمَانٍ ( إحْدَاهَا ) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ إلَّا فِي صُوَرٍ : الْخَطِيبُ يَدْخُلُ لِلْخُطْبَةِ وَالدَّاخِلُ وَالنَّاسُ فِي مَكْتُوبَةٍ ، أَوْ وَقَدْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ ، أَوْ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالدَّاخِلُ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي فِي نَافِلَةٍ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ ، فَفِي اسْتِحْبَابِ التَّحِيَّةِ وَجْهَانِ فِي الْفُرُوقِ لِابْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَلَاةِ مَنْ دَخَلَ ، وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ .
( الثَّانِيَةُ ) : تَحِيَّةُ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ لَا الْمَسْجِدِ ؛ وَلِهَذَا يَبْدَأُ إذَا دَخَلَهُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَإِنَّمَا لَمْ نَأْمُرْهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلطَّوَافِ ، وَذَلِكَ يُجْزِيهِ عَنْ التَّحِيَّةِ قِيلَ : وَلَوْ طَافَ وَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ رَكْعَتَانِ تَحِيَّةَ دُخُولِهَا ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ رُؤْيَتِهَا ، فِيهِ نَظَرٌ .
قُلْت : لَا يُسْتَحَبُّ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ الْمُتَّصِلَةَ لَهَا حُكْمُ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ صَلَّى عَنْ الْأَوَّلِ فَلَا يُصَلِّي لِلثَّانِي ، وَقَوْلُهُ : الطَّوَافُ تَحِيَّةُ الرُّؤْيَةِ عَجِيبٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ .
( الثَّالِثَةُ ) : تَحِيَّةُ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ .
الرَّابِعَةُ ) تَحِيَّةُ مِنًى بِالرَّمْيِ .
( الْخَامِسَةُ ) : تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ .
( السَّادِسَةُ ) : يُنْدَبُ لِلْقَاضِي تَحِيَّةُ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِرَكْعَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ .
( السَّابِعَةُ ) : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالْخُطْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَتَكُونُ التَّحِيَّةُ هُنَا بِالْخُطْبَةِ كَمَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ( بِالطَّوَافِ ) .
( الثَّامِنَةُ ) : تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِ أَوَّلَ
اللِّقَاءِ بِالسَّلَامِ عَلَيْكُمْ .
التَّحْرِيمُ الْمُتَوَقَّعُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ عَدَمُ الْحِلِّ كَمَا أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ الْحِلِّ فِي الْحَالِ " وَفُرُوعُهُ مُنْتَشِرَةٌ : مِنْهَا ، مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً ، قَالَ : الْأَكْثَرُونَ ، خِلَافًا ( لِابْنِ الْحَدَّادِ ) يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا الْقَرِيبِ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَعَ احْتِمَالِ الرِّقِّ فِي بَعْضِهَا حَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كُلِّهَا ، بِأَنْ يَحْدُثَ ، دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ الصِّحَّةَ النَّاجِزَةَ لَا تُتْرَكُ فِي الْحَالِ لِمَا يُتَوَهَّمُ ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتِقُ نَفْسُهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَازَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَابْنِ الْحَدَّادِ مِمَّنْ وَافَقَ هَا هُنَا ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي النَّقْلِ عَنْهُ ، وَمِنْهَا : لَوْ وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً حَلَّ لِلْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا ، وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ عَلَى ابْنِ الْحَدَّادِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي مُوَافَقَتَهُ هُنَا ، لَكِنْ نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ الْمَنْعُ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ الْحَدَّادِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي ( شَرْحِ الْفُرُوعِ ) جَازَ مَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَجَعَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ وَجْهَيْنِ ، وَمِنْهَا يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيْنِ وَيَتَسَلَّطُ الزَّوْجُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ : لَوْ بَانَا فَاسِقَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَأَبْطَلَ النِّكَاحَ ، وَمِنْهَا : لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ ، وَخَافَتْ حَمْلًا ، وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ فِي الْحَالِ ، بَلْ هُوَ كَالَّتِي تَزَوَّجَتْ ، ثُمَّ ارْتَابَتْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَتْ الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمِنْهَا : لَوْ أَسْلَمَ وَاحِدَةً مِنْ الْإِمَاءِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لِلْبَقَاءِ دُونَ الْفَسْخِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ اخْتِيَارُهَا لِلْبَقَاءِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتِقَ
وَاحِدَةً مِنْ الْبَاقِيَاتِ ، ثُمَّ تُسْلِمُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، أَوْ يَصِيرُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ الْأَمَةُ وَتَخَلَّفَتْ الْحُرَّةُ أَيْ ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ انْتَهَى .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ الْمُسْلِمَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا مَوْجُودَةٌ فِي زَوْجَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ بَيْنُونَتُهَا وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَارَ أَمَةً ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ مَوْجُودَةً حَتَّى يَلْزَمَ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ ، وَحَقُّهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَازِمٌ ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْبَقَاءِ وَلَا يَخْتَارُ هُنَا لِلْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ قَدْ لَا يُسْلِمْنَ ، وَمِنْهَا لِلزَّوْجَةِ التَّصَرُّفُ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهَا عَلَيْهِ ، إلَّا بِالدُّخُولِ ، وَكَذَلِكَ لِلْمُؤَجِّرِ التَّصَرُّفُ فِي الْأُجْرَةِ الْمَقْبُوضَةِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا فِي الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ وَمَا وَقَعَ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ مِمَّا يَقْتَضِي ، خِلَافَهُ غَيْرُ مُسَاعِدٍ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ ، خِلَافًا لِمَنْ اعْتَمَدَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : إحْدَاهَا : لَوْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ تَحْتَ عَبْدٍ ، فَإِنْ فَسَخَتْ صَحَّ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّهَا .
الثَّانِيَةُ : الزَّوْجَةُ ، إذَا ارْتَدَّتْ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، قَطَعُوا بِهِ ، وَحَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إثْبَاتَ خِلَافٍ فِيهِ ، كَمَا سَبَقَ ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ زَوْجَتُهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا ، وَقَدْ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ قَوْلَيْنِ - عِنْدَ الْكَلَامِ
فِي مَسْأَلَةِ الْعَتِيقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ .
لَكِنَّ التَّخْرِيجَ قَدْ يُمْنَعُ ، وَالْفَرْقُ إنَّمَا جَاءَ الْخِلَافُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ ، وَأَنَّ التَّقْرِيرَ بِمَنْزِلَةِ ( ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ ) صَحِيحٌ قَطْعًا ، وَزَوَالُ الرِّدَّةِ لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ قَطُّ ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ ( يَجِئْ ) الْخِلَافُ ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ الْمَمْلُوكَةَ ، أَوْ الْمُزَوَّجَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَالضَّابِطُ ( لِهَذِهِ ) الصُّوَرِ أَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ ، إنْ كَانَ قَدْ بُنِيَ عَلَى أَمْرٍ ظَاهِرٍ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَا ( تَوَقُّفَ ) فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ ، كَمَنْ اشْتَرَى أَمَةً بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ ، فَلَهُ وَطْؤُهَا ، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ ظُهُورُهَا مُسْتَحَقَّةً ، أَوْ مَرْهُونَةً ، وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ الشُّهُودِ ، وَمَسْأَلَةُ الْوَلِيِّ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ وِلَايَتِهِ ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ الظَّاهِرَ ( سَبَبٌ ) أَقْوَى مِنْهُ ، كَمَسْأَلَةِ الْحُرَّةِ ( الْمُخْتَلِفَةِ ) مَعَ إسْلَامِ ( الْإِمَاءِ ) ، وَإِنْ كَانَ الْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يُعَارِضْهُ سَبَبٌ أَقْوَى مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ يُتَوَقَّعُ بِحَالَةٍ قَائِمَةٍ هِيَ سَبَبٌ لِذَلِكَ ( الْمُتَوَقَّعِ ) جَرَى الْخِلَافُ وَقَوِيَ جَانِبُ مَنْ بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَوَقَّعِ الْمَذْكُورِ ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْعَتِيقَةِ فِي الْمَرَضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْجُمْهُورِ .
التَّحْرِيمُ يَتَعَدَّدُ وَتَتَعَدَّدُ أَسْبَابُهُ فَإِنَّ الزِّنَى مُحَرَّمٌ ، فَلَوْ زَنَى بِأُمِّهِ كَانَ عِقَابُهُ أَعْظَمَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْقَرَابَةِ وَلِلزِّنَى ، فَلَوْ كَانَ فِي الْكَعْبَةِ كَانَ فِيهِ انْتِهَاكُ ثَلَاثِ حُرُمَاتٍ ، فَلَوْ كَانَ فِي زَمَانِ رَمَضَانَ كَانَ أَرْبَعًا ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ الْمُسْتَبْرِئَةُ مُحَرَّمَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ وَضَعْفِ الْمِلْكِ وَمِنْ جِهَةِ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَإِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الْمُسْتَنِدُ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَلِحَقِّ الْبَائِعِ بَقِيَ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَإِذَا ارْتَفَعَ إحْدَى الْحُرْمَتَيْنِ وَجَبَ ثُبُوتُ الْحِلِّ الْآنَ لِلْحُرْمَةِ الْمُرْتَفِعَةِ ، وَإِلَّا ارْتَفَعَ النَّقِيضَانِ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ تَوَهَّمَ التَّنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيْضِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ لَا يَكْفِي ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَقَوْلُهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ : إنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ إنْ جَعَلْنَا الْمِلْكَ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْحِلِّ وَيَلْزَمُ مِنْ الْحِلِّ الِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِبْرَاءِ ، وَلَيْسَ كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلِّ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْعِ هُوَ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى ضَعْفِ الْمِلْكِ ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ بَاقِيًا لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ ( ثَلَاثًا ) حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ( ثَلَاثًا ) ، فَإِذَا نَكَحَتْ غَيْرَهُ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِاعْتِبَارِ الطَّلَاقِ ، وَبَقِيَ التَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَقَطْ وَمِثْلُهُ الْجِلْدُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ أَيْ تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَتَبْقَى الْحُكْمِيَّةُ لَا تَطْهُرُ ، إلَّا بِالْغُسْلِ وَمِثْلُهُ وَطْءُ الْحَائِضِ مُحَرَّمٌ فَقَطْ لِغَايَتَيْنِ : الِانْقِطَاعِ وَالْغُسْلِ ، وَالْمُطَلَّقَةُ ( ثَلَاثًا ) تُحَرَّمُ لِغَايَتَيْنِ :
نِكَاحِهَا آخَرَ ، وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ( مِنْهُ ) .
التَّخْفِيفُ فِي الشَّرْعِ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : بِإِسْقَاطِ الْمَفْرُوضِ ، كَإِسْقَاطِ الْحَجِّ عَنْ الْفَقِيرِ وَالصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ .
الثَّانِي : ( بِالتَّنْقِيصِ ) : إمَّا بِالْأَصْلِ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ ، أَوْ مِنْ الْأَرْكَانِ كَالْإِيمَاءِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لِلْمَرِيضِ وَالرَّشِّ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ .
الثَّالِثُ : بِالْبَدَلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهَا وَمَسْحِ الْخُفِّ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالتَّيَمُّمِ عَنْ الْمَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ بَدَلًا عَنْ الْمَاءِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الصِّيَامِ بِالْفِدْيَةِ .
الرَّابِعُ : ( بِالتَّقْدِيمِ ) كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْحِنْثِ .
الْخَامِسُ : بِالتَّأْخِيرِ كَالْجَمْعِ وَالْإِفْطَارِ لِلْمَعْذُورِ ، وَخَوْفِ الِانْفِجَارِ لِلْمَيِّتِ ، وَالْخَوْفِ مِنْ فَوْتِ الْعِشَاءِ مَعَ فَوْتِ ( عَرَفَةَ ) ، وَقَدْ دَخَلَ التَّخْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ ، وَلَهُ سَبَبَانِ : السَّفَرُ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْجُمُعَةِ خَاصَّةً .
الثَّانِي : مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ : الْمَرَضُ ، الْخَوْفُ ، وَشِدَّةُ الْخَوْفِ .
الثَّالِثُ : مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُهَا لِلْجَمْعِ ، وَلَهُ سَبَبَانِ : السَّفَرُ وَالْمَطَرُ .
وَيَجِيءُ ثَالِثٌ عَلَى رَأْيٍ وَهُوَ الْمَرَضُ .
: الْأَوَّلُ : مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ ، وَرَضِيَ ؛ وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُطْعِمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا وَلَا أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، وَيَصُومَ شَهْرًا بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَجُوزُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةً وَيَكْسُوَ خَمْسَةً ، وَلَا يُجْزِي فِي الْفِطْرَةِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ صَاعٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ فَضَلَ صَاعٌ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَهُ وَلَدَانِ يُخْرِجُهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ ، وَلَا يُخْرِجُ نِصْفَ صَاعٍ عَنْ هَذَا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ عَنْ الْآخَرِ .
وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ ، فَلَوْ أَدَّى ثُلُثَ شَاةٍ ، وَأَطْعَمَ بِقَدْرِ ثُلُثِ شَاةٍ وَصَامَ الْبَاقِيَ مِنْهَا فَفِي الْبَحْرِ فِي بَابِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، قَالَ الْقَفَّالُ : فِيهِ وَجْهَانِ ( وَوَجْهُ ) الْجَوَازِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ الثُّلُثُ فِيهِ ابْتِدَاءً دُونَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ قَالَ : وَهَذَا أَقْيَسُ عِنْدِي ( وَأَشْبَهُ ) بِالْمَذْهَبِ ، وَفِي الْفُرُوقِ لِلشَّيْخِ ( أَبِي مُحَمَّدٍ ) ، لَوْ فَضَلَ فِي الْفِطْرَةِ عَنْ قُوتِ الرَّجُلِ بَعْضُ صَاعٍ لَزِمَهُ ؛ لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ تَبْعِيضِ الصَّاعِ ، كَمَا فِي مَالِكِي الْعَبْدِ ، فَإِنْ تَصَوَّرَ مِثْلَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَلْحَقْنَاهَا بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ بَعْضِهِ بِتَلَفِ الصَّيْدِ أَوْ جَرْحِهِ ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ صَيْدٍ جَازَ أَنْ يَحْصُلَ بَعْضُهُ مِنْ النَّعَمِ وَبَعْضُهُ مِنْ الطَّعَامِ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ : وَالشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالتَّرْكِ ، فَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً تَخَيَّرَ بَيْنَ رَدِّهِمَا ، أَوْ تَرْكِهِمَا ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ أَحَدِهِمَا وَتَرْكُ الْآخَرِ .
قَالَ : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ عَشْرَةً ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ : أُقِرُّ بِخَمْسَةٍ ، وَأَحْلِفُ بِخَمْسَةٍ ، لَهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ
قَالَ : أَنَا أَحْلِفُ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرُدُّ الْيَمِينَ فِي خَمْسَةٍ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .
وَالْفَرْقُ ، أَنَّهُ فِي ( الْأُولَى ) حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُدَّعِي فِي الْقَبْضِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُهُ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ ، خَيَّرَ الْمُتَوَضِّئَ بَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَغْسِلَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ، وَيَمْسَحَ عَلَى الْأُخْرَى لَمْ يُجْزِ ، جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ ، إذَا خَيَّرْنَاهُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ ، فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ ، كَمَا إذَا وَجَبَ الشَّعِيرُ وَأَخْرَجَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ ، وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ الْحِنْطَةِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ تَجْوِيزَهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الدَّافِعِ ، فَلَوْ تَعَدَّدَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُمَا عَبْدٌ وَهُمَا مُخْتَلِفَا الْقُوتِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قُوتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَعِّضْ مَا عَلَيْهِ ، وَطَرَدَ ابْنُ سُرَيْجٍ الْمَنْعَ ، وَقَالَ : الْمُخْرَجُ عَنْهُ وَاحِدٌ ، فَلَا يُبَعَّضُ وَاجِبُهُ ، وَمِثْلُهُ ، لَوْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ مَحْرُومُونَ ظَبْيَةً فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَاةٍ ، أَوْ صِيَامٍ ، أَوْ إطْعَامٍ ، فَلَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ شَاةٍ وَأَطْعَمَ الثَّانِي بِقِيمَةِ شَاةٍ ، وَصَامَ الْآخَرُ عَدْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ اتِّفَاقًا ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ مَمْنُوعٌ .
وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَجْهًا فِيمَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِنْ الضَّأْنِ وَآخَرَ عِشْرِينَ مِنْ الْمَعْزِ وَخَلَطَا ذَلِكَ حَتَّى وَجَبَتْ فِيهِمَا الزَّكَاةُ أَنَّ لِمَالِك الضَّأْنِ أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُ ، فَإِنْ قِيلَ : يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءٍ بَعْضُهُ عَذْبٌ وَبَعْضُهُ مِلْحٌ فَقَدْ جَازَ التَّبْعِيضُ فِي التَّخْيِيرِ ، قِيلَ الْكُلُّ مَاءٌ وَاحِدٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ
الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْإِطْلَاقُ فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْئَانِ وَيَجُوزُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَنْ يُتِمَّ إحْدَاهُمَا وَيُقْصِرَ الْأُخْرَى لِمَا ذَكَرْنَا وَأَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ ، وَلِهَذَا حَصَرَهُ ( الْجِيلِيُّ ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَوْنَ الْحَجَرِ نَجِسًا .
( تَنْبِيهَاتٌ ) .
: ( الْأَوَّلُ ) : احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا إلَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ عَنْ ( الْجُبْرَانِ ) فِي الزَّكَاةِ فَلَوْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَالْخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ لِدَافِعِهَا وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ خَيَّرَ بَيْنَ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَامْتَنَعَ التَّبْعِيضُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْآخِذَ وَرَضِيَ جَازَ ؛ لِأَنَّ لَهُ إسْقَاطَ حَقِّهِ كُلِّهِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ السَّاعِي ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْفُقَرَاءِ وَهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَهَذَا عَارِضٌ ، وَكَمَا لَوْ وَجَبَ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى جَمَاعَةٍ ، فَيَجُوزُ قَتْلُ الْجَمِيعِ أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْهُمْ ، فَلَوْ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَأَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ الْبَعْضِ جَازَ .
وَلَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ أَخَذَهُ وَقِيمَةَ الْبَاقِي .
نَعَمْ ، الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْإِرْقَاقِ وَالْمَنِّ ، فَلَوْ أَرَقَّ بَعْضَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ : رَقَّ كُلُّهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يُرَقُّ شَيْءٌ وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
( الثَّانِي ) : مَا جَازَ عَلَى الْبَدَلِ لَا يَدْخُلُهُ تَبْعِيضٌ فِيهِمَا أَيْضًا ؛ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَدَدِ : الْوَاجِبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَأَدَّى بِبَعْضِ الْأَصْلِ وَبَعْضِ الْبَدَلِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَكَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ ، أَمَّا فِي أَحَدِهِمَا فَنَعَمْ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْبَاقِي .
الثَّالِثُ ) : مَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ وَعَجَزَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ جُمْلَةً وَأَمْكَنَهُ الْإِتْيَانُ بِنِصْفَيْهِ مَعًا هَلْ يُجْزِيهِ ؟ ، نَنْظُرُ إنْ كَمَّلَ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ فِيمَا الشَّرْعُ مُتَشَوِّفٌ لِتَكْمِيلِهِ أَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْمُعْسِرُ نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَكَانَ بَاقِيهمَا حُرًّا أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ نِصْفَيْ شَاتَيْنِ وَقِيلَ : يَجُوزُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا لِلْفُقَرَاءِ حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ ( وَكَالتَّضْحِيَةِ بِنِصْفَيْ شَاتَيْنِ ) وَإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ صَاعًا مِنْ جِنْسَيْنِ .
( الْبَحْثُ الثَّانِي ) : مَا دَخَلَهُ التَّخْيِيرُ مِنْ الْحُقُوقِ إنْ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ كَانَتْ الْخِيَرَةُ لِلدَّافِعِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَمَا فِي الزَّكَاةِ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ وَكَمَا لَوْ غَصَبَ مِثْلِيًّا وَخَلَطَهُ فَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ ، وَقِيلَ : يَتَعَيَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ كَانَ الْخِيَارُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ كَمَا لَوْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ وَوَجَدَ الْفَرْضَيْنِ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ لِلشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَخْذُ الْأَغْبَطِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ تَخْيِيرَهُ كَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِكِ فَكَانَ التَّخْيِيرُ لِمُسْتَحِقِّهِ .
وَلَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ فَقَطْ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إلَى الْجَانِي وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُوَرٌ : ( أَحَدُهَا ) : الْعَيْنُ الْمُقْتَرَضَةُ إذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْمُقْتَرِضُ دَفْعَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يُجَابُ الْمَالِكُ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْقَرْضَ بِالْقَبْضِ وَيَثْبُتُ بَدَلُهُ فِي ( ذِمَّتِهِ ) .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ .
( الثَّالِثَةُ ) : لَوْ تَمَلَّكَ اللُّقَطَةَ ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ رُجُوعِهِ فِي عَيْنِهَا مَعَ أَنَّ بَدَلَهَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ التَّمَلُّكِ وَانْتَقَلَتْ الْعَيْنُ إلَى صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِ ظُهُورِهِ بَلْ حَقُّهُ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَنْ تَظْهَرَ الْعَيْنُ بِخُصُوصِهَا أَوْ بَدَلِهَا حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْمُلْتَقِطَ فَتَصِحُّ وَلَوْ تَعَيَّبَتْ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ التَّمَلُّكِ ، ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا وَطَلَبَ بَدَلَهَا سَلِيمًا ، وَأَرَادَ الْمُلْتَقِطُ
دَفْعَهَا مَعَ الْأَرْشِ فَإِنَّهُ يُجَابُ فِي الْأَصَحِّ .
( الْبَحْثُ الثَّالِثُ ) : مَا يُخَيَّرُ فِيهِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ قَدْ يَلْزَمَانِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَاهُمَا ، يُخَيَّرُ ، وَفِي الْأَصَحِّ فَمَا اخْتَارَهُ لَزِمَهُ ، فَلَوْ اخْتَارَ الطَّلَاقَ ثُمَّ الظِّهَارَ نَفَذَا كَمَا لَوْ قَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَلُقَتَا وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ اخْتَارَ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ رَجَعَ ، وَاخْتَارَ غَيْرَهَا أَوْ اخْتَارَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ فِي الْمِائَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَاخْتَارَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَوْ أَخَذَ مُحْتَمَلَ الْحَدَثَيْنِ بِالْوُضُوءِ ، ثُمَّ اخْتَارَ الْغُسْلَ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ هُوَ تَعْيِينُ إيقَاعٍ فَلَمْ يَقْبَلْ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ .
وَإِذَا اخْتَارَ الْمُمَيِّزُ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ دُفِعَ إلَيْهِ فَلَوْ اخْتَارَ الْآخَرَ حُوِّلَ إلَيْهِ ، وَلَوْ اخْتَارَ الدِّيَةَ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوُجِّهَتْ الدِّيَةُ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَوْ قَالَ : اخْتَرْت الْقِصَاصَ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّيَةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ أَمْ لَا كَعَكْسِهِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي قَالَ الْبَغَوِيّ .
( الرَّابِعُ ) : مَنْ ثَبَتَ لَهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ حَقَّيْنِ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا سَقَطَ الْآخَرُ ، وَإِنْ أَسْقَطَ أَحَدَهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي امْتِنَاعِهِ ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِهِ تُرِكَ ، وَإِنْ كَانَ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمَ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ إنْ كَانَ مَالِيًّا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيٍّ أُلْزِمَ بِالِاخْتِيَارِ وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ : ( وَمِنْهَا ) لَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ ، وَقُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَعَيَّنَ لَهُ الْمَالُ ، وَلَوْ عَفَا عَنْ الْمَالِ ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ ، وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ إذْ لَا ضَرَر عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ ، وَإِذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ مَعِيبًا ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ ، دَلَّ عَلَى الرِّضَا ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إمَّا الرَّدُّ ، وَإِمَّا الْأَرْشُ ، فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا لَا يُسْقِطُ الْآخَرَ ، ( وَمِنْهَا ) : إذَا أَتَاهُ الْمَدْيُون بِالدَّيْنِ ، وَلَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ أُمِرَ بِقَبْضِهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ وَبَرِئَ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يُحْيِهِ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَهُ ( عَنْهُ ) قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ : أَحْيِ أَوْ اُتْرُكْ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ أَبَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْمُدَّةِ أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ( وَمِنْهَا ) : لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ فَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَجُعِلَ مُقِرًّا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ مِنْ الْإِقْرَارِ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْبَدَلِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْأَصْلِ .
( الْخَامِسُ ) : إنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ كَوَاجِبَيْنِ أَوْ مَنْدُوبَيْنِ ، لَا بَيْنَ مُبَاحٍ وَحَرَامٍ ، وَأَوْرَدَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَيْنَ مُبَاحَيْنِ ، فَإِنَّ الْخَمْرَ إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَبِأَنَّ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ وَلَا تَكْلِيفَ فِيهَا وَبِذَلِكَ أُجِيبَ أَيْضًا عَنْ احْتِجَاجِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَدْرِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ أَوَّلَ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ وَالْحُضُورِ وَالْخَمْرَ بِالْغَيْبَةِ ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ فِي تَحْرِيمِ مَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَهَدَ وَاخْتَارَ الصَّوَابَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ .
السَّادِسُ : مَا لَهُ فِعْلُهُ ، إذَا فَعَلَهُ وَاحْتَمَلَهُ وَاحْتَمَلَ غَيْرَهُ رَجَعَ إلَى بَيَانِهِ وَيُخَيَّرُ فِي الصَّرْفِ إلَى مَا أَرَادَ كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ أَدَاءِ الْأَلْفِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ أَنَّ لَهُ صَرْفَهُ إلَى مَا أَرَادَ ، وَكَذَا فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُطْلَقًا لَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ أَوْ إلَيْهِمَا ، وَلَوْ قَالَ : عَفَوْت عَنْك وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا وَلَا دِيَةً ، أَوْ قَالَ : عَفَوْت عَنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ وَيُحْكَمُ بِسُقُوطِهِ ، وَالْأَصَحُّ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ لَزِمَ ، فَلَوْ قَالَ : لَمْ يَكُنْ لِي نِيَّةٌ فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يُحْمَلُ عَلَى الْقِصَاصِ ، وَأَصَحُّهُمَا يُقَالُ لَهُ : اصْرِفْ الْآنَ إلَى مَا شِئْت مِنْهُمَا .
مِنْهَا ، إذَا أَوْصَى لِدَابَّةٍ ، وَشَرَطَ الصَّرْفَ فِي عَلَفِهَا صُرِفَ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ رِعَايَةً لِغَرَضِ الْمُوصِي يَتَوَلَّاهُ الْمُوصَى لَهُ ، ثُمَّ الْقَاضِي وَنَائِبُهُ ، قَالَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ : وَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ ، بَلْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ .
وَمِنْهَا ، إذَا أَوْصَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ عَيْنٍ بِأَنْ قَالَ : ادْفَعُوا إلَيْهِ هَذَا الْعَبْدَ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إمْسَاكُهُ ؛ لِأَنَّ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَغْرَاضًا ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَيْنُ مَالِهِ مِنْ فُلَانٍ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَوْ قَالَ : بِعْهُ وَاقْضِ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ إمْسَاكٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَطْيَبَ وَأَبْعَدَ عَنْ الشُّبُهَاتِ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّوَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ .
وَمِنْهَا ، إذَا دَفَعَ إلَى شَخْصٍ شَيْئًا ، وَقَالَ : اشْتَرِ لَك بِهِ عِمَامَةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ نَعْلًا مَثَلًا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ ، أَوْ لَهُ صَرْفُهُ فِيمَا شَاءَ ، أَوْ تَفْسُدُ الْهِبَةُ أَوْ إنْ رَآهُ مُحْتَاجًا إلَى مَا سَمَّاهُ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلَيْهِ ، وَإِلَّا وُجُوهٌ أَصَحُّهَا آخِرُهَا وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَلَى نَقْلِ الْآخَرِ عَنْ الْقَفَّالِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إنْ قَصَدَ تَحْقِيقَ الشِّرَاءِ فَسَدَتْ الْعَطِيَّةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَهَبْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ كَذَا ، وَإِنْ قَصَدَ رَفْعَ الْحِشْمَةِ وَالْإِرْشَادِ إلَى الْأَصْلَحِ وَنَحْوِهَا فَلَا .
وَمِنْهَا ، إذَا دَفَعَ إلَى الشَّاهِدِ أُجْرَةَ مَرْكُوبِهِ وَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ .
وَمِنْهَا سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ عَمَّنْ مَاتَ أَبُوهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ إنْسَانٌ ثَوْبًا لِيُكَفِّنَّهُ فِيهِ ، هَلْ يَمْلِكُهُ حَتَّى يُمْسِكَهُ وَيُكَفِّنَهُ فِي غَيْرِهِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يَتَبَرَّكُ بِتَكْفِينِهِ لِفِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ ، فَلَا وَلَوْ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ انْتَهَى وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِصُورَةِ الْمُتَبَرِّكِ بِهِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّ قَصْدَ الدَّافِعِ الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا التَّبَرُّعُ عَلَى الْوَارِثِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَفِي وَصَايَا الْوَسِيطِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ لِلْوَارِثِ إبْدَالَهُ ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَمُرَادُهُ عَارِيَّةٌ لَازِمَةٌ ، كَالْإِعَارَةِ لِلدَّفْنِ .
وَمِنْهَا ، إذَا ضَمِنَ شَخْصٌ دَيْنَهُ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ ، هَلْ يَتَعَيَّنُ الضَّمَانُ ، وَإِنْ كَانَ وَضْعُ الضَّمَانِ الْإِطْلَاقَ .
( إحْدَاهَا ) : لَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْإِقْبَاضِ جُنُونٌ ، هَلْ يَكُونُ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ ، فَهَلْ يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا قَضَاهَا فِي سَفَرٍ غَيْرِ ذَلِكَ السَّفَرِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
الثَّالِثَةُ ) : لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى فَقِيرٍ فَاسْتَغْنَى ، ثُمَّ افْتَقَرَ آخِرَ الْحَوْلِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْغَرَضِ فِي الْأَصَحِّ .
( الرَّابِعَةُ ) : لَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالْجِرَاحَةِ وَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ .
( الْخَامِسَةُ ) : لَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ ، لِتَخَلُّلِ الْهَدَرِ وَقِيلَ : يَجِبُ كَالْكَفَّارَةِ وَقِيلَ : إنْ قَصُرَ زَمَنُ الرِّدَّةِ وَجَبَ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَسْرِي فِيهِ غَالِبًا فَصَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَرَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ، أَمَّا الدِّيَةُ فَتَجِبُ كُلُّهَا لِوُقُوعِ ، الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ فِي حَالَتَيْ الْعِصْمَةِ ، وَالثَّانِي ثُلُثَاهَا ، وَالثَّالِثُ نِصْفُهَا .
وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَ النَّجْشُ وَالتَّصْرِيَةُ ، وَأَنْ يَبِيعَ عَيْنًا يَعْرِفُ بِهَا عَيْبًا وَلَا يُبَيِّنُهُ أَوْ تَتَزَوَّجَ وَبِهَا عَيْبٌ يَثْبُتُ الْخِيَارُ ، وَلَا تُبَيِّنُهُ ، وَحَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَلِيَّةِ وَصْلُ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ طَاهِرٍ ؛ لِكَثْرَةِ رَغْبَةِ الرِّجَالِ فِي الشَّعْرِ ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الشَّبِيبَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } ، بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجَةِ ، إذَا وَصَلَتْ لِلتَّزْيِينِ وَمِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَوْ وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِوَبَرٍ أَوْ بِرِيشٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ شَعْرِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا خَدِيعَةَ فِيهِ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي ، إذَا كَانَ ظَاهِرًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغُرُورُ ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُنْتَقِبَةً يُنْظَرُ إلَى رَأْسِهَا وَيُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ ذَلِكَ بِالْمَوْصُولِ ، فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ خِضَابُ اللِّحْيَةِ بِالسَّوَادِ حَرَامٌ ، وَاسْتَثْنَى الْمَاوَرْدِيُّ ( الْمُجَاهِدَ ) إرْهَابًا لِلْكُفَّارِ ، وَمَنْ نَتَفَ شَعْرَ اللِّحْيَةِ أَيْضًا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ .
أَحَدُهَا الْعِبَادَاتُ وَهِيَ قِسْمَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ فِي وَاجِبٍ ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ ، وَمَقْصُودُهُمَا مُخْتَلِفٌ ، فَلَا تَدَاخُلَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : طَوَافُ الْوَدَاعِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى ، ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ لِلْوَدَاعِ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ تَدَاخُلٌ كَغُسْلِ الْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ ، فَإِذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ كَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ .
وَمِثْلُهُ الْمُحْدِثُ بِعُضْوِهِ نَجَاسَةً تَزُولُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ تَكْفِي فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ ، وَقَدْ يَجِبُ الْأَصْغَرُ ثُمَّ الْأَكْبَرُ ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَيَكْفِي الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَفِيهِ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِالتَّدَاخُلِ لِشِدَّةِ الْعِلَاقَةِ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ ، وَلَوْ جَامَعَ بِلَا حَائِلٍ ، فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ غَيْرَ الْجَنَابَةِ ، وَاللَّمْسُ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ يَصِيرُ مَغْمُورًا بِهِ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الْإِنْزَالُ ، وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بِالْجِمَاعِ يَحْصُلُ الْحَدَثَانِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ يَسْبِقُ حَقِيقَةَ الْجِمَاعِ ، بِخِلَافِ الْخُرُوجِ ، فَإِنَّهُ مَعَ الْإِنْزَالِ .
وَثَانِيهِمَا : أَنْ يَكُونَ فِي مَسْنُونٍ فَيُنْظَرُ : إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ دَخَلَ تَحْتَ الْفَرْضِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ ، وَالْإِحْرَامِ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ ؛ لِدُخُولِ مَكَّةَ مَعَ حَجِّ الْفَرْضِ ، وَإِذَا قُلْنَا : إنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ سُنَّةٌ ، فَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً بَعْدَ الطَّوَافِ حُسِبَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، اعْتِبَارًا بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى احْتِمَالٍ فِيهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّهُ شَاذٌّ وَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ .
وَلَوْ طَافَ الْقَادِمُ مَكَّةَ عَنْ الْفَرْضِ أَوْ النَّذْرِ دَخَلَ طَوَافُ الْقُدُومِ فِيهِ ، وَمِنْهُ جُبْرَانَاتُ الصَّلَاةِ تَتَدَاخَلُ ، فَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ تَعَدَّدَ سَجْدَتَانِ ، بِخِلَافِ جُبْرَانَاتِ الْإِحْرَامِ فَلَا تَتَدَاخَلُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ جَبْرُ النُّسُكِ ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ ، إلَّا بِالتَّعَدُّدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُولِ لَمْ يَدْخُلْ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَوَجَدَهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً صَلَّاهَا وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ أَعْنِي الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تَحْصُلُ بِفِعْلِ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ وَصَلَّى بَعْدَهُ فَرِيضَةً كَفَتْ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ نَصَّ عَلَيْهِ .
الثَّانِي الْعُقُوبَاتُ : فَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، تَدَاخَلَتْ ، كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الزِّنَى وَهُوَ بِكْرٌ يُحَدُّ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ مِرَارًا ، وَهَلْ يُقَالُ : يَجِبُ لَهَا حُدُودٌ ثُمَّ يَعُودُ إلَى حَدٍّ وَاحِدٍ ، أَمْ لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَتُجْعَلُ الزَّنَيَاتُ كَالْحَرَكَاتِ فِي زَنْيَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ ذَكَرُوا فِيهِ احْتِمَالَيْنِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ ، ثُمَّ زَنَى وَهُوَ ثَيِّبٌ دَخَلَ حَدُّ الْبِكْرِ فِي حَدِّ الثَّيِّبِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمَ الْمَالِكِ وَإِعَادَةَ الْحِرْزِ ، فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى .
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ ، كَأَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ وَشَرِبَ ، وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ قُدِّمَ الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ فَيُقَدَّمُ الشُّرْبُ ، ثُمَّ يُمْهَلُ حَتَّى يَبْرَأَ ، ثُمَّ يُجْلَدُ الزَّانِي وَيُمْهَلُ ، ثُمَّ يُقْطَعُ ، ثُمَّ يُقْتَلُ ، وَهَكَذَا الْكَفَّارَاتُ وَالْغَرَامَاتُ ، فَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِرَارًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَعَلَى أَصْلِ الْحَنَابِلَةِ ، تَعَدَّدَ الْمُوجِبُ وَتَدَاخَلَ مُوجَبُهُ ، وَعَلَى رَأْيِ الْأَكْثَرِينَ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ فَسَدَ حَجُّهُ بِالْجِمَاعِ ، فَجَامَعَ نَاسِيًا قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَلَا تَدَاخُلَ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِمُصَادَفَتِهِ إحْرَامًا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ ، فَوَجَبَ بِهِ ، كَالْأَوَّلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِفْسَادِ خَرَجَ مِنْهُ ، وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ بِالْأَوَّلِ فِدْيَةٌ وَبِالثَّانِي شَاةٌ .
وَلَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ عَمْدًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ ، فَلَوْ جَامَعَ فَهَلْ تَدْخُلُ الشَّاةُ فِي الْفِدْيَةِ أَمْ تَجِبَانِ مَعًا ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْأَوَّلُ ، وَبَنَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْمُحْدِثَ ، إذَا أَجْنَبَ هَلْ يَنْدَرِجُ الْحَدَثُ فِي الْجَنَابَةِ وَيَكْفِيهِ الْغُسْلُ .
وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا ، فَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ لُزُومَ فَدِيَتَيْنِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ .
وَلَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ ، أَوْ لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى التَّوَالِي لَمْ تَتَعَدَّدْ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ تَخَلَّلَ فَصْلٌ أَوْ فَعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ التَّكْفِيرَ ، وَجَبَ لِلثَّانِي فَدِيَةٌ أُخْرَى عَلَى الْجَدِيدِ ، وَإِنْ تَخَلَّلَ تَعَدَّدَتْ بِلَا خِلَافٍ ، فَإِنْ كَانَ نَوَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ مَعًا بَنَى عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمَحْذُورِ إنْ مَنَعْنَا ، فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ .
وَلَوْ لَبِسَ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ الْمُطَيَّبَ ، لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ لِلُّبْسِ دُونَ الطِّيبِ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ .
الثَّالِثُ : الْإِتْلَافَاتُ .
فَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي ( الْحَرَمِ ) لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ، وَتَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَالْقَارِنِ ، إذَا قَتَلَ صَيْدًا لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .
، وَلَوْ كَشَطَ الْمُحْرِمُ جِلْدَةَ الرَّأْسِ ، فَلَا فَدِيَةَ وَالشَّعْرُ تَابِعٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَشَبَّهُوهُ بِمَا لَوْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الزَّوْجَةِ يَجِبُ الْمَهْرُ ، وَلَوْ قَبَّلَهَا لَمْ يَجِبْ .
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَضُرُوبٌ : الْأَوَّلُ : جِنَايَةُ الْوَطْءِ تَتَكَرَّرُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، يَجِبُ مَهْرٌ فِي أَعْلَى الْأَحْوَالِ ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ وَاحِدَةٌ شَامِلَةٌ لِلْجَمِيعِ .
وَعَنْ الْمُزَنِيِّ الْقِيَاسُ أَنَّ عَلَيْهِ لِكُلٍّ وَطْءٍ مَهْرًا وَرَدَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا } ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ وَطْءِ الْمَرَّةِ وَمِرَارًا ، وَفِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ قَبْلَ الْوَطْءِ الثَّانِي ، فَيَجِبُ مَهْرٌ جَدِيدٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَسَبَقَ نَظِيرَهُ فِي تَطَيُّبِ الْمُحْرِمِ ، أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ بِأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، ثُمَّ انْكَشَفَ الْحَالُ ، ثُمَّ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ ، أَوْ أَمَتَهُ ثَانِيًا ، وَوَطِئَهَا تَعَدَّدَ الْمَهْرُ ؛ لِتَعَدُّدِ سَبَبِهِ .
وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ ، أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى الزِّنَى ، وَجَبَ بِكُلِّ وَطْءٍ مَهْرٌ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُنَا بِالْإِتْلَافِ ، وَقَدْ تَعَدَّدَ ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ أَبِيهِ تَرَدُّدًا فِي التَّعَدُّدِ فِيمَا إذَا أَكْرَهَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، وَقِيلَ بِالْمَهْرِ ، قَالَ : وَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ ، وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّعَدُّدِ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْمَهْرِ إتْلَافُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ .
، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ اتِّحَادِ الْمَهْرِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ ( إذَا كَانَ الْحَالُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لَا مَهْرَ مَعَهُ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ عَدَمِهَا يَجِبُ الْمَهْرُ ) مُتَعَدِّدًا ، فَالْحَالُ مُسْتَمِرٌّ ، وَلَا أَثَرَ لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ مِرَارًا عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ ، فَإِنَّ الشُّبْهَةَ مُتَّحِدَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْغَصْبِ ، بِأَنَّهُ يَتَعَدَّدُ الْمَهْرُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَتَّحِدُ عِنْدَ اتِّحَادِ الشُّبْهَةِ ، إذَا كَانَتْ الشُّبْهَةُ هِيَ الْمُوجِبَةَ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَهْرُ يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِهَا ، فَلَا أَثَرَ لَهَا فِي الِاتِّحَادِ ، وَقَالَ : إنَّ هَذَا مِمَّا يَقْضِي الْفَقِيهُ فِيهِ بِالْعَجَبِ انْتَهَى .
وَحَيْثُ وَجَبَ الْمَهْرُ ، فَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا ، هَلْ يَدْخُلُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ فِيهِ ، أَمْ يُفْرَدُ ؟ فِيهِ اضْطِرَابٌ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْغَصْبِ وَالْجِرَاحِ ، فَرَجَّحُوا فِي الْجِرَاحِ مَهْرَ مِثْلٍ ثَيِّبٍ وَأَرْشَ بَكَارَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَالْأَرْشَ ؛ " لِإِزَالَةِ " الْجَلْدِ ، وَالْجِهَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، فَيَنْفَرِدُ مُوجِبُ كُلٍّ ، وَقِيلَ : مَهْرٌ يَثْبُتُ فَقَطْ لِحُصُولِ إزَالَةِ الْجَلْدِ ضِمْنًا ، وَرَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ ضَمَانِ النَّقْصِ ، وَقِيلَ : مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ ، وَبِهِ أَجَابَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَفِي النِّهَايَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : يَغْرَمُ مَهْرَ مِثْلِ الْبِكْرِ وَأَرْشَ الْبَكَارَةِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَهَذَا مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْعِيفًا لِلْغُرْمِ .
الثَّانِي : الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ وَتَتَدَاخَلُ فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) : دُخُولُ دِيَةِ الْأَطْرَافِ وَاللَّطَائِفِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ ، إذَا سَرَتْ الْجِرَاحَةُ فَتَجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .
الثَّانِيَةُ : قَطْعُ أَجْفَانِ شَخْصٍ وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَهْدَابِ فِي الدِّيَةِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ أَوْضَحَهُ فَزَالَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمُوضِحَةِ دَخَلَ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ الْوَجْهَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
الرَّابِعَةُ : قَلْعُ السِّنِّ مَعَ السِّنْخِ ، لَا تَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْشِ السِّنِّ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ السِّنْخِ فِيهِ ، وَقِيلَ : وَجْهَانِ .
الْخَامِسَةُ : قَطْعُ يَدِهِ ، لَا يُوجِبُ فِي الشَّعْرِ حُكُومَةً .
السَّادِسَةُ : تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْأَظْفَارِ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ .
السَّابِعَةُ : تَدْخُلُ حُكُومَةُ الْكَفَّيْنِ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَدَاخُلَ فِيهَا مِنْهَا ، لَوْ اسْتَأْصَلَ أُذُنَهُ ، وَأَوْضَحَ مَعَ ذَلِكَ الْعَظْمَ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي دِيَةِ الْأُذُنَيْنِ ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْأُذُنِ مُقَدَّرٌ ، فَلَا يَتْبَعُ مُقَدَّرًا .
وَمِنْهَا ، لَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ ، فَلَوْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا وَفِي قَوْلٍ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ .
الثَّالِثُ : فِي ( الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِرْضِ ) ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًى فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًى آخَرَ فَفِي حَدِّهِ ثَانِيًا وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللِّعَانِ الْمَنْعُ ، بَلْ يُعَزَّرُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَذِبُهُ فِي حَقِّهِ مَرَّةً بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِهِ ثَانِيًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ ، الْحَدَّ فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ ، كَمَا لَوْ زَنَى مَرَّاتٍ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ .
الرَّابِعُ : الْعِدَّتَانِ ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّدَاخُلِ فِيهِمَا هَلْ هُوَ سُقُوطُ الْأَوَّلِ وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّانِي ، أَوْ انْضِمَامُ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي فَيُؤَدَّيَانِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَجْهَانِ فِي ( الْكَافِي ) وَغَيْرِهِ ، وَالْخِلَافُ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَأَحْبَلَهَا ، فَعِدَّتُهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَهَلْ تَدْخُلُ فِيهِ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَتَدَاخَلُ فَهَلْ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ : إنَّمَا يَجِبُ فِي أَحَدِ مَوْضِعَيْنِ إمَّا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كَالْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَكَالْجِمَارِ الثَّلَاثِ .
قُلْت : وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، وَأَمَّا فِيمَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهِ فَيَصِيرُ كَالْمُخْتَلِفِ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ فِيهِ ، وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ، إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ وَقُلْنَا : يَتَدَارَكُ ، لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الْيَوْمَيْنِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ وَتَعْيِينَ النِّيَّةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وُجُوبُهُ ، كَمَا يَجِبُ فِي التَّرْتِيبِ فِي مَكَانِ الرَّمْيِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ : إنَّمَا يَظْهَرُ التَّرْتِيبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَحَلِّ وَتَعَدُّدِهِ كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، فَإِنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ وَلَمْ يَتَعَدَّدْ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ مَعَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، إذَا غُسِلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَبْعَاضِهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ تَسْتَوِي فِيهِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَالسُّجُودُ الْوَاحِدُ ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّرْتِيبِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ظَهَرَ ، فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ الشَّوْطُ الْوَاحِدُ مِنْ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُ التَّرْتِيبِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ يَشْتَمِلُ عَلَى خُطُوَاتٍ وَحَرَكَاتٍ وَانْتِقَالَاتٍ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ الْبَابِ وَيَجْعَلَ الْكَعْبَةَ عَنْ يَسَارِهِ ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَجَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَابْتَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ صَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ فِي الْوُضُوءِ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَنَزَّلَ الشَّوْطَ الْوَاحِدَ جَمِيعَهُ مَنْزِلَةَ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ .
فَأَمَّا الشَّوْطُ
الثَّانِي فَهُوَ تَكْرِيرُ شَوْطٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الشَّوْطِ وَالشَّوْطِ ، وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّوْطِ الْوَاحِدِ ، وَمِثْلُهُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ انْتَهَى ، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ ، إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا فِي حُكْمِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ لَمْ يَجِبْ ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَالْوَاحِدِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ مَاسِحَ الْخُفِّ ، لَوْ نَزَعَ أَحَدَهُمَا بَطَلَتْ طَهَارَةُ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا وَصَارَ كَأَنَّهُ نَزَعَهُمَا ، وَلَوْ غَسَلَ إحْدَاهُمَا وَمَسَحَ عَلَى خُفِّ الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ تَبْعِيضُهَا كَمَا لَا تَتَبَعَّضُ الْقَدَمُ الْوَاحِدَةُ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ التَّرْتِيبُ : إنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ فَرُكْنٌ قَطْعًا كَالتَّرْتِيبِ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْوَقْتِ ، فَكَذَلِكَ إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِنْ خَرَجَ سَقَطَ ، كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ يُسْتَحَبُّ التَّرْتِيبُ فِيهَا ، وَلَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ .
نَعَمْ ، لَوْ أَخَّرَ الظُّهْرَ بِسَبَبٍ يَجُوزُ الْجَمْعُ ، قُلْنَا : وَجْهٌ إنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ ( وَالصَّحِيحُ ) خِلَافُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : التَّرْتِيبُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ ؛ وَلِهَذَا إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي قَضَائِهَا ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مُنْفَصِلَةٌ ، وَإِنَّمَا تَرْتِيبٌ فِي الْأَدَاءِ لِتَرْتِيبِ أَوْقَاتِهَا ، فَإِذَا فَاتَتْ الْأَوْقَاتُ جُعِلَتْ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .
سُؤَالٌ : لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي النِّصْفَ الثَّانِيَ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْأَوَّلَ عَلَى قَصْدِ التَّكْمِيلِ لَا يَصِحُّ ، فَلَوْ عَادَ وَقَرَأَ الثَّانِيَ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْمِيلِ يُنَافِي قَصْدَ الِابْتِدَاءِ ، وَقَالُوا فِي بَابِ الطَّوَافِ : ( إنَّ ) الْبُدَاءَةَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ( شَرْطٌ ) ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِهِ لَمْ يُحْسَبْ ، ( فَإِذَا ) عَادَ ثَانِيًا حُسِبَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْفَاتِحَةِ قَصْدَ التَّكْمِيلِ صَارِفٌ ( لِجَعْلِهِ ) مُبْتَدَأً ؛ فَلِهَذَا لَمْ ( نَجْعَلْهُ ) ابْتِدَاءً بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَرَّةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَكْمِيلَ شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ( بِهِ ) الْبُدَاةَ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْبُدَاءَةِ فَجَازَ الْإِتْمَامُ لَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُ الِابْتِدَاءِ بَعْدَ قَصْدِ التَّكْمِيلِ مُوجِبًا ، لِجَعْلِهِ مُبْتَدَأً ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ ، فَإِنَّ ( الْمُوَالَاةَ ) لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ فَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ سَابِقًا لَا يُنَافِي الْمَأْتِيَّ بِهِ آخِرًا ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ مَا لَوْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَفِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ فِي الْأَصْلِ وَغَلِطَ ، بَلْ ( يُحْسَبُ ) لَهُ غَسْلُ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حُسْبَانِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَالْأَصَحُّ لَا يُحْسَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ ( السُّنَنِ ) شَرْطٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ( وَلِكَلَامِ الرَّوْضَةِ ) مَحْمَلٌ صَحِيحٌ بَيَّنْتُهُ فِي الْخَادِمِ .
فِي قَوْلِهِ : اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ دَخَلَ فِي مِلْكِ السَّائِلِ وَعَتَقَ عَلَيْهِ ، وَفِيمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ( فَطَلَّقَهَا ) قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَةً وَقَعَتْ الْمُنَجَّزَةُ وَلَمْ تَقَعْ الْمُعَلَّقَةُ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : ( وَكَذَلِكَ ) نَصَّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَلَى أَنَّهُ ، لَوْ خَالَعَهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْخُلْعِ فَلَا يَلْحَقُ الْمُعَلَّقُ ، وَقَدْ ظَنَّ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَزَاءَ مُرَتَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ ( وَيَقَعُ بَعْدَهُ ) ( وَلَا يَقَعُ مَعَهُ ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ مَعَهُ ( لَوَقَعَ ) قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْجَزَاءَ مَعَ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ بِالْوَضْعِ ، ( وَالْعِلَّةُ مَعَ الْمَعْلُولِ ) ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ( تَرْتِيبٌ ) عَقْلِيٌّ .
أَحَدُهَا : مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ ، وَذَلِكَ مَا الْمَقْصُودُ ( مِنْهُ ) الْإِعْجَازُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ فَيَمْتَنِعُ تَرْجَمَتُهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى ، بَلْ يُعَدَّلُ لِلذِّكْرِ وَهُوَ إجْمَاعٌ ، وَمَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) مِنْ تَجْوِيزِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ صَحَّ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، وَمِثْلُهُ الدُّعَاءُ غَيْرُ الْمَأْثُورِ ، إذَا اخْتَرَعَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْعَجَمِيَّةِ فَيَمْتَنِعُ ( قَطْعًا ) ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ .
الثَّانِي : مَا يَجُوزُ قَطْعًا لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالْبَيْعِ وَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهَا ، نَعَمْ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجَمَةِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ ، هَلْ هُوَ صَرِيحٌ ، وَالْأَصَحُّ : نَعَمْ .
الثَّالِثُ : مَا يَمْتَنِعُ ( فِي ) الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ دُونَ الْعَاجِزِ ، كَالْأَذَانِ وَتَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ وَالتَّشَهُّدِ يَصِحُّ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ ، ( وَإِنْ ) أَحْسَنَهَا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ ( وَكَذَلِكَ ) الْأَذْكَارُ الْمَنْدُوبَةُ وَالْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ ( يُشْتَرَطُ ) عَرَبِيَّتُهَا فِي الْأَصَحِّ ، ( فَإِنْ ) لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُهَا خَطَبَ بِغَيْرِهَا وَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخُطْبَةَ الْعَرَبِيَّةَ كَالْعَاجِزِ عَنْ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ .
الرَّابِعُ : مَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ كَالنِّكَاحِ ( وَالرَّجْعَةِ ) وَاللِّعَانِ وَكَذَا الْإِسْلَامُ وَفِي بَابِ الظِّهَارِ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ ( وَجْهٌ ) أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَرَبِيَّةُ لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا وَحَيْثُ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ فَمَحَلُّهُ ، إذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَفْظَ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْهُ ، لَكِنْ أَخْبَرَهُ ( بِهِ ثِقَةٌ ) عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ ، فَإِنْ كَانَ لِإِعْجَازِهِ امْتَنَعَ قَطْعًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ امْتَنَعَ لِلْقَادِرِ كَالْأَذْكَارِ ، وَمَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ فَجَائِزٌ .
أَحَدُهَا : مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ قِيَامُ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ ، وَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ التَّعَبُّدِيَّةِ وَكَقَوْلِ الْقَاضِي : قُلْ بِاَللَّهِ فَقَالَ بِالرَّحْمَنِ ، لَا يَقَعُ الْمُوقَعُ حَتَّى لَوْ صَمَّمَ عَلَيْهِ كَانَ ، نَاكِلًا ، وَلَوْ أَبْدَلَ الْحَرْفَ فَقَالَ ( قُلْ ) : بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ ( أَوْ تَاللَّهِ ) فَفِي الْحُكْمِ بِنُكُولِهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِلَفْظِ طَلَّقْت ، فَقَالَ : سَرَّحْت وَقَعَ الطَّلَاقُ .
الثَّانِي : مَا يَمْتَنِعُ فِي الْأَصَحِّ ، كَقَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ : أَعْلَمُ ، مَوْضِعَ أَشْهَدُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهَذَا الْخِلَافُ ( جَارٍ ) فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعِنْدَ شُهُودِ الْفَرْعِ وَشُهُودِ الْأَصْلِ .
قُلْت : ( وَكَذَا ) فِي اللِّعَانِ تَبْدِيلُ أَشْهَدُ بِأَحْلِفُ .
الثَّالِثُ : مَا يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي قِيَامِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ فِي التَّرَاكِيبِ ، وَمِنْهُ قَالَتْ : طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ : خَالَعْتُكِ أَوْ أَبَنْتُك وَنَحْوَهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَنَوَى الطَّلَاقَ صَحَّ الْخُلْعُ وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا ( سَأَلَتْهُ ) بِالصَّرِيحِ وَأَجَابَ بِالْكِنَايَةِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَهَا شَبَهٌ ( بِمَا ) لَوْ قَالَ لَهَا : طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ : اخْتَرْت وَنَوَتْ ، وَلَوْ قَالَتْ : اخْتَلَعَنِي ، فَقَالَ : طَلَّقْتُك ، وَقُلْنَا : الْخُلْعُ فَسْخٌ ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَا طَلَبَتْ وَزِيَادَةً ، وَقِيلَ : لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى غَيْرِ مَا طَلَبَتْ .
وَمِنْ ثَمَّ ، لَوْ تَرَكَ الْوَلِيُّ عَلَفَ دَابَّةِ الصَّبِيِّ حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ تَلْقِيحَ الثِّمَارِ ، وَلَوْ تَرَكَ مَرَمَّةَ الْعَقَارِ حَتَّى خَرِبَ ، أَوْ ( إيجَارُهٌ ) فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَجْهَيْنِ فِيمَا ، إذَا تَرَكَ مَا خَالَعَ السَّفِيهَ عَلَيْهِ بِيَدِهِ حَتَّى تَلِفَ وَالْعَامِلُ فِي ( الْمُزَارَعَةِ ) الصَّحِيحَةِ ، لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ السَّقْيِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ عَلَيْهِ حِفْظُهُ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ .
تَوَارُدُ الْحُقُوقِ ، وَازْدِحَامُهَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ .
أَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ جَمِيعَ الْحَقِّ فَيَتَزَاحَمُونَ بِهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ ، وَأَمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِّ ( بِحِصَّتِهِ ) خَاصَّةً ، وَالْأَوَّلُ تَزَاحَمَ فِي ( الْمَصْرِفِ ) .
وَالثَّانِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَيَنْقَسِمَانِ بِاعْتِبَارِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : أَنْ يَكُونَ التَّزَاحُمُ فِي ( الْمَصْرِفِ ) لَا فِي الْمُسْتَحَقِّ قَطْعًا كَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَى الْمُفْلِسِ الْحَيِّ أَوْ الْمَيِّتِ فَمَنْ لَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ سِتَّةُ آلَافٍ لِوَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ ، وَلِآخَرَ أَلْفَانٍ وَلِآخَرَ أَلْفٌ ( يُوَزَّعُ عَلَيْهِ ) فِي ( الْمَصْرِفِ ) فَلِصَاحِبِ الْأَلْفِ سُدُسُ الْأَلْفِ ( وَلِصَاحِبِ ) الْأَلْفَيْنِ ثُلُثُهَا وَلِصَاحِبِ ( الثَّلَاثَةِ ) نِصْفُهَا فَلَوْ أَبْرَأَ صَاحِبَ الْأَلْفَيْنِ ( وَالثَّلَاثَةِ ) أَخَذَ صَاحِبُ الْأَلْفِ الْكُلَّ قَطْعًا ، ( وَمِنْهُ ) : مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الثَّمَانِيَةُ الْأَصْنَافِ حَتَّى لَوْ عَدِمَ بَعْضَهُمْ رُدَّ عَلَى ( الْبَاقِينَ ) قَطْعًا وَ [ مِنْهُ ] مَصْرِفُ الْغَنِيمَةِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَعْرَضَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ صَحَّ ( وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ ) لَمْ يَحْضُرْ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا فِي رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِ الْخُمْسِ خَاصَّةً وَجَعَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ أَخَوَانِ حَدَّ الْقَذْفِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا اسْتَحَقَّ الْآخَرُ الْجَمِيعَ كَامِلًا .
وَمِنْهُ ) : الشُّفَعَاءُ الْمُجْتَمِعُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ ( يَسْتَحِقُّ ) الشُّفْعَةَ بِكَمَالِهَا فَلَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَيُخَيَّرُ الْآخَرُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكِهِ ، ( وَمِنْهُ ) : أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ الْمُتَسَاوُونَ فِي الدَّرَجَةِ .
( الثَّانِي ) : ( التَّزَاحُمُ ) فِي الِاسْتِحْقَاقِ قَطْعًا كَالْحُقُوقِ الْوَاقِعَةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرِكَةِ ابْتِدَاءً كَالْمِيرَاثِ وَنَحْوِهِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ ( عَفَا ) بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَمْ يُرَدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا حَقَّهُمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَفَا أَحَدُ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَنْ حَقِّهِ رُدَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ وَمِنْ ثَمَّ ( قِيلَ ) : لَيْسَ لِلْحَاكِمِ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ حَتَّى يُقِيمُوا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ : بِعْتُكُمَا دَارِي بِأَلْفٍ فَإِنَّ الْخِطَابَ قَدْ تَوَجَّهَ لِاثْنَيْنِ فَالتَّوْزِيعُ بِالنِّصْفِ ( فَلَا ) خِلَافَ فِي مُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالِكًا لِجَمِيعِ الْعَيْنِ .
( وَمِنْهُ ) : الْقِصَاصُ الْمُسْتَحَقُّ لِجَمَاعَةٍ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِمْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ( بِحِصَّةِ ) إرْثِهِ كَالْمَالِ ( فَلَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ ) سَقَطَ حَقُّهُ وَسَقَطَ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ لَا ( تَبْعِيضَ ) .
الثَّالِثُ ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ ( أَنَّهُ ) فِي ( الْمَصْرِفِ ) ، ( فَمِنْهُ ) : ذَوُو ( الْفُرُوضِ ) الْمُجْتَمِعُونَ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ كَالزَّوْجَاتِ وَالْجَدَّاتِ ؛ وَلِهَذَا أَنَّ الْجَدَّتَيْنِ الْمُتَحَاذِيَتَيْنِ يَكُونُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِقَوْلِ عُمَرَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) هُوَ لَكُمَا ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ الْجَدَّةِ الَّتِي تُدْلِي بِالْأَبِ الْأَبُ وَحَجَبَهَا فَهَلْ تَسْتَقِلُّ الَّتِي تُدْلِي بِالْأُمِّ بِالسُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّزَاحُمَ فِي ( الْمَصْرِفِ ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ نِصْفِ السُّدُسِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
( وَمِنْهُ ) : أَوْصَى ( لِحَمْلِ ) فُلَانَةَ بِكَذَا فَأَتَتْ ( بِاثْنَيْنِ ) اسْتَحَقَّاهُ بِشَرْطِهِ ، ( وَفِي اسْتِحْقَاقِهِمَا الْوَجْهَانِ ) ( الْمَذْكُورَانِ وَيَظْهَرُ ) أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَتَتْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ انْفَرَدَ الْحَيُّ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَى الثَّانِي لَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ ( فَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ) بِالْبَيْعِ وَنَفَذَ الثَّمَنُ وَفَرَّعْنَا عَلَى النِّصْفِ فَهَلْ التَّنْصِيفُ فِي ( الْمَصْرِفِ ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ؟ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ ، فَإِنْ ( قُلْنَا : الْمَصْرِفُ ) اسْتَرَدَّ الْآخَرُ كُلَّ ( الْمَبِيعِ ) بِكُلِّ الثَّمَنِ وَإِنْ قُلْنَا ( بِالِاسْتِحْقَاقِ ) فَلَيْسَ لِلْمُجِيزِ إلَّا النِّصْفُ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يُصْرَفُ نَصِيبُهُ لِصَاحِبِهِ ، ( وَالتَّزَاحُمُ فِي الْمَصْرِفِ ) لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ يُجْعَلُ ( الْوَقْفُ ) فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَصْرِفِ الْمَنْقُولِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَقَعْ هَذَا ( الْبِنَاءُ ) لِلرَّافِعِيِّ ، فَقَالَ : الْقِيَاسُ جَعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخِطَابَ تَوَجَّهَ إلَيْهِمَا كَتَوَجُّهِهِ إلَيْهِمَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ التَّزَاحُمِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَهَذَا نَظَرٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ خَرَجَ لِلَّهِ تَعَالَى ( وَكَأَنَّهُ ) قَالَ : خَرَجْت عَنْ هَذَا لِلَّهِ تَعَالَى فَصَارَ جِهَةً لِلْمَصْرِفِ فَأَشْبَهَ انْعِدَامَ بَعْضِ الْأَصْنَافِ ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الْبَاقِي ( كَذَلِكَ ) فَكَذَلِكَ هَذَا .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِعَمْرٍو وَقُلْنَا : لَيْسَ بِرُجُوعٍ فَيَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ( مُسْتَحِقًّا ) لِلْعَيْنِ وَيَقَعُ التَّزَاحُمُ فِيهَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ وَرَدَّ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْآخَرُ الْعَيْنَ بِكَمَالِهَا يَنْبَغِي تَخْرِيجِهَا عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا .
( الرَّابِعُ ) : فِي الِاسْتِحْقَاقِ ( عَلَى ) رَأْي الرَّافِعِيِّ فِي الْوَقْفِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَلَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ ( صَيْدٍ ) .
( فَرْعٌ ) ، مِنْ فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ : ( رَجُلٌ ) مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِشَخْصَيْنِ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ دَيْنِهِمَا وَبِدَيْنِ أَحَدِهِمَا ضَامِنٌ قَالَ الَّذِي لَا ضَامِنَ لِدَيْنِهِ : لَا تُزَاحِمْنِي فَإِنَّك وَجَدْت مَحَلًّا آخَرَ يُمْكِنُك اسْتِيفَاءُ حَقِّك مِنْهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ ( أَجَابَ ) : لَهُ أَنْ يُزَاحِمَهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ( يَتَعَلَّقُ ) بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ الضَّامِنِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَخَذَ أَحَدُ الْغَرِيمَيْنِ الْحَقَّ مِنْ الضَّامِنِ وَهَلَكَتْ التَّرِكَةُ هَلْ لِلثَّانِي أَنْ يُزَاحِمَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ الضَّامِنِ ؟ ( أَجَابَ ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ تَبَرَّعَ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِدَيْنِ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ رَهْنٌ ( فَهُوَ ) يَخْتَصُّ ( بِثَمَنِهِ ) دُونَ صَاحِبِهِ .
( قَاعِدَةٌ ) : قَدْ يَقَعُ اللَّفْظُ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ ( مِنْهُمَا ) لِلِانْفِرَادِ ( بِهِ ) فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْكُلُّ أَوْ الْقِسْطُ فَإِذَا قَالَا : ضَمِنَّا ( الدَّيْنَ ) الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ ) ( وَكُلُّ ) وَاحِدٍ لَوْ ضَمِنَهُ مُنْفَرِدًا لَصَحَّ وَلَوْ ضَمِنَ نِصْفَهُ لَصَحَّ فَإِذَا وُجِدَ اللَّفْظُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَهَلْ يَقَعُ الضَّمَانُ مُوَزَّعًا أَوْ يَقَعُ مُكَمَّلًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَصَحَّحَ أَنَّ كُلَّ ( وَاحِدٍ يَكُونُ ) ضَامِنًا لِكُلِّ الْأَلْفِ وَهُوَ غَيْرُ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْإِفْهَامِ مِنْ ( التَّوْزِيعِ ) وَوَجَّهَ الْمُتَوَلِّي ( تَصْحِيحَهُ ) بِمَسْأَلَةٍ نَفِيسَةٍ ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ رَجُلَانِ شَرِيكَانِ فِي عَبْدٍ لِرَجُلٍ : رَهَنَّا عَبْدَنَا عَلَى دَيْنِك الَّذِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ أَلْفٌ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَكُونُ رَاهِنًا نِصْفَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَلْفِ ، وَهَذَا إنْ سَلِمَ مِنْ نِزَاعٍ كَانَ حَسَنًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانٌ لِدَيْنِ الْغَيْرِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ ( عَلَى ) الْأَصَحِّ ، وَقَدْ يَكُونُ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لِاثْنَيْنِ بِمَا
يَصْلُحُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ : ( أَوْصَيْتُكُمَا ) عَلَى أَوْلَادِي فَإِنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ ؛ لِكَوْنِ الْخِطَابِ ( يَثْبُتُ ) مُوَزَّعًا ، ( وَمِثْلُهُ ) : فِي نَظَرِ الْوَقْفِ وَالْوَكَالَةِ ( لَوْ ) صَرَّحَ بِاسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ ثَبَتَ ، وَأَلْحَقَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ مَا إذَا ( ثَنَّى ) الصِّفَةَ فَقَالَ : ( إنَّهُمَا وَصِيَّايَ ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِالصِّفَةِ بِخِلَافِ ، أَوْصَيْتُكُمَا أَوْصَيْت إلَيْكُمَا وَلَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ .
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ ( الْمُشْتَرِكَيْنِ ) فِي ذَلِكَ نَصَّبَ الْحَاكِمُ بَدَلَ مَنْ مَاتَ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآخَرُ لِوُجُودِ الْخِطَابِ مُوَزَّعًا .
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الثَّابِتَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَالْأُخُوَّةِ وَالْأَعْمَامِ ( وَنَحْوِهِمَا ) ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا قَطْعًا ، وَلَا تَزَاحُمَ فِي اسْتِحْقَاقٍ وَلَا مَصْرِفٍ لَكِنْ لَوْ صَدَرَ الْإِذْنُ مَجْمُوعًا كَقَوْلِهَا : أَذِنْت لَكُمْ أَنْ تُزَوِّجُونِي ( فَهَلْ ) الْخِطَابُ مُنَزَّلٌ عَلَى الِاجْتِمَاعِ ؟ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ الِانْفِرَادُ أَوْ ( نَقُولُ ) : كُلُّ وَاحِدٍ ( ثَبَتَ ) لَهُ الْوِلَايَةُ مُسْتَقِلَّةً ، ( وَهَلْ يَجُوزُ ) الْإِقْدَامُ بِشَرْطِ الْإِذْنِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ لَهُ اسْتِقْلَالًا وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ ( الْإِذْنَ ) شَرْطٌ ، وَقَدْ وُجِدَ يُقَالُ عَلَيْهِ : لَمْ تَأْذَنْ لَهُ مُسْتَقِلًّا ، وَإِنَّمَا أَذِنَتْ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَلْيَتَّبِعْ إذْنَهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لِغَيْرِهِ دُونَهُ ، وَالْوَلَاءُ يُشْبِهُ الْأَنْسَابَ ( وَفِي ) حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ كَلَحْمَةِ النَّسَبِ } ، فَإِنْ وَقَعَ مُبَعَّضًا ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِلصِّنْفَيْنِ عَلَى طَرِيقِ التَّبْعِيضِ ، فَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ ، وَإِنْ وَقَعَ مُكَمِّلًا لِوَاحِدٍ ( فَعَصَبَتُهُ ) يَنْزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَتَهُ ، فَاسْتِحْقَاقُ
الْوَلَاءِ ( فِي صُورَةِ التَّبْعِيضِ ) وَقَعَ مُوَزَّعًا ، وَاسْتِحْقَاقُهُ فِي صُورَةِ الْكَامِلِ وَقَعَ مُكَمِّلًا ، وَكُلٌّ مِنْ عَصَبَتِهِ كُلٌّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ ( يَنْزِلُ ) مَنْزِلَتَهُ .
فَلَوْ أَعْتَقَ ( ثَلَاثَةٌ امْرَأَةً ) وَمَاتُوا وَلِوَاحِدِ عَشَرَةُ أَبْنَاءَ وَآخَرَ ( ثَلَاثَةٌ ) وَآخَرَ اثْنَانِ ( فَكُلُّ ) وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ كَأَصْلِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ( الثَّلَاثَةِ ) كَأَصْلِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ كَذَلِكَ ، هَذَا فِي التَّزْوِيجِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلَ ( وَنَحْوِهِمَا ) ، أَمَّا فِي ( الْوِرَاثَةِ ) فَيَنْتَقِلُ الْمَالُ ( لِعَصَبَةِ ) الْجَمِيعِ ( الْمُسْتَوِينَ ) فِي الدَّرَجَةِ عَلَى حَسَبِ عِتْقِ أَصْلِهِ فَلِلْعَشَرَةِ الثُّلُثُ ، وَلِلثَّلَاثَةِ الثُّلُثُ ، وَلِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثُ ، إنْ كَانَ عِتْقُ ( أُصُولِهِمْ ) وَقَعَ بِالتَّثْلِيثِ ، وَإِلَّا فَعَلَى حَسَبِ الْحِصَصِ ، وَقَدْ يَقَعُ النَّظَرُ فِي الْوَلَاءِ فِي التَّرْتِيبِ ، ( فَيَخْرُجُ ) مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ : .
( أَحَدُهَا ) : كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا ، وَلَكِنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ كَقَتْلٍ أَوْ كُفْرٍ ( وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ) فَإِنَّ الْمَالَ يَنْتَقِلُ لِعَصَبَتِهِ فِي ( حَيَاتِهِ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ اخْتِلَافِ الدِّينِ ( مِنْ ) الْأُمِّ ، وَخَالَفَ الْقَاضِيَ ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ ( وَيَقْتَضِي ) إلْحَاقَ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ وَكَانَ الْمُعْتِقُ لَمَّا ( أَعْتَقَ ) هَذَا الرَّقِيقَ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَاتِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ ( الْمُتَرَتِّبُ ) عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَصُورَةُ ( كَوْنِ ) الْمُعْتِقِ قَائِلًا ( مَذْكُورَةٌ ) فِي الدَّوْرِيَّاتِ مِنْ شَرْحِ الرَّافِعِيِّ فِي الْوَصَايَا ، وَيَجِيءُ ( فِيهَا ) خِلَافُ ( الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ) .
( الثَّانِيَةُ ) : لَوْ مَاتَ ( الْمُعْتِقُ ) وَلَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ وَأَخٌ كَبِيرٌ فَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَخُ وَلَيْسَ بِالْمَذْهَبِ الْمُعْتَمَدِ ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَخَ يُزَوِّجُ وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَلَاءَ هَلْ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ لَا يَثْبُتُ لِلثَّانِي ، إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي الْوَقْفِ فِي تَلَقِّي الْبُطُونِ ، وَالْأَصَحُّ فِيهَا أَنَّ التَّلَقِّيَ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَرَتَّبَ الصَّرْفُ فِي ( الْوَرَثَةِ ) ( وَشُرُوطُ الْوَقْفِ ) .
( الثَّالِثَةُ ) : تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ فِي ازْدِحَامِ حُقُوقِ الْمُعَيَّنِينَ ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي بَيْتِ الْمَالِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ ، فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ غَنِيًّا ( كَانَ ) أَوْ فَقِيرًا لِلشُّبْهَةِ ، نَعَمْ يُقْطَعُ الذِّمِّيُّ ، وَلَا نَظَرَ لِنَفَقَةِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْفَاقٌ لِلضَّرُورَةِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ ؛ وَلِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْمُسْلِمِ بِكَوْنِهِ خَاصًّا بِالْمُسْلِمِينَ ، وَانْتِفَاعُ الذِّمِّيِّ بِالْقَنَاطِرِ وَنَحْوِهَا بِطَرِيقِ التَّبَعِ ، وَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فِي الشَّوَارِعِ وَنَحْوِهَا ، فَالْحَقُّ فِيهِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِوَاحِدٍ وَيَخْتَصُّ التَّصَرُّفُ الْكَامِلُ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ ( أَمَّا أَهْلُ ) الذِّمَّةِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ إخْرَاجِ الْأَجْنِحَةِ إلَى شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ جَازَ لَهُمْ اسْتِطْرَاقُهَا ؛ وَ ( لِأَنَّهُ ) كَإِعْلَائِهِمْ الْبِنَاءَ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَبْلَغُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَذَكَرَ الشَّاشِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ .
قَاعِدَةٌ فِي التَّزَاحُمِ عَلَى الْحُقُوقِ : لَا يُقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، إلَّا بِمُرَجِّحٍ ، وَلَهُ أَسْبَابٌ : الْأَوَّلُ : الْأَوَّلُ : ( بِالسَّبْقِ ) كَازْدِحَامِ الْخُصُومِ فِي الدَّعْوَى وَالِازْدِحَامِ فِي ، الْأَحْيَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْهُ ، إذَا مَاتَ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ( وَهُنَاكَ ) مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمَا ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ وَجَبَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَلَا ( يَتَغَيَّرُ ) حُكْمُهُ بِمَوْتِ الْآخَرِ بَعْدَهُ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ : عَنْ ( وَالِدِهِ ) ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ وُجُودُ الْمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ مِنْهَا ، بَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مَعْرِفَةِ أَفْضَلِهِمَا وَأَوْرَعِهِمَا ( فَيُقَدَّمُ ) ، فَإِنْ تَسَاوَيَا ( يُخَيَّرُ ) .
وَمِنْهُ لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ ، ثُمَّ بِدَيْنٍ ( آخَرَ ) ( لِغَيْرِهِ ) وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي بِهِمَا ، فَالدَّيْنُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي ( مَجَالِسِ ) النَّظَرِ وَقَالَ ( أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ ) فِي كِتَابِهِ : إنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، قَالَ : التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ ، وَالْمُوَرِّثُ لَوْ أَقَرَّ عَلَى التَّعَاقُبِ كَانَا ( مِنْ ) مَا لَهُ عَلَى السَّوَاءِ قَالَ : وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ، وَمِنْهُ : لَوْ قَتَلَ جَمَاعَةً مُرَتَّبًا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ ( وَلِلْبَاقِينَ ) الدِّيَاتُ ، وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ الْأَبَ وَالْآخَرُ الْأُمَّ مُرَتَّبًا ، وَلَا زَوْجِيَّةَ ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ ، أَمْ يُقْتَصُّ مِنْ الْمُبْتَدِي بِالْقَتْلِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي .
وَمِنْهُ الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُمَيِّزَةُ ( الَّتِي ) تَرَى الدَّمَ عَلَى نَوْعَيْنِ ، فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ ، فَيُقَدَّمُ الْأَسْوَدُ ، ثُمَّ الْأَحْمَرُ ثُمَّ الْأَشْقَرُ ثُمَّ الْأَصْفَرُ وَيُرَجَّحُ ذُو صِفَتَيْنِ عَلَى ( ذِي ) صِفَةٍ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا رُجِّحَ الْأَسْبَقُ ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي عِنْدَ انْفِرَادِ كُلِّ صِفَةٍ أَنْ ( يُعَوِّلَ ) عَلَى اللَّوْنِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ .
( الْخَبَرُ الصَّحِيحُ ) : وَمِنْهُ : لَوْ بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَأَفْلَسَ ) بِالثَّمَنِ وَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ ، فَأَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ وَحَقُّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْإِفْلَاسِ ( فَقُدِّمَ ) الْأَسْبَقُ .
، وَمِنْهُ : لَوْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ وَوَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ وَهُوَ مَرْهُونٌ لَمْ يَرْجِعْ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ سَابِقٌ لِحَقِّهِ ، ( فَإِنَّهُ ) تَعَلَّقَ ( بِالْمَالِ ) بِعَقْدِ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ بِنَفْسِ الْحَجْرِ ، وَالرَّهْنُ سَابِقٌ ( وَالْإِعْسَارُ ) مُتَأَخِّرٌ .
وَمِنْهُ : لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَوَكَّلَ آخَرَ ( بِعِتْقِهِ ) ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ : فَعِنْدَنَا مَنْ سَبَقَ فَلَهُ الْحُكْمُ ، فَإِنْ بَاعَ قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَعْتِقْ وَإِنْ ( عَتَقَ ) قَبْلَ الْبَيْعِ عَتَقَ ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ : تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يُنَافِي الْبَيْعَ ، فَإِنْ حَصَلَ ( الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ ) فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَا جَمِيعًا وَإِنْ أَشْكَلَ أَقُرِعَ ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْعِتْقِ نَفَذَ أَوْ عَلَى الْبَيْعِ فَقَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا ( لَا يَصِحُّ ) .
، وَمِنْهُ : لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً فَقَالَ : يَا زَانِيَةُ يَا بِنْتَ الزَّانِيَةِ وَجَبَ حَدَّانِ وَيُحَدُّ لَهَا أَوَّلًا قَبْلَ أُمِّهَا لِسَبْقِهَا بِهِ ، وَقِيلَ : يُقْرَعُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
وَمِنْهُ : لَوْ اُسْتُرِقَّ الْحَرْبِيُّ وَغُنِمَ مَالُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ الْمَغْنُومِ ( ثُمَّ ) مَا فَضَلَ لِلْغَانِمِينَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا لَهُ بَعْدَ شُغْلِهِ بِحَقِّ الْغَيْرِ .
وَمِنْهُ : لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُدَبِّرَ عَلَى صِفَةٍ صَحَّ وَعَتَقَ بِالْأَسْبَقِ مِنْ الْمَوْتِ وَالصِّفَةِ ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ بِأَنْ عَثَرَ ( بِحَجْرٍ ) .
الثَّانِي : بِالْقُرْعَةِ وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْقَافِ .
الثَّالِثُ : بِالْقُوَّةِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً عَلَى دَيْنٍ وَالتَّرِكَةُ لَا تَفِي ( بِهِمَا ) فَالْبَيِّنَةُ أَوْلَى ، قَالَهُ ( صَاحِبُ الْإِشْرَافِ ) .
أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ اسْتِحْبَابَ التَّسْمِيَةِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَفْعَالِ حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ وَإِرَادَةِ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ ، وَفِي اسْتِحْبَابِهَا لَغُسْلِ الْجُنُبِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي ، وَقَالَ ( صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ ) : الْأَفْعَالُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَذَبْحِ الْمَنَاسِكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ .
الثَّانِي : ( مَا ) تُسَنُّ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ ، وَالثَّالِثُ : مَا ( تُكْرَهُ ) فِيهِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ انْتَهَى ، وَمَا ( ذَكَرَهُ ) فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ( يَشْمَلُ ) مَا لَوْ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ ( السُّورَةِ ) وَبِهِ صَرَّحَ فِي التِّبْيَانِ وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، وَمَا ذَكَرَهُ ( مِنْ الصَّلَاةِ ) وَالْحَجِّ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا أَطْلَقَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ يَشْمَلُ التَّشَهُّدَ وَفِي اسْتِحْبَابِهَا أَوَّلُهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ لِوُرُودِهِ ( فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ) .
تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : تَصَرُّفٌ بِالْوِلَايَةِ الْمَحْضَةِ ، وَهُوَ ( الْأَبُ ) وَالْجَدُّ وَالْحَاكِمُ ( ثَانِيهَا ) تَصَرُّفٌ بِالنِّيَابَةِ الْمَحْضَةِ .
إمَّا بِتَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَهُوَ الْوَكِيلُ ، أَوْ الشَّرْعُ كَالْحَاكِمِ فِي مَالِ الْغَائِبِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ ( أَنَّ ) وُقُوفَ الْمَسَاجِدِ وَالْقُرَى يَصْرِفُهَا صُلَحَاءُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ إلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَمَصَالِحِهِ ، إذَا فُقِدَ مَنْ إلَيْهِ النَّظَرُ .
( ثَالِثُهَا ) : تُصْرَفُ بِنِيَابَةٍ ( مَشُوبَةٍ ) بِوِلَايَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ ( مَشُوبَةٍ ) بِنِيَابَةٍ وَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ حَيْثُ ( إنَّهُ ) يَتَصَرَّفُ ( بِالتَّفْوِيضِ ) يَكُونُ تَصَرُّفُهُ بِالنِّيَابَةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَلِي التَّصَرُّفَ مِنْ نَفْسِهِ يَكُونُ بِالْوِلَايَةِ ، ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ تِجَارَةِ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَأَشَارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إلَى خِلَافٍ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ ( الْوَصِيِّ ) هَلْ هُوَ بِالنِّيَابَةِ أَوْ بِالْوِلَايَةِ وَبُنِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا جُنَّ يَنْعَزِلُ فَإِذَا أَفَاقَ هَلْ تَعُودُ وِلَايَتُهُ : عَلَى وَجْهَيْنِ : إنْ غَلَّبْنَا النِّيَابَةَ لَا تَعُودُ ، أَوْ الْوِلَايَةَ عَادَتْ ، ( وَيَخْرُجُ ) مِنْ كَلَامِهِمْ خِلَافٌ فِي أَنَّ تَصَرُّفَ ( الْوَصِيِّ ) أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ ، أَوَّلًا ، فَفِي الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ ( فِي ) الْأَوْصِيَاءِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْوَصِيَّ أَضْعَفُ مِنْ الْوَكِيلِ ، وَالْوَكِيلُ لَا يُوَكَّلُ بِغَيْرِ الْإِذْنِ فَالْوَصِيُّ أَوْلَى وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّيْخِ : لَا يَبِيعُ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ : ( إنَّ ) نِيَابَةَ الْوَصِيِّ أَقْوَى بِدَلِيلِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا يَقْدِرُ ( عَلَيْهِ ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، هَذَا كَلَامُهُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى ( بِالْأَسْرَارِ ) عَنْ الْقَفَّالِ : إنَّ عَقْدَ الْقَضَاءِ نِيَابَةٌ ؛ وَلِهَذَا لَا
يَسْتَخْلِفُ دُونَ الْإِذْنِ وَيَصِحُّ عَزْلُهُ ، قَالَ الْقَاضِي : فَقُلْت لَهُ : لَوْ كَانَ لَبَطَلَ بِالْمَوْتِ وَلَمَّا نَفَذَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ ، ( قُلْت ) لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَلِلضَّرُورَةِ نَفَذَتْ قَضَايَاهُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَهُ حَتَّى لَا تَتَعَطَّلَ حُقُوقُهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ .
وَحَكَى الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقَاضِيَ يُزَوِّجُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ أَوْ بِالنِّيَابَةِ .
( رَابِعُهَا ) تَصَرُّفٌ بِغَيْرِ مَا سَبَقَ وَهُوَ ضَرْبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَالتَّصَدُّقِ بِمَالِ الْمَجْهُولِ الَّذِي انْقَطَعَ وَلَا يُعْرَفُ خَبَرُهُ عَلَى مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَكَاللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَوْ وَجَدَ حَيَوَانًا مُعَلَّمًا بِعَلَامَةِ الْهَدْيِ كَالْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فَإِنَّ لَهُ الْتِقَاطَهُ فِي الْأَصَحِّ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفَائِدَةُ الْتِقَاطِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَيَجِيءُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا مَثَّلْنَا وَفِي الْأَبْضَاعِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ امْرَأَةٌ لَا وَلِيَّ لَهَا فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا حَتَّى زَوَّجَهَا جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ، بَلْ ( تَحْكِيمًا ) وَالْمُحَكَّمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَاكِمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا يَعْسُرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ فَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ إذَا كَانَ عَدْلًا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ ، وَمِنْهُ : امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتُنْكَحُ .
( الثَّانِي ) : أَنْ لَا تَدْعُوَ حَاجَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً فَيَنْظُرُ إنْ دَعَتْ إلَى صِحَّتِهِ وَتَنْفِيذِهِ بِطُولِ مُدَّةِ التَّصَرُّفِ وَتَكَرُّرِهَا ( وَتَعَذَّرَ ) اسْتِرْدَادُ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَتَصَرَّفَ فِي (
أَثْمَانِهَا ) مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَطَرِيقَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ ، وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ ؛ ( لِأَنَّ ) ( رَفْعَ ) التَّصَرُّفِ الْكَثِيرِ بِالنَّقْضِ عُسْرٌ ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَا دَوَامًا وَهُوَ تَصَرُّفُ الْفُضُولِيِّ ، فَفِي بُطْلَانِهِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ وَقْفِهِ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ وَتَنْفِيذِهِ قَوْلَانِ : أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَاعْلَمْ : أَنَّ لِتَصَرُّفِ الشَّخْصِ فِي مَالِ غَيْرِهِ حَالَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ فَهَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ ، ( وَثَانِيهِمَا ) : أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْغَاصِبُ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقِ .
( خَامِسُهَا ) : التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ فِيهِ مُخَالِفَةُ الْإِذْنِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ قَالَ : ( بِعْهُ ) بِمِائَةٍ ( فَبَاعَهُ ) بِأَقَلَّ لَمْ يَصِحَّ ، ثُمَّ لِلْوَكِيلِ فِي تَصَرُّفِهِ أَحْوَالٌ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَقْصِدَ إيقَاعَهُ ( عَنْ ) مُوَكِّلِهِ فَوَاضِحٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَقْصِدَ نَفْسَهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْعَيْنِ فَلَغْوٌ ؛ وَلِهَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ فَتَصَدَّقَ وَنَوَى نَفْسَهُ لَغَتْ نِيَّتُهُ ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُوَكِّلِ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَفِي ( بَابِ ) الدِّيَاتِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ ، أَنَّ الْوَكِيلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ( إذَا قَالَ قَتَلْته لَا عَنْ جِهَةِ الْمُوَكِّلِ ، بَلْ لِغَرَضٍ نَفْسِيٍّ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ ) ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمُوَكِّلِ ( لِلتَّرِكَةِ ) .
الثَّالِثُ : أَنْ ( لَا ) يُطْلِقَ وَلَا يَقْصِدَ شَيْئًا ، وَفِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الطَّلَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا طَلَّقَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا طَلَّقَ عَلَى الْمَوْلَى ، ( إنْ ) قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ فُلَانٍ ، لَمْ يَقَعْ ، وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ
الْكِنَايَاتِ ، وَنَوَى الطَّلَاقَ ، أَوْ قَالَ : عَنْ فُلَانٍ ، قَالَ ( ابْنُ الْقَطَّانِ ) يَصِحُّ ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يُضِيفَ إلَى مُوَكِّلِهِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً ، سَوَاءٌ طَلَّقَ بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ .
( سَادِسُهَا ) : التَّصَرُّفُ ( لِلْغَيْرِ ) بِمَالِ الْمُتَصَرِّفِ كَمَنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ لِزَيْدٍ سِلْعَةً فَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ ، وَقَعَ الْعَقْدُ عَنْ الْمُبَاشِرِ ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَغَتْ التَّسْمِيَةُ ، وَهَلْ يَقَعُ عَنْهُ أَمْ يَبْطُلُ ؟ وَجْهَانِ : وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَهَلْ تَلْغُو التَّسْمِيَةُ ؟ وَجْهَانِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا ، وَقَعَ عَنْ الْإِذْنِ ، وَهَلْ يَكُونُ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ قَرْضًا أَوْ هِبَةً ، وَجْهَانِ .
تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ هَلْ هُوَ حُكْمٌ حَتَّى إذَا عَقَدَ نِكَاحًا أَوْ بَيْعًا مُخْتَلَفًا فِيهِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ صُدُورُهُ مِنْهُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ حَتَّى لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ كَمَا لَوْ عَقَدَهُ غَيْرُهُ ، ثُمَّ حَكَمَ هُوَ بِهِ أَمْ لَا ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ : إنَّ الْقِسْمَةَ إنْ كَانَتْ بِالْقَاضِي فَقِسْمَتُهُ تَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمَوْتِ ، وَفِي بَابِ الْقِسْمَةِ ، إذَا اعْتَرَفُوا بِالِاشْتِرَاكِ فِي مِلْكٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِمِلْكِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ ؛ لِئَلَّا يَتَمَسَّكُوا بِقِسْمَتِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمْ ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ مُصَرِّحَةٌ بِهِ ، حَيْثُ قَالَ : وَإِنْ أَرَدْتُمْ ( قَسْمِي ) ، فَأْتُوا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَصْلِ حُقُوقِكُمْ فِيهَا وَذَلِكَ أَنِّي ( إنْ ) قَسَمْت بِلَا بَيِّنَةٍ فَجِئْتُمْ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ ( أَنِّي ) قَسَمْت بَيْنَكُمْ هَذِهِ الدَّارَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِي ، كَانَ ( بِسَبَبِهَا ) أَنْ يَجْعَلَهَا حُكْمًا مِنِّي لَكُمْ انْتَهَى .
وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، ( فَإِنَّهُ ) عَلَّلَ مَنْعَ إجَابَةِ الْحَاكِمِ الشُّرَكَاءَ ، إذَا طَلَبُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ ( بِأَنَّ ) مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى قِسْمَةَ الْحَاكِمِ حُكْمًا مِنْهُ بِالْمِلْكِ فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِمَا فَيَرْفَعُ إلَى حَاكِمٍ بَعْدَهُ فَيَحْكُمُ لَهُمَا بِالْمِلْكِ ، فَقَوْلُهُ : مِنْ النَّاسِ صَرِيحٌ فِي أَنَّا لَا نَقُولُ بِهِ ، وَنَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ هَذَا حَيْثُ لَا مُنَازِعَ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِالْيَدِ ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْحَاكِمِ إثْبَاتٌ لِمِلْكِهَا ، وَالْيَدُ تُوجِبُ إثْبَاتَ التَّصَرُّفِ لَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ .
وَنَبَّهَ الدَّارِمِيُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ لَهَا ، فَإِنْ عَلِمَ قَضَى ( لَهُ ) قَطْعًا .
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا : لَا يُقَسَّمُ فَقُسِّمَ وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ
فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ ، أَنَّهُ لَوْ ( كَانَ عَقَارٌ ) بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَرَأَيْنَا نَصِيبَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ أَنَّك اشْتَرَيْته وَلِي فِيهِ الشُّفْعَةُ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَائِبِ ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ؛ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ ، وَيَكْتُبُ الْقَاضِي فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِإِقْرَارِهِمَا ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْمُفْلِسَ ( إنْ ) تَوَلَّى بَيْعَ أَمْوَالِهِ فَذَاكَ ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْحَاكِمَ ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى تَشْهَدَ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِهِ لَهَا ، وَلَا ( تَكْفِي ) فِيهَا يَدُهُ وَاعْتِرَافُهُ ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ بِالْمَسْتُورِينَ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْعَاقِدُ غَيْرَ حَاكِمٍ ، فَإِنْ بَاشَرَهُ ( الْحَاكِمُ لَمْ ) يَنْعَقِدْ ( بِهِمَا ) قَطْعًا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ أَيْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ ( لَا يَجُوزُ بِمَسْتُورِينَ ) ، لَكِنْ هَذِهِ طَرِيقَةٌ حَكَاهَا الْمُتَوَلِّي ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ذَكَرَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ النَّصِّ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُزَوِّجُ الَّتِي تَدَّعِي غَيْبَةَ وَلِيِّهَا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ ( خَاصٌّ ) حَاضِرٌ ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : ( إنَّهُ وَاجِبٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ) : يُسْتَحَبُّ ، فَإِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْعُقُودِ إلَى ( قَوْلِ أَرْبَابِهَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ، : وَالْأَصَحُّ الثَّانِي ، وَهَذَا يَقْتَضِي ) أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَمْلَاكِ ( وَنَحْوِهِمَا ) بِمُجَرَّدِ قَوْلِ أَرْبَابِهَا ، بَلْ لَا بُدَّ
مِنْ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْعِلْمِ بِهِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كَلَامِهِ عَلَى الْمَفْقُودِ : وَإِذَا ضَرَبَ الْقَاضِي الْمُدَّةَ فَمَضَتْ ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمًا بِوَفَاتِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي ، وَفِي حَاشِيَةِ الْكِفَايَةِ : الْحَنَفِيُّ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ بِحُضُورِ ( فَاسِقَيْنِ ) ، فَإِذَا رَفَعَ عَقَدَهُ لِحَاكِمٍ شَافِعِيٍّ ( وَقَدْ كَانَ ) بَاشَرَ الْعَقْدَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ ، فَهَلْ مُبَاشَرَتُهُ لِلْعَقْدِ حُكْمٌ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي نَقْضِهِ مَا فِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَنَفِيِّ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ أَوْ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَكَذَا فِي كُلِّ ( مَا يُبَاشِرُهُ ) الْحُكْمُ مِنْ الْعُقُودِ ؟ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ إذْ فِي الشَّامِلِ أَيْ وَالْبَحْرِ فِيمَا إذَا قَسَّمَ مَالُ الْمُفْلِسِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ حِصَّتَهُ ، إنْ قِيلَ : ( فَقَدْ ) نَقَضْتُمْ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالْقِسْمَةِ ، قُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ ( بِحُكْمٍ ) مِنْهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ؛ لَوْ زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ ، وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ ( حَاكِمٌ آخَرُ بَعْدَ التَّزْوِيجِ ) نَفَذَ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ أَجَابَ عَنْ السُّؤَالِ ، بِأَنَّ ذَلِكَ وِزَانُ وِجْدَانِ النَّصِّ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ وَأَنَّهُ نَصٌّ فِي هَذَا ، وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ أَنَّهُ حُكْمٌ .
وَأَنَا أَقُولُ : إنْ تُخُيِّلَ ذَلِكَ فِي قِسْمَتِهِ جَبْرًا ، ( فَلَا يُتَخَيَّلُ ) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، إذَا تَقَدَّمَ مِنْهُ ( شِقُّ ) الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْبِقَ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ وُجُودُ أَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ وَالْحُكْمُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ .
نَعَمْ ( إذَا ) تَقَدَّمَ شِقُّ الْقَبُولِ عَلَى شِقِّ الْإِيجَابِ فِيهِ فَقَدْ يُتَخَيَّلُ فِيهِ ( أَنَّهُ حُكْمٌ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
انْتَهَى .
وَحَصَلَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا :
أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمًا لَاسْتَدْعَى تَقَدُّمَ دَعْوَى فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا .
الثَّانِي : أَنَّ الْحُكْمَ يَسْتَدْعِي مَحْكُومًا لَهُ وَعَلَيْهِ وَبِهِ ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ ظَهَرَ مَا بَاعَهُ مُسْتَحَقًّا بَطَلَ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا لَمْ يَبْطُلْ ، ثُمَّ إنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ ، هَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ أَمْ لَا .
الرَّابِعُ : أَنَّ ( مُسْتَنَدَ ) الْحُكْمِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا ، وَالْإِلْزَامُ الَّذِي هُوَ إنْفَاذُ الْحُكْمِ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُسْتَنَدِ السَّابِقِ وَقَوْلُ الْقَاضِي : بِعْت ( أَوْ زَوَّجْت ) ، ( وَنَحْوُهُمَا ) لَيْسَ ( كَذَلِكَ ) ؛ وَلِأَنَّ ( الْإِلْزَامَ ) يَكُونُ عَنْ شَيْءٍ وَقَعَ وَالْعَقْدُ إلَى الْآنَ لَمْ يَقَعْ ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الرِّسَالَةِ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ الْحُجَّةِ فِي ( ثَبْتِ ) خَبَرِ الْوَاحِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي عَلَى الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ ، إنَّمَا هُوَ خَبَرٌ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ ، ثَبَتَتْ عِنْدَهُ أَوْ إقْرَارٌ مِنْ خَصْمٍ أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ ، فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ فِيهِ انْتَهَى .
وَالْأَحْسَنُ فِي الضَّبْطِ ، أَنْ يُقَالَ : تَصَرُّفُ الْحَاكِمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَا هُوَ حُكْمٌ قَطْعًا ، وَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ .
( الثَّانِي ) : مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ قَطْعًا ، كَسَمَاعِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالْبَيِّنَةِ ( وَنَحْوِهِ ) .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ ، كَمَا إذَا بَاعَ أَوْ زَوَّجَ وَنَحْوُهُ الرَّابِعُ : مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ حُكْمٌ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَسْخُ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٌ .
( فَفَسَخَ ) الْقَاضِي ، كَانَ ذَلِكَ ( حُكْمًا مِنْهُ ) بِالْفَسْخِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ حَتَّى يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْفَسْخِ أَوْ بِمُوجَبِهِ .
تَصَرُّفُ الْإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ نَصَّ عَلَيْهِ : قَالَ ( الْفَارِسِيُّ ) فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : مَنْزِلَةُ الْوَالِي مِنْ الرَّعِيَّةِ : مَنْزِلَةُ الْوَلِيُّ مِنْ الْيَتِيمِ انْتَهَى .
وَهُوَ نَصٌّ فِي كُلِّ وَالٍ ، وَمِنْ ثَمَّ إذَا قَسَّمَ عَلَى الْأَصْنَافِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ وَكَذَا التَّسْوِيَةُ ، بِخِلَافِ ( الْمَالِكِ ) فِيهِمَا ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَإِذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجَنَدِ بِسَبَبٍ جَازَ وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ ، حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُنَصِّبَ إمَامًا ( لِلصَّلَوَاتِ ) فَاسِقًا وَإِنْ صَحَّحْنَا الصَّلَاةَ خَلْفَ الْفَاسِقِ ، أَيْ ؛ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَوَلِيُّ الْأَمْرِ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى فِعْلِ ( الْمَكْرُوهِ ) ، وَحَيْثُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي ، بَلْ يَرْجِعُ ( إلَى الْمَصْلَحَةِ ) حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ حَبَسَهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ ، ( وَلَوْ طَلَبَتْ ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا خَاصًّا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَاءَةِ هُنَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَالنَّائِبِ عَنْهُمْ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَفْوِيتِهِ .
التَّصْرِيحُ بِبَعْضِ مَا يَقْتَضِيه الْإِطْلَاقُ هَلْ يَكُونُ مُفْسِدًا فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) ( إطْلَاقُ ) الْبَيْعِ يَقْتَضِي الْحُلُولَ فَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعِشْرِينَ بِشَرْطِ حُلُولِ عَشَرَةٍ مِنْهَا صَحَّ وَإِنْ ( كَانَ ) الْكُلُّ حَالًّا وَلَا يُقَالُ : إنَّ النَّصَّ عَلَى حُلُولِ الْعَشَرَةِ يَقْتَضِي تَأْجِيلَ الْبَاقِي فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ ( لِجَهَالَةِ ) الْأَجَلِ وَقِيلَ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ ( وَمِنْهَا ) أَنَّ الْخِيَارَ ( ثَابِتٌ ) لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً فَلَوْ شَرَطَ لِلسَّيِّدِ خِيَارَ ( الثَّلَاثِ ) فِي الْكِتَابَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ : إنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِيَارِ لَهُ بَعْدَ ( الثَّلَاثِ ) بَطَلَ الْعَقْدُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الْخِيَارِ لَهُ فِي ( الثَّلَاثِ ) مَعَ ( ثُبُوتِهِ ) بَعْدَ هَذَا ( صَحَّ ) الْعَقْدُ ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ ( أَطْلَقَ ) الْقَوْلَ بِلَا إرَادَةٍ فَوَجْهَانِ ، وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِثَلَاثٍ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَارِ بَعْدَهَا كَمَا لَوْ قَالَ : اقْضِ دَيْنِي إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَهَا وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ أَجَابَ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِإِذْنٍ ، فَإِذَا أَقْدَرَ ( الثَّلَاثَ ) عَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ ( الثَّلَاثِ ) ، إلَى مَا قَبْلُ وَهَا هُنَا الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِلْمُكَاتَبِ ابْتِدَاءً ، فَشَرْطُهُمَا خِيَارُ ( الثَّلَاثِ ) يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ ، فَإِذَا مَضَتْ بَقِيَ ( لَهُ ) الْخِيَارُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ ( مُفِيدًا ) زِيَادَةَ فَائِدَةٍ .
تَعَارُضُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ أَوْ الِاسْتِصْحَابُ ( اعْلَمْ ) : أَنَّ الْأَصْحَابَ تَارَةً يُعَبِّرُونَ ( عَنْهُمَا ) بِالْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَتَارَةً بِالْأَصْلِ وَالْغَالِبِ ، وَكَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى ( وَاحِدٍ ) ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ التَّغَايُرَ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَالِبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ وَهَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ مَا يَحْصُلُ بِمُشَاهَدَةٍ كَبَوْلِ الظَّبْيَةِ وَإِنْزَالِ ( الْمَرْأَةِ ) الْمَاءَ بَعْدَ مَا اغْتَسَلَتْ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا ، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَرَجَّحُ وُقُوعُهُ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْغَالِبِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ شُرُوطٌ : ( أَحَدُهَا ) : أَنْ لَا ( تَطَّرِدَ ) الْعَادَةُ ( بِمُخَالَفَةِ ) الْأَصْلِ ، فَإِنْ ( اطَّرَدَتْ ) ( عَادَةٌ ) بِذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ ( السِّرْجِينِ ) فِي أَوَانِي الْفَخَّارِ قُدِّمَتْ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا فَيُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَمِثْلُهُ ( الْمَاءُ ) الْهَارِبُ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ .
( الثَّانِي ) : أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ ، فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ قَطْعًا ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ ( عَلَى ) أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ ( كَانَ ) لَهُ الْأَخْذُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ؟ قَالَ الْإِمَامُ : ( وَفَرَّقَ شَيْخِي بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَتَطَرَّقُ إلَى تَمْيِيزِ الطَّاهِرِ ) مِنْ النَّجِسِ ؛ لِأَنَّ لِلنَّجَاسَاتِ أَمَارَاتٍ بِخِلَافِ الْحَدَثِ ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ ( بِأَنَّ أَصْلَ ) الشَّافِعِيِّ فِي تَمْيِيزِ دَمِ الْحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَاتِ مَعْلُومٌ ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ لِلْمَنِيِّ صِفَاتٍ ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا التَّمَسُّكُ بِهَا ، فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى
الْأَحْدَاثِ غَيْرُ ( سَدِيدٍ ) ثُمَّ حَاوَلَ الْفَرْقَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا النَّجَاسَةُ كَثِيرَةٌ ( جِدًّا ) ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى .
( الثَّالِثُ ) : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ ( أَحَدِهِمَا ) مَا يَعْتَضِدُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ ( بِالتَّرْجِيحِ ) مُتَعَيِّنٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَوْلُ ( الْأَصْحَابِ ) مَنْ قَالَ : إنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ ، فَفِيهَا قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا حَقِيقَةَ الْإِطْلَاقِ ، فَإِنَّ لَنَا مَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا ( يُنْظَرُ ) فِيهَا إلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ ، وَمَسَائِلَ يُعْمَلُ فِيهَا بِالْأَصْلِ ( قَطْعًا ) كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ ، أَوْ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ صَلَّى ( ثَلَاثًا ) أَوْ أَرْبَعًا ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِيهَا كُلِّهَا ( بِالْأَصْلِ ) وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقُ وَالرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ ، فَالصَّوَابُ فِي الضَّابِطِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ : ( إنَّهُ ) عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا يَجِبُ النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ كَمَا فِي تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الرَّاجِحِ فَهِيَ مَسَائِلُ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ تَرَجَّحَ دَلِيلُ ( الظَّاهِرِ ) عُمِلَ بِهِ أَوْ دَلِيلُ [ الْأَصْلِ ] عُمِلَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي ( تَقَابُلِ ) الْأَصْلَيْنِ أَوْ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَالْعَمَلُ بِالْمُرَجَّحِ مُتَعَيِّنٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَمْرَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ ، وَقَدْ مَاتَ فَادَّعَى الْمُعْتِقُ ( نَقْصَ ) الْقِيمَةٍ بِسَبَبِ ( نَقِيصَةٍ ) طَارِئَةٍ ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْصِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ( فَيَخْرُجُ ) عَلَى تَقَابُلِ
الْأَصْلَيْنِ وَلَيْسَ مَعْنَى تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ اسْتِحَالَةَ التَّرْجِيحِ بَلْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ مُدْرَكٍ آخَرَ سِوَى اسْتِصْحَابِ الْأُصُولِ ، فَإِنْ ( تَعَذَّرَ ) ، فَلَيْسَ إلَّا التَّوَقُّفُ أَمَّا تَخْيِيرُ ( الْمَعْنَى ) بَيْنَ مُتَنَاقِضَيْنِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .
قُلْت قَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ ( وَجْهًا ) .
( الثَّانِي ) : قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ : إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ ( فَبَاعَ ) الرَّاهِنُ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ فَادَّعَى أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ عَدَمِ الرُّجُوعِ يُعَارِضُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبَيْعِ ( فَيَبْقَى ) ، أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ ، وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ عَارَضَهُ الْأَصْلُ الْآخَرُ ( فَتَعَطَّلَ ) ، وَبَقِيَ أَصْلٌ آخَرُ خَالِيًا ( مِنْ ) الْمُعَارَضَةِ ( فَيُعْمَلُ ) بِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : إذَا اجْتَمَعَ فِي جَانِبٍ أَصْلَانِ أَوْ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ ، وَفِي جَانِبٍ ( آخَرَ أَصْلٌ ) أَوْ ظَاهِرٌ ( فَقَطْ ، لَا ) تَعَارُضَ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّسَاوِي ، وَلَا تَسَاوِيَ ( وَلَكِنْ ) يُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُتَيَقِّنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَوْلُ ( الشَّافِعِيِّ ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيمَا إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ، ( وَالدَّاخِلِ ) ( تَسَاقَطَتَا ) ( وَبَقِيَتْ ) الْيَدُ خَالِيَةً عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَعُمِلَ بِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَصْلًا ، فِيهِ قَوْلَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِي احْتِيَاجِ الدَّاخِلِ إلَى الْيَمِينِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَاجُ .
( وَاعْلَمْ ) : أَنَّ الضَّابِطَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْإِخْبَارِ ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ سَنَدُهُ الْعُرْفَ أَوْ الْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ ، فَهَذِهِ يَتَفَاوَتُ ( أَمْرُهَا ) فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَتَارَةً يَخْرُجُ خِلَافٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ قَطْعًا ، ( وَمِنْهُ ) : الْيَدُ فِي الدَّعْوَى فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ ( وَمِنْهَا إخْبَارُ الثِّقَةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ ) .
( وَمِنْهَا ) : إخْبَارُ الثِّقَةِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ إذَا كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا يُقَدَّمُ عَلَى أَصْلِ طَهَارَةِ الْمَاءِ قَطْعًا ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مُوَافِقًا وَلَكِنْ عَيَّنَ تِلْكَ النَّجَاسَةَ .
وَمِنْهُ ) : قَبُولُ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ وَلَوْ فِي مُدَّةٍ أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ ، ( وَمِنْهُ ) : لَوْ أَخَذَ الْمُحْرِمُ بَيْضَ دَجَاجَةٍ وَأَحْضَنَهَا صَيْدًا فَفَسَدَ بِيضُهُ ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ ، وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ فِيهِ خِلَافًا .
( مِنْهُ ) : لَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجِمَاعِ بَعْدَ مَا قَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مَنِيٌّ بَعْدَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إعَادَةُ الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مَنِيُّهَا ، أَوْ مَنِيُّهَا وَمَنِيُّ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ ، فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَسِيطِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلظَّنِّ أَثَرًا يَعْنِي فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ مَسْأَلَةً نُسِبَ فِيهَا إلَى الْوَهْمِ وَالتَّفَرُّدِ ، فِيمَنْ تَحَقَّقَ الْحَدَثُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالْوُضُوءِ ( لَعَلَّهُ ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْوَسِيطِ هَذَا ، فَإِنَّ الظَّنَّ كَمَا أَثَّرَ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ ، وَقَضَاءِ الْوِتْرِ كَذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ .
( وَمِنْهُ ) لَوْ وَضَعَ عَصِيرًا فِي دَنٍّ وَسَدَّ فَمَه ثُمَّ فَتَحَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ ( فَوَجَدَهُ ) خَلًّا فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ كَانَ الَّذِي فِي الدَّنِّ قَدْ انْقَلَبَ خَمْرًا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ خَلًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِلَابُهُ خَمْرًا قَبْلَ انْقِلَابِهِ خَلًّا .
( وَمِنْهُ ) : مُدَّةُ الْخُفِّ إذَا شَكَّ فِي انْقِضَائِهَا يَأْخُذُ بِالشَّكِّ وَيَتْرُكُ الْأَصْلَ ، ( وَمِنْهُ ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الْأُمِّ ( فِيمَنْ ) مَرَّ ( فِي الصَّحْرَاءِ ) بِمَيِّتٍ ( وَعَلَيْهِ ) أَثَرُ الْغُسْلِ وَالْكَفَنِ وَالْحَنُوطِ ( فَإِنَّهُمْ ) يَدْفِنُونَهُ ، فَإِنْ اخْتَارُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ صَلُّوا عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ انْتَهَى ، وَفِي هَذَا تَوَقُّفٌ ( بَلْ الْأَظْهَرُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَلَا مُرْشِدَ لِلصَّلَاةِ ) ( عَلَيْهِ ) حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ .
( الثَّانِي ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الظَّاهِرِ ، ( فَمِنْهُ ) : لَوْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِنْهَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُهَا عَلَى الصِّحَّةِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إتْيَانِهِ ( بِهِ ) ، وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ .
( وَمِنْهُ ) اخْتِلَافُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ( الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي ) الصِّحَّةَ عَلَى الْأَظْهَرِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ جَاءَ مِنْ قُدَّامِ الْإِمَامِ وَاقْتَدَى بِهِ ، وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الْقُدْوَةُ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : لَا يَصِحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَاءَ مِنْ وَرَائِهِ وَقَوَّاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ امْتَشَطَ ( مُحْرِمٌ ) فَانْتُتِفَ مِنْهُ شَعْرٌ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْمَشْطِ ، أَمْ لَا فَقِيلَ يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ثَابِتًا إلَى وَقْتِ الِامْتِشَاطِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الْإِبَانَةِ فَيُضَافُ إلَيْهِ ، وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْفِدْيَةِ .
وَمِنْهُ : حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ ( ضَرْبَةٍ ) فَضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْجَمِيعِ لَهُ بَرِئَ ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا بَرَّ عَلَى النَّصِّ ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ : لَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ، عَدَمُ الْإِصَابَةِ .
وَمِنْهُ : رَأَى حَيَوَانًا يَبُولُ فِي مَاءٍ ، ( ثُمَّ جَاءَ ) ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُهُ بِطُولِ ( مُكْثٍ ) ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ نَصَّ عَلَيْهِ .
( فَأَسْنَدَ ) التَّغَيُّرَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، لَكِنَّهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ( بِالْمُكْثِ ) وَأَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْبَوْلِ ، وَإِحَالَتُهُ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ ، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَقَدَّمَ الظَّاهِرَ عَلَى الْأَصْلِ ، وَتَابَعَهُ الْجُمْهُورُ ، وَقِيلَ : إنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ فَنَجِسٌ ، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ ، وَلَوْ ذَهَبَ عَقِبَ الْبَوْلِ ، فَلَمْ يَجِدْهُ مُتَغَيِّرًا ، ثُمَّ عَادَ فِي زَمَنٍ آخَرَ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا ، قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ يُحْكَمُ .
وَمِنْهُ ، لَوْ قَطَعَ لِسَانَ صَبِيٍّ حِينَ وُلِدَ وَلَمْ ( تَظْهَرْ أَمَارَاتٌ ) لِصِحَّةِ لِسَانِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ شَيْءٌ وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَقَالَ : اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ .
وَمِنْهُ : لَوْ وَكَّلَ بِتَزْوِيجِ ابْنَتِهِ ، ( ثُمَّ مَاتَ ) ( الْمُوَكِّلُ ) وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ النِّكَاحِ ، ( وَالْأَظْهَرُ ) بَقَاءُ الْحَيَاةِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ ، وَخَالَفَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ، فَقَالَ : الْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالشَّكِّ .
وَمِنْهُ : إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ لِوَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ ، وَقِيلَ : لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، بَلْ تُصَلِّي مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَهَا مَا صَلَّتْ وَإِنْ دَامَ تَرَكَتْ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ ، وَأَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ ، وَاقْتَضَى كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ مَخْصُوصٌ بِالْمُبْتَدَأَةِ ، وَأَنَّ الْمُعْتَادَةَ تَتْرُكُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ قَطْعًا وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَجْهٌ مُفَصَّلٌ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ ( بَعْدُ ) ، وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ هَلْ يَحْصُلُ بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً أَوْ غَيْرَهَا ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ، هَلْ تَطْلُقُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَوْ بِمُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .
وَمِنْهَا ، لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ( دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ ) صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ دُخُولِهِ ، وَلَا الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْأَوَانِي وَالْفِطْرِ وَالصِّيَامِ .
وَمِنْهُ : النَّوْمُ غَيْرَ ( مُمَكِّنٍ ) مَقْعَدَتَهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الْحَدَثِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ خُرُوجِهِ وَبَقَاءَ الطَّهَارَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا وَلَا اسْتِئْنَافًا بَلْ أَطْلَقَ ، فَالْأَظْهَرُ يَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيقَاعِ كَاللَّفْظِ ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ : إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ ، فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَيَقَّنَ عَدَمُ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : قَالَ لَهَا فِي رَمَضَانَ ( قَبْلَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ : أَنْتِ طَالِقٌ ) ( لَيْلَةَ الْقَدْرِ ) طَلُقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَاعْتَنَى بِهِ ( الْحَمَوِيُّ ) وَخَرَّجَهَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، فَإِنَّا إنْ رَاعَيْنَا ظَوَاهِرَ الْأَخْبَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ ، وَإِنْ رَاعَيْنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَمْ نُوقِعْ الطَّلَاقَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْوُقُوعُ بِإِمْضَاءِ سَنَةٍ ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الْأَخْبَارِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ .
الثَّالِثُ : مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ ، وَإِلْغَاءِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ فَمِنْهُ : لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ ظَنَّهُ ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَكَذَا عَكْسُهُ وَخَالَفَ الرَّافِعِيُّ هُنَا وَأَعْمَلَ ظَنَّ الطَّهَارَةِ وَسَبَقَ مَا فِيهِ .
وَمِنْهُ : لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ
وَلَوْ ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ مَعَ طُولِ بَقَائِهَا مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ يُوصِلْهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تُبْعِدُ ذَلِكَ جِدًّا
، وَمِنْهُ : لَوْ اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ ، وَكَانَ الْحَرَامُ مَغْمُورًا ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ مُحْرِمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ ، فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ ، مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ .
وَمِنْهُ : لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةِ بَلَدٍ ، أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِلَا اجْتِهَادٍ قَطْعًا ( وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ ) يَنْتَهِي ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ .
وَمِنْهُ لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ مُعْتَقِدًا بَكَارَتَهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِثُبُوتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلُ لِجَوَازِ إزَالَتِهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْبَكَارَةُ .
وَمِنْهُ " الْمُتَبَايِعَانِ تَمْضِي عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ تَلَازُمِهِمَا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفَرُّقَ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُنْكِرُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي تَلَازُمِهَا وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ .
وَمِنْهُ : الْمَدْيُونُ ، إذَا عُرِفَ لَهُ مَالٌ قَطَعُوا بِحَبْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : وَكَانَ يَنْبَغِي ، إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ ، وَكَانَ ضَعِيفًا عَنْ الْكَسْبِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ تَسْتَوْعِبُ نَفَقَتُهَا مَا عِنْدَهُ ، ( أَنَّهُ ) لَا يُحْبَسُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ( يُنْفِقُ مَا ) عَهِدْنَاهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ، قَالَ : وَهَذَا السُّؤَالُ مُشْكِلٌ جِدًّا ( وَلَعَلَّ ) اللَّهَ يُيَسِّرُ حَلَّهُ .
قُلْت : وَهَذَا نَظِيرُ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
( وَمِنْهُ ) : إذَا ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ امْتِدَادَ الطُّهْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً ، وَعَدَمَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَتُصَدَّقُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِدَّةِ ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ ( الْقَوِيِّ ) .
وَمِنْهُ : لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَحْدَثَ يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ الْمُسْتَصْحَبِ ( وَيُلْغَى ) ظَنُّهُ ، وَإِنْ أُسْنِدَ ( لِظَاهِرٍ قَطَعُوا بِهِ ) ، إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ اخْتَارَ فِي ظَنِّ الطَّهَارَةِ خِلَافَهُ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ وَمِنْهُ : لَوْ أَسْلَمَ فِي لَحْمٍ فَأَتَاهُ بِهِ عَلَى صِفَاتٍ السَّلَمِ فَقَالَ الْمُسْلِمُ : هَذَا ( لَحْمُ ) مَيْتَةٍ لَا يَلْزَمُنِي قَبُولُهُ ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ، بَلْ مُذَكًّى فَعَلَيْك قَبُولُهُ ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ قَطَعَ بِهِ ( الزُّبَيْرِيُّ ) فِي الْمُسْكِتِ ، وَالْعَبَّادِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَالْهَرَوِيُّ فِي ( الْإِشْرَافِ ) قَالَ الْعَبَّادِيُّ : لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ ( وَالْأَصْلُ ) بَقَاءُ تَحْرِيمِهِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الذَّكَاةُ الشَّرْعِيَّةُ .
قُلْت : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ ( لَحْمَ ) مَيْتَةٍ ، وَيَدَّعِي طَهَارَتَهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي ( الْمِكْتَلِ ) أَوْ خِرْقَةٌ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ أَوْلَى وَقَدْ قَالُوا فِي الْمُكَاتَبِ إذَا أَتَى سَيِّدَهُ بِمَالٍ ، فَقَالَ السَّيِّدُ : ( هَذَا ) حَرَامٌ ، فَالْمُصَدَّقُ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ ، أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ : إمَّا أَنْ تَأْخُذَهُ أَوْ تُبْرِيَهُ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ ، وَلَوْ وَكَّلَ شَخْصًا فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَوَصَفَهَا فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَمَاتَ الْوَكِيلُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْمُوَكِّلِ ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمُوَكِّلِ ( وَطْؤُهَا ) ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ ، وَتَوْجِيهُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ ( شِرَاءَ ) الْوَكِيلِ الْجَارِيَةَ بِالصِّفَاتِ الْمُوَكَّلِ بِهَا ظَاهِرٌ فِي الْحِلِّ ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ فَغَلَّبْنَاهُ .
وَمِنْهُ : لَوْ أَسْلَمَ ( الْكَافِرُ ) وَصَلَّى خَلْفَهُ رَجُلٌ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ : كُنْتُ جَحَدْت الْإِسْلَامَ وَارْتَدَدْت قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَإِنَّ ( صَلَاةَ ) الْمُؤْتَمِّ بِهِ لَا ( تَبْطُلُ ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَفَ مِنْهُ الْإِسْلَامَ لَمْ ( يَنْزِلْ ) عَنْ حُكْمِهِ ، إلَّا ( أَنْ ) يَسْمَعَ مِنْهُ الْجُحُودَ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ( حَالُ رَدَّةٍ وَحَالُ إسْلَامٍ ) ( وَصَلَّى ) خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ فِي أَيِّ ( حَالَتَيْهِ ) صَلَّى ، قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ : أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُعِيدَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَجِبْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِسْلَامُ .
وَمِنْهُ : لَوْ ( تُنْجِبُ ) شَاةٌ ( سَخْلَةً ) رَأْسُهَا ( يُشْبِهُ ) رَأْسَ ( شَاةٍ ) ، وَذَنَبُهَا يُشْبِهُ ذَنَبَ الْكَلْبِ ، فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي ( حُسَيْنٍ ) أَنَّهَا تَحِلُّ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ فَحْلَهَا كَانَ كَلْبًا .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأَصْلِ فَمِنْهَا : لَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ ، وَشَكَّ هَلْ وَلَغَ فِيهِ أَمْ لَا ، وَأَخْرَجَهُ وَفَمُهُ رَطْبٌ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَاءِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُلُوغِ وَهُوَ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِهِ يَكَادُ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا مِنْ الْمَاءِ ، وَلَعَلَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا شَكَّ فِي أَنَّ الرُّطُوبَةَ الَّتِي عَلَى فَمِ الْكَلْبِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ ، كَمَا إذَا شَاهَدْنَا رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ ، وَأَخْرَجَهُ وَعَلَى فَمِهِ رُطُوبَةٌ ، وَأَمَّا لَوْ شَاهَدْنَا فَمَهُ يَابِسًا وَأَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ رَطْبًا ، أَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ ( وَسَمِعْنَاهُ ) يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ ، فَلَا وَجْهَ إلَّا الْقَطْعُ بِالنَّجَاسَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ الْمُصَلِّي فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ الْيَقِينُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : إنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَهُوَ قَوِيٌّ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ : نَعَمْ ، لَوْ طَافَ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ أَتَمَّ الْعَدَدَ فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِبَقَاءِ شَيْءٍ ، فَالْأَقْرَبُ الرُّجُوعُ لِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُبْطِلُهُ ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ .
وَمِنْهَا : لَوْ اخْتَلَطَتْ تَمْرَةٌ حَلَالٌ بِتَمْرٍ ( كَثِيرٍ ) حَرَامٍ ، أَوْ صَيْدٌ مُبَاحٌ بِصَيْدٍ كَثِيرٍ مَمْلُوكٍ ، فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ الْأَكْلُ مِنْ التَّمْرِ وَالصَّيْدِ ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ لِغَلَبَةِ الْحَرَامِ ، وَنُدُورِ الْحَلَالِ ، فَإِنْ كَثُرَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ عِنْدَ إنْسَانٍ ، فَالْبَيْعُ مِنْهُ وَأَكْلُ مَالِهِ جَائِزٌ ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرُ مَالِهِ ( حَرَامًا ) جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ ، كَذَا قَطَعُوا ( بِهِ ) مَعَ حِكَايَتِهِمْ قَوْلَيْنِ : فِي غَلَبَةِ ظَنِّ النَّجَاسَةِ وَجَزَمُوا عِنْدَ ظَنِّ الْحَرَامِ الْكَثِيرِ بِجَوَازِ الْمُعَامَلَةِ ، وَالْقِيَاسُ : إمَّا التَّسْوِيَةُ وَإِمَّا الْمَنْعُ مِنْهَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ( بِهَا ) وَحَقِّ الْآدَمِيِّ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّمَا لَمْ يُجْرُوا هُنَا الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّا صَادَفْنَا أَصْلًا مَرْجُوعًا إلَيْهِ فِي الْأَمْلَاكِ ، وَهُوَ الْيَدُ فَاعْتَمَدْنَاهُ ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ أَصْلًا يُعَارِضُ غَلَبَةَ الظَّنِّ ، إلَّا اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ .
قُلْت : وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدِ فِي الْمُعَامَلَةِ يُعَارِضُهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ ( الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَالِسِيُّ ) : يَنْبَغِي تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ حَتَّى ( لَوْ ) بَاعَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْهُ الثَّمَنَ حَتَّى يَذْكُرَ جِهَتَهُ ، وَكَذَلِكَ فِي طَعَامِهِ ، لَوْ قَدَّمَهُ لَهُ ضِيَافَةً .
قُلْت : قَدْ قَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الضِّيَافَةِ ، فَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ : إذَا كَانَ الدَّاعِي إلَيْهَا فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ ، لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ ، وَلَوْلَا اعْتِبَارُ ذَلِكَ لَمَا سَقَطَ عَنْهُ الْوَاجِبُ .
وَمِنْهَا : لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ فِيهَا دُونَ قُلَّتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً ، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ ؛ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا ( بَعْدَ الْوُضُوءِ )
وَمِنْهَا : لَوْ صَلَّى ( وَرَأَى ) بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً ، احْتَمَلَ وُقُوعُهَا بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، لَمْ يُعِدْ ، وَلَوْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا وَلَمْ يَدْرِ مَتَى حَصَلَ لَهُ ، قَالَ الْأَصْحَابُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ ، هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا : قَالَ الرُّويَانِيُّ : إنْ كَانَ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ ، لَمْ يُعِدْ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا ( وَقَعَ ) مِنْهُ فِي الْمَاضِي ( وَيَعْسَرُ ) عَلَيْهِ تَذَكُّرُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ كَمَنْ شَكَّ فِي آخِرِ الْأُسْبُوعِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ عَلَى مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ مُوَاظَبَةَ الصَّلَاةِ ، أَمَّا مَنْ اعْتَادَ تَرْكَهَا أَوْ بَعْضَهَا ، فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا ( مُتَعَيَّنٌ ) ، لَا بُدَّ مِنْهُ .
وَمِنْهَا ثِيَابُ مُدْمِنِي النَّجَاسَاتِ وَطِينِ الشَّارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَالْمَقَابِرُ الَّتِي يَغْلِبُ ( نَبْشُهَا ) ، وَالْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ .
وَلِطِينِ الشَّارِعِ أُصُولٌ يُبْنَى عَلَيْهَا : ( أَحَدُهَا ) مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ .
( ثَانِيهَا ) : طَهَارَةُ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ عَلَى الْقَدِيمِ .
ثَالِثُهَا ) : طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ بِالِاسْتِحَالَةِ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَصَارَتْ طِينًا ، وَأَمَّا الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَتُهُ وَلَا يُتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : إنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَخَالَفَهُمَا النَّوَوِيُّ ( فَقَالَ ) الْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ بَرِئَ مِنْ جِرَاحَتِهِ أَوْ مَاتَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَقَصَ لِأَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّوَائِدِ ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ جَرَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ( فَغَابَ ) ثُمَّ ( وَجَدَهُ ) مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَوْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ ، فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ ( كَامِلٌ ) أَوْ ضَمَانُ الْجُرْحِ فَقَطْ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ ( فَفِيهِ ) قَوْلَانِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : قُلْت : أَصَحُّهُمَا الثَّانِي وَهُوَ مُشْكِلٌ ؛ ( لِأَنَّهُ ) وُجِدَ سَبَبٌ يُمْكِنُ إحَالَةُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجُرْحُ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ آخَرَ سِوَاهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا وَغَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا يَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ( وَلْنَنْظُرْ ) فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ ( الصُّوَرِ ) وَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيِ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا حَيْثُ أَحَالُوهُ عَلَى الْبَوْلِ ، لَكِنْ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ ( لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ ) وَقَدْ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ إذَا غَابَ عَنْ الصَّيْدِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ ثُمَّ قَالَ : وَنَظِيرُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَاءِ أَنْ يَبُولَ الظَّبْيُ فِيهِ وَلَا يَعْقُبُهُ التَّغَيُّرُ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَانٌ ثُمَّ يُوجَدُ مُتَغَيِّرًا ( فَلَا ) يُحْكَمُ بِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَنْ الْبَوْلِ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ : وَلَا يُحْكَمُ ( بِمَوْتِ ) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْهَا حَتَّى تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنْهَا إلَى أَنْ مَاتَ فَالْمَسَائِلُ ( الثَّلَاثُ ) كُلُّهَا سَوَاءٌ ( تَجْمَعُهَا نُكْتَةٌ ) وَاحِدَةٌ انْتَهَى .
( وَمِنْهَا ) : قَالَ : بِعْتُك الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ ، فَالثَّمَرَةُ لِي وَعَاكَسَهُ الْمُشْتَرِي صُدِّقَ الْبَائِعُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنَّ الدَّارِمِيَّ قَالَ : إنَّهُمَا ( يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ بَعْدَهُ قَالَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ النِّهَايَةِ : كَتَبَ ( الْحَلِيمِيُّ ) إلَى الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ ، قُلْت : وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الْمُصَدَّقِ مِنْهُمَا وَجْهَيْنِ
، ( وَمِنْهَا ) : لَوْ اخْتَلَفَ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ فَقَالَتْ : ( وَلَدْتُهُ ) بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَمُكَاتَبٌ ) مِثْلِي فَقَالَ السَّيِّدُ : بَلْ قَبْلَهَا صُدِّقَ السَّيِّدُ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَا : وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ وَوَلَدَتْ وَقَدْ كَاتَبَهُ ، فَقَالَ السَّيِّدُ : وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ ( قِنٌّ ) لِي ، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ : بَلْ بَعْدَ ( الشِّرَاءِ ) فَمُكَاتَبٌ صُدِّقَ الْمُكَاتَبُ بِيَمِينِهِ ، وَفَرَّقَا بِأَنَّ الْمُكَاتَبَ هُنَا يَدَّعِي مِلْكَ الْوَلَدِ كَمَا سَبَقَ ؛ ( لِأَنَّ ) وَلَدَ أَمَتِهِ مِلْكُهُ وَيَدُهُ مُقِرَّةٌ عَلَى هَذَا الْوَلَدِ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ ، وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تَدَّعِي الْمِلْكَ ، بَلْ ثُبُوتَ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهِ .
تَنْبِيهَانِ : ( الْأَوَّلُ ) : الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ .
الْمُرَادُ بِالْغَالِبِ ( غَلَبَةُ ) الظَّنِّ لَا مِنْ جِهَةِ عَلَامَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّيْءِ ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْحِلِّ هَلْ يُزَالُ بِهِ كَالْخِلَافِ فِي ( التَّطْهِيرِ ) مِنْ أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ ، وَالصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ الْمَنْبُوشَةِ وَفِي ( طِينِ ) الشَّوَارِعِ ؟ أَعْنِي الْقَدْرَ الزَّائِدَ ( عَلَى ) مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ ، وَأَنَّ الْعَلَامَةَ إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِغَيْرِ التَّنَاوُلِ لَمْ ( يَجِبْ ) دَفْعُ الْأَصْلِ ، فَأَمَّا إذَا اسْتَنَدَ غَلَبَةُ الظَّنِّ إلَى عَلَامَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ ( بِعَيْنِ ) الشَّيْءِ ، وَجَبَ تَرْجِيحُ الْغَالِبِ كَمَسْأَلَةِ بَوْلِ الظَّبْيَةِ ، فَإِنَّ الْبَوْلَ الْمُشَاهَدَ دَلَالَةٌ ( مُغَلِّبَةٌ ) لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ بَانَ لَنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلِ ضَعِيفٌ وَلَا يَبْقَى لَهُ حُكْمٌ مَعَ غَالِبِ الظَّنِّ ذَكَرَ هَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ .
الثَّانِي ) : قَالَ ( الْقَرَافِيُّ ) ( فِي ) تَقْدِيمِ الْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ رُخْصَةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ نَادِرَةٌ فِيمَا يَغْلِبُ نَجَاسَتُهُ ، ( وَإِذَا ) كَانَ الْغَالِبُ النَّجَاسَةَ ، فَتَرْكُهُ وَرَعٌ ،
وَأَمَّا عِنْدَ اسْتِوَاءِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَرْجِيحِ جَانِبِ الطَّهَارَةِ فَتَرْكُهُ وَسْوَاسٌ .
تَعَارُضُ الْأَصْلَيْنِ يَخْرُجُ فِيهِ قَوْلَانِ فِي كُلِّ صُورَةٍ .
قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ : وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ ( فَلَا يُظَنُّ ) أَنَّ تَقَابُلَ الْأَصْلَيْنِ يَمْنَعُ الْمُجْتَهِدَ مِنْ إخْرَاجِ الْحُكْمِ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَخَلَتْ الْوَاقِعَةُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ ، ( وَقَالَ ) الْمَاوَرْدِيُّ : إذَا تَعَارَضَا ( أَخَذْنَا ) بِالْأَحْوَطِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ شَكَّ وَهُوَ فِي الْجُمُعَةِ هَلْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَمْ لَا أَتَمَّ الْجُمُعَةَ عَلَى الصَّحِيحِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ ، وَلَوْ شَكَّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فِي بَقَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يَجْمَعْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الظُّهْرِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ ، وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ وَشَكَّ أَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى ( بِالْأَسْبَابِ ) أَوْ بِحَرَكَةِ الْمَحَلِّ ) فَهَلْ ( يُحْسَبُ ) ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى تَقَابُلِ ( الْأَصْلَيْنِ ) قَالَهُ فِي ( الْمُهَذَّبِ ) ، وَلَوْ قُدَّ مَلْفُوفًا وَزُعِمَ مَوْتُهُ تَجِبُ الدِّيَةُ ، وَإِنَّمَا ( سَقَطَ ) الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ ، وَلَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ ( الْإِمَامَ ) وَهُوَ رَاكِعٌ وَشَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ ، فَهَلْ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرُّكُوعِ ، أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَلَوْ اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ ، وَقَالَ الرَّاهِنُ : تَصَرَّفْت قَبْلَ الرُّجُوعِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ( فِي الْأَصَحِّ ) ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ تَقَابُلُ الْأَصْلَيْنِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ وَرَجَّحَ الْبَغَوِيّ السَّابِقَ لِلدَّعْوَى .
وَلَوْ قَبَضَ ( عِوَضًا ) مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي عَيْبٍ ( يُمْكِنُ ) الْحُدُوثُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَيِّهِمَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِتَقَابُلِ أَصْلَيْنِ السَّلَامَةِ وَاشْتِغَالِ الذِّمَّةِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ ( الْخَرَاجِ )
، وَلَوْ رَأَى طَائِرًا فَقَالَ : إنْ لَمْ آخُذْ هَذَا الطَّائِرُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ : ثُمَّ اصْطَادَ طَائِرًا ، وَزَعَمَ أَنَّهُ ذَلِكَ الطَّائِرُ ، وَالنَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ الْحَالَ ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيه مُحْتَمَلٌ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ نِكَاحِهِ ، وَلَوْ قَالَ : لَا أَعْرِفُ أَنَا ذَلِكَ ( أَيْضًا ) وَاحْتَمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : قَالَ : وَاَلَّذِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ الطَّائِرَ ( وَأَنَّهُ لَمْ تَبَرَّ ) يَمِينُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ( بَقَاءُ ) النِّكَاحِ ، ( وَهَكَذَا ) لَوْ قَالَ : فَعَبْدِي حُرٌّ هَلْ يُعْتَقُ عَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ ؟
وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ فِي بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ ، أَوْ بِطَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ ؟ وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ الْقِلَّةُ كَمَا إذَا كَانَ كَثِيرًا ثُمَّ نَقَصَ ، وَشَكَّ فِي قَدْرِ الْبَاقِي مِنْهُ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ الْمُبْرِي .
( تَنْبِيهَاتٌ ) : ( الْأَوَّلُ ) : قَدْ يَتَعَارَضُ أَصْلَانِ وَلَا ( يَتَقَدَّمُ ) أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، بَلْ يُعْمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَالْعَبْدِ الْمُنْقَطِعِ الْخَبَرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ ( يُجْزِئُهُ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ الذِّمَّةِ فَلَا ( تَبْرَأُ ) إلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ ، وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِيمَا إذَا أَرَادَ جَمَاعَةٌ إنْشَاءَ قَرْيَةٍ لَا لِلسَّكَنِ - فَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ لَمْ يَجُزْ ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ وَانْهَدَمَتْ وَأَقَامَ أَهْلُهَا لِبِنَائِهَا وَأُقِيمَ فِيهَا الْجُمُعَةُ صَحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَنَظِيرُهُ ، إذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ الْخُفَّ ، وَأَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الْقَدَمِ إلَى مُسْتَقَرِّهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ ، وَنَصٌّ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا إلَى السَّاقِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا أَنَّهُ لَا ( يَضُرُّ ) ، فَلَهُ الْمَسْحُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
( وَلَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ ، وَقَالَ : إنْ كُنْت مُحْدِثًا فَهَذَا يَرْفَعُهُ وَإِلَّا فَتَبَرُّدٌ صَحَّ ، وَلَوْ كَانَ مُتَطَهِّرًا وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ وَقَالَ : ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ) ، ( وَإِذَا قُلْنَا : الْحَامِلُ تَحِيضُ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ تُجْعَلُ فِي الصَّلَاةِ طَاهِرًا وَفِي الْوَطْءِ حَائِضًا ) .
وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ عَاشَرَهَا وَمَضَتْ ( ثَلَاثَةُ ) أَقْرَاءٍ انْقَضَتْ ( عِدَّتُهَا ) فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ دُونَ الرَّجْعِيِّ عَلَى أَشْبَهِ الْأَوْجُهِ قَالَ الْقَفَّالُ وَالْبَغَوِيُّ : وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْأَقْرَاءِ ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْعِدَّةَ لَمْ تَنْقَضِ بِهَا ( أَخَذْنَا ) بِالِاحْتِيَاطِ ( مِنْ الْجَانِبَيْنِ )
، وَلَوْ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ ( حَالَ ) سَحَابٌ ( فَلَمْ ) يَدْرِ هَلْ انْجَلَتْ أَمْ لَا ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَعَلَى عَكْسِهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ ( الْغَيْمِ ) ( فَظَنَّ ) الْكُسُوفَ لَمْ ( يُصَلِّ ) حَتَّى يَسْتَيْقِنَ .
وَمِمَّا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَصْلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ : إذَا أَكَلْت الْهِرَّةُ فَأْرَةً ، أَوْ نَجَاسَةً ، ثُمَّ غَابَتْ ، وَاحْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ قَلِيلٍ جَارٍ ، ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ ، لَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ فَمِهَا اسْتِصْحَابًا - لِلْأَصْلِ ( فِيهَا ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ وَجَدَ ( شَعْرًا ) ( مُلْقًى ) فِي خِرْقَةٍ ، وَشَكَّ هَلْ هُوَ ( مِنْ مُذَكَّاةٍ أَوْ مَيْتَةٍ ) ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ ، فَهُوَ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ ، فَنَجِسٌ ، وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ ( الْإِبَاحَةُ أَوْ الْحَظْرُ ) ، ( وَأَبْدَى ) صَاحِبُ الْبَحْرِ احْتِمَالًا فِي نَجَاسَةِ الْمَأْكُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ فَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ لَا ( قَالَ ) ، النَّوَوِيُّ : وَهُوَ خَطَأٌ ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا طَهَارَتَهُ فِي الْحَيَاةِ ، وَلَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ وَلَا ظَاهِرٌ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةً ، وَفِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ ، فَنَجِسَةٌ ، أَوْ مُسْلِمُونَ خَاصَّةً ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي خِرْقَةٍ أَوْ مِكْتَلٍ ، فَطَاهِرَةٌ ، أَوْ مُلْقَاةٍ عَلَى الْأَرْضِ ، فَنَجِسَةٌ ( انْتَهَى ) ، وَيَنْبَغِي مَجِيءُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الشَّعْرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخِذَ مِنْ مُذَكَّى الْمَجُوسِ كَانَ نَجِسًا ، وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ ، لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الثَّالِثِ - فِيمَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ - مَسْأَلَةُ اللَّحْمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ : هُوَ مَيْتَةٌ ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ : مُذَكًّى يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَاةِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ ، وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنْجِيسُ فِي اللَّحْمِ الْمُلْقَى فِي ( مِكْتَلٍ ) ، أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ ( لَا ) تَتَحَقَّقُ ، وَالْأَصْلُ الْحُرْمَةُ ( وَالِاعْتِمَادُ ) فِي الطَّهَارَةِ عَلَى رَبْطِهِ بِخِرْقَةٍ ، أَوْ وَضْعِهِ فِي مِكْتَلٍ لَيْسَ بِأَقْوَى مِنْ يَدِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ، وَدَعْوَاهُ الطَّهَارَةَ ، هَذَا الْفَرْعُ لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ ، فَإِنَّ الشَّعْرَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ ، طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ ، فَاسْتُصْحِبَ لَهُ هَذَا الْأَصْلُ ، كَمَا اُسْتُصْحِبَ لِلَّحْمِ أَصْلُ التَّحْرِيمِ
وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّا ، لَوْ وَجَدْنَا جِلْدًا مَدْبُوغًا وَلَمْ نَدْرِ هَلْ هُوَ جِلْدُ كَلْبٍ ، أَوْ غَيْرِهِ أَوْ دَرَيْنَاهُ وَشَكَكْنَا فِي أَنَّهُ دُبِغَ أَمْ لَا فَوَجْهَانِ انْتَهَى .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّا إذَا تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ جِلْدُ مَيْتَةٍ ، وَشَكَكْنَا فِي ( دَبْغِهِ ) كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ ، وَلَوْ تَحَقَّقْنَا الدَّبْغَ وَشَكَكْنَا فِي ( آلَتِهِ ) فَالظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الدَّبْغَ يَقَعُ بِالْأَشْيَاءِ ( الْحِرِّيفَةِ ) الْقَالِعَةِ .
الثَّانِي : لَوْ كَانَ فِي جِهَةِ أَصْلٌ وَفِي جِهَةٍ أَصْلَانِ ( فَمَالَ ) ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى الْقَطْعِ ( بِتَقْدِيمِ ) ذِي الْأَصْلَيْنِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا لَوْ شَكَّ ، هَلْ رَضَعَ ( فِي حَوْلَيْنِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَلَا تَحْرِيمَ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ رَضَعَ ) خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، أَوْ أَقَلَّ ، فَلَا تَحْرِيمَ قَطْعًا ، وَمَا ذَاكَ إلَّا ؛ لِأَنَّ لِلْأُولَى ( أَصْلًا ) ( وَهُوَ الْإِبَاحَةُ ) فَلَا يُزَالُ بِالشَّكِّ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَوْلَيْنِ ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ ، فَلَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ ، فَلَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ ( فِيهِ ) ، لَكِنَّ فِي إجْرَاء هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي تَرْجِيحِ ذِي الْأَصْلَيْنِ ، أَمَّا الْجَزْمُ فَلَا ، أَلَا تَرَى ( إلَى صُوَرٍ ) تَعَارَضَ فِيهَا أَصْلَانِ مَعَ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، وَجَرَى فِيهَا الْخِلَافُ مِنْهَا ) أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ ( الْمَرْهُونِ ) فَبَاعَهُ ( الرَّاهِنُ ) ، وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَجَعَ قَبْلَ بَيْعِهِ ، فَالْأَصْلُ عَدَمُ الرُّجُوعِ ، وَيُعَارِضُهُ أَصْلَانِ : عَدَمُ الْبَيْعِ وَاسْتِمْرَارُ الرَّهْنِ وَقَدْ سَبَقَتْ .
وَمِنْهَا : لَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ ، لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ ، هَذَا إذَا لَمْ يَزِدْ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي ، فَلَوْ زَادَ بِاضْطِرَابِهِ .
فَلَا غُرْمَ ( وَلَوْ ) قَالَ : تَوَلَّدَتْ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِك فَلَا غُرْمَ ، فَأَنْكَرَ ، فَفِي الْمُصَدَّقِ وَجْهَانِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الِاضْطِرَابِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِ الْمَشْجُوجِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي حَقِّهِ أَصْلَانِ ، أَحَدُهُمَا : مَا تَقَدَّمَ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ارْتِعَاشِهِ أَيْضًا ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّ الشَّاجِّ ، ( إلَّا أَصْلٌ ) وَاحِدٌ ، وَالْأَصْلَانِ مُقَدَّمَانِ عَلَى أَصْلٍ ( وَاحِدٍ ) ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : كَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمَ ارْتِعَاشِ الْمَشْجُوجِ لَا يَسْتَلْزِمُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ ، فَإِنَّهُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ( مُتَعَمِّدٌ ) لِلْفِعْلِ ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْأَصْلِ ، فَلَا يُرَجَّحُ بِهَذَا الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الْأَرْشِ ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي قَوْلِهِ : فِي الْمَشْجُوجِ أَصْلَانِ ، بَلْ أَصْلٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ عَدَمُ اضْطِرَابِهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنَازَعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَنْ ( مَسَّتْهُ ) آلَةُ الْقِصَاصِ ، ( يَتَحَرَّكُ ) بِالطَّبْعِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ : لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمُدْيَةِ يُحَرِّكُهَا ، وَالْبَهِيمَةُ تُحَرِّكُ حَلْقَهَا ، فَحَصَلَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ بِتَحَامُلِهَا وَتَحْرِيكِ يَدِهِ ، فَالْوَجْهُ التَّحْرِيمُ ؛ لِاشْتِرَاكِ الْبَهِيمَةِ وَالذَّابِحِ .
الثَّالِثُ : إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَأَنْ يُقَالَ : إنَّهُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَصْلِ ، لِعَارِضٍ ( فَالْأَوَّلُ ) أَوْلَى ؛ لِمَا يَلْزَمُ ( فِي الثَّانِي ) مِنْ ( مُخَالَفَتِهِ ) مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ : إذَا حَكَمَ الشَّارِعُ ، بِأَنَّ أَثَرَ الدَّمِ ( بَعْدَ الْغُسْلِ ) ، لَا يَضُرُّ ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ ( طَهُرَ ) ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْعَفْوِ عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَيُقَالَ : الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ مَعَ الْعَفْوِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ ، فَإِنْ لَزِمَ مُخَالَفَةُ ( أَصْلٍ ) آخَرَ مِنْ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ فَحِينَئِذٍ ، يَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ ( وَالتَّرْجِيحِ ) .
تَعَارُضُ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يُقَدَّمُ الْحَظْرُ وَمِنْ ثَمَّ ، لَوْ تَوَلَّدَ ( الْحَيَوَانُ ) مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ حُرِّمَ أَكْلُهُ ، وَإِذَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ وَجَبَ الْجَزَاءُ تَغْلِيبًا ، لِلتَّحْرِيمِ ، وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كَلْبٍ وَغَيْرِهِ ، وَجَبَ التَّعْفِيرُ ، وَهِيَ مِنْ قَاعِدَةِ ( اجْتِمَاعِ ) الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ .
تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَحْظُورِ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ كَمَا ، إذَا اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْكُفَّارِ وَجَبَ غُسْلُ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ ، ( وَكَذَلِكَ ) اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ غُسْلُ ( الشَّهِيدِ حَرَامًا ) وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا .
وَلَوْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا ، وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا ، ( وَيُعْذَرُ ) الْمُصَلِّي فِي التَّنَحْنُحِ ، إذَا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ الْوَاجِبَةُ .
وَقَدْ يَتَعَارَضُ حَرَامَانِ يَتَوَقَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى وَاجِبٍ ، كَإِحْرَامِ الْمَرْأَةِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا كَشْفُ وَجْهِهَا ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِكَشْفِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ رَأْسِهَا إذَا أَرَادَتْ الصَّلَاةَ ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِ الْوَجْهِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا مُرَاعَاةُ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي السَّتْرِ ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ عَارِضٌ ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ : يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا ، إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ ، إلَّا بِسَتْرِ بَعْضِهِ مِنْ الْوَجْهِ ، فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا وَجَبَ عَلَيْهَا كَشْفُ جَمِيعِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ ، فَيُكْشَفُ ذَلِكَ ( الْقَدْرُ ) أَيْضًا ، فَلِمَ قَدَّمْتُمْ السَّتْرَ ( عَلَى ) الْكَشْفِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الرَّأْسَ يَجِبُ سَتْرُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي ( جَمِيعِهِ ) ( وَفِي ) الْوَجْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ النِّقَابِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ السَّتْرِ ، لَا يَكُونُ نِقَابًا ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ فَغَلَبَ حُكْمُهُ .
تَعَارُضُ الْوَاجِبَيْنِ يُقَدَّمُ آكَدُهُمَا فَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْعَيْنِ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّوَافِ : قَطْعُ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ ، لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ ، إذْ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ ( لِفَرْضِ ) الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ فِي بَابِ الْكُسُوفِ : لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ ؛ لِأَنَّ ( لِلْجُمُعَةِ ) بَدَلًا ، وَقَالَ فِيمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ الْجِهَادِ ، إلَّا ( بِإِذْنِ ) الْمُدَايِنِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْفَرْضَ الْمُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، وَيَشْتَغِلَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ .
قُلْت : وَكُلُّ هَذَا يَرُدُّ إطْلَاقَ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ ( إسْقَاطِهِ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ ) ، وَالْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ ، وَمِنْ هَذَا لَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، بِخِلَافِ الْجِهَادِ ، ( فَإِنَّهُ ) لَا يَجُوزُ ، إلَّا بِرِضَاهُمَا ؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفَرْضُ ( الْعَيْنِ ) مُقَدَّمٌ .
نَعَمْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالُوا : إنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ ، ( وَكَذَا ، إنْ ) كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ ( عَلَى ) الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيَّنِ .
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّ الْجِهَادَ مَا دَامَ فَرْضَ كِفَايَةٍ ، فَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْهُ ، فَإِنْ صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِلْمُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ .
قُلْت : وَعَلَى الْأَوَّلِ ( يَنْزِلُ ) نَصُّ الشَّافِعِيِّ ، الَّذِي حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ : لَيْسَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرْضِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ ، قِيلَ ( لَهُ ) : وَلَا الْجِهَادُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
( وَإِنْ ) اجْتَمَعَ فَرْضَا عَيْنٍ ، فَإِمَّا أَنْ ( يَكُونَا ) لِلَّهِ ، أَوْ لَهُ وَلِآدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَا لِلَّهِ ( تَعَالَى ) ، قُدِّمَ آكَدُهُمَا ؛ وَلِهَذَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ ( فَرِيضَةٍ ) ، وَقَضَاءِ ( الْفَائِتَةِ ) كَانَ فَرْضُ الْوَقْتِ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ ( وَكُسُوفٌ ) وَضَاقَ الْوَقْتُ يُصَلَّى الْعِيدُ ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ ، إلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا اشْتَرَى الثَّوْبَ وَيُقَدَّمُ مَا لَا يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ أَلْبَتَّةَ ، كَمَا لَوْ ابْتَلَعَ طَرَفَ خَيْطٍ بِاللَّيْلِ وَطَرَفُهُ الْآخَرِ خَارِجٌ ، وَأَصْبَحَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ نَزَعَهُ أَوْ ابْتَلَعَهُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ فَقِيهٌ إلَى نَزْعِهِ وَهُوَ غَافِلٌ ، ( وَإِنْ ) لَمْ يَتَّفِقْ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ بِنَزْعِهِ أَوْ ابْتِلَاعِهِ أَوْلَى ، وَيَقْضِي الصَّوْمَ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُتْرَكُ بِالْعُذْرِ ، وَقِيلَ : الْأَوْلَى تَرْكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ مَرَّةٌ فِي السَّنَةِ ، وَيُصَلِّي لِلضَّرُورَةِ وَيَقْضِي الصَّلَاةَ ، وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي الْمَرْأَةِ ، فَإِذَا قُلْنَا : يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ فَرْجِهَا ، إذَا انْتَشَرَ بَوْلُهَا إلَيْهِ وَتَجْفِيفُهُ .
هَكَذَا ( رَجَّحُوا ) هُنَا تَقْرِيمَ الصَّلَاةِ وَقَدَّمُوا الصَّوْمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَشْوُ الْفَرْجِ بِقُطْنٍ ، إلَّا إذَا كَانَتْ صَائِمَةً .
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ الْمُقَدَّمُ مِنْهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَالْأَصَحُّ فِيهِ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ ، يَعْنِي وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ ، ثُمَّ فَرَّقَ بِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ ( دَوَامُهَا ) فَلَوْ رَاعَيْنَا الصَّلَاةَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي ( الثَّلَاثَ ) صَلَوَاتٍ النَّهَارِيَّةِ وَتَحْشُو لِكُلٍّ دَائِمًا ، فَلَا يُتَصَوَّرُ ( مِنْهَا ) الصَّوْمُ وَالْقَضَاءُ مُتَيَسِّرٌ كُلَّ وَقْتٍ ، وَأَيْضًا
، فَإِنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا ( مَعَ الْحَشْوِ ) ( يَخِفُّ ) ، وَلَا يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ ؛ فَإِنَّ الْحَشْوَ ( يَتَنَجَّسُ ) ( وَهِيَ حَامِلَتُهُ ) ، وَهُنَاكَ يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ .
قُلْت : إنَّمَا لَمْ يُخَرِّجُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الْخِلَافَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ ( يُوجَدْ مِنْهَا ) تَقْصِيرٌ ( فَخُفِّفَ ) عَنْهَا أَمْرُهَا ( فَصَحَّتْ ) الْعِبَادَتَانِ مِنْهَا ) قَطْعًا ، كَمَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا مَعَ النَّجَاسَةِ ، وَالْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، ( وَيَشُقُّ ) بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَيْطِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ ، إلَّا نَادِرًا .
وَقَالُوا فِي الْمُحْرِمِ : إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ ، لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ ، امْتَنَعَ ، عَلَيْهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ فَعَلَى ( الْأَصَحِّ ) قِيلَ : يُصَلِّي بِالْأَرْضِ مُطَمْئِنًا ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَقِيلَ : يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا عَلِمَ فَوْتَ الْكُلِّ ، فَلَوْ عَلِمَ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ ، فَعَلَيْهِ الصَّبْرُ إلَى الْمَوْقِفِ ، وَيُصَلِّي رَكْعَةً فِي الْمَوْقِفِ ، وَلَوْ كَانَ إذَا صَلَّى قَائِمًا لَمْ يَسْتَمْسِكْ بَوْلُهُ ، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا اسْتَمْسَكَ ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي التَّحْقِيقِ يُصَلِّي قَاعِدًا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ الطَّهَارَةِ أَوْلَى .
وَلَوْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ ، إنْ بَسَطَهُ صَلَّى عُرْيَانًا قَالُوا : يَبْسُطهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَوَجَدَ ( مَاءً يَكْفِي ) أَحَدَهُمَا قَدَّمَ ( النَّجَاسَةَ ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ ، وَلَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا فِي ( رَمَضَانَ ) وَأَصْبَحَ صَائِمًا تَعَارَضَ وَاجِبَانِ ، إنْ قُلْنَا : يَجِبُ الِاسْتِقَاءَةُ .
وَلَوْ كَانَ الْمُحْرِمُ عَلَى بَدَنِهِ طِيبٌ وَمَعَهُ ( مَا يَكْفِيه ) لِوُضُوئِهِ ، وَجَبَ إزَالَةُ الطِّيبِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ كَالنَّجَاسَةِ ، قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ ( بِهِ ) لَمْ يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ ( وَيَتَيَمَّمُ ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً انْتَهَى .
( وَإِنْ ) كَانَ الْحَقَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِآدَمِيٍّ ، قُدِّمَ الْمُضَيَّقُ ؛ وَلِهَذَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ أَدَاءِ صَوْمِ ( رَمَضَانَ ) .
وَكَذَا مِنْ قَضَائِهِ ، إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ ، وَمِنْهُ حَجُّ الْفَرْضِ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ : نَعَمْ إنْ لَمْ يَمْتَدَّ زَمَنُ الْمُوَسَّعِ كَالصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ .
وَحَكَى الْجِيلِيُّ : إنَّهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ لَوْ خَرَجَ مِنْهَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ أَنَّهُ يُصَلِّي كَذَلِكَ .
وَلَوْ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَى مَنْ لَهُ أَبَوَانِ سَقَطَ إذْنُهُمَا .
وَلَوْ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ ، قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اجْتَمَعَ الْحَجُّ وَالدَّيْنُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اجْتَمَعَ جِزْيَةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ حَيْثُ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الْجِزْيَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهَا أُجْرَةُ الدَّارِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ، وَجَبَ الْقِسْطُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ ، وَالزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .
تَعَارُضُ السُّنَّتَيْنِ ( إنْ ) كَانَا نَفْسَ الْعِبَادَةِ لَمْ يَكُنْ ، ( لِإِحْدَاهُمَا ) مِزْيَةٌ عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ كَانَتْ ( إحْدَاهُمَا ) فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَالْأُخْرَى مَحَلَّهَا قُدِّمَتْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ ، وَمِنْهُ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ ( لِلطَّائِفِ فَضِيلَةٌ ) فِي مَحَلِّ الْعِبَادَةِ ، وَالرَّمَلُ فِي نَفْسِهَا ، فَإِذَا حَصَلَ زِحَامٌ تَبَاعَدَ مِنْ الْبَيْتِ وَرَمَلَ ، وَلَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي ( الثَّلَاثَةِ ) الْأُوَلِ ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِيهَا سُنَّةٌ ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِهَا ، وَلَا يُشْرَعُ تَرْكُ سُنَّةٍ فِي عِبَادَةٍ ؛ لِأَجْلِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا ، وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّنَّتَيْنِ هُنَا فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ ، ( لِإِحْدَاهُمَا ) مَزِيَّةٌ عَلَى الْأُخْرَى ، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَصَدَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ ( فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) : الَّذِي أَرَاهُ تَحْصِيلُ الصَّفِّ ( الْأَوَّلِ ) ، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ .
تَعَارُضُ فَضِيلَتَيْنِ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا لَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إلَى الْجُمُعَةِ ، بِلَا غُسْلٍ ( وَتَأْخِيرُهُ ) مَعَ الْغُسْلِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْغُسْلِ أَوْلَى لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ .
وَلَوْ تَعَارَضَ فَضِيلَةُ سَمَاعِ ( الْقُرْآنِ مِنْ الْإِمَامِ ) مَعَ قِلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ كَثْرَتِهَا ، فَالظَّاهِرُ تَفْضِيلُ الْأَوَّلِ
، وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ ، لَوْ أَتَى بِسُنَنِ الْوُضُوءِ ، فَفِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْلَى ، قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا هَذَا فِي الْجَمَاعَةِ ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ( فَيَجِبُ ) عَلَيْهِ لِيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ .
وَلَوْ مَلَكَ عَقَارًا وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ ، فَهَلْ الْأَوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالًا أَمْ ( وَقْفُهُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيلُ ) الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفُهُ ، وَلَعَلَّ الْوَقْفَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ ( جَدْوَاهُ ) ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْمَطْلَبِ تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ .
وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَرَأَى جَمَاعَةً يُصَلُّونَ إتْمَامًا فَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَصْرًا مُنْفَرِدًا أَوْ يُصَلِّي جَمَاعَةً إتْمَامًا ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ : الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً إتْمَامًا فَإِنَّ النَّوَوِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) إنَّمَا يُوجِبُ الْقَصْرَ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُتِمٍّ ( فَإِنْ ) اقْتَدَى بِهِ جَازَ لَهُ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ .
وَلَوْ تَيَقَّنَ فَاقِدُ الْمَاءِ وُجُودَهُ آخِرِ الْوَقْتِ ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ ، وَالثَّانِي ، لَا ، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا قَالُوا : الصَّلَاةُ بِالْوُضُوءِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ .
كَانَ إذَا قَدَّمَهَا بِالتَّيَمُّمِ صَلَّاهَا جَمَاعَةً ، وَإِذَا أَخَّرَهَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ مُنْفَرِدًا ، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ .
وَلَوْ تَعَارَضَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا وَالْإِتْيَانُ بِهَا آخِرَهُ جَمَاعَةً ( فَقَالَ ) أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ وَأَكْثَرُ الْمَرَاوِزَةِ ( بِأَفْضَلِيَّةِ ) التَّقْدِيمِ ، وَتَوَسَّطَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : يَنْبَغِي إنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ ( خَفَّ ) فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ ، أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَهَا آخِرَ الْوَقْتِ ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ قَطْعًا ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ ، كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا رَجَا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ وَالْعَارِي إذَا ( رَجَا السُّتْرَةَ ) آخِرَ الْوَقْتِ .
تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْمَسْنُونِ يُتْرَكُ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ ( عَنْ ) تَكْرَارِ الْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ وَلَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ لَمْ يَفْضُلْ لِلْعَطَشِ شَيْءٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَفَضَلَ لِلْعَطَشِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ ( ثَلَاثًا ) لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ قَالَ : يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً فَلَوْ غَسَلَ ( ثَلَاثًا ) فَلَمْ يَكْفِ يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ التَّثْلِيثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الصَّلَاةَ قَائِمًا بِالْفَاتِحَةِ ، فَصَلَّى قَاعِدًا بِالسُّورَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى .
وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه وَقُلْنَا : يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ كَالتَّثْلِيثِ .
وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهَا لَأَدْرَكَ ( الرَّكْعَةَ ) ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ( الْوَاجِبِ ) لَأَوْقَعَ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ ( قَالَ ) : فَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ فَلَا شَكَّ ( فِي الْإِتْيَانِ ) بِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهَا ، فَالظَّاهِرُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ( الصِّدِّيقَ ) ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) كَانَ يُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إلَّا إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ( 259 ) فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُلَبِّيَ يَرُدُّ السَّلَامَ فِي تَلْبِيَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ حَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ .
تَنْبِيهٌ الْخِلَافُ فِي ( التَّفْضِيلِ ) بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ لَا يَتَحَقَّقُ ، فَإِنَّ التَّفْضِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ مُتَجَانِسَيْنِ كَمَنْدُوبَيْنِ وَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَنْ اعْتَمَرُوا ، فَرْضَ عَيْنٍ لِمَنْ لَمْ يَعْتَمِرْ وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فَكَيْفَ جَاءَ الْخِلَافُ ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ ( بِالْعُمْرَةِ ) لَيْسَ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ .
كَالْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ هَلْ يَأْتِي بِسُنَّةِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الْحَجِّ : لَا يُخَلِّلُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَسَاقُطِ الشَّعْرِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ .
تَعَارُضُ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضِي يُقَدَّمُ الْمَانِعُ ؛ ( وَلِهَذَا ) لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ سَقَطَ الشَّطْرُ وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا يَشْطُرُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمُتْعَةِ
( وَمِنْهَا ) : لَوْ اسْتَشْهَدَ الْجُنُبُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ اسْتَاكَ الصَّائِمُ لِتَغَيُّرِ فَمِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الصَّوْمِ ( قَالَ ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : لَا يُكْرَهُ وَالْقِيَاسُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكَرَاهَةُ .
( قَاعِدَةٌ ) تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْعُظْمَى فِي ارْتِكَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ تُدْرَأَ أَعْظَمُ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ وُقُوعُ ( إحْدَاهُمَا ) بِدَلِيلِ ( حَدِيثِ { بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زَجْرِهِ } ) وَأَنْ يَحْصُلَ أَعْظَمُ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَخَفِّهِمَا إذَا تَعَيَّنَ عَدَمُ ( إحْدَاهُمَا ) قَالَ وَأَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ ( إذَا ) تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ حَصَلَتْ الْعُلْيَا مِنْهُمَا بِتَفْوِيتِ الدُّنْيَا قَالَ : وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ عَلَى بَلَدٍ ( وَخَافَ ) أَهْلُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مَالَ فُلَانٍ أَوْ امْرَأَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ مُفْسِدَةَ الْوَاحِدِ ( أَخَفُّ مِنْ مُفْسِدَةِ الْجَمِيعِ ) .
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَصَالِحَ الشَّرْعِ وَمَفَاسِدَهُ مِنْهَا مَا عُلِمَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ ، كَالتَّعَبُّدَاتِ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ مَفْسَدَتُهُ وَيَجِبُ أَنْ ( نَعْتَقِدَ ) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي قُدِّمَتْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ غَيْرُ مَفْسَدَةِ مَالِ فُلَانٍ وَزَوْجَتِهِ عَمَلًا ( بِعَادَةِ ) اللَّهِ ( تَعَالَى ) مَعَ عِبَادِهِ فِي شَرَائِعِهِ نَعَمْ لَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ كَانَ مُشْكِلًا ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ الْمَعْلُومَةَ دُونَ الْمَجْهُولَةِ ، وَمِنْ فُرُوعِهِ : مَا لَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَائِبٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الطَّعَامَ ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ بِالنَّصِّ وَطَعَامِ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ .
وَلَوْ اضْطَرَّ الْمُحْرِمُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَيْدًا فَقِيلَ : يَأْكُلُ الصَّيْدَ لِغِلَظِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصَحُّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّيْدِ ( يَرْتَكِبُ ) مَحْظُورَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ وَالْأَكْلُ .
( وَمِنْهَا ) : الْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ إنْقَاذَهَا مِنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْسَدَةِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا .
( وَمِنْهَا ) : إذَا أُلْقِيَ فِي السَّفِينَةِ نَارٌ وَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْهَلَاكِ أَيْ الْمَقَامُ فِي النَّارِ وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الْمَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ إلْقَاءُ النَّفْسِ أَوْ يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
تَعَارُضُ الْمُوجِبِ وَالْمُسْقِطِ يُغَلَّبُ الْمُسْقِطُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ لَا قِصَاصَ .
وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ لَا قِصَاصَ ؛ لِتَخَلُّلِ حَالَةٍ تَمْنَعُ مِنْ الْقِصَاصِ فَكَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهِ .
وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَا فِيهِ زَكَاةٌ ( كَالْغَنَمِ ) وَمَا لَا ( زَكَاةَ فِيهِ ) ( كَالظِّبَاءِ ) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ وَلَوْ قَذَفَ الْمُبْعِضُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ أَرْبَعِينَ ، وَكَذَلِكَ إذَا زَنَى يُحَدُّ حَدَّ الرَّقِيقِ ، نَعَمْ الصَّيْدُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَمَا لَا يَأْكُلُ حَرَامٌ ، ( وَإِذَا ) قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى ( التَّغْلِيظِ وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ يُوجِبُ التَّعْفِيرَ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ) الِاحْتِيَاطِ أَمَّا تَوَلُّدُ الْفِعْلِ بَيْنَ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ كَمَا إذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ بِالْخِتَانِ فِي الْحَرِّ ( وَالْبَرْدِ ) فَالْوَاجِبُ جَمِيعُ الضَّمَانِ لِلتَّعَدِّي أَمْ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ وَالْهَلَاكُ ( حَصَلَ ) بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
( وَمِنْهَا ) إذَا ضَرَبَهُ فِي الْحَدِّ ( فَأَنْهَرَ ) دَمَهُ ( فَلَا ضَمَانَ ) عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ ( مِنْ ) رِقَّةِ جِلْدِهِ فَإِنْ عَادَ ( وَضَرَبَهُ ) فِي مَوْضِعِ إنْهَارِ الدَّمِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ : فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ وَالثَّانِي نِصْفُهَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ .
وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ ( فَمَاتَ ) وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ ( إحْدَى ) وَثَمَانِينَ .
وَلَوْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي ( جَرْحِ ) صَيْدٍ ، وَمَاتَ بِهِمَا ( لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ ) .
إذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّلَاةِ حُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ وَعَبْدٌ فَقِيهٌ ، فَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ وَقِيلَ : الرَّقِيقُ وَمَالَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى التَّسْوِيَةِ وَقَالُوا فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ : إنَّ النَّقِيصَةَ لَا تَجْبُرُهَا الْفَضِيلَةُ وَلَا يُقَابَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَلَا تُزَوَّجُ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ دَنِيَّةٌ بِمَعِيبٍ نَسِيبٍ .
وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا ذِمِّيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْأَصَحُّ الْقِصَاصُ .
وَفِيهِ نَظَرَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : إنْ ( تَعَاطَاهَا ) مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّحْرِيمِ كَانَ لَهُ حُرْمَةٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ ( بِالتَّحْرِيمِ ) فَلَا أَثَرَ لَهُ ، وَلَوْ رَهَنَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْهُ ، فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ فَاسِدَانِ ، فَلَوْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ بَنَى قَبْلَ ( حُلُولِ ) وَقْتِ الْبَيْعِ قَلَعَ مَجَّانًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَرَسَ بَعْدَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِفَسَادِ الْبَيْعِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا ، بِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ النَّصِّ ، وَأَشَارَ إلَى احْتِمَالٍ بِخِلَافِهِ ؛ ( لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا ) ، ثُمَّ غَرَسَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ عِلْمِهِمَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهَلْ يَقْلَعُ مَجَّانًا أَوْ لَا لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَى الِانْتِفَاعِ ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : لَا نَقْلَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
قُلْت : تُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهَا وَفِي الْحِلْيَةِ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ بَيْعًا فَاسِدًا ، أَوْ بَنَى لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ، إلَّا ( بِشَرْطِ ) ضَمَانِ النَّقْصِ ، وَلَهُ أَنْ يَبْذُلَ الْقِيمَةَ وَيَتَمَلَّكَهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْأَرْضِ وَلَا أَخْذُ قِيمَتِهَا ، ( وَكَانَ ) ( أَبُو يُوسُفَ ) ، ( وَمُحَمَّدٌ ) ( رَحِمَهُمَا اللَّهُ ) يَنْقُضُ الْبِنَاءَ وَيَقْلَعَ الْغِرَاسَ وَيَرُدُّ الْأَرْضَ عَلَى الْبَائِعِ ، ( قَالَ ) الشَّاشِيُّ : وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا وَالْأَوَّلُ حَكَاهُ فِي الْحَاوِي .
وَمِثْلُهُ : لَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ ، لَا يَجِبُ الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَتْلَفَهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ وَلَا شُعُورَ لَهَا بِحَالِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ يَبْطُلُ حَقُّهَا ؟ وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَعَمِّ مِنْ عِلْمِهَا بِحَالِهِ ( أَمْ ) لَا ، وَفِيهِ خِلَافٌ تَعَرَّضَ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
النَّظَرُ الثَّانِي : فِي كَوْنِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ( حَرَامًا ) أَمْ لَا ؟ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي النَّقْلِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَبْحَثُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ ، ( وَذَكَرَ ) ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطْلَبِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الْفَقِيهِ ( جَمَالِ الدِّينِ الْوَجِيزِيِّ ) حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ فِيهِ ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَفِي التَّنْبِيهِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُزَوِّجَ ( غَيْرَهُ ) ، فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : مَا كَانَ مِنْ الْعُقُودِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ، وَمَا كَانَ فَسَادُهُ بِالِاجْتِهَادِ فَقَدْ ( يُقَالُ ) : لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ يَرَى فَسَادَهُ وَالْأَغْرَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ : إنَّهُ ( إنْ ) قَصَدَ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ قَصَدَ ( إجْرَاءَ ) اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ فَهَذَا لَغْوٌ ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ وَمَعَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ( مَحْمَلٌ ) مِنْ ( مُلَاعَنَةِ ) الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ : بِعْتُك نَفْسَك فَلَا ( يُحَرَّمُ ) ، وَإِلَّا حُرِّمَ إذْ لَا ( مَحْمَلَ ) لَهُ غَيْرُ الْمَعْنَى ( الشَّرْعِيِّ ) أَوْ ( الْمُلَاعَنَةِ ) وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ ، وَقَدْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِلضَّرُورَةِ كَالْمُضْطَرِّ يَشْتَرِي الطَّعَامَ بِزِيَادَةٍ ( عَلَى ) ثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَالْأَقْيَسُ فِي الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ لَازِمٍ ، وَقِيلَ : لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَيَنْبَغِي لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَحْتَالَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ الْقِيمَةَ قَطْعًا ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ رُشْدُ الصَّبِيِّ فَقَدْ قِيلَ : يَشْتَرِي الْوَلِيُّ شَيْئًا
ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَى آخَرَ ثُمَّ يَأْمُرُ الطِّفْلَ بِشِرَائِهِ مِنْهُ .
( مِنْ ) فُرُوعِهِ : لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ الثَّيِّبُ ( وَأَرَادَتْ ) أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا ، وَيَقْضِيَ لِبَقِيَّةِ ضَرَائِرِهَا فَهَلْ يَقْضِي لَهُنَّ السَّبْعَ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى ( الثَّلَاثِ ) الَّتِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَمْ يَقْضِ لَهُنَّ شَيْئًا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ، لِأَنَّهَا لَمَّا تَعَدَّتْ مَحَلَّ حَقِّهَا سَقَطَ أَصْلُ حَقِّهَا .
وَمِنْهَا ، لَوْ كَسَرَ ( عَضُدًا ) قَطَعَهُ مِنْ الْمِرْفَقِ وَأَخَذَ حُكُومَةَ الْعَضُدِ ، لِأَنَّ كَسْرَ الْعِظَامِ لَا قِصَاصَ فِيهِ ، فَلَوْ أَرَادَ الْقَطْعَ مِنْ الْكَفِّ فَهَلْ ( لَهُ ) طَلَبُ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ مُشَبِّهًا لَهُمَا بِالصُّورَةِ السَّابِقَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ وَمَسْأَلَةُ الزِّفَافِ شَاذَّةٌ عَنْ الْقِيَاسِ ، وَالْمُعَوَّلُ فِيهَا عَلَى الْخَبَرِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِهَا ، وَأَمَّا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ حُكُومَةُ السَّاعِدِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، ( إذَا ) فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ .
وَمِنْهَا الظَّافِرُ بِمَالِهِ ، إذَا لَمْ ( يُمْكِنْهُ ) أَخْذُ حَقِّهِ ، إلَّا بِزِيَادَةٍ كَسَبِيكَةٍ تَزِيدُ عَلَى حَقِّهِ لَا يَضْمَنُ الزَّائِدَ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَا يَضْمَنُ كَسْرَ الْبَابِ ( وَثَقْبَ ) الْجِدَارِ ، إذَا لَمْ يَصِلْ إلَّا بِهِمَا .
وَمِنْهَا ؛ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ إلَيْهَا وَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ ( الْمَارِّ ) فِي الْأَصَحِّ لِتَقْصِيرِهِ ، ( وَلَكِنْ ) لَا يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي ( هَذِهِ ) الْحَالَةِ فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي وَهُوَ قَدْرُ مَكَانِ السُّجُودِ ، قَالَهُ ( صَاحِبُ الْكَافِي ) قِيَاسُهُ جَوَازُ الدَّفْعِ .
وَمِنْهَا أَيَّامُ مِنًى ، إذَا قُلْنَا كُلُّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ ، وَمَا تَرَكَهُ فِي يَوْمٍ يُقْضَى مِنْ الْغَدِ ، وَإِنْ قُلْنَا كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ كَانَ لِي ( أَنْ أَتْرُكَ مِنْ يَوْمِ ) ( النَّفْرِ ) الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا دَمَانِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا ( يَكُونُ ) ( لَهُ ) إذَا أَتَى بِهِ فِي يَوْمَيْنِ .
كَمَا لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِيهَا قَصْرًا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا ، لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ وَهَلْ يَضْمَنُ الزَّائِدَ ( عَلَى مَا لَا يُتَغَابَنُ أَوْ الْجَمِيعَ ) وَجْهَانِ : أَيْ هَلْ يَجْعَلُ الْعُدْوَانَ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ أَوْ عَامًّا فِي كُلِّ جُزْءٍ ( وَالْأَصَحُّ ) الثَّانِي ، ثُمَّ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بَعْدَمَا غَرِمَ دَفَعَهُ ( إلَى ) الْمُوَكِّلِ وَاسْتَرَدَّ الْمَغْرُومَ .
وَمِثْلُهُ إذَا أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ الْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَوْ الْجَمِيعُ أَوْ مَا يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ ؟ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ .
وَمِنْهَا ، لَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ( ثَلَاثًا ) وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي ( آخِرِ ) بَابِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلَاقِ ، وَحَكَى فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لِأَنَّهُ ( مُتَصَرِّفٌ ) بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِي هَذَا .
وَمِنْهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا سَبَقَ أَنَّ السَّاعِيَ ، إذَا طَلَبَ فَوْقَ الْوَاجِبِ ، فَقِيلَ : لَا يُعْطَى شَيْئًا ، لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ ، وَالْأَصَحُّ لَا يُعْطَى الزِّيَادَةَ ( خَاصَّةً ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ بِطَلَبِ الزَّائِدِ ، وَالْوَالِي لَا يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ .
وَمِنْهَا يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ ، فَلَوْ ( كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ ) قَبْلَ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ جَازَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ ، فَلَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْعَادَةِ ، امْتَنَعَ الزَّائِدُ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَمَيَّزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَمَيَّزُ وَجَبَ رَدُّ الزِّيَادَةِ ، لِأَنَّهَا حَدَثَتْ بِالْوِلَايَةِ ، وَلَا يَجِبُ رَدُّ الْمُعْتَادِ ، قَالَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ حَسَنٌ وَكَانَ ) يَنْبَغِي جَرَيَانُ وَجْهٍ بِامْتِنَاعِ الْجَمِيعِ ( تَخْرِيجًا مِنْ ) نَظَائِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْخَارِصِ غَلَطًا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ ( الْمَكِيلَيْنِ ) هَلْ يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْكَيْلِ الَّذِي يُقْبَلُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ ( وَرَدَدْنَاهَا ) وَأَصَرَّتْ عَلَى الدَّعْوَى حَتَّى جَاءَ زَمَنُ الْإِمْكَانِ ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِانْقِضَائِهَا ( لِأَوَّلِهِ ) .
وَمِنْهَا ، لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ( فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : يَجِبُ لِعِصْيَانِهِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَقْضِي صَلَاةً وَاحِدَةً ، لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ كَمَنْ صَبَّ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ ) مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ ( مِمَّا ) يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إمْكَانُ ( أَدَائِهِ ) بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَوْجُهٌ .
وَمِنْهَا ، ( لَوْ أَرَادَ ) ( النَّظَرَ ) لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَحْصُلُ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَظْرَتَيْنِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَفْسُقُ ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا يَقَعُ بِهَا ، فَصَارَتْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ أَوْ لَا ، لِأَنَّ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ تَأْثِيرًا فِي شَهَادَتِهِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ .
وَمِنْهَا ، لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلسَّفِيهِ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَهْرًا جَازَ لَهُ نِكَاحُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ ، وَسَقَطَتْ الزِّيَادَةُ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنَّ الْقِيَاسَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا ، لَوْ احْتَاجَ إلَى الضَّبَّةِ فَضَبَّبَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَةِ ، فَهَلْ يَأْثَمُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الزَّائِدِ يَتَّجِهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ .
وَمِنْهَا ، إذَا رَفَعَ الذِّمِّيُّ بِنَاءَهُ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِ ، فَهَلْ يُهْدَمُ مَا حَصَلَتْ بِهِ التَّعْلِيَةٌ أَوْ الْجَمِيعُ .
وَمِنْهَا ، لَوْ تَعَدَّى الْخَارِجُ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ ( أَوْ الْحَشَفَةَ ) تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا ، لِنُدُورِهِ سَوَاءٌ الْمُجَاوِزُ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : هَذَا فِي الْمُجَاوِزِ ، ( وَأَمَّا ) غَيْرُ فَفِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى يُجْزِئَ فِيهِ الْحَجَرُ عَلَى وَجْهٍ .
وَعَكْسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : قَصْدُ النُّقْصَانِ ( عَمَّا ) يَسْتَحِقُّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ( مِنْ ) فُرُوعِهِ مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ ، لَوْ نَوَى أَيْ غَيْرُ دَائِمٍ الْحَدَثِ بِوُضُوئِهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً بِعَيْنِهَا ، وَلَا يُصَلِّي غَيْرَهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ ، قَالَ أَمَّا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِي حَقِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا أَرْفَعُ فِي حَقِّ غَيْرِهَا ، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ لَا يَتَجَزَّأُ ، وَإِذَا نَفَى بَعْضَهُ نَفِي كُلَّهُ .
التَّعْدِيلُ فِي الْبَيِّنَةِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) أَوْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ هَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا مَا ذَكَرْنَا .
وَلِهَذَا الْفَرْعِ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْدِيلِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِالْعَدَالَةِ ، فَإِنْ كَانَ تَعْدِيلًا لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ ، وَإِلَّا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يُقْبَلُ قَطْعًا .
" التَّعْرِيضُ قَالَ ( السَّكَّاكِيُّ ) فِي الْمِفْتَاحِ نَوْعٌ مِنْ الْكِنَايَةِ يَكُونُ ( مَسُوقًا لِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ ) ( كَمَا ) ( يُقَالُ ) فِي عَرْضِ مَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ ، الْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَيُزَكِّي ، وَلَا يُؤْذِي أَخَاهُ ( الْمُسْلِمَ ) وَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى ( نَفْيِ ) الْإِيمَانِ عَنْ الْمُؤْذِي .
وَقَالَ فِي ( الْكَشَّافِ ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ ، ( أَنَّ ) الْكِنَايَةَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ ، وَالتَّعْرِيضَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ ، كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلِأَنْظُرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ فَكَأَنَّهُ إمَالَةُ الْكَلَامِ إلَى غَرَضٍ يَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ وَيُسَمَّى التَّلْوِيحَ ، لِأَنَّهُ يَلُوحُ مِنْهُ مَا يُرِيدُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، إلَّا فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ( كَقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْحَلَالِ وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ ، فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَنَا ، وَإِنْ نَفَاهُ ) خِلَافًا لِمَالِكٍ .
قَالَ ( ابْنُ الْعَرَبِيِّ ) خَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَلَا عُذْرَ لَهُ ، لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا فِي الْكِنَايَةِ مِنْ الْإِبْهَامِ .
قُلْت إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ لَا يُوجِبُهُ ، وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَالَةِ التَّخَاصُمِ مَعَ الْغَيْرِ نِسْبَةُ صَاحِبِهِ إلَى شَيْءٍ وَتَزْكِيَةُ نَفْسِهِ لَا قَذْفُهُ ، وَهُوَ وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِأَنَّهُ لَا إشْعَارَ لِلَّفْظِ بِهِ وَإِنَّمَا يُظَنُّ مِنْ خَارِجٍ وَالْحُدُودُ يُحْتَاطُ فِيهَا ، فَلَا يَثْبُتُ مُوجِبُهَا إلَّا بِاللَّفْظِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْهَجْوِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ ، لَا يَكُونُ هَجْوًا ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَجْوًا ، كَالصَّرِيحِ ، وَقَدْ يَزِيدُ
بَعْضُ التَّعْرِيضِ عَلَى التَّصْرِيحِ .
وَمِنْهَا تَعْرِيضُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِسَبِّ الْإِمَامِ لَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ : كُلُّ مَا حَرُمَ التَّصْرِيحُ بِهِ لِعَيْنِهِ ( فَالتَّعْرِيضُ بِهِ حَرَامٌ أَيْضًا كَالْقَذْفِ وَالْكُفْرِ وَمَا حَلَّ التَّصْرِيحُ بِهِ أَوْ حَرُمَ لَا لِعَيْنِهِ ، بَلْ لِعَارِضٍ ) فَالتَّعْرِيضُ بِهِ جَائِزٌ كَخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ .
وَمِنْهَا التَّعْرِيضُ بِالْقَتْلِ لِمَنْ رَدَدْنَاهُ إلَى الْكُفَّارِ ، إذَا شُرِطَ فِي الْهُدْنَةِ ، كَقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِينَ رُدَّ لِأَبِيهِ : إنَّ دَمَ أَحَدِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ .
وَلَيْسَ لَنَا التَّصْرِيحُ بِهِ بِعَيْنِهِ وَمِنْهَا تَعْرِيضُ الْقَاضِي لِمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِالرُّجُوعِ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَاعِزٍ لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت } وَلَا يَقُولُ لَهُ ارْجِعْ بِالتَّصْرِيحِ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ .
وَلِلتَّعْرِيضِ قُيُودٌ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِالْحَدِّ مِثْلَ قُرْبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَا تَعْرِيضَ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ، وَتَابِعُوهُ وَعَجِبَ مِنْ إسْقَاطِهِ مِنْ الرَّوْضَةِ مَعَ تَعَرُّضِ الرَّافِعِيِّ لَهُ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يُقِرَّ صَرِيحًا ، فَإِنْ صَرَّحَ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَثْبُتَ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ أَيْضًا .
وَمِنْهَا ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ بِمَجْهُولٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِمِثْلِهِ ، فَالْقَاضِي لَا يُرْشِدُهُ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَسْأَلَةِ وَالْبَحْثِ ، فَإِنَّ هَذَا تَلْقِينُ الْحُجَّةِ ، وَلَوْ نَسَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا ، لَمْ يُنَبِّهْهُ الْقَاضِي ، بَلْ يَتْرُكُهُ يَسْتَرْسِلُ ، ثُمَّ يَقْضِي بِمُوجَبِ قَوْلِهِ .
وَالْمُدَّعِي إذَا ذَكَرَ دَعْوَى مَجْهُولَةً لَا تَصِحُّ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مَعْلُومَةً وَجْهَانِ : وَظَاهِرُ النَّصِّ : نَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ أَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ ، فَلَا يَضُرُّ الْإِرْشَادُ فِيهَا .
تَعَلُّقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَهُ مَرَاتِبُ تَعَرَّضَ لَهَا الْإِمَامُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأُولَى : وَهِيَ أَعْلَاهَا تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ فَإِنَّ الْوَثَائِقَ تَتَأَكَّدُ فِي الْأَعْيَانِ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدُّيُونِ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَصْدُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي تَحْقِيقِ التَّوَثُّقِ مِنْ حَيْثُ إنْشَاءُ الرَّهْنِ فَلَمَّا تَأَكَّدَتْ الْوَثِيقَةُ امْتَنَعَ تَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ .
الثَّانِيَةُ : تَلِي مَا قَبْلَهَا تَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي قَبْلَ فِدَائِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ .
وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي حَقُّ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْجِنَايَةِ قُدِّمَ حَقُّ الرَّهْنِ .
قُلْت كَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى يُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَقَالُوا إذَا أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ الْمُرْتَهَنِ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ .
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَعْضَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ انْفَكَّ مِنْ الْعَبْدِ بِقِسْطِهَا فِي الْأَصَحِّ فَلْيُنْظَرْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا .
الثَّالِثَةُ : تَعَلُّقُ مُؤَنِ النِّكَاحِ بِكَسْبِ الْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ .
وَسَبَبُ تَأْخِيرِهَا عَمَّا قَبْلَهَا أَنَّ الْأَكْسَابَ مُتَوَقَّعَةٌ وَلَيْسَتْ بِنَاجِزَةٍ حَاصِلَةٍ وَالْوَثَائِقُ يَكْتَفِي بِشَيْءٍ كَائِنٍ حَاصِلٍ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ .
وَيَلْتَحِقُ بِهِ أُخَرُ : ( أَحَدُهَا ) : الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ الْمَرْهُونِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَمُرَاعَاةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَفِي قَوْلٍ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي لِثُبُوتِهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَالِكِ ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ : ( هُوَ كَتَعَلُّقِ الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى لَوْ
أَدَّى ) لِوَارِثِهِ قِسْطَ مَا وَرِثَ انْفَكَّ نَصِيبُهُ .
الثَّانِيَةُ : تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْمَالِ ( وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مِقْدَارُ الزَّكَاةِ وَيَصِيرُونَ شُرَكَاءَ رَبِّ الْمَالِ ) وَفِي قَوْلٍ كَالرَّهْنِ ، وَفِي قَوْلٍ كَالْجَانِي .
( قَاعِدَةٌ ) : مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ فِيهَا عُلْقَةٌ لِغَيْرِهِ فَلَهُ حَالَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ نَاجِزَةً مُسْتَقِرَّةً ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْعُلْقَةِ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ اسْتَحَقَّ حَبْسُهَا لِحَقِّ الْحَابِسِ كَالْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ .
وَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ أَيْضًا كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي جِنَايَةً مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ .
وَمِثْلُهُ بَيْعُ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ فَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَالصِّحَّةُ فِي الْبَاقِي .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ مُنْتَظَرَةً فَلَا نَظَرَ إلَيْهَا بَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِلْحَالِ وَمِنْ ذَلِكَ تَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ صَحِيحٌ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ تَعَرُّضِ نِصْفِهِ لِلسُّقُوطِ وَتَصَرُّفُ الْوَلَدِ فِيمَا وَهَبَهُ وَالِدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ بِالرُّجُوعِ .
وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ صَحِيحٌ مَعَ تَمَكُّنِ الشَّفِيعِ مِنْ نَقْضِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الشِّقْصِ الَّذِي لَلشَّرِيك فِيهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَذَا قَالَهُ ( الْفَارِقِيُّ ) فِي فَوَائِدِ ( الْمُهَذَّبِ ) ( لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الشَّرِيكِ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ لِيَأْخُذَهُ أَوْ يَذَرَ ) .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : لَمْ أَظْفَرَ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْخَبَرُ لَا مَحِيصَ عَنْهُ .
قُلْت : وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ مُفَارَقَةُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَفْسَخَ الْآخَرُ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الْهَارِبِ دُونَ الْآخَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يَعْصِي الْهَارِبُ نَقَلَ ( ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ ) أَنَّ
بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ بِعِصْيَانِهِ لِإِبْطَالِهِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا لَازِمًا .
قُلْت : وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ } لَكِنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ مَعَ أَنَّهُ رَاوِي أَصْلِ ( حَدِيثِ الْخِيَارِ ) لَكِنْ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّحَرُّمُ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ السَّابِقَةِ مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْأَخْذِ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ فَأَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَمَّا يُسْقِطُ حَقَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ .
قَاعِدَةٌ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالْعَبْدِ : إمَّا أَنْ يَجِبَ بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ دُونَ السَّيِّدِ كَبَدَلِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ ، إذَا أَتْلَفَهُمَا وَكَالصَّدَاقِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ ، إلَّا إذَا أُعْتِقَ وَلَوْ كُوتِبَ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا السَّيِّدِ وَالْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ قِسْمَانِ : نِكَاحٌ وَمَالٌ : فَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ النِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَبِجَمِيعِ أَكْسَابِهِ .
وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ وَالْقَرْضِ وَالضَّمَانِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ وَلَا يَجْتَمِعُ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ مَعَ الذِّمَّةِ .
وَلِهَذَا ، لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ كَغَصْبٍ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ .
فَلَوْ تُبِعَ فِيهِ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ ، لَا يُتْبَعُ بِهِ ، إذَا عَتَقَ عَلَى الْجَدِيدِ .
وَإِنْ شِئْت فَقُلْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) : مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ ، أَوْ بِقِيَامِ بَيِّنَةٍ أَوْ يُقِرُّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، فَعَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَلَى مَالٍ .
ثَانِيهَا : مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهُ الزَّكَاةُ ، إذَا أَتْلَفَهَا الْمُكَاتَبُ فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ دُيُونُ الْمُعَامَلَةِ فِي الْكِتَابَةِ ، إذَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ فَإِنَّ ( صَاحِبَ التَّقْرِيبِ ) حَكَى قَوْلًا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، قَالَ الْإِمَامُ هَذَا إنَّ طَرْدَهُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ ، وَإِنْ لَمْ ( يَطْرُدْهُ ) لَزِمَهُ الْفَرْقُ وَلَمْ نَجِدْهُ قُلْت لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَانَ لِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ ، فَلَمَّا عَجَزَ انْعَكَسَ عَلَيْهِ
الْمَقْصُودُ ، وَلَا كَذَلِكَ ( فِي الْمَأْذُونِ ، كَذَلِكَ ) الْمَهْرُ ، حَيْثُ ثَبَتَ فِي الْعَيْبِ وَالْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا سِوَى ذَلِكَ فَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ .
اعْلَمْ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : فَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْبَلُهُمَا ، وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ ، وَمِنْهَا بِالْعَكْسِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَنَّ التَّعْلِيقَ مَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ ، كَإِنْ وَإِذَا ، وَالشَّرْطُ مَا جَزَمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ ، وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ .
الْأَوَّلُ : مَا يَقْبَلُهُمَا كَالْعِتْقِ ، بِتَعْلِيقِهِ ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ ، وَالشَّرْطُ : أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا : نَعَمْ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ تَعْلِيقُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِإِعْتَاقِهِ نَظَرًا لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ، وَالْكِتَابَةُ تَقْبَلُ الشَّرْطَ ، كَإِذَا أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا فِي نَجْمَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ .
وَمِنْهَا التَّدْبِيرُ وَالْوِصَايَةُ وَالْوِلَايَةُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ أَوْصَيْت إلَيْك ، أَوْ إذَا مِتُّ فَفُلَانٌ وَصِيِّي ، أَوْ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ جَازَ .
( قَالَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّأْمِيرِ وَمِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ { إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } ، هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَتَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةُ التَّعْلِيقَ ، كَمَا تَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ ، وَحَكَى فِيهَا الْحَنَّاطِيُّ خِلَافَ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ ، فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْك لَا يَجُوزُ ، بِخِلَافِ أَوْصَيْت إلَيْك إذَا مِتُّ ، وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَوْدَعْتُك ، قَالَ الرُّويَانِيُّ يَجُوزُ ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ .
وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ ، فَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَنْ الْقَفَّالِ ، مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ صِيغَةٍ ، لَكِنْ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ بِالْجَوَازِ ، فَقَالَ لَوْ قَالَ : إنْ رُزِقْت كَذَا أَوْ سَلِمْت مِنْ سَفَرِي أَوْ صَارَ كَذَا ، فَقَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي ، جَازَ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ ابْنُ الرِّفْعَةِ ( فِي الْمَطْلَبِ ) وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الصَّوْمَ ، قَالَ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الشَّرْطَ ، بِأَنْ يَشْرَعَ ، فِيهِ وَيَقُولُ إنْ أَبْطَلْته بَطَلَ ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ .
قُلْت : وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، بِخِلَافِ ( الصَّلَاةِ ) وَقَوْلُهُ ( إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ لَيْسَ تَعْلِيقًا لِلصَّوْمِ ، بَلْ تَعْلِيقًا لِلْإِلْزَامِ ) وَلَيْسَ مِنْ قَضَايَا الصَّوْمِ فِي شَيْءٍ : نَعَمْ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ إذَا اسْتَنَدَ إلَى أَصْلٍ كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ نَوَيْت صَوْمَ غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ .
وَالْحَجُّ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَإِنْ أَحْرَمَ فُلَانٌ فَقَدْ أَحْرَمْت ، وَشَرْطُهُ أَحْرَمْت عَلَى أَنِّي إذَا مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ .
الثَّانِي : مَا لَا يَقْبَلُهُمَا كَالْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَإِذَا قَالَ أَسْلَمْت عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَتْرُكَ الصَّلَاةَ سَقَطَ شَرْطُهُ ، وَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ ، فَإِذَا قَالَ إنْ كُنْت فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَاذِبًا فَأَنَا مُسْلِمٌ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إسْلَامٌ ، لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ يُفِيدُ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ وَالْمُعَلِّقُ لَيْسَ بِجَازِمٍ .
وَمِنْهُ النِّكَاحُ ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ زَوَّجْتُك أَوْ زَوَّجْتُك عَلَى أَنْ تَفْعَلَ كَذَا لَمْ يَصِحَّ .
وَمِثْلُهُ الرَّجْعَةُ بِالضَّمَانِ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ وَالطَّهَارَةُ ، إلَّا فِي الْمُسَافِرِ الْمُقْتَدِي بِمُسَافِرٍ لَا يَعْلَمُ نِيَّتَهُ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت ، وَإِلَّا أَتْمَمْت لَا يَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهُ الصَّوْمُ ، لَا يَقْبَلُ شَرْطًا وَلَا تَعْلِيقًا ، إلَّا فِيمَا إذَا أَسْنَدَ التَّعْلِيقَ لِأَصْلٍ .
وَمِنْهُ الْفُسُوخُ ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ التَّعْلِيقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخُلْعِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَا الِاخْتِيَارُ فِي نِكَاحِ الزَّائِدَاتِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَيَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الْبَيْعُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ( أَوْ عَلَى أَنَّهُ ) يَأْتِيهِ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ وَنَحْوِهِ ، وَلَوْ قِيلَ : إنْ جَاءَ فُلَانٌ أَوْ جَاءَ الشَّهْرُ فَقَدْ بِعْتُك لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ يَسْتَدْعِي الْجَزْمَ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ ، لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُهُ كَتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقْبَلُ الشَّرْطُ فِي الْجُمْلَةِ ، لَا كُلُّ شَرْطٍ .
وَمِثْلُهُ الْإِجَارَةُ وَالْوَقْفُ وَالْوَكَالَةُ عَلَى الْأَصَحِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَبَيْنَ الْعِتْقِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إخْرَاجٌ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ .
قُلْنَا الْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ شَائِبَةُ الْمُعَاوَضَةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَبُولِهِ مِنْ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ .
وَمِنْهُ الْكِتَابَةُ ، لِأَنَّهَا مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .
وَمِنْهُ الْإِذْنُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ نَحْوَ بِعْ هَذَا إنْ جَاءَ زَيْدٌ ، وَلَيْسَ تَعْلِيقًا لِلْوَكَالَةِ ، بَلْ لِلتَّصَرُّفِ ، وَلَوْ قَالَ إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ أَذِنْت لَك لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَفِي الْبَيَانِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ : لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ كَانَ إقْرَارًا ، وَلَوْ قَالَ ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا .
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ ، إذَا قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ قَدْ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كَمَحِلِّهَا ، فَلَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ ، وَإِذَا بَدَأَ بِالشَّرْطِ لَمْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرِهِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا قَدِمَ
الْحَاجُّ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شِئْت ، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ، لِأَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُودِهِ الشَّرْطِ ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ قَبِلْت إقْرَارِي ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عِنْدِي لَا يَكُونُ إقْرَارًا ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ إنْ شِئْت أَوْ قَبِلْت ، فَقَالَ قَبِلْت أَوْ شِئْت كَانَ بَيْعًا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْبَيْعِ يَقَعُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَبُولِ ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ لَمْ يَصِحَّ ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَبُولِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ لِوُجُوبِهِ قَبْلَ الشَّرْطِ .
الرَّابِعُ : مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ وَلَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَالْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ .
وَكَذَا الْخُلْعُ إنْ جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا .
فَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ ، وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَخْدُمِينِي شَهْرًا ، لَمْ يَلْزَمْ الشَّرْطُ .
وَمَثَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كَذَا ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ ، وَهَذَا ( رَأْيُ الْغَزَالِيِّ ، لَكِنْ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ ، أَنَّهَا إذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ وَوَجَّهَ الْغَزَالِيُّ رَأْيَهُ ) ، بِأَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ ، وَقَدْ ( أَشْكَلَ ) هَذَا الْكَلَامُ عَلَى جَمَاعَةٍ ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ وَبِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ الْإِيقَاعَ بِالشَّرْطِ ، وَإِنْ قَبِلَ الْوُقُوعِ بِالشَّرْطِ ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَمَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فِي الْإِيقَاعِ ، وَإِنْ قَبِلَهُ فِي الْوُقُوعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَتَّضِحُ بِالْمِثَالِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَدْخُلِي وَقَعَ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ ( انْتَهَى ) .
وَحَاصِلُ قَوْلِهِ الشَّرْطُ فِي الطَّلَاقِ يَلْغُو ، لِأَنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ ، لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ ، لِأَنَّ وُقُوفَهُ عَنْ الْوُقُوعِ مَعَ وُقُوعِهِ مُحَالٌ .
وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ جُمْلَتَا شَرْطٍ فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إلَّا بِهِمَا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ فَهَذَا شَرْطٌ ( لُغَوِيٌّ لَا صِنَاعِيٌّ ) وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْت وَلِي الْخِيَارُ ( ثَلَاثًا ) صَحَّ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ
الشَّرْطِ ( فَإِنَّ ) ( لَفْظَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ) هُنَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَاقِعٌ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا بَعْدَهُ لَفْظًا ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَا مَعْنًى ، لِأَنَّ شَرْطَ مَنْعِ الْوُقُوعِ ، لَا يَدْخُلُ عَلَى الْوَاقِعِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ قِسْمَانِ الْتِزَامِيٌّ وَتَعْلِيقِيٌّ : فَأَمَّا ( الِالْتِزَامِيُّ ) كَطَلَّقْتُكِ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ أَلْفًا ، فَلَيْسَ الشَّرْطُ بِصَرِيحِ الْتِزَامٍ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ صَرِيحٌ .
وَأَمَّا ( التَّعْلِيقِيُّ ) ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ ( أَعْطَيْتِنِي ) أَلْفًا ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الِالْتِزَامِ بِلَا خِلَافٍ .
ضَابِطٌ : مَا كَانَ تَمْلِيكًا مَحْضًا ، ( لَا يَدْخُلُ التَّعْلِيقُ ) فِيهِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ لِقَوْلِهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } وَلَا يَتَحَقَّقُ طِيبُ النَّفْسِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَمَا كَانَ حِلًّا مَحْضًا يَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ قَطْعًا كَالْعِتْقِ .
وَبَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرَاتِبُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ ( كَالْفَسْخِ وَالْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ التَّمْلِيكَ وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَفِيهِ شَبَهٌ يَسِيرٌ بِالْعِتْقِ فَجَرَى فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فِي الْجَعَالَةِ وَالْخُلْعِ وَنَحْوِهِمَا فَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ يُشْبِهُ النَّذْرَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَفِي الْخُلْعِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَمَعْنَى الطَّلَاقِ ) .
( فَائِدَتَانِ ) : الْأُولَى : لَنَا شَيْءٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَا يُقْبَلُ إلَّا التَّعْلِيقُ دُونَ التَّنْجِيزِ وَهُوَ نَذْرُ التَّبَرُّرِ لَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي عَلَى كَذَا صَحَّ قَطْعًا ، وَلَوْ الْتَزَمَهُ ابْتِدَاءً وَجْهَانِ .
الثَّانِيَةُ : الْأَصْلُ أَنَّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَوْ عَلَّقَ بِمُسْتَقْبَلٍ فَقَالَ إذَا أَحْرَمَ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا إذَا قَالَ إذَا
جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنَا مُحْرِمٌ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمَجِيئِهِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَعْلَقُ بِالْأَخْطَارِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ( صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ ) فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْمُعَلَّقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ تَجْوِيزُ هَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إلَّا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ وَذَلِكَ ( تَعْلِيقٌ ) بِمَاضٍ وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ مِنْ الْعُقُودِ يَقْبَلُهَا جَمِيعًا .
قُلْت .
لَمْ يُجَوِّزُوا تَعْلِيقَ أَصْلِ الْإِحْرَامِ .
وَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَصْلُ الْإِحْرَامِ الْعَقْدُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا عَلَّقَ صِفَتَهُ عَلَى شَرْطٍ يُوجَدُ فِي ثَانِي الْحَالِ فَلَمْ يَضُرَّهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ ( جَزْمُهُمْ ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا ، بِانْعِقَادِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقُ صِفَةِ إحْرَامِهِ بِصِفَةِ إحْرَامِ زَيْدٍ لَا تَعْلِيقُ أَصْلِ إحْرَامِهِ بِإِحْرَامِهِ .
تَعْلِيقُ النِّيَّةِ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ تَرْدِيدُ النِّيَّةِ إنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ أَصْلٍ سَابِقٍ لَمْ يَضُرَّ .
وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ لِذَلِكَ بَطَلَ .
( فَمِنْهُ ) : لَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ شَكَّ أَنَّهُ قَاصِرٌ ( أَمْ ) مُتِمٌّ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت وَإِلَّا أَتْمَمْت فَقَصَرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فَاسْتَنَدَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ إلَى هَذَا الظَّاهِرِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ ( مِنْ رَمَضَانَ ) وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ فَكَانَ مِنْ ( رَمَضَانَ ) صَحَّ صَوْمُهُ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ وَبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ .
فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ ( رَمَضَانَ ) بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ ( رَمَضَانَ ) فَعَلَّقَ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَالَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ ( رَمَضَانَ ) صُمْته عَنْ ( رَمَضَانَ ) وَإِنْ كَانَ مِنْ ( شَعْبَانَ ) ( فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ ) ( وَقَالَ ) الرَّافِعِيُّ : إذَا نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ الصَّوْمَ عَنْ ( رَمَضَانَ ) - مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ نُظِرَ إنْ لَمْ يَسْتَنِدْ عَقْدُهُ إلَى مَا شَرَطْنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا كَمَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَهُ إذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ ( رَمَضَانَ ) وَجُعِلَ مِنْ هَذَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْحِسَابِ إذَا جَوَّزْنَا بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ .
( وَمِنْهُ ) لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاءَهُ فَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَقَالَ : إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ بَاقِيًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهَذَا صَدَقَةٌ ، فَبَانَ بَقَاؤُهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ
فَاسْتَنَدَ لِهَذَا الْأَصْلِ وَمِثْلُهُ ) : لَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ إنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُوَرِّثِي وَانْتَقَلَ مَالُهُ إلَيَّ إرْثًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ لَمْ يَجْزِهِ عَنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ بَانَ كَوْنُ الْمُوَرِّثِ مَيِّتًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الْإِرْثِ .
( وَمِنْهُ ) لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ وُضُوئِي وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءُ تَجْدِيدٍ ( ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ ) قَدْ تَوَضَّأَ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ لَمْ يَجْزِهِ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الطَّهَارَةُ .
( وَمِثْلُهُ ) لَوْ رَأَى بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ مَنِيٌّ فَاغْتَسَلَ فَنَوَى إنْ كَانَ مَنِيًّا فَعَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَصِحَّ .
( وَمِنْهُ ) ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ .
( مِنْهُ ) لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ ( رَمَضَانَ ) فَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَحَجٌّ فَكَانَ ( شَوَّالًا ) كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ لِقُوَّةِ الْإِحْرَامِ .
( وَمِنْهُ ) : لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ فَاتَتْهُ فَدَخَلَ فِي صَلَاةٍ وَنَوَى عَنْ ( الْفَائِتَةِ ) إنْ فَاتَتْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ وَقَالَ : وَلَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلَ الْوَقْتُ فَصَلَّى وَقَالَ : عَنْ فَرْضٍ إنْ كَانَ دَخَلَ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَنَافِلَةٌ لَمْ يَجْزِهِ .
وَلَوْ نَوَى ( لَيْلَةَ ) الثَّلَاثِينَ مِنْ الصَّوْمِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ فَعَنْ فَرْضٍ أَوْ ( عَنْ ) نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالَ
: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ .
( وَاعْلَمْ ) : أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَشَارَ إلَيْهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَنَازَعَهُ فِيهَا ( الشَّاشِيُّ ) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ ( الْمُعْتَمَدِ )
تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ ثَلَاثَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الِانْتِهَاءِ وَفِي الْأَحْكَامِ .
وَصُورَةُ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفَ ( فِيمَا ) يَصِحُّ مَعَ مَا يَصِحُّ ، وَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الصِّحَّةُ فِيمَا يَصِحُّ وَالْبُطْلَانُ فِيمَا يَبْطُلُ ( وَالثَّانِي الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ ) وَفِي تَعْلِيلِهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ جَهَالَةُ مَا يَخُصُّ مِلْكَهُ مِنْ الْعِوَضِ .
وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ وَلِلْقَاعِدَةِ شُرُوطٌ : الْأَوَّلُ : أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنْ كَانَتْ صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ ( مِنْهُ ) قَطْعًا .
وَلِهَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ ) ثُمَّ الْمَشْهُورُ يُصَلِّي أَيَّهُمَا أَرَادَ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ ( يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ ) .
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَمَنَعْنَا تَعْجِيلَ مَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ أَجْزَأَ مَا يَقَعُ لِسَنَةٍ وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ انْعَقَدَ بِحَجَّةٍ وَقِيلَ : يَنْعَقِدُ قَارِنًا .
وَلَوْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ .
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ بِصَوْمٍ وَآخَرَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ كَالْعِيدِ اعْتَكَفَهُ وَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ .
نَعَمْ لَوْ نَوَى فِي ( رَمَضَانِهِ ) صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ هَلْ يَصِحُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
وَلَوْ قَالَ : نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتِ وَظَنَّ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الْحَادِيَ عَشَرَ لَا بِعَيْنِهِ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا ، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ .
وَلَوْ
مَسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَعْلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ وَقَصَدَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْ نَظَائِرهَا أَنْ يَقْصِدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا وَالْمُصَلِّي الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ لِمُجَرَّدِ التَّفْهِيمِ وَنَحْوِهَا .
وَالثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ ، فَإِنْ كَانَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَزَوْجَةَ غَيْرِهِ ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الَّذِي يَمْلِكُهُ إجْمَاعًا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ ، فَإِنَّهَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَلَا وَارِثَ لَهُ صَحَّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ، أَنَّهَا تُبْطِلُ الثُّلُثَ ، لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَالْمُتَوَلِّيَ حَكَيَا وَجْهًا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ وَأَبْطَلْنَاهَا لِلْوَارِثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْآخَرِ تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمُبَعَّضٍ وَمَالِكُ الْبَعْضِ وَارِثُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَتْ وَقُلْنَا لَا يَدْخُلُ الْكَسْبُ النَّادِرُ الْمُهَايَأَةَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهَا بَطَلَتْ ، وَلَمْ يُخْرِجُوا نَصِيبَ الْمُبَعَّضِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ ، وَفِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ ، لَوْ وَهَبَهُ عَبْدًا فَخَرَجَ نِصْفُهُ مُسْتَحَقًّا فَهَلْ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ فِي الْكُلِّ أَمْ لَا يَبْنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا إمَّا بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْجُزْئِيَّةِ ، لِيَخْرُجَ صُورَتَانِ وَهُمْ مَنْ خَرَّجَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
إحْدَاهُمَا ) ، إذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ ( وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي أَرْبَعٍ وَيَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَوْلَى مِنْ هَذِهِ وَغَلِطَ
صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِتَخْرِيجِهَا .
( الثَّانِيَةُ ) ، إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، ( فَسَدَ الْبَيْعُ ) ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ ( يَبْطُلُ فِي وَاحِدٍ وَيَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ ) لِمَا ذَكَرْنَا ، وَغَلِطَ الْبَالِسِيُّ فِي ( شَرْحِ التَّنْبِيهِ ) بِتَخْرِيجِهَا .
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَرْضٌ مُنَاصَفَةً ، فَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا فِيهَا قِطْعَةً مُدَوَّرَةً ، وَبَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ، قَالَ الْبَغَوِيّ ، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي غَيْرِهَا .
وَلَوْ قَالَ ، ضَمِنْت لَك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا فَهَلْ يَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ : وَجْهَانِ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ ، هَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ؟ وَجْهَانِ ، وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ .
نَعَمْ ، يُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَوْ عَقَدَ الْمُسَابَقَةَ ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِيهِ ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ تَحَجَّرَ الشَّخْصُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ ، فَقِيلَ : يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي ، يَصِحُّ فِيمَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ، وَهُوَ قَوِيٌّ .
الرَّابِعُ : إمْكَانُ التَّوْزِيعِ ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا .
الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ مَا يَبْطُلُ فِيهِ مَعْلُومًا ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُخْبِرُ بِالْقِسْطِ .
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ ، لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : فِي الْأَرْضِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ .
نَعَمْ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ بَاعَ الْمَاءَ فِي قَرَارِهِ ، فَإِنْ كَانَ
جَارِيًا ، ( فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا ) ، وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ .
السَّادِسُ : أَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِذْنَ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَرَهَنَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ ، لِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي الرَّافِعِيِّ ، وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُهُ فِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ ، إذَا ضَمَّ إلَيْهِ غَيْرَ الْمَأْذُونِ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ ، لِيَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضٍ مُعَيَّنٍ ، فَنَسَجَ أَحَدَ عَشَرَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ ( وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَطُولُهُ تِسْعَةٌ ، فَإِنْ كَانَ طُولُ السَّدَى عَشَرَةً اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ ) بِقَدْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشَرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ .
السَّابِعُ : أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ ، فَلَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، صَحَّ فِيهَا فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَبَطَلَ فِي الزَّائِدِ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
الثَّامِنُ : أَنْ يُورَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ قَطْعًا ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ ضَمِنْت نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ ، فَالضَّمَانُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَاسِدٌ ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي نَفَقَةِ يَوْمِهَا أَمْ لَا ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ .
فَائِدَةٌ : الصَّفْقَةُ تُفَرَّقُ فِي الثَّمَنِ ، كَمَا تُفَرَّقُ فِي الْمُثَمَّنِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ، بَلْ
اقْتَضَى كَلَامُهُمْ فِي بَابِ ( التَّحَالُفِ ) أَنَّهَا لَا تُفَرَّقُ فِيهِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ بِأَلْفٍ وَخَمْرٍ ، لَكِنْ قَالُوا فِي بَابِ الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْمُسَمَّى مُسْتَحَقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ ، وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَبِذَلِكَ يَصِحُّ مَا ذَكَرْنَا .
يُقَدَّمُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا .
فَيُقَدَّمُ لِلْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِوُجُوهِ ( الْحُجَجِ ) وَالْأَحْكَامِ .
وَفِي الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَكَايِدِهَا وَأَشَدُّ إقْدَامًا عَلَيْهَا وَأَعْرَفُ بِسِيَاسَتِهِ فِيهَا .
وَفِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَدْبِيرِ الْأَيْتَامِ ، وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ .
وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ نَاقِصًا فِي بَابٍ كَامِلًا فِي غَيْرِهِ ، كَالْمَرْأَةِ نَاقِصَةٌ فِي الْحُرُوبِ كَامِلَةٌ فِي حَضَانَةِ الطِّفْلِ .
قَالَ فِي الْبَحْرِ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عُرَاةٌ وَهُنَاكَ ثَوْبٌ وَأَرَادَ مَالِكُهُ إعَارَتَهُ لَهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ ، ثُمَّ بِالرِّجَالِ ، لِأَنَّ عَوْرَتَهُنَّ أَغْلَظُ وَآكَدُ حُرْمَةً ، فَكَانَ الْبُدَاءَةُ بِسَتْرِهَا أَوْلَى .
وَمِنْ هَذَا تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِقَامَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَدَرْءِ مُفْسِدَاتِهَا .
وَقُدِّمَ الْإِمَامُ عَلَى الْجَمِيعِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْخَاصَّةِ .
وَاسْتَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ التَّقْدِيمُ بِالْمَكَانِ كَمَالِكِ الدَّارِ ، وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّ الْمَكَانَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، فَكَانَ رِعَايَتُهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْمَالِكِ وَالْإِمَامِ .
وَلِهَذَا ، إذَا اجْتَمَعَتْ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَفَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا قُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذَا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ .
} وَلَوْ أَسَرَ الْكُفَّارُ عَالِمًا وَجَاهِلًا وَلَمْ يُمْكِنْ ، إلَّا فَكُّ أَحَدِهِمَا فَقِيلَ : يُقَدَّمُ الْجَاهِلُ ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ عِنْدَهُمْ رُبَّمَا يَجُرُّهُ إلَى دُخُولِهِ مَعَهُمْ وَبَقَاءُ الْعَالِمِ عِنْدَهُمْ ، رُبَّمَا يَجُرُّ إلَى انْقِيَادِهِمْ إلَى الْحَقِّ بِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ ، وَقِيلَ : يُقَدَّمُ الْعَالِمُ ، لِعُمُومِ نَفْعِنَا بِهِ .
وَمِنْ هَذَا يُبَاحُ ،
لِخَائِفِ الْعَنَتِ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالَ مُجَلِّي ، وَهَذَا فِيهِ تَقْدِيمٌ لِلْفَاجِرِ عَلَى الْمُتَّقِي بِسَبَبِ فُجُورِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ .
تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : بَعْدَ دُخُولِهِ وَقْتِهِ فَتَعْجِيلُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهِ .
إلَّا فِي الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعَ مُسْتَثْنَاةٍ ، وَإِلَّا إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ ، وَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَكَذَلِكَ الْهَدْيُ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ وَتَأْخِيرُ ذَبْحِهِ إلَى الْحَرَمِ أَفْضَلُ ، وَكَذَا مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ تَأْخِيرُهُ إلَى فِعْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ .
الثَّانِي : التَّقْدِيمُ عَلَى الْوَقْتِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي بَعْضِ عِبَادَاتِ الْمَالِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، بِخِلَافِ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا تُقَدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا ، كَالصَّلَاةِ .
وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ صَوْمُ الثَّلَاثِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَقِيلَ : إنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ بِالْحَدَثِ أَوْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، لَمَا جَازَ فِعْلُهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، فَإِنَّ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهَا ، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا بِالْحَدَثِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : وَمِنْهَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ ، قَالَ الْقَفَّالُ ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ بِالصُّبْحِ ، وَمَبْنَى التَّعْجِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ .
وَمِنْهَا الْحَجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ ، ثُمَّ يَسْتَطِيعُ .
وَمِنْ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ
قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ : إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَالصَّبِيُّ إذَا تَوَضَّأَ ، ثُمَّ بَلَغَ ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فِي الْمَنْثُورِ .
وَلَوْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ ، ثُمَّ بَلَغَ بِالسِّنِّ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا ، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْإِحْرَامُ ، وَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمِيقَاتِ .
التَّقَاصُّ إذَا ثَبَتَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ .
إمَّا مِنْ جِهَةٍ كَسَلَمٍ وَقَرْضٍ .
أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ ، وَكَانَ الدَّيْنَانِ مُتَّفِقَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْحُلُولِ وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِمَا كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ اخْتَلَفَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَصَحُّهُمَا : عِنْدَ النَّوَوِيِّ ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ التَّقَاصَّ يَحْصُلُ بِنَفْسِ ثُبُوتِ الدَّيْنَيْنِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الرِّضَا ، لِأَنَّ مُطَالَبَةَ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِمِثْلِ مَالِهِ عِنَادٌ ، لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَلِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَارِثِهِ ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ لِوَارِثِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا فِي ( دَيْنِهِ ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ ، لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إلَيْهِ .
وَالثَّانِي : يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إنْ تَرَاضَيَا ، وَإِلَّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطَالَبَةُ الْآخَرِ .
وَالثَّالِثُ : يَسْقُطُ بِرِضَا أَحَدِهِمَا .
وَالرَّابِعُ : لَا يَسْقُطُ وَلَوْ تَرَاضَيَا .
إذَا عَلِمْت هَذَا " فَلِلتَّقَاصِّ شُرُوطٌ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ ، فَأَمَّا الْأَعْيَانُ ، فَلَا يَصِيرُ بَعْضُهَا قِصَاصًا عَنْ بَعْضٍ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْمُعَاوَضَةِ فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّرَاضِي ، وَلِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ فِي الْأَعْيَانِ ، فَأَمَّا فِي الذِّمَّةِ الدُّيُونُ سَوَاءٌ ، فَلَا مَعْنَى لِقَبْضِ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ امْتَنَعَ أَخْذٌ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا بَاذِلًا لِلْحَقِّ ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الدَّفْعِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ ، وَلَوْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ ، وَلَا يُقَالُ يَصِيرُ قِصَاصًا عَنْ حَقِّهِ ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الدُّيُونِ لَا فِي الْأَعْيَانِ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فِي الْأَثْمَانِ ، أَمَّا الْمِثْلِيَّاتُ كَالطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ ، فَلَا تَقَاصَّ
فِيهَا ، صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، بِأَنَّ مَا عَدَا الْأَثْمَانَ ( يَطْلُبُ ) فِيهِ الْمُعَايَنَةَ ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِي جَرَيَانِهِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَجْهَيْنِ : وَصَحَّحَ جَرَيَانُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ كَمَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ ، وَقَالَ إنَّ الْأَصْحَابَ خَالَفُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) لَا عَنْ قَصْدٍ ، لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ فِي كِتَابِهِ ، وَمِنْ ( هَذَا ، قَالُوا مَا لَوْ ) أَكَلَتْ الرَّشِيدَةُ مَعَ زَوْجِهَا ، تُسْقِطُ نَفَقَتَهَا فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ مُسْتَقَرَّيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَا سَلَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا وَإِنْ تَرَاضَيَا ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْجَوَازَ ، لَكِنْ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأُمِّ مَنْعُ التَّقَاصِّ فِي السَّلَمِ .
الرَّابِعُ : أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالْأَجَلِ ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ ، لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ .
الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَلَبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ بِأَجَلٍ وَاحِدٍ ، وَلَا طَلَبَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا يُجْزِئُ ، بِلَا خِلَافٍ ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِيهِ احْتِمَالٌ .
السَّادِسُ : أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَفِرَ الْمُسْتَحِقُّ بِحَقِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ جَائِزٌ ، إلَّا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ .
السَّابِعُ : أَنْ لَا يَكُونَ فِي قِصَاصٍ ، وَلَا حَدٍّ ، فَلَوْ تَقَاذَفَ شَخْصَانِ لَمْ يَتَقَاصَّا ، وَلَوْ تَجَارَحَ رَجُلَانِ ، قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الدِّيَاتِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ ، قَالَ ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ جُرْحٌ لِلدَّفْعِ ، لَمْ يَقْبَلْ أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ
وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ مَا يَدَّعِيه صَاحِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّفْعِ الْمُسْقِطِ لِلضَّمَانِ ، فَإِذَا حَلَفَا وَمَاتَا بِالسِّرَايَةِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ ، لِأَنَّ الْجُرْحَ السَّارِيَ مَوْجُودٌ وَمَا يَدَّعِيهِ مِنْ قَصْدِ الدَّفْعِ لَمْ يَثْبُتْ فَوَجَبَ الضَّمَانُ ، قَالَ ( الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ) فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بِالسِّرَايَةِ عَلَى الَّذِي لَمْ يَمُتْ لِمَا تَقَدَّمَ .
قُلْت : فِي فُرُوعِ ( ابْنِ الْقَطَّانِ ) إنَّ ( التَّقَاصَّ ) يَجْرِي فِي الْقِصَاصِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا فَقَتَلَ وَارِثُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ قَوَدَهُ الْقَاتِلُ سَقَطَ هَذَا بِهَذَا ، وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي ( الْقَذْفِ ) وَهُوَ غَرِيبٌ
لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ فَجَحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ ، وَلَكِنْ فِي يَدِهِ وَثِيقَةٌ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ آخَرَ كَانَ قَبَضَهُ وَفِي الصَّكِّ شُهُودٌ ، لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَبَضَ ذَلِكَ الدَّيْنَ ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَيَقْبِضَ الدَّيْنَ مِنْهُ ، وَيَجْعَلَهُ تَقَاصًّا عَنْ دَيْنِهِ الْمَجْحُودِ ، قَالَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ ، وَهَذَا ، إذَا كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَنْقَصَ ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَمِنْهَا مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَقَدْ اسْتَعْجَلَ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ ( الْمَوْقِعَ ) ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْتَبِسَهُ ، عَنْ زَكَاتِهِ الْمَفْرُوضَةِ ، وَيَقَعُ تَقَاصًّا وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَبِسَهُ ، بَلْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ مِنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَحْتَاجُ إلَى دَفْعٍ وَنِيَّةٍ ، لَكِنْ اكْتَفَوْا بِنِيَّةِ أَصْلِ الزَّكَاةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ .
وَمِنْهَا ، إذَا كَانَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ دَيْنٌ ، فَقَالَ جَعَلْته عَنْ زَكَاتِي ، لَا يَجْزِيهِ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَجْزِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ ( لَهُ ) وَدِيعَةٌ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ .
وَمِنْهَا ، لَوْ بَاعَ الْمُصَرَّاةَ بِصَاعِ تَمْرٍ يَرُدُّ التَّمْرَ ، وَلَا يَجْرِي التَّقَاصُّ نَظِيرَ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَمِنْهَا ، إذَا هَاجَرَتْ إلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمَةٌ وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِمْ مِنَّا مُرْتَدَّةٌ مَهْرُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي هَاجَرَتْ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ بَرِئَتْ الذِّمَّتَانِ ، وَإِنْ فَضَلَ لَنَا رَجَعْنَا بِالْفَضْلِ ، وَإِنْ فَضَلَ لَهُمْ دَفَعْنَا الْفَضْلَ إلَيْهِمْ ، وَدَفَعَ الْإِمَامُ مَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
التَّقْلِيدُ مُمْتَنِعٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى الدَّلِيلِ كَافٍ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ ، فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ ، وَالظَّنُّ كَافٍ فِي كُلِّ عِلْمٍ بِكَيْفِيَّةٍ أَوْ فِي عِلْمٍ لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ ، وَبَيَانُهُ أَنْ يَقُولَ : كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ ، فَإِنَّ الظَّنَّ فِيهَا كَافٍ ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ إنْ كُلِّفَ فِيهَا بِالْعِلْمِ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْأَخْذُ بِالظَّنِّ ، وَإِلَّا جَازَ ، كَالتَّفَاضُلِ بَيْنَ ( فَاطِمَةَ ) ( وَخَدِيجَةَ ) وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ اكْتِفَاءَ الشَّرْعِ فِي الْفُرُوعِ بِالظَّنِّ لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَمَارَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ ، لَا مُسْتَنَدُ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ الْعَمَلُ إلَى الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَعَنْ هَذَا ، قَالَ ( الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ) لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ تَقْلِيدٌ إذْ حَقِيقَةُ التَّقْلِيدِ قَبُولُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَدَلِيلٍ ، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ مَقْبُولٌ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ ، كَذَلِكَ قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ ، وَأَقْوَالِ الْمُفْتِينَ وَالْحُكَّامِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ ، فَنَزَلَتْ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ مَنْزِلَةَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَصِيرِ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِمَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا خِلَافٌ ، وَجَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِالْمَنْعِ ، فَفِي فَتَاوِيهِ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَلْمِسَ امْرَأَةً ثُمَّ يُصَلِّيَ ، وَلَا يَتَوَضَّأَ تَقْلِيدًا لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّمْسَ لَا يُنْقِضُ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي هَذَا ، فَلَا يَجُوزُ إنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ .
كَمَا لَوْ اجْتَهَدَ فِي
الْقِبْلَةِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا انْتَهَى .
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ حَيْثُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَعْسُرُ تَفْرِيقُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا قِسْمَتَهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ .
فَائِدَةٌ : إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِالْوَقْتِ عَنْ عِلْمٍ ، عَمِلَ بِهِ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْعِلْمُ أَمْ لَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَجَزَمُوا فِي الْقِبْلَةِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْخَبَرُ عَنْ عِلْمٍ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ يُمْكِنُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأَنْ يَرَى غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ جَبَلٍ مَثَلًا وَأَمَّا الْقِبْلَةُ فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا الْمُشَاهَدَةُ إلَّا ( بِمَكَّةَ ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْتَمِدُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ .
=========================ج33333333333333333===============
ج333.
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
التَّقْوِيمُ يُعْتَبَرُ فِي الْمَغْصُوبِ بِغَالِبِ النُّقُودِ لَا بِأَدْنَاهَا وَفِي السَّرِقَةِ أَطْلَقَ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِأَدْنَى دَنَانِيرِ الْبَلَدِ وَقَضِيَّتُهُ ذَلِكَ وَإِنْ غَلَبَ رَوَاجُ الْأَعْلَى .
وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ خَالِصَانِ مِنْ الذَّهَبِ وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ فِي زَمَانِ السَّرِقَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَبِأَيِّهِمَا يُقَوَّمُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْأَدْنَى اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ ( الثَّانِي ) بِالْأَعْلَى دَرْءًا لِلْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِسَرِقَةٍ فَقَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ فَلَا قَطْعَ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ نِصَابٌ وَقَوَّمَهُ آخَرُ بِدُونِهِ فَلَا قَطْعَ وَيُؤْخَذُ فِي الْغُرْمِ بِالْأَقَلِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَفِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَوْفَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَقِيلَ : بَلْ أَقَلُّهُمَا وَذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ وَقَالُوا فِي الزَّكَاةِ لَوْ تَمَّ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْمَوَازِينِ وَنَقَصَ فِي بَعْضٍ لَمْ تَجِبْ فِي الْأَصَحِّ وَالسَّرِقَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَا هُنَا ضَابِطٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى التَّقْوِيمِ وَعُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَحَكَمُوا بِالتَّقْوِيمِ تَقْرِيبًا فَهُوَ الْمُتَّبَعُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَقْدِيرُ النُّقْصَانِ ظَنًّا .
إلَّا فِي بَابِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِسُقُوطِ الْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ وَقَالَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ لَوْ بَلَغَ قِيمَةُ الْغَرَضِ الْمَسْرُوقِ بِالِاجْتِهَادِ رُبْعَ دِينَارٍ فَقَدْ يُؤْخَذُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقْطَعْ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِهَا نِصَابًا .
الْأَحْكَامُ التَّقْدِيرِيَّةُ ( مِنْهَا ) الْمِلْكُ فِي الْعِتْقِ الْمُسْتَدْعَى ، وَالدِّيَةُ يُقَدَّرُ دُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا دُيُونَهُ وَقِيلَ : تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً .
وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَرْجِعُ نِصْفُ الْمَهْرِ إلَى الِابْنِ أَوْ لِلْأَبِ وَجْهَانِ .
وَمَنْ قَالَ يَرْجِعُ لِلْأَبِ فَقَدْ نَازَعَ فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الصَّدَاقُ فِي مِلْكِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الِابْنِ .
وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفٍ وَتَبَرَّعَ عَنْهُ آخَرُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّ الْمَبِيعَ هَلْ يَرُدُّ الْمُؤَدَّى إلَى الْمُشْتَرِي أَمْ إلَى الْمُتَبَرِّعِ ؟ وَالْقَوْلُ بِرَدِّهِ إلَى الْمُتَبَرِّعِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ هُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ .
تَلْقِينُ الْإِمَامِ يُشْرَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ وَلَا يُلَقَّنُ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ بَلْ حَتَّى يَقِفَ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي .
( الثَّانِي ) فِي الْخُطْبَةِ إذَا حَضَرَ ، وَلَا يُلَقَّنُ حَتَّى يَسْكُتَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ .
قَالَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ يَفْتَحُ لَهُ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ فَإِنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ لُقِّنَ فِي الْخُطْبَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُلَقَّنُ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَحَيْثُ قَالَ يُلَقَّنُ إذَا وَقَفَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ وَحَيْثُ قَالَ لَا يُلَقَّنُ إذَا كَانَ تَرَدَّدَ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ إنْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنْ فَتَحَ عَلَيْهِ انْطَلَقَ فَتَحَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْهَشُ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ .
التَّمَنِّي أَنْوَاعٌ ( إحْدَاهَا ) : تَمَنِّي الرَّجُلِ حَالَ أَخِيهِ مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيَا عَلَى أَنْ يَذْهَبَ مَا عِنْدَهُ وَهَذَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ الْحَسَدُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَا فِي تَمَنِّي زِينَةِ الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ مَتَاعِهَا الْمُطْغِي بِقِصَّةِ ( قَارُونَ ) وَمَنْ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ ( قَارُونُ ) حَتَّى شَهِدُوا الْمِنَّةَ فِي الْمَنْعِ لَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ ( الْوَاحِدِيُّ ) فِي الْبَسِيطِ ، ( وَابْنُ فُورَكٍ ) فِي مُشْكِلِهِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَنِّيَ فِي قَوْله تَعَالَى ( { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } ) عَلَى التَّحْرِيمِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : لَيْتَ مَالَ فُلَانٍ لِي ، وَإِنَّمَا لَيْتَ لِي مِثْلَهُ وَحَكَوْا عَنْ ( الْفَرَّاءِ ) أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَغَلَّطُوهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ مُقْتَضَاهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ تَعْلِيقِهِ : كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ يَحْرُمُ التَّفَكُّرُ فِيهِ بِقَلْبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { لَا تَتَمَنَّوْا } ) .
الْآيَةَ ، فَمَنَعَ مِنْ التَّمَنِّي مِمَّا لَا يَحِلُّ كَمَا مَنَعَ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } لَكِنَّ النَّظَرَ يَفْسُقُ بِهِ وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ الْفِكْرِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حَتَّى لَوْ أَخْبَرْنَا بِهِ ، كَانَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَتِهِ عَنْهُ ، فَهَذَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ } ) ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ ( الْغِبْطَةُ ) .
وَنَبَّهَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى أَنَّ مَا يَتَمَنَّى بِهِ كَرَامَةَ الْآخِرَةِ لَا يُنْهَى عَنْهُ .
الثَّالِثُ : تَمَنِّي فِعْلِ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ شَقَّتْ عَلَيْهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ طَلَبَ
الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا ، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْبَرْزَخِ الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ .
وَفِي الْحَدِيثِ { وَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ } .
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ ، وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ .
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ غَيْرِ قَتْلِ الْكَافِرِ .
( وَثَانِيهِمَا ) أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْمَسْئُولَةُ ، وَالثَّانِيَةُ : قَتْلُ الْكَافِرِ وَهِيَ كَذَلِكَ .
الرَّابِعُ : تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ } ، وَهَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى تَمَنِّي لِقَائِهِ إدْلَالًا بِالْقُوَّةِ ، وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا .
فَأَمَّا تَمَنِّي ذَلِكَ ، لِإِقَامَةِ الْجِهَادِ اعْتِمَادًا عَلَى اللَّهِ ( تَعَالَى ) دُونَ الْقُوَى وَالْأَسْبَابِ مِنْ الْإِنْسَانِ فَحَسَنٌ ، لِأَنَّ تَمَنِّي الْفَضَائِلِ وَسِيلَةٌ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي كِتَابِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ صَاحِبُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْعَبِهَا عَلَى النُّفُوسِ وَكَانَتْ الْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ عِنْدَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا خَشِيَ أَلَّا يَكُونَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ ، كَمَا يَنْبَغِي ، فَكُرِهَ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِذَلِكَ .
الْخَامِسُ : فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنَّ طُولَ الْعُمْرِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قِصَرِهِ لِيَسْتَعْتِبَ مِنْ إسَاءَتِهِ وَيَسْتَكْثِرَ مِنْ طَاعَاتِهِ ، فَإِذَا تَمَنَّى الْمَوْتَ كَانَ تَمَنِّيًا لِفَوَاتِ الطَّاعَاتِ ، أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى دِينِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ ، فَلَا
يُكْرَهُ ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ( أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ ) ( وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) السَّادِسُ : فِي تَمَنِّي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ مَعَ إهْمَالِ الطَّاعَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى } وَفِي الْحَدِيثِ { الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } .
السَّابِعُ : تَمَنِّي خِلَافِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَهُوَ مَذْمُومٌ وَلِلشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِيهِ نَصَّانِ : أَحَدُهُمَا : قَالَ فِي الْأُمِّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ ، وَقَدْ رَوَى عَنْ عُمَرَ لَا يَسْتَرِقُّ عَرَبِيٌّ قَالَ ( الْإِمَامُ ) ( الشَّافِعِيُّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَغَيُّرَ الْأَحْكَامِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ التَّمَنِّيَ كُلَّهُ حَرَامٌ .
وَالثَّانِي : فِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ ( ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ) ، سُئِلَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَنْ نِكَاحِ الْعَامَّةِ الْهَاشِمِيَّاتِ ، فَقَالَ إنَّهُ جَائِزٌ وَوَدِدْت ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى فَسْخَهُ وَالْمَنْعَ مِنْهُ ، لِأَنِّي سَمِعْت اللَّهَ ( تَعَالَى ) يَقُولُ { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } انْتَهَى .
وَهَذَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ ، أَمَّا فِي وَقْتِ النَّسْخِ ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمَّا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَانَ يَتَمَنَّى التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ فَنَوَّلَهُ اللَّهُ ( تَعَالَى ) مُرَادَهُ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّ مَنْ يَتَمَنَّى تَحْلِيلَ مَا كَانَ حَرَامًا ، إنْ كَانَ مُبَاحًا ، ثُمَّ حَرُمَ لَمْ يَكْفُرْ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَحِلَّ فَقَطْ وَفِيهِ نَظَرٌ .
الثَّامِنُ : أَنْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ( تَعَالَى ) مِنْ غَيْرِ أَنْ ( تَقْتَرِنَ ) أُمْنِيَّتُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ اللَّهُ
تَعَالَى : { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } .
( قَالَ ) بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلَى ، لِمَنْ سَأَلَ اللَّهَ ( سُبْحَانَهُ ) ( وَتَعَالَى ) مِنْ الْمَتَاعِ ( الْفَانِي ) أَنْ يَقْرِنَ ( بِرَغْبَتِهِ ) سُؤَالَهُ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) بِالطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ التَّعَرُّضِ بِهِ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَهَذَا تَفْسِيرُ حَدِيثِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ } ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ بِفَضْلِ اللَّهِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَهُ .
هُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُفْرَحَ بِهِ .
وَأَمَّا الْإِقْتَارُ وَضَرَرُ الْأَبْدَانِ ، فَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ فِيهَا انْتِظَارُ الْفَرَجِ .
فُرُوعٌ : قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ : مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا إنْ تَمَنَّى فِي زَمَنِ نَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيُّ دُونَ الَّذِي نُبِّئَ بِالْحَقِيقَةِ ، فَقَدْ كَفَرَ ، وَكَذَا لَوْ تَمَنَّى بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَبِيًّا ، لِأَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شُرِّفَ بِخَتْمِ النُّبُوَّةِ وَأَمَّا مَنْ تَمَنَّى النُّبُوَّةَ فِي زَمَنِ جَوَازِهَا ، فَلَا يَكْفُرُ .
قَالَ : وَلَوْ كَانَ فِي قَلْبِ مُسْلِمٍ غِلٌّ عَلَى كَافِرٍ ، فَأَسْلَمَ ، فَحَزِنَ الْمُسْلِمُ لِذَلِكَ وَتَمَنَّى لَوْ عَادَ إلَى الْكُفْرِ ، لَا يَكْفُرُ ، لِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ الْكُفْرَ ، هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى تَمَنِّيهِ لَهُ وَاسْتِحْسَانَهُ الْإِسْلَامَ ، هُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ لَهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَكُونُ تَمَنِّي الْكُفْرِ كُفْرًا ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ لَهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِدُعَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ { وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا } .
قَالَ : تَمَنَّى أَنْ لَا يُؤْمِنُوا ، وَزَادَ عَلَى التَّمَنِّي بِأَنْ دَعَا
اللَّهَ بِذَلِكَ ، لَمَّا عَاتَبَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ ، لَوْ قُتِلَ عَدُوٌّ لِلْإِنْسَانِ ظُلْمًا ، فَفَرِحَ بِمَوْتِهِ ، هَلْ يَأْثَمُ ؟ قَالَ ، إنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ عَصَى اللَّهَ فِيهِ : فَنَعَمْ ، وَإِنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ خَلَصَ مِنْ شَرِّهِ ، فَلَا بَأْسَ لِاخْتِلَافِ سَبَبِ الْفَرَحِ ، فَإِنْ قَالَ : لَا أَدْرِي بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَرَحِي ، قُلْنَا لَا إثْمَ عَلَيْك ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَصَائِبِ عَدُوِّهِ ، لِأَجْلِ الِاسْتِرَاحَةِ .
التَّنْكِيرُ يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ وَهُوَ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ سَوَاءٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّنْوِينَ يَدُلُّ عَلَى الْمِقْدَارِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ جَوَابًا عَنْهُ ، إذَا قِيلَ كَمْ رَأَيْت مِنْ الرِّجَالِ ، فَيَقُولُ رَأَيْت رَجُلًا .
وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمِقْدَارِ ، إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِالْمِقْدَارِ ، فَعَلِمَ أَنَّ لِلتَّنْوِينِ دَلَالَةً عَلَى الْمِقْدَارِ ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ ، فَحِينَئِذٍ ، فَقَوْلُهُ أَعْتِقْ رَقَبَةً بِمَثَابَةِ أَعْتِقْ رَقَبَةً وَاحِدَةً لَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ انْضِمَامَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْأَعْدَادِ إلَى الْوَاحِدِ يُبْطِلُ وَحْدَةَ الْوَاحِدِ .
التَّوَاطُؤُ قَبْلَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ ( الْمَشْرُوطِ ) فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
كَمَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى مَهْرٍ سِرًّا ، وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً ، وَكَمَا لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا : هَذَا الثَّوْبُ هَرَوِيٌّ ، فَقَالَ لَهَا : إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الثَّوْبَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَأَعْطَتْهُ ، فَبَانَ مَرْوِيًّا .
وَلَوْ تَوَاطَأَ عَلَى الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا ، ثُمَّ عَقَدَاهُ ، فَهَلْ يَبْطُلُ ، وَجْهَانِ : مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّوَاطُؤَ ، هَلْ يُلْحَقُ بِالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا : فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ .
قَالَ فِي الْكَافِي ، وَهَلْ يَحِلُّ بَاطِنًا يَحْتَمِلُ ( وَجْهَانِ ) : أَصَحُّهُمَا عِنْدِي يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَامِلِ أَهْلِ ( خَيْبَرَ ) .
وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا وَقَالَ إنْ كَانَ يَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ ( فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ وَلَوْ قَالَ أَيَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا .
التَّوْبَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ التَّوْبَةُ لُغَةً : الرُّجُوعُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( { إنِّي لَأَتُوبُ إلَى اللَّهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً } فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمَصَالِحِ الْخَلْقِ ( إلَى الْحَقِّ ) { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } ثُمَّ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا وَلِيَفْتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ لِلنَّاسِ كَمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا صَلَّى وَصَامَ وَنَكَحَ لَنَا ( أَيْ ) لِيُعَلِّمَنَا كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ ( سُئِلَ ) بَعْضُ أَكَابِرِ الْقَوْمِ عَنْ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } مِنْ أَيْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ عَرَّضَ بِتَوْبَةِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ سَتْرًا لِمَنْ أَذْنَبَ يُشِيرُ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَقَامًا مِنْ الْمَقَامَاتِ الصَّالِحَةِ إلَّا تَابِعًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْلَا ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ وَأَصْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ مِنْ صَدْرِهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ ( هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك ) وَهَذَا أَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَيُعْتَمَدُ .
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَالرُّجُوعُ عَنْ ( التَّعْوِيجِ ) إلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ .
وَالتَّوْبَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ، لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ تَصَوَّرَ خُلُوَّهُ عَنْهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ الْهَمِّ بِالذُّنُوبِ وَلِأَنَّ تَصَوُّرَ خُلُوِّهِ عَنْهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ بِإِيرَادِ الْخَوَاطِرِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُذْهِلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) وَإِنْ خَلَا عَنْهَا فَلَا يَخْلُو مِنْ غَفْلَةٍ وَقُصُورٍ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَالْكُلُّ يَفْتَقِرُ إلَى التَّوْبَةِ وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمَقَادِيرِ : فَتَوْبَةُ
الْعَوَامّ مِنْ الذَّنْبِ وَالْخَوَاصِّ مِنْ الْغَفْلَةِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ مِنْ رُكُونِ الْقَلْبِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
( الثَّانِي ) : فِي حُكْمِهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فَمَنْ أَخَّرَهَا زَمَنًا يَتَّسِعُ لَهَا صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَكَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عِصْيَانُهُ بِتَكَرُّرِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَّسِعَةِ لَهَا فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا قَالَ : وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ ( انْتَهَى ) .
وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِنَا فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ إذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ أَعْلَى الْقِيَمِ لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي كُلِّ زَمَنٍ إلَى آخِرِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ .
أَمَّا الْكَبَائِرُ فَبِالْإِجْمَاعِ .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ إطْلَاقِ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ جَمِيعِهَا عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الطَّاعَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِحَدِيثِ { الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ } .
وَحَدِيثِ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } { وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } { وَمَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } وَنَحْوُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى الصَّغَائِرِ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَقَالَ فَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ كِتَابُ الِاعْتِكَافِ .
فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } قَالَ يُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَحَكَاهُ ( ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ) فِي التَّمْهِيدِ عَنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ ( قِيلَ : يُرِيدُ بِهِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيَّ الْمُحَدِّثَ ) أَنَّ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ يُكَفِّرُهَا الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ قَالَ وَهُوَ
جَهْلٌ بَيِّنٌ وَمُوَافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا فَرْضٌ وَالْفُرُوضُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِقَصْدٍ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } .
( وَأَمَّا ) التَّوْبَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ فَوَاجِبَةٌ عِنْدَ ( الْأَشْعَرِيِّ ) ، وَخَالَفَ فِيهِ ( أَبُو هَاشِمٍ بْنُ الْجُبَّائِيِّ ) وَادَّعَى بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَنَسَبَ أَبَا هَاشِمٍ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا تَابَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْدَرَجَتْ الصَّغَائِرُ فِي ضِمْنِهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْمَعَ فِي ذَلِكَ ، وَيُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّغَائِرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ ، أَمَّا التَّوْبَةُ عَنْهَا عَيْنًا أَوْ فِعْلَ مَا يُكَفِّرُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ .
( وَقَالَ ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ تَكْفِيرَ الصَّغَائِرِ بِالْعِبَادَاتِ ، هَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدِهِمَا : ( نَعَمْ ) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } وَظَاهِرُهُ الشَّرْطِيَّةُ ، فَإِذَا اُجْتُنِبَتْ ، كَانَتْ مُكَفِّرَاتٍ لَهَا ، وَإِلَّا فَلَا .
وَذَكَرَ ( ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ ) ، أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُشْتَرَطُ وَالشَّرْطُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْدِيرُ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ ، إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمُطْلَقِ ( حَدِيثِ خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ قَطْرِ الْمَاءِ ) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ التَّكْفِيرَ ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ فَمَنْ
جَعَلَ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطًا فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ ، لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوْبَةَ ، وَجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اشْتَرَطَ التَّوْبَةَ وَعَدَمَ الْإِصْرَارِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ( حَدِيثُ الَّذِي قَبَّلَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ نَدِمَ فَأَخْبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ ) ، وَكَانَ النَّدَمُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ .
وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْفِيرَ ، كَانَ بِنَفْسِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ بِمُجَرَّدِهَا تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، فَلَوْ اشْتَرَطْنَاهَا مَعَ الْعِبَادَاتِ ، لَمْ تَكُنْ الْعِبَادَاتُ مُكَفِّرَةً ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُكَفِّرَاتٌ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّوْبَةِ مَعَهَا .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ ، هَلْ هُوَ قَيْدٌ فِي التَّكْفِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ ، لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الصَّغَائِرِ ( أَوْ هُوَ قَيْدُ التَّعْمِيمِ ، أَيْ تَعْمِيمِ الْمَغْفِرَةِ ) ، فَعَلَى هَذَا تُغْفَرُ الصَّغَائِرُ ، وَإِنْ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِي التَّكْفِيرِ ، لِأَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } .
قَالَ صَاحِبُ ( الْإِحْيَاءِ ) ، ( وَاجْتِنَابُ ) الْكَبِيرَةِ ، إنَّمَا يُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ إذَا اجْتَنَبَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ ، كَمَنْ ( تَمَكَّنَ ) ( مِنْ امْرَأَةٍ وَيَقْدِرُ عَلَى جِمَاعِهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ وَاللَّمْسِ ، فَإِنَّ مُجَاهَدَةَ نَفْسِهِ ) فِي الْكَفِّ عَنْ الْوِقَاعِ أَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي تَنْوِيرِ قَلْبِهِ مِنْ إقْدَامِهِ عَلَى النَّظَرِ فِي إطْلَاقِهِ ، فَإِنْ كَانَ عِنِّينًا لَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُهُ ، إلَّا بِالضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ أَوْ كَانَ قَادِرًا ، لَكِنْ امْتَنَعَ لِخَوْفٍ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ ( فَهَذَا ) لَا يَصْلُحُ لِلتَّكْفِيرِ أَصْلًا ، قَالَ وَكُلُّ مَنْ لَا يَشْتَهِي الْخَمْرَ بِطَبْعِهِ ، وَلَوْ ( أُتِيحَ )
لَهُ لَمَا شَرِبَهُ ، فَاجْتِنَابُهُ لَا يُكَفِّرُ عَنْهُ الصَّغَائِرَ الَّتِي هِيَ مُقَدِّمَاتُهُ كَسَمَاعِ الْمَلَاهِي .
الرَّابِعُ فِي شُرُوطِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ مُسْتَصْحَبَةً ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ : ( الْأَوَّلُ ) النَّدَمُ عَلَى الْفِعْلِ ، وَعَلَامَةُ صِحَّةِ النَّدَمِ ، رِقَّةُ الْقَلْبِ وَغَزَارَةُ الدَّمْعِ .
( وَالثَّانِي ) ، الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ .
( وَالثَّالِثُ ) : الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ ، لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ حَائِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْبُودِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ غَيْرَ مُسْتَصْحَبَةٍ فَشَرْطَانِ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ .
وَفِي الْحَقِيقَةِ رُكْنُ التَّوْبَةِ النَّدَمُ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } ، لَكِنْ ، لَا يَتَحَقَّقُ النَّدَمُ إلَّا بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا ، إذْ يَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ نَادِمًا عَلَى مَا هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَازِمًا عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ .
وَلِهَذَا قِيلَ فِي حَدِّ التَّوْبَةِ ذَوَبَانُ الْحَشَى لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَطَا .
وَلِهَذَا ، قِيلَ النَّدَمُ رُكْنُهَا ، وَالْآخَرَانِ شَرْطٌ .
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّهُمَا شَطْرٌ أَوْ شَرْطٌ وَشَرْطُ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ ، أَنْ يَتْرُكَ الذَّنْبَ لِلَّهِ خَالِصًا ، كَمَا ارْتَكَبَهُ لِهَوَاهُ خَالِصًا .
قَالَ الْعَبَّادِيُّ : وَمَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً سِرًّا ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَنْدَمَ وَيُقْلِعَ عَنْهَا سِرًّا ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ فَيَتُوبُ عَلَانِيَةً .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْعَزْمِ وَالْإِقْلَاعِ ، فَلَا يَسْقُطُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ بِالْمَعْجُوزِ عَنْهُ ، كَمَا لَا يَسْقُطُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بِمَا عَجَزَ عَنْهُ وَذَلِكَ كَتَوْبَةِ الْأَعْمَى عَنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ ، وَتَوْبَةِ الْمَجْبُوبِ عَنْ الزِّنَى قُلْت : وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ تَوْبَتُهُ .
قَالَ : لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نَدَمٍ يَبْعَثُ عَلَى التَّرْكِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ ،
وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ انْعَدَمَ بِنَفْسِهِ لَا بِتَرْكِهِ إيَّاهُ .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا ، مَا لَوْ آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ جُبَّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَيْئُهُ بِاللِّسَانِ ، بِأَنْ يَقُولَ : لَوْ قَدَرْت لَفِئْت ، وَلَا يَقُولُ إذَا ، وَاعْتَبَرَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنْ يَقُولَ مَعَهُ نَدِمْت عَلَى مَا كَانَ مِنِّي .
( فَرْعٌ ) مَنْ عَلِمَ اللَّهُ ( تَعَالَى ) مِنْهُ الْإِصْرَارَ عَلَى ذَنْبٍ ، وَطَبَعَ عَلَى قَلْبِهِ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ قَالَ الْحَلِيمِيُّ .
امْتَنَعَتْ تَوْبَتُهُ مِنْهُ ، وَلَمْ تَمْتَنِعْ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَانُ الذَّاتِيُّ .
( فَرْعٌ ) هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّوْبَةِ عَلَى شَرْطٍ ؟ قِيلَ : لَا ، لِأَنَّهَا النَّدَمُ ، وَالنَّدَمُ عَلَى الْمَاضِي ، وَالتَّعْلِيقُ يَكُونُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، وَهَلْ يَصِحُّ عَلَى الذَّنْبِ الْمَظْنُونِ ، قِيلَ لَا ، وَقِيلَ : يَصِحُّ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ أَثِمَ بِهِ .
أَمَّا الْوُجُوبُ ، فَلَا يَجِبُ بِدُونِ تَحَقُّقِ الْإِثْمِ .
الْخَامِسُ : الْمَعْصِيَةُ ، إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، أَوْ لِآدَمِيٍّ .
الْأَوَّلُ : إنْ كَانَ تَرْكُ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمِ أَوْ زَكَاةٍ ، فَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهُ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْقَضَاءُ .
( وَالثَّانِي ) : التَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَاجِبَةٌ ، وَمَظَالِمُ الْعِبَادِ فِيهَا أَيْضًا مَعْصِيَةٌ وَجِنَايَةٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، نَهَى عَنْ ظُلْمِهِمْ ، فَيَجِبُ فِيهَا الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ ، وَيَزِيدُ رَدُّ الظُّلَامَةِ .
ثُمَّ لَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ تَكُونَ فِي النُّفُوسِ ، أَوْ الْأَمْوَالِ أَوْ الْأَعْرَاضِ أَوْ الْقُلُوبِ ، وَهُوَ الْإِيذَاءُ الْمَحْضُ : فَفِي النُّفُوسِ ، يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُسْتَحِقُّ وَيَقُولَ : إنْ شِئْت أَنْ تَسْتَوْفِيَ الْعُقُوبَةَ وَإِنْ شِئْت فَاعْفُ .
قَالَ الْعَبَّادِيُّ : فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ اُعْفُ عَنِّي ، لَا يَكُونُ تَمْكِينًا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ
الْإِخْفَاءُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى ، أَوْ بَاشَرَ مَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي التَّوْبَةِ أَنْ يَفْضَحَ نَفْسَهُ ، بَلْ عَلَيْهِ السِّتْرُ بِسِتْرِ اللَّهِ وَيُقِيمَ حَدَّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) عَلَى نَفْسِهِ ، بِأَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَةِ وَالتَّعْذِيبِ .
وَفِي الْأَعْرَاضِ ، يَأْتِي مَنْ اغْتَابَهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ فِيهِ حَتَّى يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَلَا يَكْفِي ( الْإِبْهَامُ عَلَى الْأَصَحِّ ) ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِيَصِحَّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْإِحْيَاءِ " قَالَ : اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَوْ ذَكَرَ ، أَوْ عَرَّفَهُ لَتَأَذَّى بِمَعْرِفَتِهِ كَزِنَاهُ بِجَارِيَتِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ نَسَبِهِ بِاللِّسَانِ إلَى عَيْبٍ مِنْ خَفَايَا عُيُوبِهِ ، يَعْظُمُ أَذَاهُ بِذِكْرِهِ ، فَقَدْ انْسَدَّ عَلَيْهِ طَرِيقُ الِاسْتِحْلَالِ فَلَيْسَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُمَا وَيَبْقَى لَهُ مَظْلِمَةٌ ، فَلْيَجْبُرْهُ بِالْحَسَنَاتِ ، كَمَا يَجْبُرُ مَظْلِمَةَ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُغْتَابَ ، فَقَالَ الْحَنَّاطِيُّ يَكْفِيهِ النَّدَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ ، وَزَادَ غَيْرُهُ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْلَاغُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ الْإِمَامِ الْوَرَعِ ( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ) ، وَقَدْ نَاظَرَ ( سُفْيَانُ ) فِي ذَلِكَ فَقَالَ : لَا يُؤْذِهِ مَرَّتَيْنِ .
فَإِنْ تَعَذَّرَ لِمَوْتِهِ أَوْ تَعَسَّرَ لِغَيْبَتِهِ الْبَعِيدَةِ ، اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْلِيلِ الْوَرَثَةِ ، كَذَا قَالَهُ الْحَنَّاطِيُّ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُوَرِّثُونَ هَذَا الْحَقَّ .
وَأَمَّا الْحَسَدُ ، فَجَعَلَهُ الْعَبَّادِيُّ كَالْغَيْبَةِ ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : الْمُخْتَارُ الْمَنْعُ ، وَلَوْ قِيلَ يُكْرَهُ لَمْ يُبْعِدْ وَفِي الْأَمْوَالِ ، فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا ، مَا دَامَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ غَائِبًا عَزَمَ عَلَى أَدَائِهِ ، إذَا ظَفِرَ بِهِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ ، فَإِنْ مَاتَ دَفَعَ إلَى وَارِثِهِ ، فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ فَإِلَى الْحَاكِمِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ أَعْطَى ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .
قَالَ ، وَلَوْ كَانَ ( لَهُ ) عَلَى رَجُلٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يُطَالِبْ حَتَّى مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ هَكَذَا كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ انْتَقَلَ لِلْآخَرِ ، وَقِيلَ إنْ طَالَبَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْأَدَاءِ ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُ ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِوَارِثِهِ لِأَنَّهُ اسْتَقْصَى فِي طَلَبِ حَقِّهِ ، فَيَبْقَى لَهُ ، وَلَكِنْ هَذَا بِشَرْطَيْنِ ، أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَى وَارِثِهِ ، وَلَا يُبْرِيهِ وَارِثُهُ ، فَإِنْ أَدَّى حَقَّهُ إلَى وَارِثِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ وَارِثُهُ سَقَطَ الْحَقُّ مِنْ ذِمَّتِهِ ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ قَصَّرَ الْمَدْيُونُ وَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ وَاسْتَحَقَّهُ وَارِثٌ بَعْدَ آخَرَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ، أَرْجَحُهَا ، وَبِهِ أَفْتَى الْحَنَّاطِيُّ أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَوَّلًا ، وَالثَّانِي لِآخَرَ وَارِثٍ ، وَالثَّالِثُ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الرَّقْمِ ، أَنَّهُ يَكْتُبُ الْآخَرُ لِكُلِّ وَارِثٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِمَنْ بَعْدَهُ .
السَّادِسُ : التَّوْبَةُ هَلْ تُسْقِطُ الْحَدَّ : يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَحْضَ حَقِّ الْآدَمِيِّ ، كَحَدِّ الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ ، لَمْ ( يَسْقُطْ ) كَالدُّيُونِ .
وَلِهَذَا ، لَوْ أَتْلَفَ مَالًا ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْغُرْمِ .
وَإِنْ كَانَ مَحْضَ حَقِّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) وَتَابَ مِنْهُ إلَى اللَّهِ التَّوْبَةَ النَّصُوحَةَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى الْإِمَامِ فَأَطْلَقَ الْحَلِيمِيُّ سُقُوطَ الْحَدِّ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَقَالَ ( تُبْت ) لَمْ يَسْقُطْ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُحَارِبِينَ وَقَدْ عَلَّقَ ( الْإِمَامُ ) .
الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ فِي غَيْرِهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالتَّوْبَةِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ .
قُلْت : أَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ يَتُوبُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ عَنْهُ وَقَطْعِ الرَّجُلِ وَالصَّلْبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَأَمَّا حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ فَفِي سُقُوطِهَا بِالتَّوْبَةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ وَرَجَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ السُّقُوطَ أَيْضًا كَالْحِرَابَةِ ( قَالُوا ) وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمُحَارِبِ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ التَّوْبَةُ وَإِصْلَاحُ الْعَمَلِ وَالْمُحَارِبُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ التَّوْبَةُ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزِّنَى { فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } وَفِي قَطْعِ السَّرِقَةِ ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ) وَقَالَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَ لَا حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَعَلَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا عَلَى خُلُوصِ التَّوْبَةِ أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَاَللَّهُ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ فَإِذَا عَلِمَ خُلُوصَ تَوْبَةِ عَبْدٍ لَمْ يُطَالِبْهُ لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِذَلِكَ ) .
وَفِي أَمَالِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا قُلْنَا التَّوْبَةُ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فَأَيُّ شَيْءٍ تُسْقِطُهُ قُلْنَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ اطِّلَاعِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ ( فَإِنْ ) لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ سَقَطَ شَرْطُ وُجُوبِ التَّمْكِينِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا الْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ : (
إحْدَاهَا ) إذَا زَنَى الذِّمِّيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي السِّيَرِ .
( ثَانِيهَا ) قَاطِعُ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ الْمُتَحَتِّمُ .
( ثَالِثُهَا ) الْمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ الْعَوْدُ ( إلَى الْإِسْلَامِ ) .
( رَابِعُهَا ) تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهَا بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ ( الْعَوْدُ ) لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا .
الْبَحْثُ السَّابِعُ : الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ قَطْعًا ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ظَنًّا عَلَى الصَّحِيحِ وَتُفِيدُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) فِي الْإِحْصَانِ فَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا وَلَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَا يُحَدُّ .
( الثَّانِيَةُ ) شَهِدَ ، فَرُدَّ لِفِسْقِهِ ثُمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ رُدَّتْ لِعَدَاوَةٍ فَزَالَتْ ثُمَّ أَعَادَهَا .
( الثَّالِثَةُ ) اشْتَرَى عَبْدًا فَوَجَدَهُ قَدْ زَنَى فِي يَدِ الْبَائِعِ وَتَابَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ لِأَنَّ ذَنْبَ الزِّنَى لَا يَزُولُ ) بِالتَّوْبَةِ ، وَلِهَذَا لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ( الرَّابِعَةُ ) التَّائِبُ مِنْ الْكَذِبِ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا كَمَا قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَفِي الْحَاوِي أَنَّ مَنْ اسْتَتَرَ بِالْمَعْصِيَةِ إذَا تَابَ قَبْلَ ظُهُورِ حَالِهِ يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ قُبِلَتْ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلَمْ
يَتَوَقَّفْ لِاسْتِبْرَاءِ صَلَاحِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مَسْتُورًا إلَّا عَنْ صَلَاحٍ يُغْنِي عَنْ اسْتِبْرَاءِ الْحَالِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ لِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ لِجَوَازِ التَّصَنُّعِ .
وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَتَى بِمَا يَكُونُ بِهِ تَائِبًا عَادَ إلَى حَالِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَبْلَ الرِّدَّةِ نُظِرَ فِي التَّوْبَةِ فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ عَرْضِهِ لِلْقَتْلِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ شُرُوطُ الْعَدَالَةِ بِاسْتِبْرَاءِ حَالِهِ وَإِنْ تَابَ قَبْلَ ذَلِكَ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ إلَى عَدَالَتِهِ .
( الثَّامِنُ ) : أَنَّ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَرْفَعُ الذَّنْبَ السَّابِقَ وَلَا يَدْفَعُ اللَّاحِقَ وَهُوَ الْكَثِيرُ .
( وَمِنْهَا ) : مَا يَرْفَعُ الذَّنْبَ السَّابِقَ وَاللَّاحِقَ وَيُسَمَّى رَافِعًا دَافِعًا كَصَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِذُنُوبِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَدَافِعٌ لِذُنُوبِ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ( كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ) .
قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَلَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ تُكَفِّرُ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ صَوْمِ عَرَفَةَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ( فَفِي الْحَدِيثِ { الْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ لَغْوِهِ وَرَفَثِهِ الْوَاقِعِ فِي رَمَضَانَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ .
وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مِنْ أَوَّلِ ( رَمَضَانَ ) وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ دَافِعَةً لِمَا يَقَعُ فِي الصِّيَامِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ كَانَتْ رَافِعَةً وَيَقَعُ السُّؤَالُ كَثِيرًا عَنْ هَذَا التَّكْفِيرِ هَلْ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ فَقَطْ أَمْ يَعُمُّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ صَامَهُ ( إمَّا أَنْ يَكُونَ ) ، عَلَيْهِ ذُنُوبٌ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ (
فَالصَّوْمُ ) يُكَفِّرُ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ وَإِلَّا فَيُعْطَى مِنْ الثَّوَابِ قَدْرَ مَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ذُنُوبٌ .
( وَكَذَلِكَ ) نَقُولُ : ( الصَّلَاةُ ) لَهَا فَضْلَانِ : أَحَدُهُمَا الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ بِشَرْطِ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَكُونُ فِي فَضْلِهِ مَا يَدْفَعُ الْكَبَائِرَ أَيْضًا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } .
( التَّاسِعُ ) : يُشْتَرَطُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْفِسْقِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُضِيُّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِإِظْهَارِهَا لِتَرْوِيجِ شَهَادَتِهِ وَعَوْدِ وِلَايَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اخْتِبَارِهِ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ صَلَحَ عَمَلُهُ وَسَرِيرَتُهُ .
ثُمَّ الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا لَا يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ بَلْ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الْعَدَالَةِ وَقَالَ آخَرُونَ تَتَقَدَّرُ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ سَنَةٌ وَهَلْ هِيَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي ، وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَقِيلَ شَهْرَانِ ، وَقِيلَ شَهْرٌ حَكَاهَا الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ .
قَالَ الْإِمَامُ وَكَيْفَ الطَّمَعُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا تَوْقِيفًا .
وَقَدْ اسْتَثْنَى الشَّيْخُ ( أَبُو إِسْحَاقَ ) فِي التَّنْبِيهِ صُورَتَيْنِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى اسْتِبْرَاءٍ : الْكَافِرُ يُسْلِمُ وَمَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِنُقْصَانِ مُرُوءَتِهِ إذَا تَرَكَ لَمْ يَحْتَجْ لِاسْتِبْرَاءٍ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَحُصُولُ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْعَوْدِ إلَى حِفْظِ الْمُرُوءَةِ ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُبَادِرَ بِالشَّهَادَةِ إذَا جَرَحْنَاهُ يُسْتَبْرَأُ أَيْضًا وَلَا يَبْلُغُ اسْتِبْرَاؤُهُ مَبْلَغَ اسْتِبْرَاءِ الْفَاسِقِ يَتُوبُ .
وَمَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مِنْ إسْلَامِ الْكَافِرِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ عِنْدَ عَرْضِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا سَبَقَ
عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ .
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءَ مَسَائِلُ : إحْدَاهَا : إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ ثَلَاثًا ثُمَّ زَوَّجَهَا مَنْ عَضَلَ صَحَّ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مُضِيَّ ( الِاسْتِبْرَاءِ ) الثَّانِيَةُ : إذَا امْتَنَعَ الْقَاضِي مِنْ الْوِلَايَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْهِ عَصَى ، فَلَوْ قَبِلَهَا جَازَ وَصَحَّتْ وِلَايَتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَلِيٌّ ( وَكَذَا ) قَالَ فِي الْعَاضِلِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الَّذِي حَصَلَ الْفِسْقُ بِسَبَبِهِ زَالَ يَقِينًا فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ يُسْلِمُ بِخِلَافِ التَّوْبَةِ عَنْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ فَاشْتَرَطَ الِاسْتِبْرَاءَ ( وَنَظِيرُ ) تَجْوِيزِ إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِزَوَالِ الْمَحْذُورِ يَقِينًا وَلَا يَتَدَاوَى بِهَا لِأَنَّ الشِّفَاءَ مَظْنُونٌ .
الثَّالِثَةُ : إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي بِزِنَى شَخْصٍ ، وَلَمْ يَكْتَمِلْ النِّصَابُ ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ اسْتِبْرَاءٌ فِي الْأَصَحِّ إذَا تَابَ ، وَقَبْلَ التَّوْبَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ، وَقِيلَ : لَا كَالشَّهَادَةِ .
الرَّابِعَةُ : لَوْ غَرِمَ الْغَارِمُ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يُدْفَعُ إلَيْهِ سَهْمَ الْغَارِمِينَ فَإِنْ تَابَ أُعْطِيَ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا مُدَّةَ زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ ، إلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ ، قَالَ يُعْطِي إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ ، قَالَ ( النَّوَوِيُّ ) ، لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ .
الْخَامِسَةُ : ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ ( اخْتِبَارِهِ ) فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ شَهِدَا بِجُرْحِهِ فِي سَنَةٍ أَوْ بَلَدٍ ، ثُمَّ شَهِدَ اثْنَانِ بِتَعْدِيلِهِ فِي سَنَةٍ بَعْدَهَا ، أَوْ فِي بَلَدٍ ( آخَرَ انْتَقَلَ إلَيْهِ ) ، حُكِمَ بِتَعْدِيلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتُوبُ وَيَنْتَقِلُ عَنْ الْفِسْقِ إلَى الْعَدَالَةِ وَيَهْفُو كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ثُمَّ يَسْتَقِيمُوا ، وَهَذَا حُكْمٌ مِنْهُ بِالتَّعْدِيلِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ ، وَلَا اخْتِيَارٍ .
(
تَنْبِيهَانِ ) الْأَوَّلُ : ( قَالَ فِي الْبَسِيطِ ) الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الْكَبَائِرِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الصَّغَائِرِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّوْبَةِ مِنْهَا ، كَمَا سَبَقَ .
الثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِي التَّوْبَةِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ ، أَمَّا الرِّوَايَةُ فَلَا ، وَلِهَذَا لَوْ حُدَّ بَعْضُ شُهُودِ الزِّنَى لِنَقْصِ النِّصَابِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ ، حَتَّى يَتُوبُوا ، وَفِي قَبُولِ رِوَايَتِهِمْ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، وَجْهَانِ : فِي الْحَاوِي ، قَالَ ( وَأَشْهَرُهُمَا ) الْقَبُولُ ، ( وَالْأَقْيَسُ ) عَدَمُ الْقَبُولِ كَالشَّهَادَةِ .
التَّيَمُّنُ إنَّمَا يُطْلَبُ بَيْنَ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ تُقَدَّمُ يُمْنَاهُمَا فِي الطَّهَارَةِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِتَمَيُّزِهَا بِالْقُوَى الْمُودَعَةِ فِيهَا ، وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْعُضْوَيْنِ ، وَلِهَذَا كُرِهَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا ، وَأَنْ تَمَسَّ بِهَا ( السَّوْأَتَانِ ) .
وَأَمَّا الْعُضْوَانِ اللَّذَانِ لَا شَرَفَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَالْأُذُنَيْنِ فَلَمْ يُقَدِّمْ الشَّرْعُ مَسْحَ يُمْنَاهُمَا عَلَى يُسْرَاهُمَا إذْ لَا فَضْلَ لِيُمْنَاهُمَا فِي الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُمَا ( وَكَذَلِكَ ) لَمْ يُقَدِّمْ يَمِينَ الْخَدَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ : نَعَمْ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ( مَعَ تَسَاوِي الشِّقَّيْنِ ) .
( الْجَوَازُ ) يُطْلَقُ فِي أَلْسِنَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أُمُورٍ .
أَحَدُهَا : عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا .
الثَّانِي : عَلَى مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ .
الثَّالِثُ : عَلَى مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ فِي الْعُقُودِ ، فَيَقُولُونَ الْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، وَيَعْنُونَ بِهِ مَا لِلْعَاقِدِ فَسْخُهُ بِكُلِّ حَالٍ ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ إلَى اللُّزُومِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ الْخِيَارُ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ ، فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى اللُّزُومِ ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ لِلُّزُومِ .
وَقَدْ يَجْرِي فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ : جَازَ كَذَا وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ الْوُجُوبَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ دَائِرًا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فَيُسْتَفَادُ بِقَوْلِهِمْ يَجُوزُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ ، فَيَبْقَى الْوُجُوبُ .
وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ شَهْرِ ( رَمَضَانَ ) بِالْحِسَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلَ لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ فِي الصَّبِيِّ : لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ .
يَكُونُ فِي مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا : مَا لَا يُجْبَرُ ، إلَّا بِالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ ، كَالْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ مَخْصُوصٍ أَوْ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَبْرُ فِي كُلِّ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَلَا فِي الْوَاجِبِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِعَيْنِهِ وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ { النَّوَافِلَ جَوَابِرُ لِلْفَرَائِضِ } ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَى ( تَكْمِيلِ ) الْفَرَائِض بِهَا أَنَّهَا تَجْبُرُ السُّنَنَ الَّتِي فِي الْفَرَائِضِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدِّلَ شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ وَاجِبًا أَبَدًا ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ } .
الثَّانِي : مَا لَا يُجْبَرُ ، إلَّا بِالْمَالِ فَقَطْ ، كَمَا فِي سِنِّ الزَّكَاةِ الْأَعْلَى ، فَخَرَجَ بِالْأَوَّلِ ، مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، فَأَخْرَجَ فَصِيلًا مَعَ الْجُبْرَانِ ، لَمْ يَجُزْ ، بِلَا خِلَافٍ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ ، وَلَا هُوَ مِمَّا يُجْزِئُ فِيهَا ، بِخِلَافِ الثَّنِيَّةِ ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ فِيهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَسْنَانِهَا .
وَخَرَجَ بِالثَّانِي ، مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَلَمْ يَجِدْهَا وَوَجَدَ ابْنَ لَبُونٍ فَهَلْ يُقْبَلُ مَوْضِعُ الْجُبْرَانِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ، لِأَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ بَدَلٌ وَالْجُبْرَانُ يَدْخُلُ مَعَ الْأُصُولِ ، لَا مَعَ الْأَبْدَالِ .
وَمِنْهُ جَبْرُ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْهَرِمِ بِالْإِطْعَامِ ، وَكَذَلِكَ الْمُرْضِعُ وَالْحَامِلُ وَمُؤَخِّرُ قَضَاءِ ( رَمَضَانَ ) حَتَّى دَخَلَ آخَرُ .
( الثَّالِثُ ) : مَا يُجْبَرُ تَارَةً بِالْعَمَلِ الْبَدَنِيِّ ، وَتَارَةً بِالْمَالِ وَهُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، فَإِنَّهُمَا يُجْبَرَانِ تَارَةً بِالصَّوْمِ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ، وَتَارَةً بِالْمَالِ كَذَبْحِ النُّسُكِ فِيهِ وَتَارَةً يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا كَارْتِكَابِ بَعْضِ الْمَحْظُورَاتِ .
وَمِنْهُ الصَّوْمُ تَارَةً يُجْبَرُ بِمِثْلِهِ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ ، وَبِالْمَالِ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ ، وَتَارَةً
يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فِي الْحَامِلِ .
الْجَعَالَةُ كَالْإِجَارَةِ ، إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : تَعْيِينُ الْعَامِلِ وَثَانِيهِمَا : الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ .
الْجِلْسَاتُ فِي الصَّلَاةِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ وَاجِبَتَانِ : وَهُمَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ .
وَثِنْتَانِ سُنَّتَانِ : وَهُمَا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ .
فَأَمَّا جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَفِي التَّتِمَّةِ ، أَنَّهَا قَدْرُ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ ، أَنَّهَا خَفِيفَةٌ ، وَلِقَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي مَجْمُوعِهِ : خَفِيفَةٌ جِدًّا .
وَيُسْتَثْنَى صَلَاةُ التَّسْبِيحِ ، وَقَطَعَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَجْهًا أَنَّهَا مِنْ الثَّانِيَةِ ، وَأَبْدَى صَاحِبُ الذَّخَائِرِ ( ثَالِثًا ) أَنَّهَا مِنْ ( الْأُولَى ) وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي تَعْلِيقِ الْيَمِينِ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَقَدْ يَظْهَرُ فِي أَنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً ، وَقَدْ حَكَاهُ ( صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ ) ، فَإِنْ قُلْنَا فَأَصْلُهُ كَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةً لَهَا وَأُخْرَى لِقِيَامِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا مِنْ الثَّانِيَةِ لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا وَاحِدَةً ، لِأَنَّ جُزْءَ الرُّكْنِ لَا يُكَبَّرُ لَهُ .
قَالَ الْأَصْحَابُ ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ، لَا تُشْرَعُ فِي حَقِّهِ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ جَالِسٌ .
قُلْت : يَنْبَغِي تَقْدِيرُهَا فِي حَقِّهِ ، كَمَا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِيهَا بِشَيْءٍ ، إلَّا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ .
وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَهَلْ هِيَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ ، أَوْ لِلْفَصْلِ ؟ وَجْهَانِ : صَحَّحَ الدَّارِمِيُّ الْأَوَّلَ .
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَانِيَةٍ سَهْوًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، فَهَلْ يَجْلِسُ مُطَمْئِنًا ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَقِبَهُ أَوْ لَا يَجِبُ الْجُلُوسُ بَلْ ( الْقِيَامُ ) يَقُومُ ( عِنْدَ السَّهْوِ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؟ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ، وَإِنْ قُلْنَا : مَقْصُودٌ كَالسُّجُودِ ، لَمْ يَقُمْ عَنْهُ ) الْقِيَامَ ، وَإِنْ
قُلْنَا ( بِالْفَصْلِ ) كَفَى .
وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى النَّوَوِيِّ ، فَإِنَّهُ رَجَّحَ الْفَصْلَ مَعَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا .
الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ ( قَسَّمَهُ ) الْإِمَامُ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ الظِّهَارِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَحْرُمَانِ ( فِيهِ ) ، كَالْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ ، وَالرَّجْعِيَّةِ ، وَالْمُسْتَبْرِئَة غَيْرِ الْمَسْبِيَّةِ .
ثَانِيهَا : مَا يَحْرُمُ دُونَ دَوَاعِيهِ ، كَالْحَيْضِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ ، وَنَحْوِهِ ( فِي ) ( الْمُسْتَبْرِئَةِ ) الْمَسْبِيَّةِ .
ثَالِثُهَا : مَا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ ، وَفِي دَوَاعِيهِ قَوْلَانِ وَهُوَ الِاعْتِكَافُ .
رَابِعُهَا : مَا يَحْرُمُ وَلَا تَحْرُمُ دَوَاعِيهِ ، إذَا لَمْ يُحَرِّكْ الشَّهْوَةَ وَهُوَ الصَّوْمُ ، لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَخَفْ الْإِنْزَالَ ، وَلَا يُفْسِدُهُ إذَا لَمْ يُنْزِلْ .
الْجَمْعُ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ فَلَوْ قَالَ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَفَسَّرَهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُقْبَلُ عِنْدَنَا ، وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدَرَاهِمَ ، لَا يُخْرِجُ عَنْ نَذْرِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَهَكَذَا فِي الْيَمِين ، لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ مَا لِي دَرَاهِمُ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ .
وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَيَّامٍ لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَهُ بِدَرَاهِمَ ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ ، لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَبِيعِ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا ، وَالْبَيْعُ لَا يَقْبَلُ ( الْغُرُورَ ) ، وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَيُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ .
الْجَهْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْنَاهُ : قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى قَاعِدَةِ ( مُدِّ عَجْوَةٍ ) مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ ( عَدَمُ ) الْعِلْمِ .
قُلْت : وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى الْمُرَكَّبُ وَالثَّانِي الْبَسِيطُ ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَيْدٍ وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ ( عَمَّا ) شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا ، لَا عَدَمُ الْعِلْمِ مُطْلَقًا ، وَإِلَّا لَوُصِفَتْ الْجَمَادَاتُ بِكَوْنِهَا جَاهِلَةً .
( الثَّانِي ) : الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ هَلْ هُوَ جَهْلٌ بِالْمَوْصُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ؟ الْمُرَجَّحُ الثَّانِي ، ( لِأَنَّهُ ) جَاهِلٌ بِالذَّاتِ مِنْ حَيْثُ صِفَاتِهَا ، لَا مُطْلَقًا .
وَمِنْ ثَمَّ لَا نُكَفِّرُ ( أَحَدًا ) مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِيمَا ، إذَا نَكَحَ وَشَرَطَ فِيهَا الْإِسْلَامَ ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا النَّسَبَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ ، فَاخْتُلِفَ هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ ؟ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ ، وَهُوَ الْجَدِيدُ مَأْخَذُهُ ، أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ ، لَا يَتَبَدَّلُ بِالْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ مَأْخَذُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ ، كَاخْتِلَافِ ( الْعَيْنِ ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ ، أَخَذَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ خِلَافًا فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، ( وَقَضِيَّتُهُ ) تَرْجِيحُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ ، قَالَ ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَيْعِ ، إذَا قَالَ بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ ، ( وَكَانَ ) بَغْلًا ، لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : الْجَهْلُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ مُسْقِطٌ لِحُكْمِهِ .
فَإِذَا نَطَقَ الْأَعْجَمِيُّ بِكَلِمَةِ ( كُفْرٍ ) ، أَوْ إيمَانٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ، أَوْ إعْتَاقٍ ، أَوْ بَيْعٍ ، أَوْ شِرَاءٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ ، لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ مُقْتَضَاهُ ، ( وَكَذَلِكَ ) ، إذَا نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِمَا يَدُلُّ عَلَى هَذِهِ ( الْعِبَارَةِ ) بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ : نَعَمْ ، لَوْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ ، أَرَدْت بِهِ مَا يُرَادُ عِنْدَ أَهْلِهِ : فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى اللَّفْظِ ، لَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ .
وَمِثْلُهُ ، لَوْ قَالَ طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ ، وَجَهِلَ الْحِسَابَ ، وَلَكِنْ قَصَدَ مَعْنَاهُ وَقَعَتْ طَلْقَةً وَقِيلَ طَلْقَتَانِ .
وَلَوْ نَطَقَ الْعَرَبِيُّ بِكَلِمَاتٍ عَرَبِيَّةٍ ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا فِي الشَّرْعِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ، أَوْ لِلْبِدْعَةِ ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَعْنَى اللَّفْظِ أَوْ نَطَقَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ ، أَوْ النِّكَاحِ ، فَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ، أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ إذْ لَا شُعُورَ لَهُ بِمَدْلُولِهِ حَتَّى يَقْصِدَهُ إلَى اللَّفْظِ ، قَالَ وَكَثِيرًا مَا يُخَالِعُ الْجُهَّالُ بَيْنَ ( الْأَغْبِيَاءِ ) الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ مَدْلُولَ لَفْظِ الْخُلْعِ ، وَيَحْكُمُونَ بِصِحَّتِهِ لِلْجَهْلِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، ( وَقَدْ ) قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ زَنَأْت ( بِالْهَمْزِ ) فِي الْجَبَلِ أَنَّهُ كِنَايَةٌ ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الصُّعُودِ سَوَاءٌ كَانَ قَائِلُهُ عَامِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَعَنْ ( ابْنِ سَلَمَةَ ) أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ اللُّغَةَ دُونَ غَيْرِهِ ، فَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ ، إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، لَوْ قَالَ أَلَيْسَ لِي ( عَلَيْك ) أَلْفٌ ؟ فَقَالَ بَلَى أَوْ نَعَمْ فَإِقْرَارٌ ، وَقِيلَ ، لَا يَلْزَمُهُ فِي نَعَمْ ، وَهُوَ قِيَاسُ النَّحْوِ ، وَلَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ الْعَامِّيِّ
وَالنَّحْوِيِّ ) نَعَمْ فَصَلُوا بَيْنَهُمَا ، فِيمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ بِفَتْحِ أَنْ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ قَائِلُهُ نَحْوِيًّا ، بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ إلَّا التَّعْلِيقَ .
( الرَّابِعُ ) : الْجَهْلُ بِالتَّحْرِيمِ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ وَالْحُكْمُ فِي الظَّاهِرِ لِمَنْ ( يَخْفَى ) عَلَيْهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَ ( الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ لَمْ يُعْذَرْ .
وَلِهَذَا ، لَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ عُذِرَ ، وَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ ) الْإِبْطَالَ بَطَلَتْ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ يَحْرُمُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي نَطَقَ بِهِ ( مُحَرَّمٌ ) فَمَعْذُورٌ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا ، لَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ عُذِرَ ، وَلَمْ يُحَدَّ ، فَلَوْ قَالَ عَلِمْت التَّحْرِيمَ وَجَهِلْت الْحَدَّ حُدَّ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت الْحَدَّ ، وَلَكِنْ ظَنَنْت أَنَّ ( ذَلِكَ ) الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ حُدَّ وَلَزِمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ فِي السُّكْرِ .
وَمِنْهَا لَوْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا فِدْيَةَ ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الِاسْتِعْمَالِ ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ وَجَبَتْ ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ وَجَهِلَ كَوْنَ الْمَمْسُوسِ طِيبًا ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَوْ مَسَّ طِيبًا رَطْبًا وَهُوَ يَظُنُّهُ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ ( بِهِ مِنْهُ ) شَيْءٌ ، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ قَوْلَانِ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْجَدِيدَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَمِنْهَا الرَّدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَوْ أَخَّرَ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي الرَّدَّ ، قُبِلَ إنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ قُبِلَ ، لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ ( وَهَذَا ) بِشَرْطِ ) أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الشُّفْعَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ ( عَتَقَتْ ) الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ وَقَالَتْ جَهِلْت الْخِيَارَ عُذِرَتْ فِي الْأَظْهَرِ .
وَمِنْهَا ، لَوْ قَالَ عَلِمْت تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ وَجَهِلْت وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَجَبَتْ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ
الْمُهَذَّبِ وَهُوَ رَاجِحٌ .
وَمِنْهَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ ، وَكَانَ يَجْهَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ ، وَإِلَّا أَفْطَرَ ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ( تَصْوِيرُ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، فَمَتَى لَمْ يَعْرِفْ الصَّائِمُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَتَعَمَّدُ الْفِطْرَ مَعَ الْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْإِفْطَارِ .
وَيُمْكِنُ ( تَصْوِيرُهَا ) بِمَا إذَا أَكَلَ نَاسِيًا وَقُلْنَا لَا يُفْطِرُ فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهَذَا الظَّنِّ مُتَعَمِّدًا جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ .
وَمِنْهَا لَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ بِرُكْنَيْنِ عَمْدًا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، ( فَإِنْ ) كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ، فَيَتَدَارَكُهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ .
تَنْبِيهَانِ : ( الْأَوَّلُ ) : هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِحُقُوقِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ، بَلْ يَجْرِي فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا وَادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَكَانَ مِثْلُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ قَوِيٌّ .
( الثَّانِي ) : إعْذَارُ الْجَاهِلِ مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ ، لَا مِنْ حَيْثُ جَهْلُهُ .
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : لَوْ عُذِرَ الْجَاهِلُ ، لِأَجْلِ جَهْلِهِ لَكَانَ الْجَهْلُ ( خَيْرًا ) مِنْ الْعِلْمِ ( إذْ ) كَانَ يَحُطُّ عَنْ الْعَبْدِ أَعْبَاءَ التَّكْلِيفِ ( وَيُرِيحُ ) قَلْبَهُ ( مِنْ ) ضُرُوبِ التَّعْنِيفِ ، فَلَا ( حُجَّةَ ) لِلْعَبْدِ فِي جَهْلِهِ ( بِالْحُكْمِ ) بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَالتَّمْكِينِ ، ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) .
( الْخَامِسُ ) : الْجَهْلُ بِالشَّرْطِ مُبْطِلٌ وَإِنْ صَادَفَهُ .
فَمَنْ صَلَّى جَاهِلًا بِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ أَصَابَ كَمَا أَنَّ ( مَنْ ) فَسَّرَ كِتَابَ اللَّهِ ( تَعَالَى ) بِغَيْرِ عِلْمٍ أَثِمَ ، وَإِنْ أَصَابَ ( وَكَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حَكَمَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِحُكْمِ اللَّهِ يَدْخُلُ النَّارَ ، وَإِنْ أَصَابَ ) ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ التَّوْحِيدَ عَمَّا ظَنَّهُ دَلِيلًا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَهُوَ غَيْرٌ عَارِفٍ بِالتَّوْحِيدِ ( كَمَنْ ) اعْتَقَدَهُ ( لَا عَنْ دَلِيلٍ ) أَصْلًا .
وَلِهَذَا امْتَنَعَ عَلَى الشَّاهِدِ إذَا كَانَ فَاسِقًا مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ حَمَلَ الْحَاكِمَ عَلَى الْبَاطِلِ ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِالْحَقِّ فَكَيْفَ يَكُونُ بَاطِلًا ، لِأَنَّا نَقُولُ السَّبَبُ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا كَانَ بَاطِلًا ( شَرْعًا ) كَانَ الْقَضَاءُ ) بَاطِلًا وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ .
انْتَهَى .
وَكَمَا أَنَّ { مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ يَضْمَنُ وَإِنْ أَصَابَ } ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ) ، وَعَلَى هَذَا لَوْ وَصَفَ وَهُوَ طَبِيبٌ دَوَاءً لِأَبِيهِ فَاسْتَعْمَلَهُ فَمَاتَ لَمْ يَرِثْهُ ، إنْ كَانَ جَاهِلًا بِالطِّبِّ ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ قَاتِلًا ، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا ، فَلَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَغُشَّهُ ، ( قَالَ ) الرَّافِعِيُّ ، لَوْ سَقَى مُوَرِّثَهُ الصَّبِيُّ دَوَاءً ( أَوْ بَطَّ ) ، جُرْحَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَالَجَةِ وَمَاتَ لَمْ يَرِثْهُ ، ( وَفِيهِ ) وَجْهٌ حَكَاهُ ( ابْنُ اللَّبَّانِ ) عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالصَّبِيِّ يُخْرِجُ الْبَالِغَ .
السَّادِسُ ) : الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ يُعْذَرُ بِهِمَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْأَصْلُ فِيهِ ( حَدِيثُ ) { مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، لَمَّا تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِعَادَةِ لِجَهْلِهِ بِالنَّهْيِ } وَحَدِيثُ { يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَزْعِ الْجُبَّةِ عَنْ الْمُحْرِمِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ لِجَهْلِهِ } ، ( وَاحْتَجَّ ) ( بِهِ ) ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي الْإِحْرَامِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ إقَامَةُ مَصَالِحِهَا وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ ، إلَّا بِفِعْلِهَا ، وَالْمَنْهِيَّاتِ مَزْجُورٌ عَنْهَا ( بِسَبَبِ ) مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالِانْكِفَافِ عَنْهَا ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لِارْتِكَابِهَا وَمَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهَالَةِ لَمْ يَقْصِدْ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ ( الْمَنْهِيِّ ) فَعُذِرَ بِالْجَهْلِ فِيهِ .
( وَمِنْ فُرُوعِهَا ) وَلَوْ جَاوَزَ الْمُرِيدُ لِلْإِحْرَامِ الْمِيقَاتَ نَاسِيًا لَزِمَهُ الدَّمُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَطَيَّبَ نَاسِيًا ، لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَالطِّيبُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَصُّ ( الْأَظَافِرِ ) ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ نَاسِيًا ، لَزِمَهُ الدَّمُ ، وَلَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَجْزِيه عَلَى الْجَدِيدِ ( وَكَذَا ) ، لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُمَا جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ( وَصَلَّى ) بِالتَّيَمُّمِ ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ تَوَضَّأَ بِالِاجْتِهَادِ ، فَصَادَفَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ بِالْإِنَاءِ النَّجَسَ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيًا ( أَوْ رَأَوْا سَوَادًا ) ظَنُّوهُ عَدُوًّا ، فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَوْ
مَرِضَ وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّهُ مَعْضُوبٌ ، فَأَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَبَرِئَ أَوْ غَلِطُوا فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَوَقَفُوا ( فِي ) الثَّامِنِ أَوْ بَاعَهُ حَيَوَانًا ، عَلَى أَنَّهُ بَغْلٌ فَبَانَ حِمَارًا ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْجَمِيعِ ( قَالَ ) ، لَكِنْ صَحَّحُوا الصِّحَّةَ فِي صُوَرٍ أُخْرَى ، كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ خَلْفَ زَيْدٍ ( هَذَا ) ، فَبَانَ ( عَمْرًا ) أَوْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ زَيْدٍ ( فَبَانَ ) ( عَمْرًا ) أَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ ، فَبَانَ مَيِّتًا أَوْ شُرِطَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَصْفًا فَبَانَ خِلَافُهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْمَشْرُوطِ أَوْ دُونَهُ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ وَلَمْ تَسْمَعْ فَخَرَجَتْ فَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ ، لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ حَصَلَ .
( أَمَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَقَدْ لَا يُعْذَرُ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَبَسَ مَنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ مُدَّةً لَا يَمُوتُ فِيهَا الشَّبْعَانُ عِنْدَ الْحَبْسِ لَا قِصَاصَ ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ أَمَارَاتِ الْمَرَضِ ، لَا تَخْفَى ، بِخِلَافِ الْجُوعِ .
وَلَوْ شَهِدَا بِقَتْلٍ ثُمَّ رَجَعَا ، وَقَالَا تَعَمَّدْنَا ، وَلَكِنْ مَا عَرَفْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ، فِي الْأَصَحِّ إذْ لَمْ يَظْهَرْ تَعَمُّدُهُمْ لِلْقَتْلِ .
وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا رَثًّا لَا يُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ ، وَكَانَ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ الرُّبُعِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ قُطِعَ فِي الْأَصَحِّ ) .
( وَمِنْهَا فِي حِنْثِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي قَوْلَانِ : أَرْجَحُهُمَا الْمَنْعُ ) .
وَمِنْ صُوَرِ الْجَهْلِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، فَبَانَ أَنَّهُ ( عَلَى ) خِلَافِ مَا ظَنَّهُ ، وَبِهَاتَيْنِ صَوَّرَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ صُورَتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّقُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ، فَيَفْعَلُهُ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ ، أَوْ
جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
وَقَدْ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ( لَوْ ) جَلَسَ مَعَ جَمَاعَةٍ فَقَامَ وَلَبِسَ خُفَّ غَيْرِهِ ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ اسْتَبْدَلْت بِخُفِّك وَلَبِسْت خُفَّ غَيْرِك ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَا لَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ بَقِيَ غَيْرُهُ ( فَقَالَ ) الرَّافِعِيُّ طَلُقَتْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ وَقَصَدَ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بَدَلَهُ حَنِثَ إنْ كَانَ ( عَالِمًا ) وَإِلَّا فَقَوْلَا النَّاسِي .
تَنْبِيهَاتٌ : ( الْأَوَّلُ ) : لَا فَرْقَ فِي الْجَاهِلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إذَا حَلَفَ أَنَّ ( هَذَا ) ذَهَبُهُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ فُلَانٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ ( أَنَّهُ لَيْسَ ذَهَبُهُ ) حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيٍ ( لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ) الْإِحَاطَةُ بِهِ .
( الثَّانِي ) : إذَا قُلْنَا لَا يَحْنَثُ النَّاسِي صَدَقَ فِي دَعْوَاهُ النِّسْيَانَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى قَوْلَيْ تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ .
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ فِيمَا لَوْ قَالَ ( لَهَا ) إنْ ضَرَبْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَضَرَبَ امْرَأَةً غَيْرَهَا أَوْ نَفْسَهُ فَأَصَابَهَا فَهُوَ ضَارِبٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكُونُ ( قَاتِلًا تَجِبُ ) بِهِ الدِّيَةُ ، وَهَلْ يَحْنَثُ ؟ فَعَلَى قَوْلَيْ الْمُكْرَهِ : فَإِنْ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ الْمُكْرَهُ فَادَّعَى أَنِّي قَصَدْت ضَرْبَ غَيْرِهَا أَوْ ضَرْبَ نَفْسِي فَأَصَابَهَا لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ الضَّرْبَ ( تَعَيَّنَ ) ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ انْتَهَى .
وَالْأَشْبَهُ التَّفْصِيلُ ( بَيْنَ مَا ) يَتَعَلَّقُ بِهِ ( حَقُّ ) الْغَيْرِ أَوْ لَا وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَوْ حَلَفَ وَقَالَ لَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ بِهِ صُدِّقَ إلَّا فِي طَلَاقٍ أَوْ ( عَتَاقٍ )
وَإِيلَاءٍ فَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ .
( الثَّالِثُ ) : قَدْ يَحْنَثُ النَّاسُ كَمَا لَوْ ( حَلَفَ ) لَا يَفْعَلُ كَذَا عَالِمًا وَلَا نَاسِيًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا انْحَلَّتْ يَمِينُهُ جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَعَلَّلَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْيَمِينِ وُجُودُ الدَّاعِي إلَى ( فِعْلِهِ ) فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ ( الْأَصْلِيُّ ) .
الْحَاجَةُ الْعَامَّةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَقِّ آحَادِ النَّاسِ كَرَّرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْبُرْهَانِ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ .
فَقَالَ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ إنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ وَالْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا جَرَتْ عَلَى حَاجَاتٍ ( خَاصَّةٍ ) ( تَكَادُ ) تَعُمُّ ، وَالْحَاجَةُ إذَا عَمَّتْ ( كَانَتْ ) كَالضَّرُورَةِ فَتَغْلِبُ فِيهَا الضَّرُورَةُ الْحَقِيقِيَّةُ .
( مِنْهَا ) : مَشْرُوعِيَّةُ الْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى مَنَافِعَ مَعْدُومَةٍ قَالَ شَارِحُهُ الْإِبْيَارِيُّ يَعْنِي بِهِ أَنَّ الشَّرْعَ كَمَا اعْتَنَى ( بِدَفْعِ ضَرُورَةِ ) الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ لَا ( يَعْتَنِي ) بِهِ مَعَ حَاجَةِ ( الْجِنْسِ ) وَلَوْ مَنَعَ ( الْجِنْسَ ) ( مِمَّا ) تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لَنَالَ آحَادُ ( الْجِنْسِ ) ضَرُورَةً تَزِيدُ عَلَى ضَرُورَةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَهِيَ بِالرِّعَايَةِ أَوْلَى .
وَمِنْ فُرُوعِهَا : شَرْعِيَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ فَإِنَّ الْبَائِعَ إذَا بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَمَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَلَيْسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَضْمَنَهُ .
( وَمِنْهَا ) : مَسْأَلَةُ الْجُعْلِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْجُعْلَةِ بِجَارِيَةٍ مِنْهَا يَصِحُّ لِلْحَاجَةِ مَعَ أَنَّ الْجُعْلَ الْمُعَيَّنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا .
وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَغَيْرُهُمَا ( مِمَّا ) جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلْعِلَاجِ وَنَحْوِهِ .
الْحَاجَةُ الْخَاصَّةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ ( كَتَضْبِيبِ ) الْإِنَاءِ لِلْحَاجَةِ قَالُوا لَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنْ التَّضْبِيبِ بِغَيْرِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّ الْعَجْزَ يُبِيحُ أَصْلَ الْإِنَاءِ مِنْهُمَا قَطْعًا ، بَلْ الْمُرَادُ الْأَغْرَاضُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّضْبِيبِ ( سِوَى التَّزْيِينِ ) ( كَإِصْلَاحِ ) مَوْضِعِ الْكَسْرِ كَالشَّدِّ وَالتَّوَثُّقِ وَكَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الشَّعْبِ .
وَثَانِيهِمَا : الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ إنَاءٍ ( آخَرَ ) أَمْ لَا .
( وَمِنْهَا ) : الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الْكُفَّارِ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَائِزٌ لِلْغَانِمِينَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ طَعَامٌ آخَرُ بَلْ يَأْخُذُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ .
( وَمِنْهُ ) : لُبْسُ الْحَرِيرِ ( لِحَاجَةِ الْجَرَب ) وَالْحَكَّةِ وَدَفْعِ الْقَمْلِ وَسَكَتُوا ( عَنْ ) اشْتِرَاطِ وُجْدَانِ مَا يُغْنِي ( عَنْهُ ) مِنْ دَوَاءٍ أَوْ لُبْسٍ كَمَا فِي التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ .
( وَمِنْهُ ) : إبَاحَةُ تَحْلِيَةِ آلَاتِ الْحَرْبِ غَيْظًا ( لِلْمُشْرِكِينَ ) ، وَحَكَوْا فِي ( بُرَّةِ ) النَّاقَةِ وَجْهَيْنِ وَصَحَّحُوا الْمَنْعَ وَالْمُخْتَارُ الْإِبَاحَةُ ( فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَ جَمَلًا فِي أَنْفِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ } ) .
( وَمِنْهُ ) : الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ لِلْجِهَادِ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَلِكَ ( التَّبَخْتُرُ ) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ { وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ هَذِهِ مِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ } .
الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) : إذَا قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ حُلُولِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُطَالِبَهُ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ لَزِمَ وَفِي تَصْوِيرِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الصُّورَةَ إنْ كَانَتْ فِي مُعْسِرٍ فَالْإِنْظَارُ وَاجِبٌ وَالْوَاجِبُ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي مُوسِرٍ ( قَاصِدٍ ) لِلْأَدَاءِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا لِأَنَّ أَخْذَهُ مِنْهُ وَاجِبٌ ( وَلَا ) يَصِحُّ ( إبْطَالُ ) الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ .
( الثَّانِيَةُ ) : إذَا ( أَوْصَى ) مَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْحَالُّ أَنْ لَا يُطَالِبَ إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ ( قَبْلَ بَابِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ) لَا بُدَّ لِلْمَسْأَلَةِ مِنْ قَيْدٍ وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ قَدْرَ الدَّيْنِ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ يُحْسَبُ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا لَمْ يَحِلَّ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي لِأَنَّهُ مَنَعَ الْوَرَثَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ فَكَانَ كَإِخْرَاجِهِ عَنْ ( مِلْكِهِمْ وَهَذَا ) مِثْلُهُ .
قُلْت : هَذَا الْقَيْدُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ عَنْ وَالِدِهِ ( ثُمَّ خَالَفَهُ ) .
وَزَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا ( ثَالِثَةً ) وَهِيَ مَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَجَلَ فِي مَجْلِسِ ( الْعَقْدِ ) ( وَفَرَّعْنَا ) عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ الْتِحَاقُ الزِّيَادَةِ بِالْعَقْدِ وَأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ فِي ( الْمَبِيعِ فِي ) زَمَانِ الْخِيَارِ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ حَالًّا وَقَدْ تَأَجَّلَ ( بَلْ هَذِهِ بِالْفَرْضِ أَوْلَى لِأَنَّ مَا كَانَ حَالًّا لَا يُؤَجَّلُ ) وَفِيمَا عَدَاهَا قَدْ يُقَالُ إنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ بِصِفَتِهِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ طَلَبِهِ مَانِعٌ ( كَالْإِعْسَارِ ) .
وَهُوَ كَمَا قَالَ وَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ فِي الصُّورَتَيْنِ الدَّيْنُ لَمْ يُؤَجَّلْ وَإِنَّمَا هُوَ حَالٌّ وَلَكِنْ مَنَعَ مِنْ الْمُطَالَبَةِ مَانِعٌ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ إنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا فَلَا يُطَالِبُ إلَّا كَمَا الْتَزَمَ وَثَبَتَ
الْأَجَلُ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ ( يُسْتَثْنَى ) مَعَ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْحُلُولِ إلَّا أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ وَهُوَ الْتِزَامُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ .
( الْأَوَّلُ ) بِالنِّسْبَةِ لِثُبُوتِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَهَا الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ : ( أَحَدُهَا ) مَا ( يَثْبُتُ ) بِلَا حَاكِمٍ ( وَيَنْفَكُّ بِغَيْرِهِ ) وَهُوَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ .
( الثَّانِي ) : لَا يَثْبُتُ إلَّا ( بِالْحَاكِمِ ) وَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِهِ وَهُوَ السَّفِيهُ .
( الثَّالِثُ ) لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَاكِمٍ وَفِي انْفِكَاكِهِ بِغَيْرِهِ وَجْهَانِ وَهُوَ ( الْمُفْلِسُ ) .
( الرَّابِعُ ) : ( وَهُوَ ) مَا ( يَثْبُتُ ) بِغَيْرِ حَاكِمٍ وَهَلْ يَنْفَكُّ بِحَاكِمٍ عَلَى ؟ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ رَشِيدًا هَلْ يَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهُ ( يَعْنِي ) ( بِفَكِّ ) مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ مِنْ أَبٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَقِيلَ إنَّهُمْ سِتَّةٌ .
وَ ( الْخَامِسُ ) : الْمَرِيضُ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَإِذَا أَزَالَ الْمَرَضَ زَالَ الْحَجْرُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ .
( السَّادِسُ ) : الْمُرْتَدُّ هَلْ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ أَوْ ( لَا بُدَّ ) مِنْ حَجْرِ الْحَاكِمِ ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ فِي الْجَامِعِ ( وَإِذَا أَسْلَمَ ) زَالَ الْحَجْرُ بِلَا خِلَافٍ .
( الثَّانِي ) : يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : ( أَحَدُهَا ) : مَا لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ قَطْعًا وَهُوَ حَجْرُ الصَّبِيِّ ( وَالْمَجْنُونِ ) ( ثَانِيهَا ) : مَا يَجُوزُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ قَطْعًا وَهُوَ السَّفَهُ .
( ثَالِثُهَا ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ وَهُوَ الْمُفْلِسُ إذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ .
( الثَّالِثُ ) : يَنْقَسِمُ أَيْضًا لِمَا هُوَ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ حَجْرُ الصَّبِيِّ ( وَالْمَجْنُونِ ) وَالسَّفِيهِ وَمَا لِحَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ : أَحَدُهَا : حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِلْغُرَمَاءِ .
الثَّانِي : الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ .
الثَّالِثُ : الْمَرِيضُ لِلْوَرَثَةِ .
الرَّابِعُ : الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ .
الْخَامِسُ : الْمُرْتَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ .
السَّادِسُ : الْحَجْرُ لِلْغَرِيبِ .
السَّابِعُ : إذَا امْتَنَعَ مَعَ
الْيَسَارِ مِنْ الْبَيْعِ ( لِوَفَاءِ ) الدَّيْنِ فَلِلْحَاكِمِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ الْغُرَمَاءِ .
الثَّامِنُ : الْحَجْرُ عَلَى الْمُكَاتَبِ .
التَّاسِعُ : الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي .
الْعَاشِرُ : الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَعَلَى الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ ( وَفَاءِ الدَّيْنِ ) الْحَادِيَ عَشْرَ الْحَجْرُ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ الْقَبُولِ الثَّانِيَ عَشَرَ ( الْحَجْرُ ) عَلَى الشَّرِيكِ فِي حِصَّتِهِ قَبْلَ أَخْذِ قِيمَتِهَا ، إذَا أَعْتَقَ شَرِيكُهُ حِصَّتَهُ ( وَقُلْنَا ) ( يَتَوَقَّفُ الْعِتْقُ ) عَلَى أَدَاءِ ( الْقِيمَةِ ) .
الثَّالِثَ عَشَرَ .
- الْعَبْدُ الْمُسْتَحِقُّ عِتْقُهُ بِالشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ ، ( إنْ قُلْنَا ) الْحَقُّ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ قُلْنَا لِلْبَائِعِ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ ، إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِلَّا أَجْزَأَ عَنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ .
الرَّابِعَ عَشَرَ - إذَا قَصَّرَ ثَوْبًا أَوْ خَاطَهُ بِأُجْرَةٍ ، فَإِنَّ لَهُ حَبْسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى يَقْبِضَ الْأُجْرَةَ ( فَيَمْنَعُ ) الْمَالِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ .
الْخَامِسَ عَشَرَ - إذَا اشْتَرَى شَيْئًا شِرَاءً ( فَاسِدًا ) وَأَقْبَضَ ثَمَنَهُ ، فَإِنَّ لَهُ حَبْسُهُ إلَى اسْتِرْدَادِ ثَمَنِهِ عَلَى قَوْلٍ فَيَمْتَنِعْ عَلَى هَذَا ، عَلَى مَالِكِهِ التَّصَرُّفَ ( فِيهِ ) قَبْلَ رَدِّ الثَّمَنِ .
( السَّابِعَ عَشَرَ ) ، إذَا أَخَذَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ ( لِلْحَيْلُولَةِ ) ، ثُمَّ ظَفِرَ الْغَاصِبُ بِهِ ، فَلَهُ حَبْسُهُ لِيَقْبِضَ الْقِيمَةَ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) ، فَلْيَمْتَنِعْ عَلَى الْمَالِكِ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ ( حِسًّا ) حَتَّى يَرُدَّ الْقِيمَةَ .
( الثَّامِنَ عَشَرَ ) ، إذَا رَكِبَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ الدُّيُونُ ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى
السَّيِّدِ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ إذْنِ الْغُرَمَاءِ ، وَكَذَا بِغَيْرِ إذْنِ الْعَبْدِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ .
( التَّاسِعَ عَشَرَ ) - نَفَقَةُ الْجَارِيَةِ ، إذَا أَخَذَتْهَا مِنْ زَوْجِهَا لِلسَّيِّدِ فِيهَا حَقُّ الْمِلْكِ وَلَهَا حَقُّ التَّوَثُّقِ ، كَمَا أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِأَكْسَابِهِ ، وَالْمِلْكُ فِيهَا لِلسَّيِّدِ ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْمَأْخُوذِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ .
( الْعِشْرُونَ ) - بَدَلُ الْمُوصَى ( بِمَنْفَعَتِهِ ) ، إذَا أَتْلَفَ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَارِثِ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِاسْتِحْقَاقِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ .
الْحُجَّةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ قِسْمَانِ تَحْقِيقِيَّةٌ - كَالْإِقْرَارِ - وَالشَّاهِدَيْنِ - وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .
وَتَقْدِيرِيَّةٌ - وَهِيَ الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ ، فَإِنَّهَا فِي تَقْدِيرِ الْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ عَلَى الْخِلَافِ وَالْقَضَاءُ بِعِلْمِهِ فِي تَقْدِيرِ الْبَيِّنَةِ .
حَدِيثُ النَّفْسِ لَهُ خَمْسُ مَرَاتِبَ ( الْأُولَى ) : ( الْهَاجِسُ ) وَهُوَ مَا يُلْقَى فِيهَا وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، لِأَنَّهُ وَارِدٌ مِنْ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ، لَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ دَفْعَهُ .
الثَّانِيَةُ : الْخَاطِرُ - وَهُوَ جَرَيَانُهُ فِيهَا .
الثَّالِثَة : حَدِيثُ نَفْسِهِ وَهُوَ مَا يَقَعُ ( مَعَ ) التَّرَدُّدِ ، هَلْ يَفْعَلُ ( أَوْ ) لَا ، وَهَذَانِ أَيْضًا مَرْفُوعَانِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتَيْ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } ، فَإِذَا ارْتَفَعَ حَدِيثُ النَّفْسِ ارْتَفَعَ مَا قَبْلَهُ بِطَرِيقِ ( الْأَوْلَى ) .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - فِيمَا لَوْ نَوَى الْمُودِعُ الْأَخْذَ ، وَلَمْ يَأْخُذْ لَا ( ضَمَانَ ) فِي الْأَصَحِّ ، الْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ تَجْرِيدُ ( الْقَصْدِ ) .
فَأَمَّا مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَدَاعِيَةُ ( الذِّهْنِ ) تَدْفَعُهُ ، فَلَا حُكْمَ لَهُ ، ( وَإِنْ تَرَدَّدَ ) الرَّأْيُ وَلَمْ ( يَجْزِمْ ) قَصْدًا ، فَالظَّاهِرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ حَتَّى يُجَرِّدَ قَصْدَهُ فِي الْعُدْوَانِ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ ، لَوْ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ يَسْتَمِرُّ بَطَلَتْ وَالْمُرَادُ بِالتَّرَدُّدِ أَنْ يَطْرَأَ شَكٌّ مُنَاقِضٌ لِلْجَزْمِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَجْرِي فِي الْفِكْرِ أَنَّهُ لَوْ تَرَدَّدَ فِي الصَّلَاةِ ( كَيْفَ ) يَكُونُ الْحَالُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمُوَسْوِسُ ، وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْإِيمَانِ ( بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) ، فَلَا مُبَالَاةَ بِذَلِكَ - قَالَهُ إمَام الْحَرَمَيْنِ انْتَهَى .
وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْآدَمِيَّ يُؤَاخَذُ بِعَمَلِ اللِّسَانِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ .
قُلْت ، إلَّا مَا سَبَقَ ( بِهِ ) لِسَانُهُ ، أَوْ نَظَرَ الْفَجْأَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ { لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى } ، قَالَ أَمَّا الْفُؤَادُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا } فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يُؤَاخَذُ بِمَا يَسْعَى بِهِ ( الْبَاطِنُ ) ، ( إلَّا أَوَّلَ خَطْرَةً ) وَهُوَ الْهَاجِسُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ ( بِسَاعِي الْبَاطِنِ ) ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا } وَقِيلَ إنْ اتَّصَلَ بِالْعَمَلِ يُؤَاخَذُ بِالْكُلِّ انْتَهَى .
( فَتَحَصَّلْنَا ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ مُطْلَقًا .
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ ( الثَّلَاثَةُ ) أَيْضًا ، لَوْ كَانَتْ فِي الْحَسَنَاتِ لَمْ يُكْتَبْ لَهُ بِهَا ( أَجْرَهُ ) ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَلِعَدَمِ الْقَصْدِ .
الرَّابِعَةُ - الْهَمُّ - وَهُوَ ( تَرْجِيحُ قَصْدِ ) الْفِعْلِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ } الْآيَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُؤَاخَذَةً لَمْ يَكُنْ اللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ } .
الْخَامِسَةُ - الْعَزْمُ وَهُوَ قُوَّةُ الْقَصْدِ وَالْجَزْمِ بِهِ وَعَقْدُ الْقَلْبِ ، وَهَذَا يُؤَاخَذُ بِهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ، قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ } .
فَعَلَّلَ بِالْحِرْصِ ( وَلِلْإِجْمَاعِ ) عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ كَالْحَسَدِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ كَالْهَمِّ لِعُمُومِ حَدِيثِ ( التَّجَاوُزِ ) عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْحِرْصِ بِأَنَّهُ ( قَارَنَهُ ) فِعْلٌ وَسَبَقَ عَنْ الْعَبَّادِيِّ تَرْجِيحُهُ ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ فِي ( بَابِ ) الرَّجْعَةِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُحَرِّكْ لِسَانَهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ، وَكَذَا كُلُّ مَا لَمْ يُحَرِّكْ
لِسَانَهُ فَهُوَ حَدِيثُ ( النَّفْسِ ) الْمَوْضُوعُ عَنْ بَنِي آدَمَ انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَدِيثُ النَّفْسِ الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، لَكِنَّ فِي دَفْعِهِ مَشَقَّةً لَا إثْمَ فِيهِ ، لِقَوْلِهِ { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا } ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ حَدِيثِ النَّفْسِ .
وَإِذَا تَعَلَّقَ ( هَذَا ) النَّوْعُ بِالْخَيْرِ ( أُثِيبَ ) عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ مُوجِبَةً لِلرُّخْصَةِ دُونَ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ الْكَسْبِ وَإِلَّا كَانَ يُقَالُ إنَّمَا ( سَقَطَ ) التَّكْلِيفُ بِهِ فِي طَرَفِ ( الشَّرِّ ) لِمَشَقَّةِ اكْتِسَابِ دَفْعِهِ فَصَارَ كَالضَّرُورِيِّ وَالضَّرُورِيُّ يُثَابُ ( عَلَيْهِ ) وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ ( كَذَلِكَ ) هَذَا .
تَنْبِيهٌ : يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطْرَةِ مَا إذَا تَعَمَّدَهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ فَقَالَ نَقْلًا عَنْ ( الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ) وَذَكَرَ ( مِمَّا ) لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَدِيثُ النَّفْسِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى { لَك النَّظْرَةُ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الثَّانِيَةُ } إذَا كَانَتْ الْأُولَى لَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ فَإِذَا أَعَادَ النَّظَرَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ الْخَطْرَةَ .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِذَا تَعَمَّدَ الْخُطْوَةَ فَهُوَ كَمَنْ حَقَّقَ ( النَّظْرَةَ ) وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا تُتْبِعْ نَظَرَ عَيْنِك نَظَرَ قَلْبِك وَالثَّانِي لَا تُتْبَعْ النَّظْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ سَهْوًا النَّظْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ عَمْدًا قَالَ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا أَنَّ مَنْ نَظَرَ لَا عَنْ قَصْدٍ ثُمَّ نَظَرَ مَرَّةً أُخْرَى هَلْ يَأْثَمُ وَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَسْقُطُ وَعَلَى الثَّانِي تَسْقُطُ وَلَا يُقْبَلُ حَتَّى يَتُوبَ .
( الْأَوَّلُ ) .
تَنْقَسِمُ إلَى ضَرْبَيْنِ .
مَا يَجِبُ لِلَّهِ ، وَمَا يَجِبُ لِلْآدَمِيِّ .
وَاَلَّذِي لِلْآدَمِيِّ ضَرْبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : مَا يَجِبُ لِحِفْظِ النُّفُوسِ وَهُوَ الْقِصَاصُ .
( وَثَانِيهِمَا ) : لِلْأَعْرَاضِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وَلِهَذَا يُورَثُ عَنْهُ وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ .
وَاَلَّذِي لِلَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ : ( أَحَدُهَا ) : يَجِبُ لِحِفْظِ ( الْأَنْسَابِ ) وَهُوَ حَدُّ الزِّنَى وَاللِّوَاطِ .
( ثَانِيهَا ) : لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ السَّرِقَةُ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَإِنْ ( اخْتَلَفَ ) هَلْ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَوْ الْحَدِّ وَرَجَّحُوا الْأَوَّلَ لَكِنْ قَالُوا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَلَى مَالٍ وَجَبَ الْمَالُ ( وَيَسْقُطُ ) الْقِصَاص وَيُقْتَلُ حَدًّا .
( وَالثَّالِثُ ) : مَا يَجِبُ لِحِفْظِ الْعُقُولِ وَالْأَمْوَالِ وَهُوَ حَدُّ الْخَمْرِ فَإِنَّهَا حُرِّمَتْ ( حِفْظًا ) لِلْعُقُولِ وَصِيَانَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَمَّا يُشْغِلُهُمَا فَإِنَّهُمَا لَا يُدْرِكَانِ إلَّا بِوُجُودِ الْعَقْلِ حَتَّى حَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) التَّوَاجُدَ وَتَعَاطِي أَسْبَابِهِ مِنْ الْمُطْرِبَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ الْمُلْهِيَاتِ نَقَلَهُ ( الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ الْعَطَّارِ ) فِي كِتَابِ أَحْكَامِ النِّسَاءِ قَالَ وَيَجِب ( أَنْ يُفَرَّقَ ) بَيْنَ الْأَمْرِ الْحَامِلِ عَلَى الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ ( عَمَّا ) ذَكَرْنَا سَوَاءٌ كَانَ يُلَائِمُ النَّفْسَ ( أَوْ لَا يُلَائِمُهَا ) مِمَّا تَحْصُلُ مَعَهُ الْغَيْبَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ ( مُطْلَقًا ) قَالَ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُ فِيهِ .
( الثَّانِي ) أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ ( سَبَقَتْ فِي فَصْلِ التَّوْبَةِ ) .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَتَحْقِيقُهَا يَأْتِي فِي حَرْفِ الشَّيْنِ .
( الرَّابِعُ ) : فِي سُقُوطِهَا بِالرُّجُوعِ إنْ ( كَانَتْ ) مَحْضَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا ، وَالشُّرْبِ سَقَطَ قَطْعًا .
وَإِنْ كَانَتْ مَحْضَ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَالْقَذْفِ لَمْ
يَسْقُطْ قَطْعًا وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى النَّوْعَيْنِ كَالسَّرِقَةِ فَلَا يُقْبَلُ فِي رُجُوعِهِ عَنْ الْغُرْمِ وَفِي ( قَبُولِ ) رُجُوعِهِ فِي سُقُوطِ الْقَطْعِ قَوْلَانِ ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) فِي الْقَطْعِ ( ثَبَتَ ) تَبَعًا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ .
( الْخَامِسُ ) : حَيْثُ انْتَفَى الْحَدُّ فِي الْوَطْءِ ثَبَتَ الْمَهْرُ إلَّا فِي وَطْءِ السَّفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ ( الْوَلِيِّ ) فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ .
الْحَدَثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ ( الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ ) : وَهُوَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَعِنْدَ ( آخَرِينَ وَهُوَ ) الْأَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ حُلُولُ مَعْنًى عَلَى كُلِّ ( الْجَسَدِ ) أَوْ بَعْضِهِ يَمْنَعُ بَقَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى زَوَالِهِ بِالْمَاءِ الْإِقْدَامَ عَلَى الصَّلَاةِ .
وَمَا الطَّهَارَةُ فِيهِ شَرْطٌ .
" وَاعْلَمْ " أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْخَارِجِ وَعَلَى الْمَنْعِ ( الْمُتَرَتِّبِ ) عَلَيْهِ وَعَلَى مَعْنًى يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَعْنًى ( يَقْدِرُ ) عَلَى الْأَعْضَاءِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ( النَّجَاسَةِ ) الْحِسِّيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُتَوَسِّطُ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ وَتَصِحُّ إرَادَتُهُ وَبَنَوْا عَلَيْهِ فُرُوعًا كَثِيرَةً : ( مِنْهَا ) : تَبْعِيضُ الطَّهَارَةِ وَتَفْرِيقُ النِّيَّةِ ، وَارْتِفَاعُ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَتَقْرِيرُ كَوْنِ التَّيَمُّمِ مُبِيحًا لَا رَافِعًا وَغَيْرُهُ .
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَصْغَرَ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ وَأَكْبَرَ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ وَجَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْحَيْضَ ( أَكْبَرَ ) ( وَالْجَنَابَةَ ) أَوْسَطَ .
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ ( مِنْ ) تَصَرُّفِهِمْ أَنَّهُ مَرَاتِبُ : أَكْبَرُ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَكَبِيرٌ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَقَطْ وَصَغِيرٌ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَقَطْ وَأَصْغَرُ وَهُوَ مَا يُوجِبُ غُسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَقَطْ فِي نَزْعِ الْخُفِّ .
( الثَّانِي ) : لَا خِلَافَ أَنَّ الْأَكْبَرَ يَحِلُّ ( بِجَمِيعِ ) الْبَدَنِ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَصْغَرِ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَوْ ( يَخْتَصُّ ) بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ الثَّانِي ، وَبَنَى عَلَيْهِمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي مَا لَوْ غَطَسَ ( الْمُتَوَضِّئُ ) وَلَمْ يَمْكُثْ زَمَنًا يُقَدِّرُ فِيهِ التَّرْتِيبَ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ صَحَّ ( أَوْ بِالثَّانِي ) فَلَا .
( الثَّالِثُ ) : قِيلَ إنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ
لِتَحْرِيمِهِ الصَّلَاةَ لَكِنْ مُوَسَّعًا إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَقِيلَ إنَّمَا يُوجِبُهُ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِهِ قَبْلَهُ ( حَكَاهَا ) ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ قِيلَ تَجِبُ الطَّهَارَةُ عِنْد دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهَا ( تُرَادُ ) لَهَا وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحَدَثِ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ( لَمَا ) جَازَ فِعْلُهَا فَإِنَّ عِبَادَاتِ الْأَبَدَانِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا مَقْصُودَةً عَلَى وَقْتِ دُخُولِهَا .
( الرَّابِعُ ) : أَنَّ الْوُضُوءَ هَلْ يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ أَوْ تَنْتَهِي ( مُدَّتُهُ ) كَانْتِهَاءِ مُدَّةِ ( الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ) وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ الثَّانِيَ وَاعْتَرَضَ عَلَى مَنْ ( عَبَّرَ ) بِنَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ الطَّهَارَةُ ( بَطَلَتْ بِالْحَدَثِ لَوَجَبَ ) أَنْ يُقَالَ ( إنَّ ) الصَّلَاةَ الَّتِي أَدَّاهَا ( بِهَا ) بَطَلَتْ .
وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ الْحَدَثُ فِي الدَّوَامِ ( لَا يُبْطِلُ الْمَاضِيَ ) وَإِنَّمَا يُوجِبُ طَهَارَةً أُخْرَى بِدَلِيلِ الْحَائِضِ لَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا وَلَمْ تَجِدْ مَاءً وَ ( تَيَمَّمَتْ ) يُبَاحُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا فَلَوْ ( أَحْدَثَتْ ) لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا وَلَوْ كَانَ الْحَدَثُ مُبْطِلًا لِلطُّهْرِ السَّابِقِ ( لَحَرُمَ ) وَطْؤُهَا .
الْخَامِسُ : يَنْقَسِمُ إلَى حَدَثٍ مُنْقَطِعٍ وَدَائِمٍ كَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَيَخْتَصُّ الْحَدَثُ الدَّائِمُ ( بِسِتَّةِ ) شُرُوطٍ الشَّدُّ ، وَالتَّعْصِيبُ وَالْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَتَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ ، وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ .
الْحُرُّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَلِهَذَا لَوْ حَبَسَ حُرًّا وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ .
( وَلَوْ ) وَطِئَ حُرَّةً بِالشُّبْهَةِ وَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ فِي الْمَشْهُورِ ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَجَبَتْ الْقِيمَةُ ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَمَانَ الْأَمَةِ أَوْسَعُ ، فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ ، وَالْحُرَّةُ إنَّمَا تُضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ .
وَلَوْ حَبَسَ أَمَةَ غَيْرِهِ ضَمِنَ ( بِأَدَاءِ ) مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ ، وَلَا يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَيْسَتْ بِمَالٍ ، وَمَنْفَعَةُ الْبَدَنِ مَالٌ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا الْيَدُ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ الْمَغْصُوبَةَ ، ( فَلَمْ ) يُوجَدْ لِلضَّمَانِ سَبَبٌ ، بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ ، فَإِنَّ الْيَدَ تَثْبُتُ عَلَيْهَا ، وَلِهَذَا لَا يُؤَجَّرُ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ ، كَمَا لَا يَبِيعُهُ ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي .
وَلَوْ نَامَ ( عَبْدٌ ) عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ الْقَافِلَةِ قَطْعٌ أَوْ حَرٌّ فَلَا فِي الْأَصَحِّ لِمَا ( ذَكَرْنَا ) .
وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا ( حُرًّا ) فِي مَسْبَعَةٍ ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَبْدًا .
وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةً تَحْتَ رَجُلٍ وَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا لَا عَلَى الرَّجُلِ ، لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ .
وَلَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ ( كُلٌّ ) مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ لَمْ تُقَدَّمْ بَيِّنَةُ مَنْ هِيَ تَحْتَهُ لِمَا ذَكَرْنَا ، بَلْ هُمَا كَاثْنَيْنِ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى نِكَاحِ خَلِيَّةٍ .
وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ مَالٌ وَقَالَ كَسَبْته بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ لِي ، وَقَالَ الْوَارِثُ بَلْ قَبْلَهُ ( فَهُوَ ) لِي ، صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بِيَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ ، بِخِلَافِ دَعْوَاهُمَا الْوَلَدَ ، لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ وَالْحُرُّ لَا يَدْخُلُ
تَحْتَ الْيَدِ .
وَلَوْ ( أَفْضَى ) امْرَأَةً مُكْرَهَةً فَمَهْرُ ( مِثْلِهَا ) ثَيِّبًا ، وَأَرْشُ بَكَارَةٍ ، وَقِيلَ مَهْرُ بِكْرٍ وَفَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَجَعَلَ فِي الْأَمَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ وَقَالَ فِي الْحُرَّةِ الْبِكْرِ إذَا وُطِئَتْ يَجِبُ مَهْرُ بِكْرٍ بِدُونِ أَرْشٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْأَرْشَ فِي الْحُرَّةِ .
وَأَمَّا ثِيَابُ الْحُرِّ الْبَالِغِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَلَا ( تَدْخُلُ ) فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ ، لِأَنَّهَا فِي يَدِ الْحُرِّ حَقِيقَةً ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ، ( أَوْ مَجْنُونًا فَكَذَلِكَ ) فِي الْأَصَحِّ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ السَّرِقَةِ .
الْحُرُّ ( ضَرْبَانِ ) ضَرْبٌ اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فَذَاكَ .
وَضَرْبٌ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ ظَاهِرًا ( كَاللَّقِيطِ ) - فَفِي إعْطَائِهِ أَحْكَامَ الْحُرِّ مُطْلَقًا خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ نَعَمْ ، وَكَذَلِكَ ( الْمُعْتَقُ ) فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ الْآنَ ظَاهِرًا ، وَإِذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، ثُمَّ لَمْ يَحْصُلْ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ ، لِوُجُودِ الدَّيْنِ وَعَدَمِ الْإِجَازَةِ مِنْ أَصْحَابِ الدُّيُونِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ عِتْقُ كُلِّهِ ، لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَارِثِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ ، إذَا لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ ( الْمُعْتِقِ ) يَكُونُ رَقِيقًا أَوْ مُبَعَّضًا ، فَإِنْ قُلْنَا يَمُوتُ حُرًّا تَكَمَّلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَهَذَا يُتَصَوَّرُ مَعَ ( وُجُوبِ ) دِيَتِهِ ، إذَا كَانَتْ الدِّيَةُ مُؤَجَّلَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فَإِنَّ الْمُؤَجَّلَ كَالْعَدَمِ .
وَلَوْ زَنَى هَذَا الْمَذْكُورُ لَمْ يُجْلَدْ مِائَةً ، وَلَمْ يُغَرَّبْ عَامًا لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ رِقُّهُ ( فَنَكُونُ ) قَدْ زِدْنَا عَلَى الْوَاجِبِ .
الْحَرِيمُ يَدْخُلُ فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ ، فَكُلُّ ( مُحَرَّمٍ ) لَهُ حَرِيمٌ يُحِيط بِهِ كَالْفَخِذَيْنِ ( فَإِنَّهُمَا ) حَرِيمٌ لِلْعَوْرَةِ الْكُبْرَى ، وَالْحَرِيمُ هُوَ الْمُحِيطُ بِالْحَرَامِ وَكُلُّ وَاجِبٍ دَخَلَ فِي بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ كَغَسْلِ الْوَجْهِ لَا يَتَحَقَّقُ ، إلَّا بِغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، إمَّا جَزْمًا كَمَسْأَلَتِنَا أَوْ عَلَى الْأَصَحّ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِيه لِطَهَارَتِهِ إلَّا بِتَكْمِيلِهِ بِمَائِعٍ يُسْتَهْلَكُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ ، فَلَا ( حَرِيمَ ) لَهَا لَسَعَتِهَا وَعَدَمِ الْحَجَرِ فِيهَا .
الْحَشَفَةُ أَحْكَامُ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِهَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْجَمِيعُ ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ وُجُوبُ الدِّيَةِ .
الْحَصْرُ وَالْإِشَاعَةُ هِيَ ( عَلَى ) أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً عَدَدًا ، فَوُزِنَتْ ( وَكَانَتْ ) أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الزَّائِدُ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، فِي بَابِ الرِّبَا ، وَأَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ فِيمَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْ شَخْصٍ ( أَلْفًا ) وَخَمْسَمِائَةٍ فَوَزَنَ لَهُ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ غَلَطًا ، ثُمَّ عَلِمَا بِذَلِكَ ، وَادَّعَى الْمُقْتَرِضُ تَلَفَ الثَّلَاثِ مِائَةٍ الزَّائِدَةٌ ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فَاللَّازِمُ لَهُ ( عَنْ ) الْمَبْلَغِ الَّذِي أَحْضَرَهُ ( مِائَتَا دِرْهَمٍ ) وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، لِأَنَّ كُلَّ مِائَةٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا مَقْبُوضٌ وَسُدُسُهَا أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، فَالذَّاهِبُ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ سُدُسُ الثَّلَثِمِائَةِ الْمُقَرَّرَةِ وَالْبَاقِي لَازِمٌ لَهُ طَرِيقُ الْقَرْضِ وَاسْتَشْهَدَ لَهَا بِصُورَةِ الْإِقْرَاضِ الْآتِيَةِ ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ النَّقْلَ الْمَذْكُورَ .
وَمِنْهَا لَوْ أَوْصَى بِمُبَعَّضٍ ( لِمُوَرِّثِهِ ) ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا ( مُهَايَأَةٌ ) ، فَإِنْ قُلْنَا لَا تَدْخُلُ النَّادِرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ إنْ انْتَهَيْنَا إلَى ذَلِكَ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْمُبَعَّضَ فِيهَا ( يَتَصَرَّفُ ) لِمَالِك الرَّقَبَةِ وَهُوَ الْوَارِثُ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا إلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ فِي حِصَّةِ الْوَارِثِ وَتَصِحُّ فِي حِصَّةِ الشَّخْصِ فَإِنَّ التَّبْعِيضَ لَيْسَ بِدْعًا فِي الْقَضَايَا .
الثَّانِي : مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا إذَا بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ ، ( يَعْلَمُ ) - صِيعَانَهَا صَحَّ الْبَيْعُ ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُنَزَّلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ ، فَلَوْ كَانَتْ عَشَرَةُ آصَاعٍ وَتَلِفَ الْعُشْرُ تَلِفَ مِنْ الْمَبِيعِ بِقَدْرِهِ وَهُوَ الْعُشْرُ ، وَقِيلَ يُنَزَّلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ تَلِفَ شَيْءٌ بَقِيَ الْمَبِيعُ ، وَلَوْ بَقِيَ صَاعٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَحَتَّى ، لَوْ صَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى ، ثُمَّ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، إلَّا صَاعًا ( يُعَيَّنُ ) أَيْضًا .
وَمِنْهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ كِيسٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ فِيهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَك نِصْفُ ( مَا فِي هَذَا الْكِيسِ فَيُحْمَلُ إقْرَارُهُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ ، أَوْ عَلَى نِصْفِ ) مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ رُبُعُ الْجَمِيعِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي إقْرَارِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ مَعَ إنْكَارِ الْبَعْضِ ، هَلْ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ أَوْ قَدْرُ حِصَّتِهِ ، وَجْهَانِ ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي .
وَفِي الْحَاوِي عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ رَجَاءٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ ( الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ) ، أَنَّ مَذْهَبَهُ سُؤَالُ الْمُقِرِّ فَإِنْ قَالَ لَا شَيْءَ ( لِي ) فِيهِ نَزَلَ إقْرَارُهُ ( فِيهِ ) عَلَى مَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ قَالَ لِي نِصْفُهُ نَزَلَ الْإِقْرَارُ عَلَى الرُّبُعِ مُشَاعًا ، وَكَانَ الرُّبُعُ الْآخَرُ لَهُ وَالنِّصْفُ لَلشَّرِيكِ ، لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ شَرِيكِهِ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ .
وَمِنْهَا فِي الْقِرَاضِ لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً وَالرِّبْحُ عِشْرِينَ ، فَاسْتَرَدَّ الْمَالِكُ عِشْرِينَ بَعْدَ الرِّبْحِ ، فَالْمُسْتَرَدُّ يَكُونُ شَائِعًا فِي الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ ، قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ طَرِيقَةَ الْعِرَاقِيِّينَ تَقْتَضِي انْحِصَارَ الْمُسْتَرَدِّ فِي رَأْسِ الْمَالِ .
وَمِنْهَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا ( وَقَبَضَتْهَا ) فَوَهَبَتْ لِلزَّوْجِ نِصْفَهَا ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي أَيْ وَهُوَ الرُّبُعُ وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ ، لِأَنَّ ( الْهِبَةَ ) وَرَدَتْ عَلَى مُطْلَقِ الْجُمْلَةِ ( فَيَشِيعُ ) ( فِيمَا ) أَخْرَجَتْهُ وَمَا أَبْقَتْهُ وَمَجْمُوعُ الرُّبُعَيْنِ عَيْنُ قِيمَةِ النِّصْفِ ، وَفِي قَوْلٍ ( نِصْفُ ) الْبَاقِي ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ بِالطَّلَاقِ ، وَقَدْ وُجِدَ فَيَنْحَصِرُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا فَتَنْحَصِرُ هِبَتُهَا فِي نِصْفِهَا تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهَا .
وَمِنْهَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي التَّضْحِيَةِ بِشَاتَيْنِ ، لَا يَجْزِي فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْحَصْرِ قَطْعًا .
فَمِنْهُ لَوْ قَالَ اُعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي فَمَاتَ وَمَاتُوا كُلُّهُمْ ، إلَّا وَاحِدًا ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ فَلَمْ يُنَزِّلُوهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ ، كَمَا قَالُوا فِي الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ السَّابِقَةِ .
وَمِنْهَا ( لَوْ ) أَوْصَى بِثُلُثِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَاهُ تَنَاوَلَ الثُّلُثَ الْمَمْلُوكَ إنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثُ مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، وَقَالَ ( أَبُو ثَوْرٍ ) يُرَدُّ إلَى ثُلُثِ الثُّلُثِ .
وَكَأَنَّهُ أَوْصَى بِالثُّلُثِ مِنْ كُلِّ ( جُزْءٍ ) نَقَلَهُ فِي الْبَسِيطِ ( وَقَالَ ) فِي نَظِيرِهِ مِنْ ( الْمَبِيعِ ) خِلَافٌ فِي ( الْمَذْهَبِ أَنَّا ) نَحْصُرُ أَمْ نُشِيعُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ تَرَدَّدَتْ تُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ ، كَالْوَصِيَّةِ بِالطَّبْلِ يُحْمَلُ عَلَى طَبْلِ الْحَرْبِ مَيْلًا إلَى الصِّحَّةِ ، وَالصَّحِيحُ الْحَصْرُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ بَاعَ النِّصْفَ ، وَمَلَكَ النِّصْفَ ، وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ فِي جُزْءٍ مِنْ ( حِصَّتِهِ ) ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ ( يَفْسُدُ ) بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَفْسُدُ ، فَأَمْكَنَ تَفْرِيقُهَا .
وَمِنْهَا لَوْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ مَثَلًا فَوَاجِبُ كُلِّ نِصَابٍ يَنْحَصِرُ فِيهِ .
كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْمَشَايِخَ قَالُوهُ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي النِّصَابِ وَالْوَقْصِ ، ( قَالَ ) وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ وَاجِبُ النِّصَابَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ انْحِصَارٍ وَاخْتِصَاصٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ بِنْتَ الْمَخَاضِ وَاجِبُ نَصِيبٍ ( وَهِيَ الْأَخْمَاسُ ) ، ( ثُمَّ لَا وَجْهَ إلَّا إضَافَةُ ) بِنْتِ الْمَخَاضِ إلَى جَمِيعِ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَحَصْرٍ ، وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ فَالْوَجْهُ إضَافَتُهَا ( إلَى جَمِيعِ ) الْمَالِ ثُمَّ ( إذَا صَحَّ هَذَا ) فِي الْأَسْنَانِ وَجَبَ طَرْدُهُ حَيْثُ تَكُونُ الزِّيَادَةُ بِالْعَدَدِ فَالْوَجْهُ إضَافَةُ الْكُلِّ إلَى الْكُلِّ .
الرَّابِعُ : مَا نَزَّلُوهُ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْأَصَحِّ .
( فَمِنْهُ ) ، لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ عَبْدٍ ، لَا يَمْلِكُ مِنْهُ ، ( إلَّا ) الثُّلُثَ ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا مَلَكَهُ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمَعْقُولَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ ( إنَّمَا ) أَرَادَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أَوْصَيْت بِنَصِيبِي مِنْهُ ، وَحَكَى وَجْهًا ( آخَرَ ) ، أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ جَامِعًا لِلنَّصِيبَيْنِ ، لِأَنَّ الثُّلُثَ مُشَاعٌ فِي الْجُمْلَةِ ، فَعَلَى هَذَا ، لَا يَحْصُلُ إلَّا ثُلُثُ الثُّلُثِ ، الَّذِي هُوَ مَالِكُهُ مِنْ الْعَبْدِ ، وَهُوَ ( تُسْعُ ) جَمِيعِ الْعَبْدِ ، قَالَ ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِمْلَاءِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا اخْتَلَعَتْ بِنِصْفِ مَهْرِهَا ، قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا .
وَمِنْهَا - عَبْدٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَالِكَيْنِ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ ، فَقَالَ نِصْفُك حُرٌّ وَلَمْ ( يُرِدْ ) نَصِيبَهُ ، وَلَا نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، بَلْ أَطْلَقَ ( فَعَلَى ) أَيِّ النِّصْفَيْنِ يُحْمَلُ ؟ وَجْهَانِ : قَالَ النَّوَوِيُّ لَعَلَّ أَقْوَاهُمَا الْحَمْلُ عَلَى الْمَمْلُوكِ ، لَا الْمُوَكَّلِ فِيهِ .
قُلْت وَقَدْ ( يُوَجَّهُ ) بِأَنَّ ( تَصَرُّفَهُ ) فِيمَا هُوَ مِلْكُهُ أَتَمُّ ، ( وَكَانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أَنْسَبُ ) .
وَلَوْ قَالَ : أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَعْتَقْت مِنْ هَذَا الْعَبْدِ النِّصْفَ ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِجَانِبِهِ أَوْ يَشِيعُ فِي الْجَانِبَيْنِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَلَا تَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ هُنَا ، لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ سَرَى إلَى بَقِيَّةِ نَصِيبِهِ وَإِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، إلَّا إذَا كَانَ مُعْسِرًا ، وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ ، إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يُضِفْ إلَيْهَا وَلَا إلَى نَفْسِهِ ، وَلَا نَوَى شَيْئًا ، قَالَ الْغَزَالِيُّ ( تُحْمَلُ عَلَى الْوَكَالَةِ ) وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، لِأَنَّ خُلْعَ الْأَجْنَبِيِّ نَادِرٌ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ .
وَمِنْهَا ، لَوْ مَلَكَ ( نِصْفًا ) مِنْ عَبْدٍ ، أَوْ دَارٍ ، وَقَالَ بِعْتُك النِّصْفَ مِنْهُ ، وَلَمْ يُضِفْ إلَى مِلْكِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ يَنْصَرِفُ إلَى نِصْفِهِ الْمَمْلُوكِ وَالثَّانِي إلَى نِصْفِ الْعَبْدِ شَائِعًا ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ ذَلِكَ النِّصْفِ ( بِمُصَادَقَتِهِ ) مِلْكَ الشَّرِيكِ ، وَيَجْرِي فِي نِصْفِ النِّصْفِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ ( وَلَوْ ) أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِنِصْفِ الْعَبْدِ ( الْمُشْتَرَكِ ) ، يَجْرِي فِيهِ الْوَجْهَانِ ، لَكِنَّهُ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ يَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ ( الْإِقْرَارَ ) لَيْسَ ( بِعَقْدٍ فَيَتَفَرَّقُ ) .
وَمِنْهَا ، لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى نِصْفِ صَدَاقِك ، إمَّا أَنْ يَقُولَ الَّذِي تَمْلِكِينَهُ الْآنَ ، أَوْ الَّذِي أَمْلِكُهُ أَوْ يُطْلِقُ فَإِنْ أَطْلَقَ ، فَفِيهَا قَوْلَا الْحَصْرِ وَالْإِشَاعَةِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْحَصْرِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ فِي نِصْفِهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ( وَيَرْجِعُ ) فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ ( النِّصْفُ ) بِالطَّلَاقِ وَالنِّصْفُ بِالْخُلْعِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْإِشَاعَةِ رَجَعَ لَهُ النِّصْفُ وَهُوَ قَدْ خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ وَشَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ ، فَرَجَعَ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا إذَا ابْتَاعَ ذِرَاعًا مِنْ أَرْضٍ ( يَعْلَمُ ) أَنَّهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ صَحَّ ، وَكَأَنَّهُ بَاعَ ( الْعَشْرَ ) ( فَهُوَ تَنْزِيلٌ عَلَى الْإِشَاعَةِ ) ، قَالَ الْإِمَامُ ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مُعَيَّنًا ، فَيَبْطُلُ كَمَسْأَلَةِ الْقَطِيعِ .
وَلَوْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَرَدْت الْإِشَاعَةَ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَقَالَ الْبَائِعُ ، بَلْ أَرَدْت مُعَيَّنًا فَفِي الْمُصَدَّقِ احْتِمَالَانِ أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ تَصْدِيقُ الْبَائِعِ .
وَمِنْهَا ، إذَا قَالَ قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَك صَحَّ فِي الْأَصَحِّ أَوْ لَا ؟ لَمْ يَصِحَّ ( فِي الْأَصَحِّ ) ، فَلَوْ قَالَ خُذْ الْمَالَ قِرَاضًا بِالنِّصْفِ وَأَطْلَقَ ، فَكَلَامُ سُلَيْمٍ فِي الْمُجَرَّدِ يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ الْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ تَنْزِيلًا عَلَى شَرْطِ النِّصْفِ لِلْعَامِلِ قَالَ سُلَيْمٌ ، وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ أَرَدْت أَنَّ النِّصْفَ لِي فَيَكُونُ فَاسِدًا وَادَّعَى الْعَامِلُ الْعَكْسَ صُدِّقَ الْعَامِلُ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَهَذَا ( يُخَالِفُ ) تَرْجِيحَ النَّوَوِيُّ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
( وَمِنْهَا ) : مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً وَحَال عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَهَلْ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَاةٌ مُبْهَمَةٌ أَمْ وَجَبَ لَهُمْ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ بِلَا تَرْجِيحٍ .
( وَمِنْهَا ) : رَجُلٌ لَهُ زَوْجَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً ( مِنْهُنَّ ) وَحَنِثَ أَفْتَى النَّوَوِيُّ لَهُ التَّعْيِينُ فِي ( وَاحِدَةٍ ) مِنْهُنَّ وَلَا طَلَاقَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الطَّلَاقَ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ فَلَا يُكَلَّفُ زِيَادَةً وَخَالَفَهُ ( الْبَاجِيُّ ) ، وَقَالَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِالْحِنْثِ طَلْقَةٌ عَلَيْهِنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بَعْضُهَا وَتَكْمُلُ .
( وَمِنْهَا ) : ( لَوْ ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ تَقَعُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ ، وَالثَّانِي طَلْقَتَانِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ نِصْفُ هَذَيْنِ الْكِيسَيْنِ فَلَهُ مِنْ كُلِّ كِيسٍ نِصْفُهُ وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ طَلْقَةٍ تَكْمُلُ .
الْحُقُوقُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : مَا لَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَلَا النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ كَحَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ، وَحَقِّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ ، وَحَقِّ الْعَاقِلَةِ فِي ( التَّأْجِيلِ ) ، وَحَقِّ الْإِرْثِ وَحَقِّ وِلَايَةِ النِّكَاحِ ، وَحَقِّ الْحَضَانَةِ ، وَحَقِّ التَّقَدُّمِ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى ، وَحَقِّ تَفْضِيلِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ فِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِنَّ ( وَاسْتِحْقَاقِ التَّدْرِيسِ ) ، وَحَقِّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ .
( الثَّانِي ) : يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَالْإِرْثَ دُونَ النَّقْلِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْوَصَايَا ، وَالْوِلَايَاتِ وَنَحْوِهَا .
( الثَّالِثُ ) : ( مَا ) لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ كَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ .
( الرَّابِعُ ) : مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَلَا الْإِرْثَ وَيَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ كَالسَّبْقِ إلَى مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَكَذَا حَقُّ التَّقْدِيمِ فِي ( الْحِلَقِ ) .
( الْخَامِسُ ) : مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ وَيَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ وَكَذَا الْإِرْثُ عَلَى الْأَصَحِّ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَأَمَّا خِيَارُ الثَّلَاثِ فَيَقْبَلُ الْإِرْثَ قَطْعًا وَالْإِسْقَاطَ دُونَ النَّقْلِ .
الْحُقُوقُ تُوَرَّثُ كَمَا ( يُوَرَّثُ الْمَالُ ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ } وَأَوْرَدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ بِلَفْظِ { مَالًا أَوْ حَقًّا } فَيُوَرَّثُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ وَأَمَّا الْأَجَلُ فَإِنَّمَا لَا يُوَرَّثُ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ لَا لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَخَّرُ حَقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ لِيَقْضِيَ الدُّيُونَ وَلَا يُتَصَوَّرُ إرْثٌ لِحَقٍّ يَكُونُ عَلَيْهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَجَلَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مَالِيًّا لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلدَّيْنِ وَالدَّيْنُ لَا يُوَرَّثُ وَكَيْفَ يُوَرَّثُ ( الْأَجَلُ ) وَمَتَى يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى شَخْصٍ ( وَالْأَجَلُ لِغَيْرِهِ ) فَإِنْ قِيلَ ( لِمَ لَا ) وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ بَاقِيًا عَلَى الْمَيِّتِ فِي ذِمَّتِهِ ( بِأَجَلِهِ ) ؟ قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَبْقَ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي سُقُوطِ الْأَجَلِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ ( يُفَرِّغُ ) ذِمَّتَهُ ، وَإِذَا كَانَ الْأَجَلُ لِنَفْسِهِ فَمَتَى كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ فِي سُقُوطِهِ سَقَطَ .
( وَالضَّابِطُ ) : أَنَّ مَا كَانَ تَابِعًا ( لِلْمَالِكِ ) يُوَرَّثُ عَنْهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَسُقُوطِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَكَذَلِكَ مَا يَرْجِعُ لِلتَّشَفِّي كَالْقِصَاصِ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَوَّلُ إلَى الْمَالِ وَكَذَا حَدُّ الْقَذْفِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَرْجِعُ ( لِلشِّهْوَةِ ) وَالْإِرَادَةِ كَخِيَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ لَا يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ .
( وَكَذَلِكَ ) إذَا طَلَّقَ ( إحْدَى ) امْرَأَتَيْهِ لَا ( بِعَيْنِهَا ) ثُمَّ مَاتَ .
وَكَذَا اللِّعَانُ إذَا قَذَفَ ( الْمُورِثُ ) زَوْجَتَهُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَقُمْ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي اللِّعَانِ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ النِّكَاحِ وَهُوَ أَيْضًا يَرْجِعُ لِلشَّهْوَةِ .
وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ : خِيَارُ الرُّؤْيَةِ يَنْتَقِلُ لِلْوَرَثَةِ فِي صُورَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) : إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْعَيْبِ .
( وَالثَّانِيَةُ ) : إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْفَسْخِ حَتَّى مَاتَ وَقُلْنَا يَجُوزُ ( تَأْخِيرُ ) الْفَسْخِ إلَى وَقْتِ التَّمْكِينِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَالْحَاكِمِ ، وَأَمَّا إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْسَخْ مَعَ التَّمْكِينِ بَطَلَ حَقُّهُ ، فَأَمَّا خِيَارُ الْقَبُولِ لَا يُوَرَّثُ كَمَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ لِإِنْسَانٍ فَقَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَوَارِثُهُ حَاضِرٌ فَأَرَادَ الْقَبُولَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ خِيَارَ الْقَبُولِ لَيْسَ بِلَازِمٍ .
وَاعْلَمْ : أَنَّ الْحُقُوقَ لَا تُوَرَّثُ مُجَرَّدَةٌ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا ( تُوَرَّثُ ) تَبَعًا ( لِلْأَمْوَالِ كَمَا فِي الْخِيَارِ ) وَنَحْوِهِ فَلَوْ لَمْ يَرِثْ الْمَالَ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا إذَا وَهَبَ ( لِوَلَدِهِ ) ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَوَارِثُهُ أَبُوهُ لِكَوْنِ الْوَلَدِ مُخَالِفًا لَهُ فِي الدِّينِ فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ الْوَارِثِ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إنَّمَا تُوَرَّثُ تَبَعًا لِلْأَمْوَالِ وَهُوَ لَا يَرِثُ .
وَكَذَا لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَكُنْ ( لِوَارِثٍ غَيْرِهِ ) الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ ( تَوَابِعِ ) الْمَالِ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ عَنْهُ وَحَقُّ الرُّجُوعِ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةِ الْأُبُوَّةِ وَقَدْ مَاتَ .
وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَوْرُوثٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُوَرَّثُ لَكِنْ لَلْعَصَبَاتِ خَاصَّةً .
قُلْت : قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ هَذَا الَّذِي ( يَقُولُهُ ) الْفُقَهَاءُ أَنَّ فُلَانًا وَارِثُ الْوَلَاءِ وَفُلَانًا لَمْ يَرِثْهُ إنَّمَا هُوَ ( تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ بَلْ يُوَرَّثُ بِهِ .
الْحُقُوقُ الْمُوَرَّثَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ( أَحَدُهَا ) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِتَمَامِهِ وَهُوَ حَدُّ الْقَذْفِ فِي الْأَصَحِّ فَإِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِي ( الِاسْتِيفَاءُ ) كَامِلًا لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِدَفْعِ ( مَعَرَّةِ ) الْمَيِّتِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِيهِ وَلَا يُدْفَعُ ( الْعَارُ ) إلَّا بِتَمَامِ الْحَدِّ .
( الثَّانِي ) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ( حِصَّتُهُ ) سَوَاءٌ تَرَكَ شُرَكَاؤُهُ حُقُوقَهُمْ أَوْ لَا وَهُوَ حَقُّ ( الْمَالِ ) .
( الثَّالِثُ ) : مَا ثَبَتَ لِجَمِيعِهِمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ شَيْئًا مِنْهُ وَهُوَ الْقِصَاصُ إذَا عَفَا أَحَدُهُمْ يَسْقُطُ الْكُلُّ .
( الرَّابِعُ ) : مَا ثَبَتَ لَهُمْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَإِذَا عَفَى بَعْضُهُمْ ( يُوَفِّرُ ) الْحَقَّ عَلَى الْبَاقِينَ وَهُوَ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ( الْغَنِيمَةُ ) .
حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : عِبَادَاتٌ مَحْضَةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَيْلُ الدَّرَجَاتِ وَالثَّوَابِ ( وَتَتَعَلَّقُ ) بِأَسْبَابٍ مُتَأَخِّرَةٍ كَالنِّصَابِ وَالزَّكَاةِ وَالْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .
( الثَّانِي ) : عُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ ( بِمَحْظُورَاتٍ ) هِيَ عَنْهَا زَاجِرَةٌ .
( الثَّالِثُ ) : كَفَّارَاتٌ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ ثُمَّ غَالِبُ الْكَفَّارَاتِ يَكُونُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَمَا ( لَوْ وَاقَعَ ) فِي رَمَضَانَ ، وَالْإِمْسَاكِ فِي الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ لَكِنَّ فِيهِ مُشَابَهَةً ( لِكَفَّارَةِ ) الْيَمِينِ فَإِنَّ الْحِنْثَ وَإِنْ جَازَ لَكِنْ يَقْتَضِي الدَّلِيلُ حُرْمَتَهُ فَإِنَّهُ ( إخْلَالٌ ) بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى .
حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنْ يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ فِي شَيْءٍ .
وَمِنْ ثَمَّ قُبِلَ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى وَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّهُمْ ( يَتَضَرَّرُونَ ) وَالْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : ( أَحَدُهَا ) : مَا يَجِبُ لَا بِسَبَبِ مُبَاشَرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ فَإِذَا عَجَزَ ( عَنْهَا ) وَقْتَ الْوُجُوبِ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى ( لَوْ أَيْسَرَ ) بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُ .
( الثَّانِي ) : ( مَا ) يَجِبُ بِسَبَبِ [ مُبَاشَرَتِهِ ] عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ إمَّا عَنْ إتْلَافٍ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِذَا عَجَزَ وَقْتَ ( وُجُوبِهِ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ ) تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَةِ ، وَإِمَّا عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ ) كَكَفَّارَةِ اللِّبَاسِ ( وَالطِّيبِ ) ( فَكَذَلِكَ ) عَلَى الصَّحِيحِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
( الثَّالِثُ ) : مَا يَجِبُ لَكِنْ لَا عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ وَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ .
وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الْمَالِيَّةُ فَإِنَّمَا تَجِبُ بِسَبَبِ مُبَاشَرَتِهِ مِنْ الْتِزَامٍ أَوْ إتْلَافٍ وَلَا تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ أَصْلًا ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ مُؤَجَّلَةً فَلَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِحُلُولِ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَتْ حَالَّةً فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ ؟ فِيهِ ( خَمْسَةُ ) ( أَوْجُهٍ ) سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ .
حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اجْتَمَعَتْ فَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : مَا يَتَعَارَضُ وَقْتُهُ فَيُقَدَّمُ آكَدُهُ .
( فَمِنْهُ ) : تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِهَا عَلَى رَوَاتِبِهَا وَكَذَلِكَ عَلَى ( الْمَقْضِيَّةِ ) إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُ الْحَاضِرَةَ فَإِنْ كَانَ يَسَعُ الْمُؤَدَّاةَ وَالْمَقْضِيَّةَ ( فَالْفَائِتَةُ ) أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ .
( وَمِنْهَا ) : تَقْدِيمُ النَّوَافِلِ الْمَشْرُوعُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ عَلَى الرَّوَاتِبِ نَعَمْ تُقَدَّمُ الرَّوَاتِبُ عَلَى التَّرَاوِيحِ فِي الْأَصَحِّ ( وَتَقْدِيمُ الرَّوَاتِبِ عَلَى النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ وَتَقْدِيمُ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي الْأَصَحِّ ) وَتَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالصِّيَامِ الْوَاجِبِ عَلَى نَفْلِهِ وَالنُّسُكِ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ وَإِذَا تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِانْتِظَارِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْدِيمِ بِالتَّيَمُّمِ .
وَلَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ ( بِهِ ) قُدِّمَ غُسْلُ الْمَيِّتِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ عَلَى الْحَدَثِ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ وَفِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ( وَالْحَيْضِ ) ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فَيَقْرَعُ ، وَيُقَدِّمُ ( غُسْلَ الْمَيِّتِ ) وَالْجُمُعَةِ عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَغْسَالِ وَأَيَّهُمَا يُقَدِّمُ ؟ قَوْلَانِ : فَصَحَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّ ( الْإِمَامَ ) الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) عَلَّقَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ عَلَى صِحَّةِ ( الْحَدِيثِ ) ، وَصَحَّحَ الْخُرَاسَانِيُّونَ ( وَتَابَعَهُمْ ) النَّوَوِيُّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ، لِصِحَّةِ ( أَحَادِيثِهِ ) .
وَمِنْهَا قَاعِدَةُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا .
الثَّانِي : مَا يَتَسَاوَى ( فِيهِ ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ ، كَمَنْ عَلَيْهِ فَائِتٌ مِنْ ( رَمَضَانَيْنِ ) ، فَإِنَّهُ ( يَبْدَأُ ) بِأَيِّهِمَا شَاءَ ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ الَّذِي عَلَيْهِ فِدْيَةُ ( أَيَّامٍ ) مِنْ ( رَمَضَانَيْنِ ) وَمَنْ عَلَيْهِ شَاتَانِ مَنْذُورَتَانِ فَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ( إحْدَاهُمَا ) ، أَوْ نَذَرَ حَجًّا ( أَوْ عُمْرَةً ) قِرَانًا ، فَإِنَّهُ ( يَبْدَأُ ) بِأَيِّهِمَا شَاءَ .
الثَّالِثُ : ( مَا تَفَاوَتَتْ ) ، ( فَيُقَدَّمُ ) الْمُرَجَّحُ ، كَالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي شَاةٍ ، فَالزَّكَاةُ أَوْلَى ، وَمِثْلُهُ زَكَاةُ ( التِّجَارَةِ ) وَالْفِطْرَةِ ، إذَا اجْتَمَعَا فِي مَالٍ يَقْصُرُ عَنْهُمَا ، ( فَالْفِطْرَةُ ) أَوْلَى ، ( لِتَعَلُّقِهِمَا ) بِالْعَيْنِ .
وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ ، وَوَجَدَ الْإِطْعَامَ لِإِحْدَاهُمَا وَهُوَ ( مِنْ أَهْلِهِ ، وَقُلْنَا ) ( بِالْإِطْعَامِ ) فِي الْقَتْلِ ، فَالظِّهَارُ أَوْلَى .
الرَّابِعُ : مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَالْعَارِي ( هَلْ يُصَلِّي قَائِمًا ؟ ) ، ( وَيُتِمُّ ) الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مُحَافَظَةً عَلَى الْأَرْكَانِ ، أَوْ يُصَلِّي قَاعِدًا مُومْيَا ( مُحَافَظَةً عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ ) أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ؟ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ، وَكَذَا الْمَحْبُوسُ بِمَكَانٍ نَجَسٍ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ وَلَا يَجْلِسُ ، بَلْ يَنْحَنِي لِلسُّجُودِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجَاسَةَ .
وَلَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ ، فَهَلْ يَبْسُطُهُ وَيُصَلِّي عُرْيَانًا أَوْ يُصَلِّي فِيهِ أَوْ ( يَتَخَيَّرُ ) بَيْنَهُمَا ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ ، إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ ، فَالْأَصَحُّ تَجِبُ الصَّلَاةُ فِيهِ .
وَلَوْ اجْتَمَعَ عُرَاةٌ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ ( يُصَلُّوا ) فُرَادَى أَوْ جَمَاعَةً ( أَوْ يَتَخَيَّرُوا أَمْ هُمَا ) سَوَاءٌ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
وَمِنْهُ ( مَسْأَلَةُ ) ابْتِلَاعِ الْخَيْطِ فِي ( رَمَضَانَ ) ، وَالْأَصَحُّ مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ( سَبَقَتْ فِي فُصُولِ التَّعَارُضِ ) .
الْقِسْمُ الثَّانِي : حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا اجْتَمَعَتْ : فَتَارَةٌ ، تَسْتَوِي كَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ، وَتَسَاوِي أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ فِي دَرَجَةٍ ، وَتَسْوِيَةِ الْحُكَّامِ ( بَيْنَ ) الْخُصُومِ فِي الْمُحَاكَمَاتِ ، وَتَسَاوِي الشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ ( وَالْإِجْبَارِ ) عَلَيْهَا ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ السَّابِقِينَ إلَى مُبَاحٍ .
وَتَارَةٌ ، يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَقَرِيبِهِ ، وَتَقْدِيمِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ عَلَى نَفَقَةِ قَرِيبِهِ ، وَتَقْدِيمِ غُرَمَائِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْعِ مَالِهِ ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ فِي مُدَّةِ الْحَجْرِ ، وَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ ، وَتَقْدِيمِ ذَوِي الضَّرُورَاتِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَالتَّقْدِيمِ بِالسَّبَقِ ، إلَى الْمَسَاجِدِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَتَقْدِيمِ حَقِّ الْبَيْعِ عَلَى ( حَقِّ ) الشِّرَى ، وَالتَّقْدِيمِ فِي الْإِرْثِ بِالْعُصُوبَةِ وَقُرْبِ الدَّرَجَةِ وَفِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ بِالْأُبُوَّةِ وَالْجُدُودَةِ ، ثُمَّ بِالْعُصُوبَةِ ، ثُمَّ بِالْوَلَاءِ وَتَقْدِيمِ حَقِّ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ دُيُونٌ ، فَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ دَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى دَيْنِ الْكِتَابَةِ ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ لِمُعَيَّنٍ أَقْوَى مِنْ الْحَقِّ الثَّابِتِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلِهَذَا تَجِبُ زَكَاةُ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ، وَالْحَقُّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْمُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ وَلِهَذَا قُدِّمَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُفْلِسِ بِالسِّلْعَةِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ يُقَدَّمُ ( بِالْمَرْهُونِ وَيُقَدَّمُ ) مَا لَهُ مُتَعَلِّقٌ وَاحِدُ ، عَلَى مَا لَهُ مُتَعَلَّقَانِ ، ، كَمَا لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ يُقَدَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، لِأَنَّهُ لَا ( مُتَعَلِّقَ ) لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَجْتَمِعَ حَقُّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) وَحَقُّ الْآدَمِيِّ ( وَهُوَ ) ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ، كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّرَفُّهِ وَالْمَلَاذِّ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ فِي الْآخِرَةِ ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْمُتَحَيِّرَةِ ، وَإِيجَابُ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ .
( الثَّانِي ) : مَا قُطِعَ فِيهِ بِتَقْدِيمِ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ وَلُبْسِ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْحَكَّةِ ، ( وَكَتَجْوِيزِ ) التَّيَمُّمِ بِالْخَوْفِ مِنْ الْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ ، وَكَذَلِكَ الْأَعْذَارُ الْمُجَوِّزَةُ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ ، وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ ، وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهَا ، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجَاسَاتِ غَيْرِ الْخَمْرِ وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ قَتْلُ قِصَاصٍ وَرِدَّةٍ قُدِّمَ قَتْلُ الْقِصَاصِ وَجَوَازُ التَّحَلُّلِ بِإِحْصَارِ الْعَدُوِّ .
( الثَّالِثُ ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ ( بِحَقِّهِ ) .
فَمِنْهَا إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ وَفِيهِ أَقْوَالٌ - ثَالِثُهَا يَتَسَاوَيَانِ وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْكَفَّارَةُ ، وَكَذَلِكَ حَقُّ سِرَايَةِ الْعِتْقِ مَعَ الدُّيُونِ .
وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ وَالسِّرَايَةِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ ، بَلْ يُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَيُؤَخَّرُ حَقُّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) مَا دَامَ حَيًّا ، وَمُرَادُهُ ( الْحُقُوقُ الْمُسْتَرْسِلَةُ ) فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَلِهَذَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْمَرْهُونِ تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، ( وَإِذَا ) اجْتَمَعَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَجِزْيَةٌ ، فَالصَّحِيحُ تَسَاوِيهِمَا ، وَالْفَرْقُ ( بَيْنَهَا ) وَبَيْنَ الزَّكَاةِ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي
الْجِزْيَةِ حَقُّ الْآدَمِيِّ ، فَإِنَّهَا عِوَضٌ عَنْ ( سُكْنَى ) الدَّارِ ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَهَا مِنْ دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِهَذَا ، لَوْ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ ، لَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ ، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ .
وَأَيْضًا ، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ ( فِي أَوَّلِ الْوُجُوبِ وُجُوبًا ) مُوَسَّعًا ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ ، إلَّا بِآخِرِ الْحَوْلِ .
وَمِنْهَا إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ ، فَأَقْوَالٌ ؟ الثَّالِثُ يَتَخَيَّرُ ، ( وَالْأَصَحُّ ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْآدَمِيِّ .
وَمِنْهَا لَوْ بَذَلَ لَهُ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ فِي الْحَجِّ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ قَبُولَهَا ، وَكَذَا لَوْ بَذَلَ لَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الْقَبُولَ فِي دَيْنِ الْآدَمِيِّ ، بِلَا ( خِلَافٍ ) .
فَائِدَةٌ : قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ - اعْلَمْ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى - كَحَدِّ ( الزِّنَى ) وَالشُّرْبِ ( لَا يَلْزَمُ ) الْإِقْرَارُ بِهِ ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى سَتْرِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ ، وَأَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَعَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ وَالتَّمْكِينُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ .
( وَأَمَّا ) حَقُّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ( الْمَالِيُّ ) ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ ، لَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ ، بَلْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ عَنْ إقْرَارِهِ ( أَمَّا ) حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَالْحَقِّ كَالشُّفْعَةِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ عَالِمًا بِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ عَيْنًا ، إذْ لَا تَدَارُكَ فِيهِ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَنَاكُرٌ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِالتَّصَادُقِ وَالِاتِّفَاقِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ وَالْأَدَاءِ .
الْحُكْمُ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( الْأَوَّلُ ) : مَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ - وَهُوَ مَسَائِلُ التَّدْيِينِ فِي الطَّلَاقِ .
( الثَّانِي ) : ( مَا يُؤَاخَذُ بِهِ ) فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالَ الزَّكَوِيِّ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ يَسْقُطُ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَهُوَ مُطَالَبٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ، وَكَذَلِكَ ، إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ فِرَارًا مِنْ الْإِرْثِ ، وَكَذَا ، لَوْ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ لِحِرْمَانِ الْبَاقِي وَكَذَا لَوْ سَعَى ( رَجُلٌ ) إلَى ظَالِمٍ ، ( فَأَخَذَ ) مِنْهُ ( مَالًا ) ، وَقِيلَ يَضْمَنُهُ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَزَيَّفَهُ ، ( فَإِنَّ ) الضَّمَانَ ، لَوْ وَجَبَ فِي الْبَاطِنِ لَوَجَبَ فِي الظَّاهِرِ ، وَكَذَا إقْرَارُ السَّفِيهِ بِالْمَالِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ الثَّالِثُ : مَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَهُوَ كَثِيرٌ .
الْأَوَّلُ : فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ - هَلْ يُغَيَّرُ الْحُكْمُ بَاطِنًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) ، كَمَا ( قَالَهُ ) الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ ، إنَّ ( الَّذِي ) إلَيْهِ مِيلُ الْأَئِمَّةِ الْحِلُّ بَاطِنًا .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ : ( مِنْهَا ) لِلشَّافِعِيِّ طَلَبُ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مِنْ حَنَفِيٍّ مَثَلًا ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ .
الثَّانِي ) : قَالُوا حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ ، أَمَّا مَا يُنْقَضُ فِيهِ فَلَا .
الثَّالِثُ : ( مَدَارُ نَقْضِ الْحُكْمِ ) عَلَى ( تَبَيُّنِ ) الْخَطَأِ ، وَالْخَطَأُ إمَّا فِي اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ( حَيْثُ ) تَبَيَّنَ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ بِخِلَافِهِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ، وَإِمَّا فِي السَّبَبِ ، حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ مُرَتَّبًا عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ ، كَشَهَادَةِ الزُّورِ ( وَفِي ) الْقِسْمَيْنِ ( تَبَيَّنَ ) أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْبَاطِنِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ( الثَّانِي ) فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ، وَأَمَّا الْحُكْمُ الصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا ، فَنَافِذٌ قَطْعًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالصَّادِرُ عَلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ، وَلَكِنَّهُ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَوْ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ( مُتَقَدِّمٌ ) فِيهِ خِلَافٌ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى رَدِّهِ ( فَنَافِذٌ ) ظَاهِرًا ( وَبَاطِنًا ) أَيْضًا ، وَقِيلَ ، لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ .
وَمِثَالُهُ - شُفْعَةُ الْجِوَارِ ، إذَا حَكَمَ بِهَا حَنَفِيٌّ وَالْأَصَحُّ ( حِلُّهَا ) عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ .
وَرَجُلٌ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ ) الْآخَرُ ( فَقَضَى ) الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ بِكُلِّ الدَّيْنِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ نَفَذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ ، وَهُوَ
( وُجُودُ ) الدَّيْنِ عَلَى ( أَبِيهِ ) ، وَالْوَارِثُ الْمُقِرُّ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ ، إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَنْفُذُ فِيهَا قَضَاءُ الْقَاضِي ، إلَّا ظَاهِرًا لِأَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مَوْجُودٍ ( هُنَاكَ ) .
الْحَلَالُ عِنْدَ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) : مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى حِلِّهِ .
وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ - فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) هُوَ مِنْ الْحَلَالِ ( وَعَلَى قَوْلِ ) أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) هُوَ مِنْ الْحَرَامِ ( وَيُعَضِّدُ ) ( قَوْلَ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَوْله تَعَالَى { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } .
الْآيَةَ ، ( وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا } .
وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، يَتَخَرَّجُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ ( الْمُشْكِلِ ) ( حَالُهَا ) وَبِهِ يَظْهَرُ وَهْمُ مَنْ خَرَّجَهَا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ أَوْ الْإِبَاحَةُ .
وَمِنْهَا الْحَيَوَانُ الْمُشْكِلُ أَمْرُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي ( كِتَابِ ) الْأَطْعِمَةِ ، أَنَّ فِي مَوْضِعِ الْإِشْكَالِ يَمِيلُ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) إلَى الْإِبَاحَةِ وَيَمِيلُ ( أَبُو حَنِيفَةَ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) إلَى التَّحْرِيمِ .
وَمِنْهَا النَّبَاتُ الْمَجْهُولُ ( تَسْمِيَتُهُ ) ، قَالَ الْمُتَوَلِّي يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ الْمُوَافِقُ لِلْمَحْكِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي يُشْبِهُ الْمَحْكِيَّ ( فِيهَا ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
وَمِنْهَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَالُ ( النَّهْرِ ) هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ ، هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ أَوْ الْمِلْكِ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ( مَبْنِيِّينَ ) عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ .
الْأَوَّلُ : هُوَ ( مَا تَعَلَّقَ ) بِهِ حِنْثٌ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ( تَعَالَى ) ، قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي : قِيَاسُ مَذْهَبِنَا ( أَنَّهُ ) لَا يَقَعُ ، لِأَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ وُجُودَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَامْتَنَعَ الْحِنْثُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَلِفَ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَالْيَمِينُ ( حَيْثُ ) ( أُطْلِقَتْ ) ، إنَّمَا يُرَادُ بِهَا الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ ، وَالْحَلِفُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ لَا ( يَكُونُ ، كَمَا ) فِي التَّعْلِيقِ عَلَى الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ أَوْ التَّحْقِيقِ .
وَقَدْ غَايَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ ( فِيمَا ) ، إذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَهَا ، لَا يَكُونُ مُولِيًا ، وَاَلَّذِي جَرَى مِنْهُ يَمِينٌ أَوْ تَعْلِيقٌ فَافْهَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ .
الثَّانِي : الْحِنْثُ فِي الْحَلِفِ الْوَاحِدِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُوجِبُ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ، ( وَمَتَى ) وُجِدَ الْحِنْثُ مَرَّةً انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَلَا تُعَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً .
وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ الْحَلِفُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْحِنْثِ بِأَيِّ وَاحِدٍ وَقَعَ ، وَلَا تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ ( الْوَاحِدَةَ ) ، لَا يَتَبَعَّضُ فِيهَا الْحِنْثُ ، بَلْ مَتَى حَصَلَ ( حِنْثٌ ) حَصَلَ الِانْحِلَالُ ، وَإِذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ ، فَدَخَلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حِنْثَ وَسَقَطَتْ الْيَمِينُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا ( لِصَاحِبِ الْإِفْصَاحِ ) ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ ، إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ تَخْصِيصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ ( بِالْإِيلَاءِ ) عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِصَوَاحِبِهَا أَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً لَا يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ ( رَحِمَهُمُ اللَّهُ ) فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ تَقْدِيرَ ( الْمُقْسَمِ ) بِهِ ، لَا يَقْتَضِي يَمِينًا ، وَلَوْ نَوَاهُ الْحَالِفُ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ حَلَفْت لَأَفْعَلَنَّ كَذَا ( أَوْ أَقْسَمْت ) لَأَفْعَلَنَّ ( لَيْسَ ) بِيَمِينٍ ، وَإِنْ نَوَاهُ ، وَغَايَةُ التَّقْدِيرِ الَّذِي قَدَّرَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ ( كَهَذَا ) ( وَلَا ) أَثَرَ لَهُ فِي إلْزَامِ الْكَفَّارَةِ ، ( أَمَّا مَنْ ) قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا ( عَمْرًا ) ، فَفِيهَا احْتِمَالَانِ - أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، إلَّا بِالْمَجْمُوعِ وَهُوَ مَا فِي الْوَسِيطِ ، وَكَأَنَّ " لَا " عِنْدَهُ زَائِدَةً لِتَوْكِيدِ النَّفْي .
وَالثَّانِي : وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ( أَنَّهُ يَحْنَثُ ) بِأَيِّ وَاحِدٍ كَلَّمَهُ ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ( بِكَلَامِ ) كُلٍّ مِنْهُمَا الْخِلَافُ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ مِنْ صُوَرِ الْإِيلَاءِ - فَإِنْ
نَوَى ( تَعَدُّدَ ) الطَّلَاقِ كَانَ مُتَعَدِّدًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، ( فَالْأَقْرَبُ ) أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ، إلَّا طَلَاقٌ ( وَاحِدٌ ) .
أَمَّا الْحَلِفُ الْمُتَعَدِّدُ ، فَالْأَصْلُ فِيهِ تَعَدُّدُ مُوجِبِهِ .
وَلِهَذَا ، لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَكَرَّرَهُ ، وَأَطْلَقَ حَنِثَ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظَ ( الظِّهَارِ ) ، وَأَطْلَقَ فَالْأَصَحُّ ، خِلَافًا ( لِلْحَاوِي الصَّغِيرِ ) أَنَّهُ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الطَّلَاقِ مُوجِبَ اللَّفْظِ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ الظِّهَارِ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ ، لِأَنَّ تَعَدُّدَهَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ لَا مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ عَلَيَّ ، وَلَهُ زَوْجَاتٌ وَإِمَاءٌ ، ( وَنَوَى ) التَّحْرِيمَ فِيهِنَّ ) أَوْ طَلَّقَ ، وَجَعَلْنَاهُ صَرِيحًا كَفَاهُ لِلْجَمِيعِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ .
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَنْتُنَّ حَرَامٌ عَلَيَّ ، وَلَوْ قَالَ ( أَنْتُنَّ ) ( عَلَيَّ حَرَامٌ ) وَنَوَى التَّحْرِيمَ ( أَوْ أَطْلَقَ ) ، فَإِنْ ( قَالَهَا ) فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَفَتْهُ ( كَفَّارَةٌ ) وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ ، وَأَرَادَ التَّكْرَارَ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَافَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ ( وَاحِدَةٍ ) كَفَّارَةٌ ، وَقِيلَ يَكْفِي كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ الْكِنَايَةِ ، بِلَا تَرْجِيحٍ ، وَالْأَرْجَحُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا فِي الْأَيْمَانِ ، وَهُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهَا .
وَلَوْ كَرَّرَ " أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا " ( بِلَا نِيَّةٍ لَهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ .
نَعَمْ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ أَعَادَ ثَلَاثًا ) بِلَا نِيَّةٍ لَهُ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ بِالدُّخُولِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَمِثْلُهُ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ
مَجَالِسَ ، وَفَعَلَهُ ، لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ زَوَائِدِهِ ، وَالِاتِّحَادُ عِنْدَ الِاسْتِئْنَافِ مُشْكِلٌ .
( الثَّالِثُ ) : الْحَلِفُ يَكُونُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا ، وَأَمَّا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا ، حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : ( إحْدَاهُمَا ) - جَنَتْ بَهِيمَتُك ، ( فَتَحْلِفُ ) عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا .
الثَّانِيَةُ - جَنَى عَبْدُك ، فَتَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ فِعْلَ بَهِيمَتِهِ ، وَفِعْلَ عَبْدِهِ كَفِعْلِهِ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ .
نَعَمْ قَدْ يَشْكُلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْغُرَابِ ، إذَا قَالَ ( لِإِحْدَاهُمَا ) ، إنْ كَانَ غُرَابًا ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ - حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ ( أَنَّهُ ) ، لَمْ يَكُنْ غُرَابًا وَلَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ ، لَوْ عَلَّقَ عَلَى دُخُولِهَا ، أَوْ دُخُولِ غَيْرِهَا ، ( فَتَنَازَعَا ) اكْتَفَى مِنْهُ بِيَمِينٍ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالدُّخُولِ ، قَالَ فِي الْبَسِيطِ ، كَذَا قَالَهُ إمَامِي وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ أَصْلًا .
بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ ( وَعَلَيْهِ ) يَمِينٌ جَازِمَةٌ ( أَوْ نُكُولٌ ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا .
قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : وَمِنْ الْعَجَبِ ( يُوَجَّهُ ) بِالْعَجْزِ عَنْ الْفَرْقِ ، وَعِنْدِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ جِدًّا ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى دُخُولِ زَيْدٍ الدَّارَ تَعْلِيقٌ عَلَى فِعْلٍ ( يَتَجَدَّدُ ) مِنْ زَيْدٍ قَطْعًا ، ( يَحْلِفُ ) نَافِيهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْغُرَابِ فَلَيْسَتْ تَعْلِيقًا عَلَى فِعْل الْغَيْرِ مُطْلَقًا ، بَلْ ( تَعْلِيقًا ) عَلَى كَوْنِ هَذَا الطَّائِرِ الْمُشَاهَدِ ( بِصِفَةِ ) كَوْنِهِ غُرَابًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَوُجُودِهِ ، بَلْ عَلَى مَحْضِ كَوْنِهِ ( غُرَابًا حَلَفَ ) مَنْ يَنْفِي وُجُودَ الصِّفَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْبَتِّ ، ( كَأَنَّ ) هَذِهِ الصِّفَةَ لَمْ تُوجَدْ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْفِي فِعْلَ غَيْرِهِ .
قُلْت : وَالْإِمَامُ ( قَدْ فَرَّقَ ) ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الدُّخُولَ هُنَاكَ فِعْلُ الْغَيْرِ ، وَالْحَلِفُ
عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ ، وَنَفْيُ الْغَرَابِيَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ نَفْيُ صِفَةٍ ( عَنْ ) الْغَيْرِ وَنَفْيُ الصِّفَةِ ( كَثُبُوتِهَا ) فِي إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ ، وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ تَتَغَيَّرْ الْقَاعِدَةُ فِيهِ مِنْ تَعَذُّرٍ أَوْ ( تَعَسُّرٍ ) .
وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْوَدِيعَةِ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَادَّعَى اثْنَانِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْدَعَهُ ( إيَّاهُ ) وَقَالَ : هُوَ لِأَحَدِكُمَا ( وَنَسِيت ) عَيْنَهُ ، وَكَذَبَاهُ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ الْمَالِكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودِعِ بِيَمِينِهِ ، وَيَكْفِيه يَمِينٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، لِأَنَّ ( الْمُدَّعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ ) وَهُوَ عِلْمُهُ ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
الْحَمْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : هَلْ يُعْلَمُ أَمْ لَا قَوْلَانِ ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى ( أَنَّهُ ) يُفْرَضُ مَعْلُومًا ، بَلْ يُعْطَى حُكْمُ الْمَعْلُومِ .
اعْلَمْ ) أَنَّهُمْ قَطَعُوا فِي مَوَاضِعَ بِإِعْطَائِهِ حُكْمَ الْمَعْلُومِ وَفِي مَوَاضِعَ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَأَجْرَوْا فِي مَوَاضِعَ قَوْلَيْنِ : فَمَا أُعْطِيَ حُكْمَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا إبِلُ الدِّيَةُ ، يَجِبُ فِيهَا الْحَوَامِلُ ، وَفِي الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ إحْدَى وَسِتِّينَ حَوَامِلَ ، لَا يُؤْخَذُ فِيهَا حَامِلٌ ، لِأَنَّهَا فِي التَّقْدِيرِ اثْنَانِ ، وَلَا يَخْرُجُ اثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْحَامِلِ ، وَإِنَّمَا قَطَعُوا هَا هُنَا ، بِأَنَّ ( لِلْحَمْلِ ) حُكْمَ الْمَعْلُومِ ، لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَكَادُ يَطْرُقُهَا الْفَحْلُ ، إلَّا وَهِيَ تَحْبَلُ ، فَجُعِلَ كَالْمُحَقَّقِ ، وَلِهَذَا لَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مَا طَرَقَهَا الْفَحْلُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ ادَّعَتْ ( الْحَائِضُ ) أَنَّهَا حَامِلٌ لَمْ تُقْتَلْ ، وَتُؤَخَّرُ لِلْوَضْعِ قَطْعًا خَشْيَةَ قَتْلِ الْجَنِينِ الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ : وَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اجْتِمَاعِ خَلْقِ الْحَمْلِ ، فَهِيَ شَهِيدَةٌ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ ، لَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا .
وَمِثْلُهُ تَحْرِيمُ وَطْءِ الْأَمَةِ الْحَامِلِ إذَا مَلَكَهَا حَتَّى تَضَعَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ } ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرَاةُ حَامِلًا يَثْبُتُ لَهُ الرَّدُّ قَطْعًا .
وَمِمَّا ) نَزَلَ فِيهِ مَنْزِلَةَ ( الْمَوْجُودِ ) وَقْفُ مِيرَاثِهِ ( وَوُجُوبُ ) النَّفَقَةِ إذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا ، أَوْ لِلْحَمْلِ ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ؛ وَفِي حُصُولِ الثَّمَنِ فِي مُقَابَلَتِهِ فِي بَيْعِ الْحَامِلِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ ( لَهُ ) ، لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ ( بِالْمُسْتَقْبَلِ ) ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ ، لِأَنَّهُ ( تَسْلِيطٌ ) فِي الْحَالِ ، وَهَلْ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِ ؟ إنْ كَانَ تَبَعًا جَازَ
قَطْعًا ، وَهَلْ يُفْرَدُ ، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ : وَعَنْ الْبَحْرِ لَا وَهُوَ الْأَشْبَهُ ، لِأَنَّ الْأَبَ ، لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، ( فَكَيْفَ ) يَنْقُلُهَا لِلْغَيْرِ .
وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى الْحَمْلِ ، وَكَانَ هُنَاكَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ فَقَطَعَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِالْوُقُوعِ ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ ، لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ وَيُنْتَظَرُ ( الْوَضْعُ ) لِلشَّكِّ الْقَائِمِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا ، وَإِذَا ظَهَرَ بِالْمُطَلَّقَةِ حَمْلٌ ، فَهَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ إلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا أَوْ تُؤَخَّرُ ( إلَى ) الْوَضْعِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا التَّعْجِيلُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتُ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، } ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْحَمْلَ ، هَلْ يُعْرَفُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ( لَا ) يُعْرَفُ ، ( فَلَوْ ) كَانَ الْحَمْلُ مُوسِرًا ، وَقُلْنَا النَّفَقَةُ لَهُ ، وَأَنَّ التَّعْجِيلَ يَجِبُ فَلَا تُؤْخَذُ ( مِنْ مَالِ الْحَمْلِ ) ، كَمَا لَا نُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ ، وَلَكِنْ يُنْفِقُ الْأَبُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا وَضَعَتْ فَفِي رُجُوعِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَجْهَانِ .
وَلَوْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ ، ( وَفِي ) بَطْنِهَا جَنِينٌ مُسْلِمٌ جُعِلَ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ ، لِيَتَوَجَّهَ الْجَنِينُ إلَى الْقِبْلَةِ ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ عَلَى مَا ذُكِرَ إلَى ظَهْرِ الْأُمِّ ، ثُمَّ الْأَصَحُّ تُدْفَنُ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ، وَقِيلَ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ ، وَلَعَلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ - الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ .
وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِيمَا ( قَبْلَهُ ) .
وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّا إنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّ السَّقَطَ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ صُلِّيَ عَلَيْهَا وَنُوِيَ بِالصَّلَاةِ الْوَلَدُ الَّذِي فِي جَوْفِهَا ( وَقَضِيَّتُهُ ) أَنَّ الْأَصَحَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ شَرْطَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ لَهُ ظُهُورُهُ وَلَمْ يُوجَدْ .
وَلَوْ بَاعَ الدَّابَّةَ بِشَرْطِ كَوْنِهَا حَامِلًا ، فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ ، هَلْ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَحَكَى فِي الثَّمَرَةِ ( غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ ) طَرِيقِينَ أَظْهَرُهُمَا : أَنَّهُ ( عَلَى ) خِلَافِ الْحَمْلِ تَشْبِيهًا ( لِلثَّمَرَةِ ) فِي الْكِمَامِ بِالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، وَالثَّانِي : الْقَطْعُ بِأَنَّهَا تَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ، لِأَنَّهَا مُشَاهَدَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ ، أَمَّا اللَّبَنُ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ ، فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ تَخْرِيجًا لَهُ ( عَلَى الْحَمْلِ ) وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالنَّصِّ ، فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ فِي التَّصْرِيَةِ مُقَابِلًا لِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ ، فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِيهِ .
وَمِمَّا يَنَزَّلُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمَعْدُومِ ، لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ ، وَلَا يَجُوزُ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي الْبَسِيطِ ( لِلْغَزَالِيِّ ) أَنَّ فِي كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ ( تَرَدُّدًا ) فِيهِ مِنْ كَوْنِ الْحَمْلِ يُعْلَمُ .
قَالَ ( صَاحِبُ الْوَافِي ) وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِهِمْ .
وَلَوْ أُسِرَتْ حَرْبِيَّةٌ فِي بَطْنِهَا مُسْلِمٌ اُسْتُرِقَّتْ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَارٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ( عَنْ ) ، حَمْلٍ ، ثُمَّ بَاعَ الْآخَرُ ( نَصِيبَهُ ) فَلَا شُفْعَةَ لِلْحَمْلِ ، لِأَنَّهُ ( لَا ) يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ ، ثُمَّ قَالَ فَلَوْ وِرْثَ الْحَمْلُ الشُّفْعَةَ عَنْ مُوَرِّثِهِ فَهَلْ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهٍ الْأَخْذُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ ؟ وَجْهَانِ ، وَجْهُ الْمَنْعِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، أَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ .
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى مَنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ دَخَلَ الْحَدَثُ ، وَكَذَا
لَوْ لَمْ يَقُلْ وَعَلَى مِنْ يَحْدُثُ مِنْهُمْ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ حَمْلًا عِنْدَ الْوَقْفِ ، هَلْ يَدْخُلُ حَتَّى يُوقَفَ لَهُ ( شَيْءٌ فَوَجْهَانِ ) أَصَحُّهُمَا - ( لَا ) - لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يُسَمَّى وَلَدًا ، وَأَمَّا ( غَلَّتُهُ ) بَعْدَ الِانْفِصَالِ ( فَيَسْتَحِقُّهَا ) ، إلَّا إذَا قُلْنَا الْأَوْلَادُ الْأَدْنَوْنَ لَا يَسْتَحِقُّونَ .
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ( وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ ) عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مُدَّةَ الْحَمْلِ ( أَنَّهُ ) لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ غَلَّةَ ( نَخْلَةٍ ) ، ( فَخَرَجَتْ ) ثَمَرَتُهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْحَمْلِ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ .
قَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ - قَوْلَانِ - هَلْ لَهَا حُكْمُ الْمُؤَبَّرِ ، فَتَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا تَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ ؟ قَالَ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَجْرِيَانِ هُنَا ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالتَّفْرِيعِ .
الثَّانِي : الْحَمْلُ يَنْدَرِجُ فِي كُلِّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ صَدَرَ ( بِالِاخْتِيَارِ ) كَالْبَيْعِ ، فَلَوْ انْتَفَى الِاخْتِيَارُ كَبَيْعِ الْحَامِلِ الْمَرْهُونَةِ فِي الرَّهْنِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعِ بِسَبَبِ الْفَلَسِ وَرُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ ، وَفِي السَّفِيهِ قَوْلَانِ ( أَوْ ) انْتَفَى الْعِوَضُ كَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فَفِي التَّبَعِيَّةِ قَوْلَانِ ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي الْهِبَةِ أَنَّ الْجَدِيدَ فِيهَا عَدَمُ الِانْدِرَاجِ ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْجَزْمَ فِيهَا بِالِانْدِرَاجِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ، لَوْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ الْحَمْلُ ، وَلَوْ دَبَّرَ حَامِلًا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَوْ مَاتَتْ أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا دَامَ تَدْبِيرُ الْوَلَدِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ تَابِعًا فِي التَّدْبِيرِ دُونَ الرُّجُوعِ تَغْلِيبًا لِلْحُرِّيَّةِ ، وَفِي الرَّهْنِ الْأَصَحُّ الِانْدِرَاجُ ، وَفِي الرُّجُوعِ ( فِي الْهِبَةِ ) بَنَاهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْإِقَالَةِ ، كَمَا فَعَلَ ( فِي الرَّدِّ ) بِالْعَيْبِ ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الِانْدِرَاجِ ، وَلَكِنَّ الْمَنْصُوصَ ( لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ) فِي ( الْمُفْلِسِ ) التَّبَعِيَّةُ ، وَأَمَّا الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ فَالْأَصَحُّ ( فِيهَا الِانْدِرَاجُ ) وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ فَتَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ وَالصُّلْحِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْأُجْرَةِ قَطْعًا ، وَلَا تَتْبَعُ ( فِي ) الرُّجُوعِ بِالطَّلَاقِ قَطْعًا وَهَلْ تَتْبَعُ فِي الرُّجُوعِ بِالْفَلَسِ أَوْ بَيْعِ الْمَرْهُونِ قَهْرًا ؟ ( وَجْهَانِ ، أَجْرَاهُمَا ) الْجُرْجَانِيُّ فِي بَيْعِ نَخِيلِ ( الْمُفْلِسِ ) فِي دَيْنِهِ ، وَهَلْ تَتْبَعُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَرُجُوعِ الْوَلَدِ ؟ وَجْهَانِ .
وَأَمَّا الصُّوفُ وَاللَّبَنُ الَّذِي حَدَثَ ، وَلَمْ ( يُؤْخَذْ ) فَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إنَّهُمَا لِلْمُشْتَرِي لَا يَتْبَعَانِ فِي الرَّدِّ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ كَالْحَمْلِ ، وَيَلْزَمُ الرَّافِعِيَّ أَنْ يَقُولَ لَا يَتْبَعَانِ كَالْحَمْلِ عِنْدَهُ ، بَلْ أَوْلَى ، وَقَدْ ( قَالَ ) أَنَّهُ يُرَدُّ الصُّوفُ وَلَمْ
يَذْكُرْ مَسْأَلَةَ اللَّبَنِ .
الثَّالِثُ : اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ نَقْصٌ أَوْ زِيَادَةٌ ، وَذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ اضْطِرَابًا وَالتَّحْقِيقُ خِلَافُهُ ، بَلْ الْحَمْلُ فِي الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ بِدَلِيلِ قَبُولِهَا فِي الزَّكَاةِ ، وَأَنَّ دِيَاتِ الْإِبِلِ تُغَلَّظُ بِهَا ، وَتُخَفَّفُ بِعَدَمِهِ .
( وَلَوْ ) شَرَطَ فِي الْبَيْعِ كَوْنَ الدَّابَّةِ حَامِلًا ، ( فَأَخْلَفَ ) ( ثَبَتَ ) الْخِيَارُ وَلَوْلَا أَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ ( يَثْبُتْ ) ، ( قِيلَ ) لَكِنْ لَا تُقْبَلُ الْحَامِلُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ ، وَلَا مَوْطُوءَةٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ حَبَلُهَا كَمَا ( قَالَهُ ) صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ .
قُلْت لَكِنْ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ : " لَوْ ضَرَبَ الْفَحْلُ ، فَلَمْ نَدْرِ أَحَمَلَتْ أَمْ لَا ، لَا يَأْخُذُهَا جَبْرًا ، وَلَوْ جَاءَ الْجَانِي ( بِغُرَّةٍ ) ، ( وَقَالَ ) وُطِئَتْ قَبِلْنَاهَا ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الضِّرَابِ الْحَمْلَ ، بِخِلَافِ بَنَاتِ آدَمَ " انْتَهَى .
وَالْحَمْلُ فِي بَنَاتِ آدَمَ نَقْصٌ ، وَلِهَذَا ، لَوْ اشْتَرَى أَمَةً فَظَهَرَ أَنَّهَا حَامِلٌ ثَبَتَ لَهُ الرَّدُّ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الصَّدَاقِ أَنَّ حَمْلَ الْأَمَةِ زِيَادَةٌ ( وَنَقْصٌ ) .
الرَّابِعُ : ظُهُورُ الْحَمْلِ يُعْرَفُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فِي الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ ، وَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسْوَةِ ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُنَّ ، إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَالْجُمْهُورُ لَمْ يَشْتَرِطُوهُ .
الْحَوَاسُّ خَمْسَةٌ السَّمْعُ ، وَالْبَصَرُ ، وَالشَّمُّ ، وَالذَّوْقُ ، وَاللَّمْسُ ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ ثَمَانِيَةً ، لِأَنَّ اللَّمْسَ عِنْدَهُ مُدْرِكٌ لِلْقُوَى الْأَرْبَعِ ، لَكِنَّهَا لَمَّا اجْتَمَعَتْ كُلُّهَا فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ظُنَّ أَنَّ الْجَمِيعَ قُوَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَتَكُونُ الْقُوَى ( الْمُدْرِكَةُ ) فِي الظَّاهِرِ عَلَى هَذَا ( ثَمَانِيًا ) ، ( وَمِنْ ) الْمُهِمِّ الْبَحْثُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَقَدْ تَعَرَّضَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، وَصَاحِبُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ .
فَأَمَّا اللِّسَانُ فَالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ ظَاهِرَةٌ ( فَاشِيَةٌ ) ، كَالْقَذْفِ ( وَالْغِيبَةِ ) وَالنَّمِيمَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، إلَّا مَا سَبَقَ بِهِ اللِّسَانُ ، أَوْ وَقَعَ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ ( وَالنِّسْيَانِ ) ، وَهَذَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ دُونَ الضَّمَانِ .
وَأَمَّا ( حَاسَّةُ ) الْبَصَرِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِثْمُ ، إمَّا بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ كَالنَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ وَالصُّوَرِ الْمُشْتَهَاةِ كَالْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْمُرْدِ ، وَإِمَّا بِاجْتِنَابِ الْمَأْمُورَاتِ ، كَتَرْكِ الْحِرَاسَةِ الْوَاجِبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَتَرْكِ حِرَاسَةِ الْأَجِيرِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى ( حِرَاسَتِهِ ) ، وَتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَى الشُّهُودِ النَّظَرُ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَإِسْقَاطِهَا فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ ، وَأَمَّا حَاسَّةُ اللَّمْسِ فَلِعُمُومِهَا لِلْبَدَنِ تَعَلُّقٌ بِالْوَجْهِ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَاسَّةِ إمَّا فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ ، كَتَرْكِ إمْسَاسِ الْجَبْهَةِ الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ ، وَإِمَّا فِعْلِ الْمَحْظُورِ كَإِمْسَاسِ الْوَجْهِ ( الْمُحَرَّمِ ) ، لَا سِيَّمَا بِالْقُبْلَةِ ، وَإِمَّا فِعْلِ الْمَمْنُوعَاتِ ، كَلَمْسِ عَوْرَاتِ الْأَجَانِبِ وَلَمْسِ مَا خَرَجَ مِنْ الْعَوْرَةِ كَأَبْدَانِ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُخَافُ الِافْتِتَانُ بِمَسِّهِ ، وَكَالْمُلَامَسَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمُحْرِمَيْنِ بِشَهْوَةٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ .
وَأَمَّا الْيَدَانِ فَتَعَلُّقُ الْإِثْمِ بِهِمَا ظَاهِرٌ ، أَمَّا
تَرْكُ الْوَاجِبِ ( فَبِتَرْكِ ) كُلِّ بَطْشٍ مَأْمُورٍ بِهِ كَالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ ، وَمَا يَجِبُ مِنْ التَّعْزِيرَاتِ ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ ( كِتَابَةِ ) مَا يَجِبُ كِتَابَتُهُ ، وَتَرْكُ كُلِّ مَا لَا يَتَأَتَّى الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ فِيهِ ، إلَّا ( بِاسْتِعْمَالِهِمَا ) كَالرَّمْيِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِمَّا بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ ( كَبَسْطِهِمَا ) لَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْبَطْشِ وَالضَّرْبِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ الْحَرَامَ ) بِالْمُنَاوَلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الرَّأْسُ ، فَيُمَثَّلُ ( تَرْكُ ) الْوَاجِبِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ بِتَرْكِ غَسْلِهِ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ ، وَكَالْمَسْحِ فِي ( الْوُضُوءِ ) وَتَرْكِ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .
وَيُمَثَّلُ فِعْلُ الْمُحَرَّمِ بِتَرْكِ سَتْرِهِ فِي الْإِحْرَامِ ( وَكَالدُّهْنِ ) ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَدْخُلُ فِي مَمْنُوعَاتِ اللَّمْسِ أَيْضًا ، لِمَا ( ذَكَرْنَاهُ ) مِنْ عُمُومِ هَذِهِ ( الْحَاسَّةِ ) ( لِلْبَدَنِ ) .
وَأَمَّا الْأَرْجُلُ ( فَتَعَلُّقُ الْإِثْمِ بِهَا ظَاهِرٌ ) ، إمَّا فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ فَكَتَرْكِ الْمَشْيِ إلَى الْجِهَادِ الْمُتَعَيِّنِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ ( الْمُتَعَيِّنَةِ ) ، ( وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ) الْوَاجِبَيْنِ ، وَتَرْكِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، ( وَكَشْفِهَا ) فِي الْإِحْرَامِ وَتَرْكِ الْمَشْيِ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَى الشَّهَادَةِ حَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْأَدَاءُ وَالْمَشْيُ .
وَأَمَّا فِي ( ارْتِكَابِ ) الْمَحْظُورَاتِ فَكَالْمَشْيِ إلَى كُلِّ مُحَرَّمٍ مَقْصُودٍ ، ( أَوْ تَوَسُّلًا ) إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْمَقْصُودُ التَّمْثِيلُ لَا الْحَصْرُ .
وَأَمَّا الْفَمُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ اللِّسَانُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِحَاسَّةِ الذَّوْقِ ، فَمِنْهُ ذَوْقُ الْحَرَامِ وَتَرْكُ ذَوْقِ مَا يَتَوَقَّفُ ( إيصَالُ ) الْحَقِّ بِهِ عِنْدَ التَّخَاصُمِ مِنْ الْحَاكِمِ ، أَوْ الشُّهُودِ .
وَأَمَّا ( الْخَيَاشِيمُ ) فَإِثْبَاتُ الْخَطَايَا فِيهَا أَغْمَضُ مِنْ إثْبَاتِهِ فِي غَيْرِهَا ، فَيُمَثَّلُ الْإِثْمُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ ( كَتَرْكِ
) الشَّمِّ الْوَاجِبِ عَلَى الْحَاكِمِ أَوْ ( الشُّهُودِ الْمَأْمُورَيْنِ ) بِالشَّمِّ لِأَجْلِ الْخُصُومَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي رَوَائِحِ الْمَشْمُومِ حَيْثُ يُقْصَدُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ أَوْ يُقْصَدُ ( مَنْعُ الرَّدِّ ) إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، وَيُمَثَّلُ الْإِثْمُ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ ( بِتَرْكِ ) شَمِّ الطِّيبِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ ( وَتَحْرِيمِ ) إشْمَامِ طِيبِ النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ ( الَّذِي يَدْعُو ) إلَى الْمَفْسَدَةِ .
وَأَمَّا شَمُّ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ ، كَشَمِّ الْإِمَامِ الطِّيبِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ ، إذَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي ( جُرْمِهِ ) ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ ( وَهُوَ عُمَرُ ) بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ ، وَيُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ إلَّا بِرِيحِهِ ، ( وَقَدْ قِيلَ ) إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، ( بَلْ رَدَّ ) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، فَقَالَ إنَّ فِي كَوْنِهِ وَرَعًا نُظِرَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ شَمَّهُ لَا يُؤَثِّرُ نَقْصًا وَلَا ( عَيْبًا ) ، فَيَكُونُ إدْرَاكُ الشَّمِّ لَهُ بِمَثَابَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ .
وَلَوْ نَظَرَ إنْسَانٌ إلَى ( مَسَاكِنِ ) النَّاسِ وَغُرَفِهِمْ ( وَدُورِهِمْ ) ، ( لَمْ ) يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ ، إلَّا إذَا خَشِيَ الِافْتِتَانَ بِالنَّظَرِ إلَى أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ ( مَسَّ ) جِدَارَ إنْسَانٍ لَمْ يُمْنَعْ ( مِنْ مَسِّهِ ) ، وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى جِدَارِهِ جَازَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ .
وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِنَادِ إلَى ( جِدَارِهِ ) ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ ( فِيهِ ) إذَا كَانَ الِاسْتِنَادُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجِدَارِ أَلْبَتَّةَ .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ ذَلِكَ فِي شَمِّ رِيحِ الْمُتَطَيِّبِ إذَا جَالَسَ مُتَطَيِّبًا ، وَقَالَ الشَّيْخُ ( تَقِيُّ الدِّينِ ) بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَمَّا النَّظَرُ فِي كَوْنِهِ وَرِعًا فِيمَا فَعَلَهُ ذَلِكَ ( الْكَثِيرُ ) ، وَاسْتِبْعَادِ كَوْنِهِ وَرِعًا ( فَيَبْعُدُ ) عِنْدِي ، وَلَيْسَ كَمَا اُسْتُبْعِدَ كَوْنُهُ وَرِعًا مِنْ أَكْلِ طَعَامٍ حَلَالٍ حَمَلَهُ ظَالِمٌ ، وَلَا سِيَّمَا
الطَّعَامُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ كَطَعَامِ الْوَلَائِمِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الِاسْتِبْعَادِ مِنْ حَدِيثِ الطِّيبِ .
فَائِدَةٌ : دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِهِ إذَا ( تَنَجَّسَ ) ، وَأَنَّهُ ، لَوْ ابْتَلَعَ مِنْهُ نُخَامَةً أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ الْقَيْءُ بَطَلَ صَوْمُهُ .
وَلَوْ وَضَعَ فِيهِ شَيْئًا لَا يَبْطُلُ وَفِي حُكْمُ الْبَاطِنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ .
وَلَوْ ابْتَلَعَ ( مِنْهُ ) الرِّيقَ لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ .
الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَحَقِّهِ ضَرْبَانِ قَوْلِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ : فَالْفِعْلِيَّةُ تُوجِبُ الضَّمَانَ قَطْعًا ، كَالْغَصْبِ ، وَفِي الْقَوْلِيَّةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ ، بَلْ لِعَمْرٍو ( فَإِنَّا نَحْكُمُ ) ، بِكَوْنِهَا لِزَيْدٍ وَيَغْرَمُ لِعَمْرٍو قِيمَتَهَا فِي الْأَصَحِّ ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ وَقَفِيَّةَ مِلْكٍ لَهُ ( وَأَخْبَرَ ) أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، فَأَقَرَّ ( بِالْوَقْفِ ) ، هَلْ يَحْلِفُ لِلْآخَرِ ؟ قَوْلَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ، رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ فَيَلْزَمُهُ الْغُرْمُ وَهُمَا مُطَرَّدَانِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِنْ الْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا فِي الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ وَالْعِتْقِ فَيَغْرَمُونَ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ ( لَا مُسْتَدْرَكَ ) لَهُ قَالَهُ الْإِمَامُ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ التَّغْرِيمُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ ادَّعَى اثْنَانِ عَلَى وَاحِدٍ أَنَّك ( رَهَنَتْنَا ) هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةٍ وَ ( أَقَبَضْته ) فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا ، فَالرَّهْنُ لَلْمُصَدِّقِ ، وَلَيْسَ ( لِلْمُكَذِّبِ ) تَحْلِيفُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يَغْرَمُ ( لَهُ ) شَيْئًا ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَثِيقَةِ ( وَمَرْجِعُ ) الدَّيْنِ إلَى الذِّمَّةِ ، فَحَصَلَ أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ تُضْمَنُ قَطْعًا ، وَكَذَا الْقَوْلِيَّةُ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُسْتَدْرَكُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَدَارُكُهُ بِالتَّصَادُقِ ( فَالْقَوْلَانِ ) أَصَحُّهُمَا الْغُرْمُ ، إلَّا فِي صُورَةِ الرَّهْنِ ، ( فَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدَانِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ ) ضَمِنَا ) إذْ لَا تَدَارُكَ بِالتَّصَادُقِ وَالِاتِّفَاقِ ، وَكُلُّ مَنْ حَالَ بَيْنَ رَجُلٍ وَبُضْعِهِ غَرِمَ مَهْرَ الْمِثْلِ ، كَالرِّضَاعِ وَالشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ ، إلَّا فِي الْهُدْنَةِ فَإِنَّا لَا نَرُدُّ ( الْمُسْلِمَةَ ) وَنُغَرِّمُ الْمُسَمَّى .
وَاعْلَمْ أَنَّ ( الْإِمَامَ ) الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) نَصَّ ( عَلَى ) أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَى الزَّوْجِ النِّكَاحَ بِالرَّضَاعِ ، يَلْزَمُهُ نِصْفُ ( مَهْرِ ) ( مِثْلِهَا
) ، وَنَصَّ فِي شُهُودِ الطَّلَاقِ ، إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِلُزُومِ ( غُرْمِ ) جَمِيعِ الْمَهْرِ فَقِيلَ قَوْلَانِ ( بِنَاءً ) أَوْ تَخْرِيجًا .
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّ الشُّهُودَ وَالْمُرْضِعَةَ ، هَلْ تَغْرَمُ قَدْرَ مَا غَرِمَ الزَّوْجُ أَوْ قِيمَةَ مَا فَاتَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَالصَّحِيحُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَمْ يَقْطَعُوا بِنِكَاحِهِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي الرُّجُوعِ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَ الرَّجُلِ بِالرِّضَاعِ ، فَقَدْ قَطَعَتْ الْعِصْمَةَ وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ ، بِخِلَافِ الْحَيْلُولَةِ فِي الشَّهَادَةِ ، وَكُلُّ مَنْ حَالَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لَزِمَهُ قِيمَةُ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَقَدْ يَخْطُرُ بِالْبَالِ أَنَّ الْفَرْقَ عَلَى الْعَكْسِ أَوْلَى ، فَإِنَّ قَطْعَ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الْحَيْلُولَةِ ، فَإِذَا وَجَبَ فِي الْحَيْلُولَةِ جَمِيعُ الْمَهْرِ ، ( فَلَأَنْ ) يَجِبَ فِي قَطْعِ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ أَوْلَى ، لَكِنْ يُجَابُ عَنْهُ ، بِأَنَّ قَطْعَ النِّكَاحِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْحُكْمُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ فِي الْغُرْمِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّهُودِ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا النِّكَاحَ ، لِجَوَازِ كَذِبِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ ، وَالثَّابِتُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ مَنْ حَالَ بَيْنَ شَخْصٍ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَأَبَقَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ ، فَإِذَا عَادَ الْعَبْدُ رَدَّ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدَ .
وَلَك أَنْ تُقَسِّمَ مَسَائِلَ الْحَيْلُولَةِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) : مَا يَغْرَمُ ( الْحَائِلُ ) قَطْعًا وَعَكْسُهُ ، وَمَا يَغْرَمُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَكْسُهُ .
فَالْأَوَّلُ كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْأَمْوَالِ وَمِنْهُ إذَا ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ، وَكَتَبَ بِهَا إلَى قَاضِي بَلَدِ ( الْعَيْنِ ) لِيُسَلِّمَهَا لِلْمُدَّعِي بِكَفِيلٍ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَفِي هَذَا حَيْلُولَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَمَالِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، قَالَ الْفُورَانِيُّ : وَيُؤْخَذُ مِنْ الطَّالِبِ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَيْضًا .
( وَالثَّانِي ) : كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْقِصَاصِ ، كَمَا إذَا حَالَ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَمُسْتَحِقُّ الدَّمِ .
( الثَّالِثُ ) : كَغَالِبِ أَحْوَالِ الْحَيْلُولَةِ الْقَوْلِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ .
( الرَّابِعُ ) : كَمَا إذَا قَطَعَ صَحِيحُ الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى ( مَنْ ) لَا عُلْيَا لَهُ ، فَهَلْ لَهُ طَلَبُ الْأَرْشِ لِلْحَيْلُولَةِ ؟ ( وَجْهَانِ ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَعْفُو عَنْ الْجَانِي ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ هَلْ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَإِذَا سَقَطَتْ الْعُلْيَا ، هَلْ يَرُدُّهُ وَيَقْتَصُّ ، حَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى مَا لَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيُطَالِبُ بِالْمِثْلِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ شَبَّهَ الْوَجْهَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ ، ( فَهَلْ ) لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ ( وَالْأَرْشَ ) وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ .
وَلَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ ، وَأَخَّرْنَا الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَضْعِ وَطَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَالَ لِلتَّأْخِيرِ فَفِي إعْطَائِهِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ وَجْهَانِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ
أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ ، إذَا لَمْ يَعْفُ ، وَقَالُوا إنَّ أَخْذَهُ الدِّيَةِ ، عَفْوٌ عَنْ الْقِصَاصِ .
وَمِنْهُ لَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ ، الْمُسْلَمَ ، إلَيْهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مَئُونَةٌ ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلَوْ أَحْبَلَ الْأَبُ جَارِيَةَ الِابْنِ امْتَنَعَ بَيْعُهَا عَلَى الِابْنِ ، لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ ، وَفِي وَجْهٍ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهَا فِي الْحَالِ ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ عِنْدَ الْوَضْعِ ، وَالْأَصَحُّ لَا ، لِاسْتِمْرَارِ يَدِ الْوَلَدِ عَلَيْهَا وَانْتِفَاعِهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ .
وَلَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ثَمَنُ عَبْدٍ وَصَدَّقَهُ سُلِّمَ الْعَبْدُ إلَيْهِ وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ وَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْمَالِكُ وَبَرِئَ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ بِالْعَبْدِ ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ ، وَهَلْ يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : ( نَعَمْ ) ( كَحُكْمِ ) الْحَاكِمِ الثَّانِي يَكُونُ كَالْمُحْتَالِ عَلَى حَقِّهِ أَيْ كَالْحَيْلُولَةِ كَذَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَاخِرِ الصَّدَاقِ مِنْ تَعْلِيقِهِ : الْحِيَلُ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ ( اللَّهُ ) تَعَالَى فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ { مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ } ، { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } ( وَخَلَّصَ ) بِهِ ( نَفْسَهُ ) ، وَاحْتَالَ لِصِدْقِهِ وقَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ حَنْظَلَةَ ، قَالَ : { خَرَجْنَا وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ نُرِيد النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ أَعْدَاءٌ لَهُ فَحَرِجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي فَخَلَّى عَنْهُ الْعَدُوُّ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ صَدَقْت الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ } فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَهُ قُلْت وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ ( بِحَدِيثِ بِلَالٍ فِي شِرَاءِ التَّمْرِ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا } ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ( الشِّرَى ) مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ .
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ) { إذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْخُذْ عَلَى أَنْفِهِ وَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ } ( هُوَ ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ( سَمِعْت ) ( الدَّارَقُطْنِيّ ) يَقُولُ ( سَمِعْت ) أَبَا بَكْرٍ الشَّافِعِيَّ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ كُلُّ مَنْ أَفْتَى مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ ( هَذَا الْحَدِيثِ ) ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْحِيَلِ مَا كَانَ مُبَاحًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مُبَاحٍ فَأَمَّا فِعْلُ ( الْمَحْظُورِ لِيَصِلَ بِهِ إلَى الْمُبَاحِ
) ، فَلَا يَجُوزُ وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الْحِيلَةَ الْمَحْظُورَةَ لِيَصِلَ بِهَا إلَى الْمُبَاحِ ، ( وَقَدْ رَوَى ) ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إلَيْهِ زَوْجَهَا ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا ارْتَدِّي لِيُفْسَخَ النِّكَاحُ ، وَحُكِيَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِّلْ أُمَّ امْرَأَتَك بِشَهْوَةٍ فَإِنَّ نِكَاحَ زَوْجَتِك يَنْفَسِخُ .
وَالدَّلِيلُ ( عَلَى ) ( أَنَّ ) مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاقَبَ مِنْ احْتَالَ بِحِيلَةٍ مَحْظُورَةٍ فَقَالَ ( تَعَالَى ) { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَكَانَ السَّمَكُ لَا يَدْخُلُ مَوْضِعَ ( يَصْطَادُونَهُ ) فِيهِ ، إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ فَاحْتَالُوا بِأَنْ وَضَعُوا الشِّبَاكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَخَذُوهُ يَوْمَ الْأَحَدِ فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا } ( وَلَمَّا نَظَرَ ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إلَى هَذَا قَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى الْمُبَاحِ بِالْمَعَاصِي ، ثُمَّ نَاقَضَ فِي الْمَشْهُودِ لَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ ( فَقَالَ ) ( إنَّهَا تَحِلُّ ) لَهُ ( وَكَذَلِكَ ) قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ ( يَحْرُمُ ) مُعَالَجَةُ الْخَمْرِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ خَلًّا ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْمُحَرَّمِ بِالْعِلَاجِ وَالِاحْتِيَالِ فَهُوَ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ .
قَالَ الْقَاضِي فَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي الْأَيْمَانِ فَضَرْبَانِ .
حِيلَةٌ تَمْنَعُ الْحِنْثَ وَحِيلَةٌ تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ : فَاَلَّتِي تَمْنَعُ الْحِنْثَ ضَرْبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : الْخُلْعُ فِي النِّكَاحِ وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ فِي الرَّقِيقِ ، فَإِذَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ( ثَلَاثًا ) ، فَالْحِيلَةُ فِي دُخُولِهَا أَنْ يُخَالِعَهَا فَتَبِينُ ، ثُمَّ تَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، وَيَعْقِدُ النِّكَاحَ عَلَيْهَا .
وَإِذَا قَالَ ( لِعَبْدِهِ ) إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ .
وَالْحِيلَةُ الْعَامَّةُ أَسْهَلُ ( فِي ) هَذِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ : كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا ( فَإِنْ ) دَخَلَتْ ( الدَّارَ ) لَمْ تَطْلُقْ وَفِي ( الرِّقِّ ) ( يَقُولُ ) لِعَبْدِهِ : كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك عِتْقِي ( فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ ) فَيَدْخُلُ الدَّارَ وَلَا يَعْتِقُ .
قُلْت أَمَّا مَسْأَلَةُ الْخُلْعِ فَقَدْ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَنَّهُ ، لَوْ وَقَعَ لَكَانَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهَا تَعُودُ بِمَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ ( فَالطَّلَاقُ ) لَوْ قِيلَ بِوُقُوعِهِ فَهُوَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي كَانَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالصِّفَةَ كِلَاهُمَا حَالُ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَلْيُنْظَرْ إلَى أَنَّهَا هَلْ ( تَمْنَعُ ) الْوُقُوعَ أَمْ لَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَأَمَّا الْحِيلَةٌ الْمَانِعَةُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ ، فَكَمَنْ حَلَفَ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى نِيَّتِهِ دُونَ مَا يُظَنُّ بِهِ ، إلَّا إذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ .
هَذَا إذَا كَانَ ( فِيمَا ) هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُمَا ، فَأَمَّا مَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَ الْحَاكِمِ ظُلْمٌ عِنْدَ الْحَالِفِ كَالْحَنَفِيِّ يَعْتَقِدُ شُفْعَةَ الْجِوَارِ وَالْحَالِفُ لَا يَعْتَقِدُهَا يَحْلِفُ ( لَا يَسْتَحِقُّ ) عَلَى الشُّفْعَةِ ، وَيَنْوِي عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ
يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ قَالَ : وَعَلَى هَذَا كُلُّ الْأَيْمَانِ عِنْد الْحَاكِمِ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ ( إنَّ ) النِّيَّةَ ( فِيهِ ) ( نِيَّةُ ) الْمُسْتَحْلِفِ أَبَدًا ، وَهَذَا غَلَطٌ .
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لِنَفْسِهِ فَالنِّيَّةُ نِيَّتُهُ أَبَدًا ، فَإِذَا نَوَى غَيْرَ مَا نَطَقَ بِهِ ، وَكَانَ ( سَائِغًا ) بَرَّ فِي يَمِينِهِ ، فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ وَنَوَى أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ ، وَكَذَا غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَهُ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ ، فَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ ، وَنَوَى ( نِسَاءً لَا امْرَأَتَهُ ) ، أَوْ قَالَ كُلُّ جَارِيَةٍ لِي حُرَّةٌ وَنَوَى بِذَلِكَ السُّفُنَ صَحَّ ( فَلَوْ ) قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِعَلَيْك عَلَى ظَهْرِك أَوْ عَلَى رَقَبَتِك لَمْ يَحْنَثْ ، فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فَعَلَ شَيْئًا ، وَجَعَلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي ، لَا النَّافِيَةِ صَحَّ .
( وَلَوْ ) قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ : طَلَّقْت فُلَانَةَ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : نَعَمْ وَنَوَى بِنَعَمْ إبِلَ بَنِي فُلَانٍ ، لَمْ تَطْلُقْ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : نَعَامٌ ، يَعْنِي نَعَامَ الْبَرِّ صَحَّ ، وَإِذَا حَلَفَ مَا كَاتَبْت فُلَانًا وَلَا عَرَفْته وَلَا شَفَعْت لَهُ وَلَا سَأَلْته حَاجَةً قَطُّ ، وَنَوَى بِالْكِتَابَةِ كِتَابَةَ الْعَبِيدِ ، وَمَا جَعَلْته عَرِيفًا ، ( وَمَا شَفَعْت شُفْعَتَهُ ) وَمَا ( سَأَلْته ) حَاجَةً يَعْنِي ( شَجَرَةً ) صَغِيرَةً فِي الْبِئْرِ يُقَالُ لَهَا الْحَاجَةُ لَمْ يَحْنَثْ .
هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ .
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي التَّلْخِيصِ : الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ ، لِأَنَّهَا حِيلَةٌ فِي إبْطَالِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ .
وَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ بِالْمُشَارَكَةِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ ، ( وَإِنْ ) كَانَ قَبْلَ ( وُجُوبِهَا ) قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُكْرَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَحَّ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ ( يُبَاحُ )
، وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ تَجُوزُ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، وَقَالَ آخَرُ : لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ( الضَّرَرِ ) ، وَالْحِيلَةُ تَمْنَعُ دَفْعَ ( الضَّرَرِ ) ، قُلْنَا إنَّمَا يَجِبُ زَوَالُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا ( بِكَمَالِهَا ) ، ( فَأَمَّا ) إذَا لَمْ تُوجَدْ ، فَلَا يُقَالُ إنَّ فِي ذَلِكَ مَنْعًا لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي .
حِيلَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ عَنْ الْمَجْهُولِ : طَرِيقُهُ أَنْ يَذْكُرَ غَايَةً يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْبُوَيْطِيِّ إلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَّلَ رَجُلًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ ، حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ حَلَّلَهُ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا انْتَهَى .
لَيْسَ ( لِأَبِي الزَّوْجَةِ الْعَفْوُ ) عَنْ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ أَرَادَهُ فَطَرِيقُهُ فِي إبْرَاءِ الزَّوْجِ مِنْ الصَّدَاقِ أَنْ تُخَالِعَ زَوْجَهَا ( عَلَى الصَّدَاقِ ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ ( فَيَصِيرُ لِلزَّوْجِ ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ أَلْفٌ مَثَلًا وَلَهَا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ أَلْفٌ فَيُحِيلُ ( الزَّوْجُ ) بِنْتَه عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ مِنْ ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْأَبِ ، وَلَا يَتَخَلَّصُ بِالضَّمَانِ إذْ لَا ( أَصِيلَ ) هَا هُنَا .
حِيلَةٌ تُسْقِطُ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمَذْهَبِ : وَهِيَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ الْبَائِعُ قَبْلَ ( الْبَيْعِ ) ثُمَّ يُعْتِقُهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ ، فَيَجُوزُ لَهُ ( تَزْوِيجُهَا ) ، كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ، وَتَجِيءُ صُورَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ أَنْ ( يَشْتَرِيَهَا ) ثُمَّ يُزَوِّجَهَا لِغَيْرِهِ فَيُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ فِي الْحَالِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَحِلُّ لِلسَّيِّدِ عَلَى وَجْهٍ ، قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَيُقَالُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ ( لِلرَّشِيدِ ) فِي أَمَةٍ أَرَادَ وَطْئَهَا .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كُنْت فِي مَجْلِسِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الشَّاشِيِّ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ هَذَا الثَّوْبَ وَقَدْ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ ، فَقَالَ ( سُلَّ
مِنْهُ خَيْطًا فَسَلَّ مِنْهُ ) قَدْرَ الْأُصْبُعِ أَوْ الشِّبْرِ ، ثُمَّ قَالَ الْبَسْ لَا شَيْءَ عَلَيْك وَأَيَّدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ فِي الْعُرْفِ .
( حَلَفَ ) لَا بِعْت هَذَا الثَّوْبَ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ النِّصْفَ ، وَوَهَبَهُ النِّصْفَ لَمْ يَحْنَثْ ( لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ) بِبَعْضِهِ .
حَلَفَ ( لَيَشْتَرِيَنَّ ) جَارِيَةً فَاشْتَرَى سَفِينَةً ( بَرَّ ) ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
رَجُلٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَقَالَ إنْ لَمْ آخُذْهُ مِنْك الْيَوْمَ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، وَقَالَ صَاحِبُهُ إنْ ( أَعْطَيْته ) ( الْيَوْمَ ) ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، فَالطَّرِيقُ أَنْ ( يَأْخُذَهُ ) مِنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ جَبْرًا ، وَلَا يَحْنَثَانِ ، قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي .
الْحِيلَةُ فِيمَا ( إذَا ) ادَّعَى ( أَدَاءَ ) عَلَيْهِ وَأَرَادَ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ ( بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ ) أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْمُدَّعِي قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَبْرَأَنِي ، كَذَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ .
الْحِيلَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ ، إذَا جَاءَ إلَيْهِ أَنْ يَقُولَ اعْرِضْهُ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا لَا يُسَاوِي هَذَا الثَّمَنَ فَرُدَّهُ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِمْ ، وَرَجَعَ وَأَرَادَ الرَّدَّ قَالَ الْقَفَّالُ ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ ، لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الرَّدِّ ( بِلَا شَكٍّ ) .
قُلْت ، وَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ ، لِإِبْطَالِ حَقِّهِ .
( لَوْ ) صَالَحَ عَلَى ( أَنَّهُ ) يَسْقِي دَوَابَّهُ الْمَاءَ مِنْ بِئْرِهِ لَا يَجُوزُ ، ( قَالَ ) الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ سَهْمًا مِنْ الْقَنَاةِ ، ثُمَّ الْمَاءُ ( يَسْتَتْبِعُ ) الْقَنَاةَ .
وَلَوْ بَاعَ الْمَرْعَى لَا يَجُوزُ ، وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْكَلَأَ بِدِينَارٍ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي رَعْيِ الْمَاشِيَةِ ( فِي الْمَرْعَى ) ، ( قَالَ ) الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ ، إذَا مَلَكَ أَرْضًا لَهَا حَشِيشٌ فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ الْحَشِيشِ عَلَى مَالٍ لِتَرْعَى فِيهِ الْمَوَاشِي لَا يَصِحُّ ، إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الْقَلْعِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْحَشِيشَ رَطْبًا ، لِتَأْكُلَهُ الْمَوَاشِي .
فَطَرِيقُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، ثُمَّ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ حَتَّى تَكُونَ الْعُرُوقُ مَمْلُوكَةً لَهُ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ ( يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ ) يَكُونُ لِلْبَائِعِ ، ( فَإِذَا ) لَمْ يَقْطَعْ وَحَدَثَتْ زِيَادَةٌ تَكُونُ مَسْأَلَةُ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ .
إذَا ( شَهِدَا ) عِنْدَ قَاضٍ أَنَّك حَكَمْت بِكَذَا ( وَلَمْ ) يَتَذَكَّرْ لَمْ يَعْتَمِدْهَا ، وَالطَّرِيقُ أَنْ ( يُجَدِّدَ ) الْمُدَّعِي الدَّعْوَى ، وَيَشْهَدَانِ لَهُ بِالْحَقِّ .
لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّسَبِ حِسِّيَّةٌ ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهَا تُقْبَلُ ( أَثْبَتَ الْقَاضِي النَّسَبَ وَأَسْجَلَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ) ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ فَتُنْكِرُ هِيَ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ ، وَتَجُوزُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْحَاجَةِ .
وَقِيلَ لَا تَجُوزُ ، لِأَنَّ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِهَا .
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ثُمَّ حَلَفَ عَلَى أَكْلِ مَا فِي كُمِّ زَيْدٍ وَكَانَ فِيهِ بَيْضٌ ، فَطَرِيقُ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْحَلْوَى ، وَيَأْكُلَهَا وَيُقَالُ إنَّ الْقَفَّالَ سُئِلَ ( عَنْهَا ) وَهُوَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فَتَوَقَّفَ فَأَجَابَ الْمَسْعُودِيُّ بِهَذَا ، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ قُفِلَ ( عَلَى ) الْقَفَّالِ ، وَسَعِدَ بِهَا الْمَسْعُودِيُّ .
يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ وَبَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ جَازَ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ
الذِّمَّةِ وَبَعْضُهُمْ مُسْلِمٌ ، وَنَوَى التَّضْحِيَةَ بِحِصَّتِهِ جَازَ وَطَرِيقُ قِسْمَةِ اللَّحْمِ إنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا أَنْ ( يُعَيِّنُوا ) اللَّحْمَ أَجْزَاءً ، وَيُعَيِّنُوا بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ ( مِنْهَا ) جُزْءًا ثُمَّ يَبِيعُ صَاحِبُ كُلِّ جُزْءٍ نَصِيبَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي مَا لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَتَقَاصُّوا .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، إذَا أَرَدْت الْحِيلَةَ فِي قَسْمِ ( الْفَاكِهَةِ ) الرَّطْبَةِ ، وَقُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ ، فَإِنَّك تَجْعَلُهَا جُزْأَيْنِ ، وَيَبْتَاعُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ ( الْجُزْءِ ) الَّذِي اخْتَارَهُ بِدِينَارٍ ( وَيَبِيعُ ) عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ ( الْجُزْءِ ) الْآخَرِ وَيَتَقَاصَّانِ الدِّينَارَ بِالدِّينَارِ ، وَيَسْتَقِرُّ ( مِلْكُ ) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِصَّتِهِ .
إذَا صَرَفَ مِنْهُ ( دِينَارًا ) بِعِشْرِينَ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ ، فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ مِنْ مَالٍ ( آخَرَ ) ، فَلَوْ اسْتَقْرَضَهُ ( مِمَّا ) أَخَذَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّخَايُرِ لَا يَجُوزُ ( لِأَنَّ ) التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّخَايُرِ يَجُوزُ إنْ قُلْنَا أَنَّ التَّخَايُرَ لَا يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ .
حِيلَة فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا صَغِيرًا وَيُزَوِّجَهَا مِنْهُ ( بِرِضَاهَا ) ( ثُمَّ يَسْتَدْخِلُ ) حَشَفَتَهُ ثُمَّ يَبِيعُ الْعَبْدَ مِنْهَا ( فَيَنْفَسِخُ ) النِّكَاحَ ، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ قَالُوا وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ الْحِيَلِ ، لِأَنَّهُ يَخْشَى مِنْ الزَّوْجِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ ، وَأَنْ يَحْصُلَ بِوَطْئِهِ الْعُلُوقُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ فِي عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعَدَمِ الْعُلُوقِ .
الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَالْمُسْتَمِرَّةُ وَعَيْشُ الْمَذْبُوحِ .
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ ( بَيْنَهَا ) فَأَمَّا الْمُسْتَمِرَّةُ فَهِيَ الْبَاقِيَةُ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ إمَّا بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الثَّانِي .
وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ ( وَمَعَهَا ) الْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ دُونَ ( الِاضْطِرَارِيَّةِ ) كَالشَّاةِ ، إذَا أَخْرَجَ الذِّئْبُ حَشْوَتَهَا وَأَبَانَهَا ( حَرَّكَتْهَا ) حَرَكَةً اضْطِرَارِيَّةً ، فَلَا تَحِلُّ إذَا ذُبِحَتْ كَمَا لَوْ كَانَ إنْسَانًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَإِنْ عَضَّهَا الذِّئْبُ ، فَقَوَّرَ بَطْنَهَا ، وَلَمْ يَنْفَصِلْ كِرْشُهَا فَحَيَاتُهَا مُسْتَقِرَّةٌ ( لِأَنَّ حَرَكَتَهَا الِاخْتِيَارِيَّةَ ) مَوْجُودَةٌ .
وَلِهَذَا لَوْ طُعِنَ إنْسَانٌ وَقُطِعَ ( بِمَوْتِهِ ) بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ وَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ ، وَحَرَكَتُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ ، وَلِهَذَا أَمْضَوْا وَصِيَّةَ ( أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ) عُمَرَ ( بْنِ الْخَطَّابِ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُبِينَتْ الْحَشْوَةُ ؛ لِأَنَّ مَجَارِيَ النَّفْسِ قَدْ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ الْحَرَكَةُ اضْطِرَارِيَّةً ، وَقَدْ تَكُونُ الْحَوَاسُّ سَلِيمَةً وَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً وَالْحَرَكَةُ اخْتِيَارِيَّةً ، وَيُعْطَى الْإِنْسَانُ فِيهَا حُكْمَ الْأَمْوَاتِ كَالْوَاقِعِ فِي بَحْرٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ ( وَتَابَ ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، ( فَإِنَّهُ ) لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ إيمَانُ فِرْعَوْنَ ، وَفِي مِثْلِهَا لَوْ أَشْرَفَ إنْسَانٌ عَلَى الْغَرَقِ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ .
وَلَوْ كَانَتْ شَاةً فَذَبَحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَلَّتْ ( وَأَمَّا حَيَاةُ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ وَهِيَ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا ) ( إبْصَارٌ ) وَلَا نُطْقٌ وَلَا حَرَكَةٌ
اخْتِيَارِيَّةٌ ، فَإِذَا انْتَهَى الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةِ جَانٍ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ انْتَهَى إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَرَضٍ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، قَالَ الْإِمَامُ لَوْ انْتَهَتْ الشَّاةُ بِالْمَرَضِ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ ( حَلَّتْ ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا افْتَرَسَهَا سَبُعٌ ، فَوَصَلَتْ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ ، قَالَ وَلَوْ أَكَلْت الشَّاةُ نَبَاتًا مُضِرًّا ، فَصَارَتْ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ ، فَذُبِحَتْ فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخِي فِيهِ وَجْهَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ فِي كَثِيرٍ بِنَفْيِ ( الْحِلِّ ) لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ ، فَصَارَ كَجُرْحِ السَّبُعِ .
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاةَ إذَا انْتَهَتْ بِالْمَرَضِ إلَى حَالَةِ عَدَمِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ ، وَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَهُوَ نَظِيرُ إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى ( قَاتِلِ ) الْمَرِيضِ ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمَرِيضَ لَوْ انْتَهَى إلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ ، ( وَبَدَتْ ) مَخَايِلُهُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَنْفَاسُ فِي ( الشَّرَاسِفِ ) لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْخَصَ بَصَرُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا وَحَالَةُ شُخُوصِ الْبَصَرِ هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يُشَاهِدُ فِيهَا ( الْمَيِّتُ ) مَلَكَ الْمَوْتِ .
وَهَذِهِ الْحَالَةُ ( هِيَ ) الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ قَالَ ( اللَّهُ ) تَعَالَى { وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ ، قَالَ إنِّي تُبْتُ الْآنَ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ } .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ لَا يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ حُصُولِهَا فِي الشَّاةِ الْمَرِيضَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي ( أَكِيلَةِ ) السَّبُعِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ ( الْمُسْتَقِرَّةُ )
بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ ( لَبَقِيَ ) يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَغَيْرُ ( الْمُسْتَقِرَّةِ ) لَوْ تُرِكَ لَمَاتَ فِي الْحَالِ ، وَقَالَ ( غَيْرُهُ ) الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ أَنْ لَا تَنْتَهِيَ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَقَالَ فِي الْمُرْشِدِ تُعْرَفُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةِ بِشَيْئَيْنِ ( أَحَدُهُمَا - أَنْ تَكُونَ حَالَةُ وُصُولِ السِّكِّينِ إلَى الْحُلْقُومِ يَطْرِفُ عَيْنُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ ذَنَبُهُ لِأَنَّ ) الْحَيَاةَ إذَا زَالَتْ مِنْ أَسْفَلَ لَمْ يَتَحَرَّكْ ذَنَبُهُ ، وَيَشْخَصُ بَصَرُهُ - وَالثَّانِي - أَنْ لَا يَتَحَرَّكَ فِيهِ شَيْءٌ بَعْدَ إبَانَةِ الرَّأْسِ ، وَلَا ( عِبْرَةَ ) بِالِاخْتِلَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ ، وَكَذَا إنْهَارُ الدَّمِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ انْفِجَارَ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَتَدَفُّقَهُ مَعَ وُجُودِ الْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ مِنْ أَمَارَاتِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ .
وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ ( وَحْدَهَا ) كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مُجَرَّدَ خُرُوجِ الدَّمِ دَلِيلٌ ( عَلَى ) اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ ( وَقَالَ ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ وَقَعَتْ ( هَذِهِ ) الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى مَرَّاتٍ فَكَانَ الْجَوَابُ فِيهَا أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تُعْرَفُ بِقَرَائِنَ يُدْرِكُهَا النَّاظِرُ ، مِنْ عَلَامَاتِهَا الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَجَرَيَانُ الدَّمِ ، فَإِذَا حَصَلَتْ قَرِينَةٌ مَعَ ( إحْدَاهَا ) حَلَّ الْحَيَوَانُ وَالْمُخْتَارُ الْحِلُّ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَحْدَهَا ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ انْتَهَى .
وَاسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ ، لَا تَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ مَعَهَا ، بِخِلَافِ انْفِجَارِ الدَّمِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قَرِينَةِ الْحَيَاةِ .
قَالَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى مَعَ الْحَيَوَانِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ ( فَإِنْ
) شُقَّ جَوْفُهَا وَظَهَرَتْ الْأَمْعَاءُ وَلَمْ تَنْفَصِلْ ( إذَا ) ( ذُكِّيَتْ ) حَلَّتْ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ( مُنَزَّلٌ ) عَلَى ( مَا قَدَّمْنَاهُ ) ، قَالَ وَإِذَا جُرِحَتْ الشَّاةُ ( وَوَصَلَتْ ) إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ ( فَذُبِحَتْ ) ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ ، وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَا دَامَتْ تَضْرِبُ بِيَدِهَا وَتَفْتَحُ عَيْنَهَا حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ ، فَإِنَّ ( حَرَكَتَهَا ) حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ ، ( فَلَا ) تَحِلُّ ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ .
فَرْعٌ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ ، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْحِلُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ ، وَأَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ لِلشَّكِّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ حَلَّتْ ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ .
تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْقَطْعِ لَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِيءِ ، وَلَكِنْ لَمَّا قُطِعَ بَعْضُ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، لِمَا ( نَالَهُ ) مِنْ ( قَبْلُ ) ( بِسَبَبِ ) قَطْعِ الْقَفَا فَهُوَ حَلَالٌ ؛ لِأَنَّ ( الْمَعْنَى بِمَا ) وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ ( بِقَطْعِ ) ( الْمَذْبَحِ ) انْتَهَى ، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَلَامَ الْإِمَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ أَيْضًا بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلْ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَرِيءُ - وَالثَّانِي - ( عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ ) ( الصُّورَةِ ) الْحُلْقُومُ أَنَّ ( الْمَذْهَبَ ) الِاكْتِفَاءُ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ ، ( وَقِيَاسُهُ ) أَنْ يَكْتَفِيَ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً فِيمَا إذَا ابْتَدَأَ الْقَطْعَ ( مِنْ ) مُقَدَّمِ الْعُنُقِ عِنْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ خَاصَّةً أَيْضًا وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْحَيَاةَ ، لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي ( قَطْعِ ) الْمَرِيءِ وَالْحُلْقُومِ تَحِلُّ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ تَمَامِ ( قَطْعِهِمَا ) إذَا وُجِدَ الْإِسْرَاعُ عَلَى النَّسَقِ الْمُعْتَادِ لَكِنَّ الَّذِي حَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهَا إنْ تَحَرَّكَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا أُكِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُؤْكَلْ ، وَفَسَّرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ ، بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ إنَّمَا تُعْلَمُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِشِدَّةِ الْحَرَكَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَرَكَةُ شَدِيدَةً بَعْدَ قَطْعِ الرَّقَبَةِ (
فَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ ) ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ إلَى انْتِهَاءِ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ بِالذَّكَاةِ ، وَهُوَ ( يُوَافِقُ ) مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ النَّصِّ .
( قُلْت ) وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ انْتَهَى .
وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ، لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهَا فَانْتَهَتْ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، لَمْ تَحِلَّ ، وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَبَعْضِ الْمَرِيءِ حَلَّتْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ، وَلَمْ تَحِلَّ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ وَاخْتِيَارِ الْغَزَالِيِّ ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ الْبَعْضَ فَمَاتَتْ يَكُونُ مَوْتُهَا كَانْتِهَائِهَا إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَهَذَا قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا ( وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ فَتَحِلُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الْمَرِيءِ ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا ) لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ هُنَاكَ بِعِصْيَانِهِ بِالذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا ، لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ يَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ الذَّابِحُ فِي الْقَطْعِ ، فَلَا يَتَأَتَّى بِحَيْثُ يَظْهَرُ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ اسْتِتْمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْمُتَعَبَّدَ بِهِ كَوْنُ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الِابْتِدَاءِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُنَا ، إذَا تَبَيَّنَ مَصِيرُهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهُنَاكَ ، إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَالُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ ( وَهَذَا الَّذِي ) قَالَهُ خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحُ الْإِمَامِ بِهِ ، بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ فِي الثَّانِي فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ فِي حَقِّهِ ، فَلَوْ لَمْ يُحَلِّلْهُ أَدَّى إلَى حَرَجٍ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ غَيْرِ كَالٍّ ، وَيُسْرِعَ فَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْقَطْعِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ ( كَالَّةٍ ) ،
فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ، كَمَا لَوْ تَبَاطَأَ فِي الذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ غَيْرِ ( الْكَالِّ ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ مُلْصَقًا بِاللَّحْيَيْنِ فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَبَانَ الرَّأْسَ ، فَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَلَوْ أَخَذَ الذَّابِحُ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، وَأَخَذَ آخَرُ فِي نَزْعِ حَشْوَتِهِ ( أَوْ نَخْسِ خَاصِرَتِهِ ) لَمْ يَحِلَّ ، لِأَنَّ التَّذْفِيفَ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ ، ( وَإِذَا ) اقْتَرَنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِقَطْعِ رَقَبَةِ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهَا ، بِأَنْ يُجْرِيَ سِكِّينًا مِنْ الْقَفَا وَسِكِّينًا مِنْ الْحُلْقُومِ حَتَّى الْتَقَيَا فَهِيَ مَيْتَةٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقَفَا وَبَقِيَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً إلَى وُصُولِ السِّكِّينِ الْمَذْبَحِ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْفَصْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ ، وَقَلَّ مَنْ أَتْقَنَهُ .
الْحَيَوَانُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ الْأَوَّلُ : كُلُّهُ طَاهِرٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْهُمَا ، وَفِي الْخِنْزِيرِ قَوْلٌ قَدِيمٌ ، اُخْتِيرَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمَا الْجَلَّالَةُ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا ، بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، وَمَنَاطُ حِلِّ أَكْلِ الذَّبِيحَةِ هَلْ هُوَ جَوَازُ الذَّبْحِ أَوْ قَصْدُ الْأَكْلِ فِيهِ خِلَافٌ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ مِنْ الصَّائِلَةِ إذَا قُتِلَتْ بِالصِّيَالِ تَرَدَّدَ ابْنُ كَجٍّ فِي حِلِّ أَكْلِهَا وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ ، إنْ لَمْ يُصِبْ الْمَذْبَحَ لَمْ تَحِلَّ ، وَإِنْ أَصَابَ فَوَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : تَذْكِيَةُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونِ ، وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ ، وَالدَّابَّةُ الْمَوْطُوءَةُ إذَا قُلْنَا تُقْتَلُ ، فَذُبِحَتْ فَفِي حِلِّ أَكْلِهَا وَجْهَانِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهَا بِوُجُوبِ قَتْلِهَا الْتَحَقَتْ بِالْمُؤْذِيَاتِ .
الثَّانِي : فِي قَتْلِهِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا فِيهِ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ ( فَيَحْرُمُ ) قَتْلُهُ .
ثَانِيهَا : مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِلَا نَفْعٍ فَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ وَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَمِنْهُ الْعَنَاكِبُ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ ( مَنْ ) يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهَا لِأَنَّهُ عَشَّشَ فِي فَمِ الْغَارِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْحَمَامُ .
ثَالِثُهَا : مَا فِيهِ نَفْعٌ مِنْ وَجْهٍ ، كَالصَّقْرِ وَالْبَازِيِّ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ وَنَحْوِهَا ، ( وَكَالْفَهْدِ ) ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ السِّبَاعِ الَّتِي تَصِيدُ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ لِلضَّرَرِ ، وَذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْأُمِّ .
رَابِعُهَا : مَا لَا نَفْعَ
فِيهِ وَلَا ضَرَرَ كَالْخَنَافِسِ وَالدِّيدَانِ ( وَالْجُعَلِ ) وَالْفَرَاشِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَحْرُمُ قَتْلُهَا لِعَدَمِ نَفْعِهَا ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ ( ضَرَرِهَا ) .
قَاعِدَةٌ : مَنْ مَلَكَ صَيْدًا حُرِّمَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ إلَّا فِي صُوَرٍ : أَنْ يُحْرِمَ ، أَوْ يَكُونَ لِلطَّائِرِ فَرْخٌ يَمُوتُ ( بِحَبْسِهِ ) ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُهُ أَوْ مَا يَذْبَحُهُ ( بِهِ ) فَيَجِبُ إرْسَالُهُ ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ حُرِّمَ ، قَالَ الْقَفَّالُ ( يَحْسِبُونَهُ ) قُرْبَةً وَهُوَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقِيلَ يُبَاحُ ذَلِكَ وَيَزُولُ الْمِلْكُ ( كَالْعِتْقِ ) ( فِي الْعَبْدِ ) وَعَلَى الْأَصَحِّ : لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِإِرْسَالِهِ ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اصْطِيَادُهُ ، إلَّا أَنْ يُبِيحَهُ الْمَالِكُ لِمَنْ أَخَذَهُ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيَارًا .
وَلِهَذَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا ( عَنْ ) طَائِرٍ فَوَقَفَ ، ثُمَّ طَارَ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ طَارَ عَقِبَ الْفَتْحِ فَقَوْلَانِ نَظِيرُهُ مَا لَوْ نَفَرَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَعَثَرَ فَمَاتَ ( عَقِبَ التَّنْفِيرِ ضَمِنَهُ ) ، وَإِنْ ( نَفَرَهُ ) فَسَكَنَ ، ثُمَّ عَثَرَ ( فَمَاتَ لَا ضَمَانَ ) ، وَمَا لَوْ أَكَلَ الْجَارِحُ مِنْ الصَّيْدِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ .
( قَالَ ) الْإِمَامُ وَدِدْت لَوْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ زَمَانًا ، ثُمَّ يَأْكُلَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ ، لَوْ وَضَعَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ ( وَسَيَّرَهَا ) حَتَّى خَرَجَتْ قُطِعَ ، وَإِنْ مَشَتْ بِنَفْسِهَا حَتَّى خَرَجَتْ فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ إنْ سَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ قُطِعَ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ .
وَلَوْ عَلَّمَ قِرْدًا إخْرَاجَ الْمَتَاعِ ( بِنَقْبٍ ) وَأَرْسَلَهُ ، حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ لِشُبْهَةِ اخْتِيَارِ الْحَيَوَانِ ، ( وَلَكِنْ ) لَوْ أَمْسَكَ إنْسَانًا وَعَرَّضَهُ لِلسَّبُعِ وَجَبَ الْقِصَاصُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ ( لَهُ ) فَكَانَ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ ، وَمِثْلُهُ ( الْحَيَوَانُ ) الضَّارِي بِطَبْعِهِ .
وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَقَطَعَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ ( هَوَاءَ ) الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يَضْمَنُهُ ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا ( فِي ) الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ ، فَتَخَطَّى طَرَفَ الْحَرَمِ ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَضْمَنُ بِخِلَافِ الْكَلْبِ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ السَّهْمِ ، ( وَلِهَذَا ) قَالَ الْأَصْحَابُ ، لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُصِبْهُ وَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الضَّمَانُ ، ( وَمِثْلُهُ ) ، لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا لَا يَجِبُ وَلَوْ سَرَقَ دَابَّةً لَا تُسَاوِي نِصَابًا فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا ، فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا
الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ .
( الْأَوَّلُ ) مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثَةٍ : الْإِقْرَارُ ، وَالْبَيِّنَةُ ، وَالدَّعْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَقٍّ عَلَى الْمُخْبِرِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الدَّعْوَى ، أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ الشَّهَادَةُ .
وَضَبَطَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِضَابِطٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ إنْ كَانَ ضَارًّا لِقَائِلِهِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَارًّا بِهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لَهُ أَوْ لَا ، وَالْأَوَّلُ ( هُوَ ) الدَّعْوَى ، وَالثَّانِي الشَّهَادَةُ .
انْتَهَى .
( وَالثَّانِي ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا ، لَا يَخْتَصُّ ( بِمُعَيَّنٍ ) ، وَيَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي ثَلَاثَةٍ : الرِّوَايَةُ ، وَالْحُكْمُ ، وَالْفَتْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ فَهُوَ الْحُكْمُ ، وَإِلَّا فَالْفَتْوَى .
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا ضَابِطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ .
وَمِنْ الْمُشْكِلِ اشْتِرَاطُهُمْ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ( شَهْرِ ) رَمَضَانَ ، وَفِي الْمُتَرْجِمِ ( وَالْمُسْمِع ) أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ فَكَيْفَ تَلْحَقُ بِالشَّهَادَةِ الْخَاصَّةِ
الْخَبَرُ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ ، فَإِذَا أَخْبَرَتَا طَلُقَتَا صَدَقَتَا أَوْ كَذَبَتَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْرُونِ بِالْبَاءِ وَغَيْرِهَا .
وَقَالَ الْفُورَانِيُّ ، لَوْ قَالَ مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَقَعْ ، إلَّا إذَا أَخْبَرَتْهُ صَادِقَةً لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَصَارَ فِي مَعْنَى شَرْطِ الْقُدُومِ فِي الْإِخْبَارِ .
وَمَنْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْوَاقِعِ هَلْ يُسَمَّى كَاذِبًا ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَأَخْبَرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ فَهَلْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ ، وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا - لِدُخُولِ التِّسْعِينَ فِي الْمِائَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ، لِذَا عُلِمَ الْحَالُ وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ التِّسْعِينَ بَعْضُ الثَّمَنِ ، وَفِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ ( الْبَيْعِ ) ، وَعَلَى هَذَا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ .
وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً ، ثُمَّ قَالَ كَذَبْت أَوْ هِيَ مُبْطَلَةٌ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهَا ، وَفِي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ ( اخْتَارَ ) صَاحِبُ التَّقْرِيبِ الْبُطْلَانَ لِأَنَّ الْكَذِبَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِمَا فِي الْخَارِجِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّخْصُ ذَلِكَ ، وَعَنْ صُورَةِ الْجَهْلِ احْتَرَزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ { مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ { وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالرِّسَالَةِ وَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِهَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا اعْتِقَادُهَا أَوْ الْإِخْبَارُ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْقِيَادِ وَمُوَاطَأَةُ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِكَذِبِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَلَهُمْ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ ( إذْ ) رَضُوا بِخَبَرٍ يُجَوِّزُونَ كَذِبَهُ جَوَازًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، ( فَذَلِكَ ) رِضًا بِالْكَذِبِ ، وَهَذَا فِي قَوْلِهِ مُبْطِلِينَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلظَّاهِرِ ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ .
الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ قَالَ الْإِمَامُ : قَالَ الْأَئِمَّةُ : تُعْتَبَرُ فِي ثَلَاثِ شَهَادَاتٍ : الشَّهَادَةِ عَلَى أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ ، وَعَلَى الْإِعْدَامِ .
قُلْت : وَالْأُولَيَانِ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الْأُمِّ ، وَشَرْطُ الثَّانِيَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ مُتَقَادِمَةً ، قَالَ الْإِمَامُ ، وَإِنَّمَا ( شَرَطْنَاهَا ) فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الشَّهَادَةِ فِيهَا ( السَّتْرُ ) عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَيْقَنُ ، وَلَكِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَنَازِلِ ، وَالِاكْتِفَاءِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَ تَعْدِيلُ الشُّهُودِ وَتَسْلِيمُ التَّرِكَاتِ لِلْوَرَثَةِ ، وَالِاكْتِفَاءُ وَلَتَخَلَّدَ الْحَبْسُ عَلَى الْمُعْسِرِ .
قَالَ : ثُمَّ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ مَنْ عَاشَرَهُ سَفَرًا وَحَضَرًا ، وَكَانَ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْقَاضِي خِبْرَتَهُمْ بِإِخْبَارِهِمْ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ( ذِكْرُهُ ) فِي صِيغَةِ الشَّهَادَةِ ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِهِ فَلَا إشْكَالَ .
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ صُورَةً رَابِعَةً ، وَهِيَ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ غَيْبَةَ وَلِيِّهَا ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ ( خَاصٌّ حَاضِرٌ ) ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ ؟ وَجْهَانِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا تُقْبَلُ فِي ( هَذِهِ ) إلَّا شَهَادَةُ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى حَالِهَا ، كَمَا فِي شَهَادَةِ الْإِعْسَارِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ .
وَخَامِسَةٌ ذَكَرَهَا الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ .
( وَسَادِسَةٌ ) مَنْصُوصَةٌ فِي الْمُخْتَصَرِ ( وَهِيَ ) الشَّهَادَةُ بِالرُّشْدِ .
{ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } ( هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ) وَمَعْنَاهُ مَا خَرَجَ مِنْ الشَّيْءِ مِنْ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ ( وَغَلَّةٍ ) فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عِوَضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ الْمِلْكِ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ ، فَالْغَلَّةُ لَهُ ، لِيَكُونَ الْغُنْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ سُؤَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ لَكَانَتْ الزَّوَائِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ تَمَّ الْعَقْدُ أَوْ انْفَسَخَ إذْ لَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ ( مِنْهُمْ ) بِذَلِكَ ، ( وَإِنَّمَا ) يَكُونُ لَهُ إذَا تَمَّ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَرَاجَ يُعَلَّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْمِلْكِ وَبَعْدَهُ بِالضَّمَانِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا ، وَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْدَ الْبَائِعِ ، وَأَقْطَعُ لِطَلَبِهِ وَاسْتِبْعَادِهِ أَنَّ الْخَرَاجَ لِلْمُشْتَرِي ( يَبْذُلُهُ ) ، ( فَقِيلَ لَهُ ) إنَّ الْغُنْمَ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ .
الثَّانِي : لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ ( الضَّمَانَ ) لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الزَّوَائِدُ لِلْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَمَانِ غَيْرِهِ ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ أَشَدَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا أَوْلَى وَبِهَذَا اُحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ( فِي ) أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ .
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْمِلْكِ وَجَعَلَ الْخَرَاجَ لِمَنْ هُوَ مَالِكُهُ إذَا تَلِفَ } ( تَلِفَ ) عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَالْغَاصِبُ لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْخَرَاجَ هُوَ الْمَنَافِعُ جَعَلَهَا لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ ، بَلْ إذَا أَتْلَفَهَا ، ( فَالْخِلَافُ ) فِي ضَمَانِهَا عَلَيْهِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ ، وَهَذَا جَوَابُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) .
نَعَمْ ، خَرَجَ عَنْ ( هَذَا
مَسْأَلَةٌ ) ، وَهِيَ مَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا ، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ ( لِابْنِهَا ) ، وَلَوْ جَنَى ( جِنَايَةً ) خَطَأً فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا دُونَهُ وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْعَصَبَاتِ يَعْقِلُ وَلَا يَرِثُ .
الْخُطَبُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَرْبَعٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَرْبَعٌ فِي الْحَجِّ ، وَأَرْبَعٌ فِي النِّكَاحِ .
فَالْأُوَلُ : خُطْبَتَا الْجُمُعَةِ وَهُمَا فَرْضَانِ ، وَخُطْبَتَا الْعِيدَيْنِ ، وَهُمَا سُنَّةٌ ، وَكَذَلِكَ خُطْبَتَا الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَكُلُّهَا مَثْنَى إلَّا الْكُسُوفَ فَتُجْزِئُ ( فِيهَا ) وَاحِدَةٌ عَلَى النَّصِّ ، حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ .
وَالثَّانِي : يَوْمَ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهِيَ فَرْدَةٌ ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ ( خُطْبَتَيْنِ ) قَبْلَ الظُّهْرِ وَخُطْبَةٌ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ .
( وَخُطْبَةُ يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالْجَمْعِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ) ، إلَّا خُطْبَةَ عَرَفَةَ ، فَإِنَّهَا قَبْلَهَا كَالْجُمُعَةِ .
وَالثَّالِثُ : الْخُطْبَةُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ ، وَعِنْدَ إجَابَةِ الْوَلِيِّ وَعِنْدَ الْعَقْدِ وَخُطْبَةُ الزَّوْجِ عِنْدَ الْقَبُولِ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْدَادِ ، فَقَالَ : كُلُّهَا سُنَّةٌ ، إلَّا الْجُمُعَةُ وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ ( فَهُمَا فَرْضٌ يُفْعَلَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ ) وَكَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ ( الْعِيدِ كُلُّهَا ) ( تَتَعَقَّبُ ) الصَّلَاةَ ، إلَّا الْجُمُعَةَ وَعَرَفَةَ قَالَ وَمَا يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ ، وَمَا يَتَعَقَّبُهَا سُنَّةٌ .
الْخَطَأُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ } ، أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ ، إنْ لَمْ يُؤْمَنْ ( وُقُوعُ ) مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُولِ ثَانِيًا ، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ .
وَمِثْلُهُ الْأَكْلُ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا وَمُفْسِدُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ ، إذَا أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ قَضَاءٍ وَاحِدٍ .
وَلَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا ، ثُمَّ بَانَ الْخَطَأُ عَامًّا ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ حَجًّا كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ ( أَوْ عُمْرَةً ) ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ ، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَلَا يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ، فَيَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ .
وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلَافِهِ ، لَا يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ .
وَلَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي أَوَانِ أَوْ ثِيَابٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي ( تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ ) كَانَ نَجِسًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ .
وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ ، وَلَوْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ لَهَا سُتْرَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ ، إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ ، كَالَّتِي قَبْلَهَا .
وَلَوْ
تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ وَلَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ جَامَعَ بِاجْتِهَادٍ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَكَانَ قَدْ ( طَلَعَ ) ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ وَلَمْ ( تَغْرُبْ ) لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ ( أَوْ اجْتَهَدَ ) فِي الصِّيَامِ فَوَافَقَ شَعْبَانَ وَتَبَيَّنَ الْحَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا فَبَرِئَ ، أَوْ غَلِطُوا ( فَوَقَفُوا ) بِعَرَفَةَ الثَّامِنَ ، أَوْ رَأَوْا سَوَادًا ( فَظَنُّوهُ ) عَدُوًّا ، فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَبَانَ خِلَافُهُ أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ ( قَوْلَانِ وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ أَوْ أَقْوَى ، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ ) .
الْخَلْطُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ وَلِهَذَا لَوْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَمِنَ .
وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا فَهُوَ إهْلَاكٌ ، حَتَّى يَنْتَقِلَ ( ذَلِكَ ) الْمَالُ إلَيْهِ وَيَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلُهُ ، وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ هَلَاكًا فِي ( الْفَلَسِ ) ، فَإِذَا خَلَطَ الْمُشْتَرِي صَاعُ ( الْبَائِعِ ) بِصَاعٍ مِثْلِهِ ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ أَخَذَ الْبَائِعُ صَاعًا مِنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَسْلُكُوا بِهِ فِي الْبَيْعِ مَسْلَكَ الْغَصْبِ ، وَلَا الْفَلَسِ ، بَلْ جَعَلُوهُ ( تَعْيِيبًا ) ، فَقَالُوا : لَوْ بَاعَ فَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ لِبَقَاءِ ( الْمَبِيعِ ) ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي .
وَلَوْ اخْتَلَطَ الثَّوْبُ بِأَمْثَالِهِ وَالشَّاةُ الْمَبِيعَةُ بِأَمْثَالِهَا ، فَالصَّحِيحُ الِانْفِسَاخُ .
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ ، لَوْ غَصَبَ دَرَاهِمَ أَوْ حِنْطَةً مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا ، ثُمَّ خَلَطَ الْجَمِيعَ ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ ، ثُمَّ فَرَّقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْمَخْلُوطِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَإِنْ ( فَرَّقَ ) عَلَى بَعْضِهِمْ لَزِمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى ( الْبَاقِينَ ) بِالنِّسْبَةِ إلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا لَا مُسْتَهْلَكًا .
وَلَوْ أَوْصَى بِحِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، ثُمَّ خَلَطَهَا كَانَ رُجُوعًا فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ إنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ فَرُجُوعٌ .
وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ فِي الْأَصَحِّ ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بِالْخَلْطِ زِيَادَةً لَمْ يَرْضَ بِتَسْلِيمِهَا ، أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا إذْ الْمُوصَى بِهِ كَانَ مُشَاعًا ، فَلَا تَضُرُّهُ زِيَادَةُ الْخَلْطِ وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الْأَصَحِّ .
وَفِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ لِلْمَرْعَشِيِّ ، ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ ، لَوْ خَلَطَ
الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْحُبُوبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ( كَذَلِكَ ) وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ ، لِإِمْكَانِ تَمْيِيزِهَا ، وَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ ( مِنْهُمَا ) بَقِيَّةً ، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ فِضَّةً مُخْتَلِطَةً بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَجْهُولٌ فَهُوَ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ الَّذِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَنْعِ الْمُعَامَلَةِ بِالْمَغْشُوشِ .
الْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ ( هَلْ ) يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ( خُلْفِ ) الْعَيْنِ الضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا قَامَ الْوَصْفُ فِيهِ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ كَالنِّكَاحِ ، فَإِذَا شَرَطَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَصْفَ إسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَأَخْلَفَ فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ ، وَيَتَخَيَّرُ إنْ بَانَ دُونَ الْمَشْرُوطِ .
وَأَمَّا مَا لَا يُغْنِي فِيهِ الْوَصْفُ عَنْ الرُّؤْيَةِ كَالْبَيْعِ ، فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ قَطْعًا ، فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ ، فَبَانَ خِلَافَهُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ قَطْعًا ، وَلَكِنْ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ ، وَمِنْ ذَلِكَ بَدَلُ الْخُلْعِ ، فَإِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْمَرْوِيِّ ، أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ ، وَكَانَ هَرَوِيًّا فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ ، قَالَ الْإِمَامُ ، وَقَطَعَ الْأَئِمَّةُ أَجْوِبَتَهُمْ بِهِ ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَلَا نَظَرَ إلَى خُلْفِ الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْخَلِّ أَوْ هَذَا الْعَبْدِ فَبَانَ خَمْرًا أَوْ حُرًّا ، فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ ، فَإِذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ ، فَخُلْفُ الصِّفَةِ أَوْلَى .
وَمِنْ هَا هُنَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ( السَّرَخْسِيِّ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ لِحَاظِ أَنَّ الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ أَمْ لَا .
وَمِنْهَا ، لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ ( عَمْدًا ، فَأَقَرَّ ) بِالْقَتْلِ وَنَفَى الْعَمْدَ ، فَهَلْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ، كَمَا فِي أَصْلِ الْقَتْلِ .
وَالثَّانِي : لَا ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ آكَدُ مِنْ الصِّفَةِ ، فَإِذَا حَلَفَ فَهَلْ لِلْمُدَّعِي طَلَبُ الدِّيَةِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً ( أَمْ ) تَلَقِّيًا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ طَلَبُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْخُلْفَ فِي
الصِّفَةِ ، هَلْ هُوَ كَالْخُلْفِ فِي الْمَوْصُوفِ ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مِنْ النِّكَاحِ ، إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَكَأَنَّهُ ادَّعَى مَالًا وَاعْتَرَفَ بِمَالٍ آخَرَ لَا يَدَّعِيهِ ، وَإِنْ قُلْنَا لَا ، طَالَبَ بِالدِّيَةِ ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ .
أَمَّا اخْتِلَافُ الْجِنْسِ ، فَهَلْ هُوَ ( كَاخْتِلَافِ ) الْعَيْنِ أَوْ الصِّفَةِ ؟ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَلِهَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا ( أَوْ عَكْسَهُ ) فَالْأَصَحُّ فَسَادُ الْعِوَضِ لِمَا ( ذَكَرْنَاهُ ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَ عَلَى عَبْدٍ فَقَبَضَ أَمَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : لَوْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا فَسَدَ الْبَيْعُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْعِوَضِ يُصَحِّحُ صُورَةَ الْبَيْعِ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَلَوْ رَدَّ الْعَقْدَ فِي الصَّرْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ ، وَخَرَّجَ أَحَدُهُمَا نُحَاسًا بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَقِيلَ لَا تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ ، وَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ( إذَا ) اشْتَرَى زُجَاجَةً ظَنَّهَا جَوْهَرَةً يَصِحُّ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ .
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْجِهَةِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمَذْهَبِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ ، فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ أَعْتَقْت هَذَا الْعَبْدَ فَأَنْكَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ الرَّاكِبُ أَعَرْتنِي هَذِهِ الدَّابَّةَ ، وَقَالَ الْمَالِكُ ( غَصَبْتهَا ) خَرَّجَهُ الْبَغَوِيّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ لَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مُتَّحِدَةٌ ، وَلَا أَثَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْعَيْنِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَنْ ضَمَانٍ فَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَاخْتِلَافُ الْجِهَةِ لَا يَمْنَعُ ( الْأَخْذَ ) ، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ صَحَّحَ فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَآخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ عَنْ قَرْضٍ عَدَمَ اللُّزُومِ وَبَنَاهُ عَلَى مَسْأَلَةِ
الْإِقْرَارِ ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَا يَصِحُّ ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ تَوَارُدِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ .
الْخِلَافُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِاجْتِنَابِ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ وَفِعْلِ مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ ، إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُصِيبُ ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا كَانَ يُجَوِّزُ خِلَافَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَنَظَرَ فِي مُتَمَسِّكِ مُخَالِفِهِ ، فَرَأَى لَهُ مَوْقِعًا ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَهُ عَلَى وَجْهٍ ، وَكَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ ، إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَامًا لِمَا فِي الْمُخَالَفَةِ مِنْ الْخُرُوجِ ( عَلَى ) الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) أَنَّهُ عَابَ عَلَى عُثْمَانَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) صَلَاتَهُ بِمِنًى أَرْبَعًا وَصَلَّى مَعَهُ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : الْخِلَافُ شَرٌّ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ أَطْلَقَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْأَصْحَابِ ، قِيلَ وَيَعْنِي بِهِ ( ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ حَيْثُ وَقَعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَرُّطِ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَمَا أَطْلَقَهُ ، بَلْ الْخِلَافُ أَقْسَامٌ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ ( بِالِاجْتِنَابِ ) أَفْضَلُ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِيجَابِ ، فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الشَّرْعِيَّةِ ، كَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ ، فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، ( وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْحَدِيثِ ) ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، " فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ " .
قَالَ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ ، إنْ كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ ، فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْأَدِلَّةُ ،
بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ كُلَّ الْبُعْدِ ، فَهَذَا مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ حَذَرًا مِنْ كَوْنِ الصَّوَابِ مَعَ الْخَصْمِ انْتَهَى .
قُلْت : لِمُرَاعَاتِهِ شُرُوطٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْمُخَالِفِ قَوِيًّا ، فَإِنْ كَانَ وَاهِيًا لَمْ " يُرَاعَ " - كَالرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرَهَا وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا لَا يَصِحُّ لَهَا مُسْتَنَدٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُعَارِضَةٌ لَهَا ، وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ " عَطَاءٍ " مِنْ إبَاحَةِ وَطْءِ الْجَوَارِي بِالْعَارِيَّةِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ : إنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ ، " ؛ لِأَنَّهُمْ " لَمْ يُصَحِّحُوا النَّقْلَ عَنْهُ " فَإِنَّا " نَقُولُ وَلَوْ صَحَّ فَشُبْهَتُهُ " ضَعِيفَةٌ ، لَا أَثَرَ لَهَا " ، فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تُبَاحُ بِالْإِذْنِ ، كَمَا فِي بِضْعِ الْحُرَّةِ فَصَارَ كَشُبْهَةِ الْحَنَفِيِّ فِي النَّبِيذِ ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَذَاهِبِ السَّالِفَةِ ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ فِي مَذْهَبِنَا كَخِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا حُرِّمَ لِقُرْبِ عَهْدِ النَّاسِ " بِالْأَصْنَامِ " .
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَفَّالِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ ، وَأَنَّ ضَعْفَ الْمَأْخَذِ إذَا كَانَ فِيهِ احْتِيَاطٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ ، إذَا نَقَصَ " مِنْ " " الْقُلَّتَانِ " شَيْءٌ يَسِيرٌ " وَوَقَعَ فِيهِمَا " نَجَاسَةٌ ، قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يَقُولُ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ " رَطْلٍ " تَحْدِيدًا ، فَإِذَا نَقَصَ شَيْءٌ وَوَقَعَ فِيهَا نَجَسٌ تَأَثَّرَتْ وَحِينَئِذٍ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يَقْضِي بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ يُسْتَحَبُّ " التَّحْجِيلُ " فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ عِنْدَ " الْأَزْهَرِيِّ " ، مَسْحَ جَمِيعِ " الْيَدِ " وَاجِبٌ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ
عَنْ الْخِلَافِ ، هَذَا مَعَ ثُبُوتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالِاقْتِصَادِ عَلَى الْكَفَّيْنِ .
الثَّانِي : أَنْ لَا تُؤَدِّيَ مُرَاعَاتُهُ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ ، كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَيُفْرِدُهُمَا بِالْغَسْلِ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ أَوْ عُضْوَانِ مُسْتَقِلَّانِ فَوَقَعَ فِي خِلَافِ الْإِجْمَاعِ ، " إذْ " لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْجَمْعِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَنْ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ فَغَالَطَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وَالْأَصْحَابَ اسْتَحَبُّوا غَسْلَ " النَّزْعَتَيْنِ " مَعَ الْوَجْهِ مَعَ أَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ فِي الرَّأْسِ أَيْ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ هُمَا مِنْ الْوَجْهِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ " بِوُجُوبِ " غَسْلِهِمَا وَمَسْحِهِمَا ، وَمَعَ ذَلِكَ اسْتَحَبُّوهُ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ مُمْكِنًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَا يُتْرَكُ الرَّاجِحُ عِنْدَ مُعْتَقَدِهِ لِمُرَاعَاةِ الْمَرْجُوحِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ اتِّبَاعِ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ قَطْعًا .
وَمِثَالُهُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي اشْتِرَاطِ الْمِصْرِ الْجَامِعِ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ ، لَا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّ أَهْلَ الْقُرَى إذَا بَلَغَتْ الْعَدَدَ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُمْ ، وَلَا " يَجْزِيهِمْ " الظُّهْرُ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ .
وَمِثْلُهَا أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا إنَّ مَنْ تَقَدَّمَ الْإِمَامَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِهَذَا الْوَجْهِ ، لَا يُمْكِنُ مَعَهُ مُرَاعَاةُ الْقَائِلِ بِأَنَّ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ مَرَّتَيْنِ مُبْطِلٌ ، إلَّا أَنْ يَخُصَّ الْبُطْلَانَ بِغَيْرِ " الْعُذْرِ " .
" وَمِثْلُهَا " أَيْضًا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ ، وَقَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ
أَصْحَابِنَا إنَّ هَذَا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ مُطْلَقًا وَيَصِيرُ بَعْدَهُ قَضَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا وَجْهًا ضَعِيفًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافِهِمَا جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ ، فَإِنَّ عِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ " أَنْ " يَخْرُجَ وَقْتُ الْجَوَازِ بِالْأَسْفَارِ وَذَلِكَ الْوَقْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " هُوَ الْأَفْضَلُ قُلْت يُمْكِنُ " بِفِعْلِهَا " مَرَّتَيْنِ فِي الْوَقْتَيْنِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَضْعُفُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ ، إذَا أَدَّى " الْمَنْعَ " مِنْ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ بِالْكَرَاهَةِ أَوْ الْمَنْعِ كَالْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتَكَرَّرُ فِي السَّنَةِ ، وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " إنَّهَا تُكْرَهُ " لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ " فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَلَيْسَ التَّمَتُّعُ مَشْرُوعًا لَهُ وَرُبَّمَا قَالُوا إنَّهَا تُحَرَّمُ فَلَا يَنْبَغِي لِلشَّافِعِيِّ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ ، لِضَعْفِ مَأْخَذِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلِمَا يُفَوِّتُهُ مِنْ كَثْرَةِ الِاعْتِمَارِ ، وَهُوَ مِنْ الْقُرُبَاتِ الْفَاضِلَةِ .
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ تَعَبُّدٍ كَالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ يَجِبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْشَاقُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ ثَمَانِي مَرَّاتٍ وَالْغَسْلُ مِنْ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثًا " لِخِلَافِ " أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَسَبْعًا لِخِلَافِ أَحْمَدَ ، وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِخِلَافِ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِهَا ، وَالتَّبْيِيتُ فِي نِيَّةِ صَوْمِ النَّفْلِ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وُجُوبُهُ ، وَإِتْيَانُ الْقَارِنِ بِطَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) يُوجِبُهَا وَكَذَلِكَ التَّنَزُّهُ عَنْ بَيْعِ الْعِينَةِ وَنَحْوُهُ " مِنْ " الْعُقُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا
.
وَأَصْلُ هَذَا الِاحْتِيَاطِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ : فَأَمَّا أَنَا فَأُحِبُّ أَنْ لَا أَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ احْتِيَاطًا عَلَى نَفْسِي .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أَفْتَى بِمَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ أَيْ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ ثُمَّ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ اخْتِيَارًا لَهَا ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَرَادَ خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمَرِيضِ الْقَاعِدِ قَائِمًا الْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ صَحِيحًا يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَكَقَوْلِهِ إذَا حَلَفَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَفِّرَ بِالْمَالِ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَقَدْ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ شَرَطَ لِلْقَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ فَكَانَ يَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ وَالْجَوَابُ ضَعْفُ دَلِيلَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَقُوَّةُ دَلِيلِهَا .
وَمِنْ هُنَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ لِلْمُسَافِرِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ " بِهِ " وَإِنْ كَانَتْ الظَّاهِرِيَّةُ لَا يَرَوْنَهُ جَائِزًا إذْ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ فِيمَا ضَعُفَ مَأْخَذُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ إنَّ الشَّافِعِيَّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " اعْتَبَرَ خِلَافَ " دَاوُد " فِي الْكِتَابَةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ فَقَدْ " غَلَّطَهُ " فِيهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ فَإِنَّ دَاوُد لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ الشَّافِعِيِّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ " .
قُلْت : إنَّمَا أَرَادَ دَاوُد بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارَ " " أَحَدَ أَشْيَاخِ " الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " سَمِعْت ذَلِكَ " عَنْ " بَعْضِ الْأَشْيَاخِ .
سُؤَالٌ : " لِمَ اعْتَبَرْتُمْ " الْخِلَافَ وَإِنْ وَهِيَ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ فِي مَسْأَلَةِ عَطَاءٍ فِي إبَاحَةِ الْجَوَارِي فَلَمْ تُوجِبُوا الْحَدَّ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ تَعْتَبِرُوا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ بَلْ أَوْجَبْتُمْ الْقِصَاصَ جَزْمًا فَهَلَّا أَجْرَيْتُمْ خِلَافًا كَمَا أَجْرَيْتُمْ
فِي مَسْأَلَةِ عَطَاءٍ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ بِأَنَّ عَطَاءً أَجَلُّ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُثْقَلِ فَمِنْ ثَمَّ اُعْتُبِرَ عَلَى رَأْيٍ وَإِنْ ضَعُفَ وَهَذَا جِوَابُ بِالْجَاهِ فَإِنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى الْقَائِلِينَ وَإِنَّمَا نَنْظُرُ إلَى الْأَقْوَالِ وَمَآخِذِهَا .
" وَإِنَّمَا الْجَوَابُ " أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " لَمْ يَقُلْ بِحِلِّ قَتْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْمُثْقَلِ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ عَظِيمٌ مِنْ الْوِزْرِ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهِ وَعَطَاءٌ أَبَاحَ الْجَوَارِي بِالْعَارِيَّةِ فَلَوْ أَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي الْمُثْقَلِ مَا أَبَاحَهُ عَطَاءٌ فِي الْجَوَارِي لَرُوعِيَ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافِقٌ لَنَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَمَنْ عَلِمَ حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَمْ يَنْفَعْهُ جَهْلٌ بِالْحَدِّ بِخِلَافِ مَنْ جَهِلَ الْحُرْمَةَ أَوْ يُنَازِعُ فِيهَا .
فَائِدَةٌ : قَالُوا يَجِبُ الْحَدُّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إنْ صَحَّ رُجُوعُ " ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ " زُفَرَ " " رَحِمَهُ اللَّهُ " أَنَّهُ أَلْغَى التَّأْقِيتَ وَصَحَّحَ النِّكَاحَ مُؤَبَّدًا فَيَسْقُطُ الْحَدُّ لِذَلِكَ وَيُعَضِّدُهُ أَنَّهُ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ السَّلَفِ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الرُّجُوعُ فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ رُجُوعَ ابْنِ عَبَّاسٍ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " فَقَدْ أَجْمَعُوا بَعْدَهُ عَلَى بُطْلَانِهَا .
فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ اتَّفَقَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ( وَجَبَ ) الْحَدُّ وَإِلَّا فَلَا كَالْوَطْءِ فِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ .
وَقَدْ يُقَالُ فِي الْجَزْمِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ مُحَقَّقٌ وَإِنْ ادَّعَى
الْأَوَّلُ نَفْيَهُ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ إذَا أَذِنَ " الرَّاهِنُ " لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ قِيلَ لَا يُحَدُّ لِخِلَافِ عَطَاءٍ .
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ فَقِيلَ إنَّ هَذَا يَبْطُلُ " بِنِكَاحِ " الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ قَائِلٌ الْيَوْمَ فَقَالَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِهِ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِ الْخِلَافِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْأَخْبَارُ فِيهِ كَثِيرَةٌ بِخِلَافِ هَذَا .
قِيلَ لَهُ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْنَ شُرْبِ الْمُسْكِرِ حَيْثُ أُوجِبَ الْحَدُّ هُنَاكَ وَلَمْ يُوجَبْ هَا هُنَا فَقَالَ : ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ هُنَاكَ وَقَعَ فِي الْحَدِّ ، وَالْخِلَافُ فِي الْحَدِّ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ كَمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ وَلَا نَظَرَ إلَى الْخِلَافِ كَذَا هَا هُنَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَقَعَ فِي إبَاحَةِ ذَلِكَ الْوَطْءِ وَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ قِيلَ لَهُ وَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ شُرْبَهُ مُبَاحٌ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا لَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " مُبَاحٌ ، فَلَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ بِشَيْءٍ .
وَكَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ دُوَيْرٌ الْكَرْخِيُّ عَلَى الْحَاشِيَةِ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ : حَدُّ الْخَمْرِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْمَفَاسِدِ وَالْقَلِيلُ يَدْعُو إلَى الْكَثْرَةِ الْمُفْسِدَةِ فَزُجِرَ عَنْهُ تَأْكِيدًا وَهُوَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَحَدُّ الزِّنَى لِإِفْسَادِ الْفَرْشِ فِي مَوْضِعِ " إتْيَانِ " الْأَمَةِ وَذَلِكَ حُكْمٌ لَمْ يَثْبُتْ هَا هُنَا مَعَ إجَازَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مُضَافًا إلَى الشَّرْعِ بِالدَّلِيلِ فَلِذَلِكَ " سَقَطَ " " وَلِهَذَا " لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ .
الثَّانِي : إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ شَيْءٍ فَأَتَى بِهِ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ احْتِيَاطًا كَالْحَنَفِيِّ يَنْوِي فِي الْوُضُوءِ وَيُبَسْمِلُ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَتَصِيرُ الْعِبَادَةُ مِنْهُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ ؟ قَالَ " الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ " لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ ، وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ " مِمَّنْ يُخَالِفُهُ " لَا تَكُونُ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ يَخْرُجُ لِأَجَلِ وُجُودِ الْفِعْلِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ حَنَفِيٌّ هَذَا حَالُهُ وَآخَرُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ فَالصَّلَاةُ خَلْفَ الثَّانِي أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالْأَوَّلِ عَنْ الْخِلَافِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَوْ قَلَّدَ فِيهِ " فَكَذَلِكَ " لِلْخِلَافِ فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ .
فَإِنْ قِيلَ هَلْ مِنْ طَرِيقٍ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ .
قُلْت قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ إيجَابِهِ لَا يَكْفِي عَلَى رَأْيٍ ، وَتَقْلِيدُ مَنْ يَرَى الْوُجُوبَ " فِيهِ " وَاعْتِقَادَ " حَقِيقَتِهِ " لَا يَكْفِي أَيْضًا ؛ لِأَنَّ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَذَاهِبِ خِلَافٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّرَ فِعْلَ ذَلِكَ لِيَقَعَ وَاجِبًا وَلَوْ مَسَحَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ وَصَلَّى خَلْفَهُ الْمَالِكِيُّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَلَا يَجْرِي فِيهِ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ لِأَمْرَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إذَا مَسَحَ الْجَمِيعَ يَقَعُ وَاجِبًا عَلَى رَأْيٍ عِنْدَنَا .
الثَّانِي : أَنَّ " الْإِمَامَ " الشَّافِعِيَّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " " بَدَأَ " فِي " نِيَّةِ " الْوُضُوءِ بِإِجْمَاعٍ وَهَذِهِ النِّيَّةُ اقْتَضَتْ عِنْدَ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ ، " وُجُوبَ مَسْحِ الرَّأْسِ فَوَقَعَ مَسْحُ الرَّأْسِ بِنِيَّةٍ وَاجِبَةٍ ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ النِّيَّةِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ " غَيْرُ " وَاجِبٍ لِدُخُولِهِ فِي النِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ فَظَهَرَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ خَرَجَ مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ "
وَإِنْ اعْتَقَدَ النَّدْبَ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ .
" نَعَمْ " يَنْبَغِي أَنْ يَمْسَحَ الْجَمِيعَ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، فَإِنْ مَسَحَ بِنِيَّةِ النَّدْبِ كَانَ صَارِفًا عَنْ وُقُوعِهِ عَنْ الْإِيجَابِ عِنْدَ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ " .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْقَفَّالِ يَقْتَضِي مُوَافَقَةَ الْأُسْتَاذِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ اخْتِيَارِي أَنْ أُوتِرَ بِرَكْعَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيَكُونَ احْتِيَاطًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي الْقَصْرِ فِي " ثَلَاثٍ " قُلْنَا : هَذَا لَا يُشْبِهُ ذَاكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ وَقَعَدَ فِي " الثَّانِيَةِ " لِلتَّشَهُّدِ كَمَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " لَا يَكُونُ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ وَإِنْ اتَّفَقَ الْفِعْلَانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " يُؤَدِّي الْوِتْرَ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْوِتْرَ فَقَطْ لَا يَكُونُ أَيْضًا خُرُوجًا بِالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ وَإِنْ نَوَى الْوِتْرَ لَا يَكُونُ ( تَامًّا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ لِتَضَادِّ الِاعْتِقَادِ وَفِيمَا دُونَ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ الْإِتْمَامُ ) أَوْلَى مِنْ الْقَصْرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ حِينَئِذٍ نَأْمُرُهُ بِالْقَصْرِ فَيَنْتَقِلُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ بِيَقِينٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْإِنْكَارَ مِنْ الْمُنْكِرِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا " اُجْتُمِعَ " عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إنْكَارَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَا نَعْلَمُهُ ، وَلَمْ يَزَلْ " الْخِلَافُ " بَيْنَ السَّلَفِ فِي الْفُرُوعِ وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا وَهَذَا إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَا يَرَى تَحْرِيمَهُ فَإِنْ كَانَ يَرَاهُ فَالْأَصَحُّ الْإِنْكَارُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَلِيمَةِ .
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ شَرِبَ الْحَنَفِيُّ النَّبِيذَ حَدَدْنَاهُ وَأَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ الْحَدِّ ، قُلْنَا : لِأَنَّ الْحَدَّ إلَى الْإِمَامِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ عَقِيدَتُهُ وَالْإِنْكَارُ " يَعْتَمِدُهُ " عَقِيدَةُ الْفَاعِلِ وَلِهَذَا لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .
جج44444444444444444.==================
ج4.كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الرَّابِعُ : قَدْ يُرْتَكَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ الْخِلَافُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَلَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ اسْتِقْرَارُهُ عَلَيْهِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْسُنْ نَقْلُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَجْهًا فِي صَوْمِ النَّفْلِ بَعْدَ الْأَكْلِ قَبْلَ الزَّوَالِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ " الْمُرَافَعَةِ " ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْ " أَبِي يَعْقُوبَ الْأبِيوَرْدِيِّ " جَوَازَ طَوَافِ الْوَدَاعِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، قَالَ الْإِمَامُ ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا مِنْ حَيْثُ " إنَّهُ " أَلْزَمُ وَقِيلَ لَهُ : لَوْ جَازَ جَبْرُ طَوَافِ " الْوَدَاعِ بِالدَّمِ " لَجَازَ جَبْرُ الطَّهَارَةِ " بِهِ " كَالدَّمِ فَارْتَكَبَهُ ، وَقَالَ يُجْبَرُ بِالدَّمِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، فَإِنَّ الْجَبْرَ لِلطَّوَافِ لَا لِلطَّهَارَةِ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْحَابِ إنَّ الْمَنْصُورَ فِي الْخِلَافِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ طَلَاقٌ .
الْخَامِسُ : ذَكَرَ " ابْنُ هُبَيْرَةَ " فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ " قَدْ " يَتَعَذَّرُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ ، كَمَا فِي الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " هُوَ السُّنَّةُ ( وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وَأَحْمَدَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " الْإِسْرَارُ هُوَ السُّنَّةُ ) ، وَعِنْدَ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ " التَّرْكُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ الْمَنْعُ مَعَ الْأَكْثَرِ كَانَ هُوَ الْأَوْلَى ، هَذَا فِي الْمُقَلِّدِ ، فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَمَعَ اجْتِهَادِهِ ، قَالَ : عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْيَوْمَ لَا يُتَصَوَّرُ لِاجْتِهَادِهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ تَحَرَّرَتْ فِي الْمَذَاهِبِ ثَمَرَةٌ ؛ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ " رَحِمَهُمُ اللَّهُ " الْمُتَقَدِّمِينَ قَدْ فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَتَوْا بِمَبَالِغِ الْأَقْسَامِ لَهَا فَلَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ ، إلَّا إلَى مِثْلِ مَذْهَبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى .
وَمِنْ هَذَا " أَيْضًا " قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْوَرَعُ عَلَى الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، كَمَا إذَا كَانَ لِيَتِيمٍ عَلَى يَتِيمٍ حَقٌّ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ ، فَلَا " يُمْكِنُهُ " الصُّلْحُ هَا هُنَا " إذْ لَا " يَجُوزُ الْمُسَامَحَةُ بِمَالِ أَحَدِهِمَا ، وَعَلَى الْحَاكِمِ التَّوَرُّطُ فِي الْخِلَافِ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ .
السَّادِسُ : إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إيقَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى أَوْجُهٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ ( رَحِمَهُمُ اللَّهُ ) مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةَ التَّرْجِيحِ بِاخْتِيَارِ " أَحَدِهِمَا " ، وَهِيَ طَرِيقَةُ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " غَالِبًا .
وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَةَ الْجَمْعِ بِفِعْلِهَا فِي أَوْقَاتٍ وَيَرَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ الْجِنْسِ الْمُبَاحِ ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا " الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ " ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " " حَدِيثَ التَّوَجُّهِ " لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ .
وَمِنْهَا " أَحَادِيثُ التَّشَهُّدِ " وَرَجَّحَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " " أَحَادِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِمُوَافَقَتِهِ لِلْقُرْآنِ ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْدَثِ .
وَمِنْهَا كَيْفِيَّةُ قَبْضِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى الرُّكْبَةِ فِي التَّشَهُّدِ " فِيهِ أَوْجُهٌ " لِاخْتِلَافِ " الْأَحَادِيثِ " ، " وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ يَضَعُهَا تَحْتَ الْمِسْبَحَةِ ، كَأَنَّهُ عَاقِدٌ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ : وَكَيْفَ مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْهَيْئَاتِ ، فَقَدْ أَتَى بِالسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ وَرَدَتْ بِهَا جَمِيعًا وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصْنَعُ هَكَذَا مَرَّةً وَهَكَذَا مَرَّةً ، كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ .
وَمِنْهَا الْجَمْعُ فِي إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْحَيْعَلَةِ وَالْحَوْقَلَةِ عَمَلًا " بِحَدِيثِ التَّفْصِيلِ " " وَالْإِطْلَاقِ " ، " لَكِنَّ " الْإِمَامَ " الشَّافِعِيَّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " أَخَذَ بِحَدِيثِ التَّفْصِيلِ " ؛ لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ مُبَيِّنٌ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى " الْمُجْمَلِ " وَمِنْهَا الْخِلَافُ فِي تَثْنِيَةِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُبَاحِ ، وَلَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا قَوْلٌ " مُنْطَرِحٌ " بِإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ
عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَوْلَاهُ وَأَفْضَلِهِ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ " نَحْوَ مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ .
وَمِنْهَا الِاخْتِلَافُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ " وَبَعْدَهُ " ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " قَبْلَ السَّلَامِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثُ الْأَمْرَيْنِ وَفِي مَوْضِعٍ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَحُمِلَ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِنَقْصٍ وَبَعْدَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِزِيَادَةٍ وَحُمِلَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْأَنْوَاعِ الْمَشْهُورَةِ ، وَنَزَّلَهَا الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " عَلَى كَوْنِ الْعَدُوِّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ تَارَةً ، وَعَلَى " مَا إذَا " " لَمْ يَكُنْ " أُخْرَى وَأَخَذَ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ " بِرِوَايَةِ سَهْلٍ " وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهَا أَحْوَطُ لِلْحَرْبِ وَأَقَلُّ مُخَالَفَةً لِقَاعِدَةِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا عَدَدُ التَّكْبِيرَاتِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مَا وَرَدَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ ، وَالْجَمِيعُ سَائِغٌ ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ .
نَعَمْ ، لَوْ خَمْسٌ عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ ، " لِثُبُوتِهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا فَعَلَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ ، وَإِلَّا فَيَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَابِثِ .
وَمِنْهَا " قَوْلُهُ " اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَيُرْوَى " بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ " ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ ، بَلْ الْأَوْلَى تَنْزِيلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ ، فَتَقُولُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً .
الْخِيَارُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : شُرِعَ لِدَفْعِ الْغَبْنِ ، وَهُوَ إمَّا لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَوَقَّعٍ ، وَهُوَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَالشَّرْطِ ، فَإِنَّهُمَا إنَّمَا ثَبَتَا لِضَرَرٍ يَتَوَقَّعُ الْعَاقِدُ حُصُولَهُ فَيَسْتَدْرِكُهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ مُدَّةِ الْخِيَارِ وَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ .
وَإِمَّا لِدَفْعِ ضَرَرٍ وَاقِعٍ كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالشُّفْعَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ ، وَخِيَارِ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ .
ثُمَّ الْخِيَارُ إنْ كَانَ مُقَدَّرًا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَخِيَارِ التَّصْرِيَةِ ، إذَا قَدَّرْنَاهُ بِهَا فَلَا يُوصَفُ بِفَوْرٍ وَلَا بِتَرَاخٍ .
وَإِمَّا أَنْ لَا يُقَدَّرَ ، وَالضَّابِطُ فِيهِ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَأْخِيرِ الِاخْتِيَارِ ضَرَرٌ عَلَى " مَنْ يُقَابِلُهُ " ، فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : الْإِجَارَةُ ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَيْبِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ تَعَذُّرُ نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ وَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ ، لَوْ أَجَازَ ثُمَّ بَدَا لَهُ مُكِّنَ مِنْ الْفَسْخِ إنْ كَانَ يَرْجُو زَوَالَهُ ، وَقَدْ غَلَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ ، فَأَفْتَوْا بِأَنَّ خِيَارَ الْمُسْتَأْجِرِ ، إذَا وَجَدَ عَيْبًا عَلَى الْفَوْرِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مِنْهُمْ ابْنُ الْجُمَّيْزِيِّ وَابْنُ السُّكَّرِيِّ الثَّانِيَةُ : كُلُّ مَقْبُوضٍ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ سَلَمٍ أَوْ كِتَابَةٍ إذَا قَبَضَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا قَالَ الْإِمَامُ إنْ قُلْنَا بِمِلْكِهِ بِالرِّضَا ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّدَّ ( لَيْسَ ) عَلَى الْفَوْرِ ، وَأَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الرِّضَا ، وَإِنْ قُلْنَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ ، كَمَا فِي شِرَاءِ الْأَعْيَانِ وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ " مَعْقُودًا " عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ فِيمَا يُؤَدِّي
رَدُّهُ إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ إبْقَاءً لِلْعَقْدِ .
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ خِيَارُ النَّقِيصَةِ وَالْخُلْفِ وَإِذَا شَرَطَ الرَّهْنَ وَالضَّمِينَ فَلَمْ يَفِ بِهِ وَكَذَا الْعِتْقُ فِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ وَلَمْ يَفِ وَقُلْنَا الْعِتْقُ حَقٌّ لِلْبَائِعِ وَفِي " صُوَرِ " تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ إذَا أَثْبَتْنَا فِيهِ الْخِيَارَ .
الثَّانِي : مَا هُوَ عَلَى التَّرَاخِي قَطْعًا كَخِيَارِ الْوَالِدِ فِي الرُّجُوعِ ، وَخِيَارِ مَنْ أَبْهَمَ الطَّلَاقَ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ " أَوْ الْعِتْقَ " بَيْنَ أَمَتَيْهِ ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ ، وَخِيَارِ امْرَأَةِ الْمَوْلَى ، وَامْرَأَةِ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ ، وَخِيَارِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إذَا " تَشَطَّرَ " الصَّدَاقُ ، وَهُوَ زَائِدٌ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً أَوْ نَاقِصٌ ، فِي الرُّجُوعِ إلَى نِصْفِهِ " أَوْ إلَى نِصْفِ قِيمَتِهِ ، وَخِيَارِ الْمُشْتَرِي إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ قَبْضِهِ قَالَهُ " صَاحِبُ الْعُدَّةِ " وَتَخْيِيرِ وَلِيِّ الدَّمِ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ تَلَقِّي الرُّكْبَانَ وَالْبَائِعِ فِي الرُّجُوعِ لَعَيْنِ مَتَاعِهِ بِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالْفَسْخِ بِعَيْبِ النِّكَاحِ وَخِيَارِ الْخُلْفِ فِي النِّكَاحِ وَخِيَارِ الْغُرُورِ وَالْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَخِيَارِ السَّلَمِ إذَا انْقَطَعَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ لِجَائِحَةٍ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي التَّتِمَّةِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ عِنْدَ امْتِدَادِ مَجْلِسِ الرُّؤْيَةِ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : مُدَّةُ الْخِيَارِ فِي الْعَقْدِ هَلْ تُجْعَلُ كَابْتِدَائِهِ ؟ هُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَيَلْحَقُ بِهِ كَمَا إذَا زَادَ فِي الثَّمَنِ " أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ أَوْ الْأَجَلَ " أَوْ قَدْرَهُمَا " عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَلِأَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ كَنَفْسِ الْعَقْدِ إذْ يَصِحُّ فِيهِ تَعْيِينُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَالْعِوَضِ فِي عَقْدِ الصَّرْفِ .
وَمِنْهُ لَوْ أَلْحَقَ بِالْعَقْدِ شَرْطًا فَاسِدًا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَعَلَى الْخِلَافِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَالْمُقَارَنِ لَهُ .
وَمِنْهُ إذَا " أَطْلَقَا " عَقْدَ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحُلُولِ فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى التَّأْجِيلِ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ " عَلَى " الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ عَقَدَاهُ مُؤَجَّلًا ثُمَّ إنْ أَسْقَطَا فِي الْمَجْلِسِ صَارَ حَالًّا .
الثَّانِي : الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لِاقْتِرَانِ شَرْطٍ بِهِ لَوْ " حَذَفَاهُ " فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَنْقَلِبْ الْعَقْدُ صَحِيحًا فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا عِبْرَةَ بِهِ فَلَا يَكُونُ لِمَجْلِسِهِ حُكْمٌ وَكَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ دَرَاهِمُ فَقَالَ أَسْلَمْت إلَيْك الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي ذِمَّتِك فِي كَذَا فَإِنْ شَرَطَ فِيهِ الْأَجَلَ كَانَ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ ، " وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَالًّا " وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ " وَسَلَّمَهُ " فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ صَالَحَ مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ عَلَى دَنَانِيرَ وَسَلَّمَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَأَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ تَبَرُّعًا بِالْإِحْضَارِ وَالْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَنْقَلِبْ الْعَقْدُ صَحِيحًا .
الثَّالِثُ : قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : إذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ الْفَسْخُ إلَّا بِأَحَدِ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ ، وَخِيَارُ الْخُلْفِ كَأَنْ شَرَطَهُ الْبَائِعُ كَاتِبًا فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ " ، وَالْإِقَالَةُ ، وَالتَّحَالُفُ ، وَتَلَفُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ إذَا جَوَّزْنَاهُ فَهُوَ مُلْحَقٌ فِي الْمَعْنَى بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَخِيَارُ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ يَرْجِعُ لِلْعَيْبِ وَخِيَارُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْعِتْقِ الْمَشْرُوطِ يَرْجِعُ لِلْخُلْفِ فِي الشَّرْطِ وَقَدْ " تُرَدُّ " هَذِهِ الْخِيَارَاتُ الْأَرْبَعُ إلَى اثْنَيْنِ فَيُقَالُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَخِيَارُ النَّقِيصَةِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَرُؤْيَةِ الْمَبِيعِ الْغَائِبِ وَفِي الثَّانِي الْعَيْبُ وَالْخُلْفُ .
وَقَدْ يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ صُوَرٌ مِنْهَا اخْتِلَاطُ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ .
وَمِنْهَا خِيَارُ تَعَذُّرِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ وَخِيَارُ الرُّجُوعِ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ وَكِيلٌ ، أَوْ أَمِينٌ حَاكِمٌ ، أَوْ وَصِيٌّ ، أَوْ أَبٌ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ، فَهَلْ " يُرَدُّ " بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِمَا يُخَافُ مِنْ فَسَادِ النِّيَابَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الدَّرْكِ ، وَالْأَصَحُّ لَا ، لِجَوَازِ " تَبَرُّعِهِمْ " وَحَكَى فِي الْبَحْرِ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ ثِقَةً ظَاهِرًا فَلَهُ الْخِيَارُ .
الرَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَوْدِهِ بَعْدَ إسْقَاطِهِ ضَابِطُهُ : أَنَّ الْخِيَارَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ سَبَبِهِ فَمَتَى وُجِدَ ثَبَتَ الْخِيَارُ ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ شَيْئًا وَاحِدًا " يُوجَدُ " جُمْلَةً وَيَظْهَرُ نَفْعُهُ وَضَرَرُهُ حَالَةَ ظُهُورِهِ كَالْعَيْبِ وَالْقِصَاصِ فَمَتَى وُجِدَ الرِّضَا بِالْعَيْبِ وَإِسْقَاطُ الْقِصَاصِ فَلَا رُجُوعَ ، وَكَذَا لَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالصَّدَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْعَوْدُ إلَى الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَجَدَّدُ وَإِنْ كَانَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخِيَارُ يَثْبُتُ فِي الْأَزْمِنَةِ وَيَتَجَدَّدُ كَالْخِيَارِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَالْإِيلَاءِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِانْقِطَاعِ النَّفَقَةِ وَالْوَطْءِ وَهُوَ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ نَفَقَةً وَوَطْئًا .
فَإِذَا رَضِيَ فِي زَمَنٍ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الزَّمَنِ الْآخَرِ لَكِنْ إذَا " عَادَتْ " فِي النَّفَقَةِ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ بِنَاءً عَلَى " قَوْلِ " الْإِمْهَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْئَةِ ثُمَّ عَادَتْ " فَطَلَبَتْ " لَا تَحْتَاجُ لِضَرْبِ الْمُدَّةِ .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ بِطَلَبِهَا فَسَقَطَتْ بِإِسْقَاطِهَا وَالْمُدَّةُ فِي الْإِيلَاءِ تُضْرَبُ بِغَيْرِ طَلَبِهَا " وَمِثْلُهُ " انْقِطَاعُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يُوجِبُ الْخِيَارَ فَلَوْ أَجَازَ ثُمَّ بَدَا لَهُ مُكِّنَ مِنْ الْفَسْخِ " كَزَوْجَةِ " الْمَوْلَى ، وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ هَذِهِ الْإِجَازَةَ إنْظَارٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَتَوَقَّفُ النَّاظِرُ فِي كَوْنِهَا إنْظَارًا وَيَمِيلُ إلَى أَنَّهَا إسْقَاطُ حَقٍّ كَإِجَازَةِ زَوْجَةِ الْعِنِّينِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ حَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِإِسْقَاطِ حَقِّ الْفَسْخِ هَلْ يَسْقُطُ وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ .
وَمِثْلُهُ السَّيِّدُ لَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ إذَا عَجَزَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ فَلَوْ أَنْظَرَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ جَازَ الْفَسْخُ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " الْكِتَابَةِ
.
وَمِثْلُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لَهَا مَاءٌ فَانْقَطَعَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ أَجَازَ ثُمَّ نَدِمَ وَأَرَادَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ إجَازَتَهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَوَقُّعِ الْعَوْدِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْسَخَ بَعْدَ مَا قَدَّمَ الْإِجَازَةَ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا شَبَّهَهُ " الْأَصْحَابُ " فِي خِيَارِ الْمَرْأَةِ بِالنَّفَقَةِ وَالْإِيلَاءِ .
وَمِثْلُهُ إذَا قَتَلَ الْأَجْنَبِيُّ الْعَبْدَ فِي يَدِ الْبَائِعِ تَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ قَالَ أَبْتَعُ هَذَا الْجَانِي بِالْقِيمَةِ وَرَضِيت بِهِ وَلَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ أَنَا أَفْسَخُ الْبَيْعَ قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ غَصَبَ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخَ فَلَوْ أَجَازَ وَقَالَ رَضِيت بِمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ الْفَسْخُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ .
فَقِيلَ لَهُ : كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْقِيمَةِ فِي " ذِمَّةِ " الْجَانِي كَالْمَقْبُوضِ " لِلْمُشْتَرِي كَمَا فِي الْمُحْتَالِ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنَّهَا كَالْمَقْبُوضَةِ لَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ عَنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ " حُكْمًا قَالَ " الشَّيْخُ فِي الِاسْتِبْدَالِ نَظَرٌ ، قِيلَ : وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْغَصْبِ أَنَّ الْخِيَارَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِتْلَافِ لِأَجْلِ الْعَيْبِ " سَقَطَ " بِالرِّضَا وَفِي الْغَصْبِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ وَتَعَذُّرِهِ وَالْقَبْضُ مُسْتَحَقٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ .
" وَمِنْهُ " الْمُمَيِّزُ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ كَانَ عِنْدَهُ ، فَلَوْ اخْتَارَ بَعْدَهُ الْآخَرَ حُوِّلَ إلَيْهِ .
الْخَامِسُ : إذَا اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْخِيَارِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ فَفَسَخَ الْعَاقِدُ قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ جَامِعِ الْجَوَامِعِ يُنْظَرُ إنْ صَرَّحَ بِالْفَسْخِ بِجَمِيعِهَا انْفَسَخَ بِالْجَمِيعِ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْبَعْضِ انْفَسَخَ بِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ يَنْفَسِخُ بِالْجَمِيعِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهَا أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ قُلْت : وَيُحْتَمَلُ انْصِرَافُهُ لِلْمُتَقَدِّمِ إنْ تَرَتَّبَتْ " فِي ذِمَّتِهِ " .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ مَوْقُوفٌ وَأَمَّا فِي زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَالْمِلْكُ لَهُ أَوْ لِلْمُشْتَرِي فَلَهُ أَوَّلُهُمَا فَمَوْقُوفٌ فَإِذَا اجْتَمَعَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ " وَخِيَارُ الشَّرْطِ لِأَحَدِهِمَا فَقَدْ تَنَافَيَا ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ " تُعْطِي كَوْنَ الْمِلْكِ مَوْقُوفًا وَقَضِيَّةَ كَوْنِهِ لِأَحَدِهِمَا تُعْطِي كَوْنَهُ لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فَمَا الْمُغَلَّبُ ؟ الظَّاهِرُ تَغَلُّبُ خِيَارِ الشَّرْطِ لِثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ انْقَطَعَ خِيَارُ الشَّرْطِ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ إنَّمَا رَفَعَ الْمُدَّةَ لَا أَصْلَ الْخِيَارِ .
الدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ وَلِهَذَا " الْمُسْتَعْمَلُ " إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا ؟ بِهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْقُلَّتَيْنِ ابْتِدَاءً لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمِلًا بِلَا خِلَافٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا اُسْتُعْمِلَ وَهُوَ قُلَّتَانِ كَانَ دَافِعًا لِلِاسْتِعْمَالِ وَإِذَا جُمِعَ كَانَ رَافِعًا وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ .
وَمِنْهَا : مَنْعُ تَخْمِيرِ الْخَلِّ ابْتِدَاءً بِأَنْ يُوضَعَ " فِيهِ " خَلٌّ " فَمَنْعُ " تَخْمِيرِهَا مَشْرُوعٌ وَتَخْلِيلُهَا بَعْدَ تَخْمِيرِهَا مَمْنُوعٌ .
وَمِنْهَا : السَّفَرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَلَوْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لَا يُبِيحُهُ .
وَمِنْهَا : أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ ، فَإِنْ شَرَعَتْ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَفِي جَوَازِ تَحْلِيلِهَا قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا : نَعَمْ .
وَمِنْهَا : وُجُودُ الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ يَمْنَعُ " الدُّخُولَ " فِيهَا ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي صَلَاةٍ ، لَا تَسْقُطُ بِهِ بَطَلَتْ .
وَمِنْهَا : اخْتِلَافُ الدِّينِ الْمَانِعُ مِنْ النِّكَاحِ يَمْنَعُهُ ابْتِدَاءً ، وَلَا يَفْسَخُهُ فِي الدَّوَامِ .
الدَّوْرُ قِسْمَانِ : حُكْمِيٌّ : وَهُوَ أَنْ يُوجِبَ شَيْءٌ " حُكْمَيْنِ شَرْعِيِّينَ مُتَمَانِعَيْنِ " يَنْشَأُ الدَّوْرُ مِنْهُمَا .
وَلَفْظِيٌّ : وَهُوَ أَنْ يَنْشَأَ الدَّوْرُ مِنْ لَفْظِ اللَّافِظِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ السُّرَيْجِيَّةِ وَمَسْأَلَةِ تَعْلِيقِ الْعَزْلِ بِإِدَارَةِ الْوَكَالَةِ .
وَمِنْ الْأَوَّلِ : لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مَمْلُوكٌ فَأَوْصَى لَهُ سَيِّدُهُ بِهِ وَمَاتَ الْمُوصِي ، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ ، وَوَرِثَهُ أَخُوهُ فَقَبِلَ أَخُوهُ الْوَصِيَّةَ عَتَقَ الِابْنُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَرِثُ ، لِأَنَّهُ ، لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ وَبَطَلَ قَبُولُهُ فَلَمْ يُعْتَقْ فَيَلْزَمُ مِنْ تَوْرِيثِهِ عَدَمُ تَوْرِيثِهِ " .
وَمِنْهَا : شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِمَا ، ثُمَّ " شَهِدَ " الْعَتِيقَانِ بِجَرْحِ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ " قَبُولِهَا " رَدُّ شَهَادَتِهِمَا بِالْعِتْقِ .
قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ زَوَّجْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ ، فَزَوَّجَهَا عَبْدًا لَمْ تُعْتَقْ ، لِأَنَّ فِي إيقَاعِ الْحُرِّيَّةِ إبْطَالَهَا ، لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا صَارَتْ حُرَّةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَطَلَ تَزْوِيجُهَا ، وَإِذَا بَطَلَ تَزْوِيجُهَا بَطَلَتْ حُرِّيَّتُهَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّرْهَا ، إلَّا " بِصِفَةِ " التَّزْوِيجِ وَقَالَ " ابْنُ أَبِي أَحْمَدَ " يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَتَبْطُلُ الْحُرِّيَّةُ .
مُرَاهِقٌ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ الْمَقْذُوفُ هُوَ بَالِغٌ ، وَأَنْكَرَ الْقَاذِفُ ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لَمْ يَحْلِفْ الْمُرَاهِقُ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ ، لِأَنَّا لَوْ حَكَمْنَا بِيَمِينِهِ أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ ، لَحَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْيَمِينِ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ مِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ لَا مَعْنَى " لَهَا " " وَلَوْ " دَفَعَ إلَى رَجُلٍ زَكَوَاتٍ فَاسْتَغْنَى بِهَا لَمْ يَسْتَرْجِعْ مِنْهُ لِأَنَّ الِاسْتِرْجَاعَ مِنْهُ يُوجِبُ " دَفْعًا " ثَانِيًا ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَقِيرًا بِالِاسْتِرْجَاعِ .
قَالَ إنْ طَلَّقْتُك غَدًا " طَلْقَةً " فَأَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ طَلَّقَ مِنْ الْغَدِ وَاحِدَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَقَعْ الثَّلَاثُ ، لِأَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَا الثَّلَاثَ بَطَلَتْ الْوَاحِدَةُ وَإِذَا بَطَلَتْ الْوَاحِدَةُ بَطَلَتْ الثَّلَاثُ ، فَفِي إثْبَاتِ الثَّلَاثِ إبْطَالُهَا .
وَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَقَالَ غَيْرُهُ : تَقَعُ الْوَاحِدَةُ وَثِنْتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ " كَقَوْلِهِ إنْ طَلَّقْتُك وَاحِدَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ عَشْرًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَثِنْتَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ " .
الدَّيْنُ ضَرْبَانِ حَالٌّ وَمُؤَجَّلٌ الْأَوَّلُ : الْمُؤَجَّلُ وَيَحِلُّ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى إسْقَاطِ الْأَجَلِ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْأَصَحِّ وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَدْيُونِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : الْأُولَى .
الْمُسْلِمُ إذَا لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا عَصَبَةَ تَحَمَّلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ فَلَوْ مَاتَ أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُؤَجَّلًا وَلَا يَحِلُّ لِأَنَّ الدِّيَةَ تُلَازِمُ التَّأْجِيلَ وَصُورَتَانِ عَلَى وَجْهٍ : إحْدَاهُمَا إذَا لَزِمَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ الْجَانِيَ كَمَا لَوْ " اعْتَرَفَ " وَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْجَانِي مُؤَجَّلَةً ، فَلَوْ مَاتَ هَلْ تَحِلُّ الدِّيَةُ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ حِينَئِذٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَالثَّانِي .
لَا تَحِلُّ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ " يُلَازِمُهَا " الْأَجَلُ وَلَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا مَاتَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ حَيْثُ كَانَتْ الدِّيَةُ تُؤْخَذُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَمَّنْ مَاتَ وَلَا يَأْتِي الْوَجْهَانِ حِينَئِذٍ .
الثَّانِيَةُ : ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا وَمَاتَ الضَّامِنُ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ .
وَلَوْ مَاتَ الْأَصِيلُ حَلَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَلَمْ يَحِلَّ عَلَى الضَّامِنِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَهَا هُنَا غَرِيبَتَانِ أَيْضًا : إحْدَاهُمَا : أَنَّ الدُّيُونَ لَا تَحِلُّ بِمَوْتِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ مَا لَوْ خَلَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا وَوَصَفَهُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَهُ لِوَلَدِهِ مِنْهَا أَوْ خَالَعَهَا عَلَى الْإِرْضَاعِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً ثُمَّ مَاتَ الْمُخَالِعُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا بِحُلُولِ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَا " ذُكِرَ " إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ " الصَّغِيرِ " وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ عَنْ أَبِيهِ بِالْمَوْتِ " فَلْيَسْقُطْ " الْأَجْلُ حِينَئِذٍ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ فَفِي حِلِّ مَا ذُكِرَ
بِمَوْتِ الصَّبِيِّ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا لَا يَحِلُّ " هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ " بِالْمَوْتِ ، وَأَمَّا الْفَلَسُ فَلَا تَحِلُّ بِهِ الدُّيُونُ عَلَى الْأَظْهَرِ " وَلَا بِالْجُنُونِ عَلَى الْأَصَحِّ " وَمَا وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ خِلَافُهُ مَرْدُودٌ .
وَلَا تَحِلُّ الدُّيُونُ بِالسَّفَهِ وَلَا بِالرِّقِّ كَمَا لَوْ اُسْتُرِقَّ الْحَرْبِيُّ فِي الْأَصَحِّ الضَّرْبُ الثَّانِي : الْحَالُّ " لَا " ، يُؤَجَّلُ وَقَدْ سَبَقَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ .
فَائِدَةٌ : لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَجَّلًا إلَّا الْكِتَابَةُ وَالدِّيَةُ وَلَيْسَ فِيهَا دَيْنٌ لَا يَكُونُ إلَّا حَالًّا إلَّا فِي " الْقِرَاضِ " وَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَعَقْدِ الصَّرْفِ وَالرِّبَا فِي الذِّمَّةِ وَكُلِّ مُقَابَلَةٍ بِإِتْلَافٍ قَهْرِيٍّ إلَّا دِيَةَ الْخَطَأِ وَشِبْهَ الْعَمْدِ وَالْأُجْرَةَ فِي إجَارَةٍ الذِّمَّةِ وَفَرْضُ الْقَاضِي مَهْرَ الْمِثْلِ عَلَى الْمُمْتَنِعِ فِي الْمُفَوَّضَةِ وَعَقْدُ كُلِّ نَائِبٍ أَوْ وَلِيٍّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التَّأْجِيلِ لَفْظًا أَوْ شَرْعًا .
الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْمَالِ " وَكَذَا " زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ فِي الْعِتْقِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْأَظْهَرِ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ " دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ " وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ فِيهِ وَجْهَيْنِ مُخَرَّجَيْنِ " مِمَّا " لَوْ أَوْصَى بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يَمْنَعُ أَخْذَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَصْرِفَهُ إلَى الدَّيْنِ .
وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ .
وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ وَلَا يُعْتَقُ بَلْ يُبَاعُ " فِي الدَّيْنِ " .
أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَ عِتْقِ ثُلُثِهِ " فَإِنْ " كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَنْ يُعْتَقَ " مِنْهُ شَيْءٌ " الدَّيْنُ هَلْ هُوَ مَالٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ هُوَ حَقُّ مُطَالَبَةٍ يَصِيرُ مَالًا فِي الْمَآلِ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الصُّلْحِ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْيَسَارِ حَتَّى تَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ وَكَفَّارَتُهُمْ وَلَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ " وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْمَالِيَّةَ مِنْ صِفَاتِ الْمَوْجُودِ " وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ قَوْلِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ " فَمَنْ مَلَكَ دُيُونًا عَلَى النَّاسِ هَلْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ " الْمَذْهَبُ " الْوُجُوبُ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ : مِنْهَا : هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إنْ قُلْنَا " إنَّهُ " مَالٌ جَازَ أَوْ حَقٌّ فَلَا لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِبْرَاء عَنْ الدَّيْنِ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ .
وَمِنْهَا : حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ حَنِثَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ أَوْ عَلَى الْمُعْسِرِ فِي الْأَصَحِّ .
حَرْفُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الذَّهَبُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَأَمَّا فِي الْأَوَانِي فَيَشْتَرِكُ النَّوْعَانِ فِي التَّحْرِيمِ .
وَيُسْتَثْنَى مَوَاضِعُ : أَحَدُهَا : مَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ جَازَ لَهُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ تَغْيِيرًا لِقُبْحِ الْوَجْهِ بِفَقْدِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ { إنَّ عَرْفَجَةَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ } وَقَالَ ( التِّرْمِذِيُّ ) ( حَدِيثٌ ) ( حَسَنٌ ) غَرِيبٌ .
وَفِي مَعْنَى الْأَنْفِ السِّنُّ وَالْأُنْمُلَةُ فَإِنْ " نَبَتَ " فِيهِ الْعُضْوُ وَتَرَاكَمَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِلَّا فَحَيْثُ أَمْكَنَ نَزْعُهُ فَفِي زَكَاتِهِ الْقَوْلَانِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَتْ كَفُّهُ أَوْ إصْبَعُهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَدَلَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ بِخِلَافِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " وَجْهًا " أَنَّهُ يَجُوزُ .
الثَّانِي : إذَا صَدِئَ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِمَا ، لِعَدَمِ ظُهُورِ السَّرَفِ وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَلْحَقُوا بِهِ طِرَازَ الذَّهَبِ إذَا اتَّسَخَ وَذَهَبَ حُسْنُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ " الذَّهَبُ " لَا يَصْدَأُ ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْهُ مَا يَصْدَأُ وَهُوَ مَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْخَالِصِ .
الثَّالِثُ : إذَا طُلِيَ الذَّهَبُ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
الرَّابِعُ : التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فِي الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ التَّحْرِيمَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ .
حَرْفُ الرَّاءِ الرُّخَصُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ ، وَقِيلَ : لَا يَجِبُ الْأَكْلُ بَلْ لَهُ الصَّبْرُ حَتَّى يَمُوتَ وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ : الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ ، كَالْإِفْطَارِ " فِي رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ " انْتَهَى وَكَذَلِكَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْوَجْهَ فِي الْمَيْتَةِ لَا يَأْتِي هُنَا لِأَنَّا وَجَّهْنَاهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ مَعْلُومَةٌ .
وَمِنْهُ وُجُوبُ اسْتِدَامَةِ لُبْسُ الْخُفِّ " إنْ " لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ لَابِسَ الْخُفِّ بِشَرَائِطِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلَا يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ " رِجْلَيْهِ " فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَيْهِ نَقْلًا " فَذَكَرَهُ " تَفَقُّهًا وَقَالَ : الَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا وَلَكِنَّهُ " كَانَ " عَلَى طَهَارَةٍ وَأَرْهَقَهُ الْحَدَثُ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِلْمَسْحِ دُونَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي التَّيَمُّمِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ .
وَمِنْهُ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ إذَا جَعَلْنَاهُ رُخْصَةً وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَزِيمَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالثَّالِثُ : التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ أَوْ لِلْمَرِيضِ أَوْ بُعْدِ الْمَاءِ عَنْهُ أَوْ بَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فَرُخْصَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ
يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ هَلْ الْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ التَّأْخِيرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَعَلَى الثَّانِي التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ كَالْوُضُوءِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا " الْبِنَاءُ " أَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ " أَمْ " التَّأْخِيرُ وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ " يَجُوزُ " إنْ قُلْنَا عَزِيمَةٌ وَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ فَوَجْهَانِ .
الثَّانِي : رُخْصَةٌ فِعْلُهَا أَفْضَلُ كَالْقَصْرِ لِمَنْ بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا " وَعَدَّ " بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ أَفْضَلَ مِنْ الْغُسْلِ مَعَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قُلْت : لَكِنْ صَرَّحَ " الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ " نَعَمْ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ رُخْصَةٌ ، وَعَدَّ النَّوَوِيُّ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ وَالضَّوَابِطِ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ .
قَالَ " الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْوَكِيلِ وَهُوَ غَلَطٌ " صَرِيحٌ ، فَإِنَّ فِي الْإِبْرَادِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا سُنَّةٌ ، " فَيُسْتَحَبُّ " التَّأْخِيرُ - وَالثَّانِي رُخْصَةٌ " وَهُوَ " عَلَى هَذَا ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِبْرَادُ ، وَإِذَا قَدَّمَ الصَّلَاةَ كَانَ أَفْضَلَ فَاسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ وَكَوْنُهُ رُخْصَةً مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رُخْصَةً ، وَأَنَّهَا " مُسْتَحَبَّةٌ " قُلْت : بَلْ هُوَ صَحِيحٌ وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ لِثُبُوتِهِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ ، لِعُذْرِ الْحَرِّ ، وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ ، فَعَلَى الْأَصَحِّ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَالتَّقْدِيمُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ رُخْصَةٌ مُبَاحَةٌ ، وَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ .
وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ : الْإِبْرَادُ مُسْتَحَبٌّ ، وَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّعْجِيلِ " وَجْهَانِ " ، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْآكَدِ لِتَعَارُضِ " فَضِيلَتَيْنِ " أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَتَحْصِيلِ الْخُشُوعِ بِالتَّأْخِيرِ .
الثَّالِثُ : رُخْصَةٌ تَرَكَهَا أَفْضَلُ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ " ثَمَنِ الْمِثْلِ " ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ .
وَعَدَّ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ مِنْ هَذَا الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " يُوجِبُ الْقَصْرَ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ إلَى كَامِلَةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا بَدَلَ " لَهَا " بَعْدَ فِعْلِهَا كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِلَى نَاقِصَةٍ وَهِيَ بِخِلَافِهِ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ، وَهَذَا " أَخَذْته " مِنْ كَلَامِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي الْأُمِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ وَعَلَى هَذَا فَالتَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا لَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ كَامِلَةٌ وَفِيمَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ نَاقِصَةٌ .
الثَّالِثُ : الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي .
وَمِنْ ثَمَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَتَرَخَّصُ " بِالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ " وَالْجَمْعِ ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَمْسَحُ مُدَّةَ " الْمُسَافِرِ " قَطْعًا ، وَلَا مُدَّةَ الْمُقِيمِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ بِسَفَرِهِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ .
وَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الصَّلَاةُ .
وَلَوْ اسْتَنْجَى بِمُحَرَّمٍ أَوْ بِمَطْعُومٍ ، فَالْأَصَحُّ لَا يَجْزِيهِ ، لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ رُخْصَةٌ ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي .
وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ " لَمْ " يَتَيَمَّمْ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ ، لَكِنْ إذَا صَلَّى بِهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الرُّخَصِ أَنَّ الرُّخَصَ " يَتَخَيَّرُ " بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا ، وَالتَّيَمُّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ .
وَلَوْ تَرَكَهُ عَصَى .
وَتَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ رُخْصَةٌ وَفِي الْحِنْثِ " بِمَعْصِيَتِهِ " وَجْهَانِ ، لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي ، وَقَدْ تَوَسَّعَ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي طَرْدِ هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمُقِيمِ الْعَاصِي ، وَقَالَ " لَا يَسْتَبِيحُ " شَيْئًا مِنْ الرُّخَصِ .
كَالْمُسَافِرِ .
وَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا ، وَيُخَالِفُ الْمُسَافِرَ " فَإِنَّ " الْإِقَامَةَ نَفْسَهَا ، لَيْسَتْ مَعْصِيَةً ، لِأَنَّهَا كَفٌّ ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُوقِعُهُ فِي الْإِقَامَةِ مَعْصِيَةٌ ، وَالسَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَعْنِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ ، إنَّمَا " تُنَافِي " الرُّخَصَ ، إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ التَّرَخُّصِ ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، لَا يَتَرَخَّصُ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ .
أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ الرُّخْصَةِ فَلَا ، فَمَنْ سَافَرَ وَعَصَى فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ التَّرَخُّصُ ، لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي سَفَرِهِ لَا بِسَفَرِهِ " ثُمَّ " اُسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا مَا لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ ،
ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ زَمَنَ جُنُونِهِ مَعَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ " عَنْ الْمَجْنُونِ تَخْفِيفًا " وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّخْفِيفِ ، وَحِينَئِذٍ فَالْجُنُونُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ ، فَكَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُ الْقَضَاءِ .
وَقَدْ " اُسْتُثْنِيَ " مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ " وَصَارَتْ " نُفَسَاءَ ، لَا تَقْضِي " الصَّلَاةَ أَيَّامَ نِفَاسِهَا " وَإِنْ كَانَتْ عَاصِيَةً فِي الْأَصَحِّ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْ " النُّفَسَاءِ " عَزِيمَةٌ .
وَمِنْهَا : جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ حَرِيرٍ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ " .
وَمِنْهَا : صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا " سَبَقَ " أَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ لَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ ، وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَا لَا تَخْتَصُّ بِاللُّبْسِ ، وَلِهَذَا ، لَوْ تَرَكَ لُبْسَهُ لَمْ يَتْرُكْ الْمَعْصِيَةَ وَهُنَاكَ الْمَعْصِيَةُ بِالسَّفَرِ .
وَمِنْهَا : إذَا صَبَّ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَتَيَمَّمَ ، فَقِيلَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِعِصْيَانِهِ ، وَالْأَصَحُّ لَا ، لِأَنَّهُ فَاقِدٌ .
وَمِنْهَا : صِحَّةُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَعَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَلَى رَأْيٍ .
وَمِنْهَا : جِلْدُ الْآدَمِيِّ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ ، قِيلَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مَعْصِيَةٌ ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي ، وَالْأَصَحُّ يَطْهُرُ كَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ ، بَلْ لِلِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ .
تَنْبِيهٌ : مَعْنَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ " أَنَّ " الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ ، وَإِلَّا فَلَا .
مِثَالُ الْأَوَّلِ :
السَّفَرُ الْمَوْصُوفُ بِالْمَعْصِيَةِ ، كَإِبَاقِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ ، " وَالْأَجِيرِ " عَيْنِهِ مِنْ " مُسْتَأْجِرِهِ " ، وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا ، لَمَّا كَانَتْ رُخْصَةُ " الْقَصْرِ " وَالْفِطْرِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِ السَّفَرِ ، اُشْتُرِطَ " فِي " إبَاحَةِ فِعْلِهَا أَنْ لَا يَكُونَ السَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةً ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ " بِغَيْرِ الْمَاءِ " رُخْصَةٌ ، " وَلَمَّا " تُوُقِّفَ عَلَى اسْتِعْمَالِ جَامِدٍ اُشْتُرِطَ فِي الْجَامِدِ كَوْنُ اسْتِعْمَالِهِ مُبَاحًا فَيَمْتَنِعُ " بِمَا " اسْتِعْمَالُهُ مَعْصِيَةٌ .
وَمِثَالُ الثَّانِي : مَا إذَا غَصَبَ الْمُسَافِرُ فِي " سَفَرٍ مُبَاحٍ " " ثَوْبًا وَصَلَّى فِيهِ ، فَإِنَّهُ " لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّرْخِيصِ " ، لَمَّا كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ .
الرَّابِعُ : تَعَاطِي " سَبَبِ " التَّرَخُّصِ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ ، لَا يُبِيحُ ، كَمَا إذَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَبْعَدَ لِغَرَضِ الْقَصْرِ لَمْ يَقْصُرْ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَمَا لَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْقَصِيرَ ، وَمَشَى يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَلَغَتْ الْمَرْحَلَةُ مَرْحَلَتَيْنِ .
وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ لِقَصْدِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لَا يَصِحُّ .
وَمِثْلُهُ لَوْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ نَوَى مُفَارَقَتَهُ ، وَاقْتَدَى بِإِمَامٍ آخَرَ قَدْ رَكَعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْقُدْوَةُ ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِقَصْدِ إسْقَاطِ الْفَاتِحَةِ ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ صَحَّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ سَافَرَ لِقَصْدِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنَّ هَذَا قَاصِدٌ أَصْلَ السَّفَرِ ، وَهَذَا " كَالْقَاصِدِ " فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ ، وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِأَصْلِ الِاقْتِدَاءِ سُجُودَ السَّهْوِ " وَتَحَمُّلَ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ " ، وَقَالُوا لَوْ نَذَرَ " صَوْمَ " الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا ، فَلَا سَبِيلَ إلَى قَضَائِهِ ، وَأَخَذَ الرَّافِعِيُّ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ يَقْضِي مَا يُفْطِرُ بِهِ " مُتَعَدِّيًا " ، قَالَ وَيَنْسَاقُ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ " أَنْ يُسَافِرَ لِيَقْضِيَ " .
قُلْت : وَقِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْقَصْرِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ بِتَرْكِ " الْمَنْذُورِ " " أَنَّهُ لَا " يَسْتَبِيحُ تَرْكَهُ ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا " مَا " لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ الْجَوَابُ فِيهَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " " لِسَائِلٍ سَأَلَهُ " عَنْ " ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَافِرُ .
الْخَامِسُ : مَتَى قَارَنَهَا " الْمَنْعُ " لَا تَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدٍ لَهَا لِتَتَمَيَّزَ ، وَيَتَّضِحَ بِصُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ أَخَّرَ الْمُسَافِرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ ، وَلَوْ أَخَّرَهَا عَامِدًا غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّرَخُّصِ ، وَلَمْ يَنْوِ الْجَمْعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ، وَلَوْ فَعَلَ كَانَ عَاصِيًا .
وَمِنْهَا : أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ، فَقَالَ لَوْ جَامَعَ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ عَصَى .
وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُوَافِقُهُ حَيْثُ قَالَ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّرَخُّصَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ ، يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ " يَقْصِدْهُ " فَوَجْهَانِ ، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ، يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ بَابِ " التُّرُوكِ " ، لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَدْ قَالُوا : لِلْمُنْفَرِدِ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ لِيَفْعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يُلْزِمُوهُ نِيَّةَ الْخُرُوجِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ ، وَلَا يَسْتَدْعِي الْفِطْرُ نِيَّةً ، بِخِلَافِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ .
السَّادِسُ : الْتِزَامُ إبْطَالِ الرُّخْصَةِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ } ، فَإِذَا نَذَرَ صَلَاةَ النَّفْلِ قَائِمًا أَوْ أَنْ يَصُومَ فِي السَّفَرِ أَوْ " إتْمَامَ " الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ غَسْلَ الرِّجْلِ ، وَلَا يَمْسَحُ الْخُفَّ أَوْ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ أَوْ التَّثْلِيثَ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ يَنْعَقِدُ ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ نَذَرَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الشَّرْعِ .
السَّابِعُ : رُخَصُ السَّفَرِ أَقْسَامٌ : أَحَدُهُمَا : مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ " الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ " وَالْمَسْحُ - نَعَمْ لَوْ اجْتَمَعَ الْخَوْفُ مَعَ قَلِيلِ السَّفَرِ فَفِي الْقَصْرِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا " ابْنُ الْقَاصِّ " لِأَنَّ الْخَوْفَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ أَلْحَقَهُ بِالطَّوِيلِ ، وَتَوَقَّفَ السِّنْجِيُّ فِي " ثُبُوتِهِمَا " وَقَطَعَ بِالْمَنْعِ ، لِأَنَّ مَا لَا يُبَاحُ فِي " الْقَصِيرِ " لَا يُبَاحُ مَعَ الْخَوْفِ " مِنْهُ " ، كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .
الثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا ، وَهُوَ شَيْئَانِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ قَوْلَانِ ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ إسْقَاطُ الْفُرُوضِ بِالتَّيَمُّمِ وَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ .
وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ ثَالِثَةً وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ ، وَأَرَادَ السَّفَرَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، وَأَخَذَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِضَرَّاتِهَا ، إذَا رَجَعَ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ فِي الْأَصَحِّ ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِالطَّوِيلِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ " عَدَّ " أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّيَمُّمِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ فِيهِ تَجَوُّزٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْسِ السَّفَرِ إذْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْجَرِيحِ مَعَ الْإِقَامَةِ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْحَضَرِ لِلْمُضْطَرِّ .
وَقَدْ نَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي الْأُولَى وَقَالَ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا عُدَّ رُخْصَةً إذَا كَانَ الِاضْطِرَارُ وَفَقْدُ الْمَاءِ " نَاشِئَيْنِ " مِنْ السَّفَرِ وَالْغَالِبُ فِيهِمَا أَنَّهُمَا يَنْشَآنِ مِنْ السَّفَرِ " فَعَدُّوهُمَا " بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ لِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطَ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَالَ الْإِمَامُ وَنَزَّلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي إبَاحَةِ الطَّعَامِ مَنْزِلَةَ السَّفَرِ فِي "
التَّرَخُّصِ " فَإِنَّهَا وَإِنْ ثَبَتَتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ فَالْمُتَرَفِّهُ الَّذِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ يُشَارِكُ فِيهَا .
الرِّدَّةُ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِهَا بَلْ إذَا مَاتَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ .
وَتَأْثِيرُهَا يَظْهَرُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ وَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى { لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } أَيْ مَقْصُودُك مِنْ عَمَلِك فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَانَ " دُخُولُ " الْجَنَّةِ لَا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ .
وَقَالَ فِي الْأَسَالِيبِ : الْحَجُّ عِنْدَك لَا يَحْبَطُ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ وَلَوْ لَمْ نَقْطَعْ بِذَلِكَ فِي الْمَأْمُورَاتِ قَطَعْنَا بِهِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَهَتَكَ الْحُرُمَاتِ وَسَفَكَ الدِّمَاءَ أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ مُتَرَهَّبٍ مُتَعَلِّقٍ " بِقُلَّةِ " جَبَلٍ لَا يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَضُرُّهُمْ فَنَقُولُ بِنَاءً عَلَى هَذَا : إذَا حَجَّ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا فَحَجُّهُ ثَابِتٌ وَيُفِيدُهُ الْحَجُّ التَّحْصِينَ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَلَوْ لَمْ يَحُجَّ لَعُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَإِنَّ دَارَ الثَّوَابِ الْجَنَّةُ وَهُوَ لَا يَدْخُلُهَا لِأَنَّهُ كَافِرٌ .
هَذَا قَوْلُنَا فِيمَنْ يَمُوتُ مُرْتَدًّا فَأَمَّا إذَا مَاتَ مُسْلِمًا وَالْحَجُّ قَدْ مَضَى عَلَى الصِّحَّةِ وَالْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَلَا مَعْنَى " لِلْإِحْبَاطِ " فِي حَقِّهِ أَصْلًا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزِّنَا إذَا ارْتَدَّ " الشَّخْصُ " " الزَّانِي " لَا يَبْطُلُ إحْصَانُهُ حَتَّى لَوْ زَنَى فِي الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الْأَصْحَابُ : لَوْ تَطَهَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إبَاحَةٌ وَبِالرِّدَّةِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ .
وَقَالُوا لَوْ ارْتَدَّ فِي خِلَالِ أَذَانِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى
الْأَصَحِّ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَإِنْ طَالَ بَطَلَ وَكَانَ يَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْحَجِّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْإِلْزَامِ لَكِنَّهُمْ أَبْطَلُوهُ طَالَ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ قَصُرَ .
الرِّشْوَةُ : أَخْذُ الْمَالِ لِيُحِقَّ بِهِ الْبَاطِلَ أَوْ يُبْطِلَ الْحَقَّ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَبَذْلٌ لِمَنْ يُتَوَسَّطُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِي خَلَاصِهِ وَسَتْرِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِرْشَاءٍ حَرَامٍ بَلْ جَعَالَةٌ مُبَاحَةٌ حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الرِّبَا مِنْ تَعْلِيقِهِ عَنْ الْقَفَّالِ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لَكِنَّ فِي الْمِنْهَاجِ لِلْحَلِيمِيِّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ مَالًا عَلَى دَفْعِ ظُلْمٍ عَنْهُ أَوْ عَلَى رَدِّ مَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ جَازَ لِلْمَظْلُومِ وَصَاحِبُ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهُ أَوْ لَا يَصِلُ إلَى مَالِهِ " إلَّا بِشَيْءٍ " " يَرْضَخُهُ أَوْ يُعْطِيهِ " وَهَذَا كَالْأَسِيرِ أَوْ الْمَحْبُوسِ بِغَيْرِ حَقٍّ إذَا لَمْ يُطْلَقْ إلَّا بِشَيْءٍ فَلَهُ إعْطَاؤُهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ " الْأَخْذُ " .
الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنْهَا : رِضَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ فَإِنْ " زَادَ " الْعَيْبُ فَلَا خِيَارَ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَمِنْهَا : ادَّعَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ مَحْرَمِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا " بِحُكْمِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " إلَّا إذَا ذَكَرَتْ عُذْرًا كَنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ .
وَمِنْهَا : عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ وَأَمْسَكَتْ عَنْ الْمُحَاكَمَةِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَهْرِ كَانَ رِضَاءً بِالْإِعْسَارِ مُسْقِطًا لِلْخِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الطَّلَبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ التَّأْخِيرَ لِتَوَقُّعِ النِّسْيَانِ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةُ الْإِذْنِ أَنَّهَا " زُوِّجَتْ " بِغَيْرِ إذْنِهَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يُقْبَلُ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ نَزَلَ الدُّخُولُ مَنْزِلَةَ الرِّضَا .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِرَشِيدٍ اقْطَعْنِي فَفَعَلَ فَسَرَى فَهَدَرٌ وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ الْغُرْمُ .
وَمِنْهَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَهَلَكَ فِي الضَّرْبِ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ فَأَحْبَلَ .
حَرْفُ الزَّاي الزَّائِلُ الْعَائِدُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ وَ " كَاَلَّذِي " لَمْ يَعُدْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ قَطْعًا .
فَمِنْهُ : لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْ الْعَبْدِ قَبْلَ " لَيْلَةِ " هِلَالِ شَوَّالٍ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ قَطْعًا .
وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ ثُمَّ زَالَ فَإِنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا فَلَوْ عَادَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ قَطْعًا فَكَأَنَّ التَّغَيُّرَ " لَمْ يَعُدْ " " هَذَا " إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً وَزَالَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَإِنَّهُ يَعُودُ التَّنْجِيسُ .
هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَلَوْ سَمِعَ الْقَاضِي بَيِّنَةً ثُمَّ عَزَلَ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ عَادَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا قَطْعًا .
وَلَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ فَإِنْ تَابُوا صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا تَعُودُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ .
وَلَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ مَا دَامَ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَحَوَّلَ فُلَانٌ عَنْهَا ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ إدَامَةَ الْمَقَامِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْهَا الْيَمِينُ قَدْ انْقَطَعَتْ وَهَذَا عَوْدٌ جَدِيدٌ وَإِدَامَتُهُ " إقَامَةٌ " مُسْتَأْنَفَةٌ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ " وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ .
وَحَكَى فِيهِ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ لِأَبَوَيْهِ إنْ تَزَوَّجْت مَا دُمْتُمَا حَيَّيْنِ فَزَوْجَتُهُ طَالِقٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَزَوَّجَ لَا يَقَعُ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْكَافِي بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَيْضًا .
وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ وَلَيْسَتْ تِلْكَ السِّنُّ لَهُ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ نَبَتَتْ بَعْدَهُ .
الثَّانِي : مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ قَطْعًا .
فَمِنْهُ : مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلَهُ رَدُّهُ قَطْعًا .
وَمِنْهُ : " لَوْ "
فَسَقَ نَاظِرُ الْوَقْفِ ثُمَّ صَارَ عَدْلًا فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مَشْرُوطَةً فِي أَصْلِ الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ عَادَتْ وِلَايَتُهُ وَإِلَّا فَلَا " أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَسَكَتَ النَّوَوِيُّ عَمَّنْ " اسْتَحَقَّ " النَّظَرَ مُدَّةَ الْخَلَلِ " وَقَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ : الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بَعْدَهُ كَمَا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ وَقَالَ : النَّظَرُ لِلْحُكَّامِ " حِينَئِذٍ " وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّ سَبَبَهَا الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ وُجُودِ الْأَوَّلِ فَإِذَا خَرَجَ الْأَوَّلُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا انْتَقَلَ إلَى الْأَبْعَدِ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ .
فَمِنْهُ " لَوْ " طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ فَلَهُ نِصْفُ بَدَلِهِ فَلَوْ زَالَ وَعَادَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ وَإِذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ عَادَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا .
وَلَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ الْمَرْهُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَوْ عَادَ عَادَ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إقَالَةٍ فَلَهُ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ فَالْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّ لِصَاحِبِهِ الرُّجُوعَ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ ، أَيْ " لِتَلَقِّي " الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا فِي الْهِبَةِ .
وَلَوْ
عَجَّلَ زَكَاتَهُ فَشَرْطُ أَجْزَائِهَا كَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا فَلَوْ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ثُمَّ عَادَ أَجْزَأَتْ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ سَافَرَ قَصَرَهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَرَاقَ دَمًا فَلَوْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ وَلَوْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا فِي يَدِ الْبَائِعِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الرِّبَا : فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَادَ خَلًّا ، هَلْ يَعُودُ الْمِلْكُ الْآنَ أَوْ يَتَبَيَّنُ بَقَاءُ الْمِلْكِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا ، وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي ، لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ خَمْرًا ، وَصَارَتْ خَلًّا يُقْضَى مِنْ ثَمَنِهِ دَيْنُ الْمَيِّتِ ، وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ .
وَنَظِيرُهُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ لَا يَبْطُلُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ " وَعِنْدِي " أَنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ ، لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ زَالَتْ بِمَصِيرِهَا خَمْرًا فَيَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْبَيْعِ ، وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ لَا يَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ .
فَمِنْهُ ، لَوْ زَالَ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَرْجِعْ الْأَبُ فِي الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّدَاقِ السَّابِقَةِ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ أَيْ الْبَدَلِ وَحَقِّ الْأَبِ فِي الْعَيْنِ فَقَطْ ، وَالْأَوَّلُ آكَدُ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِلْكٍ آخَرَ ثُمَّ حُجِزَ عَلَيْهِ " بِالْفَلَسِ " ، فَلَيْسَ لِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ
مَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ فَتَحَوَّلَ بِيَدِ غَيْرِهِ لَمْ يَعُدْ الْمِلْكُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ رَهَنَ شَاةً ، فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ ، فَلَوْ دُبِغَ الْجِلْدُ لَمْ يَعُدْ رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّخْمِيرِ .
وَلَوْ جُنَّ قَاضٍ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ ، فَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ قُلِعَ سِنٌّ " مَثْغُورٌ " وَجَبَ الضَّمَانُ ، فَلَوْ عَادَتْ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْأَظْهَرِ وَمِثْلُهُ " لَوْ " الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ أَوْ نَبَتَ اللِّسَانُ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وَمِنْهُ عَوْدُ الْيَمِينِ بِعَوْدِ الصِّفَةِ ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ .
وَلَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ ، فَأَلْصَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَصَقَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا مِنْ خِلَافٍ مَبْنِيٍّ عَلَى نَجَاسَةِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ .
وَلَوْ هَزَلَتْ الْمَغْصُوبَةُ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ سَمِنَتْ ، لَمْ يُجْبَرْ " فِي الْأَصَحِّ " بَلْ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ جَدِيدَةٌ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ " الْمُعَلَّقُ " فِيهِ شَرْعِيًّا ، إذَا عَادَ فَهُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ كَالْمُفْلِسِ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْبَاضِ الثَّمَنِ ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ ، وَإِنْ كَانَ وَضْعِيًّا فَكَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الدُّخُولِ ، ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَعَادَتْ ، لَا يَقَعُ فِي الْأَصَحِّ .
الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي سَائِرُ الْأَبْوَابِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْفَلَسِ وَغَيْرِهِمَا ، إلَّا فِي الصَّدَاقِ ، فَإِنَّ الزَّوْجَ ، إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، لَا يُرْجَعُ إلَى النِّصْفِ الزَّائِدِ ، إلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ .
وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْكُلِّ .
وَعَبَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ حُكْمُ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَنْ تَتْبَعَ الْمَالِكَ دُونَ الْمِلْكِ فَرَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ لَا يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْمِلْكَ دُونَ الْمَالِكِ ، كَمَا أَنَّ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " الْمُتَّصِلَةِ .
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فِي مِلْكِهِ ، فَيَحْدُثُ بِهِ الْمِلْكُ عَلَى نِصْفِ مَا سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى ، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا " فَسْخُ " الْعَقْدِ لِمَعْنًى ظَهَرَ مِنْ بَعْدُ فَاسْتَنَدَ إلَى حَالِ الْعَقْدِ حُكْمًا ، وَجُعِلَ كَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ كَالْوَاهِبِ يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ ، وَالْبَائِعُ يَرُدُّ " الْعَيْنَ بِالْعَيْبِ " وَقَدْ يُضَافُ لِصُورَةِ الصَّدَاقِ الْمُسْتَثْنَاةِ : الْعَيْنُ " الْمَوْهُوبَةُ " لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهٍ وَكَذَلِكَ اللُّقَطَةُ ، إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا ، فَإِنَّهُ يَنْحَصِرُ حَقُّهُ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَا أَثَرَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَبْنٌ مَا ، كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعَدْلِ الرَّهْنِ " وَنَحْوِهِ ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ مَا كَانَ شَرْعِيًّا عَامًّا ، كَمَا فِي الْمُتَيَمِّمِ ، إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، لَا تَلْزَمُهُ فِي " الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا وَجَبَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَالْفَرْقُ " بَيْنَهُ " وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ " بُنِيَ " عَلَى الْمُسَامَحَةِ .
أَمَّا وِجْدَانُ الْوَاجِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمُعْتَادِ ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْغَاصِبُ الْمِثْلَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَانِي إبِلٌ ، وَفِي إبِلِ الْبَلْدَةِ ، غَالِبٌ ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ بِزَائِدٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ، وَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ قَطْعًا ، وَلَمْ " يُجْرُوا " فِيهِ خِلَافَ الْغَصْبِ وَلَا يَبْعُدُ التَّعَدِّيَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
وَلَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، لَا يَجِبُ الشِّرَاءُ ، بَلْ يَصُومُ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَلِهَذَا " إذَا " كَانَ الزَّادُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ .
وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْأَمَةِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، قَالَ الْبَغَوِيّ يَجِبُ الشِّرَاءُ ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ .
" الزِّيَادَةُ " عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ شَرْعًا ، لَا يُتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ ثَمَانِيَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِالزِّنَا ، فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ " أَرْبَعَةٌ " عَنْ الشَّهَادَةِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ ضَمِنُوا " لِنُقْصَانِ " مَا بَقِيَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ ، لَكِنْ خَالَفُوا هَذَا فِيمَا لَوْ مَلَكَ تِسْعَةً مِنْ الْإِبِلِ وَحَالَ " عَلَيْهَا " الْحَوْلُ ، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أَرْبَعٌ ، فَإِنْ قُلْنَا الْوَقْصُ عَفْوٌ كَمَا الْأَصَحُّ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ سَقَطَ عَلَى الْجَمِيعِ فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا " لَمْ " تَكُنْ شَرْطًا فِي وُجُودِ الشَّاةِ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ بِتَلَفِهَا .
وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ " عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ التِّسْعِ ، فَحِصَّةُ كُلِّ بَعِيرٍ " مِنْهَا " تُسْعٌ ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِ الْأَرْبَعِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ وَيَبْقَى الْبَاقِي .
الزَّرْعُ النَّابِتُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ أَقْسَامٌ " الْأَوَّلُ " : أَنْ يُزْرَعَ تَعَدِّيًا فَيُقْلَعَ مَجَّانًا ، وَلَيْسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ ، وَفِي الْحَدِيثِ { مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ } نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ " الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ .
قَالَ : وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ " ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ مَا دَامَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ ، فَإِنْ " كَانَ " حُصِدَ فَإِنَّمَا لَهُمْ الْأُجْرَةُ .
وَقَالَ الْجُمْهُورُ : الْخَبَرُ إمَّا مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ زَرْعُ أَرْضِهِمْ بِبَذْرِهِمْ عَلَى خِلَافِ شَرْطِهِمْ ، فَالزَّرْعُ لَهُمْ ، وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ ، وَقَالَ " الطَّحَاوِيُّ " فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، إلَّا " شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيّ ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ .
وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى أَرْضٌ تُؤْجَرُ وَقْتَ الزِّرَاعَةِ بِعِشْرِينَ الْفَدَّانِ ، وَإِذَا أَوْجَرْت بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى الْمَغْلِ أَوْجَرْت بِأَرْبَعِينَ ، فَغَصَبَهَا غَاصِبٌ وَزَرَعَهَا ، وَلَمْ يُطَالِبْهُ صَاحِبُهَا إلَى أَوَانِ الْمَغْلِ ، وَالْوَاقِعُ فِي الْأَرْضِ أَنَّ الزَّرْعَ يَبْطُلُ مَنْفَعَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ كُلِّ مُدَّةٍ " فِي نَحْوِهَا " .
وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ ، إنَّمَا تَكُونُ حَالَّةً فَهَلْ يَضْمَنُ الْعِشْرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ " عَلَيْهِ " وَقْتَ زِرَاعَتِهِ حَالَّةً ؟ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ " هُنَا ضَمَانَيْنِ " : أَحَدُهُمَا ضَمَانُ " جِنَايَتِهِ " بِإِبْطَالِهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِزَرْعِهِ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ حَالًّا ، وَثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ " طَلَبَ " أَمْ لَا .
وَالثَّانِي ضَمَانُ أُجْرَةِ بَقَاءِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ إمَّا " لِاسْتِمْرَارِ " زَرْعِهِ " فِيهَا أَوْ لِغَيْرِهِ .
وَهَذَا يَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَأَيُّ وَقْتٍ حَضَرَ الْمَالِكُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ضَمَانَ الْمَنْفَعَةِ الْفَائِتَةِ بِجِنَايَتِهِ " وَوَقْتِ "
تَفْوِيتِهَا وَضَمَانِ أُجْرَةِ " مِثْلِ " الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَتْ فِي يَدِهِ .
" الثَّانِي " زَرَعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ " سَبَقَتْ " " الثَّالِثُ " : أَنْ يَنْبُتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، كَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إلَى أَرْضِ الْغَيْرِ فَنَبَتَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَحَبَّةٍ أَوْ نَوَاةٍ ، فَهَلْ النَّابِتُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ أَوْ لِصَاحِبِ الْحَبِّ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ إذْ لَا تَسْلِيطَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ " الرَّابِعُ " : أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي شَيْءٍ " فَزَرَعَ " مَا ضَرَرُهُ أَعْظَمُ مِنْهُ " كَمَا " لَوْ اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ فَزَرَعَ الْقُطْنَ فَلِلْمَالِكِ الْقَطْعُ مَجَّانًا فَإِنْ مَضَتْ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَفِي الْمَطْلَبِ إنْ قُلْنَا فِي نَظِيرِهِ " مِنْ " الْأُجْرَةِ تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَكَذَا هُنَا وَإِنْ قُلْنَا يَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ " فَهُنَا " تَرَدُّدٌ .
" الْخَامِسُ " : أَنْ يَزْرَعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِبَذْرِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا يَزْرَعُ بِالْمُقَاسَمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَعَادَةِ الشَّامِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ " أَهْلُ " الشَّامِ " وَأَجَازَهُ " بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفَلَّاحَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْبَذْرِ " لِصَاحِبِ " الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا " فَثَبَتَتْ " عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا وَتَعَدَّى شَخْصٌ عَلَى أَرْضٍ " وَغَصَبَهَا " وَهِيَ فِي يَدِ الْفَلَّاحِ فَزَرَعَهَا عَلَى عَادَتِهِ لَا نَقُولُ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ بَلْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَنْفَعُ فِي الْأَحْكَامِ .
" فَائِدَةٌ أَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَزَرَعَ وَرَجَعَ الْمُعِيرُ " فَهَلْ " لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْقَلْعِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ فَصِيلًا فِي الْعُرْفِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقَطْعِهِ
وَإِنْ كَانَ مِمَّا " يَسْتَحْصِدُهُ " لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ وَيُقَالُ لَهُ " إنْ شِئْت " أَذِنْت فَأَعْطِهِ قِيمَةَ زَرْعِهِ قَائِمًا وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ عَلَيْهِ " أُجْرَةُ " مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ .
حَرْفُ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ السَّبَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : قِيلَ فِي حَقِيقَتِهِ : مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ وَيَكُونُ طَرِيقًا فِي ثُبُوتِهِ كَالنِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا عُكِسَ قِيلَ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا رَتَّبَ حُكْمًا عَقِبَ أَوْصَافٍ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا " مُنَاسَبَةً " فَالْجَمِيعُ عِلَّةٌ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَإِنْ نَاسَبَ الْبَعْضَ فِي ذَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ فَالْمُنَاسِبُ فِي ذَاتِهِ سَبَبٌ وَالْمُنَاسِبُ فِي غَيْرِهِ شَرْطٌ فَالنِّصَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى " الْغَنِيِّ " وَنِعْمَةُ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ وَالْحَوْلُ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ " فَالتَّمْكِينُ " " بِالتَّنْمِيَةِ " فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَهُوَ شَرْطٌ " لَهُ " وَقَدْ يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجِنَايَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ كُلُّ مَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ مَعَهُ فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ فَيَكُونَ عِلَّتُهُ كَالتَّرْدِيَةِ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى لَكِنْ لَوْلَاهُ لَمْ تُؤَثِّرْ الْعِلَّةُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ فَهُوَ سَبَبٌ وَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ وِفَاقًا وَلَا يَقِفُ الْعَمَلُ عَلَى وُجُودِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً فَمَاتَ فَهَذَا لَا يُجْعَلُ سَبَبًا بَلْ هُوَ مُوَافَقَةُ قَدَرٍ .
الثَّانِي : يَنْقَسِمُ السَّبَبُ إلَى قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيٍّ فَالْقَوْلِيُّ كَالتَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالتَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالظِّهَارِ وَالرَّجْعَةِ .
وَالْفِعْلِيُّ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَالْإِحْيَاءِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْوَطْءِ الْمُقَرِّرِ لِكَمَالِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ .
فَالْأَوَّلُ هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الصِّيغَةِ أَمْ بِتَمَامِهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ " أَنَّهُ " هَلْ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ أَوْ بِالْفَرَاغِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِهِ وَجْهَانِ يَبْنِي عَلَيْهِمَا مَا لَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَعَلَى قِيَاسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي الْبَيْعِ وَجْهٌ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِأَوَّلِ لَفْظِ الْقَبُولِ وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ .
" وَقَالَ " ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَقْتَرِنُ بِآخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ أَسْبَابِهَا فَتَقْتَرِنُ الْحُرِّيَّةُ بِالرَّاءِ مِنْ أَنْتَ حُرٌّ وَالطَّلَاقُ بِالْقَافِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ ، قَالَ وَهُوَ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِذَا قَالَ اُقْعُدْ كَانَ أَمْرًا مَعَ الدَّالِ وَكَذَلِكَ لَا تَقْعُدْ .
" وَقَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَةِ : اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَسَائِرَ الْأَلْفَاظِ هَلْ يَثْبُتُ " حُكْمُهَا " مَعَ " الْجُزْءِ " الْأَخِيرِ مِنْ اللَّفْظِ أَمْ " عَقِبَ " " تَمَامِ " أَجْزَائِهِ عَلَى الِاتِّصَالِ ؟ وَجْهَانِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الثَّانِي .
انْتَهَى .
" وَأَمَّا الثَّانِي " وَهُوَ الْفِعْلِيُّ فَفِيهِ الْخِلَافُ " السَّابِقُ أَيْضًا " .
وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ
ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَحْصُلَ التَّحْرِيمُ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ هَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ مَعَ الرَّضْعَةِ الْخَامِسَةِ أَوْ عَقِبَهَا فِيهِ وَجْهَانِ .
وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى سَبَبِهِ كَالدِّيَةِ " فَإِنَّا " نُقَدِّرُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ قُبَيْلَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَإِلَّا لَمْ تُوَرَّثْ عَنْهُ وَلَمْ تُنَفَّذْ " فِيهَا " وَصَايَاهُ وَدُيُونُهُ .
وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَمْتَدُّ زَمَانُهُ .
فَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ لَهُ أَوَّلٌ وَآخِرُ وَحَقِيقَةٌ تَتِمُّ بِآخِرِهِ كَالْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُرُوجِهِ أَوْ بِانْقِطَاعِهِ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ فَيَجِبُ بِخُرُوجِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الثَّانِيَ ، وَزَادَ وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ " بِالْقِيَامِ " إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ هُوَ هُوَ ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْخُرُوجِ يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الِانْقِطَاعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ " شَرْطٌ " فِي الثَّانِي " وَشَرْطٌ " فِي الثَّالِثِ .
وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هَلْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَالْيَمِينُ جَمِيعًا أَوْ سَبَبُهَا الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ شَرْطٌ ، أَوْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَحْدَهُ ؟ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ فَلَا تُغَسَّلُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ الثَّانِيَةُ : إذَا قُلْنَا الْحَائِضُ لَا تُمْنَعُ الْقِرَاءَةَ فَأَجْنَبَتْ فَإِنْ قُلْنَا غُسْلُ الْحَيْضِ لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ اغْتَسَلَتْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَلَا .
الثَّالِثُ : هَلْ يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ " فِي الْإِخْبَارَاتِ " وَالْإِنْشَاءَاتِ .
الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَزِمَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَرُّضِ لِسَبَبِهِ وَمَا اخْتَلَفَ أَمْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ .
وَلِهَذَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَزِمَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْإِخْبَارِ بِالنَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُظَنَّ " أَنَّ " مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ نَجِسًا وَالشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُلْحَقَةٌ " بِالْجَرْحِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَلَا يُقْبَلُ خِلَافًا لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ .
" وَلَا بُدَّ مِنْ " التَّفْصِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ كُفْرًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَيَذْكُرُ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شُورِكَ وَأَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ .
قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ " لَوْ " شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَذْكُرُوا لَفْظَ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ " قَالَ لَهَا يَا بَائِنَةُ " أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَحْوُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَكَانَ .
عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ " طَلَاقٌ " .
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا بُدَّ مِنْ " التَّعَرُّضِ " لِإِيضَاحِ الْعَظْمِ لِأَنَّ الْإِيضَاحَ لَيْسَ مُخَصَّصًا بِذَلِكَ " .
وَلَوْ شَهِدَا بِدَيْنٍ أَوْ مِلْكٍ " يَثْبُتُ " الدَّيْنُ وَالْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا سَبَبًا .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِلدَّيْنِ وَالْمِلْكِ .
قُلْت إنَّمَا تُقْبَلُ مُطْلَقَةً عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ ، وَأَمَّا عِنْدَ ذِكْرِ " الِانْتِقَالِ " مِنْ مَالِكٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ لَا يَكْفِيهِ الْإِطْلَاقُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّعَرُّضِ لِشَرَائِطِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ دَعْوَى الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ .
وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ
بَيَانُ " السَّبَبِ قَطْعًا لَوْ " شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لَمْ يُسْمَعْ قَطْعًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ " الِاسْتِحْقَاقِ " مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ جِوَارٍ .
وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ هَذَا وَارِثُهُ لَمْ تُسْمَعْ أَيْضًا ، لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلِاخْتِلَافِ قَدْرِ التَّوْرِيثِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَا جِهَةَ الْمِيرَاثِ مِنْ أُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ وَغَيْرِهِ ، وَنَظِيرُهُ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ " مُطْلَقًا " لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إقْرَارِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُعَيِّنَ جِهَةَ الْإِرْثِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ " خِلَافًا لِلْهَرَوِيِّ " ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَيُحْتَاطُ هُوَ لِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى وَرَثَتِهِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا ، فَالْأَصَحُّ لَا يُقْبَلُ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا مُوَافِقًا قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا ، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ الْأَصْلُ أَوْ يُصْغِيَ إلَيْهِ فِي مَجْلِسِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ أَوْ يُبَيِّنُ سَبَبَهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ إتْلَافٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي الِاسْتِنَادُ لِسَبَبٍ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ .
تَنْبِيهٌ : اسْتَثْنَوْا مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ مَا لَوْ كَانَ الْمُطَلِّقُ فَقِيهًا مُوَافِقًا فَلَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِ السَّبَبِ ، كَمَا فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَالْقِيَاسُ إلْحَاقُ بَقِيَّةِ نَظَائِرِهِ بِهِ ، وَقَدْ قَالُوا لِيُبَيِّنَ شَاهِدُ الْفَرْعِ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ ، وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي شَاهِدَيْ الْجَرْحِ أَيْضًا فَائِدَةٌ : الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مُضِرٍّ فِي الْإِقْرَارِ ، فَإِذَا قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : لَا ، بَلْ مِنْ دَارِ ، لَمْ يَضُرَّ ، وَيُحْتَمَلُ الِاخْتِلَافُ
فِي غَيْرِ السَّبَبِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ .
وَلَوْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي " سَبَبًا ، وَالشُّهُودُ " سَبَبًا آخَرَ ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِمُنَاقَضَتِهَا الدَّعْوَى .
الرَّابِعُ : مَا تَوَقَّفَ عَلَى السَّبَبِ تَارَةً بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَتَارَةً بِسَبَبَيْنِ وَتَارَةً بِثَلَاثَةٍ فَالْأَوَّلُ : يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ ، " لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ السَّبَبِ " كَزَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ " فِيهِ " الْحَوْلُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ وَكَذَا زَكَاةُ الثِّمَارِ وَنَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ ، وَقَالَ بَلْ لَهَا سَبَبَانِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ وَإِدْرَاكُهَا وَالْإِدْرَاكُ تَمَامُهُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ .
وَمِنْهُ كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْوِقَاعِ فِي الْأَصَحِّ ، وَدَمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ قَبْلَ جُرْحِهِ لَا يَجُوزُ ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهُ " عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ احْتِمَالٌ " فِيهِ " تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ .
وَلَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا قَطْعًا ، وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ " شَهْرِ " رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ " مِنْ يَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ " أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنْ " أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ " ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِوَالِدِ الرُّويَانِيِّ ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ فِي السَّبَبِ الْوَاحِدِ ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى صَيْدٍ فَقَدَّمَ الْجَزَاءَ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " جَوَّزَهُ قَالَ : وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِحْرَامَ أَحَدَ سَبَبَيْهِ فَلِذَلِكَ " جَوَّزَهُ " وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَوَّزَهُ قَبْلَ الْجُرْحِ ، إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى هَذَا وَجْهًا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ ، وَجَعَلَ الْمَذْهَبَ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَامْتِنَاعِهِ قَبْلَهُ
سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُضْطَرًّا أَوْ مُخْتَارًا ، لِأَنَّهُ " لَمْ " يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ ، وَقِيلَ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِحْرَامِ نَعَمْ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ مَا لَوْ احْتَاجَ الْمُحْرِمُ لِلُّبْسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إلَى الطِّيبِ وَالْحَلْقِ لِمَرَضٍ ، فَقَدَّمَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ ، إذَا لَمْ يُجْعَلْ الْإِحْرَامُ سَبَبًا ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّيْدِ أَنَّ الِاضْطِرَارَ بِصِيَالِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ لِجَوَازِ انْصِرَافِهِ عَنْهُ .
" وَالثَّانِي " أَنْ يَجِبَ " بِسَبَبَيْنِ " يَخْتَصَّانِ بِهِ ، فَيَجُوزُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْآخَرِ " ، إذَا كَانَ مَالِيًّا ، فَخَرَجَ " بِالْمَالِيِّ " الْبَدَنِيُّ ، فَإِنَّهُ إمَّا مُؤَقَّتٌ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهُ وَجَمْعُ التَّقْدِيمِ لَيْسَ " يَتَقَدَّمُ " عَلَى الْوَقْتِ ، بَلْ هُوَ الْوَقْتُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، " وَلِهَذَا يَقَعُ " أَدَاءً ، " وَكَذَلِكَ " التَّأْذِينُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَمَا صَلَّى يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ تَقْدِيمًا .
وَمِثْلُهُ الْفَقِيرُ يَحُجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ .
وَإِمَّا غَيْرُ مُؤَقَّتٍ كَالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَقَوْلُنَا : يَخْتَصَّانِ بِهِ ، احْتِرَازٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهِ ، كَمَا لَا يَجِبُ بِهِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ ، لَيْسَ لِلْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فِيهَا خُصُوصِيَّةٌ بَلْ " الزَّكَاةُ " كَذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ هَذَا النَّوْعِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي .
وَمِنْهُ زَكَاةُ الْمَوَاشِي وَالنَّقْدَيْنِ تَجِبُ بِسَبَبَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا ، وَهُمَا النِّصَابُ وَالْحَوْلُ ، وَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُ " اسْتِنَادٌ " إلَى السَّبَبِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ
وَقَدْ وُجِدَ جُزْؤُهُ وَالْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ : وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَجِبُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ لَوْ أَعْطَى الْمُتْعَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُتْعَةِ ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ .
وَمِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا : إدْرَاكُ رَمَضَانَ وَالْفِطْرُ .
وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ رَمَضَانَ " لِلتَّقَدُّمِ " عَلَى السَّبَبِ وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ ، وَلَا تَدْفَعُ إلَّا فِدْيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يُعَجَّلُ إلَّا زَكَاةُ عَامٍّ ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْفِدْيَةِ " لِتَأَخُّرِ " قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ آخَرَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الثَّانِي ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ كَتَعْجِيلِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ " لِمَعْصِيَةٍ " .
وَالثَّالِثُ : أَنْ تَجِبَ بِأَسْبَابٍ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَبَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ : عَقْدِ النِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ ، وَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وَالظِّهَارُ شَرْطٌ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَإِنْ قُلْنَا " بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعَوْدِ .
وَمِثْلُهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ " بِسَبَبَيْنِ " كَمَا سَبَقَ .
الْبَحْثُ الْخَامِسُ : " إذَا زَالَ " السَّبَبُ هَلْ يَزُولُ مُسَبِّبُهُ إنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ " تَعَالَى " لَمْ يَزُلْ ، وَإِلَّا زَالَ غَالِبًا .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ ، فَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِرْسَالَ ، فَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ بِتَعَدِّيهِ بِالْإِمْسَاكِ .
وَمِنْهُ : لَوْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا .
وَمِنْهُ : الْخَمْرُ الَّذِي يَجِبُ إرَاقَتُهَا ، إذَا خُلِّلَتْ بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ لَا تُسْقِطُ وُجُوبَ الْإِرَاقَةِ ، بَلْ يَدُومُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِاسْتِحْقَاقِ الْإِزَالَةِ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقِيَاسُهُ فِيمَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَدْمِ الدَّارِ " الَّتِي " أَعْلَاهَا الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُسْلِمِ " فَبَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْهَدْمِ ، لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ السَّيِّدُ لَا نَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِسْلَامِ .
وَمِنْ الثَّانِي : مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ زَوَالِهِ ، وَخِيَارِ الْعَتِيقَةِ بَعْدَ عِتْقِ زَوْجِهَا وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الشَّفِيعِ ، كُلُّ ذَلِكَ يُسْقِطُ الْحَقَّ فِي الْأَصَحِّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ ، وَكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى زَالَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرَّدُّ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا طَرَأَ مِنْ الزَّوَالِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَانَ نِعْمَةً حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ ، وَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بِالْعَيْبِ قَدْ قَابَلَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ سَلِيمٍ ، وَلَمْ يَحْصُلْ .
وَقَطَعُوا فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ بِنَفْيِ الْخِيَارِ إذَا زَالَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ ، وَأَجْرَوْا خِلَافًا فِي عُيُوبِ " الْبَيْعِ " وَمِنْهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا ضَمِنَ مَا وَقَعَ فِيهَا ، إلَّا
أَنْ يَنْقَطِعَ الْعُدْوَانُ بِأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا " أَوْ رَضِيَ " الْمَالِكُ بِإِبْقَائِهَا " عَلَى الْأَصَحِّ ، أَوْ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّمِّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي خِلَافًا لِلْإِمَامِ ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَلَوْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ ثُمَّ أَقَرَّهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَفْرِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَفَرَهَا لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ أَذِنَ الْإِمَامُ وَلَا فَرْقَ .
السِّرَايَةُ حَقِيقَتُهَا " النُّفُوذُ " فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ ، ثُمَّ تَسْرِي إلَى بَاقِيهِ ، كَمَا فِي الْعِتْقِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ " إنَّهُ " مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ " بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ " وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ ، بِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْهَا لَا يَقَعُ وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْبَائِنِ ، وَالْمُتَّصِلِ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ الْمُرَادُ بِالتَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ بِجُزْئِهَا الْحَقِيقِيِّ .
وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ .
فَإِنْ قُلْت : إنَّهُ جُزْؤُهَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ " بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِعُضْوِهَا الْمُبَانِ .
قِيلَ : كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي أَعْضَائِهَا ، فَاسْتُصْحِبَ التَّحْرِيمُ ، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَالْأَصْلُ الْعِصْمَةُ ، وَلَا يَنْشَأُ " عَدَمُهَا " بِمَجَازٍ ضَعِيفٍ ، " وَمِمَّا " يُؤَيِّدُهُ ، أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَالَ لَوْ أُبِينَ شَعْرَ الْأَمَةِ ، ثُمَّ عَتَقَتْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً ، وَالْعِتْقُ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمُنْفَصِلِ ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ ، لَا يَقَعُ عَلَى الْمُنْفَصِلِ ، " وَقَدْ يَسْرِي الرِّقُّ " فِيمَا إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ رِقَّ بَعْضِ أَسِيرٍ ، لِلْمَصْلَحَةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ مَنَعْنَا سَرَى الرِّقُّ لِبَاقِيهِ " قَالَ الرَّافِعِيّ " ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يَرِقُّ شَيْءٌ .
وَلَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ سَقَطَ كُلُّهُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ سَقَطَتْ كُلُّهَا ، وَلَا يَتَبَعَّضُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْقَاءِ الضَّرَرِ ، ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ : مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ صَحَّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ مَحَلِّ " ذَلِكَ " التَّصَرُّفِ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَمَا لَا فَلَا ، كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ : إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ الْإِيلَاءُ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ ، وَلَا تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ ، إلَّا " فِي "
الْفَرْجِ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا يُسْتَدْرَكُ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ صِحَّةُ " الْإِضَافَةِ " إلَى الْبَعْضِ فِي الْجُمْلَةِ ، " لَا " فِي جَمِيعِ آحَادِهِ ، وَالْإِيلَاءُ يُضَافُ إلَى بَعْضٍ خَاصٍّ ، وَاسْتَدْرَكَ " الْقَاضِي الْبَارِزِيُّ الْوَصِيَّةَ " ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ ، ذَكَرَهُ " فِي " التَّمْيِيزِ وَيُسْتَدْرَكُ " عَلَيْهَا " صُوَرٌ : مِنْهَا : إنَّ تَعْلِيقَ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ ، فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ ، فَلَوْ رَدَّهُ كَانَ رَدًّا لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ .
وَمِنْهَا " الْكَفَالَةُ " ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا وَيَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا .
وَمِنْهُمَا التَّدْبِيرُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ ، وَلَوْ قَالَ دَبَّرْت يَدَك أَوْ رِجْلَك لَمْ يَصِحَّ التَّدْبِيرُ عَلَى وَجْهٍ .
وَمِنْهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ ، إنْ قُلْنَا يَرْجِعُ " بِالْقَوْلِ " فِيهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، وَلَوْ قَالَ رَجَعْت فِي رَأْسِك ، فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا فِي جَمِيعِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي .
وَمِنْهَا : الْإِبْرَاءُ ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ ، وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ ، عَفَوْت عَنْ بَعْضِ دَمِك ، قَالَ فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إنْ قُلْنَا الْبَرَاءَةُ عَنْ الْمَجْهُولِ تَجُوزُ ، فَهَذَا أَجْوَزُ ، وَإِنْ قُلْنَا تَمْتَنِعُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تَجُوزُ ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ مِنْهُ كَالْعَفْوِ عَنْ الْكُلِّ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ ، لَا يَكُونُ " قَاذِفًا " .
وَلَوْ قَالَ زَنَى قُبُلُك أَوْ دُبُرُك كَانَ قَاذِفًا السِّرَايَةُ فِي الْأَشْقَاصِ لَا فِي الْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهٌ الْحَامِلَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ عِتْقُ الْحَمْلِ لَا بِالسِّرَايَةِ ، بَلْ بِالتَّبَعِيَّةِ ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ ، " وَهَذَا " يَرُدُّ قَوْلَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ : لَا يَسْرِي الْعِتْقُ عَنْ " شَخْصٍ إلَى آخَرَ ، إلَّا عَتَاقَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ ،
فَإِنَّهُ يَسْرِي إلَى جَنِينِهَا .
وَلَوْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ ، وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ .
وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً وَمَلَكَ الْآخَرُ حَمْلَهَا ، فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ إلَى الْحَمْلِ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَصِيبِ الْغَيْرِ تَنْفُذُ السِّرَايَةُ فِيهِ مَعَ الْيَسَارِ ، وَلَا تَنْفُذُ فِي حَمْلِ الْغَيْرِ مَعَ الْيَسَارِ إنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّرِكَةِ " مُخْتَلِطٌ " بِمِلْكِ صَاحِبِهِ وَمَا مِنْ جُزْءٍ إلَّا وَهُوَ شَائِعٌ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا نَوَى الشُّرُوعَ مَرَّتْ الْحُرِّيَّةُ إلَى الْبَاقِي ، فَأَمَّا الْحَمْلُ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ " فَهُوَ " نَفْسٌ " يَنْفَرِدُ " عَنْ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ " يَنْفَصِلُ إلَى مُدَّةٍ وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ دُونَ الْأُمِّ .
وَأَمَّا نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَكَّ " قَطُّ " عَنْ نَصِيبِهِ ، وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا .
السَّفَرُ قِسْمَانِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ : فَالطَّوِيلُ مَرْحَلَتَانِ ، وَالْقَصِيرُ مَا دُونَ ذَلِكَ .
وَضَبَطَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ ، بِأَنْ يُفَارِقَ الْبَلَدَ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُقِيمًا لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِمِيلٍ ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ يُشِيرُ إلَيْهِ .
" وَيَخْرُجُ " عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ يَبَرُّ بِمَاذَا ، وَرُخَصُ السَّفَرِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الرَّاءِ .
السَّفِيهُ " تَصَرُّفَاتُهُ " عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ، وَلَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ غَالِبُ تَصَرُّفِهِ الْمَالِيِّ .
ثَانِيهَا - مَا يَصِحُّ بِإِذْنِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ .
ثَالِثُهَا - مَا يَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَمْ لَا ، وَهُوَ عِبَادَاتُهُ ، وَبَعْضُ تَصَرُّفِهِ الْمَانِعِ ، كَالْتِزَامِهِ الْجِزْيَةَ ، وَمُصَالَحَتِهِ عَنْ الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، وَنِكَاحِهِ الْأَمَةَ عِنْدَ خَوْفِ الْعَنَتِ ، وَمَنْعِهِ الْوَلِيَّ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ .
وَلَوْ حَفَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْمَطَاعِمِ وَنَحْوِهَا ، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ وَعَسُرَتْ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ ، قَالَ الْإِمَامُ فَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ تَرَدُّدٌ لِلْعِرَاقِيِّينَ فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الضَّرُورَةِ ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِتَجْوِيزِ تَصَرُّفَاتِهِ ، وَذُكِرَ فِي نِكَاحِهِ نَحْوُهُ ، " وَتَصِحُّ مِنْهُ " الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ الْمَالِيُّ فِي الذِّمَّةِ .
هَذَا كُلُّهُ فِي الدَّفْعِ .
أَمَّا الْجَلْبُ ، فَيَصِحُّ مِنْهُ الْخُلْعُ وَتَمَلُّكُ الْمُبَاحَاتِ وَقَبُولُهُ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ ، لَكِنْ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ ، فَإِنْ " تَسَلَّمَهَا " غَرِمَ مَنْ أَقْبَضَهُ الْوَصِيَّةَ دُونَ الْهِبَةِ ، لِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيَّةِ بِقَبُولِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
السَّكْرَانُ فِي سَائِرُ أَحْوَالِهِ كَالصَّاحِي عَلَى الْمَذْهَبِ ، إلَّا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ .
السُّكُوتُ ضَرْبَانِ " الْأَوَّلُ " أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ .
وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَرْعِهِ ، وَكَانَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ ، لِأَنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ النَّصِّ ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْآيَةِ ، وَالْمَسْكُوتُ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْحُكْمِ مُنَاسِبٌ لِانْتِفَائِهِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي جَانِبِ " الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِكَوْنِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ " مُقَيَّدًا " مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ .
أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ " الْمَسْكُوتَ " أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ ، كَمَا فِي الضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ ، وَكَمَا فَوْقَ الدِّينَارِ " وَدُونَ " الْقِنْطَارِ " انْعَكَسَ الْحُكْمُ " ، وَكَانَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ، وَيَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ " الْقَوْلُ " " بِشَرْعِيَّةِ الْإِطْعَامِ " فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ .
وَالثَّانِي غَيْرُ الْمَعْصُومِ ، فَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ ، " لَا سِيَّمَا " إذَا كَانَ السُّكُوتُ " مُحَرَّمًا " .
وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " ، لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ .
نَعَمْ ، " إذَا " قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ كَسُكُوتِ الْبِكْرِ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ فِي التَّزْوِيجِ .
" وَلِهَذَا " اكْتَفَى بِهِ " وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى " رِضَاهُ " فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ .
وَالْأَحْوَالُ بِحَسَبِ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ : " الْأَوَّلُ " : مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ قَطْعًا كَالسُّكُوتِ مِنْ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ جُعِلَ كَالْمُنْكَرِ النَّاكِلِ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى
الْمُدَّعِي .
وَلَوْ نَقَضَ " بَعْضُ " أَهْلِ " الْهُدْنَةِ " ، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ ، انْتَقَضَ فِي السَّاكِتِينَ أَيْضًا .
وَلَوْ تَبَارَزَ اثْنَانِ وَشَرَطْنَا الْأَمَانَ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ ، فَأَعَانَ " الْكَافِرَ " جَمَاعَةٌ مِنْ صَفِّهِ بِغَيْرِ " اسْتِجَارَةٍ " ، وَسَكَتَ " وَلَمْ " يَمْنَعْهُمْ انْتَقَضَ أَمَانُهُ ، وَجَازَ لِغَيْرِ الْمُبَارِزِينَ قَتْلُهُ .
وَلَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا لِغَيْرِهِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ ، فَإِنَّ السَّيِّدَ " يَضْمَنُهُ " ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْتِقَاطِ الْعَبْدِ .
وَلَوْ الْتَقَطَ الصَّبِيُّ وَصَحَّحْنَاهُ فَرَآهُ الْوَلِيُّ ، فَلَمْ يَنْزِعْهُ ، فَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ، كَمَا وَلَوْ احْتَطَبَ وَرَآهُ مَعَهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ .
الثَّانِي : مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَهُوَ السُّكُوتُ فِي الْبِكْرِ " الْبَالِغِ " إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْعَصَبَةُ أَوْ الْحَاكِمُ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ بِالْمَنْعِ ، فَلَوْ بَكَتْ مَعَ صِيَاحٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ .
" وَلَوْ حَلَقَ الْحَلَالُ رَأْسَ مُحْرِمٍ " وَهُوَ سَاكِتٌ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَمَا لَوْ حَلَقَ بِأَمْرِهِ فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ ، وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ ، قِيلَ وَمُقْتَضَى هَذَا ، أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ الْوَدِيعَةَ ، وَالْمُودِعُ سَاكِتٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَفْعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا ، وَيَنْزِلُ سُكُوتُهُ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْإِتْلَافِ .
وَمِنْهُ : لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْبَالِغُ وَهُوَ سَاكِتٌ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِفَ " بِأَنَّ " الْبَائِعَ سَيِّدُهُ .
وَمِنْهُ : الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ ، وَهُوَ سَاكِتٌ " يَسْمَعُ " تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ " يُشْتَرَطُ " أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ مِنْ الْقَارِئِ " تَصْحِيفٌ " وَتَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ الشَّيْخُ ، فَسُكُوتُهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهِ " قَطْعًا " .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعِنْوَانِ ، إذَا سَكَتَ الشَّيْخُ " مُقِرًّا " عَلَى مَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ " يُقَالَ " أَخْبَرَنَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ ، لِتَرَدُّدِ السُّكُوتِ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ ، وَقَدْ قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَقِيلَ يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ ، لَا يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ ، وَكَذَا لَوْ سَكَتَ عَنْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ ، لَا يَسْقُطُ ضَمَانُهُ ، وَكَذَا لَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ " الثَّيِّبُ " فِي النِّكَاحِ ، ( فَسَكَتَتْ ) " لَا أَثَرَ لَهُ .
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ الرَّشِيدَةِ ، إلَّا بِإِذْنِهَا ، فَلَوْ اسْتَأْذَنَهَا فَسَكَتَتْ ، لَمْ يُسْتَفَدْ بِسُكُوتِهَا " الْإِذْنُ " فِي الْقَبْضِ قَطْعًا ، وَحَاوَلَ الرَّافِعِيُّ تَخْرِيجَ وَجْهٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي " بَابِ " النِّزَاعِ " مِنْ " الصَّدَاقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَنَحْكِيهِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ .
فَمِنْهُ : إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِي " يَطَأُ " الْجَارِيَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ مُجِيزًا لِلْعَقْدِ بِسُكُوتِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ حُمِلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ فَأُخْرِجَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَلَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ ، لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي الْمُفَارَقَةِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ ، فَحُمِلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدَّفْعِ لَا يَحْنَثُ .
وَلَوْ اسْتَلْحَقَ بَالِغًا وَلَمْ يُكَذِّبْهُ وَسَكَتَ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَالشَّرْطُ التَّصْدِيقُ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ " ثُمَّ ذَكَرَ فِي فَصْلِ التَّسَامُحِ فِي الشَّهَادَةِ أَنَّ سُكُوتَ الْبَالِغِ فِي النَّسَبِ " كَالْإِقْرَارِ بِهِ .
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَإِنَّمَا أَقَامُوا السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ مَقَامَ النُّطْقِ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الْأَنْسَابِ الْفَاسِدَةِ لَا يَجُوزُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْحَالُ .
وَلَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ الْبِكْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ فِي غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَسَكَتَتْ ، لَمْ يَكُنْ إذْنًا ، لِأَنَّهُ مَالٌ ، فَلَا يَكْفِي سُكُوتُهَا " كَبَيْعِ " مَا لَهَا ، قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِهِ .
وَلَوْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ تُزَفَّ إلَيْهِ ، بَلْ بَقِيَتْ سَاكِتَةً ، وَلَمْ تَعْرِضْ نَفْسَهَا فَلَا نَفَقَةَ " لَهَا " ، إنْ قُلْنَا " إنَّهَا تَجِبُ " بِالتَّمْكِينِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْعَقْدِ وَجَبَتْ .
تَنْبِيهٌ : حَيْثُ قُلْنَا لَا يُنْسَبُ لَهُ قَوْلٌ فَلَا يُنْسَبُ لَهُ فِعْلٌ .
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ ، وَهِيَ سَاكِتَةٌ فَهُوَ كَمَا " لَوْ كَانَتْ " نَائِمَةً أَوْ لَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَلَوْ قَصَدَ رَجُلٌ قَطْعَ يَدِ آخَرَ ظُلْمًا ، فَلَمْ يَدْفَعْهُ الْمَقْطُوعُ وَسَكَتَ حَتَّى قَطَعَ لَا يَكُونُ إهْدَارًا فِي الْأَصَحِّ .
السُّنَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى سُنَّةِ عَيْنٍ " وَإِلَى سُنَّةِ " كِفَايَةٍ ، كَمَا فِي الْفَرْضِ ، وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ " لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، إلَّا الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ ، وَهُوَ " مُسْتَدْرَكٌ " بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَشَاةِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَإِذَا ضَحَّى وَاحِدٌ فِي بَيْتِهِ أَقَامَ شِعَارَ السُّنَّةِ وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَمَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ .
الثَّانِي : إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي سُنَّةً ثُمَّ ذَكَرَهَا ، فَإِنْ فَاتَ مَحَلُّهَا ، فَلَا تَدَارُكَ ، كَمَا إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ " تَرَكَ " رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ فَرَاغِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِغَيْرِهَا ، نُدِبَ الْعَوْدُ إلَيْهَا ، وَإِنْ تَلَبَّسَ لَمْ يَعُدْ سَوَاءٌ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ .
فَالْأَوَّلُ : كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْقِيَامِ ، هَذَا فِي الْفَرْضِ الْفِعْلِيِّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمِثْلُهُ الْقَوْلِيُّ ، إنْ قُلْنَا " تَكَرُّرُهُ " مُبْطِلٌ ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَتْرُوكِ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ ، فَقَالُوا : إذَا ذَكَرَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ ، كَانَ " لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا " عَلَى " الْقَوْلِ " الْقَدِيمِ .
وَالثَّانِي " لَا " ، كَمَا لَوْ تَرَكَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِفْتَاحِ أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَبِالتَّعَوُّذِ أَوَّلَهُ تَزُولُ الْأَوْلَوِيَّةُ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا " إذَا " تَرَكَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ ، فَذَكَرَهَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفَاتِحَةِ ، فَيَأْتِي بِهِنَّ قَطْعًا ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، لِأَنَّ مَحَلَّهُنَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَتَقْدِيمَهُنَّ عَلَى " التَّعَوُّذِ " سُنَّةٌ لَا شَرْطٌ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ مَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، " وَقَعَدَ " " ابْتَدَأَ " الْفَاتِحَةَ ، فَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ ، أَنَّهُ إنْ عَلِمَ " أَنَّهُ " مَحَلُّ التَّشَهُّدِ ، لَكِنْ جَرَتْ الْفَاتِحَةُ عَلَى لِسَانِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَرَأَ التَّشَهُّدَ وَفَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ .
ثُمَّ قَالَ الْبَغَوِيّ
: " وَلَوْ " نَسِيَ الْجُلُوسَ فَاشْتَغَلَ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مَحَلُّ قِيَامٍ ، هَلْ يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ فِيهِ احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا ، لِأَنَّ هَذَا الْقُعُودَ بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ ، كَمَا " ذَكَرْنَاهُ " .
وَمِنْهَا لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَةَ السَّجْدَةِ فَلَمْ يَسْجُدْ وَرَكَعَ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ ، فَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ لَيْسَ " لَهُ " ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْفَرْضِ ، قَالَ صَاحِبُ " الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ " ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ " مَهْمَا " شَاءَ ، لِقِيَامِ سُنَّةِ السُّجُودِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ وَقَامَ لَا يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ عَادَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ " زِيَادَةُ رُكْنٍ " ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَرْتِيبٌ حَتَّى " يُعِيدَ " الرُّكْنَ .
أَمَّا إذَا تَرَكَ السُّنَّةَ وَتَلَبَّسَ بِفَرْضٍ وَعَارَضَهُ فَرْضُ الْمُتَابَعَةِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا ، فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ ، ثُمَّ عَادَ الْإِمَامُ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَالْمَأْمُومُ قَدْ انْتَصَبَ ، فَهَلْ يَعُودُ الْمَأْمُومُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ بِخِلَافِ الْإِمَامِ " وَالْمُنْفَرِدِ " فَإِنَّهُمَا لَوْ رَجَعَا لَرَجَعَا مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ .
وَقَدْ يُقَالُ تَعَارَضَ فِيهِ فَرْضَانِ ، لِأَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ ، وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْقُدْوَةُ وَاجِبَةٌ ، وَمُضِيُّهُ فِيمَا تَلَبَّسَ بِهِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ " وَالشُّرُوعِ " فِي غَيْرِهِ .
وَيُجَابُ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْقُدْوَةِ سَابِقٌ ، فَلِذَلِكَ جَوَّزَ لَهُ الْعَوْدَ إلَيْهَا .
وَالثَّانِي أَنَّ الْقُدْوَةَ آكَدُ ، وَلِهَذَا " يَسْقُطُ " فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ إلَى الرُّكُوعِ .
وَهَذَا فِيمَا إذَا قَامَ نَاسِيًا ، أَمَّا إذَا قَامَ ظَانًّا قِيَامَ إمَامِهِ ، فَبَانَ خِلَافُهُ ، " وَأَنَّهُ " قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ ، " فَهُوَ " يَتَخَيَّرُ .
الثَّالِثُ : إذَا فَاتَتْ السُّنَّةُ فِي مَحِلِّهَا جَازَ قَضَاؤُهَا فِي مِثْلِ مَحِلِّهَا ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهَا تَرْكُ سُنَّةٍ أُخْرَى .
وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ : مِنْهَا : مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ ، فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ " الْأَخِيرَتَيْنِ " مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ " ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يُسْتَحَبُّ " فِيهِمَا " ، لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ فَاتَتْ فِي أُولَيَيْنِ ، فَلَا يَفُوتُهَا .
وَمِنْهَا : نَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ " يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ " .
وَمِنْهَا : إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى " سُورَةَ " الْمُنَافِقِينَ ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ قَضَاءُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَإِتْبَاعُهَا بِالْمُنَافِقِينَ .
وَمِنْهَا إذَا قُلْنَا لَا يُسَنُّ " التَّعَوُّذُ " ، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا تَدَارَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ ، بِخِلَافِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ ، وَقَوْلُنَا ، إذَا لَمْ يَكُنْ " " احْتِرَازًا " عَمَّنْ " فَاتَهُ الْجَهْرُ " " فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ ، " لَا " يُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَهْرُ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ " ، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ ، لَا يَقْضِيه فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ السُّنَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ ، وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ فِي التَّشَهُّدِ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى ، فَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ " الْيُمْنَى " ، لَمْ يُشِرْ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى ، لِأَنَّ سُنَّتَهَا الْبَسْطُ دَائِمًا .
السُّؤَالُ مَعَادٌ فِي الْجَوَابِ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ ، فَقَالَ اشْتَرَيْت " صَحَّ بِالْأَلْفِ " فِي " الْأَظْهَرِ " .
وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَأَجَابَهَا ، وَأَعَادَ ذِكْرَ الْمَالِ لَزِمَ ، وَكَذَا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ طَلَّقْتُك فِي الْأَصَحِّ " كَذَا يُصْرَفُ " إلَى السُّؤَالِ ، وَقِيلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ .
وَلَوْ سَأَلَتْ بِكِنَايَةٍ " فَقَالَتْ " أَبِنِّي بِأَلْفٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ أَنْوِ شَيْئًا ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، لِأَنَّ السُّؤَالَ يُعَادُ فِي الْجَوَابِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْأَلْفُ .
وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ، وَنَوَى الثَّلَاثَ ، فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَنَوَتْ الثَّلَاثَ وَقَعَتْ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَا بِهِ لَفْظًا .
وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَلَمْ تَتَلَفَّظْ بِعَدَدٍ وَلَا نَوَتْهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ ، لِأَنَّ قَوْلَهَا جَوَابٌ لِسُؤَالِهِ ، فَهُوَ كَالْمُعَادِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ هُوَ بِالْعَدَدِ ، بَلْ نَوَاهُ ، لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ ، لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَوْدِهِ فِي الْجَوَابِ ، فَإِنَّ " التَّخَاطُبَ " بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لَا يَقَعُ ، إلَّا وَاحِدَةٌ ، قَالَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِيمَا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْعَدَدَ ، وَلَمْ تَنْوِهِ الْمَرْأَةُ ، فَمَنْ قَالَ " وَقَعَ " هُنَاكَ الْعَدَدُ ، فَلَهُ أَنْ " يَعْتَضَّ " بِهَذِهِ الصُّورَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْتُك فَفِي الرَّافِعِيِّ قَبْلَ فَصْلِ التَّعْلِيقِ إنْ نَوَى ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَ مَا نَوَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ .
وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا وَأَنْكَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ ، إنْ كُنْت " صَادِقًا " فَامْرَأَتُك طَالِقٌ ، فَقَالَ طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فَيُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَسْمِيَةٌ لَهَا ، وَلَا إشَارَةٌ إلَيْهَا ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى صَدَاقٍ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصَّدَاقِ فَهَلْ نَقُولُ : الْقَبُولُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْإِيجَابِ ، فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى الْمَذْكُورِ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ ، أَوْ نَقُولُ إنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي الصِّحَّةِ إلَى تَنْزِيلِ الْقَبُولِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْمُسَمَّى ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالثَّانِي فِي بَابِ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ ، وَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ ، قَالَ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ إنَّهُ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت نِكَاحَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ ، فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ وَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى فِي الثَّانِيَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ فَيَنْصَرِفُ الْقَبُولُ إلَى النِّكَاحِ ، وَالْمُسَمَّى مِنْ أَجْلِ الْإِشَارَةِ إلَى صُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِ الزَّوْجِ الْمُسَمَّى فِي قَبُولِهِ .
تَنْبِيهٌ : لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَيْدٌ وَهُوَ أَنْ لَا يُقْصَدَ بِالْجَوَابِ الِابْتِدَاءُ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْصِدْ بِقَوْلِي اشْتَرَيْت جَوَابَك ، فَالظَّاهِرُ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ الْقَبُولُ .
وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَقَالَ " طَلَّقْتُك " ، وَقَالَ قَصَدْت الِابْتِدَاءَ دُونَ الْجَوَابِ قُبِلَ ، وَكَانَ رَجْعِيًّا قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، " لَكِنْ " يَذْكُرُ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ فِيمَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ طَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْت فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةَ " أُخْرَى طَلُقَتْ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً طَلَّقْت [ فَاطِمَةَ ] ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت " فَاطِمَةَ " أُخْرَى .
فَائِدَةٌ : لَيْسَ كُلُّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يُمْنَحُ فِيهِ بِالْجَوَابِ ، وَإِنْ حَفَّتْ الضَّرُورَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَقَابَلَ رَاكِبَانِ عَلَى قَنْطَرَةٍ لَا يُفْتَى لِأَحَدِهِمَا بِإِلْقَاءِ دَابَّةِ الْآخَرِ فِي الْمَاءِ ، لَكِنْ أَيُّهُمَا ابْتَدَرَ إلَى " إلْقَاءِ " دَابَّةِ صَاحِبِهِ فِي الْمَاءِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .
وَلَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةُ " إنْسَانٍ " لُؤْلُؤَةً لِآخَرَ لَا يُفْتَى لَهُ بِذَبْحِهَا ، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، وَغَرِمَ النَّقْصَ ، وَتُوَصِّلَ إلَى عَيْنِ مَالِهِ .
" ذَكَرَهَا " الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ فِي الْحَجِّ ، وَهِيَ مِنْ مَنَاصِيصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ " ، فَرَوَى " الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ الْحَاكِمِ " فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ الْمُزَنِيِّ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " عَنْ نَعَامَةٍ ابْتَلَعَتْ جَوْهَرَةً " لِآخَرَ " ، فَقَالَ لَسْت آمُرُهُ بِشَيْءٍ .
وَلَكِنْ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ كَيِّسًا عَدَا عَلَى النَّعَامَةِ فَذَبَحَهَا وَاسْتَخْرَجَ جَوْهَرَتَهُ ، ثُمَّ يَضْمَنُ لِصَاحِبِ النَّعَامَةِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً .
سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ كَذَا بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، وَاسْتَشْكَلَ " لِأَنَّهَا " مَسْتُورَةٌ عَنَّا ، فَكَيْفَ يُحَالُ الْحُكْمُ " عَلَى " مَجْهُولٍ " وَقَدْ قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ فِي نَفْسِ " الْجَوَازِ " حَتَّى إذَا " لَمْ تُسَلَّمْ الْوَدِيعَةُ " " تَبَيَّنَ " عَدَمُ الْجَوَازِ كَيْفَ وَالسَّلَامَةُ أَوْ عَدَمُهَا " تَبَيَّنَ " آخِرًا .
" وَنَحْنُ " نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ فِي الْحَالِ ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّا نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ ، " وَنَشْتَرِطُ " عَلَيْهِ الْتِزَامَ خَطَرِ الضَّمَانِ انْتَهَى .
وَذَكَرُوا فِي بَابِ التَّعْزِيرِ ، أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " هُنَاكَ إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ وَالْهَلَاكُ نَادِرًا ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْحُدُودُ الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ ، يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ تَعَدَّى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ مُتَعَدٍّ سَبِيلَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ ، لِكَوْنِهِ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ هَذَا ، إلَّا فِي التَّعْزِيرِ ، أَمَّا الْحَدُّ الَّذِي هُوَ دُونَ الْقَتْلِ كَالْجَلْدِ وَنَحْوِهِ ، فَقَدْ يَكُونُ " قَاتِلًا " وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ حَدَثَ مِثْلُهُ مِنْ " جَانٍ " مُتَعَدٍّ لَتَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ ، وَإِذَا مَاتَ بِهِ الْمَحْدُودُ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدُّ " الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ " قُلْت وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا أَفْضَى إلَى الضَّمَانِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إذْ جَوَازُهُ " مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ " الْعَاقِبَةِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ الشَّرْطُ ، فَكَذَا شُرُوطُهُ ، وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآنَ بِالْمَنْعِ ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَصْلُ عَدَمَ الشَّرْطِ ، كَمَا فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّوَقُّفِ ، فَلَا يُحْكَمُ بِجَوَازٍ وَلَا مَنْعٍ عَمَلًا بِحُكْمِ الشَّرْطِ .
السَّهْوُ مَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ وَطَرِيقُهُ الْفِعْلُ ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ ، كَتَرْكِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ .
وَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، وَطَرِيقُهُ التَّرْكُ خُولِفَ فِيهِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ ، كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ ، وَسَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي حَرْفِ الْجِيمِ فِي الْجَهْلِ .
وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْ السَّهْوِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا وَقَعَ بَعْدَ عَمْدٍ لِوُقُوعِهِ فِي ضِمْنِهِ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ فَجَامَعَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ ، لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا وَتَكَلَّمَ عَامِدًا ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَلْيَنْظُرْ فِي الْفَرْقِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا كَثُرَ وَطَالَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ ، إذَا صَلَّى الرَّجُلُ نَافِلَةً ثُمَّ سَهَا فَأَحْرَمَ فِي مَكْتُوبَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَرِيبًا جَلَسَ ، فَفَرَغَ مِنْ النَّافِلَةِ " وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَابْتَدَأَ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ تَطَاوَلَ قِيَامُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَوْ رَكَعَ " وَسَجَدَ لَهَا بَطَلَتْ النَّافِلَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ وَكَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْمَكْتُوبَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَهَا فِي مَكْتُوبَةٍ حَتَّى دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَإِنْ كَانَ " مَا عَمِلَهُ " فِي النَّافِلَةِ قَرِيبًا رَجَعَ إلَى الْمَكْتُوبَةِ وَأَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَطَاوَلَ وَرَكَعَ مِنْهَا رَكْعَةً " بَطَلَتْ الْمَكْتُوبَةُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا " انْتَهَى " وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ تُبْطِلُ ( مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَا يُؤَثِّرُ الْفِعْلُ الْكَثِيرُ ) مَعَ النِّسْيَانِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُخَالِفًا لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ .
السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ وَالسَّهْوُ لِسُجُودِ السَّهْوِ يَقْتَضِي السُّجُودَ فَالْأَوَّلُ ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ سَلَّمَ بَيْنَهُمَا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي السُّجُودِ الثَّانِي فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى كَمَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ " الْمُصَغَّرُ " لَا يُصَغَّرُ ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إذَا سَهَا بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ سَجَدَ .
وَالثَّانِي كَمَا لَوْ شَكَّ " هَلْ " فَعَلَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ أَوْ هَلْ قَنَتَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ ثَانِيًا ، لِأَنَّ سَهْوَهُ هَذَا لِلسُّجُودِ فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ .
السَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ الْأَرْشُ .
وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا لَهُ لَا يَضْمَنُهُ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ .
وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ " لِعَبْدِهِ " لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِئَلَّا يَعْرَى النِّكَاحُ عَنْ الْمَهْرِ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَجِبُ وَيَدُومُ .
أَمَّا فِي الدَّوَامِ " فَيَثْبُتُ " كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ فَلَا يَسْقُطُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمَا الْمَاوَرْدِيُّ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ لِغَيْرِهِ " أَوْ عِتْقِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ يُمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقِهِ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ أَنَّ الرِّقَّ الْمُقَارِنَ لِلْعَقْدِ دَفَعَ الْمَهْرَ بَعْدَ جَرَيَانِ مُوجِبِهِ فَلَمْ يَكُنْ " تَعْرِيَةً " لِلْعَقْدِ عَنْ الْمَهْرِ ، بَلْ جَرَى الْمُوجِبُ وَاقْتَرَنَ بِهِ " الدَّفْعُ " فَانْدَفَعَ وَالِانْدِفَاعُ فِي مَعْنَى الِانْقِطَاعِ أَوْ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ " قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهِيَ مُبَاحَثَةٌ جَلِيلَةٌ تَلَقَّاهَا الْغَزَالِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَنْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ مِلْكُهُ بِمُوجَبِ الْعِتْقِ لَا أَنَّهُ حَصَلَ ثُمَّ انْقَطَعَ " ، قَالَ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إذَا بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ قَبْلَ الْوَطْءِ وَوُجِدَ الْوَطْءُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ يَثْبُتُ لَهَا " وَلِسَيِّدِهَا " الْمَهْرُ ، وَالرَّافِعِيُّ حَكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ ، إذَا قُلْنَا بِوَجْهِ الثُّبُوتِ ثُمَّ السُّقُوطِ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ الْحُرَّةُ ثُمَّ وُجِدَ الدُّخُولُ ، لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ
فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا عَتَقَتْ أَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ يَجِبُ الْمَهْرُ ، كَمَا فِي الْمُفَوِّضَةِ .
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ التَّقْرِيرِ يَدْفَعُهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا ثُبُوتُ دَيْنِ " السَّيِّدِ " عَلَى عَبْدِهِ ابْتِدَاءً بِسَبَبٍ قَارَنَ مِلْكَهُ فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا أَيْ أَنْ يَثْبُتَ وَيَدُومَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا ، فَإِنْ كَانَ " فَكَذَلِكَ " خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ .
الثَّانِيَةُ - دَوَامُ دَيْنٍ " ثَبَتَ " لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ مِلْكِهِ وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " الثُّبُوتُ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
الثَّالِثَةُ - دَوَامُ مَا ثَبَتَ لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ .
حَرْفُ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ الشَّبَهُ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أُنِيطَ الْحُكْمُ بِأَصْلٍ " يَتَعَذَّرُ " انْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ شَبَهٍ بِهِ .
ثُمَّ تَارَةً يَكُونُ الشَّبَهُ مَعْنَوِيًّا كَمَا فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ ، فَإِنَّ الْكِتَابَ أَصْلٌ فِي الدَّلَالَةِ ، وَكَذَلِكَ " السُّنَّةُ " ، فَإِذَا فُقِدَا عَلَى الْمُجْتَهِدِ انْتَقَلَ لِلْقِيَاسِ .
وَتَارَةً يَكُونُ " صُورِيًّا " كَجَزَاءِ الصَّيْدِ .
وَلِهَذَا يَجِبُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ، لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهَا صُورَةً ، وَكَذَا فِي الْغَزَالِ عَنْزٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ ، وَتَجِبُ الْبَقَرَةُ الْإِنْسِيَّةُ فِي الْوَحْشِيَّةِ .
وَمِنْهَا : إلْحَاقُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ بِالْإِنْسِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ ، بِخِلَافِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ لَا تَلْتَحِقُ بِالْإِنْسِيَّةِ " مِنْهَا " لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ تِلْكَ وَاتِّحَادِ هَذِهِ .
وَمِنْهَا : حَيَوَانُ الْبَحْرِ الصَّحِيحُ حِلُّ أَكْلِهِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ ، فَمَا أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَرِّيِّ أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَحْرِيِّ .
وَعَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ " حِمَارُ " الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ ، فَأَلْحَقُوهُ بِشَبَهِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْحِلُّ .
وَمِنْهَا : اقْتِرَاضُ الْحَيَوَانِ فَفِي رَدِّ مِثْلِهِ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمِثْلُ { اقْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا } ، وَالْقِيَاسُ الْقِيمَةُ .
وَمِنْهَا : إيجَابُ قِيمَةِ شَاةٍ " أَوْ " عِجْلٍ عِوَضًا عَنْ خِنْزِيرٍ ، وَإِيجَابُ قِيمَةِ عَصِيرٍ أَوْ خَلٍّ عِوَضًا عَنْ خَمْرٍ فِي نَحْوِ صَدَاقٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ .
وَمِنْهَا : فِي بَابِ الرِّبَا ، إذَا كَانَ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ .
وَمِنْهَا : الِانْتِقَالُ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ فِي إبِلِ الْعَاقِلَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْقُوتِ وَكَذَا لَوْ خَرِبَ مَسْجِدٌ وَمَا حَوْلَهُ نُقِلَ إلَى أَقْرَبِ
مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهُ .
وَمِنْهَا : إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا وَلَا يُعْرَفُ لَهُ " شَبَهٌ يُوقَفُ " .
" الشُّبْهَةُ " فِيهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : أَنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الْفَاعِلِ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً وَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، وَفِي الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ فِيهَا مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ ، كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَأَمَةِ " ابْنِهِ " أَوْ مُكَاتَبِهِ ، وَفِي الطَّرِيقِ بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا عِنْدَ قَوْمٍ حَرَامًا عِنْدَ آخَرِينَ ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِلتَّدَاوِي وَحَكَمْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حَدَّ فِي الْأَصَحِّ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا ، كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْخَاءِ .
وَلَوْ سَرَقَ وَادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ سَقَطَ الْقَطْعُ عَلَى النَّصِّ وَأُلْحِقَ بِهِ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِيمَا لَوْ وَطِئَ " مَنْ " لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ .
وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ الْمُخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالشُّبْهَةِ وَعَدَمِهَا خَمْسَةٌ : النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ " وَاعْتِبَارُهُمَا " بِالرَّجُلِ فَإِنْ ثَبَتَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ ثَبَتَا ، وَإِلَّا فَلَا .
" وَالثَّالِثُ " : الْمَهْرُ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْمَرْأَةِ .
وَالرَّابِعُ : - الْحَدُّ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ " بِمَنْ " " وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا " .
وَالْخَامِسُ : - حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِنْ " شَمِلَتْهَا " الشُّبْهَةُ " تَثْبُتُ " ، وَإِنْ اخْتَصَّتْ بِأَحَدِهِمَا ، فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُهَا بِالرَّجُلِ ، وَقِيلَ بِهِمَا ، وَقِيلَ " بِمَنْ " وُجِدَتْ مِنْهُ ، وَلَا تَسْقُطُ التَّعْزِيرَاتُ بِالشُّبْهَةِ ، قَالُوا لَوْ وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ يُعَزَّرُ مُعْتَقِدُ التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ رَجْعَةٌ .
وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُفَارِقُ فِيهَا التَّعْزِيرُ الْحَدَّ .
وَهَلْ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي تَبَعًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ كَفَّارَةَ الصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْحَجِّ .
وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ الصَّائِمُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَبَانَ خِلَافُهُ قَضَى ، وَلَا كَفَّارَةَ .
وَلَوْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ نَاسِيًا وَقُلْنَا إنَّهُ فَسَدَ حَجُّهُ " وَجَبَتْ " عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " " عَلَى " أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَارَ مُفْطِرًا بِالْأَكْلِ نَاسِيًا لَمْ " تَلْزَمْهُ " الْكَفَّارَةُ لِلشُّبْهَةِ ، وَكَذَا " لَوْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ ، ثُمَّ بَانَ طُلُوعُهُ لَا كَفَّارَةَ ، لَكِنْ قَالُوا " لَوْ أَصْبَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يُفْطِرْ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ .
وَلَوْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ ، فَلَمْ يُرَاعُوا شُبْهَةَ الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ .
أَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ " غَرَامَةً " ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْعُقُوبَةَ ، فَالْتَحَقَتْ بِالْحَدِّ فِي الْإِسْقَاطِ ، قَالَهُ الْقَفَّالُ .
الثَّانِي : هَلْ تُسْقِطُ الْإِثْمَ وَالتَّحْرِيمَ .
أَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ كَوَطْءِ " الْجَارِيَةِ " الْمُشْتَرَكَةِ وَفِي الطَّرِيقِ كَالْوَطْءِ بِبَيْعٍ وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَحَرَامٌ .
" وَأَمَّا فِي الْفَاعِلِ " كَوَطْءِ مَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : حَرَامٌ وَلَا إثْمَ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ .
وَالثَّانِي : لَيْسَ بِحَرَامٍ إذْ لَا إثْمَ فِيهِ .
وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا " بِحُرْمَةٍ " .
الثَّالِثُ : { جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّبْهَةَ وَسَطًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ } .
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي الْوَدَائِعِ " أَمَّا " الشُّبْهَةُ " فَهِيَ " الشَّيْءُ الْمَجْهُولُ تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَجِبُ فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ التَّوَقُّفُ " عَنْ " التَّنَاوُلِ لَهَا فَإِذَا لَمْ يَجِدْ غِنًى عَنْهَا تَنَاوَلَ " مِنْهَا " عَلَى حَسَبِ الْكِفَايَةِ " لَا عَلَى " حَسَبِ الِاسْتِكْثَارِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمَيْتَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ فَالشُّبْهَةُ دُونَهَا انْتَهَى .
وَتَوَسَّعَ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ سُئِلْت عَنْ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَقُلْت هَذَا لَيْسَ زَمَانَ الشُّبْهَةِ اجْتَنِبْ مَا عَرَفْته حَرَامًا يَقِينًا .
وَالتَّحْقِيقُ انْقِسَامُ الشُّبْهَةِ إلَى مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ ، فَالْأَوَّلُ مَا أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ ، وَأَشْبَهَ التَّحْلِيلَ فَرَجَعَ لِلْأَصْلِيِّ ، وَالثَّانِي مَا أَصْلُهُ الْحِلُّ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْغُرَابِ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ وَعَدِمَهُ رَجُلَانِ ، وَجَهِلَ لَا يُحْكَمُ بِطَلَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَلْزَمُهُمَا اجْتِنَابُهُمَا ، لِأَنَّ " الْحِلَّ " ، كَانَ مَعْلُومًا ، لَكِنَّ الْوَرَعَ الِاجْتِنَابُ وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ مِنْ " الشُّبْهَةِ " " التَّنَاهُدَ " ، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْ الرُّفْقَةِ نَفَقَةً عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ وَقَالَ
لَا بَأْسَ بِهَا ، إلَّا أَنَّ تَرْكَهَا أَشْبَهَ بِالْوَرَعِ ، قَالَ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ الرُّفْقَةُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامٍ " فَذَلِكَ " أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ " النَّهْدِ " .
" وَقَالَ " النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ مِنْ الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ الِاشْتِرَاكُ " لِلْمُسَافِرِينَ " فِي الزَّادِ مَجْلِسًا مَجْلِسًا ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَصَحَّتْ فِيهِ " الْأَحَادِيثُ " .
وَمَنَاطُ الِاشْتِبَاهِ أَنْوَاعٌ : أَحَدُهَا : تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ .
ثَانِيهَا : تَعَارُضُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ ، بِأَنَّهَا تُلْحَقُ .
ثَالِثُهَا : اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ وَعُسْرُ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا .
رَابِعُهَا : اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ وَمَا عَدَا هَذَا فَالشُّبْهَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا لَا الْوَرَعِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَنْ تَرَكَ النِّكَاحَ فِي بَلَدٍ كَبِيرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ " يَكُونَ " فِيهَا مَحْرَمًا لَهُ مَكْرُوهٌ .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالْوَسْوَاسِ دَقِيقٌ عَسِرٌ ، فَالْمُتَسَاهِلُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَرَعِ وَسْوَاسًا وَالْمُتَشَدِّدُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَسْوَاسِ وَرَعًا وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ " رَخَّصَ مَنْزِلَةً وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا " رَجَعَ " إلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ بِوَسْوَاسٍ ، وَلَا أُرِيدُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُفِيدَةَ " لِلْعُمُومِ .
فُرُوعٌ : نَقَلَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ إحْيَاءِ الْغَزَالِيِّ : قَالَ : لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ طَعَامٍ حَلَالٍ ، " لِكَوْنِهِ " حَمَلَهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا وَرَعًا ، بَلْ وَسْوَاسٌ " مُتَنَطِّعٌ " مَذْمُومٌ .
قَالَ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ غَزْلَ زَوْجَتِهِ فَبَاعَتْ غَزْلَهَا وَوَهَبَتْهُ الثَّمَنَ لَمْ يُكْرَهْ أَكْلُهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَيْسَ بِوَرَعٍ ، بَلْ وَسْوَاسٍ .
قَالَ : وَمِنْ الْوَرَعِ الْمَحْبُوبِ تَرْكُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ اخْتِلَافًا مُحْتَمَلًا وَيَكُونُ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ مَنْ أَبَاحَهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ دَلِيلُ الْمُبِيحِ حَدِيثًا " قَوِيًّا " .
" وَالْأَرْضُ " الْمَغْصُوبَةُ إذَا جُعِلَتْ شَارِعًا لَمْ يَجُزْ الْمُرُورُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ جَازَ ، وَالْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ إنْ أَمْكَنَ الْعُدُولُ عَنْهَا .
فَإِنْ " كَانَتْ " الْأَرْضُ " مُبَاحَةً " ، وَعَلَيْهَا سَابَاطٌ مَغْصُوبُ الْأَخْشَابِ وَغَيْرِهَا جَازَ الْمُرُورُ تَحْتَهُ ، فَإِنْ قَعَدَ تَحْتَهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ فَهَذَا حَرَامٌ ، لِأَنَّ السَّقْفَ لَا يُرَادُ إلَّا لِهَذَا .
قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْمَسْجِدِ مُبَاحَةً وَسُقِّفَ بِحَرَامٍ جَازَ الْمُرُورُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ الْقُعُودُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ ، وَهُوَ " مِنْ بَابِ " الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ وَالنَّظَرُ فِي مَرَآتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَلَالٌ وَفِي بَعْضِهِ شُبْهَةٌ وَلَهُ عِيَالٌ وَلَا يَفْضُلُ " عَنْ " حَاجَتِهِ ، " فَلْيَخُصَّ " نَفْسَهُ بِالْحَلَالِ ثُمَّ مَنْ يَعُولُ ، " وَلْيَخُصَّ " بِالْحَلَالِ " قُوتَهُ " وَلِبَاسَهُ ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُجْرَةِ حَجَّامٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنْ تَعَارَضَ اللِّبْسُ " وَالْقُوتُ " فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ " الْقُوتِ " بِالْحَلَالِ ، لِأَنَّهُ " يَمْتَزِجُ " بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَلِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةُ أَثَرٌ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَفَائِدَتُهَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ ، وَقَالَ " الْمُحَاسِبِيُّ " يَخْتَصُّ الْكِسْوَةَ بِالْحَلَالِ ، لِأَنَّهَا تَبْقَى مُدَّةً .
وَهَذَا مُحْتَمَلٌ ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إلَّا مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ ، " فَإِنْ كَانَتْ " شُبْهَةٌ لَزِمَهُ ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ .
الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : وَضْعُهُ التَّأْثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَسِّسًا لَا مُؤَكِّدًا ، وَقَدْ يَرِدُ مُؤَكِّدًا ، إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ مُقْتَضَاهُ مِنْ التَّسْلِيمِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي تَأْثِيرِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُحْرِمُ عِنْدَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُ لَهُ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .
الثَّانِي : الشَّرْطُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا .
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مَاضٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي بَابِ " الْكِتَابَةِ " ، وَفِي " الطَّبَقَاتِ لِلْعَبَّادِيِّ " عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا إذَا قَالَ : يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ " شَاءَ " اللَّهُ " تَعَالَى " ، لَا تَطْلُقُ وَهُوَ قَاذِفٌ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ اسْمٌ لَهَا وَخَبَرٌ عَنْ عَمَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْمِ .
وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ وَهُوَ وَاقِعٌ وَيَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُ وُقُوعِهِ بِمَشِيئَةٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّشْكِيكِ فِي الْخَبَرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " انْتَهَى .
" قَالَ " الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا ، بَلْ يَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " لَا عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي إيمَانِهِ ، بَلْ عَلَى " مَعْنَى نَفْيِ " الْخَوْفِ مِنْ سُوء الْعَاقِبَةِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ " ، " فِيمَا " خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَا فِيمَا مَضَى وَظَهَرَ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ " تَيَقَّنَ " أَنَّهُ أَكَلَ " وَشَرِبَ " أَنْ يَقُولَ : أَكَلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَشَرِبْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " " وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ " آكُلُ وَأَشْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " " انْتَهَى " .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " يُعْلَمُ فَسَادُ مَا أَفْتَى " بِهِ " الْبَارِزِيُّ " ، فِيمَا لَوْ فَعَلَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْته إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، قَالَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْفِعْلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ قَسَمَهُ ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ فِي " نَفْيِ الْغَصْبِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا غَصَبْته إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " يُعَدُّ نَاكِلًا وَيُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ثَانِيًا ، فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ " يَقَعُ " فِي الْمَاضِي لَمَا جَعَلُوهُ نَاكِلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ نُكُولَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ جَوَابِ الْحَاكِمِ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : قُلْ : بِاَللَّهِ ، فَقَالَ : بِالرَّحْمَنِ عُدَّ " نَاكِلًا وَإِنْ " لَمْ تَحْصُلْ الْمُخَالَفَةُ ، إلَّا فِي اللَّفْظِ .
الثَّالِثُ : كُلُّ مَا لَوْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ " أَبْطَلَ " فَإِذَا نَوَيَاهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ كَانَ مَكْرُوهًا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي الصَّرْفِ وَهِيَ " كَرَاهَةُ " تَنْزِيهٍ وَقِيلَ تَحْرِيمٍ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ .
وَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَهُ " ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ " .
وَمِنْهُ : نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ .
وَمِنْهُ : الْحِيلَةُ فِي التَّفَرُّقِ " مِنْ تَقَابُضٍ فِي الرِّبَوِيِّ " .
وَمِنْهُ : إذَا وَاطَأَ غُلَامَهُ الْحُرَّ أَوْ صَدِيقَهُ فَبَاعَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ " أُجْبِرَ " بِالْعِشْرِينَ فَأَمَّا الْعَقْدُ مَعَ الْغُلَامِ " فَمَكْرُوهُ " لِمَا ذَكَرْنَا .
وَأَمَّا " الْعَقْدُ الثَّانِي " وَالْإِجْبَارُ فَقَالَ الْأَكْثَرُ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ يُحَرَّمُ ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ تَفَقُّهًا ، لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَاعٌ ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ ثَبَتَ " لَهُ " الْخِيَارُ عَلَى أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ .
" وَلَوْ لَمْ " تَجْرِ مُوَاطَأَةٌ ، وَلَكِنْ جَرَى الْعَقْدَانِ " فِيهِ " بِهَذَا الْقَصْدِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ .
الرَّابِعُ : الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعَقْدِ ، هَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَا أَمْ يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
هَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ " الْمُهِمَّةِ " وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَذَكَرَ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الرِّبَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ جُزَافًا ، وَلَا بِالتَّخْمِينِ .
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ جُزَافًا فَخَرَجَا مُتَمَاثِلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، لِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ ، وَشُرُوطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ ، وَلِهَذَا لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ أُخْتُهُ أَمْ مُعْتَدَّةٌ أَمْ لَا ، لَمْ يَصِحُّ النِّكَاحُ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَسْأَلَةَ النِّكَاحِ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَفِي الْبَحْرِ " قُبَيْلَ " بَابِ " الرِّبَا " لَا يَحْرُمُ " الْحَلَالُ " .
لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ خَطَؤُهُ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ إذَا وَطِئَهَا .
وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَعِنْدِي هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ انْتَهَى .
وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ، أَنَّهُ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ عَقْدًا فَاسِدًا ، ثُمَّ عَقَدَ عَلَى أُخْتِهَا ، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الْأَوَّلِ صَحَّ الثَّانِي ، عَلِمَ بِإِخْوَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأُخُوَّةِ الثَّانِيَةِ ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَعَقَدَ عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الْأَوَّلِ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ ظَاهِرًا ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بِكُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ هَزْلٌ بِهَذَا النِّكَاحِ ، وَهَزْلُ النِّكَاحِ جِدٌّ لِلْحَدِيثِ انْتَهَى .
وَفِي الْحَاوِي لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَلَهَا أُخْتٌ فَعَقَدَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوْ أُخْتُهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا " غَيْرُ " الْمُطَلَّقَةِ .
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ ظَانًّا أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِعِدَّةٍ أَوْ لِعَانٍ ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ لِاعْتِقَادِهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ ، لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِنْ مُكَاتَبِهِ كِتَابَةً فَاسِدَةً لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَهَا ، لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ظَاهِرًا ، ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ ، أَنَّهُ لَوْ " تَزَوَّجَ " أَمَةَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ " مَيِّتًا " صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْأَظْهَرِ ، وَقَالَ فِي بَابِ الْعَدَدِ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ ، إذَا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ فَبَانَ " حَيًّا " عِنْدَ التَّزْوِيجِ ، فَعَلَى الْقَدِيمِ لَا إشْكَالَ وَعَلَى الْجَدِيدِ يَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا ، وَذَكَرَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ وَلَّى رَجُلًا الْقَضَاءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَهْلِيَّتَهُ لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَهْلِيَّتُهُ مِنْ بَعْدُ .
وَذَكَر النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ بِشَهَادَةِ خُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ خُنْثَى فَبَانَ رَجُلًا لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مُعْتَبَرَةٌ .
وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " لَوْ زَوَّجَ الْقَاضِي امْرَأَةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ لِصُلْبِهِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَظْهَرِ ، لِأَنَّ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ ، وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، " وَجَزَمَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْبَيْعِ ، وَقَرِيبٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَاضِي مَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَطَأٌ ، " ثُمَّ بَانَ " لَهُ مُسْتَنَدٌ غَيْرُهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الَّتِي تَعْتَمِدُ الظُّنُونَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يَكْفِي وُجُودُ " الْمُسْتَنَدِ " فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ ، قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُسَمَّاةَ بِنْتُ ابْنِ الْمُزَوِّجِ ، وَهُوَ جَدُّهَا لِأَبِيهَا ، هَلْ يَصِحُّ ؟ أَجَابَ إنْ عَيَّنَاهَا بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا صَحَّ وَكَذَا بِالنِّيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ " إطْلَاقُ " الْبِنْتِ عَلَى بِنْتِ الِابْنِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِصُلْبِهِ بِنْتٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ صَحَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَلَا .
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمَ كَالْأَبْضَاعِ وَالرِّبَا فَيُحْتَاطُ فِيهِ وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُ أَمَةِ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ وَشَهَادَةُ الْخُنْثَى ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ ثُمَّ بَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ " الْعِدَّةِ " فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَوَجْهُ " خُرُوجِهَا " عَنْ " هَذِهِ " الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْخَلَلَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ لَا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ ، فَكَانَ أَخَفَّ .
وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ بِخُنْثَى ثُمَّ بَانَ " أَنَّهَا " امْرَأَةٌ ، لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْخُنْثَى إذَا بَانَ رَجُلًا مَا ذَكَرْنَا وَمَسْأَلَةُ الْقَاضِي إذَا وَلِيَ ثُمَّ بَانَ أَهْلِيَّتُهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ الْمَجْهُولِ حَالُهَا سَوَاءٌ ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَاطُ فِي الْأَبْضَاعِ يُحْتَاطُ فِي الْقَاضِي ، لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْبَابَيْنِ فِي قُوَّةِ الْمَأْخَذِ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ لَوْ وَقَعَ الْحَاكِمُ إلَى فَقِيهٍ " لِيُزَوِّجَهُ " فُلَانَةَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُوَقِّعَ إلَيْهِ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَهُ ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا قِيَاسًا ، عَلَى مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَكَانَ عَمْرًا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ .
الْخَامِسُ : الشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَيُبْطِلُ الشَّرْطَ ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ ، وَالرَّابِعُ : شَرْطٌ ذِكْرُهُ شَرْطٌ .
فَالْأَوَّلُ : كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِ أَنْ لَا " يَتَسَلَّمَهُ " أَوْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ ، وَيُسْتَثْنَى الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ ، إذَا قُلْنَا لَا يَبْرَأُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، لِاشْتِهَارِ " الْقَضِيَّةِ " بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، بِخِلَافِ شَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ .
وَالثَّانِي : كَمَا إذَا شَرَطَ مَا لَا يُنَافِيه وَلَا يَقْتَضِيه وَلَا غَرَضَ فِيهِ ، كَشَرْطِ أَنْ لَا يَأْكُلَ أَوْ لَا يَلْبَسَ إلَّا كَذَا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَعَزَّى لِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " " وَلَيْسَ كَذَلِكَ " .
وَقَالَ الْقَفَّالُ لَوْ قَالَ بِعْتُك الطَّعَامَ عَلَى أَنْ تَأْكُلَهُ وَالْأَمَةَ عَلَى أَنْ تَطَأَهَا إنْ قَصَدَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ بَطَلَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَك ذَلِكَ صَحَّ " الْبَيْعُ " .
وَالثَّالِثُ : كَمَا إذَا شَرَطَ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَمَصَالِحُهُ ، كَشَرْطِ " الْخِيَارِ " وَالْأَجَلُ وَالرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالْإِشْهَادُ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا مُؤَكَّدًا ، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَاغٍ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ : إنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، قَالَ وَهَذَا بَحْثٌ لَفْظِيٌّ .
قُلْت : يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ " مَا لَوْ اخْتَلَفَ " الشَّرْطُ ، وَقُلْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ ، كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَالثَّانِي " يُفْسَخُ " بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَاغٍ ، فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَ الْبَائِعَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنَعِ مِنْهُ .
وَالرَّابِعُ : بَيْعُ الثِّمَارِ
قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ شَرْطُ الْقَطْعِ ، وَلَوْ بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " وَكَذَا الزَّرْعُ الْأَخْضَرُ ، لَكِنْ إذَا بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ، وَلَيْسَ لَنَا شَرْطٌ يَجِبُ ذِكْرُهُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ فِي الْبَيْعِ مُبْطِلٌ ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " : بِعْتُك إنْ شِئْت .
الثَّانِيَةُ : إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ ، وَكَانَ مَالِكًا لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ " وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ " التَّنَازُعِ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَمُوَكِّلِهِ - وَقَوْلُهُ إنْ كُنْت أَمَرْتُك بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُكهَا " بِهَا " .
الثَّالِثَةُ : الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ إذَا قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى مِائَةٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَقَاعِدَةُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ ، إلَّا فِيمَا سَبَقَ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَإِلَّا فِي الْقَرْضِ إذَا شَرَطَ فِيهِ " مُكَسَّرًا " عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ " يُقْرِضَهُ " غَيْرُهُ لَغَا الشَّرْطُ ، وَلَا " يَفْسُدُ " الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ .
" فَائِدَةٌ " قَالَ الْإِمَامُ " فِي بَابِ الْقِرَاضِ قَبُولُ الشَّرْطِ شَرْطٌ مِنْ الْقَابِلِ وَكَأَنَّهُ شَرْطُهُ " .
" شَرْطُ الْعِلَّةِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الْعِلَّةِ فِيهِ جَوَابَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَحْصُلْ ، إلَّا " بِهَا " .
وَالثَّانِي : لَا ، بَلْ الْحُكْمُ صَادِرٌ عَنْ الْعِلَّةِ ، وَهَذَا شَرْطٌ " فَيُضَمُّ " إلَى الْعِلَّةِ فَيَقْوَى بِهَا وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْعِلَّةِ .
وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ : مِنْهَا : لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهُ وَاثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ لَهُ فَقُتِلَ ، ثُمَّ رَجَعُوا ، فَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ أَيْضًا وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا هَذَا الْأَصْلُ .
وَمِنْهَا : شُهُودُ التَّعْلِيقِ وَشُهُودُ الصِّفَةِ ، إذَا رَجَعُوا فَعَلَى مَنْ يَجِبُ الْغُرْمُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى شُهُودِ التَّعْلِيقِ وَالثَّانِي عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ .
تَنْبِيهٌ : الْفَرْقُ بَيْنَ شَطْرِ الْعِلَّةِ وَشَرْطِهَا أَنَّ شَطْرَ الْعِلَّةِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ أَوْ الْمُتَضَمِّنُ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ ، وَمَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَلَا يُنَاسِبُ هُوَ الشَّرْطَ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرٌ " مُؤَثِّرٌ " ، لَيْسَ نَفْسَ الْمُؤَثِّرِ وَلَا جُزْأَهُ .
الشُّرُوعُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ وَلِهَذَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ " صَلَاةِ " الْجَمَاعَةِ إلَى الِانْفِرَادِ وَلِطَالِبِ الْعِلْمِ التَّرْكُ فِي الْأَصَحِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " : الْحَجُّ إذَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَهُ " إتْمَامُهُ " ، لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ .
الثَّانِيَةُ : الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ ، وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فِي نُصُوصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " .
.
الثَّالِثَةُ : الْجِهَادُ يَجِبُ إتْمَامُهُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهِ .
الرَّابِعَةُ : صَلَاةُ الْجِنَازَةِ " خِلَافًا " لِلْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ لَهُ قَطْعَهَا .
إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِقَطْعِهِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى عَلَيْهَا " مَرَّةً " ، فَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً " فَسَقَطَ " الْفَرْضُ ، ثُمَّ صَلَّى آخَرُونَ فَفِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُمْ " احْتِمَالَانِ " لِوَالِدِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا قَالَ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ لَزِمَهُ وَلَا " يَسُوغُ " لَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصِّيَامِ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ .
قَالَ الْقَفَّالُ : وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ كَالْأَدَاءِ فِي [ كَوْنِهِ بِيَوْمٍ ] تَامٍّ ظَرْفًا لَهُمَا ، وَالْقَصْرُ جُزْءٌ مِنْ الْإِتْمَامِ ، وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيسِهِ " بِأَنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ فِعْلُهُ " فِي أَحَدِ " الْوَقْتَيْنِ " أَمَّا " رَمَضَانُ " أَوْ مَا بَعْدَهُ " ، فَإِذَا عُيِّنَ هَذَا الْيَوْمُ لَا يَلْزَمُ ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ " فِي الْوَقْتِ " ، وَالْإِتْمَامُ صِفَةٌ ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا بِصِفَةٍ
لَزِمَتْ الصِّفَةُ ، قَالَ : وَلَا يُرَدُّ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَصْرًا ثُمَّ أَتَمَّ فَإِنَّهُ لَمْ [ يُبَدِّلْ صِفَةً ] ، بَلْ زَادَ شَيْئًا آخَرَ انْتَهَى .
" أَمَّا " الشَّارِعُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ ، إذَا أَرَادَ قَطْعَهُ فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنْ الْفِعْلِ حُرِّمَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَفُتْ بِقَطْعِهِ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ لِلشَّارِعِ ، بَلْ حَصَلَتْ بِتَمَامِهَا ، كَمَا إذَا شَرَعَ فِي إنْقَاذِ غَرِيقٍ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ لِإِنْقَاذِهِ جَازَ قَطْعًا .
نَعَمْ ذَكَرُوا فِي اللَّقِيطِ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ لَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ ، لَكِنْ لَا عَلَى التَّمَامِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْقَطْعَ أَيْضًا كَالْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ يَنْفَرِدُ ، وَإِنْ قُلْنَا الْجَمَاعَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَالشَّارِعُ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّ قَطْعَهُ لَهُ لَا يَجِبُ " بِهِ " بُطْلَانُ مَا عَرَفَهُ أَوَّلًا ، لِأَنَّ بَعْضَهُ لَا يَرْتَبِطُ بِبَعْضٍ ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ ، " فَالصُّوَرُ " ثَلَاثَةٌ : قَطْعٌ يُبْطِلُ الْمَاضِيَ فَيَبْطُلُ قَطْعًا ، وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَفُوتُ الشَّاهِدُ فَيَجُوزُ قَطْعًا ، " وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُ " أَصْلَ الْمَقْصُودِ ، وَلَكِنْ يُبْطِلُ " أَمْرًا " مَقْصُودًا " عَلَى " الْجُمْلَةِ ، فَفِيهِ خِلَافٌ .
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ .
أَمَّا فَرْضُ الْعَيْنِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهُ لَزِمَ وَامْتَنَعَ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اتَّسَعَ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ مِنْ التَّرَاخِي إلَى الْفَوْرِيَّةِ ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي الْقَضَاءِ الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي تَعَيَّنَ " بِالشُّرُوعِ " حَتَّى لَا يَجُوزَ الْخُرُوجُ " مِنْهُ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ " فَقَالَ : وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا أَوْ صَلَاةً نَذَرَهَا أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ مَا كَانَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ " مِنْهَا " .
بِلَا عُذْرٍ مِمَّا وُصِفَتْ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَامِدًا كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا عِنْدَنَا .
انْتَهَى .
وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَسِيطِ عَنْ الْأَصْحَابِ ، وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَالَ : الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ ، وَكَذَا " الْمُضِيَّةُ " عَلَى التَّرَاخِي يَجُوزُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ ، لِأَنَّ الْوَقْتَ مُوَسَّعٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ " هَكَذَا " بَعْدَ الشُّرُوعِ ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ صَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَتَمَسَّكَ بِالنَّصِّ الْآتِي فِي الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا ثُمَّ يَجِدُ جَمَاعَةً لَهُ الْخُرُوجُ ، لِيُدْرِكَ الْجَمَاعَةَ وَتَابَعَهُ فِي الْوَسِيطِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ ، وَلَا دَلِيلَ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ .
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنْ يُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا أَوْ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ الْجَمَاعَةُ ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي قَطْعِهَا لِإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِلَا عُذْرٍ فَإِنَّهُ عَابِثٌ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُسَافِرِ فَإِنَّ عُذْرَهُ مُسْتَمِرٌّ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَبَعْدَهُ فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، إذَا " أَقَامَ " أَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ ، فَإِنْ قِيلَ
إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ قَاصِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ ، مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ مَوْجُودٌ .
" قُلْنَا " الْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الصَّلَاةِ قَصِيرٌ وَزَمَنَ الصَّوْمِ طَوِيلٌ .
" وَسَبَقَ " عَنْ الْقَفَّالِ فَرْقٌ آخَرُ ، وَفِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ ، لِتَبَرُّعِهِ بِالشُّرُوعِ .
" هَذَا " كُلُّهُ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ .
أَمَّا الْمُكَفِّرُ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِنِيَّةِ الِاسْتِئْنَافِ ؟ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ ، أَمَّا إذَا خَاضَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى إبْطَالِهِ بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّوْمِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيهِ " تَعَرُّضٌ " لِإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لَهُ " ذَلِكَ " ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ جَوَازَ التَّرْكِ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : الَّذِي يَقْتَضِيه الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ كَصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ .
قُلْت : بَلْ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا سَبَقَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ ، وَمَا رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ بَنَاهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا كَانَ مُتَّسِعًا فَالشُّرُوعُ " غَيْرُ " مُلْزِمٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ ، لِيَخْرُجَ ثَلَاثُ صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " : لَوْ شَرَعَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ فِي الْوَقْتِ سَعَةً فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ .
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : وَعَلَى الشَّاذِّ يَجِبُ إتْمَامُ " الْفَائِتَةِ " .
" الثَّانِيَةُ " : إذَا تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ وَجَدَ جَمَاعَةً ، فَقَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، أَحْبَبْت أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ فَتَكُونَ لَهُ نَافِلَةً وَيَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ مَعَ " الْإِمَامِ " وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ الْفَرِيضَةَ وَيَقْلِبَهَا نَافِلَةً ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هَذَا إذَا تَحَقَّقَ إتْمَامُهَا فِي الْوَقْتِ ، وَإِلَّا " حَرُمَ " أَيْ وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ .
" الثَّالِثَةُ " : " إذَا " رَأَى الْمُسَافِرُ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ وَكَانَتْ فَرْضًا ، فَالْأَصَحُّ : أَنَّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ أَفْضَلُ ، وَالثَّالِثُ : يَقْلِبُهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ " وَالرَّابِعُ : يَحْرُمُ قَطْعُهَا " وَإِنْ أَرَادَ إبْطَالَهَا مُطْلَقًا فَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ " مُطْلَقًا ، وَالْخَامِسُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ حَرُمَ الْخُرُوجُ ، وَإِلَّا لَمْ " يَحْرُمْ " ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مُصَلٍّ وَسَوَاءٌ الْمُتَيَمِّمُ وَغَيْرُهُ ، وَتَمَسَّكَ بِنَصِّ " الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجَمَاعَةِ ، وَقَالَ لَوْ كَانَ الْخُرُوجُ مُمْتَنِعًا ، لَمَا جَازَ بِسَبَبِ إدْرَاكِ فَضِيلَةٍ ، وَقَالَ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِتَحَلُّلِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَنْعِ .
وَلِهَذَا الْأَصْلِ أَعْنِي التَّضْيِيقَ بِالشُّرُوعِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ : لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ مُوَجِّهِينَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَقْتَ ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا فَتَعْيِينُهُ مَوْكُولٌ إلَى الْمُكَلَّفِينَ ، فَلَمَّا أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ تَضِيقُ وَأَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " عَلَى " عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ الْفَرْضِ ، وَقَدْ وَجَّهَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ ، حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُوَسَّعًا ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْوِيَ الْقَضَاءَ فَكَيْفَ يَقْضِي مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ .
وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ ، " وَأَيَّدَ " مَا ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ ، وَلَوْ كَانَتْ قَضَاءً لَا يَسَعُ وَقْتٌ فَعَلَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ " أَوْ لَوْ " وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى وَجْهٍ قَالَ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَاطِيهَا عَلَى الْفَوْرِ عَقِبَ الْإِفْسَادِ ، وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِتَعَاطِيهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ .
قُلْت : صَرَّحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِيهَا يَضِيقُ وَقْتُهَا فَيَكُونُ وَقْتَ أَدَائِهَا : زَمَنٌ يَسَعُهَا ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا ، أَنَّهُ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ " الْإِفْسَادِ " أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي يُفْعَلُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشَّفَاعَةُ ضَرَاعَةٌ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ ، سُمِّيَتْ بِهِ ، " لِأَنَّهُ يَشْفَعُ " الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَقَدْ صَحَّ { اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ } وَلِمَا فِيهِ مِنْ إغَاثَةِ الْمُسْلِمِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ .
وَلَا تَكُونُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ لَازِمٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلذَّنْبِ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَقَدْ شَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مِسْطَحٍ " لَمَّا حَلَفَ الصِّدِّيقُ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } الْآيَةَ .
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي " الْحُدُودِ " بَعْدَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ " التَّشْفِيعُ " فِيهِ ، فَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ أَجَازَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَعْ فِيهِ .
أَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَوَاجِبُهَا التَّعْزِيرُ ، فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهَا " وَالتَّشْفِيعُ " سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْإِمَامَ أَمْ لَا ، لِأَنَّهَا أَهْوَنُ ، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ " فِيهِ " صَاحِبَ أَذًى .
قُلْت : وَإِطْلَاقُ " اسْتِحْبَابِ " الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ كَانَ لِلْإِمَامِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِصْلَاحِ وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي إقَامَتِهِ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُهَا .
الشَّرِكَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : تَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِالْمُشْتَرَكِ فِيهِ ، لَكِنْ إذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ شَيْءٍ ، هَلْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ هُوَ عَلَى أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : مَا يُشَارِكُهُ فِيهِ قَطْعًا كَرِيعِ الْوَقْفِ عَلَى جَمَاعَةٍ ، لِأَنَّهُ مُشَاعٌ .
الثَّانِي : " مَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ قَبَضَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الدَّيْن قَدْرَ حِصَّتِهِ ، فَلِلْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الشَّرِكَةِ ، وَقِيلَ لَا يُشَارِكُهُ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمَدْيُونُ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجِدُ مَالًا سِوَاهُ وَوَجَّهَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ الْمُشَارَكَةَ بِأَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ ذَلِكَ بِنِيَابَةِ الْأَبِ لَا لِأَنْفُسِهِمَا .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ رَجُلَانِ اشْتَرَيْنَا مِنْك شَيْئًا بِكَذَا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْإِرْثِ .
وَمِنْهَا : وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ اتِّهَابَهُمَا عَيْنًا مِنْ رَجُلٍ وَأَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُمَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِمَا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَكَذَّبَ الثَّانِيَ فَيُسَلِّمُ لِلْمُصَدِّقِ النِّصْفَ ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِيهِ الْمُكَذِّبُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَقَالَ إنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مِلْكٍ وَحَقٍّ يَتَلَقَّى مِنْ عَقْدٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ .
وَمِنْهَا : الدُّيُونُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي ذِمَمِ النَّاسِ ، إذَا أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ فِي قَبْضِ مَا " لَهُ " عَلَى زَيْدٍ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ إذَا قَبَضَ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ " آخِرَ الْقِسْمَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا " فِي نَصِيبِهِ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُ الْمُكَذَّبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ " وَخَرَّجَ " الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ لِتَفَرُّدِهِ .
" الثَّالِثُ
" مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ " قَطْعًا " ، كَمَا " لَوْ " ادَّعَى عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مُوَرِّثَكُمْ أَوْصَى لِي وَلِزَيْدٍ بِكَذَا ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ لَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافُ مَا لَوْ قَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْك بِكَذَا وَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا ، فَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْخَاصُّ شَاهِدَيْنِ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ ، وَوَقَعَ فِي الْحَوَادِثِ رَجُلٌ آجَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ وَقَبَضَ الْأُجْرَةَ فَسَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ جَمِيعَ الدَّارِ وَتَعَذَّرَ عَلَى شَرِيكِهِ أَخْذٌ أُجْرَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ ، فَقِيلَ يُشَارِكُهُ ، " وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشَارِكَهُ " لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ اسْتَفَادَ حَقَّهُ بِعَقْدٍ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِأُجْرَةِ " حِصَّتِهِ " عَلَى الْغَاصِبِ ، وَتَشْهَدُ لَهُ " صُوَرُ " الْبَيْعِ الْآتِيَةِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَلَا " يُشَارِكُهُ " فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى " الصَّحِيحِ " الْمَنْصُوصِ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا كَمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَقَّ هُنَا إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، فَلَوْ شَرَكِنَا النَّاكِلَ لَمَلَّكْنَاهُ بِيَمِينِ غَيْرِهِ ، وَفِي الْأُولَى إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ " الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى إقْرَارِهِ " إقْرَارُ الْمُصَدَّقِ بِأَنَّهُ إرْثٌ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .
وَفِي الْمُعَايَاةِ : لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا وَحَلَفُوا اسْتَحَقُّوا فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْيَمِينِ فَالْحَالِفُ يَأْخُذُ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ .
وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى " فِي دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ " ، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ شَارَكَهُ الْبَاقُونَ " فِيمَا يَخْلُصُ " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ أَثْبَتَ حَقَّهُ فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ وَالدَّارُ مُعَيَّنَةٌ " فَمَا يَخْلُصُ مِنْهَا " يَشْتَرِكُونَ فِيهِ ، وَكَأَنَّ الْبَاقِيَ مَغْصُوبٌ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ مَالِكَاهُ فَهَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا ، فَلَوْ قَبَضَ شَيْئًا شَارَكَهُ الْآخَرُ كَالْمِيرَاثِ ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالْبَيْعِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُشَارِكُهُ ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ .
أَمَّا الْعَيْنُ فَحَكَى فِي الْمَطْلَبِ عِنْدَ نِكَاحِ السَّفِيهِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ صُبْرَةُ قَمْحٍ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ جَازَ فِي وَجْهٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّيْدِ عَنْ الْبَغَوِيِّ : لَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُهُ بِحَمَامَةِ الْغَيْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ بِالِاجْتِهَادِ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ " تَمْرَةٌ بِتَمْرِ الْغَيْرِ " ، قَالَ الرُّويَانِيُّ لَيْسَ لَهُ أَكْلُ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصَالِحَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ .
وَلَوْ انْصَبَّ حِنْطَةٌ لَهُ أَوْ مَائِعٌ لَهُ عَلَى مِثْلِهِ لِغَيْرِهِ وَجَهِلَ قَدْرَهَا فَكَاخْتِلَاطِ الْحَمَامِ .
وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ أَوْ دَرَاهِمُ حَرَامٌ " بِدَرَاهِمَ لَهُ ، وَدَهَنَ " بِدُهْنٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ : فَصَلَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَصَرَفَهُ لِمَنْ هُوَ لَهُ وَالْبَاقِي لَهُ .
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ بَيْنَهُمَا قِسْمَيْنِ فَاقْتَسَمَا أَخَذَ هَذَا قَفِيزًا وَهَذَا قَفِيزًا " فَقَدْ " جَازَ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ كُلَّ حَقِّهِ مِنْهَا ثُمَّ يُكَالُ لِلْآخَرِ مَا بَقِيَ ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يُكَالَ لَلشَّرِيك الْآخَرِ ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَبْضِ ، قَالَ : وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِأَخْذِ الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ " جَازَ ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَخْذِهِ وَيَكُونُ اسْتِقْرَارُ مِلْكِ الْأَوَّلِ " عَلَى مَا أَخَذَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ مِثْلَهُ ، فَلَوْ أَخَذَ الْأَوَّلُ قَفِيزًا مِنْ تِلْكَ الصُّبْرَةِ رَدَّ نِصْفَ الْقَفِيزِ .
الْبَحْثُ " الثَّانِي " إطْلَاقُ الشَّرِكَةِ ، هَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ أَوْ هُوَ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلَى " تَفْسِيرٍ " فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : " مِنْهَا " : لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ قَالَ لِغَيْرِهِ أَشْرَكْتُك مَعِي وَأَطْلَقَ فَقِيلَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ ، وَيَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الشُّرَكَاءُ ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ " الشَّرِيكُ " نِصْفَ مَا لَهُمْ أَوْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا ثُمَّ أَشْرَكَا ثَالِثًا فِيهِ فَهَلْ لَهُ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي .
وَمِنْهَا لَوْ أَوْصَى " بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ " وَبِمِائَةٍ لِعَمْرٍو ، وَقَالَ لِخَالِدٍ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا فَلَهُ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِمَا فِي قَوْلٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أَنَا وَفُلَانٌ " شَرِيكَانِ " فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ فِي هَذَا الْمَالِ ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا " نِصْفَيْنِ " ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ " الْمُقِرَّ لَهُ الرُّبْعُ أَوْ الْخَمْسُ أَوْ الْعُشْرُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ " أَنَّهُ " يُسْمَعُ وَيَحْلِفُ مَعَهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ، قَالَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، " لَكِنَّ النَّاسَ " يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى جُزْءٍ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَيَقُولُ زَيْدٌ شَرِيكِي فِي كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ أَصْلَ الشَّرِكَةِ وَتَفَاوُتَ الْأَجْزَاءِ فَالْمُخْتَارُ الْقَبُولُ ، أَمَّا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا شَرِيكَانِ فِي كَذَا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَسْتَفْسِرُ عَنْ مِقْدَارِ النَّصِيبَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا وَالْعَيْنُ بِيَدِهِمَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي مِقْدَارِ نَصِيبِ الْآخَرِ إلَيْهِ أَوْ يَقْضِي بِالنِّصْفِ فِيهِ نَظَرٌ .
وَمِنْهَا قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ قَالَ الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهُمَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ تَطْلُقُ الْأُولَى ثَلَاثًا وَالثَّانِيَةُ اثْنَتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ وَاحِدَةً ، " لِأَنَّهُ يَحْصُلُ " فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ فَيَكْمُلُ فَيُحَصِّلُ طَلْقَتَيْنِ ، قَالَ الْمُزَنِيّ وَعِنْدِي تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا لِظَاهِرِ التَّشْرِيكِ .
الشَّكُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ رَجَحَ كَانَ ظَنًّا وَالْمَرْجُوحُ وَهْمًا ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَزَعَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ كَاللُّغَةِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ وَقَدْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ " بَيْنَهُمَا " " وَمِنْهَا " فِي بَابِ الْإِيلَاءِ لَوْ قُيِّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُولٍ وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَيْسَ بِمُولٍ قَطْعًا وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ .
وَمِنْهَا : مَا سَبَقَ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرُمَ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهَا حَلَّتْ .
وَمِنْهَا : فِي " بَابِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لَمْ يَجْعَلُوا لِلتَّسَاوِي أَثَرًا وَاعْتَبَرُوا الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ وَكَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ إذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فِي بَعْضِ " صُورَةٍ " .
وَمِنْهَا : فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الرِّضَا جَازَ ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مَخُوفًا نَفَذَ التَّصَرُّفُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا " لَمْ يَنْفُذْ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ .
وَمِنْهَا قَالُوا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّهُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ " فَأَرَادُوا " بِهِ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ ، " وَلِهَذَا " قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " بَابِ " الِاعْتِكَافِ قَوْلَهُمْ ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ .
انْتَهَى .
وَيَشْهَدُ لَهُ : لَوْ قَالَ إنْ كُنْت " حَامِلًا " فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّ الْأَقْرُؤَ لَا تُفِيدُ
إلَّا الظَّنَّ وَلِهَذَا أَبْدَى الْإِمَامُ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهَا " إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ دَمَ فَسَادٍ ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْيَقِينِ " وَهُوَ يُؤَيِّدُ " احْتِمَالَ الْإِمَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .
وَقَالُوا : لَوْ عَصَرَ عِنَبًا ثُمَّ قَالَ " إنْ لَمْ يَكُنْ " تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ إنَّهُ وَجَدَهُ خَلًّا وَقَعَ الطَّلَاقُ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ إلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ .
وَمِنْهَا " سُئِلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَمَّنْ قَنَتَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى اعْتِقَادِ " أَنَّهُمَا " فَرْضٌ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ " قَالَ " صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ وَإِتْيَانُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّكِّ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ " قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الظَّنَّ بِالشَّكِّ وَالشَّكُّ يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ وَإِتْيَانُ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ " .
وَالظَّنُّ لَا يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ ، بَلْ غَايَةُ " مَا " فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَسَهْوًا وَالْخَطَأُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا .
الثَّانِي : الشَّكُّ الطَّارِئُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا : أَنْ يَتَذَكَّرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ عَلَى قُرْبٍ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ عَلَى الْقُرْبِ قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِ رُكْنٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ قَبْلَ مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ .
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا - مَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ وَشَكَّ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا ؟ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، وَتَابَعُوهُ .
الثَّانِيَةُ - إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوَابِ بِالِاجْتِهَادِ " عَلَى " الْقُرْبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْقُرْبِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ عَلَى الصَّوَابِ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ .
ثَانِيهَا " الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ ، " فَرَّقَ " " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الْفِعْلِ وَبَيْنَ الشَّكِّ بَعْدَ الْفِعْلِ فَلَمْ يُوجِبْ إعَادَةَ الثَّانِي ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ كُلِّفَ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لَمَا صَلَّى لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُطِقْهُ أَحَدٌ فَسُومِحَ فِيهِ وَبَيَانُهُ بِصُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ هُوَ النِّيَّةُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْأَرْكَانِ يَكْثُرُ لِكَثْرَتِهَا بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي بَاقِي الشُّرُوطِ ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ النَّصِّ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي صُورَةِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ ، فَلَا يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَرْفٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ .
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاكِّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ " الصَّلَاةِ أَنَّهَا " يَسِيرَةٌ مَضْبُوطَةٌ فَلَا مَشَقَّةَ فِي ضَبْطِهَا بِخِلَافِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَتَشْدِيدَاتِهَا فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي تَرْكِ بَعْضِ حُرُوفِهَا لِلْمَشَقَّةِ ، وَقِيَاسُ التَّشَهُّدِ ، " إلْحَاقُهُ " بِالْفَاتِحَةِ .
وَمِنْهَا : فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى فَأَعَادَهَا ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ فَطَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ الْآنَ ، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ الْأُولَى وَالسَّجْدَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ ، وَنَظِيرُهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَصَلَّى
الْخَمْسَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ الَّتِي صَلَّاهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ثَانِيًا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَمْرَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " أَنَّ السَّجْدَةَ لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهَا مَتْرُوكَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْمَتْرُوكَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا ، لِأَنَّ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعٍ أَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ .
وَالثَّانِي " أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ ثَانِيًا لَمْ نَأْمَنْ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَمَا قَالُوهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِفْسَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ فِي تَرْكِ مَسْحِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا " لَا يُؤَثِّرُ " ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا .
قِيلَ " لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ " فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا ، قَالَ : يَجُوزُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا .
وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ " ثُمَّ " تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ أَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ " وَهَا هُنَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ زَالَ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ " .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ هَلْ اسْتَوْعَبَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ اسْتَجْمَرَ وَصَلَّى وَشَكَّ هَلْ اسْتَعْمَلَ حَجَرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَعْدَ الْوُضُوءِ شَكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَصَلَّى ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ شَكَّ فِي رُكْنٍ وَفِيهِ خِلَافٌ ، فَإِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَهَا هُنَا لَا يُعِيدُ هَذِهِ الصَّلَاةَ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً أُخْرَى بَعْدَ الشَّكِّ مَا لَمْ " يَسْتَكْمِلْ " الِاسْتِنْجَاءَ ، " لِأَنَّهُ " حَالَةَ شُرُوعِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا
، وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا .
قُلْت : وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي صُورَةِ الْوُضُوءِ ، وَمَا سَبَقَ مِنْ التَّصْحِيحِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ .
وَفِي كِتَابِ الْحِيَلِ لِلْقَزْوِينِيِّ : لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَشَكَّ هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ فِي ذَلِكَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا : تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .
وَلَوْ أَنَّهُ صَامَ ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا ، لَمْ " يَضُرَّهُ " ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْحَدَثِ بَطَلَ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعَوَّلِ وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّوْمِ .
وَمِنْهَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ " وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ " فِي الرَّوْضَةِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَافَ بِطَهَارَةٍ أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ ، لِأَنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ فِي الظَّاهِرِ ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ .
نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ ، وَحَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ ، قَالَ : وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُصَلِّي يَشُكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ .
وَمِنْهَا لَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ أَحَدُهُمَا فَرْضٌ وَالْآخَرُ نَفْلٌ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ النِّيَّةَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَتْ إعَادَةُ الْفَرْضِ ، وَقَالَ وَالِدُ الرُّويَانِيِّ : لَا يَجِبُ لِلشَّكِّ ، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ .
" ثَالِثُهَا " : الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ .
وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا ، فَالشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالْعَجْزُ مَانِعٌ ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الشَّرْطِ ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمَانِعِ مِنْهُ " أَثْبَتْنَا " الْحُكْمَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ لِأَجْلِ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ وَإِنْ " تَرَتَّبَ " ، لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ وَذَلِكَ مُحَالٌ .
وَالْجَوَابُ " قَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّا لَا نُرَتِّبُ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ إذَا كَانَ وُجُودِيًّا كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ تَطْهُرُ أَمْ لَا ، " لِأَنَّ " الطَّهَارَةَ شَرْطٌ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا ، أَمَّا إذَا كَانَ عَدَمِيًّا ، فَالْأَصْلُ الْعَدَمُ فَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا " رَحِمَهُمُ اللَّهُ " : إذَا قَالَ إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ وَادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ وَأَنْكَرَتْ الْإِذْنَ " فَالْقَوْلُ " قَوْلُهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَمَنْ لَمْ يُوقِعْهُ يَتَمَسَّكْ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا إنَّمَا رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمَانِعِ ، إذَا كَانَ " الْمَانِعُ " وُجُودِيًّا ، كَمَا إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَإِنْ كَانَ عَدَمِيًّا فَلَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أَنْتَجَ أَنَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا فَعَدَمُهُ مَانِعٌ وَعِنْدَ الشَّكِّ " فِي وُجُودِهِ " لَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَالْأَصْلُ وُجُودُ الْمَانِعِ فَلَا " تَنَاقُضَ " .
رَابِعُهَا : أَنْ يُعَارِضَهُ أَصْلٌ " ضَعِيفٌ " فَيَضْعُفُ الشَّكُّ حِينَئِذٍ .
وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ : " إحْدَاهَا " لَوْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَشَكَّ هَلْ كَانَ تَزْوِيجُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، أَوْ بَعْدَهُ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَوَجْهُهُ " أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْإِحْرَامِ " ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ نَصُّ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " " أَيْ " مِنْ جِهَةِ الْوَرَعِ عَلَى إيقَاعِ طَلْقَةٍ ، وَيُعْطِي نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ سَمَّى وَالْمُتْعَةَ إنْ لَمْ يُسَمِّ ، قَالَ وَفِي الْحُكْمِ النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا أَنَّهُ بَاطِلٌ " بِنَاءً " عَلَى الْمَلْفُوفِ .
" الثَّانِيَةُ " لَوْ أَرَادَ الْمُعْتَمِرُ إدْخَالَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ وَبَعْدَهُ : يَمْتَنِعُ ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ ، قَالَ " الْأَصْحَابُ الْأَصْلُ " يَجْزِيهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ " مَا يَمْنَعُ " ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا .
" الثَّالِثَةُ " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَشَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ بَعْدَهَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ " الْعُمَرِيِّ " ، قَالَ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ " مِنْ هَذَا الزَّمَانِ ، وَفِي شَكٍّ " مِمَّا " تَقَدَّمَ .
وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُؤْخَذُ " أَنَّ " صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا " لَوْ " تَيَقَّنَ دُخُولَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ دَخَلَتْ أَمْ لَا " انْعَقَدَ " عُمْرَةً .
وَلِهَذَا قَالَ : لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهُوَ عُمْرَةٌ " ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ وَهُوَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، هَلْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ " أَوْ " هُمَا ؟ وَجْهَانِ عَنْ وَالِدَيْ أَحَدُهُمَا يَجْتَهِدُ وَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَالثَّانِي يَأْتِي بِالْحَجِّ " فَيَتَيَقَّنُ " سُقُوطَ
الْفَرْضِ .
وَأَصْلُهَا إذَا أَحْرَمَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ نَسِيَ بِمَاذَا أَحْرَمَ مَا الَّذِي يَلْزَمُهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَوَقْتَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ ، وَشَكَّ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْأَشْهُرِ فَإِنْ عَلِمَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَشَكَّ فِي وَقْتِ دُخُولِ الْأَشْهُرِ لَزِمَهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْأَشْهُرَ لَمْ تَدْخُلْ .
الرَّابِعَةُ : إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَلَوْ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَوْ أَتَى بِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْجَوَازُ ، كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَيَحْتَمِلُ بِنَاؤُهَا عَلَى الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ .
وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْأَجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ ، لَا تُحْسَبُ رَكْعَةٌ فِي الْأَظْهَرِ .
الْخَامِسَةُ : إذَا شَكَّ فِي " التَّقَدُّمِ " عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ لَمْ يَضُرَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ ، وَقِيلَ إنْ جَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ الْإِمَامِ ضُرَّ ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَلَكِنَّ وَجْهَ النَّصِّ أَنَّ الصَّلَاةَ انْعَقَدَتْ عَلَى الصِّحَّةِ ، وَالشَّكُّ فِي الْمُبْطِلِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .
وَاسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ مَا لَوْ صَلَّى وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ أَمْ لَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْمَوْقِفِ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ : فَتَصِحُّ مَعَ التَّأْخِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ وَتَبْطُلُ مَعَ التَّقْدِيمِ خَاصَّةً ، وَالصِّحَّةُ فِي التَّكْبِيرِ أَقَلُّ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ ، وَتَصِحُّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّأْخِيرُ .
السَّادِسَةُ : لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَشَدَّ مِائَةً وَضَرَبَهُ بِهَا " ضَرْبَةً " بَرَّ إنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْكُلِّ ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهِ ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَنَصَّ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ
الدَّارَ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ وَلَمْ يَدْخُلْ وَمَاتَ زَيْدٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ شَاءَ أَمْ لَا ، " أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ " ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ " أَصَحُّهُمَا تَقْرِيرُ " النِّصْفَيْنِ " وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الِانْكِبَاسِ وَالتَّثْقِيلِ " فَيَكْتَفِي " فِيهِ " وَلَا إمَارَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى مَشِيئَتِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا " قَالَ " النَّوَوِيُّ ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ " إذَا " شَكَّ حَنِثَ ، وَإِنَّمَا " لَمْ " يَحْنَثْ عَلَى الْمَنْصُوصِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إصَابَةُ الْجَمِيعِ وَهُوَ أَحْسَنُ ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ ، لِأَنَّهُ بَعْدَ هَذَا الضَّرْبِ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .
انْتَهَى .
قُلْت : قَدْ قَطَعَ الْإِمَامُ بِاشْتِرَاطِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقَالَ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ .
السَّابِعَةُ : لَمَسَ امْرَأَةً وَشَكَّ هَلْ هِيَ مَحْرَمٌ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ فَتَحْرُمُ وَكَذَا لَوْ شَكَّ أَلَامِسٌ هُوَ " أَمْ " مَلْمُوسٌ " فَمَلْمُوسٌ " جَزَمَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ .
وَلَوْ تَيَقَّنَ بَعْدَ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ كَانَ النَّوْمُ الَّذِي رَأَى " فِيهِ " تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى هَيْئَةِ الِاضْطِجَاعِ أَوْ الْقُعُودِ ، قَالَ الْبَغَوِيّ يُحْكَمُ بِحَدَثِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ لِلشَّكِّ فِي الْمُوجِبِ .
الثَّامِنَةُ : لَوْ انْتَبَهَ فَرَأَى بَلَلًا وَشَكَّ أَنَّهُ " وَدْيٌ " أَوْ مَنِيٌّ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ لِكَوْنِ الْوَدْيِ لَا يَلِيقُ بِطَبْعِهِ " أَوْ لِتَذَكُّرٍ " وِقَاعِ تَخَيُّلِهِ فِي النَّوْمِ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَسْتَصْحِبُ يَقِينَ الطَّهَارَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْرَ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ ، " قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِكَلَامِ الْمُعْظَمِ انْتَهَى ، وَفِي هَذَا أَعْمَالُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ .
التَّاسِعَةُ : وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ " وَشَكَّ " هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ فَالْمَنْقُولُ نَجَاسَتُهُ وَالْإِمَامُ احْتِمَالُ أَنَّهُ
طَهُورٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلشَّكِّ فِي التَّنْجِيسِ .
الْعَاشِرَةُ : أَدْخَلَ الْكَلْبُ فَاهُ فِي إنَاءٍ وَخَرَجَ بِلَا رُطُوبَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ وَلَوْ خَرَجَ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُعَابِهِ ، وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ الْإِنَاءِ .
أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ مُقَابِلَهُ بِأَصْلٍ فَيَنْتَهِضُ الشَّكُّ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَجْرِ هَلْ نَوَى أَمْ لَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ ، وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ بَعِيدٌ .
وَلَوْ شَكَّ هَلْ كَانَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ ، قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مَانِعٌ أَوْ مَاءٌ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَشَرْطُهَا الْجَزْمُ وَهُوَ مَفْقُودٌ .
وَلَوْ اسْتَنْجَى بِشَيْءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ مَطْعُومٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ " بِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ؟ " قَوْلَانِ " : وَلَوْ مَسَّ مَنْ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرَ عَامِلَتَيْنِ " بِإِحْدَاهُمَا " ، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ مَعَ الشَّكِّ فِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ وَكَذَا " الذَّكَرَانِ " ، كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ اللَّمْسِ ، وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَحَدُ الْعَامِلِينَ كَالْخُنْثَى وَهُوَ الْقِيَاسُ .
الْبَحْثُ الثَّالِثُ : إذَا " أَقْدَمَ " شَاكًّا فِي حُصُولِ الشَّرْطِ ، ثُمَّ بَانَ مُصَادَفَتُهُ هَلْ يَجْزِيهِ " هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ بَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ ، فَلَا يَجْزِيهِ " ، كَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ دُخُولُهُ ، وَكَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءِ الْمُشْتَبَهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ طَاهِرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَا وُضُوءُهُ ، فَلَوْ غَسَلَ بِهِ نَجَاسَةً لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى نِيَّتِهِ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَتَصِحُّ بَعْدَ التَّبْيِينِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ .
وَلَوْ شَكَّ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَمَسَحَ ثُمَّ تَيَقَّنَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ ، وَيَقْضِي مَا صَلَّى بِهِ .
وَلَوْ تَيَمَّمَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا مَاءَ ، لَمْ يُحْسَبْ تَيَمُّمُهُ .
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْهَا فَتَيَمَّمَ لَهَا ، ثُمَّ تَذَّكَّرَهَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ ، لِأَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةِ " بِالتَّذَكُّرِ " .
قَالَ الشَّاشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ " مُحْتَاطًا " " بِمَاءٍ طَاهِرٍ " ، ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ ، وَكَذَا لَوْ صَامَ الْأَسِيرُ فِي " مَطْمُورَةٍ " مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَامَ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ ، وَكَذَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ " بَانَ مُصَادَفَتُهُ " لِلْمُسْتَنَدِ لَا يَصِحُّ .
وَلَوْ وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ اتِّصَافَهُ بِالْأَهْلِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ " كَانَ أَهْلًا " ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا " لَوْ وُلِّيَ " وَحَكَمَ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ وَإِنْ
كَانَتْ صَوَابًا ، قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ ، وَحَكَى " ابْنُ عَبْدَانِ " فِي الشَّرَائِطِ مَنْ وَلِيَ " الْقَضَاءَ " مِنْ غَيْرِ أَهْلِيَّةٍ فَوَافَقَ الْحَقَّ فِي حُكُومَةٍ نُفِّذَتْ تِلْكَ الْحُكُومَةُ عِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ ، قَالَ وَخَالَفَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ .
وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، كَالْخُنْثَى ، ثُمَّ بَانَ لَمْ يَصِحَّ .
وَلَوْ قَالَ إنْ كُنْت حَلَفْت فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ لَا يُعْتَقُ .
" وَمِنْهَا " لَوْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ زَيْدٍ فَوَكَّلَ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِهَا ، وَأَطْلَقَ فَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ الَّذِي عَيَّنَتْهُ هِيَ لِوَلِيِّهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ .
وَلَوْ ارْتَابَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا " لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ " الْأَقْرَاءِ إنْ اسْتَمَرَّتْ الرِّيبَةُ فَلَوْ نُكِحَتْ بَطَلَ ، وَإِنْ بَانَ بِمُصَادَفَتِهِ لِلْبَيْنُونَةِ .
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ جُزَافًا وَخَرَجَتَا سَوَاءٌ لَمْ يَصِحَّ ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أُخْتُهُ أَمْ أَجْنَبِيَّةٌ أَمْ مُعْتَدَّةٌ فَبَانَتْ أَجْنَبِيَّةً خَلِيَّةً .
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا " لَمْ " يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا ، وَلَوْ قَضَاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ ، كَمَا قَالَهُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ لَا يَرْتَفِعُ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَيُجْزِئُهُ فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ فَإِنَّ وُقُوفَهُ صَحِيحٌ مُسْقِطٌ لِلْفَرْضِ ، قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ .
الثَّانِيَةُ : " إذَا " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ فَيَنْبَغِي الصِّحَّةُ ، لِأَنَّهُ شَدِيدُ اللُّزُومِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَبَقَ فِي فَصْلِ الْخَطَأِ أَنَّهُمْ لَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا " وَبَانَ " الْخَطَأُ عَامًّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ حَجًّا ، كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ " أَوْ عُمْرَةً " وَجْهَانِ .
الثَّالِثَةُ : قَالَ الدَّارِمِيُّ : لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ ، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَكَلَ " مِنْ " قَبْلِ الْفَجْرِ " أَوْ لَمْ " يَبِنْ فَلَا شَكَّ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ أَعَادَ ، وَإِنْ شَكَّ فِي غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ لَمْ يَأْكُلْ فَإِنْ أَكَلَ فَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَغِبْ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَعَادَ .
قُلْت وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا غَرَبَتْ حَيْثُ لَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ صَادَفَ اللَّيْلَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ هُنَا وَقَعَتْ عَلَى الصِّحَّةِ ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْمُفْسِدِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا وَقَعَ عَلَى الشَّكِّ الرَّابِعَةُ : شَكَّ الصَّائِمُ فِي أَنَّهُ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَطَعَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ " وَالْعِمْرَانِيُّ " بِمَنْعِ الصِّحَّةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ مَجِيءُ وَجْهٍ مِنْ الشَّكِّ فِي إدْرَاكِ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَإِنْ تَذَكَّرَ " بَعْدَ " مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ التَّبْيِيتَ صَحَّ قَطْعًا .
الْخَامِسَةُ : أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَنَوَى الْجُمُعَةَ إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا ، وَإِلَّا فَالظُّهْرَ ، " ثُمَّ بَانَ " بَقَاءُ " الْوَقْتِ " ، وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان إذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ .
السَّادِسَةُ : بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ .
السَّابِعَةُ : عَقَدَ النِّكَاحَ بِخُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّامِنَةُ : امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاتِهِ وَتَنْكِحُ ، فَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الْأَصَحِّ .
التَّاسِعَةُ : صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ظُهْرًا بِنِيَّةِ الْفَائِتَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ ، قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ وَالِدِي يَجُوزُ عَنْ فَرْضِهِ الْفَائِتِ ، لِأَنَّ بِالْإِجْمَاعِ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَفَرَغَ " مِنْهُ " ثُمَّ شَكَّ فِي بَعْضِ فَرَائِضِهِ " يُسْتَحَبُّ " الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَلَوْلَا أَنَّ الْأُولَى إذَا تَبَيَّنَ " فَسَادُهَا " " تَقَعُ " الثَّانِيَةُ عَنْ فَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِعَادَةِ مَعْنًى وَبَانَ " بِذَلِكَ " أَنَّ شَكَّهُ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِهِ ، وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنْ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُؤَدِّيهَا كُلَّهَا وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِعْنِيهَا فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ شَرْطًا فِيمَا يُؤَدِّيه مِنْ الصَّلَوَاتِ .
قُلْت وَالْمُتَّجَهُ جَعْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَفَعَلَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَا تُجْزِئُهُ .
الْعَاشِرَةُ : لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَعْطَاهُ قَدْرَ الدَّيْنِ ، وَقَالَ إنْ كَانَ " عَلَيْهِ " دَيْنٌ فَهَذَا مِنْ قَبْلِ الدَّيْنِ " وَإِنْ لَمْ " يَكُنْ فَهُوَ تَبَرُّعٌ وَهِبَةٌ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَقَعُ مَحْسُوبًا ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي ، وَفَرَّقَ " بَيْنَهَا " وَبَيْنَ مَا سَبَقَ " بِأَنَّ " النِّيَّةَ " هُنَا " لَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى " أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَوْ أَخَذَ " قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ .
تَنْبِيهٌ : قَيَّدَ بَعْضُهُمْ " هَذَا "
الضَّابِطَ فَقَالَ مَا أَتَى بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي حَالِ الشَّكِّ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ " وَلَا " لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ فَوَافَقَ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِأَجْلِ اشْتِرَاطِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ .
قَالَ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا " لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ " صُوَرٌ : " أَحَدُهَا " : إذَا شَكَّ هَلْ أَصَابَ الثَّوْبَ نَجَاسَةٌ أَمْ لَا فَغَسَلَهُ احْتِيَاطًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ .
قُلْت : هَذَا إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى وَجْهِ ابْنِ سُرَيْجٍ الْمُوجِبِ لِلنِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ .
الثَّانِيَةِ : الْمُحْدِثُ إذَا شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَمْ لَا فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ قَطْعًا ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ " فَلَمْ " يَكُنْ لِلتَّرَدُّدِ هُنَا تَأْثِيرٌ .
قُلْت : وَتَصْوِيرُهُ مُشْكِلٌ ، لِأَنَّهُ إمَّا مُتَطَهِّرٌ أَوْ مُحْدِثٌ ، فَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ إذْ لَمْ يَنْوِ التَّجْدِيدَ ، بَلْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَلَا يَصِحُّ ، لِعَدَمِ جَزْمِ نِيَّتِهِ .
وَيَظْهَرُ تَصْوِيرُهُ فِيمَا إذَا قَالَ نَوَيْت رَفْعَ " الْحَدَثِ إنْ " كَانَ عَلَيَّ حَدَثٌ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ ارْتَفَعَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، وَيُغْتَفَرُ التَّعْلِيقُ هُنَا ، كَالْمُسَافِرِ إذَا نَوَى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي " نِيَّةِ " الْقَصْرِ ، فَقَالَ ، إنْ قَصَرَ قَصَرْت .
الثَّالِثَةُ : إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهَا ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْخَمْسَ وَيَبْرَأُ مِمَّا عَلَيْهِ مَعَ الشَّكِّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ .
قُلْت : فَلَوْ تَذَكَّرَ الْمَنْسِيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ " يَتَخَرَّجَ " عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ .
انْتَهَى .
وَالظَّاهِرُ الْقَطْعُ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْبَحْرِ ، وَالْفَرْقُ " بَيْنَهَا " وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحَدَثِ تَحَقُّقُ شَغْلِ الذِّمَّةِ ، فَهُوَ
جَازِمٌ " بِهِ " بِقَصْدِ الْبَرَاءَةِ ، وَلَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ الْيَقِينِ حِينَئِذٍ ، بِخِلَافِ صُورَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَازِمًا بِالشَّغْلِ فَافْتَرَقَا .
وَقَوْلُنَا " وَلَا " لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ " احْتِرَازًا " مِمَّا إذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِالِاجْتِهَادِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَعَاطِيهِ ، وَإِنْ كَانَ " الشَّكُّ " بَعْدُ قَائِمًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ .
نَعَمْ ، إذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّدَارُكُ وَمَتَى تَجَرَّدَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ مَعَ الشَّكِّ " مِنْ " هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ كَانَ غَيْرَ مُجْزِئٍ ، كَمَا فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ .
الرَّابِعُ : الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْيَقِينُ ، وَلَا يَجُوزُ مَعَهُ إلَّا الِاجْتِهَادُ ، كَالْمُصَلِّي يَشُكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، لِيَتَحَقَّقَ الْخُرُوجُ عَمَّا شَرَعَ فِيهِ ، وَكَمَا إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَالْجَدِيدُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ وَطَرِيقُهُ " أَنْ " يَنْوِيَ الْقِرَانَ ، وَيَأْتِيَ بِأَعْمَالِ النُّسُكَيْنِ ، لِأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ عَمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ نَوَاهُ لَمْ تَضُرَّ نِيَّتُهُ ثَانِيًا كَأَنْ نَوَى عُمْرَةً فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ نَوَى حَجًّا فَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ وَإِنْ كَانَ فِي " صِحَّتِهَا " خِلَافٌ ، وَفِي الْقَدِيمِ يَجْتَهِدُ لِإِمْكَانِ ادِّرَاكِهِ بِالتَّحَرِّي ، كَمَا فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ التَّحَرِّيَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ شَكٌّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ لَا إمَارَةَ عَلَيْهِ ، وَالِاجْتِهَادُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْإِمَارَاتِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا بِيَقِينٍ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا ، وَلَا " يُرَدُّ " الِاجْتِهَادُ .
فِي الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَالْوَقْتِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَحْصُلُ بِهَا بِيَقِينٍ ، إلَّا بَعْدَ فِعْلٍ مَحْظُورٍ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسِ وَيُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ وَيُصَلِّيَ قَبْلَ الْوَقْتِ ، " فَلِذَلِكَ " جَازَ الِاجْتِهَادُ .
وَقَالُوا لَوْ اجْتَهَدَ جُمِعَ فِي أَوَانِ فِيهَا إنَاءَانِ طَاهِرَانِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ كُلٍّ وَاحِد " مِنْهُمْ " طَهَارَةُ وَاحِدٍ هَلْ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، " قَالَ " وَهَذَا خِلَافٌ فِي " أَنَّ " الِاقْتِدَاءَ هَلْ يَجُوزُ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ ؟ نَعَمْ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِلصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ لَا يُفْطِرُ إلَّا بِيَقِينٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ كَأَرْكَانِ
الصَّلَاةِ وَخِلَافُهُ جَارٍ فِيهَا أَيْضًا .
الْخَامِسُ : إذَا شَكَّ هَلْ فَعَلَ أَمْ لَا فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَكَّ هَلْ " رَضَعَ " خَمْسًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ .
" وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ " الْمُتَوَضِّئُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَكِنْ شَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ " مَنِيّ " أَمْ لَا ، فَلَا خِلَافَ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْتَسِلَ لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ ، وَقَدْ مُثِّلَ هَذَا بِمَنْ يَرَى فِي نَوْمِهِ أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَرَى فِي ثَوْبِهِ بَلَلًا ، وَقَالَ وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فَمَا إذَا شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا " أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ " أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ " الْحَالَةِ " الْغُسْلُ وَإِذَا فَعَلَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ " تَرَكَ فِعْلًا فَالْأَصْلُ " أَنَّهُ فَعَلَ ، " لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ فَعَلَ " يَقِينًا ، فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ فِي مُبْطِلِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ صَلَّى ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَرَكَ بَعْضًا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .
وَلَوْ شَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ أَمْ لَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى " النَّصِّ " ، لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْمُبْطِلِ ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي " إصَابَةِ " الْجَمِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ .
وَلَوْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ حَتَّى مَاتَ حَلَّ فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ لَمْ يَحِلَّ ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ مَوْتِهِ ، هَلْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ فَيَحْرُمُ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَيَحِلُّ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ .
السَّادِسُ : إذَا تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ .
كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ يَبْنِي عَلَى وَاحِدَةٍ وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَشَكَّ فِي قَدْرِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ الْمُتَيَقَّنِ فَقَطْ قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " زَكَاةِ النَّقْدِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَشْتَغِلَ الذِّمَّةُ بِالْأَصْلِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ يَلْزَمُهُ الْخَمْسُ .
وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرُّكْنُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ الْقِرَاءَةُ أَوْ الرُّكُوعُ أَوْ الِاعْتِدَالُ ، فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْوَأِ " الْأَحْوَالِ " ، وَيَرْجِعُ إلَى الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ فَإِنَّهُمَا تَجِبَانِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ " وَقَاسَهُ " عَلَى الصَّلَاةِ ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَصْوِيرُهَا بِمَا " إذَا " وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ ، وَأَخْرَجَ أَحَدَهُمَا وَشَكَّ فِيهِ أَمَّا إذَا وَجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ وَشَكَّ فِي عَيْنِهِ فَيُتَّجَهُ إلْحَاقُهَا بِمَا إذَا شَكَّ فِي الْخَارِجِ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ ، وَقِيلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ " بِمُوجِبِهِمَا " ، وَالصَّحِيحُ التَّخْيِيرُ .
ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ : لَوْ كَانَتْ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالنَّقْدِ فَشَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ " زَكَاةَ " جُمْلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ زَكَاةُ الْكُلِّ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ زَكَاتِهِ " عَلَيْهِ " ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصِّيَامِ وَقَالَ أَنَا شَاكٌّ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ هَلْ عَلَيَّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْهُ أَوْ صَوْمُ جَمِيعِهِ لَزِمَهُ قَضَاءُ جَمِيعِهِ .
قَالَ وَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّ عَلَيْهِ دِرْهَمًا مِنْ جُمْلَةِ الزَّكَاةِ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَ " ذَلِكَ " الْمَالِ ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ فَإِنَّ هَا هُنَا عَلَيْهِ الْأَقَلُّ .
" وَقَالَ " فِي مَوْضِعٍ
آخَرَ ، لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ " فِي كِيسٍ وَمِائَتَانِ أُخْرَى فِي كِيسٍ فَشَكَّ هَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ " مِنْ جُمْلَةِ زَكَاةِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي مِائَتَيْنِ فِي كِيسٍ بِعَيْنِهِ هَلْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ أَمْ لَا ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ وَعَلَيْهِ إخْرَاجُهُ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ مِنْ ظِهَارٍ أَوْ عَلَيْهِ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ فَأَعْتَقَ رِقَابًا ثُمَّ شَكَّ هَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ " مِنْهَا " أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي ظِهَارٍ بِعَيْنِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَشُكُّ فِي الظِّهَارِ الَّذِي كَانَ " فِي " يَوْمِ " جُمُعَةٍ " هَلْ كَفَّرْته أَمْ لَا ، فَهَا هُنَا الْأَصْلُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ " فَتَلْزَمُهُ " انْتَهَى .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ " أَنَّ " عَلَيْهِ " زَكَاةَ خَمْسَةٍ " أَوْ عَشَرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا خَمْسَةٌ .
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمًا وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَنَوَى صِيَامًا أَجْزَأَهُ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ وَقِيلَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَهُنَا بِخِلَافِهِ ثُمَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ يَكْفِيه يَوْمٌ وَاحِدٌ ، وَتُجْزِئُهُ هَذِهِ النِّيَّةُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْرَأَ " بِيَقِينٍ " إلَّا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، كَمَا هُوَ قِيَاسُ نِسْيَانِ الصَّلَاةِ .
ثُمَّ رَأَيْت فِي الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ يَنْوِي صَوْمَ الْيَوْمِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ عَنْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ ، " فَأَعْتَقَ " رَقَبَةً وَنَوَى بِهَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعِتْقِ ، فَإِنَّهُ " يُجْزِئُهُ " ، كَذَلِكَ هَا هُنَا .
وَيُفَارِقُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ ، لِأَنَّ تَعْيِينَهَا بِالنِّيَّةِ وَاجِبٌ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِخَمْسِ نِيَّاتٍ انْتَهَى .
وَمَسْأَلَةُ الْعِتْقِ نَقَلَهَا الْإِمَامُ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَقَالَ يَنْوِي بِهَا الْعِتْقَ الْوَاجِبَ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ وُجُوبُ
رَقَبَتَيْنِ إذْ التَّرَدُّدُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ .
وَلَوْ تَحَقَّقَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةً وَشَكَّتْ هَلْ هِيَ عِدَّةُ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ لَزِمَهَا الْأَكْثَرُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَهِلَ الْأَكْثَرَ مِنْهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ الْأَكْثَرَ ذَهَبًا وَفِضَّةً ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْأَكْثَرُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ فِيهِمَا يُنْسَبُ إلَى التَّقْصِيرِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَى بَلَلًا وَشَكَّ حَيْثُ يَتَخَيَّرُ .
" السَّابِعُ " إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْ الشَّكِّ اسْتَعْمَلَ الْوَرَعَ وَهُوَ تَنْزِيلُ الْأَمْرِ عَلَى أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ ، وَيَدَعُ مَا يَرِيبُهُ إلَى مَا لَا يَرِيبُهُ وَفِيهِ صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " الْمُتَطَهِّرُ إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَالْوَرَعُ أَنْ يُحْدِثَ ثُمَّ يَتَطَهَّرَ فَإِنْ تَطَهَّرَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْوَرَعَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْ جَزْمِ النِّيَّةِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ ، لِأَنَّ بَقَاءَ الطَّهَارَةِ يَمْنَعُهُ ، كَمَا أَنَّ بَقَاءَ شَعْبَانَ يَمْنَعُ مِنْ جَزْمِ نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، قَالَ وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى أُصُولِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " مِنْ جِهَةِ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْأَصْلِ قَدْ يَمْنَعُ مِنْ الْجَزْمِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ " هَلْ هُوَ " مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ فِي الْأَصَحِّ ، فَإِذَا اغْتَسَلَ كَيْف يَخْرُجُ " مِنْ الْخِلَافِ " بِيَقِينٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَزْمِ النِّيَّةِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ ، وَكَانَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَسْتَشْكِلُ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِالْأَمْرِ بِالْجِمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْعِبَادَةِ " وَسَدِّ " بَابِ الْوَرَعِ عَلَى غَيْرِ وَاجِدِ الْبُضْعِ الْحَلَالِ .
وَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إذَا احْتَجَمَ الْمُتَوَضِّئُ أَوْ افْتَصَدَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فَإِنَّهُمَا نَاقِضَانِ لِلْوُضُوءِ عِنْدَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى بِهِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ " لَهُ " التَّجْدِيدُ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، قَالَ وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَمَسُّ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ " وَهُوَ " يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ .
الثَّانِيَةُ : " إذَا " شَكَّ الْمُتَوَضِّئُ هَلْ غَسَلَ مَرَّتَيْنِ أَوْ " ثَلَاثًا " ، قِيلَ يَأْخُذُ بِالْأَكْثَرِ وَلَا يَغْسِلُ أُخْرَى " كَيْ لَا " يَقَعَ فِي بِدْعَةٍ بِتَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ ، وَالْأَصَحُّ " بِالْأَقَلِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا " يَكُونُ بِدْعَةً بِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِ " الزِّيَادَةِ " .
الثَّالِثَةُ : مَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا أَخَذَ بِالْأَغْلَظِ إذَا أَرَادَ دَوَامَ النِّكَاحِ قَالَ الشَّيْخُ وَطَرِيقُ الْوَرَعِ أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً مُعَلَّقَةً عَلَى نَفْيِ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ أَكُنْ طَلَّقْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ كَيْ لَا يَقَعَ عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ .
قَالَ وَلَوْ شَكَّ فِي الطَّلْقَةِ أَرَجْعِيَّةٌ هِيَ أَمْ خُلْعٌ فَلْيَرْتَجِعْ وَلْيُجَدِّدْ النِّكَاحَ ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، فَقَدْ تَلَافَاهَا بِالرَّجْعَةِ ، وَإِنْ " كَانَتْ " خُلْعًا فَقَدْ تَلَافَاهَا بِالنِّكَاحِ .
وَلَوْ شَكَّ أَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلْيُجَدِّدْ رَجْعَةً وَنِكَاحًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، فَلْيُجَدِّدْ النِّكَاحَ .
انْتَهَى .
وَرَوَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ حِكَايَةً فِيمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَمْ لَا فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا طَلَاقَ ، وَقَالَ لَهُ الثَّوْرِيُّ : رَاجِعْهَا ، وَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ : طَلِّقْهَا ثُمَّ رَاجِعْهَا ، وَجَاءَ إلَى زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ : فَقَالَ " لَهُ " سَأَضْرِبُ لَك مَثَلًا رَجُلٌ مَرَّ " بِشِعْبٍ يَسْأَلُ " ، قَالَ لَك أَبُو حَنِيفَةَ : ثَوْبُك طَاهِرٌ وَصَلَاتُك تَامَّةٌ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَثَرَ الْمَاءِ ، وَقَالَ لَك سُفْيَانُ : اغْسِلْهُ فَإِنْ يَكُنْ نَجِسًا ، فَقَدْ طَهَّرْته وَإِنْ يَكُنْ طَاهِرًا فَقَدْ زِدْته طَهَارَةً إلَى طَهَارَةٍ ، وَقَالَ لَك شَرِيكٌ : بَلْ عَلَيْهِ ثُمَّ اغْسِلْهُ ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَمَا قَالَهُ شَرِيكٌ عِنْدِي أَصَحُّ ، لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ خَارِجٌ عَنْ الِاحْتِيَاطِ ، وَقَوْلُ سُفْيَانَ يَقْتَضِي مُرَاجَعَةً عَلَى الشَّكِّ .
قُلْت : وَلَمْ يُصِبْ مَنْ أَدْخَلَ قَوْلُهُ فِي أَخْبَارِ " الْمُغَفَّلِينَ " لِخَفَاءِ مَأْخَذِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ يُصَيِّرُهَا كَالْمُعَلَّقَةِ عَلَى شَرْطٍ فَلَا يَصِحُّ ، وَمِنْ هَا هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَمْثِيلُ قَوْلِهِ بِمَنْ " شَكَّ " فِي نَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فَنَجَّسَهُ ثُمَّ غَسَلَهُ .
الرَّابِعَةُ : وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ، إذَا صَدَرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ ذَنْبٌ وَنَسِيَهُ فَأَرَادَ التَّوْبَةَ عَنْهُ .
قَالَ " ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ " " فِي الْمُرْشِدِ " ، فَإِنْ عَيَّنَ ذُنُوبَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَعَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى ذَنْبٍ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ مِمَّا نَسِيَهُ ، وَمَا دَامَ نَاسِيًا لَا يَكُونُ مُطَالَبًا بِالتَّوْبَةِ ، لَكِنْ يَلْقَى اللَّهُ " تَعَالَى " وَهُوَ مُطَالَبٌ بِتِلْكَ الزَّلَّةِ ، وَهَذَا كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ " وَنَسِيَ الْمُدَايِنَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَدَاءِ فَهُوَ فِي الْحَالِ غَيْرُ مُطَالَبٍ مَعَ النِّسْيَانِ ، وَلَكِنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى " وَهُوَ مُطَالَبٌ ، قَالَ وَهَذَا مَأْخَذٌ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ " التَّوْبَةَ " نَدَمٌ ، وَالنَّدَمُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الذِّكْرِ " لِمَا " فَعَلَهُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ النَّدَمُ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ التَّفْصِيلَ يَقُولُ إنْ كَانَ لِي ذَنْبٌ لَمْ أَعْلَمْهُ فَإِنِّي تَائِبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ ، وَلَعَلَّهُ قَالَ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ ذُنُوبًا ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَذَكَّرُهَا ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ لِنَفْسِهِ ذَنْبًا فَالنَّدَمُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مُحَالٌ ، وَذَكَرَ الْمُحَاسِبِيُّ أَنَّهُ يُعَيِّنُ كُلَّ ذَنْبٍ عَلَى انْفِرَادِهِ ، وَلَا يَخْفَى إشْكَالُهُ .
قُلْت : وَقَوْلُ الْمُحَاسِبِيِّ غَايَةُ الْوَرَعِ .
الْخَامِسَةُ : نَذَرَ شَيْئًا إنْ رَدَّهُ اللَّهُ " تَعَالَى " سَالِمًا ، ثُمَّ شَكَّ أَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَذَرَ صَدَقَةً أَمْ عِتْقًا أَمْ صَلَاةً أَمْ صَوْمًا ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَجْتَهِدُ .
بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا هُنَاكَ وُجُوبَ الْكُلِّ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْيَقِينِ " وَهُنَا " تَيَقَّنَّا أَنَّ الْكُلَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إنَّمَا " وَجَبَ وَاحِدٌ " " وَاشْتَبَهَ " فَيَجْتَهِدُ كَالْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي انْتَهَى .
وَلَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَلَمْ يَدْرِ هَلْ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعَتَاقِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ " ، فَفِي التَّبْصِرَةِ " لِلَّخْمِيِّ " مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ لَمْ يَعْتَدَّ الْحَلِفَ بِهَا لَا يَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ مَعَ الشَّكِّ وَهُوَ يُشْبِهُ عِنْدَنَا " الْأَخْذَ " بِالْحَدَثِ فِيمَنْ لَا يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الطُّهْرِ ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ شَغْلِ الذِّمَّةِ ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَحِلَّ الزَّوْجَةُ ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ يَمِينِ الطَّلَاقِ .
أَمَّا لَوْ حَلَفَ يَمِينًا وَحَنِثَ فِيهَا وَلَمْ " يَذْكُرْ " هَلْ هِيَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ أَوْ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ فِي الْحَالِ فَإِذَا أَعْتَقَ رَقَبَةً بَرِئَ ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالظِّهَارِ أَوْ يَمِينِ اللَّجَاجِ ، فَالرَّقَبَةُ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ " التَّعْيِينِ " ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْجِهَةِ " لَا يَجِبُ " ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أُطْعِمَ أَوْ كُسِيَ ، لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْكَفَّارَاتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالْكَفَّارَةِ ، وَلَا تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .
وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ الْخَارِجُ مِنْ
ذَكَرِهِ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ ، لَا يَجِبُ الْغُسْلُ .
الثَّامِنُ : إذَا شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَوْ شَرْطِهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنْ قَصَرَ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ مَضَى رُكْنٌ بَطَلَتْ إنْ كَانَ فِعْلِيًّا قَطْعًا ، وَكَذَا الْقَوْلِيُّ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ إتْيَانَهُ بِهِ عَلَى الشَّكِّ " جَزْمٌ " مِنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ فَيَبْطُلُ وَهَلْ يُلْحَقُ بَعْضُ الرُّكْنِ بِهِ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ " كَجَمِيعِهِ " فِي الْأَصَحِّ ، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ، لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي بَعْضَ الْفَاتِحَةِ ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَى الصَّلَاةَ " أَوْ " لَا ، وَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، وَمَا قَرَأَهُ فِي حَالِ الشَّكِّ " لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا وَمَا بَقِيَ صَحِيحٌ ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ عَلَى الشَّكِّ " لَا يَضُرُّ ، كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ، لَوْ مَضَى بَعْدَ الرُّكْن عَلَى الشَّكِّ فَإِنْ كَانَ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ أَوْ الِاعْتِدَالُ وَلَمْ تَحْصُلْ طُمَأْنِينَةٌ مَحْسُوبَةٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَيْ إذَا اطْمَأَنَّ عَلَى الشَّكِّ ، قَالَ ، وَكَذَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي أَوَّلِ الرُّكُوعِ ثُمَّ زَالَ فِي أَثْنَائِهِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَعْضِ الِانْحِنَاءِ مَثَلًا ، فَإِنْ عَادَ مُنْتَصِبًا وَرَكَعَ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ تَمَّمَ الرُّكُوعَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ " صَلَاتُهُ " ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِرُكُوعٍ تَامٍّ .
انْتَهَى .
وَمَا قَالَهُ فِي الطُّمَأْنِينَةِ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا ، فَإِنْ قُلْنَا " رُكْنٌ " فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي كَلَامِهِمْ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا يَضُرُّ فِيهَا إحْدَاثُ الْفِعْلِ مَعَ الشَّكِّ : إحْدَاهَا : إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ ظَنَّ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلًا أَنَّهَا الْعَصْرُ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّ ظُهْرَهُ صَحِيحَةٌ ، لِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ لَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ يَنْبَغِي أَنْ لَا " يَحْسِبَ " مَا أَتَى بِهِ
عَلَى اعْتِمَادِ أَنَّهُ عَصْرٌ ، لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ " فَاسْتِدَامَةُ حُكْمِهَا " مِمَّا يَجِبُ وَحُكْمُ الِاسْتِدَامَةِ بَطَلَ بِخِطَابِهِ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَفَعَلَ فِعْلًا عَلَى الشَّكِّ ، قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ : وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إذْ الصَّلَاةُ تَمَيَّزَتْ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا بِالنِّيَّةِ الْأُولَى ، وَلَمْ يَصْرِفْهَا عَمَّا كَانَتْ ، وَالظَّنُّ الْحَادِثُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ فِي " صَلَاتِهِ " ، وَإِذَا أَتَى بِفِعْلٍ عَلَى الشَّكِّ فَهُوَ ظَانٌّ فِي إتْيَانِهِ بِهِ عَلَى الشَّكِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ ، قَالَ وَسُئِلَ الْقَاضِي عَمَّنْ شَرَعَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ " فَقَنَتَ " ظَانًّا أَنَّهُ فِي الصُّبْحِ فَلَمَّا سَلَّمَ تَذَكَّرَ وَأَجَابَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ هَلْ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ ، وَقَدْ أَحْدَثَ أَفْعَالًا قَبْلَ " التَّذَكُّرِ " .
" قُلْت " وَهَذَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ فِي صُورَةِ الْبَغَوِيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا حَصَلَ وَجْهَانِ .
الثَّانِيَة : لَوْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ " رَكَعَ " أَمْ لَا فَقَامَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ رَكَعَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ هَلْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَوْ لَا فَمَضَى أَكْثَرُ النَّهَارِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَوَى لَمْ يَضُرَّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ فِعْلًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الشَّكِّ قَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا .
" قَالَ " ، وَلَوْ جَامَعَ " حَالَةَ الشَّكِّ " فَذَكَرَ أَنَّهُ صَائِمٌ بَطَلَ صَوْمُهُ وَلَا كَفَّارَةَ ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ .
التَّاسِعُ : قَدْ " يَنْبَنِي " الْحُكْمُ عَلَى الشَّكِّ لِتَعَذُّرِ " التَّحَقُّقِ " فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : الرَّجْعَةُ فِي عِدَّةِ نِكَاحٍ شَكَّ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ فَإِنَّهَا رَجْعَةٌ صَحِيحَةٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَاقِ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا ، وَكَذَا الرَّجْعَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي حُصُولِ الْإِبَاحَةِ بِهَا ، كَمَنْ طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً ، ثُمَّ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ يَصِحُّ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَقَدْ شَكَّ فِي انْقِطَاعِهِ .
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ مُبْهِمًا ، فَقَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ رَاجَعَهَا ، فَقَالَ رَاجَعْت الْمُطَلَّقَةَ مِنْكُمَا فَفِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ ، بَلْ طَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ ثُمَّ يُرَاجِعَ .
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَامْتَنَعَ فَطَلَّقَ الْقَاضِي إحْدَاهُمَا فَقَالَ الزَّوْجُ رَاجَعْت الَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فَوَجْهَانِ سَبْقًا فِي بَابِ الرَّجْعَةِ وَهَذَا وَهْمٌ ، بَلْ هَذِهِ تَصِحُّ رَجْعَتُهَا قَطْعًا إذْ لَا إبْهَامَ فِيهَا عِنْدَ الْمُرْتَجِعِ ، لِأَنَّهَا هِيَ الْمُولَى مِنْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ السَّابِقَةُ فِي الرَّجْعَةِ ، لِإِبْهَامِ تِلْكَ وَتَعْيِينِ هَذِهِ .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَلَوْ قَالَ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلَمْ " يَعْلَمْ " هَلْ قَدِمَ أَمْ لَا فَرَاجَعَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدِمَ ، فَفِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ، وَأَصْلُهُ " مَنْ " بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ .
وَمِنْهَا : الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالرِّدَّةِ ، إذَا أَنْكَرَ وَأَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مُسْتَنَدِهِ هَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ السَّابِقُ أَوْ الْإِسْلَامُ الْمُجَدَّدُ " عَلَى " تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا اُتُّهِمَ بِهِ ، " وَلِأَنَّ " هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَالْمُرْتَدُّ كَذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لَمْ أَكْشِفْ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ ، وَقُلْت " قُلْ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ أَمْرٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ انْتَهَى .
وَنَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِعِصْمَةِ دَمِهِ حَتَّى يَعْتَرِفَ " أَوْ تَنْهَضَ بَيِّنَةٌ " فِي مُقَابَلَةِ إنْكَارِهِ .
وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ .
الْعَاشِرُ : اشْتَهَرَ مِنْ قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُرْفَعُ بِالشَّكِّ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ فِي الْأُصُولِ وَفِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الشَّكِّ " فِي الطَّلَاقِ " فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَجَوُّزٌ إذْ الْيَقِينُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الشَّكِّ ، وَإِذَا طَرَأَ الشَّكُّ فَلَا يَقِينَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْيَقِينَ " السَّابِقَ " لَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ فَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بَلْ إذَا طَرَأَ الشَّكُّ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَرْتَبِطَ بِعَلَامَةٍ بَيِّنَةٍ " فَيَتْبَعُ " فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلَا نَظَرَ إلَى الْمُتَقَدِّمِ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ " شَكَّ أَنَّهُ " طَلَّقَ فَامْتَنَعَ الِاجْتِهَادُ ، وَلَا حُكْمَ لِلنِّكَاحِ السَّابِقِ ، وَمَا سَبَقَ مِنْ بَعْضِ انْعِقَادِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَثْبُتَ بِعَلَامَةٍ خَفِيَّةٍ ، كَعَلَامَةِ تَمَيُّزِ الطَّاهِرِ مِنْ النَّجِسِ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ ، فَإِنْ عَلِمَ نَجَاسَةَ أَحَدِهِمَا وَطَهَارَةَ الْآخَرِ تَعَارَضَ الْيَقِينَانِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ " الْإِنَاءَيْنِ أَوْ الْأَخْذِ " بِأَحَدِهِمَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّرْكِ فَتَعَيَّنَ الِاجْتِهَادُ إذْ لَيْسَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا الطَّهَارَةَ وَشَكَكْنَا فِي طَرَيَانِ النَّجَاسَةِ ، كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ إنَاءٌ وَاحِدٌ فِيهِ مَاءٌ فَشَكَّ فِي طَرَيَانِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ، وَغَلَبَتْ عِنْدَهُ عَلَامَاتُهَا ، فَهَلْ يَحِلُّ التَّمَسُّكُ بِالْعَلَامَاتِ أَمْ يَسْتَصْحِبَ الْيَقِينَ السَّابِقَ لِضَعْفِ الْعَلَامَةِ فِيهِ قَوْلَانِ .
وَهَذَا هُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا تَكُونَ عَلَامَةً جَلِيَّةً وَلَا خَفِيَّةً وَسَبَبُهُ ارْتِفَاعُ الْعَلَامَاتِ ، كَمَا فِي الْأَحْدَاثِ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ " وَإِذَا " انْحَسَمَ الِاجْتِهَادُ وَطَرَأَ الشَّكُّ فَعِنْدَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ يَرَى التَّمَسُّكَ بِالْيَقِينِ السَّابِقِ وَلَا " يَتَيَمَّمُ " لِلشَّكِّ " فِيهِمَا " لِأَنَّ الشَّكَّ يَتَعَلَّقُ " بِمُعْتَقَدَيْنِ "
مُتَعَارِضَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ غَالِبَ الْأَمْرِ عَنْ الشَّكِّ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ الشَّكُّ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : شَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ حَرَامٍ ، كَشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ فِي بَلَدٍ فِيهِ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ لَا يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرُ فَلَا تَحِلُّ ، لِأَنَّ أَصْلَهَا حَرَامٌ .
وَشَكٌّ طَرَأَ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ ، " كَمَا لَوْ وَجَدَ مَاءً مُتَغَيِّرًا " ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَغَيُّرُهُ بِنَجَاسَةٍ أَوْ بِطُولِ الْمُكْثِ فَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ .
وَكَذَلِكَ الشَّكُّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا .
وَشَكٌّ لَا يَعْرِفُ أَصْلَهُ ، " كَمُبَايَعَةِ " مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ ، فَلَا يَحْرُمُ ، لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ وَيُكْرَهُ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ .
الْحَادِي عَشَرَ : مُسْتَنْبَطٌ مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَا يَخْرُجُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } " يَنْبَنِي " عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهِيَ اسْتِصْحَابُ الْيَقِينِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الشَّكِّ كَمَا فِي صُورَتَيْ يَقِينِ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ ، وَكَمَا لَوْ شَكَّ الزَّوْجُ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى يَقِينِ النِّكَاحِ وَيَطْرَحُ الشَّكَّ .
وَقَدْ اسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاضِي فِي تَلْخِيصِهِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ الْكُلَّ ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ فِي كَثِيرٍ .
" إحْدَاهَا " : شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ هَلْ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ " بِأَنَّهُ " انْقَضَتْ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَهَا .
الثَّانِيَةُ : شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ يَأْخُذُ بِأَنَّهُ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ وَرَدَّ ذَلِكَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ ، بَلْ لِأَنَّ الْأَصْلَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الْمَسْحِ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق