
ج5 وج6. وج7. وج8.
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الثَّالِثَةُ : إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَهُوَ مُسَافِرٌ أَمْ مُقِيمٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَرَكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ ، بَلْ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ .
الرَّابِعَةُ : بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ " وَوُجِدَ " مُتَغَيِّرًا وَلَمْ نَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى النَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " تَغَيُّرِهِ " بِالْبَوْلِ .
وَرُدَّ بِأَنَّ إحَالَةَ التَّغَيُّرِ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَيُقَدَّمُ الظَّاهِرُ عَلَى الْأَصْلِ .
الْخَامِسَةُ : الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ انْقِطَاعَ الدَّمِ قَبْلَهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْقِطَاعِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ " الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ " ، فَإِذَا شَكَّتْ فِي الِانْقِطَاعِ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صُورَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ ، لَكِنَّ " الْأَمْرَ " بِالِاحْتِيَاطِ هُنَاكَ اقْتَضَى ذَلِكَ .
السَّادِسَةُ : مَنْ شَكَّ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ يَغْسِلُهُ كُلَّهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ الطَّهَارَةُ ، إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ .
السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ : شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا " أَوْ نَوَى " الْإِقَامَةَ أَمْ لَا لَمْ يَتَرَخَّصْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ السَّفَرِ وَعَدَمُ وُصُولِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الرُّخْصَةِ ، إلَّا بِيَقِينٍ وَحَكَى الْقَفَّالُ فِي السَّابِعَةِ وَجْهًا بِالْجَوَازِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الثَّامِنَةِ ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَقْلًا عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ .
التَّاسِعَةُ : مَنْ بِهِ حَادِثٌ دَائِمٌ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِمْرَارُ ، وَرُدَّ بِأَنَّ طَهَارَتَهُ ضَرُورَةٌ فَإِذَا شَكَّ فِي الِانْقِطَاعِ فَقَدْ شَكَّ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ فَيَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ .
الْعَاشِرَةُ : الْمُتَيَمِّمُ إذَا تَوَهَّمَ الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَإِنْ بَانَ أَنْ لَا مَاءَ وَرُدَّ بِأَنَّ تَوَهُّمَ الْمَاءِ يُوجِبُ الطَّلَبَ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّيَمُّمِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْوَهْمِ قَدْ " أَعْمَلْنَاهُ " فِي إبْطَالِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَسَبَبُ رُجْحَانِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاصِّ فِيمَا سَبَقَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْجُودَ أَسْقَطْنَاهُ بِالشَّكِّ " .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ " : رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَشَكَّ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ رَمْيَةٍ أَوْ حَجَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَكَذَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ .
وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ فَإِنْ أَجَزْنَا أَكْلَهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْحِلِّ .
وَهَذَا رَدٌّ جَيِّدٌ وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ الْحِلَّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ فِي الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ صَحَّحُوا التَّحْرِيمَ " وَمَحَلُّ " ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَإِنْ انْتَهَى حَلَّ قَطْعًا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ ذَكَرَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُسْتَثْنَيَاتٍ وَنَسَبَاهَا لِصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَنَّهُ حَذِقٌ وَأَنَّ هَذِهِ مِمَّا تُسْتَفَادُ وَقَدْ ذَكَرَا الْأُولَى وَالسَّابِعَةَ وَالثَّامِنَةَ وَنَقَلَا وَاحِدَةً عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ صَدَّرَا بِهَا لَمْ أَرَهَا فِي كَلَامِهِ وَهِيَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ شَكُّوا فِي " انْقِضَاءِ وَقْتِ " الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْوَقْتِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُسْتَثْنَى " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ " مَسْأَلَةً .
قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمَسْحِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي صُورَتَيْ الْمُسَافِرِ ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ انْقِضَاءَ وَقْتِ الْمَسْحِ لَيْسَ " مِمَّا " يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِذَا " شَكَّ فِيهِ تَعَيَّنَ الرَّدُّ " لِلْأَصْلِ بِخِلَافِ الِانْتِهَاءِ لِدَارِ الْإِقَامَةِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالشَّاكِّ فَجَاءَ وَجْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ طَرَحَهُ .
وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الشَّكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالشَّكِّ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٌ " فِيهِمَا " عَلَى الْأَصَحِّ .
وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مَضَتْ كَامِلَةً عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَلَا أَثَرَ لِمَا يَحْدُثُ
مِنْ الشَّكِّ .
وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ أُخَرُ تُضَافُ " لِمَا " ذُكِرَ .
مِنْهَا : الْمَقْبَرَةُ إذَا شُكَّ نَبْشُهَا فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ " الصَّلَاةُ " فِيهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّبْشِ .
وَمِنْهَا : إذَا جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ أَعَادَتْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُ مَنِيِّهَا مَعَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : لَوْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فَرْشِهِ " الَّذِي لَا يَنَامُ " فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْحَدَثِ " .
فَإِنْ قُلْت " إنَّمَا " وَجَبَ الْغُسْلُ إحَالَةً عَلَى مَا ظَهَرَ الْمَنِيُّ .
قُلْت : وَفِي بَوْلِ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى .
وَمِنْهَا : إذَا نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ الرِّيحِ .
وَمِنْهَا : الْهِرَّةُ إذَا تَنَجَّسَ فَمُهَا ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ مَا لَاقَاهُ مِنْ مَاءٍ وَمَائِعٍ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نَجَاسَةٍ فَمِهَا وَقَدْ " رَفَعْنَاهُ " بِالشَّكِّ .
لَا يُقَالُ لَا يُسْتَثْنَى ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِيمَا بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، لِأَنَّا نَقُولُ الْغَرَضُ طَرْحُ يَقِينِ النَّجَاسَةِ فَالشَّكُّ اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِنَجَاسَتِهِ إعْمَالًا لِلشَّكِّ وَطَرَحَ أَصْلَ الطَّهَارَةِ .
لَا يُقَالُ أَنَّ الْقُلَّةَ هِيَ الْأَصْلُ ، لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْمُشَخَّصُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ بِقُلَّةٍ فَكَيْفَ يَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْقِلَّةُ ، لَا جَرَمَ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ طَهُورٌ " فَلَا اسْتِثْنَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَزَمَ " .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، هَلْ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا نَقَلَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ وَقَضِيَّتُهُ طَرْدُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنْ الْبَغَوِيّ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّأْثِيرِ .
وَمِنْهَا : اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى الِاقْتِدَاءَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ .
وَمِنْهَا : مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ " فَشَكَّ " فِي قَضَائِهَا ، فَإِنَّهُ لَا " يَلْزَمُهُ " قَضَاؤُهَا ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا .
وَمِنْهَا : إذَا أَكَلَ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جَازَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ .
وَمِنْهَا : الْمَفْقُودُ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ ( فَوْقَهَا ) يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ " فِي الْحُكْمِ " بِمَوْتِهِ وَيُعْطِي مَالَهُ " لِوَرَثَتِهِ " مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ .
وَمِنْهَا : قُدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ نِصْفَيْنِ ، وَشَكَّ فِي حَيَاتِهِ " وَمَوْتِهِ " ، وَادَّعَى الضَّارِبُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ حَيَاةً قَبْلَ ذَلِكَ ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ صَحَّحَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ لِلْعَمَلِ بِالشَّكِّ وَطَرْحُ الْأَصْلِ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَهُوَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْفِقْهِ .
وَمِنْهَا : الْجُرْحُ الَّذِي احْتَمَلَ الزَّهُوقَ " لِغَيْرِهِ " فَإِنَّهُ يَجْرِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ إحَالَةً عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي صُورَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ .
وَمِنْهَا : جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ أَنَّ " لِمُوَرِّثِهِ " عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ، بَلْ " بِغَلَبَةِ " الظَّنِّ " مِمَّا " يَجِدُهُ " مِنْ خَطِّ مُوَرِّثِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ " يَشُكُّ " ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ أُجِيزَ لَهُ الْعَمَلُ بِالشَّكِّ الْمُؤَيَّدِ بِمَا " ذَكَرَهُ " مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ .
وَمِنْهَا : الشَّكُّ فِي عَدَدِ غَسَلَاتِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، لِئَلَّا يَرْتَكِبَ الزَّائِدَ وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُ .
وَمِنْهَا : اقْتِصَاصُ الْوَكِيلِ فِي الْغَيْبَةِ يَمْنَعُ مِنْهُ عَلَى رَأْيٍ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَكَالَةِ ، لَكِنْ " لِخَطَرِهِ " عُمِلَ بِالشَّكِّ عَلَى رَأْيٍ .
الشَّلَلُ هَلْ هُوَ مَوْتٌ أَوْ تَيَبُّسٌ ؟ قَوْلَانِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعُضْوَ الْأَشَلَّ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ .
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) إذَا كَانَ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ عُضْوٌ أَشَلُّ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ إنْ قُلْنَا مَوْتٌ لَمْ يُؤْكَلْ ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيِّتِ ، " وَإِلَّا " أُكِلَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
( الثَّانِيَةُ ) لَوْ مَسَّ بِيَدٍ شَلَّاءَ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ إنْ قُلْنَا الْحَيَاةُ تَحِلُّهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَإِلَّا فَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِهَا ، كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ ، وَكَذَا لَوْ " لَمَسَ " ذَكَرًا أَشَلَّ يُنْقَضُ فِي الْأَصَحِّ " ، كَمَا لَوْ " مَسَّهُ " مَقْطُوعًا .
( الثَّالِثَةُ ) لَا يُقْطَعُ الْعُضْوُ الصَّحِيحُ بِالْأَشَلِّ فِي الْأَصَحِّ " ، وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي .
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالشَّلَلُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّلَلُ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ .
حَرْفُ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الصَّبِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : بِالنِّسْبَةِ " لِأَقْوَالِهِ " وَهِيَ مُلْغَاةٌ فَلَا تَصِحُّ عُقُودُهُ ، وَفِي وَصِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ قَوْلٌ ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ مُطْلَقًا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ يُقْبَلُ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ دُونَ الْإِخْبَارِ ، كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ ، وَدَلَالَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْقِبْلَةِ ، وَخُلُوِّ الْمَوْضِعِ عَنْ الْمَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ " وَالشَّمْسِ " وَغُرُوبِهَا ، بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ ، كَالْإِفْتَاءِ وَالْإِخْبَارِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطِّبِّ وَرِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ وَالتَّنْجِيسِ عَنْ غَيْرِهِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذْنُهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ " وَإِيصَالُ الْهَدِيَّةِ " .
الثَّانِيَةُ : إخْبَارُهُ بِطَلَبِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ ، فَإِنَّ الْمَدْعُوَّ تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَشَرَطَا أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الصَّبِيِّ .
الثَّالِثَةُ : فِي اخْتِيَارِهِ أَحَدَ أَبَوَيْهِ " فِي " الْحَضَانَةِ إذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ .
وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى " يُخْتَبَرُ " فِي سِنِّ التَّمَيُّزِ بِمَيْلِهِ إلَى أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ يَعْتَمِدُ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ، لِأَنَّ " اخْتِيَارَ " الْخُنْثَى لَازِمٌ وَلَا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَالْوَلَدِ يَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ لَا يَصِحُّ انْتِسَابُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْحَضَانَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ .
الرَّابِعَةُ : دَعْوَاهُ اسْتِعْجَالَ الْإِنْبَاتِ بِالدَّوَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ ، زَادَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِيَمِينِهِ لِأَجْلِ حَقْنِ دَمِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ صَبِيٌّ " فَلَا " يَحْلِفُ الْخَامِسَةُ : فِي إرْسَالِهِ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ الْمُحَقَّرَاتِ وَقَدْ نَقَلَ عَنْ الْجُورِيِّ " حِكَايَةَ " الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَعَلَى صِحَّةِ شِرَائِهِ " لَهَا " ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ ، بِلَا نَكِيرٍ .
السَّادِسَةُ " إخْبَارُهُ " بِبَيْعِ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَقَارِ
إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الشَّرِيكِ صِدْقَهُ ، حَتَّى إذَا أَخَّرَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَحِلُّ " لَهُ " أَخْذُهَا فِي الْبَاطِنِ قَالَهُ " فِي " الْحَاوِي ، قَالَ وَكَذَا خَبَرُ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ " إلَى الظَّاهِرِ " فَلَهُ الْأَخْذُ .
السَّابِعَةُ : عَمْدُهُ فِي الْعِبَادَاتِ ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ أَوْ سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ .
الثَّانِي " : أَفْعَالُهُ وَهُوَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا الْعِبَادَاتُ وَهُوَ فِيهَا كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَمِنْ ثَمَّ يَحْكُمُ عَلَى مَائِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْأَصَحِّ وَطَهَارَتُهُ كَامِلَةٌ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ بَلَغَتْ فَغُسْلُهَا صَحِيحٌ وَلَا تُعِيدُ .
وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ طَهَارَةَ الصَّبِيِّ نَاقِصَةٌ فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ .
وَهَذَا فِي غَيْرِ طَهَارَةِ الْحَاجَةِ ، أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ بَلَغَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا فِي الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا شُفِيَتْ ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لِلْحَاجَةِ ، وَقَدْ زَالَتْ الْحَاجَةُ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَكِنَّ مَا يُؤَدِّيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَرْضِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْوِي " بِصَلَاتِهِ " " الْفَرْضِيَّةَ " قُلْت هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ ، وَقَدْ حَكَى عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَا يُقْصَرُ ، لِأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرَائِضِ ، قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الظَّاهِرُ هُنَا الْجَوَازُ ، لِأَنَّهُمَا نَفْلَانِ .
قُلْت سَيَأْتِي عَنْ الْعَبَّادِيِّ مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ الْجَمْعِ لَهُ .
وَلَوْ صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ ، وَفِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ خِلَافٌ " تَرْجِيحٌ " بَيْنَ " الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ ، أَنَّهَا لَا تَجِبُ مَعَ " " مُوَافَقَتِهِ " الرَّافِعِيُّ " عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّبْيِيتِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ .
وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ عِنْدَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ ، وَهُوَ " يُؤَيِّدُ "
مَا سَبَقَ أَنَّ لِصَلَاتِهِ حُكْمَ الْفَرْضِ ، وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَجْهَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ الْفَرْضِ قَاعِدًا وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِهِ نَعَمْ الْبَالِغُ فِيهِ أَوْلَى مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ " أَوْ أَفْقَهَ " ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ ، بَلْ نَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ ، نَعَمْ " لَوْ " أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَكَانَ الْإِمَامُ صَبِيًّا " نَصَّ " الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ ، إلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ .
وَلَوْ اسْتَنَابَ الْوَلِيُّ فِي حَجِّ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ صَبِيًّا لَمْ يَصِحَّ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبُلُوغِ ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ عَنْهُ .
وَمِنْهَا الْجِنَايَاتُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ فَتَغْلُظُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا وَيَحْرُمُ إرْثُ مَنْ " قَتَلَهُ " إذَا قُلْنَا قَاتِلُ الْخَطَأِ يَرِثُ دُونَ الْعَامِدِ .
وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَامَعَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَقُلْنَا عَمْدُهُ عَمْدٌ فَهُوَ زِنًى ، إلَّا أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ ، وَإِلَّا فَكَالْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلْنَاهُ زِنًى .
وَلَوْ حَجَّ وَبَاشَرَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ عَمْدًا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ " أَنَّ " عَمْدَهُ عَمْدٌ .
" وَلَوْ " حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَمْدًا وَقُلْنَا عَمْدُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَسَهْوُهَا " سَوَاءٌ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ جِمَاعُهُ فِي " نَهَارِ " رَمَضَانَ عَمْدًا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحّ ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ نَاقِصَةٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ جِمَاعِ الْمُحْرِمِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ هَلْ تَجِبُ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ الْوَلِيِّ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فِي مَالِ الْوَلِيِّ ، فَيَكُونُ فِعْلُ الصَّبِيِّ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ " نَصَبَ " سَبَبًا لِلْإِيجَابِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ .
وَمِنْهَا الِاكْتِسَابُ وَهُوَ كَالْبَالِغِ .
وَلِهَذَا " يَتَمَلَّكُ " الْمَوَاتَ " بِالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ " ، قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَيَصِحُّ الْتِقَاطُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَيَجُوزُ السَّبْيُ وَيَمْلِكُهُ وَيَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ .
وَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ : لَوْ أَخَذَ الصَّبِيُّ " النِّثَارَ " مَلَكَهُ .
وَلَوْ رُدَّ الْآبِقُ بَعْدَ " سَمَاعِهِ " النِّدَاءَ " فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ " الْجُعْلَ وَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ .
وَمِنْهَا وَطْؤُهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا ، كَالْبَالِغِ فِي التَّحْلِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا ، خِلَافًا لِلْقَفَّالِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا صَغِيرَةً ، فَوَطِئَهَا زَوْجٌ حَلَّتْ قَطْعًا ، وَنُقِلَ فِي الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَجْهَانِ كَتَحْلِيلِ الصَّبِيِّ .
وَمِنْهَا قَبْضُهُ فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْهُ ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ إلَى الْوَلَدِ فَصَرَفَتْهُ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ " إلَيْهِ " " أَنَّهَا " تَبْرَأُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَبْدَى لِنَفْسِهِ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ الْوَدِيعَةُ لِلْمُودِعِ سَلِّمْهَا لِلصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِهَا فِي النَّارِ فَفَعَلَ ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَرَاءَةَ وَإِنْ حَصَلَتْ فَالتَّسْلِيمُ حَرَامٌ كَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ ، وَحِينَئِذٍ لَوْ امْتَنَعَ الْمُودَعُ مِنْ دَفْعِهَا إلَى الصَّبِيِّ فَتَلِفَتْ لَا يَضْمَنُهَا ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا ، وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ الْوَدِيعَةَ بِكَوْنِهَا مُعَيَّنَةً وَالْمِلْكُ فِيهَا مُسْتَقَرٌّ وَلَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ .
وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ وَالْغَاصِبَ إذَا سَلَّمَا الْعَيْنَ إلَى الصَّبِيِّ بِالْإِذْنِ " أَنَّهُ " يَكُونُ فِي الْبَرَاءَةِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمِلْكَ مُسْتَقَرٌّ ، لَكِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلِذَلِكَ أَبْدَى فِيهِ احْتِمَالَيْنِ وَقَالَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى صَبِيٍّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّ وَعَيَّنَ " الْمَدْفُوعَ لَهُ " جَازَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ .
وَقِيَاسُهُ فِي الْحُقُوقِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا كَذَلِكَ ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ " الْبَائِعَ " ، لَوْ دَفَعَ الْمَبِيعَ إلَى الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي لَا تَخْرُجُ الْعَيْنُ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، لِأَنَّ وَكَالَةَ الصَّبِيِّ بِالْقَبْضِ فَاسِدَةٌ ، نَعَمْ إنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَقَعَ الْمَوْقِعَ .
وَهَذَا كُلُّهُ " فِي الْمُمَيَّزِ ، أَمَّا
غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَهُوَ مَسْلُوبُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ " ، إلَّا فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ إذَا سَبَقَ إحْرَامَ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ .
قَاعِدَةٌ " الْخِلَافُ فِي أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ ، وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ عَمْدٌ " هُوَ فِي الْمُمَيَّزِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمْدُهُ خَطَأٌ قَطْعًا " وَهَذَا فِي جِنَايَتِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا عَمْدُ الْمُمَيَّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ فَعَمْدٌ قَطْعًا " ، كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ عَامِدًا " فَسَدَا " قَطْعًا .
وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا جَامَعَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِحَالٍ وَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ ؟ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ ، وَلَك أَنْ تَسْأَلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَكْلِهِ حَيْثُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ قَطْعًا ، وَفِي جِمَاعِهِ " الْوَجْهَانِ " ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ شَهْوَةَ الصَّبِيِّ الْأَكْلُ " كَشَهْوَةِ " الْبَالِغِ ، بَلْ آكَدُ ، وَلَا كَذَلِكَ الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ الْبَالِغُ ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْجِمَاعِ ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ بِمَثَابَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْإِنْزَالُ ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ مَسْلَكَ الْجِمَاعِ فِي " الْأَحْكَامِ مِنْ " الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ .
وَمِنْهَا جِمَاعُهُ عَمْدًا فِي الْحَجِّ هَلْ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا " ذَكَرْنَا " ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ " يُفْسِدُهُ " ، وَإِنَّمَا جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مُلْحَقٌ بِالْجِنَايَاتِ ، وَالْخِلَافُ فِيهَا ثَابِتٌ .
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ حَيْثُ إنَّ عَمْدَهُ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا وَفِي الْحَجِّ قَوْلَانِ مُشْكِلٌ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَفْعَالِ .
أَمَّا أَقْوَالُهُ فَعَمْدُهُ فِيهَا عَمْدٌ فِي الْعِبَادَاتِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، " قَالَ " وَقَدْ فَرَّقَ " صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ " فِيمَا إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْمُصَلِّي تَبْطُلُ " صَلَاتُهُ " وَعَلَى الْحَاجِّ لَا يُبْطِلُهُ "
فَإِنَّ " الصَّلَاةَ شَرْطُهَا الطَّهَارَةُ وَيَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وُضُوءُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ عَلَى الصَّبِيِّ صِيَامٌ وَيُعْقَدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ الْحَجِّ .
قَالَ ، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَرَّقْنَا بِهِ هَا هُنَا فَنَقُولُ أَمْرُ الصَّلَاةِ أَقْوَى اعْتِبَارًا فِي بُطْلَانِهِ وَفَسَادِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهَا شَرْطُ الطَّهَارَةِ ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِحَدَثِهِ ، فَكَذَلِكَ بِأَقْوَالِهِ الْعَامِدَةِ فِيهَا " وَأَفْعَالِهِ " .
فَرْعٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَالِغٍ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ .
الصِّحَّةُ وَالْجَوَازُ وَالِانْعِقَادُ " فِي بَابِ الْعُقُودِ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَكُلُّ صَحِيحٍ مُنْعَقِدٍ وَكُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ .
وَهُوَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ أَوْ " مَا " أَفَادَ حُكْمُهُ ، وَقِيلَ الْمُنْعَقِدُ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَحَّحَ وَأَنْ لَا يُصَحَّحَ ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ " فَيُعْقَدُ " عِنْدَ قَوْمٍ " لَهُ " بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ يَصِحُّ كَالْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَإِلَّا فَلَا ، " وَإِنَّمَا " الصِّحَّةُ اعْتِبَارُ " التَّصَرُّفِ " جَزْمًا ، وَأَمَّا الْمَعْقُودُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْعِقَادٍ يُؤَثِّرُ فِي الْمَحَلِّ " مُثْبِتًا لِحُكْمِهِ " .
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالُوا انْعَقَدَ فَاسِدًا ، وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ .
قُلْت هُوَ مَجَازٌ ، وَأَمَّا عِنْدَ إطْلَاقِ الِانْعِقَادِ فَيُصْرَفُ إلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ إرَادَةِ الْمَجَازِ " فَيُقَيَّدُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَبِشَرِّهِمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، وَيُطْلَقُ الْجَائِزُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّازِمِ فَاللَّازِمُ مَا " لَا " يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَوْ مَا " لَا " يُمْكِنُ الْغَيْرُ إبْطَالَهُ ، وَالْجَائِزُ عَكْسُهُ ، وَالْفَسْخُ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْمَعْقُودِ .
وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَنَقَلَ " الْإِمَامُ " فِي الْمَحْصُولِ عَنْ " الْفُقَهَاءِ " أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الصِّحَّةَ بِمَسْقَطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي الْحَضَرِ ، لِعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَوَضْعُ الْجَبَائِرِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ ، وَأَيْضًا فَالْجُمُعَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَلَا يَدْخُلُهَا قَضَاءٌ .
" وَأَمَّا الصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ " " فَقِيلَ " اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ وَقِيلَ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهَا مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ " يَعْنِي " الصِّحَّةَ وَعَدَمَهَا ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا فَلَا كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، " وَقَدْ
يُؤْمَرُ بِمَا لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ تَشَبُّهًا " ، كَالْمُمْسِكِ فِي رَمَضَانَ وَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجْعَةُ فِيمَا إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الْهُدْنَةِ مُسْلِمَةً ، وَقُلْنَا يَغْرَمُ " لِزَوْجِهَا " الْكَافِرِ الْمَهْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ ، فَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَغْرَمْ لَهُ الْمَهْرَ حَتَّى يُرَاجِعَ لِتَظْهَرَ رَغْبَتُهُ .
وَهَذِهِ صُورَةُ رَجْعَةٍ لَا لِحَقِيقَتِهَا ، بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ ظُهُورُ " رَغْبَتِهِ " لِيَغْرَمَ لَهُ الْمَهْرَ وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُرَاجِعَ الْمُسْلِمَةَ ، وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ خَرَّجُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا " تُعْتَبَرُ " رَجْعَةً ، لِأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهَا .
وَأَمَّا الرِّدَّةُ " فَإِنَّ " الْقِيَاسَ " أَنَّهُ " لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي ، " لَكِنَّهَا " لَمَّا حَلَّتْ الْعَقْدَ الْعَظِيمَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وُصِفَتْ بِذَلِكَ فَيُقَالُ تَصِحُّ الرِّدَّةُ مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْحُكْمَ بِهَا عَقْلِيَّانِ أَوْ شَرْعِيَّانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْعُقُودَ إذَا أُطْلِقَتْ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ " أَوْ الْفَاسِدِ " ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي " كَلَامِهِ عَلَى " الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ ، وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهَا بِالصَّحِيحِ .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ .
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ سَيَأْتِي خِلَافٌ فِي أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوَّلًا ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ ، وَقَدْ اُسْتُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحِيحِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعُقُودِ .
قُلْت وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي خَادِمِ الرَّافِعِيِّ .
الصَّرِيحُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ : اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ .
وَالضَّابِطُ ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ أَوْ لَا ، فَإِنْ تَكَرَّرَ حَتَّى اُشْتُهِرَ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَهُوَ صَرِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَشِعْ فِي الْعَادَةِ ، فَإِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ " هُوَ " الْمُتَّبَعُ ، وَعَلَيْهِ " بَيَّنَّا " .
حَمْلَ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَقَارِيرِ عَلَى النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ قَطْعًا ، وَإِنْ غَلَبَ الْعُرْفُ " بِخِلَافِهَا " ، وَعَلَيْهِ أَلْحَقْنَا الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لِتَكَرُّرِهَا شَرْعًا ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ، بَلْ " ذُكِرَ " فِي الشَّرْعِ مَرَّةً وَلَمْ يَشِعْ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَالْمُفَادَاةِ فِي الْخُلْعِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ، وَالْفَكُّ فِي الْعَتَاقِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَكُّ رَقَبَةٍ } ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الرَّجْعَةِ قَوْله تَعَالَى { فَأَمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } " ، فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ الْتِحَاقُهُ بِالصَّرِيحِ فِي الْكُلِّ .
" وَأَمَّا " مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَكِنْ شَاعَ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَرْعًا فِي الطَّلَاقِ " وَشَاعَ الْعُرْفُ " فِي إرَادَتِهِ فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ " الْتِحَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَطَعْتُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ صَرِيحٌ عَلَى قَوْلِ الْفَسْخِ فَهُوَ يَخْرِمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي " الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ " .
قِيلَ : الْخُلْعُ جَرَى " عَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ " مَجْبُولُونَ " عَلَى " التَّلَفُّظِ " بِهِ ، وَإِذَا نَطَقُوا رَأَوْهُ الْأَصْلَ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ " الْبَعِيدُ " كَالنِّكَاحِ فَاعْتَمَدَ فِيهِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ
لَفْظَ الْخُلْعِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي قَضِيَّةِ حَبِيبَةَ جَرَيَانُ الْخُلْعِ " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ } وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ " .
ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ نَاقِصٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَلَى " لِسَانِ " الشَّارِعِ ، وَلَكِنْ شَاعَ عَلَى " أَلْسِنَةِ " حَمَلَتِهِ ، وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَقْدِ فَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ صَرَاحَتُهُ .
وَهَذَا كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ فِي الْخُلْعِ ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِيهِمَا فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ لَكِنْ يُقَدَّمُ فِي هَذَا " لَفْظُ " التَّحْرِيمِ " وَالْإِبَانَةِ " فَإِنَّهُمَا مَقْصُودَا الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُمَا كِنَايَةٌ فِيهِ .
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَامِعُك كِنَايَةٌ فِي الْإِيلَاءِ مَعَ شُيُوعِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَلَفْظُ " الْمَسِّ " مُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ ، " وَعَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ ؛ لِإِرَادَةِ الْجِمَاعِ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ ، وَفِي لَفْظِ الْإِمْسَاكِ فِي الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ " وَهُوَ " مِمَّا " تَكَرَّرَ " فِي الْقُرْآنِ .
الثَّانِي : أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي حَصْرِهِ فِي مَوَاضِعَ كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ التَّخَلُّصِ عَنْ الْوَثَاقِ وَنَحْوِهِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ ، وَقَالَ : أَرَدْت بِهِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الْعَامَّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ ، فَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ فَارَقْتُك بِالْجِسْمِ أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ الْيَدِ أَوْ إلَى السُّوقِ لَمْ " تَطْلُقْ " فَإِنَّ أَوَّلَ اللَّفْظِ " مُرْتَبِطٌ " بِآخِرِهِ ، " قَالَ " الْإِمَامُ : وَهَذَا يُضَاهِي الِاسْتِثْنَاءَ .
قُلْت وَهَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّمَ صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُك ، فَقَدْ " يَتَعَقَّبُهُ " نَدَمٌ فَيَصِلُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَثَاقٍ ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ " كَقَوْلِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَا يُقَالُ فِيهَا أَنَّهُ نَفَى الْإِلَهَ أَوَّلًا فَخَافَ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ ثَانِيًا .
وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا كِنَايَةً وَلَا شَكَّ " أَنَّ فِي " النِّكَاحِ نَوْعُ وَثَاقٍ ، وَنَوْعُ يَدٍ وَنَوْعُ اخْتِلَاطٍ .
الثَّانِي : اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ " أَمَّا " ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْوَالِ " اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ ، فَقَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ كَتَحْرِيكِ الرَّأْسِ عَلَى شِدَّةِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ ، قَالَ وَيُشْبِهُ حَمْلَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ صَدَقْت أَوْ نَحْوَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَإِنْ احْتَفَّتْ بِاللَّفْظِ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا تُجْعَلُ إقْرَارًا " وَيَأْتِي " فِيهِ " خِلَافُ " تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ .
وَمِمَّا يُعَارِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَلْحَقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ : طَلِّقْنِي فَقَالَ : طَلَّقْت فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةً أُخْرَى طَلَقَتْ وَلَا يُقْبَلُ ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ
قَالَ ابْتِدَاءً : طَلَّقْت فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت أُخْرَى حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " فِي الشَّرْحِ " عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ .
الرَّابِعُ : الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِقَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى الطَّلَاقِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ : أَنَّ مَعْنَى " قَوْلِهِمْ الصَّرِيحُ " لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أَيْ : نِيَّةِ الْإِيقَاعِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ .
أَمَّا قَصْدُ اللَّفْظِ " فَيُشْتَرَطُ " لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ ، وَمِنْ هَا هُنَا يَفْتَرِقُ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ ، فَالصَّرِيحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ ، وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَمْرَانِ قَصْدُ اللَّفْظِ ، وَنِيَّةُ الْإِيقَاعِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : أَنْ يَقْصِدَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لِيَخْرُجَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ .
الْخَامِسُ : الصَّرَائِحُ تَعْمَلُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِيمَا إذَا قِيلَ : لِلْكَافِرِ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ قَالَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَصَحُّهُمَا : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ احْتِمَالُ قَصْدِ الْحِكَايَةِ .
السَّادِسُ : كُلُّ تَرْجَمَةٍ " نُصِبَتْ عَلَى " بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُشْتَقُّ مِنْهَا صَرِيحٌ بِلَا خِلَافٍ ، إلَّا فِي أَبْوَابٍ فَفِي بَعْضِهَا لَا تَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ ، وَفِي بَعْضِهَا تَكْفِي عَلَى وَجْهٍ .
الْأُولَى : " الشَّرِكَةُ " لَا يَكْفِي " مُجَرَّدُ " اشْتَرَكْنَا .
الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ : " الْمُتَيَمِّمُ " ، لَوْ قَالَ : نَوَيْت التَّيَمُّمَ لَا يَكْفِي ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا الْوُضُوءُ عَلَى وَجْهٍ " صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ " ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ الصِّحَّةُ .
الرَّابِعَةُ : الْكِتَابَةُ فَبِمُجَرَّدِ كَاتَبْتُك لَا تَصِحُّ حَتَّى يَقُولَ ، وَأَنْتَ حُرٌّ إذَا أَدَّيْت .
الْخَامِسَةُ : التَّدْبِيرُ عَلَى قَوْلٍ .
السَّادِسَةُ : الْخُلْعُ .
" السَّابِعُ " : الصَّرِيحُ فِي " بَابِهِ " إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي " غَيْرِهِ وَمَعْنَى " وَجَدَ نَفَاذًا أَيْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ ، " كَمَا عَبَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْمُرَادُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ " صَرِيحًا .
وَهَذَا كَالطَّلَاقِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا " وَفَسْخًا " بِالنِّيَّةِ ، وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ قَالَ : وَهَبْت مِنْك وَنَوَى الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ وَصِيَّةً فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ .
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِجَارَةٍ بِعْتُك مَنْفَعَتَهَا لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذَا جَعَلْنَا الْخُلْعَ صَرِيحًا فِي الْفَسْخِ هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ حَتَّى إذَا نَوَيَا بِهِ الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ " النَّقْلُ يَكُونُ " طَلَاقًا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَعَنَى بِهِ " الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ صَرِيحٌ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، فَقَدْ يُعَدُّ كِنَايَةً مَعَ كَوْنِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ " ، وَقَدْ يُجَابُ " عَنْ هَذَا بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ ، بَلْ يَجْرِي فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَبْعُدْ صَرْفُهُ إلَى حُكْمٍ آخَرَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ قَالَ : بِعْتُك نَفْسَكِ بِكَذَا " وَقَالَتْ : " اشْتَرَيْت فَكِنَايَةُ خُلْعٍ .
الرَّابِعَةُ : قَالَ السَّفِيهُ لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ نَفْسَك فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " فِي بَابِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ إنْ نَوَى عِتْقَهُ وَقَعَ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّفْوِيضِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ كِنَايَةً فِي التَّنْجِيزِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ قَالَ : مَالِي طَالِقٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ نَوَى صَدَقَةَ مَالِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَ قُرْبَةً .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ أَوْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ ؟ وَجْهَانِ .
السَّادِسَةُ : صَرَائِحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ وَعَكْسُهُ ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ : وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَتِهِ فَوَكَّلَ سَيِّدَهَا فِي طَلَاقِهَا فَقَالَ قَدْ أَعْتَقْتُك ، وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ .
السَّابِعَةُ : أَحَالَهُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ التَّوْكِيلَ ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : لَا يُقْبَلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ .
الثَّامِنَةُ : لَوْ رَاجَعَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ " أَوْ التَّزْوِيجِ " ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ " تَنْفُذُ " بِالنِّيَّةِ ؛ لِإِشْعَارِهِ بِالْمَعْنَى .
التَّاسِعَةُ : قَالَ لِعَبْدِهِ وَهَبْتُك نَفْسَك ، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ فِي الْحَالِ .
الْعَاشِرَةُ : إذَا ثَبَتَ لِلزَّوْجِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَقَالَ : فَسَخْت نِكَاحَك ، وَأَطْلَقَ أَوْ نَوَاهُ حَصَلَ الْفَسْخُ ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ طَلَقَتْ فِي الْأَصَحِّ .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ " : أَعَرْتُك " حِمَارِي " لِتُعِيرَ لِي " فَرَسَك فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِعَارَةَ كِنَايَةٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَالْفَسَادُ جَاءَ مِنْ اشْتِرَاطِ " الْعَارِيَّةِ " فِي الْعَقْدِ .
الصِّفَةُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلتَّوْضِيحِ نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْهُ { وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى } " وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ " الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ .
وَفِي النَّكِرَةِ لِلتَّخْصِيصِ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ .
وَمِنْهُ { آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِ " فِيهِ " .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ : إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَخَاطَبَهَا بِالظِّهَارِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ الزَّوْجَةِ ، وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " الْأَجْنَبِيَّةِ " عَلَى التَّعْرِيفِ لَا الشَّرْطِ ، " وَقِيلَ : " لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا ، وَإِنْ نَكَحَهَا حَمْلًا لَهُ عَلَى الشَّرْطِ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ لِحَوَامِلَ : مَتَى وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ " فَصَوَاحِبُهَا " طَوَالِقُ أَنَّهُ يُرَاجَعُ الزَّوْجُ فَإِنْ أَرَادَ " بِصَوَاحِبِهَا " الشَّرْطَ تَعَيَّنَ الثَّانِي " أَوْ التَّعْرِيفَ " فَالْأَوَّلُ قَطْعًا " ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ مَاتَ " وَلَمْ تُعْرَفُ إرَادَتُهُ حُمِلَ عَلَى التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ عُقُودٌ ، لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ : اسْتَوْفِ دَيْنِي الَّذِي " لِي " عَلَى فُلَانٍ فَمَاتَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ ؟ وَجْهَانِ إنْ جَعَلْنَا " الصِّفَةَ " وَهِيَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ لِلتَّعْرِيفِ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْوَارِثِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلشَّرْطِ فَلَا .
تَنْبِيهٌ : " مَا ذَكَرْنَاهُ " ، فِي الصِّفَةِ الْفَارِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ ، " وَقَالَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ " فِي الْبُرْهَانِ : إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَوْ أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هِيَ " هِيَ " كَانَ الْوَصْفُ " بِهَا نَسْخًا " فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا
بِهَا الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لَمْ يَحْنَثْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : لَا كَلَّمْت زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وَهُوَ مَاشٍ " يَحْنَثُ " إذْ لَمْ تُفِدْ الصِّفَةُ فِيهِ تَقْيِيدًا .
صِفَاتُ الْحُقُوقِ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ هَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ ، وَالصِّفَةُ لَا " تُفْرَدُ " " بِالْإِسْقَاطِ " .
وَلَوْ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ وَالدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجُودَةِ أَوْ الصِّحَّةِ لَمْ تَسْقُطْ " بِالْإِسْقَاطِ " ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمَنَاهِي .
نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْأَجَلِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ .
وَيَقْرُبُ مِنْهُ إسْقَاطُ الْبَائِعِ حَقَّ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْحَقَّ لَهُ ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالسُّقُوطِ ، وَهَذِهِ " الصُّوَرُ " لَا تَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ ، وَالْعِتْقُ بِخِلَافِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ .
وَقَضِيَّةُ هَذَا " أَنَّهُ " ، لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ وَصَحَّحْنَاهُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ خِيَارَهُ إذَا خَرَجَتْ غَيْرَ لَبُونٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ .
الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَتْ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ، وَأُبِيحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ لِلْمُكْرَهِ ، وَكَذَلِكَ إتْلَافُ الْمَالِ ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِكَسْرِ بَابِهِ .
وَلَوْ صَالَ الصَّيْدُ عَلَى مُحْرِمٍ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ بِالصِّيَالِ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ ، وَإِذَا عَمّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الضَّرُورَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ : ( وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ ) فِي الْحَلَالِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، أَمَّا عِنْدَ الْإِيَاسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ ( كَأَنَّهُ ) حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَالُ لِلْمَصَالِحِ ، ( لِأَنَّ مِنْ ) جُمْلَةِ ( أَمْوَالِ ) بَيْتِ الْمَالِ مَا جُهِلَ مَالِكُهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَالِ غَيْرِهِ وَتَرَكَ الْأَكْلَ هَلْ يَعْصِي ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ ، وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْهَلَاكِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ مُسْلِمٌ لِقَتْلِهِ قَالَ : وَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ احْتَاجَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْعَطَشِ ، وَيَجُوزُ إتْلَافُ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَبِنَائِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ ، وَكَذَا إتْلَافُ الْحَيَوَانِ ( الَّذِينَ ) يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ ؛ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ( ظَفْرٍ بِهِمْ ) ، وَيَجُوزُ نَبْشُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ ؛ وَلَا لِيُدْفَنَ عَلَيْهِ آخَرُ .
وَيَجُوزُ غَصْبُ الْخَيْطِ
لِخِيَاطَةِ جُرْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ إذَا لَمْ يَجِدْ خَيْطًا حَلَالًا .
هَذَا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ .
وَالنَّجَاسَاتُ إذَا عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهَا .
وَمِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ وَعَمَّتْ ( بَلْوَى ) شَخْصٍ بِهِ ، فَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
قَالَ : وَلَوْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَرْقِ ( الطَّيْرِ ) ، وَتَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عُفِيَ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ .
وَفِي النُّكَتِ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ذَرْقُ الْعُصْفُورِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَهَذَا ( تَصَرُّفٌ ) بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَإِنَّ الشَّيْخَ عَمَّ الطُّيُورَ وَخَصَّ الْمَسَاجِدَ ، وَالرَّافِعِيُّ عَكَسَ النَّقْلَ عَنْهُ ( فَخَصَّ ) الْعُصْفُورَ وَعَمَّ ( الْعَفْوَ ) ( وَكَالْعَفْوِ ) عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ .
وَلَوْ وَلِيَ الْإِمَامَ غَيْرُ أَهْلٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ ؛ لِلضَّرُورَةِ ، وَأَلْحَقَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ ، وَنَازَعَ فِيهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ ( فَإِنَّ ) الْمَنْقُولَ فِي قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى ( يَنْفُذَ ) ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ قَدْ غَلَبَ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
وَلَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَصْحِيحُهُ ؛ لِأَنَّ مَا خَالَفَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ لَا أَثَرَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ .
فَائِدَةٌ : جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً ضَرُورَةٌ ، وَحَاجَةٌ ، وَمَنْفَعَةٌ ، وَزِينَةٌ ، وَفُضُولٌ .
فَالضَّرُورَةُ : بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ كَالْمُضْطَرِّ لِلْأَكْلِ وَاللُّبْسِ بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ جَائِعًا أَوْ عُرْيَانًا لَمَاتَ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ عُضْوٌ .
وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْمُحَرَّمِ .
وَالْحَاجَةُ : كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا
يَأْكُلُ لَمْ يَهْلِكْ غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْمُحَرَّمَ .
، وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ : فَكَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمَ الْغَنَمِ ، ( وَالطَّعَامَ ) الدَّسِمَ .
وَأَمَّا الزِّينَةُ : فَكَالْمُشْتَهِي ( الْحُلْوَ ) الْمُتَّخَذَ مِنْ ( اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ ) وَالثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ مِنْ حَرِيرٍ وَكَتَّانٍ .
وَأَمَّا الْفُضُولُ : ( فَهُوَ ) التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ أَوْ الشُّبْهَةِ ، كَمَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ إذَا عَلِمْت هَذَا فَلِلْقَنُوعِ مَرْتَبَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) يَقْنَعُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَافِعٍ وَدَافِعٍ .
وَدُونَهَا مَرْتَبَةُ مَنْ يَقْنَعُ ( بِاسْتِيفَاءِ ) الْمَنْفَعَةِ فَيَأْكُلُ الطَّيِّبَ ، وَلَكِنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ ( فَإِذَا ) اشْتَهَى ( الْحُلْوَ ) اسْتَوَى عِنْدَهُ الدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ ، وَإِذَا أَرَادَ اللُّبْسَ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْقُطْنُ وَالصُّوفُ .
وَأَمَّا مَنْ دُونَهُ وَهُوَ الْقَنُوعُ بِسَدِّ الرَّمَقِ الصَّابِرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ ، وَكَانَ الْقَانِعُ يَسْتُرُ وَجْهَ الْحَاجَةِ بِسَتْرٍ خَفِيفٍ ، كَمَا أَنَّ ( الْمِقْنَعَةَ ) تَسْتُرُ وَجْهَ لَابِسِهَا بَعْضَ السِّتْرِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ جَلَسَ خَلْفَ حَائِطٍ مِنْ الشَّمْسِ أَنَّهُ تَقَنَّعَ بِالْحَائِطِ .
قَاعِدَةٌ : مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ ثَمَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ ، فَإِذَا اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنْ اكْتَفَى بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ لَك لَمْ يَعْدِلْ إلَى التَّصْرِيحِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ نَبَاتِ الْحَرَمِ ؛ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ ؛ لِبَيْعِهِ لِمَنْ يَعْلِفُ .
وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى ( حَسَبِ ) الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ ، وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ ، وَلَوْ حَمَلَ ( مُسْتَجْمَرًا فِي الصَّلَاةِ ) ( بَطَلَتْ ) فِي الْأَظْهَرِ ، وَيُعْفَى عَنْ الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ ، فَلَوْ أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فِيهِ وَغَيَّرَهُ ضَرَّ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ ( مُسْتَغْنِيًا ) عَنْ لُبْسِهِ فَلَبِسَهُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَالْمَاءُ الَّذِي غَسَلَ بِهِ ( النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ ) عَنْهَا مُسْتَعْمَلٌ قَطْعًا ؛ لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ .
قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَالْمَرْأَةُ إذَا فَصَدَهَا أَجْنَبِيٌّ عِنْدَ فَقْدِ ( امْرَأَةٍ ) أَوْ مَحْرَمٍ لَمْ يَجُزْ ( لَهَا ) كَشْفُ جَمِيعِ سَاعِدِهَا ، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَلُفَّ عَلَى يَدِهَا ثَوْبًا وَلَا تَكْشِفَ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِهِ لِلْفَصْدِ ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ عَصَتْ اللَّهَ تَعَالَى .
الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ كَذَا ( أَطْلَقُوهُ ) وَاسْتَدْرَكَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ لِأَخَفِّهِمَا ، وَأَغْلَظِهِمَا انْتَهَى .
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ ، وَمَعَهُ قَدْرُهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ ( يُؤْخَذُ ، وَإِنْ ) تَضَرَّرَ الْمَدْيُونُ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ ( لَا ) يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ أُجِيبَ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرُ شَرِيكِهِ ، وَمِنْ هَذَا ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ .
وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَرَهَنَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ، وَلَوْ اشْتَرَى أَرْضًا ( فَغَرَسَ ) فِيهَا أَوْ بَنَى ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا ، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا ، وَيَضُرُّ بِالْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ ( ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ) ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ضَيِّقَةَ الْمَحَلِّ ، وَالرَّجُلُ كَبِيرَ الْآلَةِ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِإِفْضَائِهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْوَطْءِ .
أَسْبَابُ الضَّمَانِ أَرْبَعَةٌ .
: عَقْدٌ ، وَيَدٌ وَإِتْلَافٌ ، وَحَيْلُولَةٌ .
الْأَوَّلُ : الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا .
الثَّانِي : ( الْيَدُ ) وَهِيَ ضَرْبَانِ : يَدٌ غَيْرُ مُؤْتَمَنَةٍ كَيَدِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي فَاسِدًا ، ( وَكَذَلِكَ ) الْأَجِيرُ عَلَى قَوْلٍ .
وَيَدُ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَنَحْوِهَا إذَا وَقَعَ مِنْهَا التَّعَدِّي صَارَتْ الْيَدُ يَدَ ضَمَانٍ فَيَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا .
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ ؛ فِي التَّحْرِيرِ الْمُوجِبُ لِضَمَانِ الْمَالِ خَمْسَةٌ : أَحَدُهَا : الْقَبْضُ لِلسَّوْمِ .
الثَّانِي : الْقَبْضُ عَنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ .
الثَّالِثُ : الْعَارِيَّةُ .
الرَّابِعُ : ( الْإِتْلَافَاتُ ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ ( سَبَبٍ ) .
الْخَامِسُ : التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ ( بِالتَّصَرُّفِ ) فِي الْأَمَانَةِ أَوْ ( بِالتَّفْرِيطِ ) فِي رَدِّهَا انْتَهَى .
وَأَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَهَلْ تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، كَمَا إذَا خَلَّصَ الْمُحْرِمُ ( الصَّيْدَ ) مِنْ جَارِحِهِ ؛ لِيُدَاوِيَهُ فَتَلِفَ ( عِنْدَهُ أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ مِنْ صَبِيٍّ صِيَانَةً لَهَا ؛ لِيَرُدَّهَا لِوَلِيِّهِ فَتَلِفَتْ ) فِي يَدِهِ أَوْ الْتَقَطَ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ؛ لِلْحِفْظِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْآحَادِ ذَلِكَ وَهُوَ ( الصَّحِيحُ ) الْمَنْصُوصُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهٍ فَأَخَذَهُ ؛ لِيَرُدَّهُ لِمَالِكِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ضَمِنَ ، وَلَوْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا ؛ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّأْخِيرِ ، وَلَا يُسْتَثْنَى مَا لَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ ؛ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ يَضْمَنُهُ فِي الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآحَادِ ( الِانْتِزَاعُ ) فَإِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ ( الْغَائِبِينَ ) وَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْتَمَنٍ شَرْعًا .
الثَّالِثُ : الْإِتْلَافُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى ( جَبْرِ الْفَائِتِ ) ، وَضَمَانُ ( النَّفْسِ ) مَبْنِيٌّ عَلَى شِفَاءِ الْغَلِيلِ انْتَهَى .
وَيَفْتَرِقُ ضَمَانُ الْإِتْلَافِ وَالْيَدُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ ( بِالْمُبَاشَرَةِ ) دُونَ السَّبَبِ فِي الْأَظْهَرِ وَضَمَانُ الْيَدِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا ؛ لِوُجُودِهِ فِي كُلِّ مِنْهُمَا ، ( ثُمَّ عِنْدَنَا ) أَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ فِي مُقَابَلَةِ فَوَاتِ يَدِ الْمَالِكِ ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُرَّ نَاقِلٌ عَنْ مِلْكِهِ ( وَالْفَائِتُ ) عَلَيْهِ هُوَ الْيَدُ ( وَالتَّصَرُّفُ ) فَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَ .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَجَبَ رَدُّهَا ، فَالضَّمَانُ بَدَلٌ عَنْهَا وَبَنَوْا ( عَلَيْهِ ) فُرُوعًا : مِنْهَا : إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ ثَوْبًا فَخَاطَهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِذَلِكَ ، وَعِنْدَهُمْ ( يَمْلِكُ ) الْعَيْنَ ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمَالِكِ إلَى الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا ضَمِنَ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ كَانَ لَهُ وَيَرُدُّ إلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُمْ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لَا تَقْتَضِي مِلْكَ الْجَانِي لِلْعَبْدِ وَعِنْدَهُمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : الْحَيْلُولَةُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ ثَوْبًا فَضَاعَ أَوْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ ( الْقِيمَةُ ؛ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ ، كَمَا يَغْرَمُ لَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ ) مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بِمَالٍ فَرَجَعُوا ( فَإِنَّهُمْ ) يَغْرَمُونَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِحُصُولِ الْحَيْلُولَةِ بِشَهَادَتِهِمْ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْيَدِ أَوْ ( بِالْإِتْلَافِ ) ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَإِنْ أَتَوْا بِمَا يَقْتَضِي الْفَوَاتَ ، كَمَنْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى ضَاعَتْ وَمَسَائِلُ الْحَيْلُولَةِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْحَاءِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ : الْمَضْمُونَاتُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالتَّعَدِّي وَمِنْهُ الْجِنَايَاتُ وَالْإِتْلَافَاتُ ، وَالثَّانِي : بِالْمُرَاضَاةِ كَالْبُيُوعِ وَالضَّمَانِ .
وَالْأَوَّلُ يَسْتَوِي فِي إيجَابِ الضَّمَانِ فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ نِسْيَانُهُ وَخَطَؤُهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَدَاعَى النَّاسُ ( النِّسْيَانَ ) وَتَسَاقَطَتْ الْحُقُوقُ إلَّا أَنَّ الْعَامِدَ يَغْرَمُ الْبَدَلَ ، وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْمُخْطِئُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً الْكَفَّارَةُ ، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مِنْ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْمُكَافِئِ ( عَمْدًا ) الْقِصَاصُ ؛ لِيَكُفَّ عَنْ الْقَتْلِ وَيَقَعَ التَّحَفُّظُ ( بِهِ ) .
قَالَ ( وَأَمَّا ) الْقُرُوضُ وَالْعَوَارِيّ فَإِنَّمَا صَارَتْ مَضْمُونَةً ، وَإِنْ سَمَحَ ( بِهَا ) صَاحِبُهَا ، وَأَذِنَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَالشَّيْءُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ هُوَ الْمَنْفَعَةُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ ضَمَانُ الْعَيْنِ مِنْ أَجْلِ إبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ ، قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ : أَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا يَدُهُ يَدُ الْمُودِعِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْيَدِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْوَكِيلِ الَّذِي يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى الْعَمَلِ بِأَمْرِ الْوَكِيلِ ، وَمَتَى كَانَتْ الْيَدُ تَخْلُفُ يَدَ الْمَالِكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجِرَ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ ؛ لِأَخْذِهِ الْعِوَضَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ ، إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ الْمَالِكَ فِي الْيَدِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَفَارَقَ صَاحِبَ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ فِي الْعَقْدِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَقَّ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَالْمَنَافِعُ لِلْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ .
قَالَ ثُمَّ (
إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ ( مَانِعًا ) لَهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ( تَعَالَى ) { جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ إرْسَالِهَا بِالنَّهَارِ لَسَقَطَتْ مَنَافِعُهُمْ فِي ( الرَّعْيِ ) وَالْكَلَأِ ، فَإِذَا أَرْسَلُوا بِاللَّيْلِ ضَمِنُوا ، وَإِذَا أَرْسَلُوا بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوا ، وَكَانَ التَّحَفُّظُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ .
وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَمَنْ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ ، وَلَوْ حَفَرَ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إذَا " انْقَلَبَتْ وَلَا " ضَمَانَ ، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ .
قَالَ : وَالضَّابِطُ أَنَّ ( التَّعَدِّيَ ) مَضْمُونٌ أَبَدًا ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ سَاقِطٌ أَبَدًا ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ ( التَّعَدِّي ) فِي حُكْمِ ( التَّعَدِّي ) كَالْجِرَاحَةِ إذَا سَرَتْ إلَى النَّفْسِ .
قَالَ ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَضْمُونِ فَأَقْسَامٌ : الْأَوَّلُ : مَا عَيْنُهُ مَوْجُودَةٌ فَيُكَلَّفُ رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَالِكُ خِلَافَهُ .
الثَّانِي : أَنْ تَنْقُصَ الْعَيْنُ فَيَرُدُّهَا وَقِيمَةَ نَقْصِهَا ، إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ النَّقْصِ كَحِنْطَةٍ نَقَصَ مِنْهَا جُزْءٌ .
الثَّالِثُ : أَنْ تَفُوتَ الْعَيْنُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهَا كَالْحِنْطَةِ ( وَالزَّيْتِ ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ ، وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِيمَةِ ، وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْمِثْلِ كَشَقِّ ثَوْبِ رَجُلٍ فَلَا يَشُقُّ ثَوْبَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ عَلَيْهِمَا فِي الْأَمْوَالِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَفَاضَلُ وَلَا يَتَحَصَّلُ ( فَالرُّجُوعُ ) إلَى الْقِيمَةِ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالشَّيْءِ فِي الْبَحْرِ .
قَالَ : وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ فِي النُّفُوسِ فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيهَا مَعْدُومٌ فَيَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ ، وَمِنْهُ الدِّيَةُ فِي الْأَحْرَارِ ، وَالْقِيمَةُ فِي الْعَبِيدِ .
قَالَ : وَالْمَضْمُونُ فِي الْجِنَايَةِ وَغَيْرِهَا ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ ( يَتَوَقَّفُ ) ( لَا يَتَجَاوَزُهُ ) كَالْخَمْسِ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْمُوضِحَةِ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَصَاعِ الْمُصَرَّاةِ .
وَضَرْبٌ يُرَدُّ إلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْوِيمِ فَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ ( صِنَاعَتِهِ ) ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ ، وَإِلَّا لَبَطَلَتْ مَعْرِفَتُهُ ، فَإِذَا وَجَبَ أَرْشُ جُرْحٍ ( مِنْ ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ نُظِرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَخْيَلِ وَالتَّمْثِيلِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ ( بِالتَّبْخِيتِ ) ( فِيهِ ) بَاطِلٌ انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْمِيمِ قَوَاعِدُ ( مُهِمَّةٌ ) ( تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ ) وَهَا هُنَا أَيْضًا قَوَاعِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ .
: الْأُولَى : هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ ؟ ( قَالَ ) الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْغَصْبِ : لَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ إلَّا الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ وَالْحَيَوَانَ الصَّائِلَ وَالْمُقَاتِلَ حِرَابَةً ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُنْكِرُ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ ، إلَّا بِكَسْرِ آنِيَةٍ ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ ( مِنْ ) دَفْعِ الصَّائِلِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ، إلَّا بِعَقْرِ جَوَادِهِ وَكَسْرِ سِلَاحِهِ ، وَمَا يُتْلِفُهُ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي حَالَةَ الْحَرْبِ وَعَكْسُهُ وَمَا ( يُتْلِفُهُ ) الْحَرْبِيُّونَ عَلَيْنَا ، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَلَى سَيِّدِهِ .
أَمَّا لَوْ ( تَلِفَ ) فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ سَخَّرَ دَابَّةً وَمَعَهَا مَالِكُهَا فَتَلِفَتْ لَا ( يَضْمَنُهَا ) ، وَقَالُوا : لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ لَا يَضْمَنُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ سَبَبُ التَّلَفِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ ، كَمَا لَوْ أَكْرَى دَابَّةً ؛ لِحَمْلِ مِائَةٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَعَشَرَةً ، وَتَلِفَتْ بِذَلِكَ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي قَوْلٍ قِيمَتَهَا ، وَمِنْهَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ بِحُضُورِ الْمَالِكِ لَا ( يَضْمَنُ ) فِي الصَّحِيحِ .
الثَّانِيَةُ : الْمَضْمُونُ قِسْمَانِ : مَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ وَالْإِتْلَافِ ، وَمَا لَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ ، وَيُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ، فَمِنْ الْأَوَّلِ : الزَّكَاةُ إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ دَفْعِهَا ضَمِنَهُ ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَمِنْ الثَّانِي : الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَتْلَفَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ ضَمِنَهُ ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ ، وَكَذَا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ .
الثَّالِثَةُ : إذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ اُعْتُبِرَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُتْلَفَاتِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّلَفُ وَالْإِتْلَافُ ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إبِلُ الدِّيَةِ ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إبِلُ بَلَدِ إقَامَةِ الْجَانِي لَا مَحَلُّ جِنَايَتِهِ .
وَلِهَذَا اعْتَبَرُوا بَلَدَ الْعَاقِلَةِ وَالْعَاقِلَةُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ إقَامَتِهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ .
الرَّابِعَةُ : قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُبَاحًا وَهُوَ مَضْمُونٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، وَذَلِكَ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ .
وَمِنْهَا : أَكْلُ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ يُبَاحُ لَهُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ ، وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ الصَّيْدِ لِلِاضْطِرَارِ وَيَضْمَنُهُ ، وَلَوْ نَصَبَ مِيزَابًا فَتَقَصَّفَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَأَتْلَفَ إنْسَانًا تَجِبُ الدِّيَةُ مَعَ إنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نَصْبُهُ .
وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، وَلَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ جَرَّةٌ مِنْ سَطْحٍ فَكَسَرَهَا ضَمِنَهَا مَعَ أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا .
وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَا ضَمَانَ ، كَقَوْلِهِ : اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ ( وَلَا دِيَةَ ) ، وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ سِرْقِينٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ .
وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ ، كَمَا إذَا فَتَحَ زِقًّا فِيهِ مَائِعٌ فَانْصَبَّ مَا فِيهِ بِالرِّيحِ أَوْ ( فَتَحَ ) قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَإِنَّ الْفِعْلَ حَرَامٌ ، وَلَا ضَمَانَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ .
الْخَامِسَةُ : مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ ضَمَانُ عَقْدٍ ( قَطْعًا ) وَهُوَ ضَمَانُ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ ، ( كَالْمَبِيعِ ) وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَجُعْلُ الْجَعَالَةِ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْأُجْرَةِ لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ ( الْعِلْجِ ) قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ جُعْلَ الْجَعَالَةِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ أَوْ ضَمَانَ يَدٍ كَالصَّدَاقِ .
الثَّانِي : ضَمَانُ يَدٍ قَطْعًا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي صُورَةٍ : ( وَهِيَ ) مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قِصَاصًا وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا ، فَالْأَصَحُّ يَضْمَنُ ( بِنِصْفِ ) الْأَرْشِ عَلَى الْقَاعِدَةِ ، وَقِيلَ : بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ كَالصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَمِنْهُ جُعْلُ الْجَعَالَةِ عَلَى طَرِيقِهِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ يَدٍ ، كَمَسْأَلَةِ الْعِلْجِ ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ ( مِنْهَا ) جَارِيَةٌ ( فَإِذَا ) مَاتَتْ فَهَلْ يُعْطِي قِيمَتَهَا أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ ، ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ يُعْطِي الْقِيمَةَ ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِضَمَانِ الْيَدِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانِ الْيَدِ أَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ هُوَ الْمَضْمُونُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ( إذْ ) جُعِلَ مُقَابِلُهُ شَرْعًا ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَوْ تَلِفَ لَا بِالْبَدَلِ مِنْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ .
وَكَذَلِكَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ أَوْ انْفَسَخَ رَجَعَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ لَا إلَى قِيمَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ .
وَأَمَّا ضَمَانُ الْيَدِ فَهُوَ مَا يُضْمَنُ عِنْدَ
التَّلَفِ بِالْبَدَلِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي ضِمْنِ تَعْلِيلِ ( الْقَدِيمِ ) فِي ضَمَانِ الصَّدَاقِ أَنَّ مَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ الْعَاقِدِ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْيَدِ ، وَكَذَا النِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الصَّدَاقِ ، فَلْيَكُنْ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ .
السَّادِسَةُ : الْمَضْمُونُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يُضْمَنَ بِالْبَدَلَيْنِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةَ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَصُورَتُهُ فِي الْمُحْرِمِ إذَا اسْتَعَارَ صَيْدًا مَمْلُوكًا مِنْ حَلَالٍ ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَزِمَهُ مَعَ ذَلِكَ الْأُجْرَةُ فَيَزْدَادُ ( وَجْهُ ) الضَّمَانِ .
الثَّانِي : مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ : أَحَدَاهُمَا : إذَا أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ الْمَمْلُوكَةِ فَتَجِبُ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) ، وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ .
الثَّانِيَةُ : أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا ثُمَّ يَجْنِي جِنَايَةً عَلَى غَيْرِهِ ، وَتَكُونُ الْجِنَايَةُ مُسَاوِيَةً لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ ، وَيَغْرَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ ، وَضَمِنَ ثَانِيًا إنْ أَخَذَ ( مَا أَخَذَ ) لِلْجِنَايَةِ ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَغْرَمُ فِيهِ بَدَلَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُتْلَفٍ وَاحِدٍ ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : هَاتَانِ ، وَالثَّالِثَةُ : إذَا وَطِئَ ( زَوْجَةَ ) أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَهْرَيْنِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمَهْرًا وَنِصْفًا إنْ كَانَ قَبْلَهُ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إيجَابُ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي ( مُتْلَفٍ ) وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ إنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ ضَمَانِهِمَا ، كَالْقَتْلِ يُضْمَنُ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .
قُلْت وَكَذَا قَتْلُ الْعَبْدِ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مُكْرَهَةً ، وَأَفْضَاهَا لَزِمَهُ الدِّيَةُ وَالْمَهْرُ ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَأَزَالَ امْتِنَاعَهُ وَانْدَمَلَ الْجُرْحُ لَزِمَهُ جَزَاءٌ ( كَامِلٌ ) فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ جَاءَ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقَتَلَهُ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ زَمَنًا وَبَقِيَ الْجَزَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالِهِ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُ الْأَوَّلَ قَدْرُ النُّقْصَانِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ إيجَابُ جَزَاءَيْنِ لِمُتْلَفٍ وَاحِدٍ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَلَا بِالْقِيمَةِ وَهُوَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ إذَا تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ ( لَا ) بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ ، بَلْ بِالثَّمَنِ ؛ وَلَا مَا لَا يُضْمَنُ أَصْلًا كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَزَبِيبَةٍ وَتَمْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الضَّابِطِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ وَلَا مُتَقَوِّمٍ .
الرَّابِعُ : مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ الْمُتَقَوِّمُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالسِّلَعِ وَالْمَنَافِعِ ، إلَّا فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) جَزَاءُ الصَّيْدِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا اقْتَرَضَ مُتَقَوِّمًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ ( مِثْلَهُ ) صُورَةً فِي الْأَصَحِّ ؛ ( لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا ) ، وَقِيلَ : الْقِيمَةَ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ .
الثَّالِثَةُ : إذَا هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ ، كَمَا أَجَابَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَ عَنْ النَّصِّ لِقِصَّةِ جُرَيْجٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ مَذْهَبُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْفَتْوَى ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهِ لَا بِنَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلِيًّا ، الرَّابِعَةُ : طَمُّ الْأَرْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ ( حَيَوَانًا فِي الذِّمَّةِ ) ، وَأَعْطَاهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ دُونَ الْقِيمَةِ .
السَّادِسَةُ : إذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ الْمَاشِيَةَ كُلَّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّاةَ بِشَاةٍ أُخْرَى لَا بِقِيمَتِهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ ) ، وَإِنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ إخْرَاجَهُ جَائِزٌ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ ( فَتَعَيَّنَ ) عِنْدَ عَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ .
( الْخَامِسُ ) مَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمِثْلِيُّ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى ( مِثْلِيٍّ ) صُورِيٍّ وَتَقْدِيرِيٍّ ، وَالصُّورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى حِسِّيٍّ ( وَمَعْنَوِيٍّ ) ، وَالتَّقْدِيرِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ .
وَقَدْ يُضْمَنُ هَذَا النَّوْعُ بِالْقِيمَةِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) : عِنْدَ ( تَعَذُّرِ ) الْمِثْلِ وَالْوَاجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ وَقِيلَ : قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ .
فَإِنْ قِيلَ : قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ هِيَ قِيمَةُ مِثْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ ( قِيمَةُ الْمِثْلِ ) وَنَعْنِي بِهِ قِيمَةَ الشَّيْءِ قُلْنَا لَا ( وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ ) أَنَّا إذَا قَوَّمْنَا ( شَيْئًا أَنْ نَقُولَ ) قِيمَتُهُ لَا قِيمَةَ مِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْغَصْبِ .
الثَّانِيَةُ : ( أَنْ ) لَا يُوجَدَ الْمِثْلُ ، إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ ، وَيَصِيرُ كَالْعَدَمِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ ( وَكَانَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا يَزْدَادُ بِالِانْتِقَالِ فَطَالَبَهُ فِي مَوَاضِعِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَغْرَمُ الْمِثْلَ ، وَلَهُ تَغْرِيمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ ) .
الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ لِلْأَصْلِ قِيمَةٌ حِينَ الْأَخْذِ ، وَالْمِثْلُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الرَّدِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ صُوَرٌ : مِنْهَا : إذَا غَصَبَ مَاءً ( لِوُضُوئِهِ ) فِي الْمَفَازَةِ ، وَظَفِرَ بِهِ عَلَى الشَّطِّ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ هُنَا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَفَازَةِ لَا بِالْمِثْلِ ؛ لِحَقَارَتِهِ حِينَئِذٍ ، فَلَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ ثُمَّ اجْتَمَعَا بَعْدُ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ كَالْمَفَازَةِ فَهَلْ يَجِبُ ( رَدُّ ) الْقِيمَةِ وَاسْتِرْدَادُ الْمِثْلِ وَجْهَانِ ؟ فِي التَّتِمَّةِ إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ لِلْحَيْلُولَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَطْعَمَ الْمُضْطَرُّ مِثْلِيًّا فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَمِنْهَا :
الْمَاءُ الْمَبْذُولُ ( لِطَالِبِهِ ) فِي الْمَفَازَةِ ( يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ) هُنَاكَ .
وَمِنْهَا : الْجَمْدُ فِي الصَّيْفِ كَالْمَاءِ فِي الْمَفَازَةِ فَإِذَا غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ وَتَلِفَ وَظَفِرَ بِهِ فِي الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرًا فِي الصَّيْفِ ، وَمِنْهَا : إذَا غَصَبَ وَرَقَ التُّوتِ فِي أَوَانِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ فَإِذَا انْقَضَى أَوَانُهُ ( ضَمِنَهُ ) بِقِيمَتِهِ أَيْ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ، وَفِي الْمُسْكِتِ لِلزُّبَيْرِيِّ .
لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ فَوَضَعَ إنْسَانٌ فِيهِ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ حَتَّى سَخَّنَتْهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ سُخْنًا فِي الشِّتَاءِ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ بِصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِهِ ، ( وَحَكَى ) فِيهَا اخْتِلَافَ أَجْوِبَةٍ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ( أَرْشُ النَّقْصِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ بِحَطَبٍ وَغَيْرِهِ أَوْ حَمَى الْوَطِيسَ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ، وَهُوَ ) أُجْرَةُ مَا يَخْبِزُ وَيَشْوِي فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ دُونَ قِيمَةِ الْحَطَبِ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ حَمَى الْوَطِيسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ فَخَبَزَ فِيهِ خُبْزًا ( لَزِمَهُ ) أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا إذَا ( أَفْسَدَتْ ) الْمَرْأَةُ طَهَارَةَ الرَّجُلِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ يَجِبُ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى الزَّوْجِ ( ، وَإِنْ ) كَانَ هُوَ اللَّامِسَ .
( وَكَذَلِكَ ) ثَمَنُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ وَالنِّفَاسِ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَجِبْ ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمَسَتْ ( الْمَرْأَةُ ) أَجْنَبِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ .
الْخَامِسَةُ : لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ ، كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ مِثْلِيٌّ .
السَّادِسَةُ : الْحُلِيُّ أَوْ آنِيَةِ النَّقْدِ إذَا أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ مَعَ صَنْعَتِهِ بِنَقْدِ
الْبَلَدِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ( وَلَا رِبًا لِاخْتِصَاصِهِ ) بِالْعُقُودِ .
السَّابِعَةُ : الْمُسْتَعَارُ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا ، وَقُلْنَا : يُضْمَنُ ( بِقِيمَتِهِ ) يَوْمَ التَّلَفِ ، كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ ، ( كَمَا ) صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ رُبَّمَا يَنْقُصُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَوْ ضَمَّنَّا الْمِثْلَ لَكُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا الْأَجْزَاءَ الْمُسْتَحَقَّةَ ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ ، وَقَالَ فِي ( الِانْتِصَارِ ) أَنَّهُ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ ضَمِنَ ( الْمِثْلَ ) بِالْقِيمَةِ ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ النَّقْصِ إلَى التَّلَفِ ضَمِنَهُ بِالْمِثْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا صُورَةُ الْمُسْتَعَارِ الْمِثْلِيِّ ؟ ( قُلْت ) فِيمَا إذَا أَعَارَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَوَّزْنَاهُ .
الثَّامِنَةُ : الْمُسْتَامُ .
التَّاسِعَةُ : الْمَبِيعُ الْمَفْسُوخِ لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، بَلْ بِالْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ .
الْعَاشِرَةُ : الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا عَلَى ( مَا أَطْلَقَهُ ) الرَّافِعِيُّ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مِثْلِيٍّ وَمُتَقَوَّمٍ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَقْتَ النَّقْصِ بِالْمِثْلِ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِالْعِوَضِ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَطَرْدُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَكُلِّ عَقْدٍ مَفْسُوخٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا : أَمَّا التَّوْجِيهُ ؛ فَلِأَنَّ ضَمَانَهُ بِالْعِوَضِ زَالَ بِالْفَسْخِ ، وَصَارَ كَمَا لَوْ ( لَمْ ) يَرِدْ عَلَيْهِ ( عَقْدٌ فَاسِدٌ ) وَأَمَّا النَّقْلُ ( فَإِنَّ ) ( الْإِمَامَ ) الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) نَصَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا بِشَرْطِ
التَّبْقِيَةِ ، وَقَطَعَ مِنْهَا غُصْنًا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ رَدَّ مِثْلَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيمَتُهُ .
الْحَادِيَةَ عَشْرَ : إذَا جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ ، وَإِذَا تَلِفَتْ لَا يُضْمَنُ ( مِثْلُهَا ) ، بَلْ تُضْمَنُ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ ( ذَهَبًا ) وَقِيمَةُ الْمَغْشُوشَةِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا بِذِكْرِ قِيمَتِهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ .
السَّابِعَةُ : قَدْ يُضْمَنُ ( الْمِثْلُ ) الصُّورِيُّ بِوَاسِطَةٍ ، وَهُوَ مَا إذَا أَتْلَفَ الشَّاةَ الْمَنْذُورَةَ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الصُّوَرِ .
وَقَدْ يُضْمَنُ الْمُتَقَوِّمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ عَيْنًا لِلرَّهْنِ وَبَاعَهَا فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِمَا بَاعَهَا بِهِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ .
وَلَوْ أَكَلَ جَمِيعَ لَحْمِ ( الْأُضْحِيَّةِ ) الْمُتَطَوَّعِ بِهَا ، وَقُلْنَا : يَجِبُ التَّصَدُّقُ ( مِنْهَا ) وَهُوَ الْأَصَحُّ فَفِيمَا يَضْمَنُهَا أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا : يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَجْزَأَهُ ، وَالثَّانِي يَضْمَنُ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ وَهُوَ الثُّلُثُ ( وَالرُّبُعُ ) وَعَلَى هَذَا يُقَالُ يُضْمَنُ الْمِثْلُ ( بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِإِضْعَافِهِ .
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِحَيَوَانٍ آخَرِ يَذْبَحُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَيُضْمَنُ الْمِثْلُ ) التَّقْدِيرِيُّ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيِّ ، وَقَدْ يُضْمَنُ الْبَعْضُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُضْمَنُ الْكُلُّ ، وَذَلِكَ فِي إتْلَافِ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَجَبَتْ قِيمَتَانِ ، وَيَزِيدُ الْغُرْمُ بِزِيَادَةِ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ .
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي أَبْعَاضِهِ دِيَاتٌ .
وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَضْمُونُ بِاخْتِلَافِ الضَّامِنِ ، كَمَا إذَا افْتَضَّ بِكْرًا بِشُبْهَةٍ أَوْ ( بِنِكَاحٍ ) فَاسِدٍ ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ نِسَائِهِمْ مُسَامَحَةُ الْعَشِيرَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ سُومِحَ ، وَإِلَّا فَلَا .
قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَيْسَ لَنَا مَضْمُونٌ مُخْتَلِفٌ إلَّا هَذَا .
قُلْت يَرِدُ عَلَيْهِ صُوَرٌ : إحْدَاهَا : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي أَرْبَعِينَ فَأَتْلَفَهَا لَزِمَهُ شَاةٌ وَلَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَتْ الْقِيمَةُ لِلْفُقَرَاءِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ أَوْ الْقِيمَةِ ( وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ ) فَقَطْ .
الثَّالِثَةُ : إذَا أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثِّمَارَ قَبْلَ الْخَرْصِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ عَيْنِ الرُّطَبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ عُشْرُ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ لِلْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَفِّفَ ذَلِكَ الرُّطَبَ وَالْمَالِكُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَأَلْزَمْنَاهُ ( مِثْلَ ) مَا كَانَ يَفْعَلُهُ .
الرَّابِعَةُ : قَاتِلُ رَحِمِهِ خَطَأً تَغْلُظُ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ تُخَفَّفُ .
الْخَامِسَةُ : الْبَائِعُ إذَا أَتْلَفَ السِّلْعَةَ قَبْلَ قَبْضَ الْمُشْتَرِي يُخَالِفُ حُكْمُهُ إتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ .
السَّادِسَةُ : الْغَاصِبُ إذَا قَطَعَ يَدَ الْمَغْصُوبِ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ ( أَوْ مَا ) نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَإِذَا قَطَعَهَا غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ .
السَّابِعَةُ : قَدْ يَضْمَنُ الْإِنْسَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، إمَّا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) بِهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ صَيْدَ نَفْسِهِ أَوْ قَطَعَ شَعْرَ نَفْسِهِ أَوْ حَلَقَهُ وَالسَّيِّدُ إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ .
وَمِنْ الثَّانِي : الرَّاهِنُ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ يَضْمَنُهُ بِالْبَدَلِ ، وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا قَتَلَهُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ
أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَسَيِّدُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ ، إذَا قَتَلَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمَ مَهْرَ مِثْلِهَا لِزَوْجِهَا عَلَى قَوْلٍ .
وَقَدْ يَضْمَنُ غَيْرُهُ مَا بَاشَرَ هُوَ إتْلَافُهُ مِنْ مِلْكِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ أَوْ أَمَرَهُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ ( أَمَرَهُ ) بِقَطْعِ ( ثَوْبٍ ) ، فَإِذَا هُوَ لِلْقَاطِعِ أَوْ ذَبْحِ ( حَيَوَانٍ ) فَإِذَا هُوَ لِلذَّابِحِ ( عَلَى الْمَذْهَبِ ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ لِلْغَاصِبِ ، ( وَذَلِكَ ) ( انْتَفَعَ ) بِأَكْلِهِ .
وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ عَلَى مَالِكِهِ فَقَتَلَهُ الْمَالِكُ لِلدَّفْعِ لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ سَوَاءٌ عِلْم أَنَّهُ عَبْدُهُ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ " ( ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ ) بِهَذِهِ الْجِهَةِ كَإِتْلَافِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ .
الثَّامِنَةُ : سَائِرُ الْمُتْلَفَاتِ تُعْتَبَرُ فِيهَا قِيمَةٌ الْمُتْلَفِ إلَّا ( فِي ) الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ مِثْلِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الدِّيَةِ .
التَّاسِعَةُ : مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ ضُمِنَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهَا ، كَالْغَاصِبِ ، وَكَمَا إذَا تَحَالَفَ الْبَيِّعَانِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ فَيَغْرَمُهُ فَلَوْ ( وُجِدَ ) ، لَكِنَّهُ نَاقِصٌ غَرِمَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ تَالِفَةٌ غَرِمَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ نَاقِصَةٌ ضَمِنَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : إحْدَاهَا : الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ ( عَنْ ) الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ ، وَخَرَجَ الْمَالِكُ عَنْ كَوْنِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ تَلِفَ مَالُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ ، وَإِنْ تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالصَّدَاقُ تَالِفٌ فَلَهُ بَدَلُهُ فَلَوْ كَانَ مَعِيبًا فَلَا أَرْشَ لَهُ إنْ
رَجَعَ فِي نِصْفِهِ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ نِصْفِهِ .
الثَّالِثَةُ : رَدَّ ( الْبَائِعِ ) الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ ، وَقَدْ نَقَصَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ( فِيهِ ) نَاقِصًا بِلَا أَرْشٍ فِي وَجْهٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهِ نَاقِصًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ ، وَلَا خِيَارَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ .
الرَّابِعَةُ : رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ إفْلَاسِ الْمُشْتَرِي ، وَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الْأُولَى قَطْعًا ، وَلَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الرَّوْضَةِ .
الْخَامِسَةُ : الْقَرْضُ إذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْمُقْتَرَضِ ثُمَّ رَجَعَ ( الْمُقْرِضُ ) فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِمِثْلِهِ ( إنْ ) كَانَ مِثْلِيًّا ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَحَكَى فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ خِلَافَ ذَلِكَ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ نَصُّ ( الشَّافِعِيِّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِيمَا لَوْ تَعَيَّبَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَغَرِمَ أَرْشَهَا لِمَالِكِهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ ( بِهِ ) عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا .
وَزَعَمَ الْإِمَامُ انْعِكَاسَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إذَا أُتْلِفَ لَا يُضْمَنُ ( الْجُزْءُ ) إذَا أُتْلِفَ كَالْبَائِعِ يَتَعَيَّبُ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
قُلْت : وَالْمُكَاتَبُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ضَمِنَهَا وَلَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى بَعْضِهِ كَقَطْعِ يَدِهِ ، وَأَيْضًا لَوْ غَرَّمَ الْمَالِكُ لِلْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مُشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا ( لِلتَّلَفِ ) لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ ( تَعَيَّبَتْ ) فِي يَدِهِ فَأَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الْأَرْشِ رَجَعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْبَائِعِ قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهَذَا
الْأَصْلُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ بِقَوْلِهِ ( مَنْ لَمْ يَضْمَنْ ) الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ نَقْصِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ مِنْ يَدِهِ كَالْبَائِعِ لَمَّا ضَمِنَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ نَقْصِهِ فِي يَدِهِ ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَذَاكَ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ نَقْصِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُهُ بِثَمَنِهِ ، وَأَمَّا مَنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ فَيَضْمَنُ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ النُّقْصَانِ فِي يَدِهِ كَالْغَاصِبِ .
الْعَاشِرَةُ : إنَّمَا يُضْمَنُ الْمُتَمَوَّلُ أَمَّا مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ فِي الْحَالِ ، لَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ فَلَا .
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ ( رَجُلٌ ) الْأَسِيرَ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ فَوَّتَ الْإِرْقَاقَ فَهَلَّا كَانَ بِمَثَابَةِ تَفْوِيتِ الرِّقِّ بِالْغُرُورِ وَالْمَغْرُورُ ( يَلْتَزِمُ الْقِيمَةَ كَقَطْعِ الرِّقِّ مِنْ الْحُرِّ إنْ قُلْنَا ذَاكَ الرِّقُّ كَانَ يَجْرِي لَا مَحَالَةَ لَوْلَا الْغُرُورُ فَالْمَغْرُورُ ) دَفَعَ الرِّقَّ الَّذِي لَا حَاجَةَ لِتَحْصِيلِهِ وَالرِّقُّ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ ، وَأَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ إتْلَافُ الْجِلْدِ الْقَابِلِ لِلدِّبَاغِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مَعَ تَهَيُّئِهِ لِلدِّبَاغِ ابْتِدَاءً فَإِنْشَاءُ الدِّبَاغِ كَإِنْشَاءِ الْإِرْقَاقِ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عَلَى وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ فَإِلَى التَّخْلِيلِ مَصِيرُهَا .
الطَّارِئُ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُقَارِنِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا كَمَا لَوْ طَرَأَ مُؤَيِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ قَطَعَهُ فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ وَطِئَ هُوَ أُمَّهَا ( أَوْ بِنْتَهَا ) انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَوَانِعُ ( النِّكَاحِ ) تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ ؛ لِتَأَبُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْأَبْضَاعِ هُوَ الْحُرْمَةَ ، وَكَذَلِكَ عَيْبُ النِّكَاحِ إذَا كَانَ بِالزَّوْجِ وَقَارَنَهُ تَخَيَّرَتْ الزَّوْجَةُ ، وَكَذَلِكَ إذَا حَدَثَ فِي دَوَامِ النِّكَاحِ .
وَمِنْهُ الْحَدَثُ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ ، فَإِذَا طَرَأَ عَمْدُهُ ( عَلَيْهِمَا قَطَعَهُمَا ) .
وَمِنْهُ بُلُوغُ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يُؤَثِّرْ .
وَلَوْ تَنَجَّسَ الْقَلِيلُ ثُمَّ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ انْدَفَعَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِالْكَثْرَةِ فِي ثَانِي الْحَالِ كَالِابْتِدَاءِ وَمِنْهُ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ ( الْمُبَاحِ فِي الْحُلِيِّ ) ، إذَا قَارَنَ ابْتِدَاءَ ( الصِّيَاغَةِ ) أَسْقَطَ الزَّكَاةَ .
وَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ هَذَا الْقَصْدُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لِمُحَرِّمٍ فَإِنَّهُ يُسْقِطُهَا أَيْضًا .
الثَّانِي : مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَزَوِّجُ لَمْ يَمْنَعْ اسْتِمْرَارَ النِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَارَنَ ابْتِدَاءَهُ مَنَعَ ، وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ فَإِذَا طَرَأَتْ عَلَّقَ الشُّبْهَةَ عَلَى مَنْكُوحَةٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا ، وَكَذَا خَوْفُ الْعَنَتِ يُشْتَرَطُ فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، وَإِذَا زَالَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَقْطَعْهُ ، وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلْقُنْيَةِ ، ثُمَّ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِنْ الشِّرَاءَ ، وَكَذَلِكَ طَرَيَانُ الْإِسْلَامِ لَا يَمْنَعُ دَوَامَ الشَّيْءِ قَطْعًا ، وَإِنْ ( مَنَعَ ) ابْتِدَاءَهُ .
وَتَوْقِيتُ النِّكَاحِ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءَهُ ، وَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ ، وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ ( مَانِعَةٌ ) مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَإِذَا رَآهُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يُبْطِلْهَا ، إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَوِجْدَانُ الرَّقَبَةِ يَمْنَعُ إجْزَاءَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ ، وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ؛ لِعَدَمِهَا ثُمَّ وَجَدَهَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْ ( دَوَامِهِ ، وَإِجْزَائِهِ ) .
وَالْإِبَاقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ عَقْدِ الرَّهْنِ إذَا قَارَنَهُ ( فَلَوْ ) رَهَنَ عَبْدًا فَأَبَقَ لَمْ يَبْطُلُ رَهْنُهُ ، وَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رَهْنًا ابْتِدَاءً ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي ثَانِي الْحَالِ ، كَمَا إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ أَجْنَبِيٌّ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ رَهْنًا مَكَانَهُ .
وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَفْضَلِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَتَصَرَّفَ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ ( مِنْهُ ) لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَتَهُ ، كَالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَاءِ تَدْفَعُهُ الْكَثْرَةُ ابْتِدَاءً ، وَهَلْ تَدْفَعُهُ فِي الدَّوَامِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ؟ وَجْهَانِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ( وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ) فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُ نُسُكِهِ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُرْتَدًّا ، وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ مُبَاحًا ثُمَّ ( صَرَفَهُ ) إلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ ( فِي الْأَصَحِّ ) فَجَعَلُوا طَارِئَ الْمَعْصِيَةِ كَالْمُقَارِنِ فِي الْأَصَحِّ وَمِثْلُهُ لَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ وَغَيَّرَ قَصْدَهُ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : ( يَكُونُ ) ( ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ ) مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى مَقْصِدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ تَرَخَّصَ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَالصَّيْدُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءُ تَمَلُّكُهُ ، وَإِذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ زَالَ ( مِلْكُهُ عَنْهُ ) وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجُ بِالْمَرْأَةِ أَحَدَ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ تَخَيَّرَ ، وَلَوْ حَدَثَ بِهَا فِي الدَّوَامِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ( كَالِابْتِدَاءِ ) .
وَلَوْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ وَكَانَ حَالًّا يَرْجِعُ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ وَالْعَدَدُ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ قَطْعًا وَكَذَلِكَ فِي الدَّوَامِ فِي الْأَصَحِّ ، حَتَّى لَوْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ ( أَنَّهُ لَا ) يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ .
فَمِنْهُ : وُجُودُ الْحُرَّةِ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَلَوْ نَكَحَ أَمَةً ؛ لِعَدَمِ الْحُرَّةِ ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ عَلَيْهَا حُرَّةً لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ ، وَكَذَا لَوْ نَكَحَ الْأَبُ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ثُمَّ مَلَكَهَا ابْنُهُ وَالْأَبُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِ الْأَمَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ يَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ تَيَمُّمَهُ ؛ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ ؛ وَقِيَاسًا عَلَى ( الرِّدَّةِ ؛ لِخُرُوجِهِ ) عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ عَدَّ الْأَصْحَابُ مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ( فِيهَا هَذَا ) .
وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ ( فَهَلْ ) يَسْقُطُ الدَّيْنُ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً ، ، وَأَصَحُّهُمَا : يَبْقَى كَمَا كَانَ ؛ لِأَنَّ ( لِلدَّوَامِ ) مِنْ الثَّمَرَةِ مَا لَيْسَ لِلِابْتِدَاءِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ نِكَاحِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ ( كَابْنِهِ ) ثَبَتَ الْمَالُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ .
وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ ثُمَّ مَاتَ وَلِيَ " دَمَ " الْمَقْتُولِ (
وَوَرِثَهُ ) ذِمِّيٌّ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِهَذَا الْوَارِثِ ، وَإِنْ كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الدَّوَامِ ( بِالْإِرْثِ ) .
الطَّهَارَةُ تَثْبُتُ بِالتَّبَعِيَّةِ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا غَلَتْ الْخَمْرَةُ فِي الدَّنِّ ثُمَّ سَكَنَتْ وَانْقَلَبَتْ خَلًّا ، فَالْمَكَانُ الَّذِي ( ارْتَفَعَ ) إلَيْهِ الْخَمْرُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا ، وَعَلَى هَذَا لَوْ صَبَّ الْخَلَّ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الدَّنِّ لَا يَضُرُّ مُرُورُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ارْتَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْرُ .
الثَّانِيَةُ : بَاطِنُ الدَّنِّ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلْخَلِّ .
الثَّالِثَةُ : الْقَلِيلُ مِنْ الشَّعْرِ إذَا بَقِيَ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ ( بَعْدَ ) الدِّبَاغِ .
ظُهُورُ ( أَمَارَاتِ ) الشَّيْءِ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَ تَحَقُّقِهِ ( لَوْ ) ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا ، وَهُوَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ حَاصِلٌ وَهُمْ ( يَتَمَكَّنُونَ ) مِنْ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ ، وَرَجَّحَ الْإِمَامُ مُقَابِلَهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ ظَهَرَ عَلَى السَّفِيهِ أَمَارَاتُ ( التَّبْذِيرِ ) حُجِرَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَلِمَ الْمُسَلِّمُ قَبْلَ الْمَحِلِّ بِانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْحُلُولِ فَهَلْ يَثْبُتُ الْفَسْخُ ؟ وَجْهَانِ ( : أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ) .
وَمِنْهَا : لَوْ تَوَسَّمَ ( الْوَالِدُ ) الْمَعْضُوبُ مِنْ ( ابْنِهِ ) الطَّاعَةَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ ( وَلِيَ ) شَخْصٌ لِلْقَضَاءِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ ، كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا يُبْدِي ( فِيهَا ) تَرَدُّدًا عَمَّنْ لَقِيَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَخْفَى ( مَأْخَذُهُ مِمَّا ) ذَكَرْنَا ، وَمِنْهَا ( ظَهَرَتْ ) أَمَارَاتُ نُشُوزِ ( الْمَرْأَةِ ) لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ( حُكْمُهُ ) حَتَّى يَتَحَقَّقَ .
وَمِنْهَا لَوْ ( بَدَتْ ) تَبَاشِيرُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْكَافِرِ فَابْتَدَرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ ، وَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ ، وَقُلْنَا : لَا يَصِحُّ غُسْلُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ صَحَّ هُنَا عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ .
الظَّنُّ إذَا كَانَ كَاذِبًا فَلَا أَثَرَ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ، وَلِهَذَا لَوْ ظَنَّ ( الْمُكَلَّفُ ) فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِهِ ( تَضَيَّقَ ) عَلَيْهِ ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَدَثُ أَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ ( فَصَلَّى ثُمَّ ) تَبَيَّنَ أَنَّهُ ( صَلَّى ) قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ طَهَارَةَ الْمَاءِ فَتَوَضَّأَ ( بِهِ ) ثُمَّ تَبَيَّنَ نَجَاسَتُهُ ، أَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَأَخْلَفَ ظَنَّهُ ( أَوْ دَفَعَ ) الزَّكَاةَ مِنْ مَالٍ يَظُنُّهُ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَوْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ فَتَسَحَّرَ أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَأَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ( أَيْ الظَّنُّ ) .
وَمِنْهُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ ( الْحَائِلِ ) ظَانًّا حَمْلَهَا ( ثُمَّ تَبَيَّنَ ) خِلَافُهُ فَإِنَّهُ ( يَسْتَرِدُّهُ ) ، وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ ( ثُمَّ بَانَ ) خِلَافُهُ وَمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ ( إعْسَارِهِ لِمُدَّةٍ ) ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ .
وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا قُطِعَ ، ( وَهَذَا ) بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالًا يَظُنُّهُ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ ( أَبِيهِ ) فَلَا قَطْعَ ( كَمَا ) لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ اُعْتُبِرُوا فِي الْأُولَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مَا فِي ظَنِّهِ ، وَعَكَسُوا فِي الْأُخْرَى .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَبَانَ حَدَثُهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمُسَافِرُ رَكْبًا فَظَنَّ أَنَّ مَعَهُمْ مَاءً فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ يَبْطُلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ لِتَوَجُّهِ الطَّلَبِ عَلَيْهِ .
وَلَوْ خَاطَبَ ( امْرَأَتَهُ ) بِالطَّلَاقِ يَظُنُّ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةُ فَكَانَتْ زَوْجَتَهُ نَفَذَ الطَّلَاقُ ، وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ الْخَطَأِ ، وَكَذَا لَوْ ( أَعْتَقَ ) عَبْدًا
يَظُنُّهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْيَقِينِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالظَّنِّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا ( يَعْتَدُّ ) فِيهِ بِالْقَطْعِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا كَالْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ لَا يَجْتَهِدُ ، وَكَذَا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ .
وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّي ( حِجْرَ ) الْكَعْبَةِ وَحْدَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ ( صَلَاتُهُ ) ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ظَنِّيٌّ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَبَّدْ فِيهِ بِهِ جَازَ ، كَالِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ عِلْمِهِ فِي الْأَصَحِّ .
( الْعَادَةُ ) فِيهَا مَبَاحِثُ ( الْأَوَّلُ ) : أَنَّهَا تَحْكُمُ فِيمَا لَا ضَبْطَ لَهُ شَرْعًا ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي أَقَلِّ ( سِنِّ ) الْحَيْضِ وَالْبُلُوغِ ، وَفِي قَدْرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَغَالِبٍ ، وَكَذَلِكَ فِي إحْرَازِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ ، وَفِي ضَابِطِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الضَّبَّةِ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ ، وَفِي قِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ عِنْدَ مُوَالَاةِ الْوُضُوءِ ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ ( وَكَثْرَةِ ) الْأَفْعَالِ ( الْمُنَافِيَةِ ) لِلصَّلَاةِ ، وَفِي التَّأْخِيرِ الْمَانِعِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَفِي الشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدَاوِلِ ، وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ الْمَجْرَى إذَا كَانَ لَا يُضِيرُ مَالِكُهَا ، إقَامَةً ( لِلْعُرْفِ ) مَقَامَ الْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ ، وَكَذَا الثِّمَارُ السَّاقِطَةُ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَمْلُوكَةِ ، وَفِي عَدَمِ رَدِّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، وَمَا جُهِلَ حَالُهُ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ فِيهِ إلَى عَادَةِ بَلَدِ الْبَيْعِ فِي الْأَصَحِّ .
نَعَمْ لَمْ يَعْتَبِرْهَا ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : اسْتِصْنَاعُ الصُّنَّاعِ ( الَّذِينَ ) جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ إلَّا ( بِالْأُجْرَةِ ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ ) : إذَا لَمْ ( يَجْرِ ) مِنْ الْمُسْتَصْنِعِ اسْتِئْجَارٌ لَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا .
الثَّانِيَةُ : عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِعَدِّهِ ( بَيْعًا ) ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ خِلَافَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ : نَقَلَ الْأَئِمَّةُ ( تَرَدُّدًا ) ( لِلشَّافِعِيِّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي أَنَّ الْمُتَّبَعَ الْقِيَاسُ أَوْ الْعَادَةُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّمَاةِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ ( فِي الشَّرْعِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُوَافِقَةً
) لِمُوجَبِ ( الشَّرْعِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ ، وَالْمُتَّبَعُ الشَّرْعُ وَقِيَاسُهُ .
وَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ عَادَةٌ يُنَاقِضُهَا ) الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ فَلَا مَعْنَى لِاتِّبَاعِ عَادَتِهِمْ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّعَلُّقِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : أَرَادَ الشَّافِعِيُّ عَادَةَ الْفُقَهَاءِ .
الثَّانِي : بِمَاذَا تَسْتَقِرُّ الْعَادَةُ ؟ اعْلَمْ أَنَّ مَادَّةَ الْعَادَةِ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الشَّيْءِ وَعَوْدَهُ ( تَكَرُّرًا ) كَثِيرًا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَقَعَ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي ( أَبُو بَكْرٍ الْأُصُولِيُّ ) وَغَيْرُهُ وَقَالُوا : الْإِنْسَانُ إذَا تَعَسَّرَ فَأَخَذَ السَّقَمُونْيَا ( فَأَسْهَلَتْهُ ) ثُمَّ أَخَذَهُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ مَتَى شَرِبَهَا ( أَسْهَلَتْهُ ) ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ ( الضَّرُورِيَّ ) ، وَلِهَذَا كَانَ خَرْقُ الْعَوَائِدِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ .
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَيَخْتَلِفُ الْأَمْرُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَمِنْهَا الْعَادَةُ فِي وُجُودِ أَقَلِّ الطُّهْرِ إذَا خَالَفَتْ الْعَادَةُ الْمُعْتَادَةَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِثَلَاثٍ مُتَوَالِيَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ إذْ قَالَ : لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ ( طُهْرَ الْمَرْأَةِ ) أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ( يَوْمًا ) قَبِلْنَا قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : ( إمَّا ) أَنْ يَتَكَرَّرَ طُهْرُ الْمَرْأَةِ مِرَارًا مُتَوَالِيَةً أَقَلُّهَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ ، ( فَإِنْ تَفَرَّقَ ) وَلَمْ يَتَوَالَ لَمْ ( يَصِرْ ) عَادَةً ، أَوْ يُوجَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ ( جَمَاعَةِ ) نِسَاءٍ أَقَلُّهُنَّ ( ثَلَاثٌ ) .
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْعِدَدِ وَجْهًا أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ( وَقَالَ ) وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ ، وَمِنْهَا الِاسْتِحَاضَةُ ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ قَطْعًا وَهِيَ أَصْلُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ إذَا فَاتَحَهَا الدَّمُ الْأَسْوَدُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ( مَثَلًا ثُمَّ تَغَيَّرَ ) إلَى الضَّعِيفِ فَلَا تَغْتَسِلُ وَلَا تُصَلِّي بَلْ تَتَرَبَّصُ فَلَعَلَّ الضَّعِيفَ يَنْقَطِعُ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا ، فَإِنْ ( جَاوَزَ ) الْخَمْسَةَ عَشَرَ تَدَارَكَتْ مَا فَاتَ ( فَإِنْ ) كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ، فَكَمَا
انْقَلَبَ الدَّمُ إلَى الضَّعِيفِ تَغْتَسِلُ ( إذْ ) بَانَ اسْتِحَاضَتُهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ ( أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ ) .
ثَانِيهَا : مَا ( تَثْبُتُ ) بِمَرَّةٍ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ فِي الْمُعْتَادَةِ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَتَرُدُّ إلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ .
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مَرَّتَيْنِ ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ هُنَا ، لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْحَيْضِ بِمَرَّةٍ ( لَا يُوثَقُ بِهِ فَقِيلَ : لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّكْرَارِ ) .
ثَالِثُهَا : ( مَا لَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ ) وَلَا بِالْمَرَّاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ قَطْعًا ، وَهِيَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً ، وَاسْتَمَرَّتْ بِهَا الْأَدْوَارُ هَكَذَا ، وَقُلْنَا بِقَوْلِ اللَّقَطِ فَأَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَا نَلْتَقِطُ لَهَا ( نَظِيرَ ) أَيَّامِ الدَّمِ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا ( نُحَيِّضُهَا ) مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ عَلَى الْوَلَاءِ مَا كُنَّا ( نَجْعَلُهُ ) حَيْضًا بِالتَّلْفِيقِ حَتَّى لَوْ كُنَّا نَلْتَقِطُ ( لَهَا ) خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ ( فَنُحَيِّضُهَا ) خَمْسَةً وَلَاءً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُطْبَقِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ مِرَارًا ، وَلَمْ تَرَ نِفَاسًا ثُمَّ وَلَدَتْ ، وَأَطْبَقَ الدَّمُ وَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا فَإِنَّ عَدَمَ النِّفَاسِ لَا ( يَصِيرُ ) عَادَةً لَهَا بِلَا خِلَافٍ ، بَلْ ( هَذِهِ ) مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ .
رَابِعُهَا : مَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَا مَرَّاتٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِسَبَبِ تَقَطُّعِ الدَّمِ ، إذَا كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخَرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ، لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِالْمَرَّةِ وَهِيَ ( الِانْقِطَاعُ ) الْأَوَّلُ بَلْ تُؤْمَرُ بِمَا تُؤْمَرُ بِهِ ( الطَّاهِرَاتُ
بِمُجَرَّدِ ) الِانْقِطَاعِ ، بِخِلَافِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ ، لِأَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ قَدْ ( أُثْبِتَ ) عَادَةً فِي الِانْقِطَاعِ .
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْمُمَاكَسَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَكُونُ بِمَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ .
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الْجَارِحَةِ فِي الصَّيْدِ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ( التَّعَلُّمِ ) ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ ثَلَاثٌ ، وَقِيلَ : ( يُكْتَفَى ) بِمَرَّتَيْنِ .
وَمِنْهَا الْقَائِفُ هَلْ يُشْتَرَطُ بِثَلَاثٍ أَوْ يُكْتَفَى بِمَرَّتَيْنِ ( رَجَّحَ ) الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْأُوَلَ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عَارِفٌ .
الثَّالِثُ : الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ يَنْزِلُ اللَّفْظُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهَا ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ لَمْ تُعْتَبَرْ وَوَجَبَ الْبَيَانُ ، ( وَإِذَا ) تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ فِي اعْتِبَارِهَا فَخِلَافٌ .
وَهَذَا الْأَصْلُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ ، فَقَالَ كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اضْطِرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ ( الْمُحْكَمُ ) وَمُضْمَرُهُ ( كَالْمَذْكُورِ ) صَرِيحًا ، وَكُلُّ مَا يُعَارِضُ الظُّنُونَ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ انْتَهَى .
فَإِذَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ ، وَأَطْلَقَ ( يَنْزِلُ ) عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ ، وَلَوْ اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ فَإِطْلَاقُ الدَّرَاهِمِ فَاسِدٌ ، بَلْ لَوْ غَلَبَتْ الْمُعَامَلَةُ بِجِنْسٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ بِنَوْعٍ مِنْهُ ( انْصَرَفَ ) الثَّمَنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَصَحِّ " ، كَالنَّقْدِ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ النَّسْخِ أَوْ الْكُحْلِ ، فَفِي وُجُوبِ الْخَيْطِ ( وَالْحِبْرِ ) وَالْكُحْلِ عَلَى مَنْ خِلَافٌ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي ( الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ) الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فَإِنْ اضْطَرَبَتْ وَجَبَ الْبَيَانُ ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ .
وَمِنْ هَذَا الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ يَتَقَيَّدُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَفِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا ( يَجِبُ ) ( إبْقَاؤُهَا ) إلَى أَوَانِ الْقِطَافِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ السَّقْيِ بِمَائِهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ بِاللَّفْظِ ، وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِي أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي ، وَكَذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَخْتَلِفُ ( عَادَةُ ) النَّاسِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّءُوسِ وَنَحْوِهِ .
وَمَنْ أَتْلَفَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ شَاةٌ مِنْ غَالِبِ شِيَاهِ الْبَلَدِ ، وَالْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَالْكَفَّارَةُ
كَذَلِكَ ، وَإِبِلُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَعَلَى الْعَاقِلَةِ تَجِبُ مِنْ غَالِبِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ أَغْلَبِهَا كَذَلِكَ .
وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْحَرْبِيِّ فِي الدُّخُولِ لِدَارِ الْإِسْلَامِ بِلَا شَرْطٍ فَهَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمَعْهُودِ أَمْ لَا ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : فِي الْوَجِيزِ الثَّانِي .
الرَّابِعُ : الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ نَزَّلَهَا الْقَفَّالُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ فَقَالَ إذَا عَمَّ النَّاسَ اعْتِيَادُ إبَاحَةِ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ فَاطِّرَادُ الْعَادَةِ فِيهِ ( بِمَثَابَةِ شَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ حَتَّى يَفْسُدَ الرَّهْنُ ، وَجَعَلَ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ ) بِمَثَابَةِ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْجُمْهُورُ فِيهِمَا .
وَلَوْ جَرَتْ عَادَةٌ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَرُدُّ أَزْيَدَ مِمَّا اقْتَرَضَ ، فَقِيلَ : لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ وَيَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ ، وَكَذَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الْحِصْرِمِ قَبْلَ النُّضْجِ فَهَلْ تَنْزِلُ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَقَالَ الْقَفَّالُ نَعَمْ ، وَكَذَا بَيْعُ الْعِينَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ نَقْدًا إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً ، ( وَقَالَ ) الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ الْعَقْدَانِ جَمِيعًا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، لَكِنْ يُكْرَهُ .
قَالَ الْإِمَامُ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا فُرِضَ نُدُورُهُ فِي قُطْرٍ ثُمَّ تُصُوِّرَ اطِّرَادُهُ ، وَالْحُكْمُ بِالْعَادَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ ( ، وَمِنْهُ ) ( مَنْشَأُ ) اخْتِلَافِهِمْ فِي ( كَثْرَةِ ) دَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي بَعْضِ ( الصِّقَاعِ ) فِي حُكْمِ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : مِنْهَا مَا لَوْ بَارَزَ كَافِرٌ مُسْلِمًا ، وَشَرَطَ الْأَمَانَ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُبَارَزَةِ بِالْأَمَانِ ، فَفِي كَوْنِهِ كَالْمَشْرُوطِ ( وَجْهَانِ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الرُّويَانِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ ) قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ : عَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ ،
وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
وَمِنْهَا أَمْرُ السُّلْطَانِ ذِي السَّطْوَةِ ، وَعَادَتُهُ أَنْ يَسْطُوَ بِمَنْ يُخَالِفُهُ يَقُومُ ( مَقَامَ ) التَّوَعُّدِ ( نُطْقًا ) وَنَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ حَتَّى يَأْتِيَ فِي ( وُجُوبِ ) الْقِصَاصِ عَلَى مَأْمُورِهِ ( إذَا عَلِمَ أَنَّهُ ) مُبْطِلٌ الْقَوْلَانِ فِي الْمُكْرَهِ .
وَفِي أَمْرِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَخَافُ مِنْهُ ذَلِكَ طَرِيقَانِ : أَحَدَاهُمَا : عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِيَةُ : عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ( بِإِكْرَاهٍ ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ جَزْمًا حَكَاهُمَا فِي الْمَطْلَبِ .
الْخَامِسُ : الْعَادَةُ إنَّمَا ( تُقَيِّدُ ) اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ إذَا تَعَلَّقَ بِإِنْشَاءِ أَمْرٍ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَقَعُ ( إخْبَارًا ) عَنْ مُتَقَدِّمٍ فَلَا ( يُقَيِّدُهُ ) الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ : الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا ؛ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يَرُوجُ فِي ( الْبُقْعَةِ ) غَالِبًا ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيهَا .
أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعِهِ ، وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ ( وُجُوبٍ ) سَابِقٍ وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ أَوْ ( رَغَبٍ ) فِي بُقْعَةٍ أُخْرَى ، وَفِي الْإِقْرَارِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ لَا يُقْبَلُ .
وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَلَيْسَ هَذَا ( بِتَعَلُّقٍ ) ( فَنَزَلَ عَلَى الْغَالِبِ ) عَلَى قَاعِدَةِ الْمُعَامَلَاتِ ، قُلْت : وَمِثْلُ الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الدَّعْوَى قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَقْضِيَةِ : الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ ، كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا لَا يَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ أَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا تَقَدَّمَ ، فَلَا ( يُقَيِّدُهُ ) الْعُرْفُ ( الْمُتَأَخِّرُ ) ، بِخِلَافِ ( الْعَقْدِ ) فَإِنَّهُ ( أَمْرٌ ) بَاشَرَهُ ( فِي الْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَجْهًا ، وَصَدَّرَ كَلَامَهُ بِجَوَازِ الْإِطْلَاقِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ ) ، قَالَ : وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ .
وَلَوْ أَقَرَّ فِي بَلَدٍ ( دَرَاهِمُهُ ) نَاقِصَةٌ بِأَلْفٍ ( مُطْلَقَةٍ ) لَزِمَهُ النَّاقِصَةُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِعُرْفِ الْبَلَدِ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ ؛ لِعُرْفِ الشَّرْعِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ، لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي بَلَدٍ
دَرَاهِمُهُ نَاقِصَةٌ ( أَنَّهُ ) تَلْزَمُهُ النَّاقِصَةُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ مُعَامَلَةٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَقَعُ بِمَا يَرُوجُ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ .
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَيُمْكِنُ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ أَمْ لَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَوَافُقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَلْفٍ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِأَلْفَيْنِ ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ لُزُومَ ( أَلْفٍ ) وَازِنَةٍ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ ( وُجُوبُ ) أَلْفَيْنِ .
( السَّادِسُ ) : إذَا اخْتَلَفَتْ الْعَادَةُ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) : لَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ فَوْقَ الْعَادَةِ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ لَمْ ( يُجْزِهِ ) الْحَجْرُ ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِعَادَةِ النَّاسِ أَمْ بِعَادَةِ نَفْسِهِ فِيهِ ؟ وَجْهَانِ ( حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِي الْخُفِّ ؛ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ أَوْ لِضِيقِهِ فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ صَالِحٌ لِلْمَشْيِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ غَيْرُهُ لَارْتَفَقَ بِهِ ، وَأَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي إدَامَةِ مِثْلِ هَذَا الْخُفِّ فِي الرِّجْلِ .
( وَلِهَذَا شَبَهٌ ) بِالْكَفَّارَةِ يُدْفَعُ ( لِلْكَبِيرِ مَا لَا يَصْلُحُ ) إلَّا لِلُّبْسِ الصَّغِيرِ .
الْعِبَادَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا ، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ هِيَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ ، وَبِالتَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ بِفِعْلِ ( أَوَامِرِهِ ) .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : فِعْلٌ يُكَلِّفُهُ اللَّهُ عِبَادَهُ ( مُخَالِفًا ) لِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ عَلَى سَبِيلِ ( الِابْتِلَاءِ ) .
وَقَالَ ( الْمَرْوَزِيُّ : ) مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : الْعِبَادَةُ وَالتَّعَبُّدُ ، وَالنُّسُكُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْخُضُوعُ .
وَالْعِبَادَةُ مَا ( تَعَبَّدْنَا بِهِ ) عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ ، وَقِيلَ : الْعِبَادَةُ مَا كَانَ الْعَابِدُ لِأَجْلِهَا عَابِدًا ، وَقِيلَ : مَا اُشْتُقَّ اسْمُ الْعَابِدِ مِنْهَا ، وَقِيلَ : مَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) ، وَقِيلَ : مَا كَانَ قُرْبَةً إلَيْهِ .
قَالَ وَهَذَانِ لَيْسَا بِصَحِيحَيْنِ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا ( قُرْبَةٍ ) وَهُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ انْتَهَى .
وَقَالَ ( الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هِيَ الطَّاعَةُ بِالْتِزَامِ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالتَّعَبُّدُ اسْتِدْعَاءُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ ، قَالَ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ الطَّاعَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ } .
الثَّانِي : الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ( تُقَدَّمُ ) عَلَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَسَتَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ .
الثَّالِثُ : إنْ تَعَلَّقَتْ ( بِوَقْتٍ ) فَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ مُبَادَرَةً لِلِامْتِثَالِ ، وَلِهَذَا جَاءَ { الصَّلَاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ } ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ التَّأْخِيرُ ؛ لِعَوَارِضَ : مِنْهَا حِيَازَةُ فَضِيلَةٍ أُخْرَى كَتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ آخَرَ الْوَقْتِ ، وَالْإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ ؛ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ وَاسْتِحْبَابُ ( تَأْخِيرِ ) زَكَاةِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَاسْتَحَبَّ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِعْلَ ( ابْنُ عُمَرَ ) مِنْ إخْرَاجِهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ .
وَدَمُ ( التَّمَتُّعِ ) يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْقِرَانِ .
وَمِنْهَا أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ ، وَيُسْتَحَبُّ ( تَأْخِيرُهَا ) لِيَوْمِ النَّحْرِ .
تَنْبِيهٌ : مَنْ أَمَرْنَاهُ بِالتَّأْخِيرِ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَعْصِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّأْخِيرِ ، وَقَدْ أَحْسَنَ ( بِالِامْتِثَالِ ) فَكَيْفَ يَعْصِي ؟ وَكَذَا مَنْ جُوِّزَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي فِي الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ كَالْحَجِّ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي حَرْفِ الْمِيمِ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ لَنَا أَحَدٌ يُقْتَلُ بِتَرْكِ عِبَادَةٍ إذَا صَحَّ مُعْتَقَدُهُ إلَّا الصَّلَاةَ فَقَطْ ؛ لِشَبَهِهَا بِالْإِيمَانِ ، وَلَمَّا كَانَ تَارِكُ الْإِيمَانِ مَقْتُولًا فَكَذَلِكَ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ .
ضَابِطٌ : لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا سِوَى الْفَارِّ مِنْ ( الزَّحْفِ ) بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ يَجُوزُ ، وَإِذَا تَحَيَّزَ إلَيْهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ مَعَهَا فِي الْأَصَحِّ .
الْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ ( وَجْهَانِ ) الْأَصَحُّ الثَّانِي .
وَلِهَذَا لَوْ ( اقْتَدَى ) شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِقَادَ الْإِمَامِ ؛ لِأَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ أُحِدُّهُ ، وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ فِيهَا ( تَرَافُعٌ ) إلَى الْحَاكِمِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا عَقِيدَةُ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ عَقِيدَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ رَأَى الْجَلَّادُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ ( بِالْعَبْدِ ) وَالْإِمَامُ يَرَاهُ فَأَمَرَهُ بِهِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ فَوَجْهَانِ ، وَفِي الْحُدُودِ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ الْمَنْعُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ فِي الْقَسَامَةِ : الْقَوَدُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ التَّعْزِيرُ ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ ، لَكِنْ فِي الشَّامِلِ وَتَعْلِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ ( الْوُجُوبُ ) .
وَلَوْ انْعَكَسَ الْأَمْرُ فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَجَهِلَ فَعَنْ الْعِرَاقِيِّينَ إنْ ( بَقِيَ وَجَبَ ) ، هُنَا وَإِلَّا فَلَا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي الْمَنْعُ .
وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَعْتَقِدُ الْآمِرُ حِلَّهُ ، وَالْمَأْمُورُ تَحْرِيمَهُ فَهَلْ لَهُ فِعْلُهُ نَظَرًا إلَى رَأْيِ الْآمِرِ أَوْ ( يَمْتَنِعُ ) نَظَرًا إلَى رَأْي الْمَأْمُورِ ، وَخَصَّ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ الْخِلَافَ بِمَا لَا ( يَنْتَقِضُ ) حُكْمُ ( الْآمِرِ ) بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ ( حُكْمُهُ ) بِهِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا طَاعَةَ لِجَهَلَةِ الْمُلُوكِ ( وَالْأُمَرَاءِ ) إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الشَّرْعِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَا لَوْ كَانَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مُسَافِرَيْنِ ، وَنَوَى الْحَنَفِيُّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ
يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَنَفِيِّ الْقَاصِرِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا نَوَى الْقَصْرَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ مُقِيمٌ .
وَمِنْهَا : لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُكَبِّرُ ( لِلْعِيدِ ) ثَلَاثًا أَوْ سِتًّا فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ ، إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ ( فِي ) يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَالْمَأْمُومُ لَا يَرَى التَّكْبِيرَ فِيهَا ، وَعَكْسُهُ فَهَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّكْبِيرِ ( وَتَرْكِهِ ) ( أَمْ ) يَتْبَعُ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : ( يَتْبَعُ ) اعْتِقَادَ نَفْسِهِ .
الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا أَيْ : هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ( بِطَرِيقِ ) التَّضَمُّنِ ؟ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ قَطْعًا .
كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ ( بُنِيَ ) عَلَى التَّعَبُّدِ ( بِصِيغَتَيْ ) الْإِنْكَاحِ ( وَالتَّزْوِيجِ ) دُونَ مَا يُؤَدِّي ( لِمَعْنَاهُمَا ) .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ : قَبِلْت وَلَمْ يَذْكُرَا ثَمَنًا فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ قَطْعًا ، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْمَعْنَى حَتَّى يَصِحَّ هِبَةً عَلَى وَجْهٍ .
( الثَّانِي ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فِي الْأَصَحِّ .
فَمِنْهَا : لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي ( هَذَا ) الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا ؛ لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ ، وَلَا بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ ؛ ( لِإِخْلَالِ ) اللَّفْظِ ، فَإِنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةِ ، وَالدَّيْنِيَّةُ مَعَ التَّعْيِينِ يَتَنَاقَضَانِ ، وَقِيلَ : بَيْعٌ ( لِلْمَعْنَى ) .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، فَقَالَ : بِعْتُك فَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ بَيْعٌ ؛ نَظَرًا ( لِلَّفْظِ ) ، وَقِيلَ : سَلَمٌ نَظَرًا ( لِلْمَعْنَى ) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ .
وَمِنْهَا قَالَ : بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ فَلَيْسَ بَيْعًا ، وَفِي انْعِقَادِهِ هِبَةً قَوْلَا تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَمِنْهَا تَعَاقَدَا فِي الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ فَقَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ ( مُدَّةَ ) كَذَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ، فَقِيلَ : تَصِحُّ إجَارَةً ؛ نَظَرًا لِلْمَعْنَى ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا ( فَاسِدَةٌ ) ؛ نَظَرًا لِلَّفْظِ ( وَعَدَمِ وُجُودِ ) شَرْطِ الْمُسَاقَاةِ ؛ إذْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِدَرَاهِمَ .
( الثَّالِثُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى ( قَطْعًا ) .
( الرَّابِعُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى فِي الْأَصَحِّ .
فَمِنْهَا إذَا ( وَهَبَ ) بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ
تَبْطُلُ لِمُنَاقَضَتِهِ أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ هِبَةً اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ أَوْ بَيْعًا بِالثَّمَنِ ؟ ( الْأَصَحُّ ) الثَّالِثُ .
وَمِنْهَا يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَصَحِّ ؛ ( نَظَرًا لِلْمَعْنَى ) .
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ ( بِالْفَسَادِ ) عَلَى الْمَشْهُورِ كَبِعْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوْ الْمَعْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ ، فَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ ؛ لِاشْتِهَارِ السَّلَمِ فِي بُيُوعِ الذِّمَمِ ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا ، وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا فَإِذَا ( أَوْقَعَ ) فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ لَفْظَ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ قَبْضُ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ قَطْعًا ، وَإِنْ ( أَوْقَعَ ) لَفْظَ الْإِجَارَةِ فَوَجْهَانِ : ، وَالْأَصَحُّ : اعْتِبَارُ الْمَعْنَى ( كَمَا فِي ) الْهِبَةِ ، وَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ ( بَيْعًا فِي الْأَصَحِّ ) ؛ لِتَعَادُلِ الْمَعْنَى وَالصِّيغَةِ ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ فَيَنْعَقِدُ بَيْعًا .
الْعَدَالَةُ هَلْ ( تُتَحَرَّى ) فِيهِ خِلَافُ فَائِدَتِهِ إذَا زُكِّيَ ، وَقَدْ شَهِدَ بِقَلِيلٍ ثُمَّ شَهِدَ بِكَثِيرٍ هَلْ تَكْفِي التَّزْكِيَةُ فِي الْقَلِيلِ ؟ وَجْهَانِ ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْأُصُولِيُّ فِي تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ .
الْعَدَالَةُ : شَرْطٌ فِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ ؛ لِيَدْفَعَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَتْ ( بِشَرْطٍ ) فِي ( نَظَرِهِ ) لِمَصَالِحِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى ( جَلْبِهِ ) مَصَالِحَ نَفْسِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ ( وَازِعًا ) .
نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ الرُّشْدُ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ فِي دَوَامِهَا فَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ فِي الْأَصَحِّ ، وَيَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ ، ( وَيُرَدُّ ) مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يُرَدُّ ( مِنْهُ ) ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ؛ ( دَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ ) عَنْ الرَّعَايَا ؛ وَجَلْبًا لِمَصَالِحِهِمْ .
الثَّانِيَةُ : مَا يَكُونُ الطَّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْعَدَالَةِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَعَدَالَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَالْحَضَانَةِ ، إذَا قُلْنَا : الْفَاسِقُ يَلِي ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْوَلِيِّ ( وَالْحَاضِنِ ) يَحُثَّانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ .
الْعُذْرُ الْعَامُّ كَفَقْدِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ ، وَكَذَا النَّادِرُ الدَّائِمُ غَالِبًا ، كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهِ .
وَالنَّادِرُ الَّذِي لَا يَدُومُ ، وَلَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ الْمَجْرُوحُ إذَا وَضَعَ اللُّصُوقَ عَلَى جُرْحِهِ عَلَى الْحَدَثِ ، وَتَعَذَّرَ نَزْعُهُ ، وَصَلَّى فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَلَا بَدَلَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ ( مِمَّا ) يَدُومُ .
وَمِنْ الثَّانِي : الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ السِّلَاحُ وَعَجَزَ عَنْ إلْقَائِهِ فَصَلَّى ، وَهُوَ حَامِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْأَظْهَرِ .
وَمِنْهُ : الْخَائِفُ مِنْ ( سَبُعٍ ) إذَا صَلَّى مُومِئًا لَا يَقْضِ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ ، لَكِنْ قَالَ ( الشَّافِعِيُّ ) : إنَّهُ خَائِفٌ ، وَجِنْسُ الْخَوْفِ عَامٌّ .
وَمِنْهُ : لَوْ مُنِعَ الْوُضُوءَ إلَّا مُنَكَّسًا فَهَلْ يَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ : وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .
وَلَوْ تَنَاثَرَ الْوَرَقُ بِرِيَاحِ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْمُجَاوَرَةَ وَالْمُخَالَطَةَ ، وَمَنْ اعْتَبَرَ الصَّوْنَ ، وَتَيَسُّرَهُ اخْتَلَفُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ مُؤَثِّرٌ ( وَمَا ) يَنْدُرُ وُقُوعُهُ إذَا وَقَعَ فَفِي إلْحَاقِهِ بِالْعُذْرِ الْعَامِّ وَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ .
فَائِدَتَانِ : الْأُولَى : أَنَّ الْعُذْرَ الْعَامَّ أَدْخَلُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ مِنْ الْخَاصِّ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ أَجْزَأَهُمْ ، وَلَا قَضَاءَ ، وَلَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ وَجَبَ ، وَالْإِحْصَارُ الْعَامُّ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ
وَالْإِحْصَارُ الْخَاصُّ يُوجِبُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْعُذْرَ كَمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ يَحْصُلُ الثَّوَابُ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ الْفِعْلَ عَلَى الدَّوَامِ .
وَلِهَذَا الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ [ اللَّهُ ] لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا } .
نَعَمْ الْحَائِضُ لَا يُكْتَبُ لَهَا ( ثَوَابُ الصَّلَاةِ ) زَمَنَ الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنَّ نِيَّتَهُمَا الْفِعْلُ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا لَهُ ، وَالْحَائِضُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ نِيَّتَهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا ( فَنَظِيرُهَا ) مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي وَقْتٍ ، وَيَتْرُكُهَا فِي آخَرَ غَيْرُ نَاوٍ لِلدَّوَامِ عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِلُ فِيهِ .
الْعُرْفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْحَقَائِقُ ثَلَاثَةٌ : لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَعُرْفِيٌّ وَاللَّا عُرْفِيُّ تَارَةً يَكُونُ عَامًا وَتَارَةً يَكُونُ خَاصًّا ، ثُمَّ تَارَةً تَتَّفِقُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ فَإِنْ اتَّفَقَتْ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ ( فَإِنَّ ) اسْمَهُ بِذَلِكَ ( مِمَّا ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَقَائِقُ الثَّلَاثُ .
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ ، وَتَعَارَضَتْ فَلَهَا أَحْوَالٌ الْأُولَى : ( أَنْ ) يَتَعَارَضَ الْعُرْفُ مَعَ الشَّرْعِ وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَرَّرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ ( بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ ) ، وَإِنْ ( سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ) لَحْمًا ، أَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنْ ( سَمَّاهَا ) اللَّهُ ( تَعَالَى ) بِسَاطًا .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ فِي الشَّمْسِ ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَعَدَ تَحْتَ السَّمَاءِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ ( تَعَالَى ) سَقْفًا ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ فَوَضَعَهَا عَلَى ( جَبَلٍ ) ( لَمْ يَحْنَثْ ) ، وَإِنْ سَمَّى اللَّهُ الْجِبَالَ أَوْتَادًا .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً فَأَكَلَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا مَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ ( سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْتَةً ) أَوْ لَا يَأْكُلُ دَمًا فَأَكَلَ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا .
وَوَجْهُهُ فِي الْكُلِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُسَمُّونَهَا ( بِذَلِكَ ) فَقُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا تَكْلِيفٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا نَوَاهُ وَفَعَلَهُ قَالَ ( اللَّهُ ) تَعَالَى { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ
الْأَيْمَانَ } أَيْ : قَصَدْتُمْ ، وَعَقْدُ الْقَلْبِ : قَصْدُهُ وَتَصْمِيمُهُ .
نَعَمْ لَوْ تَقَاطَرَ مِنْ الْكَبِدِ ( أَوْ الطِّحَالِ ) دَمٌ فَأَكَلَهُ حَنِثَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَمًا .
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ تُؤْكَلُ مُتَّصِلَةً ، وَلَا تُؤْكَلُ مُنْفَصِلَةً إلَّا هَذِهِ وَدُودُ الْفَاكِهَةِ وَالرَّوْثُ فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ ، وَفِي ( الْجَرَادِ ) ، وَقِشْرُ الْبَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مُنْفَصِلًا ، وَيَحِلُّ ابْتِلَاعُ الْبَيْضَةِ بِقِشْرِهَا .
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مِنْ الْجَمَادِ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا جُزْءٌ يَصِيرُ نَجَسًا إلَّا دَمَ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ، فَإِذَا انْفَصَلَ صَارَ نَجِسًا فِي الْأَصَحِّ ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ دَمًا .
النَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعُرْفِ الشَّرْعِ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ التَّسْبِيحِ .
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا ( بِالْإِمْسَاكِ ) بِالنِّيَّةِ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ وَلَا يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ ، وَإِنْ كَانَ صَوْمًا لُغَةً ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْعُرْفِ لَا يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْوَطْءِ .
وَلَوْ قَالَ : ( إنْ ) رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرُهَا وَعَلِمَتْ بِهِ طَلُقَتْ حَمْلًا ( لَهُ ) عَلَى الشَّرْعِ ، فَإِنَّهَا فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ .
وَمِنْ ذَلِكَ : لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ هَازِلًا نَفَذَتْ وَصَحَّتْ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَنِكَاحًا وَطَلَاقًا ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَفِي الْحَدِيثِ { ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ } ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثَّلَاثِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا ، وَأَوْلَى مِنْهَا ( كَمَا ) قَالَ تَعَالَى : { قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } { لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ } فَمَنْ تَكَلَّمَ
بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ كَفَرَ ، وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ ( مَازِحًا ) وَلَمْ يَقْصِدْ السَّرِقَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا } .
وَهُنَا تَنْبِيهٌ : وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ قُدِّمَ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ ( تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ ) وَعَدَمِ ( النَّقْلِ ) ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ سِرًّا فَنِكَاحُ السِّرُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ : الْوَطْءُ سِرًّا دُونَ الْعَقْدِ ، وَفِي الشَّرْعِ أَدْنَى مَرَاتِبِ ( نِكَاحِ ) السِّرِّ أَنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ، فَإِنْ عَقَدَ بِوَلِيٍّ وَثَلَاثَةِ شُهُودٍ خَرَجَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ ، وَلَمْ يَحْنَثْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ ( مُخَالِفٌ لِلسِّرِّ ) فِي اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لُغَةً مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ شَخْصًا وَاحِدًا .
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ قَاعِدَةٌ أُخْرَى : وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا أَمْ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الشَّرْعِ ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِهِمْ ( فِيهَا وَجْهَانِ ) ، وَالْأَصَحُّ : اعْتِبَارُ خُصُوصِ الشَّرْعِ .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ ، وَمَا وَقَعَ فِي ( زَوَائِدِ ) الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحِنْثِ مَمْنُوعٌ ، بَلْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلَى مُقْتَضَى مَا رَجَّحَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ ، فَهَذَا عَامٌّ وَلَكِنْ فِي الشَّرْعِ { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَدْخُلُونَ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ وَلِلرَّافِعِيِّ بَحْثٌ فِيهِ .
وَمِنْهَا : ( لَوْ ) حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يُخَالِطُ الْمَاءَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ لَا يَحْنَثُ .
وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي الْمَاءَ ، فَاشْتَرَى لَهُ الْوَكِيلُ هَذَا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ ، حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ ، فَإِنْ قِيلَ : هُوَ فِي الْعُرْفِ يُسَمَّى مَاءً ، قُلْنَا : الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ ، أَمَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا هَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً قَدْ تَنَجَّسَ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ ؛ لِقِلَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ قُلْنَا : مُطَلَّقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ فَيَجِيءُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ حُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّهَا الشَّرْعِيَّةُ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ { إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا } دُونَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت ( الدَّمَ ) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ تَعَارُضُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ .
فَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَةَ ( وَجْهَيْنِ ) فَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ : إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ ، وَالدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوْلَى ، وَاللَّفْظُ مَتَى كَانَ مُطْلَقًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ .
الثَّانِي : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ ( مُحْكَمٌ ) فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ .
قَالَ فَلَوْ ( دَخَلَ ) دَارَ صَدِيقِهِ فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ فَقَالَ : إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ ، وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَقَدَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ ( انْتَهَى ) .
وَأَقُولُ اللُّغَةُ تَارَةً يَعُمُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَتَارَةً يَخُصُّ اسْتِعْمَالُهَا ، وَتَارَةً يُقَيَّدُ فِي إطْلَاقِهِمْ فَإِنْ عَمَّتْ اللُّغَةُ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ هَذَا مَذْهَبُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّوسَ ، ( وَقَالَ ) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ : إنْ تَطَابَقَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ فَذَاكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ ( اعْتِبَارَ ) الْعُرْفِ .
( وَيَنْبَنِي ) عَلَى هَذَا قَاعِدَةٌ : ( وَهِيَ ) إذَا عَارَضَ اللُّغَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ عُرْفٌ خَاصٌّ وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ : يُرَاعِي عُرْفَ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرْفَ الْحَالِفِ ، وَإِنْ شِئْت فَقُلْ : هَلْ يُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّفْظِ أَوْ عُرْفُ اللَّافِظِ ؟ ( أَوْ : أَنَّ ) الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الْعَامَّ ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ بِفُرُوعِهَا فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ
أَوْ مَاءً حَنِثَ بِالْعَذْبِ وَالْمِلْحِ ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِالْمِلْحِ ( ، وَإِنْ لَمْ ) يَعْتَدْ شُرْبَهُ ( اعْتِبَارًا ) بِالْإِطْلَاقِ وَالِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ .
وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَاصُّ لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَجْهٌ ( أَلْبَتَّةَ ) ( فَالْمُعْتَبَرُ ) اللُّغَةُ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَنَظَائِرِهَا .
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا ( أَوْ لَا ) يَسْكُنُهُ فَاسْمُ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَى الْمَبْنِيِّ بِالطِّينِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ ( سُمِّيَ ) بَيْتًا ؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ ، كَمَا قَالَهُ ( الزَّجَّاجُ ) فِي تَفْسِيرِهِ .
ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَدْوِيًّا حَنِثَ بِكُلٍّ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمُّونَهُ بَيْتًا ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَوَجْهَانِ بِنَاءً ( عَلَى الْأَصْلِ ) الْمَذْكُورِ ( ، وَإِنْ ) اعْتَبَرْنَا الْعُرْفَ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ اسْمِ الْبَيْتِ هُوَ الْمَبْنِيُّ ، ، وَأَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ ( يُسَمُّونَهُ ) بَيْتًا ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ ثَبَتَ عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَرَدُّهُ عَلَى التَّعْمِيمِ ؛ عَمَلًا بِاللُّغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ .
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَام بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } وَفِي الْحَدِيثِ { لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إلَّا دَخَلَهُ الْإِسْلَامُ } وَمِنْهَا : حَلَفَ ( أَنْ ) لَا يَأْكُلَ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأُرْزِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَعَارَفُونَ أَكَلَ ( خُبْزِ ) الْأُرْزِ ، كَمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ ؛ لِأَنَّ خُبْزَ الْأُرْزِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لُغَةً فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ثُمَّ ( إنَّ ) أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْخُبْزِ عَلَى مَا ( يَجِدُونَهُ )
عِنْدَهُمْ ، وَذِكْرُ ( بَعْضِ ) أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَخُصُّ ( إذْ ) الْخُبْزُ ( لُغَةً ) اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُخْبَزُ ( أَوْ يَنْضَجُ ) بِالنَّارِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : أَعْطُوهُ بَعِيرًا لَمْ يُعْطَ نَاقَةً عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : نَعَمْ ؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا لُغَةً ، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ دَابَّةً أُعْطِيَ ( فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا ) عَلَى الْمَنْصُوصِ ، لَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا ، وَإِنْ كَانَ ( ذَلِكَ يُطْلَقُ ) عَلَيْهَا لُغَةً ، وَقِيلَ : إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرً لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا الْفَرَسَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ : ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الدَّابَّةَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي بِغَيْرِ مِصْرَ لَمْ يُعْطَ إلَّا الْفَرَسَ ، وَإِنْ تَخَصَّصَتْ اللُّغَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ ، وَهُجِرَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِهَا ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا نَادِرًا أَوْ صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا ، فَالْمُقَدَّمُ الْعُرْفُ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يُزَايِلُ بَائِضَهُ أَيْ : يُفَارِقُهُ فِي الْحَيَاةِ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ .
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَحْنَثُ بِمَا يُبَاعُ ( مُفْرَدًا ) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ دُونَ رَأْسِ الْعَصَافِيرِ ( وَالْحِيتَانِ ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الرُّءُوسِ الَّتِي تُؤْكَلُ عَادَةً وَهِيَ مَشْوِيَّةٌ أَوْ الْمَصْلُوقَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَارَضْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ ، بَلْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّسْمِيَةِ .
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَوْ قَالَ : زَوْجَتِي طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقُ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ ، وَإِنْ كَانَ ( وَضْعُ ) اللُّغَةِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ الْأَلِفُ
وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ .
وَلَوْ أَوْصَى ( لِلْقُرَّاءِ ) فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِيهِ وَجْهَانِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْوَضْعِ ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَهَذَا لَفْظُ الرَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى ( لِلْفُقَهَاءِ ) فَهَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافِيُّونَ الْمُنَاظِرُونَ ، قَالَ : ( وَيَحْتَمِلُ ) وَجْهَيْنِ ؛ لِتَعَارُضِ الْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ .
تَنْبِيهٌ : مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ اللَّفْظِ أَوْ اللَّافِظِ ( هُوَ فِي اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ فَيُعْتَبَرُ وَضْعُهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، فَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ فَيُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّافِظِ ) إذْ لَا وَضْعَ هُنَاكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْبَيْتِ بِالْفَارِسِيَّةِ : لَا يَحْنَثُ بِبَيْتِ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ ( إذْ ) لَمْ يَثْبُتْ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُ فِي عُرْفِ الْفَارِسِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرَهَا طَلُقَتْ إنْ عَلَّقَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ نَصَّ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الْبَصِيرُ ، وَالْأَعْمَى ، وَادَّعَى أَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ فِي حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ .
وَمَنَعَ الْإِمَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ ( مَا يَسْكُنُهُ ) بِإِجَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَارِسِيَّةِ حُمِلَ عَلَى ( الْمَسْكَنِ ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ مَادَّةُ الْفَرْقِ ( تُعْلَمُ مِمَّا ) ذَكَرْنَا .
الْحَالَةُ ( الثَّالِثَةُ ) تَعَارُضُ الْعُرْفِ الْعَامِّ ( وَالْخَاصِّ ) ، فَإِنْ كَانَ ( الْخُصُوصُ ) مَحْصُورًا لَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَادَةُ امْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ أَقَلَّ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ ( عَادَةِ ) النِّسَاءِ رَدَّتْ إلَى الْغَالِبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : تَعْتَبِرُ عَادَتَهَا .
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ ، كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِحِفْظِ ( زُرُوعِهِمْ ) لَيْلًا وَمَوَاشِيهِمْ نَهَارًا فَهَلْ يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ ؟ فِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : إذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ هَلْ يَطَّرِدُ فِي سَائِرُ النَّوَاحِي كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتَ الشَّعْرِ حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي عُرْفِ الْبَادِيَةِ ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ حَنِثَ ، وَقِيلَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ ؛ لِاعْتِيَادِهِمْ أَكْلَهُ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ ، وَعَادَةُ بَلَدٍ بَيْعُ رُءُوسِ الْحِيتَانِ وَالصَّيُودِ مُنْفَرِدَةً حَنِثَ بِأَكْلِهَا هُنَاكَ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : الْحِنْثُ ، وَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ ( قَوْمٍ ) .
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْأَصَحِّ ، وَهَلْ ( يَخُصُّ ) أَهْلَ الْبَادِيَةِ أَمْ يَعُمُّ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ ، وَخَرَجَ عَنْ هَذَا صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً ( لَمْ ) يَحْنَثْ بِالْحِمَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُطَّرِدًا بِتَسْمِيَتِهِ دَابَّةً .
الثَّانِيَةُ : لَوْ اشْتَهَرَ فِي بِلَادٍ اسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً أَوْ صَرِيحًا وَجْهَانِ ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَهُوَ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ ، قِيلَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَلَفَّظَ ( بِهِ ) أُجْرِيَ عَلَيْهِ عُرْفُ بَلَدِهِ لَا عُرْفُ مَوْضِعِ الْحَلِفِ .
الثَّالِثُ : إذَا عَمّ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ بِشَيْءٍ فَهَلْ يُجْعَلُ عُمُومُ الْعُرْفِ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ سَبَقَ فِي بَحْثِ ( الْعَادَةِ ) .
الرَّابِعُ : إذَا وَجَدْنَا اسْمًا مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ وَاشْتَهَرَ الْعُرْفُ بِأَحَدِ مَدْلُولِيهِ ، فَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ أَمْ اللُّغَةُ ؟ ( يَتَخَرَّجُ ) فِيهِ خِلَافٌ ( مِمَّا ) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدُمُ زَيْدٌ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ ( الْفَجْرِ ) إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الزَّمَانِ .
( وَالضَّابِطُ ) فِي هَذَا أَنَّهُ ( إنْ ) كَانَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ أَشْهَرَ فِي اللُّغَةِ وَوَافَقَهُ الْعُرْفُ قُدِّمَ ، وَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفَ قُدِّمَ ؛ لِتَرْجِيحِهِ بِالْمَدْلُولِ الْآخَرِ .
( الْخَامِسُ ) قَالَ الْفُقَهَاءُ : كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا ، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا فِي اللُّغَةِ يَحْكُمُ فِيهِ الْعُرْفُ وَمَثَّلُوهُ ( بِالْحِرْزِ ) فِي السَّرِقَةِ ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ، وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ عَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ ، الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ .
وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ ( نَاحِيَتِهِ ) فَمَا عَدُّوهُ حِرْزًا فَالْمَالُ مُحَرَّزٌ وَمَا لَا فَلَا ، وَمِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالْمُقَارِنَةِ لِلتَّكْبِيرَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ : إنَّهَا تُبْنَى أَوَّلًا عَلَى اللُّغَةِ ثُمَّ عَلَى الْعُرْفِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ ( الْعُرْفُ ) الشَّرْعِيُّ ثُمَّ الْعُرْفِيُّ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي ( تُسْتَنْبَطُ ) مِنْهَا الْأَحْكَامُ فَيُقَدَّمُ ( فِيهَا ) الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ ، كَبَيْعِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ فَإِنَّهُ نَافِذٌ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يُنَفِّذُونَهُ ، وَيُقَدَّمُ الْعُرْفِيُّ فِيهِمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ طَارِئٌ عَلَى اللُّغَةِ فَهُوَ كَالنَّاسِخِ .
وَهُنَا تَنْبِيهَانِ " : الْأَوَّلُ : إنَّهُمْ لَمْ يَجُرُّوا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعُرْفِ فِيمَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا ( فِي ) اللُّغَةِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ ، وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ بَيْعًا ، وَكَمَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِصْنَاعِ الصُّنَّاعِ الْجَارِيَةِ عَادَتُهُمْ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا ( إذَا ) لَمْ يَشْرِطُوهُ ،
وَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَنَاصِيصِ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، ( وَكَذَلِكَ ) إذَا أَوْجَبْنَا الْمُوَالَاةَ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ فِي ضَبْطِهَا لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَجِفُّ فِيهَا الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ ، ( وَكَذَلِكَ ) إذَا أَوْجَبْنَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى ( بَاطِنِ ) الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لَا يُرْجَعُ فِي ضَبْطِ الْخِفَّةِ لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِمَا تُرَى مِنْهُ الْبَشَرَةُ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ .
وَمِنْهَا الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ ( تُعْفَى ) عَنْ الْإِحْضَارِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَرْجِعُوا فِي ( ضَبْطِ ) التَّخْدِيرِ لِلْعُرْفِ ، وَاخْتَلَفُوا ( هُمْ فِيهِ ) : فَقِيلَ : مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِلْحَاجَاتِ ، وَقِيلَ : مَنْ لَا تَحْضُرُ الْأَعْرَاسَ ، ( وَقِيلَ : ) غَيْرُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : سَكَتُوا عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ عَلَى الْإِجْمَالِ ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : عَلَيَّ مَالٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِ تَحْدِيدٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ ، فَيَبْقَى عَلَى إجْمَالِهِ وَيَرْجِعُ إلَى ( الْمُقِرِّ ) فِي بَيَانِهِ .
وَأَمَّا مَالِكٌ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فَقَالَ أَقَلُّ ( مَالٍ ) يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ نِصَابُ الزَّكَاةِ ( فَأَلْزَمَهُ ) بِهِ ، وَعُورِضَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ ، وَلِهَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ .
( السَّادِسُ ) الْعُرْفُ تَارَةً يَكُونُ قَوْلِيًّا وَتَارَةً ( يَكُونُ ) فِعْلِيًّا ( وَفَرْقٌ ) بَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمُسَمَّى ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ بِفِعْلِ هَذَا الْمُسَمَّى ، وَالْأَوَّلُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ ، وَالثَّانِي الْفِعْلِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا ، بَلْ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ، وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ لَهَا ( فَيُخَصِّصُهَا ) وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا .
وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ : أَنَّ السُّلْطَانَ مَثَلًا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ لَبِسَ الْكِرْبَاسَ يَحْنَثُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ تَنَاوُلِهِ ، وَلَوْ حَلَفَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ السَّمَكِ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الرُّءُوسَ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ( التَّخْصِيصَيْنِ ) مَا ذَكَرْنَا .
( السَّابِعُ ) أَنَّ الْعُرْفَ الَّذِي تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ ( أَوْ ) السَّابِقُ ، وَأَغْرَبُ مَنْ حَكَى فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ قَوْلَيْنِ .
وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ تَرْكُ الدُّرُوسِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ ، ( فَكُلُّ ) مَدْرَسَةٍ وُقِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ ( وَاقِفُهَا ) لِذَلِكَ يَنْزِلُ لَفْظُهُ عَلَى الْعَادَةِ ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ قَبْلَ هَذِهِ الْعَادَةِ أَوْ مَا شَكَّ فِيهِ هَلْ هُوَ قَبْلَهَا فَلَا يَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ : مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَيْثُ لَا ( نَصَّ ) مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ ( الِاشْتِغَالَ ) فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَمَا يَقَعُ مِنْهَا قَبْلَهُمَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَدَارِسِ وَالْأَمَاكِنِ فَإِنْ ( اتَّفَقَ ) ( بِهَا ) عُرْفٌ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ، ( وَاشْتُهِرَ ) غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَيَجْرِي فِيهَا فِي ذَلِكَ ( الْبَلَدِ ) الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ هَلْ يَنْزِلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ انْتَهَى .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْبَطَالَةَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ إلَى آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْعُرْفُ بِهَا مُسْتَمِرٌّ ( شَائِعٌ ) وَالْمُضْطَرِبُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ : كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهَا ( ، وَأَوْجَبَ ) رَدُّ مَنْ حَمَلَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : هِيَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الْعَادَةَ اسْتَمَرَّتْ قَدِيمًا ، بِأَنَّهَا تُبَدَّلُ كُلَّ سَنَةٍ ، وَيَأْخُذُ بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الْعَتِيقَةَ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا ( بِالْبَيْعِ ) وَغَيْرِهِ ، وَيُقِرُّهُمْ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، فَلَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِهِ .
( وَأَمَّا بَعْدَ
مَا اتَّفَقَ ) فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وَقْفِ الْإِمَامِ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يُصْرَفَ رِيعُهَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَلَا تَرَدُّدَ فِي الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ ( الْعَادَةِ ) وَالْعِلْمِ بِهَا فَيَنْزِلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا ، قُلْت : وَالْأَشْبَهُ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا سَدَنَتُهَا ، إلَّا بِالتَّصْرِيحِ .
قُلْت : وَثَالِثَةٌ : وَهِيَ الْأَوْقَافُ الْقَدِيمَةُ الْمَشْرُوطُ نَظَرُهَا لِلْحَاكِمِ ، وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا ، وَيَسْتَنِيبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ثُمَّ إنَّ ( الْمَلِكَ الظَّاهِرَ ) أَحْدَثَ الْقُضَاةُ ( الثَّلَاثَةُ ) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَمَا كَانَ مَوْقُوفًا قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْعُرْفِ اخْتَصَّ نَظَرُهُ بِالشَّافِعِيِّ ، وَلَا يُشَارِكُهُ ( فِيهِ ) غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ حَادِثٌ ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ النَّظَرِ بَعْدَ هَذَا الْعُرْفِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ ؛ لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ غَالِبًا لَا يَفْهَمُونَ عِنْدَ إطْلَاقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ لَا سِيَّمَا مَعَ قَرِينَةِ أَنَّ نَظَرَ الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ .
الثَّامِنُ : ذَكَرَ الْإِمَامُ فِيمَا لَوْ شَدَّ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ خَيْطًا لَا فِدْيَةَ ، وَلَوْ شَدَّ عِصَابَةً عَرِيضَةً افْتَدَى ، قَالَ : وَلَيْسَ مَعَنَا تَوْقِيفٌ نَتْبَعُهُ ، وَالْقَصْدُ ( مَا ) يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَاتِرًا لِلرَّأْسِ أَوْ لِبَعْضِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ ، ( وَلِذَلِكَ ) يَقَعُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إحَالَةً عَلَى ( مَا يَبْتَدِرُهُ ) إفْهَامُ الْفَاهِمِينَ فِي عَادَاتِ التَّخَاطُبِ ، قَالَ : وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ الْعِنَايَةُ إلَى مِثْلِهِ ، وَلَا ( يَحِلُّ ) لِلْمُرَاجَعِ أَنْ يُحِيلَ الْجَوَابَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَفْتَى وَيَرُدَّهُ إلَى ( حُكْمِ ) الْعَادَةِ .
الْعَزْمُ عَلَى الْإِبْطَالِ مُبْطِلٌ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ ) نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِمُنَافَاةِ مُوجِبِهَا ، وَهُوَ الدَّوَامُ ، وَقِيلَ : لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ وَلَهُ رَفْضُهُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ خَطَا فِي الصَّلَاةِ خُطْوَةً ، وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَخْطُو ثَلَاثًا بَطَلَتْ فِي الْحَالِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، أَمَّا لَوْ نَوَى أَنْ ( يَفْعَلَ ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مُبْطِلًا ، كَالْكَلَامِ فَلَا تَبْطُلُ قَطْعًا ؛ ( لِأَنَّهُ جَازِمٌ ، وَالْجَزْمُ فِعْلُ الْمُنَافِي ) وَلَمْ يُوجَدْ ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَإِذَا نَوَى قَطْعَ الصَّوْمِ ( أَوْ الِاعْتِكَافِ ) ( فَالْأَصَحُّ ) لَا يَضُرُّ كَالْحَجِّ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَبْطُلُ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَوْ يَمْضِي قَدْرَ فِطْرِهِ ؟ وَجْهَانِ .
الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَقَدْتُ الْحَبْلَ إذَا جَمَعْتُ أَجْزَاءَهُ ( جَمْعًا ) خَاصًّا ، ( ثُمَّ نُقِلَ إلَى الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ مَجَازًا ) ، وَهُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ تَسْمِيَةِ ( الْمَفْعُولِ ) بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبِ الْأَمِيرِ ثُمَّ نُقِلَ شَرْعًا إلَى ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ الِالْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا .
وَلِلْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ اعْتِبَارَاتٌ الْأَوَّلُ : بِاعْتِبَارِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ ، وَعَدَمِهِ إلَى ضَرْبَيْنِ : عَقْدٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَاقِدُ ، وَعَقْدٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُتَعَاقِدَيْنِ .
فَالْأَوَّلُ عَقْدُ التَّدْبِيرِ ( وَالنُّذُورِ ) وَالْيَمِينِ وَالْوُقُوفِ ، إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهِ وَالصَّلَاةُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ .
وَالثَّانِي : يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالصُّلْحِ وَالْحَوَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهِبَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالْخُلْعِ .
الثَّانِي : لَازِمٌ فِيهِمَا فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ .
الثَّالِثُ : جَازَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ ، وَالْقَرْضِ وَالْجَعَالَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْعَمَلِ .
الرَّابِعُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ قَطْعًا كَالْكِتَابَةِ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ ، وَكَذَا الرَّهْنُ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ بَعْدَ الْقَبْضِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَهِنِ ، وَالضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ دُونَ الضَّامِنِ ، ( وَكَعَقْدِ الْأَمَانِ ) جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمَّنِ لَهُ نَبْذُهُ مَتَى شَاءَ ، وَيَصِيرُ حَرْبِيًّا لَمَّا يَبْلُغَ الْمَأْمَنَ ، وَلَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمِّنِ لَا يَجُوزُ لَهُ نَبْذُهُ ، إلَّا بِأَنْ يَظْهَرَ ( لَهُ خِيَانَتُهُ ) فَيَنْبِذُهُ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ .
ثُمَّ هَذَا قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْقَابِلِ كَمَا ( ذَكَرْنَا ) ، وَعَكْسُهُ وَيُتَصَوَّرُ فِي الْهِبَةِ لِلْأَوْلَادِ .
الْخَامِسُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ ، كَالنِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَفِي الزَّوْجِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : جَائِزٌ ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ ، ، وَأَصَحُّهُمَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لَيْسَتْ ( تَجَوُّزًا إنَّمَا ) هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَوَازُ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ : إنَّهُ الصَّحِيحُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَسَّمَهَا كَمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ
إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : - مَا لَا يَلْزَمُ وَلَا يُفْضِي إلَى اللُّزُومِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةُ ، وَالْخِيَارُ فِيهَا مُؤَبَّدٌ .
وَلَوْ شَرَطَا إسْقَاطَهُ بَطَلَتْ .
- وَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْحَالِ وَيُفْضِي إلَى اللُّزُومِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْجَعَالَةُ ، وَالْعِتْقُ بِعِوَضٍ ، وَاسْتِهْلَاكُ الْمَالِ ( بِالضَّمَانِ ) ، كَقَوْلِهِ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ ، وَالْقَرْضُ ، وَالْهِبَةُ .
فَيَكُونُ الْخِيَارُ لَهُمَا قَبْلَ اللُّزُومِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لَوْ شَرَطَا إسْقَاطَهُ أَوْ إثْبَاتَهُ ( بَطَلَتْ ) ، - وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ : الرَّهْنُ وَالضَّمَانُ وَالْكِتَابَةُ ، وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَا خِيَارَ فِيهَا أَوْ إسْقَاطَهُ فِي جِهَةِ الِاخْتِيَارِ بَطَلَتْ .
- وَمَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَهُنَا ( تَنْبِيهَاتٌ ) : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْحَقِيقَةِ ثُلَاثِيَّةٌ : لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، جَائِزٌ مِنْهُمَا ، لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ ، وَأَمَّا الرَّابِعُ ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَازِمًا وَلَا جَائِزًا ، فَعَقِيمٌ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ الْعَاقِدُ إمَّا أَنْ يَمْلِكَ فَسْخَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا ( أَوْ لَا ) فَالْأَوَّلُ الْجَائِزُ وَالثَّانِي اللَّازِمُ .
وَلِهَذَا شُرِعَ فِيهِ الْخِيَارُ وَالْإِقَالَةُ دُونَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ عَزَلَ الْقَاضِي نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ ، إلَّا بِعِلْمِ مَنْ قَلَّدَهُ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ، وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إعْلَامِ الْإِمَامِ ، وَإِعْفَائِهِ .
الثَّالِثُ : مِنْ حُكْمِ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ وَالْجَائِزُ قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَكَالْجَعَالَةِ تُعْقَدُ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ .
وَاللَّازِمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ
خِيَارٌ مُؤَبَّدٌ ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِمَا أَوْ ( بِمَوْتِ ) أَحَدِهِمَا أَوْ بِجُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ ، وَالْجَائِزُ بِخِلَافِهِ .
نَعَمْ إنْ كَانَ الْجَائِزُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ انْفَسَخَ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ .
وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَتَبْطُلُ بِجُنُونِ السَّيِّدِ ، وَإِغْمَائِهِ دُونَ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ جِهَتِهِ ، وَمَصِيرُهَا إلَى اللُّزُومِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا يُعْجِزُ نَفْسَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ لَمْ يُؤَثِّرْ جُنُونُهُ .
الرَّابِعُ : مَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ ؟ لِأَنَّ كُلَّ جَائِزٍ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا لَمْ يَتَفَاسَخَا .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْمُرَادَ آيِلٌ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لَا بِفِعْلِ فَاعِلٍ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ ابْتِدَاءً إلَى أَنْ يُرِيدَ دَفْعَهَا .
( الْخَامِسُ ) : الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الْآخَرِ امْتَنَعَ ، وَصَارَتْ لَازِمَةً ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ : لِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ ( وَغَيْرِهِ ) .
قُلْت وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارَضِ ، وَقَدْ قَالُوا فِي ( الْعَامِلِ ) إذَا فُسِخَ الْقِرَاضُ : عَلَيْهِ التَّقَاضِي وَالِاسْتِيفَاءُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ نَاقِصٌ ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ كَامِلًا فَلْيُرَدَّ ، كَمَا أُخِذَ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالُ وَيَعْلَمَ بِهِ الْمَالِكُ ، وَجَوَّزُوا لَهُ الْبَيْعَ بِعِوَضٍ وَيَشْتَرِي بِهِ ( الصِّحَاحَ ) ، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهُ .
الِاعْتِبَارُ الثَّانِي الْعَقْدُ إمَّا مَالِيٌّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ أَوْ حُكْمًا كَالْإِجَارَةٍ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَمْوَالِ .
وَمِثْلُهُ الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ أَوْ غَيْرُ مَالِيٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، كَمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَفَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ ( الْإِغْرَاءِ ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ ، وَكَعَقْدِ الْقَضَاءِ .
أَوْ مَالِيٌّ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ ، وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْجِزْيَةِ .
وَغَيْرُ ( الْمَالِيِّ ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَشَدُّ لُزُومًا مِنْ الْمَالِيِّ فِيهِمَا إذْ يَجُوزُ فِي الْمَالِيِّ فَسْخُهُ ( بِعَيْبٍ ) فِي الْعِوَضِ ، كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ ، وَغَيْرِ الْمَالِيِّ ) لَا يُفْسَخُ أَصْلًا ، إلَّا ( لِحُدُوثِ ) مَا يَمْنَعُ الدَّوَامَ .
وَيَنْقَسِمُ الْمَالِيُّ إلَى مَحْضٍ وَغَيْرِهِ ، فَيَقُولُونَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ ، فَالْمَحْضَةُ ( الَّتِي ) يَكُونُ الْمَالُ فِيهَا مَقْصُودًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَالْمُعَاوَضَةُ غَيْرُ الْمَحْضَةِ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ إلَّا فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ ( نَحْوَ إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ ) .
الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْعِوَضُ فِي عَقْدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لَا تُبْطِلُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ ( مَرَدًّا ) مَعْلُومًا وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَجْهُولِ كَالْعِوَضِ فِي الْمُضَارَبَةِ ( وَالْمُسَاقَاةِ ) .
وَهُنَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : هَلْ يُكْتَفَى بِالْعِلْمِ الطَّارِئِ فِي حَرِيمِ الْعَقْدِ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( أَحَدُهَا ) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ قَطْعًا وَهُوَ الْقِرَاضُ وَالْقَرْضُ .
( وَالثَّانِي ) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ ، كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ يُعْلَمُ ( مِمَّا ) بَعْدُ كَالْبَيْعِ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ وَنَحْوَهُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِمَعْرِفَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ إذَا حَصَلَتْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ ، وَلَمْ يَحْكُوا مِثْلَهُ فِي الْقِرَاضِ ، لِأَنَّهُ لَا حَرِيمَ لَهُ .
( الثَّالِثُ ) مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ كَالشَّرِكَةِ ( لَا ) يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ النِّسْبَتَيْنِ فِي الْمَالِ ( الْمُخْتَلَطِ ) مِنْ كَوْنِهِ مُنَاصَفَةً أَوْ مُثَالَثَةً فِي الْأَصَحِّ ، إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ بُعْدٍ .
ثَانِيهِمَا : هَلْ يَكْفِي مُعَايَنَةُ الْحَاضِرِ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ ؟ هُوَ عَلَى ( ثَلَاثَةِ ) أَقْسَامٍ أَحَدُهَا : مَا يَكْفِي قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ .
الثَّانِي : مَا يَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ كَالسَّلَمِ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَطْرُقُهُ غَالِبًا ، وَحَيْثُ اتَّفَقَا وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ صُدِّقَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ، وَفِي الْإِجَارَةِ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَكْفِي قَطْعًا ، وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ دَفْعًا لِجَهَالَةِ الرِّبْحِ ، وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ لَا يَصِحُّ جُزَافًا لِئَلَّا يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الرَّدُّ ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَاضِرَ الْمَجْهُولَ الْقَدْرِ يُكْتَفَى بِهِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ قَطْعًا ، وَلَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِرَاضِ ، وَلَا الْقَرْضُ قَطْعًا ، وَفِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَرَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ قَوْلَانِ ، وَفِي الْأُجْرَةِ طَرِيقَانِ إنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يُشْتَرَطْ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ قَطْعًا ، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّلَمِ جَرَى الْقَوْلَانِ .
وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ( الْمُعَاوَضَاتِ ) الَّتِي لَا يَطْرُقُهَا الْفَسْخُ غَالِبًا لَا تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْحَاضِرِ ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ الْحَاضِرِ ، وَمَا كَانَ يَطْرُقُهُ الْفَسْخُ ( وَيَحْتَاجُ ) إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ( وَلَمْ ) يُعْقَدْ لِيُفْسَخَ فَفِيهِ الْخِلَافُ .
الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ( لَفْظًا ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، إلَّا إذَا ( اكْتَفَيْنَا ) بِالْمُعَاطَاةِ ، وَإِلَى مَا يُشْتَرَطُ ( فِيهِ ) الْإِيجَابُ وَيَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ تَصَرُّفًا كَالْوَكَالَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ وَالْجَعَالَةُ ، وَإِلَى مَا يَكْفِي فِيهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ الْعَارِيَّةُ فَيَقُولُ : أَعَرْتُك فَيَتَنَاوَلُهُ أَوْ يَقُولُ : أَعِرْنِي فَيُنَاوِلُهُ ، وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ ، وَكُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فَعَلَى الْفَوْرِ ، إلَّا الْوَصِيَّةَ فِي الْأَصَحِّ .
الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَرِدُ عَلَى ( الْعَيْنِ قَطْعًا ) كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ ، وَإِلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْمَنَافِعِ ( فِي ) الْأَصَحِّ كَالْإِجَارَةِ .
وَلِهَذَا قَالُوا : هِيَ : تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ ، ( وَقَالَ ) أَبُو إِسْحَاقَ : الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ؛ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا الْمَنْفَعَةَ ، وَزَعَمَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ إجَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ .
( وَمِنْ ) ذَلِكَ النِّكَاحُ وَفِيهِ خِلَافٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ ( صَاحِبُ الْمُحِيطِ ) أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْبُضْعِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُسْتَوْفَاةُ أَوْ عَيْنُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ شَرْطٌ ( فِي ) صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ، ( وَالْحَقُّ ) أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا نَفْسَ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لَهُ .
الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ ( مَا ) كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ .
وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ ( عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَغْرَبَ الْمَرْعَشِيُّ وَالْجَوْرِيُّ فَحَكَيَا قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ ) عَلَى مُعَيَّنٍ ، وَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، كَالرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ إلَّا بِإِقْبَاضِهِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَكُونُ الزَّوَائِدُ قَبْلَهُ لِلْوَاهِبِ ، وَكَذَا الْقَرْضُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْأَصَحِّ ، وَالثَّانِي بِالتَّصَرُّفِ ، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهَا هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إبَاحَةٌ فَلَا تُمْلَكُ كَطَعَامِ الضَّيْفِ ثُمَّ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يَضِيقُ فِيهِ ؛ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَيَكُونُ مِنْ ( الْجَانِبَيْنِ كَالرِّبَوِيَّاتِ ) وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالسَّلَمِ فَإِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَطَلَ .
وَأَيْضًا فَمِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ وَلَا يَكْفِي الْحُكْمِيُّ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ ، وَلِهَذَا لَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ وَلَا الْإِبْرَاءُ .
وَمِنْهُ مَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ ، كَمَا إذَا أُثْبِتَ صَيْدٌ ، وَوَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ [ لَهُ ] بَيْعُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ إذَا أَفْلَتَهُ كَانَ فِي قَبْضِهِ حُكْمًا .
وَمِنْهُ الْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ الْأَخْذِ ، إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ جَوَازَ بَيْعِهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ .
وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ السِّيَرِ إنَّ أَفْرَازَ الْإِمَامِ لَا يُمْلَكُونَ ( بِهِ ) قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ ( السَّلَمِ ) : يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، وَيَتَعَيَّنُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ اكْتَفَيْنَا بِهَذَا الْمُمْكِنِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ أَنَّ ( السَّلَمَ ) لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ .
وَلَوْ رَجَعَ الْأَبُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مَلَكَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَلِهَذَا كَانَ ( لَهُ بَيْعُهُ ) قَبْلَ اسْتِرْدَادِهِ .
( تَنْبِيهٌ ) : مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ مُعْتَبَرًا ؛ لِلُزُومِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ لَا لِانْعِقَادِهِ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ ( خِيَارِ ) الْمَجْلِسِ فِيهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ كَالْهِبَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهَا ( لَا يُوصَفُ قَبْلَ ) الْقَبْضِ بِهِبَةِ وَلَا عَدَمِهَا ، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آثَارَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وُجِدَتْ هُنَاكَ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحُرْمَةِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ ( التَّقَابُضِ ) ، وَالْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ ( وَعَدَمُهُ ) بِخِلَافِ عَقْدِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ لِفَرْقٍ ضَعِيفٍ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ فَلَا عَقْدَ ، وَمَنْ تَجَوَّزَ وَقَالَ : بَطَلَ الْعَقْدُ ، فَهُوَ كَمَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُخَاطَبُ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَهَذَا بُطْلَانُ مَا لَمْ يَتِمَّ لَا بُطْلَانُ مَا تَمَّ .
الِاعْتِبَارُ السَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى ( مَا يُوجَدُ ) فِيهِ مَقْصُودٌ وَاحِدٌ وَإِلَى مَا يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَصَاعِدًا كَبَيْعِ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ ( وَكَبَيْعِ ) رَأْسِ الْجِدَارِ أَوْ سَطْحِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ ( شَوْبَ ) بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ ، أَمَّا الْبَيْعُ فَلِلتَّأْبِيدِ ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّ ( الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَنْفَعَةٌ ) ( فَقَطْ ) وَمِنْهُ الْقِرَاضُ قَالَ الْمُتَوَلِّي ابْتِدَاؤُهُ يُشْبِهُ الْوَكَالَةَ بِالْجُعْلِ وَانْتِهَاؤُهُ يُشْبِهُ الشَّرِكَةَ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ ، وَيُشْبِهُ الْجَعَالَةَ إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ ( بِالْقِسْمَةِ ) وَلَوْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ مَالِك قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : قَرْضٌ فِيهِ وَكَالَةٌ ، وَالثَّانِي : وَكَالَةٌ فِيهَا قَرْضٌ .
( وَقَالَ ) غَيْرُهُ ( : الشِّرَاءُ ) فَاسِدٌ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا ، وَقَالَ : أَقْرَضْتُك ( وَمَهْمَا ) فَتَحَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ كَانَ بَيْنَنَا فَعَلَى وَجْهٍ قَرْضٌ فَاسِدٌ ( وَعَلَى وَجْهٍ قِرَاضٌ فَاسِدٌ ) ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ .
الِاعْتِبَارُ الثَّامِنُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِلَى مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ( وَهُوَ الْفَاسِدُ ) وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ ، إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلَيْهَا الْمَقْصُودَ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا الْعَقْدَ فِي الْأَصَحِّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا : يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ فِي الْحَالِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَفَاسِدُهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْإِذْنِ ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُولُ بِفَسَادِهَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ إلَّا مُقَيَّدَةً ( بِالْفَاسِدِ ) .
وَالثَّانِي : اللَّازِمَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا ( لَا ) يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ فِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ ، وَإِلَى مَا يَتَمَكَّنُ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا قُلْتُمْ إنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِذْنِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إذَا ( فَسَدَتْ ) قِيلَ : لَا يَصِحُّ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ( الْبَيْعَ ) وُضِعَ لِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْإِذْنِ ، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْمِلْكِ لَا مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِذْنِ .
( وَثَانِيهِمَا ) : أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ عِوَضِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ انْتَفَى الْإِذْنُ ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ .
الِاعْتِبَارُ التَّاسِعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى الْعَيْنِ عَقْدَانِ لَازِمَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ بِاعْتِبَارَيْنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَقْدِ ضَرْبَانِ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ لُزُومِ الْأَوَّلِ وَإِتْمَامِهِ ، فَهُوَ إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ الْبَائِعِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ ( فِي ) زَمَنِ الْخِيَارِ ، أَوْ آجَرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَهُوَ فَسْخٌ ، وَإِمْضَاءٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي هَذَا ( إذَا قَبَضَهُ ) فَلَا يَصِحُّ ( بَيْعُ ) الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَلَوْ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْأَصَحِّ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لُزُومِهِ وَتَمَامِهِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ( إبْطَالٌ ) لِحَقِّ الْأَوَّلِ ( لَغَا ) ، كَمَا ( إذَا ) رَهَنَ دَارِهِ ، ثُمَّ بَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، وَكَذَا لَوْ آجَرَهَا مُدَّةً ( يَحِلُّ ) الدَّيْنُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ( إبْطَالٌ ) لِلْأَوَّلِ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ ( آخَرَ ) يَصِحُّ ، فَإِنَّ مَوْرِدَ الْبَيْعِ الْعَيْنُ وَالْإِجَارَةُ الْمَنْفَعَةُ ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ : إنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ الْعَيْنُ ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ قَطْعًا ، كَمَا لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَتَبْقَى فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ وَيَتَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي إنْ جَهِلَ وَلَا أُجْرَةَ ( لَهُ ) الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا كَانَ ( مَوْرِدُهُمَا ) مُخْتَلِفًا صَحَّ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ صَحَّ ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ( فِي ) الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا يَصِحُّ ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، قَالُوا : لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَسَقَطَ الْأَضْعَفُ بِالْأَقْوَى ، وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي
الْإِجَارَةِ ، وَكَمَا ( لَوْ ) رَهَنَهُ دَارًا ( ثُمَّ آجَرَهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ ، قَالَ : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ ) ( مُكْرًى ) مِنْهُ ثُمَّ رَهْنَهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ غَيْرِ الْآخَرِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَالرَّهْنَ عَلَى الرَّقَبَةِ .
وَإِنْ كَانَ مَوْرِدُهُمَا وَاحِدًا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ ؛ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا آخَرَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ ، وَالْأَصَحُّ كَمَا ( قَالَهُ ) الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ : إنَّهُ يَجُوزُ ، وَيَكُونُ الِاسْتِئْجَارُ مِنْ حِينِ يَتْرُكُ الِاسْتِمْتَاعَ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ تِلْكَ الْمُدَّةُ ؛ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ عَمَلٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ .
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ امْتِنَاعُ اسْتِئْجَارِ الْعَكَّامِينَ ( عَلَى ) الْحَجِّ .
وَهَذَا مِنْ قَاعِدَةِ شَغْلِ الْمَشْغُولِ وَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ( شَغْلِ ) الْفَارِغِ .
الِاعْتِبَارُ الْعَاشِرُ : لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ إلَّا ( شَيْئَيْنِ ) النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ ( كَذَا ) بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ .
الِاعْتِبَارُ الْحَادِيَ عَشَرَ : الْعُقُودُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَلِهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي وَاقِعَةٍ ، وَثَبَتَ ( عِنْدَهُ ذَلِكَ ) وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ فِي حُكْمِهِ ( أَنَّهُ يُعْمَلُ ) بِحُكْمِهِ إذَا كَانَ حَاكِمًا شَرْعِيًّا ، وَلَا يَتَوَقَّفُ إلَى حَيْثُ ( يَثْبُتُ ) أَنَّ حُكْمَهُ وَفْقَ الشَّرَائِطِ ، قَالَ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَبْعَدُ دَرَجَةً مِنْ ( الَّتِي ) قَبْلَهَا ( إلَّا أَنَّ ) الَّتِي قَبْلَهَا ( تَشْتَرِكُ ) مَعَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا فِي كَوْنِهَا ( عَقْدًا ) .
الْعَمَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلُ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) { أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِهَذَا كَانَ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ مِنْ وَصْلِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ الْمُزَنِيّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَفْرَادِ ( بِأَنَّ ) مَا كَثُرَ عَمَلُهُ كَانَ أَفْضَلَ ثَوَابًا ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْضُلُهُ إذَا حَجَّ فِي سَنَةٍ وَاعْتَمَرَ فِي أُخْرَى .
وَقَدْ يَفْضُلُ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي صُوَرٍ : أَحَدُهَا الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ ( عَلَى الْمَشْهُورِ ) إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ ، وَقَدْ يَفْضُلُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْقَصْرِ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ الطَّوِيلِ ، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ كَذَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
{ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ } الثَّانِيَةُ : الضُّحَى إذَا قُلْنَا : أَكْثَرُهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ فَإِنْ فِعْلَهَا ثَمَانِيًا أَفْضَلُ ؛ لِأَجْلِ التَّأَسِّي بِفِعْلِ النَّبِيِّ .
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةُ : الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ ، وَفَرْضُ الْخِلَافِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ ( وَبَيْنَ الثَّلَاثِ ) ، وَالْإِحْدَى عَشْرَةَ ، ( وَقَالَ : لَمْ ) يَصِرْ أَحَدٌ إلَى تَفْضِيلٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ ، بَلْ حَمَلُوا الْأَحَادِيثَ فِيهِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ .
الرَّابِعَةُ : الصَّلَاةُ مَرَّةً فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً .
الْخَامِسَةُ : رَكْعَةُ الْوِتْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ( عَلَى ) الْجَدِيدِ ، بَلْ مِنْ ( التَّهَجُّدِ ) فِي اللَّيْلِ ، وَإِنْ
كَثُرَتْ رَكَعَاتُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ : وَلَعَلَّ سَبَبَ الْفَضْلِ انْسِحَابُ ، حُكْمِهَا عَلَى مَا تَقَدُّمِهَا .
السَّادِسَةُ : تَخْفِيفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِهِمَا .
السَّابِعَةُ : صَلَاةُ الْعِيدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَشَقُّ وَأَكْثَرُ عَمَلًا ، ( إلَّا أَنَّ ) وَقْتَ ( صَلَاةِ ) الْعِيدِ ( فِيهِ ) شَرَفٌ فَكَانَ تَعْظِيمُهُ أَرْجَحَ مِنْ مَشَقَّةِ كَثْرَةِ الْعَمَلِ فِي الْكُسُوفِ ؛ وَلِأَنَّ الْعِيدَ مُؤَقَّتٌ فَأَشْبَهَ الْفَرَائِضَ بِخِلَافِ الْكُسُوفِ ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِسَبَبٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ .
الثَّامِنَةُ : التَّصَدُّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ أَكْلِ لُقَمٍ يَتَبَرَّكُ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا .
التَّاسِعَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ( بِثَلَاثِ غُرَفٍ ) أَفْضَلُ مِنْ الْفَصْلِ ( بَيْنَهُمَا ) بِسِتِّ غَرَفَاتٍ .
الْعَاشِرَةُ : قِرَاءَةُ سُورَةٍ ( قَصِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ ) أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ سُورَةٍ ، وَإِنْ طَالَتْ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَاقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ تُخَالِفُهُ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبًا وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ الْبَعْضُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ ، قِرَاءَةُ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ ، وَقِرَاءَةُ الْآيَتَيْنِ مِنْ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ } فَإِنَّا نَقُولُ : فِي التَّأَسِّي بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَرْبُو عَلَى هَذِهِ الْحَسَنَاتِ ، وَلِهَذَا نَقُولُ : ( قِرَاءَةُ الْبَعْضِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مَا عَدَا سُورَتَيْ ) الْإِخْلَاصُ ( وَالْكَافِرُونَ ) .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : تَفْضُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَعَ قَصَرِ رَكَعَاتِهَا عَلَى سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا الْوُسْطَى ، وَكَذَلِكَ ( الْعَصْرُ
عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا الْوُسْطَى مَعَ أَنَّهَا أَقْصَرُ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ ) رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى مِثْلِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ ( أَنْكَرَ إطْلَاقَ ) كَوْنِ الشَّاقِّ أَفْضَلُ ، وَقَالَ إنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ الثَّوَابُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } .
وَضَابِطُ الْفِعْلِ الشَّاقِّ الْمُؤْجَرِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ : إذَا اتَّحَدَ الْعَمَلَانِ فِي الشَّرَفِ ، وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي ( أَجْرَيْهِمَا ) ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ ( وَانْفِرَادُ ) أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ ؛ لِأَجْلِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لَا عَلَى غَيْرِ الشَّاقِّ ، وَذَلِكَ كَالِاغْتِسَالِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ وَيَزِيدُ أَجْرُ الِاغْتِسَالُ فِي الشِّتَاءِ بِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ ، فَلَيْسَ التَّفَاوُتُ فِي نَفْسِ الْعَمَلَيْنِ ، بَلْ فِيمَا لَزِمَ عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِلِ فِي قَاصِدِ الْمَسَاجِدِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ ، وَآخَرُ مِنْ بَعِيدَةٍ فَإِنَّ ثَوَابَهُمَا ( يَتَفَاوَتُ ) بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ ، وَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك أَوْ قَالَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك } ، فَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالنَّفَقَةِ فَوَاضِحٌ فَإِنَّ مَا ( يُنْفَقُ ) فِي طَاعَةِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى قَدْرِ ( تَحَمُّلِ ) نَصَبِك ، وَقَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) : بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُ الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِي .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَسَاوَ الْعَمَلَانِ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ أَشَقِّهِمَا بِدَلِيلِ الْإِيمَانُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَعَ
سُهُولَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ ، وَكَذَلِكَ الذِّكْرُ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَكَذَلِكَ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ مَعَ طِيبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْ ( إعْطَائِهَا ) ( مَعَ ) الْبُخْلِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ ، ( وَكَذَلِكَ ) جَعَلَ ( النَّبِيُّ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمَاهِرَ ) بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفْرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَجَعَلَ ( لِلَّذِي ) يَقْرَأَهُ ، وَيُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ ( أَجْرَيْنِ ) قُلْت ( وَلِذَلِكَ ) أَجَابَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا لَمَّا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُشْرَعُ لَهُ وَجْهُ بِرٍّ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَآخَرُ يُشْرَعُ لَهُ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ } .
وَ ( هَذَا ) ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْمُكْرِهِ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ ( عَمَلَيْنِ ) ( جِهَادًا وَطَاعَةً ) أُخْرَى ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ ، وَخَالَفَهُمْ ( الْجُنَيْدُ ) فِي جَمَاعَةٍ فَقَالُوا : الْبَاذِلُ لِذَلِكَ طَوْعًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ .
الثَّانِي : إذَا تَعَارَضَ الْعَمَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ فِي نَفْسِهِ وَالْآخَرُ أَكْبَرَ عَدَدًا فَلَا تُطْلَقُ أَفْضَلِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ ( أَفْضَلُ مِنْ التَّضْحِيَةُ بِشَاتَيْنِ ) هَزِيلَتَيْنِ ، وَالِاسْتِكْثَارُ فِي الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ( اسْتِكْثَارِ الْعَدَدِ ) ، وَفِي الْعِتْقِ بِعَكْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا ( اللَّحْمُ ) ( وَالسِّمَنُ ) أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعِتْقِ ( التَّخَلُّصُ ) مِنْ الرِّقِّ ، وَتَخْلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ .
وَمِثْلُ الْأُضْحِيَّةُ الْهَدْيُ وَالْعَقِيقَةُ ، وَفِي ( سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثٌ فِي تَفْضِيلِ الْبَدَنَةِ السَّمِينَةِ ) نَعَمْ لَوْ لَمْ يَجِدْ فِي الْعَقِيقَةِ لِلذِّكْرِ إلَّا ثَمَنَ شَاةٍ سَمِينَةٍ ( قِيمَةُ ) مَهْزُولَتَيْنِ ، فَهَا هُنَا شِرَاءُ الْمَهْزُولَتَيْنِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَقْصُودٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ( يُشْكِلُ ) فِي الْعِتْقِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا } .
وَمِنْهَا إذَا تَعَارَضَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، وَصَلَاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثٌ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا التَّسْوِيَةُ ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَدَبُّرٍ ( وَالْآخَرُ ) يَقْرَأُ سُوَرًا عَدِيدَةً فِي ذَلِكَ ( الزَّمَنِ ) وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ ( الْمُتَفَكِّرِ ) عَلَى الْمُسْرِعِ .
وَمِنْهَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ قِيَامٍ أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ قُعُودٍ .
الثَّالِثُ الْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ وَغَيْرُهُمْ بِتَفْضِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مُنَازَعَةٌ لِمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي تَعَارُضِ الْفَرْضَيْنِ .
وَاسْتَنْبَطَ ( ابْنُ حِبَّانَ ) فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ } أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى بِأَذَانِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ أَنْكَرَ هَذَا الْإِطْلَاقَ أَيْضًا وَقَالَ : قَدْ يَكُونُ الْقَاصِرُ أَفْضَلَ كَالْإِيمَانِ ، وَقَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّسْبِيحَ عَقِبَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ : { خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ } .
{ وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ } وَهَذِهِ كُلُّهَا قَاصِرَةٌ .
قُلْت : إلَّا الْجِهَادَ ثُمَّ اخْتَارَ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ ( فَضْلَ ) الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ الْمَصَالِحِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا فَتَصَدُّقُ الْبَخِيلِ بِدِرْهَمٍ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ ، وَصِيَامِ أَيَّامٍ .
الرَّابِعُ الْعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلَى قَلْبِيٍّ وَبَدَنِيٍّ وَالْقَلْبِيُّ أَفْضَلُ ، وَمِنْ شَرَفِهِ أَنَّهُ لَا ( يَدْخُلُهُ ) الرِّيَاءُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ ، وَالرِّيَاءُ آفَةُ كُلِّ عِبَادَةٍ .
قَالَ الْحَلِيمِيُّ : ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ( إذَا لَمْ يُعْمَلْ لِمُجَرَّدِ ) التَّقَرُّبِ بِهِ إلَيْهِ ( وَابْتِغَاءِ ) رِضَاهُ حَبَطَ وَلَمْ يَسْتَوْجِبْ ثَوَابًا إلَّا ( أَنَّ ) فِيهِ تَفْصِيلًا ، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ ( إذَا ) كَانَ فَرْضًا فَمَنْ أَدَّاهُ ، وَأَرَادَ بِهِ الْفَرْضَ غَيْرَ أَنَّهُ أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ؛ لِيَقُولَ ( النَّاسُ ) : إنَّهُ فَعَلَ كَذَا لَا طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ ، وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يُعَاقَبْ بِمَا يُعَاقَبُ بِهِ تَارِكُهُ أَلْبَتَّةَ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ ثَوَابًا ، وَإِنَّمَا ثَوَابُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَفَعَلَهُ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ النَّاسِ ، فَإِنَّ أَجْرَهُ يَحْبَطُ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ عَمَلِهِ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ ، كَمَا حَصَّلَ الْأَوَّلُ سُقُوطَ الْفَرْضِ ثُمَّ الْعِقَابَ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) .
الْخَامِسُ الْوَاجِبُ يَفْضُلُ الْمَنْدُوبَ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبْعِينَ لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ } .
وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمَنْدُوبَ قَدْ يَفْضُلُ الْوَاجِبَ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَأَخْرَجَهَا ، وَتَطَوَّعَ بِشَاتَيْنِ فَإِنَّ الشَّاتَيْنِ أَفْضَلُ ، وَكَذَلِكَ إبْرَاءُ الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ لِلْفُقَرَاءِ " بِالشَّاتَيْنِ " أَوْسَعُ ، وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ وَالصَّوَابُ طَرْدُ الْقَاعِدَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ { سَبَقَ دِرْهَمٍ مِائَةَ أَلْفٍ } مَعَ أَنَّ التَّوْسِعَةَ بِالْأَلْفِ أَعْظَمُ مِنْهَا بِالْوَاحِدِ .
عِلَّةُ الْحُكْمُ إذَا زَالَتْ وَخَلَفَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى " اسْتَنَدَ " " الْحُكْمُ إلَى الثَّانِيَةِ وَلَغَتْ " الْأُولَى " .
وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَفَرَّقَ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا ثُمَّ قَامَتْ " بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ " بِرَضَاعٍ فَلَا رُجُوعَ وَمِنْهَا لَوْ قَذَفَهُ فَزَنَى سَقَطَ الْحَدُّ ، نَعَمْ لَوْ جَرَحَهُ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، وَمَاتَ لَمْ يَسْقُطْ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ .
الْعَوْلُ زِيَادَةُ السِّهَامِ وَالرَّدُّ : نَقِيضُهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : الْفَلَسُ وَالْفَرَائِضُ وَالْوَصَايَا إذَا أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ لِزَيْدٍ " وَبِنِصْفِ " مَالِهِ لِعَمْرٍو وَبِنِصْفِ مَالِهِ لِبَكْرٍ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .
وَيَجِيءُ فِي رَابِعٍ وَهُوَ الْوَقْفُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ، " لِزَيْدٍ " نِصْفُهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا فَيَأْتِي فِيهِ الْعَوْلُ ، وَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَهَا فَيَأْتِي فِيهِ الرَّدُّ وَهُوَ غَرِيبٌ .
وَيَجِيءُ الْعَوْلُ فِي خَامِسٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً أَنْصَافِ طَلْقَةٍ فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ مُضَافَةً إلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثَةُ أَجْزَاءِ طَلْقَةٍ فَتَقَعُ طَلْقَةً .
وَلَوْ خَلَّفَ أَلْفًا فَادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَآخَرُ الْأَلْفَ دَيْنًا " فَصَدَّقَهُمَا " ، فَإِنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الدَّيْنَ أَوَّلًا فَذَاكَ ، أَوْ مُدَّعِي الْوَصِيَّةَ " فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ ؛ لِتَقَدُّمِهَا .
وَالثَّانِي الدَّيْنُ كَمَا هُوَ وَضْعُ الشَّرْعِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مَعًا فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرَيْنِ أَنَّهُ يُقَسِّمُ الْأَلْفَ أَرْبَاعًا إذْ يَحْتَاجُهَا لِلدَّيْنِ وَثُلُثُهَا لِلْوَصِيَّةِ " فَتَزَاحَمَا " عَلَى الْأَلْفِ .
فَيَخُصُّ الْوَصِيَّةَ بِثُلُثٍ عَائِلٍ وَهُوَ الرَّابِعُ ، وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : يُقَدَّمُ الدَّيْنُ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : وَهُوَ الْحَقُّ ، وَفِي هَذَا " الْفَرْعِ " لُغْزٌ ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَلَوْ عُدِمَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ وَمَنَعْنَا النَّقْلَ رُدَّ عَلَى الْبَاقِينَ وَقِيلَ يُنْقَلُ .
الْعُيُوبُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ - عَيْبُ " الْمَبِيعِ " وَهُوَ مَا " نَقَصَ " الْمَالِيَّةَ ، وَمِثْلُهُ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ .
الثَّانِي - عَيْبُ الْإِجَارَةِ " وَمَا " يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ تَأْثِيرًا يَظْهَرُ تَفَاوُتُ الْأُجْرَةِ بِهِ .
الثَّالِثُ - عَيْبُ الْغُرَّةِ كَالْبَيْعِ .
الرَّابِعُ - عَيْبُ الْكَفَّارَةِ مَا أَضَرَّ بِالْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ إضْرَارًا بَيِّنًا .
الْخَامِسُ - عَيْبُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْعَقِيقَةِ مَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ .
السَّادِسُ - عَيْبُ النِّكَاحِ مَا يُنَفِّرُ عَنْ الْوَطْءِ " يَكْسِرُ شَهْوَةَ التَّوَّاقِ " .
السَّابِعُ - عَيْبُ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَقَدْ تَعَيَّبَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ .
الثَّامِنُ - عَيْبُ الزَّكَاةِ قِيلَ كَالْأُضْحِيَّةِ .
الْعَيْبُ الْحَادِثُ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرَّدَّ إلَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ ، وَمِنْهُ " التَّصْرِيَةُ فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ إذْ لَا " يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا " بِالْجَلْبِ .
" " الْعَيْبُ الْمُوجِبُ لِفَسْخِ النِّكَاحِ إذَا عَلِمَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَا خِيَارَ لَهَا إلَّا الْعُنَّةَ فِي الْأَصَحِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْبَرَصُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُمْكِنُ زَوَالُهُ .
الْغَايَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ قَدْ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ ، إذَا قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إلَى هَذَا الْجِدَارِ لَا تَدْخُلُ الْجُدْرَانُ فِي الْبَيْعِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْبَيْعِ " .
وَيَدْخُلَانِ فِي الطَّلَاقِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى " ثِنْتَيْنِ " يَقَعُ " الطَّلَاقُ " عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَمِثْلُهُ الضَّمَانُ فِي ضَمِنْتُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ " تِسْعَةً " وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمُحَرَّرُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ " مِنْ " الْإِقْرَارِ .
وَلَوْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ أَعْطُوهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ فَعَلَى أَوْجُهِ الْإِقْرَارِ ، وَحَكَى " الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ " أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْحِسَابَ فَلِلْمُوصَى لَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ؛ لِأَنَّهُ الْحَاصِلُ مِنْ " جَمْعِ " وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةِ عَلَى " تَوَالِي " الْعَدَدِ .
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْحِسَابَ أُعْطِيَ الْمُتَيَقَّنُ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَيَنْبَغِي طَرْدُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ الْمُمْكِنِ فِيهَا .
غَالِبُ الْبَلَدِ يُعْتَبَرُ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ عَنْ " الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ " ، الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ ، الْكَفَّارَاتُ الْمَرْتَبَةُ وَالْمُخَيَّرَةُ ، زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ ، نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ ، إبِلُ الدِّيَةِ " عَلَى " الْجَانِي وَالْعَاقِلَةِ ، تَقْوِيمُ " الْمُتْلَفِ " إنَّمَا يَكُونُ بِغَالِبِ الْبَلَدِ كَمَا " قَالَهُ " الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ .
غَرِيمُ الْغَرِيمِ جَعَلُوهُ كَالْغَرِيمِ فِيمَا لَوْ ظَفِرَ بِمَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ لَهُ أَخْذُهُ .
وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كَهُوَ فِيمَا لَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُفْلِسُ لَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَصَحِّ .
الْغُسْلُ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا شُرِعَ " لِسَبَبٍ " مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ .
وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوَهُ .
وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ .
قُلْت وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ .
غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْم غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ ، وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ الْغُسْلُ لِلْعِيدِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ .
الْفَاسِدُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ الْحَجَّ وَالْخُلْعَ وَالْكِتَابَةَ وَالْعَارِيَّةَ ، وَصُورَةُ الْحَجِّ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَجِيءُ عَلَى وَجْهٍ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ مُجَامِعٌ .
وَحُكْمُ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ " فِيهِ " ، بِخِلَافِ الْبَاطِلِ كَالرِّدَّةِ .
وَصُورَةُ الْخُلْعِ الْفَاسِدِ " أَنَّهُ يُوجِبُ " الْبَيْنُونَةَ وَيُفْسِدُ الْمُسَمَّى ، وَالْبَاطِلُ مَا أَسْقَطَ " الطَّلَاقَ " بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَسْقَطَ بَيْنُونَةً مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُلْغًى .
وَصُورَةُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مَا أَوْقَعَتْ الْعِتْقَ وَأَوْجَبَتْ عِوَضًا فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْبَاطِلَةُ مَا لَا تُوجِبُ عِتْقًا أَصْلًا أَوْ أَوْجَبَتْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعِوَضِ ، فَالْبَاطِلَةُ لَاغِيَةٌ وَالْفَاسِدَةُ تُشَارِكُ الصَّحِيحَةَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا .
وَصُورَةُ الْعَارِيَّةِ فِي إعَارَةِ النَّقْدِ " لِلتَّزْيِينِ " هَلْ تَصِحُّ ؟ وَجْهَانِ ، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ وَإِنْ فَسَدَتْ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَاسِدِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي لَا تُضْمَنُ ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ بَاطِلَةٌ .
وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ " أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ أَرْبَعَةً أُخَرَ ، وَهِيَ الْوَكَالَةُ وَالْإِجَارَةُ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ وَالْعِتْقُ ، وَنَحْتَاجُ لِتَصْوِيرِهَا ، فَالْوَكَالَةُ تَفْسُدُ بِالتَّعْلِيقِ وَيَسْتَفِيدُ بِهَا جَوَازَ التَّصَرُّفِ ، وَالْبَاطِلَةُ " لِاخْتِلَالِ " الْعَاقِدِ لَاغِيَةٌ ، كَتَوْكِيلِ الصَّبِيِّ وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ ، وَصُورَةُ الْعِتْقِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ سَوَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ افْتِدَاءٌ .
وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ : " إنَّهُ " لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى خَمْرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ فَفَعَلَ نَفَذَ الْعِتْقُ "
عَنْ " الْمُشْتَرِي ، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ الدَّمِ ، وَصُورَةُ الْجِزْيَةِ أَنْ تُعْقَدَ " بِإِخْلَالِ " شَرْطٍ وَحُكْمُهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَنَا سَنَةً " أَوْ أَكْثَرَ " وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَلَا يَجِبُ الْمُسَمَّى ، وَأَمَّا الْبَاطِلَةُ فَبِأَنْ يَعْقِدَهَا بَعْضُ الْآحَادِ مَعَ الذِّمِّيِّ ، فَإِذَا أَقَامَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ ، كَمَا لَوْ فَسَدَ عَقْدُ الْإِمَامِ ، وَأَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ ، وَصُورَةُ " الْإِجَارَةِ " .
الثَّانِي : فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ ، وَمَعْنَى " ذَلِكَ " أَنَّ مَا اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْعَمَلِ فِي الْقِرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَيَقْتَضِي فَاسِدُهُ " أَيْضًا الضَّمَانَ " ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَمَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالرَّهْنِ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ ، وَالتَّبَرُّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَقْتَضِيهِ فَاسِدُهُ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لَهُ هُوَ الْعَقْدُ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا الْيَدُ ؛ لِأَنَّهَا " إنَّمَا " جُعِلَتْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ حَالٍ ضُمِنَ " فِيهَا الْعَقْدُ " الصَّحِيحُ ضُمِنَ " فِي مِثْلِهَا الْفَاسِدُ " فَإِنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ لَا يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا يُضْمَنُ الْعَيْنُ بِالثَّمَنِ وَالْمَقْبُوضُ " بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ " فِيهِ " ضَمَانُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي " كَانَ فِي يَدِهِ " سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَمْ " تَلِفَتْ " تَحْتَ يَدِهِ ، وَالْمَهْرُ " فِي " النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْوَطْءِ ، " وَفِي الْإِجَارَةِ " الصَّحِيحَةِ تَجِبُ الْأُجْرَةُ " بِعَرْضِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ " وَتَمْكِينُهُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ " يَقْبِضْهُ " ، وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا تَجِبُ بِالْعَرْضِ ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا يَفْتَرِقَانِ عَلَى وَجْهٍ فِي الْقَبْضِ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ فَفِي الصَّحِيحَةِ يَضْمَنُ الْأُجْرَةَ وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا ، وَالْمَذْهَبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ .
وَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ صُوَرًا .
أَمَّا الطَّرْدُ " فَالْأُولَى " : إذَا قَالَ : قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةً فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ : إذَا سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ "
جَمِيعَهَا لِرَبِّ الْمَالِ فَكَالْقِرَاضِ " الثَّالِثَةُ : إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا أَوْ لِيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ مُدَّةً وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا ، فَالصَّحِيحُ فَسَادُهَا ثُمَّ إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ " لَا تُتَوَقَّعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ الْوَجْهَانِ فِي اشْتِرَاطِ الثَّمَرَةِ " كُلِّهَا لِلْمَالِكِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، قَالَ " وَهَكَذَا " إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ مَغْرُوسٍ وَقَدْرِ مُدَّةٍ لَا يُثْمِرُ " فِيهَا فِي الْعَادَةِ .
" الرَّابِعَةُ " : إذَا اسْتَأْجَرَ أَبُ الطِّفْلِ أُمَّهُ لِإِرْضَاعِهِ وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ لَمْ تَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي الْأَصَحِّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا اُسْتُؤْجِرَ الْمُسْلِمُ لِلْجِهَادِ وَقَاتَلَ وَقُلْنَا بِفَسَادِ " الْإِجَارَةِ " فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ " الْغَنِيمَةِ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ " وَلَمْ يَحْضُرْ مُجَاهِدًا ، وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى نَفْسِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ ؟ السَّادِسَةُ : إذَا قَالَ الْإِمَامُ لِمُسْلِمٍ : إنْ " دَلَلْتنِي " عَلَى قَلْعَةِ كَذَا فَلَكَ مِنْهَا جَارِيَةٌ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ ، كَمَا لَوْ جَرَى مَعَ كَافِرٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْجَعَالَةُ فَدَلَّ لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً .
السَّابِعَةُ : إذَا صَدَرَ عَقْدُ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَجَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْقَبُولَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْإِيجَابَ لَغْوٌ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا ، " وَقِيلَ " : لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ ، كَمَا لَوْ " فَسَدَ " عَقْدُ الْإِمَامِ .
قُلْت : وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْبَاطِلَةِ لَا الْفَاسِدَةِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ عَقْدٌ حَتَّى يُقَالَ : فَاسِدٌ ، " وَهَذَا " الْبَحْثُ يَطْرُقُ غَالِبَ " هَذِهِ " الصُّوَرِ ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهَا .
وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي
الْحُسَيْنُ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُنَاضَلَةَ ، فَإِنَّ صَحِيحَهُمَا مَضْمُونٌ بِالْمُسَمَّى ، وَفَاسِدَهُمَا لَا ضَمَانَ فِيهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِمَا وُجُوبُ الْأُجْرَةِ .
وَأَمَّا الْعَكْسُ فَصُوَرٌ .
مِنْهَا : الشَّرِكَةُ فَإِنَّ صَحِيحَهَا لَا يُوجِبُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا وَفَاسِدَهَا يُوجِبُهُ .
وَالْهِبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا وَالْفَاسِدَةُ تُضْمَنُ عَلَى وَجْهٍ نُقِلَ " تَرْجِيحُهُ " عَنْ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ .
وَلَوْ غَصَبَ عَيْنًا وَوَهَبَهَا أَوْ آجَرَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ " الْآخَرِ " كَانَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ " الْقَرَارُ " عَلَى الْغَاصِبِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدِ مَا يَشْمَلُ الْبَاطِلَ فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ إعَارَةِ النَّقْدِ وَإِجَارَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ إذَا قُلْنَا : يَبْطُلُ ، وَكَذَا الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ كَالصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ فَوَجَدَهُ تَالِفًا أَنَّ الْقَابِضَ يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبْضِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، لَكِنَّهُ " مُرَاعًى " ، نَعَمْ إذَا ظَهَرَ قَابِضُ الزَّكَاةِ " مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا " فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِكَوْنِ الْقَابِضِ " لَا " يَمْلِكُ بِهِ فَهَذَا مِنْ الْقَبْضِ الْبَاطِلِ لَا الْفَاسِدِ .
الثَّالِثُ : حُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا " فِي " التَّغَابُنِ فِيمَا يُحَطُّ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَقُلْنَا : لَا يَصِحُّ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي " مَاذَا " يَغْرَمُ ؟ " عَلَى " قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا ثَمَنُهُ ، وَالثَّانِي يُحَطُّ النَّقْصُ الْمُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ ، كَمَا إذَا " كَانَ " ثَمَنُهُ عَشْرَةً " وَيَتَغَابَنُ " فِيهِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِثَمَانِيَةٍ يَغْرَمُ تِسْعَةً وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ " الْبَاقِيَ " مِنْ الْمُشْتَرِي .
الرَّابِعُ : قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَشُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ " فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ : كُلُّ عَقْدٍ " بِمُسَمًّى " فَاسِدٍ يُسْقِطُ الْمُسَمَّى إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا عَقَدَ الْإِمَامُ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ " السُّكْنَى " بِالْحِجَازِ عَلَى مَالٍ " فَهَذِهِ " إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ ، فَلَوْ " سَكَنُوا " " سَنَةً " وَمَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَ الْمُسَمَّى لِتَعَذُّرِ إيجَابِ عِوَضِ الْمِثْلِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ " سَنَةً " لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَابَلَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ الْمُسَمَّى .
قُلْت : وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ " سَكَنُوا " بَعْضَ الْمُدَّةِ وَجَبَتْ الْحِصَّةُ مِنْ الْمُسَمَّى وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ .
وَيَلْتَحِقُ بِهَا صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ قَالَ : أَحْرِقْ ثَوْبِي أَوْ أَهْدِمْ دَارِي أَوْ أَتْلِفْ هَذَا الطَّعَامَ بِشَرْطِ أَنْ تَضْمَنَ ذَلِكَ " لِي " بِعَبْدٍ صِفَتُهُ ، كَذَا بِصِفَةِ السَّلَمِ فَإِنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَى الْإِتْلَافِ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى دُونَ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ دُونَ " الْمِثْلِ " فِيمَا لَهُ مِثْلٌ ، نَقَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ صَاحِبُ كِتَابِ جَوَاهِرِ التَّنْبِيهِ " .
وَمِنْهَا : لَوْ عَقَدَ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ لِجَمَاعَةٍ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهَذَا عَقْدٌ فَاسِدٌ ، ثُمَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ إذَا مَضَتْ السَّنَةُ ، إلَّا الْقَدْرَ الْمُسَمَّى دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ : لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ حَتَّى يُجَدِّدُوا عَقْدًا صَحِيحًا .
وَمِنْهَا : لَوْ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ الْعَامِلَ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ " قِيلَ " : يَجِبُ الْمُسَمَّى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ مَالِهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْإِجَارَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَذَلَ " الْمَالِكُ " طَعَامَهُ لِلْمُضْطَرِّ " " بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَالْأَقْيَسُ لُزُومُهُ ، وَقِيلَ : ثَمَنُ الْمِثْلِ وَقِيلَ : إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُضْطَرِّ " لِيَسَارِهِ لَزِمَتْهُ وَإِلَّا فَلَا
وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْأَخْذِ قَهْرًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَهُوَ مُحْتَارٌ فِي الِالْتِزَامِ فَيَلْزَمُهُ قَطْعًا .
الْخَامِسُ : الْفَاسِدُ لَا يُمْلَكُ فِيهِ شَيْءٌ " وَيَلْزَمُهُ " الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْبَدَلِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ عَلِمَ الْفَسَادَ وَكَذَا إنْ جَهِلَ فِي الْأَصَحِّ .
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ فِيهَا أَكْسَابَهُ .
الثَّانِيَةُ : إذَا صَالَحَنَا كَافِرًا بِمَالٍ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ وَأَقَامَ ، فَإِنَّا نَمْلِكُ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْفِرِنْجِ عَلَى " زِيَارَتِهِمْ " بَيْتَ لَحْمٍ " وَكَنِيسَةَ قُمَامَةَ " " فَإِنَّهُ " يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ ، كَمَا يَمْلِكُونَهُ بِالْمُصَالَحَةِ " عَلَى " دُخُولِ الْحَرَمِ .
السَّادِسُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ لَا يُوجِبُ الْمَالَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : الصَّدَاقُ وَالْخُلْعُ وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ إذَا عُلِّقَ فَسَدَ بِالتَّعْلِيقِ إلَّا فِي الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يَقُولَ : أَنْتَ حُرٌّ غَدًا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ ، وَكَذَا الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ " فِيمَا " لَوْ قَالَ : الْمَالِكُ لِغَيْرِهِ : عَبْدِي عَنْك حُرٌّ بِأَلْفٍ إذَا جَاءَ الْغَدُ ؛ فَقَالَ الْمُخَاطَبُ : قَبِلْت ؛ عَتَقَ وَهَلْ تَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ الْمُسَمَّى ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَتَعْلِيقِ الْخُلْعِ .
السَّابِعُ : لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِحُرَّةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : فِيهِ احْتِمَالٌ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَيْ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّامِلِ .
الثَّانِيَةُ : نِكَاحُ الشِّغَارِ وَهُوَ إذَا قَالَ : زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك ، وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الْأُخْرَى فَزَوَّجَهُ فَالنِّكَاحَانِ بَاطِلَانِ .
الثَّامِنُ : الْفَاسِدُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ كَالصُّوَرِ السَّابِقَةِ فِي الْحَجِّ وَالْكِتَابَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْخُلْعِ " وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ يَحْصُلُ الْعِتْقُ فِيهَا " بِالْأَدَاءِ " ، وَكَذَا الْوَكَالَةُ الْفَاسِدَةُ " يَنْفُذُ " التَّصَرُّفُ مِنْ الْوَكِيلِ فِيهَا ، وَكَذَا التَّسْمِيَةُ الْفَاسِدَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ كَالْخُلْعِ .
التَّاسِعُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْإِذْنِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ الْمَأْذُونِ صَحَّتْ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ إذَا أَفْسَدْنَاهَا فَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ صَحَّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ ، وَطَرَدَهُ الْإِمَامُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الْفَسَادِ ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ : لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ صَدَرَتْ الْإِجَارَةُ بِشَرْطٍ فَقَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إذَا صَحَّ انْصَرَفَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ ، وَهُوَ " بِمَثَابَةِ " الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ عِوَضٍ " لِلْوَكِيلِ " فَاسِدٍ ، " فَالْإِذْنُ " صَحِيحٌ وَالْعِوَضُ فَاسِدٌ ، " قَالَ " : وَهَذَا يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ فِيمَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ وَالْحَجُّ كَذَلِكَ .
قُلْت : " وَقَضِيَّةُ " جَرَيَانِهِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَلَوْ زَوَّجَ صَحَّ نَظَرًا لِبَقَاءِ الْإِذْنِ ، لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ يُخَالِفُهُ .
الْعَاشِرُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا إذَا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَجَبَ " عَلَيْهِ فَسْخُهُ " إذَا رُفِعَ إلَيْهِ ، وَهَلْ يَفْسَخُهُ قَبْلَ التَّرَافُعِ خِلَافٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَمْ يُعْطَ فِيهِ الْفَاسِدُ بَعْضَ حُكْمِ الصَّحِيحِ فَإِنْ أُعْطِيَ كَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْإِبْطَالُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ السَّيِّدِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : الْعَقْدُ الْفَاسِدُ تَعَاطِيهِ حَرَامٌ وَقَدْ سَبَقَ أَحْكَامُهُ " فِي حَرْفِ التَّاءِ " .
الثَّانِيَ عَشَرَ : لَا يَدْخُلُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : الْحَجُّ " يَحْنَثُ بِفَاسِدِهِ " كَصَحِيحِهِ .
وَمِنْهَا : إذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ ضَمِنْت لِي " خَمْرًا " فَأَنْتَ حُرٌّ فَضَمِنَهَا عَتَقَ قَالَهُ الْأَصْحَابُ عِنْدَ عِتْقِ أَمَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ " بِمَنْ حَلَفَ " لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ .
وَمِنْهَا : حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ وَهُوَ جُنُبٌ حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ .
وَمِثْلُهُ : حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ فَوَطِئَ فِي الدُّبُرِ حَنِثَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ حَنِثَ بِالْمِيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى وَجْهٍ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقَبْضُ الْفَاسِدُ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا " فِيمَا " إذَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ إذْنٍ " فَيَبْرَأُ " إلْغَاءً لِلْفَاسِدِ وَإِعْمَالًا لِلصَّحِيحِ ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ : إحْدَاهُمَا : لَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَقَالَ : اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِي عَلَيْهِ لِنَفْسِك فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الدَّافِعِ عَنْ دَيْنِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فِيمَا إذَا بَاعَ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي هَلْ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ ؟ قُلْت : لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ هُنَاكَ أَنَّهُ " لَا " يُعْتَقُ ، وَيَحْتَاجُ " لِلْفَرْقِ " .
الثَّانِيَةُ " : فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ الْأَحْوَطُ الصَّرْفُ إلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ مِنْ النُّجُومِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا فَسَدَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ وَقَبَضَ الْمَالَ مَعَ فَسَادِهَا بَرِئَ الدَّافِعُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَبْقَى وَإِنْ فَسَدَتْ الْوِلَايَةُ نَعَمْ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ فَسَادِهَا لَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ كَالْوَكِيلِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ قِسْمِ الْفَيْءِ " وَالْغَنِيمَةِ " عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ، فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا ؟ قُلْنَا : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَظْهَرُ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا .
الرَّابِعَةُ : إذَا تَبَايَعَ الْكُفَّارُ بُيُوعًا فَاسِدَةً وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوا لِانْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَنِجَازِهِ فِي الشِّرْكِ مَعَ كَوْنِهِمْ " يُقِرُّونَ " .
نَعَمْ ، لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُ أَثْمَانِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا تَقَابَضَا بَعْضَ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ فِي حَالِ
الشِّرْكِ ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُبْطِلُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَمَا " يُسَلِّمُهُ " لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تَنْبَرِمُ بِقَبْضِ بَعْضِ عِوَضِهَا قَالَ فِي الشَّامِلِ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَقَعُ " بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ ، وَلِهَذَا إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الصَّحِيحَةِ أَوْ الْفَاسِدَةِ وَعَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ مَا دَفَعَهُ وَعَادَ كُلُّهُ رَقِيقًا وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُولِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : فَاسِدُ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْحَقُ بِصَحِيحِهِ إلَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّهَا " بِالْفَسَادِ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ " عَهْدِهَا .
وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَجَبَ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ .
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي الْأُمِّ : وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إلَّا الْحَجَّ فَمَنْ أَفْسَدَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ طَوَافًا وَمَضَى فِيهِ لَمْ يَجْزِهِ ، وَكَانَ عَاصِيًا .
" هَذَا " لَفْظُهُ .
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ " فَلَمْ " يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ مَا يُضَادُّهُ وَهُوَ مَا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فَاسِدًا فَلِهَذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفَسَادِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ " مَعَ مَضَائِهِ ، فَلِهَذَا خَرَجَ " مِنْهُ " بِالْفَسَادِ .
وَقَدْ يُورَدُ " عَلَى الْحَصْرِ فِي الْحَجِّ " أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : الصَّوْمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ " لَزِمَهُ " الْإِمْسَاكُ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ جِمَاعٍ آخَرَ " لِاشْتِرَاكِ " الْعِبَادَتَيْنِ فِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ " مَحْظُورًا " مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بَعْدَ إفْسَادِهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ .
الثَّانِي : لَوْ " اُضْطُرَّ " فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ " إلَى " الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ عُذِرَ فِي الْأَصَحِّ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَصِّ " الْإِمَامِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي " فِي صَلَاتِهِ " وَيُعِيدُ وَقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ : " تَبْطُلُ " أَنَّهَا لَا
تُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَمْضِي فِيهَا مَعَ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ ، وَسَبَقَ فِي نَصِّ الْأُمِّ التَّصْرِيحُ بِاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِذَلِكَ وَقَالُوا : الْفَاسِدُ لَا انْعِقَادَ لَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا عَلَى وَجْهٍ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَقَدْ يُورَدُ عَلَى الْحَصْرِ التَّحَرُّمُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَيَنْعَقِدُ نَفْلًا .
الْخَامِسَ عَشَرَ : مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ " تَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا مَعَ الْإِمْكَانِ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا " وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا " " تَامَّةً " ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً .
وَمِنْهَا : لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ " وَإِنْ " جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ كَالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ " ذَكَرَ " هَذِهِ الْقَاعِدَةَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً .
وَهِيَ مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ " مَعَ الْإِمَامِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ جُمُعَةً ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَأَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ قَابِلٍ ، لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ ، وَقَدْ أَفْسَدَهُ " فَلَزِمَهُ " قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ .
السَّادِسَ عَشَرَ : فِي مَعْنَى إفْسَادِ الْعِبَادَةِ " مُنِعَ " انْعِقَادُهَا كَالْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى طَلَعَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ بِالنَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِمَاعِ " مَنَعَ " انْعِقَادَ الصَّوْمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ .
وَنَظِيرُهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ " أَبِيهِ " يَظُنُّ حُرِّيَّتَهَا وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ لَمْ يُعْتَقْ الْوَلَدُ عَلَى الْجَدِّ " وَوَجَبَ " عَلَى الِابْنِ قِيمَةُ الْوَلَدِ " لِأَبِيهِ " وَإِنَّمَا غَرِمَهَا ؛ لِأَنَّهُ بِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ مَنَعَ انْعِقَادَ الْوَلَدِ رَقِيقًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ .
الْفِدْيَةُ تُفَارِقُ الْكَفَّارَةَ " فِي " أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ ، بِخِلَافِهِ الْفِدْيَةُ ، كَذَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ .
وَالْفِدْيَةُ تَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ بِالْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ ، وَكَذَا الْإِفْطَارُ لِلْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ .
" قَالَ " : وَفِدْيَةُ الْحَجِّ عِشْرُونَ " دَمًا " : دَمُ التَّمَتُّعِ ، وَالْقِرَانِ ، وَالْفَوَاتِ ، وَالْإِحْصَارِ ، وَالتَّأْخِيرِ إلَى الْمَوْتِ ، وَالْإِفْسَادِ ، وَالِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْإِفْسَادِ ، وَالْمَبِيتِ " بِالْمُزْدَلِفَةِ " ، وَمِنًى - لَيَالِيَهَا - ، وَالْمِيقَاتِ ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَالرَّمْيِ ، وَالْحَلْقِ ، وَاللُّبْسِ ، وَالطَّيِّبِ ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ ، وَالصَّيْدِ ، وَنَبَاتِ الْحَرَمِ ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَتَرْكِ مَشْيِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَرَامِ إذَا نَذَرَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ حَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْمُدِّ ، إلَّا فِي فِدْيَةِ " الْأَدَاءِ " فَإِنَّهَا بِمُدَّيْنِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي كَأَكْلِ الْمُرْضِعِ وَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " إلَّا إذَا كَانَ بِسَبَبٍ " تَعَدَّى فِيهِ " ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا " تَعَدِّيًا " وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لِآخَرِ " الصَّوْمِ " .
الْفَرْعُ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ .
" وَلِهَذَا إذَا أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْ الدَّيْنِ بَرِئَ الضَّامِنُ ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ " فَكَذَا الْفَرْعُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ .
وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ قَالَ شَخْصٌ : لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَفِي مُطَالَبَةِ " الضَّامِنِ بِالضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
وَمِنْهَا : " إذَا " ادَّعَى الزَّوْجُ الْخُلْعَ مَعَ الْمَرْأَةِ وَأَنْكَرَتْ " ثَبَتَتْ " الْبَيْنُونَةُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ .
وَهَذَا مَجْزُومٌ بِهِ ، كَمَا جَزَمُوا فِيمَنْ قَالَ : بِعْت عَبْدِي مِنْ زَيْدٍ وَأَعْتَقَهُ زَيْدٌ " وَأَنْكَرَ " زَيْدٌ " أَوْ قَالَ " : بِعْته مِنْ نَفْسِهِ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ " فِيهِمَا " وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ : فُلَانَةُ بِنْتُ أَبِينَا ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ " بِهِ " وَجْهَانِ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ " حَرُمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ " ، فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي اللَّقِيطِ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَكَذَّبَتْهُ انْفَسَخَ " نِكَاحُهَا " عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَتْ زَوْجِيَّةَ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ فَفِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : ادَّعَتْ الْإِصَابَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَفِي " وُجُوبِ " الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : لَوْ كَانَ الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ عَبْدًا فِي التَّرِكَةِ فَفِي عِتْقِ نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَجْهَانِ .
وَالضَّابِطُ : أَنَّا نَنْظُرُ فِي الْفَرْعِ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِلُّ بِإِنْشَائِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ
" ثَبَتَ " قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ وَإِنْ " اسْتَقَلَّ " لَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ ، بَلْ بِالْفَرْعِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ كَالضَّامِنِ أَوْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِإِنْشَائِهِ كَالْبَيْعِ فِي صُورَةِ الشُّفْعَةِ وَدَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ جَاءَ الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ الثُّبُوتُ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا دَعْوَى الْخُلْعِ مَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ قَطْعًا وَقِيَاسُهُ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ .
فِرَقُ النِّكَاحِ كَثِيرَةٌ وَأَجْنَاسُهَا ثَلَاثَةٌ مَوْتٌ وَطَلَاقٌ وَفَسْخٌ أَمَّا فُرْقَةُ الْمَوْتِ فَيَنْتَهِي النِّكَاحُ بِنِهَايَتِهِ ، وَيُقَالُ : انْتَهَى النِّكَاحُ ، لَا بَطَلَ .
وَلَوْ اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى عَيْبِ الْآخَرِ فَهَلْ يُفْسَخُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ مُدَّةُ الْعُمْرِ وَقَدْ فَرَغَ .
وَأَمَّا فُرْقَةُ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ رَافِعًا لِلْعَقْدِ ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ " مُقْتَضَيَاتِ " عَقْدِ النِّكَاحِ كَالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمِلْكِ .
وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْحَاوِي وَالْمُهَذَّبِ فِي تَوْجِيهِ فَسْخِ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ جُعِلَ إلَى اخْتِيَارِهِ كَالطَّلَاقِ قَالَ صَاحِبُ الْوَافِي " وَفِي جَعْلِهِمَا " الطَّلَاقَ رَفْعَ عَقْدٍ فِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي إلَّا أَنْ " يُرِيدَا " " رَفْعَ حُكْمِ " الْعَقْدِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعَقْدِ بِالْخِيَارِ لَيْسَ بِرَفْعِ نَفْسِ الْعَقْدِ بَلْ حُكْمِهِ ، لَكِنَّ مَوْضُوعَ الْخِيَارِ لِرَفْعِ الْعَقْدِ وَمَوْضُوعَ الطَّلَاقِ " لِقَطْعِ " النِّكَاحِ لَا رَفْعِهِ .
وَمِثْلُهُ : الْخُلْعُ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ " بِلَفْظِهِ " طَلَاقٌ ، وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ الْإِيلَاءِ وَفُرْقَةُ الْحَكَمَيْنِ .
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ الْعُيُوبُ الْخَمْسَةُ وَالْغَرُورُ وَعَدَمُ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا - لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْخَلَفِ وَالْعِتْقِ تَحْتَ عَبْدٍ - وَالْعَجْزُ عَنْ الْعِوَضِ ؛ لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَبِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
الثَّانِي : قَهْرِيٌّ يَنْفَسِخُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ " أَقْسَامٌ " : أَحَدُهُمَا : اخْتِلَافُ دِينِ الزَّوْجَيْنِ " بِالرِّدَّةِ " .
الثَّانِي : إسْلَامُ الْمُشْرِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ يَنْفَسِخُ فِي الزَّائِدِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : مَنْ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا " فَهُوَ " بِطَرِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِلَا شَكٍّ .
الثَّالِثُ : فُرْقَةُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ حَيْثُ تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ
===================ج666..==============================
ج6666666666
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ اللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ عَلَى قَوْلٍ .
الرَّابِعُ : اللِّعَانُ .
الْخَامِسُ : الرَّضَاعُ .
السَّادِسُ : السَّبْيُ " فَإِنَّهُ إذَا " سُبِيَ الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ، لِأَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِيَّةِ أَحَدُ " فَرْعَيْ " الْمِلْكِ فَزَالَ " بِالسَّبْيِ " كَمِلْكِ الْيَمِينِ ، لِأَنَّهُ " يَحْدُثُ الرِّقُّ " بِالسَّبْيِ بِخِلَافِ " بَيْعِ " الزَّوْجَةِ لَا " يُفْسِخُ " النِّكَاحَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ ، " فَإِنْ سُبِيَا وَهُمَا رَقِيقَانِ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهُمَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ " ، وَقِيلَ : يَنْفَسِخُ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ السَّبْيِ .
وَلَوْ طَرَأَ الرِّقُّ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ قُطِعَ " النِّكَاحُ " فِي الْأَصَحِّ ، وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ نِكَاحُهُ ، وَإِنْ مُنِعَ جَزْمًا " مِنْ " ابْتِدَائِهِ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ .
السَّابِعُ : مِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ قُطِعَ النِّكَاحُ ، فَإِنْ فُسِخَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ أَوْ مَوْقُوفٌ ؛ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : " يَمْلِكُ " بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَفِي انْفِسَاخِ " النِّكَاحِ " وَجْهَانِ ظَاهِرُ النَّصِّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الِانْفِسَاخُ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ .
الثَّامِنُ : إسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَخَلُّفُ الْآخَرِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ .
التَّاسِعُ : فُرْقَةُ " الرِّدَّةِ " كَذَلِكَ .
الْعَاشِرُ : " فُرْقَةُ " تَمَجُّسِ الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ مُسْلِمٍ ، إذَا قُلْنَا : إنَّهَا تُقِرُّ عَلَيْهِ .
" تَنْبِيهَاتٌ " : الْأَوَّلُ : تَنْقَسِمُ الْفُرْقَةُ إلَى مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَلَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ الْقَهْرِيُّ ، بَلْ تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ، وَإِلَى مَا يُتَوَقَّفُ وَهُوَ الِاخْتِيَارِيُّ ثُمَّ تَارَةً
تَكُونُ إلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ وَهُوَ فُرْقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَالْغَرُورِ وَالْعَيْبِ .
وَتَارَةً تَكُونُ إلَى الزَّوْجِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا سَبَبٍ وَالْغَرُورُ وَالْعَيْبُ أَيْضًا ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلْحَاكِمِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَهُوَ فُرْقَةُ الْعِنِّينِ وَالْحَكَمَيْنِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَنِكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهَا إسْلَامَ الزَّوْجِ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ .
الثَّانِي : كُلُّ فُرْقَةٍ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا يَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهَا إذَا امْتَنَعَ لَا اخْتِيَارُ الزَّوْجَاتِ ، وَكَذَا الْإِيلَاءُ عَلَى قَوْلٍ .
الثَّالِثُ : مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ مَا لَا " يُتَلَافَى " إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ .
" وَمِنْهَا مَا لَا يُتَلَافَى بِوَجْهٍ وَهُوَ اللِّعَانُ وَالرَّضَاعُ وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ " .
وَمِنْهَا مَا يُتَلَافَى فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَإِسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَمَجُّسُ النَّصْرَانِيَّةِ إنْ " قِيلَ " بِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَطْ وَبِهِ " أَوْ " بِالْعَوْدِ إلَى دِينِهَا الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلٍ " وَالطَّلَاقُ " دُونَ الثَّلَاثِ بِالرَّجْعَةِ .
الرَّابِعُ : قَالَ صَاحِبُ الْوَشَائِحِ : تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ " وَالْأَجْنَبِيِّ " وَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَمِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَهُمَا حَيَّانِ ، فَالْفِعْلُ مِنْ الزَّوْجِ وَطْءُ أُمِّهَا أَوْ بَنَاتِهَا بِشُبْهَةٍ وَمِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ الرَّضَاعُ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَطْءُ " ابْنِهِ وَأَبِيهِ " إيَّاهَا بِشُبْهَةٍ ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا ، وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا مَا يَحِلُّ لَهُ بِعَقْدٍ وَهُوَ أَنْ " يُسْبَيَا " أَوْ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ لَهُ إنْ اشْتَرَاهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِهَا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْأَجْنَبِيَّةِ .
فَأَمَّا " الْأَجْنَبِيُّ " فَهُوَ طَلَاقُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمَوْلَى وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ
إذَا قُلْنَا : تَحْكِيمٌ " لَا تَوْكِيلٌ ، " وَمِنْ " الزَّوْجَةِ الْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا ، وَالْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَالْعُنَّةُ وَالْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ وَإِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ .
" وَالْقَوْلُ " مِنْ الزَّوْجِ نَوْعَانِ طَلَاقٌ وَغَيْرُهُ فَالطَّلَاقُ ضُرُوبٌ : مِنْهَا : الْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَحِلُّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَمِثْلُهُ الْوَاحِدَةُ وَالثِّنْتَانِ بِعِوَضٍ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي حَقِّ الْحُرِّ ، وَالْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لَا " تَحِلُّ لَهُ " إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَالِاثْنَتَانِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ " لَا تَحِلُّ " إلَّا بِزَوْجٍ آخَرَ ، " وَالثَّلَاثُ " فِي الْحُرِّ لَا تَحِلُّ " لَهُ " إلَّا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ آخَرَ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ " " مِنْهُ " ، فَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهُ إيَّاهَا .
وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالْخُلْعُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاللِّعَانُ لَا يَحْرُمُ " بِشَيْءٍ " مِنْهُ بِهَذَا إلَّا " فِي اللِّعَانِ " .
وَأَمَّا الْفُرْقَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَفِعْلٍ مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ إذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِإِرْثٍ وَمِمَّا يَفْسَخُ بِهِ الزَّوْجُ " النِّكَاحَ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أُخْتَانِ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَوْ وَاحِدَةً مِنْ الْأُخْتَيْنِ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .
الْفَرْضُ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ عِوَضٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ تَعُودُ إلَيْهِ فَالْمَنْفَعَةُ حَاصِلَةٌ لَهُ ، وَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ " وَخَافَ " هَلَاكَهَا ، إنْ لَمْ يَقْبَلْ قَالَ " صَاحِبُ الْمُرْشِدِ " : لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ أُجْرَةَ الْحِفْظِ لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةٍ مَكَانَهَا ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصْلُ الْقَبُولِ دُونَ إتْلَافِ " مَنْفَعَةِ " نَفْسِهِ " وَحَرَّزَهُ " فِي الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .
غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُرْشِدِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ نَفْسَ الْحِفْظِ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ يَقُولُ : يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ ، وَخَرَّجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ فِي جَعْلِهَا صَدَاقًا ، وَنَظَائِرِهَا .
وَلَوْ قَالَ : مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا ، فَدَلَّهُ مَنْ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ " عَلَيْهِ " بِالشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الرَّدِّ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ .
وَيُخَالِفُ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَدَلَّهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ : وَإِذَا قُلْنَا : يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى وَضْعِ الْجُذُوعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .
قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ : وَلَوْ دَفَعَ صَاحِبُ الْجِدَارِ إلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ عِوَضًا ، لِيُسْقِطَ حَقَّهُ مِنْ الْوَضْعِ جَازَ .
وَلَوْ أَصْدَقَهَا أَدَاءً شَهَادَةٍ لَهَا عِنْدَهُ أَوْ أَصْدَقَ كِتَابِيَّةً تَلَقَّيْنَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَصِحَّ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ .
وَلَوْ خَلَّصَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِالْوُقُوعِ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ .
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ فِي
بَادِيَةٍ فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ تَعَهُّدُهُ .
زَادَ الْإِمَامُ : وَلَا أُجْرَةَ لَهُ .
وَإِذَا وَجَبَ بَذْلُ الْمَاءِ الْفَاضِلِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ .
" وَإِذَا " تَحَمَّلَ شَهَادَةً وَطُلِبَ " أَدَاؤُهَا مِنْهُ " لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " لِلنَّهْيِ " وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهُمَا : عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ ، وَلَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
الثَّانِيَةُ : بَذْلُ الطَّعَامِ " فِي الْمَخْمَصَةِ " وَاجِبٌ وَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ فِي تَخْلِيصِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ بِأَنَّ هُنَاكَ يَلْزَمُهُ التَّخْلِيصُ بِنَفْسِهِ ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : إذَا احْتَمَلَ الْحَالُ فِي الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ تَقْرِيرَ أُجْرَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ تَخْلِيصُهُ ، إلَّا بِهَا كَالْمُضْطَرِّ .
الثَّالِثَةُ : أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِتَعْلِيمِهَا ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ ، بِخِلَافِ تَلْقِينِهَا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَضْعِ الْجِذْعِ ، أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْفَاقِ كَبَذْلِ فَضْلِ الْمَاءِ لِلْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَا يُؤْخَذُ بَدَلُهُ .
الرَّابِعَةُ : تَعْلِيمُ " الْقُرْآنِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ .
الْخَامِسَةُ : الْقَاضِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ " الْقَضَاءُ " وَهُوَ مُحْتَاجٌ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَتَعَطَّلُ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْكَسْبِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَمْ يَجُزْ " لَهُ " ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْضِيَةِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ .
السَّادِسَةُ : لَوْ " أَجَرَهُ " عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ صَحَّ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَصَحِّ .
السَّابِعَةُ : أَرْبَابُ الْحِرَفِ إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ يَعْمَلُونَ
بِالْأُجْرَةِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ تَعْلِيمُ الْفَاتِحَةِ لِلْجَاهِلِ بِأُجْرَةٍ .
الثَّامِنَةُ : مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ وَدُعِيَ إلَيْهَا جَازَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " فِي " الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ الْأَدَاءِ لِلتُّهْمَةِ ، أَمَّا لَوْ أَتَاهُ الْمُتَحَمِّلُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ " عَلَى " قَطْعِ الْمَسَافَةِ لَا عَلَى نَفْسِ التَّحَمُّلِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَلَا يَأْخُذُ الشَّاهِدُ الرِّزْقَ عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَلَّلَهُ الْغَزَالِيُّ بِاتِّهَامِهِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : وَكَثِيرًا مَا يَسْأَلُ عَنْ التُّهْمَةِ الَّتِي تَحْلِقُ الشَّاهِدَ فِي أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُجَابُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا فِي الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا فِي التَّحَمُّلِ " فَلَا تُهْمَةَ " إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا " فَجُعِلَ " الرِّزْقُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَالْمَجْعُولُ لَهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الْمَقْصُودُ فَرَجَحَ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ، وَوَجْهُ التُّهْمَةِ فِي الْأَدَاءِ ظَاهِرٌ ، وَفِي التَّحَمُّلِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْأَدَاءُ عِنْدَ الطَّلَبِ ، وَإِذَا عُلِمَ مِنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ بِذَلِكَ ، إلَّا بِجُعْلٍ مَعَ أَنَّ مَا يَشْهَدُونَ بِهِ لَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ بِاحْتِمَالِ " ارْتِشَاءٍ " فَسُدَّ ذَلِكَ الْبَابُ .
قَالَ " وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ " وَالْقَاسِمِ " ؛ لِأَنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمَا فِي الْغَالِبِ سَبَبُهُ ظَاهِرٌ ، فَإِمَّا أَنْ تُعْدَمَ التُّهْمَةُ أَوْ تَقِلَّ ، " وَفَصَلَ " الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ : إنَّ الْجُعْلَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ نَظَرٌ ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ " لَهُ " الْأَخْذُ ، وَإِنْ كَانَ " مُكْتَفِيًا " فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَلَوْ أَخَذَ جَازَ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَفِيًا " لَمْ يَجُزْ لِلتَّحَمُّلِ وَلَا
لِلْأَدَاءِ .
وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ .
التَّاسِعَةُ : أَخْذٌ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَةِ الصَّكِّ يَجُوزُ قَطْعًا " إنْ " لَمْ يَتَعَيَّنْ ، وَكَذَا إنْ تَعَيَّنَ فِي الْأَصَحِّ وَقَاسَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ الطَّعَامِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَادَّعَى فِي الْبَسِيطِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ .
ضَابِطٌ : أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ .
أَنَّ الْوُجُوبَ إنْ لَاقَى الشَّخْصَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْأُجْرَةِ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ وَإِصْدَاقِ الْفَاتِحَةِ وَنَظَائِرِهَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْأُجْرَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُلَاقِهِ لَمْ يَجُزْ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْجِذْعِ ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ ، بَلْ لَهُ عَلَى جَارِهِ ، فَالْوُجُوبُ لَاقَى الْجَارَ أَوَّلًا فَلَا يَأْخُذُ " عَنْهُ عِوَضًا " .
فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ هُوَ كُلُّ " مُهِمٍّ " دِينِيٍّ يُرَادُ بِهِ حُصُولُهُ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ " عَيْنُ " مَنْ يَتَوَلَّاهُ ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ " دِينِيَّةٌ " وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا " فَقَصَدَ " الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا وَلَا يَقْصِدُ تَكْلِيفَ " الْوَاحِدِ وَامْتِحَانَهُ " بِهَا ، بِخِلَافِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْكُلَّ مُكَلَّفُونَ بِهَا مُمْتَحَنُونَ بِتَحْصِيلِهَا .
وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يُوَافِقُ الْغَزَالِيُّ ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ خِلَافُهُ .
الثَّانِي : يَنْقَسِمُ إلَى دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ : الْأَوَّلُ الدِّينِيُّ " وَهُوَ " ضَرْبَانِ : مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ .
فَالْأَوَّلُ : " الْقِيَامُ " بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ، وَإِثْبَاتِ " النُّبُوَّاتِ " ، وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْمُشْكِلَاتِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ .
وَالثَّانِي : كَالِاشْتِغَالِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ ، وَالتَّبَحُّرِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ { طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ " الْحَافِظُ الْمَزِيُّ " لَهُ طُرُقٌ يَبْلُغُ بِهَا دَرَجَةَ الْحَسَنِ .
" وَعَدَّ " الشِّهْرِسْتَانِيّ " فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، " قَالَ " : حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ " تُرَتَّبُ " الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً ، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً ، فَلَا بُدَّ " إذَنْ " مِنْ مُجْتَهِدٍ .
انْتَهَى .
وَمِنْهُ : " الْقَضَاءُ وَالْفَتْوَى ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ نَهْجِ الشَّرِيعَةِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْفَقِيهِ الْمُفْتِي الْمَنْصُوبِ فِي النَّاحِيَةِ بِالْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ مُلْزَمٌ " مِنْ رَفْعٍ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ " وَالْمُفْتِي يَرْجِعُ إلَيْهِ " الْمُسْلِمُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ .
وَمِنْ فُرُوضِ " الْكِفَايَةِ : الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الطِّبِّ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَأُلْحِقَ بِهِ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ الْحِسَابُ .
وَمِنْهُ : تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ " إذَا " أَرَادَ سَفَرًا فَفَرْضُ عَيْنٍ لِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ
عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ .
وَمِنْهُ : تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ لِمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ " تَعَالَى " فَهْمًا وَاطِّلَاعًا .
وَلَنْ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِهَا فِي ازْدِيَادٍ وَتَرَقٍّ فِي الْمَوَاهِبِ ، وَالْعِلْمُ لَا يَحِلُّ كَتْمُهُ ، فَلَوْ تُرِكَ التَّصْنِيفُ لَضُيِّعَ الْعِلْمُ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ قَالَ " اللَّهُ " تَعَالَى { وَإِذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ، وَيُقَالُ : إنَّ فِي التَّوْرَاةِ : عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا .
وَمِنْهُ : حُفِظَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ ، وَقَالَ : إنَّ حِفْظَهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَكَذَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ مِنْ كِتَابِ الشَّافِي ، قَالَ : وَكَذَا تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ .
وَمِنْهُ : نَقْلُ السُّنَنِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إذَا نَقَلَهَا مَنْ " فِيهِ " كِفَايَةٌ " سَقَطَ " فَرْضُهُ عَنْ الْبَاقِينَ .
وَمِنْهُ : جِهَادُ النَّفْسِ " قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ : جِهَادُ النَّفْسِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ لِيَرْقَى بِجِهَادِهَا فِي دَرَجَاتِ " الطَّاعَاتِ " وَيَطْهُرُ مَا " اسْتَطَاعَهُ " مِنْ الصِّفَاتِ لِيَقُومَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ رَجُلٌ مِنْ " عُلَمَاءِ " أَهْلِ الْبَاطِنِ ، كَمَا يَقُومُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْمُسْتَرْشِدَ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ ، فَالْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ وَالْعَارِفُ يُهْتَدَى بِهِ .
وَهَذَا مَا لَمْ " يَسْتَوْلِ " عَلَى النَّفْسِ طُغْيَانُهَا وَانْهِمَاكُهَا فِي عِصْيَانِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَارَ جِهَادُهَا فَرْضَ عَيْنٍ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ " أَكْبَرُ الْجَهَادَيْنِ " إلَى أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ " تَعَالَى " .
وَمِنْهُ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، قَالَ
الرَّافِعِيُّ : وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ .
قُلْت : وَلِهَذَا نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ .
وَمِنْهُ : إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَلَاةٍ " أَوْ اعْتِكَافٍ أَوْ طَوَافٍ " وَفَهِمَ النَّوَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ الْحَجِّ وَجَعْلِ الْحَجِّ مُتَعَيَّنًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّافِعِيُّ إحْيَاءَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ الْحَجِّ .
وَمِنْهُ : الْجِهَادُ وَأَقَلُّهُ كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً كَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ " وَوَجْهُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بَدَلًا عَنْ عَيْنِهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا إلَّا إذَا عُجِزَ عَمَّا فَوْقَهَا .
وَمِنْهُ : دَفْعُ ضَرَرِ الْمَحَاوِيجِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ أَوْ بَيْتِ مَالٍ ، وَمِثْلُهُ مَحَاوِيجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَيَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ .
وَمِنْهُ : تَجْهِيزُ الْمَوْتَى غُسْلًا وَتَكْفِينًا وَالْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ .
وَمِنْهُ : فَكُّ الْأَسْرَى قَالَ ابْنُ كَجٍّ : وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ابْتِيَاعُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، كَذَا رَأَيْته فِي التَّجْرِيدِ لَهُ .
وَمِنْهُ : تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ بِشَرْطِهِ وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا ، لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوَاجِبِ .
وَمِنْهُ : رَدُّ السَّلَامِ وَكَذَا الْأَذَانُ وَإِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى رَأْيٍ .
الثَّانِي : الدُّنْيَوِيُّ : كَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ " وَالْحِرَاثَةِ " " وَلَا " بُدَّ مِنْهُ حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكَنْسِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ " الْحَدِيثِ " " { اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ } " وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ " عَزَّ وَجَلَّ " " جُبِلَتْ " النُّفُوسُ
عَلَى الْقِيَامِ بِهَا .
وَلَوْ فُرِضَ امْتِنَاعُ الْخَلْقِ مِنْهَا أَثِمُوا وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ صَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ " إلَى " أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ " الطَّبْعَ " يَحُثُّ عَلَيْهَا فَأَغْنَى عَنْ حَثِّ الشَّرْعِ بِالْإِيجَابِ .
وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِمْ : إنَّ أَصْحَابَ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَكَيْف لَا يَقْبَلُ " بِفِعْلِهِمْ " فَرْضًا ، وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ " الْمُنَاكَحَاتِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى طَرِيقَةٍ فِي الصَّنَائِعِ ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يَحُثُّ عَلَيْهَا .
الثَّالِثُ : فَرْضُ الْكِفَايَةِ " لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ .
وَلِهَذَا فَارَقَهُ فِي أَقْسَامٍ : مِنْهَا : أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الْبَعْضِ خِلَافٌ .
وَمِنْهَا : أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا لِعُذْرٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا فِي " الْجِهَادِ وَالْجِنَازَةِ " وَالْحَجِّ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ .
وَمِنْهَا : مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ جَارٍ فِي الْقَاضِي وَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَغَيْرِهَا .
وَمِنْهَا : إنْ " تَعَيَّنَ " وَاحِدٌ مِمَّنْ " عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ " إنْ كَانَ الْمُعَيِّنُ " لَهُ الْإِمَامَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْآحَادِ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالشَّاهِدِ وَالْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبَرِ وَالْأَصَحُّ فِي الشَّاهِدِ إنْ عُلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يُجِيبُ " فَلَا " يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ امْتِنَاعُ غَيْرِهِ وَجَبَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى التَّوَاكُلِ وَأَمَّا الْقَاضِي فَكَالشَّاهِدِ ، وَأَمَّا الْمُفْتِي فَالْأَصَحُّ لَا يَأْثَمُ بِالرَّدِّ " إنْ " كَانَ هُنَاكَ " غَيْرُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُ حُكْمَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَلَا التَّطَوُّعِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَيْلًا حَيْثُ صَحَّحُوا الْإِسْرَارَ ، وَلَمْ يَقُولُوا : يَجْهَرُ كَالْفَرْضِ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْجَهْرِ كَالنَّافِلَةِ .
الرَّابِعُ : هَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ " فِي حَرْفِ الشَّيْنِ " .
وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ أَنَّهُ لَوْ شُرِعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ هَلْ يَلْزَمُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَ " هَلْ " يَقَعُ فَرْضًا أَمْ لَا ؟
الْخَامِسُ : قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : " لِلْقِيَامِ " بِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ " مَزِيَّةٌ عَلَى ( الْقِيَامِ ) بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ : إنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ " الْمُتَعَيِّنُ " اخْتَصَّ هُوَ بِالْأَثِمِ .
وَلَوْ تَرَكَ الْجَمِيعُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَثِمُوا وَلَوْ فَعَلَهُ " أَسْقَطَ " الْحَرَجَ عَنْ الْجَمِيعِ .
قُلْت وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَحْسَنُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَزِيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ فَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِأَمْرٍ وَيَفْضُلُهُ الْفَاضِلُ بِأُمُورٍ .
وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ أَخَذَهَا النَّاسُ " مِنْهُ " " مُسَلَّمَةً " تَقْلِيدًا وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إذَا ازْدَحَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَسَعُ الزَّمَنُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ فَرْضِ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ ، كَمَا فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَهُ قَرِيبٌ مُمَرَّضٌ ، بَلْ قَالُوا : لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ ؛ لِأَنَّ " لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا " وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لَهُمَا فَتَقْدِيمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَفَرْضٌ وَلَمْ يُخَفْ فَوْتُ الْفَرْضِ قُدِّمَ الْكُسُوفُ كَيْ لَا يَفُوتَ مَعَ أَنَّ الْكُسُوفَ سُنَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهُ حُكْمًا بِأَفْضَلِيَّتِهِ .
وَلَوْ كَانَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ " وَحَصَلَتْ لَهُ جِنَازَةٌ " " كُرِهَ " لَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ " قَالَهُ الرَّافِعِيُّ " " إذْ لَا " يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ " لِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ .
انْتَهَى .
وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ الشُّرُوعَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ يُلْزَمُ بِهِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ قَضَاءً وَإِنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ " وَفِي الشُّرُوعِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ " خِلَافٌ " وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ
أُجْبِرَ عَلَيْهِ قَطْعًا وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ " وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلِينَ " بِتَفْضِيلِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ أَرَادُوا بِهِ الْجِنْسَ عَلَى الْجِنْسِ وَهُوَ مُنَازَعٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِمْ } مَعَ أَنَّ فِي " تَعَلُّقِ " فَرْضِ الْكِفَايَةِ " بِالْجَمِيعِ " خِلَافًا .
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الَّتِي " اسْتَنَدَ " إلَيْهَا هَذَا الْقَائِلُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ وَلَيْسَتْ بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ " فِي حَرْفِ الْعَيْنِ " وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا شَكَّ فِي تَخْصِيصِهِ " بِمَنْ " سَبَقَ إلَيْهِ أَوَّلًا ، أَمَّا مَنْ " فَعَلَهُ " ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا : يَقَعُ فَرْضًا ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَتَسْمِيَةَ الثَّانِي فَرْضًا إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ ثَوَابِ الْفَرْضِ .
الْفَسْخُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ كَمَا تَعَلَّقَتْ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعَقْدُ كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ .
الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : الِانْفِسَاخُ انْقِلَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى دَافِعِهِ ، وَالْفَسْخُ هُوَ قَلْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى صَاحِبِهِ فَهَذَا هُوَ فِعْلُ الْفَاسِخِ فَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ " قَالَ " وَبِذَلِكَ رَدَدْنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رَدُّ الصَّدَاقِ " فَمَا " انْقَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَذَهَبَتْ حَقِيقَةُ الْفَسْخِ .
الثَّانِي : الْفُسُوخُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَخْتَلِفُ فِي " تَعَلُّقِ " الْفَسْخِ بِهِ كَالْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ " وَالْمَهْرِ " فَيُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ .
وَالثَّانِي : مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْفَسْخِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسْخُ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ مِثْلُ فَسْخِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ عَبْدٍ ، لَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يُفْتَقَرْ لِحَاكِمٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ مَا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ وَكَذَا الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ .
فَأَمَّا " إنْ " كَانَ الْخِلَافُ ضَعِيفًا يَسُوغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ بِهِ إلَى حَاكِمٍ .
الثَّالِثُ : إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ فَلَا يَمْلِكُهُ الْفَاسِخُ ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَاقِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَوْ اسْتَأْجَرَ " شَخْصًا " لِيَحُجَّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَنْ " مَيِّتٍ مِنْ مَالِهِ فَأَخَّرَ عَنْهَا فَلَا خِيَارَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّ الْفَائِدَةَ إمَّا فِي تَحْصِيلِ الْحَجِّ فِي " هَذِهِ السَّنَةِ ، وَقَدْ فَاتَ ، وَإِمَّا فِي الِانْتِفَاعِ بِالْأُجْرَةِ وَصَرْفِهَا فِي أَغْرَاضِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الدِّيَاتِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ الْجَانِيَ ثُمَّ اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ ، قَالَ : وَقَدْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا الرَّقَبَةُ : فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الرَّدِّ ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا " رَدَّ " فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ إنْ عَتَقَ " بِمَا " يَفْضُلُ عَنْ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلٍ .
وَمِنْهَا : الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ لَا فَائِدَةَ لَهُ ، لِأَنَّهَا إذَا فَسَخَتْ النِّكَاحَ وَتَزَوَّجَتْ لَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ ، بَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ .
وَلَوْ أُعْسِرَ بِصَدَاقِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ فَلَا خِيَارَ لِلْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ نِصْفُهُ وَبَعْدَ الدُّخُولِ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ ، كَمَا كَانَ وَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ النَّفَقَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ عَبْدًا " مِنْ رَجُلٍ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ فِي يَدِهِ .
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ : يُنْظَرُ إنْ كَانَ مُشْتَرِيهِ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ نَظَرَ ؛ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا بَاعَهُ أَوْ بِأَكْثَرَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ إنْ رَدَّهُ إلَيْهِ تَحْصُلُ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ عَوْدُ
الثَّمَنِ الْأَكْثَرِ إلَيْهِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الَّذِي بَاعَهُ فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا " لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي رَدِّهِ وَأَصَحُّهُمَا لَهُ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ رُبَّمَا " يَرْضَى " بِهِ فَلَا يَرُدُّهُ .
الرَّابِعُ : الْفُسُوخُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ .
وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا : فَسْخٌ وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ ثَبَتَ .
كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ اخْتَارَ عَيْنَ مَالِهِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ وَلَا خِيَارَ " فِيهِ " ، وَقِيلَ : لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ " شَبِيهٌ " ، بِالْخِلَافِ فِي الشَّفِيعِ انْتَهَى .
وَلَمْ يَطَّرِدُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَسْخٌ لِثُبُوتِهَا بِالتَّرَاضِي بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ .
وَلَوْ تَقَايَلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ الْبَائِعُ عَلَى عَيْبٍ بِهِ حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا : فَسْخٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ إنْ كَانَ جَاهِلًا .
وَلَك أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ .
" وَمِنْهُ مَا " فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ فَسَخَ الْمُشْتَرِي " الْبَيْعَ " بِعَيْبٍ قَدِيمٍ ، وَكَانَ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ " أَنْ انْفَسَخَ " فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ الرَّدِّ ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَلْ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ ، كَمَا لَوْ تَقَايَلَ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الرَّدِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ .
وَمِثْلُهُ قَوْلِهِمْ : إذَا قُلْنَا : " يَمْتَدُّ " خِيَارُ التَّصْرِيَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَاطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ " ثَلَاثٍ " ، لَا رَدَّ لَهُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الرَّدُّ وَيَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ انْتَهَى وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَقَالَ : إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ رَدَّ ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَإِنَّمَا الثَّلَاثُ فُسْحَةٌ لَهُ إذَا عَلِمَ " التَّصْرِيَةَ " فِيهَا فَلَهُ تَأْخِيرُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسْخَ وَالِانْفِسَاخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ دُونَ الْفُسُوخِ ، وَكَذَا الْعَزْلُ وَالِانْعِزَالُ ، كَمَا
اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ حَيْثُ قَالَ " لَوْ " عَزَلَ الْمُودِعُ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا : الْوَدِيعَةُ عَقْدٌ ارْتَفَعَتْ أَوْ مُجَرَّدُ إذْنٍ فَالْعَزْلُ لَغْوٌ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي تَنَاوُلِ طَعَامِهِ لِلضِّيفَانِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَزَلْت نَفْسِي فَيَلْغُو قَوْلُهُ .
قُلْت : وَهَذَا الْخِلَافُ فِي أَمِينِ الْمَالِكِ ، أَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالِاتِّفَاقِ ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ ، فَلَوْ قَالَ : فَسَخْت الْأَمَانَةَ كَانَ عَلَى الْأَمَانَةِ ، فَمَتَى لَمْ يَرُدَّ حَتَّى هَلَكَتْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّهَا لَا ضَمَانَ .
وَمِمَّا " يَبْنِي " عَلَى هَذَا أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ جَعَلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَقَالَ الْوَكِيلُ : عَزَلْت نَفْسِي لَا يَنْعَزِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ : أُلْزِمْت الْعَقْدَ فَيُلْزَمُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ " عَزَلْت نَفْسِي عَنْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِمَشِيئَتِي فَلَا يَصِحُّ بَلْ مَتَى شَاءَ وَقَعَ .
الْخَامِسُ : الْعَقْدُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ لِيَشْمَلَ الْحَمْلَ إذَا بَاعَ الْحَامِلُ وَأَطْلَقَ ، وَقُلْنَا : يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ .
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمَعْدُومِ فِي مَوْضِعَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : بَابُ التَّحَالُفِ .
الثَّانِي : الْإِقَالَةُ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ " فِي كِتَابِ السَّلَمِ : لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ ثُمَّ اسْتَقَالَهُ الْبَائِعُ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الثَّمَنَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْهُ ، قَالَ الْقَفَّالُ " فَجُوِّزَ " الْفَسْخُ فِي التَّالِفِ ، " لَكِنَّهُ " نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَحَصَلَ قَوْلَانِ وَأَجْرَاهُمَا الْقَفَّالُ فَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِهِمَا عَيْبًا هَلْ لَهُ فَسْخُهُ فِي التَّالِفِ وَالْقَائِمِ ؟ قَوْلَانِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ إنْ جَعَلْنَاهَا فَسْخًا عَلَى الْأَصَحِّ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فَفِي الْإِقَالَةِ فِي " الثَّانِي " وَجْهَانِ بِالتَّرْتِيبِ " أَوْ " الْقَائِمُ تُصَادِفُهُ الْإِقَالَةُ ، وَيَسْتَتْبِعُ التَّالِفُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا ذَلِكَ فِي الْفَسْخِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدَّرُوا الِانْفِسَاخَ قُبَيْلَهُ ، فَقَالُوا : لِأَنَّ التَّالِفَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فِيهِ ، كَمَا لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ فَاحْتَجْنَا " لِلتَّقْدِيرِ " .
" وَقَدْ ثَبَتَ " الْخِيَارُ فِي التَّالِفِ ، كَمَا فِي إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ .
السَّادِسُ : سَائِرُ الْعُقُودِ تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الْخُلْعِ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ النِّكَاحَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ؟ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ كَالْبَيْعِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِأَنَّ وَضْعَ النِّكَاحِ عَلَى الدَّوَامِ وَالتَّأْيِيدِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ لِضَرُورَةٍ عَظِيمَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ .
وَجَعَلَهَا أَصْلَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ .
وَأَغْرَبَ الْإِمَامُ هُنَاكَ " أَيْضًا " فَنَقَلَ " عَنْ شَيْخِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ " بِقَبُولِهِ " الْفَسْخَ .
وَالْقَوْلَانِ فِي لَفْظِ الْإِقَالَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : كُلُّ مَا فُرِضَ عَلَى التَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ أَوْ الْإِقَالَةِ ، فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَا نَظَرَ إلَى لَفْظِ الْفَسْخِ فَالْفَسْخُ لَفْظٌ أَلِفَهُ الْفُقَهَاءُ وَمَعْنَاهُ رَدُّ شَيْءٍ وَاسْتِرْدَادُ مُقَابِلِهِ ، وَالْإِقَالَةُ مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ مَا تَقَدَّمَ ، وَرَدِّ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ .
تَنْبِيهٌ : هَذَا فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، أَمَّا الْجَائِزَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَرَاضِيهِمَا ، بَلْ لِكُلٍّ مِنْهَا الْفَسْخُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْجَائِزَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ يَفْسَخُ الرَّهْنَ ، وَالْعَبْدُ يَفْسَخُ الْكِتَابَةَ ، وَالْعَامِلُ فِي الْجَعَالَةِ وَنَحْوِهِ .
السَّابِعُ : مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ فَقَالَ : أَسْقَطْته هَلْ يَسْقُطُ ؟ نَظَرٌ ، إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَدَّدُ ضَرَرُهُ سَقَطَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَدَّدُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ السَّلَمِ ، وَقَدْ " بَيَّنْت " فُرُوعَهَا فِي بَحْثِ الْخِيَارِ .
الثَّامِنُ : الْفَسْخُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الرَّافِعُ لِلْعَقْدِ كَالْفَسْخِ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ أَوْ تَلَفِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ " بِعَيْبِ " أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ .
وَالْمَجَازُ أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا ، " بَلْ " قَاطِعًا كَالطَّلَاقِ لَيْسَ رَفْعًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ قَطْعًا لِلْعِصْمَةِ ، " وَكَذَلِكَ " الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ وَالْفَسْخُ رَافِعٌ لِلْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي " أَنَّ " الْفَسْخَ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ هَلْ هُوَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ : إذَا قُلْنَا مِنْ حِينِهِ فَهُوَ وَالْقَطْعُ سَوَاءٌ ، فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشِرَاؤُهُ اقْتَضَى أَحْكَامًا مِنْ الْمِلْكِ ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ مَثَلًا " أَوْ بَاعَهُ " أَوْ وَهَبَهُ كَانَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ قَاطِعَةً لِلْمِلْكِ وَلَيْسَتْ رَافِعَةً " لِشِرَائِهِ " ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ آثَارِهِ ، فَكَيْف تَرْفَعُهُ ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ " رَجَعَ " إلَيْهِ بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَكَانَ الْمِلْكُ الثَّانِي مُسْتَفَادًا مِنْ شِرَائِهِ السَّابِقِ عَلَى بَيْعِهِ ، وَلَيْسَ مِلْكًا جَدِيدًا بِالْفَسْخِ ، وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ كَانَ عَوْدُهُ إلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ مُبْتَدَأً .
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا " رَدُّهُ " لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ رَدَّهُ " عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ لَا يُعْتَقُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ ، " لِأَنَّ الْمِلْكَ " الْعَائِدَ هُوَ الْأَوَّلُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ " حَيْثُ " فَرَّقُوا بَيْنَ رُجُوعِهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَرُجُوعِهِ بِالْأَوَّلِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
التَّاسِعُ : الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ ؟ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ : الثَّانِي " حَيْثُ يَفُوزُ الرَّدُّ " بِالزَّوَائِدِ ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخِيَارِ إلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَعُودُ إلَى " الْفَاسِخِ " مَعَ الْفَسْخِ " أَوْ قَبْلَهُ " ، وَهَذَا النَّظَرُ أَدَقُّ مِمَّا قَبْلَهُ .
وَالْمُرَادُ بِارْتِفَاعِهِ مِنْ حِينِهِ ارْتِفَاعُ الْمِلْكِ " فِي الْمَبِيعِ " فَقَطْ دُونَ زَوَائِدَ ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الْفَسْخِ " بِخِيَارِ " الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الْإِقَالَةِ ، وَقِيلَ : فِي الْإِقَالَةِ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَيَجْرِي فِي الْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ .
وَلَوْ فُسِخَ الْمَبِيعُ بِالْفَلَسِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَى الثَّمَنِ ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَالزَّوَائِدُ لَهُ قَطْعًا .
وَمِثْلُهُ رُجُوعُ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ ، وَيَجْرِي فِي الِانْفِسَاخِ أَيْضًا ، فَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ ، وَهَلْ يُقَدَّرُ ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِ التَّلَفِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَهُنَا تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ حَكَوْا هَذَا الْخِلَافَ فِي الْفَسْخِ وَلَمْ يُطْرِدُوهُ فِي الْإِجَازَةِ هَلْ تَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ حُدُوثِهِ مِنْ حِينِهَا ؟ وَثَانِيهِمَا : أَنَّهُمْ لَمْ يُجْرُوا هَذَا الْخِلَافَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ، وَالْقِيَاسُ مَجِيئُهُ فِي الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ مِنْ أَصْلِهِ " أَنْ يُتَبَيَّنَ " " عَدَمُ الْوُقُوعِ ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّرْعَ سَلَّطَ الْعَاقِدَ عَلَى رَفْعِ أَحْكَامِهِ وَجَعَلَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ عُيُوبُهَا مُخْتَلِفَةً ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ .
إمَّا أَنْ يَرْفَعَ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ .
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَجِبْ
الْمُسَمَّى سَوَاءٌ كَانَ بِمُقَارِنٍ " أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ " .
وَإِنْ كَانَ مِنْ حِينِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ .
وَالتَّفْصِيلُ مَا وَجْهُهُ ؟ وَلِهَذَا السُّؤَالِ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَفْعٌ " لِلْعَقْدِ " مِنْ حِينِ حُدُوثِ سَبَبِهِ لَا مِنْ أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهَا الْمَنَافِعُ وَهِيَ لَا " تُقْبَضُ " حَقِيقَةً ، إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ " وَأَمَّا " الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَالرِّقِّ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِ قَاطِعَةٌ لَهُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَلَا تَعُودُ إلَى أَصْلِ " الْعَقْدِ " " قَطْعًا وَلَا يَقْتَضِي تَرَادَّ الْعِوَضَيْنِ ، بَلْ إنْ كَانَ مِنْهُمَا سَقَطَ الْمَهْرُ " ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلِهَذَا إذَا " اشْتَرَتْ " زَوْجَهَا سَقَطَ فِي الْأَصَحِّ " وَإِذَا " اشْتَرَاهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يُشْطَرُ فِي الْأَصَحِّ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهُمْ فَصَلُوا فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فِي تَشْطِيرِ الصَّدَاقِ " وَتَكْمِيلِهِ " وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، وَنَقَلُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ بِالنِّكَاحِ ، وَقَالَ فِي الْجَمِيعِ مَا كَانَ فَسْخًا حَقِيقَةً يَقْتَضِي رَدَّ الْعِوَضِ وَمَا كَانَ فَسْخًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَقَالَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ بِعَشْرَةٍ " دَفَعَهَا " وَاسْتَنْفَقَهَا الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَخَلَّفَ الدَّارَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ تَنْفَسِخُ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ : نَعَمْ ، وَقَالَ الشَّارِحُونَ : هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الشِّرَاءِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِصِفَةٍ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَتْ الْأَمَةُ : مَتَى أُعْتِقْت تَحْتَ " هَذَا " الْعَبْدِ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهِ لَمْ يَصِحَّ .
وَلَوْ أَسْلَمَ عَنْ زَوْجَاتٍ مُشْرِكَاتٍ وَقَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا ؛ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا إنْ أَرَادَ " بِهِ " حِلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : الْفُسُوخُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُقُودِ .
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا بِثَوْبٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَهُ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَجَدَ مُشْتَرِي الْعَبْدِ بِهِ عَيْبًا فَقِيلَ : يَرُدُّهُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : عَلَى الْوَجْهَيْنِ .
وَلَوْ تَقَايُلًا حَيْثُ لَا عَيْبَ وَقُلْنَا : الْإِقَالَةُ فَسْخٌ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ اغْتَفَرُوا فِيهَا حُصُولَ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْفَسْخِ وَإِنْ " لَمْ " يُخَيِّرُوهُ ابْتِدَاءً .
وَمِنْهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ ، وَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَجْهَانِ ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ ، " وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْجَوَازَ " ، وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَيَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ " فَأَجَازَ " ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي صُوَرٍ يَضْبِطُهَا أَنْ يَدُومَ الضَّرَرُ ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : إذَا اجْتَمَعَ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ تَغْلِبُ الْإِجَازَةُ إلَّا فِي " صُورَتَيْنِ " " إحْدَاهُمَا " إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَأَعْتَقَهَا فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ وَأَجَازَ فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ " ، كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَمَاتَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِجَازَةُ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : " يَصِحُّ " التَّوْكِيلُ فِي الْفُسُوخِ إلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهْوَةِ النَّفْسِ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَا يُوَكِّلُ فِيهِ فَإِنْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ جَازَ ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصِحُّ ضِمْنًا ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمَوْضِعُ التَّوْكِيلِ بِالْفَسْخِ إذَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَإِلَّا فَالتَّوْكِيلُ " فِيهِ " تَفْسِيرٌ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي .
الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَمِنْ ثَمَّ الْجَمَاعَةُ خَارِجَ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ دَاخِلَهَا .
وَالْجَمَاعَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّفَلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الرِّيَاءِ رَاجِعٌ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ لِلطَّائِفِ مُسْتَحَبٌّ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمْلُ إلَّا مَعَ الْبُعْدِ " عَنْهُ " آثَرَهُ ، لِأَنَّ الدُّنُوَّ فَضِيلَةٌ " مُتَعَلِّقَةٌ " بِالْمَكَانِ وَالرَّمْلُ فَضِيلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَنْ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ تَتَعَطَّلُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ " كَثِيرَةٍ " فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا فِيهِ أَفْضَلُ .
وَمِنْهَا : الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ ، كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنْ أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ : إنَّ " الْكَثِيرَةَ " فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَلِيلَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
فِعْلُ النَّفْسِ لَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ أَحَدٍ كَالْمُصَلِّي يَنْسَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالْقَاضِي وَالشَّاهِدِ يَنْسَيَانِ الْوَاقِعَةَ .
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : " إحْدَاهُمَا " حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّك فَعَلْته وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ لِخَبَرِهِمَا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ شَهِدَا " عَلَى " الْقَاضِي أَنَّك أَمَّنْت فُلَانًا الْكَافِرَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ حُكِمَ بِقَوْلِهِمَا ، " لِأَنَّهُ " شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ : وَمُرَادُهُ بِالْعَقْدِ أَيُّ عَقْدِ أَمَانٍ ، وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ ، وَلِأَنَّهُ بَابٌ مُوَسَّعٌ وَالْقَتْلُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْقَاضِي بِهَذَا بَلْ لَوْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ أَنَّك أَمَّنْت كَافِرًا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ .
كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ " فِعْلِ " نَفْسِهِ قَبِلْنَاهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ " إلَّا حَيْثُ تَتَعَلَّقُ " بِهِ " شَهَادَةٌ " كَشَهَادَةِ " الْمُرْضِعَةِ " وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ دَعْوَى كَوِلَادَةِ الْوَلَدِ الْمَجْهُولِ وَاسْتِلْحَاقِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ .
الْفِعْلُ يَنُوبُ عَنْ الْقَوْلِ مَعَ الْقَرِينَةِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا : الْمُعَاطَاةُ فِي الْبَيْعِ ، إذَا جَوَّزْنَاهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ وَجَدَ هَدْيًا مَذْبُوحًا مُشْعِرًا حَلَّ لَهُ تَنَاوُلُهُ فِي الْأَظْهَرِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَلَّدَ الْهَدْيَ أَوْ أَشْعَرَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ بَنَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا " وَقَضِيَّتُهُ " اللُّزُومُ .
وَمِنْهَا : لَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ رَأْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ كَمَنْ نَذَرَ حَلْقَهُ " فَيَلْزَمُهُ حَلْقُهُ " فِيهِ قَوْلَانِ مِمَّا سَبَقَ .
وَمِنْهَا : تَصِيرُ الْبُقْعَةُ مَسْجِدًا بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ إذَا بَنَاهَا فِي مَوَاتٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَمِنْهَا : الرِّدَّةُ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ : بِنَاءُ الْكَنَائِسِ رِدَّةٌ ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ : لِأَنَّ عِنْدَهُ إرَادَةَ الْكُفْرِ " كُفْرٌ " لَا لِذَاتِهَا ، لَكِنْ " لِكَوْنِهَا " اسْتِهَانَةً " بِالدِّينِ " .
الْفِعْلُ الْقَلِيلُ فِي الصَّلَاةِ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ صُوَرٍ : إحْدَاهَا : مَا فِيهِ لَعِبٌ كَمَا لَوْ صَفَّقَتْ الْمَرْأَةُ لِأَمْرٍ " نَابَهَا فِي صَلَاتِهَا " بِبَطْنِ الْيَمِينِ عَلَى " بَطْنِ " الْيَسَارِ ، لِأَنَّهُ لَعِبٌ ، وَقَلِيلُ اللَّعِبِ مُبْطِلٌ .
الثَّانِيَةُ : مَا إذَا كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ .
الثَّالِثَةُ : إذَا نَوَى " بِهِ " عَمَلًا كَثِيرًا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَلِيلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ .
وَمِثْلُهُ : إذَا سَكَتَ يَسِيرًا فِي الْفَاتِحَةِ نَاوِيًا قَطْعَهَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ
الْقَبْضُ وَالْإِقْبَاضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ : سَلِّمْهَا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إقْبَاضِ الزَّكَاةِ لِمُعَيَّنٍ ، وَلَوْ سَلَّمَتْ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ ثَبَتَ لِلسَّفِيهِ دَيْنٌ فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ " وَلِيِّهِ " فَوَجْهَانِ رَجَّحَ الْحَنَّاطِيُّ الصِّحَّةَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جُنَّ الْمُشْتَرِي فَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْهُ صَحَّ ، وَإِنْ قَبَضَ مِنْ مَجْنُونٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِصَاصِ بِالسَّيْفِ ، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ قِصَاصٌ ، فَاسْتَوْفَاهُ الْمُسْتَحِقُّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ .
الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاصِلِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ ، وَلَيْسَ كَالْقُدْرَةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْفَقِيرُ الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ غَنِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُوسِرِ نَفَقَتُهُ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ بِجِهَةِ الْفَقْرِ .
وَمِنْ الثَّانِي : الْمُفْلِسُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ نَعَمْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْغَرِيمِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الْأَصَحِّ ، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ ، لِوَفَاءِ الدَّيْنِ .
وَالْمُسَافِرُ الْفَاقِدُ لِثَمَنِ الْمَاءِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ لَا يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لَهُ ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ .
وَالْفَقِيرُ الْكَسُوبُ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ قَطْعًا وَتَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ قَطْعًا ، بَلْ تَلْزَمُ الْعَاجِرَ عَنْ الْكَسْبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَتَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ " حَتَّى يُوسِرَ " وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ " لِيَحُجَّ " كَمَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَهُ صَنْعَةٌ " يَكْتَسِبُ " فِيهَا كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ وَمَئُونَةَ حَجِّهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ كَانَ " يَكْتَسِبُ " فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأُولَى إذَا قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ فِي بَلَدِهِ " بِمَا " يَكْفِيه مَئُونَةُ أَيَّامٍ ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ .
وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ بِنْتِ مَخَاضٍ .
وَلَوْ كَانَ الْغَارِمُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَسُوبٌ يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ كَسْبِهِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْطِي بِخِلَافِ الْفَقِيرِ ، لِأَنَّ حَاجَتَهُ تَتَحَقَّقُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَالْكَسُوبُ يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ ، وَهُنَا الْحَاجَةُ حَاصِلَةٌ فِي
الْحَالِ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى " اكْتِسَابِ " مَا يَقْضِي بِهِ " دَيْنَهُ " عَلَى التَّدْرِيجِ .
وَمِثْلُهُ : الْمُكَاتَبُ .
وَمِنْ " هَذَا " يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى التَّحْصِيلِ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ " بِالْجُمْلَةِ " ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ .
وَأَمَّا الِاكْتِسَابُ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَرِدُ عَلَى الثَّانِي ، بَلْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوهُ فِي الْقَرِيبِ ، بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْكَسْبِ فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ فِي الزَّوْجَةِ لِالْتِحَاقِ نَفَقَتِهَا بِالدُّيُونِ .
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي صُوَرٌ : كَالْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ .
وَكَمَا لَوْ بُذِلَ " لِلْمُسَافِرِ " الْمَاءُ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَهُوَ وَاجِدٌ " الثَّمَنَ " يَلْزَمُهُ ، وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى ثَمَنِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ " يُعَدُّ وَاجِدًا لَهُمَا " حَتَّى يَلْزَمَهُ الْحَجُّ " وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى صَدَاقِ حُرَّةٍ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَيْهَا حَتَّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ الْأَمَةُ " .
وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى شِرَاءِ الْحَبِّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ " وَنَظَائِرُهُ "
الْقَرَائِنُ إذَا انْضَمَّتْ إلَى الضَّعِيفِ أَلْحَقَتْهُ بِالْقَوِيِّ ، لَكِنْ هَلْ الْعَمَلُ حِينَئِذٍ بِالْقَرَائِنِ وَحْدَهَا أَوْ بِالْمَجْمُوعِ ؟ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا احْتَفَتْ بِهِ الْقَرَائِنُ أَفَادَ الْعِلْمَ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَنَّ " الْخَبَرَ " الْمُرْسَلَ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ السَّبْعَةِ " الْمَشْهُورَةِ " الْتَحَقَ بِالْمُسْنَدِ .
وَمِنْهَا : الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الصَّبِيِّ الْمَوْثُوقِ بِهِ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَإِيصَالِ الْهَدِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَجَعَلَ النَّوَوِيُّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِ بِهِ قَرِينَةٌ " لِصِدْقِهِ " فَإِنْ احْتَفَتْ " بِهِ " اُعْتُمِدَ قَطْعًا .
وَمِنْهَا : إخْبَارُ الْفَاسِقِ أَنْ لَا مَاءَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ ، كَمَا " قَالَهُ " الْمَاوَرْدِيُّ لِاعْتِضَادِهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ .
وَمِنْهَا : مَسَائِلُ اللَّوَثِ جَمِيعُهَا فِي بَابِ الْقَسَامَةِ دَائِرَةٌ مَعَ الْقَرَائِنِ .
وَلَوْ ادَّعَى سَبْقَ اللِّسَانِ إلَى الطَّلَاقِ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ مِنْ مُدَّعِيه وَوُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَمَا إذَا قَالَ : طَلَّقْتُك ، ثُمَّ قَالَ : سَبَقَ لِسَانِي وَكُنْت أَقُولُ : " طَلَبْتُك " ، فَعَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ الْقَبُولُ .
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا اُتُّهِمَ فَإِنْ كَانَتْ " قَرِينَةٌ " تُصَدِّقُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمَهُ .
وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ مَعَ الْقَرِينَةِ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ .
وَمِمَّا لَمْ يُعْتَمَدْ فِيهِ عَلَى الْقَرِينَةِ مَسْأَلَةُ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَلِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : مَا صَلُحَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا صَلُحَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ " وَمِنْهَا : دَعْوَى السَّارِقِ أَنَّهُ مِلْكُهُ تُسْمَعُ وَإِنْ كَانَتْ الْقَرَائِنُ بِخِلَافِهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَى دَعْوَى " يَشْهَدُ الظَّاهِرُ بِكَذِبِهَا
مِثْلَ أَنْ ادَّعَى كَنَّاسٌ " عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِكَنْسِ دَارِهِ تُسْمَعُ " .
وَمِنْهَا : كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى " الصَّرَائِحِ " بِالْقَرَائِنِ .
وَمِنْهَا : لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمَنْصُوصِ مَا لَمْ يَشْرِطْهَا .
وَمِنْهَا : الْهِبَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ .
الْقُرْبَةُ مَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، كَذَا ضَبَطَهُ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي فِي الْأَسْرَارِ قَالَ : وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ " إيصَالُ " النَّفْعِ إلَى الْآدَمِيِّ .
وَأَوْرَدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ قُرْبَةً .
وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ السَّتْرُ عَادَةٌ وَمُرُوءَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَوْرَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : قُلْت : عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلَامِ قُرْبَةٌ ، " قَالَ " : لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ انْتَهَى .
وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْقَفَّالِ أَنْ يُجِيبَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْتَزَمَ الْقَفَّالُ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَقَالَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ : إنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ الْإِمَامِ وَلَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُثَبْ ، قَالَ : وَيَعْصِي لَوْ اسْتَوْفَاهُ " عَبَثًا " مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : الْقُرْبَةُ مَا يَصِيرُ الْمُتَقَرِّبُ بِهِ مُتَقَرِّبًا ، وَقِيلَ : هِيَ الطَّاعَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقُرْبَةِ الْعِلْمُ " بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ " فَمُحَالٌ " وُجُودُ الْقُرْبَةِ " قَبْلَ " الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " فَهُوَ وَاجِبٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ ، فَكُلُّ قُرْبَةٍ طَاعَةٌ وَلَا تَنْعَكِسُ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةٌ وَلَيْسَتْ " بِقُرْبَةٍ " ؛ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا " تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْهُ " .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقُرَبِ تَتَفَاوَتُ ، فَالْقُرْبَةُ فِي الْهِبَةِ "
أَتَمُّ " مِنْهَا فِي الْقَرْضِ ، وَفِي الْوَقْفِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ دَائِمٌ يَتَكَرَّرُ ، وَالصَّدَقَةُ " أَتَمُّ " مِنْ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ حَظِّهِ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ فِي الْحَالِ ، كَذَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ .
الْقُرْعَةُ وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ : الْأَوَّلُ : فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ تُسَاوِي الْمُسْتَحَقِّينَ كَاجْتِمَاعِ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ .
وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي الْحَاضِنَاتِ إذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ ، وَكَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْأَصَحِّ ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَقِّ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ ، وَقِيلَ : وَيَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ بِلَا قُرْعَةٍ .
الثَّانِي : فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهِ وَالْعَجْزِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : إنْ كَانَ " هَذَا " الطَّائِرٌ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ وَأَشْكَلَ لَا يُقْرَعُ مَا دَامَ الْحَالِفُ حَيًّا عَلَى الْمَذْهَبِ لِتَوَقُّعِ الْبَيَانِ وَقِيلَ : يُقْرَعُ كَمَا إذَا مَاتَ .
الثَّالِثُ : فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : إحْدَاهُمَا : الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ إذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ .
وَالثَّانِيَةُ : الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ .
وَالثَّالِثَةُ : عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ .
الرَّابِعُ : فِي حُقُوقِ الِاخْتِصَاصَاتِ .
كَالتَّزَاحُمِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَنِيلِ الْمَعْدِنِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا .
وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَبْضَاعِ ، وَلَا فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ الْمُبْهَمِ " مِنْ " الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا ابْتِدَاءً ، وَلَا فِي " لِحَاقِ " النَّسَبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ .
" وَلِهَذَا لَوْ " أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنْكَحَاهَا مَعًا فَبَاطِلَانِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِيهِ ، وَكَذَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا أَقْرَعَ فِي الْعِتْقِ وَلَمْ " يَفْعَلْ " فِي الطَّلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ
قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ النِّكَاحَ .
وَالْقُرْعَةُ لَا تَدْخُلُ فِي النِّكَاحِ بِالْإِجْمَاعِ .
وَالْعِتْقَ حَلَّ الْمِلْكَ .
وَالْقُرْعَةُ تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ .
وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ " تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الرَّقِيقِ ابْتِدَاءً وَهُوَ عِنْدَ الْغَنِيمَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ .
وَقَدْ تَدْخُلُ " فِي " الطَّلَاقِ إذَا كَانَ هُنَاكَ عِتْقٌ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا وَعِتْقَ الْعَبْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف دَخَلَتْ فِي شَيْئَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَدْخَلٌ فِي الْقُرْعَةِ .
قُلْنَا : يَجُوزُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الشَّيْئَيْنِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، " وَإِنْ " ثَبَتَ بِهِ أَحَدُهُمَا ، كَمَا أَنَّ الْقَطْعَ مَعَ الْغُرْمِ فِي السَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْغُرْمُ وَحْدَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " الْكِتَابَةِ ، وَالْإِقْرَاعُ فِي الْعِتْقِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمَرِيضُ إذَا اسْتَوْعَبَ التَّرِكَةَ بِإِعْتَاقٍ وَاقْتَضَى الشَّرْعُ إرْقَاقَ بَعْضِهِمْ .
الثَّانِي : إذَا أَبْهَمَ السَّيِّدُ الْإِعْتَاقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ " لَمْ " يَقُمْ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ ، " فَأَمَّا " إذَا " عَيَّنَ الْمُعْتِقُ " " وُقُوعًا " ثُمَّ اسْتَبْهَمَ فَلَا جَرَيَانَ لِلْقُرْعَةِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ ، أَوْ قَالَ الْوَارِثُ : لَا عِلْمَ لِي فَإِنَّهُ يُقْرَعُ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ ، ثُمَّ مَاتَ فَأَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ حُكِمَ بِعِتْقِهِ .
وَلَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقْرَعَ ثَانِيًا وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِآخَرَ وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ مَا فَعَلُوا أَيْ
وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِعِتْقِ الْقَارِعِ ثَانِيًا .
وَلَوْ أَقْرَعَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ قَالَ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْرَعَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ .
وَمِنْهَا : أَنَّهُ لَوْ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِوَاحِدٍ وَحَكَمْنَا بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَبَهَ قَالَ يُقْرَعُ ثَانِيًا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَعُرِفَ سَبْقُ " عِتْقِ " أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ أَسْبَقَ تَارِيخًا وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ ثُمَّ اشْتَبَهَ لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، بَلْ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ لِلسَّابِقِ " قَطْعًا فَلَوْ أَقْرَعْنَا فَرُبَّمَا أَرْقَقْنَا الْحُرَّ وَهَا هُنَا الْقُرْعَةُ ظَنٌّ لَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ " قَطْعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ تِلْكَ إنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ يُحْكَمُ بِعِتْقِ ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا ثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ إذَا عُرِفَ السَّابِقُ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ .
قَالَ : وَلَوْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ ، لَكِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ " بِأَنْ " قِيلَ : أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ فَأَخْرَجَ فَتَلِفَتْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ .
وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِهَا فَنَقُولُ : لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الطِّهَارَاتِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي هَذَا الْإِنَاءِ دُونَ " ذَلِكَ " وَآخَرُ بِالْعَكْسِ تَعَارَضَا ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ فَفِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّهَارَاتِ لَكِنْ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .
وَلَوْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ وَكَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُمَا
سَوَاءٌ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَعَلَى هَذَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَشْهُورُ " تَقْدِيمُ " الْجُنُبِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ بَذْلَ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ وَحَضَرَ رَجُلَانِ وَالثَّوْبُ لَا يَكْفِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ التَّوْزِيعُ وَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِالْقُرْعَةِ ، " قَالَ " " الْعِجْلِيُّ " وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَسْتُرُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ أَرَادَ الْإِنْصَافَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَمِنْهَا : فِي الْأَذَانِ إذَا تَنَازَعُوا فِي مَوْضِعِ تَسَاوِيهِمْ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ .
وَمِنْهَا : إذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي صِفَاتِ الْإِمَامَةِ وَتَشَاحَّا فِي " التَّقْدِيمِ " أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : إذَا سَبَقَ اثْنَانِ إلَى الْجُلُوسِ بِالْأَمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسَاجِد " أَوْ سَبَقَا " إلَى مَعْدِنٍ مُبَاحٍ وَضَاقَ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَكَذَا إذَا اجْتَمِعَا عَلَى " نَهْرٍ " مُبَاحٍ أَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ طِفْلًا وَتَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَالْأَوْلِيَاءُ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : إذَا " دَعَاهُ " اثْنَانِ مَعًا إلَى وَلِيمَةٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَمِنْهَا إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ " مَعًا " قَدَّمَ " إحْدَاهُمَا " بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ عِنْدَ السَّفَرِ بِالْقُرْعَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِجَمَاعَةٍ وَتَشَاحُّوا فِي الِاسْتِيفَاءِ أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : ازْدِحَامُ الْخُصُومِ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِي الْقِسْمَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ .
وَمِنْهَا : الْمُمَيِّزُ إذَا اخْتَارَ الْأَبَوَيْنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَيَكْفُلُهُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ " الْقُرْعَةُ " فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقِيلَ : يُقْرَعُ ، كَمَا لَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، بَلْ تُقَدَّمُ الْأُمُّ اسْتِصْحَابًا " لِمَا كَانَ لَهَا " " قَاعِدَةٌ " مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ " اسْتَقَلَّ " بِالْحَقِّ وَلَا يَحْتَاجُ إذْنَ الْبَاقِينَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَابُ الْقِسْمَةِ إذَا "
جَرَتْ " بِالتَّرَاضِي لَا بِالِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ " التَّرَاضِي " بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يَكْفِي الرِّضَا الْأَوَّلُ .
ثَانِيهِمَا : بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِبِنَائِهِ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ تَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ فَلَوْ مَنَعَ غَيْرَهُ امْتَنَعَ ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يُنْقَضُ " بِخُرُوجِهَا " لِغَيْرِهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إبْرَائِهِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ .
الْقُصَارَةُ جَعَلُوهَا " فِي الْفَلَسِ عَيْنًا وَفِي الْغَصْبِ أَثَرًا " وَالضَّابِطُ : أَنَّ الْوَضْعَ إنْ كَانَ " مُحْتَرَمًا " فَعَيْنٌ وَأَلَّا فَأَثَرٌ
الْقَضَاءُ مُقَابِلُ الْأَدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : لَا يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ " سَبَبُ " الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالسَّبَبِ " الْمُقْتَضِي " مَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ سَوَاءٌ قَارَنَهُ مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا ، فَإِذَا تَقَدَّمَ السَّبَبُ وَلَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ .
وَمَتَى لَمْ يَتَقَدَّمْ السَّبَبُ أَصْلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ وَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا يَقْضِي لِوُجُودِ " سَبَبِ الْوُجُوبِ " ، وَالنَّائِمُ يَقْضِي لِوُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي قَارَنَهُ " مَانِعُ " الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّوْمُ .
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا " انْعَقَدَ سَبَبُ " وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ ، إمَّا لِمَانِعٍ " أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ " أَوْ تَخْفِيفًا مِنْ الشَّارِعِ هَلْ يُسَمَّى تَدَارُكُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ ، فَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ حَقِيقَةٌ سَوَاءٌ تَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلِهِ " فِي الْوَقْتِ " كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ شَرْعًا كَالْحَائِضِ أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : إطْلَاقُ اسْمِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ ، لَكِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يَخْشَى الْهَلَاكَ فِي الصَّوْمِ وَتَرَدَّدَ فِي بَقِيَّةِ " الصُّوَرِ " ثُمَّ رَجَّحَ كَوْنَهُ مَجَازًا ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنْ يُلْحَظَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي النِّيَّةِ .
وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ : إحْدَاهَا " : أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إذَا بَلَغَ لَا يُؤْمَرُ " بِقَضَاءِ " الصَّلَاةِ ، " لَا إيجَابًا " وَلَا نَدْبًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي ذِمَّتِهِ " سَبَبُ " الْوُجُوبِ .
وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَتَرَكَهَا ثُمَّ بَلَغَ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَدْبًا ، كَمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَدَاؤُهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا قُلْنَا : إنَّهُ مَأْمُورٌ " بِأَمْرِ الشَّرْعِ " فَإِنْ قُلْنَا : بِأَمْرِ
الْوَلِيِّ فَلَا " وَقَدْ حَكَى " ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ رِوَايَةِ الْجِيلِيِّ فِي أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ وَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُمَا مَا ذَكَرْنَا الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا أَفَاقَ لَا يُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَحَبَّ ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّهِ رُخْصَةٌ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ تَخْفِيفًا ، لَكِنْ قَالُوا : إنَّهُ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ قَضَاءُ النَّوَافِلِ " لِسُقُوطِ " الْفَرَائِضِ .
الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْحَائِضَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ سُقُوطَهَا فِي حَقِّهَا عَزِيمَةٌ وَلَيْسَتْ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْوُجُوبِ ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ " أَبِي بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيِّ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ الْكَرَاهَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إلَّا مَا اتَّصَفَ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ ، " فَإِنَّهَا تُوصَفُ " بِالْأَدَاءِ وَلَا تُقْضَى .
وَمِثْلُهُ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَلَا يَدْخُلُهُ " الْقَضَاءُ " ، فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ " وَصَلَّى بِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ " وَقَعَتْ قَضَاءً ، وَلَا يُوصَفُ " الْوُضُوءُ " بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوصَفَ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ ، كَذَا تَرَدَّدَ فِيهِ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَقُّهًا ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ : الطَّهَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَابِسَ خُفٍّ فِي الْحَضَرِ فَأَحْدَثَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَثَلًا وَهُوَ مُقِيمٌ وَخَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُوَ مُقِيمٌ وَسَافَرَ ثُمَّ مَسَحَ فِي السَّفَرِ " فَإِنَّهُ " عِنْدَهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ الطَّهَارَةِ اللَّازِمَةِ .
وَلَوْ تَطَهَّرَ فِي الْإِقَامَةِ وَمَسَحَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَسْحُ مُقِيمٍ ، " فَكَذَلِكَ " فِي قَضَائِهَا .
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ إلَّا إذَا أَمْكَنَ وَصْفُهُ بِضِدِّهِ ، كَالْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ " لَا " يُوصَفُ بِهِمَا إلَّا مَا أَمْكَنَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُجْزِئٍ وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَكَيْفَ تُوصَفُ الْجُمُعَةُ بِالْأَدَاءِ وَلَا تَقَعُ " غَيْرَ " مُؤَدَّاةٍ .
وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَدْ يُوصَفُ " الشَّيْءُ " بِمَا لَا يُوصَفُ بِضِدِّهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا ، وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ اشْتِرَاكٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَقَبِلَتْ الْوَصْفَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِجَهْلٍ مِنْ فَاعِلِهَا سُمِّيَتْ قَضَاءً فَاسِدًا فَصَحَّ وَصْفُ الْجُمُعَةِ
بِالْقَضَاءِ لَمَّا صَحَّ وَصْفُ الصَّلَاةِ بِالْفَسَادِ ، وَقِيلَ : يُتَصَوَّرُ قَضَاءُ الْجُمُعَةِ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا وَتَكُونَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ بِسَبَبِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ثُمَّ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ ، لَكِنْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ الظُّهْرُ فَلَا يَقْضِي غَيْرَهَا .
الثَّالِثُ : الْعِبَادَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا " : مَا لَا يُوصَفُ بِقَضَاءٍ وَلَا أَدَاءٍ كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ وَإِنْ أَثِمَ الْمُؤَخِّرُ لَهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ فَلَوْ تَدَارَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً .
الثَّانِي : مَا يُوصَفُ بِهِمَا وَهُوَ مَا لَهُ وَقْتٌ " مُحَدَّدٌ " مِنْ الْفَرَائِضِ قَطْعًا ، " وَكَذَا " النَّوَافِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ .
الثَّالِثُ : " مَا قَبْلَ " الْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْجُمُعَةُ وَالْوُضُوءُ عَلَى مَا سَبَقَ وَحُكِيَ فِي الْبَيَانِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ " أَنَّ الْجُمُعَةَ " إذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا أَرْبَعًا ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ " الرَّكْعَتَيْنِ " ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَا مَعْنَى لِقَضَائِهَا فَإِنَّ النَّاسَ وَإِنْ سَقَوْا فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الِاسْتِسْقَاءِ " وَيُقِيمُونَهَا شُكْرًا " ، وَكَذَا صَلَاةُ " الْخُسُوفِ " لَا تُقْضَى بَعْدَ الِانْجِلَاءِ بِلَا خِلَافٍ ، " فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ " لَيْسَتْ بِمُؤَقَّتَةٍ ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ لِمَعْنًى فَفَاتَتْ بِفَوَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ " وَجَلَسَ " فَاتَتْ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَلَا نَقُولُ : يَقْضِي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا " لِسَبَبٍ " وَهُوَ احْتِرَامُ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ فَاتَ السَّبَبُ وَوُجِدَ التَّضْيِيعُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ بَانَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا لَا " يَلْزَمُهُ " الْقَضَاءُ وَلَوْ فَعَلَ كَانَ ابْتِدَاءَ فِعْلٍ ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ الْمُتَطَوِّعُ بِهَا ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَا يَقْضِي قَطْعًا ، لِإِمْكَانِ تَدَارُكِهَا أَدَاءً مِنْ السُّنَّةِ الْأُخْرَى ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ : قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْتَادُ صَوْمَ أَيَّامٍ تَطَوُّعًا فَتَرَكَ الصَّوْمَ فَلَيْسَ
" يَتَحَقَّقُ عِنْدِي " قَضَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ " أَفْسَدَهُ " بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِهِ فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ يَكُونُ ابْتِدَاءَ تَطَوُّعٍ ، وَالْأَيَّامُ الَّتِي رَغَّبَ " الشَّارِعُ " فِي التَّطَوُّعِ بِصَوْمِهَا إذَا لَمْ يَصُمْهَا فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ قَضَائِهَا ، وَلَوْ تَحْرُمُ " بِالصَّوْمِ " ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَقَدْ يَتَخَيَّلُ إمْكَانَ الْقَضَاءِ وَلَسْتُ أَرَاهُ " أَيْضًا " وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى " انْتَهَى " .
ضَابِطٌ : حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّقَرُّبُ بِهِ ابْتِدَاءً لَا يُقْضَى كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وُجُودِ سَبَبِهِمَا ، وَمَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِهِ ابْتِدَاءً كَنَافِلَةِ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا هَلْ تُقْضَى فِيهِ قَوْلَانِ .
وَمِنْهُ " سَجْدَةُ " التِّلَاوَةِ ، وَقَدْ نَازَعَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهَا فَإِنَّهَا رَكْعَتَانِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ مَعَ أَنَّ قَضَاءَ الْعِيدِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا .
الرَّابِعُ : يَنْقَسِمُ حَالُ الْمُكَلَّفِ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَقْسَامٍ " الْأَوَّلُ " مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ ، وَهُوَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ وَالْمُصَلِّي " عَارِيًّا " وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ .
الثَّانِي : مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَلَا الْقَضَاءُ " وَهُوَ " الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِيمَا فَاتَهُمَا مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْعُذْرِ .
الثَّالِثُ : مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ " الْمُكَلَّفُ " الْكَامِلُ إذَا أَدَّاهَا بِشَرْطِهَا ، وَكَذَا مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى .
وَيَنْقَسِمُ حَالُهُ فِي الصَّوْمِ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامَعِ فِي رَمَضَانَ .
ثَانِيهَا : مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُفْطِرُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَوْ " الْمَرَضِ " وَيَمُوتُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِ
.
ثَالِثُهَا : مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ .
رَابِعُهَا : عَكْسُهُ كَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " .
فَائِدَةٌ : قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ : كُلُّ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ إذَا تَرَكَهَا الْمُكَلَّفُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ أَوْ الْكَفَّارَةُ إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ إذَا أَوْجَبْنَاهُ فَدَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ ثَانِيًا يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ فَهُوَ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا بِالْقَضَاءِ نَعَمْ ، لَوْ صَارَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كَالْحَطَّابِ قَضَى لِتَمَكُّنِهِ .
وَقَدْ نُوَزِّعُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا " وَجَبَ " الْقَضَاءُ يَخْرُجُ ثُمَّ يَعُودُ مُحْرِمًا ، وَلَا نَقُولُ : إنَّ عَوْدَهُ يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ " كَمَا إذَا دَخَلَهَا لِنُسُكٍ " يَكْفِيهِ الْإِحْرَامُ بِهِ .
" وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ بِضْعُ عَشْرَةِ صُورَةٍ " لَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا : " إحْدَاهَا " : " الثَّانِيَةُ : مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ وَقِيلَ : يُمْكِنُ " الْقَضَاءُ " بِأَنْ يُسَافِرَ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا أَفْطَرَ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ .
" الثَّالِثَةُ " : إذَا تَرَكَ إمْسَاكَ يَوْمِ الشَّكِّ وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ وَاجِبٌ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ لِتَرْكِهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
" الرَّابِعَةُ " : إذَا فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْرَ مُتَحَرِّفٍ لِقِتَالٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ " إلَى فِئَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ مَتَى لَقِيَ مَنْ " يَجِبُ " قِتَالُهُ وَجَبَ قِتَالُهُ فَهَذَا اللِّقَاءُ لَا قَضَاءَ " لَهُ " .
" الْخَامِسَةُ " : رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهُ سَقَطَ عَنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ، " وَيُبْنَى " عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِرَدِّ
السَّلَامِ لَا يُقْبَلُ .
" السَّادِسَةُ " : لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَلَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ " أَيْضًا " " لَزِمَتْهُ " الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِهَذَا الثَّانِي قَضَاءٌ .
" السَّابِعَةُ " : مَنْ نَذَرَ " أَنْ يَحُجَّ " كُلَّ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ فَفَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي صِيَامِ الدَّهْرِ .
" الثَّامِنَةُ " إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَأَخَّرَ وَاحِدَةً فَصَلَّاهَا فِي آخَرِ الْوَقْتِ " التَّاسِعَةُ " : إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَتْلَفَ الْفَاضِلَ فِي يَوْمٍ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ قُوتِهِ بَعْدَ هَذَا يَسْتَحِقُّ التَّصَدُّقَ بِهِ بِالنَّذْرِ لَا بِالْغُرْمِ .
" الْعَاشِرُ " : لَوْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ فَمَلَكَ عَبْدًا وَأَخَّرَ الْعِتْقَ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ .
" الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ " : نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إذَا فَاتَ مِنْهَا يَوْمٌ أَوْ أَيَّامٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ [ قَضَاؤُهُ ] ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ .
" الْخَامِسُ " : مَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ تَارَةً يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا إذَا " أُفْسِدَتْ " الْعِبَادَةُ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَتَارَةً يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَا إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : " إحْدَاهُمَا " : فِي الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي هَذَا " الْعَامِ " وَجَبَ التَّدَارُكُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي السَّادِسُ : إنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ وَقَدْ فَاتَ .
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : يَجِبُ " اعْتِبَارًا لِلْقَضَاءِ " بِالْأَدَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ وَيَلْزَمُهُمْ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِعَايَةِ التَّتَابُعِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ
حَيْثُ إنَّ الْأَيَّامَ كَانَتْ مُتَتَابِعَةً فِي الْأَدَاءِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ .
وَمِنْهَا لَوْ لَمْ يَصُمْ الْمُتَمَتِّعُ الثَّلَاثَ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْعَشَرَةِ ، وَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَوْمِ الثَّلَاثِ " وَالسَّبْعِ " ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْأَدَاءِ ، كَمَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ صَوْمَ السَّبْعِ عَلَى الثَّلَاثِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ، لِأَنَّ التَّفَرُّقَ فِي الْأَدَاءِ كَانَ لِحَقِّ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ أُرْفِقَ بِهِ ، فَإِذَا صَارَ قَضَاءً سَقَطَ التَّفْرِيقُ ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأَدَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا قُضِيَتْ جَازَ قَضَاؤُهَا مُتَتَابِعَةً .
وَمِنْهَا " لَوْ " تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ جَازَ قَضَاؤُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بِاللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ فَعَلَى الْأَصَحِّ هَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ " بَيْنَ " الْقَضَاءِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ يَرْمِي أَوَّلًا عَنْ الْقَضَاءِ إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعًا ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْمِي عَنْ الْأَدَاءِ ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ " يَسْتَحِقُّ " عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَقْتِ ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا لَوْ تَرَكَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهُ فِي السَّفَرِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ " فِي السَّفَرِ ، قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ : إنْ كَانَ مَعْذُورًا حَالَ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَأَفْطَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ ، وَقِيلَ : يُفْطِرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي الْأَصْلِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ هُوَ أَنَّهُ ، لَوْ افْتَتَحَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ فِي الْحَضَرِ وَشَرَعَ فِي قَضَائِهِ " فِي السَّفَرِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لَوْ افْتَتَحَهَا تَمَامًا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَصْرُهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا
تَرَكَهَا فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي حَقِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ .
الْقِنْيَةُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اقْتِنَاءُ أُمُورٍ : مِنْهَا : الْكَلْبُ لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ " بَقِيَّةُ " الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ ، الْحَدَأَةُ " وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْحَيَّةُ " .
وَمِنْهَا : آلَاتُ الْمَلَاهِي حَتَّى " الشَّبَّابَةُ " وَزَمَّارَةُ الرُّعَاةِ .
وَمِنْهَا : أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَسَقْفُ الْبَيْتِ الْمَطْلِيُّ " بِهِمَا " إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ " لَوْ عُرِضَ " عَلَى النَّارِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ فَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَمْ يَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ حَرَامًا .
وَمِنْهَا : الْخَمْرُ " وَلَوْ " كَانَتْ مُحْتَرَمَةً عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَيْثُ أَوْجَبَ " إرَاقَتَهَا " مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْمَرَاوِزَةِ ، " وَتَابَعَهُمْ " الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَمِنْهَا : الصَّنَمُ وَالْأَوْثَانُ " وَالْقِرْدُ " وَمِنْهَا : الصُّوَرُ الْمَنْقُوشَةُ فِي الْجِدَارِ " وَالسُّقُوفِ " دُونَ مَا فِي الْمَمَرِّ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ وَمَا يُدَاسُ عَلَى الْبِسَاطِ ، فَهَذَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ وَلَا يَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ .
الْقِيمَةُ هَلْ هِيَ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْمُتَقَوِّمِ أَوْ هِيَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ رَغَبَاتُ الرَّاغِبِينَ فِي اتِّبَاعِهَا ؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي .
قُلْت : " وَفِي أَصْلِ " هَذَا الْخِلَافِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْغَصْبِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : وَهُوَ " يَقْرَبُ " بَعْضَ الْقُرْبِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُلَاحَةَ هَلْ هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ " أَوْ جِنْسٌ " يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ أَوْ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ مَيْلِ الطِّبَاعِ .
قُلْت : وَهَذَا الْخِلَافُ الثَّانِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ .
وَقِيمَةُ النِّصْفِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ .
وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّرَاجُعِ فِي خُلْطَةِ الزَّكَاةِ : قَدْ يَقْتَضِي الْأَخْذُ رُجُوعَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دُونَ التَّرَاجُعِ ، كَمَا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إبِلًا بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ " فَيَرْجِعُ " الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا صَوَابُ الْعِبَارَةِ ، وَلَا يُقَالُ : قِيمَةُ النِّصْفِ فَإِنَّهُ أَقَلُّ ، وَمَنْ عَبَّرَ بِهَا فَهُوَ مُتَأَوِّلٌ .
وَلَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : الْعِبَارَةُ " الْقَوِيَّةُ " أَنْ يُقَالَ : يَرْجِعُ بِنِصْفِ " الْقِيمَةِ " وَلَا يُقَالُ : بِقِيمَةِ النِّصْفِ ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا إنْكَارَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ : تَسَاهَلَ الْأَصْحَابُ فِي إطْلَاقِهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَمُرَادُهُمْ قِيمَةُ النِّصْفِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ .
انْتَهَى .
وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْمُطَلِّقَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ " الشَّطْرَ " فَإِذَا وَجَدَهُ " فَائِتًا " غَرِمَتْ لَهُ بَدَلَهُ وَهُوَ مِثْلُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَةُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ مُسَلَّمٌ ، " لَكِنْ " الزَّوْجُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَرْعًا إلَّا الشِّقْصُ
وَلَمْ تُتْلِفْهُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ .
فَإِنْ قِيلَ : الشَّرِيكُ إذَا أَتْلَفَ الْمُشْتَرَكَ الْمُتَقَوِّمَ يَغْرَمُ قِيمَةَ النِّصْفِ أَوْ نِصْفَ الْقِيمَةِ ؟ قُلْنَا : نِصْفُ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ إتْلَافَهَا إلَّا مِلْكَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْجَمِيعَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا الدُّخُولُ شَرْطٌ لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْغَصْبِ ، لَوْ غَصَبَ شَرِيكٌ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فِي عَبْدٍ مَثَلًا وَتَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ الْغَاصِبِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ : الْوَاجِبُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَا نَظِيرُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى التَّنْصِيفِ كَانَ الْوَاجِبُ قِيمَةَ النِّصْفِ لَا نِصْفَ الْقِيمَةِ .
وَكَذَا فِي الشُّفْعَةِ ، لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا بِنِصْفِ عَبْدٍ مَثَلًا فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَةُ نِصْفِ الْعَبْدِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى نِصْفِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَقَدْ نَبَّهَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَصَايَا .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَاقِ وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ " يُطَالِبُهَا " بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَهُوَ مَحِلُّ التَّوَقُّفِ .
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ وَهُوَ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِصْدَاقِ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِصْفِ " الصَّدَاقِ " مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَائِدًا فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَدْفَعَ لَهُ الْبَدَلَ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا " أَنَّهُ " لَوْ انْفَسَخَ " الْعَقْدُ " قَبْلَ الدُّخُولِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ كَالرَّضَاعِ وَرِدَّتِهَا وَالصَّدَاقُ زَائِدٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ إلَّا الْقِيمَةُ فَلَمَّا " تَخَيَّلْنَا تَعَلُّقَهُ " بِالْقِيمَةِ كُلِّهَا " تَخَيَّلْنَا " عِنْدَ " الشَّطْرِ " النِّصْفَ وَبِهَذَا تَنْفَصِلُ صُورَةُ الْإِصْدَاقِ عَنْ نَظَائِرِهَا .
حَرْفُ الْكَافِ الْكُفْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ إنْكَارُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِنْكَارِ " وُجُودِ " الصَّانِعِ وَنُبُوَّتِهِ " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " وَحُرْمَةِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ " مَجِيئُهُ بِهِ " قَالَ " الزَّنْجَانِيُّ " فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ : هَكَذَا ضَبَطَهُ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ " وَهُوَ غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْإِنْكَارُ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ ، وَالْكُفْرُ " قَدْ " يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَإِنْكَارُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَهُوَ كُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ ، وَأَيْضًا فَإِنَّا قَدْ نُكَفِّرُ الْمُجَسِّمَ وَالْخَارِجِيَّ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَأَيْضًا فَالطَّاعِنُ فِي عَائِشَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالْقَذْفِ كَافِرٌ إجْمَاعًا وَبَرَاءَتُهَا ثَبَتَتْ " بِالْقُرْآنِ " وَالْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ " لِلْعِلْمِ " فَضْلًا عَنْ الضَّرُورِيِّ وَشَرْطُ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَكِسًا ، قَالَ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَ الْأَقْوَالِ صَرِيحٌ فِي الْكُفْرِ وَبَعْضَهَا فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ وَمِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ بَالَغَ فِيهِ وَجَعَلَ يَعُدُّ أَلْفَاظًا جَرَتْ بِهَا عَادَةُ " الْعَوَامّ " سِيَّمَا الشُّطَّارُ " " مِنْهَا " مَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَا ، وَفِي الْجُمْلَةِ " تَعْدَادُ الصُّوَرِ " مِمَّا يَتَعَذَّرُ " أَوْ يَتَعَسَّرُ " حَتَّى قَالُوا : مَنْ أَنْكَرَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ الشَّرْعِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَهُوَ خَطَأٌ عَظِيمٌ وَجَهْلٌ ظَاهِرٌ .
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْمُجْتَهَدُ فِيهَا يُنْكِرُهَا الْمُخَالِفُونَ " فَلَا " شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ شَرْعٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ كَذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ ، فَالتَّكْفِيرُ وَالتَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ خَطَرٌ ، وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ وَعَلَى الْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَوَاقِعِ الشُّبْهَةِ وَمَظَانِّ الزَّلَلِ
وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ .
انْتَهَى .
وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ التَّكْفِيرِ بِأَفْعَالٍ كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ عَلَى الضَّابِطِ .
فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كُفْرًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بَاطِنًا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مُعَرِّفَاتٍ يَدُورُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ لَا يَأْتِي بِهَذَا وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ الْكُفْرُ عَنْ أَوَّلِ التَّصْدِيقِ .
الثَّانِي : أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ جَاحِدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ " وَالْعَوَامُّ " كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِكَافِرٍ .
قَالَ : وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ظَاهِرًا لَا نَصَّ فِيهِ فَفِي الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلَافٌ ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْسِنْ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْإِجْمَاعِ .
وَقَالَ : كَيْفَ نُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ مَنْ رَدَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا نُبَدِّعُهُ وَنُضَلِّلُهُ ، وَأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ ثُمَّ حَلَّلَهُ " فَإِنَّهُ " يَكُونُ " رَدًّا " لِلشَّرْعِ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الْخُمُسِ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا فَالْأَوَّلُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لَا " لِمُخَالَفَتِهِ " الْإِجْمَاعَ ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا " الزَّمَانِ " مِمَّنْ يَدَّعِي الْحِذْقَ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَيَمِيلُ إلَى الْفَلْسَفَةِ فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ " فِي حُدُوثِ " الْعَالَمِ مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ ، وَأَخَذَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ - أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَهَذَا " الْكَلَامُ " سَاقِطٌ بِمَرَّةٍ ، لِأَنَّ " حُدُوثَ " الْعَالَمِ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَيُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ .
الثَّالِثُ : لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ ، أَيْ لَا نُكَفِّرُهُمْ بِالذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ حَيْثُ كَفَّرُوهُمْ بِهَا .
أَمَّا تَكْفِيرُ بَعْضِ " الْمُبْتَدَعَةِ " لِعَقِيدَةٍ تَقْتَضِي " كُفْرَهُ " حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ أَوْ تَرْجِيحَهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِنَا : بِذَنْبٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِكُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِعَدَمِ كُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : تَكْفِيرُ مَنْ صَارَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ إلَى قِدَمِ الْعَالَمِ " وَإِنْكَارِ " حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَعِلْمِ اللَّهِ " تَعَالَى " بِالْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " قَالَ : لَا " يُكَفَّرُ " مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا " وَاحِدٌ " وَهُوَ مَنْ نَفَى عِلْمَ اللَّهِ عَنْ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا فَهُوَ كَافِرٌ .
وَمِنْ الثَّانِي : الْمُبْتَدِعُ الَّذِي لَا تَبْلُغُ بِدْعَتُهُ إنْكَارَ أَصْلٍ فِي الدِّينِ وَمِنْ الثَّالِثِ : مَنْ خَالَفَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعَقَائِدِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ : فَهَؤُلَاءِ أَمْرُهُمْ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا ، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ الْمُصَرِّحِينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ .
قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ التَّكْفِيرُ لِطَوَائِفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُ " بَعْضُهَا " بَعْضًا ، فَالْأَشْعَرِيُّ يُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " ، وَفِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالصِّفَاتِ ، وَفِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ .
وَالْمُعْتَزِلِيُّ يُكَفِّرُ الْأَشْعَرِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي التَّوْحِيدِ ، فَإِنَّ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ .
قَالَ : وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْجَهْلُ " بِمَوْقِعِ " التَّكْذِيبِ وَالتَّصْدِيقِ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ " نَزَّلَ " قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ الشَّرْعِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدَّرَجَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تُحَقِّقُ نَقْصًا فَهُوَ مِنْ " التَّعَبُّدِ " ، وَإِنَّمَا الْكَذِبُ أَنْ نَنْفِيَ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي " وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ الْمَحْضُ " ، وَلِهَذَا لَا " يُكَفَّرُ " قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ } ، فَإِنَّ مَنْ قَامَ عِنْدَهُ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ أَوْ عَدَمُ عَرَضٍ وَأَنَّ " قَلْبَ " الْعَرَضِ " جِسْمًا " مُسْتَحِيلٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَيُنَزِّلُ الْخَبَرَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِيَامَةِ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَمِدُونَ أَنَّهُ الْمَوْتُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حِسِّهِمْ لَا فِي الْخَارِجِ وَيَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الْيَقِينِ بِالْيَأْسِ عَنْ الْمَوْتِ .
قَالَ : وَقَدْ قَرَّرَ الْأَشْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَشَدُّ النَّاسِ غَلَطًا فِي التَّأْوِيلَاتِ .
وَقَدْ يَعْرِضُ الْخِلَافُ لِلْمُتَأَوِّلِينَ بِسَبَبِ الْبَحْثِ فِيهِ كَمَا فِي " حَدِيثِ وَزْنِ الْأَعْمَالِ " فَإِنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ ، وَقَدْ عُدِمَتْ ، فَأَوَّلَهُ " الْأَشْعَرِيَّةُ " عَلَى وَزْنِ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ وَأَنَّهُ يَخْلُقُ فِيهَا أَوْزَانًا بِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْأَعْمَالِ ،
وَالصَّحَائِفُ أَجْسَامٌ كُتِبَتْ فِيهَا ، " وَأَوَّلَ الْمُعْتَزِلَةُ نَفْسَ الْمِيزَانِ " ، " وَجَعَلَتْهُ " كِنَايَةً عَنْ سَبَبٍ " بِهِ " يَنْكَشِفُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِقْدَارُ عَمَلِهِ وَهُوَ أَبْعَدُ " فِي " التَّأْوِيلِ ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْخِلَافِ إلَى الْبَرَاهِينِ ، قَالَ " وَالْمُعْتَزِلِيُّ " يَقُولُ : لَا بُرْهَانَ عَلَى اسْتِحَالَةِ الرُّؤْيَةِ ، وَكَانَ كُلُّ " وَاحِدٍ يَرْفُضُ " مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ " وَلَا يَرَاهُ " دَلِيلًا قَاطِعًا ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَسُوغُ لِكُلِّ فَرِيقٍ تَكْفِيرُ خَصْمِهِ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِ أَنَّهُ غَالَطَ فِي الْبُرْهَانِ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ نُسَمِّيَهُ ضَالًّا ؛ لِأَنَّهُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ ، أَوْ مُبْتَدِعًا ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ .
انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : قَدْ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ ، وَقَالَ : اخْتَلَفْنَا فِي عِبَارَاتٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِمَنْ كَتَبَ إلَى عَبِيدِهِ " فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ " فَاخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِهِ هَلْ هُوَ أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْمَرُ ؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي " صِفَتِهِ " اخْتِلَافٌ فِي كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ ، فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْمُسْلِمِينَ فِي صِفَاتِ الْإِلَهِ " لَيْسَ " اخْتِلَافًا فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جِهَةِ " " كَوْنِهِ خَالِقَهُمْ " وَسَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ ، فَإِنْ قِيلَ : يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ " وَتَعَالَى " فِي جِهَةِ كَوْنِهِ حَادِثًا قُلْنَا : لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ ، لِأَنَّ الْمُجَسِّمَةَ جَازِمُونَ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ وَجَازِمُونَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ .
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَالْقِدَمِ وَفِي الْأَحْوَالِ كَالْعَالَمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَفِي تَعَدُّدِ
الْكَلَامِ وَاتِّحَادِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا فَاتَّفَقُوا عَلَى كَمَالِهِ بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ " " فِي " قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا جَازَ عَلَيْهِ } هَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ " هُوَ " كَذَلِكَ " وَهُوَ وَرْطَةٌ " عَظِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا خَلْقٌ " كَثِيرٌ " مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقَائِدِ حَكَمُوا بِتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَخَرَقَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَشَوِيَّةِ .
وَهَذَا الْوَعِيدُ لَاحِقٌ بِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ خُصُومُهُمْ كَذَلِكَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّكْفِيرِ وَسَبَبِهِ حَتَّى صُنِّفَ فِيهِ مُفْرَدًا وَاَلَّذِي " يَرْجِعُ " إلَيْهِ النَّظَرُ فِي هَذَا أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا ؟ فَمَنْ كَفَّرَ الْمُبْتَدِئَةَ قَالَ : إنَّهُ " مَذْهَبٌ فَيَقُولُ الْمُجَسِّمَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا جِسْمًا وَهُوَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ ، وَيَقُولُ : الْمُعْتَزِلَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِأَحْكَامِ الصِّفَاتِ فَقَدْ أَنْكَرُوا الصِّفَاتِ وَيَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ إنْكَارُ أَحْكَامِهَا ، وَمَنْ أَنْكَرَ أَحْكَامَهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، " وَلِذَلِكَ " الْمُعْتَزِلَةُ نَسَبَتْ " إلَى غَيْرِهَا الْكُفْرَ " بِطَرِيقِ الْمَآلِ ، قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا بِإِنْكَارٍ مُتَوَاتِرٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ عَنْ صَاحِبِهَا فَأَنَّهُ " يَكُونُ " حِينَئِذٍ " مُكَذِّبًا لِلشَّرْعِ وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاطِعِ مَأْخَذَ التَّكْفِيرِ ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُهُ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ السَّمْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ طَرِيقًا وَدَلَالَةً .
وَعَبَّرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ هَذَا بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ طَرِيقَ إثْبَاتِ الشَّرْعِ لَمْ يُكَفَّرْ كَمَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ الشَّرْعَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِطَرِيقَةِ كُفْرٍ ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ ، " قَالَ " وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ
يَعْنِي بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَا أُكَفِّرُ إلَّا مَنْ كَفَّرَنِي .
قَالَ الشَّيْخُ : وَرُبَّمَا خَفِيَ سَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ " عَلَى " بَعْضِ النَّاسِ وَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ " مَحْمَلِهِ " الصَّحِيحِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي " أَنْ " يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْحُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ : كَافِرٌ ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا } .
وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الْكُفْرُ لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ " إمَّا الْمُكَفِّرُ أَوْ الْمُكَفَّرُ " ، فَإِذَا كَفَّرَنِي بَعْضُ النَّاسِ فَالْكُفْرُ وَاقِعٌ بِأَحَدِنَا " وَأَنَا " قَاطِعٌ " بِأَنِّي لَسْت " بِكَافِرٍ فَالْكُفْرُ رَاجِعٌ إلَيْهِ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ " : مَا دَامَ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَتَكْفِيرُهُ صَعْبٌ وَمَا يَعْرِضُ فِي قَلْبِهِ " مِنْ " بِدْعَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ مُضَادَّةً لِذَلِكَ لَا يُكَفَّرُ وَإِنْ كَانَتْ مُضَادَّةً " لَهُ " فَإِذَا عَرَضَتْ غَفْلَتُهُ عَنْهَا وَاعْتِقَادُهُ لِلشَّهَادَتَيْنِ مُسْتَمِرٌّ " فَأَرْجُو أَنَّ ذَلِكَ " يَكْفِيهِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمِلَّةِ كَذَلِكَ وَيَكُونُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا كَفَرَ بِهِ لَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ تَوْبَتِهِ عَنْهُ فَهَذَا مَحِلُّ " النَّظَرِ " ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْعَقَائِدِ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ قَدْ لَا يَعْتَقِدُهَا صَاحِبُهَا إلَّا حِينَ بَحْثِهِ يَوْمًا لِشُبْهَةٍ تَعَرَّضَ لَهُ " أَوْ مُجَادَلَةٍ لِغَيْرِهِ " .
وَفِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ يَغْفُلُ عَنْهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمَوْتِ .
انْتَهَى .
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ " فَلَا " وَجْهَ " لِلْوَقْفِ " فِيمَنْ صَدَرَتْ " مِنْهُ " ؛ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ ثُمَّ أَتَى بِمَا يُضَادُّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ
الْمُضَادِّ فِي " كُلِّ آنٍ " وَغَفْلَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ " عَنْهَا " لَا يَقْتَضِي عَدَمَ مُؤَاخَذَتِهِ بِهَا ، كَمَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إذَا غَفَلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ، ثُمَّ قَالَ : فَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُبْتَدَعَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إذَا كَفَّرْنَاهُمْ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْلَادَهُمْ مُسْلِمُونَ مَا لَمْ يَعْتَقِدُوا بَعْدَ بُلُوغِهِمْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ مُسْلِمِينَ ظَاهِرًا وَحُكْمُ اعْتِقَادِ أَبِيهِ لَا يَسْرِي " إلَيْهِ " .
قُلْت : " إذَا " انْعَقَدَ الْوَلَدُ بَعْدَ صُدُورِ الْعَقِيدَةِ الْمُكَفِّرَةِ مِنْ أَبَوَيْهِ فَهُوَ كَوَلَدِ الْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ ، وَالْأَظْهَرُ كَمَا " قَالَهُ " النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الِاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ فَقَدْ أَجْرَوْا حُكْمَ اعْتِقَادِ أَبِيهِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى تَكْفِيرِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ أُصُولَ الْعَقَائِدِ بِأَدِلَّتِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَقْلًا وَنَقْلًا وَلَيْسَ الْإِيمَانُ عِبَارَةً عَمَّا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ " النُّظَّارُ " " بَلْ هُوَ نُورٌ " يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ فَلَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ، وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِلَفْظَةِ التَّوْحِيدِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ } وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ مَأْخَذَ " التَّكْفِيرِ " مِنْ الشَّرْعِ لَا مِنْ الْعَقْلِ إذْ الْحُكْمُ بِإِبَاحَةِ الدَّمِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ خِلَافًا لِمَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ .
انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ نُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ " عَلَيْهِ " جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ " الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ " وَقَالَ : لَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَقَالَ " عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ " : إذَا تَرَكَ النَّظَرَ فِي الدَّلِيلِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ مَا لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ عِنْدَهُ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكِهِ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ وَلِلَّهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ .
انْتَهَى .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إيمَانًا كَامِلًا لَا نَفْيَ " الْإِيمَانِ " مُطْلَقًا وَإِلَّا لِمَا أَدْخَلَهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ .
الرَّابِعُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ مِلَلٌ وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ } فَجَعَلَ الْكُفْرَ كُلَّهُ دِينًا وَاحِدًا ، وقَوْله تَعَالَى { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
" قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " : الْمُشْرِكُونَ فِي تَفَرُّقِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ يَجْمَعُهُمْ أَعْظَمُ الْأُمُورِ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ فَجَعَلَ " اخْتِلَافَهُمْ " كَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَالْمُسْلِمُونَ مُخْتَلِفُونَ ، وَالْكُلُّ عَلَى الْحَقِّ وَالْكُفَّارُ مُخْتَلِفُونَ وَالْكُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ " وَرَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ " أَنَّهُ مِلَلٌ وَاحْتَجَّ بِمَا لَوْ ارْتَدَّ الْيَهُودِيُّ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَا يَقِرُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَأْخَذُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ بَلْ الْمَعْنَى فِي عَدَمِ التَّقْرِيرِ " أَنَّهُ يَعْتَقِدُ " بُطْلَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ " وَلَا يَقِرُّ الشَّخْصُ " عَلَى مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ .
وَهُوَ إنْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ " اعْتِقَادٌ " مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
وَبَنَى عَلَى هَذَا " فُرُوعٌ " كَثِيرَةٌ : كَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ إنْ قُلْنَا : مِلَّةٌ ، وَإِلَّا امْتَنَعَ .
وَمِنْهَا : لَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةٌ وَلَهَا أَخٌ نَصْرَانِيٌّ وَأَخٌ يَهُودِيٌّ فَلَهُمَا الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَشَارَكُونَ فِي مِيرَاثِهَا إنْ قُلْنَا : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَلَا وَجْهَ لِتَرَدُّدِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ يَعْقِلُ الْيَهُودِيُّ عَنْ النَّصْرَانِيِّ .
وَمِنْهَا : بَيْعُ الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ مِنْ الْيَهُودِيِّ وَعَكْسِهِ " قَضِيَّةُ " كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْجَوَازُ وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِالْمَنْعِ خَوْفًا مِنْ نَقْلِهِ إلَى دِينِهِ وَهُوَ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ وَقَالَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِنَا تَهَوُّدَهُ أَوْ تَنَصُّرَهُ أَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ شِرَائِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْهُومٌ " وَإِنْ " كَانَ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ فَلَا مَحْذُورَ بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّا لَا نَقْنَعُ مِنْهُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْإِسْلَامِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَالصَّوَابُ مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ .
الْخَامِسُ : الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مَشْهُورٌ " وَأَنَّ " الْقَائِلِينَ بِتَكْلِيفِهِمْ هَلْ فَائِدَتُهُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْعِقَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَوْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا وَأَكْثَرُوا مِنْ الْفُرُوعِ فِي ذَلِكَ " بِمَا " حَاصِلُهُ " أَنَّا نُجْرِي " عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا تَنَاكَحُوا فَاسِدًا وَأَسْلَمُوا " ثَانِيهَا " : إذَا تَبَايَعُوا وَتَقَابَضُوا كَذَلِكَ .
" ثَالِثُهَا " : لَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ " الْمُكْثِ " فِي الْمَسْجِدِ وَلَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ " مَسِّهِ " الْمُصْحَفَ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ " رَابِعُهَا " : لَا يُحَدُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ .
" خَامِسُهَا " : نِكَاحُهُ الْأَمَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ " الشُّرُوطُ " .
سَادِسُهَا : لَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ " فِي الْأَصَحِّ وَمِثْلُهُ لُبْسُ الذَّهَبِ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ .
سَابِعُهَا : لَا تَلْزَمُهُ إجَابَةُ مَنْ دَعَاهُ إلَى وَلِيمَةٍ .
ثَامِنُهَا : لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ " وَقِيلَ " : يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ أَسْلَمَ تَاسِعُهَا : لَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِ بِحَنْيِ الظَّهْرِ إذَا مَنَعْنَا الْمُسْلِمَ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ عَاشِرُهَا : لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ لِلْجِهَادِ فِي الْأَصَحِّ .
حَادِيَ عَشَرَهَا : رَدُّ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ .
تَنْبِيهٌ : وَقَعَ الْغَلَطُ لِجَمَاعَةٍ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفُرُوعِ ، فَاعْتَقَدُوا عَدَمَ تَكْلِيفِهِمْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ شَرْعًا ، وَأَطْلَقُوا فِي حَقِّهِمْ الْإِبَاحَةَ حَتَّى اسْتَثْنَوْهَا مِنْ " هَذِهِ الْقَاعِدَةِ - يَعْنِي " قَاعِدَةَ التَّكْلِيفِ - وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَاحِشَةٌ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا : لَا يُمْنَعُونَ وَبَيْنَ قَوْلِنَا : لَهُمْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنْ الْإِذْنِ وَالْإِذْنُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَرِدْ وَقَدْ اسْتَنْكَرَ عِبَارَةَ " الْمِنْهَاجِ " فِيمَا إذَا صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ إحْدَاثَ الْكَنَائِسِ فَإِنَّهُمَا
تَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْغَصْبِ مِنْ تَعْلِيقِهِ أَنَّا لَا نُطْلِقُ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا يُخَالِفُونَ فِيهِ الشَّرْعَ لَفْظَ التَّقْرِيرِ لَا عَلَى الْكُفْرِ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَقَائِدِهِمْ الْخَبِيثَةِ وَإِنَّمَا جَاءَ الشَّرْعُ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَفَاءً بِالْعَقْدِ وَحِفْظًا لِعَقْدِ الْأَمَانِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا هُوَ التَّقْرِيرُ ؟ قُلْنَا " : لَا ، لِأَنَّ التَّقْرِيرَ يُوجِبُ فَوَاتَ الدَّعْوَى ، وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَا يُوجِبُ فَوَاتَهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَأْخِيرِ الْمُعَاقَبَةِ إلَى الْآخِرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ لَازِمَةً وَالدَّعْوَةُ قَائِمَةً ، وَتُؤَخَّرُ الْمُعَاقَبَةُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفِي لُزُومَ الْحُجَّةِ وَتَوَجُّهَ الدَّعْوَةِ .
" وَمِمَّا " أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَكَذَا حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَيُحَدُّ قَهْرًا وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِحُكْمِنَا " وَحُرْمَةُ " التَّصَرُّفِ فِي الْخَمْرِ بَيْعًا وَشِرَاءً .
وَلِهَذَا لَا يُؤْخَذُ ثَمَنُهَا مِنْهُمْ عَنْ الْجِزْيَةِ وَفِي الْمُبَايَعَاتِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَأَسْلَمَ وَأَحْرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ ، وَإِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا حَتَّى إذَا اُسْتُنْقِذَتْ مِنْهُمْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ .
وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُمْ " لِجِهَةِ الْمَعْصِيَةِ كَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ .
وَتَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي عَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ " لِجَرَيَانِهَا مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْمَئُونَةِ ، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى ابْتِدَاءٍ ، بَلْ
بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ .
ثُمَّ مَا أَتَوْا بِهِ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ صَحَّ كَالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ لَمْ يَصِحَّ كَالْعِبَادَاتِ .
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ غُسْلُهُ وَلَا وُضُوءُهُ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ وَجَبَ إعَادَتُهُ " خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ ، نَعَمْ يُبَاحُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا إذَا اغْتَسَلَتْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَرُدَّ تَكْفِيرَهُ بِالْعِتْقِ " حَتَّى " يُجْزِئَ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَعَ وُجُوبِ النِّيَّةِ " فِي " الْكَفَّارَةِ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا لِلتَّمْيِيزِ لَا لِلتَّقَرُّبِ ، وَالْمُمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ النَّذْرُ لِغَلَبَةِ شَائِبَةِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَقَعُ الِالْتِزَامُ فِيهِ " بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ " فَكَانَ كَوْنُ النَّاذِرِ مُسْلِمًا أَقْرَبَ إلَى " الرُّكْنِيَّةِ " .
وَأَمَّا مَا كُلِّفُوا بِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوهُ وَأَسْلَمُوا هَلْ يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ ؟ يُنْظَرُ : إنْ تَعَلَّقَ بِحَقِّ اللَّهِ " تَعَالَى " سَقَطَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ كَالْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ ، وَكَالزِّنَى فَإِنَّهُ " يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَلَوْ زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ " الْحَدُّ " عَلَى النَّصِّ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ " قُبَيْلَ " الْجِزْيَةِ .
وَإِنْ تَعَلَّقَ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَقَدَّمَهُ الْتِزَامٌ " بِذِمَّةٍ " أَوْ أَمَانٍ لَمْ يَسْقُطْ .
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ وَلَوْ قَتَلَ خَطَأً " أَوْ حَلَفَ " وَحَنِثَ أَوْ ظَاهَرَ وَأَسْلَمَ لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا " أَنَّهَا " مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ " وَلَا " يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ فِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي ذَنْبٍ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَالسَّبَبُ تَرْكُ التَّحَفُّظِ مِنْهُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ " وَهُوَ
لَيْسَ " مِنْ أَهْلِهَا وَاحْتَرَزْت " بِقَيْدِ " الِالْتِزَامِ عَنْ الْحَرْبِيِّ إذَا أَتْلَفَ نَفْسًا " أَوْ مَالًا " ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ .
الْكِنَايَةُ مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا " وَهِيَ " فِي بَعْضِ الْمَعَانِي أَظْهَرُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى " أَنَا مِنْك طَالِقٌ " وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ احْتَمَلَهُمَا " عَلَى السَّوَاءِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً وَمُرَادُهُ بِظُهُورِ بَعْضِ الْمَعَانِي أَيْ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ لَوْ قَصَدَ الْمَعْنَى الْبَعِيدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ وَأَرَادَ " مَعَ " فَطَلْقَتَانِ ، فَإِنَّ " فِي " تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى " مَعَ " وَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ مَقْبُولٌ فِي الْإِيقَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ .
وَتَلَطَّفَ الْقَفَّالُ " فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " فِي الْأَسْرَارِ .
الْكِنَايَةُ بِدَايَةُ " التَّصْرِيحِ " وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أُمُورٌ .
مِنْهَا : أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْمُرَادِ .
" وَمِنْهَا " : " هَلْ " يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِجَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْ لِآخِرِهِ أَوْ أَوَّلِهِ ؟ أَوْجُهٌ مَحْكِيَّةٌ فِي " كِتَابِ " الطَّلَاقِ ، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهَا فِي غَيْرِهِ " فِيمَا " يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا قَرَائِنُ التَّأْكِيدِ ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِلصَّرِيحِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ بَيْنُونَةً " كُبْرَى " لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ " لَوْ " قَالَ : تَصَدَّقْت بِهِ كَانَ كِنَايَةً فَلَوْ ضُمَّ إلَيْهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ كَانَ صَرِيحًا ، وَفِي الْوَسِيطِ فِي الْبَيْعِ : إذَا انْضَمَّتْ الْقَرَائِنُ حَتَّى أَفَادَتْ الْعِلْمَ صَارَ صَرِيحًا .
الْكَفَّارَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : هِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ : مُرَتَّبٌ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ " وَهِيَ " كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ وَالظِّهَارِ .
وَالثَّانِي : مُخَيَّرٌ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ وَهُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى .
وَالثَّالِثُ : فِيهِ تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا مِنْ النَّذْرِ وَالْإِيلَاءِ ، وَقَوْلُهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " فَالتَّخْيِيرُ " فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا أَتَى الْمُكَلَّفُ بِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ " كَانَ كَانَتْ أَدَاءً إلَّا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَإِنَّ لَهَا وَقْتُ أَدَاءً وَهُوَ إذَا " فُعِلَتْ " بَعْدَ الْعَوْدِ وَقَبْلَ الْجِمَاعِ ، وَوَقْتُ قَضَاءٍ وَهُوَ إذَا فُعِلَتْ بَعْدَ الْعَوْدِ وَالْجِمَاعِ " صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ الثَّالِثُ : هَلْ تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ إنْ لَمْ " يَتَعَدَّ " بِسَبَبِهِ " فَعَلَى " التَّرَاخِي وَإِلَّا فَعَلَى الْفَوْرِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا عَصَى بِالْحِنْثِ لَمْ يُبَحْ لَهُ تَأْخِيرُ التَّكْفِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ طَاعَةً أَوْ مُبَاحًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُبْرِئَ الذِّمَّةَ فَلَوْ أَخَّرَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ .
فَائِدَةٌ .
كَفَّارَةُ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ " يَعْتَوِرُهَا " الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ فَهِيَ أَدَاءٌ " أَوْ بَعْدَهُ " فَقَضَاءٌ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ
الْكُلِّيُّ الْمَجْمُوعَيْ " وَالْكُلِّيُّ الْإِفْرَادِيُّ " بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ فِي الْمَجْمُوعِيِّ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، وَفِي الْإِفْرَادِيِّ بِكُلِّ فَرْدٍ .
وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِفُرُوعٍ : الْأَوَّلُ : لَوْ " بَاعَهُ " صُبْرَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَخَرَجَتْ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ نُظِرَ إلَى " الْقَيْدِ " التَّفْصِيلِيِّ فِي كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ فَخَرَجَتْ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً لَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ بِالثَّمَنِ حَصَلَتْ " بِمَجْمُوعِ الْبَيْعِ " مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ " عَلَى " الْأَجْزَاءِ .
الثَّانِي : لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبِيدِهِ الْعَشَرَةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَ مُغَايِرًا ؛ لِقَوْلِهِ : بِعْ كُلَّ عَبْدٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ فِي الثَّانِيَةِ كُلَّ عَبْدٍ بِمُفْرَدِهِ بِعَشَرَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ عَنْهَا وَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَهُ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ عَبْدٍ بِمُفْرَدِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ بَيْعَ الْعَشَرَةِ بِمِائَةٍ دَيْنًا ، وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ كَانَ لَهُ بَيْعُ بَعْضِهِمْ بِدُونِ عَشَرَةٍ إذَا لَمْ يَنْقُصْ " مَجْمُوعُ " ثَمَنِ الْعَشَرَةِ عَنْ مِائَةٍ .
الثَّالِثُ : لَوْ أَجَّرَ الدَّارَ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا وَتَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ الرَّابِعُ : إذَا قَالَ : " وَاَللَّهِ " لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ ؛ كَانَ مُولِيًا مِنْهُنَّ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَارْتَفَعَ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّ الْبَاقِيَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَوْ قَالَ : لَا أُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ وَأَرَادَ الِامْتِنَاعَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ مُولِيًا عَنْهُنَّ جَمِيعًا ، قَالَ الْإِمَامُ : وَلَيْسَ التَّعْمِيمُ هَا هُنَا كَالتَّعْمِيمِ فِي "
لَا أُجَامِعُكُنَّ " فَإِنَّ اللَّفْظَ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّهُنَّ وَلَا يَحْصُلُ الْحِنْثُ بِجِمَاعٍ وَهَا هُنَا الْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِإِحْدَاهُنَّ " وَتَنْزِلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الْبَدَلِ "
الْكُلِّيَّاتُ كُلُّ عِبَادَةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِهَا إلَّا الصَّوْمَ وَالزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ .
كُلُّ عِبَادَةٍ يُخْرَجُ مِنْهَا بِفِعْلٍ يُنَافِيهَا وَيُبْطِلُهَا إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ " كُلُّ عِبَادَةٍ " شَمَلَتْ " أَرْكَانًا لَا يَجِبُ تَخْصِيصُ كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا بِنِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إذَا نَوَى أَصْلَ الْعِبَادَةِ إلَّا نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ " وَإِلَّا الطَّوَافُ عَلَى وَجْهٍ " .
كُلُّ وُضُوءٍ يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ إلَّا وُضُوءَ الْجَنَابَةِ .
كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ نَجَسٌ إلَّا الْمَنِيَّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَكَذَا " الْوَلَدُ " .
كُلُّ مَنْ صَحَّ إحْرَامُهُ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ صَحَّ بِالنَّفْلِ إلَّا ثَلَاثَةً مَذْكُورَةً فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ .
كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ .
كُلُّ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا لَمْ تَسْتَبِحْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ " مُحَرَّمًا " عَلَيْهَا فِي الْحَيْضِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : الصَّوْمُ " وَالطَّلَاقُ " وَالتَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ بِالِانْقِطَاعِ .
كُلُّ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ " صِحَّةً " مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ " فِي تَبَعِ الْمَقْضِيِّ كَتَبَعِ الْمَجْزِيِّ " .
" كُلُّ " مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ " صِحَّةً " مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ " يَصِحُّ " الِاقْتِدَاءُ بِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ إحْدَاهَا : اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ عَلَى الْجَدِيدِ .
الثَّانِيَةُ : الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى .
الثَّالِثَةُ : الْمُقْتَدِي يَقِينًا أَوْ ظَنًّا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ فَلَا يَتْبَعْ فَلَوْ بَانَ إمَامًا فَقَوْلَانِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا اقْتَدَى بِاثْنَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ مُتَابَعَتِهِمَا .
الْخَامِسَةُ : الصَّبِيُّ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .
السَّادِسَةُ : الْمُسْتَحَاضَةُ
الْمُتَحَيِّرَةُ إذَا قُلْنَا : لَا تَقْضِي كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ لَا يُشْرَعُ مِنْ أَصْلِهِ ، " وَلِذَلِكَ لَا يُحَدُّ الْمَجْنُونُ " " بِسَبَبٍ " وُجِدَ فِي عَقْلِهِ .
وَلَا السَّكْرَانُ " بِسَبَبٍ " وُجِدَ فِي صَحْوِهِ إذْ مَقْصُودُ الْحَدِّ الزَّجْرُ " وَهُوَ لَا يَحْصُلُ " ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أَمَتِهِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ بِدُونِهِ " مِمَّا " هُوَ أَقْوَى مِنْهُ .
نَعَمْ خَرَجُوا " عَنْ " هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَعَمْ فَهَذَا عَقْدٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ، لَكِنْ الْمَاوَرْدِيُّ نَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَبَيْعِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَقَضِيَّتُهُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ .
الثَّانِي : إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ " عَصَى بِالْيَمِينِ " وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ أَصْلًا كَمَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً يَبْطُلُ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ .
كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ فَعَلَى مُتْلِفِهِ " قِيمَتِهِ " إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْإِتْلَافِ وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ .
الثَّانِيَةُ : الْعَبْدُ إذَا قُتِلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ زَادَهَا الْقَفَّالُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
الثَّالِثَةُ : الْعَبْدُ التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا يُبَاعُ الْمُرْتَدُّ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ .
الرَّابِعَةُ : الزَّانِي الْمُحْصَنُ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَى قَاتِلِهِ شَيْءٌ وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ عَبْدًا مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْكَافِرِ إذَا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَاسْتُرِقَّ .
وَقَالَ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ : كُلُّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ إلَّا فِي " إحْدَى عَشْرَةَ " مَسْأَلَةً : أُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْحُرُّ يَقُومُ بِالْحُكُومَةِ وَالْوُقُوفِ وَالْمَسَاجِدِ ، وَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ بِنَاءٍ وَسُتُورٍ ، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةُ وَكَذَلِكَ صَيْدُ الْحَرَمِ وَشَجَرُهُ .
كُلُّ أَرْشٍ " يُؤْخَذُ " مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ مَسْحُوبٌ مِنْ الثَّمَنِ .
" وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ " مَعَ ارْتِفَاعِ الْعَقْدِ فَهُوَ مَسْحُوبٌ مِنْ الْقِيمَةِ وَبِذَلِكَ يَزُولُ " التَّنَاقُضُ عَمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ تَنَاقُضًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ .
كُلُّ عَيْبٍ يُوجِبُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَا لَا فَلَا ، وَمَا لَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَلَوْ خَصَى الْعَبْدَ ثُمَّ عَرَفَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَا رَدَّ وَإِنْ " زَادَتْ " قِيمَتُهُ ، وَلَوْ نَسِيَ الْقُرْآنَ أَوْ الْحِرْفَةَ ثُمَّ عَرَفَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَا " رَدَّ لِنُقْصَانِ " الْقِيمَةِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : إلَّا فِي " الْأَقَلِّ " ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : لَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فَقَطَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ ، كَمَا إذَا خَصَى الْعَبْدَ وَإِنْ كَانَ لَوْ اشْتَرَاهُ وَقَدْ قَطَعَ الْبَائِعُ أُصْبُعَهُ الزَّائِدَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا " شَيْنَ " لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِخِلَافِ الْخَصِيِّ انْتَهَى ، لَكِنْ خَالَفَهُ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ : لَهُ الرَّدُّ فَحَصَلَ وَجْهَانِ .
" كُلُّ " مَنْ مَلَكَ جَارِيَةً وَلَيْسَ فِيهَا عُلْقَةُ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إذَا اسْتَبْرَأَهَا " إلَّا الْمُبَعَّضَ وَالْمُكَاتَبَ وَمَالِكَ الْقِرَاضِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَكَذَا قَبْلَهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ ، لَكِنْ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فَلَا يُسْتَثْنَى ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ فَإِنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ .
كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ " حَقٌّ " وَامْتَنَعَ مِنْهُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ ، إلَّا الْمَعْضُوبَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ " وَامْتَنَعَ فَإِنَّهُ " لَا يَسْتَأْجِرُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا إذَا بَذَلَ لَهُ الطَّاعَةَ وَهُوَ فَقِيرٌ فَلَمْ يَقْبَلْ لَا يَقْبَلُ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَالْخِلَافُ " فِيمَنْ " طَرَأَ عَضَبُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ أَمَّا مَنْ بَلَغَ مَعْضُوبًا فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ إذْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ .
وَلَوْ نَذَرَ شَخْصٌ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَهَلْ لِلْحَاكِمِ مُطَالَبَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ " بِهَا " عَلَى الْفَوْرِ نَعَمْ إنْ فَرَضَ الْكَلَامَ فِي كَفَّارَةٍ تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَهِيَ الَّتِي فِيهَا مَحْظُورٌ وَفِي النَّذْرِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِالْفَوْرِ اُتُّجِهَ الْخِلَافُ .
وَلَوْ امْتَنَعَ " الذِّمِّيُّ " مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ الْمُلْتَزَمَةِ بِالْعَقْدِ مَعَ الْقُدْرَةِ اُنْتُقِضَ عَقْدُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ مَالِهِ " قَهْرًا " كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ " الدَّيْنِ " وَهَذَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ .
ثُمَّ الْمُمْتَنِعُ لِلْقَاضِي مَعَهُ أَحْوَالٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الْفِعْلِ خَاصَّةً وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ كَالِاخْتِيَارِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ فَإِنْ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ حُبِسَ وَلَا يُفْسَخُ عَلَيْهِ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَسْخِ كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي زَوْجَتَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْمُولِي مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِهِ " هُنَا " فَإِنَّ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مُعَيَّنَاتٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَلِّقَ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ .
وَكَمَا لَوْ جَاءَ الْبَائِعُ بِالْمَبِيعِ فَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَإِنْ " أَصَرَّ " أَمَرَ الْحَاكِمُ مَنْ يَقْبِضُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ غَائِبًا .
وَلَوْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ لِيَرُدَّهُ لِلْمَالِكِ فَامْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبْضِهِ ، لِأَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ ضَرَرًا بِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ مِنْ ضَمَانِ مَنَافِعِهِ وَضَمَانِهِ إنْ تَلِفَ فَإِنْ امْتَنَعَ نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَنْهُ نَائِبًا حَتَّى " يَقْبِضَهُ " عَنْهُ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا وَقُلْنَا : إنَّهُ يَجِبُ " عَلَيْهِ " " وَطْأَةٌ وَاحِدَةٌ " لِاسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ ، قَالَ الْإِمَامُ : فَعَلَى هَذَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَطَأَ .
قَالَ : وَلَمْ يَصِرْ أَحَدٌ إلَى أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِيلَاءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا : يُطَلِّقُ عَلَيْهِ لَأَدَّى ذَلِكَ " إلَى " قَطْعِ النِّكَاحِ وَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُهُ بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إزَالَةُ الضَّرَرِ فَإِذَا لَمْ يَفِ لَمْ يَبْقَ " مُعَيَّنًا " إلَّا الطَّلَاقُ ،
وَمِنْ ذَلِكَ إذَا " جَبَرَ " عَظْمَهُ بِنَجَسٍ مَعَ وُجُودِ الطَّاهِرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّزْعُ إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ .
الثَّانِي : مَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ كَحَقِّ " النِّكَاحِ " إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْمُجْبَرُ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلسُّلْطَانِ وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَ الْوَارِثَ إعْتَاقُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَعْتَقَهُ السُّلْطَانُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي " بَابِ " الْعِتْقِ " .
الثَّالِثُ : مَا " يُخَيَّرُ " الْحَاكِمُ فِيهِ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ حَبْسُهُ أَوْ النِّيَابَةُ عَنْهُ ، كَمَا إذَا امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ قَوْلَانِ " كَالْإِيلَاءِ " وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْبِسُهُ ، وَمِثْلُهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَامْتَنَعَ مِنْ عِتْقِهِ ، وَقُلْنَا : الْحَقُّ لِلَّهِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا فَيَجِيءُ خِلَافُ الْمُولِي حَتَّى يُعْتِقَهُ الْقَاضِي عَلَى قَوْلٍ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يَعْتِقَ عَلَى قَوْلٍ .
كُلُّ مَنْ أَخَذَ الشَّيْءَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إلَّا إذَا أَخَذَ مَالَ الْمُمْتَنِعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِيَبِيعَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ " فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ " عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ " كَالرَّهْنِ " قَالَهُ صَاحِبُ الْإِشْرَافِ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ عَلَى الْقَاعِدَةِ .
كُلُّ أَمِينٍ مُصَدَّقٌ فِي الرَّدِّ إمَّا جَزْمًا أَوْ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْمُسْتَأْجِرُ يَدُهُ عَلَى الْعَيْنِ يَدُ أَمَانَةٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ " عَلَى الْأَصَحِّ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ قَدْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِغَرَضِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ .
الثَّانِيَةُ : " الْمُرْتَهِنُ " لَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ .
كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ لَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ مُتَّهَمًا فِيهِ ، " وَاحْتُرِزَ " بِهَذَا عَنْ الْعَبْدِ يُقِرُّ بِالْجِنَايَةِ عَمْدًا يُقْبَلُ وَإِنْ أَضَرَّ بِالسَّيِّدِ وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِجِنَايَةِ الْعَمْدِ يُقْبَلُ وَإِنْ أَضَرَّ بِالزَّوْجِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ .
وَمَنْ أَقَرَّ " بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ وَيَضُرُّ غَيْرَهُ " قُبِلَ فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتُكِ عَلَى مِائَةٍ " فَقَالَتْ : بَلْ مَجَّانًا " ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَسَقَطَ الْمَالُ .
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَعْتَقْتُك عَلَى مَالٍ ، فَقَالَ الْعَبْدُ : بَلْ مَجَّانًا ؛ عَتَقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَى " رَجُلٍ " أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ " بِمُقْتَضَى " إقْرَارِ أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ انْتَقَلَ انْتِقَالًا يُوجِبُ " الشُّفْعَةَ تَبْطُلُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الشُّفْعَةُ لِكَوْنِ ذَلِكَ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِحَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ " هَذَا " صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ غَيْرُ " الْحَائِزِ " بِابْنٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ " قَطْعًا وَلَا يَرِثُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِامْرَأَةٍ تَحْتَهُ أَنَّهَا أُخْتُهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ " وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ النَّصِّ وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَمَّا سَبَقَ ، بِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَجُوزَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَالْعِوَضُ فِيهِمَا غَيْرُ " مُرْتَبِطٍ " كَارْتِبَاطِ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ .
كُلُّ عَقْدٍ فَسَدَ ثَبَتَ فِيهِ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْجِزْيَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي مَبَاحِثِ الْفَاسِدِ .
كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عُلِّقَ بِصِفَةٍ لَا يَقْتَضِي إطْلَاقُ الْعَقْدِ تِلْكَ الصِّفَةَ فَسَدَ بِالتَّعْلِيقِ قَطْعًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ : وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ " دِرْهَمٍ غَدًا ، فَقَالَ الْعَبْدُ : قَبِلْت أَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي غَدًا عَلَى أَلْفٍ " فَقَالَ الْمَوْلَى : أَعْتَقْته غَدًا عَنْك عَلَى أَلْفٍ ، فَإِذَا جَاءَ الْغَدُ عَتَقَ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ أَوْ الْمُسَمَّى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ " وَإِنْ كَانَتْ " لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ " بِالصِّفَةِ " وَالْمُعَاوَضَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَابِعَةٌ لِلْعِتْقِ فَوَجَبَ الْمُسَمَّى .
كُلُّ عَدَدٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ فَهُوَ تَحْدِيدٌ " بِلَا خِلَافٍ " كَالْحُدُودِ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِهَا وَالدِّيَةِ .
كُلُّ مَا كَانَ رَاجِعًا إلَى " مَحَلِّ " الِاجْتِهَادِ فَهُوَ الَّذِي تُرُدِّدَ فِيهِ كَقَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ بِالْأَرْطَالِ .
كُلُّ نَجَسٍ عُلِّقَتْ إزَالَتُهُ بِعَدَدٍ فَهُوَ وَاجِبٌ كَوُلُوغِ الْكَلْبِ وَالْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ .
كُلُّ مَا حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ .
كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ أَبَدًا حَلَّتْ رُؤْيَتُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا إلَّا الْمُلَاعَنَةَ .
كُلُّ حَيْضٍ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّلَاقُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ الْحَامِلُ إذَا قُلْنَا : تَحِيضُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَهَاهُنَا عِدَّتُهَا بِالْوَضْعِ .
كُلُّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ لَا يَقَعُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ ، اسْتَثْنَاهَا الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي : إحْدَاهَا : إذَا عَلَّقَ بِرُؤْيَتِهَا " الْهِلَالَ " فَرَآهُ غَيْرُهَا تَطْلُقُ .
الثَّانِيَةُ : قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ - طَلُقَتْ فِي الْحَالِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا عَلَّقَ بِصِفَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ " فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ .
الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ " فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ، قَالَ : وَكُلُّ طَلَاقٍ بِصِفَةٍ يَقَعُ بِمَجِيءِ الصِّفَةِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ " وَاحِدَةٍ " وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا إنْ طَلَّقْتُك غَدًا وَاحِدَةً فَإِنْ طَلَّقَهَا غَدًا وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ الْوَاحِدَةُ وَلَا الثَّلَاثُ الَّتِي فِي الْيَوْمِ .
وَذَكَرَ " صَاحِبَا الرَّوْنَقِ وَاللُّبَابِ " الْمُسْتَثْنَى مِنْ " الْأَوَّلِ " خَمْسُ صُوَرٍ وَزَادَا أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ لِدُخُولِ الدَّارِ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ رَضِيَ أَمْ لَا دَخَلَتْ أَمْ لَا ، وَتُحْمَلُ اللَّامُ عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَذَكَرَا بَدَلًا " الثَّالِثَةُ " إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً " قَبِيحَةً " تَقَعُ فِي الْحَالِ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ الْوُقُوعِ حَالًّا ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَصُوَرُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ : إنْ أَحْيَيْت مَيِّتًا وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ ، لَكِنْ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةٍ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، وَفِي اسْتِثْنَاءِ " الْأُولَى " نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، لِأَنَّ مَعْنَى رَأَيْت عَلِمْت وَهِيَ لَا تُطْلَقُ إلَّا بِالْعِلْمِ ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يُسْتَثْنَى .
وَيُزَادُ " عَلَيْهَا " صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " أَنْتِ طَالِقٌ " غَدًا " أَمْسِ أَوْ أَمْسِ غَدٍ " عَلَى الْإِضَافَةِ يَقَعُ فِي " الْحَالِ " " فَإِنَّهُ غَدًا أَمْسِ أَوْ أَمْسِ غَدٍ " " الثَّانِيَةُ : إذَا عَلَّقَ بِحَمْلِهَا
وَكَانَ ظَاهِرًا وَقَعَ فِي الْحَالِ " .
الثَّالِثَةُ : إذَا قَالَتْ لَهُ : يَا خَسِيسُ فَقَالَ : إنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَقَصَدَ الْمُكَافَأَةَ يَقَعُ حَالًا .
الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَكَذَا لَوْ قَالَ قَبْلَ قُدُومِهِ ، وَعَنْ إسْمَاعِيلَ الْبُوشَنْجِيِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا هَذَا وَأَصَحُّهُمَا إنْ قَدِمَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ عِنْدَ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَلَا " لِأَنَّ قَوْلَنَا هَذَا قَبْلَ هَذَا يَسْتَدْعِي وُجُودَهُمَا " وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وُجُودٌ .
كُلُّ مَنْ جَهِلَ " تَحْرِيمَ " شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَفَعَلَهُ لَا يُحَدُّ وَإِنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ " وَقَدْ سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْجِيمِ .
كُلُّ مَا جَازَ لِلْإِنْسَانِ " أَنْ يَشْهَدَ بِهِ " جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْحَقُّ لَهُ .
وَقَدْ لَا يَجُوزُ الْعَكْسُ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا : أَنْ يُخْبِرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ فُلَانًا " قَدْ " قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ غَصَبَ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَلَا يَشْهَدُ وَكَذَا لَوْ رَأَى بِخَطِّهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَنَّهُ قَضَاهُ ، وَكَذَا " خَطُّ " مُوَرِّثِهِ إذَا قَوِيَ عِنْدَهُ صِحَّتُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْهَدْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ بَابَ الْيَمِينِ أَوْسَعُ " إذْ " يَحْلِفُ الْفَاسِقُ وَالْعَبْدُ " وَمِمَّنْ " لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَشْهَدُونَ .
ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْفُرُوقِ .
كُلُّ " مَا شُرِطَ فِي الشَّاهِدِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْأَدَاءِ " لَا " عِنْدَ التَّحَمُّلِ إلَّا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ شُرُوطَهُ تُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَيْضًا لِتَوَقُّفِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ انْعِقَادُهُ بِالْمَسْتُورِ .
كُلُّ عِتْقٍ كَانَ عَنْ الْمَيِّتِ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُسْتَوْلَدَةَ وَتَابِعَهَا " وَالْمُعْتَقَ بِالْقَبْلِيَّةِ عَلَى الْمَرَضِيِّ " .
الْأَوَّلُ : " الصَّرِيحُ " يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ " وَلَا يَقْبَلُ إرَادَةَ غَيْرِهِ بِهِ وَالْمُحْتَمَلُ " يَرْجِعُ فِيهِ إلَى إرَادَةِ اللَّافِظِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : إذَا تَكَلَّمَ الْعَجَمِيُّ بِلِسَانِهِ بِكَلِمَةٍ تَحْتَمِلُ الْإِيلَاءَ وَغَيْرَهُ كَانَ كَالْعَرَبِيِّ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ " وَتَحْتَمِلُ " مَعْنَيَيْنِ " لَبِسَ " ظَاهِرُهُمَا الْإِيلَاءُ فَيَسْأَلُ فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْإِيلَاءَ فَهُوَ مُولٍ وَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ الْإِيلَاءَ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ طَلَبَتْ امْرَأَتَهُ .
انْتَهَى .
وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّلَاقِ " وَنَحْوِهِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةٌ نَصٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَظَاهِرٌ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ " وَمُحْتَمَلٌ بِتَرَدُّدٍ " بَيْنَ مَعَانٍ لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فَأَمَّا النَّصُّ فَلَا " مَحِيصَ " عَنْهُ ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنْ أَطْلَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عَلَى حُكْمِ ظُهُورِهِ ، وَإِنْ ادَّعَى اللَّافِظُ تَأْوِيلًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذْهَبِ يَطُولُ ، وَأَمَّا " الْمُحْتَمَلُ " الَّذِي لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُ بِجِهَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ صَاحِبِ اللَّفْظِ وَمِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ " كَمَا " لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ أَوْ ( مَالٍ ) عَظِيمٍ أَوْ " كَبِيرٍ " " وَنَحْوِهِ " وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي التَّلْقِينِ : لَفْظُ الْمُقِرِّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا غَيْرَ مُضَافٍ وَلَا مُحْتَمَلٍ وَلَا مَجْهُولٍ فَيَرْجِعُ إلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ دُونَ نِيَّتِهِ ، أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِهِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ " عَنْ " احْتِمَالِهِ ، أَوْ مَجْهُولًا فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى " بَيَانِهِ " وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ .
قُلْت : وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذَا أَخِي ، وَفَسَّرَهُ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، أَوْ بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْبَلْ قَطْعًا .
وَلَوْ قَالَ : غَصَبْت دَارَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت دَارَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ
حَكَاهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ ضَابِطًا فَقَالَ : مَنْ فَسَّرَ " اللَّفْظَ بِغَيْرِ " مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ يُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قُبِلَ ، لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ لَا عَلَيْهِ قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُدَنْ فِي الْحُكْمِ إنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ " مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَنَحْوِهِ " .
قُلْت : وَلَا يَقْبَلُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ " وَاحِدَةً وَنَوَى عَدَدًا ؛ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مُخَالِفٌ اللَّفْظَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ " وَاحِدَةً وَنَوَى عَدَدًا فَالْمَنْوِيُّ فِي الْأَصَحِّ ، نَعَمْ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ ، فَلَوْ قَالَ : نَوَيْت أَحْسَنَ فِي التَّعْجِيلِ وَهُوَ زَمَنُ الْحَيْضِ قُبِلَ فِي الظَّاهِرِ ، لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ " قَالَهُ " الْإِمَامُ ، وَقِيلَ : يَفْصِلُ فِي الْقَبُولِ بَيْنَ الْقَرِينَةِ وَغَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَ اسْمُهَا طَالِعًا ، وَقَالَ : أَرَدْته " فَالْتَفَّ الْحَرْفُ " " وَغَيْرُ " ذَلِكَ " وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ " " وَقَدْ " يَتَعَارَضُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ فَيَجِيءُ خِلَافٌ كَمَا لَوْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ ، " فَقَالَ " فِي الْجَوَابِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فَوَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ أَصَحُّهُمَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَسَبَقَ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي " الِاصْطِلَاحِ الْخَاصِّ هَلْ يُرْفَعُ الْعَامُّ " كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ مِنْ الرُّجُوعِ لِلَّافِظِ " هُوَ إذَا " كَانَ مَوْجُودًا وَأَرَادَ شَيْئًا " فَإِنْ " أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي بَابِ التَّدْبِيرِ فِيمَا إذَا قَالَ : إنْ مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت ، أَنَّهُ يُرَاجِعُ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى إرَادَتِهِ فَإِنْ أَطْلَقَ
فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : وَبِهِ أَجَابَ الْأَكْثَرُونَ حَمْلُهُ عَلَى " الْمَشِيئَةِ " بَعْدَ الْمَوْتِ حَمْلًا عَلَى الظَّاهِرِ ، وَالثَّانِي : حَمْلُهُ عَلَى " الْمَشِيئَةِ " فِي الْحَيَاةِ ، وَالثَّالِثُ : يَشْتَرِطُ " الْمَشِيئَةَ " فِي الْحَيَاةِ " وَالْمَشِيئَةُ " بَعْدَ الْمَوْتِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : " وَيَجِيءُ " هَذَا الْخِلَافُ فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ .
الثَّانِي : اللَّفْظُ إذَا وَصَلَ بِهِ لَفْظٌ وَقَبِلَ فِي الْحُكْمِ إذَا نَوَاهُ لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ وَيَدِينُ فِي الْبَاطِنِ إلَّا الِاسْتِثْنَاءَ فَإِنَّهُ إذَا وَصَلَهُ نُطْقًا يُقْبَلُ وَإِذَا نَوَاهُ لَا يَدِينُ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ .
وَأَجْرَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِ الْمَلْفُوظِ " بِهِ " بِقَيْدٍ فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ : لَوْ ذَكَرَ لَفْظًا وَنَوَى مَعَهُ أَمْرًا لَوْ صَرَّحَ بِهِ " لَانْتَظَمَ " مَعَ الْمَذْكُورِ فَفِي تَأْثِيرِهِ فِي الْبَاطِنِ وَجْهَانِ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " أَوْ نَوَيْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ .
انْتَهَى .
وَالْمَعْرُوفُ " فِي " الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَا يَدِينُ وَأَنَّهُ يَدِينُ فِي قَوْلِهِ : أَرَدْت أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ " أَوْ " إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " " يَرْفَعُ حُكْمَ " اللَّفْظِ كُلِّهِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ ، وَالتَّعْلِيقِ بِالدُّخُولِ وَمَشِيئَةِ زَيْدٍ لَا يَرْفَعُهُ ، بَلْ يُخَصِّصُهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ وَقَوْلُهُ عَنْ وَثَاقٍ تَأْوِيلٌ وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنًى إلَى مَعْنًى " فَكَفَتْ " " النِّيَّةُ فِيهِ " وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالنَّسْخِ لَمَّا كَانَ رَفْعًا " لِلْحُكْمِ " لَمْ يُجِزْ إلَّا بِاللَّفْظِ وَالتَّخْصِيصِ يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ كَمَا يَجُوزُ بِاللَّفْظِ .
" الثَّالِثُ " : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : اللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا ، وَلَا " يُحْمَلُ " عَلَى الِاحْتِمَالِ الْخَفِيِّ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَوْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَلِيلٌ فَمَنْ حَلِفَ بِالْقُرْآنِ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ .
" وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْعَوَامّ وَالْجُهَّالِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي قَوْلِهِمَا بَعْدُ " ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَلَا التَّجَوُّزُ بِالْمُصْحَفِ عَنْهُ بَلْ الْحَلِفُ بِهِ كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ .
قُلْت : بَلْ قَوْلُهُمَا هُوَ الْقَرِيبُ ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ " تَعَالَى " ، " وَالْعُرْفُ " لَا يُخَالِفُهُ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي لَمَحَهُ الشَّيْخُ فَذَاكَ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْإِيمَانِ " لَا تَنْبَنِي " عَلَيْهَا .
الرَّابِعُ : اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ الْمُكَلَّفِ إذَا عُرِفَ مَدْلُولُهُ فِي اللُّغَةِ أَوْ الْعُرْفِ لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَّا بِأُمُورٍ : أَحَدُهَا " أَنْ يُنْقَلَ عَنْهُ وَيَصِيرُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولُهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ فِي اللُّغَةِ وَصَارَ ذَلِكَ كَالنَّاسِخِ فِي الْأَحْكَامِ .
ثَانِيهَا : أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ غَيْرَ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ وَيَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ " وَقِيلَ " : لَا يُقْبَلُ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْ اللَّفْظِ وَبُعْدِهِ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ لِوُجُودِ لَفْظِ الْجَمْعِ فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت بِهَذِهِ الثَّلَاثِ قُبِلَ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت شَرَابًا مُعَيَّنًا قُبِلَ لِعُمُومِ لَفْظِ " الْجَمْعِ " وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ ، وَقَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ " الْحَالَيْنِ " فَيُقْبَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَأَمَّا " إذَا نَوَى بِاللَّفْظِ مَا لَا إشْعَارَ لَهُ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ كَمَا سَبَقَ فِي " أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً " وَنَوَى ثَلَاثًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً مِنْ عَطَشٍ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ غَيْرِ الْمَاءِ وَأَكَلَهُ وَإِنْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا عُرْفَ يَقْتَضِيهِ لَغَا .
وَهَذَا كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ يَشْتَرِطُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُوصِي فِيهِ كَقَوْلِهِ : فِي قَضَاءِ دُيُونِي ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت لَك - لَغَا ، لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا
إذَا فَهِمَ الْعَامِّيُّ " مِنْ " اللَّفْظِ شَيْئًا آخَرَ " لَمْ " يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَا نَوَاهُ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ مِنْ الْحَالِفِ بِالْحَرَامِ أَيْشُ تَفْهَمُ مِنْهُ لَوْ سَمِعَتْ غَيْرَك يَحْلِفُ بِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفَهْمِهِ عَلَى نِيَّتِهِ .
وَلَوْ كَانَ فَهِمَ الْعَوَامُّ حُجَّةً لَمْ يَنْظُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يَصْدُرُ عَنْهُمْ وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ وَيَجْرِي الْأَمْرُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا لُغَةً وَشَرْعًا سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَقَدْ الْتَزَمَ حُكْمَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ تَفَاصِيلَهُ حِينَ النُّطْقِ بِهِ ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ شَاهِدَةٌ لِذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ " لَمَّا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أُلْزِم بِحُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ وَكُلُّ مَنْ " اسْتَفْتَانَا " " فَإِنَّمَا " نُفْتِيهِ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ .
ثَالِثُهَا : أَنْ " يَسْبِقَ " لِسَانُهُ إلَيْهِ كَمَا فِي لَغْوِ الْيَمِينِ وَالطَّلَاقِ وَكَلِمَةِ الرِّدَّةِ ، لَكِنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ إلَّا بِقَرِينَةٍ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ : لَوْ حَلَفَ ، وَقَالَ : لَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ صَدَقَ إلَّا فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَإِيلَاءٍ فَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَوْ " قَالَ : بِاَللَّهِ " ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت يَمِينًا مَاضِيَةً قُبِلَ بَاطِنًا وَكَذَا ظَاهِرًا إنْ عَلِمَ وَإِلَّا فَالنَّصُّ يُقْبَلُ .
رَابِعُهَا : أَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ لَكِنْ يَقْصِدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْكِيَ لَفْظُ غَيْرِهِ أَوْ يَقْصِدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ وَنَحْوِهِ .
خَامِسُهَا : أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ بِحُكْمِهِ وَيُمْكِنُ صِدْقُهُ لِقُرْبِ إسْلَامِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ فَقَالَ ابْنُهُ : لَسْت أَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ
كَافِرًا سُئِلَ فَإِنْ فَسَّرَ بِالِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبِدَعِ " يُقَالُ " : لَك مِيرَاثُهُ وَاعْتِقَادُك خَطَأٌ .
وَمِنْهَا قَضَاءُ " الْحَنَفِيِّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ ، فَقَالَ : أَخَذْته بَاطِلًا لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ .
" وَمِنْهَا " مَاتَ رَجُلٌ عَنْ أَمَةٍ " أَوْلَدَهَا " بِنِكَاحٍ فَقَالَ : وَارِثُهُ لَا أَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ " وَلَدٍ " عَتَقَتْ " بِمَوْتِهِ " يُقَالُ : هِيَ مَمْلُوكَتُك وَلَيْسَتْ بِأُمِّ وَلَدٍ .
وَمِنْهَا : فِي الْقَسَامَةِ ، لَوْ قَالَ : ظَلَمْتُهُ بِالدِّيَةِ " بِكَذِبِي ، وَجَبَ " الرَّدُّ وَإِنْ قَالَ : لِأَخْذِي بِالْقَسَامَةِ فَإِنِّي حَنَفِيٌّ فَلَا .
سَادِسُهَا : أَنْ " يَبْنِيَهُ " عَلَى ظَاهِرٍ عِنْدَهُ ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافُهُ .
وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَ النَّجْمَ الْأَخِيرَ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَقَالَ : اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَا يُعْتَقُ .
وَمِثْلُهُ : لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ مُوهِمٍ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَقَعُ بِهِ فَتُوُهِّمَ وُقُوعُهُ أَوْ أَفْتَاهُ جَاهِلٌ بِوُقُوعِهِ فَأَخْبَرَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ " بِنَاءً " عَلَى ذَلِكَ لَا يَقَعُ " وَمِنْهَا مَاتَ عَنْ جَارِيَةٍ " أَوْلَدَهَا " بِنِكَاحٍ فَقَالَ وَارِثُهُ : لَا أَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ وَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ " فَقَالَ " لَهُ : هِيَ مَمْلُوكَتُك وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالنِّكَاحِ .
وَمِثْلُهُ : مَا لَوْ ادَّعَى قَتْلًا وَأَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ قَالَ " ظَلَمْته " وَأَخَذْته بَاطِلًا ، وَقَالَ : أَرَدْت أَنْ لَا أَعْتَقِدَ حِلَّهُ " " لَمْ يَسْتَرِدَّ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ " فَقَالَ " ابْنُهُ لَسْت أَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ " اسْتَفْسَرَ " فَقَالَ " كَانَ رَافِضِيًّا أَوْ مُعْتَزِلِيًّا فَيُقَالُ لَهُ : لَك مِيرَاثُهُ " وَأَنْتَ مُخْطِئٌ فِي اعْتِقَادِك " وَمِنْهَا : لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ أَلْفٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَكُونُ إبْرَاءً عَنْ خَمْسِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ لِيَصِحَّ لَهُ الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَصِحَّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا
ثُمَّ أَذِنَ لِلْمُشْتَرِي فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ .
وَمِنْهَا : " مَا " فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا لَهُ " فَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ الْيَدِ " فَقَالَ الْمُدَّعِي : تَبَرَّأْت مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا دَعْوَى لِي فِيهَا ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا دَعْوَى لِي فِيهَا " بَنَاهُ " عَلَى " قَوْلِهِ " تَبَرَّأْت مِنْهَا وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْعَيْنِ لَا تَصِحُّ .
وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " كَثِيرَةٌ " وَلَا يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ بَلْ تَجْرِي فِي الْفِعْلِ فَمَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى ظَنِّ السَّهْوِ كَالْعَدَمِ ، " وَالتَّعَمُّدِ " عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ لَا يَتَحَقَّقُ " فِيهِ الْعَمْدُ بِهِ " .
وَمِثْلُهُ يَجِبُ قَضَاءُ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِفِطْرِهِ لَا يُبَاحُ فِيهِ حَقِيقَةً .
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا ثُمَّ تَكَلَّمَ عَامِدًا لَا تَبْطُلُ " لِبِنَائِهِ " عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ .
" الْخَامِسُ " : - اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْعَقْدِ إذَا وَجَدَ مَعَهُ مَا يُنَافِيهِ بَطَلَ " لِلتَّهَافُتِ " .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ وَأَجَّرْتُك الدَّارَ بِلَا أُجْرَةٍ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ وَاللَّفْظُ الْمُحْتَمَلُ عَقْدَيْنِ وَيَتَمَيَّزُ بِالصِّلَةِ فَإِذَا قَالَ : مَلَّكْتُك بِالثَّمَنِ كَانَ بَيْعًا ، وَلَوْ قَالَ : بِلَا عِوَضٍ كَانَ هِبَةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّمْلِيكِ يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ .
وَإِذَا قَالَ : بِعْتُك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِعَشْرَةٍ كَانَ إجَارَةً وَلَوْ قَالَ : بِلَا " أُجْرَةٍ " كَانَ عَارِيَّةً .
وَلَوْ قَالَ : قَارَضْتُك اقْتَضَى اشْتِرَاكَهُمَا فِي الرِّبْحِ فَإِذَا شَرَطَ خِلَافَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : كُلُّهُ لِي أَوْ كُلُّهُ لَك كَانَ فَاسِدًا " فَلَوْ " قَالَ : أَقْرَضْتُك هَذَا الْمَالَ اقْتَضَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُسْتَقْرِضِ " فَإِذَا " قَالَ : عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِي أَوْ بَيْنَنَا بَطَلَ وَكَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا .
وَلَوْ قَالَ : أَبَضْعَتك هَذَا الْمَالَ صَارَ بِضَاعَةً بِمَعْنَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمَالِكِ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ ، فَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا " أَوْ لَك " كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا .
وَلَوْ قَالَ : خُذْ هَذَا بِنَظَرِ مَا يَصْلُحُ لِلْقِرَاضِ أَوْ الْقَرْضِ فَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَمَلَ بِهِ حَكَى الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ، فَأَمَّا فِي " الْأَقَارِيرِ " فَالتَّنَافِي غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بَلْ الْعَمَلُ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَإِذَا قَالَ : لَهُ " عَلَيَّ " أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَقَدْ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ : الْكَلَامُ بِآخِرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : زَنَيْت وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ مُكْرَهَةٌ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ .
وَمِثْلُهُ بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ " لَا يَصِحُّ " فِي الْأَصَحِّ .
السَّادِسُ : - قَاعِدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ إرَادَةَ " الْمَعْنَى " مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ فَالْحَالُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَ إطْلَاقِهِ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْمُطَلِّقُ أَنَّهُ نَوَى الْمَعْنَى الْغَالِبَ وَأَرَادَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
ثَانِيهَا : أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّهُ نَوَى الْمَعْنَى الْمُحْتَمَلَ غَيْرَ الْغَالِبِ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَحْضُرَهُ " أَنَّهُ " نَوَى الْغَالِبَ وَلَا غَيْرَهُ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ : فَيَنْوِي فِيهِ وَيَعْمَلُ بِمَا نَوَاهُ .
وَأَمَّا [ الثَّانِي ] فَهُوَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُحْتَمَلِ " إلَّا لِمَانِعٍ " وَفِيهِ تَفْصِيلٌ " بَيْنَ " مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ وَأَلْفَاظِ " الشَّارِعِ " فِي الْمَأْمُورَاتِ وَبَيْنَ أَلْفَاظِ " الْمُكَلَّفِينَ " فِي أَيْمَانِهِمْ وَتَعْلِيقَاتِهِمْ " وَفِيهِ طُولٌ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ : فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَلْحَقُ بِمَا " وُجِدَتْ " فِيهِ نِيَّةُ الْغَالِبِ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْغَالِبِ " إذْ " يَسْتَحْضِرُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : يَجْرِي مَجْرَى مَا وُجِدَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْغَالِبِ لِغَلَبَةِ إرَادَةِ الْغَالِبِ عِنْدَ الِاسْتِرْسَالِ لِلْإِطْلَاقِ وَلَهُ الْتِفَاتٌ إلَى قَاعِدَةٍ عَقْلِيَّةٍ .
الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالْعِلْمِ بِالْعِلْمِ بِالشَّيْءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ حُضُورِ الشَّيْءِ وَحُضُورِ تَذَكُّرِهِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَاضِرًا وَلَا " يَحْضُرُنَا " " تَذَكُّرُهُ " " فَعَلَ " ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ .
وَالْمَلَكَاتُ النَّفْسَانِيَّةُ " كُلُّهَا " مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ( الْعَقْلِ ) لَا يَحْصُلُ الْفِعْلُ إلَّا بِهِ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ كَانَ الشَّرْطُ حَاضِرًا .
وَإِلَّا لَوُجِدَ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ شَرْطِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِالْعِلْمِ بِهِ أَوْ حَصَلَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرْ تَذَكُّرُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ حُضُورِهِ .
مِثَالُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ
تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ التَّرْكِيبِ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَتَقَدُّمِ بَعْضِهَا " عَلَى بَعْضٍ " ضَرُورَةً ثُمَّ إنَّهَا تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ إلَى أَنْ تَصِيرَ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ فَيَكْتُبُ مَا شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " أَنْ يَكْتُبَ وَلَا يَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ رَتَّبَ التَّرْتِيبَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ انْتِظَامُ الْكِتَابَةِ .
وَفِي التَّحْقِيقِ قَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ لَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ تَذَكُّرُهُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، وَكَذَلِكَ وَنَقُولُ " فِي الْكَلَامِ إذَا كَثُرَ " اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى " وَتَكَرَّرَ " عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الِاسْتِرْسَالِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَوْ سُئِلَ الْمُتَكَلِّمُ هَلْ تَسْتَحْضِرُ أَنَّك أَرَدْت بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الْمُعَيَّنَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَضَرَتْهُ النِّيَّةُ " فِيهَا " بِعَيْنِهَا " وَيَجْرِي " هَذَا النَّظَرُ فِي بَعْضِ دَلَائِلِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ كَالْبَدْوِيِّ إذَا أَطْلَقَ لَفْظَ " الْبَيْتِ " فِي يَمِينِهِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ بَيْتًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى بَيْتِ الشِّعْرِ حَتَّى يَحْنَثَ بِدُخُولِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إرَادَتُهُ مَعَ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ وَبِهَذَا عَلَّلُوا حَمْلَ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ الْبَدْوِيِّ عَلَى بَيْتِ الشِّعْرِ ، وَقَالُوا : إذَا أَطْلَقَهُ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ إرَادَتُهُ كَالْبَدْوِيِّ حُمِلَ عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ الْوَضْعِ وَغَلَبَتْ الْإِرَادَةُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لِإِرَادَةِ بَيْتِ الشِّعْرِ لَمْ تَسْتَحْضِرْ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اسْتَحْضَرَتْ لَمْ " تَضُمَّ " إلَى التَّعْلِيلِ لِغَلَبَةِ " الْإِرَادَةِ .
وَمِنْهَا " لَوْ " حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ " لَا يَحْنَثُ " بِلَحْمِ السَّمَكِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ أَنَّهُ نَوَى اللَّحْمَ الْمُعْتَادَ لِغَلَبَةِ إرَادَتِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَهَذَا يُخَالِفُ مَسْأَلَةَ الْبَدْوِيِّ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّ "
اعْتِبَارَ " الْإِرَادَةِ ثُمَّ وَافَقَ الْوَضْعَ ، " وَاعْتِبَارُ " الْإِرَادَةِ هَا هُنَا خَالَفَهُ مُخَالَفَةُ التَّخْصِيصَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ انْتَقَلَ الِاسْمُ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الْوَضْعِيَّةِ إلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ بَابِ اتِّبَاعِ الْوَضْعِ لَا لِلنَّظَرِ إلَى غَلَبَةِ الْإِرَادَةِ لَكِنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ فِي كُلِّ مَكَان .
الْمَائِعُ الْجَارِي حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْجِرْيَةُ إذَا كَانَتْ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَائِعِ بَلْ يَحْكُمُ عَلَى جَمِيعِهِ بِالنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمَاءِ .
الثَّانِيَةُ : الْمَائِعُ إذَا تَنَجَّسَ وَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يَعُودُ طَهُورًا بِخِلَافِ الْمَاءِ وَمِنْ هَذَا أَنَّ الْمَائِعَ إذَا تَنَجَّسَ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْمَاءِ .
مَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لَا يُوجِبُ أَهْوَنُهُمَا بِعُمُومِهِ كَزِنَى الْمُحْصَنِ لِمَا " أَوْجَبَ " أَعْظَمَ الْحَدَّيْنِ بِخُصُوصِ زِنَا الْمُحْصَنِ وَهُوَ الرَّجْمُ لَا يُوجِبُ مَعَهُ أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْجَلْدُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًى ، وَكَذَلِكَ زِنَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ الْجَلْدَ وَتَحْصُلُ مَعَهُ الْمُلَامَسَةُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ ، وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ مَنِيًّا فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِعُمُومِ كَوْنِهِ حَدَثًا ، وَكَذَلِكَ الْإِيلَاجُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا " يُوجِبُ " مَعَهُ الْوُضُوءَ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَطْرَافِ إذَا أَفَضْت إلَى الْمَوْتِ تُوجِبُ دِيَةَ النَّفْسِ وَلَا تَجِبُ مَعَهَا دِيَةُ الْأَطْرَافِ .
وَقَدْ نُقِضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِصُوَرٍ : " مِنْهَا " الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ حَيْضًا وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ بِأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَلَا يُوجِبَانِ الْوُضُوءَ فَعَلَى هَذَا اسْتَقَامَتْ عَلَى الْقَاعِدَةِ .
" وَمِنْهَا " الْوِلَادَةُ تُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ .
وَمِنْهَا : مَنْ اشْتَرَى أَمَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَوَطِئَهَا لَزِمَهُ الْمَهْرُ لِاسْتِمْتَاعِهِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ " إذَا " كَانَتْ بِكْرًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إزَالَةِ الْعَيْنِ .
وَالْمَهْرُ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ فَلَمَّا اخْتَلَفَ سَبَبُهَا لَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُمَا وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَيْعِ .
وَقِيلَ : يَنْدَرِجُ الْأَرْشُ فِي الْمَهْرِ وَصَحَّحَهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَهِدُوا عَلَى مُحْصَنٍ بِالزِّنَى فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُمْ لَكِنْ يُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ أَوَّلًا ثُمَّ يُرْجَمُونَ ، " وَذَكَرَ " الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْغَنِيمَةِ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ يَرْضَخُ لَهُ مَعَ السَّهْمِ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَمِنْهُمْ مَنْ " نَازَعَ " كَلَامَهُ فِيهِ ، وَقَالَ : " يُزَادُ " مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ .
مَا تَعَلَّقَ بِسَبَبَيْنِ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا سَبَقَتْ قَاعِدَتُهُ فِي " حَرْفِ السِّينِ "
مَا اقْتَضَى عَمْدُهُ الْبُطْلَانَ اقْتَضَى سَهْوُهُ السُّجُودَ كَالْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَالرُّكُوعِ الزَّائِدِ إلَّا فِي الْحَدَثِ فَإِنَّ عَمْدَهُ وَسَهْوَهُ مُبْطِلٌ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ " وَإِلَّا " فِيمَا إذَا " تَنَفَّلَ " عَلَى الدَّابَّةِ وَحَوَّلَهَا عَنْ صَوْبِ مَقْصِدِهِ وَعَادَ عَلَى الْفَوْرِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا فَلَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْجُدُ فِي الْأَصَحِّ .
" وَمَا " لَا يَقْتَضِي عَمْدُهُ الْبُطْلَانَ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ إلَّا فِيمَا إذَا نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَفَاتِحَةٍ " فِي " رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِعَمْدِهِ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ " وَإِلَّا " فِيمَا لَوْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ " فَإِنَّ " عَمْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا وَتَذَكَّرَهُ " بَعْدَ " أَنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ فَإِنَّهُ " لَا " يَقْعُدُ وَيَسْجُدُ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ فَأَتَمَّ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي التَّشَهُّدِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ الْإِتْمَامَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَمَا لَوْ طَوَّلَ الرُّكْنَ الْقَصِيرَ ، وَقُلْنَا " بِالْمُخْتَارِ " لَا يَبْطُلُ عَمْدُهُ فَالْأَصَحُّ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ .
مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ سَبَقَتْ فِي " حَرْفِ الْحَاءِ " .
وَمِنْهُ الصُّوَرُ الْمُقَدَّمَةُ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ كَالْمَرْهُونِ وَالْجَانِي وَالْمَبِيعِ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا مَعَ أَنَّ وَفَاءَ " الدَّيْنِ " مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّجْهِيزِ ، وَتَقَدَّمَ الْمُرْتَهِنُ فِي أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُرْتَهِنٍ .
وَلَوْ تَنَازَعَ " الْمُتَبَايِعَانِ " فِي " الْبُدَاءَةِ " بِالتَّسْلِيمِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ فِي الْأَظْهَرِ ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَبِيعِ مُعَيَّنٌ وَالثَّمَنُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ أَحَقُّ " بِالتَّقْدِيمِ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ " .
وَلَوْ رُقَّ الْحَرْبِيُّ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَغَنِمْنَا مَالَهُ مَعَ اسْتِرْقَاقِهِ فَلَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي عَيْنِهِ وَالدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ سَبَقَ الرَّهْنَ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ فَاتَهُ الْعَيْنُ فَلَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الذِّمَّةُ ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَزِيدُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ .
وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ ، قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ : الْجِنَايَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ وَالْغُرَمَاءُ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ .
مَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي فُرُوعِ التَّعْلِيقَاتِ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُك بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِي الرَّجْعَةَ سَقَطَ قَوْلُهُ بِأَلْفٍ وَيَقَعُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الْمَالَ " ثَبَتَ " بِالشَّرْطِ وَالرَّجْعَةُ بِالشَّرْعِ فَكَانَ أَقْوَى ، وَنَحْوَهُ تَدْبِيرُ الْمُسْتَوْلَدَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا بِالْمَوْتِ ثَابِتٌ " بِالشَّرْعِ " فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى تَدْبِيرٍ .
وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَنَوَى عِتْقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِالْقَرَابَةِ حُكْمٌ قَهْرِيٌّ وَالْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ يَتَعَلَّقُ بِإِيقَاعِهِ وَاخْتِيَارِهِ .
وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ إذَا أَحْرَمَ بِالتَّطَوُّعِ أَوْ النَّذْرِ وَقَعَ " ذَلِكَ " عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ " لِأَنَّ الْوُقُوعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ " مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْعِ وَوُقُوعُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ " مُتَعَلِّقٌ بِإِيقَاعِهِ عَنْهُمَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
وَمِثْلُهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُ الْوَاجِبِ .
وَلَوْ نَكَحَ أَمَةً لِمُورِثِهِ ثُمَّ قَالَ : إذَا مَاتَ سَيِّدُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَمَاتَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ يَرِثُهُ ؛ فَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ " لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُقْتَضَى لِلِانْفِسَاخِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ فَقُدِّمَ أَقْوَاهُمَا وَالِانْفِسَاخُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالْقَهْرِ شَرْعًا وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ اسْتَنْبَطَهَا " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ " لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِبْحًا " وَبَنَى عَلَيْهَا فُرُوعًا " كَثِيرَةً " .
كَمَنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِيَقِينِهِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ " مُسْتَيْقِنٌ " فَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ " أَمْ لَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَهَلْ طَلَّقَ " ثِنْتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ وَمِنْهَا الْأَقَارِيرُ ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مُتَيَقِّنَةٌ " فَلَا شُغْلَ " إلَّا بِيَقِينٍ فَحَيْثُ يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ الْإِقْرَارَ وَعَدَمَهُ لَا يَثْبُتُ نَعَمْ لَوْ قَالَ " لَهُ " عَلَيَّ دِرْهَمٌ ؛ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَازِنٌ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمًا خَفِيفًا وَلَمْ أُرِدْ الْوَزْنَ بَلْ الشَّكْلَ وَالصُّورَةَ لَمْ يُقْبَلْ .
قَالَ الْإِمَامُ : فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ بِنَاءَ الْإِقْرَارِ عَلَى " إلْزَامِ " الْيَقِينِ وَطَرْحِ الشَّكِّ عَلَى اسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، وَهَذَا الْأَصْلُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ الْمُقِرِّ بِالدِّرْهَمِ الْمُطْلَقِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ إرَادَةِ الشَّكْلِ دُونَ الْوَزْنِ ، قُلْنَا : هَذَا قَوْلُ " مَنْ لَمْ يَحُطَّ بِنِهَايَاتِ " الْأُمُورِ فَإِنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ فِي الْإِقْرَارِ يَجْرِي عَلَى مُوجِبِ ظَاهِرِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي " وَضْعِ " اللِّسَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ فَإِنَّ الصَّرِيحَ مَا يَتَكَرَّرُ عَلَى الشُّيُوعِ أَمَّا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَوْ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ ، وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لَزِمَ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يُقْبَلُ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الظَّاهِرِ فِي الظَّاهِرِ وَأَمْرُ السِّرِّ مُحَالٌ عَلَى الْأَحْكَامِ الْبَاطِنَةِ .
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ حَكَمْنَا بِالطَّلَاقِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْ الزَّوْجِ فِي الظَّاهِرِ " قَوْلُهُ " أَرَدْت مِنْ وَثَاقٍ
وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ حَقُّهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الظَّاهِرِ فِي ظَوَاهِرِ الْأَحْكَامِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْأَقَلِّ إذَا كَانَ لَفْظُ الْمُقِرِّ مُحْتَمَلًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ اللَّافِظِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْمَفْقُودَ لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ وَلَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ " يَتَيَقَّنُ " أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَمْثَالُهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْحَيَاةِ مُتَيَقِّنٌ فَلَا نَرْفَعُهُ إلَّا بِيَقِينٍ .
وَمِنْهَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَمْسُ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِكُلٍّ مِنْهَا " يَقِينًا " .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ الْأُسْبُوعِ وَنَسِيَهُ " صَامَ آخِرَ الْأُسْبُوعِ " وَهُوَ الْجُمُعَةُ فَإِنْ يَكُنْ فَذَاكَ وَإِلَّا وَقَعَ قَضَاءٌ كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ " السَّبْتُ وَالظَّاهِرُ " أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِيَقِينٍ إلَّا بِصَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتُ لِلْخِلَافِ فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ .
وَقَدْ نَقَضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَذَا رَأَيْته فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ " لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْعِجْلِيِّ " مُعْتَرِضًا بِهِ ، فَقَالَ : نَقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يُرْفَعُ إلَّا بِيَقِينٍ بِتَخْصِيصِهِ أَوْ نَسْخِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ النُّصُوصَ الْقَطْعِيَّةَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُرِدْ بِالْيَقِينِ الْقَطْعَ بَلْ إنَّ الشَّيْءَ الثَّابِتَ بِشَيْءٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِمِثْلِهِ ، وَالنَّصُّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَهُوَ كَافٍ فِي الْأَحْكَامِ .
مَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الضَّادِ " .
مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ إلَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ " وَرَضِيَ " سَبَقَتْ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي فَصْلِ التَّخْيِيرِ .
مَا جَازَ الرَّهْنُ بِهِ جَازَ ضَمَانُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ ضَمَانُ الدَّرْكِ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ وَضَمَانُ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي صُوَرٍ : فَمِنْ الْأَوَّلِ " الْمَنَافِعُ تُبَاعُ بِالْإِجَارَةِ وَيَمْتَنِعُ هِبَتُهَا إذَا قُلْنَا : إنَّهَا عَارِيَّةٌ .
وَبَيْعُ الْأَوْصَافِ سَلَمًا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ " وَلَا يَجُوزُ هِبَتُهُ بِأَنْ يَقُولَ : وَهَبْتُك " أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِي ثُمَّ يُعَيِّنُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَيَقْبِضُهُ .
وَالْمُكَاتَبُ يَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ .
وَمِنْ الثَّانِي : بَيْعُ " التَّحَجُّرِ " لَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ " هِبَتُهُ " .
وَهِبَةُ إحْدَى الضَّرَّتَيْنِ نَوْبَتَهَا لِصَاحِبَتِهَا صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَالطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهِ .
مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي صُوَرٍ فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْمَنَافِعُ تُبَاعُ بِالْإِجَارَةِ وَيَمْتَنِعُ رَهْنُهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْقَبْضِ فِيهَا وَالدَّيْنُ يُبَاعُ وَلَا يُرْهَنُ وَكَذَا " الْمُشَاعُ " .
وَمِنْ الثَّانِي : رَهْنُ الْمُصْحَفِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ يَصِحُّ وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَكَذَا رَهْنُ السِّلَاحِ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَنَظَائِرِهِ .
مَا " جُوِّزَ " لِلْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ لِلْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ فِي الْأَصَحِّ " وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ .
وَمِثْلُهُ لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ فِي الْأَصَحِّ " .
وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْهَدْيِ لِلرُّكُوبِ وَإِنْ جَازَ " رُكُوبُهُ " لِلْحَاجَةِ .
مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ إمَّا قَطْعًا كَآلَاتِ الْمَلَاهِي أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
وَلِهَذَا حَرُمَ اتِّخَاذُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ لِمَنْ لَا يَصِيدُ فِي الْأَصَحِّ وَحَرُمَ اقْتِنَاءُ الْخِنْزِيرِ وَالْفَوَاسِقِ وَالْخَمْرِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَالثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلُبْسِ الرَّجُلِ وَالْحُلِيِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً .
" وَنَقَضَ " بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِمَسْأَلَةِ الْبَابِ فِي الصُّلْحِ ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَهُ فَتْحَهُ إذَا سَمَّرَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَهْلَ الدَّرْبِ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ مَاتُوا فَوَرَثَتُهُمْ وَهَلُمَّ جَرَّا .
وَأَمَّا مُتَّخِذُ الْإِنَاءِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ فَرُبَّمَا جَرَّهُ اتِّخَاذُهُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ .
وَمَا لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ قَدْ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ .
كَالْكَلْبِ يُسْتَعْمَلُ " لِلزَّرْعِ " أَوْ مَاشِيَةٍ وَلَوْ اتَّخَذَهُ لِمَا " سَيَقَعُ " مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِمَنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ .
مَا حَرُمَ عَلَى الْآخِذِ أَخْذُهُ حَرُمَ عَلَى الْمُعْطَى إعْطَاؤُهُ كَأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالزَّمَّارِ وَالرِّشْوَةِ لِلْحَاكِمِ إذَا بَذَلَهَا لِيَحْكُمَ لَهُ بِغَيْرِ " الْحَقِّ " .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَحْرُمُ عَلَى الدَّافِعِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَى الْآخِذِ كَالرِّشْوَةِ لِلْحَاكِمِ لِيَصِلْ إلَى حَقِّهِ وَكَفَكِّ الْأَسِيرِ وَإِعْطَاءِ شَيْءٍ لِمَنْ يَخَافُ هَجْوَهُ .
وَلَوْ خَافَ الْوَصِيُّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ غَاصِبٌ عَلَى الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا لِيُخَلِّصَهُ { وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ } .
مَا شَرَعَ فِعْلُهُ لِمَعْنًى " فَلَمْ " يُوجَدْ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ " وَأَمْكَنَ فِعْلُهُ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهِ أَوْ لَا " اعْتِبَارًا بِجِنْسِهِ الْأَشْبَهُ الثَّانِي وَعَلَيْهِ فُرُوعٌ مِنْهَا الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَمِنْهَا السِّوَاكُ شُرِعَ لِلتَّنْظِيفِ فَلَوْ فُرِضَ شَخْصٌ نَقِيُّ الْأَسْنَانِ " قَوِيُّ " الطَّبِيعَةِ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَلَحُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ " سُنَّةَ " الِاسْتِيَاكِ قَالَهُ الْإِمَامُ .
وَمِنْهَا " السُّحُورُ " شُرِعَ لِلتَّقَوِّي فَلَوْ فُرِضَ شَخْصٌ فَاقِدُ الشَّهْوَةِ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيمَا قَالَهُ نِزَاعٌ إذَا كَانَ لَا يَتَضَرَّرُ .
وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا وَأَمْكَنَ عَمَّا إذَا وَلَدَ مَخْتُونًا .
مَا شُرِعَ لِمَعْنًى فَوُجِدَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ قَاصِدٍ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ رُكْنًا فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ فُرُوعٌ : مِنْهَا لَوْ وَقَفَ الْجُنُبُ لِلتَّيَمُّمِ فِي مَهَبِّ " الرِّيحِ " فَسَفَّتْهُ الرِّيحُ " فَرَدَّدَهُ " وَنَوَى لَمْ يُجْزِهِ ، لِأَنَّ النَّقْلَ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ .
وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ الْجُنُبُ تَحْتَ مِيزَابٍ أَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ سَيْلٌ كَفَاهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا الْغَرِيقُ هَلْ يَكْفِي غَرْفَةٌ عَنْ الْغُسْلِ أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ .
وَمِنْهَا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ فَنَزَلَ فِي الْقَبْرِ مَاءٌ فَغَرَّقَهُ فَهَلْ يَكْفِي عَنْ نَبْشِهِ وَغُسْلِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَعَلَّهُمَا الْوَجْهَانِ قَبْلَهُمَا .
وَمِنْهَا لَوْ وَقَعَ جِلْدُ الْمَيِّتَةِ فِي مَدْبَغَةٍ كَفَى .
" مَا " شُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ إذَا تَكَرَّرَ الْوَاحِدُ مِنْهُ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ اثْنَيْنِ فِيهِ ؟ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا لَا " يُجْزِئُ " قَطْعًا كَمَا لَوْ شَهِدَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ أَعَادَ الشَّهَادَةَ " لَا " يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ .
ثَانِيهَا : مَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى فَقِيرٍ مُدًّا فِي كَفَّارَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَفَعَهُ إلَى آخَرَ أَجْزَأَهُ قَطْعًا .
" الثَّالِثُ " مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ .
" فَمِنْهُ " لَوْ اسْتَعْمَلَ الْحَجَرَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَتَلَوَّثْ " ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ " ثَانِيًا وَثَالِثًا أَجْزَأَ فِي " الْأَصَحِّ " .
وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ أَخَذَهَا وَرَمَى بِهَا " وَهَكَذَا " سَبْعًا فَالْأَصَحُّ " فِي الرَّوْضَةِ " الْإِجْزَاءُ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : الْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ .
" مَا " صَلُحَ لِلْحَلِّ لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ فَأَتَى بِتَكْبِيرَةٍ مَعَ النِّيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ بِهَا ، لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْعَقْدِ الْحِلَّ .
وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ " وَجْهًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ " لِلشِّقْصِ إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِعَقْدٍ يُوجِبُ تَنْفِيذَهُ كَانَ مُبْطِلًا لِلشُّفْعَةِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَثْبُتَ الشُّفْعَةَ مَا يُبْطِلُهَا وَزَيَّفَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ حُقُوقَ الْأَمْلَاكِ لَا تَتَلَقَّى مِنْ أَحْكَامِ النِّيَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ ، وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ الْمَمْلُوكَةَ " لِابْنِهِ " الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَلَا يَأْتِي " فِيهَا " الْوَجْهُ فِي عِتْقِ مُسْتَوْلَدَةِ الْكَافِرِ تُسْلِمُ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُقْتَضِيًا لِلْإِدْخَالِ فِي " الْمِلْكِ مُقْتَضِيًا " لِلْإِخْرَاجِ عَنْ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ " وَكَذَلِكَ " يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ " الْبَيْعُ " مُبْطِلًا لِلشُّفْعَةِ مُثَبِّتًا لَهَا .
مَا ضُبِطَ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا " كَمَا " لَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ حَصَلَ تَرَدُّدٌ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ هَلْ بَلَغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ أَمْ لَا وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ ، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ الطَّهَارَةَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ .
" وَمِنْهَا " مَا " لَوْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ هَلْ انْتَهَى إلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ أَمْ لَا قَالَ الْإِمَامُ : الَّذِي يَنْقَدِحُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الصِّحَّةِ ، وَالثَّانِي : الْحُكْمُ بِالْبُطْلَانِ ، " وَالثَّالِثُ : يَتْبَعُ " غَلَبَةَ الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَى الظَّنَّانِ فَالْأَصْلُ دَوَامُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالْأَظْهَرُ : اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ بِدَوَامِ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إذَا كَانَ قَلِيلًا فَلَوْ تَرَدَّدَ فَفِيهِ " احْتِمَالٌ " لِلْإِمَامِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْقَلِيلِ وَأَنَّ بِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ " بَيْنَهُمَا " وَبَيْنَ الْأُولَى عَلَى اخْتِيَارِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عَمَلَ بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ " .
مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أَعْطَى حُكْمَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ " فِي الْبَلَدِ " قُوتٌ مَعْلُومٌ يَلْزَمُهُمْ فِي الْفِطْرَةِ قُوتُ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ .
" وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَقْدٌ وَأَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَيَقُومُ بِنَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ " وَلَوْ عَيَّنَ مَوْضِعًا لِلتَّسْلِيمِ فَخَرِبَ وَخَرَجَ عَنْ صَلَاحِيَّةِ التَّسْلِيمِ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ إلَيْهِ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ .
وَلَوْ عَقَدَ السَّلَمَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ بِأَنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ [ تَعْيِينِ ] مَوْضِعِ " التَّسْلِيمِ " فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لَا يُشْتَرَطُ وَيَكْفِي أَقْرَبُ مَوْضِعٍ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ إذَا " فُقِدَ التَّمْرُ فِي رَدِّ الْمُصَرَّاةِ " وَقِيمَتُهُ " وَفِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي : أَحَدُهُمَا : قِيمَةُ أَقْرَبِ بِلَادِ التَّمْرِ إلَيْهِ ، وَالثَّانِي : قِيمَتُهُ بِالْمَدِينَةِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ غَيْرَهُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِ التَّمْرِ مِنْ تَمْرِ الْبَلَدِ الْوَسَطِ .
مَا كَانَ تَرْكُهُ كُفْرًا فَفِعْلُهُ " يَكُونُ " إيمَانًا كَكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ وَمَا لَا يَكُونُ تَرْكُهُ كُفْرًا لَا يَكُونُ فِعْلُهُ إيمَانًا .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ صَلَّى الْكَافِرُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ " لِأَنَّهُ يَفْعَلُهَا " الْكُفَّارُ .
ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَفَّالُ وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ مِنْهَا " مَا " لَوْ حَجَّ كَمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِرِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ كَكَلِمَةِ الْإِيمَانِ .
مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الصَّادِ " .
مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا سَبَقَتْ " فِي مَبَاحِثِ الشَّكِّ " .
مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ إذَا جَازَ " وَجَبَ " وَرُبَّمَا يُقَالُ : لَا يُتْرَكُ الْوَاجِبُ إلَّا بِوَاجِبٍ وَهَذَا مَأْخَذُ الْأَصْحَابِ فِي وُجُوبِ الْخِتَانِ ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا كُشِفَتْ لَهُ الْعَوْرَةُ وَمَثَّلُوهُ بِقَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكَانَ حَرَامًا .
وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهَا وَوُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقَدْ نُقِضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّ الْفِعْلَ الزَّائِدَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ ، فَلَمَّا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَجِبَ وَلَمْ يُوجِبُوهُ .
" وَكَذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ وَلِهَذَا صَارَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى الْوُجُوبِ " .
وَكَذَلِكَ الرُّكُوعَانِ فِي الْخُسُوفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ فِعْلِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا أَوْضَحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى الْمَخْطُوبَةِ .
وَالْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ وَإِنْ طَلَبَهَا الْعَبْدُ الْكَسُوبُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ قَبْلَهَا مَمْنُوعَةٌ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعَامِلُ عَبْدَهُ .
وَلَا يُكْرَهُ حَلْقُ عَانَةِ الْمَيِّتِ وَلَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالنَّظَرِ " إلَيْهَا " أَوْ بِمَسِّهَا .
وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ .
" لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ .
مَا حَصَلَ ضِمْنًا إذَا تَعَرَّضَ لَهُ لَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ ضَمَّ إلَى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ نِيَّةَ التَّبَرُّدِ ، أَوْ إلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ نِيَّةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى غَسْلِ " الْجِنَايَةِ " نِيَّةَ الْجُمُعَةِ ، " لِأَنَّهَا " تَحْصُلُ ضِمْنًا فَلَا يَضُرُّ التَّعَرُّضُ لَهَا إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا ؛ بَطَلَ ، وَإِنْ دَخَلَ الْحَمْلُ ضِمْنًا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ .
وَكَذَلِكَ : بِعْتُك الدَّارَ وَأُسَّهَا ؛ يَبْطُلُ بِذِكْرِ الْأُسِّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَحَصَلَ ضِمْنًا .
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ هُوَ فِيهِمْ وَلَوْ صَرَّحَ بِنَفْسِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ .
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ لَوْ وَزَّعَ عَلَيْهِ وَعَلَى " عَبْدِ " فُلَانٍ " بَطَلَ " .
وَلَوْ بَاعَهُ مَعَ عَبْدِ فُلَانٍ صَحَّ فِي عَبْدِهِ فِي الْأَظْهَرِ .
وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ عَشْرٌ إلَّا دِرْهَمًا ؛ صَحَّ .
وَلَوْ قَالَ : عَشْرَةٌ وَاسْتَثْنَى دِرْهَمًا أَوْ أَخْرَجَ دِرْهَمًا فَوَجْهَانِ فِي الْحَاوِي .
وَلَوْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ قَبِلْت إقْرَارِي لَا يَكُونُ إقْرَارًا ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَإِنْ قُبِلَ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ قِيلَ : إنَّمَا يُؤَثِّرُ " فِي " تَكْذِيبِهِ ، فَلَوْ سَكَتَ فَقَدْ قَبِلَهُ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ يَوْمًا فَوَقْتُ " الصَّلَاةِ " يُسْتَثْنَى فَلَوْ صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ .
مَا لَا يَدْخُلُ الشَّيْءَ رُكْنًا لَا يَدْخُلُهُ جُبْرَانًا وَلِهَذَا لَوْ سَهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ ، لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلسُّجُودِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ رُكْنًا فَلَا يَدْخُلُهَا جُبْرَانًا ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَنَقَضَ بِالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ جُبْرَانًا ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهُ رُكْنًا وَتَدْخُلُهُ جُبْرَانًا .
مَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ اُعْتُبِرَ بِغَيْرِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ " مُقَدَّرٌ " تُعْتَبَرُ بِالرَّقِيقِ .
وَمِنْهُ الْمَاءُ إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ مَانِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ " قُدِّرَ بِغَيْرِهِ " " أَنَّهُ " لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ " إذَا كَانَ " يُغَيِّرُهُ " فَنَجِسٌ " ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ كَانَ لَهُ رُطَبٌ لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ " تَمْرٌ " فَفِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِ النِّصَابِ بِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا رُطَبًا وَالثَّانِي تُعْتَبَرُ حَالَةُ جَفَافِهِ كَغَيْرِهِ ، وَعَلَى هَذَا " فَفِي الِاعْتِبَارِ " بِنَفْسِهِ " أَوْ " بِغَيْرِهِ وَجْهَانِ .
مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَطْلُبَ اسْتِيفَاءَهُ كَالْقِصَاصِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَكَاسْتِرْدَادِ نِصْفِ وَدِيعَةٍ ادَّعَاهَا اثْنَانِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ سُرَيْجٍ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ .
" مَا " لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّخْصِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَلِهَذَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَفِي تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِحَيْضِهَا .
وَلَوْ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ وَاخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ فَالْمُصَدَّقُ النَّاوِي ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِضَمِيرِهِ ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ " قَالَتْ " : لَمْ " أَنْوِهِ " وَقَالَ الزَّوْجُ : بَلْ نَوَيْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ ، كَذَا " أَطْلَقَهُ " وَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ هُنَا جَزْمًا لِإِقْرَارِهِ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَلَوْ دَعَاهَا لِلْوَطْءِ ؛ فَقَالَتْ : حِضْت فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ وَاتَّهَمَهَا بِالْكَذِبِ حَرُمَ وَإِلَّا جَازَ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا " عَانَدَتْهُ " وَمَنَعَتْهُ حَقَّهُ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُهُ .
قَالَ الشَّاشِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى حَيْضِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مُقَصِّرٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْحَيْضِ وَادَّعَى انْقِطَاعَهُ وَادَّعَتْ بَقَاءَهُ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا خِلَافٍ .
" وَقَالَ فِي الْبَيَانِ " : إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَيْضِهَا فَقِيلَ : إنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَمْ يُقْبَلْ " قَوْلُهَا " وَإِنْ كَانَتْ عَفِيفَةً قُبِلَ .
وَقَالَ الشَّاشِيُّ : إنْ " كَانَتْ " مِمَّنْ يُمْكِنُ " صِدْقُهَا " قُبِلَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَا يُقْبَلُ فِي الْعِدَّةِ .
وَمِنْهَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ الْغَيْرِ فَقَالَ : شِئْت " صَدَقَ " .
وَمِنْهَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ وَلِيِّهَا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَقَالَ وَارِثُهُ : زَوَّجَك وَلِيُّك بِغَيْرِ إذْنِك فَنِكَاحُك بَاطِلٌ وَلَا إرْثَ لَك ، وَقَالَتْ : بَلْ زَوَّجَنِي بِإِذْنِي وَلِيُّ الْمِيرَاثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لِأَنَّ إذْنَهَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا : نَكَحْت زَوْجًا وَوَطِئَنِي وَطَلَّقَنِي " ثَلَاثًا " وَانْقَضَتْ عِدَّتِي مِنْهُ قَبْلَ قَوْلِهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي وَصَدَقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءِ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .
ثُمَّ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقَهَا فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْكِحَهَا ، وَإِنْ كَذَّبَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُهَا .
فَإِنْ قَالَ بَعْدُ : تَبَيَّنْت صِدْقَهَا - فَلَهُ نِكَاحُهَا ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ : كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي دَعْوَى الْفِرَاقِ وَقَدْ أَقَرَّتْ بِالزَّوْجِيَّةِ وَحُمِلَ كَلَامُهُ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ مُنَازَعَةٌ وَلَكِنَّهَا ذَكَرَتْهُ مُبْتَدَأً فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا " فِيهِ " ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْعُقُودِ عَلَى قَوْلِ أَرْبَابِهَا .
وَمِنْهَا : لَوْ اخْتَلَفَا فِي إسْقَاطِ جَنِينٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، فَإِنْ قِيلَ : لَوْ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ لَمْ يَكُنْ لَهَا " بُدٌّ " مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، قُلْنَا : السَّقْطُ يَسْقُطُ فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ وَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يُنْتَظَرُ فَيَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وِلَادَةِ الْوَلَدِ الْكَامِلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَتَلَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ الْحَمْلَ فَالصَّحِيحُ تَصْدِيقُهَا وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَخَايِلُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْ مَنْكُوحَةٍ يُخَالِطُهَا زَوْجُهَا لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ الْإِمَامِ مَهْمَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُ الْحَمْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَقُّفِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَخَايِلُهُ " وَادَّعَتْهُ " الْمَرْأَةُ وَوَصَفَتْ عَلَامَاتٍ خَفِيَّةً فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ ، وَالظَّاهِرُ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِهَا وَطَرْدُ التَّرَدُّدِ فِيمَا إذَا لَمْ تَدَّعِهِ وَلَكِنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوَطْءِ وَاحْتِمَالُ الْحَمْلِ قَرِيبٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ " الْمَعْنَى " فِي الْكَفِّ عَنْ قَتْلِ الْحَامِلِ خَشْيَةَ قَتْلِ الْجَنِينِ الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ فَهُوَ " لِمَعْنًى " فِي غَيْرِهَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَقَيَّدَ بِدَعْوَاهَا .
وَمِنْهَا : الْخُنْثَى الْمُشْكَلُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إخْبَارِهِ عَنْ ذُكُورَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَى الصَّبِيُّ الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ مَعَ الْإِمْكَانِ صُدِّقَ قَطْعًا وَلَا يَحْلِفُ وَقَرَّرَ الْإِمَامُ فِي الدَّائِرَاتِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ فِي تَحْلِيفِهِ تَقْدِيرَ اعْتِمَادِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ لَا يَحْلِفُ فَلَوْ حَلَفَ لَمَا حَلَفَ .
وَلَوْ قَالَ : بَلَغْت " بِالسِّنِّ " فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ لِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ الْأَبُ : أَنَا مُحْتَاجٌ لِلنِّكَاحِ صَدَقَ بِلَا يَمِينٍ وَوَجَبَ عَلَى الْوَلَدِ إعْفَافُهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَقُلْنَا : يَسْتَرِدُّ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ فَمَهْمَا " قَالَ الْمَالِكُ : قَصَدْت بِهِ التَّعْجِيلَ وَنَازَعَهُ الْقَابِضُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ " تَمْلِيكَهَا " بَطَلَ أَوْ لِيَصْرِفَ فِي عَلَفِهَا صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ " قَالَ الْمُوصِي : لَمْ تَكُنْ لِي إرَادَةٌ بَطَلَتْ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ .
وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ فَانْصَرَفَ وَقَالَ : " صَدَدْت " فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ " قَالَهُ " الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَيُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ .
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ : رَأَيْت الْمَبِيعَ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : لَمْ أَرَهُ ، فَالْمَحْكِيُّ عَنْ النَّصِّ وَبِهِ أَجَابَ الْمَرَاوِزَةُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ أَمْرًا حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ لَوْ قَالَ الْعَدْلُ " الْمَعَاصِرُ " لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا صَحَابِيٌّ يُقْبَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ كَمَالٍ لَهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُنْثَى يُخْبِرُ بِالذُّكُورَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى " الصُّحْبَةِ " وَمِنْهَا مَنْ " تَوَاجَدَ " عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَاضْطَرَبَ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ الصِّدْقُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ .
" تَنْبِيهٌ " هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُتَّهَمْ فِيهِ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ الْخُنْثَى : أَنَا رَجُلٌ ، ثُمَّ قُطِعَ ذَكَرَهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ وَلَوْ قُطِعَ فِي حَالِ الْإِشْكَالِ ثُمَّ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِطَلَبِ الْقِصَاصِ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَكَلَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أُخِذَ لِيُعَزَّرَ فَادَّعَى أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ الْبَارِحَةَ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوْ شَهِدَ أَوَّلًا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يُعَزَّرْ .
مَا لَا يُقْبَلُ التَّبْعِيضُ يَكُونُ اخْتِيَارُ بَعْضِهِ كَاخْتِيَارِ كُلِّهِ وَإِسْقَاطُ بَعْضِهِ كَإِسْقَاطِ كُلِّهِ " فَمِنْهُ أَعْتَقَ " بَعْضَ " عَبْدِهِ عَتَقَ كُلُّهُ وَسَرَى عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ : بَعْضُك طَالِقٌ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ .
وَمِثْلُهُ أَنْت طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ .
وَمِنْهَا إذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَلَى بَعْضِهِ سَقَطَ الْجَمِيعُ .
وَمِنْهَا : إذَا عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ سَقَطَ الْكُلُّ .
وَمِنْهَا : هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرِقَّ بَعْضَ شَخْصٍ إذَا أَسَرَهُ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَإِذَا ضَرَبَ " الرِّقُّ " عَلَى بَعْضِهِ رَقَّ كُلُّهُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَا يُرَقُّ شَيْءٌ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ فِي إرْقَاقِ كُلِّهِ دَرْءَ الْقَتْلِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ ثُمَّ وَجَّهَهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ " هَذِهِ " صُوَرٌ : مِنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ " فَالْعَفْوُ " عَنْ بَعْضِهِ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْهُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ .
مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ؟ قِسْمَانِ : الْأَوَّلُ : مَا لَا يُؤَثِّرُ ، فَمِنْهُ لَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ " حِصَّتَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ " ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَسْرِي عَلَيْهِ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ عِتْقُهُ فِي الْحَالِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي " الِاسْتِقْبَالِ " .
وَمِنْهَا : إذَا أَسْلَمَ شَخْصٌ وَلَهُ وَلَدٌ كَافِرٌ وَلِوَلَدِهِ وَلَدٌ صَغِيرٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَسْتَتْبِعُ الْجَدُّ وَلَدَ وَلَدِهِ لِأَجْلِ وُجُودِ وَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهُ لَا يَسْتَتْبِعُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَالِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الِاسْتِقْبَالِ " .
وَمِنْهَا : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ الْإِصَابَةُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ بَعْدَ التَّكْلِيفِ وَالْحُرِّيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ حَتَّى لَوْ أَصَابَ وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ صَغِيرٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ثُمَّ زَنَى ثُمَّ " كَمَّلَ " فَزَنَى لَا يُرْجَمُ .
وَمِنْ الثَّانِي : لَوْ اسْتَوْلَدَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَةَ وَقُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فَزَالَ الرَّهْنُ " فَإِنَّهُ يَثْبُتُ " حُكْمُهُ فِي الْأَصَحِّ .
مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ إلَّا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَعَلَيْهِ عَمَلَ النَّاسُ " وَلَا يُسْلِمُ فِيهِ ، وَكَذَا الْخَمِيرُ يَجُوزُ قَرْضُهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَلَا يُسْلِمُ فِيهِ .
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ شِقْصَ الدَّارِ يَمْتَنِعُ السَّلَمُ فِيهِ وَيَجُوزُ قَرْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرْفَاقِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي " .
قُلْت : لَكِنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَرْضِ الْقِيمَةُ ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ الْمِثْلُ ، لِأَنَّ وُجُودَ شِقْصِ مِثْلِهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ " أَنْ " لَا اسْتِثْنَاءَ .
مَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْإِكْرَاهِ وَمَا لَا فَلَا سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي فَصْلِ الْإِكْرَاهِ " مَا يَحْتَاجُ " إلَى مُبَاشَرَةٍ " لَا يُتِمُّ إلَّا بِهَا فَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ لَمْ " يَنْفُذْ بِأَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا .
وَمَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُبَاشَرَةٍ فَأَقَامَ فِيهِ وَكِيلَيْنِ فَأَمْضَاهُ أَحَدُهُمَا نَفَذَ ، كَمَا لَوْ " أَوْصَى " لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُوصَى لَهُ فَدَفَعَهُ " إلَيْهِ " أَحَدُهُمَا جَازَ ، لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ " لَوْ " اسْتَقَلَّ بِقَبْضِهِ لَمْ يُمْنَعْ .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَوَجَدَ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ " عِنْدَهُ " وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ " لِأَحَدٍ " صَحَّ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ " يَدْفَعُهُ " إلَيْهِ وَكِيلَانِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَازَ .
ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَخْذِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصِيَّةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُمْتَنِعِ لَا فِي الْمُقِرِّ .
مَا يُفِيدُ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَقَعَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فَهَلْ يُفِيدُهُ إذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فِيهِ خِلَافٌ فِي فُرُوعٍ : مِنْهَا : إذَا تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَجَاءَ آخَرُ وَأَحْيَاهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ .
وَمِنْهَا : إذَا عَشَّشَ طَائِرٌ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ وَفَرَّخَ لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُ الدَّارِ فِي الْأَصَحِّ لَكِنَّهُ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهِ فَلَوْ تَعَدَّى غَيْرُهُ وَأَخَذَهُ هَلْ يَمْلِكُهُ ؟ وَجْهَانِ قَرَّبَهُمَا الرَّافِعِيُّ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَوَائِلِ الْإِحْيَاءِ قُلْت : الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ تَوَحَّلَ ظَبْيٌ فِي مِلْكِهِ أَوْ وَقَعَ " الْبَلَحُ " فِيهِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى .
وَفِي زِيَادَاتِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ مَلَكَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا " صَارَ مِلْحًا لَا بِالْأَرْضِ " .
وَمِنْهَا : إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مُؤَذِّنِينَ وَأَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ إنْ كَانَ رَاتِبًا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرَ الرَّاتِبِ وَأَذَّنَ هَلْ يَسْتَحِقُّ وِلَايَةَ الْإِقَامَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ " مُسْتَثْنًى " بِالتَّقْدِيمِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُؤْخَذُ الْحُكْمُ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ " أَنَّهُ " إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَوْضِعٌ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَأُحْدِثَ مَكَانٍ آخَرُ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ وَسَبَقَتْ جُمُعَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لِلْجَامِعِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ " أُصُولِ " أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْتُهُ .
مَا وَجَبَ دَفْعُهُ عَلَى صِفَةٍ فَأَخَلَّ بِهَا عِنْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُجْزَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ وَدَفْعِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ الْهَدْيَ إلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ حَيٌّ فَذَبَحُوهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيَسْتَرِدُّهُ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَيْهِمْ ثَانِيًا وَمِنْهَا : لَوْ دَفَعَ بِنْتَ مَخَاضٍ مُعْجَلَةً عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ فِي آخِرِ الْحَوْلِ صَارَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ وَصَارَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ بِنْتَ لَبُونٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا وَإِعْطَائِهَا لَهُمْ ثَانِيًا .
وَمِنْهَا : إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَأَعْطَاهُ دَيْنَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ بَلْ طَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ الْفَقِيرُ مِنْ دَيْنِهِ ، نَعَمْ قَالُوا : إذَا خَرَصَ عَلَيْهِ الرُّطَبُ " فَأَعْطَاهُ لِلْفُقَرَاءِ " رُطَبًا ثُمَّ جَفَّ " عِنْدَهُمْ وَجَفَّ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِ أَجْزَأَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِرْدَادُهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ ثَانِيًا .
مَا وَسَّعَهُ الشَّرْعُ فَضَيَّقَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يَتَضَيَّقُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ وَقَعَ مِنْهُ أَحْدَاثٌ فَنَوَى بَعْضَهَا هَلْ يَرْتَفِعُ الْجَمِيعُ أَمْ لَا " فِيهِ " خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : أُصَلِّي " بِهِ " صَلَاةً وَاحِدَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ " بِهِ " مَا لَمْ يُحْدِثْ .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ النَّفْلِ قَائِمًا فَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ رُخْصَةٌ وَلَا يُمْكِنُ الْتِزَامُ " تَرْكِ " الرُّخْصَةِ ، لِأَنَّ الرُّخَصَ مِنْ الْقُرْبِ ، وَفِي الْحَدِيثِ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } .
وَهَذَا كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَنْعَقِدُ قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي النَّفْلِ زِيَادَةُ طَاعَةٍ وَإِنْ رُخِّصَ فِي تَرْكِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي صَلَاتِهِ لِمَا فِي إطَالَةِ الْقِيَامِ مِنْ " الْمَزِيَّةِ " .
مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا عُيِّنَ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً " كَمَا " لَوْ لَزِمَهُ أُضْحِيَّةٌ أَوْ " هَدْيٌ " بِالنَّذْرِ ، فَقَالَ : عَيَّنْت هَذِهِ الشَّاةَ لِنَذْرِي تُعَيَّنُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ نَذَرَ إعْتَاقَ عَبْدٍ ثُمَّ عَيَّنَ عَبْدًا " عَمَّا " الْتَزَمَ فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَأَوْلَى بِالتَّعْيِينِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّ النَّصَّ وَعَامَّةَ الْأَصْحَابِ عَلَى التَّعْيِينِ فِي الْعَبْدِ .
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَقَالَ : عَيَّنْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَمَّا فِي ذِمَّتِي مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ قَالَ الْإِمَامُ : قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَلْغُو كَمَا فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ وَفِيهِ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الضَّحَايَا .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي فِي ذِمَّتِي ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَتَعَيَّنُ وَقَالُوا : الْعِتْقُ أَشَدُّ تَعْلِيقًا بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيقِ الصَّوْمِ بِالْيَوْمِ وَقَالَ " ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ " يَتَعَيَّنُ .
وَذُكِرَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَنَذَرَ صَرْفَهَا إلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ مِنْ الْأَصْنَافِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : يَتَعَيَّنُونَ رِعَايَةً لِحَقِّهِمْ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا ، وَفَرَّقُوا بِقُوَّةِ الْعِتْقِ .
وَفِي الْإِجَارَةِ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ " عَمَّا " فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَتَعَيَّنُ وَلَا تُبْدَلُ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ ثَبَتَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِهَا نَعَمْ إنْ رَضِيَ بِالْإِبْدَالِ جَازَ ، وَلَوْ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ ، وَكَانَ قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ أَخَذَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهُ فَفِي تَعْيِينِهِ لِأَخْذِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ .
وَلَوْ عَقَدَ فِي السَّلَمِ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِمِثْلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَسْلَمْت إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا ثُمَّ عَيَّنَ " الدِّينَارَ " وَسَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ وَلَهُ حُكْمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَفِي الْحَاوِي " فِيهِ " وَجْهٌ ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي " الصَّرْفِ " بِأَنْ يَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا بِعِشْرِينَ ثُمَّ يُعَيِّنُ وَيُسَلِّمُ فِي الْمَجْلِسِ ، نَعَمْ لَوْ تَعَاقَدَا عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبٌ رَدَّهُ وَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ عِنْدَنَا بِالْعَقْدِ ، " وَلَوْ " كَانَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ بَدَلَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَلِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ .
" مَا " فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضِ مُكَلَّفٍ بَصِيرٍ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا وَوَصَفَهُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَأَذِنَ - " لَهَا " فِي صَرْفِهِ لِوَلَدِهِ مِنْهَا " فَإِنَّهَا " تَبْرَأُ بِصَرْفِهِ إلَى الصَّغِيرِ خِلَافًا لِاحْتِمَالِ ابْنِ الصَّبَّاغِ .
الثَّانِيَةُ النَّفَقَةُ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ إذَا أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمُكَلَّفُ .
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى أَعْمَى فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ " وَقَدْ " ذَكَرَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ عَنْ الْعِمَادِ النَّبَهِيِّ صَاحِبِ الْبَغَوِيِّ ، فَقَالَ : لَا تُجْزِئُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ وَإِقْبَاضُهُ بَلْ يُوَكِّلُ .
الْمُتَوَقَّعُ لَا يُجْعَلُ كَالْوَاقِعِ سَبَقَ مِنْهَا فُرُوعٌ فِي حَرْفِ التَّاءِ بِالنِّسْبَةِ " إلَى التَّحْرِيمِ " وَمَا فِي مَعْنَاهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيَاسُهُ مَا لَوْ عَلِمَ " الْمُشْتَرِي " بِوُجُودِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ بَعْدَ مُدَّةٍ .
وَلَوْ شَهِدَ " لِمُوَرَّثٍ " لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الِانْدِمَالِ قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ " وَلَوْ " ارْتَابَتْ " الْمُعْتَدَّةُ بِحَمْلٍ " فَلْتَصْبِرْ إلَى أَنْ تَزُولَ الرِّيبَةُ فَإِنْ نُكِحَتْ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ إبْطَالِهِ " فِي الْحَالِ " فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ أَبْطَلْنَاهُ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَخَافَ إنْ صَلَّى قَائِمًا أَنْ يَكْشِفَهُ الرِّيحُ صَلَّى قَائِمًا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ .
وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ الَّتِي يُحْتَمَلُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتِلَاطُ الْحَادِثِ بِالْمَوْجُودِ يَصِحُّ مُطْلَقًا نَظَرًا لِلْحَالِ .
وَقَدْ خَرَجُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ لِصَاحِبِ الْعَيْنِ : لَا تَفْسَخُ وَنَحْنُ نُقَدِّمُك بِالثَّمَنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ مَخَافَةَ أَنْ يَظْهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ يُزَاحِمُهُ فِيمَا قَبَضَهُ ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " هَذَا " عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ بَاعَ الْمُفْلِسُ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بِدُيُونِهِمْ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ طَلَبَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ السَّيِّدِ التَّزْوِيجَ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَعْجِزُ وَتَعُودُ إلَى الرِّقِّ فَيَتَضَرَّرُ .
الرَّابِعَةُ : بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ " بِتَوَهُّمِ " وُجُودِ الْمَاءِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ طَوَّلَ الْجُمُعَةَ حَتَّى تَحَقَّقَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوَقْتَ خَرَجَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ : فَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ ظُهْرًا الْآنَ .
وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِحَجَّةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ لَا يَنْقَلِبُ " حَجُّهُ فَرْضًا " إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْفَرْضِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَالْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ الْآنَ يَصِحُّ " ، وَفِي السِّلْسِلَةِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ هَلْ يَنْعَقِدُ نَفْلًا أَوْ مَوْقُوفًا فَإِنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَرْضٌ وَإِلَّا نَفْلٌ فِيهِ طَرِيقَانِ .
الْمُتَوَلِّدُ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ لَا أَثَرَ لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلِهَذَا لَوْ اُقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي أَوْ قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ فَسَرَى " إلَى " النَّفْسِ فَلَا شَيْءَ .
وَلَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَسَرَى إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، فَلَا كَفَّارَةَ " فِيمَا " تَوَلَّدَ مِنْهُ .
وَكَذَا مَحَلُّ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَلَوْ عَرِقَ وَلَمْ " يَتَجَاوَزْ " فَتَلَوَّثَ " مِنْهُ " فَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ ، وَلَوْ سَالَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ وَمَا أَدْرِي مَا يَقُولُ فِي قَلِيلِ بَوْلِ السَّلَسِ إذَا سَالَ ؟ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : مَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ فِيهِ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ وَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ وَنَحْوِهِ .
وَمِثَالُ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ : الْقَطْعُ فِي الْجِنَايَةِ لَمَّا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ضَمِنَ سِرَايَتَهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فَإِذَا بَالَغَ وَسَبَقَ الْمَاءُ أَفْطَرَ بِخِلَافِ السَّبْقِ فِيمَا إذَا لَمْ يُبَالِغْ .
الْمُتَوَلِّدُ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ " أَنَّ " لِكُلٍّ حُكْمَهُ غَالِبًا .
فَمِنْهَا : إذَا " أَوْجَبْنَا " الضَّمَانَ بِالْخِتَانِ فِي الْحَرِّ " أَوْ الْبَرْدِ " فَالْوَاجِبُ جَمِيعُ الضَّمَانِ لِلتَّعَدِّي أَمْ نِصْفُهُ ، لِأَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ وَالْهَلَاكَ حَصَلَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَمِنْهَا : إذَا ضَرَبَهُ فِي الْحَدِّ فَأَنْهَرَ " دَمَهُ " فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رِقَّةِ جِلْدِهِ " فَإِنْ " عَادَ فَضَرَبَهُ فِي مَوْضِعِ إنْهَارِ الدَّمِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ ، وَالثَّانِي نِصْفُهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَمِنْهَا : لَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ .
" الْمُخَاصِمُ " فِي الْعَيْنِ الْمَالِكُ أَمَّا الْمُودِعُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُخَاصِمُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّرِقَةِ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ يُوهِمُ خِلَافَهُ .
وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ : الْمُودِعُ يَسْتَرِدُّ مِنْ الْغَاصِبِ فِي وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ .
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُخَاصِمُ جَزْمًا ، لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ : إنَّ الْغَاصِبَ يُخَاصِمُ " فِيمَا " إذَا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ ، وَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ يُخَاصِمُ فَالْمُسْتَعِيرُ أَوْلَى .
الْمُدَّةُ " الْمُنْكَرَةُ " تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ فَفِي الْإِجَارَةِ " تُحْسَبُ " مِنْ " حِينِ " الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا فِي الْأَيْمَانِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّرْكِ حُمِلَتْ عَلَى الْمُدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْيَمِينِ فَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا سَنَةً أَوْ شَهْرًا فَهُوَ حَالِفٌ مِنْ شَهْرٍ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ .
وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ : لَوْ قَالَ : لَا أُجَامِعُك " إلَى " سَنَةٍ إلَّا مَرَّةً لَا يَكُونُ مُولِيًا فِي الْحَالِ .
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَكَذَلِكَ النُّذُورُ .
مَسَافَةُ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ السَّفَرِ الْبَعِيدِ وَمَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا وَالتَّغْرِيبِ فِي الزِّنَا وَغَيْبَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَإِحْضَارِ الْخَصْمِ وَنَحْوِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : نَقْلُ الزَّكَاةِ فَإِنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْبَعِيدَةِ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَمْتَنِعَ النَّقْلُ إلَيْهَا مِنْ بَلَدِ الْمَالِ .
الثَّانِيَةُ : عَدَمُ وُجُودِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْمَشْيِ .
الثَّالِثَةُ : فِي إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِبَدَنِهِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ " سَفَرَ نَقْلَةٍ " فَالْأَبُ أَوْلَى احْتِيَاطًا " لِلنَّسَبِ " سَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ دُونِهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَشَرَطَ كَثِيرٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الِانْتِقَالُ لِمَا دُونَهَا كَالْمُقِيمِ فِي مَحَلَّتَيْنِ مِنْ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ .
الْمُسْتَثْنَى شَرْطًا كَالْمُسْتَثْنَى شَرْعًا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ مِنْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَقَضَاءِ " حَاجَةٍ " جَازَ .
الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الزَّائِلِ ؟ هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يُعْطَى حُكْمَ الزَّائِلِ قَطْعًا كَالْمَرِيضِ الْمُنْتَهِي لِحَالَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِمَوْتِهِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، نَعَمْ فِي الْقَوَدِ بِقَتْلِهِ خِلَافٌ .
الثَّانِي : مَا يُعْطَاهُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَهُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ " فَالْمَذْهَبُ " لَا يَحْنَثُ ، وَلِهَذَا لَوْ زَنَى فَكَالْحُرِّ لَا يَحُدُّهُ غَيْرُ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ وَتُزَوَّجُ أَمَتُهُ كَالْحُرِّ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ثُمَّ بَاعَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ كَالْعَبْدِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهُ .
وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَحَدَثَ بِهَا نَقْصٌ يَسْرِي إلَى التَّلَفِ بِأَنْ جَعَلَهَا هَرِيسَةً فَكَالتَّالِفِ عَلَى الْمَذْهَبِ فَيَغْرَمُ بَدَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى التَّلَفِ .
وَمِنْهُ : رَهْنُ مَا يَتَسَارَعُ فَسَادُهُ وَلَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ فَإِنْ كَانَ بِدَيْنٍ حَالٍّ صَحَّ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ وَعُلِمَ فَسَادُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ .
وَلَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْفَسَادِ .
" الثَّالِثُ " مَا لَمْ يُعْطِهِ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَلَا عَفْوَ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ " إذْ " قَدْ يَعْفُو الْمُسْتَحِقُّ .
وَمِنْهُ : اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَتَرَافَعَا إلَى الْقَاضِي وَلَمْ يَتَحَالَفَا فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ ؟ " فِيهِ " وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ ، وَبَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْفَسْخِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الزَّوَالِ .
وَمِنْهُ لَوْ كُفِّنَ الْمَيِّتُ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ " وَدُفِنَ " فَالْأَصَحُّ يُنْبَشُ " لِيُرَدَّ " لِمَالِكِهِ وَقِيلَ : لَا بَلْ يُعْطَى لِصَاحِبِهِ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْهَالِكِ .
وَمِنْهُ : بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : الْمُتَوَقَّعُ هَلْ يُجْعَلُ كَالْوَاقِعِ ؟ .
الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ إذَا اسْتَدْرَكَ وَصِينَ عَنْ الزَّوَالِ هَلْ يَكُونُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِزَالَتِهِ وَإِعَادَتِهِ ابْتِدَاءً أَوْ هُوَ مَحْضُ اسْتِدَامَةٍ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ " .
وَخَرَّجَ عَلَيْهَا مَسْأَلَتَيْنِ .
" إحْدَاهُمَا " جَنَى الْمَرْهُونُ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : أَنَا أَفْدِيهِ لِيَكُونَ مَرْهُونًا بِالْفِدَاءِ وَآخُذُ الدَّيْنَ فَإِنْ جَوَّزْنَا الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ فَذَاكَ وَإِنْ مَنَعْنَا فَقَوْلَانِ مَأْخَذُهُمَا مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قُلْنَا : كَالزَّائِلِ جَازَ وَكَأَنَّهُ ابْتِدَاءُ رَهْنٍ " بِالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا كَانَ عَلَى الشَّجَرِ ثَمَرٌ " غَيْرُ " مُؤَبَّرٍ فَبَاعَهَا وَاسْتَثْنَى الثِّمَارَ لِنَفْسِهِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَقَدْ نَصَّ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ " شَجَرَةً مُطْلِعَةً وَاسْتَبْقَى " الطَّلْعَ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزَ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ " فَإِنَّهُ اسْتَبْقَى " كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ " اشْتَرَاهُ " وَذَكَرَهَا الْإِمَامُ كَذَلِكَ وَزَادَ ( ثَالِثَةً ) ، وَهِيَ إذَا دَبَّرَ عَبْدًا فَجَنَى فِي حَيَاتِهِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَهُ فَفَدَاهُ الْوَرَثَةُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَوْ سَلَّمُوهُ " لِبَيْعٍ " وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِيهِ فَإِذَا فَدَوْهُ وَقُلْنَا : " بِنُفُوذِ " الْعِتْقِ فَالْوَلَاءُ لِمَنْ ؟ فَعَلَى قَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا : الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ كَالزَّائِلِ فَالْوَلَاءُ لِلْوَرَثَةِ وَإِلَّا فَلِلسَّيِّدِ الْمَيِّتِ .
الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمَاءِ " بِالِاسْتِعْمَالِ " مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ حَتَّى يَنْفَصِلَ وَلَا عَنْ الثَّوْبِ الْمَغْسُولِ فِي النَّجَاسَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ رَفْعُ " حَدَثٍ " وَلَا إزَالَةُ نَجَسٍ .
وَلَمْ يَضُرَّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ وَلَمْ تَضُرَّهُ النَّجَاسَةُ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَلَمْ " يَتَغَيَّرْ " أَوْ قَلِيلًا وَالنَّجَاسَةُ لَا يُدْرِكُهَا الطَّرَفُ ، وَكَذَا " الصُّوَرُ " الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ " تَنَجُّسِ " الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَعُفِيَ عَنْ الْمَاءِ السَّائِلِ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا عَمَّتْ " بَلْوَى الشَّخْصِ بِهِ " عَلَى الظَّاهِرِ وَعَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ " إذَا تَعَذَّرَ " الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَكَذَا كَثِيرُهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَعَنْ طِينِ الشَّارِعِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَعُفِيَ عَنْ الدَّمِ الْقَلِيلِ " عَلَى " اللَّحْمِ ، وَالْعَظْمِ مِنْ الْمُذَكَّى قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ " وَالثَّعَالِبِيُّ " .
وَتُصَلِّي الْمُسْتَحَاضَةُ وَدَائِمُ الْحَدَثِ مَعَ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، وَجَازَ الْقُعُودُ فِي الصَّلَاةِ لِلْمَرِيضِ وَسَقَطَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالنَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ حَتَّى لَا يَفُوتَ النَّاسَ " أَوْرَادُهُمْ " .
وَنَحْوُهُ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ " جَوَازَ " صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ أَنَّ الشَّرْعَ نُدِبَ لِلِاسْتِكْثَارِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَوْ اعْتَبَرْنَا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِيهِ أَفْضَى إلَى تَقْلِيلِهِ .
" وَلِذَلِكَ " سُومِحَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ وَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِالرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ وَسَقَطَ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ وَاغْتَفَرْنَا زِيَادَةَ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي حَيْثُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ فَضِيلَةِ الِاقْتِدَاءِ .
وَاغْتُفِرَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ
بِالْأَعْذَارِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَعَ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُ فِعْلَهَا لَوْلَا الْعُذْرُ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ .
وَاغْتُفِرَ " تَغْيِيرُ " الْهَيْئَاتِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِمَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ إذْ ذَاكَ ، وَتَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ ، وَكَذَلِكَ الدِّيبَاجُ الثَّخِينُ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَجُعِلَ الرِّيقُ فِي فَمِ الصَّائِمِ عَفْوًا حَتَّى لَوْ تَمَضْمَضَ لَمْ " يُفْطِرْ " وَإِنْ كَانَ يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ ، وَعَدَمُ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِأَوَّلِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .
وَالْفِطْرُ لِلْعُذْرِ .
وَلَوْ " اقْتَلَعَ " نُخَامَةً مِنْ صَدْرِهِ فَقِيلَ : يُفْطِرُ " كَالْقَيْءِ " وَالْأَصَحُّ : لَا ، لِلْمَشَقَّةِ فِي دَفْعِهَا ، وَالْعَفْوُ عَنْ وَضْعِ الْمُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ " إذْ لَا " يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .
وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ " وَلِحَكِّ " رَأْسِهِ " فَجُعِلَ " عَفْوًا ، وَسُومِحَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا لِلْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ ، وَإِبْهَامُ النِّيَّةِ وَتَعْلِيقُهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ ، " وَالِاعْتِدَادُ " " فِيهِمَا " بِمَا لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفَرْضُ يَنْصَرِفُ إلَى نَفْسِهِ " وَأَنَّهُ " لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالْمُفْسِدِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّا بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَإِبَاحَةُ أَكْلِ الْمِيتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ ، " وَصِحَّةُ " اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْحُرِّيَّةِ ، " وَصِحَّةُ تَصَرُّفِ الْحَاكِمِ " فِي مَالِ الْغَيْرِ إمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ أَوْ فِي حُضُورِهِ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ " مِنْهُ " .
تَنْبِيهَاتٌ : الْأَوَّلُ : هَذَا إذَا كَانَتْ الْمَشَقَّةُ " وَوُقُوعُهَا " عَامًّا فَلَوْ كَانَ نَادِرًا لَمْ تُرَاعَ الْمَشَقَّةُ فِيهِ .
وَلِهَذَا تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ ، وَتَقْضِي الْمُتَحَيِّرَةُ الصَّلَاةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ ، وَوَجَّهَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَقَعُ نَادِرًا " أَوْ لَعَلَّهُ " لَمْ تَقَعْ قَطُّ ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ لِلتَّفْرِيعِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ نَسِيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ مِنْ صَلَوَاتِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ " أَوْ مُخْتَلِفَةٌ " فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ لِصَلَاةِ عِشْرِينَ صَلَاةً " لِيَسْقُطَ " الْفَرْضُ بِيَقِينٍ " وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ " ، وَمِثْلُهُ الْمُرْتَدُّ عِنْدَمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ وَأَدَّى إلَى الْمَشَقَّةِ ، وَقَالُوا فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ : " يُلْقِي " السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ فَلَوْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ وَلَا قَضَاءَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ عَامٌّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَكَانَ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقْضِي لِنُدُورِ عُذْرِهِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ ، وَقَالَ : تَلْطِيخُ السِّلَاحِ بِالدَّمِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْعَامَّةِ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلِ فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ .
الثَّانِي : الْمَشَقَّةُ يَخْتَلِفُ " ضَابِطُهَا " بِاخْتِلَافِ أَعْذَارِهَا ، فَفِي التَّيَمُّمِ يَعْدِلُ عَنْ الْمَاءِ إذَا خَافَ إتْلَافَ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ " أَوْ بُطْءَ " الْبُرْءِ أَوْ " شَيْنًا فَاحِشًا " فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ : هَذِهِ كُلُّهَا لَا ضَابِطَ " لَهَا " وَمِنْهَا الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الضَّرُورَةُ وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاسْمِ وَحَكَى الْإِمَامُ " عَنْ شَيْخِهِ " أَنَّ " الْمُعْتَبَرَ أَلَمٌ " يُلْهِي " عَنْ الْخُشُوعِ .
وَمَشَقَّةُ الصَّوْمِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْهَلَاكُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ : وَالْوَجْهُ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ تَضَرُّرًا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي " الْمَأْرَبِ " ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : شَرْطُ الْمَرَضِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدًا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَلَى قَاعِدَةِ وُجُوهِ الْمَضَارِّ فِي التَّيَمُّمِ .
وَقَالَ " الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْبِلْفِيَائِيُّ : " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَالُ " هُنَا " أَخَفَّ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى ذَلِكَ .
قَالَ : وَالشَّرْطُ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْمَرَضِ مَشَقَّةٌ تَلْحَقُ الْمُسَافِرُ بِالسَّفَرِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ : مِنْ الْمُشْكِلِ ضَبْطُ الْمَشَقَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَالْمَرَضِ فِي الصَّوْمِ " فَإِنَّهُ إنْ ضُبِطَ " بِالْمَشَقَّةِ فَالْمَشَقَّةُ نَفْسُهَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ وَإِنْ " ضُبِطَ " بِمَا يُسَاوِي مَشَقَّةَ الْأَسْفَارِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ ، وَكَذَلِكَ مَشَقَّةُ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ قَالَ : وَمَنْ ضَبَطَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ " مِمَّا " يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَأَهْلِ الظَّاهِرِ خَلَصَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ .
الثَّالِثُ : مَنْ خُفِّفَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ لَوْ تَكَلَّفَ وَفَعَلَ صَحَّ إذَا لَمْ يَخْشَ الْهَلَاكَ أَوْ الضَّرَرَ الْعَظِيمَ كَالْمَرِيضِ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْفَقِيرِ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ بِحُضُورِ عَرَفَاتٍ " وَسَقَطَ " عَنْهُ الْفَرْضُ " فَإِذَا " خَشِيَ ذَلِكَ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ فِي الْمَرِيضِ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ " أَنَّهُ " يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ فَإِنْ صَامَ عَصَى ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِهِ فَكَيْف يَتَقَرَّبُ بِمَا يَعْصِي بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا عَصَى " لِجِنَايَتِهِ " عَلَى الرُّوحِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كَالْمُصَلِّي فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَعْصِي لِتَنَاوُلِهِ حَقَّ " الْغَيْرِ " " وَكَذَلِكَ " هَذَا لَمْ يَعْصِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَائِمٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ سَعْيِهِ " فِي الْهَلَاكِ " .
قُلْت : وَيَجْرِي هَذَا فِي الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَشْيِ " لِحَجٍّ " وَالْمَرِيضِ الْمُضْنَى يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ .
====================================================ج7...=============
ج7.كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ كَمَا لَوْ رَهَنَ عَلَى دَيْنٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْهَنَهُ عَلَى آخَرَ لَا يَجُوزُ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ .
وَمِنْ نَظَائِرِهِ لَا يَجُوزُ " الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ " لِلْعَاكِفِ بِمِنًى لِاشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ .
وَمِنْهَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثَانِيًا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ هَلْ يَنْتَقِلُ إحْرَامُ الثَّانِي إلَى الْعُمْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُجَوِّزِ إدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ فِي الْبَحْرِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ عُمْرَةً ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ الْعُمْرَةِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ .
الْمَضْمُونَاتُ سَبَقَتْ فِي " حَرْفِ الضَّادِ " .
الْمُضَافُ لِلْجُزْءِ كَالْمُضَافِ لِلْكُلِّ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالِانْجِرَارِ " وَيَنْبَنِي " عَلَى السَّرَيَانِ " وَالْغَلَبَةِ " كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ لَوْ قَالَ : أَحْرَمْت بِنِصْفِ نُسْكٍ " انْعَقَدَ " بِكَامِلٍ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ كَذَا ضَبَطَهُ الْإِمَامُ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ مَحَلِّ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَمَا لَا فَلَا وَيُسْتَثْنَى مَسَائِلُ : إحْدَاهَا : الْإِيلَاءُ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ إلَّا " الْفَرْجَ " .
الثَّانِيَةُ : الْوَصِيَّةُ فَإِنَّهُ " يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا " وَلَا يَصِحُّ " أَنْ تُضَافَ " إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ .
الثَّالِثَةُ : الْكَفَالَةُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا ، وَيَصِحُّ " أَنْ تُضَافَ " إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ .
الرَّابِعَةُ : التَّدْبِيرُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَوْ قَالَ : دَبَّرْت يَدَك أَوْ رِجْلَك لَمْ يَصِحَّ عَلَى وَجْهٍ .
الْخَامِسَةُ : لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ إنْ قُلْنَا : يُرْجَعُ فِيهِ " بِالْقَوْلِ " كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ قَالَ : رَجَعْت فِي رَأْسِك مَثَلًا فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا فِي جَمِيعِهِ إنْ قُلْنَا : لَا يَكْفِي الرُّجُوعُ بِاللَّفْظِ وَهُوَ الْأَصَحُّ بَقِيَ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ وَإِلَّا " فَيَبْقَى " فِي بَاقِيهِ فَقَطْ .
السَّادِسَةُ : لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ لَا يَكُونُ قَذْفًا ، وَلَوْ قَالَ : زَنَى قُبُلُك أَوْ دُبُرُك كَانَ قَذْفًا .
السَّابِعَةُ : تَعْلِيقُ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ فَلَوْ رَدَّهُ كَانَ رَدًّا لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ إضَافَةَ الْفُسُوخِ إلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ فَاسِدٌ لَاغٍ فَإِنَّ الْفُسُوخَ " يَنْحَى " بِهَا نَحْوَ الْعُقُودِ " فَلَا تُعَلَّقُ كَمَا لَا تُعَلَّقُ الْعُقُودُ " فَمَا لَا يَصِحُّ إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهِ لَا يَصِحُّ إضَافَةُ الْفَسْخِ إلَيْهِ ، وَفِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ لَوْ اسْتَحَقَّ فَسْخَ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ فَقَالَ : فَسَخْت النِّكَاحَ فِي يَدِهَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ : فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا " يَجُوزُ " وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْرِي كَسِرَايَةِ الْعِتْقِ .
الْأَوَّلُ : الْمُطْلَقُ " مِنْ " الْعَارِفِ " بِالْمَحَلِّ " الصَّحِيحِ " يَنْزِلُ " عَلَى الْجِهَةِ الصَّحِيحَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْفَقِيهُ الْمُوَافِقُ اُعْتُمِدَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ ، وَكَذَا " فِي الْجَارِحِ إذَا جَرَحَ " وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ كَمَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَا " فِي الشَّهَادَةِ " بِالرَّضَاعِ وَنَظَائِرِهِ كَمَا سَبَقَ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : وَلَا يُشْتَرَطُ تَعَرُّضُ الشُّهُودِ لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالصِّحَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالطَّوَاعِيَةِ " وَالِاخْتِيَارِ " ، فَلَوْ أَطْلَقَ الشَّاهِدُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَذَاكَ وَإِنْ امْتَنَعَ وَقَالَ : لَا يَلْزَمُنِي التَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ ، وَلَوْ كَانَ لَازِمًا " لَبُيِّنَتْ " قَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لَا يُورِثُ " رِيبَةً أَمْضَى " شَهَادَتَهُ وَإِلَّا تَوَقَّفَ قَالَ الْإِمَامُ : " يَتَخَرَّجُ " مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا " يَنْحَسِمُ " عَلَى الْقَاضِي مَسْلَكَ الِاسْتِفْصَالِ .
" وَهَذَا يُبَيِّنُهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ شَهِدَ مُطْلَقًا وَمَاتَ أَوْ غَابَ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِفْصَالُ " امْتَنَعَ تَنْفِيذُ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمُطْلَقَةِ وَإِنْ شَهِدَ وَاسْتَفْصَلَ الْقَاضِي " فَأَبَى " الشَّاهِدُ صَائِرًا إلَى أَنَّهُ لَا " يُفْصَلُ " وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَصِّلَ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ وَزَمَانَهُ ، وَمِنْ الْقُضَاةِ مَنْ يَرَى الْبَحْثَ عَنْ " الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ " وَغَرَضُهُ أَنْ يَسْتَبِينَ تَثَبُّتَ " الشَّاهِدِ " وَثِقَتَهُ " بِمَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ " خَبِيرًا " لَمْ يُجَبْ الْقَاضِي .
ثُمَّ قَالَ : وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ اسْتِفْصَالِ الْقَاضِي " مَرْدُودًا " إلَى خِبْرَتِهِ وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى حَالِ الشَّاهِدِ فَإِنْ رَآهُ خَبِيرًا
بِالشَّرَائِطِ فَطِنًا فَلَهُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ وَقَدْ يَقَعُ " حَالَةَ " لَا تَجِبُ الْمُبَاحَثَةُ فِيهَا حَتْمًا وَالِاحْتِيَاطُ " يَقْتَضِيهَا " .
وَهَذَا مِنْ خَفَايَا أَحْكَامِ الْقَضَاءِ ثُمَّ إذَا اسْتَفْصَلَ الْقَاضِي فَهَلْ عَلَى الشَّاهِدِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّرَائِطِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَإِنْ اسْتَفْصَلَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ " بِهِمَا " لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ .
الثَّانِي : الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ يَنْزِلُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ " وَكَانَ لَهُ مَحْمِلَانِ " أَخَفُّ وَأَثْقَلُ حَمَلَ عَلَى أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِأَقَلَّ مَا يَقْتَضِيهِ الِاسْمُ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : مِنْهَا : غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى الِاغْتِرَافَ فَلَا وَإِنْ أُطْلِقَ وَلَمْ يُنْوَ شَيْءٌ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ نِيَّةِ الْحَدَثِ شَمِلَتْهُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُسَافِرَ يَشْتَرِطُ لِلْقَصْرِ نِيَّةَ الْقَصْرِ فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ " وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ وَلَا الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ " الْإِتْمَامُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِتْمَامُ فَإِذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ انْصَرَفَ إلَى الْمَعْهُودِ ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا عَنْ الْمُزَنِيِّ ، وَهُوَ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ " ذَلِكَ " الْأَصْلَ الْعَامَّ عَارَضَهُ أَصْلٌ " آخَرُ " خَاصٌّ أَقْوَى مِنْهُ .
وَمِنْهَا : إذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكٌ لِوَلَدِهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ يَهَبُهُ مِنْهُ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَهَذَا فَرْعُ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَاصِمٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ : لَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ فَيَرْجِعُ " وَإِلَّا " فَلَا .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُطْلَقَ يَرْجِعُ فِي تَعْيِينِ أَحَدِ مَحْمِلَيْهِ إلَى اللَّافِظِ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَدَفَعَ إلَى الْمَدِينِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَأَطْلَقَ فَلَهُ التَّعْيِينُ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا وَعَلَيْهِ تَعْيِينُ " إحْدَاهُمَا " لِلطَّلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ : طَلَّقْت وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ وَفِيهِنَّ أَجْنَبِيَّةٌ ، وَقَالَ : أَرَدْتهَا ؛ فَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ أَيْضًا .
وَمِنْهَا : يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مُطْلَقًا وَيَصْرِفَهُ بِالتَّعْيِينِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ ، أَوْ إلَيْهِمَا ، نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَهُ لِلْعُمْرَةِ دَخَلَ الْحَجُّ فَأَرَادَ صَرْفَهُ إلَيْهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ صَحَّ عَنْ الْعُهْرَةِ وَلَا يَقَعُ مَوْقُوفًا فِي الِابْتِدَاءِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَقْبَلُ سِوَى الْعُمْرَةِ .
الرَّابِعُ : اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إلَّا إذَا كَانَ لَوْ صُرِّحَ بِذَلِكَ الْمُقَيَّدِ لَصَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا صُوَرٌ : مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْأَبِ السَّابِقَةُ حَيْثُ قُبِلَ مِنْهُ إرَادَةُ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهَا لَصَحَّ .
وَمِنْهَا إذَا أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِمُعَامَلَةٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إذَا قَالَ : عَنْ جِنَايَةٍ أَوْ " عَنْ " مَالٍ ، فَإِنْ أَطْلَقَ قُبِلَ وَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ لَصَحَّ .
وَمِنْهَا : إذَا أَعَارَ لِلزِّرَاعَةِ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الزَّرْعَ صَحَّ " عَلَى " الْأَصَحِّ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَوْ قِيلَ : تَصِحُّ الْإِعَارَةُ وَلَا يَزْرَعُ إلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَكَانَ مَذْهَبًا وَأَعَادَ هَذَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي صُورَةِ إطْلَاقِ الْإِجَارَةِ وَلِمَانِعِ أَنْ يُمْنَعَ مَجِيءُ هَذَا الْبَحْثِ فِي الْبَابَيْنِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ : أَعَرْتُك " أَوْ أَجَرْتُك " لِتَزْرَعَ أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَمْ يَصِحَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ : الْمُطْلَقُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ .
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتَبَ اكْتَفَى مِنْهُ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
وَلَوْ نَذَرَ هَدْيًا هَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْهَدْيِ الشَّرْعِيِّ أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ؟ قَوْلَانِ وَإِنْ قَالَهُ بِاللَّامِ تَعَيَّنَ لِلشَّرْعِيِّ .
" وَقَالَتْ " الْحَنَفِيَّةُ : الْمُطْلَقُ مِنْ الْأَلْفَاظِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ مِنْ الْمَعَانِي .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ السَّمَكِ لِنُقْصَانِ لَحْمِيَّتِهِ إذْ اللَّحْمُ هُوَ الْمُنْعَقِدُ مِنْ الدَّمِ وَلَا دَمَ لِلسَّمَكِ .
قُلْت : وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ أَيْضًا لَكِنْ " لِغَيْرِ " هَذَا الْمَأْخَذِ .
السَّادِسُ : الْفَرْقُ بَيْنَ مُطْلَقِ الشَّيْءِ وَالشَّيْءِ الْمُطْلَقِ تَعَرَّضَ لَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ ، فَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ : حَقِيقَةُ الْمَاهِيَّةِ وَالثَّانِي : هِيَ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ ، فَالْأَوَّلُ " لَا يُقَيَّدُ " " وَالثَّانِي يُفِيدُ " التَّجَرُّدَ عَنْ جَمِيعِ " الْقُيُودِ " .
وَقَدْ لَا يُرَادُ ذَلِكَ بَلْ يُرَادُ التَّجَرُّدُ عَنْ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا : مُطْلَقُ الْمَاءِ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى " الطَّهُورِ " وَالطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَالثَّانِي هُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ ، وَإِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّهُورُ .
وَمِنْهَا : اسْمُ الرَّقَبَةِ وَحَقِيقَتُهَا تَصْدُقُ عَلَى السَّلِيمَةِ وَالْمَعِيبَةِ .
وَالْمُطْلَقَةُ لَا " تُطْلَقُ " إلَّا عَلَى السَّلِيمَةِ وَلَا تَجْزِيءُ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ ، لِإِطْلَاقِ الشَّرْعِ إيَّاهَا وَالرَّقَبَةُ الْمُطْلَقَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ .
وَمِنْهَا : الدِّرْهَمُ الْمَذْكُورُ فِي الْعُقُودِ قَدْ يُقَيَّدُ بِالنَّاقِصِ وَالْكَامِلِ وَحَقِيقَتُهُ مُنْقَسِمَةٌ إلَيْهِمَا وَإِذَا أُطْلِقَ تَقَيُّدٌ " بِالْكَامِلِ " الْمُتَعَارَفِ بِالرَّوَاجِ " " بَيْنَ " النَّاسِ .
وَمِنْهَا : الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَالصَّدَاقُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْوَاضِ الْمَجْعُولَةِ فِي الذِّمَّةِ تَنْقَسِمُ إلَى الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَإِذَا أُطْلِقَتْ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى الْحَالِّ فَالْإِطْلَاقُ " قَدْ " اقْتَضَى ذَلِكَ .
الْمَطْلُوبُ إذَا كَانَ فِيهِ أَحَدُ " غَرَضَيْنِ " عَلَى الْإِبْهَامِ لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالطَّلَبِ .
وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي بِالْإِيلَاءِ أَنْ تَدَّعِيَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِيلَاءَ وَأَنَّ مُدَّتَهُ قَدْ انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ وَتَطْلُبُ مِنْهُ دَفْعَ الضَّرَرِ بِالْخُرُوجِ عَنْ مُوجِبِ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : وَكَذَلِكَ الْمُتْعَةُ لَمَّا كَانَتْ إلَى تَقْدِيرِ الْقَاضِي فِي أَيِّ نَوْعٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ طَلَبُهَا إلَّا مُبْهَمَةً .
قُلْت : وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْحُكُومَةِ وَالرَّضْخِ .
الْمَعْدُومُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا : إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَتْ إحْدَاهُنَّ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْمَيِّتَةَ وَتُحْسَبُ لَهُ مِنْ الْأَرْبَعِ .
" وَمِنْهَا " إذَا " تَدَاعَى " اثْنَانِ شَخْصًا وَمَاتَ ، لِلْقَائِفِ أَنْ يُلْحِقَهُ بِأَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَانِي إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ حَيْثُ كَانَ " الْأَصَحُّ " عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْتَهَدُ أَنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ الْإِرْثِ " وَالْغُسْلِ " فَلِهَذَا كَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ النَّسَبُ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ " بِالِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُعْتَمَدُ طَاهِرًا وَنَجِسًا وَقَدْ " فُقِدَ " أَحَدُهُمَا .
مُعْظَمُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ وَلِهَذَا تَحْصُلُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ ، وَمَنْ " أَوْقَعَ " رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ كَانَ الْكُلُّ أَدَاءً فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ وَبَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ حُسِبَ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الْحَجِّ فِي حَالِ الْكَمَالِ ، وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدِ تَحْصُلُ بِالْمُعْظَمِ وَنَحْوُهُ .
الْمُعَارَضَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ : مَا قُطِعَ فِيهِ بِالْمُعَارَضَةِ كَعَدَمِ طَهَارَةِ الْخَمْرِ إذَا خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا وَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ عَمْدًا الْإِرْثَ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ رَمَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ عَبَثًا فَجُنَّ وَجَعَلَ الْإِمَامُ مِنْ هَذَا إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَلشَّرِيك وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ شَرِيكِهِ حَصَلَ مَقْصُودُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَانْدَفَعَ عَنْ الشَّرِيكِ الضَّرَرُ فَإِذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَى عَرْضِهِ عَلَى شَرِيكِهِ " رَاغَمَهُ " الشَّرْعُ مَقْصُودَهُ وَصَرَفَ الْبَيْعَ إلَى الشَّرِيكِ .
وَأَخَذَ مِنْهُ إبْطَالَ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ .
الثَّانِي : مَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ الْمَدْيُونَ " حَلَّ الدَّيْنُ " فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ زَوْجَتَهُ لِأَجْلٍ مِيرَاثِهَا مُسِيئًا عِشْرَتَهَا فَإِنَّهُ يَرِثُهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ رَمَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ لِيُصَلِّيَ قَاعِدًا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً يُلْقِي الْجَنِينَ فَأَلْقَتْهُ وَنَفِسَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ " صَلَوَاتِ " أَيَّامِ النِّفَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَسَاءَ عِشْرَةَ زَوْجَتِهِ حَتَّى افْتَدَتْ بِالْخُلْعِ " نَفَذَ فِي الصَّحِيحِ " وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فِرَارًا مِنْ الْإِرْثِ نَفَذَ وَلَمْ تَرِثْهُ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : " تَرِثُ " مُنَاقَضَةً لِقَصْدِهِ .
وَلَوْ جَبَّتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا ، أَوْ هَدَمَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ثَبَتَ " لَهُمَا " الْخِيَارُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ " خُلِّلَ " الْخَمْرُ بِغَيْرِ طَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا بَلْ بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ وَعَكْسِهِ طَهُرَتْ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يُعَارَضُ قَطْعًا كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالَ الزَّكَوِيُّ قَبْلَ الْحَوْلِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا .
وَلَوْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ مُتَعَدِّيًا لِيُجَامِعَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ ، وَلَوْ شَرِبَ شَيْئًا لِيَمْرَضَ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مَرِيضًا فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ .
وَلَوْ قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ بِذَلِكَ .
وَلَوْ اُسْتُلْحِقَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ قُبِلَ وَوَرِثَهُ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِتُهْمَةِ الطَّمَعِ فِي الْإِرْثِ .
وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَحَاضَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا قَضَاءُ " الصَّلَوَاتِ " اتِّفَاقًا .
مُعَامَلَاتُ الْعَبِيدِ مَعَ السَّادَةِ ثَلَاثَةٌ مُهَايَأَةٌ وَمُخَارَجَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ .
وَالْمُهَايَأَةُ فِي الْمُبَعَّضِ وَهَلْ هِيَ " إعَارَةٌ أَوْ إجَارَةً " خِلَافٌ وَكِلَاهُمَا مُشْكِلٌ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ وَأَخْذِ " الْغُرْمِ " .
الْمُعَاطَاةُ أَنْ " يُوجَدَ " " فِي " أَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَيَشْفَعُهُ الْآخَرُ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا " يُوجَدُ " لَفْظٌ أَصْلًا وَلَكِنْ يَصْدُرُ الْفِعْلُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فَأَمَّا إذَا " أَخَذَ " مِنْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَتَلَفَّظَا بِبَيْعٍ بَلْ نَوَيَا أَخْذَهُ بِثَمَنِهِ الْمُعْتَادِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ لَفْظِيٍّ وَلَا مُعَاطَاةٍ كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ : وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْحَوَائِجَ مِنْ الْبَيَّاعِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يُحَاسِبُهُ وَيُعْطِيهِ الْعِوَضَ .
وَهَذَا " كُلُّهُ " تَابَعَ فِيهِ " الْبَغَوِيّ " لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي " الْإِحْيَاءِ " أَشَارَ إلَى التَّسَامُحِ بِهِ .
الْمُعَاوَضَةُ قِسْمَانِ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ فَالْمَحْضَةُ : مَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهَا بِفَسَادِ الْعِوَضِ .
وَغَيْرُ " الْمَحْضَةِ " مَا لَا يَفْسُدُ .
وَإِنْ شِئْت قُلْت : الْمُعَاوَضَةُ الْمَحْضَةُ : مَا يُقْصَدُ فِيهَا الْمَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ مَا يَعُمُّ الْمَنْفَعَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يُتَمَوَّلُ وَغَيْرُ الْمَحْضَةِ : مَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ .
وَأَمَّا الْقَرْضُ فَلَيْسَ بِمَحْضَةٍ بَلْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ الْإِرْفَاقُ .
وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِخِلَافِ مَا مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَحْضَةٍ كَالصَّدَاقِ ، لَكِنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الشِّقْصِ " الْمُقْرَضِ " جَزْمًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ .
الْمِعْيَارُ الشَّرْعِيُّ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ .
وَذَكَرُوا فِي زَكَاةِ النَّقْدِ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ إنَاءٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَشَكَّ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا وَعُسْرُ السَّبْكِ طَرِيقَةٌ هَنْدَسِيَّةٌ فِي الْمِعْيَارِ بِالْإِلْقَاءِ فِي إنَاءٍ مِنْ الْمَاءِ بِأَنْ يَمْتَحِنَ قَدْرًا مِنْ النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ وَقَدْرًا مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَيُعَلِّمُ عَلَى مَوْضِعِ " الِارْتِفَاعِ " ثُمَّ يُلْقِي الْمَخْلُوطَ " فِيهِ " فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى عَلَامَةِ الذَّهَبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ هُوَ الْأَكْثَرُ ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالزَّكَاةِ بَلْ طَرَدَهُ الْإِمَامُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ " فَإِنْ " كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِيزَانٌ فَقَضَاهُ بِهَذِهِ " الطَّرِيقَةِ " جَازَ .
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ الْمَكِيلَاتِ فَقَضَاهُ بِطَرِيقِ الْخَرْصِ جَازَ .
فَأَمَّا بَيْعُ النَّقْرَةِ بِمِثْلِهَا بِهَذِهِ " الطَّرِيقَةِ " فَلَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ فِي بَابِ الرِّبَا الْمُعْتَبَرُ تَقْدِيرُ " مَخْصُوصٍ ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِمِثْلِهَا وَزْنًا .
مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَارَةً تَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ نَحْوَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ ، قَالَ " اللَّهُ " تَعَالَى " { جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } وَنَحْوَ أَكَلَ الزَّيْدَانِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَكَلَ رَغِيفًا .
وَقَدْ يَقْتَضِي " مُقَابَلَةَ " الْكُلِّ " لِكُلِّ " فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } وَقَوْلِهِ { وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } فَذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ وَلِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ وَلَوْ قِيلَ : إلَى الْكِعَابِ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ " بِأَنَّ " لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا وَاحِدًا فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا غُسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ " وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ " ، قُلْنَا : صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِجْمَاعُ " الْأُمَّةِ .
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا " كَثِيرٌ " مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمَذْهَبِيَّةِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ } .
الْآيَةَ هَلْ الْمُرَادُ تَوْزِيعُ " جَمِيعِ " الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ " أَوْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ " .
وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ " بِكُلِّ " صَدَقَةٍ صَدَقَةٍ أَوْ يَكْفِي وَضْعُهَا فِي صِنْفٍ .
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيلِ مَسْحِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ { إنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ } هَلْ " أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ " قَدَمَيْهِ "
" الْخُفَّ " وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَاهِرَةٌ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْخَلَ كِلَا الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَكُلُّ قَدَمٍ فِي " حَالِ " إدْخَالِهَا " الْخُفَّ طَاهِرَةٌ " وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ " غَسَلَ " الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْفَرْدِ عَلَى الْجُمْلَةِ امْتَنَعَ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ إدْخَالِ الرِّجْلِ الْأُولَى الْخُفَّ لَمْ تَكُنْ الرِّجْلَانِ طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ صَحَّ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْمُزَنِيّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ .
وَمِنْهَا : مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْمَنْعِ فِيهَا أَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ إذَا اشْتَمَلَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى مَالَيْنِ وُزِّعَ مَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ " الْمُفَاضَلَةَ " أَوْ الْجَهْلَ بِالْمِثْلِ ، أَمَّا أَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ " كَذَلِكَ " " فَلِأَنَّهُ " لَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ عَقَارٍ وَسَيْفًا " بِأَلْفٍ " يُوَزَّعُ الْأَلْفُ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَوْ كَانَ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً وَالسَّيْفِ خَمْسِينَ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِثُلُثَيْ " الْأَلْفِ " ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ " مِمَّا " فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ " مِمَّا " فِي الشِّقِّ الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ الْمُفَصَّلِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا فَيُصَارُ إلَيْهِ مِثَالُ الْقَرِينَةِ عَلَى تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِاسْتِحَالَةِ الْآخَرِ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ : إنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَأَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا ، طَلُقَتَا ؛ لِأَنَّهُمَا " أَكَلَتَاهُمَا " وَيَسْتَحِيلُ أَكْلُ وَاحِدَةٍ الرَّغِيفَيْنِ .
وَمِثَالُ الْقَرِينَةِ
عَلَى تَوْزِيعِ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ ، مَا لَوْ " قَالَ " .
الْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ لَا تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّوْزِيعَيْنِ وَلَا يُنْكِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا فَهَلْ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْمُرَجَّحُ غَالِبًا تَوْزِيعُ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ " .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْتُمَا " هَاتَيْنِ " الدَّارَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا إحْدَى الدَّارَيْنِ " وَالْأُخْرَى الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَدْخُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدَّارَيْنِ " جَمِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلَوْ قَالَ : إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِطَلَاقِهِمَا عَلَى حَيْضِهِمَا جَمِيعًا ، فَإِنْ حَاضَتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا طَلُقَتَا وَإِنْ حَاضَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا .
وَلَوْ قَالَ : إنْ شِئْتُمَا فَأَنْتُمَا " طَالِقَتَانِ " فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَشَأْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَهَلْ طَلَاقُ كُلِّ وَاحِدَةٍ " يُعَلَّقُ " بِالْمَشِيئَتَيْنِ جَمِيعًا أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ " بِمَشِيئَتِهَا " طَلَاقَ نَفْسِهَا دُونَ ضَرَّتِهَا ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي بِالْأَوَّلِ ، وَالْبَنْدَنِيجِيّ بِالثَّانِي وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ أَنَّهُ الْقِيَاسُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِقَتْلِ رَجُلَيْنِ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا " قَتَلَ أَحَدَهُمَا " أَوْ الْآخَرُ " الْآخَرَ .
وَمِنْهَا : الضَّمَانُ فَإِذَا ضَمِنَ اثْنَانِ أَلْفًا فَهَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ " أَوْ بِالْحِصَّةِ وَجْهَانِ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الرُّويَانِيُّ ، قَالَ : إلَّا أَنْ يَقُولُوا : إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ " لِجَمِيعِهَا " وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِالْأَوَّلِ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَاسْتَشْهَدَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لِذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ " عَبْدٌ " فَقَالَا لِرَجُلٍ رَهَنَّاهُ عِنْدَك عَلَى دَيْنِك الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ رَاهِنًا
لِكُلِّ الدَّيْنِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى هَذِهِ " الصُّورَةِ " .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ : إذَا أَدَّيْتُمْ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ هَلْ يُعْتَقُ الْوَاحِدُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الْجَمِيعِ ؟ وَلَوْ " أَمَّنَ " مِائَةُ أَلْفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ الْكُفَّارِ قَالَ الْإِمَامُ : " فَأَمَانُ " الْكُلِّ مَرْدُودٌ .
وَحَاوَلَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا صَدَرَ هَذَا عَلَى التَّعَاقُبِ الصِّحَّةَ إلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ ، وَأَمَّا ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا عَرَفَ الْأَوَّلُ قُبِلَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ جَهِلَ تُسْتَعْمَلُ " الْقُرْعَةُ .
وَمِنْهَا : حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى شَيْءٍ وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ " وَحَنِثَ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ يُعَيِّنُهَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً حَتَّى تُسْتَكْمَلَ الثَّلَاثُ ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَا أَفَادَ الْفُرْقَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى حَكَاهُ " عَنْهُ " تِلْمِيذُهُ " ابْنُ الْفِرْكَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ .
وَسَبَقَتْ فِي قَاعِدَةِ الْحَصْرِ وَالْإِشَاعَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ جَمَاعَةٌ عَبِيدَهُمْ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ : أَوْقَعْت عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ .
وَمِنْهَا : إذَا قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مُبَعَّضٌ " رَقِيقًا " مِثْلَهُ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُقْتَلُ بِهِ لِتَسَاوِيهِمَا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ الرِّقُّ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةُ بِالْحُرِّيَّةِ بَلْ يُوَزَّعُ مَا فِي كُلِّ " وَاحِدٍ " مِنْهُمَا مِنْ الرِّقِّ عَلَى رِقِّ صَاحِبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ عَلَى رِقِّهِ وَحُرِّيَّتِهِ فَلَوْ قَتَلْنَاهُ بِهِ لَاسْتَوْفَيْنَا رُبْعَ حُرٍّ بِرُبْعِ رَقِيقٍ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ : وَإِنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْمُبَعَّضُ نِصْفُهُ مُبَعَّضًا " مِثْلَهُ " خَطَأً لَا نَقُولُ : مَا وَجَبَ مِنْ الْقِيمَةِ بِنِصْفِ الرَّقِيقِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ وَرَقَبَتِهِ وَمَا وَجَبَ بِنِصْفِ الْحُرِّ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ بَلْ تُقَسَّطُ الْقِيمَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةُ تَتَعَلَّقُ " بِنِصْفِ " الْقِيمَةِ " وَنِصْفُ " الدِّيَةِ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ بِذِمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ .
قَالَ : وَنَظِيرُ هَذَا التَّوْزِيعِ " وَالشُّيُوعِ " أَنَّ مَنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ بِعَبْدٍ وَثَوْبٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ فَلَا يُقَالُ : الشِّقْصُ يُقَابِلُهُ الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ يُقَابِلُهُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الثَّوْبِ وَكَذَا " السَّيْفُ " يُقَابِلُهُ النِّصْفُ مِنْهُمَا .
قَالَ : وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ الْحُرُّ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ أَوْ عَكْسُهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ ، وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ يُقَابَلُ " النَّقْصُ " بِالنَّقْصِ وَالْفَضْلِ " حَتَّى يَجِبَ الْقَوَدُ .
وَمِنْهَا : مَا وَجَبَ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ إنْ " كَانَ " فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ فَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِنْ " تَعَدَّدَتْ " أَجْزَاؤُهَا وُزِّعَتْ الدِّيَةُ " عَلَى أَجْزَاءٍ فَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ، وَكَذَلِكَ الْأُذُنَانِ وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ ، وَفِي طَبَقَةِ
الْمَارِنِ الثُّلُثُ ، لِأَنَّ الْمَنْخِرَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ .
الْمُقَدَّرَاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْحُقُوقُ إذَا كَانَ جَمِيعُهَا مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُقَدَّرٍ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْحَقِّ خَشْيَةَ سُقُوطِ صَاحِبِهِ بِحَيْثُ كَانَ مَنْ لَمْ يُقَدَّرْ حَقُّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَذَوِي الْفُرُوضِ مَعَ الْعَصَبِيَّاتِ فِي الْمِيرَاثِ فَهَا هُنَا قَدْ يُرِيدُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَقِّ الْمُقَدَّرِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِنِهَايَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَغَيْرُ الْمُقَدَّرِ مَوْكُولًا إلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا " يُزَادُ " الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ عَلَى الْمُقَدَّرِ هَا هُنَا وَلَهُ صُوَرٌ : مِنْهَا : الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ فَلَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَدْنَى حُدُودِهِمَا " فَيَجِبُ " أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ : عِشْرِينَ .
وَمِنْهَا : السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالرَّضْخِ " فَلَا يُبْلَغُ بِالرَّضْخِ لِأَدْنَى سَهْمِهِ الْمُقَدَّرِ وَلَا بِالرُّضُوخِ " لَهُ فَوْقَ سَهْمِهِ الْمُقَدَّرِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُقَدَّرًا شَرْعًا وَالْآخَرُ تَقْدِيرُهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ لَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ يُضْبَطُ بِهِ فَهَلْ هُوَ كَالْمُقَدَّرِ أَوْ لَا ؟ إنْ كَانَ " مَحَلُّهُمَا " وَاحِدًا " لَمْ " يُجَاوَزْ بِهِ الْمُقَدَّرُ كَالْحُكُومَةِ إذَا كَانَتْ فِي مَحَلٍّ لَهُ مُقَدَّرٌ اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَبْلُغَ " مِقْدَارُهُ " " لِذَلِكَ " الْمَحَلِّ فَإِنْ بَلَغَهُ نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ .
الثَّانِي الْمُقَدَّرَاتُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ تَقْرِيبٌ قَطْعًا فَمِنْهُ سِنُّ الرَّقِيقِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَائِهِ أَوْ " أَوْصَى " بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لَوْ شُرِطَ فِيهِ بَطَلَ وَقَدْرُ سِنِّ التَّمْيِيزِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا تَقْرِيبٌ .
الثَّانِي : مَا هُوَ تَحْدِيدٌ قَطْعًا كَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَغَسْلِ الْوُلُوغِ وَالْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ وَنُصُبِ " الزَّكَوَاتِ " وَالْأَسْنَانِ الْمَأْخُوذَةِ فِيهَا كَبِنْتِ مَخَاضٍ وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَوْسُقِ فِي الْعَرَايَا إذَا جَوَّزْنَاهَا فِي الْخَمْسَةِ وَالْآجَالِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَتَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَإِنْذَارِ الْمَوْلَى " " وَالْعِنِّينِ " وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَالْعَدَدِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ .
الثَّالِثُ : مَا هُوَ تَقْرِيبٌ فِي الْأَصَحِّ فَمِنْهُ تَقْدِيرُ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ ، وَسِنِّ الْحَيْضِ بِتِسْعِ سِنِينَ ، وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ .
وَالْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ .
الرَّابِعُ : مَا هُوَ تَحْدِيدٌ فِي الْأَصَحِّ كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا " وَكَالْخَمْسَةِ " أَوْسُقٍ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَصُحِّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُقَابِلُهُ .
الثَّالِثُ " تَقْسِيمٌ " آخَرُ ، هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا : مَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَالْفُرُوضِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْحُدُودِ " الثَّانِي " مَا لَا يَمْنَعُهُمَا ، كَالْمُقَدَّرِ فِي الْوُضُوءِ بِثَلَاثٍ .
يَجُوزُ النُّقْصَانُ بِهِ وَكَذَا الزِّيَادَةُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ .
الثَّالِثُ مَا يَمْنَعُ الْأَكْثَرَ دُونَ الْأَقَلِّ كَمُدَّةِ إمْهَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا حَدَّدْنَاهَا بِالثَّلَاثِ " وَكَالثَّلَاثِ " فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَكَذَا فِي الْقَسَمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ " عَلَى " الْمَذْهَبِ .
الرَّابِعُ : عَكْسُهُ كَنِصَابِ الشَّهَادَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَالثَّلَاثِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَالسَّبْعِ فِي وُلُوغِ " الْكَلْبِ " وَالنُّجُومِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْخَمْسِ فِي الرَّضَاعِ وَالسَّبْعِ فِي الطَّوَافِ .
الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ فِيمَا هُوَ مَقْصُودُ الْكِتَابَةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ " وَمُعَامَلَةِ " السَّيِّدِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَامْتِنَاعِ بَيْعِهِ " عَلَى " الْجَدِيدِ .
وَكَالْقِنِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ كَبَيْعِهِ السَّيِّدَ بِرِضَاهُ وَقَتْلِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ مَنْ زَوَّجَ " ابْنَتَهُ " مِنْ مُكَاتَبِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ فَالزَّوْجَةُ تَرِثُ شَيْئًا مِنْ رَقَبَةِ الزَّوْجِ " وَيَنْفَسِخُ " النِّكَاحُ بِذَلِكَ وَلَوْلَا " أَنَّا " نَقُولُ : الْمِلْكُ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ لِوَرَثَةِ الْوَلِيِّ لَمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَغْلِبُ فِيهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَنَظَرِهِ إلَى سَيِّدَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ .
الثَّانِي : " مَا " يَغْلِبُ فِيهِ جِهَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ لَا يَحْنَثُ فِي الْأَصَحِّ لِمَنْعِ الْعُرْفِ إطْلَاقَ " اسْمِ " الْعُبُودِيَّةِ عَلَيْهِ .
الْمُكَبَّرُ لَا يُكَبَّرُ وَمِنْ ثَمَّ لَا يُشْرَعُ التَّثْلِيثُ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ الشَّيْءُ إذَا انْتَهَى نِهَايَتَهُ فِي التَّغْلِيظِ لَا يَقْبَلُ التَّغْلِيظَ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ وَكَقَتْلِ الْعَمْدِ وَشَبَهِهِ لَا تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَإِنْ غُلِّظَتْ فِي الْخَطَأِ .
وَوَقَعَ فِي " الشَّامِلِ الصَّغِيرِ " فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ ، قَالَ : وَنُدِبَ التَّثْلِيثُ بِغَسْلَتَيْنِ بَعْدَ الطُّهْرِ بِسَبْعٍ أَوْ دُونَهَا ، وَعَلَّلَهُ شَارِحُهُ بِأَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ لَا يُحْسَبُ إلَّا مَرَّةً وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْقَوَاعِدِ .
وَيَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ حَيْثُ تُضَعَّفُ " أَنَّ الْجُبْرَانَ لَا يُضَعَّفُ " فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّا لَوْ ضَعَّفْنَاهُ كَانَ ضِعْفَ الضِّعْفِ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الضِّعْفِ لَا تَجُوزُ .
الْمَنْفَعَةُ هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَالٌ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ كَلَامُهُمْ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ مَنَافِعُ بِوَصِيَّةِ أَوْ إجَارَةٍ لَا يَحْنَثُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْمَالِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْأَعْيَانُ ، وَذَكَرُوا فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ وَفَسَّرَهُ بِمَنْفَعَةٍ لَمْ يُقْبَلْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَجْمَعَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الْمَالِ لَكِنْ قَالُوا فِي بَابِ الْوَصَايَا : الْأَمْوَالُ تَنْقَسِمُ إلَى " أَعْيَانٍ " وَمَنَافِعَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إطْلَاقِهَا عَلَيْهَا .
أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَلَا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ " فِيهَا " وَجْهَانِ مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِيُكْرِيَهُ بِزِيَادَةٍ وَيَرْبَحُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ فَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَعْيَانِ ، وَالثَّانِي : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ حَاصِلَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ " بِعِوَضٍ " .
وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَقَارِ وَبَيْنَ " النَّقْدِ " فَإِنَّهُ " قَالَ " : لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى زَيْدٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَتَصَرَّفَ فِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثُ الرِّبْحِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ .
وَلَوْ قَالَ : اصْرِفُوا إلَيْهِ مِنْ كِرَاءِ دَارِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً .
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنَافِعَ الدَّارِ نَفْسَهَا مَالٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ يَتَوَقَّفُ مَعْنَى الْمَالِ فِيهَا عَلَى إنْشَاءِ عَقْدٍ ، وَمَنْزِلَتُهَا مَنْزِلُهُ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ فَصَحَّتْ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِ دَرَاهِمَ ، وَمَنَافِعُ الدَّرَاهِمِ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَالِ ، وَلِهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ وُرُودُ الْإِجَارَةِ عَلَى مَنَافِعِهَا كَيْفَ وَالِارْتِفَاقُ فِيهَا فِي الْمُضَارَبَةِ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ
اسْتِيفَاءِ " أَعْيَانِهَا وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ " بِإِنْفَاقِهَا " وَالِاعْتِيَاضِ عَنْهَا ، فَصَارَ الْمُوصِي عَلَى الْحَقِيقَةِ مُوصِيًا بِمَا لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ .
الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ هَذِهِ تَرْجِعُ لِقَاعِدَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَصْلِ وَسَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْبَاءِ " .
مَنْ أَتَى " بِمَعْصِيَةٍ " لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ فَعَلَيْهِ " التَّعْزِيرُ " " .
مَنْ أَنْكَرَ حَقًّا لِغَيْرِهِ ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهِ قُبِلَ إلَّا فِيمَا إذَا ادَّعَى زَوْجِيَّةَ " امْرَأَةٍ " فَقَالَتْ : زَوَّجَنِي الْوَلِيُّ بِغَيْرِ إذْنِي ، ثُمَّ صَدَّقَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى النَّصِّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ .
وَلَوْ قَالَ : رَجَعْت قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَقَالَتْ بَعْدَهَا ثُمَّ صَدَّقَتْهُ قُبِلَ رُجُوعُهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ ادَّعَى " رَجْعِيَّةَ " زَوْجَتِهِ فَأَنْكَرَتْ قُبِلَ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ إنْكَارَهَا يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اعْتَرَفَتْ " بِمَحْرَمِيَّةٍ " بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَجَعَتْ لَا يُقْبَلُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ يَسْتَنِدُ إلَى أَمْرٍ ثُبُوتِيٍّ وَإِنْكَارَ الرَّجْعَةِ نَفْيٌ وَالثُّبُوتَ أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةَ مِنْ النَّفْيِ " فَالرُّجُوعُ " عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ " رُجُوعٌ عَنْ " الْمَعْلُومِ فَلَمْ يُقْبَلْ ، وَالرُّجُوعُ عَنْ إنْكَارِ الرَّجْعَةِ رُجُوعٌ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ .
وَكَذَلِكَ نَقُولُ : لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ عَلَى الزَّوْجِ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ فَحَلَفَتْ " عَلَيْهِ " ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهَا لِاسْتِنَادِ قَوْلِهَا إلَى الْإِثْبَاتِ .
مَنْ أَقْدَمَ عَلَى عَقْدٍ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُودِ شَرَائِطِهِ حَتَّى لَا " يُسْمَعَ " " مِنْهُ " خِلَافُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ تَأْوِيلًا ذَكَرَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ بَاعَ عَبْدًا " أَوْ أَحَالَ " بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ تَصَادَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ وَوَافَقَهُمَا الْمُحْتَالُ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ : وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقِيمَهَا الْمُتَبَايِعَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِالدُّخُولِ فِي الْبَيْعِ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ تَأْوِيلًا فَقَدْ نَقَلَا فِي آخِرِ الدَّعَاوَى عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ قَالُوا : تُسْمَعُ " بِبَيِّنَةٍ " إذَا لَمْ يَكُنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْعِ وَأَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ : إذَا بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ : بِعْته وَأَنَا لَا أَمْلِكُهُ " بِالْإِرْثِ " أَوْ " قَالَ حِينَ بَاعَ : هُوَ " مِلْكِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : بِعْتُك ؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ .
قَالَ : وَقَدْ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ غَيْرَهُ ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْمَبِيعَ وَقْفٌ عَلَيْهِ .
وَمَا عَزَاهُ لِلنَّصِّ صَحِيحٌ وَقَدْ نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ عَنْ النَّصِّ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ لِغَيْرِهِ بَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهِيَ مِلْكُهُ إلَى الْآنَ فَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ " بِذَلِكَ بَيِّنَةً " ، فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك مِلْكِي أَوْ دَارِي وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ تُسْمَعْ
دَعْوَاهُ وَإِلَّا سُمِعَتْ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَالًا مِنْ إنْسَانٍ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ : كُنْت " أَعْتَقْتُهُ " قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ جَاءَ شَرِيكُهُ وَادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ " الْبَيِّنَةِ " أَنَّ الْمَالَ كَانَ مُشْتَرَكًا فَإِنْ أَقَامَهَا وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ عَدَمِ الْإِذْنِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي نَصِيبِهِ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
وَمِنْهَا : مَنْ قَالَ : أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ ، وَصَدَّقَهُ مَنْ يُعَامِلُهُ صَحَّ الْعَقْدُ .
فَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَقْدِ : لَمْ أَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ .
وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ مِنْ جِهَتِهِ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ " فِي " آخَرِ بَابِ الْوَكَالَةِ .
وَمِنْهَا : ادَّعَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ مَحْرَمِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا بِحُكْمِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " نَقِيضُهُ " إلَّا إذَا ذَكَرَتْ " عُذْرًا كَنِسْيَانٍ " وَنَحْوِهِ فَتَحْلِفُ .
وَمِنْهَا : أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ فِي حِبَالَةِ رَجُلٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ؛ فَقَالَتْ : كُنْت زَوْجَةً لَك وَطَلَّقْتنِي ؛ يَكُونُ ذَلِكَ [ إقْرَارًا ] لَهُ وَتُجْعَلُ زَوْجَةً لَهُ ، وَهَذَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا إقْرَارٌ لِلزَّوْجِ " الَّذِي " هِيَ تَحْتَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَقَرَّتْ لَهُ " أَوَّلًا " " فَلَا " تَكُونُ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ بَلْ لِلثَّانِي .
وَكَذَلِكَ إذَا زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهَا لِلْأَوَّلِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الثَّانِي ، كَمَا إذَا " تَزَوَّجَتْ " بِرَجُلٍ بِإِذْنِهَا ثُمَّ ادَّعَتْ " أَنَّ " بَيْنَهُمَا رَضَاعًا لَا يُقْبَلُ كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ .
وَمِنْهَا : فِي الْإِشْرَافِ وَأَدَبِ الْقَضَاءِ لِشُرَيْحٍ : لَوْ قَالَ : هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ يَعْنِي وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَحْتَمِلُهُ لَمْ يَصِحَّ " لِلْمُضَادَّةِ " وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ الصِّحَّةُ .
فَإِنْ مَضَى زَمَانٌ يَحْتَمِلُهُ يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ .
أَمَّا لَوْ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا بِالْإِقْرَارِ نَحْوَ : هُوَ لَهُ وَقَدْ اشْتَرَيْته مِنْهُ فَيُسْمَعُ وَلَوْ قَالَ : هُوَ لَهُ لَا حَقَّ لِي فِيهِ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالشِّرَاءِ قَالَ الْعَبَّادِيُّ : لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ قَالَ : وَعِنْدِي يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَعْدَ احْتِمَالِ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْهُ .
وَمِنْهَا : فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ لَوْ أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ فَأُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ فَادَّعَى رَدَّهَا ، فَإِنْ كَانَ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ لَمْ يَصَدَّقْ لِلتَّنَاقُضِ .
وَأَمَّا فِي دَعْوَى التَّلَفِ فَيُصَدَّقُ وَيَصِيرُ كَالْغَاصِبِ .
وَهَلْ تُسْمَعُ " بَيِّنَتُهُ " عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ الْوَدِيعَةَ وَالرَّدَّ وَهُوَ " كَمَا لَوْ قَالَ " : لَا بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ فَرَّقُوا فِي الْمُرَابَحَةِ إذَا قَالَ : اشْتَرَيْت " بِمِائَةٍ فَبَانَ خَمْسِينَ " بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا فِي الْغَلَطِ أَوْ لَا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمِثْلِهِ هُنَا وَالْمُتَّجَهُ التَّسْوِيَةُ .
قُلْت : لَا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ هُنَا ائْتَمَنَهُ فَقَوِيَ تَصْدِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَمَلًا ، بِخِلَافِهِ ثَمَّ .
وَمِنْهَا : " لَوْ " عَلَّقَ " الطَّلَاقَ عَلَى تَبْرِئَتِهِ " مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ " فَأَبْرَتْهُ " الزَّوْجَةُ ثُمَّ ادَّعَتْ الْجَهْلَ بِالْمُبَرَّأِ مِنْهُ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، أَوْ لَا مُؤَاخَذَةَ لَهَا بِالظَّاهِرِ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ رَأَى الْمَبِيعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فَإِنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ اعْتِرَافٌ بِالرُّؤْيَةِ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْأَرْجَحُ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ .
وَمِنْهَا : رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته : يُرَدُّ الْفَسْخُ ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، قِيلَ : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَهُ الْبَائِعُ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُ حَقِّهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته .
قُلْت : لَكِنْ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ : إنَّ هَذَا هَفْوَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ " بِمَا " هُوَ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ .
انْتَهَى .
وَهَذَا مِنْهُ حَمْلٌ " لِلَّفْظِ " عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُيِّدَ بِهِ مِنْ قَيْدِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ لَمْ يَكُنْ هَفْوَةً .
مَنْ اسْتَحْبَبْنَا لَهُ التَّأْخِيرَ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ هَلْ يَعْصِي ؟ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّأْخِيرِ يُنَافِي الْعِصْيَانَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ بِشَرْطِهِ ، فَلَوْ أَخَّرَهَا عَلَى هَذَا الْعَزْمِ ثُمَّ مَاتَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْصِيَ قَطْعًا " وَأَلَّا يَأْتِيَ " فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوسَعَ لَا لِعُذْرٍ .
هَذَا مَا كَانَ يَتَبَادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الْأُسْتَاذِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ شَرْحِ الْوَسِيطِ صَرَّحَ بِهِ فِيمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي " بَابِ " الزَّكَاةِ مِنْ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْأَسْرَارِ ، فَقَالَ : لَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْدَبُ لَهُ التَّأْخِيرُ فَمَاتَ فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .
نَعَمْ ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا مُرَتَّبَيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ لَا نَدْبَ وَأَوْلَى بِعَدَمِ " الْمَعْصِيَةِ " ، وَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ فِي هَذِهِ طَرِيقَانِ .
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِإِجْرَاءِ الْخِلَافِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِلْإِمَامِ ، فَلَوْ وَجَدَ الْمَسَاكِينَ " وَلَمْ " يَدْفَعْهَا إلَيْهِمْ وَأَخَّرَهُمْ لِلدَّفْعِ لِلْإِمَامِ فَتَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ ، " وَأَجْرَوْهُمَا " فِيمَا إذَا اسْتَحْبَبْنَا " لِلتَّمَتُّعِ " تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى وَطَنِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ الْفَرَاغَ مِنْ الْحَجِّ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فَهَلْ يُفْدَى عَنْهُ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودِع وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ ثُمَّ لَوْ تَلِفَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ " فَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ " ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا بِهَذَا التَّأْخِيرِ ، وَنُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ .
قَالَ
النَّوَوِيُّ : وَالرَّاجِحُ " أَنَّهُ " لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ السَّابِقَةِ وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
وَمِثْلُهُ دَمُ الْقِرَانِ ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَإِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ .
وَمِنْهَا : زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا : الْمَرْأَةُ إذَا مَنَعَهَا الزَّوْجُ مِنْ الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَتْ هَلْ تَعْصِي ؟ " فِيهِ " مَا قُلْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الرَّجُلُ " الْحَجَّ " وَمَعَهُ مَالٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنِّكَاحِ فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ التَّزْوِيجُ إنْ خَافَ الْعَنَتَ فَعَلَى هَذَا هُوَ مَأْمُورٌ بِتَأْخِيرِ الْحَجِّ فَلَوْ مَاتَ فَفِي عِصْيَانِهِ مَا ذَكَرْنَا .
مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ وَلِهَذَا لَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ " لَمْ تَطْهُرْ " .
وَلَوْ قَتَلَ مُورِثَهُ لَمْ يَرِثْهُ .
وَسَبَقَتْ فِي قَاعِدَةِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ .
مَنْ تَعَاطَى مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ لَزِمَهُ " الْكَفَّارَةُ " إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : الْمُحْرِمُ إذَا تَزَوَّجَ أَوْ زَوَّجَ .
الثَّانِيَةُ : الِاصْطِيَادُ إذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ .
مَنْ ثَبَتَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَلَهُ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَثْبُتُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَتَكُونُ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ " يَفُكُّهُ " مِنْ الرَّهْنِ " بِيَمِينِهِ " ، لِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .
مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ وَكَانَ يَحْسُنُ الِاسْتِيفَاءُ مُكِّنَ مِنْهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قِصَاصُ الطَّرَفِ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُرَدِّدَ الْحَدِيدَ وَيَزِيدُ فِي الْإِيلَامِ " فَيَسْرِي " .
الثَّانِيَةُ مَا إذَا قَطَعَ ذِمِّيٌّ طَرَفَ ذِمِّيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاطِعُ أَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ ، وَلَكِنْ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ بِطَلَبِ الْكَافِرِ وَلَا يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ حَذَرًا مِنْ سَلْطَنَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ .
مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ نَفْيًا " أَوْ إثْبَاتًا " فَعَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ إثْبَاتًا فَعَلَى الْبَتِّ أَوْ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ وَسَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْحَاءِ " .
مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَتَلِفَ بِهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ عَلَى تَضْمِينِهِ " قَالَ " فِي الْبَحْرِ : مِنْهُمْ مَنْ عَمِلَ بِهِ ، لِأَنَّ الصَّيْدَ يَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ التَّعَدِّي فَيَضْمَنُهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا أَلْجَأَهُ إلَى الْوُقُوعِ فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : لَعَلَّهُ أَجَابَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : " الْحَرَمُ " لَا يُمْلَكُ ، فَكَأَنَّهُ " حَفَرَ " فِي أَرْضِ غَيْرِهِ .
مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ وَلِهَذَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْأَبِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ الْبَالِغِ بِالنِّكَاحِ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَكَالزَّوْجِ يُقِرُّ بِالرَّجْعَةِ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ وَالْوَكِيلِ يُقِرُّ بِالْبَيْعِ قَبْلَ الْعَزْلِ ، وَالسَّفِيهِ يُقِرُّ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي فِي حَالِ وِلَايَتِهِ : قَضَيْت عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا قُبِلَ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ حَتَّى لَوْ قَالَ : قَضَيْت عَلَى أَهْلِ الْبَلْدَةِ أَنَّ نِسَاءَهُمْ طَوَالِقُ وَعَبِيدَهُمْ أَحْرَارٌ قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " : الْوَكِيلُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ التَّصَرُّفِ وَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ إذَا نَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَإِذَا قَالَ الْوَكِيلُ : أَتَيْت بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي الْأَصَحِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ .
الثَّانِيَةُ : وَلِيُّ الطِّفْلِ يَمْلِكُ إنْشَاءَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ ، وَلَوْ قَالَ فِي عَيْنٍ مِنْهَا : " هَذَا " لِفُلَانٍ ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي بَابِ تِجَارَةِ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ .
الثَّالِثَةُ : وَلِيُّ السَّفِيهِ يَمْلِكُ إنْشَاءَ النِّكَاحِ عَلَيْهِ وَلَا يَمْلِكُ " إقْرَارَهُ " بِهِ .
الرَّابِعَةُ : إنْشَاءُ نِكَاحِ الثَّيِّبِ إلَى وَلِيِّهَا وَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ .
لَوْ قَالَ : زَوَّجْت أُخْتِي أَمْسِ مِنْ فُلَانٍ ؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهَا وَفِي اسْتِثْنَاءٍ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا تَجُوزُ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ مُسْتَقِلًّا .
الْخَامِسَةُ : إقْرَارُ السَّفِيهِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لَا يُقْبَلُ فِي الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْإِتْلَافَ لَضَمِنَ ، وَفِي هَذِهِ تَجُوزُ ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقُدْرَةُ عَلَى إنْشَاءٍ سَائِغٍ ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ : وَأُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِثْنَائِهَا .
" السَّادِسَةُ " : الرَّاهِنُ الْمُوسِرُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْعِتْقِ فِي الْأَظْهَرِ ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الرَّهْنِ : كُنْت أَعْتَقْته لَمْ يُقْبَلْ .
" السَّابِعَةُ " لَوْ وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ فَقَالَ الرَّاهِنُ : قَدْ وَطِئْتهَا بِإِذْنِك فَأَتَتْ بِهِ مِنِّي وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ هُوَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ " الرَّاهِنِ " إذَا وَافَقَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْإِذْنِ " فِي الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ " ، " وَإِنْ " سَلِمَ الْإِذْنُ وَلَمْ يَسْلَمْ الْوَطْءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ عِنْدَ الْمُعَظَّمِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ وَالْإِمَامُ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَائِهِ ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ بِالنِّكَاحِ فِي الثَّيِّبِ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ بِهِ .
وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ الْعَزْلِ : حَكَمْت بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ [ وَيُسْتَثْنَى ] صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " الْمَرْأَةُ تُقِرُّ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيدِ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى إنْشَائِهِ وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّفِيهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالنِّكَاحِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُبَاشِرُهُ .
الثَّانِيَةُ " : الْمَرِيضُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ تَبَرُّعٍ نَافِذٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ وَلَا لَأَجْنَبِيٍّ ، وَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ بِأَنَّهُ كَانَ وَهَبَهُ وَأُقْبَضَهُ زَمَنَ الصِّحَّةِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ .
الثَّالِثَةُ " : مَجْهُولُ الْحُرِّيَّةِ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ " لَقُبِلَ " ، " فَهَذَا " عَاجِزٌ عَنْ الْإِنْشَاءِ قَادِرٌ عَلَى الْإِقْرَارِ .
" الرَّابِعَةُ " : الْأَعْمَى يُقِرُّ بِالْبَيْعِ وَلَا يُنْشِئُهُ إلَّا فِيمَا رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى .
" الْخَامِسَةُ " : الْمُفْلِسُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَاءِ الْبَيْعِ وَيَقْدِرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ الَّتِي فِي يَدِهِ .
" السَّادِسَةُ " : رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته قَبْلُ ، وَرَدَّ الْفَسْخَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ حِينَئِذٍ .
السَّابِعَةُ " : بَاعَ الْحَاكِمُ عَبْدًا فِي وَفَاءِ دَيْنٍ غَائِبٍ ثُمَّ حَضَرَ وَقَالَ : كُنْت أَعْتَقْته صُدِّقَ عَلَى الْأَظْهَرِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي اللُّقَطَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ زُوِّجَ " لِغَيْبَتِهِ " ثُمَّ حَضَرَ وَقَالَ : كُنْت زَوَّجْتهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ ، لِأَنَّ السُّلْطَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلِيٍّ حَاضِرٍ فِي النِّكَاحِ وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَهُوَ وَكِيلُ الْمَالِكِ وَمِثْلُهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ نُزِعَ مِنْ يَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَاءِ عِتْقِهِ .
تَنْبِيهَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِهَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ : الْأَوَّلُ : إذَا جَعَلْنَا لَهُ الْإِقْرَارَ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْإِنْشَاءِ جَعَلْنَاهُ إنْشَاءً كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الرَّجْعَةِ وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ عَلَى الصَّحِيحِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ إقْرَارَهُ " بِدَعْوَاهُ " يَكُونُ إنْشَاءً " لِلرَّجْعَةِ " ، وَاسْتَنْكَرَهُ الْإِمَامُ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ مُتَنَافِيَانِ لَوْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِعِتْقِ الْمَرْهُونِ وَقُلْنَا : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فَالْمَنْصُوصُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ الْإِعْتَاقِ حَتَّى تَعُودَ فِيهِ الْأَقْوَالُ وَيَكُونَ الصَّحِيحُ نُفُوذُهُ مِنْ الْمُوسِرِ ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي نُفُوذِهِ وَجْهَيْنِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ الْإِنْشَاءِ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِنْشَاءِ شَرْعًا وَإِنْ نَفَذْنَاهُ إذَا فَعَلَ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ إقْرَارَ السَّفِيهِ بِالطَّلَاقِ مَقْبُولٌ كَإِنْشَائِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِتْلَافِ شَرْعًا انْتَهَى وَقَالَ الْمُتَوَلِّي كَانَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ يَقُولُ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ إذَا قُلْنَا : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي بُطْلَانِ الرَّهْنِ أَنْ يُلْغَى حُكْمُهُ فِي الْوَقْتِ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عِنْدَنَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ سَابِقٍ " فَيُقْبَلُ " مِمَّنْ يَمْلِكُ
الْإِنْشَاءَ وَلَكِنْ لَا يُجْعَلُ إنْشَاءَ سَبَبٍ فِي الْحَالِ الثَّانِي : قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ ظَاهِرًا ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِقْرَارُ ، بَلْ شَرْطُ جَوَازِ الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْإِنْشَاءَ .
مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ كَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ ، إلَّا فِي الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ ، وَالْأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ .
مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ إلَّا الزَّوْجُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَالتَّوْكِيلِ فِيهِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي التَّعْلِيقِ إذَا مَنَعْنَا التَّوْكِيلَ فِيهِ .
مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا " يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ " " بِهَذَا الْأَصْلِ احْتَجَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ " فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ يَصِحُّ فِيهَا التَّعْلِيقُ تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِلْكُهُ " الْأَصْلَ " فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْخُصُوصِيَّاتِ " إحْدَاهَا " : الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَنْجِيزَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ وَيَمْلِكُ تَعْلِيقَهَا إمَّا مُقَيَّدًا بِحَالِ مِلْكِهِ الثَّالِثَةَ أَوْ مُطْلَقًا ، بِأَنْ قَالَ إنْ " عَتَقْتِ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ عَتَقَ ، أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ دَخَلَتْ فَفِي الثَّالِثَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُقُوعُ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَصْلَ الطَّلَاقِ فَاسْتَتْبَعَ الصِّفَةَ وَكَانَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ يَسْتَشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا وَتَوَقَّعَ حُصُولَ نِصَابٍ آخَرَ مِنْ " عَيْنِ " النِّصَابِ فَعَجَّلَ " زَكَاةَ نِصَابَيْنِ " ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَالْجَامِعُ إنْ مَلَكَ الْأَصْلَ أُقِيمَ مَقَامَ " مِلْكِ " الْفَرْعِ هُنَا ، وَالزَّكَاةُ أَوْلَى لَتَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ .
الثَّانِيَةُ : يَجُوزُ تَعْلِيقُ طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَبِالْعَكْسِ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْبِدْعَةَ صِفَتَانِ لِلطَّلَاقِ فَاسْتَتْبَعَهَا مِلْكُ الْأَصْلِ ، قَالَ الْإِمَامُ " وَشَبَّهَ " ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا تَصْدُرُ مِنْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ ، وَالْمَنَافِعُ " تُوجَدُ " شَيْئًا فَشَيْئًا ، قَالَ : وَهَذَا تَكَلُّفٌ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ " أَثْبَتَتْ " أَصْلَهَا لِلْحَاجَةِ ، ثُمَّ الْمَنَافِعُ تَتَرَتَّبُ " خِلْقَةً " وَوُجُودًا فَجُعِلَتْ كَالْمَوْجُودَةِ أَمَّا الْعِتْقُ فَلَيْسَ مِمَّا يُقْتَضَى وُقُوعُهُ ، بَلْ هُوَ مُتَوَقَّعٌ ، وَلَوْ قِيلَ : الْغَالِبُ دَوَامُ الرِّقِّ " لَكَانَ " سَدِيدًا .
الثَّالِثَةُ : الْحُرُّ يَمْلِكُ تَنْجِيزَ " الزَّائِدَةِ " عَلَى الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَيَمْلِكُ تَعْلِيقَهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ ؛ وَقَعَتْ وَاحِدَةً إذْ تَبَيَّنَّ " بِهَا " فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ تَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَا " تَرْتِيبَ " عِنْدَ الدُّخُولِ .
الرَّابِعَةُ : قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ : إذَا وَلَدْت فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ عَتَقَ ، وَإِنْ " قَالَهُ " لِأَمَتِهِ " الْحَائِلِ فَعَلَقَتْ " بِهِ وَوَلَدَتْ فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ قَالَ الْإِمَامُ : " وَالْعِتْقُ " أَوْلَى بِالنُّفُوذِ مِنْ الطَّلْقَةِ " الثَّالِثَةِ " ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَصْلَ وَيَمْلِكُ الْوَلَدَ وَمِلْكُ الْعَبْدِ النِّكَاحَ لَا يُمَلِّكُهُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ .
الْخَامِسَةُ : قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدٍ وَلَا عَبْدَ لَهُ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ عِنْدَ الشِّفَاءِ ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إنْشَائِهِ ، وَلَوْ عَيَّنَهُ فَقَالَ : عَبْدَ زَيْدٍ هَذَا لَغْوٌ ، فَإِنْ قَالَ : إنْ مَلَكْته فَوَجْهَانِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُ ، " وَإِنْ " قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي وَمَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَلِلَّهِ " عَلَيَّ عِتْقُهُ " صَحَّ النَّذْرُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ " " إضَافَةً " إلَى مِلْكِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِجْلَابٌ مِنْ اللَّهِ خَيْرًا وَهُوَ مِلْكُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ جَزَاءٍ وَهُوَ عِتْقُهُ فَلَزِمَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ ؛ فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُهُ فَمَلَكَهُ لَزِمَهُ عِتْقُهُ ؛ " لِأَنَّهُ " اسْتِجْلَابُ " مِلْكٍ " خَيْرٌ اسْتَجْلَبَهُ " مِنْ اللَّهِ بِشَرْطِ جَزَاءٍ وَهُوَ عِتْقُهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالنَّذْرِ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ " الْتِزَامًا " فِي الذِّمَّةِ ، وَالنَّذْرُ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَوْ قَالَ : إنْ مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَقَدْ أَوْصَيْت بِهِ لَهُ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي النَّذْرِ ، وَلَوْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَقَدْ وَكَّلَتْك بِطَلَاقِهَا ، وَإِذَا مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَقَدْ وَكَّلَتْك فِي بَيْعِهِ أَوْ عِتْقِهِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ ، لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ ، لِأَنَّ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ التَّعْلِيقَ خِلَافًا " وَالْبُطْلَانَ " يَقْبَلُهُ قَطْعًا ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ " قَبْلَ " النِّكَاحِ فَمَا لَا يَقْبَلُهُ عَلَى رَأْيٍ
أَوْلَى .
وَلَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ عَبْدِ زَيْدٍ إذَا " مَلَكْته " أَوْ فِي طَلَاقِ هِنْدَ إذَا نَكَحْتهَا فَعَنْ الْقَاضِي وَجْهَانِ ، " وَالْوَجْهُ " عِنْدِي الْقَطْعُ بِالْفَسَادِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا .
قُلْت : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ .
السَّادِسَةُ : عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ كَاتَبَهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ ، وَيَتَضَمَّنُ عِتْقُهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ النُّجُومِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُعَلِّقُ مَالِكًا لِلنُّجُومِ حَالَةَ التَّعْلِيقِ ، وَقَدْ تَضَمَّنَ عِتْقُهُ بِالتَّعْلِيقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ الْبَرَاءَةَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ قَصْدًا وَيَقْبَلُهُ ضِمْنًا كَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ قَصْدًا وَيَقْبَلُهُ ضِمْنًا وَذَلِكَ فِيمَا إذَا عَلَّقَ " عِتْقَ " الْمُكَاتَبِ " فَإِنَّا " نُضَمِّنُهُ الْإِبْرَاءَ مِنْ النُّجُومِ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ حَتَّى تَتْبَعَهُ أَكْسَابُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الْإِبْرَاءُ لَكَانَ عِتْقُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَنْهَا فَلَا تَتْبَعُهُ الْأَكْسَابُ .
وَمِثْلُهَا : لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ " نِسْوَةٍ " ، فَقَالَ مَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ ، فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ طَلُقَتْ ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لِلزَّوْجِيَّةِ فِيهَا ، وَلَوْ قَالَ : مَنْ دَخَلَتْ فَهِيَ مُخْتَارَةٌ لَمْ يَصِحَّ .
وَمِثْلُهَا : لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ " بِشَرْطِ " نَفْيِ الْخِيَارِ هَلْ يُعْتَقُ ؟ بَنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى الْأَقْوَالِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْبَيْعُ بَاطِلٌ لَمْ يُعْتَقْ ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا : صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَثْبُتُ الْخِيَارُ عَتَقَ ، لِأَنَّهُ " لَوْ نُجِزَ " عِتْقُهُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَتَقَ ، وَكَذَا إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِيهِ ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ حُصُولَ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي ، لِأَنَّا حَيْثُ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ عِتْقِهِ الْمُنْجَزِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ قَدَّرْنَاهُ بِالْعِتْقِ " نَاسِخًا " لَلْعَقْدِ قَبِيلَهُ ، وَإِنَّ الْعَقْدُ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ ضَرُورَةٌ تُوقِفُ صِحَّتَهُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الْمِلْكِ ، وَفِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ مَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ وَلَا مَا يَضْمَنُهُ وَالتَّعْلِيقُ لَا " يَصِحُّ " مُتَضَمِّنًا لِلْفَسْخِ لِكَوْنِهِ صَدَرَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْفَسْخُ لَا
يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ قَصْدًا لَكِنْ نَقُولُ : قَدْ يَقْبَلُهُ ضِمْنًا كَالْإِبْرَاءِ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ انْتَهَى .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِانْتِقَالِهِ إلَى الْمُشْتَرِي لَا يَأْتِي هُنَا لِسَبْقِ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ الْمُقْتَضِي لِثُبُوتِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْبَيْعِ فَمَنَعَ ذَلِكَ انْتِقَالَ مِلْكِهِ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بَطَلَ التَّعْلِيقُ فَكَيْفَ يُعْتَقُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ فَقَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الصِّفَةِ : عَجَّلْت لَك مَا كُنْت عَلَّقْته عَلَى الشَّرْطِ " لِتَطْلُقِي " فِي الْحَالِ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْأَصَحِّ ، بَلْ إذَا " وُجِدَ " الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَهُ إيقَاعٌ وَوُقُوعٌ فَالْإِيقَاعُ إلَى الزَّوْجِ وَالْوُقُوعُ إلَى الشَّرْعِ ، " فَلَمَّا " فَوَّضَ الزَّوْجُ الْوُقُوعَ إلَى الشَّرْعِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ صَارَ وُقُوعُهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ أَنْ يُزِيلَ حُكْمًا ثَابِتًا بِالشَّرْعِ وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَرَادَ صَوْمَ يَوْمٍ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ وُجُودِ " الْآبِقِ " ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَوْقَاتِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ : عَجَّلْت لَك الْحَقَّ الَّذِي ثَبَتَ لَك عِنْدَ " مُضِيِّ " مُدَّةِ الْفَيْئَةِ وَالْإِيلَاءُ لَمْ يَتَعَجَّلْ وَخَالَفَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ فَإِنَّهُ يَتَعَجَّلُ بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ عَلَى رَأْيٍ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ ، " فَالتَّعْجِيلُ " مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى الْأَصْلِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قَالَ : عَجَّلْت تِلْكَ الطَّلْقَةَ " الْمُعَلَّقَةَ " وَصَوَّرَهَا الْبَنْدَنِيجِيُّ " بِمَا " إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ تِلْكَ الطَّلْقَةَ السَّاعَةَ وَقَدْ عَجَّلْت إيقَاعَهَا عَلَيْك الْآنَ .
وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ - وَالصِّيغَةُ هَذِهِ - أَنَّهَا تَطْلُقُ الْآنَ ، وَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ آخَرُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : عَجَّلْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ الْآنَ فَإِنَّهُ يَقَعُ ، وَإِذَا دَخَلَتْ وَقَعَتْ أُخْرَى .
وَفِي الْبَحْرِ إذَا قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ عَجَّلْت لَك الطَّلْقَةَ الَّتِي طَلَّقْتهَا ، ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ " " فِي الْإِمْلَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى
أَنَّهُ إنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ تِلْكَ الطَّلْقَةِ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ ، بَلْ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّهْرِ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ تَعْجِيلَهَا بَلْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَفِي رَأْسِ الشَّهْرِ أُخْرَى وَيُسْتَثْنَى التَّدْبِيرُ " وَلَوْ " دَبَّرَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ نَفَذَ .
مَنْ مَلَكَ الْكُلَّ مَلَكَ الْبَعْضَ إلَّا فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ أَوْ شِرَائِهِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ عَلَى بَعْضِهِ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ ، نَعَمْ لَوْ بَاعَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِقِيمَةِ الْجَمِيعِ صَحَّ قَطْعًا ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي طَلْقَةٍ فَطَلَّقَ بَعْضَهَا أَلْزَمَ الْفُورَانِيُّ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ فَقَالَ : لَا تَقَعُ حَكَاهُ " عَنْهُ " الْعَبَّادِيُّ .
مَنْ مَلَكَ بَعْضَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْمُبَعَّضُ إذَا " اشْتَرَاهُ " بِمَا يَمْلِكُهُ بِالْحُرِّيَّةِ .
الثَّانِيَةُ : أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا " هُوَ " ثُلُثُ مَالِهِ ، ثُمَّ اشْتَرَى قَرِيبَهُ بِالثُّلُثَيْنِ " الْبَاقِيَيْنِ " الثَّالِثَةُ : الْمَرِيضُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَاشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَا يُعْتَقُ " فِي الْأَصَحِّ " الرَّابِعَةُ : اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَلَا يُعْتَقُ وَيُكَاتَبُ " عَلَيْهِ " .
مَنْ عَلِمَ حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَمْ يَنْفَعْهُ جَهْلُهُ بِالْحَدِّ بِخِلَافِ جَهْلِهِ بِالْحُرْمَةِ وَمِنْ " ثَمَّ " لَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَعَلِمَ التَّحْرِيمَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لَا يُحَدُّ " لِشُبْهَةِ " خِلَافِ عَطَاءٍ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهِنَّ إلَى ضِيفَانِهِ ، قَالَ الْإِمَامُ " وَهَذَا لَيْسَ " بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُدْرَأُ بِالْمَذَاهِبِ ، " بَلْ بِمَا يَتَمَسَّكُ " بِهِ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا يُرَى لِعَطَاءٍ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا وَقَدْ شَذَّ " عَنْ " هَذَا الْأَصْلِ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا لِكَوْنِ " الثَّمَنِ خَمْرًا أَوْ " لِاشْتِمَالِ " الْعَقْدِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ أَحَدٌ الْوَطْءَ فِيهِ ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ عَدَمَ الْحَدِّ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ يُبِحْ " أَصْلَ " الْوَطْءِ فَهُوَ دَلِيلُ حِلِّ الْوَطْءِ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ قَدْ يَنْتَفِي مَعَ الْمِلْكِ إمَّا لِكَوْنِ الْمَمْلُوكِ مِمَّنْ لَا يَطَؤُهُ الْمَالِكُ كَالْأُخْتِ وَإِمَّا لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْحَدِّ لِوُجُودِ دَلِيلِ حِلِّ الْوَطْءِ انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِ " الْحَدِّ " ، فَإِنَّ إعَارَةَ الْجَوَارِي لَا " مِلْكَ فِيهَا " أَلْبَتَّةَ إنَّمَا هُوَ إذْنٌ مُجَرَّدٌ ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي تَحْلِيلِ " الْفُرُوجِ " .
مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ وَمَا لَا فَلَا وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ " كَانَ الْقَوْلُ " قَوْلَ الزَّوْجِ ، وَلَوْ فَوَّضَ إلَى زَوْجَتِهِ طَلَاقَهَا " بِكِنَايَةٍ " فَاخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ صَدَقَ النَّاوِي نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ؛ لِأَنَّهُ أُعْرَفُ " بِضَمِيرِهِ " ، وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِي الصِّفَةِ ، كَمَا إذَا قَالَ " لَهُ " : وَكَّلْتَنِي بِبَيْعِ كُلِّهِ أَوْ " بِبَيْعِهِ " بِسِتَّةٍ أَوْ بِشِرَائِهِ بِعِشْرِينَ ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ " لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَهُوَ أَنَّهُ مَنْ وَكَّلَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ " فِي صِفَتِهِ وَقَدْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ : وَضَعْت " عَنْك " النَّجْمَ الْأَوَّلَ أَوْ قَالَ : الْبَعْضَ ، فَقَالَ : بَلْ " الْأَخِيرَ " أَوْ الْكُلَّ صَدَقَ السَّيِّدُ وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِيَانِ مِنْ شَخْصٍ فِي كَيْفِيَّةِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى الْبَائِعِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عِنْدَ انْدِرَاسِ شَرْطِ " الْوَقْفِ " ، وَمِنْ الثَّانِي الْحَيْضُ فَإِنَّهَا إذَا ادَّعَتْهُ وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ اُتُّفِقَ عَلَى الْحَيْضِ وَاخْتَلَفَا فِي الِانْقِطَاعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
مَنْ " وَجَبَ " عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنٍ هَلْ تَكُونُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ ؟ هَذَا ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً بِيَدِهِ ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّهَا وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ كَمَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا " وَقَبَضَهُ " ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَمَئُونَتُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً صَحِيحًا " ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ فَمَئُونَةُ رَدِّهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَكَذَلِكَ إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ " أَوْ التَّحَالُفِ " أَوْ الْإِفْلَاسِ " وَرَدَّهُ فَمَئُونَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَهَلَكَتْ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَتَسْلِيمُ الْمَيْتَةِ ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ " وَظَاهِرُهُ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا " لَا " عَلَى الْمَالِكِ ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ هُنَا التَّخْلِيَةُ " لِغَرَامَةِ " الْبَدَلِ ، وَإِذَا صَارَ الْمَالُ فِي يَدِ " الْقَيِّمِ " مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِجِنَايَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَمَئُونَتُهُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً فَعَلَى الْفُقَرَاءِ مَئُونَةُ الرَّدِّ وَلَوْ اشْتَرَى الثَّوْبَ الْمَطْوِيَّ وَصَحَّحْنَاهُ وَنَشَرَهُ وَاخْتَارَ الْفَسْخَ وَكَانَ لِطَيِّهِ مَئُونَةٍ وَلَمْ يَحْسُنْ طَيُّهُ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ مَئُونَةُ طَيِّهِ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالنَّشْرِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَطْوِيًّا وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ بَعْدَ نَشْرِهِ " الْمُنْقِصِ " لَهُ رَدُّهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا فِي كَسْرِ الْبَيْضِ " وَالرَّابِحِ " الثَّانِي : أَنْ لَا تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَالرَّدُّ غَيْرُ وَاجِبٍ " عَلَيْهِ " ، وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ وَالتَّخْلِيَةُ " وَالْمَئُونَةُ " عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ ، " وَكَمَئُونَةِ " إيصَالِ الْمُوصَى " بِهِ " لِلْمُوصَى لَهُ فَإِنَّهَا عَلَى الْمُوصِي ، " وَكَمَئُونَةِ " رَدِّ الْمَالِ مِنْ الْمُقِيمِ إلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ
فَإِنَّهَا عَلَى الصَّبِيِّ ، وَمَئُونَةُ رَدِّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى الْمَالِكِ ، وَمَئُونَةُ رَدِّ الصَّدَاقِ فِيمَا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ عَلَى الزَّوْجِ فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهَا وَلَوْ سَلَّمَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ وَاحْتِيجَ إلَى بَيْعِ نِصْفِ رَقَبَتِهِ فِي أَرْشِ جِنَايَتِهِ أَفْتَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّ مَئُونَةَ الْمَبِيعِ وَأُجْرَةَ الدَّلَّالِ وَغَيْرِهِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ الْجَانِي .
الْمَالُ مَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ أَيْ مُسْتَعِدًّا ؛ لَأَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ وَهُوَ إمَّا أَعْيَانٌ أَوْ مَنَافِعُ وَالْأَعْيَانُ قِسْمَانِ : جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ فَالْجَمَادُ مَالٌ فِي " كُلِّ " أَحْوَالِهِ .
وَالْحَيَوَانُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا " لَيْسَ " " لَهُ " " بِنْيَةٌ " صَالِحَةٌ لِلِانْتِفَاعِ فَلَا يَكُونُ مَالًا كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْخَنَافِسِ وَالْحَشَرَاتِ ، وَإِلَى مَا لَهُ " بِنْيَةٌ " صَالِحَةٌ وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا جُبِلَتْ طَبِيعَتُهُ عَلَى الشَّرِّ وَالْإِيذَاءِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَلَيْسَتْ مَالًا ، وَإِلَى مَا جُبِلَتْ طَبِيعَتُهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ كَالْبَهَائِمِ وَالْمَوَاشِي فَهِيَ أَمْوَالٌ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْجَمَادَاتِ مُمْكِنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ إذْ لَيْسَ لَهَا قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ يُتَصَوَّرُ " مِنْهَا " الِامْتِنَاعُ ، " وَأَمَّا " الْحَيَوَانُ فَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْفِعْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِعْمَالُهَا إلَّا بِمُسَاعَدَةٍ مِنْهَا ، فَإِذَا كَانَتْ مَجْبُولَةً عَلَى طَبِيعَةِ الِاسْتِسْلَامِ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهَا " وَاسْتِسْخَارُهَا " فِي الْمَقَاصِدِ ، بِخِلَافِ مَا طَبِيعَتُهُ الشَّرُّ وَالْإِيذَاءُ فَإِنَّهَا تَمْتَنِعُ " وَتَسْتَعْصِي " وَتَنْتَهِي إلَى " ضِدِّ " غَرَضِ الْمُسْتَعْمِلِ ، وَلِهَذَا إذَا صَالَتْ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتُ الْتَحَقَتْ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا فِي الْإِهْدَارِ .
الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ " بِهَا " " تَبِعَةٌ " وَلَا غَرَامَةَ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ ، وَقِيلَ : مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحِلِّ يَعْتَمِدُ الْمُكْنَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي " التَّبِعَةَ " وَالْغَرَامَةَ " وَقَالَ " صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ : مَا قَبِلَ التَّصَرُّفِ فَهُوَ الْمَمْلُوكُ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ " فَهُوَ لَيْسَ " بِمَمْلُوكٍ كَالْحَشَرَاتِ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصَرُّفِ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ يُسَمَّى مَالِكًا فِي " الْأَزَلِ " ، وَتَسْمِيَتُهُ مَالِكًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى إيجَادِ الْمَعْدُومَاتِ إذْ لَيْسَ فِي الْأَزَلِ مَوْجُودٌ سِوَاهُ حَتَّى يَكُونَ إثْبَاتُ وَصْفِ الْمَالِكِيَّةِ " بِسَبَبِ " قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْجُودِ انْتَهَى وَلَك أَنْ تَقُولَ : التَّصَرُّفُ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ وَأَثَرُهُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ تَعْرِيفُهُ " بِهِ " وَأَيْضًا فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يَمْلِكَانِ الْمَالَ وَلَا يَقْدِرَانِ عَلَى التَّصَرُّفِ " فِيهِ " إلَّا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ تَهْيِئَةُ الْمَالِ لِلتَّصَرُّفِ وَمَالُهُمَا مُهَيَّأٌ لَهُ ، وَوَلِيُّهُمَا " نَائِبٌ عَنْهُمَا " وَقَالَ " الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى " " مَعْنًى " مُقَدَّرٌ بِالْمَحِلِّ لِإِفَادَةِ الِانْتِفَاعِ قَالَ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ مَلَكَ النِّكَاحَ وَمَلَكَ الْقِصَاصَ وَمَلَكَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ تَجَوُّزَاتِ الْفُقَهَاءِ ، " وَكُلُّ " اسْتِحْقَاقٍ وَاخْتِصَاصٍ مُؤَكَّدٌ فَتُجَوِّزُ عَنْهُ بِالْمِلْكِ ، أَمَّا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ فَهُوَ " مَا ذَكَرْنَاهُ " انْتَهَى وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهِ مُقَدَّرًا أُمُورٌ : مِنْهَا : أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ " وَالضَّرُورَةُ " إلَيْهِ ، وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ " تَعَالَى " الْأَمْلَاكَ فِي مُدَّةِ " الْحَيَاةِ " ، " لِأَنَّهَا " مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَاتِ ، وَأَمَّا إثْبَاتُهَا " فِي الْمَمَاتِ " ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَلِكُلِّ
إنْسَانٍ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ ، فَأَمَّا الْمَوْتَةُ الْأُولَى فَفِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَتَثْبُتُ فِيهَا الْأَمْلَاكُ " لِلْأَجِنَّةِ " بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّ الْأَجِنَّةَ صَائِرُونَ إلَى الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ ، وَأَمَّا الْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْآجَالِ فَلِلْمَيِّتِ حَالَانِ : " إحْدَاهُمَا " أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى دَوَامِ الْمِلْكِ فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ عَنْهُ إلَى مِنْ يَرِثُهُ لِانْتِفَاءِ حَاجَاتِهِ وَضَرُورَاتِهِ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ مِلْكِهِ فَأَبْقَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ ، كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَوْتَةِ الْأُولَى ، وَنَقَلَهُ فِي قَوْلٍ إلَى الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الْمَيِّتِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ حَقُّ الْمَيِّتِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ، وَوَقَفَهُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ قَبْلَ سُقُوطِ الدَّيْنِ بِقَضَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ ، فَإِنْ سَقَطَ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ وَإِلَّا بَقِيَ .
وَالْمَقْتُولُ يَرِثُ دِيَتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ تَقْدِيرًا حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا دُيُونَهُ وَتَنْفُذَ وَصَايَاهُ ، وَقِيلَ : يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً قُلْت : وَمَا قَالَهُ فِي أَنَّ الْجَنِينَ يَمْلِكُ خِلَافَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ : وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ كَالْجَنِينِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا اخْتَصَّ بِهَوَاهَا حَتَّى " يَمْتَنِعَ " عَلَى غَيْرِهِ الْإِشْرَاعُ " إلَيْهِ " وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ ، إلَّا بِمَا لَا " ضَرَرَ " فِيهِ كَرَمْيِ سَهْمٍ إلَى صَيْدٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الِاخْتِصَاصُ فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ إلَّا " بِمَا " تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ " وَكَذَلِكَ " يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ مِنْ قَرَارِهِ إلَّا " مَا " تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ دُونَ مَا " سَفَلَ " إلَى سَبْعِ أَرْضِينَ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا
مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى غَصْبِ الشِّبْرِ بِالتَّطْوِيقِ الْمَذْكُورِ قُلْت : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمَا " مِنْ " الْأَصْحَابِ : مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ هَوَاهَا إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ وَتَحْتَهَا إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ ، وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ " بِأَنَّ " الْهَوَاءَ يُبَاعُ مَعَ أَصْلِهِ ، فَلَوْ بَاعَ " صَاحِبُ الْعَرْصَةِ هَوَاهَا لِشَخْصٍ لِيُشَرِّعَ " فِيهِ جَنَاحًا " لَهُ " لَمْ تَصِحَّ ، لِأَنَّ حَقَّ الْهَوَاءِ مَا لَمْ " يَتَعَلَّقْ بِعَيْنٍ " لَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، نَعَمْ قَالُوا فِي بَاب بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ : لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي بِهَا صَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ يَنْبَغِي بُطْلَانُهُ كَمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ تَحْتَ الصُّبْرَةِ " الْمَبِيعَةِ " دِكَّةٌ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ مَبِيعَةٌ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِهَا كَالِاعْتِمَادِ عَلَى الصُّبْرَةِ وَهُوَ سُؤَالٌ صَعْبٌ .
الثَّانِي : فِي شُرُوطِهِ وَأَقْسَامِهِ : جَعَلَ بَعْضُهُمْ شَرْطَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّصَرُّفِ أَوْ تَهَيُّؤَهُ لِذَلِكَ لِيَدْخُلَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِخِلَافِ الْجَنِينِ وَالْمَيِّتِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ لِضَعْفِ " تِلْكَ " الْقُدْرَةِ فِيهِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ أَوْ أَثَرُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ أَوْ يَصِحُّ لِلْجِهَةِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَبِيلَةٍ كَبَنِي تَمِيمٍ مَثَلًا إنْ صَحَّحْنَاهُ لِلْجِهَةِ صَحَّ وَإِنْ قُلْنَا : يُسْتَدْعَى الْأَعْيَانُ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَهُمْ غَيْرُ مَحْصُورِينَ " فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ " ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللَّقِيطِ عَلَى قَوْلِ الْوَجِيزِ " مَا " وُقِفَ عَلَى " اللُّقَطَاءِ " أَوْ وُهِبَ مِنْهُمْ أَنَّ الْهِبَةَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَّا كَوْنُ الْجِهَةِ لَا تُمْلَكُ فَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ جِهَةٌ وَهِيَ تُمْلَكُ بِالْإِرْثِ ، " وَأَهْلُ " الْفَيْءِ جِهَةٌ ، " وَأَهْلُ سُهْمَانِ " الزَّكَاةِ جِهَاتٌ ، وَكُلُّهَا تُمْلَكُ ، وَأَمَّا أَقْسَامُهُ فَقَالَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ مَوْهُوبٌ الْجَزَرِيُّ فِي فَتَاوِيهِ " : الْمَمْلُوكَاتُ " عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَعْيَانٌ وَمَنَافِعُ .
فَانْتِقَالُ الْمِلْكِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : " مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالْحَوَالَةِ وَالشُّفْعَةِ وَاللُّقَطَةِ " .
الثَّانِي : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَاتِ " وَالْوَصَايَا " وَالْمِيرَاثِ " .
الثَّالِثُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ " بِالْعِوَضِ كَالْكِتَابَةِ .
الرَّابِعُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعِتْقِ .
الْخَامِسُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ " إلَى مَالِكٍ وَهُوَ " تَمْلِيكُ " الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَوَاتِ وَأَمَّا الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ " أَقْسَامٍ " :
مِنْهَا " : " مَا هُوَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَالْجِعَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ " " وَمِنْهَا " : " مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ " كَالْوَقْفِ وَالشَّرِكَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَحِفْظِ اللَّقِيطِ .
وَنَوْعَانِ مُتَرَدِّدَانِ " بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ " وَهُمَا الْوَكَالَةُ وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ .
فَإِنَّ تَارَةً يَكُونُ بِعِوَضٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ .
" وَمِنْهَا " : الْمُسَابَقَةُ وَالْمُنَاضَلَةُ وَهِيَ قِسْمٌ مُفْرَدٌ " إذْ " الْمُرَادُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَتِهِ فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمِلْكِ .
" الثَّالِثُ " : قَدْ يَتَعَلَّقُ التَّمْلِيكُ بِمَحِلٍّ مُحَقَّقٍ كَتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَحِلٍّ مُقَدَّرٍ " كَتَمْلِيكِ " مَنَافِعِ الْأَبْضَاعِ أَوْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَةِ " أَوْ الْإِعَارَةِ " فَإِنَّ مَنَافِعَهَا مُقَدَّرَةٌ " تَعَلَّقَ " بِهَا تَمْلِيكٌ " مُقَدَّرٌ إلَّا أَنَّ " مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ مُقَدَّرَةُ النَّقْلِ وَمَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ " مُسْتَقِرَّةٌ " غَيْرُ مَنْقُولَةٍ إذْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ " بِعَقْدِ النِّكَاحِ " مِنْ الْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ مَا لَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُقْضَى " نَقْلُهُ " إلَيْهِ مِنْهَا ، وَقَدْ مَنَعُوا إيجَارَ الْمُسْتَأْجَرِ قَبْلَ قَبْضِ " مَحِلِّ الْمَنْفَعَةِ وَأَجَازُوهُ بَعْدَ قَبْضِهِ مَعَ أَنَّ الْمَنَافِعَ مَفْقُودَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَقَدَّرُوهَا مَقْبُوضَةً بَعْدَ قَبْضِ " الْعَيْنِ وَغَيْرَ مَقْبُوضَةٍ قَبْلَ قَبْضِهَا ثُمَّ قَالُوا : لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَدْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنَافِعَ تُمْلَكُ بِطْرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ " تَابِعَةً " لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَحْدَهَا كَبَيْعِ حَقِّ الْمَمَرِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّقْفِ وَكَمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ مَنْ بَاعَ عَيْنًا فَقَدْ بَاعَهَا وَمَنَافِعَهَا ، بَلْ إنْ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ يَحْدُثُ فِيهَا مَنَافِعُ ، وَلِهَذَا لَوْ وُجِدَتْ مُسْتَحَقَّةٌ بِعَقْدٍ يُعَارِضُ كَوْنَهَا لِصَاحِبِ " الْعَيْنِ عُمِلَ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ مَنْ بَاعَ " الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَاعَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ ، بَلْ إطْلَاقُ الْعَقْدِ تَنَاوَلَهَا تَبَعًا ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ " مَانِعٌ " " مِنْ " عَمَلِهَا فِي الْحَالِ وَلَوْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَسَكَتَ عَنْ " الْمَنْفَعَةِ " فَلَمْ يُصَرِّحْ
بِأَنَّهَا لَهُ أَوْ لِلْوَرَثَةِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، أَمَّا إذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ لِزَيْدٍ وَبِالرَّقَبَةِ لِعَمْرٍو فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمُوصَى لَهُ " بِالْمَنَافِعِ " فَهَلْ تَعُودُ الْمَنَافِعُ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْ " لِلْمُوصَى " لَهُ بِالرَّقَبَةِ ؟ وَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ " لِإِخْرَاجِهَا بِالْقَبْضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الْجَزْمُ " " بِهِ " " بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ إذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِالرَّقَبَةِ " بِلَا مَنْفَعَةٍ وَلِلْآخَرِ بِالْمَنْفَعَةِ فَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ثُمَّ وَصَّى بِالْمَنْفَعَةِ لِآخَرَ ، فَالظَّاهِرُ " أَنَّهَا " عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّ رَدَّهُ أَبْطَلَ أَثَرَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ فَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ عَلَى إطْلَاقِهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ رُجُوعٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَالْوَصِيَّةُ تَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، أَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ ثُمَّ أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ فَهَلْ نَقُولُ : إنَّهُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ ، فِيهِ نَظَرٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ وَكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً قَبْلَ وُجُودِهَا وَإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَلَامًا كَثِيرًا ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنَّهَا تَهَيُّؤُ الْعَيْنِ لِذَلِكَ " الْمَعْنَى " الَّذِي قُصِدَ " مِنْهَا " كَالدَّارِ مُتَهَيِّئَةً لِلسُّكْنَى ، وَالتَّهَيُّؤُ مَوْجُودٌ الْآنَ وَتَتَوَالَى أَمْثَالُهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ " وَسَكَنَهَا " الْمُسْتَأْجِرُ ، وَهَلْ نَقُولُ : إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ؟ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : لَا " وَهُوَ " قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ كَيْفَ يَكُونُ بَدَلًا .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ : إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَنَّا لَا نَعْنِي
بِالْمِلْكِ إلَّا جَوَازَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا " فَكَانَتْ " مَمْلُوكَةً .
ضَابِطٌ : لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يُوصَى بِرَقَبَةِ عَيْنٍ لِشَخْصٍ وَبِمَنْفَعَتِهَا لِآخَرَ .
الرَّابِعُ : الْمِلْكُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْصُلُ قَهْرًا كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَمَنَافِعِ الْوَقْفِ ، وَكَذَا رَقَبَةُ " الْوَقْفِ " فِي قَوْلٍ فِيهِمَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ ، وَنَمَاءُ الْمِلْكِ مِنْ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْمَرْدُودُ " بِعَيْبٍ وَكَذَلِكَ " الْكَلَأُ وَالْمَطَرُ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ إذَا حُصِّلَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَحَكَى صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ " أَمَّا " النَّابِتُ فِي الْمَوَاتِ ، فَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ، وُعُودُ شَطْرِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى " قَوْلٍ ، وَخَلَطَ " الْمَغْصُوبَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ، وَإِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْمُوسِرُ نَصِيبَهُ وَبَذَلَ قِيمَةَ النِّصْفِ الْآخَرِ " يَمْلِكُهُ " الشَّرِيكُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا عَلَى وَجْهٍ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَقَدْ يَتَمَلَّكُ عَلَى الْغَيْرِ قَهْرٌ " كَالرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ بِالْإِفْلَاسِ وَرُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَتِهِ وَرُجُوعِ الزَّوْجِ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ وَأَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ وَأَخْذِ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ ، وَإِذَا ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَمَلُّكِ الْمُلْتَقِطِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا قَهْرًا وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ وَلَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ جِنْسَ حَقِّهِ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اخْتِيَارِ " التَّمَلُّكِ " ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي : يَحْصُلُ بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : " بِالْأَقْوَالِ " وَيَكُونُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبُيُوعِ وَفِي غَيْرِهَا كَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا وَالْوُقُوفِ إذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ وَتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بِشَرْطِهِ .
وَالثَّانِي : " يَحْصُلُ " بِالْأَفْعَالِ كَتَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَحْيَاءِ وَالْغَنِيمَةِ .
وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ { صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا
تُوَرَّثُ } فَأَشَارَ بِالْبَيْعِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِالْمُعَاوَضَةِ ، وَبِالْهِبَةِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِغَيْرِهَا اخْتِيَارًا ، وَبِالْإِرْثِ إلَى الدَّاخِلِ قَهْرًا هَذِهِ " مَجَامِعُ التَّمَلُّكِ " وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهَا يَرْجِعُ إلَيْهَا وَمِمَّا يَتَخَالَفَانِ فِيهِ أَعْنِي الِاخْتِيَارِيَّ وَالْقَهْرِيّ إنَّ الِاخْتِيَارِيَّ يُمْلَكُ بِالْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ أَوْ بِمَا فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْقَهْرِيُّ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُمْلَكُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَوْ يَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِذَلِكَ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ " بِهِ " وَلَا يَبْعُدُ إلْحَاقُ " مَا فِيهِ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ كَأَخْذِ " الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَتَقْوِيمِ " الشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا : أَنَّ التَّمَلُّكَ الْقَهْرِيَّ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، كَمَا " فِي " أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيِّ وَمِنْهَا : أَنَّ " التَّمْلِيكَ " الْقَهْرِيَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ شُرُوطِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهَا ؟ خِلَافٌ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ يُؤْخَذُ الشِّقْصُ الَّذِي لَمْ يَرَهُ عَلَى قَوْلٍ ، وَالِاخْتِيَارِيُّ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَطْعًا وَمِنْهَا : أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ كَمَا فِي دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ بِالْإِرْثِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَلَا " يُمْلَكُ " ذَلِكَ كُلُّهُ بِالِاخْتِيَارِ .
الْخَامِسُ : الْمِلْكُ تَارَةً يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ كَالْعِتْقِ وَتَارَةً يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْوَقْفِ وَمِثْلُهُ الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يُقَالُ : سَقَطَ " وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ " الْإِمَامُ بِالْوَقْفِ .
السَّادِسُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ " أَنَّ الْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، وَالْمَنَافِعُ وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ وَبَابُ الِاخْتِصَاصِ " " أَوْسَعُ " ، وَلِهَذَا شَوَاهِدُ : مِنْهَا أَنَّهُ يَثْبُتُ " فِيمَا " لَا يُمْلَكُ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْكَلْبِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الدَّعَاوَى ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِيمَا الْيَدُ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا " تُمْلَكُ ، وَالثَّانِي : تُمْلَكُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا ، وَالثَّالِثُ : إنْ كَانَ مُتَهَيِّئًا ؛ لَأَنْ يَصِيرَ مِلْكًا كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ يُدْبَغُ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ مَمْلُوكًا وَالْيَدُ عَلَيْهِ يَدُ مِلْكٍ اعْتِبَارًا بِالطَّرَفَيْنِ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَالْكَلْبِ وَالنَّجَاسَاتِ فَالْيَدُ يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا تُمْلَكُ " " وَمِنْهَا " لَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَهُ مُتَمَوِّلٌ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاخْتِصَاصِ " لَيْسَ كَحَقِّ الْمِلْكِ فَكَانَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْقُلَ اخْتِصَاصَهُ " فِي ذَلِكَ لِمَنْ " يَشَاءُ " مِنْ الْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ " يُحْسَبَ " مِنْ الثُّلُثِ إذْ لَا مَالِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا : فِي " الْغَنِيمَةِ " إذَا كَانَ فِيهَا كِلَابٌ نَصَّ " عَلَيْهِ " " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ " لِرَأْيِ " الْإِمَامِ يُخَصِّصُ " بِهِ مَنْ شَاءَ " مِنْ الْغَانِمِينَ فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَعْطَاهُ لِبَعْضِ أَهْلِ " الْخُمُسِ " فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ خَلَّاهُ أَوْ قَتَلَهُ ، لِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يَحْرُمُ وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهَا تُقَسَّمُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أَقْرَعَ إنْ تَنَازَعُوا فِيهَا .
السَّابِعُ : مِلْكُ النِّكَاحِ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَ هَذَا الْأَصْلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ فِي بَابِ " الشَّهَادَاتِ " وَبَنَى عَلَيْهِ فُرُوعًا .
" مِنْهَا " : شُهُودُ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا بَعْدَ الدُّخُولِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَقَبْلَهُ نِصْفَهُ أَوْ جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعِنْدَهُمْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ يَضْمَنُ نِصْفَ الْمُسَمَّى وَمِنْهَا : الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ الْمَمْهُورِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِمِثْلِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ " بِقِيمَتِهِ إنْ " كَانَ مُتَقَوِّمًا ، " وَالْبِضْعُ " لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلَا هُوَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَهُمْ وَمِنْهَا : إذَا خَالَعَ عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَعَلَى الْخِلَافِ قُلْت : وَمِنْهَا : إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ " لِلْبَدَلِ " الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا : إذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ جَاءَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَهَلْ يَجِبُ دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجِهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ " وَالْآيَةُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ " وَكَانَ الصُّلْحُ قَدْ وَقَعَ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ فَلَمَّا حَرُمَ الرَّدُّ بَعْدَ صِحَّةِ اشْتِرَاطِهِ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدِّ النِّسَاءِ فَلَا " يَصِحُّ " رَدُّ مُهُورِهِنَّ ، لِأَنَّهُ شَرْطُ مَالٍ لِلْكُفَّارِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَمِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ مِلْكُ الْقِصَاصِ ، قَالُوا : هُوَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ شَهِدَا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعَا " لَا ضَمَانَ " عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ : وَأَمَّا حَرْفُ الْجَوَابِ فَهُوَ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مِلْكٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا " بِمَحِلِّ " اسْتِيفَاءِ الشَّرْطِ ، وَمِلْكُ " الْقِصَاصِ مِلْكٌ " لَا يُعْرَفُ إلَّا بِجَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَلِهَذَا لَا يُمْلَكُ النَّقْلُ
مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مِلْكٌ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ فَإِذَا أُتْلِفَ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ ضُمِّنَ .
الثَّامِنُ : قَالُوا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ أَمَةً ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ وَحَرُمَتْ الْأَمَةُ ، وَالْأَقْوَى إذَا طَرَأَ عَلَى الْأَضْعَفِ دَفَعَهُ وَخَالَفُوا هَذَا فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَالُوا : لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى .
وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ نَفْسَهُ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ وَالِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِفْرَاشِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا تَنَاقُضَ .
وَالثَّانِي أَنَّ مَحِلَّ تَرْجِيحِنَا الِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ عَلَى الِاسْتِفْرَاشُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي عَيْنَيْنِ وَتَرْجِيحَنَا مِلْكَ الْيَمِينِ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا " وَالطَّرِيقَةُ " الْأُولَى أَحْسَنُ وَمِمَّا رَجَّحُوا فِيهِ مِلْكَ الْيَمِينِ أَنَّ " السَّيِّدَ يَبِيعُ " الْأَمَةَ مِمَّنْ بِهِ بَعْضُ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَهَلْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَمْكِينِهِ وَجْهَانِ ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : قُلْتُ قَالَ الْمُتَوَلِّي أَصَحُّهُمَا : " يَلْزَمُهَا " التَّمْكِينُ وَهَذَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ لَا يَلْزَمُهَا وَتَتَخَيَّرُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ بَلْ إنْ كَانَا مِنْ " جِهَتَيْنِ " كَمَا إذَا كَانَ يَطَأُ " أَمَةً " فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا قَوِيَ مِلْكُ النِّكَاحِ عَلَى مِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى تَحْرُمَ الْمَمْلُوكَةُ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ عَقْدَ النِّكَاحِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ وَتَوَابِعُهُ ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ " قَدْ " يَكُونُ " لِلِاسْتِخْدَامِ " " وَغَيْرِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ شِرَاءِ أُخْتِهِ ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، فَلَا جَرَمَ قَوِيَ " النِّكَاحُ " وَحَرُمَتْ الْمَمْلُوكَةُ " .
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ " النِّكَاحِ
" " إذْ " يُنْتَفَعُ بِالْبُضْعِ فَلِذَلِكَ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا انْفَسَخَ لِلتَّنَافِي بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى دَارًا فِي إجَارَتِهِ .
التَّاسِعُ : الْمِلْكُ قِسْمَانِ : تَامٌّ وَضَعِيفٌ : فَالتَّامُّ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ ، وَالضَّعِيفُ بِخِلَافِهِ ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَإِنْ صَحَّ عِتْقُهُ وَالْمِلْكُ الضَّعِيفُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ وَضَبَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْخِيَارِ ، الْمِلْكَ الضَّعِيفَ بِمَا يَقْدِرُ الْغَيْرُ عَلَى إبْطَالِهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ ، " قَالَ " : وَاحْتَرَزْت بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَنْ مِلْكِ الْمُتَّهَبِ مِنْ الْأَبِ فَإِنَّ الْأَبَ يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ وَجَازَ لِأَجْلِهِ وَطْءُ الِابْنِ " وَسَائِرُ " تَصَرُّفَاتِهِ ، قَالَ " صَاحِبُ مَيْدَانِ الْفُرْسَانِ " ، وَهَذَا الضَّابِطُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ " أَمَتَهُ " وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ " لَهُ " وَطْؤُهَا مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ إذَا قُلْنَا بِثُبُوتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، قُلْت : الْمِلْكُ هُنَا غَيْرُ نَاقِصٍ وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " بِذَلِكَ " صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْفِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهُمَا الْمِلْكَ ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ نَاقِصٌ لَمْ يَحْدُثْ نُقْصَانُهُ بِوَطْءٍ سَابِقٍ فَلَا يُفِيدُ حِلُّ الْوَطْءِ ، قَالَ : وَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا يَلْزَمُ وَطْءُ الْعَبْدِ الْجَارِيَةَ الَّتِي مَلَّكَهَا السَّيِّدُ إيَّاهُ حَيْثُ يَجُوزُ عَلَى رَأْيٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَمَّ غَيْرُ نَاقِصٍ ، وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " فَهُوَ كَجَارِيَةِ الْمَجْنُونِ " يَطَؤُهَا " وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا لِنُقْصَانِهِ انْتَهَى .
وَيَخْرُجُ مِنْهُ " الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا سُقُوطُهُ بِالْإِعْرَاضِ ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ : إنَّ الْغَانِمِينَ إذَا لَمْ يَخْتَارُوا " التَّمَلُّكَ " فَلَا زَكَاةَ ؛ لِأَنَّ " الْغَنِيمَةَ " غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُمْ
أَوْ مَمْلُوكَةً مِلْكًا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ .
انْتَهَى .
وَمِنْ الْأَمْلَاكِ الضَّعِيفَةِ : مِلْكُ الْمُكَاتَبِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ وَمِنْهَا : مِلْكُ الْعَبْدِ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ وَقُلْنَا : يُمْلَكُ وَمِنْهَا : مِلْكُ الْغَرِيمِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ الْقَاضِي وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَقَدْ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ " فِي الزَّكَاةِ : " لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ بِتَسْلِيطِ الْحَاكِمِ " وَمِنْهَا " : مِلْكُ السَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ أَمَةً امْتَنَعَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِأَجْلِ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ مِلْكِهِ .
الْعَاشِرُ : الْمِلْكُ يَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَقِرٍّ وَغَيْرِهِ : فَالْمُسْتَقِرُّ : مَا لَا " يُحْتَمَلُ " السُّقُوطُ بِتَلَفِهِ أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ بِخِلَافِهِ كَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِتَعَرُّضِ مِلْكِهَا " لِلسُّقُوطِ " بِانْهِدَامِ الدَّارِ ، بَلْ كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ مِنْ الْمُدَّةِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ ، وَمِثْلُهُ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ بِنِصَابٍ وَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ كَالْأُجْرَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : الصَّدَاقُ أَيْضًا " يَتَعَرَّضُ " لِلسُّقُوطِ بِمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ " وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَهُ " بِعَيْبِهَا قِيلَ : الْمُؤَثِّرُ فِي اسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّضُ احْتِمَالُ سُقُوطِهِ " بِتَلَفِهِ " أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ لَا غَيْرُ بِدَلِيلِ أَنَّ احْتِمَالَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِالْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ " فِيهِمَا وَكَذَلِكَ " الصَّدَاقُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : الْمِلْكُ غَيْرُ الْمُسْتَقِرِّ الْمُتَعَقَّبُ بِالزَّوَالِ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمِلْكِ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ثَمَّ إذَا " عَتَقَ " الْمَرِيضُ مِنْ مَالِهِ عَبْدًا " فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ قَطْعًا ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ فَقَبِلَ الْوَصِيَّةَ " فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمُرَجَّحِ خِلَافًا لِمَنْ صَحَّحَ " خِلَافَ " ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ذَلِكَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ " الْعَبْدَ " الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَهَلْ يَفْسُدُ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ " يَقْتَضِي " دُخُولَهُ فِي مِلْكِ الِابْنِ ثُمَّ يَكُونُ " مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ أَوْ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجْهَانِ وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ " الثَّانِيَ عَشَرَ " : " قَالَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ فِي فَتَاوِيهِ " .
الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ " وُضُوءُ " دَائِمِ الْحَدَثِ فَتَجِبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ " أَشْوَاطِ " الطَّوَافِ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَذَلِكَ وَبَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَا يُبْطِلُهُ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ فِي الْأَصَحِّ ، وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ الْمُوَالَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ بِخِلَافِ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقَطَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْفَاتِحَةِ وَكَذَا بَيْنَ كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ قِيَاسُ الْفَاتِحَةِ ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ " فِي اللِّعَانِ " عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ إلَى فَرْقٍ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَى فَلَوْ رَجَعَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ اُسْتُؤْنِفَتْ " لِيَتَوَالَى " الْإِيحَاشُ ، وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ ، وَلِهَذَا يَقْطَعُهُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ ، وَالْمُوَالَاةُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَمِنْهَا الْمُوَالَاةُ فِي الرَّضَعَاتِ الْخَمْسِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَلِفِ لَا يَأْكُلُ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فَأَكَلَ مُتَوَاصِلًا وَنَظَائِرُهُ ، وَالضَّابِطُ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ " اثْنَيْنِ " أَوْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ إمَّا فِي الْأَقْوَالِ " أَوْ " " فِي " الْأَفْعَالِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَالِاتِّصَالُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّخْصَيْنِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْوَاحِدِ كَالْمُوَالَاةِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي كَلَامِ " شَخْصَيْنِ " مَا لَا يُحْتَمَلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ كَلَامٍ وَاحِدٍ .
النَّادِرُ هَلْ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يُلْحَقُ قَطْعًا كَمَنْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ الْأَبْكَارِ قَطْعًا فِي الِاسْتِئْذَانِ ، وَكَمَا إذَا خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الزَّائِدُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا قَطْعًا .
وَكَذَلِكَ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ فَإِنَّ بَقَاءَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، كَذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا فَأَلْحَقُوهُ بِالْغَالِبِ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ " مِنْ " زَمَنِ الْوَطْءِ لَحِقَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا " وَلَكِنَّ " الشَّارِعَ أَعْمَلَ النَّادِرَ فِي هَذِهِ " الصُّوَرِ " سِتْرًا لِلْعِبَادِ " الثَّانِي " : مَا لَا يُلْحَقُ قَطْعًا .
كَالْإِصْبَعِ " الزَّائِدَةٍ " لَا تُلْحَقُ بِالْأَصْلِيَّةِ فِي حُكْمِ الدِّيَةِ قَطْعًا وَنِكَاحِ مَنْ بِالْمَشْرِقِ مَغْرِبِيَّةً لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ .
كَنَقْضِ الْوُضُوء بِمَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ الْمُتَّصِلِ ، وَقِيلَ : لَا ؛ " لِلنُّدْرَةِ " بِخِلَافِ مَسِّ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ وَكَالنَّقْضِ بِخُرُوجِ النَّادِرِ مِنْ الْفَرْجِ وَجَوَازِ الْحَجَرِ " مِنْ " الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَنَحْوِهِمَا ، وَكَذَا دَمُ الْبَرَاغِيثِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا ، وَكَذَا كَثِيرَةُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ يُشَقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ فَأُلْحِقَ نَادِرُهُ بِغَالِبِهِ وَكَذَا لَوْ طَالَ مُدَّةُ اجْتِمَاعِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَيَّامًا وَأَشْهُرًا وَهُوَ نَادِرٌ فَالْمَذْهَبُ بَقَاءُ خِيَارِهِمَا إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَقِيلَ : لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْغَالِبِ الرَّابِعُ : مَا لَا يُلْحَقُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ فَهَلْ تُعْطَى حُكْمُهَا فِي بَابِ الرِّبَا ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا اعْتِبَارَ بِالْغَالِبِ .
النَّادِرُ إذَا لَمْ يَدُمْ يَقْتَضِي الْقَضَاءَ كَالْمَرْبُوطِ عَلَى خَشَبَةٍ يُصَلِّي وَيُعِيدُ ، وَالْمُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي سَفَرِهِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ " فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ " أَرْكَانُهَا " مُخْتَلَّةٌ " وَلَا قَضَاءَ وَهِيَ " عَلَى " خِلَافِ الْقَاعِدَةِ " إذْ هُوَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ " وَلَا بَدَلَ " فِيهِ " وَلَكِنَّهُ رُخْصَةٌ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } .
النَّادِرُ إذَا دَامَ يُعْطَى حُكْمَ الْغَالِبِ كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ مَعَ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا إلَّا أَنَّهُ يَدُومُ ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ تَلْحَقْ الْمُسَافِرَ مَشَقَّةٌ وَمِنْهُ " أَثَرُ " دَمِ الْبَرَاغِيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُومُ ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : الشُّعُورُ الَّتِي فِي الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَتْ وَكَثَافَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً إلَّا أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِالْغَالِبِ حَتَّى يَكْفِيَ غَسْلُ الظَّاهِرِ .
الثَّانِيَةُ : فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ قَوْلَانِ كَالْمَذْيِ ؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ كَذَا .
" قَالَ " النَّوَوِيُّ ، وَاسْتُشْكِلَ الْخِلَافُ ؛ لِأَنَّهَا تَدُومُ وَالنَّادِرُ إذَا دَامَ الْتَحَقَ بِالْغَالِبِ وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ .
الثَّالِثَةُ " : دَمُ الْبَوَاسِيرِ نَادِرٌ وَإِذَا وَقَعَ دَامَ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ بِالْحَجَرِ فِي الْأَظْهَرِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ آخَرُ لِلْإِنْسَانِ وَنَقَضْنَا " بِالْخَارِجِ " مِنْهُ فَهَلْ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ ؟ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى السَّبِيلَيْنِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ دَامَ .
فَائِدَةٌ : قَدْ يُسْتَشْكَلُ " عِنْدَهُمْ " لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ النَّادِرِ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذُكُورَةِ الْخُنْثَى بِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ عَلَيْهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَعْدُودَ نَادِرًا هُوَ كَثَافَتُهَا لَا أَصْلُ نَبَاتِهَا " وَلِذَلِكَ لَمْ تُعَامَلْ مُعَامَلَةَ مَا كَثُفَ " مِنْ لِحْيَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا .
النَّادِرُ هَلْ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ أَمْ يَلْحَقُ بِجِنْسِهِ فِيهِ " خِلَافٌ " فَقِيلَ ( تُنَاطُ الْأَحْكَامُ بِأَسْبَابِهَا ) وَفِي كُلِّ فَرْدٍ وَقِيلَ " اسْتِقْرَاءُ الْآحَادِ يَتَعَسَّرُ فِيهِ فَيُعْتَبَرُ " الْغَالِبُ وَيَجْرِي حُكْمُهُ عَلَى مَا شَذَّ ، قَالَ " الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ " وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ : النَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَأَصْلُ الْخِلَافِ مَا لَوْ نَدَرَ الْخَارِجَ هَلْ يَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَالْخِلَافُ فِي الْخَارِجِ " الْمُعْتَادُ " مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي " الْخَارِجِ " الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخْرَجِ النَّادِرِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ وَخَرَجَ مِنْهُ الْفَضْلَةُ .
" وَلَوْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ وَلَا رُطُوبَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَقَعُ وَفِيهِ خِلَافٌ ، مَأْخَذُهُ هَذَا الْأَصْلُ .
قَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ وَقَدْ أُعْضِلَ التَّعْلِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ خَفِيَ عَنْهُ مَأْخَذُ وُجُوبِ الْغَسْلِ بِمَا ذَكَرْنَا " .
النَّائِمُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُسْتَيْقِظِ فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : فِي بَقَائِهِ عَلَى الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ ثَانِيَتُهَا " صِحَّةُ وُقُوفِهِ " أَيْ بِعَرَفَةَ " " ثَالِثَتُهَا " : صِحَّةُ صَوْمِهِ وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ النَّهَارِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَادَّعَى الْمُزَنِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الصِّحَّةِ .
" رَابِعَتُهَا " أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَلَوْ رَأَى نَائِمًا أَوْ " مَنْ " يُرِيدُ النَّوْمَ وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ " كَيْ لَا " يَفُوتَهُ " بِالنَّوْمِ " فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ حَتَّى نَامَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتُهُ " بِالنَّوْمِ " وَيُمْكِنُ " قَضَاؤُهَا إذَا انْتَبَهَ ، قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ " وَكَأَنَّهُ " أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَفُوتُهُ فَوَاتًا يَأْثَمُ بِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ } .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إذَا نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ " وَاسْتَمَرَّ " حَتَّى خَافَ خُرُوجَهُ " اُسْتُحِبَّ " " إيقَاظُهُ " وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ نَامَ بَعْدَهُ وَاسْتَمَرَّ ، وَالْقِيَاسُ وُجُوبُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهَا ، وَأَمَّا النَّوْمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَبِهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ .
النَّجَاسَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا قَالَ الْمُتَوَلِّي " هِيَ " كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ لَا لِحُرْمَتِهَا ، زَادَ النَّوَوِيُّ : وَاسْتِقْذَارُهَا وَضَرَرُهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ فَخَرَجَ بِالْإِطْلَاقِ السُّمُّ إذْ يُبَاحُ قَلِيلُهُ الَّذِي لَا يَضُرُّ " وَبِالْإِمْكَانِ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ ، وَبِعَدَمِ الْحُرْمَةِ الْآدَمِيُّ ، وَبِالِاسْتِقْذَارِ الْمُخَاطُ وَالْمَنِيُّ وَنَحْوُهُمَا ، وَبِتَضَرُّرِ الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ التُّرَابُ وَالْحَشِيشُ الْمُسْكِرُ .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ : فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَحْرِيمَ مَعَهَا وَأُسْقِطَ قَيْدُ الْإِمْكَانِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ .
" وَاعْلَمْ " أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلنَّجِسِ لَا لِلنَّجَاسَةِ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِالْأَعْيَانِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ " رَسَمُوهَا " بِحُكْمِهَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ " مَعْرِفَتِهَا لِكُلِّ " عَيْنٍ حَرُمَتْ لَا لِمَضَرَّتِهَا وَلَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِهَا أَوْ كُلُّ مَا يَبْطُلُ بِمُلَاقَاتِهِ الصَّلَاةَ .
الثَّانِي : الْمَشْهُورُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ وَمُتَوَسِّطَةٌ .
وَجَعَلَهَا الْمُتَوَلِّي قِسْمَيْنِ وَجَعَلَ مَا عَدَا نَجَاسَةَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ مُخَفَّفَةً " كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ " وَهُوَ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّهُ خَفَّفَ فِي الْبَوْلِ مِنْ سَبْعَةٍ إلَى " وَاحِدٍ " .
" الثَّالِثُ " : فِي " وُجُوبِ " النِّيَّةِ فِيهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ ، وَقِيلَ : تَجِبُ ، وَفِي ثَالِثٍ تُعْتَبَرُ فِي الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ الصُّعْلُوكِيِّ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ " أَنَّهُ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ ، وَأَوْضَحَ الْإِمَامُ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ " فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الرِّيحَ لَوْ أَلْقَتْ ثَوْبًا نَجِسًا فِي " أَجَانَةٍ " فِيهَا مَاءٌ تَنَجَّسَ الْمَاءُ وَلَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ ، وَلَوْ " طَرَحَهُ " الْغَاسِلُ فِيهَا عَلَى قَصْدِ الْإِزَالَةِ حَصَلَتْ الْإِزَالَةُ وَلَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَنَّ الْمَاءَ لَوْ انْصَبَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ عَلَى ثَوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَكَانَ يَنْحَدِرُ مِنْهُ وَدَفْعُ الْمَاءِ " يَتَوَالَى " حَتَّى زَالَتْ النَّجَاسَةُ طَهُرَ الثَّوْبُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ " قَاصِدٍ " وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَصْدِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ " يُعْدَمْ " فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْغَرَضُ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ فَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ .
الرَّابِعُ " : فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَلَا شَكَّ فِيهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا خَافَ مِنْ غَسْلِهَا التَّلَفَ لَا يَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي تِلْكَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ وَصَلَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهِ التَّلَفَ وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا " أَنَّهُ لَا يَجِبُ " .
" الْخَامِسُ " : فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ إزَالَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا ؟ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ " مَا يُعْصَى " بِالتَّلْطِيخِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ لِوُجُودِ الْمَعْصِيَةِ بِالْفِعْلِ وَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الْفَائِتَةَ " بِغَيْرِ " عُذْرٍ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَاكَ انْتَهَى أَمْرُهَا بِالتَّفْوِيتِ " وَإِنَّمَا لَمْ " يَعْصِ بِإِصَابَتِهِ نَحْوَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ " قَصْدٍ " ؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ " عَلَى " الْفَوْرِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : تَجِبُ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فَتَجِبُ الْإِزَالَةُ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَكَذَا الطَّوَافُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ وَقُلْنَا : مُحَرَّمٌ كَمَا هُوَ رَأْيُ الصَّيْمَرِيِّ .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ بِرِجْلِهِ الْمُلَوَّثَةِ بِالنَّجَاسَةِ " .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِفَمِهِ الْمُلَوَّثِ بِالنَّجَاسَةِ وَقُلْنَا : يَحْرُمُ كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ رَجَّحَ عَدَمَ التَّحْرِيمِ .
" السَّادِسُ " : النَّجَاسَةُ لَا " تَتَعَدَّى " مَحَلَّهَا وَهَذَا مِمَّا يُخَالِفُ فِيهِ النَّجِسُ الْحَدَثَ وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِغَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " جَازَ .
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ : لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ تَجِبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ هُنَا ، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ : وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ يَتَعَدَّى وَحُكْمَ النَّجَاسَةِ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْدِثَ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَطْهِيرِ غَيْرِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَافْتَرَقَا .
وَمِنْهَا : لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " مِنْ ثَوْبٍ " فَانْتَشَرَتْ " الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ ، نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ .
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ مَا إذَا انْتَشَرَتْ وَهُوَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَنَجِسٌ وَمِنْهَا الْمَاءُ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ إبْرِيقٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ : الْمَاءُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْ فَوَّارَةٍ " إذَا " وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ لَا يَتَنَجَّسُ بَاطِنُهُ وَنَحْوُهُ " ذَكَرَهُ " الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ : لَوْ كَانَ " كُوزٌ " " فَفَرَّ " الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ " الَّذِي فِيهِ " ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْعِطَافَ النَّجَاسَةِ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ .
" تَنْبِيهٌ " : يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُورَةُ التَّبَاعُدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الْقَدِيمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى .
" السَّابِعُ " : يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَسْقِيَ الْحَيَوَانَ الْمَاءَ النَّجِسَ لَا سِيَّمَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأَنْ " يَصُبَّهُ " فِي أُصُولِ النَّخْلِ وَالْغَرْسِ أَمَّا مُجَرَّدُ الذَّوْقِ " لِاسْتِكْشَافِهِ " عِنْدَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَنَحْوُهُ فَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ " مِنْهُ " ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَظْهَرْ ، " ؛ لِأَنَّهُ سَهْلُ الْإِزَالَةِ " قَالَ : وَيَظْهَرُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا دَمِيَتْ لِثَتُهُ أَوْ تَنَجَّسَ " فَمُهُ " بِنَجَاسَةٍ أُخْرَى فَغَسَلَهُ فَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ مَا دَامَ يَجِدُ طَعْمَهُ فِيهِ انْتَهَى .
وَهَذَا التَّصْوِيرُ يُشْعِرُ بِامْتِنَاعِ اخْتِبَارِ " مَحَلِّ " النَّجَاسَةِ بِالذَّوْقِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ قَالَ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْأَوَانِي : يَجُوزُ الِاخْتِبَارُ بِالذَّوْقِ .
" وَالْجَوَابُ " أَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى " الظَّنِّ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ فَلِهَذَا يَمْتَنِعُ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهَا لَا يَمْتَنِعُ اخْتِبَارُ الْمَحَلِّ لِوُجُودِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيُنَزَّلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ فَمَهُ النَّجِسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ لِيَغْسِلَ " كُلَّ مَا " هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَلَا " يَبْتَلِعَ " طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ أَكَلَ نَجِسًا أَوْ شَرِبَ نَجِسًا .
انْتَهَى .
وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ يُغْفَلُ عَنْهُ .
" الثَّامِنُ " : إنْ تَنَاوَلَهُ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ : فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ بِأَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، " وَقَالَ الْإِمَامُ " وَإِنْ أُسِرَ رَجُلٌ فَحُمِلَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى .
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَقِفْ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى نَصِّهِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ فَقَالَ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " " عَلَى " أَنَّ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهَا " فَيُحْتَمَلُ " أَنَّهُ إنَّمَا " أَوْجَبَ " الِاسْتِقَاءَةَ لِخَوْفِ السُّكْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَبَنَى عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ مَا لَوْ أَكَلَ نَجِسًا هَلْ يَجِبُ قَذْفُهُ إنْ " عَلَّلْنَا " بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ أَوْ بِالْإِسْكَارِ فَلَا ، وَهَذَا الْبَحْثُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحَلِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي وُجُوبِ التَّقَيُّؤِ وَجْهَانِ صَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاسْتِحْبَابَ ، وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ الْوُجُوبُ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْأَصْحَابُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى .
قُلْت : نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَنْ " صَاحِبِ الْإِيضَاحِ " ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ حَصَلَتْ فِي " مَعْدِنِهَا " فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ الَّذِي فِي الْمَعِدَةِ .
ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا " بِخِلَافِ " النَّصِّ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا " قَالَ " الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ دَمًا تَحْتَ الْجِلْدِ وَثَبَتَ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ انْتَهَى ، وَنَقَلَ فِي التَّتِمَّةِ الْوُجُوبَ عَنْ النَّصِّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ
التَّعَدِّيَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِدَامَةِ فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ تَنَاوُلِهِ مُحَرَّمًا كَانَ اسْتِدَامَتُهُ لِتَكَامُلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا " مُحَرَّمًا " وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَمَّا الْخَمْرُ فَيَجِبُ قَذْفُهَا بِلَا خِلَافٍ إنْ خِيفَ مِنْهَا السُّكْرُ لَوْ تَرَكَهَا فِي جَوْفِهِ ، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهَا قَدْرًا لَا يُسْكِرُ " فَهَذَا " هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ .
وَيُحْمَلُ " أَيْضًا كَلَامُ " الشَّافِعِيِّ فِي الشُّرْبِ عَلَى مَا إذَا " كَانَ " السُّكْرُ يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ صَلَوَاتٍ كَمَا إذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ شَخْصٍ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ بُكْرَةً لَا يَصْحُو " إلَّا " إلَى عَشِيَّةٍ وَصَارَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ مَنْ عَادَتُهُ " إذَا لَعِبَ " بِالشِّطْرَنْجِ يَنْسَى الصَّلَاةَ أَنَّهُ يَعْصِي بِالنِّسْيَانِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهُ زَالَ عَنْهُ " قَبْلَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ " ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ حَقًّا وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ اسْتَحَبَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ مَنْ أَكَلَ حَرَامًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، وَأَجَابَ عَنْ تَقَيُّؤِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قِيلَ " لَهُ " : إنَّ " اللَّبَنَ " مِنْ الصَّدَقَةِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ تَحْرِيمَهَا عَلَى الْإِمَامِ ، وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " وَكَيْلَا " يَسْتَدِيمَ " الِاغْتِذَاءُ " وَالِانْتِفَاعُ بِالْحَرَامِ .
التَّاسِعُ " : النَّجَاسَةُ مَا دَامَتْ فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحُكْمِ النَّجَاسَةِ فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي حَيَوَانًا طَاهِرًا حَيًّا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَكَذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهَا فِي تَنْجِيسِ مَا لَاقَتْهُ وَتَنْجِيسُهَا بِمَا لَاقَاهَا مِنْ نَجَاسَةٍ هِيَ أَغْلَظُ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ لَحْمَ كَلْبٍ أَنْ يَغْسِلَ دُبُرَهُ كُلَّمَا تَغَوَّطَ أَوْ بَالَ وَلَمْ " يَتَنَجَّسْ " اللَّبَنُ الْمُلَاقِي " لِلْفَرْثِ " فِي الْبَطْنِ .
وَلَمْ يَنْجُسْ " الْمَنِيُّ " وَإِنْ مَرَّ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ ، وَلَمْ تَنْجُسْ " النُّخَامَةُ " " النَّازِلَةُ " مِنْ الرَّأْسِ بِجَرَيَانِهَا فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ بَعْدَ مَا جَرَى فِيهَا دَمُ الرُّعَافِ وَغَسْلُ ظَاهِرِ " الْأَرْضِ " " ، وَمِنْ " هَذَا قَالَ فِي الْبَسِيطِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ مَعْنَى الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ أَنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ هَلْ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمٌ وَهَلْ يُقَدَّرُ خُرُوجُهَا فَإِنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَثْبُتُ مَا " دَامَتْ " الْفَضْلَةُ فِي الْبَاطِنِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إنْ قِيلَ : لِمَ قَطَعْتُمْ بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ مِنْهَا قُلْنَا مَا " يَحْوِيهِ " الْبَاطِنُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَلَكِنَّ تَحْرِيمَ النَّجَاسَةِ مِنْ قَبِيلِ " الِاجْتِنَابِ " فَلَا يَبْعُدُ سُقُوطُهُ " بِالضَّرُورَاتِ " ، وَلِهَذَا نَقَلَ " الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ النَّسَوِيُّ " فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : الشَّرِيعَةُ تَقْضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَاطِنِ " الْإِنْسَانِ " نَجَاسَةٌ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ مِمَّا " خَلَقَهُ " اللَّهُ " تَعَالَى " أَمَّا نَجِسٌ أَدْخَلَهُ الْإِنْسَانُ تَعَدِّيًا إلَى بَاطِنِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَجِسًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ فَلَاقَى الْبَاطِنَ فَنَجَّسَهُ " ثُمَّ تَطْهِيرُهُ " مُتَعَذِّرٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ " تَنَجَّسَ " بِمُلَاقَاتِهِ لِنَجِسٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ .
قُلْت : وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ
بَلْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ أَشَارَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي الْأُمِّ إلَى أَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، فَقَالَ : لَوْ وُجِدَ حُوتٌ فِي بَطْنِ سَبُعٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ حُوتٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَطْهِيرِ ظَاهِرِهِ ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْوَلَدِ وَالْبَيْضَةِ حَيْثُ قَالَ : لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهَا ، وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الْمِنْهَاجِ فِي الْخِلَافِ فَمَنَعَ قَوْلَهُمْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ " أَنَّ " مَنْ أَكَلَ شَيْئًا ثُمَّ قَذَفَهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَلَمْ تُنَجِّسْهُ إلَّا مُلَاقَاةُ مَا فِي الْمَعِدَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ أَلْقَتْ الْبَهِيمَةُ حَبًّا عَلَى هَيْئَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ لَنَبَتَ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : لَوْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ الْمَذِرَةَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ " صَلَاتُهُ " فِي الْأَصَحِّ نَعَمْ لَا بُدَّ فِي " هَذَا " الْأَصْلِ السَّابِقِ مِنْ قَيْدَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَأَمَّا الْمَوْتُ فَيَنْجُسُ .
وَلِهَذَا لَوْ مَاتَتْ بَهِيمَةٌ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ " تَنَجَّسَ " " بِمُلَاقَاتِهِ " النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " : لَا يَنْجُسُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ ، وَقَالَ : إنَّ الْإِنْفَحَةَ إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَيْتَةِ كَانَتْ طَاهِرَةً وَإِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ لَبَنِ الْمَأْكُولِ فَأَكَلَ نَجَاسَةً فَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِنَجَاسَتِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِمَا سَبَقَ فِي لَحْمِ الْكَلْبِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّذْكِرَةِ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ
النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا ثُمَّ تُقَيَّأهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قَالَ : وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّبَنَ يُلَاقِي الْفَرْثَ وَالدَّمَ بَلْ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فِي الْبَاطِنِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَتَّصِلَ بِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ ظَاهِرٌ فَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا كَمَا لَوْ بَلَعَ خَيْطًا فَوَصَلَ طَرْفُهُ إلَى مَعِدَتِهِ وَطَرْفُهُ الْآخَرُ " خَارِجٌ أَوْ أُدْخِلَ " فِي دُبُرِهِ عُودًا وَبَقِيَ بَعْضُهُ خَارِجًا وَصَلَّى فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَبْطُلُ .
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا وَفِي فِيهِ خَيْطٌ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ بِبَاطِنِهِ فَهَذَا إنْ نَزَعَهُ بَطَلَ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ " اسْتَقَاءَ " عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ جَذَبَهُ وَغَسَلَ فَمَهُ وَصَلَّى مُرَاعَاةً " لِمَحَلِّ " الصَّلَاةِ وَيَقْضِي الصَّوْمَ وَهَذَا مِنْهُمْ تَقْدِيمٌ لِلصَّلَاةِ ، وَعَكَسُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ " بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ " .
فُرُوعٌ : لَوْ أَدْخَلَتْ عُودًا فِي فَرْجِهَا وَتَرَكَتْ بَعْضَهُ خَارِجًا " وَصَلَّتْ " صَحَّتْ صَلَاتُهَا إنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ بَاطِنِ فَرْجِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ .
وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ خَارِجًا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ بَاطِنِ ذَكَرِهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَصَحَّ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ أَوْ " فِي " فَرْجِهَا وَهَذَا لَا يَظْهَرُ تَوْجِيهُهُ وَلَعَلَّ الْمُصَحِّحَ لِذَلِكَ يَرَى نَجَاسَةَ بَاطِنِ الْفَرْجِ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ غَيَّبَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوءُهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ " كَانَ " يَرَى الْقُطْنَ فِي الْإِحْلِيلِ فَلَوْ كَانَ بَاطِنُ الذَّكَرِ نَجِسًا لَمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ " لِحَمْلِهِ " النَّجَاسَةَ .
وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِاتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ .
وَلَوْ غَرَزَ إبْرَةً فِي لَحْمِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا خَارِجًا وَصَلَّى فَكَمَا لَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ لِاتِّصَالِ الْإِبْرَةِ بِالدَّمِ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ .
وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالظَّاهِرِ مِنْ الْبَاطِنِ مَا لَوْ شَقَّ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ " وَحَصَلَ مِنْهُ دَمٌ " وَبَنَى عَلَيْهِ اللَّحْمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُهُ وَإِخْرَاجُهُ ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْلِهِ " وَاسْتَتَرَ " أَصْلُهُ بِالْجِلْدِ وَمَسَّهُ فَإِنَّ الْوُضُوءَ يُنْتَقَضُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا لَوْ وَشَمَ يَدَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْطُهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَا غُسْلُهُ مَا دَامَ الْوَشْمُ بَاقِيًا .
تَنْبِيهٌ : " هَذَا " لَا يَخْتَصُّ " بِالْحَيَوَانِ " .
وَلِهَذَا قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ سُقِيَتْ سِكِّينُ مَاءً نَجِسًا ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ طَهُرَتْ ؛ لِأَنَّ " الطِّهَارَاتِ " كُلَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَا عَلَى الْأَجْوَافِ ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَنُقِلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ قَالَ هَذَا خِلَافُ أُصُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ " يَقُولُ " فِي الْآجُرِّ إذَا عُجِنَ بِبَوْلٍ وَطُبِخَ : إنَّهُ لَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِالْغُسْلِ .
انْتَهَى .
وَهَذَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ السِّكِّينَ لَا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ " فِي " بَاطِنِهَا فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ " الْوُسْعِ " فَاكْتَفَى بِغَسْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا الْآجُرَّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهِ بِأَنْ يُدَقَّ وَيُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي الْجِلْدِ إذَا دُبِغَ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَإِنْ كَانَ الدِّبَاغُ لَا يُبَاشِرُهُ وَلَا يُمْكِنُ إيرَادُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا نَعَمْ قَدْ يُشْكَلُ عَلَى النَّصِّ مَسْأَلَةُ إدْخَالِ الدَّمِ تَحْتَ جِلْدِهِ إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ ، " وَلِذَلِكَ " لَوْ حَمَلَ بَيْضَةً صَارَ بَاطِنُهَا دَمًا وَظَاهِرُهَا طَاهِرٌ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ ، كَالنَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ إذَا حَمَلَهَا بِخِلَافِ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ " لِلْحَيَاةِ أَثَرًا " فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا الْبَيْضَةُ فَجَمَادٌ .
وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ عُنْقُودًا اسْتَحَالَ بَاطِنُ حَبَّاتِهِ خَمْرًا وَلَا رَشْحَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ " وَجْهًا " أَنَّ " بَوَاطِنَ " حَبَّاتِ الْعُنْقُودِ مَعَ اسْتِحَالَتِهِ خَمْرًا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِمَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي الْعَنَاقِيدِ إذَا اسْتَحَالَ بَاطِنُهَا وَاشْتَدَّ وَجْهَيْنِ فِي بَيْعِهَا وَطَرْدُهُ فِي الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ ، ثُمَّ رُوجِعَ الْقَاضِي فِي نَجَاسَتِهَا فَتَوَقَّفَ قَالَ
الْإِمَامُ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّهُ لَوْ " انْفَصَلَ " مَا فِي الْبَاطِنِ لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ ، وَالِانْفِصَالُ لَا يُوجِبُ وُرُودَ " نَجَاسَةٍ " فَلَا يَلِيقُ بِالْمَذْهَبِ إلَّا نَجَاسَتُهَا ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْقَاضِي فَهُوَ يُضَاهِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ الدِّمَاءَ فِي الْعُرُوقِ الَّتِي فِي " جِلْدِ " اللَّحْمِ لَيْسَتْ " بِنَجِسَةٍ " فَإِذَا سَفَحَ وَسَالَ حَكَمَ بِالنَّجَاسَةِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالدَّمِ " فَإِنَّا " إذَا قَطَعْنَا بِنَجَاسَةِ الْبَوَاطِنِ وَتَرَدَّدْنَا فِي جَوَازِ " الْبَيْعِ " فَلَا وَجْهَ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ الْبَيْضَةِ طَاهِرٌ وَالنَّجَاسَةُ مُسْتَتِرَةٌ اسْتِتَارَ خِلْقَةٍ وَالْبَيْضَةُ فِي نَفْسِهَا صَائِرَةٌ إلَى " رُتْبَةِ " الْفَرْخِ فَيُضَاهِي " امْتِنَاعَ الْعُصْفُورِ " وَجَنَّبُوهُ النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ ، وَكَذَلِكَ الْعُنْقُودُ ظَاهِرُهُ طَاهِرٌ وَمَقْصُودُهُ آيِلٌ إلَى " الْحُمُوضَةِ " وَهُوَ مُنْتَظَرٌ فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ بِأَنَّ بَاطِنَ الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ طَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الصَّلَاةَ مَعَهَا .
قُلْنَا : جَوَازُ الصَّلَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ بَوَاطِنِهَا فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْعُصْفُورِ الَّذِي فِي بَاطِنِهِ النَّجَاسَةُ فَتَصِحُّ فِيهَا وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِاسْتِتَارُ الْخِلْقِيُّ .
فَرْعٌ : هَلْ يَجُوزُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ " يَمْحُوهُ وَيَشْرَبُهُ " بِالْمَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : لَا يَجُوزُ لِمَا يُلَاقِي مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِي بَاطِنِ الْمَعِدَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِجَوَازِ أَكْلِ الطَّعَامِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ، قَالَ : وَمَا يُكْتَبُ عَلَى الْحَلْوَى وَالْأَطْعِمَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ مِنْهُ .
" الْعَاشِرُ " : كُلُّ مَا نَجَّسَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " نَجَّسَ " الْمَائِعَ ، أَمَّا مَا لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " هَلْ " يُنَجِّسُ الْمَائِعَ ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ " قَدْ " صَرَّحُوا بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ ، وَذَكَرَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي صُورَةِ الْهِرَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَسَمِعْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَحْكِي التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْإِيضَاحِ " لِلْجَاجَرْمِيِّ " .
وَالْحَيَوَانُ إذَا كَانَ بِمَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَائِعِ فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ .
" الْحَادِي عَشَرَ " : النَّجِسُ هَلْ يَتَنَجَّسُ ؟ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، لَكِنِّي " اسْتَخْرَجْتهَا " مِنْ الْخِلَافِ فِي فُرُوعٍ : مِنْهَا لَوْ تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ بِالْوُلُوغِ ثُمَّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَهَلْ تَكْفِي السَّبْعُ أَمْ يُغْسَلُ لَهَا ثُمَّ يُغْسَلُ لِلْكَلْبِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَقِفْ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَكْفِي بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ .
وَمِنْهَا : لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ " نَجِسٍ " فَهَلْ يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ كَمَا قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ كَمَا كَانَ كَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَالْحَجَرُ تَخْفِيفٌ فَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَقَعَ فِي الْخَمْرِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ كَالْعَظْمِ ، وَنُزِعَ " مِنْهَا " ثُمَّ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا لَمْ تَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَعَزَاهُ لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَفِي هَذَا جَزَمَ بِتَنْجِيسِ النَّجِسِ وَفِي الثَّانِي " بِتَرْجِيحِهِ " وَفِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ وَالضَّابِطُ : أَنَّ النَّجَاسَةَ إمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا وَتَحْتَهُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تُرَدَّ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْمُخَفَّفَةِ فَالْعَمَلُ لَا بِالْمُغَلَّظَةِ " قَطْعًا " كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي إنَاءٍ ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَيَكْفِي غَسْلُهُ سَبْعًا " مَعَ " التَّعْفِيرِ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ كَلْبٍ لَا يُجْزِيهِ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ وَالصَّوَابُ غَسْلُهُ سَبْعًا .
الثَّانِي : أَنْ تُرَدَّ الْمُخَفَّفَةُ عَلَى الْمُغَلَّظَةِ فَفِيهَا الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ إلْغَاءُ الْمُخَفَّفَةِ ،
وَأَمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً عَلَى مِثْلِهَا فَخِلَافٌ كَمَا وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَلَغَ آخَرُ فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْجَمِيعِ سَبْعٌ .
وَلَوْ وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى مِنْ فَضَلَاتِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ فَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُ الْأَوْجُهِ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ وُلُوغُ كِلَابٍ ، " وَنَظِيرُهُ " الْوَجْهُ الثَّالِثُ هُنَا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الْمُتَكَرِّرُ وُقُوعُهَا مِنْ كَلْبٍ وَاحِدٍ وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِالسَّبْعِ قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ غَلَّظَ فِي أَمْرِ الْوُلُوغِ حَتَّى لَا " يُسْتَثْنَى " الْكِلَابُ .
وَلِهَذَا اخْتَارَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي سَائِرُ فَضَلَاتِ الْكَلْبِ مَا عَدَا الْوُلُوغَ مَرَّةً وَاحِدَة قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ .
وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً عَلَى مِثْلِهَا فَلَا أَثَرَ لِلتَّعَدُّدِ قَطْعًا إلَّا فِي صُورَةٍ فِيهَا خِلَافٌ وَهِيَ الْبَوْلُ يُصِيبُ الْأَرْضَ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْبَائِلِينَ فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ اُعْتُبِرَ ذَنُوبَانِ وَهَكَذَا تَتَعَدَّدُ الذَّنُوبُ " بِتَعَدُّدِ " الْأَشْخَاصِ .
" الثَّانِي عَشَرَ " فِي النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهُمَا " مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَكَذَا دَمُ الْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ " لَهُ شَرْطَانِ " : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ بِفِعْلِهِ فَلَوْ كَانَ بِفِعْلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ فَتَلَوَّثَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْبَسْ الثَّوْبَ بَلْ حَمَلَهُ وَكَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَيَلْتَحِقُ بِالْبَرَاغِيثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَمُ الْبَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا حَتَّى لَوْ " عَصَرَهُ " وَكَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ دَمُ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مِنْهُ .
" وَثَانِيهِمَا " أَنْ لَا يَتَفَاحَشَ بِالْإِهْمَالِ فَإِنَّ لِلنَّاسِ عَادَةً فِي غَسْلِ الثِّيَابِ كُلَّ حِينٍ فَلَوْ تَرَكَ غَسْلَ الثَّوْبِ سَنَةً مَثَلًا وَهُوَ يَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ قَالَهُ الْإِمَامُ وَمِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الْبَلْغَمُ إذَا كَثُرَ وَالْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا اُبْتُلِيَ بِهِ وَنَحْوُهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ الدَّائِمُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلِسِ الْبَوْلِ ، وَكَذَا أَوَانِي الْفَخَّارِ الْمَعْمُولَةِ بِالزِّبْلِ لَا تَطْهُرُ ، وَقَدْ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " بِمِصْرَ فَقَالَ : إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ " وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ " .
الثَّانِي : مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْأَجْنَبِيِّ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ ثُمَّ أَصَابَهُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فِي الْأَصَحِّ دُونَ كَثِيرِهِ قَطْعًا ، وَكَذَلِكَ طِينُ الشَّوَارِعِ الْمُتَيَقَّنِ بِنَجَاسَتِهَا " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ ، وَالْقَلِيلُ مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ لَا يُعْفَى عَنْ التَّغَيُّرِ
الْكَثِيرِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ دُونَ عَيْنِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَكَذَلِكَ بَقَاءُ رِيحِ النَّجَاسَةِ أَوْ لَوْنِهَا إذَا عَسِرَ زَوَالُهُ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ وَلَا عَيْنِهِ وَلَا قَلِيلِهِ وَلَا كَثِيرِهِ وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ .
تَقْسِيمٌ آخَرُ : الْمَعْفُوُّ عَنْهُ أَقْسَامٌ : أَحَدُهَا : يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ صُورَةً : مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا كَالدُّودِ وَالْخُنْفُسَاءِ أَصْلًا ، أَوْ لَهَا دَمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَسِيلُ كَالْوَزَغِ ، وَغُبَارِ النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ ، وَقَلِيلِ دُخَّانِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ أُوقِدَ نَجَاسَةٌ تَحْتَ " الْمَاءِ " وَاتَّصَلَ بِهِ قَلِيلُ دُخَّانٍ لَمْ يَنْجُسْ وَقَلِيلُ الشَّعْرِ ، وَقَلِيلُ الرِّيشِ النَّجِسِ لَهُ حُكْمُ الشَّعْرِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ إلَّا أَنَّ أَجْزَاءَ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حُكْمُ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْهِرَّةُ إذَا وَلَغَتْ بَعْدَ أَكْلِهَا فَأْرَةً ، وَأَلْحَقَ الْمُتَوَلِّي السَّبُعَ بِالْهِرَّةِ ، وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ مَعَ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهَا خَرَّجَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَفْوَاهُ الْمَجَانِينِ كَالصِّبْيَانِ ، وَإِذَا " وَقَعَ " فِي الْمَاءِ طَيْرٌ عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ " يَتَعَذَّرُ " صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِانْكِمَاشِهِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَنْفَذِ الطَّيْرِ وَعَلَيْهِ ذَرْقٌ عُفِيَ عَنْهُ .
وَإِذَا نَزَلَ الطَّائِرُ فِي الْمَاءِ وَغَاصَ وَذَرَقَ فِيهِ الْعَفْوُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ طَرَفُ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَيَدُلُّ لَهُ " مَا " سَنَذْكُرُهُ فِي السَّمَكِ " عَنْ " الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ سَمَكًا فِي جُبٍّ مَا ثُمَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ " يَبُولُ " فِيهِ " أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ
لِلضَّرُورَةِ .
وَفِي تَعْلِيقِ الْبَنْدَنِيجِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ " عَنْهُ " لَا يُمْكِنُ ، وَحَكَى الْعِجْلِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ الْمُنْفَذِ فِي الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ عَدَمُ التَّنْجِيسِ مُسْتَدِلًّا " بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمَقْلِ الذُّبَابِ " .
ثُمَّ قَالَ : وَلِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ وَنِيمَ الذُّبَابِ يَسِيرٌ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، وَإِذَا شَرِبَ مِنْ الْمَاءِ طَائِرٌ عَلَى فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تَتَخَلَّلْ " عَيْنَيْهِ " فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْمُنْفَذِ لِتَعَذُّرِ صَوْنِهِ عَنْهُ وَوَنِيمُ الذُّبَابِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُسْرِ صَوْنِهِ .
وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْخُفَّاشِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْمَائِعِ وَغُسَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَلَا زَائِدَةٍ الْوَزْنِ فَإِنَّهَا تَكُونُ طَاهِرَةً مَعَ أَنَّهَا لَاقَتْ نَجِسًا .
الْقِسْمُ الثَّانِي : مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ دُونَ الثَّوْبِ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا " سَائِلٌ " وَخُرْءِ السَّمَكِ وَمُنْفَذِ الطَّائِرِ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ وَهُوَ الدَّمُ الْيَسِيرُ مِنْ سَائِر الدِّمَاءِ إلَّا دَمُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ طِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ ، فَلَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ " أَوْ غَمَسَ " يَدَهُ فِي الْمَاءِ وَعَلَيْهَا قَلِيلُ دَمِ بُرْغُوثٍ أَوْ قَمْلٍ ، أَوْ غَمَسَ فِيهِ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بُرْغُوثٍ تَنَجَّسَ وَفَرَّقَ " الْعِمْرَانِيُّ " بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْمَاءِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الثِّيَابَ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْأَوَانِي فَإِنَّ صَوْنَهَا مُمْكِنٌ بِالتَّغْطِيَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ كُلَّ وَقْتٍ يَقْطَعُهَا فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِيهَا بِخِلَافِ الْمَاءِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي فِيهِ دَمُ
بُرْغُوثٍ يُصَلَّى فِيهِ وَلَوْ وَضَعَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ " يُنَجِّسُهُ " فَيَحْتَاجُ الَّذِي يَغْسِلُهُ أَنْ يُطَهِّرَهُ " بَعْدَ " الْغَسْلِ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ مَا عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ حَتَّى لَوْ سَالَ بِعَرَقٍ وَنَحْوِهِ وَوَقَعَ فِي الثَّوْبِ " عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ " وَلَوْ اتَّصَلَ بِالْمَاءِ نَجَّسَهُ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا أَدْرَكَهُ الطَّرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ " وَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ .
وَمِنْهُ : الْفَأْرَةُ الْمَيِّتَةُ وَقَلِيلُ دَمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ " بِخِلَافِ الْيَسِيرِ مِنْ شَعْرِهِمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّ إطْلَاقَهُمْ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا .
" الثَّالِثَ عَشَرَ " .
فِي النَّجَاسَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ : فَمِنْهَا : مَا يَسْتَحِيلُ حَيَوَانًا فَيَطْهُرُ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي دُودِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَوَلَّدَ حَيَوَانٌ مِنْ نَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ كَالْكَلْبِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَدُودُ الْمَيْتَةِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ مُتَنَجِّسُ الظَّاهِرِ .
" وَمِنْهَا " : الْبَيْضَةُ إذَا صَارَتْ دَمًا فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا " اسْتَحَالَتْ " فَرْخًا طَهُرَتْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْرَى فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ .
وَمِنْهَا : الْعَذِرَةُ إذَا أَكَلَهَا التُّرَابُ وَصَارَتْ تُرَابًا أَوْ أُلْقِيَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا لَمْ يَطْهُرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَجْهًا .
وَقَدْ يَسْتَحِيلُ الطَّاهِرُ نَجِسًا كَالْبَيْضَةِ تَصِيرُ دَمًا ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاهِرًا مَأْكُولًا " يَسْتَحِيلُ " " إلَى " الْحَيَاةِ فَلَا يُؤْكَلُ كَبَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازًا أَكْلُهُ مَا دَامَ بَيْضًا ، وَإِذَا اسْتَحَالَ حَيَوَانٌ حَرُمَ أَكْلُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاةَ قِسْمَانِ : رُوحَانِيَّةٌ وَنَبَاتِيَّةٌ ، وَاسْتِحَالَةُ الْحَيَاةِ " إلَى " الْأُولَى مُقْتَضِيَةٌ لِلطَّهَارَةِ وَاسْتِحَالَتُهَا إلَى الثَّانِيَةِ كَالزَّرْعِ النَّابِتِ بِالنَّجَاسَةِ " قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لَكِنْ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ " الْمُجَاوِرَةِ ، فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ، وَإِذَا سَنْبَلَ فَحَبَّاتُهُ الْخَارِجَةُ طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهَا وَهَكَذَا الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَنَحْوُهُمَا يَكُونُ طَاهِرًا وَلَا حَاجَةَ لِغَسْلِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَهَكَذَا الشَّجَرَةُ إذَا سُقِيَتْ مَاءً نَجِسًا فَأَغْصَانُهَا وَأَوْرَاقُهَا وَثِمَارُهَا طَاهِرَةٌ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ فَرْعُ الشَّجَرَةِ .
وَنَمَاؤُهَا .
انْتَهَى ، " وَحَكَى الْعِمْرَانِيُّ " عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ الْبَقْلَ النَّابِتَ فِي النَّجَاسَةِ نَجِسُ الْعَيْنِ كَقَوْلِهِ
فِي دُودِ الْمَيْتَةِ : إنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ .
ثُمَّ عَلَى الْمَذْهَبِ " ظَاهِرُ " مَا أَطْلَقُوهُ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا وَيَظْهَرُ تَقْيِيدُهَا وَتَقْيِيدُ حِلِّ الْأَكْلِ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْحَبِّ أَوْ الْبَقْلِ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ ، وَكَذَا فِي الثِّمَارِ الْمَسْقِيَّةِ بِالنَّجِسِ لَا سِيَّمَا شَجَرَ الْعِنَبِ وَالْبِطِّيخِ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافُ الْجَلَّالَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ إذَا بَلَّ الْفُولَ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يُجَفَّفَ وَيُنْقَعَ ثَانِيًا " فِي مَاءٍ " طَهُورٍ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَشَرُّبِ الْحَبِّ النَّجَاسَةَ مِنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَزْرُوعًا وَبَيْنَ مَا يَشْرَبُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِتَرْبِيَةِ الزَّرْعِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّنْجِيسَ كَمَا لَوْ احْتَاجَ إلَى عَلَفِ الْجَلَّالَةِ يَنْجُسُ فَإِنَّ فِيهَا الْخِلَافَ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ " يُنْقَعَ " الْحَبُّ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ " يُصَلِّي مَعَ النَّجَاسَةِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : مَا لَا تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى ثِيَابٍ دَمُ الْبَرَاغِيثِ ، أَوْ بَقِيَ أَثَرُ مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ .
وَمِنْهَا : مَا تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ أَوْ " وَجَدَ " - وَخَافَ التَّلَفَ أَوْ عَلِمَ بِهَا ثُمَّ " نَسِيَهَا " أَوْ جَهِلَ مُلَابَسَتَهُ إيَّاهَا ثُمَّ عَلِمَ .
النَّذْرُ الْمُطْلَقُ هَلْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ جَائِزِهِ ؟ قَوْلَانِ : قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ : وَقَوْلُهُمْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَيْ فِي الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُوبِ الْأَصْلِ ، وَعَنَوْا بِجَائِزِ الشَّرْعِ هَا هُنَا الْقُرُبَاتِ الَّتِي " جُوِّزَ " تَرْكُهَا انْتَهَى .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ النَّذْرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ حُكْمَهُ كَالْجَائِزِ فِي الْقُرُبَاتِ أَوْ كَالْوَاجِبِ فِي أَصْلِهِ .
قُلْت : " وَالْأَرْجَحُ غَالِبًا " حَمْلُهُ " عَلَى الْوَاجِبِ ، وَلِهَذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرْضٍ وَمَنْذُورَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَلَا يُصَلِّي الْمَنْذُورَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى الْأَصَحِّ " فِيهَا " .
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً " لَزِمَهُ " رَكْعَتَانِ وَجَبَ عَلَى مَنْ نَذَرَ الصَّوْمَ التَّبْيِيتُ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ : إذَا قُلْنَا : يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ صَحَّ مِنْ النَّهَارِ كَالتَّطَوُّعِ ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ يَجِبُ كَمَا فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ .
وَلَوْ نَذَرَ هَدْيَ شَيْءٍ مِنْ النَّعَمِ اُشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الْأُضْحِيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ كَمَا لَا يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبَةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ .
وَلَوْ نَذَرَ بَدَنَةً فَفِي قِيَامِ بَقَرَةٍ أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ مَقَامَهَا أَوْجُهٌ .
أَحَدُهَا : لَا " وَالثَّانِي : نَعَمْ وَالْأَصَحُّ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ الْإِبِلَ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا أَوْ لَا يَجِدُ فَيَجُوزُ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ لَمْ تُشْتَرَطْ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنْ " عُيُوبِ الْكَفَّارَةِ " فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ " جَازَ " فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثَةُ :
لَوْ نَذَرَ صَوْمًا كَفَاهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ حَمْلًا عَلَى الْجَائِزِ ، وَقِيلَ : يَكْفِيهِ بَعْضُ يَوْمٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ " صَوْمِ " ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَمْلًا عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ .
الرَّابِعَةُ : لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ كَفَاهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَلِطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي تَخْرِيجِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَزَادَ وَلَا يُقَالُ : " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " لَكِنْ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يُقَالُ .
السَّادِسَةُ : لَوْ أَصْبَحَ مُمْسِكًا غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ثُمَّ نَذَرَ أَنْ يَنْوِيَ وَيَصُومَ لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَلَيْسَ لَنَا صَوْمٌ وَاجِبٌ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَّا هَذَا وَيُنَزَّلُ ذَلِكَ عَلَى جَائِزِ الشَّرْعِ وَهُوَ صِحَّةُ الصَّوْمِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَكْعَةٌ تَنْزِيلًا عَلَى الْجَائِزِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ " الْقِيَامُ " وَلَا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ فَإِنَّ الْخِلَافَ هُنَاكَ " مِنْ " النَّذْرِ الْمُطْلَقِ .
السَّابِعَةُ : لَوْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ النَّذْرِ عَامِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ " الْيَوْمِ " عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ وَجَعَلَا الْإِمْسَاكَ مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ وَكَانَ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، حَتَّى إنَّهُ يَجِبُ إذَا " سَلَكْنَا " بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ وَقَدْ سَبَقَ عَنْ نَصِّ الْبُوَيْطِيِّ .
النِّسْيَانُ عُذْرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي إيجَادَ الْفِعْلِ فَمَا ( لَمْ ) يُفْعَلْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَفَّ .
فَالْمَفْعُولُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَلَا قَصْدٍ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَلِأَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ ( يُمْكِنُهُ ) تَلَافِيهِ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ ( فَلَزِمَهُ ) وَلَمْ يُعْذَرْ فِيهِ بِخِلَافِ ( الْمَنْهِيِّ ) إذَا ارْتَكَبَهُ ( فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ) تَلَافِيهِ إذْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ نَفْيُ فِعْلٍ حَصَلَ فِي الْوُجُودِ فَعُذِرَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَمْرِ رَجَاءُ الثَّوَابِ فَإِذَا لَمْ ( يَأْتَمِرْ ) لَمْ يُرْجَ لَهُ ثَوَابُهُ بِخِلَافِ النَّهْيِ فَإِنَّ سَبَبَهُ خَوْفُ الْعِقَابِ ؛ لِأَنَّهُ لِهَتْكِ الْحُرْمَةِ ، وَالنَّاسِي لَا يَقْتَضِي فِعْلُهُ هَتْكَ حُرْمَةٍ فَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابُ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ نَاسِيًا ( وَالصَّوْمُ بِالْأَكْلِ نَاسِيًا ) وَكَمَا فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ( وَكَأَنْ يُعْذَرَ ) فِي الْيَمِينِ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) أَوْ بِالطَّلَاقِ بِالنِّسْيَانِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيَّاتِ .
وَمِنْ الثَّانِي : النِّيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ نَاسِيًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ، وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ، وَلَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ أَوَّلً الْوُضُوءِ تَدَارَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ أَعَادَ ، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ أَعَادَ ، أَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ وَهُوَ نَاسٍ لَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ ذَكَرَ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ رَقَبَةٌ وَهُوَ نَاسٍ فَصَامَ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّقَبَةَ ، وَلَوْ مَرَّ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ نَاسِيًا لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ ، نَعَمْ إذَا قُلْنَا : يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَى الدَّاخِلِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُ نَاسِيًا لَا
يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ نَاسِيًا مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْمَأْمُورَاتِ .
وَلَوْ تَعَاطَى سَبَبَ الْحَدَثِ نَاسِيًا كَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الصَّوْمِ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورِ .
وَلِهَذَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْمَأْمُورَاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ مَأْمُورًا بَلْ هُوَ مِنْ الْمَنْهِيِّ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكٌ وَيُتَصَوَّرُ مِنْ النَّائِمِ جَمِيعُ النَّهَارِ فَأَسْقَطَ الشَّرْعُ غَفْلَةَ النَّاسِي .
تَنْبِيهَاتٌ : الْأَوَّلُ : إنَّمَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ بِشُرُوطٍ : أَحَدُهَا " أَنْ لَا يَكْثُرَ فَإِنْ كَثُرَ ضَرَّ كَمَا فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَا الْأَكْلُ فِي الصَّوْمِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَهَلْ يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ فِيهِ نَظَرٌ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَسْبِقَهُ تَصْرِيحٌ بِالْتِزَامِ حُكْمِهِ كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الدَّارَ عَامِدًا وَلَا نَاسِيًا فَدَخَلَهَا نَاسِيًا حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ مَا وَسَّعَهُ الشَّرْعُ فَضَيَّقَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ فَهَلْ يَتَضَيَّقُ كَمَا لَوْ نَذَرَ النَّفَلَ قَائِمًا أَوْ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَالْأَصَحُّ لَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَيَّقُ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ حَالَةٌ مُذَكِّرَةٌ يُنْسَبُ مَعَهَا لِتَقْصِيرٍ وَإِلَّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ مَا لَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلظِّهَارِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكُونُ عَائِدًا ؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَتَذَكَّرَ تَصَرُّفَهُ فَلَا يُعْذَرُ فِي نِسْيَانِ الظِّهَارِ ، وَرَأَى الْبَغَوِيّ تَخْرِيجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي حِنْثِ النَّاسِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَحْسَنُ .
الثَّانِي : النِّسْيَانُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ فِي
الْإِتْلَافَاتِ لَا الضَّمَانُ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ نَاسِيًا .
الثَّالِثُ : يَلْحَقُ بِالنَّاسِي الْغَالِطُ إذَا أَتَى بِالْمُبْطِلِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا وَعِنْدَهُ قَدْ تَحَلَّلَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ ( فِيهَا ) نَاسِيًا ، وَلَوْ جَامَعَ الصَّائِمُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَبَانَ خِلَافُهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالنَّاسِي .
النَّظَرُ إلَى الظَّاهِرِ أَوْ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَطْعًا كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَبَرِئَ نَفَذَ قَطْعًا .
الثَّانِي : إلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
كَالْمَعْضُوبِ إذَا اسْتَنَابَ وَهُوَ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ثُمَّ بَرِئَ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَكْسُهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِزِيَادَةِ مَرَضٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ .
أَعْتَقَ مَنْ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ صَارَ بِصِفَةِ الْإِجْزَاءِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْإِمَامِ .
إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ قَضَوْا فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : النَّظَرُ لِلظَّاهِرِ فِي الْأَصَحِّ .
كَالْهَرَمِ إذَا أَطْعَمَ عَنْ الصَّوْمِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْهَرَمَ عَارِضٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَكَذَلِكَ إذَا زَنَى الْمَرِيضُ مَرَضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَحَدُّهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمَّ بَرِئَ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
النَّفَلُ فِيهِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : هُوَ قِسْمَانِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ أَوْ سَبَبٍ .
وَيَتَخَالَفَانِ فِي أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ وَذَلِكَ مَحْصُورُ الْعَدَدِ .
ثَانِيهَا : يَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعْيِينِ .
ثَالِثُهَا : لَا يَجُوزُ فِعْلُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يَنْعَقِدُ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُؤَقَّتِ .
الثَّانِي : النَّفَلُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الْفَرْضِ .
وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِيَامُ وَلَا الِاسْتِقْبَالُ فِي السَّفَرِ وَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ .
وَكَذَا لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى ، أَوْ أَرَادَ قَضَاءَ فَائِتَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ ثَانِيًا وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِلنَّافِلَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ( التَّهْذِيبِ ) ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ( الْفَرِيضَةِ ) لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ وَلَوْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ فَوَجْهَانِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حُرْمَةِ ( الْفَرِيضَةِ ) وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ .
وَقَدْ ( يُضَيَّقُ النَّفَلُ فِي صُوَرٍ ) ( تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ) وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ فِي ( الْفَرْضِ لِلضَّرُورَةِ ) .
مِنْهَا : يَمْتَنِعُ النَّفَلُ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ ( لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ) .
وَمِنْهَا : تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَعْضُوبِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ وَيَمْتَنِعُ فِي النَّفْلِ .
وَمِنْهَا : تُصَلِّي الْمُتَحَيِّرَةُ الْفَرْضَ وَتُمْنَعُ مِنْ النَّفْلِ عَلَى وَجْهٍ قَوِيٍّ ( وَيَجُوزُ ) التَّيَمُّمُ فِي الْفَرْضِ وَفِي النَّفْلِ خِلَافٌ وَسُجُودُ السَّهْوِ يُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ وَلِلشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَوْلٌ غَرِيبٌ : إنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلنَّفْلِ .
الثَّالِثُ : مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ هَلْ لَهُ ( التَّنَفُّلُ ) قَبْلَ أَدَائِهِ بِجِنْسِهِ أَمْ لَا ؟ هُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا " الْعِبَادَاتُ
الْمَحْضَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنْ كَانَتْ مُوَسَّعَةً جَازَ قَطْعًا وَإِنْ كَانَتْ مُضَيَّقَةً امْتَنَعَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرْضِ فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَالْقِيَاسُ بُطْلَانُهُ كَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ لَا يَبْتَدِئُ النَّافِلَةَ ، وَفِي مَعْنَى الشُّرُوعِ قُرْبُ إقَامَتِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَالْخَطِيبُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ ؛ لِئَلَّا يَفُوتَهُ أَوَّلُ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ .
وَمِنْهَا رَمَضَانُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ فَلَوْ نَوَاهُ لَمْ يَصِحَّ .
وَمِنْهَا لَيْسَ لَهُ التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَدَاءِ الْفَرْضِ فَلَوْ فَعَلَ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ .
الثَّانِي : الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إذَا فَعَلَهَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّا لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَهِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْمُرَجَّحِ .
وَمِنْهَا : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ .
النَّقْدُ وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قِيَمُ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي بَابِ السَّرِقَةِ فَإِنَّ الذَّهَبَ أَصْلٌ وَالْفِضَّةَ عُرُوضٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ وَقَالَ : لَا أَعْرِفُ مَوْضِعًا نَزَلَ الدِّرْهَمُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْعُرُوضِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ ، وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ يُضْمَنُ بِغَيْرِ النَّقْدِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْمُصَرَّاةُ .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ فَعَتَقَ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلسَّيِّدِ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ مِنْ إبِلِ الدِّيَةِ .
ثُمَّ فِي جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ إذَا رَاجَتْ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ يَجُوزُ عَلَى عَيْنِهَا وَيَمْتَنِعُ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَطْعًا ، وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهَا عَلَى الْأَقْوَى عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَيَمْتَنِعُ الْقِرَاضُ عَلَيْهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيَلْزَمُ النَّوَوِيَّ طَرْدُ اخْتِيَارِهِ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ ، وَأَمَّا قَرْضُهَا فَقَالَ فِي الْبَحْرِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا ، وَحَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا فِي التَّبْصِرَةِ لِلْجُوَيْنِيِّ وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْقِرَاضِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ التَّعَامُلِ بِهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ التَّبْصِرَةِ وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِقْرَاضِ إرْفَاقًا .
( وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ أَخْذُ الزَّائِدِ ) وَالنَّاقِصِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يُلْحَقُ بِالْمُعَاوَضَاتِ ، وَأَمَّا ضَمَانُهَا إذَا تَلِفَتْ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إذَا أُتْلِفَتْ الْمَغْشُوشَةُ لَا تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا بَلْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ ذَهَبًا وَقِيمَةُ الذَّهَبِ دَرَاهِمُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرَهُ فِي الدَّعْوَى بِهَا أَنَّهُ يَذْكُرُ قِيمَتَهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا جَعَلْنَاهَا مُتَقَوِّمَةً ، وَقَدْ حَمَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الدَّعَاوَى
كَلَامَ أَبِي حَامِدٍ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَعَلَّهُ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْشُوشَ مُتَقَوِّمٌ إنْ جَعَلْنَاهُ مِثْلِيًّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا نَشْتَرِطَ التَّعَرُّضَ لِلْقِيمَةِ ، وَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ وَإِلَّا فَمُتَقَوِّمَةٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا قَالَهُ فَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْمُعَامَلَةِ بِهَا وَبِهِ يَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مِثْلِيَّةً ، فَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ - لَا خِلَافَ فِيهِ - مَرْدُودٌ .
ضَابِطٌ فِي التَّعَامُلِ بِالْمَغْشُوشِ .
هُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : يُعْلَمُ الْخَالِصُ مِنْهُ لِلْمُتَعَامِلِينَ وَغَيْرِهِمْ فَيَجُوزُ عَيْنًا وَذِمَّةً .
وَالثَّانِي : يُجْهَلُ وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا غِشُّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي قِيمَتِهِ كَالنُّحَاسِ وَإِلَى مَا يَكُونُ مُسْتَهْلَكًا غَيْرَ مَقْصُودٍ كَالزِّئْبَقِ وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَمْتَزِجُ بِالْآخَرِ وَإِلَى مَا لَا يَمْتَزِجُ فَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ غَيْرَ مُمَازِجَةٍ لِلْغِشِّ مِنْ النُّحَاسِ وَإِنَّمَا الْفِضَّةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَالْمُعَامَلَةُ بِهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لَا عَيْنًا وَلَا فِي الذِّمَّةِ لِاسْتِتَارِ بَعْضِ الْمَقْصُودِ وَالْجَهَالَةِ بِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ مُمَازِجَةً لَمْ تَجُزْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْمَعْجُونَاتِ الْمَقْصُودَةِ أَجْزَاؤُهَا وَفِي جَوَازِهِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِلْجَهَالَةِ بِأَجْزَائِهَا كَتُرَابِ الصَّاغَةِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَعْجُونَاتِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ إذَا شُوهِدَتْ وَخَالَفَ تُرَابَ الصَّاغَةِ فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ الْمَقْصُودُ بِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ بِغَيْرِ ( مَقْصُودٍ فَإِنْ امْتَزَجَا لَمْ يَجُزْ فِي الذِّمَّةِ وَالْعَيْنِ كَتُرَابِ الصَّاغَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَزِجَا بَلْ كَانَ الْغِشُّ ) فِي بَاطِنِهَا وَالْفِضَّةُ عَلَى ظَاهِرِهَا جَازَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى عَيْنِهَا دُونَ الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ ( بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَلَا بَيْعُهَا بِالْخَالِصَةِ ) لِلرِّبَا ،
وَلَوْ أَتْلَفَهَا رَجُلٌ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهَا وَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا .
وَهَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ زَكَاةِ النَّقْدِ .
النَّكِرَةُ إذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } .
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) : ( لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ ) .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الطَّلْقَةَ مَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ أَضَافَهُ لِطَلْقَةٍ وَعَطَفَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : لَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلْقَةِ وَإِنْ كُرِّرَ فَيَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ ، وَالْقَاعِدَةُ الْبَيَانِيَّةُ تَشْهَدُ لِلْمُرَجِّحِ إلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ قَالَ : إنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ إنَّمَا دَخَلَ فِي الْأَبْعَاضِ لَا فِي الطَّلْقَاتِ وَالْأَبْعَاضُ مُتَغَايِرَةٌ وَإِنَّمَا تَغَايَرَتْ الطَّلْقَاتُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الطَّلْقَاتُ غَيْرَ مُتَغَايِرَةٍ لَأَتَى فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ قَالَ : وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ إذَا لَمْ يُعْطَفْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي لَمْ نَعْطِفْهُ عَلَى النِّصْفِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ لَفْظُ الْإِيقَاعِ وَلَا عُطِفَ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْإِيقَاعِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ؛ لَمْ تَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كَلَّمْت فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كَلَّمْت شَيْخًا فَأَنْتِ طَالِقٌ - فَكَلَّمَتْ ( مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْكُلُّ وَقَعَ ثَلَاثٌ لِاجْتِمَاعِ الصِّفَاتِ فِيهِ ) وَقِيَاسُ الْقَاعِدَةِ اعْتِبَارُ التَّعَدُّدِ .
وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رَغِيفٍ أَوْ رُمَّانَةٍ فَأَكَلَتْ نِصْفَيْ رُمَّانَتَيْنِ أَوْ نِصْفَيْ رَغِيفَيْنِ لَمْ يَقَعْ وَمِنْ مُشْكِلِهِ أَيْضًا مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ ، وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةٍ وَعَلَّقَ بِنِصْفٍ بِأَنْ قَالَ : إنْ أَكَلْت (
رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ أَكَلْت نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ - فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ) فَطَلْقَتَانِ لِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ .
وَلَوْ بَاعَ بِنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ لَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ صَحِيحٌ بَلْ لَهُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ كُلٍّ ، كَذَا أَطْلَقُوهُ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا صَرَّحَ بِالدِّرْهَمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ ، أَمَّا لَوْ صَرَفَهُ كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ دِينَارٌ صَحِيحٌ .
النُّكُولُ مَعَ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ كَالْإِقْرَارِ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ وَقَدْ أَطْلَقُوهُ وَلَهُ شُرُوطٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا كَمَنْ نَكَلَ عَنْ ( الْحَلِفِ ) عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ لَا يُحَدُّ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ كَالسَّرِقَةِ فَوَجْهَانِ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَالِفِ وَالنَّاكِلِ وَأَمَّا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ فَلَا يَتَعَدَّى لِيَخْرُجَ مَنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينِ نَفْيِ الْقَتْلِ فَلَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ إذَا حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ لَا التَّحْقِيقِيَّةِ .
ثُمَّ إذَا جَعَلْنَاهَا كَالْبَيِّنَةِ فَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَمُنَزَّلَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ مَقْبُولًا فِي حَقِّهِ قُبِلَتْ قَطْعًا كَمَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْمُفْلِسِ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا فَأَنْكَرَ فَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ قُلْنَا : كَالْإِقْرَارِ ، سُمِعَتْ وَكَذَلِكَ كَالْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْإِتْلَافِ أَوْ الدَّيْنِ قَبْلَ الْحَجْرِ لَقُبِلَتْ فَلْتُقْبَلْ ( الْبَيِّنَةُ ) أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا كَالْإِقْرَارِ وَأَوْلَى وَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ الْإِقْرَارُ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ لَمْ تُسْمَعْ فِي الْأَصَحِّ .
مِثَالُهُ ادَّعَى عَلَى الرَّاهِنِ أَنَّ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ جَنَى فَأَنْكَرَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ فَإِنْ قُلْنَا : كَالْإِقْرَارِ لَمْ يُسْمَعْ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يُسْمَعُ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ وَإِنْ قُلْنَا : كَالْبَيِّنَةِ فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ لَا تُسْمَعُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَدَّى إلَى ثَالِثٍ وَإِقْرَارُ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنَفَّذُ .
النِّيَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا ، وَهُوَ رَبْطُ الْقَصْدِ بِمَقْصُودٍ مُعَيَّنٍ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هِيَ قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ فَإِنْ قَصَدَهُ وَتَرَاخَى عَنْهُ فَهُوَ عَزْمٌ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ : أَمْرُ النِّيَّةِ سَهْلٌ فِي الْعِبَادَاتِ ( وَإِنَّمَا يَتَعَسَّرُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ ) ؟ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ أَوْ الْوَسْوَسَةِ فَحَقِيقَةُ النِّيَّةِ الْقَصْدُ إلَى الْفِعْلِ وَذَلِكَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ الْفِعْلُ اخْتِيَارِيًّا كَالْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بِقَصْدِهِ وَتَارَةً يَكُونُ بِسُقُوطِ الْإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِهِ بِصَدْمَةٍ فَهَذَا الْقَصْدُ يُضَادُّهُ الِاضْطِرَارُ وَالْقَصْدُ الثَّانِي كَالْعِلَّةِ لِهَذَا الْقَصْدِ وَهُوَ الِانْبِعَاثُ لِإِجَابَةِ الدَّاعِي كَالْقِيَامِ عِنْدَ رُؤْيَةِ إنْسَانٍ فَإِنْ قَصَدْت احْتِرَامَهُ فَقَدْ نَوَيْت تَعْظِيمَهُ وَإِنْ نَوَيْت الْخُرُوجَ ( إلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ نَوَيْت الْخُرُوجَ ) فَالْقَصْدُ إلَى الْقِيَامِ لَا يَنْبَعِثُ مِنْ النَّفْسِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْقِيَامِ غَرَضٌ ، فَذَلِكَ الْغَرَضُ هُوَ الْمَنْوِيُّ ، وَالنِّيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ فِي الْغَالِبِ أُرِيدَ بِهَا انْبِعَاثٌ لِلْقَصْدِ مُوَجَّهًا إلَى ذَلِكَ الْغَرَضِ ، فَالْغَرَضُ عِلَّةٌ وَقَصْدُ الْفِعْلِ لَا يَنْفَكُّ عِنْدَ الْخَطَرِ إذْ اللِّسَانُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ كَلَامٌ مَنْظُومٌ اضْطِرَارًا ، وَالْفِكْرُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ النِّيَّةِ فَهَذَا يُفِيدُك أَنَّ النِّيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ إجَابَةِ الْبَاعِثِ الْمُتَحَرِّكِ فَهَذَا تَحْقِيقُ نَوْعَيْ الْقَصْدِ ، فَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي عِلْمًا فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْقِيَامَ وَلَا التَّكْبِيرَ لَا يَقْصِدُ ، وَالْقَصْدُ الثَّانِي أَيْضًا يَسْتَدْعِي الْعِلْمَ بِأَنَّ الْغَرَضَ إنَّمَا يَكُونُ بَاعِثًا فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ الْغَرَضَ فَيُرْجَعُ إلَى الثَّانِي وَهُوَ النِّيَّةُ وَهِيَ خَطِرَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَعَدُّدٌ حَتَّى يَعْسُرَ جَمْعُهَا وَيُمْكِنُ اسْتِدَامَتُهَا بَلْ يَجِبُ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ إلَى
آخِرِهِ وَتَنْقَطِعُ اسْتِدَامَتُهَا بِضِدِّهَا وَهُوَ قَصْدٌ لِشَيْءٍ آخَرَ .
الثَّانِي : النِّيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى نِيَّةِ ( التَّقَرُّبِ ) وَنِيَّةِ التَّمْيِيزِ .
فَالْأُولَى : تَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ وَهُوَ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) .
وَالثَّانِيَةُ : تَكُونُ فِي الْمُحْتَمَلِ لِلشَّيْءِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ إذَا أَقْبَضَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ هِبَةً وَقَرْضًا وَدِيعَةً وَإِبَاحَةً فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ تَمَيُّزِ إقْبَاضِهِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِقْبَاضِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ( نِيَّةُ التَّقَرُّبِ ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي مَوَاضِعَ ، وَقَالَ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ : إنَّ مَنْ عَلَيْهِ أَلْفُ .
دِرْهَمٍ دَيْنًا فَسَلَّمَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا لَا يَقَعُ عَنْ الدَّيْنِ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَدَاءَهُ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ وَيَتِيمِهِ فَإِذَا أُطْلِقَ الشِّرَاءُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا ( بِالنِّيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ ) عَنْ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ .
وَلَوْ وَكَّلَ عَبْدًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ مَالًا آخَرَ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : وَيَجِبُ أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمُوَكِّلِ وَإِلَّا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ لَا يَنْدَفِعُ بِالنِّيَّةِ .
وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ فِي الشَّافِي يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْمِيَةُ وَأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالنِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنْ صَدَّقْنَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ لِلْمُوَكَّلِ .
وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ : اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ سَيِّدِي فَفَعَلَ صَحَّ وَيُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِالْإِضَافَةِ لِلْعَبْدِ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فَلَوْ أُطْلِقَ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ لَا يَرْضَى بِعَقْدٍ يَتَضَمَّنُ الْإِعْتَاقَ قَبْلَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ وَالنِّيَّةُ الْأُولَى تَمْتَنِعُ مِنْ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ظَاهَرَ صَحَّ وَيُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ
وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ .
وَكَذَلِكَ إذَا حَاضَتْ الْكَافِرَةُ وَاغْتَسَلَتْ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَنْوِيَ إبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَإِنْ لَمْ تَنْوِ لَا يُبَاحُ وَطْؤُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِلتَّقَرُّبِ وَاخْتُلِفَ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الزَّكَاةُ هَلْ شُرِطَتْ النِّيَّةُ فِيهَا لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ( الدَّارِمِيُّ ) فِي الِاسْتِذْكَارِ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ دَفَعَ إلَى الْإِمَامِ وَلَمْ يَنْوِ هَلْ يُجْزِيهِ وَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْفَرْضِيَّةِ .
الثَّانِي : النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : الْأَوْلَى أَنْ لَا تُجْعَلَ النِّيَّةُ فِيهِ لِلْقُرْبَةِ بَلْ لِلتَّمْيِيزِ وَلَوْ كَانَتْ لِلْقُرْبَةِ لَمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَدَاءِ الْوُضُوءِ وَحَذْفِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَدَاءَ الْوُضُوءِ كَفَاهُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهَذَا مِنْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَكْسٌ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الِاكْتِفَاءَ بِأَدَاءِ الْوُضُوءِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ ، وَالرَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ ، وَعِبَارَةُ الْإِمَامِ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ مِنْ نِيَّةِ الْقُرُبَاتِ ( وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ) أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ ، وَمَا قَطَعَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الْوُضُوءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ نِيَّةُ الْقُرُبَاتِ ، وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوُضُوءَ يَقَعُ تَنْظِيفًا وَيَقَعُ مَأْمُورًا بِهِ فَالْغَرَضُ مِنْ النِّيَّةِ إيقَاعُهُ مَأْمُورًا كَانَ ظَنًّا بَعِيدًا .
الثَّالِثُ : مِنْ الْأَفْعَالِ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَّةُ وَمِنْهَا مَا لَا تَدْخُلُهُ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ الْعِبَادَاتُ ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ عِبَادَةً ، كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وُصُولُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِهَا ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ فَتَفْتَقِرُ إلَى قَصْدِ إيقَاعِهَا طَاعَةً لِيُثَابَ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا افْتَقَرَتْ إلَيْهَا .
وَأَمَّا ) الْمُحَرَّمَاتُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ فَإِنْ قَصَدَ الثَّوَابَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الِامْتِثَالِ خُصُوصًا إذَا اشْتَهَتْهُ النَّفْسُ وَصَرَفَهَا عَنْهُ ، وَمِمَّا ذَكَرْنَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْمَكْرُوهَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ التُّرُوكُ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلِهَذَا تَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وَكَذَا مَا تَعَيَّنَ لِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَمِنْ هُنَا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ صِفَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِلْمَاءِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : لَا مَدْخَلَ لِلنِّيَّةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَدَفْنِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ : أَدَاءُ الدَّيْنِ وَرَدُّ الْوَدِيعَةِ وَالْأَذَانُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارُ وَهِدَايَةُ الطَّرِيقِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ الَّتِي تَقَعُ تَارَةً طَاعَةً وَغَيْرَ طَاعَةٍ أُخْرَى بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْهِجْرَةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا هَذِهِ الْقُرُبَاتُ وَنَحْوُهَا مِمَّا شُرِعَ لِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ قَصْدًا أَوْ كَانَ بِصُورَتِهِ عِبَادَةً فَعَدَمُ وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهَا
لِعَدَمِ إرَادَتِهَا أَوْ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْإِرَادَةِ حِسًّا كَصُورَةِ ( الْعَمَلِ ) إنْ قِيلَ بِعُمُومِ الْأَعْمَالِ لِلطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى ، وَالْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ النَّظَرُ الْمَعْرُوفُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَصْدُ إلَى إيقَاعِهِ طَاعَةً إلَّا إذَا عُرِفَ وُجُوبُهُ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يُعْرَفْ وُجُوبُهُ فَيَسْتَحِيلُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِيهِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ .
الثَّانِي : إرَادَةُ الطَّاعَةِ فَإِنَّهَا لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَفِيمَا قَالَهُ نِزَاعٌ وَمِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَّةُ التَّذْكِيَةُ ، فَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَتْ وَاحْتَكَّتْ بِهَا شَاةٌ فِي الْمَذْبَحِ حَتَّى مَاتَتْ فَحَرَامٌ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَبَكَةٌ ( فَتَعَلَّقَ بِهَا ) صَيْدٌ فَهُوَ حَرَامٌ فِي الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْقَصْدِ .
وَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِقَصْدِ اصْطِيَادِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ فَوَقَعَ فِيهَا مَأْكُولٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ فِي الْمِلْكِ وَجْهَانِ مِنْ نَظِيرِهِ ، فَمَا لَوْ رَمَى إلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ غَيْرَ صَيْدٍ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَدْ يُكْتَفَى بِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ عَنْ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَتَسَحَّرُ لِأَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ غَدًا ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي النِّيَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الِاعْتِكَافِ لَوْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةٍ أَنَّهُ يَعُودُ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ كَمَا سَيَأْتِي .
الرَّابِعُ : أَصْلُ تَشْرِيعِ النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ .
وَأَمَّا تَعْيِينُهَا فَنَقَلَ ( الْإِمَامُ ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ شُرِعَ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ يَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا مِنْ الصَّلَاةِ فَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا لَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَوْلَى بِالِانْعِقَادِ مِنْ صَلَاةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِيهِ لِعَقْدِ مَا يَبْغِيهِ الْمُصَلِّي مِنْ ضُرُوبِ الصَّلَوَاتِ .
وَبُنِيَ عَلَى هَذَا أَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ يَجِبُ فِي الصَّوْمِ وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا قَالَ : وَهُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ .
ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا نَذْرٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ فَرْضُ الْوَقْتِ فَإِذَا نَوَى الْفَرْضَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَصِحُّ كَالْكَفَّارَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا ، فَإِنْ أَوْجَبُوا التَّعْيِينَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَقَلْنَا الْكَلَامَ إلَى الصَّوْمِ ، ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّ إيجَابَ التَّعْيِينِ فِي النِّيَّةِ شُرِعَ لِلتَّعَبُّدِ لَا لِمَا ذَكَرَهُ ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ : " إنَّ النِّيَّةَ شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ أَوْ لِمَرَاتِبِ الْعِبَادَةِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ " نَزْعَةٌ حَنَفِيَّةٌ ، فَمِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ الْكَفَّارَةُ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَالزَّكَاةُ وَالْوَكَالَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ وَالْأَحْدَاثُ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا فِي الرَّفْعِ .
الْخَامِسُ : فِي شُرُوطِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُعَيَّنٍ إلَّا فِي مَوَاضِعَ اكْتَفَوْا فِيهَا بِأَصْلِ النِّيَّةِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَادَةِ .
فَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُ مُدَّةٍ ، وَإِذَا أُطْلِقَ كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ .
وَمِنْهُ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِهِ .
وَمِنْهُ الْحَجُّ إذَا أُطْلِقَ الْإِحْرَامُ صَحَّ وَانْصَرَفَ إلَى فَرْضِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ : وَسُقُوطُ أَثَرِ التَّعْيِينِ فِي النِّيَّةِ فِي عُسْرٍ مُشْكِلٌ ، وَلَكِنَّ الْمُمْكِنَ فِيهِ أَنَّ قَصْدَ التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَوُجُوبُ تَقْدِيمِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فَيَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ الْحَجِّ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ بِفَسَادِ النِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا عَظُمَ وَضْعُ الْإِشْكَالِ لِانْضِمَامِ مُشْكِلٍ إلَى مُشْكِلٍ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْيِينِ وَالثَّانِي اسْتِحْقَاقُ التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَعْوَصُ مِنْ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْخَذَ فِي وُجُوبِ التَّعْيِينِ قَصْدُ التَّمْيِيزِ .
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ، وَقَدْ يَجِبُ التَّعْيِينُ فِي النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمْيِيزٌ بَلْ الْقَصْدُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَإِتْعَابُ الْقَلْبِ بِالْحُضُورِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : صَلَاةُ الْجِنَازَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا .
وَمِنْهَا : نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ تُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ لَا تَنْعَقِدُ مُنْفَرِدَةً .
وَمِنْهَا : تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي رَمَضَانَ بِالْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ مِنْ تَطَوُّعٍ وَغَيْرِهِ .
وَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ تَعَيَّنَ فِي الْأَصَحِّ وَشُرِطَتْ فِيهِ النِّيَّةُ ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ إذَا صَحَّ نَذْرُهُ فَتَعَيَّنَ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ .
وَلَوْ قَالَ : جَعَلْت هَذِهِ الشَّاةَ
أُضْحِيَّةً تَعَيَّنَ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ مَعَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ وَصَارَتْ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ فِيهِ نَظَرٌ .
الشَّرْطُ الثَّانِي : الْجَزْمُ بِتَعَلُّقِهَا وَقَدْ يُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَسْتَنِدَ التَّعْلِيقُ إلَى أَصْلٍ مُسْتَصْحَبٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُ فُرُوعِهِ فِي حَرْفِ التَّاءِ فَاسْتَحْضَرَهُ هُنَا .
وَمِنْهُ إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَمْسُ وَاغْتُفِرَ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا الْوُجُوبُ ، وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَصَوْمِهَا مَعَ عَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْوُجُوبِ فَلِأَنَّ أَيَّامَ الطُّهْرِ أَغْلَبُ مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ فَلَا يَكُونُ التَّرَدُّدُ بَيْنَهُمَا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ .
وَثَانِيهِمَا : مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ كَمَنْ شَكَّ هَلْ الْخَارِجُ مِنْ ذَكَرِهِ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ احْتِيَاطًا وَلَيْسَ بِجَازِمٍ ، وَكَذَا فِيمَنْ مَلَكَ إنَاءً بَعْضُهُ فِضَّةٌ وَبَعْضُهُ ذَهَبٌ وَجَهِلَ أَكْثَرَهُمَا زَكَّى الْأَكْثَرَ ذَهَبًا وَفِضَّةً ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ إشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَزْمِ النِّيَّةِ إلَّا فِي نِصَابٍ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقْدَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ اُسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَبَاحِثِ الشَّكِّ وَجَوَابُهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُسَوَّغُ لِلْحَاجَةِ ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) لِلْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ الِاغْتِسَالَ عَنْ الْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ حُصُولَهَا فِي حَالِ جُنُونِهِ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : الْمُقَارَنَةُ لِأَوَّلِ الْوَاجِبِ كَالْوُضُوءِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ مَغْسُولٍ مِنْ الْوَجْهِ وَكَالصَّلَاةِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّكْبِيرِ وَقَدْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ وَكَالصَّلَاةِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّكْبِيرِ وَقَدْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ ، كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ
نِيَّتُهُ مُتَرَاخِيَةً عَنْ الْعَمَلِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا وَمُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ إنْ كَانَ فَرْضًا قَالَ ( صَاحِبُ الْخِصَالِ ) : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ إلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ الصَّوْمِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي فِي كِتَابِ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ لَيْسَ فِي الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَقَدُّمُ النِّيَّةِ عَلَيْهِ غَيْرَ الصَّوْمِ وَجْهًا وَاحِدًا وَفَرَضَ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
قُلْت : وَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ وَشَرَطُوا فِي الزَّكَاةِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ صَدَرَتْ بَعْدَ تَعْيِينِ الْقَدْرِ الَّذِي يُخْرِجُهُ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ فَلْتَكُنْ مِثْلَهُ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا مَا يَمْتَنِعُ مُقَارَنَتُهُ ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ ، وَأَمَّا مَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ فَهُوَ فِي الْبَاقِي .
وَالضَّابِطُ : أَنَّ مَا دَخَلَ فِيهِ بِفِعْلِهِ اُشْتُرِطَتْ فِيهِ الْمُقَارَنَةُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ ( بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَا تُشْتَرَطُ كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ نَائِمٌ صَحَّ صَوْمُهُ فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ ) بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَأَلْحَقَ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالْأُضْحِيَّةَ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِالنِّيَابَةِ .
وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُقَارَنَةُ عَلَى الْأَصَحِّ نِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْقَصْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ وَصْفٌ لِلصَّلَاةِ نَفْسِهَا فَاعْتُبِرَ مُقَارَنَتُهَا فِي ابْتِدَائِهَا وَنِيَّةُ الْجَمْعِ وَصْفٌ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا فَاكْتَفَى بِهَا فِي الْأَثْنَاءِ .
وَمِنْهُ لَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَعُودَ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ السَّابِقَةُ كَافِيَةٌ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ النِّيَّةَ عِنْدَ الْخُرُوجِ صَارَ كَمَنْ نَوَى الْمُدَّتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَالْتَحَقَ
بِمَا إذَا نَوَى الْمُتَنَفِّلُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَوَى جَعَلَهُمَا أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَطْعًا وَيَصِيرُ كَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فِي تَحَرُّمِهِ وَالنِّيَّةُ فِي الْكِنَايَةِ ( فِي الطَّلَاقِ تُشْبِهُ نِيَّةَ الْقَصْرِ فَتُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُقَارَنَةُ فِي الْأَصَحِّ وَنِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ ) فِي الطَّلَاقِ تُشْبِهُ نِيَّةَ الْجَمْعِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقَدْ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ بَعْدَ الْعَمَلِ أَيْ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي صُوَرٍ كَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا حَالَةَ الدَّفْعِ فَلَهُ جَعْلُهُ عَمَّا شَاءَ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ يُقَسِّطُ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَمْ يَحْكُوا مِثْلَ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ مُطْلَقًا بَلْ قَطَعُوا بِأَنَّ لَهُ جَعْلَهُ عَمَّا شَاءَ ، وَلَوْ بِأَنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَحْسِبَ الْمُخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْبَاقِي هَذِهِ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ وَفِي الْكَافِي وَقَعَ عَنْ الْآخَرِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَهَذَا إذَا جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ صَرْفُهُ عَنْ الْمَالِ الَّذِي بِبَلْدَةِ الْآخَرِ وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ بِالصَّوْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ مَعَ الْإِرَاقَةِ أَوْ قَصْدِهِ قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ .
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً فَلَهُ التَّعْيِينُ بَعْدُ .
" السَّادِسُ : مَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ يُقْدَحُ فِيهِ تَرَدُّدُ النِّيَّةِ كَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ .
لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ إنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَعَنْ الْفَائِتَةِ لَا تُجْزِيهِ أَصْلًا ، وَمَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ لَا يُقْدَحُ فِيهِ التَّرَدُّدُ كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ ، قَالَ مُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ : إنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا عَنْ الْحَاضِرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِكَوْنِهَا زَكَاةَ مَالِهِ وَالتَّرَدُّدُ فِي أَنَّهَا عَنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ تُحْسَبُ وَتَعْيِينُ الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ .
السَّابِعُ : مَا لَا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ أَصْلًا إذَا قَارَنَتْهَا نِيَّةٌ اُعْتُبِرَتْ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا : مَا لَوْ أَعْطَى دِرْهَمًا لِفَقِيرٍ لِيَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إلَّا ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَرْفُهُ فِي ذَلِكَ الْغَرَضِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْهَا : الدَّلَّالُ إذَا شَكَا إلَى الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْبَائِعُ : لَمْ يُعْطِنِي أُجْرَةً ، فَأَعْطَاهُ وَكَانَ كَاذِبًا لَمْ يَمْلِكْ الْمَأْخُوذَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ .
وَمِنْهَا : الرَّجُلُ إذَا أَظْهَرَ الْفَقْرَ وَأَخْفَى الْغِنَى فَأَعْطَاهُ النَّاسُ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ بِنَاءً عَلَى فَقْرِهِ .
وَمِنْهَا : إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ فَحَمَلَ إلَيْهِمْ هَدِيَّةً ثُمَّ لَمْ تَنْكِحْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا سَاقَهُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَّا بِنَاءً عَلَى إنْكَاحِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ ، قَالَ : وَلَا فَرْقَ فِي الرُّجُوعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ( وَعَجِبْت مِمَّنْ نَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ) عَنْ فَتَاوَى ( ابْنِ رَزِينٍ ) .
وَمِنْهَا إذَا أَهْدَى إلَيْهِ شَيْئًا طَمَعًا فِي الثَّوَابِ فَلَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي الثَّوَابَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ، أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِنِيَّةِ الثَّوَابِ فَيَثْبُتُ فِيهَا الرُّجُوعُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي صُورَةِ الصَّدَاقِ السَّابِقَةِ .
الثَّامِنُ : مِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّلَاقِ بِالصَّرِيحِ وَالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ حَتَّى لَوْ نَوَى إيقَاعَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَقَعْ ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا نَوَاهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ نَوَى ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ وَنَوَى الِامْتِنَاعَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ .
التَّاسِعُ : مَا اُشْتُرِطَتْ فِيهِ النِّيَّةُ إنْ كَانَ عِبَادَاتٍ مُنْفَصِلَةً فَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النِّيَّةِ كَالصَّوْمِ تَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ حَتَّى لَوْ نَوَى صَوْمَ أَيَّامِ الشَّهْرِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا فِي الْيَوْمِ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً وَاحِدَةً لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ وَتَكْفِيهِ النِّيَّةُ الْأُولَى مَعَ الِاسْتِصْحَابِ الْحُكْمِيِّ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْحَجِّ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهُ لِانْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أَمْ تَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ السَّابِقَةِ ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَبَنَى الْمُتَوَلِّي عَلَى الْخِلَافِ صِحَّةَ وُقُوفِ النَّائِمِ بِعَرَفَةَ وَعِلْمُهُ بِأَنَّهَا عَرَفَةُ شَرْطٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ نَعَمْ طَوَافُ الْوَدَاعِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَمْ لَا وَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ .
الْعَاشِرُ : النِّيَّةُ الْقَاطِعَةُ تُؤَثِّرُ فِي مَوَاضِعَ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْفِعْلِ الْقَاطِعِ .
( أَحَدُهُمَا ) فِيمَا دَوَامُ النِّيَّةِ فِيهِ رُكْنٌ ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الْإِسْلَامِ كَفَرَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ( وَكَذَا ) لَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا كَفَرَ فِي الْحَالِ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ : وَلَا يَبْطُلُ الْمَاضِي أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ، ( وَكَذَا ) الْمُصَلِّي لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : فَلَوْ نَوَى الْعَدْلَ أَنْ يُوَاقِعَ كَبِيرَةً غَدًا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا لَمْ يَصِرْ بِهِ فَاسِقًا ، وَإِذَا نَوَى الْمُسْلِمُ أَنْ يَكْفُرَ غَدًا فَفِي كُفْرِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا فِي الْحَالِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ الِاسْتِدَامَةِ فِي الْإِيمَانِ شَرْطٌ ، وَالتَّوْبَةُ لَا تَجِبُ فِي حَقِّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَصْلُ وُجُوبَ الْفِسْقِ ، وَالْأَصْلُ قَصْدُ الْإِيمَانِ وَإِيجَابُ فِعْلِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَعْضِدَهَا أَصْلٌ كَالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْإِقَامَةَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ بِخِلَافِ السَّفَرِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ طَارِئٌ فَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُنَافِيهَا فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَهُوَ سَائِرُ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا .
( وَمِثْلُهُ ) لَوْ نَوَى الْقَارِئُ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَسَكَتَ ( وَلَمْ يَقْرَأْ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْقَطْعَ وَلَمْ يَسْكُتْ ) لَمْ يَضُرَّ وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ ( عَوْدُ الْعُرُوضِ إلَى الْقِنْيَةِ ) ( بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَا تَعُودُ إلَى التِّجَارَةِ ) ( بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّلَعِ الْقِنْيَةُ لَا التِّجَارَةُ نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لِلتِّجَارَةِ جَارٍ فِي الْحَوْلِ فَنَوَى إمْسَاكَهُ الْمُحْرِمُ كَدِيبَاجٍ يَلْبَسُهُ أَوْ سِلَاحٍ يَقْطَعُ
بِهِ الطَّرِيقَ فَفِي انْقِطَاعِ الْحَوْلِ وَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ سَبَقَتْ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ مَا ، كَالسُّكُوتِ الْيَسِيرِ فِي الْفَاتِحَةِ لَا يَقْطَعُ مُوَالَاتِهَا ، فَلَوْ نَوَى بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ قَطَعَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ فَأَثَّرَ ، وَلَوْ قَصَدَ الْقَطْعَ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ بِأَنَّهُ حَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ .
وَهَذَا بِخِلَافِ نِيَّةِ الْمُصَلِّي قَطْعَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ إدَامَتُهَا حُكْمًا ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةُ الْقَطْعِ .
وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الْمُودِعِ الْخِيَانَةَ لَا يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِهَا فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِعْلًا ، وَالْأَصْلُ الْأَمَانَةُ وَمُقَابِلُهُ قَاسَهُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الْقِنْيَةِ تَقْطَعُ حَوْلَ التِّجَارَةِ ، وَلَوْ نَوَى عَلَفَ السَّائِمَةِ أَوْ إسَامَةَ الْمَعْلُوفَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهَا حَتَّى يَفْعَلَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الْحُلِيَّ فَحَتَّى يَصُوغَهُ ، نَعَمْ لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ وَالِاكْتِنَازَ دَخَلَ فِي حُكْمِ نِيَّتِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكْنِزْهُ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ وَدَوَامُهَا حُكْمًا إذَا قَطَعَهَا لَهُ أَحْوَالٌ : أَحَدُهَا مَا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ دَوَامُهُ مُدَّةَ الْعُمْرِ ، كَالْإِيمَانِ وَالْعَقَائِدِ فَيَقْطَعُهُ الدَّافِعُ فِي الْحَالِ قَطْعًا ، وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ .
الثَّانِي : مَا هُوَ شَدِيدُ اللُّزُومِ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا كَالْحَجِّ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُوَ فَرْعٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَلْحَقَهُ الْجُمْهُورُ بِالْحَجِّ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ .
الثَّالِثُ : مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ
كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَصَحِّ فَإِذَا أَرَادَ إتْمَامَهُ جَدَّدَ النِّيَّةَ وَبَنَى ، وَكَذَا سَائِرُ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةٌ لِقَطْعٍ وَحَيْثُ لَا يَقْطَعُ فِي الْأَثْنَاءِ فَبَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْلَى .
وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ لَوْ نَوَى إبْطَالَهَا بَعْدَ إخْرَاجِهَا لَمْ يَضُرَّهُ ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ : قَطَعُوا بِأَنَّهُ إذَا نَوَى إبْطَالَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَفِي الطَّهَارَةِ خِلَافٌ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّهَارَةَ بَاقِيَةٌ مُسْتَدَامَةٌ مُعَرَّضَةٌ لِلْبُطْلَانِ بِالْحَدَثِ كَالرِّدَّةِ فَجَازَ أَنْ يَنْكُلَ بِنِيَّةِ الْبُطْلَانِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدَامَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْإِبْطَالِ بِحَالٍ وَمُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ لَا أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا فَعَلَهُ .
تَنْبِيهٌ : هَلْ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ لَهُ قَطْعًا وَفِي الْوُضُوءِ خِلَافٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَوْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ بَطَلَ الْوُضُوءُ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ كَالصَّلَاةِ إذَا بَطَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنْ بَطَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَهُ ثَوَابُهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا ثَوَابَ لَهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا لَا تَجِبُ إمَّا قَطْعًا كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ كَالصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ فَرَاغِهَا وَكَانَ الْخُرُوجُ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْعُذْرِ وَجَبَ وَذَلِكَ كَالتَّحَلُّلِ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَنِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مِنْ النُّسُكِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْإِحْصَارِ صَارَ خَارِجًا عَنْ الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ .
قُلْنَا : الْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُحْصَرِ أَكْمَلَ الْأَفْعَالَ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ .
وَمِثْلُهُ الصَّائِمُ إذَا أَرَادَ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي فِي بَابِ الْفَوَاتِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : إيرَادُ النِّيَّةِ عَلَى النِّيَّةِ تَارَةً يَكُونُ بِبُطْلَانِ النِّيَّةِ الْأُولَى وَتَارَةً لَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ يُبْطِلُهُ قَطْعُ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، فَإِذَا عَدَّدَ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ خَرَجَ بِالْأَشْفَاعِ وَدَخَلَ بِالْأَوْتَارِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ دُخُولًا وَلَا خُرُوجًا فَذِكْرٌ وَالثَّانِي مَا لَا يُبْطِلُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ أَعْمَالِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَهَلْ يَلْغُو أَوْ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ .
وَمِنْهُ : لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ثَانِيًا فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلنِّيَّةِ الْأُولَى ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إنْ قُلْنَا : يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّاتٍ فِي كُلِّ عُضْوٍ نِيَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ صَحَّ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك أَوْ أَجَّرْتُك فَقَبِلَ ثُمَّ جَدَّدَ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْمَجْلِسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَاطَبَ بِالثَّانِي غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : ذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا .
إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَا يَبْطُلُ كَتَعْيِينِ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَكَذَلِكَ الْأَحْدَاثُ فِي الْوُضُوءِ ( وَالتَّيَمُّمُ ) .
وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ كَالصَّلَاةِ إذَا عَيَّنَهَا وَأَخْطَأَ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ شَيْخِهِ وَأَنَّهُ عَدَّ الْغَلَطَ فِي تَعْيِينِ الْحَدَثِ مِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ أَصْلًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ لَا يُسَوَّغُ تَرْكُهُ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالْغَلَطِ فِي تَعْيِينِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَةِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ : هَذَانِ وَالثَّالِثُ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ تَفْصِيلًا وَيُعْتَبَرُ جُمْلَةً فَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ ضَرَّ كَالثَّانِي وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا .
وَلَوْ نَوَى مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً إعْتَاقَهَا عَنْ ظِهَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِ قَتْلٌ لَمْ يُجْزِئْهُ .
الثَّانِيَةُ : الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَإِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ .
الثَّالِثَةُ : الزَّكَاةُ إذَا أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ ( سَالِمًا ) فَتَبَيَّنَ تَلَفُهُ حَالَةَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَنْصَرِفْ الْمُخْرَجُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ إنْ كَانَ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ مُطْلَقًا انْصَرَفَ وَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّعْيِينِ .
الرَّابِعَةُ : صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَعْيِينُ الْمَيِّتِ ، وَلَوْ عَيَّنَهُ وَكَانَ غَيْرَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .
وَلَوْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا فَقِيَاسُ الْقَاعِدَةِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَكَمَا لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فِي الصَّوْمِ فَبِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ ذِكْرُهُ ،
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا نَوَى قَضَاءَ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّانِي أَنْ يُجْزِئَهُ فَالْخَطَأُ فِيهِ لَا يُؤَثِّرُ كَنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ الصُّوَرِ قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ( الصَّلَاةِ ) فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ صُبْحُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَضَى صُبْحَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لَا يُجْزِئُهُ .
وَكَذَا فِي الصَّوْمِ ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لَوْ قَالَ : أَصُومُ غَدًا يَوْمَ الْأَحَدِ وَهُوَ غَيْرُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، أَوْ قَالَ : أَنَا صَائِمٌ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ الَّذِي أَنَا فِيهِ وَهُوَ مِنْ سَنَةٍ غَيْرِ الَّتِي هِيَ فِيهِ جَازَ : انْتَهَى فَاقْتَضَى الْقَطْعَ فِي السَّنَةِ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَفِي الْيَوْمِ خِلَافٌ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهُ مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا ( وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ) مِنْهُ مَا يُحْسَبُ قَطْعًا .
وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ ( وَالْأَصَحُّ الْحُصُولُ ) .
فَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ .
وَمِنْهُ لَوْ أَتَى بِالصَّلَاةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا سُنَّةٌ لَا يَصِحُّ .
وَلَوْ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَبَنَى عَلَى الْفَاتِحَةِ لَا يُحْسَبُ .
وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَا يُحْسَبُ عَنْ فَرْضِهِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ قَطَعَ بِهِمَا الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ .
وَمِنْ الثَّانِي : مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَقُومُ مَقَامَ سُجُودِ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ لِاعْتِقَادِهِ فِيهِ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ .
بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ .
وَمِنْهُ مَا لَوْ سَجَدَ ( سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ ) سَجْدَتَيْ الْفَرْضِ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ ثُمَّ رَأَيْت الشَّاشِيَّ فِي الْحِلْيَةِ حَكَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ثُمَّ قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى فَرْضِهِ ثُمَّ رَأَيْت الدَّارِمِيَّ صَرَّحَ بِالْوَجْهَيْنِ فَقَالَ : لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَتَيْنِ فَهَلْ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ هَلْ تَقُومُ مَقَامَ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؟ وَكَذَلِكَ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ .
قُلْت : وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ ( التَّشَهُّدِ ) الْأَوَّلِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ ظَنُّهُ فِي عَدَمِ الِاحْتِسَابِ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ
وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ تَقَعْ فِي مَحَلِّهَا ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الثَّانِيَةِ .
وَمِنْهُ لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْجَنَابَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُهُ بِنَاءً عَلَى تَأَدِّي الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَلَوْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لَمْ يُجْزِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا .
وَمِنْ الثَّالِثِ : مَا لَوْ نَوَى الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ عَنْ الْفَرْضِ .
وَمِنْ الرَّابِعِ صُوَرٌ : ( أَحَدُهُمَا ) إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَظُنُّهُ الْأَوَّلَ ثُمَّ بَانَ الْحَالُّ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ ، وَحَكَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا قَامَ لِخَامِسَةٍ الْخِلَافَ الْآتِي هَا هُنَا .
فَإِذَا قَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا وَكَانَ قَدْ أَتَى بِالتَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَفِي احْتِيَاجِهِ لِإِعَادَتِهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَامَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ إلَى ثَالِثَةٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ وَأَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْآنَ نَفْلٌ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ ، أَنَّهُ يُجْزِيهِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى وَكَانَ قَدْ جَلَسَ عَقِبَ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ بِقَصْدِ الِاسْتِرَاحَةِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ أَتَى بِالسَّجْدَتَيْنِ جَمِيعًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْسِبُ عَنْ الْجُلُوسِ .
وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقِيَاسُ قِيَامِ جِلْسَةِ
الِاسْتِرَاحَةِ مَقَامَ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قِيَامُ السَّجْدَتَيْنِ مَقَامَ ( السَّجْدَتَيْنِ ) ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الدَّارِمِيِّ التَّصْرِيحُ بِهِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا ( قَرَأَ ) الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ هَوَى فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ بِنِيَّةِ ( سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْجُدُهَا ثُمَّ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ بَلْ رَكَعَ ) ( فَهَلْ يُحْسَبُ لِلْمَأْمُومِ هَذَا الرُّكُوعُ لِكَوْنِ الْمُتَابَعَةِ وَقَعَتْ وَاجِبَةً وَلَا يَضُرُّهُ الْجَهْلُ وَلَا قَصْدُ السُّجُودِ ) لِلتِّلَاوَةِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ( أَمْ لَا يُحْسَبُ ) لِكَوْنِهِ أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ؟ الْأَقْرَبُ : الْحُصُولُ .
( الرَّابِعَةُ ) إذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ فَقِيَاسُ هَذِهِ النَّظَائِرِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ أَوْقَعَهَا بِقَصْدِ النَّفْلِ وَبِهِ أَجَابَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ قَالَ : أَنَا أَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ تَطَوُّعًا ثُمَّ إذَا فَرَغْت مِنْهَا قَرَأْت مَرَّةً أُخْرَى فَرْضًا فَإِذَا قَرَأَهَا أَوَّلًا بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَقْرَأْ أُخْرَى أَجْزَأَهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ قَالَ : وَكَذَا لَوْ ( قَالَ ) : آتِي ( بِرُكُوعٍ ) ( أَوَّلًا ) ( تَطَوُّعًا ثُمَّ ) آتِي بِرُكُوعِ الْفَرْضِ فَإِذَا أَتَى بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .
السَّادِسَةُ : أَغْفَلَ الْمُتَوَضِّئُ لُمْعَةً فِي الْأُولَى فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ التَّكْرَارِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ النَّفَلَ .
السَّابِعَةُ : صَلَّى ( الصَّبِيُّ ) ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّامِنَةُ : إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا وَلَا إعَادَةَ .
التَّاسِعَةُ : إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ صَائِمًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
إتْمَامُهُ وَلَا قَضَاءَ وَفِيهِ وَجْهٌ ( ضَعِيفٌ ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِي الصَّبِيِّ إنَّمَا يَظْهَرُ جَعْلُهَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ وَشَرَطَهَا الرَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الصَّوْمُ .
الْعَاشِرَةُ : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْفَرْضِ فَنَوَى طَوَافًا نَفْلًا وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الطَّوَافَ بِالنِّيَّةِ إلَى غَرَضٍ آخَرَ فَهَلْ يَفْسُدُ وَفِيهِ خِلَافٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : يَفْسُدُ بِهِ عَنْ ( الزِّيَارَةِ ) وَلَا عَنْ ( الْوَدَاعِ ) ( الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ ) يَقُومُ ( النَّفَلُ مَقَامَ الْفَرْضِ ) فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ( وَيُحْسَبُ عَنْهُ ) إذَا تَرَكَ الْفَرْضَ سَاهِيًا فَتَكْمُلُ الزَّكَاةُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْفَرَائِضِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَذَا إنْ تَرَكَ الْفَرْضَ نَاسِيًا ( فِي الدُّنْيَا ) .
تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ضَابِطًا لِلصُّوَرِ الَّتِي يَتَأَدَّى الْفَرْضُ فِيهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَبَقَتْ نِيَّةٌ ( تَشْمَلُ ) الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ جَمِيعًا ثُمَّ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ وَيُصَادِفُ بَقَاءَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ؟ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً ( وَتِلْكَ ضِمْنًا وَاسْتِصْحَابًا ، وَأَصَحُّهُمَا تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ نِيَّةِ الْفَرْضِ الشَّامِلَةِ لَهُ حُكْمُ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً ) وَلِهَذَا صَحَّتْ الْعِبَادَةُ مَعَ غَفْلَتِهِ اسْتِصْحَابًا وَالْبَاءُ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ أَيْ هَلْ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ ، بِنِيَّتِهِ السَّابِقَةِ الشَّامِلَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ مَعَ مَا صَحِبَهَا مِنْ نِيَّةِ النَّفْلِ .
قُلْت : وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : إنْ كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُنْفَصِلًا كَمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ( لَا يَتَأَدَّى ) بِغُسْلِ
الْجُمُعَةِ ( وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ ) ( فَإِنْ ) لَمْ تَشْمَلْهَا النِّيَّةُ كَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَمْ ( يَتَأَدَّ ) بِهَا ، وَإِنْ شَمَلَتْهَا وَوَقَعَتْ فِي ( صُلْبِ ) الْعِبَادَةِ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ تَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ وَإِلَّا فَكَمَسْأَلَةِ التَّسْلِيمِ فِي اعْتِقَادِهِ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ .
الثَّانِي : التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ قِيَامِ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَفْلٍ حَقِيقَةً بَلْ وَاجِبٌ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ لَا أَثَرَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا حَصَلَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ حُصُولُ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ، وَيَدُلُّ ( لِذَلِكَ ) أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ حَقِيقَةً ( وَإِقْدَامُهُ ) عَلَى الْأَكْلِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ لَا يُخْرِجُ الْفِطْرَ عَنْ كَوْنِهِ حَرَامًا وَعَلَى هَذَا فَفِطْرُ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ لَا ( إثْمَ ) فِيهِ ، وَكَذَا ( فِي مَسْأَلَةِ ) ( التَّشَهُّدِ ) وَالْجُلُوسِ وَغُسْلِ اللُّمْعَةِ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَنْ الْوَاجِبِ وَكَذَا الْبَاقِي .
تَأَدَّى ( النَّفَلُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ) لَا يُؤَثِّرُ .
كَمَا إذَا صَلَّى مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرْضٌ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ الصِّحَّةُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى سُنَّةً بِاعْتِقَادِ الْفَرْضِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ .
وَمِنْهَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ عَلَى أَنَّهُ سُجُودُ صُلْبِ الصَّلَاةِ يُحْسَبُ سُجُودُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى النَّفَلَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يُصَلِّي الْفَرْضَ يَصِحُّ نَفْلُهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .
( وَمِنْهَا تَحْصُلُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ ) .
الْخَامِسَ عَشَرَ : لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي النِّيَّةِ إلَّا فِيمَا إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَذْبَحُ وَيَنْوِي عَنْهُ وَأَهْمَلَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا إذَا وَكَّلَ فِي النِّيَّةِ وَحْدَهَا وَذَبَحَ هُوَ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَوَكَّلَ فِي الذَّبْحِ غَيْرَهُ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِعَدَمِ اقْتِرَانِهَا بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ وَكِيلِهِ .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَصُومُ عَنْهُ وَيَنْوِي فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ عَنْ الْإِمَامِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ .
ضَوَابِطُ : مَقَاصِدُ اللَّفْظِ عَلَى نِيَّةِ اللَّافِظِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ ( وَاحِدٍ ) وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْقَاضِي دُونَ الْحَالِفِ .
( سَائِرُ ) الْعِبَادَاتِ يَدْخُلُ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا إلَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ التَّكْبِيرِ .
قَالَ الْمَرْعَشِيُّ تَشْرِيكُ النِّيَّةِ مَعَ ( الْفَرْضِ لَا يَجُوزُ ) إلَّا فِي خَمْسَةِ مَسَائِلَ : الْحَجُّ الْوَاجِبُ إذَا قَرَنَهُ بِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ ، وَمَنْ تَوَضَّأَ يُرِيدُ الْوُضُوءَ ( وَالتَّبَرُّدَ ) وَمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَيَجُوزُ ( وَالْمَأْمُومُ ) يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ فَيَجُوزُ .
النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ الْحَيِّ الْقَادِرِ وَالْجِهَادِ عَنْهُ .
وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ .
تَبَعًا لَهُ وَرَدِّ ( الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ ) .
وَمِنْهَا مَا فِيهِ خِلَافٌ كَالصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَجِّ عَنْ الْحَيِّ وَكَذَلِكَ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ إذَا طَافَ بِهِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَيَتَوَضَّأُ عَنْهُ لَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَلِيِّ التَّجْدِيدُ .
وَمِنْهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْأَصَحِّ وَخَالَفَ طَلَبُ الْقِبْلَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ .
النَّهْيُ .
إنْ رَجَعَ إلَى شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ أَفْسَدَ وَإِلَّا فَلَا .
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ صَوْمُ ( يَوْمِ ) الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ وَلَا الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَالصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ وَعُرْيَانًا وَنَحْوُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ أَوْ الْمَغْصُوبِ ( أَوْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ) أَوْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ .
وَقَسَمَهُ الْمُحَقِّقُونَ إلَى ثَلَاثَةِ ( أَقْسَامٍ ) : ( نَهْيٌ ) وَرَدَ لِعَيْنِهِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَبَيْعِ ( الْحُرِّ ) وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ .
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ فَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ .
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَصْفِهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعِنْدَهُمْ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَالْبَيْعُ مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَذَلِكَ حَلَالٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا بِاعْتِبَارِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْعَقْدِ صَارَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهِ فَالْفَسَادُ مُتَّصِلٌ بِوَصْفِ الْعَقْدِ مِنْ هَذَا ( الْوَجْهِ ) وَهَكَذَا سَائِرُ صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَلِهَذَا عِنْدَنَا لَا يُفِيدُ الْمُلْكُ خِلَافًا لَهُمْ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ هَذَا الْأَصْلُ .
تَنْبِيهٌ : يُشْتَرَطُ فِي التَّأْثِيمِ الْعِلْمُ بِالنَّهْيِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : يَأْثَمُ الْخَاطِبُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ إذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ ، وَكَذَا فِي السَّوْمِ عَلَى سَوْمِهِ وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ ، فَأَمَّا النَّجَشُ فَإِنَّهُ يَعْصِي سَوَاءٌ عَلِمَ ( النَّهْيَ ) أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ وَالْخِيَانَةَ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ فِي
الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّ ( ذَلِكَ ) لَا يَعْرِفُ حُرْمَتَهُ إلَّا الْخَوَاصُّ .
قُلْت : وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَفْرِيقِ الرَّافِعِيِّ بَيْنَهُمَا بِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ حُرْمَتَهُ وَلَا مَعْنَى لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِنَصِّ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بِالْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فِي النَّجْشِ ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) النَّهْيُ الْعَامُّ فِي الْغُرُورِ وَالْخِيَانَةِ وَمُرَادُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّهْيَ الْخَاصَّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .
فَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ وَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ وَهَوَاءُ الشَّارِعِ الْمُشْتَرَكِ مُشْتَرَكٌ وَهَوَاءُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُسْتَأْجَرٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ ( الْأَجِيرُ ) أَنْ يَبْنِيَ جَنَاحًا فِي هَوَاءِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُنِعَ وَلِذَلِكَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إشْرَاعَ شَيْءٍ فِي هَوَائِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ بِئْرًا وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِإِزَائِهَا جُدْرَانًا وَسَقَفَ عَلَيْهَا سَقْفًا يَمُرُّ فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ مَنَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبِئْرِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ ، ( فِي ) بَابِ الْغَصْبِ مِنْ التَّهْذِيبِ .
وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ ( جِدَارِهِ ) فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَنْفِيرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلُ ، أَمَّا إذَا رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ - ضَمِنَ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ .
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يُدَلِّيَ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ وَيَمْكُثَ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ لِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ .
وَلَوْ صَلَّى عَلَى لَوْحٍ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ : يَجُوزُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ ( عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ) وَتَوَجَّهَ إلَى هَوَاءِ الْبَيْتِ وَصَلَّى يَصِحُّ فَجَعَلْنَا هَوَاءَ الْبَيْتِ كَالْبَيْتِ .
الْأَوَّلُ : ( الْمُتَحَقِّقُ ) فِيهِ الْجَوَازُ لَكِنَّ الْجَوَازَ فِيهِ أَصْلٌ ( أَوْ دَخَلَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ ) وَالْمُلَازَمَةِ خِلَافٌ ( يَنْبَنِي ) أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ جَائِزٌ أَمْ لَا وَخَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَافِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْجَنَابَةَ دُونَ الْجُمُعَةِ أَجْزَاهُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ ؟ قَوْلَانِ : قَالَ : فَمَنْ قَالَ : إنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ جَائِزٍ يَقُولُ : لَا يَحْصُلُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ ، وَمَنْ قَالَ : وَاجِبٌ وَجَائِزٌ ( يَصِحُّ ) ؛ لِأَنَّ التَّنْظِيفَ تَابِعٌ وَنِيَّةَ الْقُرْبَةِ قَدْ وُجِدَتْ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ فَجَازَ .
الثَّانِي : يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ وَيُطَالَبُ بِأَدَائِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ عَلَى الْمُوسِرِ وَكُلُّ عِبَادَةٍ وَجَبَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا .
ثَانِيهَا : مَا ( ثَبَتَ ) فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ ( وَقَبْلَ ) التَّمَكُّنِ .
ثَالِثُهَا : مَا ( لَا ) يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ يَجِبُ تَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ ( وَعَدَمِ الْإِخْلَافِ ) ( لَا ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ .
الثَّالِثُ : الْوَاجِبُ إذَا فَاتَ بِالتَّأْخِيرِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَوْ جَبْرُهُ بِالْكَفَّارَةِ إلَّا فِي صُوَرٍ سَبَقَتْ ( فِي مَبَاحِثِ الْقَضَاءِ ) .
وَمِمَّا ( لَمْ ) يَسْبِقْ اللُّقَطَةُ إذَا قُلْنَا : يَجِبُ الِالْتِقَاطُ فَتَرَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِذَا قَضَى الزَّوْجَانِ الْحَجَّ عَمَّا ( أَفْسَدَاهُ ) بِالْجِمَاعِ يَغْرَمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَالْجَدِيدُ لَا يَجِبُ وَالْقَدِيمُ يَجِبُ فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَا أَثِمَا وَصَحَّ حَجُّهُمَا وَهَذَا وَاجِبٌ لَا يُجْبَرُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .
الرَّابِعُ : الْوَاجِبُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَتْ فُرُوعُهُ ( فِي حَرْفِ الْفَاءِ ) .
الْخَامِسُ : الْوَاجِبُ إذَا قُدِّرَ بِشَيْءٍ فَعَدَلَ إلَى مَا فَوْقَهُ ( هَلْ ) يُجْزِئُهُ .
وَضَابِطُهُ : أَنَّ مَا كَانَ يَجْمَعُهُمَا نَوْعٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ وَمَا لَا فَلَا وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ : ( أَحَدُهَا ) مَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ دَفَعَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ مَعَ أَنَّ وَاجِبَهَا شَاةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ حَسْبُهُ .
وَمِنْهُ قِيَامُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَقَامَ ( مَسْجِدِ ) الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى ( عِنْدَ نَذْرِهِمَا لِلِاعْتِكَافِ ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا ( وَلَا عَكْسَ لِأَنَّهُمَا مَفْضُولَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَقِيَامُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى ) وَلَا عَكْسَ .
============================ج8.==============
ج8.
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
وَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فَصَلَّى فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ .
الثَّانِي : مَا يَجْرِي فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا وَجَبَ فِي الْفِطْرَةِ قُوتُ نَفْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ فَعَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْهُ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا ، وَادَّعَى الرَّافِعِيُّ ( فِيهِ ) الِاتِّفَاقَ لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ فِي الْحَاوِي .
( وَمِنْهَا ) لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ وَادَّعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْوِفَاقَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ تَخْفِيفًا وَقِيلَ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ غَسْلِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قَطْعًا لِإِتْلَافِهِ وَمِثْلُهُ ) لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ نَاوِيًا رَفْعَ الْجَنَابَةِ يَصِحُّ ( فِي ) الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ الْغُسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ عَنْهُ تَخْفِيفًا كَمَا ( قُلْنَا ) فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَكَلَامُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي تَصْوِيرَ هَذَا بِالْغَالِطِ وَأَنَّ ( الْمُتَعَمَّدَ ) لَا يَصِحُّ وَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ ( أَجْزَأَهُ التَّتَابُعُ ) فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ .
الثَّالِثُ مَا لَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يُجْزَ بِدِينَارٍ .
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَأَخْرَجَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الصُّورَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَمِنْ لَطِيفِ الْقَوْلِ ( أَنَّا ) إذَا أَوْجَبْنَا الْعُمْرَةَ لَمْ تَقُمْ حَجَّةٌ مَقَامَهَا وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ ( وَزَادَتْ وَيُقِيمُ الْغُسْلَ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَهَذَا مِنْ أَصْدَقِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَغَايُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ) .
وَمِنْ هَذَا : لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِبَعْضِهِمْ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ فِي الْحَجِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ نَوْعَانِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَفْضَلُ مَقَامَ غَيْرِ الْأَفْضَلِ كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ بِالذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ .
وَمِثْلُهُ : لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ مِنْ ( دُوَيْرَةِ ) أَهْلِهِ لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قُلْنَا : الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ .
وَمِنْهَا : لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ وَلَمْ ( يُرَتِّبْ ) أَعْضَاءَهُ فَالْأَصَحُّ لَا يُجْزَى لِتَرْكِهِ ( التَّرْتِيبَ ) وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يُحِلُّ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ فَلَوْ قُلْنَا : يُحِلُّ الْبَدَنَ جَمِيعَهُ صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ .
قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَفِي الْكِفَايَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً بِعَيْنِهَا فَذَبَحَ عِوَضَهَا بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً لَمْ تُجْزِ ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَحَكَى فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّوْضَةِ فِيهِ الْخِلَافَ .
الْبَحْثُ السَّادِسُ : الْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ إذَا أُتِيَ بِهِ وَزِيدَ عَلَيْهِ هَلْ يَتَّصِفُ الْكُلُّ بِالْوُجُوبِ أَوْ ( الْمُقَدَّرُ ) الْوَاجِبُ وَالزَّائِدُ سُنَّةٌ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ طَوَّلَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَمِيعَ يَكُونُ وَاجِبًا وَالثَّانِي يَقَعُ مَا زَادَ سُنَّةً .
وَمِثْلُهُ : الْخِلَافُ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَفِي الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ : الْأَرْجَحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ تَطَوُّعًا ، وَكَذَا قَالَ فِي ( بَابِ الدِّمَاءِ فِي الْبَدَنَةِ ) أَوْ الْبَقَرَةِ الْمُخْرَجَةِ عَنْ الشَّاةِ الْأَصَحُّ أَنَّ الْفَرْضَ يَتْبَعُهَا .
وَهَذَا ( مَا ) لَمْ يَتَمَيَّزْ ( فَإِنْ تَمَيَّزَ ) وَوَقَعَ مُرَتَّبًا فَالزَّائِدُ نَفْلٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ قَطْعًا أَوْ يَجْرِي الْخِلَافُ طَرِيقَانِ صَحَّحَ فِي ( الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الرَّوْضَةِ ) الثَّانِيَ وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ لِوُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ .
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا أَجْزَأَ الْآخَرُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ( فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا ) مُرَتِّبًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الثَّانِي أَجْزَأَ الْأَوَّلُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ لَمْ يَجْزِهِ وَإِنْ قَالَ : أَعْتَقْت الثَّانِيَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِي ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ .
السَّابِعُ : يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ إلَى مَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ ( وَإِلَى مَا هُوَ عَلَى ) التَّرَاخِي فَاَلَّذِي عَلَى التَّرَاخِي يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ بِشَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ بِالِاتِّفَاقِ .
وَثَانِيهِمَا : بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَجَبَ قَضَاؤُهُ ( عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ صَارَ ) عَلَى الْفَوْرِ بِإِحْرَامِهِ وَعَدَّاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي حَرْفِ الشَّيْنِ فِي ( فَصْلِ الشُّرُوعِ ) .
الثَّامِنُ : وَقَدْ يَجِبُ الشَّيْءُ وَيَسْقُطُ ( لِتَعَارُضِ ) الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ هَلْ وَجَبَ ( الْمَهْرُ ) ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَجْهَانِ ، وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ قُلْنَا : لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ أَصْلًا وَجَبَ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ قُلْنَا : وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ لَمْ يَجِبْ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَوْفَى .
وَمِنْهَا : الْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ هَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ ( أَصْلًا ؟ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ ) الثَّانِي كَمَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ .
وَزَعَمَ الْإِمَامُ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِنْ فَوَائِدِهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ .
وَمِنْهَا : الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَهَلْ يُقَالُ ( يَحْمِلُهَا ) ( الْإِمَامُ عَنْهُ ) ( أَوْ ) لَمْ تَجِبْ أَصْلًا ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ، وَفَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا .
التَّاسِعُ : إذَا امْتَنَعَ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْوَاجِبِ فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْهُ النِّيَابَةُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ( تَعَالَى ) نُظِرَ إنْ ( كَانَتْ ) صَلَاةً طُولِبَ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا حُبِسَ وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ .
وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ حُبِسَ ( حَتَّى يَفْعَلَهُ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ الِاخْتِيَارِ إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ وَكَالْمُقِرِّ بِمُبْهَمٍ يُحْبَسُ ) حَتَّى يُبَيِّنَ .
وَأَمَّا إذَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ صُورَةٌ ( فِي حَرْفِ الْكَافِ ) .
الْعَاشِرُ : مَا كَانَ صِفَةً لِلْوَاجِبِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَإِنَّ فَرْضَ الْجَمَاعَةِ لَا يَسْقُطُ وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحْدَهُ .
الثَّانِيَةُ : إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ : إنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا مَعَ الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ .
الثَّالِثَةُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ ( يَوْمَ ) الْجُمُعَةِ خَارِجَ الصَّحْرَاءِ .
الْوَارِثُ فِي قِيَامِهِ مَقَامَ ( الْمُورِثِ ) ( فِيمَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى ) أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا وَهُوَ فِي مَا لَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْحُقُوقِ وَيُقْبَلُ بَيَانُهُ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ وَحَلِفُهُ إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ( يَمِينٌ ) وَمَاتَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ( صِدْقُهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ) عَدَمُهُ ( حَرُمَ أَوْ اسْتَوَيَا ) فَوَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْوَدِيعَةِ .
وَلَوْ قَالَ : لَأَقْضِيَنَّ حَقَّك ( فَأَدَّى ) الْحَقَّ ( لِوَارِثِهِ ) ( يَبْرَأُ ) ( وَاسْتَشْكَلَهُ ) الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لِلْوَرَثَةِ وَالدَّفْعَ مَا حَصَلَ لِلْمَحْلُوفِ ( عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ ) لِوَارِثِهِ .
( وَمِنْهُ ) التَّحَالُفُ ( يَقُومُ وَارِثُ ) الْمُتَبَايِعَيْنِ مَقَامَهُمَا وَكَذَلِكَ أَحَدُهُمَا مَعَ وَارِثِ الْآخَرِ .
وَمِثْلُهُ : الْإِقَالَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهَا أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْوَصَايَا ( أَنَّهَا تَجُوزُ ) مَعَ الْمُشْتَرِي وَوَارِثِ الْبَائِعِ .
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ اسْتَأْجَرُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْ مُورِثِهِمْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا ثُمَّ تَقَايَلُوا مَعَ الْأَجِيرِ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ( لَهُمْ ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ( لَهُمْ ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضَاقَ ( الْوَقْتُ ) امْتَنَعَ .
الثَّانِي : مَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَاقِدُ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ ، وَكَمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَا ( يَفْسَخُ ) الْإِجَارَةَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَيَقُومَ مَقَامَ ( وَارِثِهِ ) اسْتِصْحَابًا لِدَوَامِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ وَمَاتَ فَجَاءَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ فَهَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ ( لَتُنَفَّذَ ) الْوَصِيَّةُ فِيهِ احْتِمَالَانِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ مِنْ الرَّافِعِيِّ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَاَلَّذِي ( جَزَمَ بِهِ ) الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ حَلِفُ الْوَارِثِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِرْقَاقِ وَالْوَلَاءِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ فِي ( الطَّلَاقِ ) الْمُبْهَمِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْحَجِّ لَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْقَبُولُ لِإِيجَابِ الْبَيْعِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلدَّارِكِيِّ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَخُرِقَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ .
وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ لَمْ ( يُبِنْ ) وَارِثُهُ فِي الْأَصَحِّ .
تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : قَدْ ( يَثْبُتُ ) الْحَقُّ لِلْوَارِثِ مَعَ حَيَاةِ ( الْمُورِثِ ) وَذَلِكَ فِي ( الْوَلَاءِ ) وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا كَانَ قَاتِلًا كَانَ مِيرَاثُ الْعَتِيقِ لِعَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ فِسْقٍ ( أَوْ غَيْرِهِ ) انْتَقَلَ التَّزْوِيجُ إلَى الْأَبْعَدِ مِنْ عَصَبَاتِهِ وَلَمْ ( يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا ) قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي هَذِهِ أَنَّ الْأَبْعَدَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا يُزَوِّجُ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ عَلَى أَنَّ الْعَصَبَةَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوَلَاءِ مَعَ حَيَاةِ الْمُعْتِقِ فَإِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ ( فُضَّ ) عَلَيْهِمْ ، وَنُصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ عَصَبَةَ الْمُعْتِقِ الَّذِينَ عَلَى دِينِ ( الْعَتِيقِ ) يَرِثُونَ الْعَتِيقَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا فَأَثْبَتَ الشَّافِعِيُّ لَهُمْ الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ بِهِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتَقِدِ وَهَذَا يَرُدُّ مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ .
الثَّانِي : لَوْ وَرِثَ الْقِصَاصَ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ ، وَلَوْ وَرِثَ حَدَّ الْقَذْفِ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْقُطْ وَلِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا سَقَطَ رُجِعَ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الدِّيَةُ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ إذَا سَقَطَ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا مُشْتَرَكًا لِجَمَاعَةٍ فَعَفَا أَحَدُ سَادَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ إذْ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْءٌ .
الْوَثَائِقُ الْمُتَعَلِّقَةُ ( بِالْأَعْيَانِ ) ثَلَاثَةٌ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالشَّهَادَةُ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ قُلْت : ثُمَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا يَدْخُلُهُ الثَّلَاثَةُ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ ( وَأُرُوشِ ) الْجِنَايَاتِ الْمُسْتَقِرَّةِ .
وَمِنْهُ مَا يُسْتَوْثَقُ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالرَّهْنِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ ( جَزَمَ ) بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِهَا قَالَ : لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَنُجُومَ الْكِتَابَةِ لَا رَهْنَ فِيهَا وَلَا ضَمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ ، وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا ( يَدْخُلُهَا ) الضَّمِينُ .
وَمِنْهُ الْمُسَابَقَةُ إذَا اُسْتُحِقَّ رَهْنُهَا جَازَ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ ، وَقِيلَ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ( جَائِزٌ أَوْ لَازِمٌ ) .
وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُهُ الضَّمِينُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُسْتَدْرَكُ عَلَى الْإِمَامِ ( حَصْرُ ) الْوَثَائِقِ فِي ثَلَاثٍ ( بِأُمُورٍ ) مِنْهَا : الْحَبْسُ عَلَى الْحُقُوقِ إلَى الْوَفَاءِ ( أَوْ حُضُورِ ) الْغَيْبِ وَإِفَاقَةِ الْمَجَانِينِ وَبُلُوغِ الصِّبْيَانِ .
وَمِنْهَا حَبْسُ الْمَبِيعِ ( حَتَّى يَقْبِضَ ) الثَّمَنَ ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ ( تَسْلِيمَ ) نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الْمَهْرَ وَغَيْرُ ( ذَلِكَ ) .
فِي الْبَيْعِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيَقُومُ مَقَامَهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَفِي بَابِ الدَّعْوَى ، وَكَذَا السَّلَمُ إذَا كَانَ الْوَصْفُ لَا يُؤَدِّي إلَى ( عِزَّةِ ) الْوُجُودِ وَفِي الْجَعَالَةِ لَوْ شَرَطَ الْجُعَلَ بِسَلْبِ الْعَبْدِ أَوْ ثِيَابِهِ وَوَصَفَهُ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ وَإِلَّا فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ ( اسْتِيفَاءَ ) الْأَوْصَافِ فِي الْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كَانَ ( كَالْمُسْتَأْجَرِ ) .
الْوَطْءُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ عَلَى أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : يُعْتَبَرُ ( فِيهِ ) كُلُّ ( وَاحِدٍ ) مِنْ الْوَاطِئَيْنِ بِحَالِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحَدُّ وَالْغُسْلُ ( فَأَيُّهُمَا كَانَ ) مُكَلَّفًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا .
ثَانِيهَا : مَا ( يُعْتَبَرُ بِالْوَاطِئِ ) دُونَ الْمَوْطُوءَةِ وَهُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْوَاطِئُ زَانِيًا لَحِقَ النَّسَبُ ( وَوَجَبَتْ ) الْعِدَّةُ ، وَحَيْثُ كَانَ زَانِيًا ( لَا يَثْبُتَانِ ) ثَالِثُهَا : يُعْتَبَرُ بِالْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ وَهُوَ وُجُوبُ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَتْ زَانِيَةً لَمْ تَسْتَحِقَّ الْمَهْرَ وَإِلَّا اسْتَحَقَّتْ وَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْوَاطِئِ أَنَّهُ زَانٍ أَوْ غَيْرُ زَانٍ ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَتَبِعُوهُ .
الثَّانِي : الْوَطْءُ مَعَ الْفَسْخِ بِعَيْبِ النِّكَاحِ مَضْمُونٌ بِلَا خِلَافٍ إمَّا بِالْمُسَمَّى عَلَى قَوْلٍ أَوْ بِالْمَهْرِ عَلَى قَوْلٍ وَفِي بَابِ الْبَيْعِ ( فِي ) رَدِّ الْجَارِيَةِ بِالْعَيْبِ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَطْءَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَالْوَطْءُ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْعَقْدُ عَلَى الرَّقَبَةِ وَالْوَطْءُ مَنْفَعَةُ مِلْكِهِ فَلَمْ يُقَابِلْهُ بِعِوَضٍ .
الثَّالِثُ : لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي النِّكَاحِ حُكْمُهُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ ، وَالْأَحْكَامُ الْمُوجِبَةُ لِلْوَطْءِ فِيهِ عَشْرَةٌ : وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ سَوَاءٌ سَمَّى لَهَا فِي الْعَقْدِ شَيْئًا أَمْ لَا ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إذَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُمَا مَعًا ، تَحْرُمُ ( عَلَى آبَائِهِ ) مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَجَدَّاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا ، تَصِيرُ فِرَاشًا بِهَذَا الْوَطْءِ وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَمْلِكُ بِهِ اللِّعَانَ وَهُوَ إذَا قَذَفَهَا بِزِنًى وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا أَوْ وَلَدِهَا ، قَالَ : وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ بِمُلْكِ الْيَمِينِ سَبْعَةٌ : تَصِيرُ فِرَاشًا بِنَفْسِ الْوَطْءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، تَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا ( عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا ) يَجِبُ ( عَلَيْهَا ) الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنْ ( ادَّعَتْ ) وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ وَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ ( بِلَا لِعَانٍ ) وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَتِهِ هَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الصَّدَاقِ : لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْلُوَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِهِ ( مُحْتَرَمًا ) عَنْ الْمَهْرِ إذَا أَمْكَنَ تَقْرِيرُهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الذِّمِّيَّةُ إذَا نُكِحَتْ فِي الشِّرْكِ عَلَى التَّفْوِيضِ وَكَانُوا يَرَوْنَ سُقُوطَ الْمَهْرِ عِنْدَ الْمَسِيسِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ مِنْ عَبْدِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْمَهْرُ أَصْلًا .
وَأَمَّا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ ( الصُّورَتَيْنِ ) فَلَا يُتَصَوَّرُ خُلُوُّ مَسِيسٍ فِي نِكَاحٍ عَنْ مَهْرٍ هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً فِي طُرُقِهِمْ .
قَالَ الْقَاضِي : إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا وَهِيَ مُفَوِّضَةٌ : طَأْنِي وَلَا مَهْرَ عَلَيْك ؛ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْحَقِّ وَقَدْ سَلَّطَتْهُ مَعَ الرِّضَا بِنَفْيِ الْمَهْرِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا ( قَالَتْ ) أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ فَوَطِئَهَا ظَانًّا حِلَّهُ فَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ قَوْلَانِ ( انْتَهَى ) .
وَعَبَّرَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَهْرٍ أَوْ عُقُوبَةٍ إلَّا فِي مَسَائِلَ : هَاتَانِ " وَالثَّالِثَةُ : وَطْءُ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ .
الرَّابِعَةُ : السَّفِيهُ إذَا تَزَوَّجَ رَشِيدَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَوَطِئَ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ .
الْخَامِسَةُ : أَعْتَقَ الْمَرِيضُ أَمَتَهٌ وَتَزَوَّجَهَا وَكَانَتْ ثُلُثَ مَالِهِ .
السَّادِسَةُ : إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْوَطْءِ فَوَطِئَ عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ .
السَّابِعَةُ : إذَا وُطِئَتْ الْمُرْتَدَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ بِشُبْهَةٍ .
الثَّامِنَةُ : إذَا وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ .
التَّاسِعَةُ : وَطْءُ ( الزَّوْجِ ) مَا عَدَا الْوَطْأَةَ الْأُولَى عَلَى ( وَجْهِ أَنَّ ) الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْأَةِ الْأُولَى خَاصَّةً .
الْخَامِسُ : الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ كَهُوَ فِي الْقُبُلِ إلَّا فِي سَبْعِ صُوَرٍ ذَكَرَهَا فِي الرَّوْضَةِ : التَّحْصِينُ وَالتَّحْلِيلُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْعُنَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْبِكْرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَاذَا وُطِئَتْ الْكَبِيرَةُ فِي فَرْجِهَا وَقَضَتْ وَطَرَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْمَنِيُّ وَجَبَ إعَادَةُ الْغُسْلِ فِي الْأَصَحِّ ( وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دُبُرِهَا ) لَمْ تُعِدْ .
وَالسَّابِعَةُ : لَا يَحِلُّ بِحَالٍ وَالْقُبُلُ يَحِلُّ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ .
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ ( بِصُوَرٍ ) : ( إحْدَاهَا ) إذَا وَطِئَ بَهِيمَةً وَقُلْنَا : إذَا وَطِئَهَا فِي ( الْقُبُلِ ) تُقْتَلُ فَلَا تُقْتَلُ هَا هُنَا ( بِنَاءً ) عَلَى أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَلِدَ آدَمِيًّا .
وَمِنْهَا : لَا أَثَرَ لِوَطْءِ ( الْبَائِعِ ) فِي قُبُلِ الْخُنْثَى فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي دُبُرِهِ فَسْخٌ كَقُبُلِ غَيْرِ الْخُنْثَى .
وَمِنْهَا : الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ هَلْ يُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ ، إنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْقُبُلُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ الْتِحَاقَهُ بِالْقُبُلِ .
وَمِنْهَا : هَلْ يَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ قَالَ الْحَنَّاطِيُّ : نَعَمْ .
( وَمِنْهَا : لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ ) فَوَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ فَوَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْحِنْثِ وَسَبَقَ أَنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْ السَّيِّدَ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ كَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ سَقَطَتْ حَصَانَتُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا إذَا وَطِئَ غُلَامًا جُلِدَ الْمَفْعُولُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ ( أَوْ بِكْرًا ) جُلِدَ .
وَمِنْهَا لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي دُبُرِ رَجُلٍ كَانَ جُنُبًا لَا مُحْدِثًا فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا عَلَى وَجْهٍ .
وَمِنْهَا وَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا وَهِيَ بِكْرٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَهَلْ يُقْسِمُ لَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي قَسَمَ بِكْرٍ أَمْ ثَيِّبٍ .
السَّادِسُ : الْوَطْءُ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ فِي الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ وَنَحْوِهِمَا ؟ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُهُ وَقَدْ يُظَنُّ تَعَارُضُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ( لَهَا ) مَأْخَذٌ يَظْهَرُ بِضَابِطٍ فَنَقُولُ : ( هُوَ ) أَنْوَاعٌ .
الْأَوَّلُ : مَا مَلَّكَهُ لِلْغَيْرِ وَتَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ كَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا فَلَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُوصَى بِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ( إحْبَالٌ ) وَوَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ التَّدْبِيرِ عَزَلَ أَمْ لَا .
الثَّانِي : مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مُنَجَّزًا فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا .
وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ بِالْفَلَسِ بِوَطْءِ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَكُونُ وَطْءُ الْأَبِ الْمَوْهُوبَةَ رُجُوعًا فِي هِبَةِ وَلَدِهِ عَلَى ( الصَّحِيحِ ) .
وَمِثْلُهُ لَوْ بَاعَ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ وَوَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْأَمَةِ فَلَوْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ( وَفِي الْعَبْدِ ) وَاسْتِرْجَاعًا لَهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ .
الثَّالِثُ : أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الزَّوَالِ وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَحْصُلُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَوَطِئَ إحْدَاهُنَّ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلنِّكَاحِ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُطَلَّقَةِ لَا يَكُونُ رَجْعَةً .
وَلَوْ قَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا ( لَا يَكُونُ ) تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ أَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ مُعَيَّنًا بِالنِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا قَطْعًا .
وَلَوْ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ فَلَا يَكُونُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَعْيِينٌ .
وَلَوْ وَطِئَ السَّيِّدُ جَارِيَتَهُ الْجَانِيَةَ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ فِي الْأَصَحِّ وَالثَّانِي يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهُ كَفَسْخِ الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ خِيَارَ الْبَيْعِ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَسَقَطَ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ ( فَإِنَّ ) خِيَارَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ الثَّانِي : أَنْ يَحْصُلَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ فَسْخًا وَرُجُوعًا .
فَمِنْهَا وَطْءُ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُشْتَرِي إجَازَةً وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ كَالسَّبْيِ فَكَذَلِكَ دَوَامُهُ .
وَمِنْهَا إذَا ظَهَرَتْ مَعِيبَةً فَذَهَبَ لِيَرُدَّهَا فَوَطِئَهَا فِي الطَّرِيقِ امْتَنَعَ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ .
وَمِنْهَا السَّيِّدُ إذَا وَطِئَ أَمَةَ الْمَأْذُونِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَانَ وَطْؤُهَا حَجْرًا عَلَيْهِ فِيهَا وَقِيلَ : يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَعْزِلَ أَمْ لَا كَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي الْقِرَاضِ جَارِيَةٌ لَمْ يَجُزْ لِلْمَالِكِ وَطْؤُهَا فَلَوْ وَطِئَ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْقِرَاضِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ .
السَّابِعُ : كُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْزَالُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَهِيَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى لَا يَحْنَثُ إلَّا بِتَحْصِينِ الْجَارِيَةِ وَالْوَطْءِ وَالْإِنْزَالِ .
الثَّامِنُ : الْمِلْكُ الْقَاصِرُ مِنْ ابْتِدَائِهِ لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ مَا ( لَوْ ) كَانَ الْقُصُورُ طَارِئًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمُرْتَهِنِ .
التَّاسِعُ : الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ لِعَارِضٍ هَلْ يَسْتَتْبِعُ تَحْرِيمَ مُقَدِّمَاتِهِ أَمْ لَا ؟ إنْ كَانَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَقُصُورِهِ أَوْ خَشْيَةِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَالْمُسْتَبْرَأَةِ إذَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ فَيَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ بِهَا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ فَهُوَ نَوْعَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْعِبَادَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : ضَرْبٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ جِنْسُ التَّرَفُّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فَيَمْتَنِعُ الْوَطْءُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ .
وَضَرْبٌ يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ وَمَا أَفْضَى ( إلَى الْإِنْزَالِ وَلَا يَمْنَعُ ) مِمَّا يَبْعُدُ ( إفْضَاؤُهُ ) إلَيْهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ الصِّيَامُ .
الثَّانِي : غَيْرُ الْعِبَادَاتِ ( وَهِيَ ) عَلَى أَرْبَعَةِ ( أَقْسَامٍ ) .
الْعَاشِرُ : إنَّمَا يُبَاحُ الْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ التَّامِّ دُونَ الْمُزَلْزَلِ .
وَلِهَذَا لَوْ اتَّفَقَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُ عَنْ قِيمَةِ الْحَيْلُولَةِ جَارِيَةً وَعَوَّضَهَا لَهُ الْغَاصِبُ جَازَ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : تَفَقُّهًا إنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ مِلْكًا ( تَامًّا ) مُسَلَّطًا عَلَى الْوَطْءِ .
قُلْت : يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فَإِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْمَغْصُوبِ مَعْلُومًا : إنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَحَكَى فِي اسْتِقْرَارِهِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَجْهَانِ وَقَضِيَّةُ الِاسْتِقْرَارِ حِلُّ الْوَطْءِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ ( قِيمَةَ فَرْضٍ ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا عَلَى حُكْمِ رَدِّ الْعَيْنِ وَهَذَا قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْوَطْءُ .
وَمِنْهَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ : بِعْتُكهَا وَقَالَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ : بَلْ وَهَبْتنِيهَا ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الْكَامِلِ : يَحِلُّ لِمُدَّعِي الْهِبَةِ وَطْؤُهَا فِي الْبَاطِنِ إذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ وَكَانَ قَدْ قَبَضَهَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي صَادِقًا انْتَهَى .
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ تَعَيُّنُ ( جِهَةٍ ) ؟ ( كَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ) يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَطَأُ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوْ ( بِالْمِلْكِ ) .
الْحَادِيَ عَشَرَ : كُلُّ وَطْءٍ مُحَرَّمٍ إنْ حُرِّمَ لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ ( وَجَبَتْ ) فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، وَإِنْ ( حَرُمَ ) لَا لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ لَمْ يَجِبْ كَوَطْءِ الْحَائِضِ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَهِيَ مَنْقُوضَةٌ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : اُخْتُلِفَ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهُمَا الثَّالِثُ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ مَا أُذِنَ فِيهِ شَرْعًا فَلَيْسَ بِمُبَاحٍ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ فَأَيْنَ الْخِلَافُ ( وَهَكَذَا ) الْقَوْلُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَنَحْوِهِ .
وَقْتُ الشَّيْءِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ هُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ رُكْنًا فِي الْمَقْصُودِ ( فَيَنْزِلُ ) .
وَلِهَذَا إذَا دَخَلَ اللَّيْلُ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُفَطِّرَ وَكَذَلِكَ مُضِيُّ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ تُوجِبُ النَّزْعَ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ .
وَإِذَا وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ شَيْئًا عِنْدَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ وَمَضَى زَمَنُ إمْكَانِهِ صَارَ كَالْمَقْبُوضِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ .
وَإِذَا مَضَى زَمَانُ الْمَنْفَعَةِ فِي الْإِجَارَةِ بَعْدَ التَّمْكِينِ اسْتَقَرَّتْ ( الْأُجْرَةُ ) وَإِنْ لَمْ تُسْتَوْفَ الْمَنْفَعَةُ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ زَمَنِ عَرْضِهَا عَلَى الزَّوْجِ الْغَائِبِ مَقَامَ التَّوْكِيلِ حَتَّى تَجِبَ النَّفَقَةُ إذَا عَلِمَ وَمَضَى زَمَنُ إمْكَانِ وُصُولِهِ إلَيْهَا وَلَمْ يَصِلْ فِيهِ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ زَمَنِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمَرْأَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي الْغَيْبَةِ فِي مُضِيِّ قَدْرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ مَقَامَ الْوَطْءِ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِي الْمَقْصُودِ فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ كَدُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الرَّمْيِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ فَقَالَ : إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ وَأَلْزَمَهُ الْأَصْحَابُ بِطَرْدِهِ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ .
وَمِنْهَا : الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ إذَا وَقَفَا بِعَرَفَةَ ثُمَّ دَفَعَا بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ كَمَّلَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُمَا خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ .
وَمِنْهَا : وَقْتُ الْخَرْصِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْخَرْصِ ؟ إنْ قُلْنَا : لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّضْمِينِ - لَمْ يَقُمْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْمَنْعُ ( وَقَالَ قَبْلَ ) ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ نَخِيلٌ يَخْتَلِفُ إدْرَاكُهَا فِي الْعَامِ فَإِنْ أُطْلِعَ ( الْمُتَأَخِّرُ ) قَبْلَ بُدُوِّ ( صَلَاحِ ) الْأَوَّلِ ضَمَّهُ إلَيْهِ أَوْ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ فَوَجْهَانِ قَالَ الْقَفَّالُ : لَا يَضُمُّ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ فَعَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ فَهَلْ يُقَامُ وَقْتُ الْجِدَادِ مَقَامَ الْجِدَادِ وَجْهَانِ أَفْقَهُهُمَا يُقَامُ فَإِنَّ الثِّمَارَ بَعْدَ وَقْتِ الْجِدَادِ كَالْمَجْدُودَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ أُطْلِعَتْ النَّخْلَةُ الْعَامَ الثَّانِيَ وَعَلَيْهَا بَعْضُ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ لَمْ تُضَمَّ قَطْعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ أَفْرَدَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ بِالْعَقْدِ وَقْتَ التَّأْبِيرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ بِإِفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ انْقَطَعَ ( عَنْ التَّبَعِيَّةِ ) وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ تَنْزِيلُ وَقْتِ التَّأْبِيرِ مَقَامَ التَّأْبِيرِ وَمِثْلُهُ إقَامَةُ وَقْتِ ( بُدُوِّ ) الصَّلَاحِ مَقَامَ الصَّلَاحِ .
الْوَقْفُ فِي الْأَحْكَامِ ( كَثُرَ ) فِي كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ بِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ نَاجِزَةٌ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) الْوَقْفُ إلَّا فِي ( صُوَرٍ ) نَادِرَةٍ .
مِنْهَا : الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ .
وَمِنْهَا : قَالَ الرُّبَيِّعُ : ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فِي الْأَمَالِي الْقَدِيمَةِ وَحَكَى اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهَا فَقُلْت لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهَا ؟ فَقَالَ : أَنَا مُتَوَقِّفٌ ، حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ قَالَ : لَكِنَّهُ أَزَالَ التَّوَقُّفَ بَعْدُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَامْتَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ إثْبَاتِهِ قَوْلًا .
وَالْوَقْفُ يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ لِبَيَانِ مَا يَحْدُثُ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْعُقُودِ فَمِنْ الْأَوَّلِ حَجُّ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ إنْ دَامَ كَانَ نَفْلًا وَإِنْ بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ انْقَلَبَ فَرْضًا .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ فَسَلَّمَ سَاهِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ قَرِيبًا فَفِي صِحَّةِ سَلَامِهِ الثَّانِي وَجْهَانِ فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَقَدْ ( فَاتَ مَحَلُّ السُّجُودِ ) وَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ فَإِنْ سَجَدَ فَهُوَ بَاقٍ ( فِي الصَّلَاةِ لَوْ أَحْدَثَ لَبَطَلَتْ وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ قَالَ الْإِمَامُ : فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ) فِي الصَّلَاةِ وَلَا بُدَّ مِنْ السَّلَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : السَّلَامُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ سَجَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ تَرَكَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ تَحَلَّلَ وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ فَالْوَقْفُ فِيهَا يُعَبَّرُ ( بِهِ ) عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ : إحْدَاهَا : بَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَهُوَ وَقْفُ صِحَّةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الصِّحَّةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بَعْدَهَا وَتَكُونُ الْإِجَازَةُ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ( ثَلَاثَتُهَا ) أَرْكَانُ الْعَقْدِ .
هَذَا مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الصِّحَّةَ نَاجِزَةٌ وَالْمُتَوَقِّفَ ) عَلَى الْإِجَازَةِ هُوَ الْمِلْكُ .
الثَّانِيَةُ : بَيْعُ مَالِ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ
وَهُوَ وَقْفٌ ( تَبَيَّنَ ) بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْدَ ( فِيهِ صَحِيحٌ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ فِي ثَانِي الْحَالِ ) ( فَهُوَ وَقْفٌ ) عَلَى ظُهُورِ أَمْرٍ كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ ، وَالْمِلْكُ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَلَا خِيَارَ فِيهِ .
( الثَّالِثَةُ ) تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ وَهِيَ مَا إذَا غَصَبَ أَمْوَالًا وَبَاعَهَا وَتَصَرَّفَ فِي أَثْمَانِهَا بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ تَتَبُّعُهَا بِالنَّقْضِ ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ وَالثَّانِي لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَ وَيَأْخُذَ الْحَاصِلَ مِنْ أَثْمَانِهَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَالْأُولَى ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّهَا كَالثَّانِيَةِ فِي عَدَمِ الْخِيَارِ وَتَبَيُّنِ الْمِلْكِ مِنْ قَبْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مِنْ الْوَقْفِ مَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ وَمِنْهُ مَا يَبْطُلُ .
وَضَبَطَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الدَّعْوَى الْوَقْفَ الْبَاطِلَ فِي الْعُقُودِ بِتَوَقُّفِ الْعَقْدِ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ وَيَنْحَصِرَانِ فِي سِتَّةِ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ شَرْطٍ بَعْدَهُ فَهُوَ الْبَاطِلُ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ .
وَلَوْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَأَنَا ( وَالرُّكَّابُ ) ضَامِنُونَ ، وَقَالَ : أَرَدْت إنْشَاءَ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ ، فَقِيلَ : إنْ رَضُوا ( بِهِ ) ثَبَتَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا ( تُوقَفُ ) عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا مَا ارْتَضَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِمَامُ وَقَرَّبَ فِي الْوَسِيطِ الْأَوَّلَ وَقَالَ : يَلْزَمُهُمْ الْمَالُ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِوَقْفِ الْعُقُودِ فَإِنْ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ لِلْحَاجَةِ .
الثَّانِي : مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَبْيِينٍ وَانْكِشَافٍ سَابِقٍ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ الصَّحِيحُ كَبَيْعِ مَالِ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ وَأَلْحَقَ بِهَا الرَّافِعِيُّ مَا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ مُكَاتَبٌ وَكَانَ قَدْ رَجَعَ أَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ ( وَكَذَلِكَ ) لَوْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فُضُولِيٌّ فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ إذَا قُلْنَا : لَا تَتَوَقَّفُ الْوَكَالَةُ عَلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ .
وَمِثْلُهُ ( مُعَامَلَةُ ) مَنْ عُرِفَ رِقُّهُ وَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ .
وَذَكَرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِيمَا لَوْ كَاتَبَ الْعَبْدُ كِتَابَةً فَاسِدَةً ثُمَّ أَوْصَى بِهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ فَفِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ قَوْلَانِ وَقَالَ : إنَّهُمَا أَصْلُ وَقْفِ الْعَقْدِ وَقَضِيَّتُهُ ( تَرْجِيحُ صِحَّةِ ) الْوَصِيَّةِ وَلَا نَظَرَ لِاعْتِقَادِ الْمُوصَى .
الثَّالِثُ : مَا تَوَقَّفَ عَلَى انْقِطَاعِ تَعَدٍّ فَقَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ الْإِبْطَالُ كَبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ ثُمَّ يُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ ( أَوْ ) يَفْضُلُ عَنْ الْغُرَمَاءِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ ( فِي الْأَصَحِّ ) ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَكِّ إنْ وُجِدَ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَقْفُ تَبْيِينٍ .
الرَّابِعُ : مَا تَوَقَّفَ عَلَى ارْتِفَاعِ حَجْرٍ حُكْمِيٍّ خَاصٍّ كَالْعَبْدِ يُقِيمُ شَاهِدَيْنِ عَلَى عِتْقِهِ ( وَلَمْ ) يَعْدِلَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْجُرُ عَلَى السَّيِّدِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى التَّعْدِيلِ فَلَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ عَدَالَتِهِمْ فَعَلَى قَوْلِ الْوَقْفِ فِي صُورَةِ الْمُفْلِسِ بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا أَخَصُّ مِنْهَا لِوُجُودِ الْحَجْرِ هُنَا عَلَى الْعَيْنِ خَاصَّةً ، وَهُنَاكَ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي أُبْطِلَ وَقِيلَ : يَكُونُ مَوْقُوفًا إنْ فَدَاهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا .
الْخَامِسُ : مَا تَوَقَّفَ لِأَجْلِ حَجْرٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَفِيهِ صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : تَصَرُّفَاتُ الْمَرِيضِ بِالْمُحَابَاةِ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الثُّلُثِ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ صَحَّتْ وَإِلَّا بَطَلَتْ ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُفْلِسِ ؛ لِأَنَّ ضِيقَ ( الثُّلُثِ ) وَمُزَاحَمَةَ الْغُرَمَاءِ أَمْرٌ ( مُسْتَقْبَلٌ ) وَالْمَانِعَ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُفْلِسِ وَالرَّاهِنِ قَائِمٌ حَالَةَ التَّصَرُّفِ .
ثَانِيَتُهُمَا : إذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِي الْمَالِ غَائِبٌ فَتَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي ثُلُثَيْ الْحَاضِرِ ثُمَّ بَانَ تَلَفُ الْغَائِبِ أَلْحَقَهَا الرَّافِعِيُّ بِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ فَأَلْحَقَهَا بِبَيْعِ مَالِ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ ، وَهَذَا أَشْبَهُ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَادَفَ مِلْكَهُ فَهِيَ بِبَيْعِ الِابْنِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْفُضُولِيِّ .
السَّادِسُ : مَا تَوَقَّفَ لِأَجْلِ حَجْرٍ وَضْعِيٍّ أَيْ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ كَالرَّاهِنِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَصِحُّ عَلَى الْجَدِيدِ وَعَلَى الْقَدِيمِ الَّذِي يَجُوزُ وَقْفُ الْعُقُودِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الِانْفِكَاكِ وَعَدَمِهِ وَأَلْحَقَهُ الْإِمَامُ بِبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ .
فَوَائِدُ : الْوَقْفُ الْمُمْتَنِعُ فِي الْعُقُودِ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ الزَّوْجَةُ كَانَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا وَلَوْ ابْتَدَأَ النِّكَاحَ عَلَى مُرْتَدَّةٍ لَمْ يَجُزْ .
قَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْقَى الْمِلْكُ مَوْقُوفًا فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَمِلْكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ إنْ ( قَبِلَ ) تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ وَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ مَالَهُ .
الْوِلَايَةُ إذَا أُثْبِتَتْ لِشَخْصٍ بِالتَّقْدِيمِ لِقُرْبِهِ فَغَابَ انْتَقَلَتْ إلَى السُّلْطَانِ كَحِفْظِ الْمَالِ وَالتَّزْوِيجِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَضَانَةُ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ لِلْأَبْعَدِ لَا لِلسُّلْطَانِ فَإِذَا غَابَتْ الْأُمُّ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ ( لِلْجَدَّةِ ) فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْإِمَامُ وَفَرَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ النَّظَرَ فِي التَّزْوِيجِ وَالْمَالِ يَتَهَيَّأُ مِنْ السُّلْطَانِ نَفْسِهِ ( أَوْ إقَامَةِ ) غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا الْحَضَانَةُ ( فَمَبْنَاهَا ) عَلَى الشَّفَقَةِ الْمُسْتَحِثَّةِ عَلَى إدَامَةِ النَّظَرِ إذَا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ مُحْتَاجٌ لِذَلِكَ وَقَدْ قُلْنَا : لَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ ( الصَّغِيرَةَ ) .
الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ ( أَقْوَى ) مِنْ الْعَامَّةِ وَلِهَذَا لَا يَتَصَرَّفُ الْقَاضِي مَعَ حُضُورِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ وَأَهْلِيَّتِهِ وَيَنْعَزِلُ الْخَاصُّ بِالْفِسْقِ دُونَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا وَقُلْنَا : لَا يَلِي التَّزْوِيجَ كَانَ لَهُ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لَا بِالْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّزْوِيجَ عَلَيْهَا بِجِهَتَيْنِ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ إحْدَاهُمَا عَمِلَتْ الْأُخْرَى .
وِلَايَةُ الْمَالِ قَدْ تُجَامِعُ وِلَايَةَ النِّكَاحِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْأَطْفَالِ وَقَدْ يَكُونُ وَلِيًّا فِي الْمَالِ رُونَ النِّكَاحِ كَالْوَصِيِّ وَعَكْسُهُ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ يُزَوِّجُ مُولِيَتَهُ وَلَا يَلِي مَالَهَا ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْجَدُّ فِيمَنْ طَرَأَ سَفَهُهَا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْمَالِ تَنْتَقِلُ لِلْقَاضِي وَوِلَايَةَ التَّزْوِيجِ تَبْقَى لِلْأَبِ ( ؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَلِطَ ( صَاحِبُ طِرَازِ الْمَحَافِلِ ) فَقَالَ : إنَّ التَّزْوِيجَ لِلْقَاضِي كَمَا ( ذَكَرَهُ ) الرَّافِعِيُّ ( فِيمَنْ ) طَرَأَ عَلَيْهَا الْجُنُونُ أَنَّ السُّلْطَانَ يُزَوِّجُهَا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ يَلِي الْمَالَ وَقِيَاسُهُ هُنَا كَذَلِكَ .
الْأَوَّلُ : ( الْحَادِثُ ) بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَ أَصْلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي النِّكَاحِ مِنْ الْحَاوِي .
الْأَوَّلُ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَبَوَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فِي الْأَكْلِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا مَأْكُولَيْنِ .
فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْكُولٍ حَرُمَ ( لِغَلَبَةِ الْحَظْرِ ) وَفِي حِلِّ الذَّبِيحَةِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا تَحِلُّ زَكَاتُهُمَا ، وَفِي الْمُنَاكَحَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُهُمَا ( فَالْمُتَوَلِّدُ ) بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ ( لَا يَحِلُّ ) إنْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْكِتَابِيَّةُ قَطْعًا وَكَذَا الْأَبُ فِي ( الْأَظْهَرِ وَفِي ) الزَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا زَكَوِيَّيْنِ فَالْمُتَوَلِّدُ ( بَيْنَ ) الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ لَا تَجِبُ فِيهِ وَامْتِنَاعُ التَّضْحِيَةِ بِهِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ فَلَا سَهْمَ لِلْبَغْلِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ .
الثَّانِي : مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَبِ خَاصَّةً وَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : النَّسَبُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى .
ثَانِيهِمَا : الْحُرِّيَّةُ إذَا كَانَ ( مِنْ أَمَتِهِ وَكَذَا ) مِنْ أَمَةِ غَيْرِهِ وَغُرَّ بِحُرِّيَّتِهَا أَوْ وَطِئَهَا ( وَيَظُنُّهَا ) زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ وَطِئَ أَمَةَ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حُرًّا .
ثَالِثُهَا : ( الْكَفَاءَةُ ) فَالرِّقُّ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا يُؤَثِّرُ ( فَمَنْ ) وَلَدَتْهُ رَقِيقَةٌ كُفْءٌ لِمَنْ وَلَدَتْهَا عَرَبِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا وَلِذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوَلَاءُ .
( رَابِعُهَا الْوَلَاءُ ) : فَإِنَّهُ يَكُونُ ( عَلَى ) الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأَبِ .
خَامِسُهَا : قَدْرُ الْجِزْيَةِ فَإِذَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ جِزْيَةٌ ( وَأُمُّهُ ) مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ جِزْيَةٌ فَجِزْيَتُهُ جِزْيَةُ أَبِيهِ .
سَادِسُهَا : مَهْرُ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَصَبَةِ الْأَبِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقَرَابَةُ الْأُمِّ .
سَابِعُهَا : سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى .
الثَّالِثُ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأُمِّ خَاصَّةً وَهُوَ شَيْئَانِ : الْحُرِّيَّةُ إذَا كَانَ أَبُوهُ رَقِيقًا فَإِنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ حُرٌّ .
وَالثَّانِي : الرِّقُّ إذَا كَانَ أَبُوهُ حُرًّا وَأُمُّهُ رَقِيقَةً فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ( كَذَلِكَ ) إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا نُكِحَتْ الْأَمَةُ وَغَرَّتْ زَوْجَهَا بِالْحُرِّيَّةِ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ رَقِيقَةً وَعَلَى اسْتِثْنَاءِ هَاتَيْنِ ( الصُّورَتَيْنِ ) اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْفُرُوقِ وَأَشَارَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا ، أَمَّا ( الْمَغْرُورُ ) فَلِأَنَّهُ إنَّمَا تَبَعُ الشَّرْطِ لَا تَبَعُ الْأُمِّ وَلَا تَبَعُ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُشْتُرِطَ حُرِّيَّتُهَا فَقَدْ ( اُشْتُرِطَ ) حُرِّيَّةُ وَلَدِهَا .
وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَالْحُكْمُ بِرِقِّهِ ( مُحَالٌ ) ؛ لِأَنَّ ( الْعُبُودِيَّةَ ) وَالْوَلَدِيَّةُ مُتَنَافِيَانِ فَلَمَّا اسْتَحَالَ أَنْ يُخْلَقَ رَقِيقًا لِاقْتِرَانِ الْمَعْنَى الْمُنَافِي بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ خُلِقَ حُرًّا وَيَثْبُتُ لِلْأُمِّ بِذَلِكَ حَقُّ حُرِّيَّةٍ ( فَتُعْتَقُ ) بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا } .
الثَّالِثَةُ : لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حُرًّا .
الرَّابِعَةُ : إذَا وَطِئَ الْأَبُ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَالْوَلَدُ حُرٌّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا نَكَحَ مُسْلِمٌ حَرْبِيَّةً ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْهُ لَمْ يَتْبَعْهَا الْوَلَدُ فِي الرِّقِّ وَإِنْ كَانَ ( مُجْتَنًّا ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا .
وَتَجِيءُ سَادِسَةٌ عَلَى وَجْهِ إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ أَمَةً وَقُلْنَا : لَا يُسْتَرَقُّ الْعَرَبُ ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ : كُلُّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ ؛ انْعَقَدَ وَلَدُهُ رَقِيقًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ الْعَرَبِيُّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَإِنَّ وَلَدَهُ لَا يُسْتَرَقُّ فِي قَوْلٍ وَيَكُونُ حُرَّ الْأَصْلِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ لِلسَّيِّدِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ اقْتَصَرُوا عَلَى الْأَمْرَيْنِ فِيمَا يُعْتَبَرُ بِالْأُمِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا ثَالِثٌ ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَإِنَّمَا سَكَتُوا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الرِّقِّ فَوَلَدُ الْحُرِّ مِنْ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكُ سَيِّدِهَا وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ الْمَمْلُوكِ مِلْكٌ لِسَيِّدِ الْمَمْلُوكَةِ دُونَ سَيِّدِ الْمَمْلُوكِ ، وَكَذَلِكَ إذَا ( أَنْزَى ) فَحْلٌ مِنْ الْبَهَائِمِ ( عَلَى الْأُنْثَى ) كَانَ مِلْكًا ( لِصَاحِبِ ) الْأُنْثَى لَا لِمَالِكِ الْفَحْلِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ ( وَكَذَا قَالَ ) الرَّافِعِيُّ فِي الْغَصْبِ .
لَوْ أَنْزَى فَحْلُ غَيْرِهِ عَلَى ( رَمَكَةٍ ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْوَلَدُ لَهُ دُونَ صَاحِبِ الْفَحْلِ .
( وَرَابِعًا ) وَهُوَ التَّبْعِيضُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ سُئِلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَمَّنْ أَوْلَدَ أَمَةً نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًى كَيْفَ حَالُ الْوَلَدِ ؟ فَقَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ جَوَابُهُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأُمِّ حُرِّيَّةً وَرِقًا ، قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِحُرِّيَّتِهِ إلَّا الْأُمُّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهَا .
الرَّابِعُ : مَا يُعْتَبَرُ بِأَحَدِهِمَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُعْتَبَرُ بِأَشْرَفِهِمَا وَذَلِكَ فِي أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : الْإِسْلَامُ ، فَمَنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ وَالْآخَرُ كَافِرًا فَهُوَ مُسْلِمٌ وَفِي مَعْنَاهُ السَّابِي فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى سَبْيٍ صَغِيرٍ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ كَانَ مُسْلِمًا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ( قَالَ ) الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَخَرَجَ مِنْ هَذَا حِلُّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ ( فَإِنَّهُ ) فَضِيلَةٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكْفِي فِيهِ أَحَدُهُمَا ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ امْتَازَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَى عَلَيْهِ .
ثَانِيهَا : ( فِي الْجِزْيَةِ ) يُتْبَعُ مَنْ لَهُ كِتَابٌ فَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ عُقِدَتْ لَهُ الْجِزْيَةُ لِغَلَبَةِ حَقْنِ الدِّمَاءِ .
ثَالِثُهَا : مَا يُتْبَعُ فِيهِ أَغْلَظُهُمَا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ : ( مِنْهَا : فِي ضَمَانِ الصَّيْدِ ) يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا حُكْمًا فَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ وَمَا لَا يَجِبُ كَالضَّبُعِ وَالذِّئْبِ وَجَبَ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ ( بَيْنَ ) الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الْإِسْقَاطُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ السَّوْمُ وَالْعَلَفُ أَوْ الْمِلْكُ وَعَدَمُهُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ غَلَبَ إسْقَاطُ الزَّكَاةِ وَفِي الْجَزَاءِ إذَا اجْتَمَعَ مَا يُوجِبُ وَمَا يُسْقِطُ يَغْلِبُ الْإِيجَابُ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّيْدَ الْوَاقِفَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمِ إذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّضْمِينِ ( فِي الْجَزَاءِ ) أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ ، وَأَغْرَبَ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا يُقَابِلُ الْمَضْمُونَ وَهُوَ النِّصْفُ أَمَّا الْجَمِيعُ فَلَا .
وَمِنْهَا قَدْرُ الدِّيَةِ ( وَقِيمَةُ ) الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ يُتْبَعُ النِّصْفُ أَمَّا الْجَمِيعُ فَلَا .
وَمِنْهَا قَدْرُ الدِّيَةِ ( وَقِيمَةُ ) الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا قَدْرًا عَلَى الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَغْلِبُ فِيهِ طَرَفُ التَّغْلِيظِ ، وَقِيلَ : تُتْبَعُ أَخَسُّهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .
وَكَالْإِيَاسِ مِنْ الْحَيْضِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نِسَاءُ ( عَشِيرَتِهِ ) ( مِنْ جِهَةِ الْأَبِ يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ عَلَى رَأْسِ سَبْعِينَ وَنِسَاءُ ) ( عَشِيرَتِهِ ) مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ يَنْقَطِعُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ يُعْتَبَرُ بِجَانِبِ الْأَبِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ اُعْتُبِرَ بِجَانِبِ الْأُمِّ ، وَفِي الْحَيْضِ يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ الْعَشِيرَةِ .
وَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ بِنِسَاءِ الْعَصَبَاتِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي مَا يُعْتَبَرُ بِأَخَسِّهِمَا وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهُمَا : النَّجَاسَةُ فَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ لَهُ حُكْمُ النَّجِسِ فِي الْفَضَلَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَهَلْ يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا نَجَاسَةً كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ كَلْبٍ وَذِئْبٍ وَهُوَ الدَّيْسَمُ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ التَّعْفِيرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْبِ وَهَذَا لَا يُسَمَّى كَلْبًا ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِالْخِنْزِيرِ كَفَى غَسْلُهُ مَرَّةً بِلَا تُرَابٍ عَلَى الْقَدِيمِ الْمُخْتَارِ فِي الدَّلِيلِ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْخِنْزِيرِ فِيمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ كَلْبٌ أَوْ خِنْزِيرٌ .
ثَانِيهَا : الْمُنَاكَحَةُ فَلَا تَحِلُّ ( الْمُتَوَلِّدَةُ ) بَيْنَ ( كِتَابِيَّةٍ ) وَوَثَنِيٍّ ، وَكَذَلِكَ فِي الذَّبِيحَةِ وَالْأَطْعِمَةِ فَلَا يُؤْكَلُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُتْبَعَ الْأَخَسُّ حَتَّى لَا يُجْزِئَ فِيهَا مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ شَاةٍ وَظَبْيٍ وَإِنْسِيٍّ وَبَقَرِ وَحْشٍ .
وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ إبِلٍ وَبَقَرٍ فَفِي إجْزَائِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ وَعَدَمُهُ فَإِنْ قُلْنَا : ( يُجْزِئُ ) فَهَلْ يُعْتَبَرُ سِنُّ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ ؟ الْقِيَاسُ اعْتِبَارُ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِهِ عَلَى شَكْلِ الْأَبِ .
ثَالِثُهَا : اسْتِحْقَاقُ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ فَالْبَغْلُ لَا ( سَهْمَ ) لَهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحِمَارِ عَلَى الْفَرَسِ .
فُرُوعٌ : أَسْلَمَ فِي غَنَمٍ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا خَرَجَتْ ( مِنْ ) الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي الْبَحْرِ ، أَحَدُهَا : يَجُوزُ قَبُولُهُ ، وَالثَّانِي : لَا وَالثَّالِثُ : إنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَنَمًا جَازَ قَبُولُهُ وَإِلَّا فَلَا .
الثَّانِي : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَابٍ ( مِنْ ) الرَّهْنِ مِنْ تَعْلِيقِهِ : الْوَلَدُ لَا يُعْطَى حُكْمَ أُمِّهِ فِي ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً : وَلَدُ الْمَرْهُونَةِ غَيْرُ مَرْهُونٍ ، وَوَلَدُ الْمَبِيعَةِ الْحَادِثُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُهُ ، وَوَلَدُ الْمَضْمُونَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ مَغْصُوبٌ ؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَلَدُ الْمُسْتَعَارَةِ فِيهِ وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي دَارِهِ فَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ وَأَخَّرَ رَدَّهُ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ ، وَلَدُ الْمُسْتَأْجَرَةِ غَيْرُ مُسْتَأْجَرٍ ، وَلَدُ الْمَوْقُوفَةِ فِي كَوْنِهِ مَوْقُوفًا وَجْهَانِ .
قُلْت أَصَحُّهُمَا لَا ، وَلَدُ ( الْمُودَعَةِ ) كَالثَّوْبِ الَّذِي أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ، وَلَدُ الْمُوصَى بِهَا الْحَادِثُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْقَبُولِ لِلْمُوصَى لَهُ ( أَوْ بَعْدَهُ ) وَقِيلَ : الْقَبُولُ يُبْنَى عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ ، وَلَدُ الْجَانِيَةِ لَا يَتْبَعُهَا فِي الْجِنَايَةِ ، وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ وَكَذَا الْمُعْتَقَةُ بِصِفَةٍ وَالْمُكَاتَبَةُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ يَتْبَعُهَا فِي حُكْمِهَا هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ .
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَدُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا تَكُونُ مَالَ تِجَارَةٍ فِي الْأَصَحِّ كَالْأُمِّ وَوَلَدُ مَالِ الْقِرَاضِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَفُوزُ بِهِ الْمَالِكُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كِيسِ الْعَامِلِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِيهِ وَالْمَأْخَذُ هُنَا حُدُوثُهُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ ، وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ كَأُمِّهِ ، وَوَلَدُ الْمُبَعَّضَةِ هَلْ يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ ( وَالْحُرِّيَّةِ ) أَوْ يَكُونُ حُرًّا وَجْهَانِ ، وَفِي وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ الْهَدْيِ ( الْمَنْذُورَيْنِ إذَا عُيِّنَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ ) أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا كَوَلَدِ الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً وَالثَّانِي لَا يَتْبَعُ ،
وَالثَّالِثُ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً تَبِعَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي وَلَدِ الْمَبِيعَةِ إذَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بَقَاءُ حُكْمِ ( الْمَبِيعِ ) عَلَيْهِ وَإِذَا أَتْبَعْنَا الْوَلَدَ أُمَّهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَهَلْ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنْ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ أَمْ يَكْفِي التَّصَدُّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَمْ يَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ مِنْ الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ ( فِيهِ ) أَوْجُهٌ ، وَإِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ دَارَ السَّلَامِ بِأَمَانٍ فَهَلْ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ نَعَمْ إنْ كَانَ مَعَهُ دُونَ مَا إذَا خَلَفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُسْتَأْمَنُ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَلَدَهُ عِنْدَنَا لَا يُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا ( وَفِي ) بَطْنِهَا وَلَدٌ آخَرُ فَبِيعَتْ قَبْلَ وِلَادَتِهِ فَالْوَلَدُ الثَّانِي لِلْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ وَفِي وَجْهٍ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْأَوَّلِ .
وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَلَهُ فِرَاخٌ فِي الْحِلِّ فَمَاتَتْ جُوعًا ( ضَمِنَهَا ) قَطْعًا .
وَلَوْ غَصَبَ حَمَامَةً فَتَلِفَتْ فِرَاخُهَا فَفِي ضَمَانِ الْفِرَاخِ وَجْهَانِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ قِسْمَانِ : وَلَدٌ مَوْجُودٌ ، وَقَدْ سَبَقَ وَوَلَدٌ حَادِثٌ وَهُوَ مَنْ تَعَدَّى حُكْمَ الْأُمِّ إلَيْهِ عَلَى أَقْسَامٍ .
أَحَدُهَا : مَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ قَطْعًا .
وَضَابِطُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْ الْأُمِّ ( كَوَلَدِ ) ( الْأُضْحِيَّةِ ) الْمُعَيَّنَةِ ( لِلْأُضْحِيَّةِ ) ابْتِدَاءً أَوْ جَرَيَانُ سَبَبِهِ اللَّازِمِ كَمَا إذَا أَتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِوَلَدٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًى كَانَ تَبَعًا لَهَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا ( وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَالُ التَّغْلِيظِ ) كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ مِثْلُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ يُعْتَقُ ( بِمَوْتِ ) السَّيِّدِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ الْمَرْهُونَةُ الْمَقْبُوضَةُ ( وَالْجَانِيَةُ ) جِنَايَةً تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا إذَا اسْتَوْلَدَهَا مَالِكُهَا الْمُعْسِرُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ الِاسْتِيلَادُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ( فَتُبَاعُ ) حِينَئِذٍ فَإِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى ثُمَّ اشْتَرَاهَا السَّيِّدُ الْأَوَّلُ مَعَ أَوْلَادِهَا الْمَذْكُورِينَ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ دُونَهُمْ فَلَا يُعْتَقُونَ بِمَوْتِهِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِي الْمُفْلِسِ فَإِنَّ فِي الْخُلَاصَةِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي الِاسْتِيلَادِ فَلَوْ اسْتَوْلَدَ نَفَذَ .
الثَّانِي : مَا لَا يَتَعَدَّى قَطْعًا كَالْمَرْهُونَةِ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا إذَا حَدَثَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الرَّهْنِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عِنْدَ ( الْبَيْعِ فَهُوَ ) تَبَعٌ لَهَا قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْئِهَا ، وَوَلَدُ الْمَبِيعَةِ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ يَعْنِي وَلَدًا ( حَدَثَ ) بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ قِيلَ : وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ مَضْمُونٌ كَالْأُمِّ ( فَهَلَّا كَانَ وَلَدُ الْمَبِيعَةِ ) كَذَلِكَ قُلْنَا : ( الْمَبِيعُ يَضْمَنُ ) بِالْعَقْدِ عَلَى مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَالْوَلَدُ لَمْ يُقَابَلْ بِالثَّمَنِ وَالْغَاصِبُ يَضْمَنُ بِالْعُدْوَانِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ بِإِدَامَةِ الْيَدِ عَلَى الْوَلَدِ كَالْأُمِّ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ التَّعَدِّي كَمَا لَوْ عَيَّنَ ( شَاةً ) عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ تَبِعَهَا فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهَا إذَا حَدَثَ بَعْدَ النَّذْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ السَّيِّدِ لَمْ يَبْطُلْ التَّدْبِيرُ فِيهِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الْحَادِثُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُعْتَقُ بِعِتْقِهَا مَا دَامَتْ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةً لِجَرَيَانِ سَبَبٍ لَازِمٍ عَلَى السَّيِّدِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ مِنْ النُّجُومِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا كَالْأُمِّ عَلَى الصَّحِيحِ رَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ .
وَلَوْ أَوْدَعَ بَهِيمَةً فَوَلَدَتْ فَهُوَ وَدِيعَةٌ كَالْأُمِّ إنْ قُلْنَا : إنَّ الْوَدِيعَةَ عَقْدٌ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْإِمَامُ : إنْ جَعَلْنَاهُ وَدِيعَةً فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَدِيدٍ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ إدَامَةُ الْيَدِ عَلَيْهِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ التَّبَعِيَّةِ كَوَلَدِ الْمُوصَى بِهَا إذَا حَدَثَ لَا يَتْبَعُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَوَلَدُ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ إذَا ( حَدَثَ ) بَعْدَ التَّعْلِيقِ ( عَلَى ) .
الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ ، وَوَلَدُ الْعَارِيَّةِ وَالْمَأْخُوذُ بِسَوْمٍ غَيْرُ مَضْمُونٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَلَدُ الْمَوْقُوفَةِ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ بَلْ مِلْكٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا أَتَتْ بِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَفُوزُ بِهِ الْمُشْتَرِي .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا لَا يَقْبَلُ الدَّفْعَ ( تَعَدَّى ) إلَى الْوَلَدِ قَطْعًا ( وَإِنْ ) قَبِلَ الدَّفْعَ وَلَكِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى عَدَمِ الْقَبُولِ جَرَى الْخِلَافُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ : وَعِمَادُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّمَا صَارَ الْمِلْكُ ( مُسْتَغْرَقًا ) بِهِ حَتَّى يُعَدَّ الْمِلْكُ مُسْتَحَقًّا فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَبَلَغَ مَا يَجِدُهُ مَبْلَغًا يَمْنَعُ تَقْدِيرَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ كَالِاسْتِيلَادِ فَإِنَّ أَوْلَادَهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا كَأُمِّهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَتَاقَةِ ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَلَدَ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّ تَعْيِينَهَا لِجِهَةِ الْقُرْبَةِ لَا يَزُولُ ( كَالِاسْتِيلَادِ ) وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ ، وَكَذَا الْأَمَةُ الْمَنْذُورُ إعْتَاقُهَا قِيلَ : كَالْمُدَبَّرَةِ ، وَقِيلَ : تَتَعَدَّى إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا رُجُوعَ عَنْهُ .
الثَّالِثُ : الْوَلَدُ إذَا تَبِعَ الْأُمَّ لَا يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ بِمَوْتِ الْأُمِّ .
وَلِهَذَا إذَا مَاتَتْ الْمُسْتَوْلَدَةُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ بَقِيَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ ( وَهُوَ ) أَحَدُ الْمَوَاضِعِ ( الَّتِي ) يَزُولُ فِيهَا الْمَتْبُوعُ وَيَبْقَى حُكْمُ التَّابِعِ كَمَا لَوْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ ، وَالْفُرُوعُ نِصَابٌ لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ بَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ ، وَقَالَ ( الْأَنْمَاطِيُّ ) : يَنْقَطِعُ ، قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمَذْهَبِ ( وَيُنْكَرُ ) مَذْهَبُهُ بِوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَمِثْلُهُ وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ .
قَاعِدَةٌ : وَلَدُ الْوَلَدِ هَلْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؟ هَذَا ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَمَّاهُ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ كَالْبَنَاتِ وَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ ، وَكَذَلِكَ فِي امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ وَامْتِنَاعِ قَطْعِهِ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَرَدِّ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَإِعْتَاقِهِ إذَا مَلَكَهُ وَجُزْءِ الْوَلَاءِ وَالِاسْتِتْبَاعِ بِإِسْلَامِ الْجَدِّ وَامْتِنَاعِ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ إذَا كَانَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ .
ثَانِيهِمَا ( أَنْ يَدْخُلَ ) فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ لَا مَعَ وُجُودِهِ وَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ يَرِثُ وَلَدُ الْوَلَدِ جَدَّهُمْ مَعَ فَقْدِ أَبِيهِمْ كَمَا يَرِثُونَ أَبَاهُمْ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا لَمْ يَرِثُوهُ .
وَمِنْهَا وِلَايَةُ النِّكَاحِ فَيَلِي الْجَدُّ فِيهَا بَعْدَ الْأَبِ مُقَدَّمًا عَلَى الِابْنِ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْمَالِ وَالْحَضَانَةُ وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالِاسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ .
وَمِنْهَا الْوَقْفُ عَلَى الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ تَعَيَّنُوا قَطْعًا .
لَا يُكْرَهُ السِّوَاكُ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمَنْ كَانَ يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَدْمَى فَمُهُ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ .
لَا أَثَرَ لِلزِّيَادَةِ ( الْمُتَّصِلَةِ ) إلَّا فِي الصَّدَاقِ وَقَدْ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الزَّايِ ) .
لَا يَتَوَلَّى أَحَدُ طَرَفَيْ التَّصَرُّفِ إلَّا الْأَبَ وَالْجَدَّ فِي مَالِ الطِّفْلِ وَكَذَلِكَ تَمَلُّكُ ( الْمُلْتَقِطِ ) وَبَيْعُ الظَّافِرِ مَا أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَقَبْضَ الثَّمَنِ وَإِقْبَاضَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ قَبْضُهُ لِجِنْسِ حَقِّهِ قَائِمٌ فِيهِ مَقَامَ قَابِضٍ وَمُقَبِّضٍ وَسَبَقَ فِي اتِّحَادِ الْقَابِضِ ( صُوَرٌ ) أُخْرَى .
لَا يَثْبُتُ لِلشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْآخَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لِمُورِثِهِ إذَا مَاتَ مُورِثُهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى نَفْسِهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ وَإِذَا امْتَنَعَ سَقَطَ فِي حَقِّهِ وَإِذَا سَقَطَ فِي حَقِّهِ سَقَطَ فِي حَقِّ مُورِثِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُورِثِهِ .
لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ سَبَقَتْ فِي ( بَابٍ ) .
لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِ مِلْكِهِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ كَالْعَبْدِ ( الْمَرْهُونِ ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ( وَكَذَا ) إذَا مَلَكَ صَيْدًا أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ أَتْلَفَهُ وَجَبَ ضَمَانُهُ لِحَقِّ اللَّهِ .
لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ إلَّا ( الشَّوْكَ ) أَوْ دَوَاءً .
لَا يَجُوزُ ابْتِلَاعُ حَيَوَانٍ ( حَيًّا ) إلَّا السَّمَكَ وَالْجَرَادَ فِي الْأَصَحِّ وَيَجُوزُ قَطْعُ فِلْقَةٍ مِنْ ( السَّمَكِ ) وَالْجَرَادِ فِي حَيَاتِهِمَا ( فِي ) وَجْهٍ .
لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ ( الْحُبُوبِ ) فِي الْكِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَ مَا فِيهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ كِمَامِهَا لِتَصِلَ إلَى الْمَسَاكِينِ ( كَامِلَةَ ) الْمَنْفَعَةِ ، وَإِلَّا ( الْعَلَسَ وَالْأَرُزَّ ) ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّخَرَانِ وَعَلَيْهِمَا الْكِمَامُ قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ .
لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَفْرُوضَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا النُّسُكَيْنِ وَقَوْلُ الْقَفَّالِ : عِبَادَتَيْنِ ، يَرِدُ عَلَيْهِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ عَلَى قَوْلٍ وَالتَّحِيَّةُ وَالْفَرْضُ .
لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ جِنَايَةَ غَيْرِهِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : الْعَاقِلَةُ وَالسَّيِّدُ يَحْمِلُ جِنَايَةَ أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً ( قَالَهُ ) ابْنُ الْقَاصِّ وَزَادَ ( الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ ) ثَالِثَةً ، وَهِيَ إذَا حَفَرَ بِئْرًا وَخَلَّفَ مَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَأَعْطَى لِلْغُرَمَاءِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ حَيَوَانٌ فَتَلِفَ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ فِيمَا تَمَلَّكُوهُ وَقَبَضُوهُ قَضَاءً عَنْ دَيْنِهِ .
لَا يُحْكَمُ بِتَبْعِيضِ الرِّقِّ ابْتِدَاءً إلَّا فِي صُوَرٍ يَسِيرَةٍ : وَمِنْهَا الْأَسِيرُ إذَا رَأَى الْإِمَامُ إرْقَاقَ بَعْضِهِ .
وَمِنْهَا وَلَدُ الْمُبَعَّضَةِ ( هُوَ ) مُبَعَّضٌ كَأُمِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
لَا يَخْلُو الْوَطْءُ عَنْ مَهْرٍ أَوْ عُقُوبَةٍ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الْوَاوِ ) .
لَا يَدْخُلُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فِي مِلْكِ كَافِرٍ ابْتِدَاءً إلَّا فِي صُوَرٍ نَحْوِ الْخَمْسِينَ مَذْكُورَةٍ فِي الْفَلَكِ الدَّائِرِ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ .
لَا يَزِيدُ الْبَعْضُ عَلَى الْكُلِّ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ .
وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، كَانَ صَرِيحًا وَلَمْ ( يُدَنْ ) وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي ، لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا وَدِينَ قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَوْ قَالَ : زَنَى فَرْجُك حُدَّ ، وَلَوْ قَالَ : زَنَى بَدَنُك لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلٍ .
الثَّانِيَةُ : حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ مُولِيًا وَلَا يُدَانُ فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْفَرْجَ بِأَنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك ( أَوْ لَا ) وَطِئْتُك فَهُوَ مُولٍ فِي الْحُكْمِ ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَهُ دِينَ
لَا يَزِيدُ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ لِيَتَمَكَّنَ الْمُكَاتَبُ مِنْ الْإِسْقَاطِ وَالضَّمَانُ لَازِمٌ وَلَا يَجُوزُ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْمَالِ فِي يَدِ الشَّرِيكِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُقَارِضِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةِ الْعَيْنِ .
وَنَسْتَثْنِي مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَضَمِنَهُ حَالًّا فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَيَكُونُ حَالًّا وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ الْبُطْلَانَ لِئَلَّا يَكُونَ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ .
لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ .
إحْدَاهُمَا : إذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَأَعْتَقَهُمْ كُلَّهُمْ وَمَاتُوا عَتَقُوا فِي قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ : إنَّهُ لَا يُعْتَقُ مِنْهُمْ شَيْءٌ .
الثَّانِيَةُ : إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ فَأَوْصَى بِجَمِيعِ الْمَالِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ الْأُسْتَاذِ تَرْجِيحَ ( قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَرْجِيحًا غَيْرَهُ وَنُقِلَ فِي بَابِ الْعِتْقِ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ تَرْجِيحٌ ) .
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ ثَالِثَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ : مُسْتَأْمَنٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ صَحَّ فِي الْجَمِيعِ ، وَقَالَ ( اليعفي ) صَحَّ فِي الثُّلُثِ وَالثُّلُثَانِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَقِيلَ : لِبَيْتِ الْمَالِ .
لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ سَبَقَ ( فِي مَبَاحِثِ الْمِلْكِ ) .
لَا تُقْبَلُ ( شَهَادَةُ الشُّهُودِ ) عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا ( وَلَا ) يُرْجَعُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ .
وَهِيَ ( مَا ) إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَّنَ مُشْرِكًا قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ ( وَسَبَقَتْ ) .
لَا يَقْبِضُ ( مِنْ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ ) إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا أَكَلَ الْمُلْتَقَطَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ نَفْسِهِ فَصَارَ أَمَانَةً .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا قَالَ : مَا لِي عَلَيْك مِنْ الْعَيْنِ فَأَسْلِمْهُ لِي فِي كَذَا صَحَّ قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ .
لَا تَقُومُ الْكِلَابُ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلٍ .
لَا يُنْكَرُ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى مَنْعِهِ .
أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا نُنْكِرُهُ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ .
إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ذَلِكَ ( مُعْتَقِدَ التَّحْرِيمِ ) فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ .
وَلِهَذَا يُعَزَّرُ وَاطِئُ الرَّجْعِيَّةِ إذَا اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ .
الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ بَعِيدَ الْمَأْخَذِ بِحَيْثُ يُنْقَضُ فَيُنْكَرُ حِينَئِذٍ عَلَى ( الذَّاهِبِ ) إلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُقَلِّدُهُ وَأَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ( نَقْضِ ) الْحُكْمِ .
وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إذَا وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِخِلَافِ عَطَاءٍ .
الثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَرَافَعَ فِيهِ لِحَاكِمٍ فَيَحْكُمَ بِعَقِيدَتِهِ وَلِهَذَا يَحِدُّ الْحَنَفِيُّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ وَأَبْعَدَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ نَاقِضَةٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَقَالَ : أَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى مَأْخَذِهَا .
الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ لِلْمُنْكِرِ فِيهِ حَقٌّ كَالزَّوْجِ يَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ شُرْبِ النَّبِيذِ إذَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَكَذَلِكَ الذِّمِّيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ .
لَا يُؤْمَرُ بِضَمِّ الْأَصَابِعِ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : قَالَ الْأَئِمَّةُ : سُنَّةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَتْ مَنْشُورَةً فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ التَّفْرِيجُ الْمُقْتَصَدُ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ .
قُلْت قَالَ الْإِمَامُ : لَمْ أَعْثُرْ ( فِيهِ ) عَلَى خَبَرٍ وَلَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَنَازَعَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِلْوَجِيزِ وَقَالَ : قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ } وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ ( وَهُوَ ) أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَهَا عَدَلَ ( الْإِبْهَامَ ) عَنْ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ حَالَةِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِبُطُونِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي تَفْرِيقِهَا عُدُولٌ بِبُطُونِهَا عَنْ الْقِبْلَةِ .
لَا يَشْتَغِلُ الْمَأْمُومُ بِفِعْلِ مَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ مِنْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ وَاجِبٌ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ .
إحْدَاهُمَا : جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ لِقِصَرِهَا .
الثَّانِيَةُ : الْقُنُوتُ إذَا لَحِقَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى وَزَادَ بَعْضُهُمْ انْفِرَادَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ وَلَا يُسْتَثْنَى لِزَوَالِ الْقُدْرَةِ .
لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْأَيْمَانِ يَتَعَدَّدُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي ابْتِدَاءً إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : اللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحَرُّرِ عَنْ الْأَصْحَابِ .
لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبِضَ مَا فِي الذِّمَّةِ لِمَالِكِهِ بِسُؤَالِ الْمَدْيُونِ إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْأُولَى : الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ إذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ تَوْفِيَتَهُ وَأَخْذَ الرَّهْنِ فَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ كَانَ غَائِبًا .
الثَّانِيَةُ : إذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ النُّجُومَ وَكَانَ السَّيِّدُ مَجْنُونًا ، وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّاهَا قَبْلَ الْمَحَلِّ ، وَالسَّيِّدُ غَائِبٌ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ إذَا عَلِمَ أَنَّ السَّيِّدَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ بِتَعَلُّقِهِ هُنَا بِالْعِتْقِ .
الثَّالِثَةُ : الْمَالُ الْمَضْمُونُ إذَا أَدَّاهُ الضَّامِنُ فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ أَخْذِهِ أَوْ كَانَ غَائِبًا فَلِلْقَاضِي أَخْذُهُ .
وَأَمَّا فِي الْأَعْيَانِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ كَالْمُودِعِ يَحْمِلُ الْوَدِيعَةَ لِلْقَاضِي عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ فِي الْأَصَحِّ .
وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً كَالْغَاصِبِ يَحْمِلُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ إلَيْهِ فَوَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا لَا يَجِبُ لِيَبْقَى مَضْمُونًا لِلْمَالِكِ .
لَيْسَ لَنَا نَجَسٌ يُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ إلَّا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ يَزُولُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَمَا فِي ( مَعْنَاهَا ) قَالَهُ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ .
لَيْسَ لَنَا نَجَسٌ مَائِعٌ ( تَجِبُ ) إرَاقَتُهُ إلَّا الْخَمْرَةَ غَيْرَ الْمُحْتَرَمَةِ وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَكَذَلِكَ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ .
وَزَادَ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ : الْمَائِعَ الْمُتَنَجِّسَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ تَجِبُ إرَاقَتُهُ وَمُرَادُهُ غَيْرُ الدُّهْنِ فَإِنَّهُ يُسْتَصْبَحُ بِهِ وَكَذَا الْخَلُّ ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِصَبْغٍ ( وَلَعَلَّ ) مُرَادَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَصْلًا .
لَيْسَ لَنَا صَلَاةٌ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ بِشَيْءٍ غَيْرَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّكْبِيرَاتِ .
لَيْسَ لَنَا ( مَنْ ) تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكْنٍ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَضَى الْمَأْمُومُونَ عَلَى التَّفَرُّدِ رُكْنًا ثُمَّ اسْتَخْلَفُوا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدُ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْإِمَامِ .
لَيْسَ لَنَا مُكَلَّفٌ حُرٌّ مُقِيمٌ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُسَافِرُ إذَا عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلْدَةٍ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِغَرَضٍ فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ ؛ لِأَنَّ ( شَرْطَهَا ) رُخْصَةٌ وَقَدْ امْتَنَعَ تَرَخُّصُهُ بِإِقَامَتِهِ ثُمَّ لَا يَتِمُّ الْعَدَدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ وَلِهَذَا ( سُمِّيَ ) غَرِيبًا .
الْيَتِيمُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ ، وَأَنَّ ( الْيَتِيمَ ) فِي الْآدَمِيِّ بِمَوْتِ الْأَبَاءِ وَفِي الْبَهَائِمِ بِمَوْتِ الْأُمَّهَاتِ ، ( قَالَ ) الْمَاوَرْدِيُّ ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ تُنْسَبُ إلَى أُمِّهَا فَكَانَ بِمَوْتِ الْأُمِّ يُتْمُهَا وَالْآدَمِيُّ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُتْمُهُ بِمَوْتِ الْأَبِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْحَجَرِ مِنْ تَعْلِيقِهِ الْيَتِيمُ مَنْ لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا أَبَ لَهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الْيَتِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ وَكَانَ لَهُ أَبٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتِيمٌ وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ : إنَّ الْأُمَّ تَلِي أَمْرَ ابْنِهَا .
انْتَهَى .
يَحْرُمُ طَلَبُ مَا يُحْزَمُ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ فِعْلُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : الْأُولَى : إذَا ادَّعَى دَعْوَى صَادِقَةً فَأَنْكَرَ الْغَرِيمُ ثُمَّ أَرَادَ الْحَلِفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ .
الثَّانِيَةُ : الْجِزْيَةُ يَجُوزُ طَلَبُهَا مِنْ الذِّمِّيِّ مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إعْطَاؤُهَا ( مَعَ أَنَّهُ ) مُتَمَكِّنٌ مِنْ إزَالَةِ الْكُفْرِ ( بِالْإِسْلَامِ فَإِعْطَاؤُهُ ) إيَّاهَا إنَّمَا هُوَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ حَرَامٌ .
يَدْخُلُ ( الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ ) دُونَ الْعَكْسِ وَلِهَذَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَطْعًا ، وَفِي الْعَكْسِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَضْعَفُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَاحِمَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الْوُجُوبِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَلَوْ أَدْخَلَهَا عَلَى حَجٍّ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ امْتَنَعَ قَطْعًا .
وَمِثْلُهُ فِرَاشُ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا قَالُوهُ ، فَإِذَا وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا ثَبَتَ نِكَاحُهَا وَحُرِّمَتْ الْأَمَةُ ؛ لِأَنَّ أَقْوَى الْفِرَاشَيْنِ زَاحَمَ أَضْعَفَهُمَا وَإِنْ تَقَدَّمَ النِّكَاحُ حُرِّمَ ( عَلَيْهِ ) الْوَطْءُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ الْفِرَاشَيْنِ .
الْيَدُ قِسْمَانِ حِسِّيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ .
فَالْحِسِّيَّةُ عِنْدَنَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ وَيَدْخُلُ الذِّرَاعُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ ( لَا ) بِالْحَقِيقَةِ وَمِنْ هُنَا يَقْوَى الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } ذَكَرَ اسْمَ الْيَدِ ثُمَّ زَادَ عَلَى الِاسْمِ إلَى الْمَرَافِقِ ، وَقَالَ ( أَبُو عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ ) : مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْإِبْطِ ، حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْجِرَاحِ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ لَا تَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَعِنْدَنَا تَجِبُ وَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ السَّاعِدِ فَكَذَلِكَ مَعَ حُكُومَةِ الْبَاقِي ، قَالَ : وَفِي السَّرِقَةِ حَمَلْنَا الْيَدَ عَلَيْهَا مِنْ الْكُوعِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ خِلَافَ أَبِي عُبَيْدٍ لَا يَجْرِي فِي السَّرِقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ تَعْطِيلُ الْجَارِحَةِ وَكَفُّهُ عَنْ الْأَخْذِ بِهَا وَهَذَا يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّ بِهَا يَنْقَطِعُ الْبَطْشُ وَالْأَخْذُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
أَمَّا الْمَعْنَوِيَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْحِيَازَةِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ بِالْيَدِ يَكُونُ التَّصَرُّفُ وَقَدْ اعْتَبَرُوهَا فِي الْإِقْدَامِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَرَجَّحُوا بِهَا عِنْدَ ( تَعَارُضِ ) الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَمْ ( يَجْعَلُوهَا ) سَبَبًا لِجَوَازِ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِصَاحِبِ ( الْيَدِ ) بِالْمِلْكِ عَلَى الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ قَالَ : هِيَ مِلْكُك ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً رَجَعَ هَذَا ( الْمُقِرُّ ) الَّذِي هُوَ مُشْتَرٍ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ الْيَدَ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعٌ وَالْمُشْتَرِي فِي النِّتَاجِ بَعْدَ ظُهُورِ عَيْبٍ هَلْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْبَيْعِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ حَدَثَ عِنْدِي فَهُوَ لِي ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ( فَعَنْ ) النَّصِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ أَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ مُعْتَرِفٌ لِلْبَائِعِ بِالْيَدِ السَّابِقَةِ عَلَى أُمِّهِ وَهُوَ تَابِعٌ
لَهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ حُدُوثِهِ فِي مِلْكِهِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ هَذِهِ الْعَيْنَ وَلَمْ يَقُولُوا وَهِيَ مِلْكُهُ حُكِمَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْبَعُ مَا لَا يَمْلِكُ بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا ( يَدٌ إنْ نُوزِعَ ) فِيهَا ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الدَّعَاوَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا عِنْدَ ثُبُوتِ أَصْلِ الْمِلْكِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَيَكُونَانِ دَالَّيْنِ عَلَى تَعْيِينِ صَاحِبِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ( رُخْصَةً ) ( وَقَضِيَّتُهُ ) أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لِمَنْ فِي يَدِهِ صَغِيرٌ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا الطَّبَرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ : إنْ سَمِعَهُ يَقُولُ هُوَ عَبْدِي أَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ : إنَّهُ عَبْدُهُ شُهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ اللَّقِيطِ .
وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُشْكِلٌ بِمَا إذَا ادَّعَى رِقَّ صَبِيٍّ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالرِّقِّ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : الْيَدُ دَالَّةٌ عَلَى الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا : ثِيَابُ الْإِنْسَانِ الَّتِي عَلَى بَدَنِهِ وَدَرَاهِمُهُ الَّتِي فِي كُمِّهِ وَنَحْوُهُ .
الثَّانِيَةُ : الْبِسَاطُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ أَوْ الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا .
( الثَّالِثَةُ ) : الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا فَإِنَّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ أَضْعَفُ مِنْ يَدِ رَاكِبِهَا .
( الرَّابِعَةُ ) : الدَّارُ الَّتِي ( هُوَ ) سَاكِنُهَا وَدَلَالَتُهَا دُونَ دَلَالَةِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ ( لِأَنَّهُ ) غَيْرُ ( مُسْتَوْلٍ ) عَلَيْهِمَا ( جَمِيعَهَا ) .
وَتُقَدَّمُ أَقْوَى الْيَدَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا فَلَوْ كَانَ اثْنَانِ فِي دَارٍ تَنَازَعَا فِيهَا أَوْ فِيمَا هُمَا لَابِسَانِهِ جُعِلَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاتِّصَالِ ، وَجُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُ ( كُلٍّ مِنْهُمَا ) فِي الثِّيَابِ
الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِقُوَّةِ الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاكِبَانِ فِي مَرْكُوبِهِمَا حَلَفَا وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاكِبُ مَعَ الْقَائِدٌ وَالسَّائِقِ قُدِّمَ الرَّاكِبُ عَلَيْهِمَا بِيَمِينِهِ .
الْيَدُ اللَّاحِقَةُ تَابِعَةٌ لِلْيَدِ السَّابِقَةِ فَإِنْ كَانَتْ السَّابِقَةُ يَدَ أَمَانَةٍ فَكَذَلِكَ ( الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا ) أَوْ يَدَ ضَمَانٍ فَكَذَلِكَ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ لَا يُضَمِّنُ الْمُرْتَهِنَ ، وَجَوَابُهُ أَنَّا لَوْ ضَمَّنَّاهُ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَقْدِ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَلِأَنَّا فِي غَنِيَّةٍ عَنْ ذَلِكَ بِتَضْمِينِ الْمُسْتَعِيرِ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا ثُمَّ أَعَارَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا يَدُ أَمَانَةٍ .
يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ كَمِلْكِ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فِي الصُّوَرِ الْمَعْرُوفَةِ وَمِلْكِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَعْتِقُ اغْتَفَرْنَا ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ وَلَمْ يُغْتَفَرْ دَوَامُهُ ، وَالْجِمَاعُ إذَا طَرَأَ فِي الْحَجِّ أَفْسَدَهُ .
وَلَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ صَحِيحًا .
وَلَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ وَوَارِثُهُ مُحْرِمٌ فَالْأَصَحُّ يَرِثُهُ ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ عَلَى ( الْفَوْرِ ) .
( وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَقَفَهُ صَحَّ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فَلَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ وَرِثَهُ الْوَاقِفُ ) وَالْأَصَحُّ عَوْدُ الْمَنَافِعِ إلَى الْمُعْتِقِ .
وَصَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَجُوزُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا لِلْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا .
وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي مُتَمَكِّنًا عَلَى الْأَرْضِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ فَحَدَثَ خَوْفٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَرَكِبَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا .
نُصَّ عَلَيْهِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا لَوْ رَكِبَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ بَنَى ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ فَلَهُ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْرَارِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً .
وَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ وُجِدَ سَبَبُ إرْثِ الْوَلَدِ ( لَهُ ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ عَتِيقَ زَوْجَتِهِ ( فَإِنَّ الْقِصَاصَ ) يَثْبُتُ لَهَا فَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ مَاتَتْ وَرِثَهُ الِابْنُ ثُمَّ يَسْقُطُ .
وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ نَقْدٌ فَأَتْلَفَ رَبُّ الدَّيْنِ شَيْئًا لِلْمَدْيُونِ مُتَقَوِّمًا بِذَلِكَ النَّقْدِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ ثُمَّ تَسْقُطُ .
وَلَوْ تَزَوَّجَ ( عَبْدُهُ ) مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الْأُمِّ ( فَلَوْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إلَى مَوَالِيهِ فَلَوْ مَاتَ مَوَالِي الْأَبِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَمْ يَعُدْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ ) بَلْ يَخْلُفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَبْقَى لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَلَوْ
زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ وَقُلْنَا : وَجَبَ الْمَهْرُ ثُمَّ سَقَطَ ( وَمِثْلُهُ قَتَلَ ابْنَهُ ) وَقُلْنَا : وَجَبَ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ .
وَلَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنِ مَيِّتٍ صَحَّ ، أَوْ حَيٍّ فَمَاتَ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ فِي وَجْهٍ وَيَجُوزُ لِلْمُفْلِسِ أَنْ يَسْتَدِينَ ( مُؤَجَّلًا ) عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ ( حَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي قَوْلٍ ) .
وَلِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ ( أَنْ يَقْتَرِضَ لَهُ مُؤَجَّلًا وَلَوْ جُنَّ ) حَلَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ .
وَلَوْ أَذِنَ لِأَمَتِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا فَفِي بُطْلَانِ الْإِذْنِ خِلَافٌ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ ابْتِدَاءً لِمُسْتَوْلَدَتِهِ وَأَمَتِهِ .
وَلَوْ تَبَايَعَا مُتَبَاعِدَيْنِ وَقُلْنَا : يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَهُوَ أَصَحُّ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فَقَدْ أَثْبَتْنَا ابْتِدَاءَ الْخِيَارِ مَعَ التَّفَرُّقِ وَلَمْ نُثْبِتْ دَوَامَهُ مَعَ التَّفَرُّقِ ، أَوْصَى عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الشُّرُوطُ ( ثُمَّ وُجِدَتْ ) فَقَدْ اُغْتُفِرَ ثُمَّ وُجِدَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَمَرَّ عَدَمُ الشَّرْطِ فَقَدْ اغْتَفَرْنَا إبْدَاءَ الْإِيصَاءِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَلَمْ يُغْتَفَرْ دَوَامُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ : النُّفُوذُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُ وَقْتُ الِابْتِدَاءِ .
يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ ( فِي صُوَرٍ ) : مِنْهَا : لَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ مَعْضُوبًا أَوْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ ، فَلَوْ حَضَرَ صَحِيحًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْ السَّهْمِ فِي الْأَصَحِّ وَمِنْهَا : عَقْدُ الذِّمَّةِ .
لَا ( يُعْقَدُ ) مَعَ تُهْمَةِ الْخِيَانَةِ ، فَلَوْ اتَّهَمَهُمْ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُنْبَذْ عَهْدُهُمْ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ فَإِنَّهُ يُنْبَذُ فِيهَا الْعَقْدُ بِالتُّهْمَةِ .
وَمِنْهَا : نِكَاحُ الْمُحْرِمِ لَا يَصِحُّ وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ فِي الْأَصَحِّ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الِاسْتِدَامَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا قُلْنَا : ( لَا تُمْنَعُ ) هِبَةُ الْآبِقِ فَلَوْ أَبَقَ الْمَوْهُوبُ فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى الْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فَرْعُ ( بَقَائِهِ ) .
وَمِنْهَا : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ قَالَ أَصْحَابُنَا : كُلُّ امْرَأَةٍ جَازَ لَهُ ابْتِدَاءً نِكَاحِهَا فِي الْإِسْلَامِ جَازَ لِلْمُسْلِمِ إمْسَاكُهَا بِعَقْدٍ مَضَى فِي الشِّرْكِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ .
وَمِنْهَا : ابْتِدَاءُ ( الْقَرْضِ ) عَلَى ( الْعُرُوضِ ) لَا يَصِحُّ ، وَلَوْ فَسَخَ وَالْمَالُ عُرُوضٌ ثُمَّ عَقَدَ الْمَالِكُ لِذَلِكَ الْعَامِلِ الْقِرَاضَ عَلَيْهَا ( صَحَّ ) فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ .
كِتَابَةُ بَعْضِ الْعَبْدِ ( بَاطِلَةٌ ) فَلَوْ كَاتَبَهُ السَّيِّدَانِ صَحَّ بِشَرْطِهِ ، فَلَوْ عَجَزَ فَعَجْزُهُ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الْآخَرُ إبْقَاءَهُ ( فَهُوَ كَابْتِدَاءِ ) الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا تَعَيَّنَتْ الْحُرَّةُ وَانْدَفَعَتْ الْأَمَةُ فِي الْأَصَحِّ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا : مَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءً فِعْلِهِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَالصُّورَةِ عَلَى السَّقْفِ وَالثَّوْبِ وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى شَارِبِهِ تَقَيُّؤُهُ .
ثَانِيهَا : مَا لَا يُحَرَّمَانِ وَهُوَ سَائِرُ الْمُبَاحَاتِ .
ثَالِثُهَا : مَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءً فِعْلِهِ وَلَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ كَتَمْوِيهِ السَّقْفِ بِمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ وَكَالصُّوَرِ الْمَنْقُوشَةِ عَلَى الْحُصْرِ وَالْبُسُطِ ( وَالْأَرْضِ ) .
رَابِعُهَا : مَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ وَلَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ كَنِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَلَوْ مَلَكَهَا حُرِّمَ عَلَيْهِ دَوَامُ النِّكَاحِ ، وَلِهَذَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ يُبَاحُ فِعْلُهُ وَتَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ مُدَّةَ الْإِحْرَامِ .
وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إذَا أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ وَأَيْسَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَحُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهُ ( وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمَيْتَةَ لِيَأْكُلَهَا ثُمَّ وَجَدَ الْحَلَالَ حُرِّمَ عَلَيْهِ إدَامَةُ يَدِهِ عَلَيْهَا ) وَكَذَلِكَ الصَّائِمُ إذَا جَامَعَ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْجِمَاعِ .
يُغْتَفَرُ فِي الشَّيْءِ إذَا كَانَ تَابِعًا مَا لَا يُغْتَفَرُ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا فِي الشُّفْعَةِ لَا تَثْبُتُ فِي الْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَتَثْبُتُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ إذَا بِيعَتْ مَعَهَا .
وَكَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى غَيْرِ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ ( تَثْبُتُ ) تَبَعًا لَهُمَا ، كَمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُحْرِمِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِلشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهَا وَالظُّفْرِ ؛ لِأَنَّهُمَا ( هُنَا ) تَابِعَانِ غَيْرُ مَقْصُودَيْنِ بِالْإِبَانَةِ .
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ كُشِطَتْ جِلْدَةُ الرَّأْسِ فَلَا فِدْيَةَ وَيُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ الْكَبِيرَةُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَيَجِبُ الْمَهْرُ ، وَلَوْ قَتَلَتْهَا لَا يَجِبُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ تَابِعٌ عِنْدَ الْقَتْلِ غَيْرُ مَقْصُودٍ .
وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي النِّكَاحِ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ ( نِسْوَةٍ ) ؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ ، وَفِي الِاخْتِيَارِ لِلْفِرَاقِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ اخْتِيَارُ الْأَرْبَعِ لِلنِّكَاحِ فَلَيْسَ أَصْلًا فِيهِ بَلْ تَابِعًا فَاغْتُفِرَ .
وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ وَأَطْلَقَ فَزَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهَا إذَا عَتَقَ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُقَالُ ( هَلَّا جَرَى ) فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ خِلَافٌ كَمَا جَرَى فِي ضَمَانِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ هَا هُنَا جَرَى فِي ضِمْنِ عَقْدٍ مَأْذُونٍ فِيهِ .
وَقَدْ يُمْنَعُ الشَّيْءُ مَقْصُودًا وَإِذَا حَصَلَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَمْ يَمْتَنِعْ وَنَظِيرُهُ : يَصِحُّ خُلْعُ الْعَبْدِ قَوْلًا وَاحِدًا وَيُمْنَعُ مِنْ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ بِعَقْدِ الْهِبَةِ فِي الْأَصَحِّ .
وَالصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَجُوزُ تَبَعًا لَهُمْ وَفِي جَوَازِهَا اسْتِقْلَالًا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْكَرَاهِيَةُ .
وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَوْ اسْتَأْجَرَ
بِئْرًا ( لِيَسْتَقِيَ ) مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ أَكْرَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا وَفِيهَا بِئْرُ مَاءٍ جَازَ أَنْ ( يَسْتَقِيَ ) مِنْهَا تَبَعًا .
يُغْتَفَرُ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْعَاقِدِ مَا لَا يُغْتَفَرُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مِنْ آخَرَ وَيَجُوزُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ وَالِاسْتِيفَاءُ مُتَّصِلٌ ( تَابِعٌ ) .
وَحَيْثُ أَبْطَلْنَا الْمُخَابَرَةَ فَتَجُوزُ إذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ لَا يُمْكِنُ سَقْيُ النَّخِيلِ إلَّا بِسَقْيِهِ فَيَعْقِدُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُخَابَرَةِ تَبَعًا وَإِنْ أَفْرَدَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى النَّخِيلِ ثُمَّ أَرَادَ عَقْدَ الْمُخَابَرَةِ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَحْصُلُ لِوَاحِدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ( فِي ) صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ : بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ النَّخِيلِ وَيَجُوزُ مِنْ مَالِكِهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَبَيْعُ الْوَارِثِ رَقَبَةَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا لِلْمُوصَى لَهُ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ .
وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُهُ بِحَمَامِ غَيْرِهِ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا وَهِبَتُهُ شَيْئًا مِنْهُ لِثَالِثٍ ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ فِي الْأَصَحِّ وَبَيْعُ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ يَجُوزُ قَطْعًا ، وَمِنْ غَيْرِهِ خِلَافٌ ، وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ يَجُوزُ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ وَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِهِ قَطْعًا .
قُلْت : وَقَدْ تَنْعَكِسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا فَبَاعَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ نَفَذَ قَطْعًا ، وَلَوْ ( بَاعَهُ ) مِنْ الْبَائِعِ بِإِذْنٍ فَإِذْنُهُ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ ، وَلَكِنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَ الْإِيجَابِ فَهَلْ يَصِحُّ ( أَمْ ) يَقْتَضِي بَعْدُ فَسَادَ الْإِيجَابِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ وَجْهَانِ : ( ثَانِيَتُهُمَا ) بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ قَطْعًا وَبَيْعُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ فَكِّ الرَّهْنِ
فِيهِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ مَعَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ .
يُغْتَفَرُ فِي مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا تَأْلِيفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ يُغْتَفَرُ فِي الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي ( قُدِّرَ ) دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ قَبْلَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ وَيُغْتَفَرُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ .
وَلَوْ قَالَ : اعْتِقْ عَبْدَك إذَا جَاءَ الْغَدُ عَلَى كَذَا فَفَعَلَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ ( ذَلِكَ ) مُتَضَمِّنًا لِلتَّمْلِيكِ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ ، وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْإِبْرَاءِ .
وَلَوْ قَالَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِإِحْدَاهُنَّ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ؛ فَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ لِلنِّكَاحِ وَتَعْلِيقُ الِاخْتِيَارِ يَمْتَنِعُ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ وَالِاخْتِيَارُ يَحْصُلُ ضِمْنًا وَيُحْتَمَلُ فِي الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَالِاسْتِقْلَالِ ( قَالَهُ ) الرَّافِعِيُّ ( فِي ) ( الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ ) .
يُغْتَفَرُ فِي الْفُسُوخِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُقُودِ سَبَقَتْ ( فِي مَبَاحِثِ الْفَسْخِ ) .
يُغْتَفَرُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ مَا لَا يُغْتَفَرُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ بَعْدَ غُسْلِ ( النَّجَاسَةِ ) ( تَغَيُّرُ ) اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَضُرَّ ، وَكَمَا لَوْ نَوَى الْقَارِئُ قَطْعَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ الْقِرَاءَةُ ، وَإِنْ سَكَتَ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ فَلَوْ سَكَتَ وَنَوَى الْقَطْعَ بَطَلَتْ .
وَلَوْ أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ وَنَوَى التَّصَرُّفَ فِيهَا ضُمِّنَ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُضَمَّنْ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ دَعْوَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ الدُّفُّ وَالشَّبَّابَةُ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَحَيْثُ انْفَرَدَ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ ( يَتَخَرَّجَ ) عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ مَا إذَا أَبْدَلَ فِي الظِّهَارِ لَفْظَ الْأُمِّ وَالظَّهْرَ بِأَنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُخْتِي فَإِنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ إبْدَالُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضُرَّ فَإِذَا أَبْدَلَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ظِهَارًا قَطْعًا وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا .
الْيَقِينُ شَرْطٌ فِي الْإِقْرَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : أَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ فِي الْأَقَارِيرِ الْيَقِينُ وَأَطْرَحُ الشَّكَّ وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ .
فَقَوْلُهُ : " الْغَلَبَةُ " تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ تَرَكَ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَقَارِيرِ وَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى غَيْرِ غَالِبِهِ وَهُوَ ( الْمَجَازُ ) .
الْأَوَّلُ : هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : يَمِينٌ عَلَى إثْبَاتِ فِعْلِ نَفْسِهِ ، أَوْ عَلَى نَفْيِهِ ، وَيَمِينٌ عَلَى إثْبَاتِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، أَوْ نَفْيِهِ .
وَكُلُّهَا عَلَى الْقَطْعِ إلَّا الْيَمِينَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ فَإِنَّهَا عَلَى ( نَفْيِ ) الْعِلْمِ وَقَدْ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الْحَاءِ ) .
الثَّانِي : الْيَمِينُ عَلَى حَسَبِ الدَّعْوَى إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ جَحَدَ الْوَرَثَةُ تَدْبِيرَ الْعَبْدِ فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِالتَّدْبِيرِ سُمِعَتْ وَلَا تُسْمَعُ بِالْعِتْقِ ( ؛ لِأَنَّ عِتْقَ ) التَّدْبِيرِ حُكْمٌ وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى مَا أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ الْوَرَثَةُ كَانَتْ يَمِينُهُمْ ( فِي نَفْيِ الْعِلْمِ ) دُونَ الْبَتِّ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ نَفْيٍ لِفِعْلِ غَيْرِهِمْ وَكَانُوا فِي أَيْمَانِهِمْ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى التَّدْبِيرِ دُونَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُؤَدِّي مَا تَحَمَّلَتْهُ وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْيَمِينُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدِ وَالْعِتْقِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي .
الثَّالِثُ : الْيَمِينُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَعُ فِي غَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ .
وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا حَلَفْت بِاَللَّهِ ( تَعَالَى ) قَطُّ لَا صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا .
وَثَانِيهِمَا : مَا تَقَعُ فِي الْمُحَاكَمَةِ ( وَهِيَ ) نَوْعَانِ : يَمِينُ دَفْعٍ وَيَمِينُ إيجَابٍ .
فَيَمِينُ الدَّفْعِ هِيَ الْمَشْرُوعَةُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ .
وَيَمِينُ الْإِيجَابِ خَمْسَةٌ : اللِّعَانُ ، وَالْقَسَامَةُ ، مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، وَيَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ مَعَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ إذَا عُلِمَ لَهُ مَالٌ فِي الْبَاطِنِ وَأَنَّ الشُّهُودَ اعْتَمَدُوا ( عَلَى ) الظَّاهِرِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً كَمَا لَوْ طَلَبَتْ ( الْمَرْأَةُ ) مِنْ الْحَاكِمِ التَّزْوِيجَ فَيُحَلِّفُهَا عَلَى الْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ اسْتِحْبَابًا فِي الْأَصَحِّ وَغَيْرِهِ .
الرَّابِعُ : أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ قَطُّ بَلْ يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ وَأَنْ يَرُدَّ وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الرَّدِّ عَلَيْهِ ، قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : ( وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ : أَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحِلَّ ) ( لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ ) تَجِبَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَإِنْ كَانَ ( مِمَّا يُبَاحُ ) بِالْإِبَاحَةِ كَالْأَمْوَالِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ وَبَيْنَ أَنْ ( يَنْكُلَ ) إذَا عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا وَإِنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَاذِبًا فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَلِفُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ كَذِبِ خَصْمِهِ كَمَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ إذَا نَكَلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالنُّكُولِ كَالْمَالِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْلِفُ لَمْ ( يَحِلَّ ) لَهُ النُّكُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْعِصْيَانِ كَمَا إذَا ادَّعَى ( عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ الْقَطْعَ كَاذِبًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ كَيْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ يَدَّعِي ) عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَحِلُّ ( لَهَا ) النُّكُولُ كَيْ لَا تَكُونَ عَوْنًا عَلَى الزِّنَى بِهَا .
وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَلَا تَحِلُّ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَإِنْ ( كَانَ ) مِمَّا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى بِالْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ أَنْ يُبِيحَ الْحَقَّ أَوْ يُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ مِنْهُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ أَضْرَارِ خَصْمِهِ بِالْبَاطِلِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَعْلَمُ الْمُدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ حِفْظًا لِمَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ .
كَمَا إذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ الْبَيْنُونَةَ فَيُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ ( فَيَلْزَمُهَا
) الْحَلِفُ حِفْظًا لِبُضْعِهَا مِنْ الزِّنَى وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْأَمَةِ الْعِتْقَ وَإِنْكَارُ سَيِّدِهَا وَنُكُولِهِ فَيَلْزَمُهَا الْحَلِفُ وَنَظَائِرُهُ .
قِيلَ : هَلْ يَجُوزُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ ( وَفُجُورِهِ ) قُلْنَا : يَجُوزُ وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ طَلَبِ مَا لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّا ( لَوْ ) لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْأَيْمَانِ وَضَاعَ بِذَلِكَ الْحُقُوقُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُرِّمَ لَمَا جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَحْلِيفِ خَصْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ خَصْمَهُ كَاذِبٌ فِي إنْكَارِهِ وَيَمِينِهِ قُلْت : وَمِنْ السَّلَف مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ وَأَوْفَى الْحَقَّ خَشْيَةَ أَنْ يُصَادِفَ قَضَاءً فَيُقَالُ : إنَّهُ بِالْيَمِينِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مَفْسَدَةِ الْأَخْذِ بِإِعْطَائِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ .
الْخَامِسُ : الْيَمِينُ إذَا تَعَلَّقَتْ بِدَمٍ غُلِّظَتْ بِالْعَدَدِ فَتَكُونُ خَمْسِينَ يَمِينًا ( كَمَا ) نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ( وَالْأَصْحَابُ ) وَتُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالصِّفَةِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِمَالٍ وَهُوَ نِصَابُ الزَّكَاةِ .
السَّادِسُ : يَقْضِي بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ وَالْمَحْجُورِ .
وَلِهَذَا فِي الْمُفْلِسِ لَوْ أَقَامَ مُسْتَحِقُّ السِّلْعَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الرَّهْنِ ، وَقَالَ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ : يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ فِي سِتِّ مَسَائِلَ : أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ ( عَلَى الْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ وَالْغُرَمَاءُ يَجْحَدُونَهُ وَالْمُفْلِسُ يُصَدِّقُهُ يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ ) أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، الثَّانِي : أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، الثَّالِثُ : أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ ، الرَّابِعُ : الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ ، الْخَامِسُ : يُقِيمَهَا عَلَى الْمَيِّتِ ، السَّادِسُ : يُقِيمَهَا عَلَى الْغَائِبِ .
قَالَ : وَلَيْسَ لِلْقَاضِي اسْتِحْلَافُ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْخَصْمِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السِّتَّةِ وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُرَجَّحُ خِلَافُهُ .
السَّابِعُ : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ ( تَقُمْ ) بَيِّنَةٌ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ .
الثَّامِنُ : الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا كَذَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي مَوَاضِعَ وَأَوْرَدَ عَلَيْهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ تَعَدِّيَهَا إلَى الْعَاقِلَةِ وَإِلَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ .
وَإِذَا ادَّعَى عَلَى الْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِهِ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ لَكِنَّ الْمَحْذُورَ تَعَدِّيَهَا إلَى ثَالِثٍ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ أَمَّا حَيْثُ قَبِلْنَاهُ ( فَلَا ) وَسَبَقَ فِي حَرْفِ النُّونِ فِي فَصْلِ النُّكُولِ لِهَذَا تَتِمَّةٌ فَاسْتَحْضِرْهُ وَصُورَةُ الْعَاقِلَةِ إذَا ادَّعَى عَلَى الْجَانِي قَتْلَ الْخَطَأِ وَنَكَلَ عَلَى الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَقُلْنَا : ( الْيَمِينُ ) الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ ثَبْتٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَكَانَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْجَانِي خَطَأً فِي الدِّيَةِ فَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ .
التَّاسِعُ : الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ سَوَاءٌ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ ( بِالْعَتَاقِ ) فَإِنْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ بِاَللَّهِ ( تَعَالَى ) فَعَلَى نِيَّةِ الْحَاكِمِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ مَظْلُومًا كَالْحَالِفِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا شُفْعَةَ عَلَيْهِ لِلْجَارِ ، أَوْ كَانَ حَنَفِيًّا حَلَفَ ( لَا يَمِينَ عَلَيْهِ فَالنِّيَّةُ ) فِي الْيَمِينِ نِيَّةُ الْحَالِفِ دُونَ الْحَاكِمِ الْمُسْتَحْلِفِ قَالَهُ ( الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ) .
وَمِثْلُهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا أَوْ لَا بَيِّنَةَ بِإِعْسَارِهِ ( وَإِنْ أَقَرَّ ) حُبِسَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُورِيَ فِي يَمِينِهِ وَالتَّوْرِيَةُ هِيَ أَنْ تُوَافِقَ يَمِينُهُ قَصْدَهُ وَإِنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إذَا كَانَ مَا قَصَدَهُ مِنْ مَجَازِ اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ جَوَّزَ لِلْمُعْسِرِ الْحَلِفَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ ( يَخَفْ الْحَبْسَ ) حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ .
الْعَاشِرُ : بَابُ الْيَمِينِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ .
وَلِذَلِكَ تُقْبَلُ الْيَمِينُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَالْفَاسِقِ وَالْفَاجِرِ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ غَالِبًا إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَيُعْتَضَدُ بِهِ .
وَلِهَذَا لَوْ رَأَى بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ( صِحَّتُهُ ) كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ أَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ وَكُلُّ مَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ جَازَ الْحَلِفُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْعَكِسُ .
( الْحَادِي ) عَشَرَ : ( مَنْ ) وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَدِيَ عَنْهَا بِمَالٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ ، قَالَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَّلِ الصُّلْحِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ ( الْجَوَازَ وَهُوَ يُوهِمُ نَقْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْبُوَيْطِيِّ ) اخْتَارَ فِيهِ قَوْلَ مَالِكٍ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ ( وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ فَحَلَفَ أَكْثَرُهُمْ وَافْتَدَى بَعْضُهُمْ يَمِينَهُ بِمَالٍ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ حَتَّى هَلَكَ مَنْ حَلَفَ ) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ( مَا قَالَهُ ) .
( الثَّانِي ) عَشَرَ : الْيَمِينُ عِنْدَنَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( أَيْ لَا تَجْعَلُ الْمُبَاحَ حَرَامًا ) وَلَا تُوجِبُ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَطْءُ الزَّوْجَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِيمَا عَدَا الْوَطْأَةَ الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ وَمَعَ هَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ الْوَطْءُ وَاجِبًا فَقَدْ غَيَّرَتْ الْيَمِينُ حُكْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قُلْنَا : الْمُرَادُ لَا يُغَيَّرُ حَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا وَيَمِينُ الْمَوْلَى كَذَلِكَ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ حِكَايَةً عَنْ الْقَفَّالِ لِي أَصْلٌ أُخَرِّجُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ وَهُوَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُحَرِّمُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُ الْيَمِينِ عِنْدَنَا : تَحْقِيقُ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُمْ : تَحَقُّقُ الْوَعْدِ بِمَا يُكَفَّرُ بِضِدِّهِ .
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ سَبْعُ مَسَائِلَ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْيَمِينَ بِالْيَهُودِيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ وَعِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ وَأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ تَحْرِيمُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا قَالَ : حَرَّمْت هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى نَفْسِي .
الثَّالِثَةُ : إذَا قَالَ : حَرَّمْت هَذَا الطَّعَامَ عَلَى نَفْسِي لَا يَنْعَقِدُ يَمِينًا .
الرَّابِعَةُ : يَمِينُ الْغَمُوسِ لَا يَنْعَقِدُ ( بِهَا ) لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي حَظْرًا .
الْخَامِسَةُ : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَنْتَصِبُ شَيْئًا .
السَّادِسَةُ : يَمِينُ الْكَافِرِ لَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهَا تَحْرِيمٌ فِي الْمِلْكِ .
السَّابِعَةُ : ( إذَا حَلَفَ وَحَنِثَ ) نَاسِيًا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ وَإِنْ ارْتَكَبَهُ نَاسِيًا .
قَالَ : وَنَصُّ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا مَعْنَاهُ وَتَعْظِيمِي حُرْمَةَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ ( كَذَا ) فَإِنْ فَعَلْت كُنْت تَارِكًا تَعْظِيمِي حُرْمَةَ
اللَّهِ ( تَعَالَى ) وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَكَذَا هَذَا الْفِعْلُ يَحْرُمُ .
وَإِنَّمَا تَحْقِيقُهُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الْحَلِفُ فِي تَوَعُّدِهِ أَوْ أَمْرِهِ ( الْمُؤَكَّدِ ) وَكَانَ مَجْبُورًا بِالتَّكْفِيرِ ، وَالْحَاصِلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُوجِبَةِ قِرْبَةٍ وَلَا مَوْعُودٍ فِي مُقَابَلَةِ سَبَبٍ حَتَّى يُقَالَ : يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعْدُ تَوْكِيدٍ فَاسْتُحِبَّ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ .
الثَّالِثُ عَشَرَ : سَبَقَ أَنَّ الْيَمِينَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِدَعْوَى فَوَاجِبَةٌ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ لَا تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى يَمِينِ الْأَوَّلِ : وَضَابِطُهَا أَنَّهُ كُلُّ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ وَهَذَا أَشَارَ إلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لِأَنِّي لَمْ أُلْحِقْهُ بِهِ بِاعْتِرَافٍ وَإِنَّمَا أَلْحَقْته بِهِ شَرْعًا وَهُوَ لَوْ رَجَعَ عَنْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فَلَا مَعْنَى لِإِحْلَافِهِ .
الثَّانِيَةُ : دَعْوَى الْأَبِ الْحَاجَةَ لِلنِّكَاحِ ( إذَا ظَهَرَتْ ) يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ .
الثَّالِثَةُ : ادَّعَى عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ فَحَضَرَ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ .
الرَّابِعَةُ : ادَّعَى عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالزُّورِ لَا يَحْلِفُ .
الْخَامِسَةُ : ادَّعَى عَلَى قَاسِمِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ غَلِطَ لَا يَحْلِفُ قَالَهُ شُرَيْحٌ فِي رَوْضَتِهِ .
السَّادِسَةُ : لَوْ طَالَبَ الْإِمَامُ السَّاعِيَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَوَاتِ فَقَالَ : لَمْ آخُذْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ لَزِمَهُ كَذَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ) حَكَاهُ شُرَيْحٌ .
السَّابِعَةُ : ادَّعَى الصَّبِيُّ الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ لَا يَحْلِفُ .
الثَّامِنَةُ : قَالَ رَجُلٌ : أَنَا وَكِيلُ زَيْدٍ فِي قَبْضِ دُيُونِهِ فَأَدِّهِ إلَيَّ ؛ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ : لَا أَعْلَمُ أَنَّك وَكِيلٌ ؛ فَقَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ .
وَلَوْ قَالَ لِلْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ : أَنْتَ مَعْزُولٌ وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَمَالَ إلَى تَرْجِيحِ الْمَنْعِ قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْقَاضِي : أَنْتَ مَعْزُولٌ لَمْ تَلْزَمْهُ
الْيَمِينُ .
التَّاسِعَةُ : ادَّعَى عَلَى وَصِيٍّ مَيِّتٍ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لَهُ وَطَالَبَهُ فَقَالَ الْوَصِيُّ : لَا أَعْلَمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ الْعَاشِرَةُ : ادَّعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَيِّدِهَا أَنَّهُ وَطِئَهَا وَاسْتَوْلَدَهَا فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَصْلَ الْوَطْءِ فَطَلَبَتْ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ فِي الْأَصَحِّ ( كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ ) .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : ادَّعَى الْمُودِعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ قَدْ عَلِمَ عُمُومَهُ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ فَإِنْ ادَّعَى عِلْمَ عُمُومِهِ وَلَمْ ( يَعْلَمْ وُقُوعَهُ ) فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِيَمِينٍ .
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا طَلَبَ سَهْمَ الْمَسَاكِينِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَى إذَا شَهِدَتْ لَهُ الْقَرَائِنُ بِأَنْ كَانَ شَيْخًا هَرِمًا أَوْ زَمِنًا وَكَذَا إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاكْتِسَابُ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثَةَ عَشْرَ : كَاتَبَا عَبْدًا عَلَى مَالٍ فَادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنِّي أَدَّيْت إلَيْك جَمِيعَ النُّجُومِ لِتَأْخُذَ نَصِيبَك وَتَدْفَعَ نَصِيبَ الْآخَرِ إلَيْهِ فَقَالَ دَفَعْت إلَيَّ نَصِيبِي وَنَصِيبَ الْآخَرِ دَفَعْته إلَيْهِ بِنَفْسِك وَأَنْكَرَ الْآخَرُ الْقَبْضَ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ وَصُدِّقَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَ الْآخَرِ بِيَمِينِهِ وَصَدَقَ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا .
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ جَنَى عَلَيْهِ فَادَّعَى زَوَالَ عَقْلِهِ وَلَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ فَإِنَّ لَهُ ( دِيَةً ) بِلَا يَمِينٍ .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : طَلَبَ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِكِ فَادَّعَى مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَلَمْ يُتَّهَمْ فِي دَعْوَاهُ لَمْ يَحْلِفْ قَطْعًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ اُتُّهِمَ فَهَلْ يَحْلِفُ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ الصَّبِيُّ : قَتَلْت وَأَنَا صَبِيٌّ ؛ فَلَا قِصَاصَ وَلَا يَحْلِفُ .
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ :
عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ فَقَالَ : شِئْت ؛ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : ( عَلَى وَجْهٍ ادَّعَى أَبُو الصَّبِيِّ فِي الْحَضَانَةِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرَ نَقْلَةٍ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ ) .
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : ( أَكْرَى ) مَنْ يَحُجُّ ( عَنْهُ ) فَقَالَ الْأَجِيرُ : حَجَجْت قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا بَيِّنَةَ ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُمْكِنُ وَالرُّجُوعُ إلَى الْأَجِيرِ قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ .
( قَالَ ) وَإِنْ قَالَ لَهُ : قَدْ جَامَعْت فِي حَجِّك فَأَفْسَدْته ؛ لَمْ يَحْلِفْ أَيْضًا وَلَا تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ جَامَعَهَا مُحْرِمًا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَقَالَ : كُنْت نَاسِيًا قُبِلَ مِنْهُ وَلَا يَضُرُّ وَصَحَّ حَجُّهُ وَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ .
( وَكَذَا ) لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بَعْدَ عُبُورِهِ الْمِيقَاتَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي إحْرَامِهِ أَوْ ( فِي ) الْحَرَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .
الْعِشْرُونَ : لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَتْ : تَزَوَّجْت ( بِزَوْجٍ ) وَدَخَلَ بِي وَطَلَّقَنِي وَاعْتَدَدْت ؛ قُبِلَ مِنْهَا وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَلَا يَمِينَ .
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً ، وَقَالَ : ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ .
قَالَ : وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ وَقَالَ : ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( يَحْلِفُ مَا ) وَطِئَهَا إلَّا وَهُوَ يَرَاهَا ( حَلًّا ) لَهُ ثُمَّ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ .
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ : لَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالشُّرْبِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ( وَهِيَ ) أَنْ يُقِرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيَدَّعِي الشُّبْهَةَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ
الْعِرَاقِيِّينَ : إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ أُمِّهِ وَقَالَ : ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي أُحْلِفَ مَا وَطِئَهَا إلَّا وَهُوَ يَرَاهَا حَلَالًا ، وَأَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ وَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ وَلَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جَهْلُهُ بِهِ .
قَالَ : وَكُلُّ شَتْمٍ وَضَرْبٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ فَيَحْلِفُ مَا ( شَتَمَهُ ) هَذَا الشَّتْمَ وَلَا ( ضَرَبَهُ ) هَذَا الضَّرْبَ .
الْأُولَى : مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ ( تَعَالَى ) عَلَى الْمُكَلَّفِينَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ جِنَايَةً وَيُسَمَّى عُقُوبَةً وَالْجِنَايَاتُ سَبْعٌ .
وَإِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ إتْلَافًا وَيُسَمَّى ضَمَانًا وَإِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الْتِزَامًا وَيُسَمَّى ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مَهْرًا أَوْ غَيْرَهُ .
وَمِنْهُ أَدَاءُ الدُّيُونِ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعُ وَاجِبَةٌ بِالِالْتِزَامِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ وَالرَّقِيقِ .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا هُوَ الْتِمَاسُ إتْلَافٍ بِعِوَضٍ وَكَذَلِكَ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى كَذَا وَكَذَا الْتِزَامُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ وَبَدَلِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْقَرْضِ وَسَائِرِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَهَذَا غَيْرُ الِالْتِزَامِ بِضَمَانِ الْغَيْرِ وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى فِدَاءً كَخُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِدَاءِ الْأَسِيرِ ( وَكَذَا ) الْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ ( يَشْتَرِيهِ ) وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُعَاوَضَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فَأَمَّا خُرُوجُ الْمَدْفُوعِ عَنْ مِلْكِ دَافِعِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ فَإِنْ وَقَعَ فِي مُعَاوَضَةٍ فَذَاكَ .
وَمِنْهُ الِافْتِدَاءُ فِي الْخُلْعِ فَإِنَّ فِيهِ إزَالَةَ مِلْكٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَانِبِ الزَّوْجِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْعِصْمَةِ وَجَانِبِ الْبَاذِلِ فَإِنَّ فِيهِ إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْ الْمَالِ الْمَبْذُولِ ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى عِوَضٍ .
وَأَمَّا افْتِدَاءُ الْأَسِيرِ فَلَيْسَ فِيهِ إزَالَةُ مِلْكٍ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَمْ يَمْلِكْ الْمُسْلِمَ ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْفَادِي فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا بَذَلَ مِنْ الْفِدَاءِ وَالْكَافِرُ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا نُعْطِيهِ لَهُ لِلضَّرُورَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرْنَا بِهِ أَعْطَيْنَاهُ لَهُ .
وَأَمَّا افْتِدَاءُ الْحُرِّ مِمَّنْ يَسْتَرِقُّهُ فَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَكَالْأَسِيرِ وَإِنْ جَهِلَ كَانَ مَعْذُورًا .
وَأَمَّا ضَمَانُ السَّفِينَةِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْغَرَقِ
وَلَا يُنْقِذُهُمْ إلَّا إلْقَاءُ الْمَتَاعِ يَجِبُ إلْقَاؤُهُ وَلَكِنْ بِعِوَضٍ إذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ تَعُودُ إلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ : إنَّ الْمُلْقَى ( لَا ) يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ حَتَّى لَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ عَلَى السَّاحِلِ وَظَفِرْنَا بِهِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ وَيُسْتَرَدُّ ( أَيْضًا مِنْهُ ) الْمَبْذُولُ وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَمْسِكَ مَا يَأْخُذُهُ وَيَرُدُّ بَدَلَهُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً هَلْ لِلْمُقْرَضِ إمْسَاكُهَا وَرَدُّ بَدَلِهَا ؟
الثَّانِيَةُ : مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً بِالتَّمْلِيكِ بِأَنْوَاعِهِ ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَبِالْإِبْرَاءِ ، إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ كَإِسْقَاطِ الْأَبِ حَقَّ الْوِلَايَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ أَوْ التَّزْوِيجِ لَا يَسْقُطُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقُ حَقٍّ كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَهَا وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ شَائِعًا بَيْنَ بَقِيَّةِ النِّسَاءِ ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ فَإِنْ كَانَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي صُورَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ وَالتَّحَجُّرُ وَمَقَاعِدُ الْأَسْوَاقِ .
وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ إذَا كَانَ لِإِنْسَانٍ غَرَضٌ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَاسْتَنْزَلَ عَنْهَا زَوْجُهَا بِمَالٍ جَازَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقِصَّةِ ( سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ) حَيْثُ قَالَ ( لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) : ( اُنْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ شِئْت أَنْزِلُ لَك عَنْهَا ) فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ .
وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ اسْتِنْبَاطُهُ مِنْ صُورَةِ الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِضَرُورَةِ الِافْتِدَاءِ وَخَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ ( مَا بَذَلَهُ ) .
نَعَمْ وَرَدَ أَنَّ ( الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ) نَزَلَ عَنْ الْخِلَافَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ قَالَ ( ابْنُ بَطَّالٍ ) فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ( فِيهِ ) مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الِانْخِلَاعِ مِنْ الْخِلَافَةِ وَالْعَهْدِ بِهَا عَلَى أَخْذِ مَالٍ جَائِزٌ لِلْمُخْتَلَعِ وَالْمَالُ لَهُ طَيِّبٌ ،
وَكَذَلِكَ هُوَ جَائِزٌ لِلْمُصَالِحِ الدَّافِعِ لِلْمَالِ وَكَانَ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلَ الْحَسَنِ : إنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَجْبُولُونَ عَلَى الْكَرَمِ وَالتَّوَسُّعِ لِمَنْ حَوَالَيْنَا مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَوَالِي ، وَقَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ مَا صَارَتْ لَنَا بِهِ عَادَةُ اتِّفَاقٍ وَإِفْضَالٍ عَلَى الْأَهْلِ وَالْحَاشِيَةِ فَإِنْ ، تَخَلَّيْت عَنْ هَذَا الْأَمْرِ قَطَعْنَا الْعَادَةَ فَقَالَ ( مُعَاوِيَةُ ) : نَفْرِضُ لَك مِنْ الْمَالِ ( عَلَى الْعَامِ ) كَذَا وَمِنْ الْأَقْوَاتِ وَالثِّيَابِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكُلِّ مَا ذَكَرْت فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ .
الثَّالِثَةُ : اتِّبَاعُ خَيْرِ " الْخَيْرَيْنِ مَطْلُوبٌ وَاجْتِنَابُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ ( فِيهِ ) مَرْغُوبٌ .
الرَّابِعَةُ : حَدِيثُ النَّفْسِ الْوَارِدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ ( فِي الْقَلْبِ ) مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الشَّرِّ مَكْتُوبٌ فِي الْخَيْرِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَوَقَعَ الْإِصْرَارُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ وَيَنْقُصُ الْأَجْرُ فِي الْمَكْرُوهِ وَيُتَجَاوَزُ عَنْهُ فِي الْمُبَاحِ وَيَزْدَادُ الْأَجْرُ بِهِ فِي الْوَاجِبِ ( وَالْمَنْدُوبِ وَالْعَمَلِ ) بِمَا اسْتَقَرَّ ( يَنْزِلُ ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي زِيَادَةِ الْأَجْرِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ وَعَدَمِهِمَا وَسَبَقَ ( فِي حَرْفِ الْحَاءِ ) .
الْخَامِسَةُ : الْأَخْذُ بِالرُّخَصِ وَالْعَزَائِمِ فِي مَحَلِّهَا مَطْلُوبٌ رَاجِحٌ فَإِذَا قَصَدَ بِالرُّخْصَةِ قَبُولَ فَضْلِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) كَانَ أَفْضَلَ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَطْلُوبُ الشَّرْعِ الْوِفَاقُ وَرَدُّ الْخِلَافِ إلَيْهِ .
وَلِهَذَا كَانَ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَزَائِمِ وَالْعَمَلِ بِالْمُخْتَلِفِ فِيهِ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ ( فَإِذَا وَقَعَ لِلْإِنْسَانِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَأَمْكَنَهُ الْأَخْذُ فِيهِ بِالْعَزِيمَةِ ) ( فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ ) ( وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقُوَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ ) أَخَذَ بِالرُّخْصَةِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقُوَّةِ ( وَإِنْ ) كَانَ رَاجِحًا ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ( الضَّعْفِ ) إنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُخَالَفَةِ الْمَحْضَةِ .
إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَتَقَلَّدْ أَمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ رُخْصَةً وَعَزِيمَةً إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَوَاعِدِ فَلْتَعْرِفْ مَقَاصِدَهُمْ وَتَقْتَدِي بِأَفْعَالِهِمْ .
السَّادِسَةُ : الشَّرِيعَةُ قِسْمَانِ مَأْمُورَاتٌ وَمَنْهِيَّاتٌ وَاعْتِنَاءُ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ فَوْقَ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ .
وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
وَمِنْ ثَمَّ سُومِحَ فِي تَرْكِ ( بَعْضِ ) الْوَاجِبَاتِ بِأَدْنَى مَشَقَّةٍ فِي الْإِقْدَامِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ الصَّوْمِ .
وَالْفَاقِدِ لِلْمَاءِ يَعْدِلُ لِلتَّيَمُّمِ وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ ) وَخُصُوصًا الْكَبَائِرَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ ( أَوْ الزِّنَى أَوْ الْمُضْطَرَّ ) إلَى تَنَاوُلِ الْخَمْرِ لَا يُبَاحُ لَهُمْ وَإِنْ عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي التَّرْكِ حَتَّى بَلَغَتْ الرُّوحَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَامَحَةَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْسَعُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ فِي فِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ بَلَغَ الْعُذْرُ نِهَايَتَهُ ( وَانْبَنَى ) عَلَى ذَلِكَ قَوَاعِدُ : مِنْهَا : أَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ وَهُوَ عُذْرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَقَدْ ( سَبَقَتْ ) .
الْمُطَارَحَاتُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي أَوَّلِ الْمُطَارَحَاتِ التَّحَاسُدُ عَلَى الْعِلْمِ دَاعِيَةُ التَّعَلُّمِ وَمُطَارَحَةُ الْأَقْرَانِ فِي الْمَسَائِلِ ذَرِيعَةٌ إلَى الدِّرَايَةِ وَالتَّنَاظُرُ فِيهَا يُنَقِّحُ الْخَوَاطِرَ وَالْأَفْهَامَ ، وَالْخَجَلُ الَّذِي يَحِلُّ بِالْمَرْءِ مِنْ غَلَطِهِ يَبْعَثُهُ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ الْعِلْمِ لِيَعْلَمَ وَيَتَصَفَّحَ الْكُتُبَ فَيَتَسَبَّبُ بِذَلِكَ إلَى بَسْطِ الْمَعَانِي وَيَحْفَظُ الْكُتُبَ .
مَسْأَلَةٌ : رَجُلٌ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِخَمْسِ وُضُوآت فَلَمَّا فَرَغَ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي أَحَدِهَا وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ فَجَاءَ إلَى الْمُفْتِي وَلَمْ يُحْدِثْ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ ) : تَوَضَّأْ وَأَعِدْ الْخَمْسَ ( فَتَوَضَّأَ وَأَعَادَ الْخَمْسَ ) فَلِمَا فَرَغَ تَيَقَّنَ أَنَّهُ ( تَرَكَ ) مَسْحَ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ أَيْضًا فَجَاءَ إلَى الْمُفْتِي فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ( لَهُ ) : تَوَضَّأْ وَأَعِدْ الْعِشَاءَ ( الْآخِرَةَ ) .
وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ وَحَلُّهُ أَنَّ وُضُوءَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَتَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَعَادَ الْخَمْسَ ( بِوُضُوءٍ صَحِيحٍ ) وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بِأَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْمَسْحَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا الْعِشَاءُ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ فِيهِ وَغَيْرُهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ فِي الْأُولَى بَلْ أَعَادَ الْخَمْسَ مُعْتَقِدًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ كَمَا لَوْ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَتَرَكَ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ فَلَا ( يَلْزَمُهُ إلَّا إعَادَةُ ) الْعِشَاءِ .
قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْعَالِمُ ( مَعَ أَصْحَابِهِ ) ( تَشْحِيذًا ) لِلْأَذْهَانِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّخْلَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الزُّهْرِيُّ ) قَالَ ( سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ) : حَدِّثُونِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يُتَشَهَّدُ فِيهِنَّ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ يَسْبِقُ الرَّجُلُ ( فِيهَا ) بِرَكْعَةٍ ، ثُمَّ يُدْرِكُ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَتَشَهَّدُ ( فِيهِمَا ) .
قُلْت : وَيُتَصَوَّرُ فِيهَا أَرْبَعُ تَشَهُّدَاتٍ كَأَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِتَشَهُّدَيْنِ وَيُتَصَوَّرُ فِيهَا خَمْسَةٌ بِأَنْ يَشُكَّ ( وَهُوَ ) فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فِي رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيَتَشَهَّدُ .
وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ ( قَالَ ) لَمَّا قَدِمَ ( عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ ) الْعِرَاقَ قَصَدْنَاهُ وَامْتَحَنَّاهُ بِمَسَائِلَ ( عَوِيصَةٍ مِنْ فِقْهِ ) أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فَأَجَابَ عَنْهَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ثَوْرٍ بِمَاذَا تَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ قُلْت : بِفَرْضٍ ، فَقَالَ : أَخْطَأْت ، قُلْت : بِنَفْلٍ ، قَالَ : أَخْطَأْت ، قُلْت : بِمَاذَا ؟ قَالَ : بِهِمَا ، وَهُمَا التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ .
التَّكْبِيرُ فَرْضٌ ( وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ فِيهَا بِهِمَا ) تَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ .
قُلْت : وَتَجِيءُ ( مَسْأَلَةُ ) الِامْتِحَانِ بِمَا تُخْتَتَمُ الصَّلَاةُ .
وَيُحْكَى أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمَّا حَجَّ وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ حَضَرَ ( مَعَ ) مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ : مَا يَقُولُ الشَّيْخُ ( فِي الْمُحْرِمِ ) إذَا أَخَذَ فِي كُمِّهِ مِيزَانًا فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهَلْ يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ كُمٌّ ؟ فَقَالَ ( مَالِكٌ ) : مَا ذَهَبْتُ إلَى مَا ذَهَبْتَ إلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : عَادَةُ الشُّيُوخِ كَذَا تَارَةً يُخْطِئُونَ وَتَارَةً ( يُصِيبُونَ ) فَقَالَ مَالِكٌ : مَا عَلِمْت أَنَّهُ
يَسْتَهْزِئُ بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنْ مَا تَقُولُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَوْمَ ) الْجُمُعَةِ بِعَرَفَاتٍ أَصَلَّى جُمُعَةً أَمْ ( صَلَّى ) ظُهْرًا مَقْصُورَةً ( لِأَنَّهُ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ ) ؟ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : صَلَّى جُمُعَةً ؛ ( لِأَنَّهُ ) خَطَبَ ( لَهَا ) قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ : أَخْطَأَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ السَّبْتِ لَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَا الَّذِي صَلَّاهَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : صَلَّى ظُهْرًا مَقْصُورَةً ؛ لِأَنَّهُ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ فَصَوَّبَهُ هَارُونُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَقِيلَ : إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ( يَقُولُ ) : أَبَا يُوسُفَ بَلْ يَقُولُ : يَا يَعْقُوبُ .
( وَمِنْ الْمُمْتَحَنَاتِ مِنْ عَوِيصِ مَسَائِلِ الْمِفْتَاحِ ) لِابْنِ الْقَاصِّ رَمَى رَجُلَانِ صَيْدًا فَقَتَلَاهُ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قَالَ ( الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ ) تِلْمِيذُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ : سَأَلَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَقُلْت : لَيْسَتْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ يُمْلَكُ وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صُورَتَيْنِ : فَالصُّورَةُ الْأُولَى الَّتِي يَكُونُ فِيهَا حَرَامًا إذَا أَثْبَتَهُ أَحَدُهُمَا وَرَمَاهُ الْآخَرُ فِي ( غَيْرِ ) الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ذَكَاتُهُ فِي ( غَيْرِ ) الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ السَّابِقُ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحَالَفَا وَتَرَكَا .
وَأَمَّا الصُّورَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا نِصْفَيْنِ فَهِيَ إذَا أَثْبَتَ الْأَوَّلُ وَذَبَحَهُ الْآخَرُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَاخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ تَحَالَفَا وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، قَالَ الْقَاضِي : فَلَمَّا ذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ قَبْلَ قُدُمِي فَقُلْت لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامَ الْمُتَوَلِّي مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَانَ آخِرَ جَوَابِهِ أَنِّي لَا أَعْلَمُ ، فَقُلْت لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا قُلْته صَحِيحٌ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ فَقِيهٌ مِنْ جِيلَانَ قَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيِّ شَيْخِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ ( الشِّيرَازِيِّ ) وَالشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ قَرَأَ عَلَى ابْنِ الْقَاصِّ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرْته فَعَلِمْت صِحَّتَهُ قَالَ الْفَارِقِيُّ : وَهَذَا غَرَضٌ مَقْصُودٌ لِلْمُصَنِّفِينَ أَنْ يَضَعُوا ( فِي تَصَانِيفِهِمْ ) أَسْرَارًا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ لِيَحْتَاجَ إلَى مُرَاجَعَتِهِمْ فِي شَرْحِهَا .
وَقَدْ كَانَ ( الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَيْضَاوِيُّ ) قَدْ اعْتَزَلَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي نَصْرِ بْنِ
الصَّبَّاغِ يُدَرِّسُ فِي مَسْجِدٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ فَجَاءَ إلَى ابْنِ الصَّبَّاغِ رَاجَعَهُ فِيهَا ( فَذَكَرَهَا لَهُ ) فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُسَطَّرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : لَوْ لَمْ تُسَطَّرْ هَكَذَا كَيْفَ كُنْت تَتْرُكُ التَّدْرِيسَ وَتَحْضُرُ لِلسُّؤَالِ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْغَضَائِرِيُّ فِي كِتَابِ الْوَشَائِحِ سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِ ( أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ ) فِي كِتَابِ التَّهْذِيبِ : وَلَا يَرِثُ ( الْحَمْلُ ) إلَّا بِالْبَيِّنَةِ .
مَا صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ فَأَجَبْت : صُورَتُهَا مَمْلُوكَانِ سُبِيَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَأَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا ثُمَّ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا أَخُوهُ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَطَلَبَ الْآخَرُ مِيرَاثَهُ ( نُظِرَ ) إلَى السَّيِّدِ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا وَرِثَهُ وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ وَذَلِكَ ( سَبَبُ ) الْمِيرَاثِ ( فَمَنْ ) ادَّعَى شَيْئًا ( يَتَقَدَّمُ فَعَلَيْهِ ) إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ .
رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يُحْسِنُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَآخَرُ يُحْسِنُ النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : هَذَا مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ ( الْمُتَعَنِّتُ ) فَيُقَالُ : أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ .
( وَمِثْلُهُ ) أَنْ يُقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخَنَاثَى إمَامُهُمْ أَيْنَ يَقِفُ ؟ وَهَذَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : سَأَلْت الْقَفَّالَ عَنْ تَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ : كِدْت تُغَالِطُنِي ، التَّجْدِيدُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالطَّلَبِ وَطَلَبُ الْمَاءِ يُبْطِلُهُ فَإِذَا تَيَمَّمَ ثَانِيًا فَيَكُونُ هُوَ الْفَرْض .
قُلْت : وَفِي اعْتِرَاضِ الْقَفَّالِ عَلَى الْقَاضِي نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ ( قَدْ ) لَا يَجِبُ الطَّلَبُ لِلتَّيَمُّمِ إذَا قُطِعَ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَوْضِعِهِ .
وَفِي الذَّخَائِرِ أَنَّ الْقَفَّالَ قَالَ : لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ .
وَأَمَّا ( الْجُرْحُ ) فَيُجَدَّدُ الْمَغْسُولُ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ ؟ وَجْهَانِ .
قَالَ الشَّاشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَدَّدَ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِي ( النَّافِلَةِ ) .
اجْتَمَعَ أَبُ الْمُعْتِقِ وَمُعْتِقُ الْأَبِ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أَبٌ وَمُعْتِقٌ كَانَ لَا مَحَالَةَ مُعْتِقًا وَكَانَ قَدْ مَسَّهُ الرِّقُّ ثُمَّ لَحِقَهُ الْعِتْقُ وَحِينَئِذٍ لَا وَلَاءَ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الِانْجِرَارِ فَلَا مَعْنَى لِمُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَطَلَبِ ( الْأَوْلَوِيَّةِ ) .
شَرْطُ السَّعْيِ وُقُوعُهُ بَعْدَ ( طَوَافِ مَا ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا فَإِنْ قُلْت : هَلْ يَصِحُّ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ ؟ قُلْت : هَذَا مُغَالَطَةٌ ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ إتْمَامِ الْمَنَاسِكِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَبْلَ السَّعْيِ .
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا : إذَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ ( بِجِمَاعٍ فِي يَوْمَيْنِ ) لُزُومَ كَفَّارَتَيْنِ وُجُوبُ النِّيَّةِ لِكُلِّ ( يَوْمٍ ) وَقَدْ وَافَقْنَا الْمَالِكِيَّةَ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَوَجْهُ الْإِلْزَامِ ( إمَّا أَنْ ) يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ ( مُتَّحِدًا ) فَمَا وَجْهُ ( تَعَدُّدِ ) الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ ( كَانَا ) عِبَادَتَيْنِ فَيَلْزَمُ لِكُلِّ ( وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) نِيَّةٌ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا ( كَانَتْ تَفْتَقِرُ ) إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ صَارَتْ كَالْوَاحِدَةِ .
قُلْنَا : كَفَى بِاللَّيْلِ فَاصِلًا .
وَكَانَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَحْكِي أَنَّ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ ( الْأَصْفَهَانِيَّ ) كَانَ يَحْفَظُ مِائَةَ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ وَكَانَ شَيْخُهُ ( التَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ ) يَحْفَظُ أَلْفَ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ وَكَانَ أُسْتَاذُهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ يَحْفَظُ عَشْرَةَ آلَافِ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ .
( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا أَبَدًا وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
عَلَّقَ هَذِهِ النُّسْخَةَ بِيَدِهِ الْفَانِيَةِ عَلِيٌّ عَبْدُ الْمُحْسِنِ عَلِيٌّ عُمَرُ الرَّاجِي عَفْوًا بِهِ وَمَغْفِرَتَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدِيهِ وَلِمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَدَعَا لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَمَانِي مِائَةٍ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الثَّالِثَةُ : إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَهُوَ مُسَافِرٌ أَمْ مُقِيمٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَرَكَ يَقِينٍ بِشَكٍّ ، بَلْ لِأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ .
الرَّابِعَةُ : بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ " وَوُجِدَ " مُتَغَيِّرًا وَلَمْ نَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى النَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " تَغَيُّرِهِ " بِالْبَوْلِ .
وَرُدَّ بِأَنَّ إحَالَةَ التَّغَيُّرِ عَلَى الْبَوْلِ الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى مِنْ إحَالَتِهِ عَلَى طُولِ الْمُكْثِ فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ فَيُقَدَّمُ الظَّاهِرُ عَلَى الْأَصْلِ .
الْخَامِسَةُ : الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ انْقِطَاعَ الدَّمِ قَبْلَهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ انْقِطَاعِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ " الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ " ، فَإِذَا شَكَّتْ فِي الِانْقِطَاعِ وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صُورَةِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ ، لَكِنَّ " الْأَمْرَ " بِالِاحْتِيَاطِ هُنَاكَ اقْتَضَى ذَلِكَ .
السَّادِسَةُ : مَنْ شَكَّ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ يَغْسِلُهُ كُلَّهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الثَّوْبِ الطَّهَارَةُ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ الطَّهَارَةُ ، إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ .
السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ : شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا " أَوْ نَوَى " الْإِقَامَةَ أَمْ لَا لَمْ يَتَرَخَّصْ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ السَّفَرِ وَعَدَمُ وُصُولِهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ رُخْصَةٌ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الرُّخْصَةِ ، إلَّا بِيَقِينٍ وَحَكَى الْقَفَّالُ فِي السَّابِعَةِ وَجْهًا بِالْجَوَازِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الثَّامِنَةِ ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ نَقْلًا عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ .
التَّاسِعَةُ : مَنْ بِهِ حَادِثٌ دَائِمٌ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فَصَلَّى بِطَهَارَتِهِ لَمْ يَصِحَّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الِاسْتِمْرَارُ ، وَرُدَّ بِأَنَّ طَهَارَتَهُ ضَرُورَةٌ فَإِذَا شَكَّ فِي الِانْقِطَاعِ فَقَدْ شَكَّ فِي السَّبَبِ الْمُجَوِّزِ فَيَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ .
الْعَاشِرَةُ : الْمُتَيَمِّمُ إذَا تَوَهَّمَ الْمَاءَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَإِنْ بَانَ أَنْ لَا مَاءَ وَرُدَّ بِأَنَّ تَوَهُّمَ الْمَاءِ يُوجِبُ الطَّلَبَ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّيَمُّمِ وَالْأَرْجَحُ مَعَ ابْنِ الْقَاصِّ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْوَهْمِ قَدْ " أَعْمَلْنَاهُ " فِي إبْطَالِ الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَسَبَبُ رُجْحَانِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاصِّ فِيمَا سَبَقَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْجُودَ أَسْقَطْنَاهُ بِالشَّكِّ " .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ " : رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَشَكَّ هَلْ أَصَابَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ رَمْيَةٍ أَوْ حَجَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَكَذَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ .
وَرُدَّ بِأَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ فَإِنْ أَجَزْنَا أَكْلَهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ ، وَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْحِلِّ .
وَهَذَا رَدٌّ جَيِّدٌ وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ الْحِلَّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ فِي الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ صَحَّحُوا التَّحْرِيمَ " وَمَحَلُّ " ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَإِنْ انْتَهَى حَلَّ قَطْعًا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ ذَكَرَا أَرْبَعَ مَسَائِلَ مُسْتَثْنَيَاتٍ وَنَسَبَاهَا لِصَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَنَّهُ حَذِقٌ وَأَنَّ هَذِهِ مِمَّا تُسْتَفَادُ وَقَدْ ذَكَرَا الْأُولَى وَالسَّابِعَةَ وَالثَّامِنَةَ وَنَقَلَا وَاحِدَةً عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ صَدَّرَا بِهَا لَمْ أَرَهَا فِي كَلَامِهِ وَهِيَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ شَكُّوا فِي " انْقِضَاءِ وَقْتِ " الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ بَقَاءَ الْوَقْتِ وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُسْتَثْنَى " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ " مَسْأَلَةً .
قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ فِي الْجُمُعَةِ وَالْمَسْحِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي صُورَتَيْ الْمُسَافِرِ ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ انْقِضَاءَ وَقْتِ الْمَسْحِ لَيْسَ " مِمَّا " يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِذَا " شَكَّ فِيهِ تَعَيَّنَ الرَّدُّ " لِلْأَصْلِ بِخِلَافِ الِانْتِهَاءِ لِدَارِ الْإِقَامَةِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالشَّاكِّ فَجَاءَ وَجْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْهُ طَرَحَهُ .
وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الشَّكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالشَّكِّ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٌ " فِيهِمَا " عَلَى الْأَصَحِّ .
وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مَضَتْ كَامِلَةً عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَلَا أَثَرَ لِمَا يَحْدُثُ
مِنْ الشَّكِّ .
وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ أُخَرُ تُضَافُ " لِمَا " ذُكِرَ .
مِنْهَا : الْمَقْبَرَةُ إذَا شُكَّ نَبْشُهَا فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ " الصَّلَاةُ " فِيهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّبْشِ .
وَمِنْهَا : إذَا جُومِعَتْ الْمَرْأَةُ وَقَضَتْ شَهْوَتَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَخَرَجَ مِنْهَا مَنِيُّ الرَّجُلِ أَعَادَتْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اخْتِلَاطُ مَنِيِّهَا مَعَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : لَوْ رَأَى مَنِيًّا فِي ثَوْبِهِ أَوْ فَرْشِهِ " الَّذِي لَا يَنَامُ " فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْحَدَثِ " .
فَإِنْ قُلْت " إنَّمَا " وَجَبَ الْغُسْلُ إحَالَةً عَلَى مَا ظَهَرَ الْمَنِيُّ .
قُلْت : وَفِي بَوْلِ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى .
وَمِنْهَا : إذَا نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنِ الْمَقْعَدَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ الرِّيحِ .
وَمِنْهَا : الْهِرَّةُ إذَا تَنَجَّسَ فَمُهَا ثُمَّ غَابَتْ وَاحْتُمِلَ زَوَالُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ مَا لَاقَاهُ مِنْ مَاءٍ وَمَائِعٍ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نَجَاسَةٍ فَمِهَا وَقَدْ " رَفَعْنَاهُ " بِالشَّكِّ .
لَا يُقَالُ لَا يُسْتَثْنَى ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِيمَا بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، لِأَنَّا نَقُولُ الْغَرَضُ طَرْحُ يَقِينِ النَّجَاسَةِ فَالشَّكُّ اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا فَقَدْ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِنَجَاسَتِهِ إعْمَالًا لِلشَّكِّ وَطَرَحَ أَصْلَ الطَّهَارَةِ .
لَا يُقَالُ أَنَّ الْقُلَّةَ هِيَ الْأَصْلُ ، لِأَنَّا نَقُولُ الْمَاءُ الْمُشَخَّصُ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ بِقُلَّةٍ فَكَيْفَ يَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ الْقِلَّةُ ، لَا جَرَمَ رَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ طَهُورٌ " فَلَا اسْتِثْنَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ جَزَمَ " .
وَمِنْهَا : لَوْ شَكَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، هَلْ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا نَقَلَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ وَقَضِيَّتُهُ طَرْدُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنْ الْبَغَوِيّ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّأْثِيرِ .
وَمِنْهَا : اقْتَدَى بِإِمَامٍ فَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى الِاقْتِدَاءَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ .
وَمِنْهَا : مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ " فَشَكَّ " فِي قَضَائِهَا ، فَإِنَّهُ لَا " يَلْزَمُهُ " قَضَاؤُهَا ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا .
وَمِنْهَا : إذَا أَكَلَ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جَازَ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ .
وَمِنْهَا : الْمَفْقُودُ إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ ( فَوْقَهَا ) يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ " فِي الْحُكْمِ " بِمَوْتِهِ وَيُعْطِي مَالَهُ " لِوَرَثَتِهِ " مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ .
وَمِنْهَا : قُدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ نِصْفَيْنِ ، وَشَكَّ فِي حَيَاتِهِ " وَمَوْتِهِ " ، وَادَّعَى الضَّارِبُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ حَيَاةً قَبْلَ ذَلِكَ ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ صَحَّحَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَلِيِّ لِلْعَمَلِ بِالشَّكِّ وَطَرْحُ الْأَصْلِ وَهُوَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَهُوَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْفِقْهِ .
وَمِنْهَا : الْجُرْحُ الَّذِي احْتَمَلَ الزَّهُوقَ " لِغَيْرِهِ " فَإِنَّهُ يَجْرِي الْحُكْمُ عَلَيْهِ إحَالَةً عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ فِي صُورَةِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ .
وَمِنْهَا : جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْحَلِفِ أَنَّ " لِمُوَرِّثِهِ " عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ، بَلْ " بِغَلَبَةِ " الظَّنِّ " مِمَّا " يَجِدُهُ " مِنْ خَطِّ مُوَرِّثِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ " يَشُكُّ " ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ أُجِيزَ لَهُ الْعَمَلُ بِالشَّكِّ الْمُؤَيَّدِ بِمَا " ذَكَرَهُ " مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ .
وَمِنْهَا : الشَّكُّ فِي عَدَدِ غَسَلَاتِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، لِئَلَّا يَرْتَكِبَ الزَّائِدَ وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُ .
وَمِنْهَا : اقْتِصَاصُ الْوَكِيلِ فِي الْغَيْبَةِ يَمْنَعُ مِنْهُ عَلَى رَأْيٍ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَكَالَةِ ، لَكِنْ " لِخَطَرِهِ " عُمِلَ بِالشَّكِّ عَلَى رَأْيٍ .
الشَّلَلُ هَلْ هُوَ مَوْتٌ أَوْ تَيَبُّسٌ ؟ قَوْلَانِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعُضْوَ الْأَشَلَّ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ .
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) إذَا كَانَ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ عُضْوٌ أَشَلُّ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ إنْ قُلْنَا مَوْتٌ لَمْ يُؤْكَلْ ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيِّتِ ، " وَإِلَّا " أُكِلَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
( الثَّانِيَةُ ) لَوْ مَسَّ بِيَدٍ شَلَّاءَ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ إنْ قُلْنَا الْحَيَاةُ تَحِلُّهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَإِلَّا فَلَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِهَا ، كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ ، وَكَذَا لَوْ " لَمَسَ " ذَكَرًا أَشَلَّ يُنْقَضُ فِي الْأَصَحِّ " ، كَمَا لَوْ " مَسَّهُ " مَقْطُوعًا .
( الثَّالِثَةُ ) لَا يُقْطَعُ الْعُضْوُ الصَّحِيحُ بِالْأَشَلِّ فِي الْأَصَحِّ " ، وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي .
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالشَّلَلُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الشَّلَلُ ذَهَابُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ .
حَرْفُ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الصَّبِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : بِالنِّسْبَةِ " لِأَقْوَالِهِ " وَهِيَ مُلْغَاةٌ فَلَا تَصِحُّ عُقُودُهُ ، وَفِي وَصِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ قَوْلٌ ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ مُطْلَقًا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ يُقْبَلُ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ دُونَ الْإِخْبَارِ ، كَرُؤْيَةِ النَّجَاسَةِ ، وَدَلَالَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْقِبْلَةِ ، وَخُلُوِّ الْمَوْضِعِ عَنْ الْمَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ " وَالشَّمْسِ " وَغُرُوبِهَا ، بِخِلَافِ مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ ، كَالْإِفْتَاءِ وَالْإِخْبَارِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطِّبِّ وَرِوَايَةِ الْأَحَادِيثِ وَالتَّنْجِيسِ عَنْ غَيْرِهِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذْنُهُ فِي دُخُولِ الدَّارِ " وَإِيصَالُ الْهَدِيَّةِ " .
الثَّانِيَةُ : إخْبَارُهُ بِطَلَبِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ ، فَإِنَّ الْمَدْعُوَّ تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَشَرَطَا أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُ الصَّبِيِّ .
الثَّالِثَةُ : فِي اخْتِيَارِهِ أَحَدَ أَبَوَيْهِ " فِي " الْحَضَانَةِ إذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ .
وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى " يُخْتَبَرُ " فِي سِنِّ التَّمَيُّزِ بِمَيْلِهِ إلَى أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ يَعْتَمِدُ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ، لِأَنَّ " اخْتِيَارَ " الْخُنْثَى لَازِمٌ وَلَا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَالْوَلَدِ يَتَدَاعَاهُ اثْنَانِ لَا يَصِحُّ انْتِسَابُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْحَضَانَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ .
الرَّابِعَةُ : دَعْوَاهُ اسْتِعْجَالَ الْإِنْبَاتِ بِالدَّوَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ ، زَادَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِيَمِينِهِ لِأَجْلِ حَقْنِ دَمِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ صَبِيٌّ " فَلَا " يَحْلِفُ الْخَامِسَةُ : فِي إرْسَالِهِ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ الْمُحَقَّرَاتِ وَقَدْ نَقَلَ عَنْ الْجُورِيِّ " حِكَايَةَ " الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَعَلَى صِحَّةِ شِرَائِهِ " لَهَا " ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ ، بِلَا نَكِيرٍ .
السَّادِسَةُ " إخْبَارُهُ " بِبَيْعِ الشَّرِيكِ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَقَارِ
إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ الشَّرِيكِ صِدْقَهُ ، حَتَّى إذَا أَخَّرَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَحِلُّ " لَهُ " أَخْذُهَا فِي الْبَاطِنِ قَالَهُ " فِي " الْحَاوِي ، قَالَ وَكَذَا خَبَرُ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ " إلَى الظَّاهِرِ " فَلَهُ الْأَخْذُ .
السَّابِعَةُ : عَمْدُهُ فِي الْعِبَادَاتِ ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ أَوْ سَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ .
الثَّانِي " : أَفْعَالُهُ وَهُوَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا الْعِبَادَاتُ وَهُوَ فِيهَا كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَمِنْ ثَمَّ يَحْكُمُ عَلَى مَائِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي الْأَصَحِّ وَطَهَارَتُهُ كَامِلَةٌ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ فِي صِغَرِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا فَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ بَلَغَتْ فَغُسْلُهَا صَحِيحٌ وَلَا تُعِيدُ .
وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ طَهَارَةَ الصَّبِيِّ نَاقِصَةٌ فَإِذَا بَلَغَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ .
وَهَذَا فِي غَيْرِ طَهَارَةِ الْحَاجَةِ ، أَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ بَلَغَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا فِي الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا شُفِيَتْ ، لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لِلْحَاجَةِ ، وَقَدْ زَالَتْ الْحَاجَةُ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَكِنَّ مَا يُؤَدِّيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَرْضِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْوِي " بِصَلَاتِهِ " " الْفَرْضِيَّةَ " قُلْت هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ ، وَقَدْ حَكَى عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَا يُقْصَرُ ، لِأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْفَرَائِضِ ، قَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الظَّاهِرُ هُنَا الْجَوَازُ ، لِأَنَّهُمَا نَفْلَانِ .
قُلْت سَيَأْتِي عَنْ الْعَبَّادِيِّ مَا يَقْتَضِي تَجْوِيزَ الْجَمْعِ لَهُ .
وَلَوْ صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ ، وَفِي وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ خِلَافٌ " تَرْجِيحٌ " بَيْنَ " الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ ، أَنَّهَا لَا تَجِبُ مَعَ " " مُوَافَقَتِهِ " الرَّافِعِيُّ " عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ التَّبْيِيتِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ .
وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ فِي الْكِفَايَةِ عِنْدَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ ، وَهُوَ " يُؤَيِّدُ "
مَا سَبَقَ أَنَّ لِصَلَاتِهِ حُكْمَ الْفَرْضِ ، وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَجْهَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ صَلَاةُ الْفَرْضِ قَاعِدًا وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْبَالِغِ بِهِ نَعَمْ الْبَالِغُ فِيهِ أَوْلَى مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ أَقْرَأَ " أَوْ أَفْقَهَ " ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ ، بَلْ نَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى كَرَاهَةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ ، نَعَمْ " لَوْ " أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَكَانَ الْإِمَامُ صَبِيًّا " نَصَّ " الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ ، إلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ .
وَلَوْ اسْتَنَابَ الْوَلِيُّ فِي حَجِّ الْفَرْضِ عَنْ الْمَيِّتِ صَبِيًّا لَمْ يَصِحَّ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبُلُوغِ ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ عَنْهُ .
وَمِنْهَا الْجِنَايَاتُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ فَتَغْلُظُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَ عَمْدًا وَيَحْرُمُ إرْثُ مَنْ " قَتَلَهُ " إذَا قُلْنَا قَاتِلُ الْخَطَأِ يَرِثُ دُونَ الْعَامِدِ .
وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَجَامَعَ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً وَقُلْنَا عَمْدُهُ عَمْدٌ فَهُوَ زِنًى ، إلَّا أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ ، وَإِلَّا فَكَالْوَطْءِ فِي الشُّبْهَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَعَلْنَاهُ زِنًى .
وَلَوْ حَجَّ وَبَاشَرَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ عَمْدًا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ " أَنَّ " عَمْدَهُ عَمْدٌ .
" وَلَوْ " حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَمْدًا وَقُلْنَا عَمْدُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَسَهْوُهَا " سَوَاءٌ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ جِمَاعُهُ فِي " نَهَارِ " رَمَضَانَ عَمْدًا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحّ ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّوْمِ فِي حَقِّهِ نَاقِصَةٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ جِمَاعِ الْمُحْرِمِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ هَلْ تَجِبُ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ الْوَلِيِّ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا فِي مَالِ الْوَلِيِّ ، فَيَكُونُ فِعْلُ الصَّبِيِّ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ " نَصَبَ " سَبَبًا لِلْإِيجَابِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ .
وَمِنْهَا الِاكْتِسَابُ وَهُوَ كَالْبَالِغِ .
وَلِهَذَا " يَتَمَلَّكُ " الْمَوَاتَ " بِالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ " ، قَالَهُ فِي الْحَاوِي وَيَصِحُّ الْتِقَاطُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَيَجُوزُ السَّبْيُ وَيَمْلِكُهُ وَيَتْبَعُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ .
وَقَالَ فِي الْوَلِيمَةِ : لَوْ أَخَذَ الصَّبِيُّ " النِّثَارَ " مَلَكَهُ .
وَلَوْ رُدَّ الْآبِقُ بَعْدَ " سَمَاعِهِ " النِّدَاءَ " فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ " الْجُعْلَ وَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ .
وَمِنْهَا وَطْؤُهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا ، كَالْبَالِغِ فِي التَّحْلِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا ، خِلَافًا لِلْقَفَّالِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا صَغِيرَةً ، فَوَطِئَهَا زَوْجٌ حَلَّتْ قَطْعًا ، وَنُقِلَ فِي الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَجْهَانِ كَتَحْلِيلِ الصَّبِيِّ .
وَمِنْهَا قَبْضُهُ فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْهُ ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ إلَى الْوَلَدِ فَصَرَفَتْهُ إلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ " إلَيْهِ " " أَنَّهَا " تَبْرَأُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَأَبْدَى لِنَفْسِهِ احْتِمَالًا بِالْمَنْعِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ الْوَدِيعَةُ لِلْمُودِعِ سَلِّمْهَا لِلصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِهَا فِي النَّارِ فَفَعَلَ ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَرَاءَةَ وَإِنْ حَصَلَتْ فَالتَّسْلِيمُ حَرَامٌ كَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ ، وَحِينَئِذٍ لَوْ امْتَنَعَ الْمُودَعُ مِنْ دَفْعِهَا إلَى الصَّبِيِّ فَتَلِفَتْ لَا يَضْمَنُهَا ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا ، وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ الْوَدِيعَةَ بِكَوْنِهَا مُعَيَّنَةً وَالْمِلْكُ فِيهَا مُسْتَقَرٌّ وَلَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ .
وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ وَالْغَاصِبَ إذَا سَلَّمَا الْعَيْنَ إلَى الصَّبِيِّ بِالْإِذْنِ " أَنَّهُ " يَكُونُ فِي الْبَرَاءَةِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمِلْكَ مُسْتَقَرٌّ ، لَكِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلِذَلِكَ أَبْدَى فِيهِ احْتِمَالَيْنِ وَقَالَ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى صَبِيٍّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّ وَعَيَّنَ " الْمَدْفُوعَ لَهُ " جَازَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ .
وَقِيَاسُهُ فِي الْحُقُوقِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا كَذَلِكَ ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ " الْبَائِعَ " ، لَوْ دَفَعَ الْمَبِيعَ إلَى الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي لَا تَخْرُجُ الْعَيْنُ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، لِأَنَّ وَكَالَةَ الصَّبِيِّ بِالْقَبْضِ فَاسِدَةٌ ، نَعَمْ إنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَقَعَ الْمَوْقِعَ .
وَهَذَا كُلُّهُ " فِي الْمُمَيَّزِ ، أَمَّا
غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَهُوَ مَسْلُوبُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ " ، إلَّا فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ إذَا سَبَقَ إحْرَامَ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ .
قَاعِدَةٌ " الْخِلَافُ فِي أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ ، وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ عَمْدٌ " هُوَ فِي الْمُمَيَّزِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمْدُهُ خَطَأٌ قَطْعًا " وَهَذَا فِي جِنَايَتِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا عَمْدُ الْمُمَيَّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ فَعَمْدٌ قَطْعًا " ، كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ عَامِدًا " فَسَدَا " قَطْعًا .
وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا جَامَعَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِحَالٍ وَهَلْ يَبْطُلُ صَوْمُهُ ؟ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ ، وَلَك أَنْ تَسْأَلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَكْلِهِ حَيْثُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ قَطْعًا ، وَفِي جِمَاعِهِ " الْوَجْهَانِ " ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ شَهْوَةَ الصَّبِيِّ الْأَكْلُ " كَشَهْوَةِ " الْبَالِغِ ، بَلْ آكَدُ ، وَلَا كَذَلِكَ الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ الْبَالِغُ ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْجِمَاعِ ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ بِمَثَابَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْإِنْزَالُ ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ مَسْلَكَ الْجِمَاعِ فِي " الْأَحْكَامِ مِنْ " الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ .
وَمِنْهَا جِمَاعُهُ عَمْدًا فِي الْحَجِّ هَلْ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا " ذَكَرْنَا " ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ " يُفْسِدُهُ " ، وَإِنَّمَا جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مُلْحَقٌ بِالْجِنَايَاتِ ، وَالْخِلَافُ فِيهَا ثَابِتٌ .
وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ حَيْثُ إنَّ عَمْدَهُ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا وَفِي الْحَجِّ قَوْلَانِ مُشْكِلٌ ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَفْعَالِ .
أَمَّا أَقْوَالُهُ فَعَمْدُهُ فِيهَا عَمْدٌ فِي الْعِبَادَاتِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، " قَالَ " وَقَدْ فَرَّقَ " صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ " فِيمَا إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْمُصَلِّي تَبْطُلُ " صَلَاتُهُ " وَعَلَى الْحَاجِّ لَا يُبْطِلُهُ "
فَإِنَّ " الصَّلَاةَ شَرْطُهَا الطَّهَارَةُ وَيَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وُضُوءُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ عَلَى الصَّبِيِّ صِيَامٌ وَيُعْقَدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ الْحَجِّ .
قَالَ ، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَرَّقْنَا بِهِ هَا هُنَا فَنَقُولُ أَمْرُ الصَّلَاةِ أَقْوَى اعْتِبَارًا فِي بُطْلَانِهِ وَفَسَادِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهَا شَرْطُ الطَّهَارَةِ ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِحَدَثِهِ ، فَكَذَلِكَ بِأَقْوَالِهِ الْعَامِدَةِ فِيهَا " وَأَفْعَالِهِ " .
فَرْعٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَالِغٍ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ .
الصِّحَّةُ وَالْجَوَازُ وَالِانْعِقَادُ " فِي بَابِ الْعُقُودِ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَكُلُّ صَحِيحٍ مُنْعَقِدٍ وَكُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ .
وَهُوَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ أَوْ " مَا " أَفَادَ حُكْمُهُ ، وَقِيلَ الْمُنْعَقِدُ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَحَّحَ وَأَنْ لَا يُصَحَّحَ ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ " فَيُعْقَدُ " عِنْدَ قَوْمٍ " لَهُ " بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ يَصِحُّ كَالْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَإِلَّا فَلَا ، " وَإِنَّمَا " الصِّحَّةُ اعْتِبَارُ " التَّصَرُّفِ " جَزْمًا ، وَأَمَّا الْمَعْقُودُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْعِقَادٍ يُؤَثِّرُ فِي الْمَحَلِّ " مُثْبِتًا لِحُكْمِهِ " .
فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالُوا انْعَقَدَ فَاسِدًا ، وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ .
قُلْت هُوَ مَجَازٌ ، وَأَمَّا عِنْدَ إطْلَاقِ الِانْعِقَادِ فَيُصْرَفُ إلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ إرَادَةِ الْمَجَازِ " فَيُقَيَّدُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَبِشَرِّهِمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ، وَيُطْلَقُ الْجَائِزُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّازِمِ فَاللَّازِمُ مَا " لَا " يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَوْ مَا " لَا " يُمْكِنُ الْغَيْرُ إبْطَالَهُ ، وَالْجَائِزُ عَكْسُهُ ، وَالْفَسْخُ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْمَعْقُودِ .
وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَنَقَلَ " الْإِمَامُ " فِي الْمَحْصُولِ عَنْ " الْفُقَهَاءِ " أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الصِّحَّةَ بِمَسْقَطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي الْحَضَرِ ، لِعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَوَضْعُ الْجَبَائِرِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ ، وَأَيْضًا فَالْجُمُعَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَلَا يَدْخُلُهَا قَضَاءٌ .
" وَأَمَّا الصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ " " فَقِيلَ " اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ وَقِيلَ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهَا مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ " يَعْنِي " الصِّحَّةَ وَعَدَمَهَا ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا فَلَا كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، " وَقَدْ
يُؤْمَرُ بِمَا لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ تَشَبُّهًا " ، كَالْمُمْسِكِ فِي رَمَضَانَ وَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجْعَةُ فِيمَا إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الْهُدْنَةِ مُسْلِمَةً ، وَقُلْنَا يَغْرَمُ " لِزَوْجِهَا " الْكَافِرِ الْمَهْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ ، فَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَغْرَمْ لَهُ الْمَهْرَ حَتَّى يُرَاجِعَ لِتَظْهَرَ رَغْبَتُهُ .
وَهَذِهِ صُورَةُ رَجْعَةٍ لَا لِحَقِيقَتِهَا ، بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ ظُهُورُ " رَغْبَتِهِ " لِيَغْرَمَ لَهُ الْمَهْرَ وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُرَاجِعَ الْمُسْلِمَةَ ، وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ خَرَّجُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا " تُعْتَبَرُ " رَجْعَةً ، لِأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهَا .
وَأَمَّا الرِّدَّةُ " فَإِنَّ " الْقِيَاسَ " أَنَّهُ " لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي ، " لَكِنَّهَا " لَمَّا حَلَّتْ الْعَقْدَ الْعَظِيمَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وُصِفَتْ بِذَلِكَ فَيُقَالُ تَصِحُّ الرِّدَّةُ مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْحُكْمَ بِهَا عَقْلِيَّانِ أَوْ شَرْعِيَّانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْعُقُودَ إذَا أُطْلِقَتْ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ " أَوْ الْفَاسِدِ " ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي " كَلَامِهِ عَلَى " الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ ، وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهَا بِالصَّحِيحِ .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ .
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ سَيَأْتِي خِلَافٌ فِي أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوَّلًا ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ ، وَقَدْ اُسْتُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحِيحِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعُقُودِ .
قُلْت وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي خَادِمِ الرَّافِعِيِّ .
الصَّرِيحُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ : اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ .
وَالضَّابِطُ ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ أَوْ لَا ، فَإِنْ تَكَرَّرَ حَتَّى اُشْتُهِرَ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَهُوَ صَرِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَشِعْ فِي الْعَادَةِ ، فَإِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ " هُوَ " الْمُتَّبَعُ ، وَعَلَيْهِ " بَيَّنَّا " .
حَمْلَ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَقَارِيرِ عَلَى النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ قَطْعًا ، وَإِنْ غَلَبَ الْعُرْفُ " بِخِلَافِهَا " ، وَعَلَيْهِ أَلْحَقْنَا الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لِتَكَرُّرِهَا شَرْعًا ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ، بَلْ " ذُكِرَ " فِي الشَّرْعِ مَرَّةً وَلَمْ يَشِعْ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَالْمُفَادَاةِ فِي الْخُلْعِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ، وَالْفَكُّ فِي الْعَتَاقِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَكُّ رَقَبَةٍ } ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الرَّجْعَةِ قَوْله تَعَالَى { فَأَمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } " ، فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ الْتِحَاقُهُ بِالصَّرِيحِ فِي الْكُلِّ .
" وَأَمَّا " مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَكِنْ شَاعَ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَرْعًا فِي الطَّلَاقِ " وَشَاعَ الْعُرْفُ " فِي إرَادَتِهِ فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ " الْتِحَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَطَعْتُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ صَرِيحٌ عَلَى قَوْلِ الْفَسْخِ فَهُوَ يَخْرِمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي " الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ " .
قِيلَ : الْخُلْعُ جَرَى " عَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ " مَجْبُولُونَ " عَلَى " التَّلَفُّظِ " بِهِ ، وَإِذَا نَطَقُوا رَأَوْهُ الْأَصْلَ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ " الْبَعِيدُ " كَالنِّكَاحِ فَاعْتَمَدَ فِيهِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ
لَفْظَ الْخُلْعِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي قَضِيَّةِ حَبِيبَةَ جَرَيَانُ الْخُلْعِ " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ } وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ " .
ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ نَاقِصٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَلَى " لِسَانِ " الشَّارِعِ ، وَلَكِنْ شَاعَ عَلَى " أَلْسِنَةِ " حَمَلَتِهِ ، وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَقْدِ فَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ صَرَاحَتُهُ .
وَهَذَا كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ فِي الْخُلْعِ ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِيهِمَا فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ لَكِنْ يُقَدَّمُ فِي هَذَا " لَفْظُ " التَّحْرِيمِ " وَالْإِبَانَةِ " فَإِنَّهُمَا مَقْصُودَا الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُمَا كِنَايَةٌ فِيهِ .
وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَامِعُك كِنَايَةٌ فِي الْإِيلَاءِ مَعَ شُيُوعِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَلَفْظُ " الْمَسِّ " مُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ ، " وَعَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ ؛ لِإِرَادَةِ الْجِمَاعِ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ ، وَفِي لَفْظِ الْإِمْسَاكِ فِي الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ " وَهُوَ " مِمَّا " تَكَرَّرَ " فِي الْقُرْآنِ .
الثَّانِي : أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي حَصْرِهِ فِي مَوَاضِعَ كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ التَّخَلُّصِ عَنْ الْوَثَاقِ وَنَحْوِهِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ ، وَقَالَ : أَرَدْت بِهِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الْعَامَّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ ، فَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ فَارَقْتُك بِالْجِسْمِ أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ الْيَدِ أَوْ إلَى السُّوقِ لَمْ " تَطْلُقْ " فَإِنَّ أَوَّلَ اللَّفْظِ " مُرْتَبِطٌ " بِآخِرِهِ ، " قَالَ " الْإِمَامُ : وَهَذَا يُضَاهِي الِاسْتِثْنَاءَ .
قُلْت وَهَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّمَ صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُك ، فَقَدْ " يَتَعَقَّبُهُ " نَدَمٌ فَيَصِلُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَثَاقٍ ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ " كَقَوْلِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَا يُقَالُ فِيهَا أَنَّهُ نَفَى الْإِلَهَ أَوَّلًا فَخَافَ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ ثَانِيًا .
وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا كِنَايَةً وَلَا شَكَّ " أَنَّ فِي " النِّكَاحِ نَوْعُ وَثَاقٍ ، وَنَوْعُ يَدٍ وَنَوْعُ اخْتِلَاطٍ .
الثَّانِي : اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ " أَمَّا " ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْوَالِ " اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ ، فَقَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ كَتَحْرِيكِ الرَّأْسِ عَلَى شِدَّةِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ ، قَالَ وَيُشْبِهُ حَمْلَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ صَدَقْت أَوْ نَحْوَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَإِنْ احْتَفَّتْ بِاللَّفْظِ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا تُجْعَلُ إقْرَارًا " وَيَأْتِي " فِيهِ " خِلَافُ " تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ .
وَمِمَّا يُعَارِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَلْحَقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ : طَلِّقْنِي فَقَالَ : طَلَّقْت فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةً أُخْرَى طَلَقَتْ وَلَا يُقْبَلُ ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ
قَالَ ابْتِدَاءً : طَلَّقْت فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت أُخْرَى حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " فِي الشَّرْحِ " عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ .
الرَّابِعُ : الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِقَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى الطَّلَاقِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ : أَنَّ مَعْنَى " قَوْلِهِمْ الصَّرِيحُ " لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أَيْ : نِيَّةِ الْإِيقَاعِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ .
أَمَّا قَصْدُ اللَّفْظِ " فَيُشْتَرَطُ " لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ ، وَمِنْ هَا هُنَا يَفْتَرِقُ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ ، فَالصَّرِيحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ ، وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَمْرَانِ قَصْدُ اللَّفْظِ ، وَنِيَّةُ الْإِيقَاعِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : أَنْ يَقْصِدَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لِيَخْرُجَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ .
الْخَامِسُ : الصَّرَائِحُ تَعْمَلُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِيمَا إذَا قِيلَ : لِلْكَافِرِ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ قَالَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَصَحُّهُمَا : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ احْتِمَالُ قَصْدِ الْحِكَايَةِ .
السَّادِسُ : كُلُّ تَرْجَمَةٍ " نُصِبَتْ عَلَى " بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُشْتَقُّ مِنْهَا صَرِيحٌ بِلَا خِلَافٍ ، إلَّا فِي أَبْوَابٍ فَفِي بَعْضِهَا لَا تَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ ، وَفِي بَعْضِهَا تَكْفِي عَلَى وَجْهٍ .
الْأُولَى : " الشَّرِكَةُ " لَا يَكْفِي " مُجَرَّدُ " اشْتَرَكْنَا .
الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ : " الْمُتَيَمِّمُ " ، لَوْ قَالَ : نَوَيْت التَّيَمُّمَ لَا يَكْفِي ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا الْوُضُوءُ عَلَى وَجْهٍ " صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ " ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ الصِّحَّةُ .
الرَّابِعَةُ : الْكِتَابَةُ فَبِمُجَرَّدِ كَاتَبْتُك لَا تَصِحُّ حَتَّى يَقُولَ ، وَأَنْتَ حُرٌّ إذَا أَدَّيْت .
الْخَامِسَةُ : التَّدْبِيرُ عَلَى قَوْلٍ .
السَّادِسَةُ : الْخُلْعُ .
" السَّابِعُ " : الصَّرِيحُ فِي " بَابِهِ " إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي " غَيْرِهِ وَمَعْنَى " وَجَدَ نَفَاذًا أَيْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ ، " كَمَا عَبَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْمُرَادُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ " صَرِيحًا .
وَهَذَا كَالطَّلَاقِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا " وَفَسْخًا " بِالنِّيَّةِ ، وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ قَالَ : وَهَبْت مِنْك وَنَوَى الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ وَصِيَّةً فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ .
وَلَوْ قَالَ فِي الْإِجَارَةٍ بِعْتُك مَنْفَعَتَهَا لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذَا جَعَلْنَا الْخُلْعَ صَرِيحًا فِي الْفَسْخِ هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ حَتَّى إذَا نَوَيَا بِهِ الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ " النَّقْلُ يَكُونُ " طَلَاقًا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَعَنَى بِهِ " الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ صَرِيحٌ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، فَقَدْ يُعَدُّ كِنَايَةً مَعَ كَوْنِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ " ، وَقَدْ يُجَابُ " عَنْ هَذَا بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ ، بَلْ يَجْرِي فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَبْعُدْ صَرْفُهُ إلَى حُكْمٍ آخَرَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ قَالَ : بِعْتُك نَفْسَكِ بِكَذَا " وَقَالَتْ : " اشْتَرَيْت فَكِنَايَةُ خُلْعٍ .
الرَّابِعَةُ : قَالَ السَّفِيهُ لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ نَفْسَك فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى " فِي بَابِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ إنْ نَوَى عِتْقَهُ وَقَعَ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّفْوِيضِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ كِنَايَةً فِي التَّنْجِيزِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ قَالَ : مَالِي طَالِقٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ نَوَى صَدَقَةَ مَالِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَ قُرْبَةً .
قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ أَوْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ ؟ وَجْهَانِ .
السَّادِسَةُ : صَرَائِحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ وَعَكْسُهُ ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ : وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَتِهِ فَوَكَّلَ سَيِّدَهَا فِي طَلَاقِهَا فَقَالَ قَدْ أَعْتَقْتُك ، وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ .
السَّابِعَةُ : أَحَالَهُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ التَّوْكِيلَ ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : لَا يُقْبَلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ .
الثَّامِنَةُ : لَوْ رَاجَعَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ " أَوْ التَّزْوِيجِ " ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ " تَنْفُذُ " بِالنِّيَّةِ ؛ لِإِشْعَارِهِ بِالْمَعْنَى .
التَّاسِعَةُ : قَالَ لِعَبْدِهِ وَهَبْتُك نَفْسَك ، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ فِي الْحَالِ .
الْعَاشِرَةُ : إذَا ثَبَتَ لِلزَّوْجِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَقَالَ : فَسَخْت نِكَاحَك ، وَأَطْلَقَ أَوْ نَوَاهُ حَصَلَ الْفَسْخُ ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ طَلَقَتْ فِي الْأَصَحِّ .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ " : أَعَرْتُك " حِمَارِي " لِتُعِيرَ لِي " فَرَسَك فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .
وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِعَارَةَ كِنَايَةٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَالْفَسَادُ جَاءَ مِنْ اشْتِرَاطِ " الْعَارِيَّةِ " فِي الْعَقْدِ .
الصِّفَةُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلتَّوْضِيحِ نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْهُ { وَالصَّلَاةُ الْوُسْطَى } " وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ " الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ .
وَفِي النَّكِرَةِ لِلتَّخْصِيصِ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ .
وَمِنْهُ { آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِ " فِيهِ " .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ : إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَخَاطَبَهَا بِالظِّهَارِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ الزَّوْجَةِ ، وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " الْأَجْنَبِيَّةِ " عَلَى التَّعْرِيفِ لَا الشَّرْطِ ، " وَقِيلَ : " لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا ، وَإِنْ نَكَحَهَا حَمْلًا لَهُ عَلَى الشَّرْطِ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ لِحَوَامِلَ : مَتَى وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ " فَصَوَاحِبُهَا " طَوَالِقُ أَنَّهُ يُرَاجَعُ الزَّوْجُ فَإِنْ أَرَادَ " بِصَوَاحِبِهَا " الشَّرْطَ تَعَيَّنَ الثَّانِي " أَوْ التَّعْرِيفَ " فَالْأَوَّلُ قَطْعًا " ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ مَاتَ " وَلَمْ تُعْرَفُ إرَادَتُهُ حُمِلَ عَلَى التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ عُقُودٌ ، لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ : اسْتَوْفِ دَيْنِي الَّذِي " لِي " عَلَى فُلَانٍ فَمَاتَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ ؟ وَجْهَانِ إنْ جَعَلْنَا " الصِّفَةَ " وَهِيَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ لِلتَّعْرِيفِ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْوَارِثِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلشَّرْطِ فَلَا .
تَنْبِيهٌ : " مَا ذَكَرْنَاهُ " ، فِي الصِّفَةِ الْفَارِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ ، " وَقَالَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ " فِي الْبُرْهَانِ : إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَوْ أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هِيَ " هِيَ " كَانَ الْوَصْفُ " بِهَا نَسْخًا " فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا
بِهَا الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لَمْ يَحْنَثْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : لَا كَلَّمْت زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وَهُوَ مَاشٍ " يَحْنَثُ " إذْ لَمْ تُفِدْ الصِّفَةُ فِيهِ تَقْيِيدًا .
صِفَاتُ الْحُقُوقِ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ هَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ ، وَالصِّفَةُ لَا " تُفْرَدُ " " بِالْإِسْقَاطِ " .
وَلَوْ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ وَالدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجُودَةِ أَوْ الصِّحَّةِ لَمْ تَسْقُطْ " بِالْإِسْقَاطِ " ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمَنَاهِي .
نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْأَجَلِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ .
وَيَقْرُبُ مِنْهُ إسْقَاطُ الْبَائِعِ حَقَّ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْحَقَّ لَهُ ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالسُّقُوطِ ، وَهَذِهِ " الصُّوَرُ " لَا تَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ ، وَالْعِتْقُ بِخِلَافِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ .
وَقَضِيَّةُ هَذَا " أَنَّهُ " ، لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ وَصَحَّحْنَاهُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ خِيَارَهُ إذَا خَرَجَتْ غَيْرَ لَبُونٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ .
الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَتْ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ، وَأُبِيحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ لِلْمُكْرَهِ ، وَكَذَلِكَ إتْلَافُ الْمَالِ ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِكَسْرِ بَابِهِ .
وَلَوْ صَالَ الصَّيْدُ عَلَى مُحْرِمٍ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ بِالصِّيَالِ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ ، وَإِذَا عَمّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الضَّرُورَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ : ( وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ ) فِي الْحَلَالِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، أَمَّا عِنْدَ الْإِيَاسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ ( كَأَنَّهُ ) حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَالُ لِلْمَصَالِحِ ، ( لِأَنَّ مِنْ ) جُمْلَةِ ( أَمْوَالِ ) بَيْتِ الْمَالِ مَا جُهِلَ مَالِكُهُ .
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَالِ غَيْرِهِ وَتَرَكَ الْأَكْلَ هَلْ يَعْصِي ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ ، وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْهَلَاكِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ مُسْلِمٌ لِقَتْلِهِ قَالَ : وَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ احْتَاجَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْعَطَشِ ، وَيَجُوزُ إتْلَافُ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَبِنَائِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ ، وَكَذَا إتْلَافُ الْحَيَوَانِ ( الَّذِينَ ) يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ ؛ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ( ظَفْرٍ بِهِمْ ) ، وَيَجُوزُ نَبْشُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ ؛ وَلَا لِيُدْفَنَ عَلَيْهِ آخَرُ .
وَيَجُوزُ غَصْبُ الْخَيْطِ
لِخِيَاطَةِ جُرْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ إذَا لَمْ يَجِدْ خَيْطًا حَلَالًا .
هَذَا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ .
وَالنَّجَاسَاتُ إذَا عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهَا .
وَمِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ وَعَمَّتْ ( بَلْوَى ) شَخْصٍ بِهِ ، فَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
قَالَ : وَلَوْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَرْقِ ( الطَّيْرِ ) ، وَتَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عُفِيَ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ .
وَفِي النُّكَتِ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ .
وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ذَرْقُ الْعُصْفُورِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَهَذَا ( تَصَرُّفٌ ) بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَإِنَّ الشَّيْخَ عَمَّ الطُّيُورَ وَخَصَّ الْمَسَاجِدَ ، وَالرَّافِعِيُّ عَكَسَ النَّقْلَ عَنْهُ ( فَخَصَّ ) الْعُصْفُورَ وَعَمَّ ( الْعَفْوَ ) ( وَكَالْعَفْوِ ) عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ .
وَلَوْ وَلِيَ الْإِمَامَ غَيْرُ أَهْلٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ ؛ لِلضَّرُورَةِ ، وَأَلْحَقَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ ، وَنَازَعَ فِيهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ ( فَإِنَّ ) الْمَنْقُولَ فِي قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِ ، قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى ( يَنْفُذَ ) ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ قَدْ غَلَبَ فِي هَذَا الزَّمَانِ .
وَلَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَصْحِيحُهُ ؛ لِأَنَّ مَا خَالَفَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ لَا أَثَرَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ .
فَائِدَةٌ : جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً ضَرُورَةٌ ، وَحَاجَةٌ ، وَمَنْفَعَةٌ ، وَزِينَةٌ ، وَفُضُولٌ .
فَالضَّرُورَةُ : بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ كَالْمُضْطَرِّ لِلْأَكْلِ وَاللُّبْسِ بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ جَائِعًا أَوْ عُرْيَانًا لَمَاتَ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ عُضْوٌ .
وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْمُحَرَّمِ .
وَالْحَاجَةُ : كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا
يَأْكُلُ لَمْ يَهْلِكْ غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْمُحَرَّمَ .
، وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ : فَكَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمَ الْغَنَمِ ، ( وَالطَّعَامَ ) الدَّسِمَ .
وَأَمَّا الزِّينَةُ : فَكَالْمُشْتَهِي ( الْحُلْوَ ) الْمُتَّخَذَ مِنْ ( اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ ) وَالثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ مِنْ حَرِيرٍ وَكَتَّانٍ .
وَأَمَّا الْفُضُولُ : ( فَهُوَ ) التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ أَوْ الشُّبْهَةِ ، كَمَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ إذَا عَلِمْت هَذَا فَلِلْقَنُوعِ مَرْتَبَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) يَقْنَعُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَافِعٍ وَدَافِعٍ .
وَدُونَهَا مَرْتَبَةُ مَنْ يَقْنَعُ ( بِاسْتِيفَاءِ ) الْمَنْفَعَةِ فَيَأْكُلُ الطَّيِّبَ ، وَلَكِنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ ( فَإِذَا ) اشْتَهَى ( الْحُلْوَ ) اسْتَوَى عِنْدَهُ الدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ ، وَإِذَا أَرَادَ اللُّبْسَ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْقُطْنُ وَالصُّوفُ .
وَأَمَّا مَنْ دُونَهُ وَهُوَ الْقَنُوعُ بِسَدِّ الرَّمَقِ الصَّابِرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ ، وَكَانَ الْقَانِعُ يَسْتُرُ وَجْهَ الْحَاجَةِ بِسَتْرٍ خَفِيفٍ ، كَمَا أَنَّ ( الْمِقْنَعَةَ ) تَسْتُرُ وَجْهَ لَابِسِهَا بَعْضَ السِّتْرِ ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ جَلَسَ خَلْفَ حَائِطٍ مِنْ الشَّمْسِ أَنَّهُ تَقَنَّعَ بِالْحَائِطِ .
قَاعِدَةٌ : مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ ثَمَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ ، فَإِذَا اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنْ اكْتَفَى بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ لَك لَمْ يَعْدِلْ إلَى التَّصْرِيحِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ نَبَاتِ الْحَرَمِ ؛ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ ؛ لِبَيْعِهِ لِمَنْ يَعْلِفُ .
وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى ( حَسَبِ ) الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ ، وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ ، وَلَوْ حَمَلَ ( مُسْتَجْمَرًا فِي الصَّلَاةِ ) ( بَطَلَتْ ) فِي الْأَظْهَرِ ، وَيُعْفَى عَنْ الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ ، فَلَوْ أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فِيهِ وَغَيَّرَهُ ضَرَّ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ ( مُسْتَغْنِيًا ) عَنْ لُبْسِهِ فَلَبِسَهُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَالْمَاءُ الَّذِي غَسَلَ بِهِ ( النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ ) عَنْهَا مُسْتَعْمَلٌ قَطْعًا ؛ لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ .
قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَالْمَرْأَةُ إذَا فَصَدَهَا أَجْنَبِيٌّ عِنْدَ فَقْدِ ( امْرَأَةٍ ) أَوْ مَحْرَمٍ لَمْ يَجُزْ ( لَهَا ) كَشْفُ جَمِيعِ سَاعِدِهَا ، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَلُفَّ عَلَى يَدِهَا ثَوْبًا وَلَا تَكْشِفَ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِهِ لِلْفَصْدِ ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ عَصَتْ اللَّهَ تَعَالَى .
الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ كَذَا ( أَطْلَقُوهُ ) وَاسْتَدْرَكَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَقَالَ : لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ لِأَخَفِّهِمَا ، وَأَغْلَظِهِمَا انْتَهَى .
وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ ، وَمَعَهُ قَدْرُهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ ( يُؤْخَذُ ، وَإِنْ ) تَضَرَّرَ الْمَدْيُونُ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ ( لَا ) يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ أُجِيبَ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرُ شَرِيكِهِ ، وَمِنْ هَذَا ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ .
وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَرَهَنَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ، وَلَوْ اشْتَرَى أَرْضًا ( فَغَرَسَ ) فِيهَا أَوْ بَنَى ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا ، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا ، وَيَضُرُّ بِالْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ ( ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ) ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ضَيِّقَةَ الْمَحَلِّ ، وَالرَّجُلُ كَبِيرَ الْآلَةِ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِإِفْضَائِهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْوَطْءِ .
أَسْبَابُ الضَّمَانِ أَرْبَعَةٌ .
: عَقْدٌ ، وَيَدٌ وَإِتْلَافٌ ، وَحَيْلُولَةٌ .
الْأَوَّلُ : الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا .
الثَّانِي : ( الْيَدُ ) وَهِيَ ضَرْبَانِ : يَدٌ غَيْرُ مُؤْتَمَنَةٍ كَيَدِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي فَاسِدًا ، ( وَكَذَلِكَ ) الْأَجِيرُ عَلَى قَوْلٍ .
وَيَدُ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَنَحْوِهَا إذَا وَقَعَ مِنْهَا التَّعَدِّي صَارَتْ الْيَدُ يَدَ ضَمَانٍ فَيَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا .
قَالَ الْجُرْجَانِيُّ ؛ فِي التَّحْرِيرِ الْمُوجِبُ لِضَمَانِ الْمَالِ خَمْسَةٌ : أَحَدُهَا : الْقَبْضُ لِلسَّوْمِ .
الثَّانِي : الْقَبْضُ عَنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ .
الثَّالِثُ : الْعَارِيَّةُ .
الرَّابِعُ : ( الْإِتْلَافَاتُ ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ ( سَبَبٍ ) .
الْخَامِسُ : التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ ( بِالتَّصَرُّفِ ) فِي الْأَمَانَةِ أَوْ ( بِالتَّفْرِيطِ ) فِي رَدِّهَا انْتَهَى .
وَأَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَهَلْ تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، كَمَا إذَا خَلَّصَ الْمُحْرِمُ ( الصَّيْدَ ) مِنْ جَارِحِهِ ؛ لِيُدَاوِيَهُ فَتَلِفَ ( عِنْدَهُ أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ مِنْ صَبِيٍّ صِيَانَةً لَهَا ؛ لِيَرُدَّهَا لِوَلِيِّهِ فَتَلِفَتْ ) فِي يَدِهِ أَوْ الْتَقَطَ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ؛ لِلْحِفْظِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْآحَادِ ذَلِكَ وَهُوَ ( الصَّحِيحُ ) الْمَنْصُوصُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهٍ فَأَخَذَهُ ؛ لِيَرُدَّهُ لِمَالِكِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ضَمِنَ ، وَلَوْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا ؛ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّأْخِيرِ ، وَلَا يُسْتَثْنَى مَا لَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ ؛ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ يَضْمَنُهُ فِي الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآحَادِ ( الِانْتِزَاعُ ) فَإِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ ( الْغَائِبِينَ ) وَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْتَمَنٍ شَرْعًا .
الثَّالِثُ : الْإِتْلَافُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى ( جَبْرِ الْفَائِتِ ) ، وَضَمَانُ ( النَّفْسِ ) مَبْنِيٌّ عَلَى شِفَاءِ الْغَلِيلِ انْتَهَى .
وَيَفْتَرِقُ ضَمَانُ الْإِتْلَافِ وَالْيَدُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ ( بِالْمُبَاشَرَةِ ) دُونَ السَّبَبِ فِي الْأَظْهَرِ وَضَمَانُ الْيَدِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا ؛ لِوُجُودِهِ فِي كُلِّ مِنْهُمَا ، ( ثُمَّ عِنْدَنَا ) أَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ فِي مُقَابَلَةِ فَوَاتِ يَدِ الْمَالِكِ ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُرَّ نَاقِلٌ عَنْ مِلْكِهِ ( وَالْفَائِتُ ) عَلَيْهِ هُوَ الْيَدُ ( وَالتَّصَرُّفُ ) فَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَ .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَجَبَ رَدُّهَا ، فَالضَّمَانُ بَدَلٌ عَنْهَا وَبَنَوْا ( عَلَيْهِ ) فُرُوعًا : مِنْهَا : إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ ثَوْبًا فَخَاطَهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِذَلِكَ ، وَعِنْدَهُمْ ( يَمْلِكُ ) الْعَيْنَ ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمَالِكِ إلَى الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا ضَمِنَ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ كَانَ لَهُ وَيَرُدُّ إلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُمْ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لَا تَقْتَضِي مِلْكَ الْجَانِي لِلْعَبْدِ وَعِنْدَهُمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ .
الرَّابِعُ : الْحَيْلُولَةُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ ثَوْبًا فَضَاعَ أَوْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ ( الْقِيمَةُ ؛ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ ، كَمَا يَغْرَمُ لَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ ) مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بِمَالٍ فَرَجَعُوا ( فَإِنَّهُمْ ) يَغْرَمُونَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِحُصُولِ الْحَيْلُولَةِ بِشَهَادَتِهِمْ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْيَدِ أَوْ ( بِالْإِتْلَافِ ) ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَإِنْ أَتَوْا بِمَا يَقْتَضِي الْفَوَاتَ ، كَمَنْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى ضَاعَتْ وَمَسَائِلُ الْحَيْلُولَةِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْحَاءِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ : الْمَضْمُونَاتُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالتَّعَدِّي وَمِنْهُ الْجِنَايَاتُ وَالْإِتْلَافَاتُ ، وَالثَّانِي : بِالْمُرَاضَاةِ كَالْبُيُوعِ وَالضَّمَانِ .
وَالْأَوَّلُ يَسْتَوِي فِي إيجَابِ الضَّمَانِ فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ نِسْيَانُهُ وَخَطَؤُهُ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَدَاعَى النَّاسُ ( النِّسْيَانَ ) وَتَسَاقَطَتْ الْحُقُوقُ إلَّا أَنَّ الْعَامِدَ يَغْرَمُ الْبَدَلَ ، وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْمُخْطِئُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً الْكَفَّارَةُ ، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مِنْ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْمُكَافِئِ ( عَمْدًا ) الْقِصَاصُ ؛ لِيَكُفَّ عَنْ الْقَتْلِ وَيَقَعَ التَّحَفُّظُ ( بِهِ ) .
قَالَ ( وَأَمَّا ) الْقُرُوضُ وَالْعَوَارِيّ فَإِنَّمَا صَارَتْ مَضْمُونَةً ، وَإِنْ سَمَحَ ( بِهَا ) صَاحِبُهَا ، وَأَذِنَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَالشَّيْءُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ هُوَ الْمَنْفَعَةُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ ضَمَانُ الْعَيْنِ مِنْ أَجْلِ إبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ ، قَالَ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ : أَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا يَدُهُ يَدُ الْمُودِعِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْيَدِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْوَكِيلِ الَّذِي يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى الْعَمَلِ بِأَمْرِ الْوَكِيلِ ، وَمَتَى كَانَتْ الْيَدُ تَخْلُفُ يَدَ الْمَالِكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجِرَ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ ؛ لِأَخْذِهِ الْعِوَضَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ ، إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ الْمَالِكَ فِي الْيَدِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَفَارَقَ صَاحِبَ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ فِي الْعَقْدِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَقَّ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَالْمَنَافِعُ لِلْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ .
قَالَ ثُمَّ (
إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ ( مَانِعًا ) لَهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ( تَعَالَى ) { جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ إرْسَالِهَا بِالنَّهَارِ لَسَقَطَتْ مَنَافِعُهُمْ فِي ( الرَّعْيِ ) وَالْكَلَأِ ، فَإِذَا أَرْسَلُوا بِاللَّيْلِ ضَمِنُوا ، وَإِذَا أَرْسَلُوا بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوا ، وَكَانَ التَّحَفُّظُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ .
وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَمَنْ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ ، وَلَوْ حَفَرَ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إذَا " انْقَلَبَتْ وَلَا " ضَمَانَ ، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ .
قَالَ : وَالضَّابِطُ أَنَّ ( التَّعَدِّيَ ) مَضْمُونٌ أَبَدًا ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ سَاقِطٌ أَبَدًا ، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ ( التَّعَدِّي ) فِي حُكْمِ ( التَّعَدِّي ) كَالْجِرَاحَةِ إذَا سَرَتْ إلَى النَّفْسِ .
قَالَ ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَضْمُونِ فَأَقْسَامٌ : الْأَوَّلُ : مَا عَيْنُهُ مَوْجُودَةٌ فَيُكَلَّفُ رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَالِكُ خِلَافَهُ .
الثَّانِي : أَنْ تَنْقُصَ الْعَيْنُ فَيَرُدُّهَا وَقِيمَةَ نَقْصِهَا ، إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ النَّقْصِ كَحِنْطَةٍ نَقَصَ مِنْهَا جُزْءٌ .
الثَّالِثُ : أَنْ تَفُوتَ الْعَيْنُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهَا كَالْحِنْطَةِ ( وَالزَّيْتِ ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ ، وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِيمَةِ ، وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْمِثْلِ كَشَقِّ ثَوْبِ رَجُلٍ فَلَا يَشُقُّ ثَوْبَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ عَلَيْهِمَا فِي الْأَمْوَالِ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَفَاضَلُ وَلَا يَتَحَصَّلُ ( فَالرُّجُوعُ ) إلَى الْقِيمَةِ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالشَّيْءِ فِي الْبَحْرِ .
قَالَ : وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ فِي النُّفُوسِ فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيهَا مَعْدُومٌ فَيَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ ، وَمِنْهُ الدِّيَةُ فِي الْأَحْرَارِ ، وَالْقِيمَةُ فِي الْعَبِيدِ .
قَالَ : وَالْمَضْمُونُ فِي الْجِنَايَةِ وَغَيْرِهَا ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ ( يَتَوَقَّفُ ) ( لَا يَتَجَاوَزُهُ ) كَالْخَمْسِ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْمُوضِحَةِ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَصَاعِ الْمُصَرَّاةِ .
وَضَرْبٌ يُرَدُّ إلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْوِيمِ فَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ ( صِنَاعَتِهِ ) ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ ، وَإِلَّا لَبَطَلَتْ مَعْرِفَتُهُ ، فَإِذَا وَجَبَ أَرْشُ جُرْحٍ ( مِنْ ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ نُظِرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَخْيَلِ وَالتَّمْثِيلِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ ( بِالتَّبْخِيتِ ) ( فِيهِ ) بَاطِلٌ انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْمِيمِ قَوَاعِدُ ( مُهِمَّةٌ ) ( تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ ) وَهَا هُنَا أَيْضًا قَوَاعِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ .
: الْأُولَى : هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ ؟ ( قَالَ ) الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْغَصْبِ : لَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ إلَّا الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ وَالْحَيَوَانَ الصَّائِلَ وَالْمُقَاتِلَ حِرَابَةً ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُنْكِرُ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ ، إلَّا بِكَسْرِ آنِيَةٍ ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ ( مِنْ ) دَفْعِ الصَّائِلِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ، إلَّا بِعَقْرِ جَوَادِهِ وَكَسْرِ سِلَاحِهِ ، وَمَا يُتْلِفُهُ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي حَالَةَ الْحَرْبِ وَعَكْسُهُ وَمَا ( يُتْلِفُهُ ) الْحَرْبِيُّونَ عَلَيْنَا ، وَالْعَبْدُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَلَى سَيِّدِهِ .
أَمَّا لَوْ ( تَلِفَ ) فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ سَخَّرَ دَابَّةً وَمَعَهَا مَالِكُهَا فَتَلِفَتْ لَا ( يَضْمَنُهَا ) ، وَقَالُوا : لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ لَا يَضْمَنُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ سَبَبُ التَّلَفِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ ، كَمَا لَوْ أَكْرَى دَابَّةً ؛ لِحَمْلِ مِائَةٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَعَشَرَةً ، وَتَلِفَتْ بِذَلِكَ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي قَوْلٍ قِيمَتَهَا ، وَمِنْهَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ بِحُضُورِ الْمَالِكِ لَا ( يَضْمَنُ ) فِي الصَّحِيحِ .
الثَّانِيَةُ : الْمَضْمُونُ قِسْمَانِ : مَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ وَالْإِتْلَافِ ، وَمَا لَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ ، وَيُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ، فَمِنْ الْأَوَّلِ : الزَّكَاةُ إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ دَفْعِهَا ضَمِنَهُ ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَمِنْ الثَّانِي : الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَتْلَفَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ ضَمِنَهُ ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ ، وَكَذَا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ .
الثَّالِثَةُ : إذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ اُعْتُبِرَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُتْلَفَاتِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّلَفُ وَالْإِتْلَافُ ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إبِلُ الدِّيَةِ ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إبِلُ بَلَدِ إقَامَةِ الْجَانِي لَا مَحَلُّ جِنَايَتِهِ .
وَلِهَذَا اعْتَبَرُوا بَلَدَ الْعَاقِلَةِ وَالْعَاقِلَةُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ إقَامَتِهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ .
الرَّابِعَةُ : قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُبَاحًا وَهُوَ مَضْمُونٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ ، وَذَلِكَ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ .
وَمِنْهَا : أَكْلُ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ يُبَاحُ لَهُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ ، وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ الصَّيْدِ لِلِاضْطِرَارِ وَيَضْمَنُهُ ، وَلَوْ نَصَبَ مِيزَابًا فَتَقَصَّفَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَأَتْلَفَ إنْسَانًا تَجِبُ الدِّيَةُ مَعَ إنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نَصْبُهُ .
وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، وَلَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ جَرَّةٌ مِنْ سَطْحٍ فَكَسَرَهَا ضَمِنَهَا مَعَ أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا .
وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَا ضَمَانَ ، كَقَوْلِهِ : اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ : اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ ( وَلَا دِيَةَ ) ، وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ سِرْقِينٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ .
وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ ، كَمَا إذَا فَتَحَ زِقًّا فِيهِ مَائِعٌ فَانْصَبَّ مَا فِيهِ بِالرِّيحِ أَوْ ( فَتَحَ ) قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَإِنَّ الْفِعْلَ حَرَامٌ ، وَلَا ضَمَانَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ .
الْخَامِسَةُ : مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ ضَمَانُ عَقْدٍ ( قَطْعًا ) وَهُوَ ضَمَانُ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ ، ( كَالْمَبِيعِ ) وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَجُعْلُ الْجَعَالَةِ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْأُجْرَةِ لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ ( الْعِلْجِ ) قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ جُعْلَ الْجَعَالَةِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ أَوْ ضَمَانَ يَدٍ كَالصَّدَاقِ .
الثَّانِي : ضَمَانُ يَدٍ قَطْعًا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي صُورَةٍ : ( وَهِيَ ) مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قِصَاصًا وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا ، فَالْأَصَحُّ يَضْمَنُ ( بِنِصْفِ ) الْأَرْشِ عَلَى الْقَاعِدَةِ ، وَقِيلَ : بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ كَالصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَمِنْهُ جُعْلُ الْجَعَالَةِ عَلَى طَرِيقِهِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ يَدٍ ، كَمَسْأَلَةِ الْعِلْجِ ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ ( مِنْهَا ) جَارِيَةٌ ( فَإِذَا ) مَاتَتْ فَهَلْ يُعْطِي قِيمَتَهَا أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ ، ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ يُعْطِي الْقِيمَةَ ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِضَمَانِ الْيَدِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانِ الْيَدِ أَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ هُوَ الْمَضْمُونُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ( إذْ ) جُعِلَ مُقَابِلُهُ شَرْعًا ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَوْ تَلِفَ لَا بِالْبَدَلِ مِنْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ .
وَكَذَلِكَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ أَوْ انْفَسَخَ رَجَعَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ لَا إلَى قِيمَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ .
وَأَمَّا ضَمَانُ الْيَدِ فَهُوَ مَا يُضْمَنُ عِنْدَ
التَّلَفِ بِالْبَدَلِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي ضِمْنِ تَعْلِيلِ ( الْقَدِيمِ ) فِي ضَمَانِ الصَّدَاقِ أَنَّ مَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ الْعَاقِدِ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْيَدِ ، وَكَذَا النِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الصَّدَاقِ ، فَلْيَكُنْ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ .
السَّادِسَةُ : الْمَضْمُونُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يُضْمَنَ بِالْبَدَلَيْنِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةَ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَصُورَتُهُ فِي الْمُحْرِمِ إذَا اسْتَعَارَ صَيْدًا مَمْلُوكًا مِنْ حَلَالٍ ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَزِمَهُ مَعَ ذَلِكَ الْأُجْرَةُ فَيَزْدَادُ ( وَجْهُ ) الضَّمَانِ .
الثَّانِي : مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ : أَحَدَاهُمَا : إذَا أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ الْمَمْلُوكَةِ فَتَجِبُ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) ، وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ .
الثَّانِيَةُ : أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا ثُمَّ يَجْنِي جِنَايَةً عَلَى غَيْرِهِ ، وَتَكُونُ الْجِنَايَةُ مُسَاوِيَةً لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ ، وَيَغْرَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ ، وَضَمِنَ ثَانِيًا إنْ أَخَذَ ( مَا أَخَذَ ) لِلْجِنَايَةِ ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَغْرَمُ فِيهِ بَدَلَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُتْلَفٍ وَاحِدٍ ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : هَاتَانِ ، وَالثَّالِثَةُ : إذَا وَطِئَ ( زَوْجَةَ ) أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَهْرَيْنِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمَهْرًا وَنِصْفًا إنْ كَانَ قَبْلَهُ .
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إيجَابُ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي ( مُتْلَفٍ ) وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ إنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ ضَمَانِهِمَا ، كَالْقَتْلِ يُضْمَنُ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .
قُلْت وَكَذَا قَتْلُ الْعَبْدِ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مُكْرَهَةً ، وَأَفْضَاهَا لَزِمَهُ الدِّيَةُ وَالْمَهْرُ ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَأَزَالَ امْتِنَاعَهُ وَانْدَمَلَ الْجُرْحُ لَزِمَهُ جَزَاءٌ ( كَامِلٌ ) فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ جَاءَ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقَتَلَهُ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ زَمَنًا وَبَقِيَ الْجَزَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالِهِ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُ الْأَوَّلَ قَدْرُ النُّقْصَانِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ إيجَابُ جَزَاءَيْنِ لِمُتْلَفٍ وَاحِدٍ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَلَا بِالْقِيمَةِ وَهُوَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ إذَا تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ ( لَا ) بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ ، بَلْ بِالثَّمَنِ ؛ وَلَا مَا لَا يُضْمَنُ أَصْلًا كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَزَبِيبَةٍ وَتَمْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الضَّابِطِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ وَلَا مُتَقَوِّمٍ .
الرَّابِعُ : مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ الْمُتَقَوِّمُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالسِّلَعِ وَالْمَنَافِعِ ، إلَّا فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) جَزَاءُ الصَّيْدِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا اقْتَرَضَ مُتَقَوِّمًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ ( مِثْلَهُ ) صُورَةً فِي الْأَصَحِّ ؛ ( لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا ) ، وَقِيلَ : الْقِيمَةَ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ .
الثَّالِثَةُ : إذَا هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ ، كَمَا أَجَابَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَ عَنْ النَّصِّ لِقِصَّةِ جُرَيْجٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ مَذْهَبُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْفَتْوَى ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهِ لَا بِنَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلِيًّا ، الرَّابِعَةُ : طَمُّ الْأَرْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ ( حَيَوَانًا فِي الذِّمَّةِ ) ، وَأَعْطَاهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ دُونَ الْقِيمَةِ .
السَّادِسَةُ : إذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ الْمَاشِيَةَ كُلَّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّاةَ بِشَاةٍ أُخْرَى لَا بِقِيمَتِهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ ) ، وَإِنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ إخْرَاجَهُ جَائِزٌ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ ( فَتَعَيَّنَ ) عِنْدَ عَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ .
( الْخَامِسُ ) مَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمِثْلِيُّ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى ( مِثْلِيٍّ ) صُورِيٍّ وَتَقْدِيرِيٍّ ، وَالصُّورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى حِسِّيٍّ ( وَمَعْنَوِيٍّ ) ، وَالتَّقْدِيرِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ .
وَقَدْ يُضْمَنُ هَذَا النَّوْعُ بِالْقِيمَةِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : ( إحْدَاهَا ) : عِنْدَ ( تَعَذُّرِ ) الْمِثْلِ وَالْوَاجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ وَقِيلَ : قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ .
فَإِنْ قِيلَ : قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ هِيَ قِيمَةُ مِثْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ ( قِيمَةُ الْمِثْلِ ) وَنَعْنِي بِهِ قِيمَةَ الشَّيْءِ قُلْنَا لَا ( وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ ) أَنَّا إذَا قَوَّمْنَا ( شَيْئًا أَنْ نَقُولَ ) قِيمَتُهُ لَا قِيمَةَ مِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْغَصْبِ .
الثَّانِيَةُ : ( أَنْ ) لَا يُوجَدَ الْمِثْلُ ، إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ ، وَيَصِيرُ كَالْعَدَمِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ ( وَكَانَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا يَزْدَادُ بِالِانْتِقَالِ فَطَالَبَهُ فِي مَوَاضِعِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَغْرَمُ الْمِثْلَ ، وَلَهُ تَغْرِيمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ ) .
الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ لِلْأَصْلِ قِيمَةٌ حِينَ الْأَخْذِ ، وَالْمِثْلُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الرَّدِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ صُوَرٌ : مِنْهَا : إذَا غَصَبَ مَاءً ( لِوُضُوئِهِ ) فِي الْمَفَازَةِ ، وَظَفِرَ بِهِ عَلَى الشَّطِّ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ هُنَا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَفَازَةِ لَا بِالْمِثْلِ ؛ لِحَقَارَتِهِ حِينَئِذٍ ، فَلَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ ثُمَّ اجْتَمَعَا بَعْدُ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ كَالْمَفَازَةِ فَهَلْ يَجِبُ ( رَدُّ ) الْقِيمَةِ وَاسْتِرْدَادُ الْمِثْلِ وَجْهَانِ ؟ فِي التَّتِمَّةِ إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ لِلْحَيْلُولَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَطْعَمَ الْمُضْطَرُّ مِثْلِيًّا فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَمِنْهَا :
الْمَاءُ الْمَبْذُولُ ( لِطَالِبِهِ ) فِي الْمَفَازَةِ ( يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ) هُنَاكَ .
وَمِنْهَا : الْجَمْدُ فِي الصَّيْفِ كَالْمَاءِ فِي الْمَفَازَةِ فَإِذَا غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ وَتَلِفَ وَظَفِرَ بِهِ فِي الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرًا فِي الصَّيْفِ ، وَمِنْهَا : إذَا غَصَبَ وَرَقَ التُّوتِ فِي أَوَانِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ فَإِذَا انْقَضَى أَوَانُهُ ( ضَمِنَهُ ) بِقِيمَتِهِ أَيْ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ، وَفِي الْمُسْكِتِ لِلزُّبَيْرِيِّ .
لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ فَوَضَعَ إنْسَانٌ فِيهِ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ حَتَّى سَخَّنَتْهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ سُخْنًا فِي الشِّتَاءِ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ بِصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِهِ ، ( وَحَكَى ) فِيهَا اخْتِلَافَ أَجْوِبَةٍ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ( أَرْشُ النَّقْصِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ بِحَطَبٍ وَغَيْرِهِ أَوْ حَمَى الْوَطِيسَ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ، وَهُوَ ) أُجْرَةُ مَا يَخْبِزُ وَيَشْوِي فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ دُونَ قِيمَةِ الْحَطَبِ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ حَمَى الْوَطِيسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ فَخَبَزَ فِيهِ خُبْزًا ( لَزِمَهُ ) أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا إذَا ( أَفْسَدَتْ ) الْمَرْأَةُ طَهَارَةَ الرَّجُلِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ يَجِبُ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى الزَّوْجِ ( ، وَإِنْ ) كَانَ هُوَ اللَّامِسَ .
( وَكَذَلِكَ ) ثَمَنُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ وَالنِّفَاسِ ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَجِبْ ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمَسَتْ ( الْمَرْأَةُ ) أَجْنَبِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ .
الْخَامِسَةُ : لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ ، كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ مِثْلِيٌّ .
السَّادِسَةُ : الْحُلِيُّ أَوْ آنِيَةِ النَّقْدِ إذَا أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ مَعَ صَنْعَتِهِ بِنَقْدِ
الْبَلَدِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ( وَلَا رِبًا لِاخْتِصَاصِهِ ) بِالْعُقُودِ .
السَّابِعَةُ : الْمُسْتَعَارُ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا ، وَقُلْنَا : يُضْمَنُ ( بِقِيمَتِهِ ) يَوْمَ التَّلَفِ ، كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ ، ( كَمَا ) صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُمَا ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ رُبَّمَا يَنْقُصُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَوْ ضَمَّنَّا الْمِثْلَ لَكُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا الْأَجْزَاءَ الْمُسْتَحَقَّةَ ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ ، وَقَالَ فِي ( الِانْتِصَارِ ) أَنَّهُ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ ضَمِنَ ( الْمِثْلَ ) بِالْقِيمَةِ ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ النَّقْصِ إلَى التَّلَفِ ضَمِنَهُ بِالْمِثْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا صُورَةُ الْمُسْتَعَارِ الْمِثْلِيِّ ؟ ( قُلْت ) فِيمَا إذَا أَعَارَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَوَّزْنَاهُ .
الثَّامِنَةُ : الْمُسْتَامُ .
التَّاسِعَةُ : الْمَبِيعُ الْمَفْسُوخِ لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ ، بَلْ بِالْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ .
الْعَاشِرَةُ : الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا عَلَى ( مَا أَطْلَقَهُ ) الرَّافِعِيُّ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مِثْلِيٍّ وَمُتَقَوَّمٍ ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَقْتَ النَّقْصِ بِالْمِثْلِ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِالْعِوَضِ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَطَرْدُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَكُلِّ عَقْدٍ مَفْسُوخٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا : أَمَّا التَّوْجِيهُ ؛ فَلِأَنَّ ضَمَانَهُ بِالْعِوَضِ زَالَ بِالْفَسْخِ ، وَصَارَ كَمَا لَوْ ( لَمْ ) يَرِدْ عَلَيْهِ ( عَقْدٌ فَاسِدٌ ) وَأَمَّا النَّقْلُ ( فَإِنَّ ) ( الْإِمَامَ ) الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) نَصَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا بِشَرْطِ
التَّبْقِيَةِ ، وَقَطَعَ مِنْهَا غُصْنًا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ رَدَّ مِثْلَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيمَتُهُ .
الْحَادِيَةَ عَشْرَ : إذَا جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ ، وَإِذَا تَلِفَتْ لَا يُضْمَنُ ( مِثْلُهَا ) ، بَلْ تُضْمَنُ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ ( ذَهَبًا ) وَقِيمَةُ الْمَغْشُوشَةِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا بِذِكْرِ قِيمَتِهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ .
السَّابِعَةُ : قَدْ يُضْمَنُ ( الْمِثْلُ ) الصُّورِيُّ بِوَاسِطَةٍ ، وَهُوَ مَا إذَا أَتْلَفَ الشَّاةَ الْمَنْذُورَةَ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الصُّوَرِ .
وَقَدْ يُضْمَنُ الْمُتَقَوِّمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ عَيْنًا لِلرَّهْنِ وَبَاعَهَا فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِمَا بَاعَهَا بِهِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ .
وَلَوْ أَكَلَ جَمِيعَ لَحْمِ ( الْأُضْحِيَّةِ ) الْمُتَطَوَّعِ بِهَا ، وَقُلْنَا : يَجِبُ التَّصَدُّقُ ( مِنْهَا ) وَهُوَ الْأَصَحُّ فَفِيمَا يَضْمَنُهَا أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا : يَضْمَنُ الْقَدْرَ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَجْزَأَهُ ، وَالثَّانِي يَضْمَنُ الْقَدْرَ الْمُسْتَحَبَّ وَهُوَ الثُّلُثُ ( وَالرُّبُعُ ) وَعَلَى هَذَا يُقَالُ يُضْمَنُ الْمِثْلُ ( بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ بِإِضْعَافِهِ .
وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِحَيَوَانٍ آخَرِ يَذْبَحُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَيُضْمَنُ الْمِثْلُ ) التَّقْدِيرِيُّ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيِّ ، وَقَدْ يُضْمَنُ الْبَعْضُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُضْمَنُ الْكُلُّ ، وَذَلِكَ فِي إتْلَافِ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَجَبَتْ قِيمَتَانِ ، وَيَزِيدُ الْغُرْمُ بِزِيَادَةِ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ .
وَكَذَلِكَ الْحُرُّ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي أَبْعَاضِهِ دِيَاتٌ .
وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَضْمُونُ بِاخْتِلَافِ الضَّامِنِ ، كَمَا إذَا افْتَضَّ بِكْرًا بِشُبْهَةٍ أَوْ ( بِنِكَاحٍ ) فَاسِدٍ ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ نِسَائِهِمْ مُسَامَحَةُ الْعَشِيرَةِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ سُومِحَ ، وَإِلَّا فَلَا .
قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَيْسَ لَنَا مَضْمُونٌ مُخْتَلِفٌ إلَّا هَذَا .
قُلْت يَرِدُ عَلَيْهِ صُوَرٌ : إحْدَاهَا : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي أَرْبَعِينَ فَأَتْلَفَهَا لَزِمَهُ شَاةٌ وَلَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَتْ الْقِيمَةُ لِلْفُقَرَاءِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا ضَمِنَهُ بِالْجَزَاءِ أَوْ الْقِيمَةِ ( وَلَوْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ ) فَقَطْ .
الثَّالِثَةُ : إذَا أَتْلَفَ الْمَالِكُ الثِّمَارَ قَبْلَ الْخَرْصِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ عَيْنِ الرُّطَبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ عُشْرُ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَهُ لِلْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَفِّفَ ذَلِكَ الرُّطَبَ وَالْمَالِكُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَأَلْزَمْنَاهُ ( مِثْلَ ) مَا كَانَ يَفْعَلُهُ .
الرَّابِعَةُ : قَاتِلُ رَحِمِهِ خَطَأً تَغْلُظُ فِيهِ الدِّيَةُ وَفِي الْأَجْنَبِيِّ تُخَفَّفُ .
الْخَامِسَةُ : الْبَائِعُ إذَا أَتْلَفَ السِّلْعَةَ قَبْلَ قَبْضَ الْمُشْتَرِي يُخَالِفُ حُكْمُهُ إتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ .
السَّادِسَةُ : الْغَاصِبُ إذَا قَطَعَ يَدَ الْمَغْصُوبِ فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ ( أَوْ مَا ) نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَإِذَا قَطَعَهَا غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ .
السَّابِعَةُ : قَدْ يَضْمَنُ الْإِنْسَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، إمَّا لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ ( تَعَالَى ) بِهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ صَيْدَ نَفْسِهِ أَوْ قَطَعَ شَعْرَ نَفْسِهِ أَوْ حَلَقَهُ وَالسَّيِّدُ إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَكَذَا إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ .
وَمِنْ الثَّانِي : الرَّاهِنُ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ يَضْمَنُهُ بِالْبَدَلِ ، وَيَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا قَتَلَهُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ
أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَسَيِّدُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ ، إذَا قَتَلَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ غَرِمَ مَهْرَ مِثْلِهَا لِزَوْجِهَا عَلَى قَوْلٍ .
وَقَدْ يَضْمَنُ غَيْرُهُ مَا بَاشَرَ هُوَ إتْلَافُهُ مِنْ مِلْكِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ أَوْ أَمَرَهُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ ( أَمَرَهُ ) بِقَطْعِ ( ثَوْبٍ ) ، فَإِذَا هُوَ لِلْقَاطِعِ أَوْ ذَبْحِ ( حَيَوَانٍ ) فَإِذَا هُوَ لِلذَّابِحِ ( عَلَى الْمَذْهَبِ ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكَلَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ لِلْغَاصِبِ ، ( وَذَلِكَ ) ( انْتَفَعَ ) بِأَكْلِهِ .
وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ عَلَى مَالِكِهِ فَقَتَلَهُ الْمَالِكُ لِلدَّفْعِ لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ سَوَاءٌ عِلْم أَنَّهُ عَبْدُهُ أَمْ لَا عَلَى الْأَصَحِّ " ( ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ ) بِهَذِهِ الْجِهَةِ كَإِتْلَافِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ .
الثَّامِنَةُ : سَائِرُ الْمُتْلَفَاتِ تُعْتَبَرُ فِيهَا قِيمَةٌ الْمُتْلَفِ إلَّا ( فِي ) الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ مِثْلِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الدِّيَةِ .
التَّاسِعَةُ : مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ ضُمِنَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهَا ، كَالْغَاصِبِ ، وَكَمَا إذَا تَحَالَفَ الْبَيِّعَانِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ فَيَغْرَمُهُ فَلَوْ ( وُجِدَ ) ، لَكِنَّهُ نَاقِصٌ غَرِمَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ تَالِفَةٌ غَرِمَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ نَاقِصَةٌ ضَمِنَ الْأَرْشَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : إحْدَاهَا : الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ ( عَنْ ) الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ ، وَخَرَجَ الْمَالِكُ عَنْ كَوْنِهِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِأَنْ تَلِفَ مَالُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْفَقِيرِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ ، وَإِنْ تَعَيَّبَتْ فِي يَدِهِ فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا لَا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالصَّدَاقُ تَالِفٌ فَلَهُ بَدَلُهُ فَلَوْ كَانَ مَعِيبًا فَلَا أَرْشَ لَهُ إنْ
رَجَعَ فِي نِصْفِهِ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ نِصْفِهِ .
الثَّالِثَةُ : رَدَّ ( الْبَائِعِ ) الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ ، وَقَدْ نَقَصَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ( فِيهِ ) نَاقِصًا بِلَا أَرْشٍ فِي وَجْهٍ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيهِ نَاقِصًا مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ ، وَلَا خِيَارَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ .
الرَّابِعَةُ : رَجَعَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ عِنْدَ إفْلَاسِ الْمُشْتَرِي ، وَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِإِتْلَافِ الْبَائِعِ ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ فَلَا أَرْشَ لَهُ فِي الْأُولَى قَطْعًا ، وَلَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الرَّوْضَةِ .
الْخَامِسَةُ : الْقَرْضُ إذَا تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْمُقْتَرَضِ ثُمَّ رَجَعَ ( الْمُقْرِضُ ) فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِمِثْلِهِ ( إنْ ) كَانَ مِثْلِيًّا ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَحَكَى فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ خِلَافَ ذَلِكَ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ نَصُّ ( الشَّافِعِيِّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِيمَا لَوْ تَعَيَّبَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَغَرِمَ أَرْشَهَا لِمَالِكِهَا أَنَّهُ يَرْجِعُ ( بِهِ ) عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا .
وَزَعَمَ الْإِمَامُ انْعِكَاسَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ إذَا أُتْلِفَ لَا يُضْمَنُ ( الْجُزْءُ ) إذَا أُتْلِفَ كَالْبَائِعِ يَتَعَيَّبُ الْمَبِيعُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ .
قُلْت : وَالْمُكَاتَبُ فَإِنَّ سَيِّدَهُ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ضَمِنَهَا وَلَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى بَعْضِهِ كَقَطْعِ يَدِهِ ، وَأَيْضًا لَوْ غَرَّمَ الْمَالِكُ لِلْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مُشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا ( لِلتَّلَفِ ) لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ ( تَعَيَّبَتْ ) فِي يَدِهِ فَأَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الْأَرْشِ رَجَعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْبَائِعِ قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهَذَا
الْأَصْلُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ بِقَوْلِهِ ( مَنْ لَمْ يَضْمَنْ ) الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ نَقْصِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ مِنْ يَدِهِ كَالْبَائِعِ لَمَّا ضَمِنَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ نَقْصِهِ فِي يَدِهِ ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ حَتَّى حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا بِآفَةٍ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَذَاكَ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ نَقْصِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُهُ بِثَمَنِهِ ، وَأَمَّا مَنْ ضَمِنَ الشَّيْءَ بِقِيمَتِهِ فَيَضْمَنُ أَرْشَ مَا حَدَثَ مِنْ النُّقْصَانِ فِي يَدِهِ كَالْغَاصِبِ .
الْعَاشِرَةُ : إنَّمَا يُضْمَنُ الْمُتَمَوَّلُ أَمَّا مَا لَيْسَ بِمُتَمَوَّلٍ فِي الْحَالِ ، لَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ فَلَا .
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ ( رَجُلٌ ) الْأَسِيرَ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الرِّقَّ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ فَوَّتَ الْإِرْقَاقَ فَهَلَّا كَانَ بِمَثَابَةِ تَفْوِيتِ الرِّقِّ بِالْغُرُورِ وَالْمَغْرُورُ ( يَلْتَزِمُ الْقِيمَةَ كَقَطْعِ الرِّقِّ مِنْ الْحُرِّ إنْ قُلْنَا ذَاكَ الرِّقُّ كَانَ يَجْرِي لَا مَحَالَةَ لَوْلَا الْغُرُورُ فَالْمَغْرُورُ ) دَفَعَ الرِّقَّ الَّذِي لَا حَاجَةَ لِتَحْصِيلِهِ وَالرِّقُّ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ ضَرْبٍ ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ ، وَأَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِمَا نَحْنُ فِيهِ إتْلَافُ الْجِلْدِ الْقَابِلِ لِلدِّبَاغِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مَعَ تَهَيُّئِهِ لِلدِّبَاغِ ابْتِدَاءً فَإِنْشَاءُ الدِّبَاغِ كَإِنْشَاءِ الْإِرْقَاقِ .
وَهَذَا بِخِلَافِ الْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ عَلَى وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ فَإِلَى التَّخْلِيلِ مَصِيرُهَا .
الطَّارِئُ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُقَارِنِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا كَمَا لَوْ طَرَأَ مُؤَيِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ قَطَعَهُ فَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ بِشُبْهَةٍ أَوْ وَطِئَ هُوَ أُمَّهَا ( أَوْ بِنْتَهَا ) انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَوَانِعُ ( النِّكَاحِ ) تَمْنَعُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ ؛ لِتَأَبُّدِهَا وَاعْتِضَادِهَا بِكَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْأَبْضَاعِ هُوَ الْحُرْمَةَ ، وَكَذَلِكَ عَيْبُ النِّكَاحِ إذَا كَانَ بِالزَّوْجِ وَقَارَنَهُ تَخَيَّرَتْ الزَّوْجَةُ ، وَكَذَلِكَ إذَا حَدَثَ فِي دَوَامِ النِّكَاحِ .
وَمِنْهُ الْحَدَثُ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ ، فَإِذَا طَرَأَ عَمْدُهُ ( عَلَيْهِمَا قَطَعَهُمَا ) .
وَمِنْهُ بُلُوغُ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يُؤَثِّرْ .
وَلَوْ تَنَجَّسَ الْقَلِيلُ ثُمَّ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ انْدَفَعَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِالْكَثْرَةِ فِي ثَانِي الْحَالِ كَالِابْتِدَاءِ وَمِنْهُ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ ( الْمُبَاحِ فِي الْحُلِيِّ ) ، إذَا قَارَنَ ابْتِدَاءَ ( الصِّيَاغَةِ ) أَسْقَطَ الزَّكَاةَ .
وَكَذَلِكَ إذَا طَرَأَ هَذَا الْقَصْدُ بَعْدَ أَنْ كَانَ لِمُحَرِّمٍ فَإِنَّهُ يُسْقِطُهَا أَيْضًا .
الثَّانِي : مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُتَزَوِّجُ لَمْ يَمْنَعْ اسْتِمْرَارَ النِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَارَنَ ابْتِدَاءَهُ مَنَعَ ، وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ فَإِذَا طَرَأَتْ عَلَّقَ الشُّبْهَةَ عَلَى مَنْكُوحَةٍ لَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهَا ، وَكَذَا خَوْفُ الْعَنَتِ يُشْتَرَطُ فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، وَإِذَا زَالَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَقْطَعْهُ ، وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلْقُنْيَةِ ، ثُمَّ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَارِنْ الشِّرَاءَ ، وَكَذَلِكَ طَرَيَانُ الْإِسْلَامِ لَا يَمْنَعُ دَوَامَ الشَّيْءِ قَطْعًا ، وَإِنْ ( مَنَعَ ) ابْتِدَاءَهُ .
وَتَوْقِيتُ النِّكَاحِ يَمْنَعُ صِحَّةَ ابْتِدَاءَهُ ، وَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ ، وَرُؤْيَةُ الْمَاءِ ( مَانِعَةٌ ) مِنْ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَإِذَا رَآهُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يُبْطِلْهَا ، إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِالتَّيَمُّمِ وَوِجْدَانُ الرَّقَبَةِ يَمْنَعُ إجْزَاءَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ ، وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ؛ لِعَدَمِهَا ثُمَّ وَجَدَهَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْ ( دَوَامِهِ ، وَإِجْزَائِهِ ) .
وَالْإِبَاقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ عَقْدِ الرَّهْنِ إذَا قَارَنَهُ ( فَلَوْ ) رَهَنَ عَبْدًا فَأَبَقَ لَمْ يَبْطُلُ رَهْنُهُ ، وَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رَهْنًا ابْتِدَاءً ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا فِي ثَانِي الْحَالِ ، كَمَا إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ أَجْنَبِيٌّ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ رَهْنًا مَكَانَهُ .
وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَفْضَلِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَتَصَرَّفَ أَفْضَلُهُمْ ثُمَّ حَدَثَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ ( مِنْهُ ) لَمْ يَكُنْ لَهُ النَّظَرُ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَتَهُ ، كَالِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَاءِ تَدْفَعُهُ الْكَثْرَةُ ابْتِدَاءً ، وَهَلْ تَدْفَعُهُ فِي الدَّوَامِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ ؟ وَجْهَانِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ( وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ) فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُ نُسُكِهِ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُرْتَدًّا ، وَلَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ مُبَاحًا ثُمَّ ( صَرَفَهُ ) إلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ ( فِي الْأَصَحِّ ) فَجَعَلُوا طَارِئَ الْمَعْصِيَةِ كَالْمُقَارِنِ فِي الْأَصَحِّ وَمِثْلُهُ لَوْ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِمَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ وَغَيَّرَ قَصْدَهُ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : ( يَكُونُ ) ( ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ ) مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى مَقْصِدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ تَرَخَّصَ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَالصَّيْدُ لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُحْرِمِ ابْتِدَاءُ تَمَلُّكُهُ ، وَإِذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ زَالَ ( مِلْكُهُ عَنْهُ ) وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ وَجَدَ الزَّوْجُ بِالْمَرْأَةِ أَحَدَ الْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ تَخَيَّرَ ، وَلَوْ حَدَثَ بِهَا فِي الدَّوَامِ فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ( كَالِابْتِدَاءِ ) .
وَلَوْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ وَكَانَ حَالًّا يَرْجِعُ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ وَالْعَدَدُ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ قَطْعًا وَكَذَلِكَ فِي الدَّوَامِ فِي الْأَصَحِّ ، حَتَّى لَوْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ ( أَنَّهُ لَا ) يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ .
فَمِنْهُ : وُجُودُ الْحُرَّةِ مَانِعٌ مِنْ ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَلَوْ نَكَحَ أَمَةً ؛ لِعَدَمِ الْحُرَّةِ ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ عَلَيْهَا حُرَّةً لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ ، وَكَذَا لَوْ نَكَحَ الْأَبُ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ثُمَّ مَلَكَهَا ابْنُهُ وَالْأَبُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِ الْأَمَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِقُوَّةِ الدَّوَامِ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ يَبْطُلُ كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ تَيَمُّمَهُ ؛ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ ؛ وَقِيَاسًا عَلَى ( الرِّدَّةِ ؛ لِخُرُوجِهِ ) عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ ، وَقَدْ عَدَّ الْأَصْحَابُ مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ( فِيهَا هَذَا ) .
وَلَوْ ثَبَتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ ( فَهَلْ ) يَسْقُطُ الدَّيْنُ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً ، ، وَأَصَحُّهُمَا : يَبْقَى كَمَا كَانَ ؛ لِأَنَّ ( لِلدَّوَامِ ) مِنْ الثَّمَرَةِ مَا لَيْسَ لِلِابْتِدَاءِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ نِكَاحِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ عَلَى طَرَفِ مَنْ يَرِثُهُ السَّيِّدُ ( كَابْنِهِ ) ثَبَتَ الْمَالُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَوَرِثَهُ السَّيِّدُ فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ اسْتِدَامَةُ الدَّيْنِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ .
وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ ثُمَّ مَاتَ وَلِيَ " دَمَ " الْمَقْتُولِ (
وَوَرِثَهُ ) ذِمِّيٌّ فَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ لِهَذَا الْوَارِثِ ، وَإِنْ كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الدَّوَامِ ( بِالْإِرْثِ ) .
الطَّهَارَةُ تَثْبُتُ بِالتَّبَعِيَّةِ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا غَلَتْ الْخَمْرَةُ فِي الدَّنِّ ثُمَّ سَكَنَتْ وَانْقَلَبَتْ خَلًّا ، فَالْمَكَانُ الَّذِي ( ارْتَفَعَ ) إلَيْهِ الْخَمْرُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا ، وَعَلَى هَذَا لَوْ صَبَّ الْخَلَّ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْ الدَّنِّ لَا يَضُرُّ مُرُورُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ارْتَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْرُ .
الثَّانِيَةُ : بَاطِنُ الدَّنِّ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ تَبَعًا لِلْخَلِّ .
الثَّالِثَةُ : الْقَلِيلُ مِنْ الشَّعْرِ إذَا بَقِيَ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ ( بَعْدَ ) الدِّبَاغِ .
ظُهُورُ ( أَمَارَاتِ ) الشَّيْءِ هَلْ تَنْزِلُ مَنْزِلَ تَحَقُّقِهِ ( لَوْ ) ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا ، وَهُوَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ حَاصِلٌ وَهُمْ ( يَتَمَكَّنُونَ ) مِنْ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ ، وَرَجَّحَ الْإِمَامُ مُقَابِلَهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ ظَهَرَ عَلَى السَّفِيهِ أَمَارَاتُ ( التَّبْذِيرِ ) حُجِرَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَلِمَ الْمُسَلِّمُ قَبْلَ الْمَحِلِّ بِانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْحُلُولِ فَهَلْ يَثْبُتُ الْفَسْخُ ؟ وَجْهَانِ ( : أَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ) .
وَمِنْهَا : لَوْ تَوَسَّمَ ( الْوَالِدُ ) الْمَعْضُوبُ مِنْ ( ابْنِهِ ) الطَّاعَةَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ ( وَلِيَ ) شَخْصٌ لِلْقَضَاءِ فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ ، كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَا يُبْدِي ( فِيهَا ) تَرَدُّدًا عَمَّنْ لَقِيَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَخْفَى ( مَأْخَذُهُ مِمَّا ) ذَكَرْنَا ، وَمِنْهَا ( ظَهَرَتْ ) أَمَارَاتُ نُشُوزِ ( الْمَرْأَةِ ) لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ( حُكْمُهُ ) حَتَّى يَتَحَقَّقَ .
وَمِنْهَا لَوْ ( بَدَتْ ) تَبَاشِيرُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْكَافِرِ فَابْتَدَرَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ ، وَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ ، وَقُلْنَا : لَا يَصِحُّ غُسْلُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ صَحَّ هُنَا عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ .
الظَّنُّ إذَا كَانَ كَاذِبًا فَلَا أَثَرَ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ، وَلِهَذَا لَوْ ظَنَّ ( الْمُكَلَّفُ ) فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِهِ ( تَضَيَّقَ ) عَلَيْهِ ، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ ثُمَّ عَاشَ وَفَعَلَهُ فَأَدَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَدَثُ أَوْ ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ ( فَصَلَّى ثُمَّ ) تَبَيَّنَ أَنَّهُ ( صَلَّى ) قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ طَهَارَةَ الْمَاءِ فَتَوَضَّأَ ( بِهِ ) ثُمَّ تَبَيَّنَ نَجَاسَتُهُ ، أَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَأَخْلَفَ ظَنَّهُ ( أَوْ دَفَعَ ) الزَّكَاةَ مِنْ مَالٍ يَظُنُّهُ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَوْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ فِي الصَّوْمِ فَتَسَحَّرَ أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَأَفْطَرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ( أَيْ الظَّنُّ ) .
وَمِنْهُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْبَائِنِ ( الْحَائِلِ ) ظَانًّا حَمْلَهَا ( ثُمَّ تَبَيَّنَ ) خِلَافُهُ فَإِنَّهُ ( يَسْتَرِدُّهُ ) ، وَشَبَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ ( ثُمَّ بَانَ ) خِلَافُهُ وَمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى ظَنِّ ( إعْسَارِهِ لِمُدَّةٍ ) ثُمَّ بَانَ يَسَارُهُ .
وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا قُطِعَ ، ( وَهَذَا ) بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالًا يَظُنُّهُ مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ ( أَبِيهِ ) فَلَا قَطْعَ ( كَمَا ) لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ اُعْتُبِرُوا فِي الْأُولَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مَا فِي ظَنِّهِ ، وَعَكَسُوا فِي الْأُخْرَى .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَبَانَ حَدَثُهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمُسَافِرُ رَكْبًا فَظَنَّ أَنَّ مَعَهُمْ مَاءً فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ يَبْطُلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَاءٌ لِتَوَجُّهِ الطَّلَبِ عَلَيْهِ .
وَلَوْ خَاطَبَ ( امْرَأَتَهُ ) بِالطَّلَاقِ يَظُنُّ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةُ فَكَانَتْ زَوْجَتَهُ نَفَذَ الطَّلَاقُ ، وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ الْخَطَأِ ، وَكَذَا لَوْ ( أَعْتَقَ ) عَبْدًا
يَظُنُّهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الْيَقِينِ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالظَّنِّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِمَّا ( يَعْتَدُّ ) فِيهِ بِالْقَطْعِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا كَالْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ لَا يَجْتَهِدُ ، وَكَذَا إنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ .
وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّي ( حِجْرَ ) الْكَعْبَةِ وَحْدَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ ( صَلَاتُهُ ) ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ ظَنِّيٌّ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَبَّدْ فِيهِ بِهِ جَازَ ، كَالِاجْتِهَادِ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَوَانِي ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ عِلْمِهِ فِي الْأَصَحِّ .
( الْعَادَةُ ) فِيهَا مَبَاحِثُ ( الْأَوَّلُ ) : أَنَّهَا تَحْكُمُ فِيمَا لَا ضَبْطَ لَهُ شَرْعًا ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي أَقَلِّ ( سِنِّ ) الْحَيْضِ وَالْبُلُوغِ ، وَفِي قَدْرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَغَالِبٍ ، وَكَذَلِكَ فِي إحْرَازِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ ، وَفِي ضَابِطِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي الضَّبَّةِ مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ ، وَفِي قِصَرِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ عِنْدَ مُوَالَاةِ الْوُضُوءِ ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ ( وَكَثْرَةِ ) الْأَفْعَالِ ( الْمُنَافِيَةِ ) لِلصَّلَاةِ ، وَفِي التَّأْخِيرِ الْمَانِعِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَفِي الشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدَاوِلِ ، وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ الْمَجْرَى إذَا كَانَ لَا يُضِيرُ مَالِكُهَا ، إقَامَةً ( لِلْعُرْفِ ) مَقَامَ الْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ ، وَكَذَا الثِّمَارُ السَّاقِطَةُ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَمْلُوكَةِ ، وَفِي عَدَمِ رَدِّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، وَمَا جُهِلَ حَالُهُ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ فِيهِ إلَى عَادَةِ بَلَدِ الْبَيْعِ فِي الْأَصَحِّ .
نَعَمْ لَمْ يَعْتَبِرْهَا ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : اسْتِصْنَاعُ الصُّنَّاعِ ( الَّذِينَ ) جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ إلَّا ( بِالْأُجْرَةِ ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْهُ ) : إذَا لَمْ ( يَجْرِ ) مِنْ الْمُسْتَصْنِعِ اسْتِئْجَارٌ لَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا .
الثَّانِيَةُ : عَدَمُ صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِعَدِّهِ ( بَيْعًا ) ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ خِلَافَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ .
تَنْبِيهٌ : قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ : نَقَلَ الْأَئِمَّةُ ( تَرَدُّدًا ) ( لِلشَّافِعِيِّ ) ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فِي أَنَّ الْمُتَّبَعَ الْقِيَاسُ أَوْ الْعَادَةُ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّمَاةِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ ( فِي الشَّرْعِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُوَافِقَةً
) لِمُوجَبِ ( الشَّرْعِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَدُّدِ ، وَالْمُتَّبَعُ الشَّرْعُ وَقِيَاسُهُ .
وَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ عَادَةٌ يُنَاقِضُهَا ) الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ فَلَا مَعْنَى لِاتِّبَاعِ عَادَتِهِمْ فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّعَلُّقِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : أَرَادَ الشَّافِعِيُّ عَادَةَ الْفُقَهَاءِ .
الثَّانِي : بِمَاذَا تَسْتَقِرُّ الْعَادَةُ ؟ اعْلَمْ أَنَّ مَادَّةَ الْعَادَةِ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ الشَّيْءِ وَعَوْدَهُ ( تَكَرُّرًا ) كَثِيرًا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَقَعَ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي ( أَبُو بَكْرٍ الْأُصُولِيُّ ) وَغَيْرُهُ وَقَالُوا : الْإِنْسَانُ إذَا تَعَسَّرَ فَأَخَذَ السَّقَمُونْيَا ( فَأَسْهَلَتْهُ ) ثُمَّ أَخَذَهُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَهَكَذَا وَقَعَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ مَتَى شَرِبَهَا ( أَسْهَلَتْهُ ) ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ تُفِيدُ الْعِلْمَ ( الضَّرُورِيَّ ) ، وَلِهَذَا كَانَ خَرْقُ الْعَوَائِدِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ .
وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَيَخْتَلِفُ الْأَمْرُ بِحَسَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَمِنْهَا الْعَادَةُ فِي وُجُودِ أَقَلِّ الطُّهْرِ إذَا خَالَفَتْ الْعَادَةُ الْمُعْتَادَةَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِثَلَاثٍ مُتَوَالِيَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ إذْ قَالَ : لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ ( طُهْرَ الْمَرْأَةِ ) أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ( يَوْمًا ) قَبِلْنَا قَوْلَهَا فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : ( إمَّا ) أَنْ يَتَكَرَّرَ طُهْرُ الْمَرْأَةِ مِرَارًا مُتَوَالِيَةً أَقَلُّهَا ثَلَاثُ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ ، ( فَإِنْ تَفَرَّقَ ) وَلَمْ يَتَوَالَ لَمْ ( يَصِرْ ) عَادَةً ، أَوْ يُوجَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ ( جَمَاعَةِ ) نِسَاءٍ أَقَلُّهُنَّ ( ثَلَاثٌ ) .
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْعِدَدِ وَجْهًا أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ( وَقَالَ ) وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ ، وَمِنْهَا الِاسْتِحَاضَةُ ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ قَطْعًا وَهِيَ أَصْلُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ إذَا فَاتَحَهَا الدَّمُ الْأَسْوَدُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ( مَثَلًا ثُمَّ تَغَيَّرَ ) إلَى الضَّعِيفِ فَلَا تَغْتَسِلُ وَلَا تُصَلِّي بَلْ تَتَرَبَّصُ فَلَعَلَّ الضَّعِيفَ يَنْقَطِعُ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْكُلُّ حَيْضًا ، فَإِنْ ( جَاوَزَ ) الْخَمْسَةَ عَشَرَ تَدَارَكَتْ مَا فَاتَ ( فَإِنْ ) كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ، فَكَمَا
انْقَلَبَ الدَّمُ إلَى الضَّعِيفِ تَغْتَسِلُ ( إذْ ) بَانَ اسْتِحَاضَتُهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ فَالظَّاهِرُ ( أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ ) .
ثَانِيهَا : مَا ( تَثْبُتُ ) بِمَرَّةٍ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ فِي الْمُعْتَادَةِ الَّتِي سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَتَرُدُّ إلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ .
وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ مَرَّتَيْنِ ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ هُنَا ، لِأَنَّ اسْتِقْرَارَ الْحَيْضِ بِمَرَّةٍ ( لَا يُوثَقُ بِهِ فَقِيلَ : لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّكْرَارِ ) .
ثَالِثُهَا : ( مَا لَا يَثْبُتُ بِالْمَرَّةِ ) وَلَا بِالْمَرَّاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ قَطْعًا ، وَهِيَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَرَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً ، وَاسْتَمَرَّتْ بِهَا الْأَدْوَارُ هَكَذَا ، وَقُلْنَا بِقَوْلِ اللَّقَطِ فَأَطْبَقَ الدَّمُ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَا نَلْتَقِطُ لَهَا ( نَظِيرَ ) أَيَّامِ الدَّمِ قَطْعًا ، وَإِنَّمَا ( نُحَيِّضُهَا ) مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ عَلَى الْوَلَاءِ مَا كُنَّا ( نَجْعَلُهُ ) حَيْضًا بِالتَّلْفِيقِ حَتَّى لَوْ كُنَّا نَلْتَقِطُ ( لَهَا ) خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ أَطْبَقَ الدَّمُ ( فَنُحَيِّضُهَا ) خَمْسَةً وَلَاءً مِنْ أَوَّلِ الدَّمِ الْمُطْبَقِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ ، وَكَذَا لَوْ وَلَدَتْ مِرَارًا ، وَلَمْ تَرَ نِفَاسًا ثُمَّ وَلَدَتْ ، وَأَطْبَقَ الدَّمُ وَجَاوَزَ سِتِّينَ يَوْمًا فَإِنَّ عَدَمَ النِّفَاسِ لَا ( يَصِيرُ ) عَادَةً لَهَا بِلَا خِلَافٍ ، بَلْ ( هَذِهِ ) مُبْتَدَأَةٌ فِي النِّفَاسِ .
رَابِعُهَا : مَا لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَلَا مَرَّاتٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ التَّوَقُّفُ بِسَبَبِ تَقَطُّعِ الدَّمِ ، إذَا كَانَتْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخَرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ، لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِالْمَرَّةِ وَهِيَ ( الِانْقِطَاعُ ) الْأَوَّلُ بَلْ تُؤْمَرُ بِمَا تُؤْمَرُ بِهِ ( الطَّاهِرَاتُ
بِمُجَرَّدِ ) الِانْقِطَاعِ ، بِخِلَافِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ ، لِأَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ قَدْ ( أُثْبِتَ ) عَادَةً فِي الِانْقِطَاعِ .
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْمُمَاكَسَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَكُونُ بِمَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ .
وَمِنْهَا اخْتِبَارُ الْجَارِحَةِ فِي الصَّيْدِ لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ( التَّعَلُّمِ ) ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ ثَلَاثٌ ، وَقِيلَ : ( يُكْتَفَى ) بِمَرَّتَيْنِ .
وَمِنْهَا الْقَائِفُ هَلْ يُشْتَرَطُ بِثَلَاثٍ أَوْ يُكْتَفَى بِمَرَّتَيْنِ ( رَجَّحَ ) الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْأُوَلَ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عَارِفٌ .
الثَّالِثُ : الْعَادَةُ إذَا اطَّرَدَتْ يَنْزِلُ اللَّفْظُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهَا ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ لَمْ تُعْتَبَرْ وَوَجَبَ الْبَيَانُ ، ( وَإِذَا ) تَعَارَضَتْ الظُّنُونُ فِي اعْتِبَارِهَا فَخِلَافٌ .
وَهَذَا الْأَصْلُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ ، فَقَالَ كُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اضْطِرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ ( الْمُحْكَمُ ) وَمُضْمَرُهُ ( كَالْمَذْكُورِ ) صَرِيحًا ، وَكُلُّ مَا يُعَارِضُ الظُّنُونَ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ انْتَهَى .
فَإِذَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ ، وَأَطْلَقَ ( يَنْزِلُ ) عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ ، وَلَوْ اضْطَرَبَتْ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ فَإِطْلَاقُ الدَّرَاهِمِ فَاسِدٌ ، بَلْ لَوْ غَلَبَتْ الْمُعَامَلَةُ بِجِنْسٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ بِنَوْعٍ مِنْهُ ( انْصَرَفَ ) الثَّمَنُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَصَحِّ " ، كَالنَّقْدِ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ النَّسْخِ أَوْ الْكُحْلِ ، فَفِي وُجُوبِ الْخَيْطِ ( وَالْحِبْرِ ) وَالْكُحْلِ عَلَى مَنْ خِلَافٌ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي ( الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ) الرُّجُوعَ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ فَإِنْ اضْطَرَبَتْ وَجَبَ الْبَيَانُ ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ .
وَمِنْ هَذَا الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ يَتَقَيَّدُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَالْإِذْنُ فِي النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، وَفِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا صَلَاحُهَا ( يَجِبُ ) ( إبْقَاؤُهَا ) إلَى أَوَانِ الْقِطَافِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ السَّقْيِ بِمَائِهَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ بِاللَّفْظِ ، وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا فِي أَلْفَاظِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي ، وَكَذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَخْتَلِفُ ( عَادَةُ ) النَّاسِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّءُوسِ وَنَحْوِهِ .
وَمَنْ أَتْلَفَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ شَاةٌ مِنْ غَالِبِ شِيَاهِ الْبَلَدِ ، وَالْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَالْكَفَّارَةُ
كَذَلِكَ ، وَإِبِلُ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَعَلَى الْعَاقِلَةِ تَجِبُ مِنْ غَالِبِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ أَغْلَبِهَا كَذَلِكَ .
وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ لِلْحَرْبِيِّ فِي الدُّخُولِ لِدَارِ الْإِسْلَامِ بِلَا شَرْطٍ فَهَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمَعْهُودِ أَمْ لَا ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : فِي الْوَجِيزِ الثَّانِي .
الرَّابِعُ : الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِي نَاحِيَةٍ نَزَّلَهَا الْقَفَّالُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ فَقَالَ إذَا عَمَّ النَّاسَ اعْتِيَادُ إبَاحَةِ مَنَافِعِ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ فَاطِّرَادُ الْعَادَةِ فِيهِ ( بِمَثَابَةِ شَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ حَتَّى يَفْسُدَ الرَّهْنُ ، وَجَعَلَ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ ) بِمَثَابَةِ الْعَادَةِ الْعَامَّةِ وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْجُمْهُورُ فِيهِمَا .
وَلَوْ جَرَتْ عَادَةٌ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَرُدُّ أَزْيَدَ مِمَّا اقْتَرَضَ ، فَقِيلَ : لَا يَجُوزُ إقْرَاضُهُ وَيَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ الْجَارِيَةِ فَفِي كَرَاهَتِهِ وَجْهَانِ ، وَكَذَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الْحِصْرِمِ قَبْلَ النُّضْجِ فَهَلْ تَنْزِلُ عَادَتُهُمْ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ حَتَّى يَصِحَّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَقَالَ الْقَفَّالُ نَعَمْ ، وَكَذَا بَيْعُ الْعِينَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا مُؤَجَّلًا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ نَقْدًا إذَا صَارَ ذَلِكَ عَادَةً ، ( وَقَالَ ) الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ الْعَقْدَانِ جَمِيعًا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، لَكِنْ يُكْرَهُ .
قَالَ الْإِمَامُ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا فُرِضَ نُدُورُهُ فِي قُطْرٍ ثُمَّ تُصُوِّرَ اطِّرَادُهُ ، وَالْحُكْمُ بِالْعَادَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ ( ، وَمِنْهُ ) ( مَنْشَأُ ) اخْتِلَافِهِمْ فِي ( كَثْرَةِ ) دَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي بَعْضِ ( الصِّقَاعِ ) فِي حُكْمِ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ : مِنْهَا مَا لَوْ بَارَزَ كَافِرٌ مُسْلِمًا ، وَشَرَطَ الْأَمَانَ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُبَارَزَةِ بِالْأَمَانِ ، فَفِي كَوْنِهِ كَالْمَشْرُوطِ ( وَجْهَانِ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الرُّويَانِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ ) قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ : عَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ ،
وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) .
وَمِنْهَا أَمْرُ السُّلْطَانِ ذِي السَّطْوَةِ ، وَعَادَتُهُ أَنْ يَسْطُوَ بِمَنْ يُخَالِفُهُ يَقُومُ ( مَقَامَ ) التَّوَعُّدِ ( نُطْقًا ) وَنَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ حَتَّى يَأْتِيَ فِي ( وُجُوبِ ) الْقِصَاصِ عَلَى مَأْمُورِهِ ( إذَا عَلِمَ أَنَّهُ ) مُبْطِلٌ الْقَوْلَانِ فِي الْمُكْرَهِ .
وَفِي أَمْرِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَخَافُ مِنْهُ ذَلِكَ طَرِيقَانِ : أَحَدَاهُمَا : عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِيَةُ : عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ ( بِإِكْرَاهٍ ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ جَزْمًا حَكَاهُمَا فِي الْمَطْلَبِ .
الْخَامِسُ : الْعَادَةُ إنَّمَا ( تُقَيِّدُ ) اللَّفْظَ الْمُطْلَقَ إذَا تَعَلَّقَ بِإِنْشَاءِ أَمْرٍ فِي الْحَالِ دُونَ مَا يَقَعُ ( إخْبَارًا ) عَنْ مُتَقَدِّمٍ فَلَا ( يُقَيِّدُهُ ) الْعُرْفُ الْمُتَأَخِّرُ ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ : الْعَادَةُ الْغَالِبَةُ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُعَامَلَاتِ ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا ؛ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيمَا يَرُوجُ فِي ( الْبُقْعَةِ ) غَالِبًا ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّعْلِيقِ وَالْإِقْرَارِ بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِيهَا .
أَمَّا فِي التَّعْلِيقِ فَلِقِلَّةِ وُقُوعِهِ ، وَأَمَّا فِي الْإِقْرَارِ فَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ ( وُجُوبٍ ) سَابِقٍ وَرُبَّمَا يُقَدَّمُ الْوُجُوبُ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ أَوْ ( رَغَبٍ ) فِي بُقْعَةٍ أُخْرَى ، وَفِي الْإِقْرَارِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ لَا يُقْبَلُ .
وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك عَلَى أَلْفٍ فَلَيْسَ هَذَا ( بِتَعَلُّقٍ ) ( فَنَزَلَ عَلَى الْغَالِبِ ) عَلَى قَاعِدَةِ الْمُعَامَلَاتِ ، قُلْت : وَمِثْلُ الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الدَّعْوَى قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَقْضِيَةِ : الدَّعْوَى بِالدَّرَاهِمِ لَا تَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ ، كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ بِهَا لَا يَنْزِلُ عَلَى الْعَادَةِ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ أَنَّ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا تَقَدَّمَ ، فَلَا ( يُقَيِّدُهُ ) الْعُرْفُ ( الْمُتَأَخِّرُ ) ، بِخِلَافِ ( الْعَقْدِ ) فَإِنَّهُ ( أَمْرٌ ) بَاشَرَهُ ( فِي الْحَالِ فَقَيَّدَهُ الْعُرْفُ ، لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَجْهًا ، وَصَدَّرَ كَلَامَهُ بِجَوَازِ الْإِطْلَاقِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ ) ، قَالَ : وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ .
وَلَوْ أَقَرَّ فِي بَلَدٍ ( دَرَاهِمُهُ ) نَاقِصَةٌ بِأَلْفٍ ( مُطْلَقَةٍ ) لَزِمَهُ النَّاقِصَةُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِعُرْفِ الْبَلَدِ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ ؛ لِعُرْفِ الشَّرْعِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ، لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي بَلَدٍ
دَرَاهِمُهُ نَاقِصَةٌ ( أَنَّهُ ) تَلْزَمُهُ النَّاقِصَةُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَيْعَ مُعَامَلَةٌ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَقَعُ بِمَا يَرُوجُ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ .
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَيُمْكِنُ بِنَاءُ الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الِاصْطِلَاحَ الْعَامَّ أَمْ لَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَوَافُقِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَلْفٍ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بِأَلْفَيْنِ ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ لُزُومَ ( أَلْفٍ ) وَازِنَةٍ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ ( وُجُوبُ ) أَلْفَيْنِ .
( السَّادِسُ ) : إذَا اخْتَلَفَتْ الْعَادَةُ فَهَلْ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِنَفْسِهِ أَمْ بِغَيْرِهِ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : ( مِنْهَا ) : لَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ فَوْقَ الْعَادَةِ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ لَمْ ( يُجْزِهِ ) الْحَجْرُ ، وَهَلْ الِاعْتِبَارُ بِعَادَةِ النَّاسِ أَمْ بِعَادَةِ نَفْسِهِ فِيهِ ؟ وَجْهَانِ ( حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ ) .
( وَمِنْهَا ) : لَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِي الْخُفِّ ؛ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ أَوْ لِضِيقِهِ فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ صَالِحٌ لِلْمَشْيِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ غَيْرُهُ لَارْتَفَقَ بِهِ ، وَأَصَحُّهُمَا : الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي إدَامَةِ مِثْلِ هَذَا الْخُفِّ فِي الرِّجْلِ .
( وَلِهَذَا شَبَهٌ ) بِالْكَفَّارَةِ يُدْفَعُ ( لِلْكَبِيرِ مَا لَا يَصْلُحُ ) إلَّا لِلُّبْسِ الصَّغِيرِ .
الْعِبَادَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا ، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ هِيَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ ، وَبِالتَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ بِفِعْلِ ( أَوَامِرِهِ ) .
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : فِعْلٌ يُكَلِّفُهُ اللَّهُ عِبَادَهُ ( مُخَالِفًا ) لِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ عَلَى سَبِيلِ ( الِابْتِلَاءِ ) .
وَقَالَ ( الْمَرْوَزِيُّ : ) مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : الْعِبَادَةُ وَالتَّعَبُّدُ ، وَالنُّسُكُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْخُضُوعُ .
وَالْعِبَادَةُ مَا ( تَعَبَّدْنَا بِهِ ) عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ ، وَقِيلَ : الْعِبَادَةُ مَا كَانَ الْعَابِدُ لِأَجْلِهَا عَابِدًا ، وَقِيلَ : مَا اُشْتُقَّ اسْمُ الْعَابِدِ مِنْهَا ، وَقِيلَ : مَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) ، وَقِيلَ : مَا كَانَ قُرْبَةً إلَيْهِ .
قَالَ وَهَذَانِ لَيْسَا بِصَحِيحَيْنِ ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا ( قُرْبَةٍ ) وَهُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ انْتَهَى .
وَقَالَ ( الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هِيَ الطَّاعَةُ بِالْتِزَامِ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِسْلَامِ وَالتَّعَبُّدُ اسْتِدْعَاءُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ ، قَالَ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ الطَّاعَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ } .
الثَّانِي : الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ( تُقَدَّمُ ) عَلَى الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَسَتَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ .
الثَّالِثُ : إنْ تَعَلَّقَتْ ( بِوَقْتٍ ) فَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ مُبَادَرَةً لِلِامْتِثَالِ ، وَلِهَذَا جَاءَ { الصَّلَاةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ } ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ التَّأْخِيرُ ؛ لِعَوَارِضَ : مِنْهَا حِيَازَةُ فَضِيلَةٍ أُخْرَى كَتَيَقُّنِ وُجُودِ الْمَاءِ آخَرَ الْوَقْتِ ، وَالْإِبْرَادِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ ؛ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ مَعَ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ وَاسْتِحْبَابُ ( تَأْخِيرِ ) زَكَاةِ الْفِطْرِ لِيَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَاسْتَحَبَّ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِعْلَ ( ابْنُ عُمَرَ ) مِنْ إخْرَاجِهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ .
وَدَمُ ( التَّمَتُّعِ ) يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْقِرَانِ .
وَمِنْهَا أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ ، وَيُسْتَحَبُّ ( تَأْخِيرُهَا ) لِيَوْمِ النَّحْرِ .
تَنْبِيهٌ : مَنْ أَمَرْنَاهُ بِالتَّأْخِيرِ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ لَمْ يَعْصِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّأْخِيرِ ، وَقَدْ أَحْسَنَ ( بِالِامْتِثَالِ ) فَكَيْفَ يَعْصِي ؟ وَكَذَا مَنْ جُوِّزَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي فِي الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمُرُ كَالْحَجِّ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي حَرْفِ الْمِيمِ .
فَائِدَةٌ : قَالَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لَيْسَ لَنَا أَحَدٌ يُقْتَلُ بِتَرْكِ عِبَادَةٍ إذَا صَحَّ مُعْتَقَدُهُ إلَّا الصَّلَاةَ فَقَطْ ؛ لِشَبَهِهَا بِالْإِيمَانِ ، وَلَمَّا كَانَ تَارِكُ الْإِيمَانِ مَقْتُولًا فَكَذَلِكَ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ .
ضَابِطٌ : لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا سِوَى الْفَارِّ مِنْ ( الزَّحْفِ ) بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ يَجُوزُ ، وَإِذَا تَحَيَّزَ إلَيْهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ مَعَهَا فِي الْأَصَحِّ .
الْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ ( وَجْهَانِ ) الْأَصَحُّ الثَّانِي .
وَلِهَذَا لَوْ ( اقْتَدَى ) شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوْ افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِقَادَ الْإِمَامِ ؛ لِأَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ أُحِدُّهُ ، وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ فِيهَا ( تَرَافُعٌ ) إلَى الْحَاكِمِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا عَقِيدَةُ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِخِلَافِ عَقِيدَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ رَأَى الْجَلَّادُ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ ( بِالْعَبْدِ ) وَالْإِمَامُ يَرَاهُ فَأَمَرَهُ بِهِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ فَوَجْهَانِ ، وَفِي الْحُدُودِ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ الْمَنْعُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ فِي الْقَسَامَةِ : الْقَوَدُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ التَّعْزِيرُ ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ ، لَكِنْ فِي الشَّامِلِ وَتَعْلِيقِ أَبِي الطَّيِّبِ ( الْوُجُوبُ ) .
وَلَوْ انْعَكَسَ الْأَمْرُ فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَجَهِلَ فَعَنْ الْعِرَاقِيِّينَ إنْ ( بَقِيَ وَجَبَ ) ، هُنَا وَإِلَّا فَلَا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي الْمَنْعُ .
وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَعْتَقِدُ الْآمِرُ حِلَّهُ ، وَالْمَأْمُورُ تَحْرِيمَهُ فَهَلْ لَهُ فِعْلُهُ نَظَرًا إلَى رَأْيِ الْآمِرِ أَوْ ( يَمْتَنِعُ ) نَظَرًا إلَى رَأْي الْمَأْمُورِ ، وَخَصَّ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ الْخِلَافَ بِمَا لَا ( يَنْتَقِضُ ) حُكْمُ ( الْآمِرِ ) بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ ( حُكْمُهُ ) بِهِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا طَاعَةَ لِجَهَلَةِ الْمُلُوكِ ( وَالْأُمَرَاءِ ) إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الشَّرْعِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَا لَوْ كَانَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مُسَافِرَيْنِ ، وَنَوَى الْحَنَفِيُّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ
يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَنَفِيِّ الْقَاصِرِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا نَوَى الْقَصْرَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ مُقِيمٌ .
وَمِنْهَا : لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُكَبِّرُ ( لِلْعِيدِ ) ثَلَاثًا أَوْ سِتًّا فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ ، إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ ( فِي ) يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَالْمَأْمُومُ لَا يَرَى التَّكْبِيرَ فِيهَا ، وَعَكْسُهُ فَهَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّكْبِيرِ ( وَتَرْكِهِ ) ( أَمْ ) يَتْبَعُ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : ( يَتْبَعُ ) اعْتِقَادَ نَفْسِهِ .
الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا أَيْ : هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ( بِطَرِيقِ ) التَّضَمُّنِ ؟ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : ( الْأَوَّلُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ قَطْعًا .
كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ ( بُنِيَ ) عَلَى التَّعَبُّدِ ( بِصِيغَتَيْ ) الْإِنْكَاحِ ( وَالتَّزْوِيجِ ) دُونَ مَا يُؤَدِّي ( لِمَعْنَاهُمَا ) .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ : قَبِلْت وَلَمْ يَذْكُرَا ثَمَنًا فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ قَطْعًا ، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْمَعْنَى حَتَّى يَصِحَّ هِبَةً عَلَى وَجْهٍ .
( الثَّانِي ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فِي الْأَصَحِّ .
فَمِنْهَا : لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي ( هَذَا ) الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا ؛ لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ ، وَلَا بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ ؛ ( لِإِخْلَالِ ) اللَّفْظِ ، فَإِنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةِ ، وَالدَّيْنِيَّةُ مَعَ التَّعْيِينِ يَتَنَاقَضَانِ ، وَقِيلَ : بَيْعٌ ( لِلْمَعْنَى ) .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، فَقَالَ : بِعْتُك فَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ بَيْعٌ ؛ نَظَرًا ( لِلَّفْظِ ) ، وَقِيلَ : سَلَمٌ نَظَرًا ( لِلْمَعْنَى ) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ .
وَمِنْهَا قَالَ : بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ فَلَيْسَ بَيْعًا ، وَفِي انْعِقَادِهِ هِبَةً قَوْلَا تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَمِنْهَا تَعَاقَدَا فِي الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ فَقَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ ( مُدَّةَ ) كَذَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ، فَقِيلَ : تَصِحُّ إجَارَةً ؛ نَظَرًا لِلْمَعْنَى ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا ( فَاسِدَةٌ ) ؛ نَظَرًا لِلَّفْظِ ( وَعَدَمِ وُجُودِ ) شَرْطِ الْمُسَاقَاةِ ؛ إذْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِدَرَاهِمَ .
( الثَّالِثُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى ( قَطْعًا ) .
( الرَّابِعُ ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى فِي الْأَصَحِّ .
فَمِنْهَا إذَا ( وَهَبَ ) بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ
تَبْطُلُ لِمُنَاقَضَتِهِ أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ هِبَةً اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ أَوْ بَيْعًا بِالثَّمَنِ ؟ ( الْأَصَحُّ ) الثَّالِثُ .
وَمِنْهَا يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَصَحِّ ؛ ( نَظَرًا لِلْمَعْنَى ) .
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ ( بِالْفَسَادِ ) عَلَى الْمَشْهُورِ كَبِعْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوْ الْمَعْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ ، فَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ ؛ لِاشْتِهَارِ السَّلَمِ فِي بُيُوعِ الذِّمَمِ ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا ، وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا فَإِذَا ( أَوْقَعَ ) فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ لَفْظَ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ قَبْضُ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ قَطْعًا ، وَإِنْ ( أَوْقَعَ ) لَفْظَ الْإِجَارَةِ فَوَجْهَانِ : ، وَالْأَصَحُّ : اعْتِبَارُ الْمَعْنَى ( كَمَا فِي ) الْهِبَةِ ، وَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ ( بَيْعًا فِي الْأَصَحِّ ) ؛ لِتَعَادُلِ الْمَعْنَى وَالصِّيغَةِ ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ فَيَنْعَقِدُ بَيْعًا .
الْعَدَالَةُ هَلْ ( تُتَحَرَّى ) فِيهِ خِلَافُ فَائِدَتِهِ إذَا زُكِّيَ ، وَقَدْ شَهِدَ بِقَلِيلٍ ثُمَّ شَهِدَ بِكَثِيرٍ هَلْ تَكْفِي التَّزْكِيَةُ فِي الْقَلِيلِ ؟ وَجْهَانِ ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْأُصُولِيُّ فِي تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ .
الْعَدَالَةُ : شَرْطٌ فِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ ؛ لِيَدْفَعَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَتْ ( بِشَرْطٍ ) فِي ( نَظَرِهِ ) لِمَصَالِحِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى ( جَلْبِهِ ) مَصَالِحَ نَفْسِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ ( وَازِعًا ) .
نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ الرُّشْدُ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ فِي دَوَامِهَا فَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ فِي الْأَصَحِّ ، وَيَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ ، ( وَيُرَدُّ ) مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يُرَدُّ ( مِنْهُ ) ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ ؛ ( دَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ ) عَنْ الرَّعَايَا ؛ وَجَلْبًا لِمَصَالِحِهِمْ .
الثَّانِيَةُ : مَا يَكُونُ الطَّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْعَدَالَةِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَعَدَالَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَالْحَضَانَةِ ، إذَا قُلْنَا : الْفَاسِقُ يَلِي ؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْوَلِيِّ ( وَالْحَاضِنِ ) يَحُثَّانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ .
الْعُذْرُ الْعَامُّ كَفَقْدِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ ، وَكَذَا النَّادِرُ الدَّائِمُ غَالِبًا ، كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهِ .
وَالنَّادِرُ الَّذِي لَا يَدُومُ ، وَلَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ الْمَجْرُوحُ إذَا وَضَعَ اللُّصُوقَ عَلَى جُرْحِهِ عَلَى الْحَدَثِ ، وَتَعَذَّرَ نَزْعُهُ ، وَصَلَّى فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَلَا بَدَلَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ ( مِمَّا ) يَدُومُ .
وَمِنْ الثَّانِي : الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ السِّلَاحُ وَعَجَزَ عَنْ إلْقَائِهِ فَصَلَّى ، وَهُوَ حَامِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْأَظْهَرِ .
وَمِنْهُ : الْخَائِفُ مِنْ ( سَبُعٍ ) إذَا صَلَّى مُومِئًا لَا يَقْضِ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ ، لَكِنْ قَالَ ( الشَّافِعِيُّ ) : إنَّهُ خَائِفٌ ، وَجِنْسُ الْخَوْفِ عَامٌّ .
وَمِنْهُ : لَوْ مُنِعَ الْوُضُوءَ إلَّا مُنَكَّسًا فَهَلْ يَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ : وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .
وَلَوْ تَنَاثَرَ الْوَرَقُ بِرِيَاحِ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْمُجَاوَرَةَ وَالْمُخَالَطَةَ ، وَمَنْ اعْتَبَرَ الصَّوْنَ ، وَتَيَسُّرَهُ اخْتَلَفُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ مُؤَثِّرٌ ( وَمَا ) يَنْدُرُ وُقُوعُهُ إذَا وَقَعَ فَفِي إلْحَاقِهِ بِالْعُذْرِ الْعَامِّ وَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ .
فَائِدَتَانِ : الْأُولَى : أَنَّ الْعُذْرَ الْعَامَّ أَدْخَلُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ مِنْ الْخَاصِّ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ أَجْزَأَهُمْ ، وَلَا قَضَاءَ ، وَلَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ وَجَبَ ، وَالْإِحْصَارُ الْعَامُّ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ
وَالْإِحْصَارُ الْخَاصُّ يُوجِبُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْعُذْرَ كَمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ يَحْصُلُ الثَّوَابُ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ الْفِعْلَ عَلَى الدَّوَامِ .
وَلِهَذَا الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ [ اللَّهُ ] لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا } .
نَعَمْ الْحَائِضُ لَا يُكْتَبُ لَهَا ( ثَوَابُ الصَّلَاةِ ) زَمَنَ الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنَّ نِيَّتَهُمَا الْفِعْلُ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا لَهُ ، وَالْحَائِضُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ نِيَّتَهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا ( فَنَظِيرُهَا ) مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي وَقْتٍ ، وَيَتْرُكُهَا فِي آخَرَ غَيْرُ نَاوٍ لِلدَّوَامِ عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِلُ فِيهِ .
الْعُرْفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْحَقَائِقُ ثَلَاثَةٌ : لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَعُرْفِيٌّ وَاللَّا عُرْفِيُّ تَارَةً يَكُونُ عَامًا وَتَارَةً يَكُونُ خَاصًّا ، ثُمَّ تَارَةً تَتَّفِقُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ فَإِنْ اتَّفَقَتْ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ ( فَإِنَّ ) اسْمَهُ بِذَلِكَ ( مِمَّا ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَقَائِقُ الثَّلَاثُ .
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ ، وَتَعَارَضَتْ فَلَهَا أَحْوَالٌ الْأُولَى : ( أَنْ ) يَتَعَارَضَ الْعُرْفُ مَعَ الشَّرْعِ وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَرَّرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ ( بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ ) ، وَإِنْ ( سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ) لَحْمًا ، أَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَإِنْ ( سَمَّاهَا ) اللَّهُ ( تَعَالَى ) بِسَاطًا .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ فِي الشَّمْسِ ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَعَدَ تَحْتَ السَّمَاءِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ ( تَعَالَى ) سَقْفًا ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ فَوَضَعَهَا عَلَى ( جَبَلٍ ) ( لَمْ يَحْنَثْ ) ، وَإِنْ سَمَّى اللَّهُ الْجِبَالَ أَوْتَادًا .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً فَأَكَلَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا مَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ ( سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْتَةً ) أَوْ لَا يَأْكُلُ دَمًا فَأَكَلَ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا .
وَوَجْهُهُ فِي الْكُلِّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُسَمُّونَهَا ( بِذَلِكَ ) فَقُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا تَكْلِيفٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا نَوَاهُ وَفَعَلَهُ قَالَ ( اللَّهُ ) تَعَالَى { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ
الْأَيْمَانَ } أَيْ : قَصَدْتُمْ ، وَعَقْدُ الْقَلْبِ : قَصْدُهُ وَتَصْمِيمُهُ .
نَعَمْ لَوْ تَقَاطَرَ مِنْ الْكَبِدِ ( أَوْ الطِّحَالِ ) دَمٌ فَأَكَلَهُ حَنِثَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَمًا .
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ تُؤْكَلُ مُتَّصِلَةً ، وَلَا تُؤْكَلُ مُنْفَصِلَةً إلَّا هَذِهِ وَدُودُ الْفَاكِهَةِ وَالرَّوْثُ فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ ، وَفِي ( الْجَرَادِ ) ، وَقِشْرُ الْبَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مُنْفَصِلًا ، وَيَحِلُّ ابْتِلَاعُ الْبَيْضَةِ بِقِشْرِهَا .
وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مِنْ الْجَمَادِ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا جُزْءٌ يَصِيرُ نَجَسًا إلَّا دَمَ الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ، فَإِذَا انْفَصَلَ صَارَ نَجِسًا فِي الْأَصَحِّ ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ دَمًا .
النَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعُرْفِ الشَّرْعِ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ التَّسْبِيحِ .
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا ( بِالْإِمْسَاكِ ) بِالنِّيَّةِ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ وَلَا يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ ، وَإِنْ كَانَ صَوْمًا لُغَةً ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْعُرْفِ لَا يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْوَطْءِ .
وَلَوْ قَالَ : ( إنْ ) رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرُهَا وَعَلِمَتْ بِهِ طَلُقَتْ حَمْلًا ( لَهُ ) عَلَى الشَّرْعِ ، فَإِنَّهَا فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ .
وَمِنْ ذَلِكَ : لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ هَازِلًا نَفَذَتْ وَصَحَّتْ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَنِكَاحًا وَطَلَاقًا ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَفِي الْحَدِيثِ { ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ } ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثَّلَاثِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا ، وَأَوْلَى مِنْهَا ( كَمَا ) قَالَ تَعَالَى : { قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } { لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ } فَمَنْ تَكَلَّمَ
بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ كَفَرَ ، وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ ( مَازِحًا ) وَلَمْ يَقْصِدْ السَّرِقَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا } .
وَهُنَا تَنْبِيهٌ : وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ قُدِّمَ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ ( تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ ) وَعَدَمِ ( النَّقْلِ ) ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ سِرًّا فَنِكَاحُ السِّرُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ : الْوَطْءُ سِرًّا دُونَ الْعَقْدِ ، وَفِي الشَّرْعِ أَدْنَى مَرَاتِبِ ( نِكَاحِ ) السِّرِّ أَنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ، فَإِنْ عَقَدَ بِوَلِيٍّ وَثَلَاثَةِ شُهُودٍ خَرَجَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ ، وَلَمْ يَحْنَثْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ ( مُخَالِفٌ لِلسِّرِّ ) فِي اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لُغَةً مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ شَخْصًا وَاحِدًا .
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ قَاعِدَةٌ أُخْرَى : وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا أَمْ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الشَّرْعِ ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِهِمْ ( فِيهَا وَجْهَانِ ) ، وَالْأَصَحُّ : اعْتِبَارُ خُصُوصِ الشَّرْعِ .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ ، وَمَا وَقَعَ فِي ( زَوَائِدِ ) الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحِنْثِ مَمْنُوعٌ ، بَلْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلَى مُقْتَضَى مَا رَجَّحَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ ، فَهَذَا عَامٌّ وَلَكِنْ فِي الشَّرْعِ { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَدْخُلُونَ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ وَلِلرَّافِعِيِّ بَحْثٌ فِيهِ .
وَمِنْهَا : ( لَوْ ) حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يُخَالِطُ الْمَاءَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ لَا يَحْنَثُ .
وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي الْمَاءَ ، فَاشْتَرَى لَهُ الْوَكِيلُ هَذَا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ ، حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ ، فَإِنْ قِيلَ : هُوَ فِي الْعُرْفِ يُسَمَّى مَاءً ، قُلْنَا : الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ ، أَمَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا هَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً قَدْ تَنَجَّسَ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ ؛ لِقِلَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ قُلْنَا : مُطَلَّقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ فَيَجِيءُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ حُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ ، فَإِنَّهَا الشَّرْعِيَّةُ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ { إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا } دُونَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت ( الدَّمَ ) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ تَعَارُضُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ .
فَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَةَ ( وَجْهَيْنِ ) فَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ : إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ ، وَالدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوْلَى ، وَاللَّفْظُ مَتَى كَانَ مُطْلَقًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ .
الثَّانِي : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ ( مُحْكَمٌ ) فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ .
قَالَ فَلَوْ ( دَخَلَ ) دَارَ صَدِيقِهِ فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ فَقَالَ : إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ ، وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَقَدَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ ( انْتَهَى ) .
وَأَقُولُ اللُّغَةُ تَارَةً يَعُمُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَتَارَةً يَخُصُّ اسْتِعْمَالُهَا ، وَتَارَةً يُقَيَّدُ فِي إطْلَاقِهِمْ فَإِنْ عَمَّتْ اللُّغَةُ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ هَذَا مَذْهَبُ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّوسَ ، ( وَقَالَ ) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ : إنْ تَطَابَقَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ فَذَاكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ ( اعْتِبَارَ ) الْعُرْفِ .
( وَيَنْبَنِي ) عَلَى هَذَا قَاعِدَةٌ : ( وَهِيَ ) إذَا عَارَضَ اللُّغَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ عُرْفٌ خَاصٌّ وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ : يُرَاعِي عُرْفَ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرْفَ الْحَالِفِ ، وَإِنْ شِئْت فَقُلْ : هَلْ يُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّفْظِ أَوْ عُرْفُ اللَّافِظِ ؟ ( أَوْ : أَنَّ ) الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الْعَامَّ ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ بِفُرُوعِهَا فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ
أَوْ مَاءً حَنِثَ بِالْعَذْبِ وَالْمِلْحِ ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِالْمِلْحِ ( ، وَإِنْ لَمْ ) يَعْتَدْ شُرْبَهُ ( اعْتِبَارًا ) بِالْإِطْلَاقِ وَالِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ .
وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَاصُّ لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَجْهٌ ( أَلْبَتَّةَ ) ( فَالْمُعْتَبَرُ ) اللُّغَةُ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَنَظَائِرِهَا .
وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا ( أَوْ لَا ) يَسْكُنُهُ فَاسْمُ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَى الْمَبْنِيِّ بِالطِّينِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ ( سُمِّيَ ) بَيْتًا ؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ ، كَمَا قَالَهُ ( الزَّجَّاجُ ) فِي تَفْسِيرِهِ .
ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَدْوِيًّا حَنِثَ بِكُلٍّ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمُّونَهُ بَيْتًا ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَوَجْهَانِ بِنَاءً ( عَلَى الْأَصْلِ ) الْمَذْكُورِ ( ، وَإِنْ ) اعْتَبَرْنَا الْعُرْفَ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ اسْمِ الْبَيْتِ هُوَ الْمَبْنِيُّ ، ، وَأَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ ( يُسَمُّونَهُ ) بَيْتًا ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ ثَبَتَ عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَرَدُّهُ عَلَى التَّعْمِيمِ ؛ عَمَلًا بِاللُّغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ .
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَام بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } وَفِي الْحَدِيثِ { لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إلَّا دَخَلَهُ الْإِسْلَامُ } وَمِنْهَا : حَلَفَ ( أَنْ ) لَا يَأْكُلَ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأُرْزِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَعَارَفُونَ أَكَلَ ( خُبْزِ ) الْأُرْزِ ، كَمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ ؛ لِأَنَّ خُبْزَ الْأُرْزِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لُغَةً فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ثُمَّ ( إنَّ ) أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْخُبْزِ عَلَى مَا ( يَجِدُونَهُ )
عِنْدَهُمْ ، وَذِكْرُ ( بَعْضِ ) أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَخُصُّ ( إذْ ) الْخُبْزُ ( لُغَةً ) اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُخْبَزُ ( أَوْ يَنْضَجُ ) بِالنَّارِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : أَعْطُوهُ بَعِيرًا لَمْ يُعْطَ نَاقَةً عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : نَعَمْ ؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا لُغَةً ، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ دَابَّةً أُعْطِيَ ( فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا ) عَلَى الْمَنْصُوصِ ، لَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا ، وَإِنْ كَانَ ( ذَلِكَ يُطْلَقُ ) عَلَيْهَا لُغَةً ، وَقِيلَ : إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرً لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا الْفَرَسَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) قَالَ : ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الدَّابَّةَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي بِغَيْرِ مِصْرَ لَمْ يُعْطَ إلَّا الْفَرَسَ ، وَإِنْ تَخَصَّصَتْ اللُّغَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ ، وَهُجِرَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِهَا ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا نَادِرًا أَوْ صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا ، فَالْمُقَدَّمُ الْعُرْفُ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يُزَايِلُ بَائِضَهُ أَيْ : يُفَارِقُهُ فِي الْحَيَاةِ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ .
وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَحْنَثُ بِمَا يُبَاعُ ( مُفْرَدًا ) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ دُونَ رَأْسِ الْعَصَافِيرِ ( وَالْحِيتَانِ ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الرُّءُوسِ الَّتِي تُؤْكَلُ عَادَةً وَهِيَ مَشْوِيَّةٌ أَوْ الْمَصْلُوقَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَارَضْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ ، بَلْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّسْمِيَةِ .
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَوْ قَالَ : زَوْجَتِي طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقُ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ ، وَإِنْ كَانَ ( وَضْعُ ) اللُّغَةِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ الْأَلِفُ
وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ .
وَلَوْ أَوْصَى ( لِلْقُرَّاءِ ) فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِيهِ وَجْهَانِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْوَضْعِ ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ، وَهَذَا لَفْظُ الرَّافِعِيِّ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى ( لِلْفُقَهَاءِ ) فَهَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافِيُّونَ الْمُنَاظِرُونَ ، قَالَ : ( وَيَحْتَمِلُ ) وَجْهَيْنِ ؛ لِتَعَارُضِ الْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ .
تَنْبِيهٌ : مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ اللَّفْظِ أَوْ اللَّافِظِ ( هُوَ فِي اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ فَيُعْتَبَرُ وَضْعُهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، فَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ فَيُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّافِظِ ) إذْ لَا وَضْعَ هُنَاكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْبَيْتِ بِالْفَارِسِيَّةِ : لَا يَحْنَثُ بِبَيْتِ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ ( إذْ ) لَمْ يَثْبُتْ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُ فِي عُرْفِ الْفَارِسِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرَهَا طَلُقَتْ إنْ عَلَّقَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ نَصَّ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الْبَصِيرُ ، وَالْأَعْمَى ، وَادَّعَى أَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ فِي حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ .
وَمَنَعَ الْإِمَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ ( مَا يَسْكُنُهُ ) بِإِجَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَارِسِيَّةِ حُمِلَ عَلَى ( الْمَسْكَنِ ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، بَلْ مَادَّةُ الْفَرْقِ ( تُعْلَمُ مِمَّا ) ذَكَرْنَا .
الْحَالَةُ ( الثَّالِثَةُ ) تَعَارُضُ الْعُرْفِ الْعَامِّ ( وَالْخَاصِّ ) ، فَإِنْ كَانَ ( الْخُصُوصُ ) مَحْصُورًا لَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَادَةُ امْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ أَقَلَّ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ ( عَادَةِ ) النِّسَاءِ رَدَّتْ إلَى الْغَالِبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : تَعْتَبِرُ عَادَتَهَا .
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ ، كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِحِفْظِ ( زُرُوعِهِمْ ) لَيْلًا وَمَوَاشِيهِمْ نَهَارًا فَهَلْ يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ ؟ فِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
الْبَحْثُ الثَّانِي : إذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ هَلْ يَطَّرِدُ فِي سَائِرُ النَّوَاحِي كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتَ الشَّعْرِ حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي عُرْفِ الْبَادِيَةِ ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ حَنِثَ ، وَقِيلَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ ؛ لِاعْتِيَادِهِمْ أَكْلَهُ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ ، وَعَادَةُ بَلَدٍ بَيْعُ رُءُوسِ الْحِيتَانِ وَالصَّيُودِ مُنْفَرِدَةً حَنِثَ بِأَكْلِهَا هُنَاكَ ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : الْحِنْثُ ، وَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ ( قَوْمٍ ) .
وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْأَصَحِّ ، وَهَلْ ( يَخُصُّ ) أَهْلَ الْبَادِيَةِ أَمْ يَعُمُّ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ ، وَخَرَجَ عَنْ هَذَا صُوَرٌ : إحْدَاهَا : إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً ( لَمْ ) يَحْنَثْ بِالْحِمَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُطَّرِدًا بِتَسْمِيَتِهِ دَابَّةً .
الثَّانِيَةُ : لَوْ اشْتَهَرَ فِي بِلَادٍ اسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً أَوْ صَرِيحًا وَجْهَانِ ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَهُوَ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ ، قِيلَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَلَفَّظَ ( بِهِ ) أُجْرِيَ عَلَيْهِ عُرْفُ بَلَدِهِ لَا عُرْفُ مَوْضِعِ الْحَلِفِ .
الثَّالِثُ : إذَا عَمّ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ بِشَيْءٍ فَهَلْ يُجْعَلُ عُمُومُ الْعُرْفِ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ سَبَقَ فِي بَحْثِ ( الْعَادَةِ ) .
الرَّابِعُ : إذَا وَجَدْنَا اسْمًا مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ وَاشْتَهَرَ الْعُرْفُ بِأَحَدِ مَدْلُولِيهِ ، فَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ أَمْ اللُّغَةُ ؟ ( يَتَخَرَّجُ ) فِيهِ خِلَافٌ ( مِمَّا ) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدُمُ زَيْدٌ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ ( الْفَجْرِ ) إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .
وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الزَّمَانِ .
( وَالضَّابِطُ ) فِي هَذَا أَنَّهُ ( إنْ ) كَانَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ أَشْهَرَ فِي اللُّغَةِ وَوَافَقَهُ الْعُرْفُ قُدِّمَ ، وَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفَ قُدِّمَ ؛ لِتَرْجِيحِهِ بِالْمَدْلُولِ الْآخَرِ .
( الْخَامِسُ ) قَالَ الْفُقَهَاءُ : كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا ، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا فِي اللُّغَةِ يَحْكُمُ فِيهِ الْعُرْفُ وَمَثَّلُوهُ ( بِالْحِرْزِ ) فِي السَّرِقَةِ ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ، وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ عَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ ، الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ .
وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ ( نَاحِيَتِهِ ) فَمَا عَدُّوهُ حِرْزًا فَالْمَالُ مُحَرَّزٌ وَمَا لَا فَلَا ، وَمِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالْمُقَارِنَةِ لِلتَّكْبِيرَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ : إنَّهَا تُبْنَى أَوَّلًا عَلَى اللُّغَةِ ثُمَّ عَلَى الْعُرْفِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ ( الْعُرْفُ ) الشَّرْعِيُّ ثُمَّ الْعُرْفِيُّ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي ( تُسْتَنْبَطُ ) مِنْهَا الْأَحْكَامُ فَيُقَدَّمُ ( فِيهَا ) الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ ، كَبَيْعِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ فَإِنَّهُ نَافِذٌ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يُنَفِّذُونَهُ ، وَيُقَدَّمُ الْعُرْفِيُّ فِيهِمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ طَارِئٌ عَلَى اللُّغَةِ فَهُوَ كَالنَّاسِخِ .
وَهُنَا تَنْبِيهَانِ " : الْأَوَّلُ : إنَّهُمْ لَمْ يَجُرُّوا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعُرْفِ فِيمَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا ( فِي ) اللُّغَةِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ ، وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ بَيْعًا ، وَكَمَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِصْنَاعِ الصُّنَّاعِ الْجَارِيَةِ عَادَتُهُمْ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا ( إذَا ) لَمْ يَشْرِطُوهُ ،
وَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَنَاصِيصِ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، ( وَكَذَلِكَ ) إذَا أَوْجَبْنَا الْمُوَالَاةَ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ فِي ضَبْطِهَا لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَجِفُّ فِيهَا الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ ، ( وَكَذَلِكَ ) إذَا أَوْجَبْنَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى ( بَاطِنِ ) الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لَا يُرْجَعُ فِي ضَبْطِ الْخِفَّةِ لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِمَا تُرَى مِنْهُ الْبَشَرَةُ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ .
وَمِنْهَا الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ ( تُعْفَى ) عَنْ الْإِحْضَارِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَرْجِعُوا فِي ( ضَبْطِ ) التَّخْدِيرِ لِلْعُرْفِ ، وَاخْتَلَفُوا ( هُمْ فِيهِ ) : فَقِيلَ : مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِلْحَاجَاتِ ، وَقِيلَ : مَنْ لَا تَحْضُرُ الْأَعْرَاسَ ، ( وَقِيلَ : ) غَيْرُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : سَكَتُوا عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ عَلَى الْإِجْمَالِ ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : عَلَيَّ مَالٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِ تَحْدِيدٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ ، فَيَبْقَى عَلَى إجْمَالِهِ وَيَرْجِعُ إلَى ( الْمُقِرِّ ) فِي بَيَانِهِ .
وَأَمَّا مَالِكٌ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فَقَالَ أَقَلُّ ( مَالٍ ) يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ نِصَابُ الزَّكَاةِ ( فَأَلْزَمَهُ ) بِهِ ، وَعُورِضَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ ، وَلِهَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ .
( السَّادِسُ ) الْعُرْفُ تَارَةً يَكُونُ قَوْلِيًّا وَتَارَةً ( يَكُونُ ) فِعْلِيًّا ( وَفَرْقٌ ) بَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمُسَمَّى ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ بِفِعْلِ هَذَا الْمُسَمَّى ، وَالْأَوَّلُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ ، وَالثَّانِي الْفِعْلِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا ، بَلْ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ، وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ لَهَا ( فَيُخَصِّصُهَا ) وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا .
وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ : أَنَّ السُّلْطَانَ مَثَلًا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ لَبِسَ الْكِرْبَاسَ يَحْنَثُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ تَنَاوُلِهِ ، وَلَوْ حَلَفَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ السَّمَكِ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الرُّءُوسَ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ( التَّخْصِيصَيْنِ ) مَا ذَكَرْنَا .
( السَّابِعُ ) أَنَّ الْعُرْفَ الَّذِي تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ ( أَوْ ) السَّابِقُ ، وَأَغْرَبُ مَنْ حَكَى فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ قَوْلَيْنِ .
وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ تَرْكُ الدُّرُوسِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ ، ( فَكُلُّ ) مَدْرَسَةٍ وُقِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ ( وَاقِفُهَا ) لِذَلِكَ يَنْزِلُ لَفْظُهُ عَلَى الْعَادَةِ ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ قَبْلَ هَذِهِ الْعَادَةِ أَوْ مَا شَكَّ فِيهِ هَلْ هُوَ قَبْلَهَا فَلَا يَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ : مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَيْثُ لَا ( نَصَّ ) مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ ( الِاشْتِغَالَ ) فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَمَا يَقَعُ مِنْهَا قَبْلَهُمَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَدَارِسِ وَالْأَمَاكِنِ فَإِنْ ( اتَّفَقَ ) ( بِهَا ) عُرْفٌ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ، ( وَاشْتُهِرَ ) غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَيَجْرِي فِيهَا فِي ذَلِكَ ( الْبَلَدِ ) الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ هَلْ يَنْزِلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ انْتَهَى .
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْبَطَالَةَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ إلَى آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْعُرْفُ بِهَا مُسْتَمِرٌّ ( شَائِعٌ ) وَالْمُضْطَرِبُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ : كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهَا ( ، وَأَوْجَبَ ) رَدُّ مَنْ حَمَلَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : هِيَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الْعَادَةَ اسْتَمَرَّتْ قَدِيمًا ، بِأَنَّهَا تُبَدَّلُ كُلَّ سَنَةٍ ، وَيَأْخُذُ بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الْعَتِيقَةَ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا ( بِالْبَيْعِ ) وَغَيْرِهِ ، وَيُقِرُّهُمْ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، فَلَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِهِ .
( وَأَمَّا بَعْدَ
مَا اتَّفَقَ ) فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وَقْفِ الْإِمَامِ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يُصْرَفَ رِيعُهَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَلَا تَرَدُّدَ فِي الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ ( الْعَادَةِ ) وَالْعِلْمِ بِهَا فَيَنْزِلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا ، قُلْت : وَالْأَشْبَهُ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا سَدَنَتُهَا ، إلَّا بِالتَّصْرِيحِ .
قُلْت : وَثَالِثَةٌ : وَهِيَ الْأَوْقَافُ الْقَدِيمَةُ الْمَشْرُوطُ نَظَرُهَا لِلْحَاكِمِ ، وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا ، وَيَسْتَنِيبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ثُمَّ إنَّ ( الْمَلِكَ الظَّاهِرَ ) أَحْدَثَ الْقُضَاةُ ( الثَّلَاثَةُ ) سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، فَمَا كَانَ مَوْقُوفًا قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْعُرْفِ اخْتَصَّ نَظَرُهُ بِالشَّافِعِيِّ ، وَلَا يُشَارِكُهُ ( فِيهِ ) غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ حَادِثٌ ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ النَّظَرِ بَعْدَ هَذَا الْعُرْفِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ ؛ لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ غَالِبًا لَا يَفْهَمُونَ عِنْدَ إطْلَاقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ لَا سِيَّمَا مَعَ قَرِينَةِ أَنَّ نَظَرَ الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ .
الثَّامِنُ : ذَكَرَ الْإِمَامُ فِيمَا لَوْ شَدَّ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ خَيْطًا لَا فِدْيَةَ ، وَلَوْ شَدَّ عِصَابَةً عَرِيضَةً افْتَدَى ، قَالَ : وَلَيْسَ مَعَنَا تَوْقِيفٌ نَتْبَعُهُ ، وَالْقَصْدُ ( مَا ) يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَاتِرًا لِلرَّأْسِ أَوْ لِبَعْضِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ ، ( وَلِذَلِكَ ) يَقَعُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إحَالَةً عَلَى ( مَا يَبْتَدِرُهُ ) إفْهَامُ الْفَاهِمِينَ فِي عَادَاتِ التَّخَاطُبِ ، قَالَ : وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ الْعِنَايَةُ إلَى مِثْلِهِ ، وَلَا ( يَحِلُّ ) لِلْمُرَاجَعِ أَنْ يُحِيلَ الْجَوَابَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَفْتَى وَيَرُدَّهُ إلَى ( حُكْمِ ) الْعَادَةِ .
الْعَزْمُ عَلَى الْإِبْطَالِ مُبْطِلٌ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ ) نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِمُنَافَاةِ مُوجِبِهَا ، وَهُوَ الدَّوَامُ ، وَقِيلَ : لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ وَلَهُ رَفْضُهُ .
وَمِثْلُهُ لَوْ خَطَا فِي الصَّلَاةِ خُطْوَةً ، وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَخْطُو ثَلَاثًا بَطَلَتْ فِي الْحَالِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ ، أَمَّا لَوْ نَوَى أَنْ ( يَفْعَلَ ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مُبْطِلًا ، كَالْكَلَامِ فَلَا تَبْطُلُ قَطْعًا ؛ ( لِأَنَّهُ جَازِمٌ ، وَالْجَزْمُ فِعْلُ الْمُنَافِي ) وَلَمْ يُوجَدْ ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَإِذَا نَوَى قَطْعَ الصَّوْمِ ( أَوْ الِاعْتِكَافِ ) ( فَالْأَصَحُّ ) لَا يَضُرُّ كَالْحَجِّ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَبْطُلُ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَوْ يَمْضِي قَدْرَ فِطْرِهِ ؟ وَجْهَانِ .
الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَقَدْتُ الْحَبْلَ إذَا جَمَعْتُ أَجْزَاءَهُ ( جَمْعًا ) خَاصًّا ، ( ثُمَّ نُقِلَ إلَى الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ مَجَازًا ) ، وَهُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ تَسْمِيَةِ ( الْمَفْعُولِ ) بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبِ الْأَمِيرِ ثُمَّ نُقِلَ شَرْعًا إلَى ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ الِالْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا .
وَلِلْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ اعْتِبَارَاتٌ الْأَوَّلُ : بِاعْتِبَارِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ ، وَعَدَمِهِ إلَى ضَرْبَيْنِ : عَقْدٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَاقِدُ ، وَعَقْدٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُتَعَاقِدَيْنِ .
فَالْأَوَّلُ عَقْدُ التَّدْبِيرِ ( وَالنُّذُورِ ) وَالْيَمِينِ وَالْوُقُوفِ ، إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهِ وَالصَّلَاةُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَإِنَّمَا هُمَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ .
وَالثَّانِي : يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالصُّلْحِ وَالْحَوَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهِبَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالْخُلْعِ .
الثَّانِي : لَازِمٌ فِيهِمَا فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ .
الثَّالِثُ : جَازَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ ، وَالْقَرْضِ وَالْجَعَالَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْعَمَلِ .
الرَّابِعُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ قَطْعًا كَالْكِتَابَةِ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ ، وَكَذَا الرَّهْنُ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ بَعْدَ الْقَبْضِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَهِنِ ، وَالضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ دُونَ الضَّامِنِ ، ( وَكَعَقْدِ الْأَمَانِ ) جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمَّنِ لَهُ نَبْذُهُ مَتَى شَاءَ ، وَيَصِيرُ حَرْبِيًّا لَمَّا يَبْلُغَ الْمَأْمَنَ ، وَلَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمِّنِ لَا يَجُوزُ لَهُ نَبْذُهُ ، إلَّا بِأَنْ يَظْهَرَ ( لَهُ خِيَانَتُهُ ) فَيَنْبِذُهُ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي ( الْحُسَيْنُ ) وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ .
ثُمَّ هَذَا قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْقَابِلِ كَمَا ( ذَكَرْنَا ) ، وَعَكْسُهُ وَيُتَصَوَّرُ فِي الْهِبَةِ لِلْأَوْلَادِ .
الْخَامِسُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ ، كَالنِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَفِي الزَّوْجِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : جَائِزٌ ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ ، ، وَأَصَحُّهُمَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لَيْسَتْ ( تَجَوُّزًا إنَّمَا ) هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَوَازُ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ : إنَّهُ الصَّحِيحُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَسَّمَهَا كَمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ
إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : - مَا لَا يَلْزَمُ وَلَا يُفْضِي إلَى اللُّزُومِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةُ ، وَالْخِيَارُ فِيهَا مُؤَبَّدٌ .
وَلَوْ شَرَطَا إسْقَاطَهُ بَطَلَتْ .
- وَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْحَالِ وَيُفْضِي إلَى اللُّزُومِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْجَعَالَةُ ، وَالْعِتْقُ بِعِوَضٍ ، وَاسْتِهْلَاكُ الْمَالِ ( بِالضَّمَانِ ) ، كَقَوْلِهِ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ ، وَالْقَرْضُ ، وَالْهِبَةُ .
فَيَكُونُ الْخِيَارُ لَهُمَا قَبْلَ اللُّزُومِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لَوْ شَرَطَا إسْقَاطَهُ أَوْ إثْبَاتَهُ ( بَطَلَتْ ) ، - وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ : الرَّهْنُ وَالضَّمَانُ وَالْكِتَابَةُ ، وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَا خِيَارَ فِيهَا أَوْ إسْقَاطَهُ فِي جِهَةِ الِاخْتِيَارِ بَطَلَتْ .
- وَمَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَهُنَا ( تَنْبِيهَاتٌ ) : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْحَقِيقَةِ ثُلَاثِيَّةٌ : لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، جَائِزٌ مِنْهُمَا ، لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ ، وَأَمَّا الرَّابِعُ ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَازِمًا وَلَا جَائِزًا ، فَعَقِيمٌ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ الْعَاقِدُ إمَّا أَنْ يَمْلِكَ فَسْخَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا ( أَوْ لَا ) فَالْأَوَّلُ الْجَائِزُ وَالثَّانِي اللَّازِمُ .
وَلِهَذَا شُرِعَ فِيهِ الْخِيَارُ وَالْإِقَالَةُ دُونَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ عَزَلَ الْقَاضِي نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ ، إلَّا بِعِلْمِ مَنْ قَلَّدَهُ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ، وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إعْلَامِ الْإِمَامِ ، وَإِعْفَائِهِ .
الثَّالِثُ : مِنْ حُكْمِ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ وَالْجَائِزُ قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَكَالْجَعَالَةِ تُعْقَدُ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ .
وَاللَّازِمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ
خِيَارٌ مُؤَبَّدٌ ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِمَا أَوْ ( بِمَوْتِ ) أَحَدِهِمَا أَوْ بِجُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ ، وَالْجَائِزُ بِخِلَافِهِ .
نَعَمْ إنْ كَانَ الْجَائِزُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ انْفَسَخَ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ .
وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَتَبْطُلُ بِجُنُونِ السَّيِّدِ ، وَإِغْمَائِهِ دُونَ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ جِهَتِهِ ، وَمَصِيرُهَا إلَى اللُّزُومِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا يُعْجِزُ نَفْسَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ لَمْ يُؤَثِّرْ جُنُونُهُ .
الرَّابِعُ : مَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ ؟ لِأَنَّ كُلَّ جَائِزٍ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا لَمْ يَتَفَاسَخَا .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْمُرَادَ آيِلٌ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لَا بِفِعْلِ فَاعِلٍ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ ابْتِدَاءً إلَى أَنْ يُرِيدَ دَفْعَهَا .
( الْخَامِسُ ) : الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الْآخَرِ امْتَنَعَ ، وَصَارَتْ لَازِمَةً ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ : لِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ ( وَغَيْرِهِ ) .
قُلْت وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارَضِ ، وَقَدْ قَالُوا فِي ( الْعَامِلِ ) إذَا فُسِخَ الْقِرَاضُ : عَلَيْهِ التَّقَاضِي وَالِاسْتِيفَاءُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ نَاقِصٌ ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ كَامِلًا فَلْيُرَدَّ ، كَمَا أُخِذَ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالُ وَيَعْلَمَ بِهِ الْمَالِكُ ، وَجَوَّزُوا لَهُ الْبَيْعَ بِعِوَضٍ وَيَشْتَرِي بِهِ ( الصِّحَاحَ ) ، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهُ .
الِاعْتِبَارُ الثَّانِي الْعَقْدُ إمَّا مَالِيٌّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ أَوْ حُكْمًا كَالْإِجَارَةٍ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَمْوَالِ .
وَمِثْلُهُ الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ أَوْ غَيْرُ مَالِيٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، كَمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَفَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ ( الْإِغْرَاءِ ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ ، وَكَعَقْدِ الْقَضَاءِ .
أَوْ مَالِيٌّ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ ، وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْجِزْيَةِ .
وَغَيْرُ ( الْمَالِيِّ ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَشَدُّ لُزُومًا مِنْ الْمَالِيِّ فِيهِمَا إذْ يَجُوزُ فِي الْمَالِيِّ فَسْخُهُ ( بِعَيْبٍ ) فِي الْعِوَضِ ، كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ ، وَغَيْرِ الْمَالِيِّ ) لَا يُفْسَخُ أَصْلًا ، إلَّا ( لِحُدُوثِ ) مَا يَمْنَعُ الدَّوَامَ .
وَيَنْقَسِمُ الْمَالِيُّ إلَى مَحْضٍ وَغَيْرِهِ ، فَيَقُولُونَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ ، فَالْمَحْضَةُ ( الَّتِي ) يَكُونُ الْمَالُ فِيهَا مَقْصُودًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَالْمُعَاوَضَةُ غَيْرُ الْمَحْضَةِ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ إلَّا فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ ( نَحْوَ إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ ) .
الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْعِوَضُ فِي عَقْدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لَا تُبْطِلُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ ( مَرَدًّا ) مَعْلُومًا وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَجْهُولِ كَالْعِوَضِ فِي الْمُضَارَبَةِ ( وَالْمُسَاقَاةِ ) .
وَهُنَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : هَلْ يُكْتَفَى بِالْعِلْمِ الطَّارِئِ فِي حَرِيمِ الْعَقْدِ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ( أَحَدُهَا ) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ قَطْعًا وَهُوَ الْقِرَاضُ وَالْقَرْضُ .
( وَالثَّانِي ) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ ، كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ يُعْلَمُ ( مِمَّا ) بَعْدُ كَالْبَيْعِ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ وَنَحْوَهُ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِمَعْرِفَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ إذَا حَصَلَتْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ ، وَلَمْ يَحْكُوا مِثْلَهُ فِي الْقِرَاضِ ، لِأَنَّهُ لَا حَرِيمَ لَهُ .
( الثَّالِثُ ) مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ كَالشَّرِكَةِ ( لَا ) يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ النِّسْبَتَيْنِ فِي الْمَالِ ( الْمُخْتَلَطِ ) مِنْ كَوْنِهِ مُنَاصَفَةً أَوْ مُثَالَثَةً فِي الْأَصَحِّ ، إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ بُعْدٍ .
ثَانِيهِمَا : هَلْ يَكْفِي مُعَايَنَةُ الْحَاضِرِ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ ؟ هُوَ عَلَى ( ثَلَاثَةِ ) أَقْسَامٍ أَحَدُهَا : مَا يَكْفِي قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ .
الثَّانِي : مَا يَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ كَالسَّلَمِ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَطْرُقُهُ غَالِبًا ، وَحَيْثُ اتَّفَقَا وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ صُدِّقَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ، وَفِي الْإِجَارَةِ طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَكْفِي قَطْعًا ، وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ دَفْعًا لِجَهَالَةِ الرِّبْحِ ، وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ لَا يَصِحُّ جُزَافًا لِئَلَّا يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الرَّدُّ ،
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَاضِرَ الْمَجْهُولَ الْقَدْرِ يُكْتَفَى بِهِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ قَطْعًا ، وَلَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِرَاضِ ، وَلَا الْقَرْضُ قَطْعًا ، وَفِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَرَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ قَوْلَانِ ، وَفِي الْأُجْرَةِ طَرِيقَانِ إنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يُشْتَرَطْ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ قَطْعًا ، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّلَمِ جَرَى الْقَوْلَانِ .
وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ( الْمُعَاوَضَاتِ ) الَّتِي لَا يَطْرُقُهَا الْفَسْخُ غَالِبًا لَا تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْحَاضِرِ ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ الْحَاضِرِ ، وَمَا كَانَ يَطْرُقُهُ الْفَسْخُ ( وَيَحْتَاجُ ) إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ( وَلَمْ ) يُعْقَدْ لِيُفْسَخَ فَفِيهِ الْخِلَافُ .
الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ( لَفْظًا ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، إلَّا إذَا ( اكْتَفَيْنَا ) بِالْمُعَاطَاةِ ، وَإِلَى مَا يُشْتَرَطُ ( فِيهِ ) الْإِيجَابُ وَيَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ تَصَرُّفًا كَالْوَكَالَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ وَالْجَعَالَةُ ، وَإِلَى مَا يَكْفِي فِيهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ الْعَارِيَّةُ فَيَقُولُ : أَعَرْتُك فَيَتَنَاوَلُهُ أَوْ يَقُولُ : أَعِرْنِي فَيُنَاوِلُهُ ، وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ ، وَكُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فَعَلَى الْفَوْرِ ، إلَّا الْوَصِيَّةَ فِي الْأَصَحِّ .
الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَرِدُ عَلَى ( الْعَيْنِ قَطْعًا ) كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ ، وَإِلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْمَنَافِعِ ( فِي ) الْأَصَحِّ كَالْإِجَارَةِ .
وَلِهَذَا قَالُوا : هِيَ : تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ ، ( وَقَالَ ) أَبُو إِسْحَاقَ : الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ؛ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا الْمَنْفَعَةَ ، وَزَعَمَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ إجَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ .
( وَمِنْ ) ذَلِكَ النِّكَاحُ وَفِيهِ خِلَافٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ ( صَاحِبُ الْمُحِيطِ ) أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْبُضْعِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُسْتَوْفَاةُ أَوْ عَيْنُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ شَرْطٌ ( فِي ) صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ، ( وَالْحَقُّ ) أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا نَفْسَ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لَهُ .
الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ ( مَا ) كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ .
وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ ( عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَغْرَبَ الْمَرْعَشِيُّ وَالْجَوْرِيُّ فَحَكَيَا قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ ) عَلَى مُعَيَّنٍ ، وَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، كَالرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ إلَّا بِإِقْبَاضِهِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَكُونُ الزَّوَائِدُ قَبْلَهُ لِلْوَاهِبِ ، وَكَذَا الْقَرْضُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْأَصَحِّ ، وَالثَّانِي بِالتَّصَرُّفِ ، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهَا هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إبَاحَةٌ فَلَا تُمْلَكُ كَطَعَامِ الضَّيْفِ ثُمَّ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يَضِيقُ فِيهِ ؛ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَيَكُونُ مِنْ ( الْجَانِبَيْنِ كَالرِّبَوِيَّاتِ ) وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالسَّلَمِ فَإِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَطَلَ .
وَأَيْضًا فَمِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ وَلَا يَكْفِي الْحُكْمِيُّ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ ، وَلِهَذَا لَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ وَلَا الْإِبْرَاءُ .
وَمِنْهُ مَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ ، كَمَا إذَا أُثْبِتَ صَيْدٌ ، وَوَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ [ لَهُ ] بَيْعُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ إذَا أَفْلَتَهُ كَانَ فِي قَبْضِهِ حُكْمًا .
وَمِنْهُ الْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ الْأَخْذِ ، إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ جَوَازَ بَيْعِهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ .
وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ السِّيَرِ إنَّ أَفْرَازَ الْإِمَامِ لَا يُمْلَكُونَ ( بِهِ ) قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ ( السَّلَمِ ) : يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، وَيَتَعَيَّنُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ اكْتَفَيْنَا بِهَذَا الْمُمْكِنِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ أَنَّ ( السَّلَمَ ) لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ .
وَلَوْ رَجَعَ الْأَبُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مَلَكَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ ، وَلِهَذَا كَانَ ( لَهُ بَيْعُهُ ) قَبْلَ اسْتِرْدَادِهِ .
( تَنْبِيهٌ ) : مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ مُعْتَبَرًا ؛ لِلُزُومِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ لَا لِانْعِقَادِهِ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ ( خِيَارِ ) الْمَجْلِسِ فِيهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ .
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ كَالْهِبَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهَا ( لَا يُوصَفُ قَبْلَ ) الْقَبْضِ بِهِبَةِ وَلَا عَدَمِهَا ، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آثَارَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وُجِدَتْ هُنَاكَ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحُرْمَةِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ ( التَّقَابُضِ ) ، وَالْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ ( وَعَدَمُهُ ) بِخِلَافِ عَقْدِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ لِفَرْقٍ ضَعِيفٍ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ فَلَا عَقْدَ ، وَمَنْ تَجَوَّزَ وَقَالَ : بَطَلَ الْعَقْدُ ، فَهُوَ كَمَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُخَاطَبُ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَهَذَا بُطْلَانُ مَا لَمْ يَتِمَّ لَا بُطْلَانُ مَا تَمَّ .
الِاعْتِبَارُ السَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى ( مَا يُوجَدُ ) فِيهِ مَقْصُودٌ وَاحِدٌ وَإِلَى مَا يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَصَاعِدًا كَبَيْعِ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ ( وَكَبَيْعِ ) رَأْسِ الْجِدَارِ أَوْ سَطْحِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ ( شَوْبَ ) بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ ، أَمَّا الْبَيْعُ فَلِلتَّأْبِيدِ ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّ ( الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَنْفَعَةٌ ) ( فَقَطْ ) وَمِنْهُ الْقِرَاضُ قَالَ الْمُتَوَلِّي ابْتِدَاؤُهُ يُشْبِهُ الْوَكَالَةَ بِالْجُعْلِ وَانْتِهَاؤُهُ يُشْبِهُ الشَّرِكَةَ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ ، وَيُشْبِهُ الْجَعَالَةَ إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ ( بِالْقِسْمَةِ ) وَلَوْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ مَالِك قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : قَرْضٌ فِيهِ وَكَالَةٌ ، وَالثَّانِي : وَكَالَةٌ فِيهَا قَرْضٌ .
( وَقَالَ ) غَيْرُهُ ( : الشِّرَاءُ ) فَاسِدٌ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا ، وَقَالَ : أَقْرَضْتُك ( وَمَهْمَا ) فَتَحَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ كَانَ بَيْنَنَا فَعَلَى وَجْهٍ قَرْضٌ فَاسِدٌ ( وَعَلَى وَجْهٍ قِرَاضٌ فَاسِدٌ ) ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ .
الِاعْتِبَارُ الثَّامِنُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِلَى مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ( وَهُوَ الْفَاسِدُ ) وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ ، إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلَيْهَا الْمَقْصُودَ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا الْعَقْدَ فِي الْأَصَحِّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا : يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ فِي الْحَالِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَفَاسِدُهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْإِذْنِ ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُولُ بِفَسَادِهَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ إلَّا مُقَيَّدَةً ( بِالْفَاسِدِ ) .
وَالثَّانِي : اللَّازِمَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا ( لَا ) يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ فِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ ، وَإِلَى مَا يَتَمَكَّنُ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَلَّا قُلْتُمْ إنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِذْنِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إذَا ( فَسَدَتْ ) قِيلَ : لَا يَصِحُّ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ( الْبَيْعَ ) وُضِعَ لِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْإِذْنِ ، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْمِلْكِ لَا مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِذْنِ .
( وَثَانِيهِمَا ) : أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ عِوَضِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ انْتَفَى الْإِذْنُ ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ .
الِاعْتِبَارُ التَّاسِعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى الْعَيْنِ عَقْدَانِ لَازِمَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ بِاعْتِبَارَيْنِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَقْدِ ضَرْبَانِ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ لُزُومِ الْأَوَّلِ وَإِتْمَامِهِ ، فَهُوَ إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ الْبَائِعِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ ( فِي ) زَمَنِ الْخِيَارِ ، أَوْ آجَرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَهُوَ فَسْخٌ ، وَإِمْضَاءٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي هَذَا ( إذَا قَبَضَهُ ) فَلَا يَصِحُّ ( بَيْعُ ) الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَلَوْ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْأَصَحِّ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لُزُومِهِ وَتَمَامِهِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ( إبْطَالٌ ) لِحَقِّ الْأَوَّلِ ( لَغَا ) ، كَمَا ( إذَا ) رَهَنَ دَارِهِ ، ثُمَّ بَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، وَكَذَا لَوْ آجَرَهَا مُدَّةً ( يَحِلُّ ) الدَّيْنُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ( إبْطَالٌ ) لِلْأَوَّلِ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ ( آخَرَ ) يَصِحُّ ، فَإِنَّ مَوْرِدَ الْبَيْعِ الْعَيْنُ وَالْإِجَارَةُ الْمَنْفَعَةُ ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ : إنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ الْعَيْنُ ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ قَطْعًا ، كَمَا لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَتَبْقَى فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ وَيَتَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي إنْ جَهِلَ وَلَا أُجْرَةَ ( لَهُ ) الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا كَانَ ( مَوْرِدُهُمَا ) مُخْتَلِفًا صَحَّ قَطْعًا ، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ صَحَّ ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ( فِي ) الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا يَصِحُّ ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، قَالُوا : لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَسَقَطَ الْأَضْعَفُ بِالْأَقْوَى ، وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي
الْإِجَارَةِ ، وَكَمَا ( لَوْ ) رَهَنَهُ دَارًا ( ثُمَّ آجَرَهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ ، قَالَ : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ ) ( مُكْرًى ) مِنْهُ ثُمَّ رَهْنَهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ غَيْرِ الْآخَرِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَالرَّهْنَ عَلَى الرَّقَبَةِ .
وَإِنْ كَانَ مَوْرِدُهُمَا وَاحِدًا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ ؛ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا آخَرَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ ، وَالْأَصَحُّ كَمَا ( قَالَهُ ) الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ : إنَّهُ يَجُوزُ ، وَيَكُونُ الِاسْتِئْجَارُ مِنْ حِينِ يَتْرُكُ الِاسْتِمْتَاعَ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ تِلْكَ الْمُدَّةُ ؛ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ عَمَلٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ .
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ امْتِنَاعُ اسْتِئْجَارِ الْعَكَّامِينَ ( عَلَى ) الْحَجِّ .
وَهَذَا مِنْ قَاعِدَةِ شَغْلِ الْمَشْغُولِ وَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ( شَغْلِ ) الْفَارِغِ .
الِاعْتِبَارُ الْعَاشِرُ : لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ إلَّا ( شَيْئَيْنِ ) النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ ( كَذَا ) بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ .
الِاعْتِبَارُ الْحَادِيَ عَشَرَ : الْعُقُودُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَلِهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي وَاقِعَةٍ ، وَثَبَتَ ( عِنْدَهُ ذَلِكَ ) وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ فِي حُكْمِهِ ( أَنَّهُ يُعْمَلُ ) بِحُكْمِهِ إذَا كَانَ حَاكِمًا شَرْعِيًّا ، وَلَا يَتَوَقَّفُ إلَى حَيْثُ ( يَثْبُتُ ) أَنَّ حُكْمَهُ وَفْقَ الشَّرَائِطِ ، قَالَ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَبْعَدُ دَرَجَةً مِنْ ( الَّتِي ) قَبْلَهَا ( إلَّا أَنَّ ) الَّتِي قَبْلَهَا ( تَشْتَرِكُ ) مَعَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا فِي كَوْنِهَا ( عَقْدًا ) .
الْعَمَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلُ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) { أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِهَذَا كَانَ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ مِنْ وَصْلِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ الْمُزَنِيّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَفْرَادِ ( بِأَنَّ ) مَا كَثُرَ عَمَلُهُ كَانَ أَفْضَلَ ثَوَابًا ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْضُلُهُ إذَا حَجَّ فِي سَنَةٍ وَاعْتَمَرَ فِي أُخْرَى .
وَقَدْ يَفْضُلُ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي صُوَرٍ : أَحَدُهَا الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ ( عَلَى الْمَشْهُورِ ) إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ ، وَقَدْ يَفْضُلُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْقَصْرِ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ الطَّوِيلِ ، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ كَذَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
{ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ } الثَّانِيَةُ : الضُّحَى إذَا قُلْنَا : أَكْثَرُهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ فَإِنْ فِعْلَهَا ثَمَانِيًا أَفْضَلُ ؛ لِأَجْلِ التَّأَسِّي بِفِعْلِ النَّبِيِّ .
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةُ : الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ ، وَفَرْضُ الْخِلَافِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ ( وَبَيْنَ الثَّلَاثِ ) ، وَالْإِحْدَى عَشْرَةَ ، ( وَقَالَ : لَمْ ) يَصِرْ أَحَدٌ إلَى تَفْضِيلٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ ، بَلْ حَمَلُوا الْأَحَادِيثَ فِيهِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ .
الرَّابِعَةُ : الصَّلَاةُ مَرَّةً فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً .
الْخَامِسَةُ : رَكْعَةُ الْوِتْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ( عَلَى ) الْجَدِيدِ ، بَلْ مِنْ ( التَّهَجُّدِ ) فِي اللَّيْلِ ، وَإِنْ
كَثُرَتْ رَكَعَاتُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ : وَلَعَلَّ سَبَبَ الْفَضْلِ انْسِحَابُ ، حُكْمِهَا عَلَى مَا تَقَدُّمِهَا .
السَّادِسَةُ : تَخْفِيفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِهِمَا .
السَّابِعَةُ : صَلَاةُ الْعِيدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَشَقُّ وَأَكْثَرُ عَمَلًا ، ( إلَّا أَنَّ ) وَقْتَ ( صَلَاةِ ) الْعِيدِ ( فِيهِ ) شَرَفٌ فَكَانَ تَعْظِيمُهُ أَرْجَحَ مِنْ مَشَقَّةِ كَثْرَةِ الْعَمَلِ فِي الْكُسُوفِ ؛ وَلِأَنَّ الْعِيدَ مُؤَقَّتٌ فَأَشْبَهَ الْفَرَائِضَ بِخِلَافِ الْكُسُوفِ ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِسَبَبٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ .
الثَّامِنَةُ : التَّصَدُّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ أَكْلِ لُقَمٍ يَتَبَرَّكُ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا .
التَّاسِعَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ( بِثَلَاثِ غُرَفٍ ) أَفْضَلُ مِنْ الْفَصْلِ ( بَيْنَهُمَا ) بِسِتِّ غَرَفَاتٍ .
الْعَاشِرَةُ : قِرَاءَةُ سُورَةٍ ( قَصِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ ) أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ سُورَةٍ ، وَإِنْ طَالَتْ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَاقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ تُخَالِفُهُ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَالِبًا وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ الْبَعْضُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ ، قِرَاءَةُ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ ، وَقِرَاءَةُ الْآيَتَيْنِ مِنْ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ } فَإِنَّا نَقُولُ : فِي التَّأَسِّي بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَرْبُو عَلَى هَذِهِ الْحَسَنَاتِ ، وَلِهَذَا نَقُولُ : ( قِرَاءَةُ الْبَعْضِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مَا عَدَا سُورَتَيْ ) الْإِخْلَاصُ ( وَالْكَافِرُونَ ) .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : تَفْضُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَعَ قَصَرِ رَكَعَاتِهَا عَلَى سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا الْوُسْطَى ، وَكَذَلِكَ ( الْعَصْرُ
عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا الْوُسْطَى مَعَ أَنَّهَا أَقْصَرُ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ ) رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى مِثْلِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ ( أَنْكَرَ إطْلَاقَ ) كَوْنِ الشَّاقِّ أَفْضَلُ ، وَقَالَ إنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ الثَّوَابُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } .
وَضَابِطُ الْفِعْلِ الشَّاقِّ الْمُؤْجَرِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ : إذَا اتَّحَدَ الْعَمَلَانِ فِي الشَّرَفِ ، وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي ( أَجْرَيْهِمَا ) ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ ( وَانْفِرَادُ ) أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ ؛ لِأَجْلِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لَا عَلَى غَيْرِ الشَّاقِّ ، وَذَلِكَ كَالِاغْتِسَالِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ وَيَزِيدُ أَجْرُ الِاغْتِسَالُ فِي الشِّتَاءِ بِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ ، فَلَيْسَ التَّفَاوُتُ فِي نَفْسِ الْعَمَلَيْنِ ، بَلْ فِيمَا لَزِمَ عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِلِ فِي قَاصِدِ الْمَسَاجِدِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ ، وَآخَرُ مِنْ بَعِيدَةٍ فَإِنَّ ثَوَابَهُمَا ( يَتَفَاوَتُ ) بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ ، وَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك أَوْ قَالَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك } ، فَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالنَّفَقَةِ فَوَاضِحٌ فَإِنَّ مَا ( يُنْفَقُ ) فِي طَاعَةِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى قَدْرِ ( تَحَمُّلِ ) نَصَبِك ، وَقَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) : بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُ الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِي .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَسَاوَ الْعَمَلَانِ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ أَشَقِّهِمَا بِدَلِيلِ الْإِيمَانُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَعَ
سُهُولَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ ، وَكَذَلِكَ الذِّكْرُ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَكَذَلِكَ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ مَعَ طِيبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْ ( إعْطَائِهَا ) ( مَعَ ) الْبُخْلِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ ، ( وَكَذَلِكَ ) جَعَلَ ( النَّبِيُّ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمَاهِرَ ) بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفْرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَجَعَلَ ( لِلَّذِي ) يَقْرَأَهُ ، وَيُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ ( أَجْرَيْنِ ) قُلْت ( وَلِذَلِكَ ) أَجَابَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا لَمَّا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُشْرَعُ لَهُ وَجْهُ بِرٍّ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَآخَرُ يُشْرَعُ لَهُ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ } .
وَ ( هَذَا ) ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْمُكْرِهِ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ ( عَمَلَيْنِ ) ( جِهَادًا وَطَاعَةً ) أُخْرَى ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ ، وَخَالَفَهُمْ ( الْجُنَيْدُ ) فِي جَمَاعَةٍ فَقَالُوا : الْبَاذِلُ لِذَلِكَ طَوْعًا أَفْضَلُ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ .
الثَّانِي : إذَا تَعَارَضَ الْعَمَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ فِي نَفْسِهِ وَالْآخَرُ أَكْبَرَ عَدَدًا فَلَا تُطْلَقُ أَفْضَلِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ ( أَفْضَلُ مِنْ التَّضْحِيَةُ بِشَاتَيْنِ ) هَزِيلَتَيْنِ ، وَالِاسْتِكْثَارُ فِي الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ( اسْتِكْثَارِ الْعَدَدِ ) ، وَفِي الْعِتْقِ بِعَكْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا ( اللَّحْمُ ) ( وَالسِّمَنُ ) أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعِتْقِ ( التَّخَلُّصُ ) مِنْ الرِّقِّ ، وَتَخْلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ .
وَمِثْلُ الْأُضْحِيَّةُ الْهَدْيُ وَالْعَقِيقَةُ ، وَفِي ( سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثٌ فِي تَفْضِيلِ الْبَدَنَةِ السَّمِينَةِ ) نَعَمْ لَوْ لَمْ يَجِدْ فِي الْعَقِيقَةِ لِلذِّكْرِ إلَّا ثَمَنَ شَاةٍ سَمِينَةٍ ( قِيمَةُ ) مَهْزُولَتَيْنِ ، فَهَا هُنَا شِرَاءُ الْمَهْزُولَتَيْنِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَقْصُودٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ( يُشْكِلُ ) فِي الْعِتْقِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا } .
وَمِنْهَا إذَا تَعَارَضَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، وَصَلَاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثٌ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا التَّسْوِيَةُ ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَدَبُّرٍ ( وَالْآخَرُ ) يَقْرَأُ سُوَرًا عَدِيدَةً فِي ذَلِكَ ( الزَّمَنِ ) وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ ( الْمُتَفَكِّرِ ) عَلَى الْمُسْرِعِ .
وَمِنْهَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ قِيَامٍ أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ قُعُودٍ .
الثَّالِثُ الْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ وَغَيْرُهُمْ بِتَفْضِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مُنَازَعَةٌ لِمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي تَعَارُضِ الْفَرْضَيْنِ .
وَاسْتَنْبَطَ ( ابْنُ حِبَّانَ ) فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ } أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى بِأَذَانِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ أَنْكَرَ هَذَا الْإِطْلَاقَ أَيْضًا وَقَالَ : قَدْ يَكُونُ الْقَاصِرُ أَفْضَلَ كَالْإِيمَانِ ، وَقَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّسْبِيحَ عَقِبَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ : { خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ } .
{ وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ ، قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ } وَهَذِهِ كُلُّهَا قَاصِرَةٌ .
قُلْت : إلَّا الْجِهَادَ ثُمَّ اخْتَارَ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ ( فَضْلَ ) الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ الْمَصَالِحِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا فَتَصَدُّقُ الْبَخِيلِ بِدِرْهَمٍ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ ، وَصِيَامِ أَيَّامٍ .
الرَّابِعُ الْعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلَى قَلْبِيٍّ وَبَدَنِيٍّ وَالْقَلْبِيُّ أَفْضَلُ ، وَمِنْ شَرَفِهِ أَنَّهُ لَا ( يَدْخُلُهُ ) الرِّيَاءُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ ، وَالرِّيَاءُ آفَةُ كُلِّ عِبَادَةٍ .
قَالَ الْحَلِيمِيُّ : ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ( تَعَالَى ) ( إذَا لَمْ يُعْمَلْ لِمُجَرَّدِ ) التَّقَرُّبِ بِهِ إلَيْهِ ( وَابْتِغَاءِ ) رِضَاهُ حَبَطَ وَلَمْ يَسْتَوْجِبْ ثَوَابًا إلَّا ( أَنَّ ) فِيهِ تَفْصِيلًا ، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ ( إذَا ) كَانَ فَرْضًا فَمَنْ أَدَّاهُ ، وَأَرَادَ بِهِ الْفَرْضَ غَيْرَ أَنَّهُ أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ؛ لِيَقُولَ ( النَّاسُ ) : إنَّهُ فَعَلَ كَذَا لَا طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ ، وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَمْ يُعَاقَبْ بِمَا يُعَاقَبُ بِهِ تَارِكُهُ أَلْبَتَّةَ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ ثَوَابًا ، وَإِنَّمَا ثَوَابُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَفَعَلَهُ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ النَّاسِ ، فَإِنَّ أَجْرَهُ يَحْبَطُ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ عَمَلِهِ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ ، كَمَا حَصَّلَ الْأَوَّلُ سُقُوطَ الْفَرْضِ ثُمَّ الْعِقَابَ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) .
الْخَامِسُ الْوَاجِبُ يَفْضُلُ الْمَنْدُوبَ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبْعِينَ لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ } .
وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمَنْدُوبَ قَدْ يَفْضُلُ الْوَاجِبَ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَأَخْرَجَهَا ، وَتَطَوَّعَ بِشَاتَيْنِ فَإِنَّ الشَّاتَيْنِ أَفْضَلُ ، وَكَذَلِكَ إبْرَاءُ الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ لِلْفُقَرَاءِ " بِالشَّاتَيْنِ " أَوْسَعُ ، وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ وَالصَّوَابُ طَرْدُ الْقَاعِدَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ { سَبَقَ دِرْهَمٍ مِائَةَ أَلْفٍ } مَعَ أَنَّ التَّوْسِعَةَ بِالْأَلْفِ أَعْظَمُ مِنْهَا بِالْوَاحِدِ .
عِلَّةُ الْحُكْمُ إذَا زَالَتْ وَخَلَفَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى " اسْتَنَدَ " " الْحُكْمُ إلَى الثَّانِيَةِ وَلَغَتْ " الْأُولَى " .
وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَفَرَّقَ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا ثُمَّ قَامَتْ " بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ " بِرَضَاعٍ فَلَا رُجُوعَ وَمِنْهَا لَوْ قَذَفَهُ فَزَنَى سَقَطَ الْحَدُّ ، نَعَمْ لَوْ جَرَحَهُ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، وَمَاتَ لَمْ يَسْقُطْ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ .
الْعَوْلُ زِيَادَةُ السِّهَامِ وَالرَّدُّ : نَقِيضُهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : الْفَلَسُ وَالْفَرَائِضُ وَالْوَصَايَا إذَا أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ لِزَيْدٍ " وَبِنِصْفِ " مَالِهِ لِعَمْرٍو وَبِنِصْفِ مَالِهِ لِبَكْرٍ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .
وَيَجِيءُ فِي رَابِعٍ وَهُوَ الْوَقْفُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ، " لِزَيْدٍ " نِصْفُهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا فَيَأْتِي فِيهِ الْعَوْلُ ، وَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَهَا فَيَأْتِي فِيهِ الرَّدُّ وَهُوَ غَرِيبٌ .
وَيَجِيءُ الْعَوْلُ فِي خَامِسٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً أَنْصَافِ طَلْقَةٍ فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ مُضَافَةً إلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثَةُ أَجْزَاءِ طَلْقَةٍ فَتَقَعُ طَلْقَةً .
وَلَوْ خَلَّفَ أَلْفًا فَادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَآخَرُ الْأَلْفَ دَيْنًا " فَصَدَّقَهُمَا " ، فَإِنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الدَّيْنَ أَوَّلًا فَذَاكَ ، أَوْ مُدَّعِي الْوَصِيَّةَ " فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ ؛ لِتَقَدُّمِهَا .
وَالثَّانِي الدَّيْنُ كَمَا هُوَ وَضْعُ الشَّرْعِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مَعًا فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرَيْنِ أَنَّهُ يُقَسِّمُ الْأَلْفَ أَرْبَاعًا إذْ يَحْتَاجُهَا لِلدَّيْنِ وَثُلُثُهَا لِلْوَصِيَّةِ " فَتَزَاحَمَا " عَلَى الْأَلْفِ .
فَيَخُصُّ الْوَصِيَّةَ بِثُلُثٍ عَائِلٍ وَهُوَ الرَّابِعُ ، وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : يُقَدَّمُ الدَّيْنُ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : وَهُوَ الْحَقُّ ، وَفِي هَذَا " الْفَرْعِ " لُغْزٌ ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَلَوْ عُدِمَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ وَمَنَعْنَا النَّقْلَ رُدَّ عَلَى الْبَاقِينَ وَقِيلَ يُنْقَلُ .
الْعُيُوبُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ - عَيْبُ " الْمَبِيعِ " وَهُوَ مَا " نَقَصَ " الْمَالِيَّةَ ، وَمِثْلُهُ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ .
الثَّانِي - عَيْبُ الْإِجَارَةِ " وَمَا " يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ تَأْثِيرًا يَظْهَرُ تَفَاوُتُ الْأُجْرَةِ بِهِ .
الثَّالِثُ - عَيْبُ الْغُرَّةِ كَالْبَيْعِ .
الرَّابِعُ - عَيْبُ الْكَفَّارَةِ مَا أَضَرَّ بِالْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ إضْرَارًا بَيِّنًا .
الْخَامِسُ - عَيْبُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْعَقِيقَةِ مَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ .
السَّادِسُ - عَيْبُ النِّكَاحِ مَا يُنَفِّرُ عَنْ الْوَطْءِ " يَكْسِرُ شَهْوَةَ التَّوَّاقِ " .
السَّابِعُ - عَيْبُ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَقَدْ تَعَيَّبَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ .
الثَّامِنُ - عَيْبُ الزَّكَاةِ قِيلَ كَالْأُضْحِيَّةِ .
الْعَيْبُ الْحَادِثُ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرَّدَّ إلَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ ، وَمِنْهُ " التَّصْرِيَةُ فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ إذْ لَا " يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا " بِالْجَلْبِ .
" " الْعَيْبُ الْمُوجِبُ لِفَسْخِ النِّكَاحِ إذَا عَلِمَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَا خِيَارَ لَهَا إلَّا الْعُنَّةَ فِي الْأَصَحِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْبَرَصُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُمْكِنُ زَوَالُهُ .
الْغَايَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ قَدْ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ ، إذَا قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إلَى هَذَا الْجِدَارِ لَا تَدْخُلُ الْجُدْرَانُ فِي الْبَيْعِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْبَيْعِ " .
وَيَدْخُلَانِ فِي الطَّلَاقِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى " ثِنْتَيْنِ " يَقَعُ " الطَّلَاقُ " عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَمِثْلُهُ الضَّمَانُ فِي ضَمِنْتُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ " تِسْعَةً " وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمُحَرَّرُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ " مِنْ " الْإِقْرَارِ .
وَلَوْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ أَعْطُوهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ فَعَلَى أَوْجُهِ الْإِقْرَارِ ، وَحَكَى " الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ " أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْحِسَابَ فَلِلْمُوصَى لَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ؛ لِأَنَّهُ الْحَاصِلُ مِنْ " جَمْعِ " وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةِ عَلَى " تَوَالِي " الْعَدَدِ .
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْحِسَابَ أُعْطِيَ الْمُتَيَقَّنُ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَيَنْبَغِي طَرْدُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ الْمُمْكِنِ فِيهَا .
غَالِبُ الْبَلَدِ يُعْتَبَرُ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ عَنْ " الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ " ، الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ ، الْكَفَّارَاتُ الْمَرْتَبَةُ وَالْمُخَيَّرَةُ ، زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ ، نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ ، إبِلُ الدِّيَةِ " عَلَى " الْجَانِي وَالْعَاقِلَةِ ، تَقْوِيمُ " الْمُتْلَفِ " إنَّمَا يَكُونُ بِغَالِبِ الْبَلَدِ كَمَا " قَالَهُ " الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ .
غَرِيمُ الْغَرِيمِ جَعَلُوهُ كَالْغَرِيمِ فِيمَا لَوْ ظَفِرَ بِمَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ لَهُ أَخْذُهُ .
وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كَهُوَ فِيمَا لَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُفْلِسُ لَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَصَحِّ .
الْغُسْلُ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا شُرِعَ " لِسَبَبٍ " مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ .
وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوَهُ .
وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ .
قُلْت وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ .
غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْم غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ ، وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ الْغُسْلُ لِلْعِيدِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ .
الْفَاسِدُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ الْحَجَّ وَالْخُلْعَ وَالْكِتَابَةَ وَالْعَارِيَّةَ ، وَصُورَةُ الْحَجِّ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَجِيءُ عَلَى وَجْهٍ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ مُجَامِعٌ .
وَحُكْمُ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ " فِيهِ " ، بِخِلَافِ الْبَاطِلِ كَالرِّدَّةِ .
وَصُورَةُ الْخُلْعِ الْفَاسِدِ " أَنَّهُ يُوجِبُ " الْبَيْنُونَةَ وَيُفْسِدُ الْمُسَمَّى ، وَالْبَاطِلُ مَا أَسْقَطَ " الطَّلَاقَ " بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَسْقَطَ بَيْنُونَةً مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُلْغًى .
وَصُورَةُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مَا أَوْقَعَتْ الْعِتْقَ وَأَوْجَبَتْ عِوَضًا فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْبَاطِلَةُ مَا لَا تُوجِبُ عِتْقًا أَصْلًا أَوْ أَوْجَبَتْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعِوَضِ ، فَالْبَاطِلَةُ لَاغِيَةٌ وَالْفَاسِدَةُ تُشَارِكُ الصَّحِيحَةَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا .
وَصُورَةُ الْعَارِيَّةِ فِي إعَارَةِ النَّقْدِ " لِلتَّزْيِينِ " هَلْ تَصِحُّ ؟ وَجْهَانِ ، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ وَإِنْ فَسَدَتْ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَاسِدِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي لَا تُضْمَنُ ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ بَاطِلَةٌ .
وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ " أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ أَرْبَعَةً أُخَرَ ، وَهِيَ الْوَكَالَةُ وَالْإِجَارَةُ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ وَالْعِتْقُ ، وَنَحْتَاجُ لِتَصْوِيرِهَا ، فَالْوَكَالَةُ تَفْسُدُ بِالتَّعْلِيقِ وَيَسْتَفِيدُ بِهَا جَوَازَ التَّصَرُّفِ ، وَالْبَاطِلَةُ " لِاخْتِلَالِ " الْعَاقِدِ لَاغِيَةٌ ، كَتَوْكِيلِ الصَّبِيِّ وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ ، وَصُورَةُ الْعِتْقِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ سَوَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ افْتِدَاءٌ .
وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ : " إنَّهُ " لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى خَمْرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ فَفَعَلَ نَفَذَ الْعِتْقُ "
عَنْ " الْمُشْتَرِي ، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ الدَّمِ ، وَصُورَةُ الْجِزْيَةِ أَنْ تُعْقَدَ " بِإِخْلَالِ " شَرْطٍ وَحُكْمُهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَنَا سَنَةً " أَوْ أَكْثَرَ " وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَلَا يَجِبُ الْمُسَمَّى ، وَأَمَّا الْبَاطِلَةُ فَبِأَنْ يَعْقِدَهَا بَعْضُ الْآحَادِ مَعَ الذِّمِّيِّ ، فَإِذَا أَقَامَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ ، كَمَا لَوْ فَسَدَ عَقْدُ الْإِمَامِ ، وَأَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ ، وَصُورَةُ " الْإِجَارَةِ " .
الثَّانِي : فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ ، وَمَعْنَى " ذَلِكَ " أَنَّ مَا اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْعَمَلِ فِي الْقِرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَيَقْتَضِي فَاسِدُهُ " أَيْضًا الضَّمَانَ " ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَمَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالرَّهْنِ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ ، وَالتَّبَرُّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَقْتَضِيهِ فَاسِدُهُ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لَهُ هُوَ الْعَقْدُ ، لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا الْيَدُ ؛ لِأَنَّهَا " إنَّمَا " جُعِلَتْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ حَالٍ ضُمِنَ " فِيهَا الْعَقْدُ " الصَّحِيحُ ضُمِنَ " فِي مِثْلِهَا الْفَاسِدُ " فَإِنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ لَا يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا يُضْمَنُ الْعَيْنُ بِالثَّمَنِ وَالْمَقْبُوضُ " بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ " فِيهِ " ضَمَانُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي " كَانَ فِي يَدِهِ " سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَمْ " تَلِفَتْ " تَحْتَ يَدِهِ ، وَالْمَهْرُ " فِي " النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْوَطْءِ ، " وَفِي الْإِجَارَةِ " الصَّحِيحَةِ تَجِبُ الْأُجْرَةُ " بِعَرْضِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ " وَتَمْكِينُهُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ " يَقْبِضْهُ " ، وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا تَجِبُ بِالْعَرْضِ ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا يَفْتَرِقَانِ عَلَى وَجْهٍ فِي الْقَبْضِ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ فَفِي الصَّحِيحَةِ يَضْمَنُ الْأُجْرَةَ وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا ، وَالْمَذْهَبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ .
وَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ صُوَرًا .
أَمَّا الطَّرْدُ " فَالْأُولَى " : إذَا قَالَ : قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةً فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ : إذَا سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ "
جَمِيعَهَا لِرَبِّ الْمَالِ فَكَالْقِرَاضِ " الثَّالِثَةُ : إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا أَوْ لِيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ مُدَّةً وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا ، فَالصَّحِيحُ فَسَادُهَا ثُمَّ إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ " لَا تُتَوَقَّعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ الْوَجْهَانِ فِي اشْتِرَاطِ الثَّمَرَةِ " كُلِّهَا لِلْمَالِكِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، قَالَ " وَهَكَذَا " إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ مَغْرُوسٍ وَقَدْرِ مُدَّةٍ لَا يُثْمِرُ " فِيهَا فِي الْعَادَةِ .
" الرَّابِعَةُ " : إذَا اسْتَأْجَرَ أَبُ الطِّفْلِ أُمَّهُ لِإِرْضَاعِهِ وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ لَمْ تَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي الْأَصَحِّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا اُسْتُؤْجِرَ الْمُسْلِمُ لِلْجِهَادِ وَقَاتَلَ وَقُلْنَا بِفَسَادِ " الْإِجَارَةِ " فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ " الْغَنِيمَةِ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ " وَلَمْ يَحْضُرْ مُجَاهِدًا ، وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى نَفْسِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ ؟ السَّادِسَةُ : إذَا قَالَ الْإِمَامُ لِمُسْلِمٍ : إنْ " دَلَلْتنِي " عَلَى قَلْعَةِ كَذَا فَلَكَ مِنْهَا جَارِيَةٌ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ ، كَمَا لَوْ جَرَى مَعَ كَافِرٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْجَعَالَةُ فَدَلَّ لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً .
السَّابِعَةُ : إذَا صَدَرَ عَقْدُ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَجَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْقَبُولَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْإِيجَابَ لَغْوٌ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا ، " وَقِيلَ " : لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ ، كَمَا لَوْ " فَسَدَ " عَقْدُ الْإِمَامِ .
قُلْت : وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْبَاطِلَةِ لَا الْفَاسِدَةِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ عَقْدٌ حَتَّى يُقَالَ : فَاسِدٌ ، " وَهَذَا " الْبَحْثُ يَطْرُقُ غَالِبَ " هَذِهِ " الصُّوَرِ ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهَا .
وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي
الْحُسَيْنُ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُنَاضَلَةَ ، فَإِنَّ صَحِيحَهُمَا مَضْمُونٌ بِالْمُسَمَّى ، وَفَاسِدَهُمَا لَا ضَمَانَ فِيهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِمَا وُجُوبُ الْأُجْرَةِ .
وَأَمَّا الْعَكْسُ فَصُوَرٌ .
مِنْهَا : الشَّرِكَةُ فَإِنَّ صَحِيحَهَا لَا يُوجِبُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا وَفَاسِدَهَا يُوجِبُهُ .
وَالْهِبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا وَالْفَاسِدَةُ تُضْمَنُ عَلَى وَجْهٍ نُقِلَ " تَرْجِيحُهُ " عَنْ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ .
وَلَوْ غَصَبَ عَيْنًا وَوَهَبَهَا أَوْ آجَرَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ " الْآخَرِ " كَانَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَ " الْقَرَارُ " عَلَى الْغَاصِبِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدِ مَا يَشْمَلُ الْبَاطِلَ فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ إعَارَةِ النَّقْدِ وَإِجَارَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ إذَا قُلْنَا : يَبْطُلُ ، وَكَذَا الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ كَالصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ فَوَجَدَهُ تَالِفًا أَنَّ الْقَابِضَ يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبْضِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، لَكِنَّهُ " مُرَاعًى " ، نَعَمْ إذَا ظَهَرَ قَابِضُ الزَّكَاةِ " مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا " فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِكَوْنِ الْقَابِضِ " لَا " يَمْلِكُ بِهِ فَهَذَا مِنْ الْقَبْضِ الْبَاطِلِ لَا الْفَاسِدِ .
الثَّالِثُ : حُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا " فِي " التَّغَابُنِ فِيمَا يُحَطُّ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَقُلْنَا : لَا يَصِحُّ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي " مَاذَا " يَغْرَمُ ؟ " عَلَى " قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا ثَمَنُهُ ، وَالثَّانِي يُحَطُّ النَّقْصُ الْمُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ ، كَمَا إذَا " كَانَ " ثَمَنُهُ عَشْرَةً " وَيَتَغَابَنُ " فِيهِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِثَمَانِيَةٍ يَغْرَمُ تِسْعَةً وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ " الْبَاقِيَ " مِنْ الْمُشْتَرِي .
الرَّابِعُ : قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَشُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ " فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ : كُلُّ عَقْدٍ " بِمُسَمًّى " فَاسِدٍ يُسْقِطُ الْمُسَمَّى إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا عَقَدَ الْإِمَامُ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ " السُّكْنَى " بِالْحِجَازِ عَلَى مَالٍ " فَهَذِهِ " إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ ، فَلَوْ " سَكَنُوا " " سَنَةً " وَمَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَ الْمُسَمَّى لِتَعَذُّرِ إيجَابِ عِوَضِ الْمِثْلِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ " سَنَةً " لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَابَلَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ الْمُسَمَّى .
قُلْت : وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ " سَكَنُوا " بَعْضَ الْمُدَّةِ وَجَبَتْ الْحِصَّةُ مِنْ الْمُسَمَّى وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ .
وَيَلْتَحِقُ بِهَا صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ قَالَ : أَحْرِقْ ثَوْبِي أَوْ أَهْدِمْ دَارِي أَوْ أَتْلِفْ هَذَا الطَّعَامَ بِشَرْطِ أَنْ تَضْمَنَ ذَلِكَ " لِي " بِعَبْدٍ صِفَتُهُ ، كَذَا بِصِفَةِ السَّلَمِ فَإِنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَى الْإِتْلَافِ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى دُونَ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ دُونَ " الْمِثْلِ " فِيمَا لَهُ مِثْلٌ ، نَقَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ صَاحِبُ كِتَابِ جَوَاهِرِ التَّنْبِيهِ " .
وَمِنْهَا : لَوْ عَقَدَ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ لِجَمَاعَةٍ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهَذَا عَقْدٌ فَاسِدٌ ، ثُمَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ إذَا مَضَتْ السَّنَةُ ، إلَّا الْقَدْرَ الْمُسَمَّى دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ : لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ حَتَّى يُجَدِّدُوا عَقْدًا صَحِيحًا .
وَمِنْهَا : لَوْ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ الْعَامِلَ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ " قِيلَ " : يَجِبُ الْمُسَمَّى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ مَالِهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْإِجَارَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَذَلَ " الْمَالِكُ " طَعَامَهُ لِلْمُضْطَرِّ " " بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَالْأَقْيَسُ لُزُومُهُ ، وَقِيلَ : ثَمَنُ الْمِثْلِ وَقِيلَ : إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُضْطَرِّ " لِيَسَارِهِ لَزِمَتْهُ وَإِلَّا فَلَا
وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْأَخْذِ قَهْرًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَهُوَ مُحْتَارٌ فِي الِالْتِزَامِ فَيَلْزَمُهُ قَطْعًا .
الْخَامِسُ : الْفَاسِدُ لَا يُمْلَكُ فِيهِ شَيْءٌ " وَيَلْزَمُهُ " الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْبَدَلِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ عَلِمَ الْفَسَادَ وَكَذَا إنْ جَهِلَ فِي الْأَصَحِّ .
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ فِيهَا أَكْسَابَهُ .
الثَّانِيَةُ : إذَا صَالَحَنَا كَافِرًا بِمَالٍ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ وَأَقَامَ ، فَإِنَّا نَمْلِكُ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْفِرِنْجِ عَلَى " زِيَارَتِهِمْ " بَيْتَ لَحْمٍ " وَكَنِيسَةَ قُمَامَةَ " " فَإِنَّهُ " يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ ، كَمَا يَمْلِكُونَهُ بِالْمُصَالَحَةِ " عَلَى " دُخُولِ الْحَرَمِ .
السَّادِسُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ لَا يُوجِبُ الْمَالَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : الصَّدَاقُ وَالْخُلْعُ وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ إذَا عُلِّقَ فَسَدَ بِالتَّعْلِيقِ إلَّا فِي الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يَقُولَ : أَنْتَ حُرٌّ غَدًا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ ، وَكَذَا الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ " فِيمَا " لَوْ قَالَ : الْمَالِكُ لِغَيْرِهِ : عَبْدِي عَنْك حُرٌّ بِأَلْفٍ إذَا جَاءَ الْغَدُ ؛ فَقَالَ الْمُخَاطَبُ : قَبِلْت ؛ عَتَقَ وَهَلْ تَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ الْمُسَمَّى ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَتَعْلِيقِ الْخُلْعِ .
السَّابِعُ : لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِحُرَّةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : فِيهِ احْتِمَالٌ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَيْ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّامِلِ .
الثَّانِيَةُ : نِكَاحُ الشِّغَارِ وَهُوَ إذَا قَالَ : زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك ، وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الْأُخْرَى فَزَوَّجَهُ فَالنِّكَاحَانِ بَاطِلَانِ .
الثَّامِنُ : الْفَاسِدُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ كَالصُّوَرِ السَّابِقَةِ فِي الْحَجِّ وَالْكِتَابَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْخُلْعِ " وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ يَحْصُلُ الْعِتْقُ فِيهَا " بِالْأَدَاءِ " ، وَكَذَا الْوَكَالَةُ الْفَاسِدَةُ " يَنْفُذُ " التَّصَرُّفُ مِنْ الْوَكِيلِ فِيهَا ، وَكَذَا التَّسْمِيَةُ الْفَاسِدَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ كَالْخُلْعِ .
التَّاسِعُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْإِذْنِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ الْمَأْذُونِ صَحَّتْ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ إذَا أَفْسَدْنَاهَا فَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ صَحَّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ ، وَطَرَدَهُ الْإِمَامُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الْفَسَادِ ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ : لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ صَدَرَتْ الْإِجَارَةُ بِشَرْطٍ فَقَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إذَا صَحَّ انْصَرَفَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ ، وَهُوَ " بِمَثَابَةِ " الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ عِوَضٍ " لِلْوَكِيلِ " فَاسِدٍ ، " فَالْإِذْنُ " صَحِيحٌ وَالْعِوَضُ فَاسِدٌ ، " قَالَ " : وَهَذَا يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ فِيمَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ وَالْحَجُّ كَذَلِكَ .
قُلْت : " وَقَضِيَّةُ " جَرَيَانِهِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَلَوْ زَوَّجَ صَحَّ نَظَرًا لِبَقَاءِ الْإِذْنِ ، لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ يُخَالِفُهُ .
الْعَاشِرُ : الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا إذَا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَجَبَ " عَلَيْهِ فَسْخُهُ " إذَا رُفِعَ إلَيْهِ ، وَهَلْ يَفْسَخُهُ قَبْلَ التَّرَافُعِ خِلَافٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَمْ يُعْطَ فِيهِ الْفَاسِدُ بَعْضَ حُكْمِ الصَّحِيحِ فَإِنْ أُعْطِيَ كَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْإِبْطَالُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ السَّيِّدِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : الْعَقْدُ الْفَاسِدُ تَعَاطِيهِ حَرَامٌ وَقَدْ سَبَقَ أَحْكَامُهُ " فِي حَرْفِ التَّاءِ " .
الثَّانِيَ عَشَرَ : لَا يَدْخُلُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : الْحَجُّ " يَحْنَثُ بِفَاسِدِهِ " كَصَحِيحِهِ .
وَمِنْهَا : إذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ ضَمِنْت لِي " خَمْرًا " فَأَنْتَ حُرٌّ فَضَمِنَهَا عَتَقَ قَالَهُ الْأَصْحَابُ عِنْدَ عِتْقِ أَمَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ " بِمَنْ حَلَفَ " لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ .
وَمِنْهَا : حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ وَهُوَ جُنُبٌ حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ .
وَمِثْلُهُ : حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ فَوَطِئَ فِي الدُّبُرِ حَنِثَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ حَنِثَ بِالْمِيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى وَجْهٍ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقَبْضُ الْفَاسِدُ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا " فِيمَا " إذَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ إذْنٍ " فَيَبْرَأُ " إلْغَاءً لِلْفَاسِدِ وَإِعْمَالًا لِلصَّحِيحِ ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ : إحْدَاهُمَا : لَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَقَالَ : اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِي عَلَيْهِ لِنَفْسِك فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الدَّافِعِ عَنْ دَيْنِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فِيمَا إذَا بَاعَ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي هَلْ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ ؟ قُلْت : لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ هُنَاكَ أَنَّهُ " لَا " يُعْتَقُ ، وَيَحْتَاجُ " لِلْفَرْقِ " .
الثَّانِيَةُ " : فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ الْأَحْوَطُ الصَّرْفُ إلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ مِنْ النُّجُومِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا فَسَدَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ وَقَبَضَ الْمَالَ مَعَ فَسَادِهَا بَرِئَ الدَّافِعُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَبْقَى وَإِنْ فَسَدَتْ الْوِلَايَةُ نَعَمْ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ فَسَادِهَا لَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ كَالْوَكِيلِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ قِسْمِ الْفَيْءِ " وَالْغَنِيمَةِ " عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ ، فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا ؟ قُلْنَا : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : يَظْهَرُ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا .
الرَّابِعَةُ : إذَا تَبَايَعَ الْكُفَّارُ بُيُوعًا فَاسِدَةً وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوا لِانْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَنِجَازِهِ فِي الشِّرْكِ مَعَ كَوْنِهِمْ " يُقِرُّونَ " .
نَعَمْ ، لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُ أَثْمَانِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا تَقَابَضَا بَعْضَ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ فِي حَالِ
الشِّرْكِ ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُبْطِلُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَمَا " يُسَلِّمُهُ " لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تَنْبَرِمُ بِقَبْضِ بَعْضِ عِوَضِهَا قَالَ فِي الشَّامِلِ : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَقَعُ " بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ ، وَلِهَذَا إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الصَّحِيحَةِ أَوْ الْفَاسِدَةِ وَعَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ مَا دَفَعَهُ وَعَادَ كُلُّهُ رَقِيقًا وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُولِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : فَاسِدُ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْحَقُ بِصَحِيحِهِ إلَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّهَا " بِالْفَسَادِ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ " عَهْدِهَا .
وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَجَبَ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ .
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ " رَحِمَهُ اللَّهُ " فِي الْأُمِّ : وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إلَّا الْحَجَّ فَمَنْ أَفْسَدَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ طَوَافًا وَمَضَى فِيهِ لَمْ يَجْزِهِ ، وَكَانَ عَاصِيًا .
" هَذَا " لَفْظُهُ .
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ " فَلَمْ " يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ مَا يُضَادُّهُ وَهُوَ مَا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فَاسِدًا فَلِهَذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفَسَادِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ " مَعَ مَضَائِهِ ، فَلِهَذَا خَرَجَ " مِنْهُ " بِالْفَسَادِ .
وَقَدْ يُورَدُ " عَلَى الْحَصْرِ فِي الْحَجِّ " أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : الصَّوْمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ " لَزِمَهُ " الْإِمْسَاكُ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ جِمَاعٍ آخَرَ " لِاشْتِرَاكِ " الْعِبَادَتَيْنِ فِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ " مَحْظُورًا " مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بَعْدَ إفْسَادِهَا ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ .
الثَّانِي : لَوْ " اُضْطُرَّ " فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ " إلَى " الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ عُذِرَ فِي الْأَصَحِّ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَصِّ " الْإِمَامِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي " فِي صَلَاتِهِ " وَيُعِيدُ وَقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ : " تَبْطُلُ " أَنَّهَا لَا
تُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَمْضِي فِيهَا مَعَ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ ، وَسَبَقَ فِي نَصِّ الْأُمِّ التَّصْرِيحُ بِاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِذَلِكَ وَقَالُوا : الْفَاسِدُ لَا انْعِقَادَ لَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا عَلَى وَجْهٍ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَقَدْ يُورَدُ عَلَى الْحَصْرِ التَّحَرُّمُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَيَنْعَقِدُ نَفْلًا .
الْخَامِسَ عَشَرَ : مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ " تَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا مَعَ الْإِمْكَانِ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا " وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا " " تَامَّةً " ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً .
وَمِنْهَا : لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ " وَإِنْ " جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ كَالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ " ذَكَرَ " هَذِهِ الْقَاعِدَةَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً .
وَهِيَ مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ " مَعَ الْإِمَامِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ جُمُعَةً ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَأَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ قَابِلٍ ، لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ ، وَقَدْ أَفْسَدَهُ " فَلَزِمَهُ " قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ .
السَّادِسَ عَشَرَ : فِي مَعْنَى إفْسَادِ الْعِبَادَةِ " مُنِعَ " انْعِقَادُهَا كَالْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى طَلَعَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ بِالنَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِمَاعِ " مَنَعَ " انْعِقَادَ الصَّوْمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ .
وَنَظِيرُهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ " أَبِيهِ " يَظُنُّ حُرِّيَّتَهَا وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ لَمْ يُعْتَقْ الْوَلَدُ عَلَى الْجَدِّ " وَوَجَبَ " عَلَى الِابْنِ قِيمَةُ الْوَلَدِ " لِأَبِيهِ " وَإِنَّمَا غَرِمَهَا ؛ لِأَنَّهُ بِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ مَنَعَ انْعِقَادَ الْوَلَدِ رَقِيقًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ .
الْفِدْيَةُ تُفَارِقُ الْكَفَّارَةَ " فِي " أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ ، بِخِلَافِهِ الْفِدْيَةُ ، كَذَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ .
وَالْفِدْيَةُ تَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ بِالْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ ، وَكَذَا الْإِفْطَارُ لِلْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ .
" قَالَ " : وَفِدْيَةُ الْحَجِّ عِشْرُونَ " دَمًا " : دَمُ التَّمَتُّعِ ، وَالْقِرَانِ ، وَالْفَوَاتِ ، وَالْإِحْصَارِ ، وَالتَّأْخِيرِ إلَى الْمَوْتِ ، وَالْإِفْسَادِ ، وَالِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْإِفْسَادِ ، وَالْمَبِيتِ " بِالْمُزْدَلِفَةِ " ، وَمِنًى - لَيَالِيَهَا - ، وَالْمِيقَاتِ ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَالرَّمْيِ ، وَالْحَلْقِ ، وَاللُّبْسِ ، وَالطَّيِّبِ ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ ، وَالصَّيْدِ ، وَنَبَاتِ الْحَرَمِ ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَتَرْكِ مَشْيِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَرَامِ إذَا نَذَرَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ حَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْمُدِّ ، إلَّا فِي فِدْيَةِ " الْأَدَاءِ " فَإِنَّهَا بِمُدَّيْنِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي كَأَكْلِ الْمُرْضِعِ وَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " إلَّا إذَا كَانَ بِسَبَبٍ " تَعَدَّى فِيهِ " ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا " تَعَدِّيًا " وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لِآخَرِ " الصَّوْمِ " .
الْفَرْعُ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ .
" وَلِهَذَا إذَا أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْ الدَّيْنِ بَرِئَ الضَّامِنُ ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ " فَكَذَا الْفَرْعُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ .
وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ قَالَ شَخْصٌ : لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَفِي مُطَالَبَةِ " الضَّامِنِ بِالضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ .
وَمِنْهَا : " إذَا " ادَّعَى الزَّوْجُ الْخُلْعَ مَعَ الْمَرْأَةِ وَأَنْكَرَتْ " ثَبَتَتْ " الْبَيْنُونَةُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ .
وَهَذَا مَجْزُومٌ بِهِ ، كَمَا جَزَمُوا فِيمَنْ قَالَ : بِعْت عَبْدِي مِنْ زَيْدٍ وَأَعْتَقَهُ زَيْدٌ " وَأَنْكَرَ " زَيْدٌ " أَوْ قَالَ " : بِعْته مِنْ نَفْسِهِ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ " فِيهِمَا " وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ : فُلَانَةُ بِنْتُ أَبِينَا ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ " بِهِ " وَجْهَانِ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ " حَرُمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ " ، فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي اللَّقِيطِ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ ، وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَكَذَّبَتْهُ انْفَسَخَ " نِكَاحُهَا " عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَتْ زَوْجِيَّةَ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ فَفِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : ادَّعَتْ الْإِصَابَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَفِي " وُجُوبِ " الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ .
وَمِنْهَا : لَوْ كَانَ الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ عَبْدًا فِي التَّرِكَةِ فَفِي عِتْقِ نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَجْهَانِ .
وَالضَّابِطُ : أَنَّا نَنْظُرُ فِي الْفَرْعِ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِلُّ بِإِنْشَائِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ
" ثَبَتَ " قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ وَإِنْ " اسْتَقَلَّ " لَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ ، بَلْ بِالْفَرْعِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ كَالضَّامِنِ أَوْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِإِنْشَائِهِ كَالْبَيْعِ فِي صُورَةِ الشُّفْعَةِ وَدَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ جَاءَ الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ الثُّبُوتُ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا دَعْوَى الْخُلْعِ مَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ قَطْعًا وَقِيَاسُهُ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ .
فِرَقُ النِّكَاحِ كَثِيرَةٌ وَأَجْنَاسُهَا ثَلَاثَةٌ مَوْتٌ وَطَلَاقٌ وَفَسْخٌ أَمَّا فُرْقَةُ الْمَوْتِ فَيَنْتَهِي النِّكَاحُ بِنِهَايَتِهِ ، وَيُقَالُ : انْتَهَى النِّكَاحُ ، لَا بَطَلَ .
وَلَوْ اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى عَيْبِ الْآخَرِ فَهَلْ يُفْسَخُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ مُدَّةُ الْعُمْرِ وَقَدْ فَرَغَ .
وَأَمَّا فُرْقَةُ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ رَافِعًا لِلْعَقْدِ ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ " مُقْتَضَيَاتِ " عَقْدِ النِّكَاحِ كَالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمِلْكِ .
وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْحَاوِي وَالْمُهَذَّبِ فِي تَوْجِيهِ فَسْخِ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ جُعِلَ إلَى اخْتِيَارِهِ كَالطَّلَاقِ قَالَ صَاحِبُ الْوَافِي " وَفِي جَعْلِهِمَا " الطَّلَاقَ رَفْعَ عَقْدٍ فِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي إلَّا أَنْ " يُرِيدَا " " رَفْعَ حُكْمِ " الْعَقْدِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعَقْدِ بِالْخِيَارِ لَيْسَ بِرَفْعِ نَفْسِ الْعَقْدِ بَلْ حُكْمِهِ ، لَكِنَّ مَوْضُوعَ الْخِيَارِ لِرَفْعِ الْعَقْدِ وَمَوْضُوعَ الطَّلَاقِ " لِقَطْعِ " النِّكَاحِ لَا رَفْعِهِ .
وَمِثْلُهُ : الْخُلْعُ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ " بِلَفْظِهِ " طَلَاقٌ ، وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ الْإِيلَاءِ وَفُرْقَةُ الْحَكَمَيْنِ .
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ الْعُيُوبُ الْخَمْسَةُ وَالْغَرُورُ وَعَدَمُ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا - لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْخَلَفِ وَالْعِتْقِ تَحْتَ عَبْدٍ - وَالْعَجْزُ عَنْ الْعِوَضِ ؛ لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَبِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
الثَّانِي : قَهْرِيٌّ يَنْفَسِخُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ " أَقْسَامٌ " : أَحَدُهُمَا : اخْتِلَافُ دِينِ الزَّوْجَيْنِ " بِالرِّدَّةِ " .
الثَّانِي : إسْلَامُ الْمُشْرِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ يَنْفَسِخُ فِي الزَّائِدِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : مَنْ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا " فَهُوَ " بِطَرِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِلَا شَكٍّ .
الثَّالِثُ : فُرْقَةُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ حَيْثُ تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ
===================ج666..==============================
ج6666666666
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ اللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ عَلَى قَوْلٍ .
الرَّابِعُ : اللِّعَانُ .
الْخَامِسُ : الرَّضَاعُ .
السَّادِسُ : السَّبْيُ " فَإِنَّهُ إذَا " سُبِيَ الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ، لِأَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِيَّةِ أَحَدُ " فَرْعَيْ " الْمِلْكِ فَزَالَ " بِالسَّبْيِ " كَمِلْكِ الْيَمِينِ ، لِأَنَّهُ " يَحْدُثُ الرِّقُّ " بِالسَّبْيِ بِخِلَافِ " بَيْعِ " الزَّوْجَةِ لَا " يُفْسِخُ " النِّكَاحَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ ، " فَإِنْ سُبِيَا وَهُمَا رَقِيقَانِ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهُمَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ " ، وَقِيلَ : يَنْفَسِخُ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ السَّبْيِ .
وَلَوْ طَرَأَ الرِّقُّ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ قُطِعَ " النِّكَاحُ " فِي الْأَصَحِّ ، وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ نِكَاحُهُ ، وَإِنْ مُنِعَ جَزْمًا " مِنْ " ابْتِدَائِهِ ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ .
السَّابِعُ : مِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ قُطِعَ النِّكَاحُ ، فَإِنْ فُسِخَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ أَوْ مَوْقُوفٌ ؛ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : " يَمْلِكُ " بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَفِي انْفِسَاخِ " النِّكَاحِ " وَجْهَانِ ظَاهِرُ النَّصِّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الِانْفِسَاخُ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ .
الثَّامِنُ : إسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَخَلُّفُ الْآخَرِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ .
التَّاسِعُ : فُرْقَةُ " الرِّدَّةِ " كَذَلِكَ .
الْعَاشِرُ : " فُرْقَةُ " تَمَجُّسِ الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ مُسْلِمٍ ، إذَا قُلْنَا : إنَّهَا تُقِرُّ عَلَيْهِ .
" تَنْبِيهَاتٌ " : الْأَوَّلُ : تَنْقَسِمُ الْفُرْقَةُ إلَى مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَلَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ الْقَهْرِيُّ ، بَلْ تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ، وَإِلَى مَا يُتَوَقَّفُ وَهُوَ الِاخْتِيَارِيُّ ثُمَّ تَارَةً
تَكُونُ إلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ وَهُوَ فُرْقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَالْغَرُورِ وَالْعَيْبِ .
وَتَارَةً تَكُونُ إلَى الزَّوْجِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا سَبَبٍ وَالْغَرُورُ وَالْعَيْبُ أَيْضًا ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلْحَاكِمِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَهُوَ فُرْقَةُ الْعِنِّينِ وَالْحَكَمَيْنِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَنِكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهَا إسْلَامَ الزَّوْجِ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ .
الثَّانِي : كُلُّ فُرْقَةٍ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا يَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهَا إذَا امْتَنَعَ لَا اخْتِيَارُ الزَّوْجَاتِ ، وَكَذَا الْإِيلَاءُ عَلَى قَوْلٍ .
الثَّالِثُ : مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ مَا لَا " يُتَلَافَى " إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ .
" وَمِنْهَا مَا لَا يُتَلَافَى بِوَجْهٍ وَهُوَ اللِّعَانُ وَالرَّضَاعُ وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ " .
وَمِنْهَا مَا يُتَلَافَى فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَإِسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَمَجُّسُ النَّصْرَانِيَّةِ إنْ " قِيلَ " بِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَطْ وَبِهِ " أَوْ " بِالْعَوْدِ إلَى دِينِهَا الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلٍ " وَالطَّلَاقُ " دُونَ الثَّلَاثِ بِالرَّجْعَةِ .
الرَّابِعُ : قَالَ صَاحِبُ الْوَشَائِحِ : تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ " وَالْأَجْنَبِيِّ " وَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَمِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَهُمَا حَيَّانِ ، فَالْفِعْلُ مِنْ الزَّوْجِ وَطْءُ أُمِّهَا أَوْ بَنَاتِهَا بِشُبْهَةٍ وَمِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ الرَّضَاعُ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَطْءُ " ابْنِهِ وَأَبِيهِ " إيَّاهَا بِشُبْهَةٍ ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا ، وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا مَا يَحِلُّ لَهُ بِعَقْدٍ وَهُوَ أَنْ " يُسْبَيَا " أَوْ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ لَهُ إنْ اشْتَرَاهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِهَا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْأَجْنَبِيَّةِ .
فَأَمَّا " الْأَجْنَبِيُّ " فَهُوَ طَلَاقُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمَوْلَى وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ
إذَا قُلْنَا : تَحْكِيمٌ " لَا تَوْكِيلٌ ، " وَمِنْ " الزَّوْجَةِ الْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا ، وَالْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَالْعُنَّةُ وَالْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ وَإِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ .
" وَالْقَوْلُ " مِنْ الزَّوْجِ نَوْعَانِ طَلَاقٌ وَغَيْرُهُ فَالطَّلَاقُ ضُرُوبٌ : مِنْهَا : الْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَحِلُّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَمِثْلُهُ الْوَاحِدَةُ وَالثِّنْتَانِ بِعِوَضٍ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي حَقِّ الْحُرِّ ، وَالْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لَا " تَحِلُّ لَهُ " إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، وَالِاثْنَتَانِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ " لَا تَحِلُّ " إلَّا بِزَوْجٍ آخَرَ ، " وَالثَّلَاثُ " فِي الْحُرِّ لَا تَحِلُّ " لَهُ " إلَّا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ آخَرَ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ " " مِنْهُ " ، فَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهُ إيَّاهَا .
وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالْخُلْعُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاللِّعَانُ لَا يَحْرُمُ " بِشَيْءٍ " مِنْهُ بِهَذَا إلَّا " فِي اللِّعَانِ " .
وَأَمَّا الْفُرْقَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَفِعْلٍ مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ إذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِإِرْثٍ وَمِمَّا يَفْسَخُ بِهِ الزَّوْجُ " النِّكَاحَ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أُخْتَانِ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَوْ وَاحِدَةً مِنْ الْأُخْتَيْنِ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .
الْفَرْضُ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ عِوَضٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ تَعُودُ إلَيْهِ فَالْمَنْفَعَةُ حَاصِلَةٌ لَهُ ، وَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ " وَخَافَ " هَلَاكَهَا ، إنْ لَمْ يَقْبَلْ قَالَ " صَاحِبُ الْمُرْشِدِ " : لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ أُجْرَةَ الْحِفْظِ لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةٍ مَكَانَهَا ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصْلُ الْقَبُولِ دُونَ إتْلَافِ " مَنْفَعَةِ " نَفْسِهِ " وَحَرَّزَهُ " فِي الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .
غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُرْشِدِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ نَفْسَ الْحِفْظِ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ يَقُولُ : يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ ، وَخَرَّجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ فِي جَعْلِهَا صَدَاقًا ، وَنَظَائِرِهَا .
وَلَوْ قَالَ : مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا ، فَدَلَّهُ مَنْ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ " عَلَيْهِ " بِالشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الرَّدِّ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ .
وَيُخَالِفُ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَدَلَّهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ : وَإِذَا قُلْنَا : يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى وَضْعِ الْجُذُوعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .
قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ : وَلَوْ دَفَعَ صَاحِبُ الْجِدَارِ إلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ عِوَضًا ، لِيُسْقِطَ حَقَّهُ مِنْ الْوَضْعِ جَازَ .
وَلَوْ أَصْدَقَهَا أَدَاءً شَهَادَةٍ لَهَا عِنْدَهُ أَوْ أَصْدَقَ كِتَابِيَّةً تَلَقَّيْنَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَصِحَّ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ .
وَلَوْ خَلَّصَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِالْوُقُوعِ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ .
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ فِي
بَادِيَةٍ فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ تَعَهُّدُهُ .
زَادَ الْإِمَامُ : وَلَا أُجْرَةَ لَهُ .
وَإِذَا وَجَبَ بَذْلُ الْمَاءِ الْفَاضِلِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ .
" وَإِذَا " تَحَمَّلَ شَهَادَةً وَطُلِبَ " أَدَاؤُهَا مِنْهُ " لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " لِلنَّهْيِ " وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهُمَا : عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ ، وَلَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
الثَّانِيَةُ : بَذْلُ الطَّعَامِ " فِي الْمَخْمَصَةِ " وَاجِبٌ وَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ فِي تَخْلِيصِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ بِأَنَّ هُنَاكَ يَلْزَمُهُ التَّخْلِيصُ بِنَفْسِهِ ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : إذَا احْتَمَلَ الْحَالُ فِي الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ تَقْرِيرَ أُجْرَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ تَخْلِيصُهُ ، إلَّا بِهَا كَالْمُضْطَرِّ .
الثَّالِثَةُ : أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِتَعْلِيمِهَا ، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ ، بِخِلَافِ تَلْقِينِهَا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَضْعِ الْجِذْعِ ، أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْفَاقِ كَبَذْلِ فَضْلِ الْمَاءِ لِلْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَا يُؤْخَذُ بَدَلُهُ .
الرَّابِعَةُ : تَعْلِيمُ " الْقُرْآنِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ .
الْخَامِسَةُ : الْقَاضِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ " الْقَضَاءُ " وَهُوَ مُحْتَاجٌ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَتَعَطَّلُ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْكَسْبِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَمْ يَجُزْ " لَهُ " ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْضِيَةِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ .
السَّادِسَةُ : لَوْ " أَجَرَهُ " عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ صَحَّ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَصَحِّ .
السَّابِعَةُ : أَرْبَابُ الْحِرَفِ إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ يَعْمَلُونَ
بِالْأُجْرَةِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ تَعْلِيمُ الْفَاتِحَةِ لِلْجَاهِلِ بِأُجْرَةٍ .
الثَّامِنَةُ : مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ وَدُعِيَ إلَيْهَا جَازَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " فِي " الْأَصَحِّ ، بِخِلَافِ الْأَدَاءِ لِلتُّهْمَةِ ، أَمَّا لَوْ أَتَاهُ الْمُتَحَمِّلُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ " عَلَى " قَطْعِ الْمَسَافَةِ لَا عَلَى نَفْسِ التَّحَمُّلِ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَلَا يَأْخُذُ الشَّاهِدُ الرِّزْقَ عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَعَلَّلَهُ الْغَزَالِيُّ بِاتِّهَامِهِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : وَكَثِيرًا مَا يَسْأَلُ عَنْ التُّهْمَةِ الَّتِي تَحْلِقُ الشَّاهِدَ فِي أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُجَابُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا فِي الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا فِي التَّحَمُّلِ " فَلَا تُهْمَةَ " إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا " فَجُعِلَ " الرِّزْقُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَالْمَجْعُولُ لَهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الْمَقْصُودُ فَرَجَحَ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ، وَوَجْهُ التُّهْمَةِ فِي الْأَدَاءِ ظَاهِرٌ ، وَفِي التَّحَمُّلِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْأَدَاءُ عِنْدَ الطَّلَبِ ، وَإِذَا عُلِمَ مِنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ بِذَلِكَ ، إلَّا بِجُعْلٍ مَعَ أَنَّ مَا يَشْهَدُونَ بِهِ لَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ بِاحْتِمَالِ " ارْتِشَاءٍ " فَسُدَّ ذَلِكَ الْبَابُ .
قَالَ " وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ " وَالْقَاسِمِ " ؛ لِأَنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمَا فِي الْغَالِبِ سَبَبُهُ ظَاهِرٌ ، فَإِمَّا أَنْ تُعْدَمَ التُّهْمَةُ أَوْ تَقِلَّ ، " وَفَصَلَ " الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ : إنَّ الْجُعْلَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ نَظَرٌ ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ " لَهُ " الْأَخْذُ ، وَإِنْ كَانَ " مُكْتَفِيًا " فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَلَوْ أَخَذَ جَازَ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَفِيًا " لَمْ يَجُزْ لِلتَّحَمُّلِ وَلَا
لِلْأَدَاءِ .
وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ .
التَّاسِعَةُ : أَخْذٌ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَةِ الصَّكِّ يَجُوزُ قَطْعًا " إنْ " لَمْ يَتَعَيَّنْ ، وَكَذَا إنْ تَعَيَّنَ فِي الْأَصَحِّ وَقَاسَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ الطَّعَامِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَادَّعَى فِي الْبَسِيطِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ .
ضَابِطٌ : أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ .
أَنَّ الْوُجُوبَ إنْ لَاقَى الشَّخْصَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْأُجْرَةِ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ وَإِصْدَاقِ الْفَاتِحَةِ وَنَظَائِرِهَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْأُجْرَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُلَاقِهِ لَمْ يَجُزْ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْجِذْعِ ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ ، بَلْ لَهُ عَلَى جَارِهِ ، فَالْوُجُوبُ لَاقَى الْجَارَ أَوَّلًا فَلَا يَأْخُذُ " عَنْهُ عِوَضًا " .
فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ هُوَ كُلُّ " مُهِمٍّ " دِينِيٍّ يُرَادُ بِهِ حُصُولُهُ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ " عَيْنُ " مَنْ يَتَوَلَّاهُ ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ " دِينِيَّةٌ " وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا " فَقَصَدَ " الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا وَلَا يَقْصِدُ تَكْلِيفَ " الْوَاحِدِ وَامْتِحَانَهُ " بِهَا ، بِخِلَافِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْكُلَّ مُكَلَّفُونَ بِهَا مُمْتَحَنُونَ بِتَحْصِيلِهَا .
وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يُوَافِقُ الْغَزَالِيُّ ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ خِلَافُهُ .
الثَّانِي : يَنْقَسِمُ إلَى دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ : الْأَوَّلُ الدِّينِيُّ " وَهُوَ " ضَرْبَانِ : مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ .
فَالْأَوَّلُ : " الْقِيَامُ " بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ، وَإِثْبَاتِ " النُّبُوَّاتِ " ، وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْمُشْكِلَاتِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ .
وَالثَّانِي : كَالِاشْتِغَالِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ ، وَالتَّبَحُّرِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ { طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ " الْحَافِظُ الْمَزِيُّ " لَهُ طُرُقٌ يَبْلُغُ بِهَا دَرَجَةَ الْحَسَنِ .
" وَعَدَّ " الشِّهْرِسْتَانِيّ " فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، " قَالَ " : حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ " تُرَتَّبُ " الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً ، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً ، فَلَا بُدَّ " إذَنْ " مِنْ مُجْتَهِدٍ .
انْتَهَى .
وَمِنْهُ : " الْقَضَاءُ وَالْفَتْوَى ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ نَهْجِ الشَّرِيعَةِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْفَقِيهِ الْمُفْتِي الْمَنْصُوبِ فِي النَّاحِيَةِ بِالْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ مُلْزَمٌ " مِنْ رَفْعٍ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ " وَالْمُفْتِي يَرْجِعُ إلَيْهِ " الْمُسْلِمُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ .
وَمِنْ فُرُوضِ " الْكِفَايَةِ : الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الطِّبِّ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَأُلْحِقَ بِهِ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ الْحِسَابُ .
وَمِنْهُ : تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ " إذَا " أَرَادَ سَفَرًا فَفَرْضُ عَيْنٍ لِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ
عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ .
وَمِنْهُ : تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ لِمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ " تَعَالَى " فَهْمًا وَاطِّلَاعًا .
وَلَنْ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِهَا فِي ازْدِيَادٍ وَتَرَقٍّ فِي الْمَوَاهِبِ ، وَالْعِلْمُ لَا يَحِلُّ كَتْمُهُ ، فَلَوْ تُرِكَ التَّصْنِيفُ لَضُيِّعَ الْعِلْمُ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ قَالَ " اللَّهُ " تَعَالَى { وَإِذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ } ، وَيُقَالُ : إنَّ فِي التَّوْرَاةِ : عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا .
وَمِنْهُ : حُفِظَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ ، وَقَالَ : إنَّ حِفْظَهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَكَذَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ مِنْ كِتَابِ الشَّافِي ، قَالَ : وَكَذَا تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ .
وَمِنْهُ : نَقْلُ السُّنَنِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إذَا نَقَلَهَا مَنْ " فِيهِ " كِفَايَةٌ " سَقَطَ " فَرْضُهُ عَنْ الْبَاقِينَ .
وَمِنْهُ : جِهَادُ النَّفْسِ " قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ : جِهَادُ النَّفْسِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ لِيَرْقَى بِجِهَادِهَا فِي دَرَجَاتِ " الطَّاعَاتِ " وَيَطْهُرُ مَا " اسْتَطَاعَهُ " مِنْ الصِّفَاتِ لِيَقُومَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ رَجُلٌ مِنْ " عُلَمَاءِ " أَهْلِ الْبَاطِنِ ، كَمَا يَقُومُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْمُسْتَرْشِدَ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ ، فَالْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ وَالْعَارِفُ يُهْتَدَى بِهِ .
وَهَذَا مَا لَمْ " يَسْتَوْلِ " عَلَى النَّفْسِ طُغْيَانُهَا وَانْهِمَاكُهَا فِي عِصْيَانِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَارَ جِهَادُهَا فَرْضَ عَيْنٍ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ " أَكْبَرُ الْجَهَادَيْنِ " إلَى أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ " تَعَالَى " .
وَمِنْهُ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، قَالَ
الرَّافِعِيُّ : وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ .
قُلْت : وَلِهَذَا نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ .
وَمِنْهُ : إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَلَاةٍ " أَوْ اعْتِكَافٍ أَوْ طَوَافٍ " وَفَهِمَ النَّوَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ الْحَجِّ وَجَعْلِ الْحَجِّ مُتَعَيَّنًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّافِعِيُّ إحْيَاءَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ الْحَجِّ .
وَمِنْهُ : الْجِهَادُ وَأَقَلُّهُ كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً كَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ " وَوَجْهُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بَدَلًا عَنْ عَيْنِهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا إلَّا إذَا عُجِزَ عَمَّا فَوْقَهَا .
وَمِنْهُ : دَفْعُ ضَرَرِ الْمَحَاوِيجِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ أَوْ بَيْتِ مَالٍ ، وَمِثْلُهُ مَحَاوِيجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَيَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ .
وَمِنْهُ : تَجْهِيزُ الْمَوْتَى غُسْلًا وَتَكْفِينًا وَالْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ .
وَمِنْهُ : فَكُّ الْأَسْرَى قَالَ ابْنُ كَجٍّ : وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ابْتِيَاعُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، كَذَا رَأَيْته فِي التَّجْرِيدِ لَهُ .
وَمِنْهُ : تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ بِشَرْطِهِ وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا ، لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوَاجِبِ .
وَمِنْهُ : رَدُّ السَّلَامِ وَكَذَا الْأَذَانُ وَإِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى رَأْيٍ .
الثَّانِي : الدُّنْيَوِيُّ : كَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ " وَالْحِرَاثَةِ " " وَلَا " بُدَّ مِنْهُ حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكَنْسِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ " الْحَدِيثِ " " { اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ } " وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ " عَزَّ وَجَلَّ " " جُبِلَتْ " النُّفُوسُ
عَلَى الْقِيَامِ بِهَا .
وَلَوْ فُرِضَ امْتِنَاعُ الْخَلْقِ مِنْهَا أَثِمُوا وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ صَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ " إلَى " أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ " الطَّبْعَ " يَحُثُّ عَلَيْهَا فَأَغْنَى عَنْ حَثِّ الشَّرْعِ بِالْإِيجَابِ .
وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِمْ : إنَّ أَصْحَابَ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَكَيْف لَا يَقْبَلُ " بِفِعْلِهِمْ " فَرْضًا ، وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ " الْمُنَاكَحَاتِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى طَرِيقَةٍ فِي الصَّنَائِعِ ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يَحُثُّ عَلَيْهَا .
الثَّالِثُ : فَرْضُ الْكِفَايَةِ " لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ، بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ .
وَلِهَذَا فَارَقَهُ فِي أَقْسَامٍ : مِنْهَا : أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الْبَعْضِ خِلَافٌ .
وَمِنْهَا : أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا لِعُذْرٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا فِي " الْجِهَادِ وَالْجِنَازَةِ " وَالْحَجِّ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ .
وَمِنْهَا : مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ جَارٍ فِي الْقَاضِي وَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَغَيْرِهَا .
وَمِنْهَا : إنْ " تَعَيَّنَ " وَاحِدٌ مِمَّنْ " عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ " إنْ كَانَ الْمُعَيِّنُ " لَهُ الْإِمَامَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْآحَادِ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالشَّاهِدِ وَالْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبَرِ وَالْأَصَحُّ فِي الشَّاهِدِ إنْ عُلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يُجِيبُ " فَلَا " يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ امْتِنَاعُ غَيْرِهِ وَجَبَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى التَّوَاكُلِ وَأَمَّا الْقَاضِي فَكَالشَّاهِدِ ، وَأَمَّا الْمُفْتِي فَالْأَصَحُّ لَا يَأْثَمُ بِالرَّدِّ " إنْ " كَانَ هُنَاكَ " غَيْرُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُ حُكْمَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَلَا التَّطَوُّعِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَيْلًا حَيْثُ صَحَّحُوا الْإِسْرَارَ ، وَلَمْ يَقُولُوا : يَجْهَرُ كَالْفَرْضِ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْجَهْرِ كَالنَّافِلَةِ .
الرَّابِعُ : هَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ " فِي حَرْفِ الشَّيْنِ " .
وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ أَنَّهُ لَوْ شُرِعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ هَلْ يَلْزَمُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَ " هَلْ " يَقَعُ فَرْضًا أَمْ لَا ؟
الْخَامِسُ : قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : " لِلْقِيَامِ " بِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ " مَزِيَّةٌ عَلَى ( الْقِيَامِ ) بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ : إنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ " الْمُتَعَيِّنُ " اخْتَصَّ هُوَ بِالْأَثِمِ .
وَلَوْ تَرَكَ الْجَمِيعُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَثِمُوا وَلَوْ فَعَلَهُ " أَسْقَطَ " الْحَرَجَ عَنْ الْجَمِيعِ .
قُلْت وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَحْسَنُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَزِيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ فَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِأَمْرٍ وَيَفْضُلُهُ الْفَاضِلُ بِأُمُورٍ .
وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ أَخَذَهَا النَّاسُ " مِنْهُ " " مُسَلَّمَةً " تَقْلِيدًا وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إذَا ازْدَحَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَسَعُ الزَّمَنُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ فَرْضِ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ ، كَمَا فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَهُ قَرِيبٌ مُمَرَّضٌ ، بَلْ قَالُوا : لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ ؛ لِأَنَّ " لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا " وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لَهُمَا فَتَقْدِيمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَفَرْضٌ وَلَمْ يُخَفْ فَوْتُ الْفَرْضِ قُدِّمَ الْكُسُوفُ كَيْ لَا يَفُوتَ مَعَ أَنَّ الْكُسُوفَ سُنَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهُ حُكْمًا بِأَفْضَلِيَّتِهِ .
وَلَوْ كَانَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ " وَحَصَلَتْ لَهُ جِنَازَةٌ " " كُرِهَ " لَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ " قَالَهُ الرَّافِعِيُّ " " إذْ لَا " يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ " لِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ .
انْتَهَى .
وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ الشُّرُوعَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ يُلْزَمُ بِهِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ قَضَاءً وَإِنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ " وَفِي الشُّرُوعِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ " خِلَافٌ " وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ
أُجْبِرَ عَلَيْهِ قَطْعًا وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ " وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلِينَ " بِتَفْضِيلِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ أَرَادُوا بِهِ الْجِنْسَ عَلَى الْجِنْسِ وَهُوَ مُنَازَعٌ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِمْ } مَعَ أَنَّ فِي " تَعَلُّقِ " فَرْضِ الْكِفَايَةِ " بِالْجَمِيعِ " خِلَافًا .
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الَّتِي " اسْتَنَدَ " إلَيْهَا هَذَا الْقَائِلُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ وَلَيْسَتْ بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ " فِي حَرْفِ الْعَيْنِ " وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا شَكَّ فِي تَخْصِيصِهِ " بِمَنْ " سَبَقَ إلَيْهِ أَوَّلًا ، أَمَّا مَنْ " فَعَلَهُ " ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا : يَقَعُ فَرْضًا ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَتَسْمِيَةَ الثَّانِي فَرْضًا إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ ثَوَابِ الْفَرْضِ .
الْفَسْخُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ كَمَا تَعَلَّقَتْ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعَقْدُ كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ .
الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : الِانْفِسَاخُ انْقِلَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى دَافِعِهِ ، وَالْفَسْخُ هُوَ قَلْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى صَاحِبِهِ فَهَذَا هُوَ فِعْلُ الْفَاسِخِ فَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ " قَالَ " وَبِذَلِكَ رَدَدْنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رَدُّ الصَّدَاقِ " فَمَا " انْقَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَذَهَبَتْ حَقِيقَةُ الْفَسْخِ .
الثَّانِي : الْفُسُوخُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَخْتَلِفُ فِي " تَعَلُّقِ " الْفَسْخِ بِهِ كَالْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ " وَالْمَهْرِ " فَيُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ .
وَالثَّانِي : مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْفَسْخِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسْخُ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ مِثْلُ فَسْخِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ عَبْدٍ ، لَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يُفْتَقَرْ لِحَاكِمٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ مَا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ وَكَذَا الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ .
فَأَمَّا " إنْ " كَانَ الْخِلَافُ ضَعِيفًا يَسُوغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ بِهِ إلَى حَاكِمٍ .
الثَّالِثُ : إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ فَلَا يَمْلِكُهُ الْفَاسِخُ ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَاقِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَوْ اسْتَأْجَرَ " شَخْصًا " لِيَحُجَّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَنْ " مَيِّتٍ مِنْ مَالِهِ فَأَخَّرَ عَنْهَا فَلَا خِيَارَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّ الْفَائِدَةَ إمَّا فِي تَحْصِيلِ الْحَجِّ فِي " هَذِهِ السَّنَةِ ، وَقَدْ فَاتَ ، وَإِمَّا فِي الِانْتِفَاعِ بِالْأُجْرَةِ وَصَرْفِهَا فِي أَغْرَاضِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الدِّيَاتِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ الْجَانِيَ ثُمَّ اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ ، قَالَ : وَقَدْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا الرَّقَبَةُ : فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الرَّدِّ ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا " رَدَّ " فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ إنْ عَتَقَ " بِمَا " يَفْضُلُ عَنْ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلٍ .
وَمِنْهَا : الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ لَا فَائِدَةَ لَهُ ، لِأَنَّهَا إذَا فَسَخَتْ النِّكَاحَ وَتَزَوَّجَتْ لَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ ، بَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ .
وَلَوْ أُعْسِرَ بِصَدَاقِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ فَلَا خِيَارَ لِلْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ نِصْفُهُ وَبَعْدَ الدُّخُولِ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ ، كَمَا كَانَ وَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ النَّفَقَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ عَبْدًا " مِنْ رَجُلٍ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ فِي يَدِهِ .
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ : يُنْظَرُ إنْ كَانَ مُشْتَرِيهِ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ نَظَرَ ؛ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا بَاعَهُ أَوْ بِأَكْثَرَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ إنْ رَدَّهُ إلَيْهِ تَحْصُلُ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ عَوْدُ
الثَّمَنِ الْأَكْثَرِ إلَيْهِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الَّذِي بَاعَهُ فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا " لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي رَدِّهِ وَأَصَحُّهُمَا لَهُ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ رُبَّمَا " يَرْضَى " بِهِ فَلَا يَرُدُّهُ .
الرَّابِعُ : الْفُسُوخُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ .
وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا : فَسْخٌ وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ ثَبَتَ .
كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ اخْتَارَ عَيْنَ مَالِهِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ وَلَا خِيَارَ " فِيهِ " ، وَقِيلَ : لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ " شَبِيهٌ " ، بِالْخِلَافِ فِي الشَّفِيعِ انْتَهَى .
وَلَمْ يَطَّرِدُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَسْخٌ لِثُبُوتِهَا بِالتَّرَاضِي بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ .
وَلَوْ تَقَايَلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ الْبَائِعُ عَلَى عَيْبٍ بِهِ حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا : فَسْخٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ وَإِنْ قُلْنَا : بَيْعٌ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ إنْ كَانَ جَاهِلًا .
وَلَك أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ .
" وَمِنْهُ مَا " فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ فَسَخَ الْمُشْتَرِي " الْبَيْعَ " بِعَيْبٍ قَدِيمٍ ، وَكَانَ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ " أَنْ انْفَسَخَ " فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُ الرَّدِّ ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَلْ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ ، كَمَا لَوْ تَقَايَلَ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الرَّدِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ .
وَمِثْلُهُ قَوْلِهِمْ : إذَا قُلْنَا : " يَمْتَدُّ " خِيَارُ التَّصْرِيَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَاطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ " ثَلَاثٍ " ، لَا رَدَّ لَهُ ، قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الرَّدُّ وَيَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ انْتَهَى وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَقَالَ : إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ رَدَّ ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَإِنَّمَا الثَّلَاثُ فُسْحَةٌ لَهُ إذَا عَلِمَ " التَّصْرِيَةَ " فِيهَا فَلَهُ تَأْخِيرُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسْخَ وَالِانْفِسَاخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ دُونَ الْفُسُوخِ ، وَكَذَا الْعَزْلُ وَالِانْعِزَالُ ، كَمَا
اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ حَيْثُ قَالَ " لَوْ " عَزَلَ الْمُودِعُ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا : الْوَدِيعَةُ عَقْدٌ ارْتَفَعَتْ أَوْ مُجَرَّدُ إذْنٍ فَالْعَزْلُ لَغْوٌ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي تَنَاوُلِ طَعَامِهِ لِلضِّيفَانِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَزَلْت نَفْسِي فَيَلْغُو قَوْلُهُ .
قُلْت : وَهَذَا الْخِلَافُ فِي أَمِينِ الْمَالِكِ ، أَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالِاتِّفَاقِ ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ ، فَلَوْ قَالَ : فَسَخْت الْأَمَانَةَ كَانَ عَلَى الْأَمَانَةِ ، فَمَتَى لَمْ يَرُدَّ حَتَّى هَلَكَتْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّهَا لَا ضَمَانَ .
وَمِمَّا " يَبْنِي " عَلَى هَذَا أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ جَعَلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَقَالَ الْوَكِيلُ : عَزَلْت نَفْسِي لَا يَنْعَزِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ : أُلْزِمْت الْعَقْدَ فَيُلْزَمُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ " عَزَلْت نَفْسِي عَنْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِمَشِيئَتِي فَلَا يَصِحُّ بَلْ مَتَى شَاءَ وَقَعَ .
الْخَامِسُ : الْعَقْدُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ لِيَشْمَلَ الْحَمْلَ إذَا بَاعَ الْحَامِلُ وَأَطْلَقَ ، وَقُلْنَا : يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ .
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمَعْدُومِ فِي مَوْضِعَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : بَابُ التَّحَالُفِ .
الثَّانِي : الْإِقَالَةُ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ " فِي كِتَابِ السَّلَمِ : لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ ثُمَّ اسْتَقَالَهُ الْبَائِعُ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الثَّمَنَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْهُ ، قَالَ الْقَفَّالُ " فَجُوِّزَ " الْفَسْخُ فِي التَّالِفِ ، " لَكِنَّهُ " نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَحَصَلَ قَوْلَانِ وَأَجْرَاهُمَا الْقَفَّالُ فَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِهِمَا عَيْبًا هَلْ لَهُ فَسْخُهُ فِي التَّالِفِ وَالْقَائِمِ ؟ قَوْلَانِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ إنْ جَعَلْنَاهَا فَسْخًا عَلَى الْأَصَحِّ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فَفِي الْإِقَالَةِ فِي " الثَّانِي " وَجْهَانِ بِالتَّرْتِيبِ " أَوْ " الْقَائِمُ تُصَادِفُهُ الْإِقَالَةُ ، وَيَسْتَتْبِعُ التَّالِفُ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا ذَلِكَ فِي الْفَسْخِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدَّرُوا الِانْفِسَاخَ قُبَيْلَهُ ، فَقَالُوا : لِأَنَّ التَّالِفَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فِيهِ ، كَمَا لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ فَاحْتَجْنَا " لِلتَّقْدِيرِ " .
" وَقَدْ ثَبَتَ " الْخِيَارُ فِي التَّالِفِ ، كَمَا فِي إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ .
السَّادِسُ : سَائِرُ الْعُقُودِ تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الْخُلْعِ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ النِّكَاحَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ؟ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ كَالْبَيْعِ ، وَالثَّانِي : لَا ، لِأَنَّ وَضْعَ النِّكَاحِ عَلَى الدَّوَامِ وَالتَّأْيِيدِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ لِضَرُورَةٍ عَظِيمَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ .
وَجَعَلَهَا أَصْلَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ .
وَأَغْرَبَ الْإِمَامُ هُنَاكَ " أَيْضًا " فَنَقَلَ " عَنْ شَيْخِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ " بِقَبُولِهِ " الْفَسْخَ .
وَالْقَوْلَانِ فِي لَفْظِ الْإِقَالَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : كُلُّ مَا فُرِضَ عَلَى التَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ أَوْ الْإِقَالَةِ ، فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَا نَظَرَ إلَى لَفْظِ الْفَسْخِ فَالْفَسْخُ لَفْظٌ أَلِفَهُ الْفُقَهَاءُ وَمَعْنَاهُ رَدُّ شَيْءٍ وَاسْتِرْدَادُ مُقَابِلِهِ ، وَالْإِقَالَةُ مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ مَا تَقَدَّمَ ، وَرَدِّ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ .
تَنْبِيهٌ : هَذَا فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، أَمَّا الْجَائِزَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَرَاضِيهِمَا ، بَلْ لِكُلٍّ مِنْهَا الْفَسْخُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْجَائِزَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ يَفْسَخُ الرَّهْنَ ، وَالْعَبْدُ يَفْسَخُ الْكِتَابَةَ ، وَالْعَامِلُ فِي الْجَعَالَةِ وَنَحْوِهِ .
السَّابِعُ : مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ فَقَالَ : أَسْقَطْته هَلْ يَسْقُطُ ؟ نَظَرٌ ، إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَدَّدُ ضَرَرُهُ سَقَطَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَدَّدُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ السَّلَمِ ، وَقَدْ " بَيَّنْت " فُرُوعَهَا فِي بَحْثِ الْخِيَارِ .
الثَّامِنُ : الْفَسْخُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الرَّافِعُ لِلْعَقْدِ كَالْفَسْخِ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ أَوْ تَلَفِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ " بِعَيْبِ " أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ .
وَالْمَجَازُ أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا ، " بَلْ " قَاطِعًا كَالطَّلَاقِ لَيْسَ رَفْعًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ قَطْعًا لِلْعِصْمَةِ ، " وَكَذَلِكَ " الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ وَالْفَسْخُ رَافِعٌ لِلْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي " أَنَّ " الْفَسْخَ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ هَلْ هُوَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ : إذَا قُلْنَا مِنْ حِينِهِ فَهُوَ وَالْقَطْعُ سَوَاءٌ ، فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشِرَاؤُهُ اقْتَضَى أَحْكَامًا مِنْ الْمِلْكِ ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ مَثَلًا " أَوْ بَاعَهُ " أَوْ وَهَبَهُ كَانَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ قَاطِعَةً لِلْمِلْكِ وَلَيْسَتْ رَافِعَةً " لِشِرَائِهِ " ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ آثَارِهِ ، فَكَيْف تَرْفَعُهُ ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ " رَجَعَ " إلَيْهِ بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَكَانَ الْمِلْكُ الثَّانِي مُسْتَفَادًا مِنْ شِرَائِهِ السَّابِقِ عَلَى بَيْعِهِ ، وَلَيْسَ مِلْكًا جَدِيدًا بِالْفَسْخِ ، وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ كَانَ عَوْدُهُ إلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ مُبْتَدَأً .
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا " رَدُّهُ " لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ رَدَّهُ " عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ لَا يُعْتَقُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ ، " لِأَنَّ الْمِلْكَ " الْعَائِدَ هُوَ الْأَوَّلُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ " حَيْثُ " فَرَّقُوا بَيْنَ رُجُوعِهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَرُجُوعِهِ بِالْأَوَّلِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
التَّاسِعُ : الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ ؟ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ : الثَّانِي " حَيْثُ يَفُوزُ الرَّدُّ " بِالزَّوَائِدِ ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخِيَارِ إلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَعُودُ إلَى " الْفَاسِخِ " مَعَ الْفَسْخِ " أَوْ قَبْلَهُ " ، وَهَذَا النَّظَرُ أَدَقُّ مِمَّا قَبْلَهُ .
وَالْمُرَادُ بِارْتِفَاعِهِ مِنْ حِينِهِ ارْتِفَاعُ الْمِلْكِ " فِي الْمَبِيعِ " فَقَطْ دُونَ زَوَائِدَ ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الْفَسْخِ " بِخِيَارِ " الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الْإِقَالَةِ ، وَقِيلَ : فِي الْإِقَالَةِ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَيَجْرِي فِي الْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ .
وَلَوْ فُسِخَ الْمَبِيعُ بِالْفَلَسِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَى الثَّمَنِ ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَالزَّوَائِدُ لَهُ قَطْعًا .
وَمِثْلُهُ رُجُوعُ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ ، وَيَجْرِي فِي الِانْفِسَاخِ أَيْضًا ، فَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ ، وَهَلْ يُقَدَّرُ ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِ التَّلَفِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ .
وَهُنَا تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ حَكَوْا هَذَا الْخِلَافَ فِي الْفَسْخِ وَلَمْ يُطْرِدُوهُ فِي الْإِجَازَةِ هَلْ تَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ حُدُوثِهِ مِنْ حِينِهَا ؟ وَثَانِيهِمَا : أَنَّهُمْ لَمْ يُجْرُوا هَذَا الْخِلَافَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ، وَالْقِيَاسُ مَجِيئُهُ فِي الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ مِنْ أَصْلِهِ " أَنْ يُتَبَيَّنَ " " عَدَمُ الْوُقُوعِ ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّرْعَ سَلَّطَ الْعَاقِدَ عَلَى رَفْعِ أَحْكَامِهِ وَجَعَلَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ عُيُوبُهَا مُخْتَلِفَةً ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ .
إمَّا أَنْ يَرْفَعَ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ .
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَجِبْ
الْمُسَمَّى سَوَاءٌ كَانَ بِمُقَارِنٍ " أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ " .
وَإِنْ كَانَ مِنْ حِينِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ .
وَالتَّفْصِيلُ مَا وَجْهُهُ ؟ وَلِهَذَا السُّؤَالِ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَفْعٌ " لِلْعَقْدِ " مِنْ حِينِ حُدُوثِ سَبَبِهِ لَا مِنْ أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهَا الْمَنَافِعُ وَهِيَ لَا " تُقْبَضُ " حَقِيقَةً ، إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ " وَأَمَّا " الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَالرِّقِّ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِ قَاطِعَةٌ لَهُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَلَا تَعُودُ إلَى أَصْلِ " الْعَقْدِ " " قَطْعًا وَلَا يَقْتَضِي تَرَادَّ الْعِوَضَيْنِ ، بَلْ إنْ كَانَ مِنْهُمَا سَقَطَ الْمَهْرُ " ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلِهَذَا إذَا " اشْتَرَتْ " زَوْجَهَا سَقَطَ فِي الْأَصَحِّ " وَإِذَا " اشْتَرَاهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يُشْطَرُ فِي الْأَصَحِّ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهُمْ فَصَلُوا فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فِي تَشْطِيرِ الصَّدَاقِ " وَتَكْمِيلِهِ " وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، وَنَقَلُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ بِالنِّكَاحِ ، وَقَالَ فِي الْجَمِيعِ مَا كَانَ فَسْخًا حَقِيقَةً يَقْتَضِي رَدَّ الْعِوَضِ وَمَا كَانَ فَسْخًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَقَالَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ بِعَشْرَةٍ " دَفَعَهَا " وَاسْتَنْفَقَهَا الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَخَلَّفَ الدَّارَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ تَنْفَسِخُ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ : نَعَمْ ، وَقَالَ الشَّارِحُونَ : هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الشِّرَاءِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِصِفَةٍ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَتْ الْأَمَةُ : مَتَى أُعْتِقْت تَحْتَ " هَذَا " الْعَبْدِ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهِ لَمْ يَصِحَّ .
وَلَوْ أَسْلَمَ عَنْ زَوْجَاتٍ مُشْرِكَاتٍ وَقَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا ؛ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا إنْ أَرَادَ " بِهِ " حِلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : الْفُسُوخُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُقُودِ .
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا بِثَوْبٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَهُ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَجَدَ مُشْتَرِي الْعَبْدِ بِهِ عَيْبًا فَقِيلَ : يَرُدُّهُ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : عَلَى الْوَجْهَيْنِ .
وَلَوْ تَقَايُلًا حَيْثُ لَا عَيْبَ وَقُلْنَا : الْإِقَالَةُ فَسْخٌ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ اغْتَفَرُوا فِيهَا حُصُولَ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْفَسْخِ وَإِنْ " لَمْ " يُخَيِّرُوهُ ابْتِدَاءً .
وَمِنْهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ ، وَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَجْهَانِ ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ ، " وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْجَوَازَ " ، وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَيَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ " فَأَجَازَ " ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي صُوَرٍ يَضْبِطُهَا أَنْ يَدُومَ الضَّرَرُ ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : إذَا اجْتَمَعَ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ تَغْلِبُ الْإِجَازَةُ إلَّا فِي " صُورَتَيْنِ " " إحْدَاهُمَا " إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَأَعْتَقَهَا فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ وَأَجَازَ فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ " ، كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَمَاتَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِجَازَةُ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : " يَصِحُّ " التَّوْكِيلُ فِي الْفُسُوخِ إلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهْوَةِ النَّفْسِ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَا يُوَكِّلُ فِيهِ فَإِنْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ جَازَ ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصِحُّ ضِمْنًا ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَمَوْضِعُ التَّوْكِيلِ بِالْفَسْخِ إذَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَإِلَّا فَالتَّوْكِيلُ " فِيهِ " تَفْسِيرٌ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي .
الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَمِنْ ثَمَّ الْجَمَاعَةُ خَارِجَ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ دَاخِلَهَا .
وَالْجَمَاعَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّفَلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الرِّيَاءِ رَاجِعٌ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ لِلطَّائِفِ مُسْتَحَبٌّ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمْلُ إلَّا مَعَ الْبُعْدِ " عَنْهُ " آثَرَهُ ، لِأَنَّ الدُّنُوَّ فَضِيلَةٌ " مُتَعَلِّقَةٌ " بِالْمَكَانِ وَالرَّمْلُ فَضِيلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ : مِنْهَا : مَنْ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ تَتَعَطَّلُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ " كَثِيرَةٍ " فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا فِيهِ أَفْضَلُ .
وَمِنْهَا : الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ ، كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنْ أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ : إنَّ " الْكَثِيرَةَ " فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَلِيلَةِ فِي الْمَسْجِدِ .
فِعْلُ النَّفْسِ لَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ أَحَدٍ كَالْمُصَلِّي يَنْسَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالْقَاضِي وَالشَّاهِدِ يَنْسَيَانِ الْوَاقِعَةَ .
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ : " إحْدَاهُمَا " حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّك فَعَلْته وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ لِخَبَرِهِمَا .
الثَّانِيَةُ : لَوْ شَهِدَا " عَلَى " الْقَاضِي أَنَّك أَمَّنْت فُلَانًا الْكَافِرَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ حُكِمَ بِقَوْلِهِمَا ، " لِأَنَّهُ " شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ : وَمُرَادُهُ بِالْعَقْدِ أَيُّ عَقْدِ أَمَانٍ ، وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ ، وَلِأَنَّهُ بَابٌ مُوَسَّعٌ وَالْقَتْلُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْقَاضِي بِهَذَا بَلْ لَوْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ أَنَّك أَمَّنْت كَافِرًا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ .
كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ " فِعْلِ " نَفْسِهِ قَبِلْنَاهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ " إلَّا حَيْثُ تَتَعَلَّقُ " بِهِ " شَهَادَةٌ " كَشَهَادَةِ " الْمُرْضِعَةِ " وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ دَعْوَى كَوِلَادَةِ الْوَلَدِ الْمَجْهُولِ وَاسْتِلْحَاقِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ .
الْفِعْلُ يَنُوبُ عَنْ الْقَوْلِ مَعَ الْقَرِينَةِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا : الْمُعَاطَاةُ فِي الْبَيْعِ ، إذَا جَوَّزْنَاهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ وَجَدَ هَدْيًا مَذْبُوحًا مُشْعِرًا حَلَّ لَهُ تَنَاوُلُهُ فِي الْأَظْهَرِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَلَّدَ الْهَدْيَ أَوْ أَشْعَرَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ بَنَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا " وَقَضِيَّتُهُ " اللُّزُومُ .
وَمِنْهَا : لَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ رَأْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ كَمَنْ نَذَرَ حَلْقَهُ " فَيَلْزَمُهُ حَلْقُهُ " فِيهِ قَوْلَانِ مِمَّا سَبَقَ .
وَمِنْهَا : تَصِيرُ الْبُقْعَةُ مَسْجِدًا بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ إذَا بَنَاهَا فِي مَوَاتٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَمِنْهَا : الرِّدَّةُ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ .
وَلِهَذَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ : بِنَاءُ الْكَنَائِسِ رِدَّةٌ ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ : لِأَنَّ عِنْدَهُ إرَادَةَ الْكُفْرِ " كُفْرٌ " لَا لِذَاتِهَا ، لَكِنْ " لِكَوْنِهَا " اسْتِهَانَةً " بِالدِّينِ " .
الْفِعْلُ الْقَلِيلُ فِي الصَّلَاةِ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ صُوَرٍ : إحْدَاهَا : مَا فِيهِ لَعِبٌ كَمَا لَوْ صَفَّقَتْ الْمَرْأَةُ لِأَمْرٍ " نَابَهَا فِي صَلَاتِهَا " بِبَطْنِ الْيَمِينِ عَلَى " بَطْنِ " الْيَسَارِ ، لِأَنَّهُ لَعِبٌ ، وَقَلِيلُ اللَّعِبِ مُبْطِلٌ .
الثَّانِيَةُ : مَا إذَا كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ .
الثَّالِثَةُ : إذَا نَوَى " بِهِ " عَمَلًا كَثِيرًا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَلِيلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ .
وَمِثْلُهُ : إذَا سَكَتَ يَسِيرًا فِي الْفَاتِحَةِ نَاوِيًا قَطْعَهَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ
الْقَبْضُ وَالْإِقْبَاضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ : سَلِّمْهَا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إقْبَاضِ الزَّكَاةِ لِمُعَيَّنٍ ، وَلَوْ سَلَّمَتْ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ ثَبَتَ لِلسَّفِيهِ دَيْنٌ فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ " وَلِيِّهِ " فَوَجْهَانِ رَجَّحَ الْحَنَّاطِيُّ الصِّحَّةَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جُنَّ الْمُشْتَرِي فَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْهُ صَحَّ ، وَإِنْ قَبَضَ مِنْ مَجْنُونٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِصَاصِ بِالسَّيْفِ ، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ قِصَاصٌ ، فَاسْتَوْفَاهُ الْمُسْتَحِقُّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ .
الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاصِلِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ ، وَلَيْسَ كَالْقُدْرَةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْفَقِيرُ الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ غَنِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُوسِرِ نَفَقَتُهُ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ بِجِهَةِ الْفَقْرِ .
وَمِنْ الثَّانِي : الْمُفْلِسُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ نَعَمْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْغَرِيمِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الْأَصَحِّ ، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ ، لِوَفَاءِ الدَّيْنِ .
وَالْمُسَافِرُ الْفَاقِدُ لِثَمَنِ الْمَاءِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ لَا يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لَهُ ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ .
وَالْفَقِيرُ الْكَسُوبُ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ قَطْعًا وَتَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ قَطْعًا ، بَلْ تَلْزَمُ الْعَاجِرَ عَنْ الْكَسْبِ فِي الْأَصَحِّ ، وَتَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ " حَتَّى يُوسِرَ " وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ " لِيَحُجَّ " كَمَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَهُ صَنْعَةٌ " يَكْتَسِبُ " فِيهَا كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ وَمَئُونَةَ حَجِّهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ كَانَ " يَكْتَسِبُ " فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأُولَى إذَا قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ فِي بَلَدِهِ " بِمَا " يَكْفِيه مَئُونَةُ أَيَّامٍ ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ .
وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ بِنْتِ مَخَاضٍ .
وَلَوْ كَانَ الْغَارِمُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَسُوبٌ يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ كَسْبِهِ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْطِي بِخِلَافِ الْفَقِيرِ ، لِأَنَّ حَاجَتَهُ تَتَحَقَّقُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَالْكَسُوبُ يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ ، وَهُنَا الْحَاجَةُ حَاصِلَةٌ فِي
الْحَالِ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى " اكْتِسَابِ " مَا يَقْضِي بِهِ " دَيْنَهُ " عَلَى التَّدْرِيجِ .
وَمِثْلُهُ : الْمُكَاتَبُ .
وَمِنْ " هَذَا " يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى التَّحْصِيلِ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ " بِالْجُمْلَةِ " ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ .
وَأَمَّا الِاكْتِسَابُ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَرِدُ عَلَى الثَّانِي ، بَلْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوهُ فِي الْقَرِيبِ ، بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْكَسْبِ فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ فِي الزَّوْجَةِ لِالْتِحَاقِ نَفَقَتِهَا بِالدُّيُونِ .
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي صُوَرٌ : كَالْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ .
وَكَمَا لَوْ بُذِلَ " لِلْمُسَافِرِ " الْمَاءُ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَهُوَ وَاجِدٌ " الثَّمَنَ " يَلْزَمُهُ ، وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى ثَمَنِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ " يُعَدُّ وَاجِدًا لَهُمَا " حَتَّى يَلْزَمَهُ الْحَجُّ " وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى صَدَاقِ حُرَّةٍ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَيْهَا حَتَّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ الْأَمَةُ " .
وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى شِرَاءِ الْحَبِّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ " وَنَظَائِرُهُ "
الْقَرَائِنُ إذَا انْضَمَّتْ إلَى الضَّعِيفِ أَلْحَقَتْهُ بِالْقَوِيِّ ، لَكِنْ هَلْ الْعَمَلُ حِينَئِذٍ بِالْقَرَائِنِ وَحْدَهَا أَوْ بِالْمَجْمُوعِ ؟ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا احْتَفَتْ بِهِ الْقَرَائِنُ أَفَادَ الْعِلْمَ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَنَّ " الْخَبَرَ " الْمُرْسَلَ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ السَّبْعَةِ " الْمَشْهُورَةِ " الْتَحَقَ بِالْمُسْنَدِ .
وَمِنْهَا : الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الصَّبِيِّ الْمَوْثُوقِ بِهِ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَإِيصَالِ الْهَدِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَجَعَلَ النَّوَوِيُّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِ بِهِ قَرِينَةٌ " لِصِدْقِهِ " فَإِنْ احْتَفَتْ " بِهِ " اُعْتُمِدَ قَطْعًا .
وَمِنْهَا : إخْبَارُ الْفَاسِقِ أَنْ لَا مَاءَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ ، كَمَا " قَالَهُ " الْمَاوَرْدِيُّ لِاعْتِضَادِهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ .
وَمِنْهَا : مَسَائِلُ اللَّوَثِ جَمِيعُهَا فِي بَابِ الْقَسَامَةِ دَائِرَةٌ مَعَ الْقَرَائِنِ .
وَلَوْ ادَّعَى سَبْقَ اللِّسَانِ إلَى الطَّلَاقِ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ مِنْ مُدَّعِيه وَوُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَمَا إذَا قَالَ : طَلَّقْتُك ، ثُمَّ قَالَ : سَبَقَ لِسَانِي وَكُنْت أَقُولُ : " طَلَبْتُك " ، فَعَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ الْقَبُولُ .
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا اُتُّهِمَ فَإِنْ كَانَتْ " قَرِينَةٌ " تُصَدِّقُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمَهُ .
وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ مَعَ الْقَرِينَةِ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ .
وَمِمَّا لَمْ يُعْتَمَدْ فِيهِ عَلَى الْقَرِينَةِ مَسْأَلَةُ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَلِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : مَا صَلُحَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا صَلُحَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ " وَمِنْهَا : دَعْوَى السَّارِقِ أَنَّهُ مِلْكُهُ تُسْمَعُ وَإِنْ كَانَتْ الْقَرَائِنُ بِخِلَافِهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَى دَعْوَى " يَشْهَدُ الظَّاهِرُ بِكَذِبِهَا
مِثْلَ أَنْ ادَّعَى كَنَّاسٌ " عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِكَنْسِ دَارِهِ تُسْمَعُ " .
وَمِنْهَا : كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى " الصَّرَائِحِ " بِالْقَرَائِنِ .
وَمِنْهَا : لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمَنْصُوصِ مَا لَمْ يَشْرِطْهَا .
وَمِنْهَا : الْهِبَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ .
الْقُرْبَةُ مَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، كَذَا ضَبَطَهُ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي فِي الْأَسْرَارِ قَالَ : وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ " إيصَالُ " النَّفْعِ إلَى الْآدَمِيِّ .
وَأَوْرَدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ قُرْبَةً .
وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ السَّتْرُ عَادَةٌ وَمُرُوءَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَوْرَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : قُلْت : عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلَامِ قُرْبَةٌ ، " قَالَ " : لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ انْتَهَى .
وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْقَفَّالِ أَنْ يُجِيبَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْتَزَمَ الْقَفَّالُ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَقَالَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ : إنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ الْإِمَامِ وَلَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُثَبْ ، قَالَ : وَيَعْصِي لَوْ اسْتَوْفَاهُ " عَبَثًا " مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ : الْقُرْبَةُ مَا يَصِيرُ الْمُتَقَرِّبُ بِهِ مُتَقَرِّبًا ، وَقِيلَ : هِيَ الطَّاعَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقُرْبَةِ الْعِلْمُ " بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ " فَمُحَالٌ " وُجُودُ الْقُرْبَةِ " قَبْلَ " الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " فَهُوَ وَاجِبٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ ، فَكُلُّ قُرْبَةٍ طَاعَةٌ وَلَا تَنْعَكِسُ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةٌ وَلَيْسَتْ " بِقُرْبَةٍ " ؛ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا " تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْهُ " .
وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقُرَبِ تَتَفَاوَتُ ، فَالْقُرْبَةُ فِي الْهِبَةِ "
أَتَمُّ " مِنْهَا فِي الْقَرْضِ ، وَفِي الْوَقْفِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ دَائِمٌ يَتَكَرَّرُ ، وَالصَّدَقَةُ " أَتَمُّ " مِنْ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ حَظِّهِ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ فِي الْحَالِ ، كَذَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ .
الْقُرْعَةُ وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ : الْأَوَّلُ : فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ تُسَاوِي الْمُسْتَحَقِّينَ كَاجْتِمَاعِ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ .
وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي الْحَاضِنَاتِ إذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ ، وَكَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْأَصَحِّ ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَقِّ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ ، وَقِيلَ : وَيَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ بِلَا قُرْعَةٍ .
الثَّانِي : فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهِ وَالْعَجْزِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : إنْ كَانَ " هَذَا " الطَّائِرٌ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ وَأَشْكَلَ لَا يُقْرَعُ مَا دَامَ الْحَالِفُ حَيًّا عَلَى الْمَذْهَبِ لِتَوَقُّعِ الْبَيَانِ وَقِيلَ : يُقْرَعُ كَمَا إذَا مَاتَ .
الثَّالِثُ : فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : إحْدَاهُمَا : الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ إذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ .
وَالثَّانِيَةُ : الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ .
وَالثَّالِثَةُ : عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ .
الرَّابِعُ : فِي حُقُوقِ الِاخْتِصَاصَاتِ .
كَالتَّزَاحُمِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَنِيلِ الْمَعْدِنِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا .
وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَبْضَاعِ ، وَلَا فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ الْمُبْهَمِ " مِنْ " الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا ابْتِدَاءً ، وَلَا فِي " لِحَاقِ " النَّسَبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ .
" وَلِهَذَا لَوْ " أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنْكَحَاهَا مَعًا فَبَاطِلَانِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِيهِ ، وَكَذَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا أَقْرَعَ فِي الْعِتْقِ وَلَمْ " يَفْعَلْ " فِي الطَّلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ
قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ النِّكَاحَ .
وَالْقُرْعَةُ لَا تَدْخُلُ فِي النِّكَاحِ بِالْإِجْمَاعِ .
وَالْعِتْقَ حَلَّ الْمِلْكَ .
وَالْقُرْعَةُ تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ .
وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ " تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الرَّقِيقِ ابْتِدَاءً وَهُوَ عِنْدَ الْغَنِيمَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ .
وَقَدْ تَدْخُلُ " فِي " الطَّلَاقِ إذَا كَانَ هُنَاكَ عِتْقٌ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا وَعِتْقَ الْعَبْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف دَخَلَتْ فِي شَيْئَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَدْخَلٌ فِي الْقُرْعَةِ .
قُلْنَا : يَجُوزُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الشَّيْئَيْنِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، " وَإِنْ " ثَبَتَ بِهِ أَحَدُهُمَا ، كَمَا أَنَّ الْقَطْعَ مَعَ الْغُرْمِ فِي السَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْغُرْمُ وَحْدَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " الْكِتَابَةِ ، وَالْإِقْرَاعُ فِي الْعِتْقِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْمَرِيضُ إذَا اسْتَوْعَبَ التَّرِكَةَ بِإِعْتَاقٍ وَاقْتَضَى الشَّرْعُ إرْقَاقَ بَعْضِهِمْ .
الثَّانِي : إذَا أَبْهَمَ السَّيِّدُ الْإِعْتَاقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ " لَمْ " يَقُمْ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ ، " فَأَمَّا " إذَا " عَيَّنَ الْمُعْتِقُ " " وُقُوعًا " ثُمَّ اسْتَبْهَمَ فَلَا جَرَيَانَ لِلْقُرْعَةِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ ، أَوْ قَالَ الْوَارِثُ : لَا عِلْمَ لِي فَإِنَّهُ يُقْرَعُ .
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ ، ثُمَّ مَاتَ فَأَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ حُكِمَ بِعِتْقِهِ .
وَلَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقْرَعَ ثَانِيًا وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِآخَرَ وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ مَا فَعَلُوا أَيْ
وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِعِتْقِ الْقَارِعِ ثَانِيًا .
وَلَوْ أَقْرَعَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ قَالَ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْرَعَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ .
وَمِنْهَا : أَنَّهُ لَوْ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِوَاحِدٍ وَحَكَمْنَا بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَبَهَ قَالَ يُقْرَعُ ثَانِيًا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَعُرِفَ سَبْقُ " عِتْقِ " أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ أَسْبَقَ تَارِيخًا وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ ثُمَّ اشْتَبَهَ لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، بَلْ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ لِلسَّابِقِ " قَطْعًا فَلَوْ أَقْرَعْنَا فَرُبَّمَا أَرْقَقْنَا الْحُرَّ وَهَا هُنَا الْقُرْعَةُ ظَنٌّ لَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ " قَطْعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ تِلْكَ إنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ يُحْكَمُ بِعِتْقِ ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا ثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ إذَا عُرِفَ السَّابِقُ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ .
قَالَ : وَلَوْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ ، لَكِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ " بِأَنْ " قِيلَ : أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ فَأَخْرَجَ فَتَلِفَتْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ .
وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِهَا فَنَقُولُ : لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الطِّهَارَاتِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي هَذَا الْإِنَاءِ دُونَ " ذَلِكَ " وَآخَرُ بِالْعَكْسِ تَعَارَضَا ، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ فَفِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّهَارَاتِ لَكِنْ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .
وَلَوْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ وَكَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُمَا
سَوَاءٌ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَعَلَى هَذَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَشْهُورُ " تَقْدِيمُ " الْجُنُبِ .
وَمِنْهَا : لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ بَذْلَ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ وَحَضَرَ رَجُلَانِ وَالثَّوْبُ لَا يَكْفِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ التَّوْزِيعُ وَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِالْقُرْعَةِ ، " قَالَ " " الْعِجْلِيُّ " وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَسْتُرُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ أَرَادَ الْإِنْصَافَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَمِنْهَا : فِي الْأَذَانِ إذَا تَنَازَعُوا فِي مَوْضِعِ تَسَاوِيهِمْ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ .
وَمِنْهَا : إذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي صِفَاتِ الْإِمَامَةِ وَتَشَاحَّا فِي " التَّقْدِيمِ " أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : إذَا سَبَقَ اثْنَانِ إلَى الْجُلُوسِ بِالْأَمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسَاجِد " أَوْ سَبَقَا " إلَى مَعْدِنٍ مُبَاحٍ وَضَاقَ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَكَذَا إذَا اجْتَمِعَا عَلَى " نَهْرٍ " مُبَاحٍ أَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ طِفْلًا وَتَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَالْأَوْلِيَاءُ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : إذَا " دَعَاهُ " اثْنَانِ مَعًا إلَى وَلِيمَةٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .
وَمِنْهَا إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ " مَعًا " قَدَّمَ " إحْدَاهُمَا " بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ عِنْدَ السَّفَرِ بِالْقُرْعَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِجَمَاعَةٍ وَتَشَاحُّوا فِي الِاسْتِيفَاءِ أُقْرِعَ .
وَمِنْهَا : ازْدِحَامُ الْخُصُومِ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِي الْقِسْمَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ .
وَمِنْهَا : الْمُمَيِّزُ إذَا اخْتَارَ الْأَبَوَيْنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَيَكْفُلُهُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ " الْقُرْعَةُ " فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقِيلَ : يُقْرَعُ ، كَمَا لَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، بَلْ تُقَدَّمُ الْأُمُّ اسْتِصْحَابًا " لِمَا كَانَ لَهَا " " قَاعِدَةٌ " مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ " اسْتَقَلَّ " بِالْحَقِّ وَلَا يَحْتَاجُ إذْنَ الْبَاقِينَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَابُ الْقِسْمَةِ إذَا "
جَرَتْ " بِالتَّرَاضِي لَا بِالِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ " التَّرَاضِي " بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَا يَكْفِي الرِّضَا الْأَوَّلُ .
ثَانِيهِمَا : بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِبِنَائِهِ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ تَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ فَلَوْ مَنَعَ غَيْرَهُ امْتَنَعَ ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يُنْقَضُ " بِخُرُوجِهَا " لِغَيْرِهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إبْرَائِهِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ .
الْقُصَارَةُ جَعَلُوهَا " فِي الْفَلَسِ عَيْنًا وَفِي الْغَصْبِ أَثَرًا " وَالضَّابِطُ : أَنَّ الْوَضْعَ إنْ كَانَ " مُحْتَرَمًا " فَعَيْنٌ وَأَلَّا فَأَثَرٌ
الْقَضَاءُ مُقَابِلُ الْأَدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : لَا يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ " سَبَبُ " الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالسَّبَبِ " الْمُقْتَضِي " مَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ سَوَاءٌ قَارَنَهُ مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا ، فَإِذَا تَقَدَّمَ السَّبَبُ وَلَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ .
وَمَتَى لَمْ يَتَقَدَّمْ السَّبَبُ أَصْلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ وَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا يَقْضِي لِوُجُودِ " سَبَبِ الْوُجُوبِ " ، وَالنَّائِمُ يَقْضِي لِوُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي قَارَنَهُ " مَانِعُ " الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّوْمُ .
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا " انْعَقَدَ سَبَبُ " وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ ، إمَّا لِمَانِعٍ " أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ " أَوْ تَخْفِيفًا مِنْ الشَّارِعِ هَلْ يُسَمَّى تَدَارُكُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ ، فَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ حَقِيقَةٌ سَوَاءٌ تَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلِهِ " فِي الْوَقْتِ " كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ شَرْعًا كَالْحَائِضِ أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : إطْلَاقُ اسْمِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ ، لَكِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يَخْشَى الْهَلَاكَ فِي الصَّوْمِ وَتَرَدَّدَ فِي بَقِيَّةِ " الصُّوَرِ " ثُمَّ رَجَّحَ كَوْنَهُ مَجَازًا ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنْ يُلْحَظَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي النِّيَّةِ .
وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ : إحْدَاهَا " : أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إذَا بَلَغَ لَا يُؤْمَرُ " بِقَضَاءِ " الصَّلَاةِ ، " لَا إيجَابًا " وَلَا نَدْبًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي ذِمَّتِهِ " سَبَبُ " الْوُجُوبِ .
وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَتَرَكَهَا ثُمَّ بَلَغَ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَدْبًا ، كَمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَدَاؤُهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا قُلْنَا : إنَّهُ مَأْمُورٌ " بِأَمْرِ الشَّرْعِ " فَإِنْ قُلْنَا : بِأَمْرِ
الْوَلِيِّ فَلَا " وَقَدْ حَكَى " ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ رِوَايَةِ الْجِيلِيِّ فِي أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ وَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُمَا مَا ذَكَرْنَا الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا أَفَاقَ لَا يُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَحَبَّ ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّهِ رُخْصَةٌ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ تَخْفِيفًا ، لَكِنْ قَالُوا : إنَّهُ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ قَضَاءُ النَّوَافِلِ " لِسُقُوطِ " الْفَرَائِضِ .
الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْحَائِضَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ ، لِأَنَّ سُقُوطَهَا فِي حَقِّهَا عَزِيمَةٌ وَلَيْسَتْ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْوُجُوبِ ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ " أَبِي بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيِّ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ الْكَرَاهَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إلَّا مَا اتَّصَفَ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ ، " فَإِنَّهَا تُوصَفُ " بِالْأَدَاءِ وَلَا تُقْضَى .
وَمِثْلُهُ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَلَا يَدْخُلُهُ " الْقَضَاءُ " ، فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ " وَصَلَّى بِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ " وَقَعَتْ قَضَاءً ، وَلَا يُوصَفُ " الْوُضُوءُ " بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوصَفَ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ ، كَذَا تَرَدَّدَ فِيهِ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَقُّهًا ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ : الطَّهَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَابِسَ خُفٍّ فِي الْحَضَرِ فَأَحْدَثَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَثَلًا وَهُوَ مُقِيمٌ وَخَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُوَ مُقِيمٌ وَسَافَرَ ثُمَّ مَسَحَ فِي السَّفَرِ " فَإِنَّهُ " عِنْدَهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ الطَّهَارَةِ اللَّازِمَةِ .
وَلَوْ تَطَهَّرَ فِي الْإِقَامَةِ وَمَسَحَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَسْحُ مُقِيمٍ ، " فَكَذَلِكَ " فِي قَضَائِهَا .
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ إلَّا إذَا أَمْكَنَ وَصْفُهُ بِضِدِّهِ ، كَالْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ " لَا " يُوصَفُ بِهِمَا إلَّا مَا أَمْكَنَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُجْزِئٍ وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَكَيْفَ تُوصَفُ الْجُمُعَةُ بِالْأَدَاءِ وَلَا تَقَعُ " غَيْرَ " مُؤَدَّاةٍ .
وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَدْ يُوصَفُ " الشَّيْءُ " بِمَا لَا يُوصَفُ بِضِدِّهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا ، وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ اشْتِرَاكٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَقَبِلَتْ الْوَصْفَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِجَهْلٍ مِنْ فَاعِلِهَا سُمِّيَتْ قَضَاءً فَاسِدًا فَصَحَّ وَصْفُ الْجُمُعَةِ
بِالْقَضَاءِ لَمَّا صَحَّ وَصْفُ الصَّلَاةِ بِالْفَسَادِ ، وَقِيلَ : يُتَصَوَّرُ قَضَاءُ الْجُمُعَةِ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا وَتَكُونَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ بِسَبَبِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ثُمَّ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ ، لَكِنْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ الظُّهْرُ فَلَا يَقْضِي غَيْرَهَا .
الثَّالِثُ : الْعِبَادَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا " : مَا لَا يُوصَفُ بِقَضَاءٍ وَلَا أَدَاءٍ كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ وَإِنْ أَثِمَ الْمُؤَخِّرُ لَهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ فَلَوْ تَدَارَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً .
الثَّانِي : مَا يُوصَفُ بِهِمَا وَهُوَ مَا لَهُ وَقْتٌ " مُحَدَّدٌ " مِنْ الْفَرَائِضِ قَطْعًا ، " وَكَذَا " النَّوَافِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ .
الثَّالِثُ : " مَا قَبْلَ " الْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْجُمُعَةُ وَالْوُضُوءُ عَلَى مَا سَبَقَ وَحُكِيَ فِي الْبَيَانِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ " أَنَّ الْجُمُعَةَ " إذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا أَرْبَعًا ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ " الرَّكْعَتَيْنِ " ، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ : لَا مَعْنَى لِقَضَائِهَا فَإِنَّ النَّاسَ وَإِنْ سَقَوْا فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الِاسْتِسْقَاءِ " وَيُقِيمُونَهَا شُكْرًا " ، وَكَذَا صَلَاةُ " الْخُسُوفِ " لَا تُقْضَى بَعْدَ الِانْجِلَاءِ بِلَا خِلَافٍ ، " فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ " لَيْسَتْ بِمُؤَقَّتَةٍ ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ لِمَعْنًى فَفَاتَتْ بِفَوَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ " وَجَلَسَ " فَاتَتْ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَلَا نَقُولُ : يَقْضِي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا " لِسَبَبٍ " وَهُوَ احْتِرَامُ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ فَاتَ السَّبَبُ وَوُجِدَ التَّضْيِيعُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ بَانَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا لَا " يَلْزَمُهُ " الْقَضَاءُ وَلَوْ فَعَلَ كَانَ ابْتِدَاءَ فِعْلٍ ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ الْمُتَطَوِّعُ بِهَا ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَا يَقْضِي قَطْعًا ، لِإِمْكَانِ تَدَارُكِهَا أَدَاءً مِنْ السُّنَّةِ الْأُخْرَى ، قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ : قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْتَادُ صَوْمَ أَيَّامٍ تَطَوُّعًا فَتَرَكَ الصَّوْمَ فَلَيْسَ
" يَتَحَقَّقُ عِنْدِي " قَضَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ " أَفْسَدَهُ " بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِهِ فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ يَكُونُ ابْتِدَاءَ تَطَوُّعٍ ، وَالْأَيَّامُ الَّتِي رَغَّبَ " الشَّارِعُ " فِي التَّطَوُّعِ بِصَوْمِهَا إذَا لَمْ يَصُمْهَا فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ قَضَائِهَا ، وَلَوْ تَحْرُمُ " بِالصَّوْمِ " ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَقَدْ يَتَخَيَّلُ إمْكَانَ الْقَضَاءِ وَلَسْتُ أَرَاهُ " أَيْضًا " وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى " انْتَهَى " .
ضَابِطٌ : حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّقَرُّبُ بِهِ ابْتِدَاءً لَا يُقْضَى كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وُجُودِ سَبَبِهِمَا ، وَمَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِهِ ابْتِدَاءً كَنَافِلَةِ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا هَلْ تُقْضَى فِيهِ قَوْلَانِ .
وَمِنْهُ " سَجْدَةُ " التِّلَاوَةِ ، وَقَدْ نَازَعَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهَا فَإِنَّهَا رَكْعَتَانِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ مَعَ أَنَّ قَضَاءَ الْعِيدِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا .
الرَّابِعُ : يَنْقَسِمُ حَالُ الْمُكَلَّفِ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَقْسَامٍ " الْأَوَّلُ " مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ ، وَهُوَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ وَالْمُصَلِّي " عَارِيًّا " وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ .
الثَّانِي : مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَلَا الْقَضَاءُ " وَهُوَ " الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِيمَا فَاتَهُمَا مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْعُذْرِ .
الثَّالِثُ : مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ " الْمُكَلَّفُ " الْكَامِلُ إذَا أَدَّاهَا بِشَرْطِهَا ، وَكَذَا مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى .
وَيَنْقَسِمُ حَالُهُ فِي الصَّوْمِ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامَعِ فِي رَمَضَانَ .
ثَانِيهَا : مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُفْطِرُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَوْ " الْمَرَضِ " وَيَمُوتُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِ
.
ثَالِثُهَا : مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ .
رَابِعُهَا : عَكْسُهُ كَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " .
فَائِدَةٌ : قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ : كُلُّ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ إذَا تَرَكَهَا الْمُكَلَّفُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ أَوْ الْكَفَّارَةُ إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ إذَا أَوْجَبْنَاهُ فَدَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ ثَانِيًا يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ فَهُوَ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا بِالْقَضَاءِ نَعَمْ ، لَوْ صَارَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كَالْحَطَّابِ قَضَى لِتَمَكُّنِهِ .
وَقَدْ نُوَزِّعُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا " وَجَبَ " الْقَضَاءُ يَخْرُجُ ثُمَّ يَعُودُ مُحْرِمًا ، وَلَا نَقُولُ : إنَّ عَوْدَهُ يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ " كَمَا إذَا دَخَلَهَا لِنُسُكٍ " يَكْفِيهِ الْإِحْرَامُ بِهِ .
" وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ بِضْعُ عَشْرَةِ صُورَةٍ " لَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا : " إحْدَاهَا " : " الثَّانِيَةُ : مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ وَقِيلَ : يُمْكِنُ " الْقَضَاءُ " بِأَنْ يُسَافِرَ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا أَفْطَرَ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ .
" الثَّالِثَةُ " : إذَا تَرَكَ إمْسَاكَ يَوْمِ الشَّكِّ وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ وَاجِبٌ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ لِتَرْكِهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .
" الرَّابِعَةُ " : إذَا فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْرَ مُتَحَرِّفٍ لِقِتَالٍ وَلَا مُتَحَيِّزٍ " إلَى فِئَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ مَتَى لَقِيَ مَنْ " يَجِبُ " قِتَالُهُ وَجَبَ قِتَالُهُ فَهَذَا اللِّقَاءُ لَا قَضَاءَ " لَهُ " .
" الْخَامِسَةُ " : رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهُ سَقَطَ عَنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ، " وَيُبْنَى " عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِرَدِّ
السَّلَامِ لَا يُقْبَلُ .
" السَّادِسَةُ " : لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَلَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ " أَيْضًا " " لَزِمَتْهُ " الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِهَذَا الثَّانِي قَضَاءٌ .
" السَّابِعَةُ " : مَنْ نَذَرَ " أَنْ يَحُجَّ " كُلَّ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ فَفَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي صِيَامِ الدَّهْرِ .
" الثَّامِنَةُ " إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَأَخَّرَ وَاحِدَةً فَصَلَّاهَا فِي آخَرِ الْوَقْتِ " التَّاسِعَةُ " : إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَتْلَفَ الْفَاضِلَ فِي يَوْمٍ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ قُوتِهِ بَعْدَ هَذَا يَسْتَحِقُّ التَّصَدُّقَ بِهِ بِالنَّذْرِ لَا بِالْغُرْمِ .
" الْعَاشِرُ " : لَوْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ فَمَلَكَ عَبْدًا وَأَخَّرَ الْعِتْقَ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ .
" الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ " : نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إذَا فَاتَ مِنْهَا يَوْمٌ أَوْ أَيَّامٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ [ قَضَاؤُهُ ] ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ .
" الْخَامِسُ " : مَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ تَارَةً يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا إذَا " أُفْسِدَتْ " الْعِبَادَةُ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَتَارَةً يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَا إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : " إحْدَاهُمَا " : فِي الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي هَذَا " الْعَامِ " وَجَبَ التَّدَارُكُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي السَّادِسُ : إنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ وَقَدْ فَاتَ .
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : يَجِبُ " اعْتِبَارًا لِلْقَضَاءِ " بِالْأَدَاءِ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ وَيَلْزَمُهُمْ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِعَايَةِ التَّتَابُعِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ
حَيْثُ إنَّ الْأَيَّامَ كَانَتْ مُتَتَابِعَةً فِي الْأَدَاءِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ .
وَمِنْهَا لَوْ لَمْ يَصُمْ الْمُتَمَتِّعُ الثَّلَاثَ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْعَشَرَةِ ، وَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَوْمِ الثَّلَاثِ " وَالسَّبْعِ " ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْأَدَاءِ ، كَمَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ صَوْمَ السَّبْعِ عَلَى الثَّلَاثِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ، لِأَنَّ التَّفَرُّقَ فِي الْأَدَاءِ كَانَ لِحَقِّ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ أُرْفِقَ بِهِ ، فَإِذَا صَارَ قَضَاءً سَقَطَ التَّفْرِيقُ ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأَدَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا قُضِيَتْ جَازَ قَضَاؤُهَا مُتَتَابِعَةً .
وَمِنْهَا " لَوْ " تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ جَازَ قَضَاؤُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بِاللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ فَعَلَى الْأَصَحِّ هَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ " بَيْنَ " الْقَضَاءِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ يَرْمِي أَوَّلًا عَنْ الْقَضَاءِ إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعًا ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْمِي عَنْ الْأَدَاءِ ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ " يَسْتَحِقُّ " عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَقْتِ ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا لَوْ تَرَكَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهُ فِي السَّفَرِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ " فِي السَّفَرِ ، قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ : إنْ كَانَ مَعْذُورًا حَالَ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَأَفْطَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ ، وَقِيلَ : يُفْطِرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي الْأَصْلِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ هُوَ أَنَّهُ ، لَوْ افْتَتَحَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ فِي الْحَضَرِ وَشَرَعَ فِي قَضَائِهِ " فِي السَّفَرِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لَوْ افْتَتَحَهَا تَمَامًا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَصْرُهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا
تَرَكَهَا فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي حَقِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ .
الْقِنْيَةُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اقْتِنَاءُ أُمُورٍ : مِنْهَا : الْكَلْبُ لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ " بَقِيَّةُ " الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ ، الْحَدَأَةُ " وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْحَيَّةُ " .
وَمِنْهَا : آلَاتُ الْمَلَاهِي حَتَّى " الشَّبَّابَةُ " وَزَمَّارَةُ الرُّعَاةِ .
وَمِنْهَا : أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَسَقْفُ الْبَيْتِ الْمَطْلِيُّ " بِهِمَا " إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ " لَوْ عُرِضَ " عَلَى النَّارِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ فَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَمْ يَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ حَرَامًا .
وَمِنْهَا : الْخَمْرُ " وَلَوْ " كَانَتْ مُحْتَرَمَةً عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَيْثُ أَوْجَبَ " إرَاقَتَهَا " مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْمَرَاوِزَةِ ، " وَتَابَعَهُمْ " الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَمِنْهَا : الصَّنَمُ وَالْأَوْثَانُ " وَالْقِرْدُ " وَمِنْهَا : الصُّوَرُ الْمَنْقُوشَةُ فِي الْجِدَارِ " وَالسُّقُوفِ " دُونَ مَا فِي الْمَمَرِّ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ وَمَا يُدَاسُ عَلَى الْبِسَاطِ ، فَهَذَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ وَلَا يَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ .
الْقِيمَةُ هَلْ هِيَ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْمُتَقَوِّمِ أَوْ هِيَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ رَغَبَاتُ الرَّاغِبِينَ فِي اتِّبَاعِهَا ؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي .
قُلْت : " وَفِي أَصْلِ " هَذَا الْخِلَافِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْغَصْبِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : وَهُوَ " يَقْرَبُ " بَعْضَ الْقُرْبِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُلَاحَةَ هَلْ هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ " أَوْ جِنْسٌ " يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ أَوْ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ مَيْلِ الطِّبَاعِ .
قُلْت : وَهَذَا الْخِلَافُ الثَّانِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ .
وَقِيمَةُ النِّصْفِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ .
وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّرَاجُعِ فِي خُلْطَةِ الزَّكَاةِ : قَدْ يَقْتَضِي الْأَخْذُ رُجُوعَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دُونَ التَّرَاجُعِ ، كَمَا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إبِلًا بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ " فَيَرْجِعُ " الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا صَوَابُ الْعِبَارَةِ ، وَلَا يُقَالُ : قِيمَةُ النِّصْفِ فَإِنَّهُ أَقَلُّ ، وَمَنْ عَبَّرَ بِهَا فَهُوَ مُتَأَوِّلٌ .
وَلَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : الْعِبَارَةُ " الْقَوِيَّةُ " أَنْ يُقَالَ : يَرْجِعُ بِنِصْفِ " الْقِيمَةِ " وَلَا يُقَالُ : بِقِيمَةِ النِّصْفِ ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا إنْكَارَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ : تَسَاهَلَ الْأَصْحَابُ فِي إطْلَاقِهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَمُرَادُهُمْ قِيمَةُ النِّصْفِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ .
انْتَهَى .
وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْمُطَلِّقَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ " الشَّطْرَ " فَإِذَا وَجَدَهُ " فَائِتًا " غَرِمَتْ لَهُ بَدَلَهُ وَهُوَ مِثْلُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَةُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ مُسَلَّمٌ ، " لَكِنْ " الزَّوْجُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَرْعًا إلَّا الشِّقْصُ
وَلَمْ تُتْلِفْهُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ .
فَإِنْ قِيلَ : الشَّرِيكُ إذَا أَتْلَفَ الْمُشْتَرَكَ الْمُتَقَوِّمَ يَغْرَمُ قِيمَةَ النِّصْفِ أَوْ نِصْفَ الْقِيمَةِ ؟ قُلْنَا : نِصْفُ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ إتْلَافَهَا إلَّا مِلْكَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْجَمِيعَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا الدُّخُولُ شَرْطٌ لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْغَصْبِ ، لَوْ غَصَبَ شَرِيكٌ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فِي عَبْدٍ مَثَلًا وَتَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ الْغَاصِبِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ : الْوَاجِبُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَا نَظِيرُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى التَّنْصِيفِ كَانَ الْوَاجِبُ قِيمَةَ النِّصْفِ لَا نِصْفَ الْقِيمَةِ .
وَكَذَا فِي الشُّفْعَةِ ، لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا بِنِصْفِ عَبْدٍ مَثَلًا فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَةُ نِصْفِ الْعَبْدِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى نِصْفِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَقَدْ نَبَّهَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَصَايَا .
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَاقِ وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ " يُطَالِبُهَا " بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَهُوَ مَحِلُّ التَّوَقُّفِ .
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ وَهُوَ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِصْدَاقِ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِصْفِ " الصَّدَاقِ " مُطْلَقًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَائِدًا فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَدْفَعَ لَهُ الْبَدَلَ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا " أَنَّهُ " لَوْ انْفَسَخَ " الْعَقْدُ " قَبْلَ الدُّخُولِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ كَالرَّضَاعِ وَرِدَّتِهَا وَالصَّدَاقُ زَائِدٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ إلَّا الْقِيمَةُ فَلَمَّا " تَخَيَّلْنَا تَعَلُّقَهُ " بِالْقِيمَةِ كُلِّهَا " تَخَيَّلْنَا " عِنْدَ " الشَّطْرِ " النِّصْفَ وَبِهَذَا تَنْفَصِلُ صُورَةُ الْإِصْدَاقِ عَنْ نَظَائِرِهَا .
حَرْفُ الْكَافِ الْكُفْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ إنْكَارُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِنْكَارِ " وُجُودِ " الصَّانِعِ وَنُبُوَّتِهِ " عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " وَحُرْمَةِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ " مَجِيئُهُ بِهِ " قَالَ " الزَّنْجَانِيُّ " فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ : هَكَذَا ضَبَطَهُ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ " وَهُوَ غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْإِنْكَارُ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ ، وَالْكُفْرُ " قَدْ " يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَإِنْكَارُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَهُوَ كُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ ، وَأَيْضًا فَإِنَّا قَدْ نُكَفِّرُ الْمُجَسِّمَ وَالْخَارِجِيَّ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَأَيْضًا فَالطَّاعِنُ فِي عَائِشَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالْقَذْفِ كَافِرٌ إجْمَاعًا وَبَرَاءَتُهَا ثَبَتَتْ " بِالْقُرْآنِ " وَالْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ " لِلْعِلْمِ " فَضْلًا عَنْ الضَّرُورِيِّ وَشَرْطُ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَكِسًا ، قَالَ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَ الْأَقْوَالِ صَرِيحٌ فِي الْكُفْرِ وَبَعْضَهَا فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ وَمِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ بَالَغَ فِيهِ وَجَعَلَ يَعُدُّ أَلْفَاظًا جَرَتْ بِهَا عَادَةُ " الْعَوَامّ " سِيَّمَا الشُّطَّارُ " " مِنْهَا " مَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَا ، وَفِي الْجُمْلَةِ " تَعْدَادُ الصُّوَرِ " مِمَّا يَتَعَذَّرُ " أَوْ يَتَعَسَّرُ " حَتَّى قَالُوا : مَنْ أَنْكَرَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ الشَّرْعِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَهُوَ خَطَأٌ عَظِيمٌ وَجَهْلٌ ظَاهِرٌ .
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْمُجْتَهَدُ فِيهَا يُنْكِرُهَا الْمُخَالِفُونَ " فَلَا " شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ شَرْعٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ كَذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ ، فَالتَّكْفِيرُ وَالتَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ خَطَرٌ ، وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ وَعَلَى الْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَوَاقِعِ الشُّبْهَةِ وَمَظَانِّ الزَّلَلِ
وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ .
انْتَهَى .
وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ التَّكْفِيرِ بِأَفْعَالٍ كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ عَلَى الضَّابِطِ .
فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كُفْرًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بَاطِنًا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مُعَرِّفَاتٍ يَدُورُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ لَا يَأْتِي بِهَذَا وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ الْكُفْرُ عَنْ أَوَّلِ التَّصْدِيقِ .
الثَّانِي : أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ جَاحِدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ " وَالْعَوَامُّ " كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِكَافِرٍ .
قَالَ : وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ظَاهِرًا لَا نَصَّ فِيهِ فَفِي الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلَافٌ ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْسِنْ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْإِجْمَاعِ .
وَقَالَ : كَيْفَ نُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ مَنْ رَدَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا نُبَدِّعُهُ وَنُضَلِّلُهُ ، وَأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ ثُمَّ حَلَّلَهُ " فَإِنَّهُ " يَكُونُ " رَدًّا " لِلشَّرْعِ .
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الْخُمُسِ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا فَالْأَوَّلُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لَا " لِمُخَالَفَتِهِ " الْإِجْمَاعَ ، قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا " الزَّمَانِ " مِمَّنْ يَدَّعِي الْحِذْقَ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَيَمِيلُ إلَى الْفَلْسَفَةِ فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ " فِي حُدُوثِ " الْعَالَمِ مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ ، وَأَخَذَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ - أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
وَهَذَا " الْكَلَامُ " سَاقِطٌ بِمَرَّةٍ ، لِأَنَّ " حُدُوثَ " الْعَالَمِ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَيُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ .
الثَّالِثُ : لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ ، أَيْ لَا نُكَفِّرُهُمْ بِالذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ حَيْثُ كَفَّرُوهُمْ بِهَا .
أَمَّا تَكْفِيرُ بَعْضِ " الْمُبْتَدَعَةِ " لِعَقِيدَةٍ تَقْتَضِي " كُفْرَهُ " حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ أَوْ تَرْجِيحَهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِنَا : بِذَنْبٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِكُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِعَدَمِ كُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : تَكْفِيرُ مَنْ صَارَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ إلَى قِدَمِ الْعَالَمِ " وَإِنْكَارِ " حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَعِلْمِ اللَّهِ " تَعَالَى " بِالْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " قَالَ : لَا " يُكَفَّرُ " مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا " وَاحِدٌ " وَهُوَ مَنْ نَفَى عِلْمَ اللَّهِ عَنْ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا فَهُوَ كَافِرٌ .
وَمِنْ الثَّانِي : الْمُبْتَدِعُ الَّذِي لَا تَبْلُغُ بِدْعَتُهُ إنْكَارَ أَصْلٍ فِي الدِّينِ وَمِنْ الثَّالِثِ : مَنْ خَالَفَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعَقَائِدِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ .
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ : فَهَؤُلَاءِ أَمْرُهُمْ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا ، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ الْمُصَرِّحِينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ .
قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ التَّكْفِيرُ لِطَوَائِفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُ " بَعْضُهَا " بَعْضًا ، فَالْأَشْعَرِيُّ يُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " ، وَفِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالصِّفَاتِ ، وَفِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ .
وَالْمُعْتَزِلِيُّ يُكَفِّرُ الْأَشْعَرِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي التَّوْحِيدِ ، فَإِنَّ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ .
قَالَ : وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْجَهْلُ " بِمَوْقِعِ " التَّكْذِيبِ وَالتَّصْدِيقِ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ " نَزَّلَ " قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ الشَّرْعِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدَّرَجَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تُحَقِّقُ نَقْصًا فَهُوَ مِنْ " التَّعَبُّدِ " ، وَإِنَّمَا الْكَذِبُ أَنْ نَنْفِيَ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي " وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ الْمَحْضُ " ، وَلِهَذَا لَا " يُكَفَّرُ " قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ } ، فَإِنَّ مَنْ قَامَ عِنْدَهُ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ أَوْ عَدَمُ عَرَضٍ وَأَنَّ " قَلْبَ " الْعَرَضِ " جِسْمًا " مُسْتَحِيلٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَيُنَزِّلُ الْخَبَرَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِيَامَةِ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَمِدُونَ أَنَّهُ الْمَوْتُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حِسِّهِمْ لَا فِي الْخَارِجِ وَيَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الْيَقِينِ بِالْيَأْسِ عَنْ الْمَوْتِ .
قَالَ : وَقَدْ قَرَّرَ الْأَشْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَشَدُّ النَّاسِ غَلَطًا فِي التَّأْوِيلَاتِ .
وَقَدْ يَعْرِضُ الْخِلَافُ لِلْمُتَأَوِّلِينَ بِسَبَبِ الْبَحْثِ فِيهِ كَمَا فِي " حَدِيثِ وَزْنِ الْأَعْمَالِ " فَإِنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ ، وَقَدْ عُدِمَتْ ، فَأَوَّلَهُ " الْأَشْعَرِيَّةُ " عَلَى وَزْنِ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ وَأَنَّهُ يَخْلُقُ فِيهَا أَوْزَانًا بِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْأَعْمَالِ ،
وَالصَّحَائِفُ أَجْسَامٌ كُتِبَتْ فِيهَا ، " وَأَوَّلَ الْمُعْتَزِلَةُ نَفْسَ الْمِيزَانِ " ، " وَجَعَلَتْهُ " كِنَايَةً عَنْ سَبَبٍ " بِهِ " يَنْكَشِفُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِقْدَارُ عَمَلِهِ وَهُوَ أَبْعَدُ " فِي " التَّأْوِيلِ ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْخِلَافِ إلَى الْبَرَاهِينِ ، قَالَ " وَالْمُعْتَزِلِيُّ " يَقُولُ : لَا بُرْهَانَ عَلَى اسْتِحَالَةِ الرُّؤْيَةِ ، وَكَانَ كُلُّ " وَاحِدٍ يَرْفُضُ " مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ " وَلَا يَرَاهُ " دَلِيلًا قَاطِعًا ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَسُوغُ لِكُلِّ فَرِيقٍ تَكْفِيرُ خَصْمِهِ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِ أَنَّهُ غَالَطَ فِي الْبُرْهَانِ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ نُسَمِّيَهُ ضَالًّا ؛ لِأَنَّهُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ ، أَوْ مُبْتَدِعًا ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ .
انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : قَدْ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ ، وَقَالَ : اخْتَلَفْنَا فِي عِبَارَاتٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِمَنْ كَتَبَ إلَى عَبِيدِهِ " فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ " فَاخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِهِ هَلْ هُوَ أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْمَرُ ؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي " صِفَتِهِ " اخْتِلَافٌ فِي كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ ، فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْمُسْلِمِينَ فِي صِفَاتِ الْإِلَهِ " لَيْسَ " اخْتِلَافًا فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جِهَةِ " " كَوْنِهِ خَالِقَهُمْ " وَسَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ ، فَإِنْ قِيلَ : يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ " وَتَعَالَى " فِي جِهَةِ كَوْنِهِ حَادِثًا قُلْنَا : لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ ، لِأَنَّ الْمُجَسِّمَةَ جَازِمُونَ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ وَجَازِمُونَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ .
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَالْقِدَمِ وَفِي الْأَحْوَالِ كَالْعَالَمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَفِي تَعَدُّدِ
الْكَلَامِ وَاتِّحَادِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا فَاتَّفَقُوا عَلَى كَمَالِهِ بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ " " فِي " قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا جَازَ عَلَيْهِ } هَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ " هُوَ " كَذَلِكَ " وَهُوَ وَرْطَةٌ " عَظِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا خَلْقٌ " كَثِيرٌ " مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقَائِدِ حَكَمُوا بِتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَخَرَقَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَشَوِيَّةِ .
وَهَذَا الْوَعِيدُ لَاحِقٌ بِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ خُصُومُهُمْ كَذَلِكَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّكْفِيرِ وَسَبَبِهِ حَتَّى صُنِّفَ فِيهِ مُفْرَدًا وَاَلَّذِي " يَرْجِعُ " إلَيْهِ النَّظَرُ فِي هَذَا أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا ؟ فَمَنْ كَفَّرَ الْمُبْتَدِئَةَ قَالَ : إنَّهُ " مَذْهَبٌ فَيَقُولُ الْمُجَسِّمَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا جِسْمًا وَهُوَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ ، وَيَقُولُ : الْمُعْتَزِلَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِأَحْكَامِ الصِّفَاتِ فَقَدْ أَنْكَرُوا الصِّفَاتِ وَيَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ إنْكَارُ أَحْكَامِهَا ، وَمَنْ أَنْكَرَ أَحْكَامَهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، " وَلِذَلِكَ " الْمُعْتَزِلَةُ نَسَبَتْ " إلَى غَيْرِهَا الْكُفْرَ " بِطَرِيقِ الْمَآلِ ، قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا بِإِنْكَارٍ مُتَوَاتِرٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ عَنْ صَاحِبِهَا فَأَنَّهُ " يَكُونُ " حِينَئِذٍ " مُكَذِّبًا لِلشَّرْعِ وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاطِعِ مَأْخَذَ التَّكْفِيرِ ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُهُ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ السَّمْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ طَرِيقًا وَدَلَالَةً .
وَعَبَّرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ هَذَا بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ طَرِيقَ إثْبَاتِ الشَّرْعِ لَمْ يُكَفَّرْ كَمَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ ، وَمَنْ أَنْكَرَ الشَّرْعَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِطَرِيقَةِ كُفْرٍ ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ ، " قَالَ " وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ
يَعْنِي بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّهُ قَالَ : لَا أُكَفِّرُ إلَّا مَنْ كَفَّرَنِي .
قَالَ الشَّيْخُ : وَرُبَّمَا خَفِيَ سَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ " عَلَى " بَعْضِ النَّاسِ وَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ " مَحْمَلِهِ " الصَّحِيحِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي " أَنْ " يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْحُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ : كَافِرٌ ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا } .
وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الْكُفْرُ لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ " إمَّا الْمُكَفِّرُ أَوْ الْمُكَفَّرُ " ، فَإِذَا كَفَّرَنِي بَعْضُ النَّاسِ فَالْكُفْرُ وَاقِعٌ بِأَحَدِنَا " وَأَنَا " قَاطِعٌ " بِأَنِّي لَسْت " بِكَافِرٍ فَالْكُفْرُ رَاجِعٌ إلَيْهِ .
وَقَالَ " الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ " : مَا دَامَ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَتَكْفِيرُهُ صَعْبٌ وَمَا يَعْرِضُ فِي قَلْبِهِ " مِنْ " بِدْعَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ مُضَادَّةً لِذَلِكَ لَا يُكَفَّرُ وَإِنْ كَانَتْ مُضَادَّةً " لَهُ " فَإِذَا عَرَضَتْ غَفْلَتُهُ عَنْهَا وَاعْتِقَادُهُ لِلشَّهَادَتَيْنِ مُسْتَمِرٌّ " فَأَرْجُو أَنَّ ذَلِكَ " يَكْفِيهِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمِلَّةِ كَذَلِكَ وَيَكُونُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا كَفَرَ بِهِ لَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ تَوْبَتِهِ عَنْهُ فَهَذَا مَحِلُّ " النَّظَرِ " ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْعَقَائِدِ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ قَدْ لَا يَعْتَقِدُهَا صَاحِبُهَا إلَّا حِينَ بَحْثِهِ يَوْمًا لِشُبْهَةٍ تَعَرَّضَ لَهُ " أَوْ مُجَادَلَةٍ لِغَيْرِهِ " .
وَفِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ يَغْفُلُ عَنْهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلشَّهَادَتَيْنِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمَوْتِ .
انْتَهَى .
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ " فَلَا " وَجْهَ " لِلْوَقْفِ " فِيمَنْ صَدَرَتْ " مِنْهُ " ؛ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ ثُمَّ أَتَى بِمَا يُضَادُّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ
الْمُضَادِّ فِي " كُلِّ آنٍ " وَغَفْلَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ " عَنْهَا " لَا يَقْتَضِي عَدَمَ مُؤَاخَذَتِهِ بِهَا ، كَمَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ إذَا غَفَلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ، ثُمَّ قَالَ : فَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُبْتَدَعَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إذَا كَفَّرْنَاهُمْ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْلَادَهُمْ مُسْلِمُونَ مَا لَمْ يَعْتَقِدُوا بَعْدَ بُلُوغِهِمْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ مُسْلِمِينَ ظَاهِرًا وَحُكْمُ اعْتِقَادِ أَبِيهِ لَا يَسْرِي " إلَيْهِ " .
قُلْت : " إذَا " انْعَقَدَ الْوَلَدُ بَعْدَ صُدُورِ الْعَقِيدَةِ الْمُكَفِّرَةِ مِنْ أَبَوَيْهِ فَهُوَ كَوَلَدِ الْمُرْتَدِّ فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ ، وَالْأَظْهَرُ كَمَا " قَالَهُ " النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الِاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ فَقَدْ أَجْرَوْا حُكْمَ اعْتِقَادِ أَبِيهِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى تَكْفِيرِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ أُصُولَ الْعَقَائِدِ بِأَدِلَّتِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ عَقْلًا وَنَقْلًا وَلَيْسَ الْإِيمَانُ عِبَارَةً عَمَّا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ " النُّظَّارُ " " بَلْ هُوَ نُورٌ " يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ فَلَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " { فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ } ، وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِلَفْظَةِ التَّوْحِيدِ أَجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ } وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ مَأْخَذَ " التَّكْفِيرِ " مِنْ الشَّرْعِ لَا مِنْ الْعَقْلِ إذْ الْحُكْمُ بِإِبَاحَةِ الدَّمِ وَالْخُلُودِ فِي النَّارِ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ خِلَافًا لِمَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ .
انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ نُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ " عَلَيْهِ " جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ " الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ " وَقَالَ : لَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَقَالَ " عَبْدُ الْقَاهِرِ الْبَغْدَادِيُّ " : إذَا تَرَكَ النَّظَرَ فِي الدَّلِيلِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ مَا لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ عِنْدَهُ لِوُجُودِ مَا يُضَادُّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ وَهُوَ التَّصْدِيقُ وَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكِهِ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ وَلِلَّهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ .
انْتَهَى .
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إيمَانًا كَامِلًا لَا نَفْيَ " الْإِيمَانِ " مُطْلَقًا وَإِلَّا لِمَا أَدْخَلَهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ .
الرَّابِعُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي أَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ مِلَلٌ وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ } فَجَعَلَ الْكُفْرَ كُلَّهُ دِينًا وَاحِدًا ، وقَوْله تَعَالَى { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
" قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " : الْمُشْرِكُونَ فِي تَفَرُّقِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ يَجْمَعُهُمْ أَعْظَمُ الْأُمُورِ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ فَجَعَلَ " اخْتِلَافَهُمْ " كَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَالْمُسْلِمُونَ مُخْتَلِفُونَ ، وَالْكُلُّ عَلَى الْحَقِّ وَالْكُفَّارُ مُخْتَلِفُونَ وَالْكُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ " وَرَجَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ " أَنَّهُ مِلَلٌ وَاحْتَجَّ بِمَا لَوْ ارْتَدَّ الْيَهُودِيُّ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ وَبِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَا يَقِرُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَأْخَذُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ بَلْ الْمَعْنَى فِي عَدَمِ التَّقْرِيرِ " أَنَّهُ يَعْتَقِدُ " بُطْلَانَ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ " وَلَا يَقِرُّ الشَّخْصُ " عَلَى مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ .
وَهُوَ إنْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ " اعْتِقَادٌ " مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ .
وَبَنَى عَلَى هَذَا " فُرُوعٌ " كَثِيرَةٌ : كَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ إنْ قُلْنَا : مِلَّةٌ ، وَإِلَّا امْتَنَعَ .
وَمِنْهَا : لَوْ كَانَتْ نَصْرَانِيَّةٌ وَلَهَا أَخٌ نَصْرَانِيٌّ وَأَخٌ يَهُودِيٌّ فَلَهُمَا الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَشَارَكُونَ فِي مِيرَاثِهَا إنْ قُلْنَا : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَلَا وَجْهَ لِتَرَدُّدِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ يَعْقِلُ الْيَهُودِيُّ عَنْ النَّصْرَانِيِّ .
وَمِنْهَا : بَيْعُ الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ مِنْ الْيَهُودِيِّ وَعَكْسِهِ " قَضِيَّةُ " كَلَامِ الْأَصْحَابِ الْجَوَازُ وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِالْمَنْعِ خَوْفًا مِنْ نَقْلِهِ إلَى دِينِهِ وَهُوَ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْأُسْتَاذِ وَقَالَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِنَا تَهَوُّدَهُ أَوْ تَنَصُّرَهُ أَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ شِرَائِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْهُومٌ " وَإِنْ " كَانَ لَا يُقِرُّ عَلَيْهِ فَلَا مَحْذُورَ بَلْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّا لَا نَقْنَعُ مِنْهُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْإِسْلَامِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَالصَّوَابُ مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ .
الْخَامِسُ : الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مَشْهُورٌ " وَأَنَّ " الْقَائِلِينَ بِتَكْلِيفِهِمْ هَلْ فَائِدَتُهُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْعِقَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَوْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ بَعْضُ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا وَأَكْثَرُوا مِنْ الْفُرُوعِ فِي ذَلِكَ " بِمَا " حَاصِلُهُ " أَنَّا نُجْرِي " عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا تَنَاكَحُوا فَاسِدًا وَأَسْلَمُوا " ثَانِيهَا " : إذَا تَبَايَعُوا وَتَقَابَضُوا كَذَلِكَ .
" ثَالِثُهَا " : لَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ " الْمُكْثِ " فِي الْمَسْجِدِ وَلَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ " مَسِّهِ " الْمُصْحَفَ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ " رَابِعُهَا " : لَا يُحَدُّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ .
" خَامِسُهَا " : نِكَاحُهُ الْأَمَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ " الشُّرُوطُ " .
سَادِسُهَا : لَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ " فِي الْأَصَحِّ وَمِثْلُهُ لُبْسُ الذَّهَبِ ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ .
سَابِعُهَا : لَا تَلْزَمُهُ إجَابَةُ مَنْ دَعَاهُ إلَى وَلِيمَةٍ .
ثَامِنُهَا : لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ " وَقِيلَ " : يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ أَسْلَمَ تَاسِعُهَا : لَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِ بِحَنْيِ الظَّهْرِ إذَا مَنَعْنَا الْمُسْلِمَ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ عَاشِرُهَا : لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ لِلْجِهَادِ فِي الْأَصَحِّ .
حَادِيَ عَشَرَهَا : رَدُّ الْخَمْرِ الْمَغْصُوبَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ .
تَنْبِيهٌ : وَقَعَ الْغَلَطُ لِجَمَاعَةٍ بِسَبَبِ هَذِهِ الْفُرُوعِ ، فَاعْتَقَدُوا عَدَمَ تَكْلِيفِهِمْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ شَرْعًا ، وَأَطْلَقُوا فِي حَقِّهِمْ الْإِبَاحَةَ حَتَّى اسْتَثْنَوْهَا مِنْ " هَذِهِ الْقَاعِدَةِ - يَعْنِي " قَاعِدَةَ التَّكْلِيفِ - وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَاحِشَةٌ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا : لَا يُمْنَعُونَ وَبَيْنَ قَوْلِنَا : لَهُمْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ عَدَمَ الْمَنْعِ أَعَمُّ مِنْ الْإِذْنِ وَالْإِذْنُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يَرِدْ وَقَدْ اسْتَنْكَرَ عِبَارَةَ " الْمِنْهَاجِ " فِيمَا إذَا صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ أَنَّ لَهُمْ إحْدَاثَ الْكَنَائِسِ فَإِنَّهُمَا
تَقْتَضِي أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْغَصْبِ مِنْ تَعْلِيقِهِ أَنَّا لَا نُطْلِقُ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا يُخَالِفُونَ فِيهِ الشَّرْعَ لَفْظَ التَّقْرِيرِ لَا عَلَى الْكُفْرِ وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَقَائِدِهِمْ الْخَبِيثَةِ وَإِنَّمَا جَاءَ الشَّرْعُ بِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَفَاءً بِالْعَقْدِ وَحِفْظًا لِعَقْدِ الْأَمَانِ الَّذِي جَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا هُوَ التَّقْرِيرُ ؟ قُلْنَا " : لَا ، لِأَنَّ التَّقْرِيرَ يُوجِبُ فَوَاتَ الدَّعْوَى ، وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لَا يُوجِبُ فَوَاتَهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَأْخِيرِ الْمُعَاقَبَةِ إلَى الْآخِرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ لَازِمَةً وَالدَّعْوَةُ قَائِمَةً ، وَتُؤَخَّرُ الْمُعَاقَبَةُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفِي لُزُومَ الْحُجَّةِ وَتَوَجُّهَ الدَّعْوَةِ .
" وَمِمَّا " أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ وَحَدُّ الْقَذْفِ وَكَذَا حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فَيُحَدُّ قَهْرًا وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِحُكْمِنَا " وَحُرْمَةُ " التَّصَرُّفِ فِي الْخَمْرِ بَيْعًا وَشِرَاءً .
وَلِهَذَا لَا يُؤْخَذُ ثَمَنُهَا مِنْهُمْ عَنْ الْجِزْيَةِ وَفِي الْمُبَايَعَاتِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَأَسْلَمَ وَأَحْرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ ، وَإِذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا حَتَّى إذَا اُسْتُنْقِذَتْ مِنْهُمْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ .
وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُمْ " لِجِهَةِ الْمَعْصِيَةِ كَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ .
وَتَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي عَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ " لِجَرَيَانِهَا مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْمَئُونَةِ ، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى ابْتِدَاءٍ ، بَلْ
بِطَرِيقِ التَّحَمُّلِ .
ثُمَّ مَا أَتَوْا بِهِ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى النِّيَّةِ صَحَّ كَالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ لَمْ يَصِحَّ كَالْعِبَادَاتِ .
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ غُسْلُهُ وَلَا وُضُوءُهُ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ وَجَبَ إعَادَتُهُ " خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ ، نَعَمْ يُبَاحُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا إذَا اغْتَسَلَتْ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَرُدَّ تَكْفِيرَهُ بِالْعِتْقِ " حَتَّى " يُجْزِئَ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَعَ وُجُوبِ النِّيَّةِ " فِي " الْكَفَّارَةِ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا لِلتَّمْيِيزِ لَا لِلتَّقَرُّبِ ، وَالْمُمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ النَّذْرُ لِغَلَبَةِ شَائِبَةِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَقَعُ الِالْتِزَامُ فِيهِ " بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ " فَكَانَ كَوْنُ النَّاذِرِ مُسْلِمًا أَقْرَبَ إلَى " الرُّكْنِيَّةِ " .
وَأَمَّا مَا كُلِّفُوا بِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوهُ وَأَسْلَمُوا هَلْ يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ ؟ يُنْظَرُ : إنْ تَعَلَّقَ بِحَقِّ اللَّهِ " تَعَالَى " سَقَطَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ كَالْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ ، وَكَالزِّنَى فَإِنَّهُ " يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَلَوْ زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ " الْحَدُّ " عَلَى النَّصِّ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ " قُبَيْلَ " الْجِزْيَةِ .
وَإِنْ تَعَلَّقَ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَقَدَّمَهُ الْتِزَامٌ " بِذِمَّةٍ " أَوْ أَمَانٍ لَمْ يَسْقُطْ .
وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ وَلَوْ قَتَلَ خَطَأً " أَوْ حَلَفَ " وَحَنِثَ أَوْ ظَاهَرَ وَأَسْلَمَ لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا " أَنَّهَا " مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ " وَلَا " يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَلِأَنَّهُ يَغْلِبُ فِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي ذَنْبٍ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَالسَّبَبُ تَرْكُ التَّحَفُّظِ مِنْهُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ " وَهُوَ
لَيْسَ " مِنْ أَهْلِهَا وَاحْتَرَزْت " بِقَيْدِ " الِالْتِزَامِ عَنْ الْحَرْبِيِّ إذَا أَتْلَفَ نَفْسًا " أَوْ مَالًا " ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ .
الْكِنَايَةُ مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا " وَهِيَ " فِي بَعْضِ الْمَعَانِي أَظْهَرُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى " أَنَا مِنْك طَالِقٌ " وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ احْتَمَلَهُمَا " عَلَى السَّوَاءِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً وَمُرَادُهُ بِظُهُورِ بَعْضِ الْمَعَانِي أَيْ فِي مَحَلِّ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ لَوْ قَصَدَ الْمَعْنَى الْبَعِيدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ قَالُوا فِيمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ وَأَرَادَ " مَعَ " فَطَلْقَتَانِ ، فَإِنَّ " فِي " تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى " مَعَ " وَالِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ مَقْبُولٌ فِي الْإِيقَاعِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ .
وَتَلَطَّفَ الْقَفَّالُ " فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " فِي الْأَسْرَارِ .
الْكِنَايَةُ بِدَايَةُ " التَّصْرِيحِ " وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أُمُورٌ .
مِنْهَا : أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْمُرَادِ .
" وَمِنْهَا " : " هَلْ " يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِجَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْ لِآخِرِهِ أَوْ أَوَّلِهِ ؟ أَوْجُهٌ مَحْكِيَّةٌ فِي " كِتَابِ " الطَّلَاقِ ، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهَا فِي غَيْرِهِ " فِيمَا " يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا قَرَائِنُ التَّأْكِيدِ ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِلصَّرِيحِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ بَيْنُونَةً " كُبْرَى " لَا تَحِلُّ لِي أَبَدًا ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ " لَوْ " قَالَ : تَصَدَّقْت بِهِ كَانَ كِنَايَةً فَلَوْ ضُمَّ إلَيْهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ كَانَ صَرِيحًا ، وَفِي الْوَسِيطِ فِي الْبَيْعِ : إذَا انْضَمَّتْ الْقَرَائِنُ حَتَّى أَفَادَتْ الْعِلْمَ صَارَ صَرِيحًا .
الْكَفَّارَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : هِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ : مُرَتَّبٌ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ " وَهِيَ " كَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ وَالظِّهَارِ .
وَالثَّانِي : مُخَيَّرٌ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ وَهُوَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى .
وَالثَّالِثُ : فِيهِ تَخْيِيرٌ وَتَرْتِيبٌ وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَمَا الْتَحَقَ بِهَا مِنْ النَّذْرِ وَالْإِيلَاءِ ، وَقَوْلُهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " فَالتَّخْيِيرُ " فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّوْمِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا أَتَى الْمُكَلَّفُ بِهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ " كَانَ كَانَتْ أَدَاءً إلَّا كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَإِنَّ لَهَا وَقْتُ أَدَاءً وَهُوَ إذَا " فُعِلَتْ " بَعْدَ الْعَوْدِ وَقَبْلَ الْجِمَاعِ ، وَوَقْتُ قَضَاءٍ وَهُوَ إذَا فُعِلَتْ بَعْدَ الْعَوْدِ وَالْجِمَاعِ " صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ الثَّالِثُ : هَلْ تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ إنْ لَمْ " يَتَعَدَّ " بِسَبَبِهِ " فَعَلَى " التَّرَاخِي وَإِلَّا فَعَلَى الْفَوْرِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا عَصَى بِالْحِنْثِ لَمْ يُبَحْ لَهُ تَأْخِيرُ التَّكْفِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ طَاعَةً أَوْ مُبَاحًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُبْرِئَ الذِّمَّةَ فَلَوْ أَخَّرَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ .
فَائِدَةٌ .
كَفَّارَةُ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ " يَعْتَوِرُهَا " الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ فَهِيَ أَدَاءٌ " أَوْ بَعْدَهُ " فَقَضَاءٌ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ
الْكُلِّيُّ الْمَجْمُوعَيْ " وَالْكُلِّيُّ الْإِفْرَادِيُّ " بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَإِنَّ فِي الْمَجْمُوعِيِّ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، وَفِي الْإِفْرَادِيِّ بِكُلِّ فَرْدٍ .
وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِفُرُوعٍ : الْأَوَّلُ : لَوْ " بَاعَهُ " صُبْرَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ فَخَرَجَتْ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ نُظِرَ إلَى " الْقَيْدِ " التَّفْصِيلِيِّ فِي كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ فَخَرَجَتْ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً لَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ بِالثَّمَنِ حَصَلَتْ " بِمَجْمُوعِ الْبَيْعِ " مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ " عَلَى " الْأَجْزَاءِ .
الثَّانِي : لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبِيدِهِ الْعَشَرَةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ كَانَ مُغَايِرًا ؛ لِقَوْلِهِ : بِعْ كُلَّ عَبْدٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ فِي الثَّانِيَةِ كُلَّ عَبْدٍ بِمُفْرَدِهِ بِعَشَرَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْقِصَ عَنْهَا وَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَهُ أَنْ يَبِيعَ كُلَّ عَبْدٍ بِمُفْرَدِهِ وَإِنَّمَا الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُوَكِّلِ بَيْعَ الْعَشَرَةِ بِمِائَةٍ دَيْنًا ، وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ كَانَ لَهُ بَيْعُ بَعْضِهِمْ بِدُونِ عَشَرَةٍ إذَا لَمْ يَنْقُصْ " مَجْمُوعُ " ثَمَنِ الْعَشَرَةِ عَنْ مِائَةٍ .
الثَّالِثُ : لَوْ أَجَّرَ الدَّارَ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا وَتَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَفْصِيلِ الثَّمَنِ الرَّابِعُ : إذَا قَالَ : " وَاَللَّهِ " لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ ؛ كَانَ مُولِيًا مِنْهُنَّ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَارْتَفَعَ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّ الْبَاقِيَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَوْ قَالَ : لَا أُجَامِعُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ وَأَرَادَ الِامْتِنَاعَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ مُولِيًا عَنْهُنَّ جَمِيعًا ، قَالَ الْإِمَامُ : وَلَيْسَ التَّعْمِيمُ هَا هُنَا كَالتَّعْمِيمِ فِي "
لَا أُجَامِعُكُنَّ " فَإِنَّ اللَّفْظَ هُنَاكَ يَتَنَاوَلُ كُلَّهُنَّ وَلَا يَحْصُلُ الْحِنْثُ بِجِمَاعٍ وَهَا هُنَا الْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِإِحْدَاهُنَّ " وَتَنْزِلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الْبَدَلِ "
الْكُلِّيَّاتُ كُلُّ عِبَادَةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِهَا إلَّا الصَّوْمَ وَالزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ .
كُلُّ عِبَادَةٍ يُخْرَجُ مِنْهَا بِفِعْلٍ يُنَافِيهَا وَيُبْطِلُهَا إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ " كُلُّ عِبَادَةٍ " شَمَلَتْ " أَرْكَانًا لَا يَجِبُ تَخْصِيصُ كُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا بِنِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ إذَا نَوَى أَصْلَ الْعِبَادَةِ إلَّا نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ " وَإِلَّا الطَّوَافُ عَلَى وَجْهٍ " .
كُلُّ وُضُوءٍ يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ إلَّا وُضُوءَ الْجَنَابَةِ .
كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ نَجَسٌ إلَّا الْمَنِيَّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَكَذَا " الْوَلَدُ " .
كُلُّ مَنْ صَحَّ إحْرَامُهُ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ صَحَّ بِالنَّفْلِ إلَّا ثَلَاثَةً مَذْكُورَةً فِي آخِرِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ .
كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ .
كُلُّ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا لَمْ تَسْتَبِحْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ " مُحَرَّمًا " عَلَيْهَا فِي الْحَيْضِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : الصَّوْمُ " وَالطَّلَاقُ " وَالتَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَقَدْ حَصَلَ بِالِانْقِطَاعِ .
كُلُّ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ " صِحَّةً " مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ اقْتَدَى بِهِ مِثْلُهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ " فِي تَبَعِ الْمَقْضِيِّ كَتَبَعِ الْمَجْزِيِّ " .
" كُلُّ " مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ " صِحَّةً " مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ " يَصِحُّ " الِاقْتِدَاءُ بِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ إحْدَاهَا : اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ عَلَى الْجَدِيدِ .
الثَّانِيَةُ : الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى .
الثَّالِثَةُ : الْمُقْتَدِي يَقِينًا أَوْ ظَنًّا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ فَلَا يَتْبَعْ فَلَوْ بَانَ إمَامًا فَقَوْلَانِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا اقْتَدَى بِاثْنَيْنِ لِعَجْزِهِ عَنْ مُتَابَعَتِهِمَا .
الْخَامِسَةُ : الصَّبِيُّ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .
السَّادِسَةُ : الْمُسْتَحَاضَةُ
الْمُتَحَيِّرَةُ إذَا قُلْنَا : لَا تَقْضِي كُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ لَا يُشْرَعُ مِنْ أَصْلِهِ ، " وَلِذَلِكَ لَا يُحَدُّ الْمَجْنُونُ " " بِسَبَبٍ " وُجِدَ فِي عَقْلِهِ .
وَلَا السَّكْرَانُ " بِسَبَبٍ " وُجِدَ فِي صَحْوِهِ إذْ مَقْصُودُ الْحَدِّ الزَّجْرُ " وَهُوَ لَا يَحْصُلُ " ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أَمَتِهِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ بِدُونِهِ " مِمَّا " هُوَ أَقْوَى مِنْهُ .
نَعَمْ خَرَجُوا " عَنْ " هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ : " أَحَدُهُمَا " إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَفِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ نَعَمْ فَهَذَا عَقْدٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ ، لَكِنْ الْمَاوَرْدِيُّ نَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَبَيْعِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَقَضِيَّتُهُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ .
الثَّانِي : إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ " عَصَى بِالْيَمِينِ " وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ أَصْلًا كَمَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً يَبْطُلُ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ .
كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ فَعَلَى مُتْلِفِهِ " قِيمَتِهِ " إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا قِيمَةَ عَلَى مُتْلِفِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْإِتْلَافِ وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ .
الثَّانِيَةُ : الْعَبْدُ إذَا قُتِلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ زَادَهَا الْقَفَّالُ وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
الثَّالِثَةُ : الْعَبْدُ التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا يُبَاعُ الْمُرْتَدُّ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ .
الرَّابِعَةُ : الزَّانِي الْمُحْصَنُ حَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَى قَاتِلِهِ شَيْءٌ وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ عَبْدًا مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ الْحُرِّيَّةُ فِي الْكَافِرِ إذَا زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَاسْتُرِقَّ .
وَقَالَ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ : كُلُّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ إلَّا فِي " إحْدَى عَشْرَةَ " مَسْأَلَةً : أُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْحُرُّ يَقُومُ بِالْحُكُومَةِ وَالْوُقُوفِ وَالْمَسَاجِدِ ، وَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ بِنَاءٍ وَسُتُورٍ ، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةُ وَكَذَلِكَ صَيْدُ الْحَرَمِ وَشَجَرُهُ .
كُلُّ أَرْشٍ " يُؤْخَذُ " مَعَ بَقَاءِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ مَسْحُوبٌ مِنْ الثَّمَنِ .
" وَكُلُّ مَا يُؤْخَذُ " مَعَ ارْتِفَاعِ الْعَقْدِ فَهُوَ مَسْحُوبٌ مِنْ الْقِيمَةِ وَبِذَلِكَ يَزُولُ " التَّنَاقُضُ عَمَّنْ ظَنَّ ذَلِكَ تَنَاقُضًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ .
كُلُّ عَيْبٍ يُوجِبُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَا لَا فَلَا ، وَمَا لَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَلَوْ خَصَى الْعَبْدَ ثُمَّ عَرَفَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَا رَدَّ وَإِنْ " زَادَتْ " قِيمَتُهُ ، وَلَوْ نَسِيَ الْقُرْآنَ أَوْ الْحِرْفَةَ ثُمَّ عَرَفَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا فَلَا " رَدَّ لِنُقْصَانِ " الْقِيمَةِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : إلَّا فِي " الْأَقَلِّ " ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : لَعَلَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ مِنْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَلَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فَقَطَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ ، كَمَا إذَا خَصَى الْعَبْدَ وَإِنْ كَانَ لَوْ اشْتَرَاهُ وَقَدْ قَطَعَ الْبَائِعُ أُصْبُعَهُ الزَّائِدَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا " شَيْنَ " لَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِخِلَافِ الْخَصِيِّ انْتَهَى ، لَكِنْ خَالَفَهُ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ : لَهُ الرَّدُّ فَحَصَلَ وَجْهَانِ .
" كُلُّ " مَنْ مَلَكَ جَارِيَةً وَلَيْسَ فِيهَا عُلْقَةُ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إذَا اسْتَبْرَأَهَا " إلَّا الْمُبَعَّضَ وَالْمُكَاتَبَ وَمَالِكَ الْقِرَاضِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَكَذَا قَبْلَهُ عَلَى مَا نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ ، لَكِنْ الْمُخْتَارُ جَوَازُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فَلَا يُسْتَثْنَى ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ فَإِنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ .
كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ " حَقٌّ " وَامْتَنَعَ مِنْهُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ ، إلَّا الْمَعْضُوبَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ " وَامْتَنَعَ فَإِنَّهُ " لَا يَسْتَأْجِرُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا إذَا بَذَلَ لَهُ الطَّاعَةَ وَهُوَ فَقِيرٌ فَلَمْ يَقْبَلْ لَا يَقْبَلُ عَنْهُ الْحَاكِمُ وَالْخِلَافُ " فِيمَنْ " طَرَأَ عَضَبُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ أَمَّا مَنْ بَلَغَ مَعْضُوبًا فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ إذْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ .
وَلَوْ نَذَرَ شَخْصٌ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فَهَلْ لِلْحَاكِمِ مُطَالَبَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ " بِهَا " عَلَى الْفَوْرِ نَعَمْ إنْ فَرَضَ الْكَلَامَ فِي كَفَّارَةٍ تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَهِيَ الَّتِي فِيهَا مَحْظُورٌ وَفِي النَّذْرِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِالْفَوْرِ اُتُّجِهَ الْخِلَافُ .
وَلَوْ امْتَنَعَ " الذِّمِّيُّ " مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ الْمُلْتَزَمَةِ بِالْعَقْدِ مَعَ الْقُدْرَةِ اُنْتُقِضَ عَقْدُهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِنْ مَالِهِ " قَهْرًا " كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ " الدَّيْنِ " وَهَذَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ .
ثُمَّ الْمُمْتَنِعُ لِلْقَاضِي مَعَهُ أَحْوَالٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى الْفِعْلِ خَاصَّةً وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ كَالِاخْتِيَارِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ فَإِنْ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ حُبِسَ وَلَا يُفْسَخُ عَلَيْهِ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَسْخِ كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي زَوْجَتَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْمُولِي مُعَيَّنَةٌ فَإِذَا طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِهِ " هُنَا " فَإِنَّ الزَّوْجَاتِ غَيْرُ مُعَيَّنَاتٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَلِّقَ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ .
وَكَمَا لَوْ جَاءَ الْبَائِعُ بِالْمَبِيعِ فَامْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَإِنْ " أَصَرَّ " أَمَرَ الْحَاكِمُ مَنْ يَقْبِضُهُ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ غَائِبًا .
وَلَوْ جَاءَ الْغَاصِبُ بِالْمَغْصُوبِ لِيَرُدَّهُ لِلْمَالِكِ فَامْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى قَبْضِهِ ، لِأَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ ضَرَرًا بِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ مِنْ ضَمَانِ مَنَافِعِهِ وَضَمَانِهِ إنْ تَلِفَ فَإِنْ امْتَنَعَ نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَنْهُ نَائِبًا حَتَّى " يَقْبِضَهُ " عَنْهُ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا وَقُلْنَا : إنَّهُ يَجِبُ " عَلَيْهِ " " وَطْأَةٌ وَاحِدَةٌ " لِاسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ ، قَالَ الْإِمَامُ : فَعَلَى هَذَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَطَأَ .
قَالَ : وَلَمْ يَصِرْ أَحَدٌ إلَى أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِيلَاءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا : يُطَلِّقُ عَلَيْهِ لَأَدَّى ذَلِكَ " إلَى " قَطْعِ النِّكَاحِ وَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُهُ بِخِلَافِ الْإِيلَاءِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ إزَالَةُ الضَّرَرِ فَإِذَا لَمْ يَفِ لَمْ يَبْقَ " مُعَيَّنًا " إلَّا الطَّلَاقُ ،
وَمِنْ ذَلِكَ إذَا " جَبَرَ " عَظْمَهُ بِنَجَسٍ مَعَ وُجُودِ الطَّاهِرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّزْعُ إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ .
الثَّانِي : مَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إجْبَارٍ كَحَقِّ " النِّكَاحِ " إذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْمُجْبَرُ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلسُّلْطَانِ وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ لَزِمَ الْوَارِثَ إعْتَاقُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَعْتَقَهُ السُّلْطَانُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي " بَابِ " الْعِتْقِ " .
الثَّالِثُ : مَا " يُخَيَّرُ " الْحَاكِمُ فِيهِ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ حَبْسُهُ أَوْ النِّيَابَةُ عَنْهُ ، كَمَا إذَا امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ قَوْلَانِ " كَالْإِيلَاءِ " وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْبِسُهُ ، وَمِثْلُهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَامْتَنَعَ مِنْ عِتْقِهِ ، وَقُلْنَا : الْحَقُّ لِلَّهِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا فَيَجِيءُ خِلَافُ الْمُولِي حَتَّى يُعْتِقَهُ الْقَاضِي عَلَى قَوْلٍ وَيَحْبِسَهُ حَتَّى يَعْتِقَ عَلَى قَوْلٍ .
كُلُّ مَنْ أَخَذَ الشَّيْءَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إلَّا إذَا أَخَذَ مَالَ الْمُمْتَنِعِ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ لِيَبِيعَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ " فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ " عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ " كَالرَّهْنِ " قَالَهُ صَاحِبُ الْإِشْرَافِ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَضْمَنُ عَلَى الْقَاعِدَةِ .
كُلُّ أَمِينٍ مُصَدَّقٌ فِي الرَّدِّ إمَّا جَزْمًا أَوْ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْمُسْتَأْجِرُ يَدُهُ عَلَى الْعَيْنِ يَدُ أَمَانَةٍ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ " عَلَى الْأَصَحِّ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَهُوَ قَدْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِغَرَضِهِ فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ .
الثَّانِيَةُ : " الْمُرْتَهِنُ " لَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ .
كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ لَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ مُتَّهَمًا فِيهِ ، " وَاحْتُرِزَ " بِهَذَا عَنْ الْعَبْدِ يُقِرُّ بِالْجِنَايَةِ عَمْدًا يُقْبَلُ وَإِنْ أَضَرَّ بِالسَّيِّدِ وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ بِجِنَايَةِ الْعَمْدِ يُقْبَلُ وَإِنْ أَضَرَّ بِالزَّوْجِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ .
وَمَنْ أَقَرَّ " بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ وَيَضُرُّ غَيْرَهُ " قُبِلَ فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتُكِ عَلَى مِائَةٍ " فَقَالَتْ : بَلْ مَجَّانًا " ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَسَقَطَ الْمَالُ .
وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَعْتَقْتُك عَلَى مَالٍ ، فَقَالَ الْعَبْدُ : بَلْ مَجَّانًا ؛ عَتَقَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَى " رَجُلٍ " أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ " بِمُقْتَضَى " إقْرَارِ أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ انْتَقَلَ انْتِقَالًا يُوجِبُ " الشُّفْعَةَ تَبْطُلُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَتَثْبُتُ عَلَيْهِ الشُّفْعَةُ لِكَوْنِ ذَلِكَ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ بِحَقِّ الشَّفِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ " هَذَا " صُوَرٌ : مِنْهَا : لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ غَيْرُ " الْحَائِزِ " بِابْنٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ " قَطْعًا وَلَا يَرِثُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِامْرَأَةٍ تَحْتَهُ أَنَّهَا أُخْتُهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ " وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ النَّصِّ وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَمَّا سَبَقَ ، بِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ يَجُوزَانِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَالْعِوَضُ فِيهِمَا غَيْرُ " مُرْتَبِطٍ " كَارْتِبَاطِ الْمِيرَاثِ بِالنَّسَبِ .
كُلُّ عَقْدٍ فَسَدَ ثَبَتَ فِيهِ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْجِزْيَةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي مَبَاحِثِ الْفَاسِدِ .
كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عُلِّقَ بِصِفَةٍ لَا يَقْتَضِي إطْلَاقُ الْعَقْدِ تِلْكَ الصِّفَةَ فَسَدَ بِالتَّعْلِيقِ قَطْعًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ : وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفِ " دِرْهَمٍ غَدًا ، فَقَالَ الْعَبْدُ : قَبِلْت أَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي غَدًا عَلَى أَلْفٍ " فَقَالَ الْمَوْلَى : أَعْتَقْته غَدًا عَنْك عَلَى أَلْفٍ ، فَإِذَا جَاءَ الْغَدُ عَتَقَ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ أَوْ الْمُسَمَّى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ " وَإِنْ كَانَتْ " لَا تَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ " بِالصِّفَةِ " وَالْمُعَاوَضَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَابِعَةٌ لِلْعِتْقِ فَوَجَبَ الْمُسَمَّى .
كُلُّ عَدَدٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ فَهُوَ تَحْدِيدٌ " بِلَا خِلَافٍ " كَالْحُدُودِ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَنُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِهَا وَالدِّيَةِ .
كُلُّ مَا كَانَ رَاجِعًا إلَى " مَحَلِّ " الِاجْتِهَادِ فَهُوَ الَّذِي تُرُدِّدَ فِيهِ كَقَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ بِالْأَرْطَالِ .
كُلُّ نَجَسٍ عُلِّقَتْ إزَالَتُهُ بِعَدَدٍ فَهُوَ وَاجِبٌ كَوُلُوغِ الْكَلْبِ وَالْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ .
كُلُّ مَا حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ .
كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ أَبَدًا حَلَّتْ رُؤْيَتُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا إلَّا الْمُلَاعَنَةَ .
كُلُّ حَيْضٍ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّلَاقُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَهِيَ الْحَامِلُ إذَا قُلْنَا : تَحِيضُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَهَاهُنَا عِدَّتُهَا بِالْوَضْعِ .
كُلُّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ لَا يَقَعُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ ، اسْتَثْنَاهَا الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي : إحْدَاهَا : إذَا عَلَّقَ بِرُؤْيَتِهَا " الْهِلَالَ " فَرَآهُ غَيْرُهَا تَطْلُقُ .
الثَّانِيَةُ : قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَةَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ - طَلُقَتْ فِي الْحَالِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا عَلَّقَ بِصِفَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ " فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ .
الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ " فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ، قَالَ : وَكُلُّ طَلَاقٍ بِصِفَةٍ يَقَعُ بِمَجِيءِ الصِّفَةِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ " وَاحِدَةٍ " وَهِيَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا إنْ طَلَّقْتُك غَدًا وَاحِدَةً فَإِنْ طَلَّقَهَا غَدًا وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ الْوَاحِدَةُ وَلَا الثَّلَاثُ الَّتِي فِي الْيَوْمِ .
وَذَكَرَ " صَاحِبَا الرَّوْنَقِ وَاللُّبَابِ " الْمُسْتَثْنَى مِنْ " الْأَوَّلِ " خَمْسُ صُوَرٍ وَزَادَا أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ أَوْ لِدُخُولِ الدَّارِ تَطْلُقُ فِي الْحَالِ رَضِيَ أَمْ لَا دَخَلَتْ أَمْ لَا ، وَتُحْمَلُ اللَّامُ عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَذَكَرَا بَدَلًا " الثَّالِثَةُ " إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً " قَبِيحَةً " تَقَعُ فِي الْحَالِ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الثَّالِثَةِ مِنْ الْوُقُوعِ حَالًّا ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَصُوَرُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ : إنْ أَحْيَيْت مَيِّتًا وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ ، لَكِنْ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَجَمَاعَةٍ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، وَفِي اسْتِثْنَاءِ " الْأُولَى " نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، لِأَنَّ مَعْنَى رَأَيْت عَلِمْت وَهِيَ لَا تُطْلَقُ إلَّا بِالْعِلْمِ ، وَكَذَا الثَّالِثَةُ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يُسْتَثْنَى .
وَيُزَادُ " عَلَيْهَا " صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " أَنْتِ طَالِقٌ " غَدًا " أَمْسِ أَوْ أَمْسِ غَدٍ " عَلَى الْإِضَافَةِ يَقَعُ فِي " الْحَالِ " " فَإِنَّهُ غَدًا أَمْسِ أَوْ أَمْسِ غَدٍ " " الثَّانِيَةُ : إذَا عَلَّقَ بِحَمْلِهَا
وَكَانَ ظَاهِرًا وَقَعَ فِي الْحَالِ " .
الثَّالِثَةُ : إذَا قَالَتْ لَهُ : يَا خَسِيسُ فَقَالَ : إنْ كُنْت كَمَا قُلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَقَصَدَ الْمُكَافَأَةَ يَقَعُ حَالًا .
الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَكَذَا لَوْ قَالَ قَبْلَ قُدُومِهِ ، وَعَنْ إسْمَاعِيلَ الْبُوشَنْجِيِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا هَذَا وَأَصَحُّهُمَا إنْ قَدِمَ بِأَنَّ وُقُوعَهُ عِنْدَ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَلَا " لِأَنَّ قَوْلَنَا هَذَا قَبْلَ هَذَا يَسْتَدْعِي وُجُودَهُمَا " وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وُجُودٌ .
كُلُّ مَنْ جَهِلَ " تَحْرِيمَ " شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَفَعَلَهُ لَا يُحَدُّ وَإِنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ " وَقَدْ سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْجِيمِ .
كُلُّ مَا جَازَ لِلْإِنْسَانِ " أَنْ يَشْهَدَ بِهِ " جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الْحَقُّ لَهُ .
وَقَدْ لَا يَجُوزُ الْعَكْسُ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا : أَنْ يُخْبِرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ فُلَانًا " قَدْ " قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ غَصَبَ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَلَا يَشْهَدُ وَكَذَا لَوْ رَأَى بِخَطِّهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ أَوْ أَنَّهُ قَضَاهُ ، وَكَذَا " خَطُّ " مُوَرِّثِهِ إذَا قَوِيَ عِنْدَهُ صِحَّتُهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْهَدْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ بَابَ الْيَمِينِ أَوْسَعُ " إذْ " يَحْلِفُ الْفَاسِقُ وَالْعَبْدُ " وَمِمَّنْ " لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَشْهَدُونَ .
ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْفُرُوقِ .
كُلُّ " مَا شُرِطَ فِي الشَّاهِدِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْأَدَاءِ " لَا " عِنْدَ التَّحَمُّلِ إلَّا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّ شُرُوطَهُ تُعْتَبَرُ عِنْدَ التَّحَمُّلِ أَيْضًا لِتَوَقُّفِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ انْعِقَادُهُ بِالْمَسْتُورِ .
كُلُّ عِتْقٍ كَانَ عَنْ الْمَيِّتِ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُسْتَوْلَدَةَ وَتَابِعَهَا " وَالْمُعْتَقَ بِالْقَبْلِيَّةِ عَلَى الْمَرَضِيِّ " .
الْأَوَّلُ : " الصَّرِيحُ " يَعْمَلُ بِنَفْسِهِ " وَلَا يَقْبَلُ إرَادَةَ غَيْرِهِ بِهِ وَالْمُحْتَمَلُ " يَرْجِعُ فِيهِ إلَى إرَادَةِ اللَّافِظِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : إذَا تَكَلَّمَ الْعَجَمِيُّ بِلِسَانِهِ بِكَلِمَةٍ تَحْتَمِلُ الْإِيلَاءَ وَغَيْرَهُ كَانَ كَالْعَرَبِيِّ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ " وَتَحْتَمِلُ " مَعْنَيَيْنِ " لَبِسَ " ظَاهِرُهُمَا الْإِيلَاءُ فَيَسْأَلُ فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْإِيلَاءَ فَهُوَ مُولٍ وَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ الْإِيلَاءَ - فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ طَلَبَتْ امْرَأَتَهُ .
انْتَهَى .
وَيُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الطَّلَاقِ " وَنَحْوِهِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : الْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةٌ نَصٌّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ وَظَاهِرٌ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ " وَمُحْتَمَلٌ بِتَرَدُّدٍ " بَيْنَ مَعَانٍ لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا فَأَمَّا النَّصُّ فَلَا " مَحِيصَ " عَنْهُ ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَإِنْ أَطْلَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عَلَى حُكْمِ ظُهُورِهِ ، وَإِنْ ادَّعَى اللَّافِظُ تَأْوِيلًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذْهَبِ يَطُولُ ، وَأَمَّا " الْمُحْتَمَلُ " الَّذِي لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُهُ بِجِهَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ صَاحِبِ اللَّفْظِ وَمِنْهُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ " كَمَا " لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ أَوْ ( مَالٍ ) عَظِيمٍ أَوْ " كَبِيرٍ " " وَنَحْوِهِ " وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي التَّلْقِينِ : لَفْظُ الْمُقِرِّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا غَيْرَ مُضَافٍ وَلَا مُحْتَمَلٍ وَلَا مَجْهُولٍ فَيَرْجِعُ إلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ دُونَ نِيَّتِهِ ، أَوْ مُحْتَمَلًا فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِهِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ " عَنْ " احْتِمَالِهِ ، أَوْ مَجْهُولًا فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى " بَيَانِهِ " وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ .
قُلْت : وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذَا أَخِي ، وَفَسَّرَهُ بِأُخُوَّةِ الرَّضَاعِ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ ، أَوْ بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُقْبَلْ قَطْعًا .
وَلَوْ قَالَ : غَصَبْت دَارَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت دَارَةَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيحِ
حَكَاهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ ضَابِطًا فَقَالَ : مَنْ فَسَّرَ " اللَّفْظَ بِغَيْرِ " مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ يُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قُبِلَ ، لِأَنَّهُ غَلَّظَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ لَا عَلَيْهِ قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُدَنْ فِي الْحُكْمِ إنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ " مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَنَحْوِهِ " .
قُلْت : وَلَا يَقْبَلُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ " وَاحِدَةً وَنَوَى عَدَدًا ؛ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مُخَالِفٌ اللَّفْظَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ " وَاحِدَةً وَنَوَى عَدَدًا فَالْمَنْوِيُّ فِي الْأَصَحِّ ، نَعَمْ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ ، فَلَوْ قَالَ : نَوَيْت أَحْسَنَ فِي التَّعْجِيلِ وَهُوَ زَمَنُ الْحَيْضِ قُبِلَ فِي الظَّاهِرِ ، لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ " قَالَهُ " الْإِمَامُ ، وَقِيلَ : يَفْصِلُ فِي الْقَبُولِ بَيْنَ الْقَرِينَةِ وَغَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَ اسْمُهَا طَالِعًا ، وَقَالَ : أَرَدْته " فَالْتَفَّ الْحَرْفُ " " وَغَيْرُ " ذَلِكَ " وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ " " وَقَدْ " يَتَعَارَضُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ فَيَجِيءُ خِلَافٌ كَمَا لَوْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ ، " فَقَالَ " فِي الْجَوَابِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فَوَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ أَصَحُّهُمَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَسَبَقَ فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي " الِاصْطِلَاحِ الْخَاصِّ هَلْ يُرْفَعُ الْعَامُّ " كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ مِنْ الرُّجُوعِ لِلَّافِظِ " هُوَ إذَا " كَانَ مَوْجُودًا وَأَرَادَ شَيْئًا " فَإِنْ " أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ .
وَقَدْ ذَكَرُوا فِي بَابِ التَّدْبِيرِ فِيمَا إذَا قَالَ : إنْ مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت ، أَنَّهُ يُرَاجِعُ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى إرَادَتِهِ فَإِنْ أَطْلَقَ
فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : وَبِهِ أَجَابَ الْأَكْثَرُونَ حَمْلُهُ عَلَى " الْمَشِيئَةِ " بَعْدَ الْمَوْتِ حَمْلًا عَلَى الظَّاهِرِ ، وَالثَّانِي : حَمْلُهُ عَلَى " الْمَشِيئَةِ " فِي الْحَيَاةِ ، وَالثَّالِثُ : يَشْتَرِطُ " الْمَشِيئَةَ " فِي الْحَيَاةِ " وَالْمَشِيئَةُ " بَعْدَ الْمَوْتِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : " وَيَجِيءُ " هَذَا الْخِلَافُ فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ .
الثَّانِي : اللَّفْظُ إذَا وَصَلَ بِهِ لَفْظٌ وَقَبِلَ فِي الْحُكْمِ إذَا نَوَاهُ لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ وَيَدِينُ فِي الْبَاطِنِ إلَّا الِاسْتِثْنَاءَ فَإِنَّهُ إذَا وَصَلَهُ نُطْقًا يُقْبَلُ وَإِذَا نَوَاهُ لَا يَدِينُ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ .
وَأَجْرَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدِ الْمَلْفُوظِ " بِهِ " بِقَيْدٍ فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ : لَوْ ذَكَرَ لَفْظًا وَنَوَى مَعَهُ أَمْرًا لَوْ صَرَّحَ بِهِ " لَانْتَظَمَ " مَعَ الْمَذْكُورِ فَفِي تَأْثِيرِهِ فِي الْبَاطِنِ وَجْهَانِ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " أَوْ نَوَيْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَالْأَقْيَسُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ .
انْتَهَى .
وَالْمَعْرُوفُ " فِي " الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَا يَدِينُ وَأَنَّهُ يَدِينُ فِي قَوْلِهِ : أَرَدْت أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ " أَوْ " إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " " يَرْفَعُ حُكْمَ " اللَّفْظِ كُلِّهِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ ، وَالتَّعْلِيقِ بِالدُّخُولِ وَمَشِيئَةِ زَيْدٍ لَا يَرْفَعُهُ ، بَلْ يُخَصِّصُهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ وَقَوْلُهُ عَنْ وَثَاقٍ تَأْوِيلٌ وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنًى إلَى مَعْنًى " فَكَفَتْ " " النِّيَّةُ فِيهِ " وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالنَّسْخِ لَمَّا كَانَ رَفْعًا " لِلْحُكْمِ " لَمْ يُجِزْ إلَّا بِاللَّفْظِ وَالتَّخْصِيصِ يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ كَمَا يَجُوزُ بِاللَّفْظِ .
" الثَّالِثُ " : قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : اللَّفْظُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا ، وَلَا " يُحْمَلُ " عَلَى الِاحْتِمَالِ الْخَفِيِّ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَوْ يَقْتَرِنْ بِهِ دَلِيلٌ فَمَنْ حَلِفَ بِالْقُرْآنِ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ .
" وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ الْعَوَامّ وَالْجُهَّالِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي قَوْلِهِمَا بَعْدُ " ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَلَا التَّجَوُّزُ بِالْمُصْحَفِ عَنْهُ بَلْ الْحَلِفُ بِهِ كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ .
قُلْت : بَلْ قَوْلُهُمَا هُوَ الْقَرِيبُ ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ " تَعَالَى " ، " وَالْعُرْفُ " لَا يُخَالِفُهُ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي لَمَحَهُ الشَّيْخُ فَذَاكَ بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْإِيمَانِ " لَا تَنْبَنِي " عَلَيْهَا .
الرَّابِعُ : اللَّفْظُ الصَّادِرُ مِنْ الْمُكَلَّفِ إذَا عُرِفَ مَدْلُولُهُ فِي اللُّغَةِ أَوْ الْعُرْفِ لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَّا بِأُمُورٍ : أَحَدُهَا " أَنْ يُنْقَلَ عَنْهُ وَيَصِيرُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي غَيْرِهِ كَالدَّابَّةِ فِي الْحِمَارِ فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولُهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ فِي اللُّغَةِ وَصَارَ ذَلِكَ كَالنَّاسِخِ فِي الْأَحْكَامِ .
ثَانِيهَا : أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ غَيْرَ مَدْلُولِهِ الظَّاهِرِ وَيَكُونَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَا نَوَاهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ " وَقِيلَ " : لَا يُقْبَلُ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنْ اللَّفْظِ وَبُعْدِهِ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ لِوُجُودِ لَفْظِ الْجَمْعِ فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت بِهَذِهِ الثَّلَاثِ قُبِلَ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت شَرَابًا مُعَيَّنًا قُبِلَ لِعُمُومِ لَفْظِ " الْجَمْعِ " وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ ، وَقَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ " الْحَالَيْنِ " فَيُقْبَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَأَمَّا " إذَا نَوَى بِاللَّفْظِ مَا لَا إشْعَارَ لَهُ بِهِ لَمْ يُعْتَبَرْ كَمَا سَبَقَ فِي " أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً " وَنَوَى ثَلَاثًا .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً مِنْ عَطَشٍ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ غَيْرِ الْمَاءِ وَأَكَلَهُ وَإِنْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا عُرْفَ يَقْتَضِيهِ لَغَا .
وَهَذَا كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ يَشْتَرِطُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُوصِي فِيهِ كَقَوْلِهِ : فِي قَضَاءِ دُيُونِي ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت لَك - لَغَا ، لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا
إذَا فَهِمَ الْعَامِّيُّ " مِنْ " اللَّفْظِ شَيْئًا آخَرَ " لَمْ " يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَا نَوَاهُ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ مِنْ الْحَالِفِ بِالْحَرَامِ أَيْشُ تَفْهَمُ مِنْهُ لَوْ سَمِعَتْ غَيْرَك يَحْلِفُ بِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفَهْمِهِ عَلَى نِيَّتِهِ .
وَلَوْ كَانَ فَهِمَ الْعَوَامُّ حُجَّةً لَمْ يَنْظُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا يَصْدُرُ عَنْهُمْ وَلَكِنَّا نَنْظُرُ فِي ذَلِكَ وَيَجْرِي الْأَمْرُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا لُغَةً وَشَرْعًا سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ فَقَدْ الْتَزَمَ حُكْمَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ تَفَاصِيلَهُ حِينَ النُّطْقِ بِهِ ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ شَاهِدَةٌ لِذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ " لَمَّا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أُلْزِم بِحُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ وَكُلُّ مَنْ " اسْتَفْتَانَا " " فَإِنَّمَا " نُفْتِيهِ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ .
ثَالِثُهَا : أَنْ " يَسْبِقَ " لِسَانُهُ إلَيْهِ كَمَا فِي لَغْوِ الْيَمِينِ وَالطَّلَاقِ وَكَلِمَةِ الرِّدَّةِ ، لَكِنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ إلَّا بِقَرِينَةٍ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَيْمَانِ : لَوْ حَلَفَ ، وَقَالَ : لَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ صَدَقَ إلَّا فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَإِيلَاءٍ فَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَوْ " قَالَ : بِاَللَّهِ " ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت يَمِينًا مَاضِيَةً قُبِلَ بَاطِنًا وَكَذَا ظَاهِرًا إنْ عَلِمَ وَإِلَّا فَالنَّصُّ يُقْبَلُ .
رَابِعُهَا : أَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ لَكِنْ يَقْصِدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْكِيَ لَفْظُ غَيْرِهِ أَوْ يَقْصِدَ تَعْلِيمَ غَيْرِهِ وَنَحْوِهِ .
خَامِسُهَا : أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ بِحُكْمِهِ وَيُمْكِنُ صِدْقُهُ لِقُرْبِ إسْلَامِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ فَقَالَ ابْنُهُ : لَسْت أَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ
كَافِرًا سُئِلَ فَإِنْ فَسَّرَ بِالِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبِدَعِ " يُقَالُ " : لَك مِيرَاثُهُ وَاعْتِقَادُك خَطَأٌ .
وَمِنْهَا قَضَاءُ " الْحَنَفِيِّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ ، فَقَالَ : أَخَذْته بَاطِلًا لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهُ .
" وَمِنْهَا " مَاتَ رَجُلٌ عَنْ أَمَةٍ " أَوْلَدَهَا " بِنِكَاحٍ فَقَالَ : وَارِثُهُ لَا أَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ " وَلَدٍ " عَتَقَتْ " بِمَوْتِهِ " يُقَالُ : هِيَ مَمْلُوكَتُك وَلَيْسَتْ بِأُمِّ وَلَدٍ .
وَمِنْهَا : فِي الْقَسَامَةِ ، لَوْ قَالَ : ظَلَمْتُهُ بِالدِّيَةِ " بِكَذِبِي ، وَجَبَ " الرَّدُّ وَإِنْ قَالَ : لِأَخْذِي بِالْقَسَامَةِ فَإِنِّي حَنَفِيٌّ فَلَا .
سَادِسُهَا : أَنْ " يَبْنِيَهُ " عَلَى ظَاهِرٍ عِنْدَهُ ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافُهُ .
وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَ النَّجْمَ الْأَخِيرَ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَقَالَ : اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَا يُعْتَقُ .
وَمِثْلُهُ : لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ مُوهِمٍ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَقَعُ بِهِ فَتُوُهِّمَ وُقُوعُهُ أَوْ أَفْتَاهُ جَاهِلٌ بِوُقُوعِهِ فَأَخْبَرَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ " بِنَاءً " عَلَى ذَلِكَ لَا يَقَعُ " وَمِنْهَا مَاتَ عَنْ جَارِيَةٍ " أَوْلَدَهَا " بِنِكَاحٍ فَقَالَ وَارِثُهُ : لَا أَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ وَعَتَقَتْ بِمَوْتِهِ " فَقَالَ " لَهُ : هِيَ مَمْلُوكَتُك وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِالنِّكَاحِ .
وَمِثْلُهُ : مَا لَوْ ادَّعَى قَتْلًا وَأَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ قَالَ " ظَلَمْته " وَأَخَذْته بَاطِلًا ، وَقَالَ : أَرَدْت أَنْ لَا أَعْتَقِدَ حِلَّهُ " " لَمْ يَسْتَرِدَّ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ " فَقَالَ " ابْنُهُ لَسْت أَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ " اسْتَفْسَرَ " فَقَالَ " كَانَ رَافِضِيًّا أَوْ مُعْتَزِلِيًّا فَيُقَالُ لَهُ : لَك مِيرَاثُهُ " وَأَنْتَ مُخْطِئٌ فِي اعْتِقَادِك " وَمِنْهَا : لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ أَلْفٌ فَصَالَحَهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَكُونُ إبْرَاءً عَنْ خَمْسِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَبْرَأَهُ لِيَصِحَّ لَهُ الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَصِحَّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا
ثُمَّ أَذِنَ لِلْمُشْتَرِي فِي عِتْقِهِ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ .
وَمِنْهَا : " مَا " فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا لَهُ " فَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ الْيَدِ " فَقَالَ الْمُدَّعِي : تَبَرَّأْت مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا دَعْوَى لِي فِيهَا ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا دَعْوَى لِي فِيهَا " بَنَاهُ " عَلَى " قَوْلِهِ " تَبَرَّأْت مِنْهَا وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْعَيْنِ لَا تَصِحُّ .
وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " كَثِيرَةٌ " وَلَا يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ بَلْ تَجْرِي فِي الْفِعْلِ فَمَا يَأْتِي بِهِ الْمُكَلَّفُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى ظَنِّ السَّهْوِ كَالْعَدَمِ ، " وَالتَّعَمُّدِ " عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ لَا يَتَحَقَّقُ " فِيهِ الْعَمْدُ بِهِ " .
وَمِثْلُهُ يَجِبُ قَضَاءُ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِفِطْرِهِ لَا يُبَاحُ فِيهِ حَقِيقَةً .
وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا ثُمَّ تَكَلَّمَ عَامِدًا لَا تَبْطُلُ " لِبِنَائِهِ " عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ .
" الْخَامِسُ " : - اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْعَقْدِ إذَا وَجَدَ مَعَهُ مَا يُنَافِيهِ بَطَلَ " لِلتَّهَافُتِ " .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ وَأَجَّرْتُك الدَّارَ بِلَا أُجْرَةٍ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ وَاللَّفْظُ الْمُحْتَمَلُ عَقْدَيْنِ وَيَتَمَيَّزُ بِالصِّلَةِ فَإِذَا قَالَ : مَلَّكْتُك بِالثَّمَنِ كَانَ بَيْعًا ، وَلَوْ قَالَ : بِلَا عِوَضٍ كَانَ هِبَةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّمْلِيكِ يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ .
وَإِذَا قَالَ : بِعْتُك مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا بِعَشْرَةٍ كَانَ إجَارَةً وَلَوْ قَالَ : بِلَا " أُجْرَةٍ " كَانَ عَارِيَّةً .
وَلَوْ قَالَ : قَارَضْتُك اقْتَضَى اشْتِرَاكَهُمَا فِي الرِّبْحِ فَإِذَا شَرَطَ خِلَافَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : كُلُّهُ لِي أَوْ كُلُّهُ لَك كَانَ فَاسِدًا " فَلَوْ " قَالَ : أَقْرَضْتُك هَذَا الْمَالَ اقْتَضَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُسْتَقْرِضِ " فَإِذَا " قَالَ : عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِي أَوْ بَيْنَنَا بَطَلَ وَكَانَ قِرَاضًا فَاسِدًا .
وَلَوْ قَالَ : أَبَضْعَتك هَذَا الْمَالَ صَارَ بِضَاعَةً بِمَعْنَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمَالِكِ وَلَا أُجْرَةَ لِلْعَامِلِ ، فَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا " أَوْ لَك " كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا .
وَلَوْ قَالَ : خُذْ هَذَا بِنَظَرِ مَا يَصْلُحُ لِلْقِرَاضِ أَوْ الْقَرْضِ فَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَمَلَ بِهِ حَكَى الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ، فَأَمَّا فِي " الْأَقَارِيرِ " فَالتَّنَافِي غَيْرُ مُؤَثِّرٍ بَلْ الْعَمَلُ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَإِذَا قَالَ : لَهُ " عَلَيَّ " أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ وَقَدْ يَقُولُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ : الْكَلَامُ بِآخِرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : زَنَيْت وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَوْ ذِمِّيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ مُكْرَهَةٌ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ .
وَمِثْلُهُ بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ " لَا يَصِحُّ " فِي الْأَصَحِّ .
السَّادِسُ : - قَاعِدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ إطْلَاقِ اللَّفْظِ إرَادَةَ " الْمَعْنَى " مَعَ احْتِمَالِ غَيْرِهِ فَالْحَالُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا بَعْدَ إطْلَاقِهِ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْمُطَلِّقُ أَنَّهُ نَوَى الْمَعْنَى الْغَالِبَ وَأَرَادَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
ثَانِيهَا : أَنْ يَسْتَحْضِرَ أَنَّهُ نَوَى الْمَعْنَى الْمُحْتَمَلَ غَيْرَ الْغَالِبِ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَحْضُرَهُ " أَنَّهُ " نَوَى الْغَالِبَ وَلَا غَيْرَهُ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ : فَيَنْوِي فِيهِ وَيَعْمَلُ بِمَا نَوَاهُ .
وَأَمَّا [ الثَّانِي ] فَهُوَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُحْتَمَلِ " إلَّا لِمَانِعٍ " وَفِيهِ تَفْصِيلٌ " بَيْنَ " مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ وَأَلْفَاظِ " الشَّارِعِ " فِي الْمَأْمُورَاتِ وَبَيْنَ أَلْفَاظِ " الْمُكَلَّفِينَ " فِي أَيْمَانِهِمْ وَتَعْلِيقَاتِهِمْ " وَفِيهِ طُولٌ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ : فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَا يَلْحَقُ بِمَا " وُجِدَتْ " فِيهِ نِيَّةُ الْغَالِبِ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْغَالِبِ " إذْ " يَسْتَحْضِرُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : يَجْرِي مَجْرَى مَا وُجِدَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْغَالِبِ لِغَلَبَةِ إرَادَةِ الْغَالِبِ عِنْدَ الِاسْتِرْسَالِ لِلْإِطْلَاقِ وَلَهُ الْتِفَاتٌ إلَى قَاعِدَةٍ عَقْلِيَّةٍ .
الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ وَالْعِلْمِ بِالْعِلْمِ بِالشَّيْءِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ حُضُورِ الشَّيْءِ وَحُضُورِ تَذَكُّرِهِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَاضِرًا وَلَا " يَحْضُرُنَا " " تَذَكُّرُهُ " " فَعَلَ " ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ .
وَالْمَلَكَاتُ النَّفْسَانِيَّةُ " كُلُّهَا " مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ ( الْعَقْلِ ) لَا يَحْصُلُ الْفِعْلُ إلَّا بِهِ فَإِذَا صَارَ ذَلِكَ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ كَانَ الشَّرْطُ حَاضِرًا .
وَإِلَّا لَوُجِدَ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ شَرْطِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِالْعِلْمِ بِهِ أَوْ حَصَلَ لَكِنْ لَمْ يَحْضُرْ تَذَكُّرُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ حُضُورِهِ .
مِثَالُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ
تَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ التَّرْكِيبِ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَتَقَدُّمِ بَعْضِهَا " عَلَى بَعْضٍ " ضَرُورَةً ثُمَّ إنَّهَا تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ إلَى أَنْ تَصِيرَ مَلَكَةً لِلنَّفْسِ فَيَكْتُبُ مَا شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " أَنْ يَكْتُبَ وَلَا يَسْتَحْضِرُ أَنَّهُ رَتَّبَ التَّرْتِيبَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ انْتِظَامُ الْكِتَابَةِ .
وَفِي التَّحْقِيقِ قَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ لَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ تَذَكُّرُهُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، وَكَذَلِكَ وَنَقُولُ " فِي الْكَلَامِ إذَا كَثُرَ " اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى " وَتَكَرَّرَ " عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الِاسْتِرْسَالِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَوْ سُئِلَ الْمُتَكَلِّمُ هَلْ تَسْتَحْضِرُ أَنَّك أَرَدْت بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الْمُعَيَّنَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَضَرَتْهُ النِّيَّةُ " فِيهَا " بِعَيْنِهَا " وَيَجْرِي " هَذَا النَّظَرُ فِي بَعْضِ دَلَائِلِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ كَالْبَدْوِيِّ إذَا أَطْلَقَ لَفْظَ " الْبَيْتِ " فِي يَمِينِهِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ بَيْتًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى بَيْتِ الشِّعْرِ حَتَّى يَحْنَثَ بِدُخُولِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إرَادَتُهُ مَعَ وَضْعِ اللَّفْظِ لَهُ وَبِهَذَا عَلَّلُوا حَمْلَ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ الْبَدْوِيِّ عَلَى بَيْتِ الشِّعْرِ ، وَقَالُوا : إذَا أَطْلَقَهُ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ إرَادَتُهُ كَالْبَدْوِيِّ حُمِلَ عَلَيْهِ لِاجْتِمَاعِ الْوَضْعِ وَغَلَبَتْ الْإِرَادَةُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لِإِرَادَةِ بَيْتِ الشِّعْرِ لَمْ تَسْتَحْضِرْ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ اسْتَحْضَرَتْ لَمْ " تَضُمَّ " إلَى التَّعْلِيلِ لِغَلَبَةِ " الْإِرَادَةِ .
وَمِنْهَا " لَوْ " حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ " لَا يَحْنَثُ " بِلَحْمِ السَّمَكِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ أَنَّهُ نَوَى اللَّحْمَ الْمُعْتَادَ لِغَلَبَةِ إرَادَتِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَهَذَا يُخَالِفُ مَسْأَلَةَ الْبَدْوِيِّ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّ "
اعْتِبَارَ " الْإِرَادَةِ ثُمَّ وَافَقَ الْوَضْعَ ، " وَاعْتِبَارُ " الْإِرَادَةِ هَا هُنَا خَالَفَهُ مُخَالَفَةُ التَّخْصِيصَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ انْتَقَلَ الِاسْمُ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الْوَضْعِيَّةِ إلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِنْ بَابِ اتِّبَاعِ الْوَضْعِ لَا لِلنَّظَرِ إلَى غَلَبَةِ الْإِرَادَةِ لَكِنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ فِي كُلِّ مَكَان .
الْمَائِعُ الْجَارِي حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْجِرْيَةُ إذَا كَانَتْ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَائِعِ بَلْ يَحْكُمُ عَلَى جَمِيعِهِ بِالنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمَاءِ .
الثَّانِيَةُ : الْمَائِعُ إذَا تَنَجَّسَ وَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يَعُودُ طَهُورًا بِخِلَافِ الْمَاءِ وَمِنْ هَذَا أَنَّ الْمَائِعَ إذَا تَنَجَّسَ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْمَاءِ .
مَا أَوْجَبَ أَعْظَمَ الْأَمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِ لَا يُوجِبُ أَهْوَنُهُمَا بِعُمُومِهِ كَزِنَى الْمُحْصَنِ لِمَا " أَوْجَبَ " أَعْظَمَ الْحَدَّيْنِ بِخُصُوصِ زِنَا الْمُحْصَنِ وَهُوَ الرَّجْمُ لَا يُوجِبُ مَعَهُ أَدْنَاهُمَا وَهُوَ الْجَلْدُ بِعُمُومِ كَوْنِهِ زِنًى ، وَكَذَلِكَ زِنَى غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ الْجَلْدَ وَتَحْصُلُ مَعَهُ الْمُلَامَسَةُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ ، وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ مَنِيًّا فَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِعُمُومِ كَوْنِهِ حَدَثًا ، وَكَذَلِكَ الْإِيلَاجُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا " يُوجِبُ " مَعَهُ الْوُضُوءَ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَطْرَافِ إذَا أَفَضْت إلَى الْمَوْتِ تُوجِبُ دِيَةَ النَّفْسِ وَلَا تَجِبُ مَعَهَا دِيَةُ الْأَطْرَافِ .
وَقَدْ نُقِضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِصُوَرٍ : " مِنْهَا " الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُصُوصِ كَوْنِهِ حَيْضًا وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ بِأَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَلَا يُوجِبَانِ الْوُضُوءَ فَعَلَى هَذَا اسْتَقَامَتْ عَلَى الْقَاعِدَةِ .
" وَمِنْهَا " الْوِلَادَةُ تُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ .
وَمِنْهَا : مَنْ اشْتَرَى أَمَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَوَطِئَهَا لَزِمَهُ الْمَهْرُ لِاسْتِمْتَاعِهِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ " إذَا " كَانَتْ بِكْرًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إزَالَةِ الْعَيْنِ .
وَالْمَهْرُ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ فَلَمَّا اخْتَلَفَ سَبَبُهَا لَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُمَا وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَيْعِ .
وَقِيلَ : يَنْدَرِجُ الْأَرْشُ فِي الْمَهْرِ وَصَحَّحَهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَهِدُوا عَلَى مُحْصَنٍ بِالزِّنَى فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ اُقْتُصَّ مِنْهُمْ لَكِنْ يُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ أَوَّلًا ثُمَّ يُرْجَمُونَ ، " وَذَكَرَ " الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْغَنِيمَةِ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ يَرْضَخُ لَهُ مَعَ السَّهْمِ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَمِنْهُمْ مَنْ " نَازَعَ " كَلَامَهُ فِيهِ ، وَقَالَ : " يُزَادُ " مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ .
مَا تَعَلَّقَ بِسَبَبَيْنِ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا سَبَقَتْ قَاعِدَتُهُ فِي " حَرْفِ السِّينِ "
مَا اقْتَضَى عَمْدُهُ الْبُطْلَانَ اقْتَضَى سَهْوُهُ السُّجُودَ كَالْكَلَامِ الْكَثِيرِ وَالرُّكُوعِ الزَّائِدِ إلَّا فِي الْحَدَثِ فَإِنَّ عَمْدَهُ وَسَهْوَهُ مُبْطِلٌ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ " وَإِلَّا " فِيمَا إذَا " تَنَفَّلَ " عَلَى الدَّابَّةِ وَحَوَّلَهَا عَنْ صَوْبِ مَقْصِدِهِ وَعَادَ عَلَى الْفَوْرِ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَهَا فَلَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْجُدُ فِي الْأَصَحِّ .
" وَمَا " لَا يَقْتَضِي عَمْدُهُ الْبُطْلَانَ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ إلَّا فِيمَا إذَا نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَفَاتِحَةٍ " فِي " رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِعَمْدِهِ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ " وَإِلَّا " فِيمَا لَوْ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ " فَإِنَّ " عَمْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا وَتَذَكَّرَهُ " بَعْدَ " أَنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ فَإِنَّهُ " لَا " يَقْعُدُ وَيَسْجُدُ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ فَأَتَمَّ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي التَّشَهُّدِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ الْإِتْمَامَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَمَا لَوْ طَوَّلَ الرُّكْنَ الْقَصِيرَ ، وَقُلْنَا " بِالْمُخْتَارِ " لَا يَبْطُلُ عَمْدُهُ فَالْأَصَحُّ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ .
مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ سَبَقَتْ فِي " حَرْفِ الْحَاءِ " .
وَمِنْهُ الصُّوَرُ الْمُقَدَّمَةُ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ كَالْمَرْهُونِ وَالْجَانِي وَالْمَبِيعِ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا مَعَ أَنَّ وَفَاءَ " الدَّيْنِ " مُتَأَخِّرٌ عَنْ التَّجْهِيزِ ، وَتَقَدَّمَ الْمُرْتَهِنُ فِي أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُرْتَهِنٍ .
وَلَوْ تَنَازَعَ " الْمُتَبَايِعَانِ " فِي " الْبُدَاءَةِ " بِالتَّسْلِيمِ أُجْبِرَ الْبَائِعُ فِي الْأَظْهَرِ ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَبِيعِ مُعَيَّنٌ وَالثَّمَنُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ أَحَقُّ " بِالتَّقْدِيمِ مِمَّا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ " .
وَلَوْ رُقَّ الْحَرْبِيُّ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَغَنِمْنَا مَالَهُ مَعَ اسْتِرْقَاقِهِ فَلَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِينَ فِي عَيْنِهِ وَالدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ سَبَقَ الرَّهْنَ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنْ فَاتَهُ الْعَيْنُ فَلَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الذِّمَّةُ ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَزِيدُ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ .
وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ ، قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ : الْجِنَايَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ وَالْغُرَمَاءُ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ .
مَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالشَّرْطِ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي فُرُوعِ التَّعْلِيقَاتِ .
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُك بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِي الرَّجْعَةَ سَقَطَ قَوْلُهُ بِأَلْفٍ وَيَقَعُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الْمَالَ " ثَبَتَ " بِالشَّرْطِ وَالرَّجْعَةُ بِالشَّرْعِ فَكَانَ أَقْوَى ، وَنَحْوَهُ تَدْبِيرُ الْمُسْتَوْلَدَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا بِالْمَوْتِ ثَابِتٌ " بِالشَّرْعِ " فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى تَدْبِيرٍ .
وَلَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ وَنَوَى عِتْقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِالْقَرَابَةِ حُكْمٌ قَهْرِيٌّ وَالْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ يَتَعَلَّقُ بِإِيقَاعِهِ وَاخْتِيَارِهِ .
وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ إذَا أَحْرَمَ بِالتَّطَوُّعِ أَوْ النَّذْرِ وَقَعَ " ذَلِكَ " عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ " لِأَنَّ الْوُقُوعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ " مُتَعَلِّقٌ بِالشَّرْعِ وَوُقُوعُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ " مُتَعَلِّقٌ بِإِيقَاعِهِ عَنْهُمَا وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
وَمِثْلُهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُ الْوَاجِبِ .
وَلَوْ نَكَحَ أَمَةً لِمُورِثِهِ ثُمَّ قَالَ : إذَا مَاتَ سَيِّدُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَمَاتَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ يَرِثُهُ ؛ فَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ " لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُقْتَضَى لِلِانْفِسَاخِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعٌ فَقُدِّمَ أَقْوَاهُمَا وَالِانْفِسَاخُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالْقَهْرِ شَرْعًا وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ اسْتَنْبَطَهَا " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ " لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِبْحًا " وَبَنَى عَلَيْهَا فُرُوعًا " كَثِيرَةً " .
كَمَنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةً أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِيَقِينِهِ وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ النِّكَاحَ " مُسْتَيْقِنٌ " فَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ " أَمْ لَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ وَهَلْ طَلَّقَ " ثِنْتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ وَمِنْهَا الْأَقَارِيرُ ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مُتَيَقِّنَةٌ " فَلَا شُغْلَ " إلَّا بِيَقِينٍ فَحَيْثُ يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ الْإِقْرَارَ وَعَدَمَهُ لَا يَثْبُتُ نَعَمْ لَوْ قَالَ " لَهُ " عَلَيَّ دِرْهَمٌ ؛ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَازِنٌ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمًا خَفِيفًا وَلَمْ أُرِدْ الْوَزْنَ بَلْ الشَّكْلَ وَالصُّورَةَ لَمْ يُقْبَلْ .
قَالَ الْإِمَامُ : فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ بِنَاءَ الْإِقْرَارِ عَلَى " إلْزَامِ " الْيَقِينِ وَطَرْحِ الشَّكِّ عَلَى اسْتِصْحَابِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ، وَهَذَا الْأَصْلُ يَقْتَضِي تَصْدِيقَ الْمُقِرِّ بِالدِّرْهَمِ الْمُطْلَقِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ إرَادَةِ الشَّكْلِ دُونَ الْوَزْنِ ، قُلْنَا : هَذَا قَوْلُ " مَنْ لَمْ يَحُطَّ بِنِهَايَاتِ " الْأُمُورِ فَإِنَّ اللَّفْظَ الصَّرِيحَ فِي الْإِقْرَارِ يَجْرِي عَلَى مُوجِبِ ظَاهِرِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي " وَضْعِ " اللِّسَانِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ فَإِنَّ الصَّرِيحَ مَا يَتَكَرَّرُ عَلَى الشُّيُوعِ أَمَّا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَوْ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ ، وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ لَزِمَ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا يُقْبَلُ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الظَّاهِرِ فِي الظَّاهِرِ وَأَمْرُ السِّرِّ مُحَالٌ عَلَى الْأَحْكَامِ الْبَاطِنَةِ .
وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ حَكَمْنَا بِالطَّلَاقِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْ الزَّوْجِ فِي الظَّاهِرِ " قَوْلُهُ " أَرَدْت مِنْ وَثَاقٍ
وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، فَإِنَّ الصَّرِيحَ حَقُّهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى الظَّاهِرِ فِي ظَوَاهِرِ الْأَحْكَامِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ حَمْلِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْأَقَلِّ إذَا كَانَ لَفْظُ الْمُقِرِّ مُحْتَمَلًا فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ اللَّافِظِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْمَفْقُودَ لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ وَلَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ " يَتَيَقَّنُ " أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَمْثَالُهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْحَيَاةِ مُتَيَقِّنٌ فَلَا نَرْفَعُهُ إلَّا بِيَقِينٍ .
وَمِنْهَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخَمْسُ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِكُلٍّ مِنْهَا " يَقِينًا " .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ الْأُسْبُوعِ وَنَسِيَهُ " صَامَ آخِرَ الْأُسْبُوعِ " وَهُوَ الْجُمُعَةُ فَإِنْ يَكُنْ فَذَاكَ وَإِلَّا وَقَعَ قَضَاءٌ كَذَا قَالُوهُ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ " السَّبْتُ وَالظَّاهِرُ " أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِيَقِينٍ إلَّا بِصَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتُ لِلْخِلَافِ فِي أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ .
وَقَدْ نَقَضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ فِي جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَذَا رَأَيْته فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ " لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْعِجْلِيِّ " مُعْتَرِضًا بِهِ ، فَقَالَ : نَقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يُرْفَعُ إلَّا بِيَقِينٍ بِتَخْصِيصِهِ أَوْ نَسْخِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ النُّصُوصَ الْقَطْعِيَّةَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُرِدْ بِالْيَقِينِ الْقَطْعَ بَلْ إنَّ الشَّيْءَ الثَّابِتَ بِشَيْءٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِمِثْلِهِ ، وَالنَّصُّ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَهُوَ كَافٍ فِي الْأَحْكَامِ .
مَا ثَبَتَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الضَّادِ " .
مَا جَازَ فِيهِ التَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبْعِيضُ إلَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ " وَرَضِيَ " سَبَقَتْ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي فَصْلِ التَّخْيِيرِ .
مَا جَازَ الرَّهْنُ بِهِ جَازَ ضَمَانُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ ضَمَانُ الدَّرْكِ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ وَضَمَانُ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ جَائِزٌ وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي صُوَرٍ : فَمِنْ الْأَوَّلِ " الْمَنَافِعُ تُبَاعُ بِالْإِجَارَةِ وَيَمْتَنِعُ هِبَتُهَا إذَا قُلْنَا : إنَّهَا عَارِيَّةٌ .
وَبَيْعُ الْأَوْصَافِ سَلَمًا فِي الذِّمَّةِ جَائِزٌ " وَلَا يَجُوزُ هِبَتُهُ بِأَنْ يَقُولَ : وَهَبْتُك " أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِي ثُمَّ يُعَيِّنُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَيَقْبِضُهُ .
وَالْمُكَاتَبُ يَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ .
وَمِنْ الثَّانِي : بَيْعُ " التَّحَجُّرِ " لَا يَجُوزُ وَيَجُوزُ " هِبَتُهُ " .
وَهِبَةُ إحْدَى الضَّرَّتَيْنِ نَوْبَتَهَا لِصَاحِبَتِهَا صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَالطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهِ .
مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ وَمَا لَا فَلَا إلَّا فِي صُوَرٍ فَمِنْ الْأَوَّلِ : الْمَنَافِعُ تُبَاعُ بِالْإِجَارَةِ وَيَمْتَنِعُ رَهْنُهَا لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْقَبْضِ فِيهَا وَالدَّيْنُ يُبَاعُ وَلَا يُرْهَنُ وَكَذَا " الْمُشَاعُ " .
وَمِنْ الثَّانِي : رَهْنُ الْمُصْحَفِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ يَصِحُّ وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَكَذَا رَهْنُ السِّلَاحِ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَنَظَائِرِهِ .
مَا " جُوِّزَ " لِلْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ لِلْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ فِي الْأَصَحِّ " وَبِهَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ .
وَمِثْلُهُ لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ فِي الْأَصَحِّ " .
وَلَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْهَدْيِ لِلرُّكُوبِ وَإِنْ جَازَ " رُكُوبُهُ " لِلْحَاجَةِ .
مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ إمَّا قَطْعًا كَآلَاتِ الْمَلَاهِي أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
وَلِهَذَا حَرُمَ اتِّخَاذُ الْكَلْبِ الصَّائِدِ لِمَنْ لَا يَصِيدُ فِي الْأَصَحِّ وَحَرُمَ اقْتِنَاءُ الْخِنْزِيرِ وَالْفَوَاسِقِ وَالْخَمْرِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَالثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ لِلُبْسِ الرَّجُلِ وَالْحُلِيِّ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً .
" وَنَقَضَ " بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِمَسْأَلَةِ الْبَابِ فِي الصُّلْحِ ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَهُ فَتْحَهُ إذَا سَمَّرَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ أَهْلَ الدَّرْبِ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ مَاتُوا فَوَرَثَتُهُمْ وَهَلُمَّ جَرَّا .
وَأَمَّا مُتَّخِذُ الْإِنَاءِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ فَرُبَّمَا جَرَّهُ اتِّخَاذُهُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ .
وَمَا لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ قَدْ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ .
كَالْكَلْبِ يُسْتَعْمَلُ " لِلزَّرْعِ " أَوْ مَاشِيَةٍ وَلَوْ اتَّخَذَهُ لِمَا " سَيَقَعُ " مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ لِمَنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ .
مَا حَرُمَ عَلَى الْآخِذِ أَخْذُهُ حَرُمَ عَلَى الْمُعْطَى إعْطَاؤُهُ كَأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالزَّمَّارِ وَالرِّشْوَةِ لِلْحَاكِمِ إذَا بَذَلَهَا لِيَحْكُمَ لَهُ بِغَيْرِ " الْحَقِّ " .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ لَا تَحْرُمُ عَلَى الدَّافِعِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَى الْآخِذِ كَالرِّشْوَةِ لِلْحَاكِمِ لِيَصِلْ إلَى حَقِّهِ وَكَفَكِّ الْأَسِيرِ وَإِعْطَاءِ شَيْءٍ لِمَنْ يَخَافُ هَجْوَهُ .
وَلَوْ خَافَ الْوَصِيُّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ غَاصِبٌ عَلَى الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا لِيُخَلِّصَهُ { وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ } .
مَا شَرَعَ فِعْلُهُ لِمَعْنًى " فَلَمْ " يُوجَدْ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ " وَأَمْكَنَ فِعْلُهُ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِنَفْسِهِ أَوْ لَا " اعْتِبَارًا بِجِنْسِهِ الْأَشْبَهُ الثَّانِي وَعَلَيْهِ فُرُوعٌ مِنْهَا الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَمِنْهَا السِّوَاكُ شُرِعَ لِلتَّنْظِيفِ فَلَوْ فُرِضَ شَخْصٌ نَقِيُّ الْأَسْنَانِ " قَوِيُّ " الطَّبِيعَةِ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَلَحُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ " سُنَّةَ " الِاسْتِيَاكِ قَالَهُ الْإِمَامُ .
وَمِنْهَا " السُّحُورُ " شُرِعَ لِلتَّقَوِّي فَلَوْ فُرِضَ شَخْصٌ فَاقِدُ الشَّهْوَةِ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيمَا قَالَهُ نِزَاعٌ إذَا كَانَ لَا يَتَضَرَّرُ .
وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا وَأَمْكَنَ عَمَّا إذَا وَلَدَ مَخْتُونًا .
مَا شُرِعَ لِمَعْنًى فَوُجِدَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ قَاصِدٍ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ رُكْنًا فِيهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ فُرُوعٌ : مِنْهَا لَوْ وَقَفَ الْجُنُبُ لِلتَّيَمُّمِ فِي مَهَبِّ " الرِّيحِ " فَسَفَّتْهُ الرِّيحُ " فَرَدَّدَهُ " وَنَوَى لَمْ يُجْزِهِ ، لِأَنَّ النَّقْلَ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ .
وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ الْجُنُبُ تَحْتَ مِيزَابٍ أَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ سَيْلٌ كَفَاهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا الْغَرِيقُ هَلْ يَكْفِي غَرْفَةٌ عَنْ الْغُسْلِ أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ .
وَمِنْهَا لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ فَنَزَلَ فِي الْقَبْرِ مَاءٌ فَغَرَّقَهُ فَهَلْ يَكْفِي عَنْ نَبْشِهِ وَغُسْلِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَعَلَّهُمَا الْوَجْهَانِ قَبْلَهُمَا .
وَمِنْهَا لَوْ وَقَعَ جِلْدُ الْمَيِّتَةِ فِي مَدْبَغَةٍ كَفَى .
" مَا " شُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ إذَا تَكَرَّرَ الْوَاحِدُ مِنْهُ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ اثْنَيْنِ فِيهِ ؟ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا لَا " يُجْزِئُ " قَطْعًا كَمَا لَوْ شَهِدَ فِي قَضِيَّةٍ ثُمَّ أَعَادَ الشَّهَادَةَ " لَا " يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ .
ثَانِيهَا : مَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى فَقِيرٍ مُدًّا فِي كَفَّارَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَفَعَهُ إلَى آخَرَ أَجْزَأَهُ قَطْعًا .
" الثَّالِثُ " مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ .
" فَمِنْهُ " لَوْ اسْتَعْمَلَ الْحَجَرَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَلَمْ يَتَلَوَّثْ " ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ " ثَانِيًا وَثَالِثًا أَجْزَأَ فِي " الْأَصَحِّ " .
وَلَوْ رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ أَخَذَهَا وَرَمَى بِهَا " وَهَكَذَا " سَبْعًا فَالْأَصَحُّ " فِي الرَّوْضَةِ " الْإِجْزَاءُ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : الْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ .
" مَا " صَلُحَ لِلْحَلِّ لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ شَكَّ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ فَأَتَى بِتَكْبِيرَةٍ مَعَ النِّيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ بِهَا ، لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْعَقْدِ الْحِلَّ .
وَمِنْ ثَمَّ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ " وَجْهًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ " لِلشِّقْصِ إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِعَقْدٍ يُوجِبُ تَنْفِيذَهُ كَانَ مُبْطِلًا لِلشُّفْعَةِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَثْبُتَ الشُّفْعَةَ مَا يُبْطِلُهَا وَزَيَّفَهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ حُقُوقَ الْأَمْلَاكِ لَا تَتَلَقَّى مِنْ أَحْكَامِ النِّيَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ ، وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ الْمَمْلُوكَةَ " لِابْنِهِ " الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَلَا يَأْتِي " فِيهَا " الْوَجْهُ فِي عِتْقِ مُسْتَوْلَدَةِ الْكَافِرِ تُسْلِمُ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُقْتَضِيًا لِلْإِدْخَالِ فِي " الْمِلْكِ مُقْتَضِيًا " لِلْإِخْرَاجِ عَنْ الْمِلْكِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ " وَكَذَلِكَ " يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ " الْبَيْعُ " مُبْطِلًا لِلشُّفْعَةِ مُثَبِّتًا لَهَا .
مَا ضُبِطَ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا " كَمَا " لَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ حَصَلَ تَرَدُّدٌ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ هَلْ بَلَغَ حَدَّ الْكَثْرَةِ أَمْ لَا وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ ، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ الطَّهَارَةَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ .
" وَمِنْهَا " مَا " لَوْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ هَلْ انْتَهَى إلَى حَدِّ الْكَثْرَةِ أَمْ لَا قَالَ الْإِمَامُ : الَّذِي يَنْقَدِحُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الصِّحَّةِ ، وَالثَّانِي : الْحُكْمُ بِالْبُطْلَانِ ، " وَالثَّالِثُ : يَتْبَعُ " غَلَبَةَ الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَى الظَّنَّانِ فَالْأَصْلُ دَوَامُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالْأَظْهَرُ : اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ بِدَوَامِ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا أَنَّ دَمَ الْبَرَاغِيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إذَا كَانَ قَلِيلًا فَلَوْ تَرَدَّدَ فَفِيهِ " احْتِمَالٌ " لِلْإِمَامِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْقَلِيلِ وَأَنَّ بِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ " بَيْنَهُمَا " وَبَيْنَ الْأُولَى عَلَى اخْتِيَارِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ عَمَلَ بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ " .
مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أَعْطَى حُكْمَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ " فِي الْبَلَدِ " قُوتٌ مَعْلُومٌ يَلْزَمُهُمْ فِي الْفِطْرَةِ قُوتُ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ .
" وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَقْدٌ وَأَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَيَقُومُ بِنَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ " وَلَوْ عَيَّنَ مَوْضِعًا لِلتَّسْلِيمِ فَخَرِبَ وَخَرَجَ عَنْ صَلَاحِيَّةِ التَّسْلِيمِ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ إلَيْهِ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ .
وَلَوْ عَقَدَ السَّلَمَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ بِأَنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ [ تَعْيِينِ ] مَوْضِعِ " التَّسْلِيمِ " فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لَا يُشْتَرَطُ وَيَكْفِي أَقْرَبُ مَوْضِعٍ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ إذَا " فُقِدَ التَّمْرُ فِي رَدِّ الْمُصَرَّاةِ " وَقِيمَتُهُ " وَفِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي : أَحَدُهُمَا : قِيمَةُ أَقْرَبِ بِلَادِ التَّمْرِ إلَيْهِ ، وَالثَّانِي : قِيمَتُهُ بِالْمَدِينَةِ .
وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ غَيْرَهُ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي اعْتِبَارِ التَّمْرِ مِنْ تَمْرِ الْبَلَدِ الْوَسَطِ .
مَا كَانَ تَرْكُهُ كُفْرًا فَفِعْلُهُ " يَكُونُ " إيمَانًا كَكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ وَمَا لَا يَكُونُ تَرْكُهُ كُفْرًا لَا يَكُونُ فِعْلُهُ إيمَانًا .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ صَلَّى الْكَافِرُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَكَّى أَوْ صَامَ " لِأَنَّهُ يَفْعَلُهَا " الْكُفَّارُ .
ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَفَّالُ وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ مِنْهَا " مَا " لَوْ حَجَّ كَمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِرِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ كَكَلِمَةِ الْإِيمَانِ .
مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الصَّادِ " .
مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا سَبَقَتْ " فِي مَبَاحِثِ الشَّكِّ " .
مَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ إذَا جَازَ " وَجَبَ " وَرُبَّمَا يُقَالُ : لَا يُتْرَكُ الْوَاجِبُ إلَّا بِوَاجِبٍ وَهَذَا مَأْخَذُ الْأَصْحَابِ فِي وُجُوبِ الْخِتَانِ ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمَا كُشِفَتْ لَهُ الْعَوْرَةُ وَمَثَّلُوهُ بِقَطْعِ الْيَدِ فِي السَّرِقَةِ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَكَانَ حَرَامًا .
وَكَذَلِكَ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى أَهْلِهَا وَوُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقَدْ نُقِضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَإِنَّ الْفِعْلَ الزَّائِدَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ ، فَلَمَّا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَجِبَ وَلَمْ يُوجِبُوهُ .
" وَكَذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ وَلِهَذَا صَارَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى الْوُجُوبِ " .
وَكَذَلِكَ الرُّكُوعَانِ فِي الْخُسُوفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ فِعْلِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا أَوْضَحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلَى الْمَخْطُوبَةِ .
وَالْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ وَإِنْ طَلَبَهَا الْعَبْدُ الْكَسُوبُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ قَبْلَهَا مَمْنُوعَةٌ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعَامِلُ عَبْدَهُ .
وَلَا يُكْرَهُ حَلْقُ عَانَةِ الْمَيِّتِ وَلَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالنَّظَرِ " إلَيْهَا " أَوْ بِمَسِّهَا .
وَكَذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بَعْدَ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ .
" لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ .
مَا حَصَلَ ضِمْنًا إذَا تَعَرَّضَ لَهُ لَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ ضَمَّ إلَى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ نِيَّةَ التَّبَرُّدِ ، أَوْ إلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ نِيَّةَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى غَسْلِ " الْجِنَايَةِ " نِيَّةَ الْجُمُعَةِ ، " لِأَنَّهَا " تَحْصُلُ ضِمْنًا فَلَا يَضُرُّ التَّعَرُّضُ لَهَا إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا ؛ بَطَلَ ، وَإِنْ دَخَلَ الْحَمْلُ ضِمْنًا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ .
وَكَذَلِكَ : بِعْتُك الدَّارَ وَأُسَّهَا ؛ يَبْطُلُ بِذِكْرِ الْأُسِّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَحَصَلَ ضِمْنًا .
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دَخَلَ هُوَ فِيهِمْ وَلَوْ صَرَّحَ بِنَفْسِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ .
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ الْأَلْفِ لَوْ وَزَّعَ عَلَيْهِ وَعَلَى " عَبْدِ " فُلَانٍ " بَطَلَ " .
وَلَوْ بَاعَهُ مَعَ عَبْدِ فُلَانٍ صَحَّ فِي عَبْدِهِ فِي الْأَظْهَرِ .
وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ عَشْرٌ إلَّا دِرْهَمًا ؛ صَحَّ .
وَلَوْ قَالَ : عَشْرَةٌ وَاسْتَثْنَى دِرْهَمًا أَوْ أَخْرَجَ دِرْهَمًا فَوَجْهَانِ فِي الْحَاوِي .
وَلَوْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ قَبِلْت إقْرَارِي لَا يَكُونُ إقْرَارًا ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فَإِنْ قُبِلَ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ قِيلَ : إنَّمَا يُؤَثِّرُ " فِي " تَكْذِيبِهِ ، فَلَوْ سَكَتَ فَقَدْ قَبِلَهُ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ يَوْمًا فَوَقْتُ " الصَّلَاةِ " يُسْتَثْنَى فَلَوْ صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ .
مَا لَا يَدْخُلُ الشَّيْءَ رُكْنًا لَا يَدْخُلُهُ جُبْرَانًا وَلِهَذَا لَوْ سَهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ ، لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلسُّجُودِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ رُكْنًا فَلَا يَدْخُلُهَا جُبْرَانًا ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَنَقَضَ بِالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ جُبْرَانًا ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهُ رُكْنًا وَتَدْخُلُهُ جُبْرَانًا .
مَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ اُعْتُبِرَ بِغَيْرِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَرْشٌ " مُقَدَّرٌ " تُعْتَبَرُ بِالرَّقِيقِ .
وَمِنْهُ الْمَاءُ إذَا وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ مَانِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ " قُدِّرَ بِغَيْرِهِ " " أَنَّهُ " لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ " إذَا كَانَ " يُغَيِّرُهُ " فَنَجِسٌ " ، وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ كَانَ لَهُ رُطَبٌ لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ " تَمْرٌ " فَفِي كَيْفِيَّةِ اعْتِبَارِ النِّصَابِ بِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا رُطَبًا وَالثَّانِي تُعْتَبَرُ حَالَةُ جَفَافِهِ كَغَيْرِهِ ، وَعَلَى هَذَا " فَفِي الِاعْتِبَارِ " بِنَفْسِهِ " أَوْ " بِغَيْرِهِ وَجْهَانِ .
مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا بِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَطْلُبَ اسْتِيفَاءَهُ كَالْقِصَاصِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَكَاسْتِرْدَادِ نِصْفِ وَدِيعَةٍ ادَّعَاهَا اثْنَانِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ سُرَيْجٍ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ .
" مَا " لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّخْصِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ وَلِهَذَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَفِي تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِحَيْضِهَا .
وَلَوْ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ وَاخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ فَالْمُصَدَّقُ النَّاوِي ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِضَمِيرِهِ ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ " قَالَتْ " : لَمْ " أَنْوِهِ " وَقَالَ الزَّوْجُ : بَلْ نَوَيْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ ، كَذَا " أَطْلَقَهُ " وَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ هُنَا جَزْمًا لِإِقْرَارِهِ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَلَوْ دَعَاهَا لِلْوَطْءِ ؛ فَقَالَتْ : حِضْت فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا وَإِنْ أَمْكَنَ وَاتَّهَمَهَا بِالْكَذِبِ حَرُمَ وَإِلَّا جَازَ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا " عَانَدَتْهُ " وَمَنَعَتْهُ حَقَّهُ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُهُ .
قَالَ الشَّاشِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى حَيْضِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .
وَفَرَّقَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مُقَصِّرٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْحَيْضِ وَادَّعَى انْقِطَاعَهُ وَادَّعَتْ بَقَاءَهُ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا خِلَافٍ .
" وَقَالَ فِي الْبَيَانِ " : إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَيْضِهَا فَقِيلَ : إنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَمْ يُقْبَلْ " قَوْلُهَا " وَإِنْ كَانَتْ عَفِيفَةً قُبِلَ .
وَقَالَ الشَّاشِيُّ : إنْ " كَانَتْ " مِمَّنْ يُمْكِنُ " صِدْقُهَا " قُبِلَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً لَا يُقْبَلُ فِي الْعِدَّةِ .
وَمِنْهَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ الْغَيْرِ فَقَالَ : شِئْت " صَدَقَ " .
وَمِنْهَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ وَلِيِّهَا ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَقَالَ وَارِثُهُ : زَوَّجَك وَلِيُّك بِغَيْرِ إذْنِك فَنِكَاحُك بَاطِلٌ وَلَا إرْثَ لَك ، وَقَالَتْ : بَلْ زَوَّجَنِي بِإِذْنِي وَلِيُّ الْمِيرَاثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لِأَنَّ إذْنَهَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا : نَكَحْت زَوْجًا وَوَطِئَنِي وَطَلَّقَنِي " ثَلَاثًا " وَانْقَضَتْ عِدَّتِي مِنْهُ قَبْلَ قَوْلِهَا عِنْدَ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الثَّانِي وَصَدَقَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْوَطْءِ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .
ثُمَّ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقَهَا فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْكِحَهَا ، وَإِنْ كَذَّبَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُهَا .
فَإِنْ قَالَ بَعْدُ : تَبَيَّنْت صِدْقَهَا - فَلَهُ نِكَاحُهَا ، كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ : كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي دَعْوَى الْفِرَاقِ وَقَدْ أَقَرَّتْ بِالزَّوْجِيَّةِ وَحُمِلَ كَلَامُهُ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ مُنَازَعَةٌ وَلَكِنَّهَا ذَكَرَتْهُ مُبْتَدَأً فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا " فِيهِ " ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْعُقُودِ عَلَى قَوْلِ أَرْبَابِهَا .
وَمِنْهَا : لَوْ اخْتَلَفَا فِي إسْقَاطِ جَنِينٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، فَإِنْ قِيلَ : لَوْ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ لَمْ يَكُنْ لَهَا " بُدٌّ " مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، قُلْنَا : السَّقْطُ يَسْقُطُ فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ وَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يُنْتَظَرُ فَيَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وِلَادَةِ الْوَلَدِ الْكَامِلِ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَتَلَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ الْحَمْلَ فَالصَّحِيحُ تَصْدِيقُهَا وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَخَايِلُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْ مَنْكُوحَةٍ يُخَالِطُهَا زَوْجُهَا لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ عَنْ الْإِمَامِ مَهْمَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُ الْحَمْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَقُّفِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ مَخَايِلُهُ " وَادَّعَتْهُ " الْمَرْأَةُ وَوَصَفَتْ عَلَامَاتٍ خَفِيَّةً فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ ، وَالظَّاهِرُ الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِهَا وَطَرْدُ التَّرَدُّدِ فِيمَا إذَا لَمْ تَدَّعِهِ وَلَكِنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالْوَطْءِ وَاحْتِمَالُ الْحَمْلِ قَرِيبٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ " الْمَعْنَى " فِي الْكَفِّ عَنْ قَتْلِ الْحَامِلِ خَشْيَةَ قَتْلِ الْجَنِينِ الْمُحْتَمَلِ وُجُودُهُ فَهُوَ " لِمَعْنًى " فِي غَيْرِهَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَقَيَّدَ بِدَعْوَاهَا .
وَمِنْهَا : الْخُنْثَى الْمُشْكَلُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إخْبَارِهِ عَنْ ذُكُورَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ ادَّعَى الصَّبِيُّ الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ مَعَ الْإِمْكَانِ صُدِّقَ قَطْعًا وَلَا يَحْلِفُ وَقَرَّرَ الْإِمَامُ فِي الدَّائِرَاتِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ فِي تَحْلِيفِهِ تَقْدِيرَ اعْتِمَادِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ لَا يَحْلِفُ فَلَوْ حَلَفَ لَمَا حَلَفَ .
وَلَوْ قَالَ : بَلَغْت " بِالسِّنِّ " فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ لِإِمْكَانِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ الْأَبُ : أَنَا مُحْتَاجٌ لِلنِّكَاحِ صَدَقَ بِلَا يَمِينٍ وَوَجَبَ عَلَى الْوَلَدِ إعْفَافُهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَقُلْنَا : يَسْتَرِدُّ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَا عَلِمَهُ الْقَابِضُ فَمَهْمَا " قَالَ الْمَالِكُ : قَصَدْت بِهِ التَّعْجِيلَ وَنَازَعَهُ الْقَابِضُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ " تَمْلِيكَهَا " بَطَلَ أَوْ لِيَصْرِفَ فِي عَلَفِهَا صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ " قَالَ الْمُوصِي : لَمْ تَكُنْ لِي إرَادَةٌ بَطَلَتْ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ .
وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ فَانْصَرَفَ وَقَالَ : " صَدَدْت " فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ " قَالَهُ " الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى وَيُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ .
وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ : رَأَيْت الْمَبِيعَ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : لَمْ أَرَهُ ، فَالْمَحْكِيُّ عَنْ النَّصِّ وَبِهِ أَجَابَ الْمَرَاوِزَةُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ أَمْرًا حَصَلَ مِنْهُ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَسْأَلَةُ الْأُصُولِيَّةُ لَوْ قَالَ الْعَدْلُ " الْمَعَاصِرُ " لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا صَحَابِيٌّ يُقْبَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ كَمَالٍ لَهُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُنْثَى يُخْبِرُ بِالذُّكُورَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى " الصُّحْبَةِ " وَمِنْهَا مَنْ " تَوَاجَدَ " عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَاضْطَرَبَ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ الصِّدْقُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ .
" تَنْبِيهٌ " هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُتَّهَمْ فِيهِ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ الْخُنْثَى : أَنَا رَجُلٌ ، ثُمَّ قُطِعَ ذَكَرَهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ وَلَوْ قُطِعَ فِي حَالِ الْإِشْكَالِ ثُمَّ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِطَلَبِ الْقِصَاصِ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَكَلَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ أُخِذَ لِيُعَزَّرَ فَادَّعَى أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ الْبَارِحَةَ لَمْ يُقْبَلْ وَلَوْ شَهِدَ أَوَّلًا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ ثُمَّ أَكَلَ لَمْ يُعَزَّرْ .
مَا لَا يُقْبَلُ التَّبْعِيضُ يَكُونُ اخْتِيَارُ بَعْضِهِ كَاخْتِيَارِ كُلِّهِ وَإِسْقَاطُ بَعْضِهِ كَإِسْقَاطِ كُلِّهِ " فَمِنْهُ أَعْتَقَ " بَعْضَ " عَبْدِهِ عَتَقَ كُلُّهُ وَسَرَى عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ : بَعْضُك طَالِقٌ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ .
وَمِثْلُهُ أَنْت طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ .
وَمِنْهَا إذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَلَى بَعْضِهِ سَقَطَ الْجَمِيعُ .
وَمِنْهَا : إذَا عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ سَقَطَ الْكُلُّ .
وَمِنْهَا : هَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرِقَّ بَعْضَ شَخْصٍ إذَا أَسَرَهُ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَإِذَا ضَرَبَ " الرِّقُّ " عَلَى بَعْضِهِ رَقَّ كُلُّهُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : لَا يُرَقُّ شَيْءٌ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ فِي إرْقَاقِ كُلِّهِ دَرْءَ الْقَتْلِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ ثُمَّ وَجَّهَهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ .
وَيُسْتَثْنَى مِنْ " هَذِهِ " صُوَرٌ : مِنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ " فَالْعَفْوُ " عَنْ بَعْضِهِ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا مِنْهُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ .
مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ؟ قِسْمَانِ : الْأَوَّلُ : مَا لَا يُؤَثِّرُ ، فَمِنْهُ لَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ " حِصَّتَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ " ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَسْرِي عَلَيْهِ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ عِتْقُهُ فِي الْحَالِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي " الِاسْتِقْبَالِ " .
وَمِنْهَا : إذَا أَسْلَمَ شَخْصٌ وَلَهُ وَلَدٌ كَافِرٌ وَلِوَلَدِهِ وَلَدٌ صَغِيرٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَسْتَتْبِعُ الْجَدُّ وَلَدَ وَلَدِهِ لِأَجْلِ وُجُودِ وَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهُ لَا يَسْتَتْبِعُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَالِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الِاسْتِقْبَالِ " .
وَمِنْهَا : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِحْصَانِ الْإِصَابَةُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ بَعْدَ التَّكْلِيفِ وَالْحُرِّيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ حَتَّى لَوْ أَصَابَ وَهُوَ عَبْدٌ أَوْ صَغِيرٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ثُمَّ زَنَى ثُمَّ " كَمَّلَ " فَزَنَى لَا يُرْجَمُ .
وَمِنْ الثَّانِي : لَوْ اسْتَوْلَدَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَةَ وَقُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فَزَالَ الرَّهْنُ " فَإِنَّهُ يَثْبُتُ " حُكْمُهُ فِي الْأَصَحِّ .
مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ إلَّا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَعَلَيْهِ عَمَلَ النَّاسُ " وَلَا يُسْلِمُ فِيهِ ، وَكَذَا الْخَمِيرُ يَجُوزُ قَرْضُهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَلَا يُسْلِمُ فِيهِ .
وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ شِقْصَ الدَّارِ يَمْتَنِعُ السَّلَمُ فِيهِ وَيَجُوزُ قَرْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرْفَاقِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي " .
قُلْت : لَكِنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَرْضِ الْقِيمَةُ ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ الْمِثْلُ ، لِأَنَّ وُجُودَ شِقْصِ مِثْلِهِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ " أَنْ " لَا اسْتِثْنَاءَ .
مَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْإِكْرَاهِ وَمَا لَا فَلَا سَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ فِي فَصْلِ الْإِكْرَاهِ " مَا يَحْتَاجُ " إلَى مُبَاشَرَةٍ " لَا يُتِمُّ إلَّا بِهَا فَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ لَمْ " يَنْفُذْ بِأَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا .
وَمَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُبَاشَرَةٍ فَأَقَامَ فِيهِ وَكِيلَيْنِ فَأَمْضَاهُ أَحَدُهُمَا نَفَذَ ، كَمَا لَوْ " أَوْصَى " لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَأَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُوصَى لَهُ فَدَفَعَهُ " إلَيْهِ " أَحَدُهُمَا جَازَ ، لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ " لَوْ " اسْتَقَلَّ بِقَبْضِهِ لَمْ يُمْنَعْ .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَوَجَدَ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ " عِنْدَهُ " وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ " لِأَحَدٍ " صَحَّ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ " يَدْفَعُهُ " إلَيْهِ وَكِيلَانِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَازَ .
ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَخْذِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصِيَّةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْمُمْتَنِعِ لَا فِي الْمُقِرِّ .
مَا يُفِيدُ الِاسْتِحْقَاقَ إذَا وَقَعَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فَهَلْ يُفِيدُهُ إذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي فِيهِ خِلَافٌ فِي فُرُوعٍ : مِنْهَا : إذَا تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَجَاءَ آخَرُ وَأَحْيَاهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ .
وَمِنْهَا : إذَا عَشَّشَ طَائِرٌ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ وَفَرَّخَ لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُ الدَّارِ فِي الْأَصَحِّ لَكِنَّهُ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهِ فَلَوْ تَعَدَّى غَيْرُهُ وَأَخَذَهُ هَلْ يَمْلِكُهُ ؟ وَجْهَانِ قَرَّبَهُمَا الرَّافِعِيُّ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي أَوَائِلِ الْإِحْيَاءِ قُلْت : الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ ، قَالَ : وَكَذَا لَوْ تَوَحَّلَ ظَبْيٌ فِي مِلْكِهِ أَوْ وَقَعَ " الْبَلَحُ " فِيهِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى .
وَفِي زِيَادَاتِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْمَاءَ مَلَكَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا " صَارَ مِلْحًا لَا بِالْأَرْضِ " .
وَمِنْهَا : إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مُؤَذِّنِينَ وَأَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ إنْ كَانَ رَاتِبًا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرَ الرَّاتِبِ وَأَذَّنَ هَلْ يَسْتَحِقُّ وِلَايَةَ الْإِقَامَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ " مُسْتَثْنًى " بِالتَّقْدِيمِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُؤْخَذُ الْحُكْمُ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ " أَنَّهُ " إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَوْضِعٌ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَأُحْدِثَ مَكَانٍ آخَرُ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ وَسَبَقَتْ جُمُعَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لِلْجَامِعِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ " أُصُولِ " أَصْحَابِنَا لِمَا ذَكَرْتُهُ .
مَا وَجَبَ دَفْعُهُ عَلَى صِفَةٍ فَأَخَلَّ بِهَا عِنْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُجْزَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهِ وَدَفْعِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ الْهَدْيَ إلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ حَيٌّ فَذَبَحُوهُ لَا يُجْزِئُهُ وَيَسْتَرِدُّهُ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَيْهِمْ ثَانِيًا وَمِنْهَا : لَوْ دَفَعَ بِنْتَ مَخَاضٍ مُعْجَلَةً عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ فِي آخِرِ الْحَوْلِ صَارَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ وَصَارَتْ بِنْتُ الْمَخَاضِ بِنْتَ لَبُونٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا وَإِعْطَائِهَا لَهُمْ ثَانِيًا .
وَمِنْهَا : إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى فَقِيرٍ فَأَعْطَاهُ دَيْنَهُ مِنْ الزَّكَاةِ لَمْ يَجُزْ بَلْ طَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الزَّكَاةَ ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ الْفَقِيرُ مِنْ دَيْنِهِ ، نَعَمْ قَالُوا : إذَا خَرَصَ عَلَيْهِ الرُّطَبُ " فَأَعْطَاهُ لِلْفُقَرَاءِ " رُطَبًا ثُمَّ جَفَّ " عِنْدَهُمْ وَجَفَّ أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِ أَجْزَأَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِرْدَادُهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ ثَانِيًا .
مَا وَسَّعَهُ الشَّرْعُ فَضَيَّقَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يَتَضَيَّقُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ وَقَعَ مِنْهُ أَحْدَاثٌ فَنَوَى بَعْضَهَا هَلْ يَرْتَفِعُ الْجَمِيعُ أَمْ لَا " فِيهِ " خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : أُصَلِّي " بِهِ " صَلَاةً وَاحِدَةً كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ " بِهِ " مَا لَمْ يُحْدِثْ .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ النَّفْلِ قَائِمًا فَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ رُخْصَةٌ وَلَا يُمْكِنُ الْتِزَامُ " تَرْكِ " الرُّخْصَةِ ، لِأَنَّ الرُّخَصَ مِنْ الْقُرْبِ ، وَفِي الْحَدِيثِ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } .
وَهَذَا كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَنْعَقِدُ قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْقِيَامَ فِي النَّفْلِ زِيَادَةُ طَاعَةٍ وَإِنْ رُخِّصَ فِي تَرْكِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي صَلَاتِهِ لِمَا فِي إطَالَةِ الْقِيَامِ مِنْ " الْمَزِيَّةِ " .
مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا عُيِّنَ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً " كَمَا " لَوْ لَزِمَهُ أُضْحِيَّةٌ أَوْ " هَدْيٌ " بِالنَّذْرِ ، فَقَالَ : عَيَّنْت هَذِهِ الشَّاةَ لِنَذْرِي تُعَيَّنُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ نَذَرَ إعْتَاقَ عَبْدٍ ثُمَّ عَيَّنَ عَبْدًا " عَمَّا " الْتَزَمَ فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَأَوْلَى بِالتَّعْيِينِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأُضْحِيَّةِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّ النَّصَّ وَعَامَّةَ الْأَصْحَابِ عَلَى التَّعْيِينِ فِي الْعَبْدِ .
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَقَالَ : عَيَّنْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَمَّا فِي ذِمَّتِي مِنْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ قَالَ الْإِمَامُ : قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَلْغُو كَمَا فِي دُيُونِ الْآدَمِيِّينَ وَفِيهِ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الضَّحَايَا .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمَ كَذَا عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي فِي ذِمَّتِي ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَتَعَيَّنُ وَقَالُوا : الْعِتْقُ أَشَدُّ تَعْلِيقًا بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيقِ الصَّوْمِ بِالْيَوْمِ وَقَالَ " ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ " يَتَعَيَّنُ .
وَذُكِرَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَنَذَرَ صَرْفَهَا إلَى أَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ مِنْ الْأَصْنَافِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : يَتَعَيَّنُونَ رِعَايَةً لِحَقِّهِمْ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا ، وَفَرَّقُوا بِقُوَّةِ الْعِتْقِ .
وَفِي الْإِجَارَةِ الدَّابَّةُ الْمُعَيَّنَةُ " عَمَّا " فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَتَعَيَّنُ وَلَا تُبْدَلُ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ ثَبَتَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِهَا نَعَمْ إنْ رَضِيَ بِالْإِبْدَالِ جَازَ ، وَلَوْ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ ، وَكَانَ قَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ أَخَذَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهُ فَفِي تَعْيِينِهِ لِأَخْذِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ .
وَلَوْ عَقَدَ فِي السَّلَمِ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِمِثْلِهِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَسْلَمْت إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا ثُمَّ عَيَّنَ " الدِّينَارَ " وَسَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ وَلَهُ حُكْمُهُ فِي الِابْتِدَاءِ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَفِي الْحَاوِي " فِيهِ " وَجْهٌ ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي " الصَّرْفِ " بِأَنْ يَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا بِعِشْرِينَ ثُمَّ يُعَيِّنُ وَيُسَلِّمُ فِي الْمَجْلِسِ ، نَعَمْ لَوْ تَعَاقَدَا عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبٌ رَدَّهُ وَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ عِنْدَنَا بِالْعَقْدِ ، " وَلَوْ " كَانَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ بَدَلَهُ لَكِنْ بِشَرْطِ قَبْضِ الْبَدَلِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ .
" مَا " فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضِ مُكَلَّفٍ بَصِيرٍ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا وَوَصَفَهُ بِصِفَاتِ السَّلَمِ وَأَذِنَ - " لَهَا " فِي صَرْفِهِ لِوَلَدِهِ مِنْهَا " فَإِنَّهَا " تَبْرَأُ بِصَرْفِهِ إلَى الصَّغِيرِ خِلَافًا لِاحْتِمَالِ ابْنِ الصَّبَّاغِ .
الثَّانِيَةُ النَّفَقَةُ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ إذَا أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الْمَجْنُونَةِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ يَبْرَأُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْمُكَلَّفُ .
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى أَعْمَى فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ " وَقَدْ " ذَكَرَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ عَنْ الْعِمَادِ النَّبَهِيِّ صَاحِبِ الْبَغَوِيِّ ، فَقَالَ : لَا تُجْزِئُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ وَإِقْبَاضُهُ بَلْ يُوَكِّلُ .
الْمُتَوَقَّعُ لَا يُجْعَلُ كَالْوَاقِعِ سَبَقَ مِنْهَا فُرُوعٌ فِي حَرْفِ التَّاءِ بِالنِّسْبَةِ " إلَى التَّحْرِيمِ " وَمَا فِي مَعْنَاهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيَاسُهُ مَا لَوْ عَلِمَ " الْمُشْتَرِي " بِوُجُودِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ بَعْدَ مُدَّةٍ .
وَلَوْ شَهِدَ " لِمُوَرَّثٍ " لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الِانْدِمَالِ قُبِلَتْ فِي الْأَصَحِّ " وَلَوْ " ارْتَابَتْ " الْمُعْتَدَّةُ بِحَمْلٍ " فَلْتَصْبِرْ إلَى أَنْ تَزُولَ الرِّيبَةُ فَإِنْ نُكِحَتْ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ إبْطَالِهِ " فِي الْحَالِ " فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ أَبْطَلْنَاهُ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَخَافَ إنْ صَلَّى قَائِمًا أَنْ يَكْشِفَهُ الرِّيحُ صَلَّى قَائِمًا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ .
وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ الَّتِي يُحْتَمَلُ تَلَاحُقُهَا وَاخْتِلَاطُ الْحَادِثِ بِالْمَوْجُودِ يَصِحُّ مُطْلَقًا نَظَرًا لِلْحَالِ .
وَقَدْ خَرَجُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي صُوَرٍ : " إحْدَاهَا " لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ لِصَاحِبِ الْعَيْنِ : لَا تَفْسَخُ وَنَحْنُ نُقَدِّمُك بِالثَّمَنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ مَخَافَةَ أَنْ يَظْهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ يُزَاحِمُهُ فِيمَا قَبَضَهُ ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " هَذَا " عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ بَاعَ الْمُفْلِسُ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بِدُيُونِهِمْ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ غَرِيمٍ آخَرَ .
الثَّالِثَةُ : لَوْ طَلَبَتْ الْمُكَاتَبَةُ مِنْ السَّيِّدِ التَّزْوِيجَ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا تَعْجِزُ وَتَعُودُ إلَى الرِّقِّ فَيَتَضَرَّرُ .
الرَّابِعَةُ : بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ " بِتَوَهُّمِ " وُجُودِ الْمَاءِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ طَوَّلَ الْجُمُعَةَ حَتَّى تَحَقَّقَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّ الْوَقْتَ خَرَجَ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ : فَعِنْدِي أَنَّهَا تَصِيرُ ظُهْرًا الْآنَ .
وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِحَجَّةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا قَبْلَ الْوُقُوفِ لَا يَنْقَلِبُ " حَجُّهُ فَرْضًا " إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْفَرْضِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَالْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ الْآنَ يَصِحُّ " ، وَفِي السِّلْسِلَةِ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ هَلْ يَنْعَقِدُ نَفْلًا أَوْ مَوْقُوفًا فَإِنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَرْضٌ وَإِلَّا نَفْلٌ فِيهِ طَرِيقَانِ .
الْمُتَوَلِّدُ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ لَا أَثَرَ لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَلِهَذَا لَوْ اُقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي أَوْ قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ فَسَرَى " إلَى " النَّفْسِ فَلَا شَيْءَ .
وَلَوْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَسَرَى إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، فَلَا كَفَّارَةَ " فِيمَا " تَوَلَّدَ مِنْهُ .
وَكَذَا مَحَلُّ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَلَوْ عَرِقَ وَلَمْ " يَتَجَاوَزْ " فَتَلَوَّثَ " مِنْهُ " فَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ ، وَلَوْ سَالَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ وَمَا أَدْرِي مَا يَقُولُ فِي قَلِيلِ بَوْلِ السَّلَسِ إذَا سَالَ ؟ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : مَا إذَا كَانَ الْمَأْذُونُ فِيهِ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ وَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصَّبِيَّ وَنَحْوِهِ .
وَمِثَالُ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ : الْقَطْعُ فِي الْجِنَايَةِ لَمَّا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ضَمِنَ سِرَايَتَهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ تُكْرَهُ لِلصَّائِمِ فَإِذَا بَالَغَ وَسَبَقَ الْمَاءُ أَفْطَرَ بِخِلَافِ السَّبْقِ فِيمَا إذَا لَمْ يُبَالِغْ .
الْمُتَوَلِّدُ مِنْ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ " أَنَّ " لِكُلٍّ حُكْمَهُ غَالِبًا .
فَمِنْهَا : إذَا " أَوْجَبْنَا " الضَّمَانَ بِالْخِتَانِ فِي الْحَرِّ " أَوْ الْبَرْدِ " فَالْوَاجِبُ جَمِيعُ الضَّمَانِ لِلتَّعَدِّي أَمْ نِصْفُهُ ، لِأَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ وَالْهَلَاكَ حَصَلَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَمِنْهَا : إذَا ضَرَبَهُ فِي الْحَدِّ فَأَنْهَرَ " دَمَهُ " فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رِقَّةِ جِلْدِهِ " فَإِنْ " عَادَ فَضَرَبَهُ فِي مَوْضِعِ إنْهَارِ الدَّمِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ ، وَالثَّانِي نِصْفُهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَمِنْهَا : لَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ .
" الْمُخَاصِمُ " فِي الْعَيْنِ الْمَالِكُ أَمَّا الْمُودِعُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُخَاصِمُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّرِقَةِ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ يُوهِمُ خِلَافَهُ .
وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ : الْمُودِعُ يَسْتَرِدُّ مِنْ الْغَاصِبِ فِي وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ .
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُخَاصِمُ جَزْمًا ، لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ : إنَّ الْغَاصِبَ يُخَاصِمُ " فِيمَا " إذَا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ ، وَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ يُخَاصِمُ فَالْمُسْتَعِيرُ أَوْلَى .
الْمُدَّةُ " الْمُنْكَرَةُ " تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ فَفِي الْإِجَارَةِ " تُحْسَبُ " مِنْ " حِينِ " الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا فِي الْأَيْمَانِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّرْكِ حُمِلَتْ عَلَى الْمُدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْيَمِينِ فَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا سَنَةً أَوْ شَهْرًا فَهُوَ حَالِفٌ مِنْ شَهْرٍ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ .
وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ : لَوْ قَالَ : لَا أُجَامِعُك " إلَى " سَنَةٍ إلَّا مَرَّةً لَا يَكُونُ مُولِيًا فِي الْحَالِ .
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَمْ تُحْمَلْ عَلَى الِاتِّصَالِ ، وَكَذَلِكَ النُّذُورُ .
مَسَافَةُ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ السَّفَرِ الْبَعِيدِ وَمَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ فِي بَابِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا وَالتَّغْرِيبِ فِي الزِّنَا وَغَيْبَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَإِحْضَارِ الْخَصْمِ وَنَحْوِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : نَقْلُ الزَّكَاةِ فَإِنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْبَعِيدَةِ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَمْتَنِعَ النَّقْلُ إلَيْهَا مِنْ بَلَدِ الْمَالِ .
الثَّانِيَةُ : عَدَمُ وُجُودِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ الْمَشْيِ .
الثَّالِثَةُ : فِي إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِبَدَنِهِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ " سَفَرَ نَقْلَةٍ " فَالْأَبُ أَوْلَى احْتِيَاطًا " لِلنَّسَبِ " سَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ دُونِهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَشَرَطَ كَثِيرٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الِانْتِقَالُ لِمَا دُونَهَا كَالْمُقِيمِ فِي مَحَلَّتَيْنِ مِنْ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ .
الْمُسْتَثْنَى شَرْطًا كَالْمُسْتَثْنَى شَرْعًا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ مِنْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَقَضَاءِ " حَاجَةٍ " جَازَ .
الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الزَّائِلِ ؟ هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يُعْطَى حُكْمَ الزَّائِلِ قَطْعًا كَالْمَرِيضِ الْمُنْتَهِي لِحَالَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا بِمَوْتِهِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، نَعَمْ فِي الْقَوَدِ بِقَتْلِهِ خِلَافٌ .
الثَّانِي : مَا يُعْطَاهُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَهُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ " فَالْمَذْهَبُ " لَا يَحْنَثُ ، وَلِهَذَا لَوْ زَنَى فَكَالْحُرِّ لَا يَحُدُّهُ غَيْرُ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ وَتُزَوَّجُ أَمَتُهُ كَالْحُرِّ .
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ثُمَّ بَاعَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ كَالْعَبْدِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهُ .
وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَحَدَثَ بِهَا نَقْصٌ يَسْرِي إلَى التَّلَفِ بِأَنْ جَعَلَهَا هَرِيسَةً فَكَالتَّالِفِ عَلَى الْمَذْهَبِ فَيَغْرَمُ بَدَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِفٌ عَلَى التَّلَفِ .
وَمِنْهُ : رَهْنُ مَا يَتَسَارَعُ فَسَادُهُ وَلَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ فَإِنْ كَانَ بِدَيْنٍ حَالٍّ صَحَّ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ وَعُلِمَ فَسَادُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ .
وَلَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الْفَسَادِ .
" الثَّالِثُ " مَا لَمْ يُعْطِهِ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَلَا عَفْوَ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ " إذْ " قَدْ يَعْفُو الْمُسْتَحِقُّ .
وَمِنْهُ : اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَتَرَافَعَا إلَى الْقَاضِي وَلَمْ يَتَحَالَفَا فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ ؟ " فِيهِ " وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ ، وَبَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْفَسْخِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ لِإِشْرَافِهِ عَلَى الزَّوَالِ .
وَمِنْهُ لَوْ كُفِّنَ الْمَيِّتُ فِي كَفَنٍ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ " وَدُفِنَ " فَالْأَصَحُّ يُنْبَشُ " لِيُرَدَّ " لِمَالِكِهِ وَقِيلَ : لَا بَلْ يُعْطَى لِصَاحِبِهِ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْهَالِكِ .
وَمِنْهُ : بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : الْمُتَوَقَّعُ هَلْ يُجْعَلُ كَالْوَاقِعِ ؟ .
الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ إذَا اسْتَدْرَكَ وَصِينَ عَنْ الزَّوَالِ هَلْ يَكُونُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِزَالَتِهِ وَإِعَادَتِهِ ابْتِدَاءً أَوْ هُوَ مَحْضُ اسْتِدَامَةٍ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ " .
وَخَرَّجَ عَلَيْهَا مَسْأَلَتَيْنِ .
" إحْدَاهُمَا " جَنَى الْمَرْهُونُ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : أَنَا أَفْدِيهِ لِيَكُونَ مَرْهُونًا بِالْفِدَاءِ وَآخُذُ الدَّيْنَ فَإِنْ جَوَّزْنَا الزِّيَادَةَ فِي الدَّيْنِ فَذَاكَ وَإِنْ مَنَعْنَا فَقَوْلَانِ مَأْخَذُهُمَا مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قُلْنَا : كَالزَّائِلِ جَازَ وَكَأَنَّهُ ابْتِدَاءُ رَهْنٍ " بِالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا كَانَ عَلَى الشَّجَرِ ثَمَرٌ " غَيْرُ " مُؤَبَّرٍ فَبَاعَهَا وَاسْتَثْنَى الثِّمَارَ لِنَفْسِهِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ بَاعَهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَقَدْ نَصَّ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ " شَجَرَةً مُطْلِعَةً وَاسْتَبْقَى " الطَّلْعَ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزَ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى الزَّوَالِ " فَإِنَّهُ اسْتَبْقَى " كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ " اشْتَرَاهُ " وَذَكَرَهَا الْإِمَامُ كَذَلِكَ وَزَادَ ( ثَالِثَةً ) ، وَهِيَ إذَا دَبَّرَ عَبْدًا فَجَنَى فِي حَيَاتِهِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُخَلِّفْ غَيْرَهُ فَفَدَاهُ الْوَرَثَةُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَوْ سَلَّمُوهُ " لِبَيْعٍ " وَبَطَلَ الْعِتْقُ فِيهِ فَإِذَا فَدَوْهُ وَقُلْنَا : " بِنُفُوذِ " الْعِتْقِ فَالْوَلَاءُ لِمَنْ ؟ فَعَلَى قَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا : الْمُشْرِفُ عَلَى الزَّوَالِ كَالزَّائِلِ فَالْوَلَاءُ لِلْوَرَثَةِ وَإِلَّا فَلِلسَّيِّدِ الْمَيِّتِ .
الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُحْكَمْ عَلَى الْمَاءِ " بِالِاسْتِعْمَالِ " مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ حَتَّى يَنْفَصِلَ وَلَا عَنْ الثَّوْبِ الْمَغْسُولِ فِي النَّجَاسَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ رَفْعُ " حَدَثٍ " وَلَا إزَالَةُ نَجَسٍ .
وَلَمْ يَضُرَّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالْمُكْثِ وَالطِّينِ وَالطُّحْلُبِ الْمُتَّصِلِ بِهِ وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ وَلَمْ تَضُرَّهُ النَّجَاسَةُ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَلَمْ " يَتَغَيَّرْ " أَوْ قَلِيلًا وَالنَّجَاسَةُ لَا يُدْرِكُهَا الطَّرَفُ ، وَكَذَا " الصُّوَرُ " الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ " تَنَجُّسِ " الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَعُفِيَ عَنْ الْمَاءِ السَّائِلِ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا عَمَّتْ " بَلْوَى الشَّخْصِ بِهِ " عَلَى الظَّاهِرِ وَعَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ " إذَا تَعَذَّرَ " الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَكَذَا كَثِيرُهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَعَنْ طِينِ الشَّارِعِ مِمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَعُفِيَ عَنْ الدَّمِ الْقَلِيلِ " عَلَى " اللَّحْمِ ، وَالْعَظْمِ مِنْ الْمُذَكَّى قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ " وَالثَّعَالِبِيُّ " .
وَتُصَلِّي الْمُسْتَحَاضَةُ وَدَائِمُ الْحَدَثِ مَعَ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، وَجَازَ الْقُعُودُ فِي الصَّلَاةِ لِلْمَرِيضِ وَسَقَطَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالنَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ حَتَّى لَا يَفُوتَ النَّاسَ " أَوْرَادُهُمْ " .
وَنَحْوُهُ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ " جَوَازَ " صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ أَنَّ الشَّرْعَ نُدِبَ لِلِاسْتِكْثَارِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَوْ اعْتَبَرْنَا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ فِيهِ أَفْضَى إلَى تَقْلِيلِهِ .
" وَلِذَلِكَ " سُومِحَ بِتَرْكِ الْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ وَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِالرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ وَسَقَطَ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ وَاغْتَفَرْنَا زِيَادَةَ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كَالسُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي حَيْثُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ فَضِيلَةِ الِاقْتِدَاءِ .
وَاغْتُفِرَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ
بِالْأَعْذَارِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ مَعَ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُ فِعْلَهَا لَوْلَا الْعُذْرُ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ .
وَاغْتُفِرَ " تَغْيِيرُ " الْهَيْئَاتِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِمَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ إذْ ذَاكَ ، وَتَحْلِيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ وَلُبْسُ الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ ، وَكَذَلِكَ الدِّيبَاجُ الثَّخِينُ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ حَيْثُ يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَجُعِلَ الرِّيقُ فِي فَمِ الصَّائِمِ عَفْوًا حَتَّى لَوْ تَمَضْمَضَ لَمْ " يُفْطِرْ " وَإِنْ كَانَ يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ ، وَعَدَمُ وُجُوبِ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِأَوَّلِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .
وَالْفِطْرُ لِلْعُذْرِ .
وَلَوْ " اقْتَلَعَ " نُخَامَةً مِنْ صَدْرِهِ فَقِيلَ : يُفْطِرُ " كَالْقَيْءِ " وَالْأَصَحُّ : لَا ، لِلْمَشَقَّةِ فِي دَفْعِهَا ، وَالْعَفْوُ عَنْ وَضْعِ الْمُحْرِمِ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ " إذْ لَا " يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .
وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ " وَلِحَكِّ " رَأْسِهِ " فَجُعِلَ " عَفْوًا ، وَسُومِحَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا لِلْمَعْضُوبِ وَالْمَيِّتِ ، وَإِبْهَامُ النِّيَّةِ وَتَعْلِيقُهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ ، " وَالِاعْتِدَادُ " " فِيهِمَا " بِمَا لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفَرْضُ يَنْصَرِفُ إلَى نَفْسِهِ " وَأَنَّهُ " لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالْمُفْسِدِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّا بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَإِبَاحَةُ أَكْلِ الْمِيتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ ، " وَصِحَّةُ " اشْتِرَاطِ الْعِتْقِ فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الْحُرِّيَّةِ ، " وَصِحَّةُ تَصَرُّفِ الْحَاكِمِ " فِي مَالِ الْغَيْرِ إمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ أَوْ فِي حُضُورِهِ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِهِ " مِنْهُ " .
تَنْبِيهَاتٌ : الْأَوَّلُ : هَذَا إذَا كَانَتْ الْمَشَقَّةُ " وَوُقُوعُهَا " عَامًّا فَلَوْ كَانَ نَادِرًا لَمْ تُرَاعَ الْمَشَقَّةُ فِيهِ .
وَلِهَذَا تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ ، وَتَقْضِي الْمُتَحَيِّرَةُ الصَّلَاةَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ ، وَوَجَّهَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَقَعُ نَادِرًا " أَوْ لَعَلَّهُ " لَمْ تَقَعْ قَطُّ ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ لِلتَّفْرِيعِ .
وَمِثْلُهُ لَوْ نَسِيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ مِنْ صَلَوَاتِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ " أَوْ مُخْتَلِفَةٌ " فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ لِصَلَاةِ عِشْرِينَ صَلَاةً " لِيَسْقُطَ " الْفَرْضُ بِيَقِينٍ " وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ " ، وَمِثْلُهُ الْمُرْتَدُّ عِنْدَمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ وَأَدَّى إلَى الْمَشَقَّةِ ، وَقَالُوا فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ : " يُلْقِي " السِّلَاحَ إذَا دَمِيَ فَلَوْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ وَلَا قَضَاءَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ عَامٌّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَكَانَ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَقْضِي لِنُدُورِ عُذْرِهِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ ، وَقَالَ : تَلْطِيخُ السِّلَاحِ بِالدَّمِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْعَامَّةِ فِي حَقِّ الْمُقَاتِلِ فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ .
الثَّانِي : الْمَشَقَّةُ يَخْتَلِفُ " ضَابِطُهَا " بِاخْتِلَافِ أَعْذَارِهَا ، فَفِي التَّيَمُّمِ يَعْدِلُ عَنْ الْمَاءِ إذَا خَافَ إتْلَافَ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ " أَوْ بُطْءَ " الْبُرْءِ أَوْ " شَيْنًا فَاحِشًا " فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ : هَذِهِ كُلُّهَا لَا ضَابِطَ " لَهَا " وَمِنْهَا الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الضَّرُورَةُ وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاسْمِ وَحَكَى الْإِمَامُ " عَنْ شَيْخِهِ " أَنَّ " الْمُعْتَبَرَ أَلَمٌ " يُلْهِي " عَنْ الْخُشُوعِ .
وَمَشَقَّةُ الصَّوْمِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْهَلَاكُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ : وَالْوَجْهُ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ تَضَرُّرًا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي " الْمَأْرَبِ " ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : شَرْطُ الْمَرَضِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدًا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَلَى قَاعِدَةِ وُجُوهِ الْمَضَارِّ فِي التَّيَمُّمِ .
وَقَالَ " الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْبِلْفِيَائِيُّ : " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَالُ " هُنَا " أَخَفَّ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى ذَلِكَ .
قَالَ : وَالشَّرْطُ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْمَرَضِ مَشَقَّةٌ تَلْحَقُ الْمُسَافِرُ بِالسَّفَرِ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ : مِنْ الْمُشْكِلِ ضَبْطُ الْمَشَقَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْفِيفِ كَالْمَرَضِ فِي الصَّوْمِ " فَإِنَّهُ إنْ ضُبِطَ " بِالْمَشَقَّةِ فَالْمَشَقَّةُ نَفْسُهَا غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ وَإِنْ " ضُبِطَ " بِمَا يُسَاوِي مَشَقَّةَ الْأَسْفَارِ فَذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ ، وَكَذَلِكَ مَشَقَّةُ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ قَالَ : وَمَنْ ضَبَطَ ذَلِكَ بِأَقَلَّ " مِمَّا " يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَأَهْلِ الظَّاهِرِ خَلَصَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ .
الثَّالِثُ : مَنْ خُفِّفَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ لَوْ تَكَلَّفَ وَفَعَلَ صَحَّ إذَا لَمْ يَخْشَ الْهَلَاكَ أَوْ الضَّرَرَ الْعَظِيمَ كَالْمَرِيضِ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي حُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْفَقِيرِ يَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ بِحُضُورِ عَرَفَاتٍ " وَسَقَطَ " عَنْهُ الْفَرْضُ " فَإِذَا " خَشِيَ ذَلِكَ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ فِي الْمَرِيضِ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ " أَنَّهُ " يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ فَإِنْ صَامَ عَصَى ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِهِ فَكَيْف يَتَقَرَّبُ بِمَا يَعْصِي بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا عَصَى " لِجِنَايَتِهِ " عَلَى الرُّوحِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كَالْمُصَلِّي فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَعْصِي لِتَنَاوُلِهِ حَقَّ " الْغَيْرِ " " وَكَذَلِكَ " هَذَا لَمْ يَعْصِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَائِمٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ سَعْيِهِ " فِي الْهَلَاكِ " .
قُلْت : وَيَجْرِي هَذَا فِي الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَشْيِ " لِحَجٍّ " وَالْمَرِيضِ الْمُضْنَى يَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ .
====================================================ج7...=============
ج7.كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
الْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ كَمَا لَوْ رَهَنَ عَلَى دَيْنٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْهَنَهُ عَلَى آخَرَ لَا يَجُوزُ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِذَلِكَ .
وَمِنْ نَظَائِرِهِ لَا يَجُوزُ " الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ " لِلْعَاكِفِ بِمِنًى لِاشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ .
وَمِنْهَا إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثَانِيًا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ هَلْ يَنْتَقِلُ إحْرَامُ الثَّانِي إلَى الْعُمْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُجَوِّزِ إدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ فِي الْبَحْرِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ عُمْرَةً ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالَةُ الْعُمْرَةِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لِلْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ .
الْمَضْمُونَاتُ سَبَقَتْ فِي " حَرْفِ الضَّادِ " .
الْمُضَافُ لِلْجُزْءِ كَالْمُضَافِ لِلْكُلِّ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالِانْجِرَارِ " وَيَنْبَنِي " عَلَى السَّرَيَانِ " وَالْغَلَبَةِ " كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ لَوْ قَالَ : أَحْرَمْت بِنِصْفِ نُسْكٍ " انْعَقَدَ " بِكَامِلٍ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَصِحُّ عِنْدَ إضَافَتِهِ إلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ كَذَا ضَبَطَهُ الْإِمَامُ .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ مَحَلِّ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ وَمَا لَا فَلَا وَيُسْتَثْنَى مَسَائِلُ : إحْدَاهَا : الْإِيلَاءُ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَلَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ إلَّا " الْفَرْجَ " .
الثَّانِيَةُ : الْوَصِيَّةُ فَإِنَّهُ " يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا " وَلَا يَصِحُّ " أَنْ تُضَافَ " إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ .
الثَّالِثَةُ : الْكَفَالَةُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا ، وَيَصِحُّ " أَنْ تُضَافَ " إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ .
الرَّابِعَةُ : التَّدْبِيرُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَلَوْ قَالَ : دَبَّرْت يَدَك أَوْ رِجْلَك لَمْ يَصِحَّ عَلَى وَجْهٍ .
الْخَامِسَةُ : لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ إنْ قُلْنَا : يُرْجَعُ فِيهِ " بِالْقَوْلِ " كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ قَالَ : رَجَعْت فِي رَأْسِك مَثَلًا فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا فِي جَمِيعِهِ إنْ قُلْنَا : لَا يَكْفِي الرُّجُوعُ بِاللَّفْظِ وَهُوَ الْأَصَحُّ بَقِيَ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ وَإِلَّا " فَيَبْقَى " فِي بَاقِيهِ فَقَطْ .
السَّادِسَةُ : لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ لَا يَكُونُ قَذْفًا ، وَلَوْ قَالَ : زَنَى قُبُلُك أَوْ دُبُرُك كَانَ قَذْفًا .
السَّابِعَةُ : تَعْلِيقُ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ فَلَوْ رَدَّهُ كَانَ رَدًّا لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ ، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ إضَافَةَ الْفُسُوخِ إلَى الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ فَاسِدٌ لَاغٍ فَإِنَّ الْفُسُوخَ " يَنْحَى " بِهَا نَحْوَ الْعُقُودِ " فَلَا تُعَلَّقُ كَمَا لَا تُعَلَّقُ الْعُقُودُ " فَمَا لَا يَصِحُّ إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهِ لَا يَصِحُّ إضَافَةُ الْفَسْخِ إلَيْهِ ، وَفِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ لَوْ اسْتَحَقَّ فَسْخَ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ فَقَالَ : فَسَخْت النِّكَاحَ فِي يَدِهَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ : فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا " يَجُوزُ " وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْرِي كَسِرَايَةِ الْعِتْقِ .
الْأَوَّلُ : الْمُطْلَقُ " مِنْ " الْعَارِفِ " بِالْمَحَلِّ " الصَّحِيحِ " يَنْزِلُ " عَلَى الْجِهَةِ الصَّحِيحَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْفَقِيهُ الْمُوَافِقُ اُعْتُمِدَ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ ، وَكَذَا " فِي الْجَارِحِ إذَا جَرَحَ " وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ كَمَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَا " فِي الشَّهَادَةِ " بِالرَّضَاعِ وَنَظَائِرِهِ كَمَا سَبَقَ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ : وَلَا يُشْتَرَطُ تَعَرُّضُ الشُّهُودِ لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالصِّحَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرُّشْدِ وَالطَّوَاعِيَةِ " وَالِاخْتِيَارِ " ، فَلَوْ أَطْلَقَ الشَّاهِدُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَذَاكَ وَإِنْ امْتَنَعَ وَقَالَ : لَا يَلْزَمُنِي التَّعَرُّضُ لِذِكْرِهِ ، وَلَوْ كَانَ لَازِمًا " لَبُيِّنَتْ " قَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لَا يُورِثُ " رِيبَةً أَمْضَى " شَهَادَتَهُ وَإِلَّا تَوَقَّفَ قَالَ الْإِمَامُ : " يَتَخَرَّجُ " مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا " يَنْحَسِمُ " عَلَى الْقَاضِي مَسْلَكَ الِاسْتِفْصَالِ .
" وَهَذَا يُبَيِّنُهُ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّاهِدَ لَوْ شَهِدَ مُطْلَقًا وَمَاتَ أَوْ غَابَ وَتَعَذَّرَ الِاسْتِفْصَالُ " امْتَنَعَ تَنْفِيذُ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الْمُطْلَقَةِ وَإِنْ شَهِدَ وَاسْتَفْصَلَ الْقَاضِي " فَأَبَى " الشَّاهِدُ صَائِرًا إلَى أَنَّهُ لَا " يُفْصَلُ " وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَصِّلَ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ مَكَانَ الْإِقْرَارِ وَزَمَانَهُ ، وَمِنْ الْقُضَاةِ مَنْ يَرَى الْبَحْثَ عَنْ " الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ " وَغَرَضُهُ أَنْ يَسْتَبِينَ تَثَبُّتَ " الشَّاهِدِ " وَثِقَتَهُ " بِمَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ " خَبِيرًا " لَمْ يُجَبْ الْقَاضِي .
ثُمَّ قَالَ : وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ اسْتِفْصَالِ الْقَاضِي " مَرْدُودًا " إلَى خِبْرَتِهِ وَلَكِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى حَالِ الشَّاهِدِ فَإِنْ رَآهُ خَبِيرًا
بِالشَّرَائِطِ فَطِنًا فَلَهُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ وَقَدْ يَقَعُ " حَالَةَ " لَا تَجِبُ الْمُبَاحَثَةُ فِيهَا حَتْمًا وَالِاحْتِيَاطُ " يَقْتَضِيهَا " .
وَهَذَا مِنْ خَفَايَا أَحْكَامِ الْقَضَاءِ ثُمَّ إذَا اسْتَفْصَلَ الْقَاضِي فَهَلْ عَلَى الشَّاهِدِ التَّفْصِيلُ فِي الشَّرَائِطِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَفْصِيلُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَإِنْ اسْتَفْصَلَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ " بِهِمَا " لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ .
الثَّانِي : الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ يَنْزِلُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ " وَكَانَ لَهُ مَحْمِلَانِ " أَخَفُّ وَأَثْقَلُ حَمَلَ عَلَى أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِأَقَلَّ مَا يَقْتَضِيهِ الِاسْمُ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : مِنْهَا : غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ الْوَجْهِ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ نَوَى الِاغْتِرَافَ فَلَا وَإِنْ أُطْلِقَ وَلَمْ يُنْوَ شَيْءٌ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ نِيَّةِ الْحَدَثِ شَمِلَتْهُ فَحُمِلَ عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ الْمُسَافِرَ يَشْتَرِطُ لِلْقَصْرِ نِيَّةَ الْقَصْرِ فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ " وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ وَلَا الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ " الْإِتْمَامُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْإِتْمَامُ فَإِذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ انْصَرَفَ إلَى الْمَعْهُودِ ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا عَنْ الْمُزَنِيِّ ، وَهُوَ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ " ذَلِكَ " الْأَصْلَ الْعَامَّ عَارَضَهُ أَصْلٌ " آخَرُ " خَاصٌّ أَقْوَى مِنْهُ .
وَمِنْهَا : إذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَنَّ الْعَيْنَ مِلْكٌ لِوَلَدِهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ يَهَبُهُ مِنْهُ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَهَذَا فَرْعُ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَاصِمٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ : لَهُ ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَسَّطَ بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهِ فَيَرْجِعُ " وَإِلَّا " فَلَا .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُطْلَقَ يَرْجِعُ فِي تَعْيِينِ أَحَدِ مَحْمِلَيْهِ إلَى اللَّافِظِ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَدَفَعَ إلَى الْمَدِينِ عَنْ أَحَدِهِمَا وَأَطْلَقَ فَلَهُ التَّعْيِينُ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقْصِدْ مُعَيَّنَةً طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا وَعَلَيْهِ تَعْيِينُ " إحْدَاهُمَا " لِلطَّلَاقِ .
وَلَوْ قَالَ : طَلَّقْت وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ وَفِيهِنَّ أَجْنَبِيَّةٌ ، وَقَالَ : أَرَدْتهَا ؛ فَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ أَيْضًا .
وَمِنْهَا : يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مُطْلَقًا وَيَصْرِفَهُ بِالتَّعْيِينِ إلَى مَا شَاءَ مِنْ النُّسُكَيْنِ ، أَوْ إلَيْهِمَا ، نَعَمْ لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَهُ لِلْعُمْرَةِ دَخَلَ الْحَجُّ فَأَرَادَ صَرْفَهُ إلَيْهِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ صَحَّ عَنْ الْعُهْرَةِ وَلَا يَقَعُ مَوْقُوفًا فِي الِابْتِدَاءِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا يَقْبَلُ سِوَى الْعُمْرَةِ .
الرَّابِعُ : اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إلَّا إذَا كَانَ لَوْ صُرِّحَ بِذَلِكَ الْمُقَيَّدِ لَصَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا صُوَرٌ : مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْأَبِ السَّابِقَةُ حَيْثُ قُبِلَ مِنْهُ إرَادَةُ الْهِبَةِ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهَا لَصَحَّ .
وَمِنْهَا إذَا أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِمُعَامَلَةٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إذَا قَالَ : عَنْ جِنَايَةٍ أَوْ " عَنْ " مَالٍ ، فَإِنْ أَطْلَقَ قُبِلَ وَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ لَصَحَّ .
وَمِنْهَا : إذَا أَعَارَ لِلزِّرَاعَةِ وَأَطْلَقَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الزَّرْعَ صَحَّ " عَلَى " الْأَصَحِّ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَوْ قِيلَ : تَصِحُّ الْإِعَارَةُ وَلَا يَزْرَعُ إلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَكَانَ مَذْهَبًا وَأَعَادَ هَذَا الْبَحْثَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي صُورَةِ إطْلَاقِ الْإِجَارَةِ وَلِمَانِعِ أَنْ يُمْنَعَ مَجِيءُ هَذَا الْبَحْثِ فِي الْبَابَيْنِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ : أَعَرْتُك " أَوْ أَجَرْتُك " لِتَزْرَعَ أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا لَمْ يَصِحَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ : الْمُطْلَقُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ يَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ .
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتَبَ اكْتَفَى مِنْهُ بِمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
وَلَوْ نَذَرَ هَدْيًا هَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْهَدْيِ الشَّرْعِيِّ أَوْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ؟ قَوْلَانِ وَإِنْ قَالَهُ بِاللَّامِ تَعَيَّنَ لِلشَّرْعِيِّ .
" وَقَالَتْ " الْحَنَفِيَّةُ : الْمُطْلَقُ مِنْ الْأَلْفَاظِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ مِنْ الْمَعَانِي .
وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ السَّمَكِ لِنُقْصَانِ لَحْمِيَّتِهِ إذْ اللَّحْمُ هُوَ الْمُنْعَقِدُ مِنْ الدَّمِ وَلَا دَمَ لِلسَّمَكِ .
قُلْت : وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ أَيْضًا لَكِنْ " لِغَيْرِ " هَذَا الْمَأْخَذِ .
السَّادِسُ : الْفَرْقُ بَيْنَ مُطْلَقِ الشَّيْءِ وَالشَّيْءِ الْمُطْلَقِ تَعَرَّضَ لَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ ، فَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ : حَقِيقَةُ الْمَاهِيَّةِ وَالثَّانِي : هِيَ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ ، فَالْأَوَّلُ " لَا يُقَيَّدُ " " وَالثَّانِي يُفِيدُ " التَّجَرُّدَ عَنْ جَمِيعِ " الْقُيُودِ " .
وَقَدْ لَا يُرَادُ ذَلِكَ بَلْ يُرَادُ التَّجَرُّدُ عَنْ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا : مُطْلَقُ الْمَاءِ وَالْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى " الطَّهُورِ " وَالطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ وَالثَّانِي هُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ ، وَإِنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى وَاحِدٍ وَهُوَ الطَّهُورُ .
وَمِنْهَا : اسْمُ الرَّقَبَةِ وَحَقِيقَتُهَا تَصْدُقُ عَلَى السَّلِيمَةِ وَالْمَعِيبَةِ .
وَالْمُطْلَقَةُ لَا " تُطْلَقُ " إلَّا عَلَى السَّلِيمَةِ وَلَا تَجْزِيءُ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ ، لِإِطْلَاقِ الشَّرْعِ إيَّاهَا وَالرَّقَبَةُ الْمُطْلَقَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ .
وَمِنْهَا : الدِّرْهَمُ الْمَذْكُورُ فِي الْعُقُودِ قَدْ يُقَيَّدُ بِالنَّاقِصِ وَالْكَامِلِ وَحَقِيقَتُهُ مُنْقَسِمَةٌ إلَيْهِمَا وَإِذَا أُطْلِقَ تَقَيُّدٌ " بِالْكَامِلِ " الْمُتَعَارَفِ بِالرَّوَاجِ " " بَيْنَ " النَّاسِ .
وَمِنْهَا : الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَالصَّدَاقُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْوَاضِ الْمَجْعُولَةِ فِي الذِّمَّةِ تَنْقَسِمُ إلَى الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَإِذَا أُطْلِقَتْ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى الْحَالِّ فَالْإِطْلَاقُ " قَدْ " اقْتَضَى ذَلِكَ .
الْمَطْلُوبُ إذَا كَانَ فِيهِ أَحَدُ " غَرَضَيْنِ " عَلَى الْإِبْهَامِ لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالطَّلَبِ .
وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا : كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي بِالْإِيلَاءِ أَنْ تَدَّعِيَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِيلَاءَ وَأَنَّ مُدَّتَهُ قَدْ انْقَضَتْ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ وَتَطْلُبُ مِنْهُ دَفْعَ الضَّرَرِ بِالْخُرُوجِ عَنْ مُوجِبِ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ : وَكَذَلِكَ الْمُتْعَةُ لَمَّا كَانَتْ إلَى تَقْدِيرِ الْقَاضِي فِي أَيِّ نَوْعٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجَةِ طَلَبُهَا إلَّا مُبْهَمَةً .
قُلْت : وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْحُكُومَةِ وَالرَّضْخِ .
الْمَعْدُومُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا : إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَتْ إحْدَاهُنَّ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْمَيِّتَةَ وَتُحْسَبُ لَهُ مِنْ الْأَرْبَعِ .
" وَمِنْهَا " إذَا " تَدَاعَى " اثْنَانِ شَخْصًا وَمَاتَ ، لِلْقَائِفِ أَنْ يُلْحِقَهُ بِأَحَدِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَانِي إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ حَيْثُ كَانَ " الْأَصَحُّ " عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْتَهَدُ أَنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ بِدَلِيلِ الْإِرْثِ " وَالْغُسْلِ " فَلِهَذَا كَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَذَلِكَ النَّسَبُ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ " بِالِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يُعْتَمَدُ طَاهِرًا وَنَجِسًا وَقَدْ " فُقِدَ " أَحَدُهُمَا .
مُعْظَمُ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ وَلِهَذَا تَحْصُلُ الرَّكْعَةُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ ، وَمَنْ " أَوْقَعَ " رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ كَانَ الْكُلُّ أَدَاءً فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَحْرَمَ الصَّبِيُّ وَبَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ حُسِبَ عَنْ فَرْضِ الْإِسْلَامِ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَ الْحَجِّ فِي حَالِ الْكَمَالِ ، وَإِحْيَاءُ لَيْلَةِ الْعِيدِ تَحْصُلُ بِالْمُعْظَمِ وَنَحْوُهُ .
الْمُعَارَضَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ : مَا قُطِعَ فِيهِ بِالْمُعَارَضَةِ كَعَدَمِ طَهَارَةِ الْخَمْرِ إذَا خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا وَحِرْمَانِ الْقَاتِلِ عَمْدًا الْإِرْثَ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ رَمَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ عَبَثًا فَجُنَّ وَجَعَلَ الْإِمَامُ مِنْ هَذَا إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَلشَّرِيك وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ، وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ شَرِيكِهِ حَصَلَ مَقْصُودُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَانْدَفَعَ عَنْ الشَّرِيكِ الضَّرَرُ فَإِذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّرْعُ إلَى عَرْضِهِ عَلَى شَرِيكِهِ " رَاغَمَهُ " الشَّرْعُ مَقْصُودَهُ وَصَرَفَ الْبَيْعَ إلَى الشَّرِيكِ .
وَأَخَذَ مِنْهُ إبْطَالَ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ .
الثَّانِي : مَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ الْمَدْيُونَ " حَلَّ الدَّيْنُ " فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ زَوْجَتَهُ لِأَجْلٍ مِيرَاثِهَا مُسِيئًا عِشْرَتَهَا فَإِنَّهُ يَرِثُهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ رَمَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ لِيُصَلِّيَ قَاعِدًا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً يُلْقِي الْجَنِينَ فَأَلْقَتْهُ وَنَفِسَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ " صَلَوَاتِ " أَيَّامِ النِّفَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَلَوْ أَسَاءَ عِشْرَةَ زَوْجَتِهِ حَتَّى افْتَدَتْ بِالْخُلْعِ " نَفَذَ فِي الصَّحِيحِ " وَكَذَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فِرَارًا مِنْ الْإِرْثِ نَفَذَ وَلَمْ تَرِثْهُ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : " تَرِثُ " مُنَاقَضَةً لِقَصْدِهِ .
وَلَوْ جَبَّتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا ، أَوْ هَدَمَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّارَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ثَبَتَ " لَهُمَا " الْخِيَارُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ " خُلِّلَ " الْخَمْرُ بِغَيْرِ طَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا بَلْ بِالنَّقْلِ مِنْ الشَّمْسِ إلَى الظِّلِّ وَعَكْسِهِ طَهُرَتْ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يُعَارَضُ قَطْعًا كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَالَ الزَّكَوِيُّ قَبْلَ الْحَوْلِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا .
وَلَوْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ مُتَعَدِّيًا لِيُجَامِعَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ ، وَلَوْ شَرِبَ شَيْئًا لِيَمْرَضَ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ مَرِيضًا فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ .
وَلَوْ قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ بِذَلِكَ .
وَلَوْ اُسْتُلْحِقَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ قُبِلَ وَوَرِثَهُ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِتُهْمَةِ الطَّمَعِ فِي الْإِرْثِ .
وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَحَاضَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا قَضَاءُ " الصَّلَوَاتِ " اتِّفَاقًا .
مُعَامَلَاتُ الْعَبِيدِ مَعَ السَّادَةِ ثَلَاثَةٌ مُهَايَأَةٌ وَمُخَارَجَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ .
وَالْمُهَايَأَةُ فِي الْمُبَعَّضِ وَهَلْ هِيَ " إعَارَةٌ أَوْ إجَارَةً " خِلَافٌ وَكِلَاهُمَا مُشْكِلٌ بِجَوَازِ الرُّجُوعِ وَأَخْذِ " الْغُرْمِ " .
الْمُعَاطَاةُ أَنْ " يُوجَدَ " " فِي " أَحَدِ شِقَّيْ الْعَقْدِ لَفْظٌ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَيَشْفَعُهُ الْآخَرُ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا " يُوجَدُ " لَفْظٌ أَصْلًا وَلَكِنْ يَصْدُرُ الْفِعْلُ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ فَأَمَّا إذَا " أَخَذَ " مِنْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَتَلَفَّظَا بِبَيْعٍ بَلْ نَوَيَا أَخْذَهُ بِثَمَنِهِ الْمُعْتَادِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ لَفْظِيٍّ وَلَا مُعَاطَاةٍ كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ : وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْحَوَائِجَ مِنْ الْبَيَّاعِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يُحَاسِبُهُ وَيُعْطِيهِ الْعِوَضَ .
وَهَذَا " كُلُّهُ " تَابَعَ فِيهِ " الْبَغَوِيّ " لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي " الْإِحْيَاءِ " أَشَارَ إلَى التَّسَامُحِ بِهِ .
الْمُعَاوَضَةُ قِسْمَانِ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ فَالْمَحْضَةُ : مَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهَا بِفَسَادِ الْعِوَضِ .
وَغَيْرُ " الْمَحْضَةِ " مَا لَا يَفْسُدُ .
وَإِنْ شِئْت قُلْت : الْمُعَاوَضَةُ الْمَحْضَةُ : مَا يُقْصَدُ فِيهَا الْمَالُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ مَا يَعُمُّ الْمَنْفَعَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يُتَمَوَّلُ وَغَيْرُ الْمَحْضَةِ : مَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ .
وَأَمَّا الْقَرْضُ فَلَيْسَ بِمَحْضَةٍ بَلْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ الْإِرْفَاقُ .
وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِخِلَافِ مَا مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَحْضَةٍ كَالصَّدَاقِ ، لَكِنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ فِي الشِّقْصِ " الْمُقْرَضِ " جَزْمًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ .
الْمِعْيَارُ الشَّرْعِيُّ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ .
وَذَكَرُوا فِي زَكَاةِ النَّقْدِ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ إنَاءٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَشَكَّ فِي الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا وَعُسْرُ السَّبْكِ طَرِيقَةٌ هَنْدَسِيَّةٌ فِي الْمِعْيَارِ بِالْإِلْقَاءِ فِي إنَاءٍ مِنْ الْمَاءِ بِأَنْ يَمْتَحِنَ قَدْرًا مِنْ النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ وَقَدْرًا مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَيُعَلِّمُ عَلَى مَوْضِعِ " الِارْتِفَاعِ " ثُمَّ يُلْقِي الْمَخْلُوطَ " فِيهِ " فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى عَلَامَةِ الذَّهَبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ هُوَ الْأَكْثَرُ ، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالزَّكَاةِ بَلْ طَرَدَهُ الْإِمَامُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ " فَإِنْ " كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِيزَانٌ فَقَضَاهُ بِهَذِهِ " الطَّرِيقَةِ " جَازَ .
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ الْمَكِيلَاتِ فَقَضَاهُ بِطَرِيقِ الْخَرْصِ جَازَ .
فَأَمَّا بَيْعُ النَّقْرَةِ بِمِثْلِهَا بِهَذِهِ " الطَّرِيقَةِ " فَلَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ فِي بَابِ الرِّبَا الْمُعْتَبَرُ تَقْدِيرُ " مَخْصُوصٍ ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِمِثْلِهَا وَزْنًا .
مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَارَةً تَقْتَضِي مُقَابَلَةَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ نَحْوَ رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ ، قَالَ " اللَّهُ " تَعَالَى " { جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } وَنَحْوَ أَكَلَ الزَّيْدَانِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَكَلَ رَغِيفًا .
وَقَدْ يَقْتَضِي " مُقَابَلَةَ " الْكُلِّ " لِكُلِّ " فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } وَقَوْلِهِ { وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } فَذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ وَلِكُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ وَلَوْ قِيلَ : إلَى الْكِعَابِ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ " بِأَنَّ " لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبًا وَاحِدًا فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ إلَّا غُسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ " وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ " ، قُلْنَا : صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِجْمَاعُ " الْأُمَّةِ .
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا " كَثِيرٌ " مِنْ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَمِنْ الْفُرُوعِ الْمَذْهَبِيَّةِ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ : قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ } .
الْآيَةَ هَلْ الْمُرَادُ تَوْزِيعُ " جَمِيعِ " الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ " أَوْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّدَقَاتِ عَلَى مَجْمُوعِ الْأَصْنَافِ " .
وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ " بِكُلِّ " صَدَقَةٍ صَدَقَةٍ أَوْ يَكْفِي وَضْعُهَا فِي صِنْفٍ .
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيلِ مَسْحِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ { إنِّي أَدْخَلْتهمَا طَاهِرَتَيْنِ } هَلْ " أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ " قَدَمَيْهِ "
" الْخُفَّ " وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَاهِرَةٌ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْخَلَ كِلَا الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَكُلُّ قَدَمٍ فِي " حَالِ " إدْخَالِهَا " الْخُفَّ طَاهِرَةٌ " وَبُنِيَ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ثُمَّ " غَسَلَ " الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْفَرْدِ عَلَى الْجُمْلَةِ امْتَنَعَ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ إدْخَالِ الرِّجْلِ الْأُولَى الْخُفَّ لَمْ تَكُنْ الرِّجْلَانِ طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ تَوْزِيعِ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ صَحَّ ، وَبِالثَّانِي قَالَ الْمُزَنِيّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ .
وَمِنْهَا : مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ فَإِنَّ مَأْخَذَ الْمَنْعِ فِيهَا أَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ إذَا اشْتَمَلَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى مَالَيْنِ وُزِّعَ مَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ " الْمُفَاضَلَةَ " أَوْ الْجَهْلَ بِالْمِثْلِ ، أَمَّا أَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ " كَذَلِكَ " " فَلِأَنَّهُ " لَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ عَقَارٍ وَسَيْفًا " بِأَلْفٍ " يُوَزَّعُ الْأَلْفُ عَلَيْهِمَا حَتَّى لَوْ كَانَ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً وَالسَّيْفِ خَمْسِينَ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِثُلُثَيْ " الْأَلْفِ " ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ " مِمَّا " فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ " مِمَّا " فِي الشِّقِّ الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ الْمُفَصَّلِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا فَيُصَارُ إلَيْهِ مِثَالُ الْقَرِينَةِ عَلَى تَوْزِيعِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِاسْتِحَالَةِ الْآخَرِ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ : إنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَأَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا ، طَلُقَتَا ؛ لِأَنَّهُمَا " أَكَلَتَاهُمَا " وَيَسْتَحِيلُ أَكْلُ وَاحِدَةٍ الرَّغِيفَيْنِ .
وَمِثَالُ الْقَرِينَةِ
عَلَى تَوْزِيعِ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ ، مَا لَوْ " قَالَ " .
الْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ لَا تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى أَحَدِ التَّوْزِيعَيْنِ وَلَا يُنْكِرُ كُلٌّ مِنْهُمَا فَهَلْ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي ؟ فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْمُرَجَّحُ غَالِبًا تَوْزِيعُ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ " .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْتُمَا " هَاتَيْنِ " الدَّارَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَدَخَلَتْ إحْدَاهُمَا إحْدَى الدَّارَيْنِ " وَالْأُخْرَى الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَدْخُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدَّارَيْنِ " جَمِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلَوْ قَالَ : إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِطَلَاقِهِمَا عَلَى حَيْضِهِمَا جَمِيعًا ، فَإِنْ حَاضَتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا طَلُقَتَا وَإِنْ حَاضَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا .
وَلَوْ قَالَ : إنْ شِئْتُمَا فَأَنْتُمَا " طَالِقَتَانِ " فَشَاءَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَشَأْ الْأُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَهَلْ طَلَاقُ كُلِّ وَاحِدَةٍ " يُعَلَّقُ " بِالْمَشِيئَتَيْنِ جَمِيعًا أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ " بِمَشِيئَتِهَا " طَلَاقَ نَفْسِهَا دُونَ ضَرَّتِهَا ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي بِالْأَوَّلِ ، وَالْبَنْدَنِيجِيّ بِالثَّانِي وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ أَنَّهُ الْقِيَاسُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ رَجُلَانِ بِقَتْلِ رَجُلَيْنِ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا " قَتَلَ أَحَدَهُمَا " أَوْ الْآخَرُ " الْآخَرَ .
وَمِنْهَا : الضَّمَانُ فَإِذَا ضَمِنَ اثْنَانِ أَلْفًا فَهَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِجَمِيعِ الدَّيْنِ " أَوْ بِالْحِصَّةِ وَجْهَانِ وَبِالثَّانِي جَزَمَ الرُّويَانِيُّ ، قَالَ : إلَّا أَنْ يَقُولُوا : إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ " لِجَمِيعِهَا " وَجَزَمَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِالْأَوَّلِ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَاسْتَشْهَدَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لِذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ " عَبْدٌ " فَقَالَا لِرَجُلٍ رَهَنَّاهُ عِنْدَك عَلَى دَيْنِك الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكُونُ رَاهِنًا
لِكُلِّ الدَّيْنِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ الِاتِّفَاقُ عَلَى هَذِهِ " الصُّورَةِ " .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ : إذَا أَدَّيْتُمْ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ هَلْ يُعْتَقُ الْوَاحِدُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الْجَمِيعِ ؟ وَلَوْ " أَمَّنَ " مِائَةُ أَلْفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ أَلْفٍ مِنْ الْكُفَّارِ قَالَ الْإِمَامُ : " فَأَمَانُ " الْكُلِّ مَرْدُودٌ .
وَحَاوَلَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا صَدَرَ هَذَا عَلَى التَّعَاقُبِ الصِّحَّةَ إلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ ، وَأَمَّا ابْنُ الرِّفْعَةِ فَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا عَرَفَ الْأَوَّلُ قُبِلَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ جَهِلَ تُسْتَعْمَلُ " الْقُرْعَةُ .
وَمِنْهَا : حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى شَيْءٍ وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ " وَحَنِثَ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ يُعَيِّنُهَا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً حَتَّى تُسْتَكْمَلَ الثَّلَاثُ ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مَا أَفَادَ الْفُرْقَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْبَيْنُونَةِ الْكُبْرَى حَكَاهُ " عَنْهُ " تِلْمِيذُهُ " ابْنُ الْفِرْكَاحِ فِي فَتَاوِيهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ .
وَسَبَقَتْ فِي قَاعِدَةِ الْحَصْرِ وَالْإِشَاعَةِ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ جَمَاعَةٌ عَبِيدَهُمْ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ : أَوْقَعْت عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ .
وَمِنْهَا : إذَا قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ مُبَعَّضٌ " رَقِيقًا " مِثْلَهُ فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُقْتَلُ بِهِ لِتَسَاوِيهِمَا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ الرِّقُّ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةُ بِالْحُرِّيَّةِ بَلْ يُوَزَّعُ مَا فِي كُلِّ " وَاحِدٍ " مِنْهُمَا مِنْ الرِّقِّ عَلَى رِقِّ صَاحِبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ عَلَى رِقِّهِ وَحُرِّيَّتِهِ فَلَوْ قَتَلْنَاهُ بِهِ لَاسْتَوْفَيْنَا رُبْعَ حُرٍّ بِرُبْعِ رَقِيقٍ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ : وَإِنَّمَا تَظْهَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْمُبَعَّضُ نِصْفُهُ مُبَعَّضًا " مِثْلَهُ " خَطَأً لَا نَقُولُ : مَا وَجَبَ مِنْ الْقِيمَةِ بِنِصْفِ الرَّقِيقِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ وَرَقَبَتِهِ وَمَا وَجَبَ بِنِصْفِ الْحُرِّ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ بَلْ تُقَسَّطُ الْقِيمَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةُ تَتَعَلَّقُ " بِنِصْفِ " الْقِيمَةِ " وَنِصْفُ " الدِّيَةِ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ وَنِصْفُ الدِّيَةِ بِذِمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ .
قَالَ : وَنَظِيرُ هَذَا التَّوْزِيعِ " وَالشُّيُوعِ " أَنَّ مَنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ بِعَبْدٍ وَثَوْبٍ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفٌ فَلَا يُقَالُ : الشِّقْصُ يُقَابِلُهُ الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ يُقَابِلُهُ نِصْفُ الْعَبْدِ وَنِصْفُ الثَّوْبِ وَكَذَا " السَّيْفُ " يُقَابِلُهُ النِّصْفُ مِنْهُمَا .
قَالَ : وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ الْحُرُّ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ أَوْ عَكْسُهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ ، وَلَا يُقَالُ : إنَّهُ يُقَابَلُ " النَّقْصُ " بِالنَّقْصِ وَالْفَضْلِ " حَتَّى يَجِبَ الْقَوَدُ .
وَمِنْهَا : مَا وَجَبَ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ إنْ " كَانَ " فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ فَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَإِنْ " تَعَدَّدَتْ " أَجْزَاؤُهَا وُزِّعَتْ الدِّيَةُ " عَلَى أَجْزَاءٍ فَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ، وَكَذَلِكَ الْأُذُنَانِ وَفِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ ، وَفِي طَبَقَةِ
الْمَارِنِ الثُّلُثُ ، لِأَنَّ الْمَنْخِرَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ .
الْمُقَدَّرَاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْحُقُوقُ إذَا كَانَ جَمِيعُهَا مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ وَبَعْضُهَا غَيْرَ مُقَدَّرٍ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْحَقِّ خَشْيَةَ سُقُوطِ صَاحِبِهِ بِحَيْثُ كَانَ مَنْ لَمْ يُقَدَّرْ حَقُّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَذَوِي الْفُرُوضِ مَعَ الْعَصَبِيَّاتِ فِي الْمِيرَاثِ فَهَا هُنَا قَدْ يُرِيدُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَقِّ الْمُقَدَّرِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِنِهَايَةِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَغَيْرُ الْمُقَدَّرِ مَوْكُولًا إلَى الرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا " يُزَادُ " الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ عَلَى الْمُقَدَّرِ هَا هُنَا وَلَهُ صُوَرٌ : مِنْهَا : الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ فَلَا يَبْلُغُ تَعْزِيرُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَدْنَى حُدُودِهِمَا " فَيَجِبُ " أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ : عِشْرِينَ .
وَمِنْهَا : السَّهْمُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَالرَّضْخِ " فَلَا يُبْلَغُ بِالرَّضْخِ لِأَدْنَى سَهْمِهِ الْمُقَدَّرِ وَلَا بِالرُّضُوخِ " لَهُ فَوْقَ سَهْمِهِ الْمُقَدَّرِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُقَدَّرًا شَرْعًا وَالْآخَرُ تَقْدِيرُهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ لَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ يُضْبَطُ بِهِ فَهَلْ هُوَ كَالْمُقَدَّرِ أَوْ لَا ؟ إنْ كَانَ " مَحَلُّهُمَا " وَاحِدًا " لَمْ " يُجَاوَزْ بِهِ الْمُقَدَّرُ كَالْحُكُومَةِ إذَا كَانَتْ فِي مَحَلٍّ لَهُ مُقَدَّرٌ اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَبْلُغَ " مِقْدَارُهُ " " لِذَلِكَ " الْمَحَلِّ فَإِنْ بَلَغَهُ نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ .
الثَّانِي الْمُقَدَّرَاتُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ تَقْرِيبٌ قَطْعًا فَمِنْهُ سِنُّ الرَّقِيقِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَائِهِ أَوْ " أَوْصَى " بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لَوْ شُرِطَ فِيهِ بَطَلَ وَقَدْرُ سِنِّ التَّمْيِيزِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا تَقْرِيبٌ .
الثَّانِي : مَا هُوَ تَحْدِيدٌ قَطْعًا كَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَغَسْلِ الْوُلُوغِ وَالْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ وَتَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ وَنُصُبِ " الزَّكَوَاتِ " وَالْأَسْنَانِ الْمَأْخُوذَةِ فِيهَا كَبِنْتِ مَخَاضٍ وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَوْسُقِ فِي الْعَرَايَا إذَا جَوَّزْنَاهَا فِي الْخَمْسَةِ وَالْآجَالِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَتَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَإِنْذَارِ الْمَوْلَى " " وَالْعِنِّينِ " وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَالْعَدَدِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ .
الثَّالِثُ : مَا هُوَ تَقْرِيبٌ فِي الْأَصَحِّ فَمِنْهُ تَقْدِيرُ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ ، وَسِنِّ الْحَيْضِ بِتِسْعِ سِنِينَ ، وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ .
وَالْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ بِثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ .
الرَّابِعُ : مَا هُوَ تَحْدِيدٌ فِي الْأَصَحِّ كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا " وَكَالْخَمْسَةِ " أَوْسُقٍ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ رَطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ وَصُحِّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُقَابِلُهُ .
الثَّالِثُ " تَقْسِيمٌ " آخَرُ ، هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا : مَا يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَالْفُرُوضِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْحُدُودِ " الثَّانِي " مَا لَا يَمْنَعُهُمَا ، كَالْمُقَدَّرِ فِي الْوُضُوءِ بِثَلَاثٍ .
يَجُوزُ النُّقْصَانُ بِهِ وَكَذَا الزِّيَادَةُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ .
الثَّالِثُ مَا يَمْنَعُ الْأَكْثَرَ دُونَ الْأَقَلِّ كَمُدَّةِ إمْهَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا حَدَّدْنَاهَا بِالثَّلَاثِ " وَكَالثَّلَاثِ " فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ، وَكَذَا فِي الْقَسَمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ يَمْنَعُ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ " عَلَى " الْمَذْهَبِ .
الرَّابِعُ : عَكْسُهُ كَنِصَابِ الشَّهَادَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَالثَّلَاثِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَالسَّبْعِ فِي وُلُوغِ " الْكَلْبِ " وَالنُّجُومِ فِي الْكِتَابَةِ وَالْخَمْسِ فِي الرَّضَاعِ وَالسَّبْعِ فِي الطَّوَافِ .
الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ فِيمَا هُوَ مَقْصُودُ الْكِتَابَةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ " وَمُعَامَلَةِ " السَّيِّدِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَامْتِنَاعِ بَيْعِهِ " عَلَى " الْجَدِيدِ .
وَكَالْقِنِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ كَبَيْعِهِ السَّيِّدَ بِرِضَاهُ وَقَتْلِهِ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ مَنْ زَوَّجَ " ابْنَتَهُ " مِنْ مُكَاتَبِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ فَالزَّوْجَةُ تَرِثُ شَيْئًا مِنْ رَقَبَةِ الزَّوْجِ " وَيَنْفَسِخُ " النِّكَاحُ بِذَلِكَ وَلَوْلَا " أَنَّا " نَقُولُ : الْمِلْكُ فِي رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ لِوَرَثَةِ الْوَلِيِّ لَمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ .
وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ فَعَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَغْلِبُ فِيهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَنَظَرِهِ إلَى سَيِّدَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَفَاءٌ .
الثَّانِي : " مَا " يَغْلِبُ فِيهِ جِهَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى الصَّحِيحِ ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ لَا يَحْنَثُ فِي الْأَصَحِّ لِمَنْعِ الْعُرْفِ إطْلَاقَ " اسْمِ " الْعُبُودِيَّةِ عَلَيْهِ .
الْمُكَبَّرُ لَا يُكَبَّرُ وَمِنْ ثَمَّ لَا يُشْرَعُ التَّثْلِيثُ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ الشَّيْءُ إذَا انْتَهَى نِهَايَتَهُ فِي التَّغْلِيظِ لَا يَقْبَلُ التَّغْلِيظَ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ وَكَقَتْلِ الْعَمْدِ وَشَبَهِهِ لَا تُغَلَّظُ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَإِنْ غُلِّظَتْ فِي الْخَطَأِ .
وَوَقَعَ فِي " الشَّامِلِ الصَّغِيرِ " فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ ، قَالَ : وَنُدِبَ التَّثْلِيثُ بِغَسْلَتَيْنِ بَعْدَ الطُّهْرِ بِسَبْعٍ أَوْ دُونَهَا ، وَعَلَّلَهُ شَارِحُهُ بِأَنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ لَا يُحْسَبُ إلَّا مَرَّةً وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الْقَوَاعِدِ .
وَيَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ حَيْثُ تُضَعَّفُ " أَنَّ الْجُبْرَانَ لَا يُضَعَّفُ " فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّا لَوْ ضَعَّفْنَاهُ كَانَ ضِعْفَ الضِّعْفِ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الضِّعْفِ لَا تَجُوزُ .
الْمَنْفَعَةُ هَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَالٌ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ كَلَامُهُمْ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ مَنَافِعُ بِوَصِيَّةِ أَوْ إجَارَةٍ لَا يَحْنَثُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْمَالِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْأَعْيَانُ ، وَذَكَرُوا فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ وَفَسَّرَهُ بِمَنْفَعَةٍ لَمْ يُقْبَلْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَجْمَعَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ مُطْلَقِ اسْمِ الْمَالِ لَكِنْ قَالُوا فِي بَابِ الْوَصَايَا : الْأَمْوَالُ تَنْقَسِمُ إلَى " أَعْيَانٍ " وَمَنَافِعَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إطْلَاقِهَا عَلَيْهَا .
أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَلَا .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ " فِيهَا " وَجْهَانِ مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِيُكْرِيَهُ بِزِيَادَةٍ وَيَرْبَحُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ فَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَالتَّصَرُّفِ فِي الْأَعْيَانِ ، وَالثَّانِي : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ حَاصِلَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ " بِعِوَضٍ " .
وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَقَارِ وَبَيْنَ " النَّقْدِ " فَإِنَّهُ " قَالَ " : لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَدْفَعَ إلَى زَيْدٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَتَصَرَّفَ فِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثُ الرِّبْحِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ .
وَلَوْ قَالَ : اصْرِفُوا إلَيْهِ مِنْ كِرَاءِ دَارِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً .
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنَافِعَ الدَّارِ نَفْسَهَا مَالٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ يَتَوَقَّفُ مَعْنَى الْمَالِ فِيهَا عَلَى إنْشَاءِ عَقْدٍ ، وَمَنْزِلَتُهَا مَنْزِلُهُ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ فَصَحَّتْ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِ دَرَاهِمَ ، وَمَنَافِعُ الدَّرَاهِمِ لَا تُعَدُّ مِنْ الْمَالِ ، وَلِهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ وُرُودُ الْإِجَارَةِ عَلَى مَنَافِعِهَا كَيْفَ وَالِارْتِفَاقُ فِيهَا فِي الْمُضَارَبَةِ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَ
اسْتِيفَاءِ " أَعْيَانِهَا وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ " بِإِنْفَاقِهَا " وَالِاعْتِيَاضِ عَنْهَا ، فَصَارَ الْمُوصِي عَلَى الْحَقِيقَةِ مُوصِيًا بِمَا لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ فَلَمْ يَصِحَّ .
الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ هَذِهِ تَرْجِعُ لِقَاعِدَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَصْلِ وَسَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْبَاءِ " .
مَنْ أَتَى " بِمَعْصِيَةٍ " لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ فَعَلَيْهِ " التَّعْزِيرُ " " .
مَنْ أَنْكَرَ حَقًّا لِغَيْرِهِ ثُمَّ اعْتَرَفَ بِهِ قُبِلَ إلَّا فِيمَا إذَا ادَّعَى زَوْجِيَّةَ " امْرَأَةٍ " فَقَالَتْ : زَوَّجَنِي الْوَلِيُّ بِغَيْرِ إذْنِي ، ثُمَّ صَدَّقَتْهُ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى النَّصِّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ .
وَلَوْ قَالَ : رَجَعْت قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَقَالَتْ بَعْدَهَا ثُمَّ صَدَّقَتْهُ قُبِلَ رُجُوعُهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ ادَّعَى " رَجْعِيَّةَ " زَوْجَتِهِ فَأَنْكَرَتْ قُبِلَ وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ إنْكَارَهَا يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اعْتَرَفَتْ " بِمَحْرَمِيَّةٍ " بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَجَعَتْ لَا يُقْبَلُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ يَسْتَنِدُ إلَى أَمْرٍ ثُبُوتِيٍّ وَإِنْكَارَ الرَّجْعَةِ نَفْيٌ وَالثُّبُوتَ أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةَ مِنْ النَّفْيِ " فَالرُّجُوعُ " عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ " رُجُوعٌ عَنْ " الْمَعْلُومِ فَلَمْ يُقْبَلْ ، وَالرُّجُوعُ عَنْ إنْكَارِ الرَّجْعَةِ رُجُوعٌ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ .
وَكَذَلِكَ نَقُولُ : لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ عَلَى الزَّوْجِ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ فَحَلَفَتْ " عَلَيْهِ " ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهَا لِاسْتِنَادِ قَوْلِهَا إلَى الْإِثْبَاتِ .
مَنْ أَقْدَمَ عَلَى عَقْدٍ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُودِ شَرَائِطِهِ حَتَّى لَا " يُسْمَعَ " " مِنْهُ " خِلَافُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ تَأْوِيلًا ذَكَرَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ بَاعَ عَبْدًا " أَوْ أَحَالَ " بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ تَصَادَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ وَوَافَقَهُمَا الْمُحْتَالُ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ .
قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ : وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقِيمَهَا الْمُتَبَايِعَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِالدُّخُولِ فِي الْبَيْعِ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ .
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ تَأْوِيلًا فَقَدْ نَقَلَا فِي آخِرِ الدَّعَاوَى عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ قَالُوا : تُسْمَعُ " بِبَيِّنَةٍ " إذَا لَمْ يَكُنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْعِ وَأَنَّ الرُّويَانِيَّ قَالَ : إذَا بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ : بِعْته وَأَنَا لَا أَمْلِكُهُ " بِالْإِرْثِ " أَوْ " قَالَ حِينَ بَاعَ : هُوَ " مِلْكِي لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ .
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : بِعْتُك ؛ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُهُ .
قَالَ : وَقَدْ نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ غَيْرَهُ ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْمَبِيعَ وَقْفٌ عَلَيْهِ .
وَمَا عَزَاهُ لِلنَّصِّ صَحِيحٌ وَقَدْ نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ عَنْ النَّصِّ وَذَكَرَ أَيْضًا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ لِغَيْرِهِ بَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهِيَ مِلْكُهُ إلَى الْآنَ فَكَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ " بِذَلِكَ بَيِّنَةً " ، فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك مِلْكِي أَوْ دَارِي وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهَا مِلْكُهُ لَمْ تُسْمَعْ
دَعْوَاهُ وَإِلَّا سُمِعَتْ .
وَمِنْهَا : لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَالًا مِنْ إنْسَانٍ ثُمَّ ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ وَأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا ثُمَّ قَالَ : كُنْت " أَعْتَقْتُهُ " قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ جَاءَ شَرِيكُهُ وَادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ " الْبَيِّنَةِ " أَنَّ الْمَالَ كَانَ مُشْتَرَكًا فَإِنْ أَقَامَهَا وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ عَدَمِ الْإِذْنِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي نَصِيبِهِ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .
وَمِنْهَا : مَنْ قَالَ : أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ ، وَصَدَّقَهُ مَنْ يُعَامِلُهُ صَحَّ الْعَقْدُ .
فَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَقْدِ : لَمْ أَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ .
وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ مِنْ جِهَتِهِ فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ " فِي " آخَرِ بَابِ الْوَكَالَةِ .
وَمِنْهَا : ادَّعَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ مَحْرَمِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا بِحُكْمِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " نَقِيضُهُ " إلَّا إذَا ذَكَرَتْ " عُذْرًا كَنِسْيَانٍ " وَنَحْوِهِ فَتَحْلِفُ .
وَمِنْهَا : أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ فِي حِبَالَةِ رَجُلٍ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ؛ فَقَالَتْ : كُنْت زَوْجَةً لَك وَطَلَّقْتنِي ؛ يَكُونُ ذَلِكَ [ إقْرَارًا ] لَهُ وَتُجْعَلُ زَوْجَةً لَهُ ، وَهَذَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا إقْرَارٌ لِلزَّوْجِ " الَّذِي " هِيَ تَحْتَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَقَرَّتْ لَهُ " أَوَّلًا " " فَلَا " تَكُونُ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ بَلْ لِلثَّانِي .
وَكَذَلِكَ إذَا زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهَا لِلْأَوَّلِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الثَّانِي ، كَمَا إذَا " تَزَوَّجَتْ " بِرَجُلٍ بِإِذْنِهَا ثُمَّ ادَّعَتْ " أَنَّ " بَيْنَهُمَا رَضَاعًا لَا يُقْبَلُ كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ .
وَمِنْهَا : فِي الْإِشْرَافِ وَأَدَبِ الْقَضَاءِ لِشُرَيْحٍ : لَوْ قَالَ : هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ ثُمَّ ادَّعَى الشِّرَاءَ مِنْهُ يَعْنِي وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَحْتَمِلُهُ لَمْ يَصِحَّ " لِلْمُضَادَّةِ " وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ الصِّحَّةُ .
فَإِنْ مَضَى زَمَانٌ يَحْتَمِلُهُ يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ .
أَمَّا لَوْ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا بِالْإِقْرَارِ نَحْوَ : هُوَ لَهُ وَقَدْ اشْتَرَيْته مِنْهُ فَيُسْمَعُ وَلَوْ قَالَ : هُوَ لَهُ لَا حَقَّ لِي فِيهِ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالشِّرَاءِ قَالَ الْعَبَّادِيُّ : لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ قَالَ : وَعِنْدِي يُقْبَلُ إذَا كَانَ بَعْدَ احْتِمَالِ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْهُ .
وَمِنْهَا : فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ لَوْ أَنْكَرَ الْوَدِيعَةَ فَأُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ فَادَّعَى رَدَّهَا ، فَإِنْ كَانَ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ لَمْ يَصَدَّقْ لِلتَّنَاقُضِ .
وَأَمَّا فِي دَعْوَى التَّلَفِ فَيُصَدَّقُ وَيَصِيرُ كَالْغَاصِبِ .
وَهَلْ تُسْمَعُ " بَيِّنَتُهُ " عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ نَاسِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ الْوَدِيعَةَ وَالرَّدَّ وَهُوَ " كَمَا لَوْ قَالَ " : لَا بَيِّنَةَ لِي ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ فَرَّقُوا فِي الْمُرَابَحَةِ إذَا قَالَ : اشْتَرَيْت " بِمِائَةٍ فَبَانَ خَمْسِينَ " بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا فِي الْغَلَطِ أَوْ لَا وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمِثْلِهِ هُنَا وَالْمُتَّجَهُ التَّسْوِيَةُ .
قُلْت : لَا ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ هُنَا ائْتَمَنَهُ فَقَوِيَ تَصْدِيقُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَمَلًا ، بِخِلَافِهِ ثَمَّ .
وَمِنْهَا : " لَوْ " عَلَّقَ " الطَّلَاقَ عَلَى تَبْرِئَتِهِ " مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ غَيْرِهِ " فَأَبْرَتْهُ " الزَّوْجَةُ ثُمَّ ادَّعَتْ الْجَهْلَ بِالْمُبَرَّأِ مِنْهُ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهَا عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، أَوْ لَا مُؤَاخَذَةَ لَهَا بِالظَّاهِرِ كَمَا لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ رَأَى الْمَبِيعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فَإِنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ اعْتِرَافٌ بِالرُّؤْيَةِ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي دَعْوَى الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْأَرْجَحُ تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ .
وَمِنْهَا : رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته : يُرَدُّ الْفَسْخُ ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ ، قِيلَ : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَهُ الْبَائِعُ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُ حَقِّهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته .
قُلْت : لَكِنْ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ أَنَّ الْإِمَامَ قَالَ : إنَّ هَذَا هَفْوَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَإِنَّهُ أَقَرَّ " بِمَا " هُوَ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ .
انْتَهَى .
وَهَذَا مِنْهُ حَمْلٌ " لِلَّفْظِ " عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُيِّدَ بِهِ مِنْ قَيْدِ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ لَمْ يَكُنْ هَفْوَةً .
مَنْ اسْتَحْبَبْنَا لَهُ التَّأْخِيرَ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ هَلْ يَعْصِي ؟ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّأْخِيرِ يُنَافِي الْعِصْيَانَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ بِشَرْطِهِ ، فَلَوْ أَخَّرَهَا عَلَى هَذَا الْعَزْمِ ثُمَّ مَاتَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْصِيَ قَطْعًا " وَأَلَّا يَأْتِيَ " فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَنْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوسَعَ لَا لِعُذْرٍ .
هَذَا مَا كَانَ يَتَبَادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الْأُسْتَاذِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ شَرْحِ الْوَسِيطِ صَرَّحَ بِهِ فِيمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي " بَابِ " الزَّكَاةِ مِنْ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْأَسْرَارِ ، فَقَالَ : لَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْدَبُ لَهُ التَّأْخِيرُ فَمَاتَ فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .
نَعَمْ ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا مُرَتَّبَيْنِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ لَا نَدْبَ وَأَوْلَى بِعَدَمِ " الْمَعْصِيَةِ " ، وَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ فِي هَذِهِ طَرِيقَانِ .
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِإِجْرَاءِ الْخِلَافِ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ دَفْعُ الزَّكَاةِ لِلْإِمَامِ ، فَلَوْ وَجَدَ الْمَسَاكِينَ " وَلَمْ " يَدْفَعْهَا إلَيْهِمْ وَأَخَّرَهُمْ لِلدَّفْعِ لِلْإِمَامِ فَتَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ ، " وَأَجْرَوْهُمَا " فِيمَا إذَا اسْتَحْبَبْنَا " لِلتَّمَتُّعِ " تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى وَطَنِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ الْفَرَاغَ مِنْ الْحَجِّ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فَهَلْ يُفْدَى عَنْهُ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودِع وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ ثُمَّ لَوْ تَلِفَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ " فَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ " ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا بِهَذَا التَّأْخِيرِ ، وَنُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ .
قَالَ
النَّوَوِيُّ : وَالرَّاجِحُ " أَنَّهُ " لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ السَّابِقَةِ وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ .
وَمِثْلُهُ دَمُ الْقِرَانِ ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ كَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَإِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى يَوْمِ النَّحْرِ .
وَمِنْهَا : زَكَاةُ الْفِطْرِ تَجِبُ بِالْغُرُوبِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ .
وَمِنْهَا : الْمَرْأَةُ إذَا مَنَعَهَا الزَّوْجُ مِنْ الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَتْ هَلْ تَعْصِي ؟ " فِيهِ " مَا قُلْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الرَّجُلُ " الْحَجَّ " وَمَعَهُ مَالٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنِّكَاحِ فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ التَّزْوِيجُ إنْ خَافَ الْعَنَتَ فَعَلَى هَذَا هُوَ مَأْمُورٌ بِتَأْخِيرِ الْحَجِّ فَلَوْ مَاتَ فَفِي عِصْيَانِهِ مَا ذَكَرْنَا .
مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ وَلِهَذَا لَوْ خَلَّلَ الْخَمْرَ " لَمْ تَطْهُرْ " .
وَلَوْ قَتَلَ مُورِثَهُ لَمْ يَرِثْهُ .
وَسَبَقَتْ فِي قَاعِدَةِ الْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ .
مَنْ تَعَاطَى مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ لَزِمَهُ " الْكَفَّارَةُ " إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : الْمُحْرِمُ إذَا تَزَوَّجَ أَوْ زَوَّجَ .
الثَّانِيَةُ : الِاصْطِيَادُ إذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ .
مَنْ ثَبَتَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَلَهُ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَثْبُتُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَتَكُونُ فَائِدَتُهُ أَنَّهُ " يَفُكُّهُ " مِنْ الرَّهْنِ " بِيَمِينِهِ " ، لِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .
مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ وَكَانَ يَحْسُنُ الِاسْتِيفَاءُ مُكِّنَ مِنْهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قِصَاصُ الطَّرَفِ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُرَدِّدَ الْحَدِيدَ وَيَزِيدُ فِي الْإِيلَامِ " فَيَسْرِي " .
الثَّانِيَةُ مَا إذَا قَطَعَ ذِمِّيٌّ طَرَفَ ذِمِّيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاطِعُ أَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ ، وَلَكِنْ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ بِطَلَبِ الْكَافِرِ وَلَا يُمَكَّنُ الْكَافِرُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ حَذَرًا مِنْ سَلْطَنَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ .
مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ نَفْيًا " أَوْ إثْبَاتًا " فَعَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ إثْبَاتًا فَعَلَى الْبَتِّ أَوْ نَفْيًا فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ وَسَبَقَتْ " فِي حَرْفِ الْحَاءِ " .
مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَتَلِفَ بِهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ عَلَى تَضْمِينِهِ " قَالَ " فِي الْبَحْرِ : مِنْهُمْ مَنْ عَمِلَ بِهِ ، لِأَنَّ الصَّيْدَ يَضْمَنُهُ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ التَّعَدِّي فَيَضْمَنُهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا أَلْجَأَهُ إلَى الْوُقُوعِ فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : لَعَلَّهُ أَجَابَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : " الْحَرَمُ " لَا يُمْلَكُ ، فَكَأَنَّهُ " حَفَرَ " فِي أَرْضِ غَيْرِهِ .
مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ وَلِهَذَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْأَبِ فِي حَقِّ الْبِكْرِ الْبَالِغِ بِالنِّكَاحِ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ وَكَالزَّوْجِ يُقِرُّ بِالرَّجْعَةِ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ وَالْوَكِيلِ يُقِرُّ بِالْبَيْعِ قَبْلَ الْعَزْلِ ، وَالسَّفِيهِ يُقِرُّ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي فِي حَالِ وِلَايَتِهِ : قَضَيْت عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا قُبِلَ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ حَتَّى لَوْ قَالَ : قَضَيْت عَلَى أَهْلِ الْبَلْدَةِ أَنَّ نِسَاءَهُمْ طَوَالِقُ وَعَبِيدَهُمْ أَحْرَارٌ قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " : الْوَكِيلُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ التَّصَرُّفِ وَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ إذَا نَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَإِذَا قَالَ الْوَكِيلُ : أَتَيْت بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي الْأَصَحِّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ .
الثَّانِيَةُ : وَلِيُّ الطِّفْلِ يَمْلِكُ إنْشَاءَ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ ، وَلَوْ قَالَ فِي عَيْنٍ مِنْهَا : " هَذَا " لِفُلَانٍ ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِي الْأَصَحِّ ، قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي بَابِ تِجَارَةِ الْوَصِيِّ بِمَالِ الْيَتِيمِ .
الثَّالِثَةُ : وَلِيُّ السَّفِيهِ يَمْلِكُ إنْشَاءَ النِّكَاحِ عَلَيْهِ وَلَا يَمْلِكُ " إقْرَارَهُ " بِهِ .
الرَّابِعَةُ : إنْشَاءُ نِكَاحِ الثَّيِّبِ إلَى وَلِيِّهَا وَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ .
لَوْ قَالَ : زَوَّجْت أُخْتِي أَمْسِ مِنْ فُلَانٍ ؛ لَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهَا وَفِي اسْتِثْنَاءٍ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا تَجُوزُ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ مُسْتَقِلًّا .
الْخَامِسَةُ : إقْرَارُ السَّفِيهِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لَا يُقْبَلُ فِي الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الْإِتْلَافَ لَضَمِنَ ، وَفِي هَذِهِ تَجُوزُ ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقُدْرَةُ عَلَى إنْشَاءٍ سَائِغٍ ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ : وَأُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِثْنَائِهَا .
" السَّادِسَةُ " : الرَّاهِنُ الْمُوسِرُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ الْعِتْقِ فِي الْأَظْهَرِ ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الرَّهْنِ : كُنْت أَعْتَقْته لَمْ يُقْبَلْ .
" السَّابِعَةُ " لَوْ وَلَدَتْ الْمَرْهُونَةُ فَقَالَ الرَّاهِنُ : قَدْ وَطِئْتهَا بِإِذْنِك فَأَتَتْ بِهِ مِنِّي وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ هُوَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ " الرَّاهِنِ " إذَا وَافَقَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْإِذْنِ " فِي الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ " ، " وَإِنْ " سَلِمَ الْإِذْنُ وَلَمْ يَسْلَمْ الْوَطْءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ عِنْدَ الْمُعَظَّمِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ وَالْإِمَامُ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَائِهِ ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ بِالنِّكَاحِ فِي الثَّيِّبِ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِجْبَارَ بِهِ .
وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ الْعَزْلِ : حَكَمْت بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِنْشَاءَ [ وَيُسْتَثْنَى ] صُوَرٌ : " إحْدَاهَا " الْمَرْأَةُ تُقِرُّ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيدِ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى إنْشَائِهِ وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّفِيهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالنِّكَاحِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُبَاشِرُهُ .
الثَّانِيَةُ " : الْمَرِيضُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ تَبَرُّعٍ نَافِذٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ وَلَا لَأَجْنَبِيٍّ ، وَيَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ بِأَنَّهُ كَانَ وَهَبَهُ وَأُقْبَضَهُ زَمَنَ الصِّحَّةِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ .
الثَّالِثَةُ " : مَجْهُولُ الْحُرِّيَّةِ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَ الرِّقِّ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ " لَقُبِلَ " ، " فَهَذَا " عَاجِزٌ عَنْ الْإِنْشَاءِ قَادِرٌ عَلَى الْإِقْرَارِ .
" الرَّابِعَةُ " : الْأَعْمَى يُقِرُّ بِالْبَيْعِ وَلَا يُنْشِئُهُ إلَّا فِيمَا رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى .
" الْخَامِسَةُ " : الْمُفْلِسُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَاءِ الْبَيْعِ وَيَقْدِرُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِبَيْعِ الْأَعْيَانِ الَّتِي فِي يَدِهِ .
" السَّادِسَةُ " : رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ : كُنْت أَعْتَقْته قَبْلُ ، وَرَدَّ الْفَسْخَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ حِينَئِذٍ .
السَّابِعَةُ " : بَاعَ الْحَاكِمُ عَبْدًا فِي وَفَاءِ دَيْنٍ غَائِبٍ ثُمَّ حَضَرَ وَقَالَ : كُنْت أَعْتَقْته صُدِّقَ عَلَى الْأَظْهَرِ ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي اللُّقَطَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ زُوِّجَ " لِغَيْبَتِهِ " ثُمَّ حَضَرَ وَقَالَ : كُنْت زَوَّجْتهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُصَدَّقُ ، لِأَنَّ السُّلْطَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلِيٍّ حَاضِرٍ فِي النِّكَاحِ وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَهُوَ وَكِيلُ الْمَالِكِ وَمِثْلُهُ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ نُزِعَ مِنْ يَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إنْشَاءِ عِتْقِهِ .
تَنْبِيهَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِهَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ : الْأَوَّلُ : إذَا جَعَلْنَا لَهُ الْإِقْرَارَ وَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْإِنْشَاءِ جَعَلْنَاهُ إنْشَاءً كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الرَّجْعَةِ وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ عَلَى الصَّحِيحِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ إقْرَارَهُ " بِدَعْوَاهُ " يَكُونُ إنْشَاءً " لِلرَّجْعَةِ " ، وَاسْتَنْكَرَهُ الْإِمَامُ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ مُتَنَافِيَانِ لَوْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِعِتْقِ الْمَرْهُونِ وَقُلْنَا : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فَالْمَنْصُوصُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ الْإِعْتَاقِ حَتَّى تَعُودَ فِيهِ الْأَقْوَالُ وَيَكُونَ الصَّحِيحُ نُفُوذُهُ مِنْ الْمُوسِرِ ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي نُفُوذِهِ وَجْهَيْنِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ الْإِنْشَاءِ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِنْشَاءِ شَرْعًا وَإِنْ نَفَذْنَاهُ إذَا فَعَلَ ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ إقْرَارَ السَّفِيهِ بِالطَّلَاقِ مَقْبُولٌ كَإِنْشَائِهِ وَلَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِتْلَافِ شَرْعًا انْتَهَى وَقَالَ الْمُتَوَلِّي كَانَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ يَقُولُ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ إذَا قُلْنَا : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي بُطْلَانِ الرَّهْنِ أَنْ يُلْغَى حُكْمُهُ فِي الْوَقْتِ ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عِنْدَنَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ سَابِقٍ " فَيُقْبَلُ " مِمَّنْ يَمْلِكُ
الْإِنْشَاءَ وَلَكِنْ لَا يُجْعَلُ إنْشَاءَ سَبَبٍ فِي الْحَالِ الثَّانِي : قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ : مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ ظَاهِرًا ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِقْرَارُ ، بَلْ شَرْطُ جَوَازِ الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْإِنْشَاءَ .
مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ كَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ ، إلَّا فِي الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ ، وَالْأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ عَلَى الْعَيْنِ .
مَنْ مَلَكَ التَّنْجِيزَ مَلَكَ التَّعْلِيقَ إلَّا الزَّوْجُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَالتَّوْكِيلِ فِيهِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي التَّعْلِيقِ إذَا مَنَعْنَا التَّوْكِيلَ فِيهِ .
مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّنْجِيزَ لَا " يَمْلِكُ التَّعْلِيقَ " " بِهَذَا الْأَصْلِ احْتَجَّ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ " فِي بُطْلَانِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ النِّكَاحِ وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ يَصِحُّ فِيهَا التَّعْلِيقُ تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مِلْكُهُ " الْأَصْلَ " فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْخُصُوصِيَّاتِ " إحْدَاهَا " : الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَنْجِيزَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ وَيَمْلِكُ تَعْلِيقَهَا إمَّا مُقَيَّدًا بِحَالِ مِلْكِهِ الثَّالِثَةَ أَوْ مُطْلَقًا ، بِأَنْ قَالَ إنْ " عَتَقْتِ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ عَتَقَ ، أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ عَتَقَ ثُمَّ دَخَلَتْ فَفِي الثَّالِثَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُقُوعُ ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَصْلَ الطَّلَاقِ فَاسْتَتْبَعَ الصِّفَةَ وَكَانَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ يَسْتَشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا وَتَوَقَّعَ حُصُولَ نِصَابٍ آخَرَ مِنْ " عَيْنِ " النِّصَابِ فَعَجَّلَ " زَكَاةَ نِصَابَيْنِ " ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَالْجَامِعُ إنْ مَلَكَ الْأَصْلَ أُقِيمَ مَقَامَ " مِلْكِ " الْفَرْعِ هُنَا ، وَالزَّكَاةُ أَوْلَى لَتَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ .
الثَّانِيَةُ : يَجُوزُ تَعْلِيقُ طَلَاقِ السُّنَّةِ فِي الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ وَبِالْعَكْسِ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْبِدْعَةَ صِفَتَانِ لِلطَّلَاقِ فَاسْتَتْبَعَهَا مِلْكُ الْأَصْلِ ، قَالَ الْإِمَامُ " وَشَبَّهَ " ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا تَصْدُرُ مِنْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ ، وَالْمَنَافِعُ " تُوجَدُ " شَيْئًا فَشَيْئًا ، قَالَ : وَهَذَا تَكَلُّفٌ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ " أَثْبَتَتْ " أَصْلَهَا لِلْحَاجَةِ ، ثُمَّ الْمَنَافِعُ تَتَرَتَّبُ " خِلْقَةً " وَوُجُودًا فَجُعِلَتْ كَالْمَوْجُودَةِ أَمَّا الْعِتْقُ فَلَيْسَ مِمَّا يُقْتَضَى وُقُوعُهُ ، بَلْ هُوَ مُتَوَقَّعٌ ، وَلَوْ قِيلَ : الْغَالِبُ دَوَامُ الرِّقِّ " لَكَانَ " سَدِيدًا .
الثَّالِثَةُ : الْحُرُّ يَمْلِكُ تَنْجِيزَ " الزَّائِدَةِ " عَلَى الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَيَمْلِكُ تَعْلِيقَهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ ؛ وَقَعَتْ وَاحِدَةً إذْ تَبَيَّنَّ " بِهَا " فَلَا يَلْحَقُهَا مَا بَعْدَهَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ تَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَا " تَرْتِيبَ " عِنْدَ الدُّخُولِ .
الرَّابِعَةُ : قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ : إذَا وَلَدْت فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ عَتَقَ ، وَإِنْ " قَالَهُ " لِأَمَتِهِ " الْحَائِلِ فَعَلَقَتْ " بِهِ وَوَلَدَتْ فَفِي عِتْقِهِ وَجْهَانِ قَالَ الْإِمَامُ : " وَالْعِتْقُ " أَوْلَى بِالنُّفُوذِ مِنْ الطَّلْقَةِ " الثَّالِثَةِ " ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأَصْلَ وَيَمْلِكُ الْوَلَدَ وَمِلْكُ الْعَبْدِ النِّكَاحَ لَا يُمَلِّكُهُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ .
الْخَامِسَةُ : قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدٍ وَلَا عَبْدَ لَهُ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ عِنْدَ الشِّفَاءِ ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي ذِمَّتِهِ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إنْشَائِهِ ، وَلَوْ عَيَّنَهُ فَقَالَ : عَبْدَ زَيْدٍ هَذَا لَغْوٌ ، فَإِنْ قَالَ : إنْ مَلَكْته فَوَجْهَانِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُ ، " وَإِنْ " قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي وَمَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَلِلَّهِ " عَلَيَّ عِتْقُهُ " صَحَّ النَّذْرُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ " " إضَافَةً " إلَى مِلْكِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِجْلَابٌ مِنْ اللَّهِ خَيْرًا وَهُوَ مِلْكُ الْعَبْدِ بِشَرْطِ جَزَاءٍ وَهُوَ عِتْقُهُ فَلَزِمَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ ؛ فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُهُ فَمَلَكَهُ لَزِمَهُ عِتْقُهُ ؛ " لِأَنَّهُ " اسْتِجْلَابُ " مِلْكٍ " خَيْرٌ اسْتَجْلَبَهُ " مِنْ اللَّهِ بِشَرْطِ جَزَاءٍ وَهُوَ عِتْقُهُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالنَّذْرِ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ " الْتِزَامًا " فِي الذِّمَّةِ ، وَالنَّذْرُ الْتِزَامٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَوْ قَالَ : إنْ مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَقَدْ أَوْصَيْت بِهِ لَهُ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي النَّذْرِ ، وَلَوْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَقَدْ وَكَّلَتْك بِطَلَاقِهَا ، وَإِذَا مَلَكْت عَبْدَ زَيْدٍ فَقَدْ وَكَّلَتْك فِي بَيْعِهِ أَوْ عِتْقِهِ ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ ، لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ ، وَقَالَ الْإِمَامُ : الْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ ، لِأَنَّ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ التَّعْلِيقَ خِلَافًا " وَالْبُطْلَانَ " يَقْبَلُهُ قَطْعًا ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ " قَبْلَ " النِّكَاحِ فَمَا لَا يَقْبَلُهُ عَلَى رَأْيٍ
أَوْلَى .
وَلَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ عَبْدِ زَيْدٍ إذَا " مَلَكْته " أَوْ فِي طَلَاقِ هِنْدَ إذَا نَكَحْتهَا فَعَنْ الْقَاضِي وَجْهَانِ ، " وَالْوَجْهُ " عِنْدِي الْقَطْعُ بِالْفَسَادِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا .
قُلْت : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ .
السَّادِسَةُ : عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ كَاتَبَهُ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ ، وَيَتَضَمَّنُ عِتْقُهُ الْبَرَاءَةَ مِنْ النُّجُومِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُعَلِّقُ مَالِكًا لِلنُّجُومِ حَالَةَ التَّعْلِيقِ ، وَقَدْ تَضَمَّنَ عِتْقُهُ بِالتَّعْلِيقِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ الْبَرَاءَةَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ قَصْدًا وَيَقْبَلُهُ ضِمْنًا كَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ قَصْدًا وَيَقْبَلُهُ ضِمْنًا وَذَلِكَ فِيمَا إذَا عَلَّقَ " عِتْقَ " الْمُكَاتَبِ " فَإِنَّا " نُضَمِّنُهُ الْإِبْرَاءَ مِنْ النُّجُومِ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ حَتَّى تَتْبَعَهُ أَكْسَابُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الْإِبْرَاءُ لَكَانَ عِتْقُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَنْهَا فَلَا تَتْبَعُهُ الْأَكْسَابُ .
وَمِثْلُهَا : لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ " نِسْوَةٍ " ، فَقَالَ مَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ ، فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ طَلُقَتْ ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لِلزَّوْجِيَّةِ فِيهَا ، وَلَوْ قَالَ : مَنْ دَخَلَتْ فَهِيَ مُخْتَارَةٌ لَمْ يَصِحَّ .
وَمِثْلُهَا : لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ " بِشَرْطِ " نَفْيِ الْخِيَارِ هَلْ يُعْتَقُ ؟ بَنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى الْأَقْوَالِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْبَيْعُ بَاطِلٌ لَمْ يُعْتَقْ ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا : صَحِيحٌ وَلَا خِيَارَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَثْبُتُ الْخِيَارُ عَتَقَ ، لِأَنَّهُ " لَوْ نُجِزَ " عِتْقُهُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ عَتَقَ ، وَكَذَا إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِيهِ ، وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ حُصُولَ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي ، لِأَنَّا حَيْثُ حَكَمْنَا بِنُفُوذِ عِتْقِهِ الْمُنْجَزِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ قَدَّرْنَاهُ بِالْعِتْقِ " نَاسِخًا " لَلْعَقْدِ قَبِيلَهُ ، وَإِنَّ الْعَقْدُ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ ضَرُورَةٌ تُوقِفُ صِحَّتَهُ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الْمِلْكِ ، وَفِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ مَا يَقْتَضِي الْفَسْخَ وَلَا مَا يَضْمَنُهُ وَالتَّعْلِيقُ لَا " يَصِحُّ " مُتَضَمِّنًا لِلْفَسْخِ لِكَوْنِهِ صَدَرَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْفَسْخُ لَا
يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ قَصْدًا لَكِنْ نَقُولُ : قَدْ يَقْبَلُهُ ضِمْنًا كَالْإِبْرَاءِ بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ انْتَهَى .
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِانْتِقَالِهِ إلَى الْمُشْتَرِي لَا يَأْتِي هُنَا لِسَبْقِ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ الْمُقْتَضِي لِثُبُوتِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْبَيْعِ فَمَنَعَ ذَلِكَ انْتِقَالَ مِلْكِهِ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بَطَلَ التَّعْلِيقُ فَكَيْفَ يُعْتَقُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ فَقَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الصِّفَةِ : عَجَّلْت لَك مَا كُنْت عَلَّقْته عَلَى الشَّرْطِ " لِتَطْلُقِي " فِي الْحَالِ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْأَصَحِّ ، بَلْ إذَا " وُجِدَ " الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَهُ إيقَاعٌ وَوُقُوعٌ فَالْإِيقَاعُ إلَى الزَّوْجِ وَالْوُقُوعُ إلَى الشَّرْعِ ، " فَلَمَّا " فَوَّضَ الزَّوْجُ الْوُقُوعَ إلَى الشَّرْعِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ صَارَ وُقُوعُهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ أَنْ يُزِيلَ حُكْمًا ثَابِتًا بِالشَّرْعِ وَمِثْلُهُ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَرَادَ صَوْمَ يَوْمٍ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ وُجُودِ " الْآبِقِ " ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَوْقَاتِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ : عَجَّلْت لَك الْحَقَّ الَّذِي ثَبَتَ لَك عِنْدَ " مُضِيِّ " مُدَّةِ الْفَيْئَةِ وَالْإِيلَاءُ لَمْ يَتَعَجَّلْ وَخَالَفَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ فَإِنَّهُ يَتَعَجَّلُ بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ عَلَى رَأْيٍ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ ، " فَالتَّعْجِيلُ " مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى الْأَصْلِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّافِعِيَّ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قَالَ : عَجَّلْت تِلْكَ الطَّلْقَةَ " الْمُعَلَّقَةَ " وَصَوَّرَهَا الْبَنْدَنِيجِيُّ " بِمَا " إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ تِلْكَ الطَّلْقَةَ السَّاعَةَ وَقَدْ عَجَّلْت إيقَاعَهَا عَلَيْك الْآنَ .
وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ - وَالصِّيغَةُ هَذِهِ - أَنَّهَا تَطْلُقُ الْآنَ ، وَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ آخَرُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : عَجَّلْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ الْآنَ فَإِنَّهُ يَقَعُ ، وَإِذَا دَخَلَتْ وَقَعَتْ أُخْرَى .
وَفِي الْبَحْرِ إذَا قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ " فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ عَجَّلْت لَك الطَّلْقَةَ الَّتِي طَلَّقْتهَا ، ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ " " فِي الْإِمْلَاءِ مَا يَدُلُّ عَلَى
أَنَّهُ إنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ تِلْكَ الطَّلْقَةِ لَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ ، بَلْ عِنْدَ مَجِيءِ الشَّهْرِ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ تَعْجِيلَهَا بَلْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ وَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَفِي رَأْسِ الشَّهْرِ أُخْرَى وَيُسْتَثْنَى التَّدْبِيرُ " وَلَوْ " دَبَّرَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ نَفَذَ .
مَنْ مَلَكَ الْكُلَّ مَلَكَ الْبَعْضَ إلَّا فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعِ عَبْدٍ أَوْ شِرَائِهِ لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ عَلَى بَعْضِهِ لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ ، نَعَمْ لَوْ بَاعَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِقِيمَةِ الْجَمِيعِ صَحَّ قَطْعًا ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي طَلْقَةٍ فَطَلَّقَ بَعْضَهَا أَلْزَمَ الْفُورَانِيُّ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ فَقَالَ : لَا تَقَعُ حَكَاهُ " عَنْهُ " الْعَبَّادِيُّ .
مَنْ مَلَكَ بَعْضَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْمُبَعَّضُ إذَا " اشْتَرَاهُ " بِمَا يَمْلِكُهُ بِالْحُرِّيَّةِ .
الثَّانِيَةُ : أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عَبْدًا " هُوَ " ثُلُثُ مَالِهِ ، ثُمَّ اشْتَرَى قَرِيبَهُ بِالثُّلُثَيْنِ " الْبَاقِيَيْنِ " الثَّالِثَةُ : الْمَرِيضُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَاشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَا يُعْتَقُ " فِي الْأَصَحِّ " الرَّابِعَةُ : اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَلَا يُعْتَقُ وَيُكَاتَبُ " عَلَيْهِ " .
مَنْ عَلِمَ حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ لَمْ يَنْفَعْهُ جَهْلُهُ بِالْحَدِّ بِخِلَافِ جَهْلِهِ بِالْحُرْمَةِ وَمِنْ " ثَمَّ " لَوْ وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَةَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَعَلِمَ التَّحْرِيمَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : لَا يُحَدُّ " لِشُبْهَةِ " خِلَافِ عَطَاءٍ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهِنَّ إلَى ضِيفَانِهِ ، قَالَ الْإِمَامُ " وَهَذَا لَيْسَ " بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُدْرَأُ بِالْمَذَاهِبِ ، " بَلْ بِمَا يَتَمَسَّكُ " بِهِ أَهْلُ الْمَذَاهِبِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا يُرَى لِعَطَاءٍ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكًا وَقَدْ شَذَّ " عَنْ " هَذَا الْأَصْلِ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا لِكَوْنِ " الثَّمَنِ خَمْرًا أَوْ " لِاشْتِمَالِ " الْعَقْدِ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ أَحَدٌ الْوَطْءَ فِيهِ ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ عَدَمَ الْحَدِّ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ يُبِحْ " أَصْلَ " الْوَطْءِ فَهُوَ دَلِيلُ حِلِّ الْوَطْءِ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ قَدْ يَنْتَفِي مَعَ الْمِلْكِ إمَّا لِكَوْنِ الْمَمْلُوكِ مِمَّنْ لَا يَطَؤُهُ الْمَالِكُ كَالْأُخْتِ وَإِمَّا لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْحَدِّ لِوُجُودِ دَلِيلِ حِلِّ الْوَطْءِ انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ دَلِيلِ " الْحَدِّ " ، فَإِنَّ إعَارَةَ الْجَوَارِي لَا " مِلْكَ فِيهَا " أَلْبَتَّةَ إنَّمَا هُوَ إذْنٌ مُجَرَّدٌ ، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي تَحْلِيلِ " الْفُرُوجِ " .
مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ وَمَا لَا فَلَا وَلِهَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ " كَانَ الْقَوْلُ " قَوْلَ الزَّوْجِ ، وَلَوْ فَوَّضَ إلَى زَوْجَتِهِ طَلَاقَهَا " بِكِنَايَةٍ " فَاخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ صَدَقَ النَّاوِي نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ؛ لِأَنَّهُ أُعْرَفُ " بِضَمِيرِهِ " ، وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فِي الصِّفَةِ ، كَمَا إذَا قَالَ " لَهُ " : وَكَّلْتَنِي بِبَيْعِ كُلِّهِ أَوْ " بِبَيْعِهِ " بِسِتَّةٍ أَوْ بِشِرَائِهِ بِعِشْرِينَ ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ " لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَهُوَ أَنَّهُ مَنْ وَكَّلَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ " فِي صِفَتِهِ وَقَدْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ : وَضَعْت " عَنْك " النَّجْمَ الْأَوَّلَ أَوْ قَالَ : الْبَعْضَ ، فَقَالَ : بَلْ " الْأَخِيرَ " أَوْ الْكُلَّ صَدَقَ السَّيِّدُ وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِيَانِ مِنْ شَخْصٍ فِي كَيْفِيَّةِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى الْبَائِعِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عِنْدَ انْدِرَاسِ شَرْطِ " الْوَقْفِ " ، وَمِنْ الثَّانِي الْحَيْضُ فَإِنَّهَا إذَا ادَّعَتْهُ وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فَإِنْ اُتُّفِقَ عَلَى الْحَيْضِ وَاخْتَلَفَا فِي الِانْقِطَاعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ .
مَنْ " وَجَبَ " عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنٍ هَلْ تَكُونُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ ؟ هَذَا ضَرْبَانِ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً بِيَدِهِ ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّهَا وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ كَمَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا " وَقَبَضَهُ " ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَمَئُونَتُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ شِرَاءً صَحِيحًا " ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ فَمَئُونَةُ رَدِّهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَكَذَلِكَ إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الشَّرْطِ " أَوْ التَّحَالُفِ " أَوْ الْإِفْلَاسِ " وَرَدَّهُ فَمَئُونَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ غَصَبَ دَابَّةً فَهَلَكَتْ فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَتَسْلِيمُ الْمَيْتَةِ ، قَالَهُ الدَّارِمِيُّ " وَظَاهِرُهُ " أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا " لَا " عَلَى الْمَالِكِ ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ هُنَا التَّخْلِيَةُ " لِغَرَامَةِ " الْبَدَلِ ، وَإِذَا صَارَ الْمَالُ فِي يَدِ " الْقَيِّمِ " مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِجِنَايَتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَمَئُونَتُهُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً فَعَلَى الْفُقَرَاءِ مَئُونَةُ الرَّدِّ وَلَوْ اشْتَرَى الثَّوْبَ الْمَطْوِيَّ وَصَحَّحْنَاهُ وَنَشَرَهُ وَاخْتَارَ الْفَسْخَ وَكَانَ لِطَيِّهِ مَئُونَةٍ وَلَمْ يَحْسُنْ طَيُّهُ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ مَئُونَةُ طَيِّهِ ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالنَّشْرِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَطْوِيًّا وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ بَعْدَ نَشْرِهِ " الْمُنْقِصِ " لَهُ رَدُّهُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الْأَصَحِّ ، كَمَا فِي كَسْرِ الْبَيْضِ " وَالرَّابِحِ " الثَّانِي : أَنْ لَا تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ فَالرَّدُّ غَيْرُ وَاجِبٍ " عَلَيْهِ " ، وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ وَالتَّخْلِيَةُ " وَالْمَئُونَةُ " عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودَعِ ، " وَكَمَئُونَةِ " إيصَالِ الْمُوصَى " بِهِ " لِلْمُوصَى لَهُ فَإِنَّهَا عَلَى الْمُوصِي ، " وَكَمَئُونَةِ " رَدِّ الْمَالِ مِنْ الْمُقِيمِ إلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ
فَإِنَّهَا عَلَى الصَّبِيِّ ، وَمَئُونَةُ رَدِّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى الْمَالِكِ ، وَمَئُونَةُ رَدِّ الصَّدَاقِ فِيمَا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ عَلَى الزَّوْجِ فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهَا وَلَوْ سَلَّمَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الْجَانِيَ وَاحْتِيجَ إلَى بَيْعِ نِصْفِ رَقَبَتِهِ فِي أَرْشِ جِنَايَتِهِ أَفْتَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّ مَئُونَةَ الْمَبِيعِ وَأُجْرَةَ الدَّلَّالِ وَغَيْرِهِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ الْجَانِي .
الْمَالُ مَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ أَيْ مُسْتَعِدًّا ؛ لَأَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ وَهُوَ إمَّا أَعْيَانٌ أَوْ مَنَافِعُ وَالْأَعْيَانُ قِسْمَانِ : جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ فَالْجَمَادُ مَالٌ فِي " كُلِّ " أَحْوَالِهِ .
وَالْحَيَوَانُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا " لَيْسَ " " لَهُ " " بِنْيَةٌ " صَالِحَةٌ لِلِانْتِفَاعِ فَلَا يَكُونُ مَالًا كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَالْخَنَافِسِ وَالْحَشَرَاتِ ، وَإِلَى مَا لَهُ " بِنْيَةٌ " صَالِحَةٌ وَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا جُبِلَتْ طَبِيعَتُهُ عَلَى الشَّرِّ وَالْإِيذَاءِ كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَلَيْسَتْ مَالًا ، وَإِلَى مَا جُبِلَتْ طَبِيعَتُهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ كَالْبَهَائِمِ وَالْمَوَاشِي فَهِيَ أَمْوَالٌ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْجَمَادَاتِ مُمْكِنٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ إذْ لَيْسَ لَهَا قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ يُتَصَوَّرُ " مِنْهَا " الِامْتِنَاعُ ، " وَأَمَّا " الْحَيَوَانُ فَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْفِعْلِ فَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِعْمَالُهَا إلَّا بِمُسَاعَدَةٍ مِنْهَا ، فَإِذَا كَانَتْ مَجْبُولَةً عَلَى طَبِيعَةِ الِاسْتِسْلَامِ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهَا " وَاسْتِسْخَارُهَا " فِي الْمَقَاصِدِ ، بِخِلَافِ مَا طَبِيعَتُهُ الشَّرُّ وَالْإِيذَاءُ فَإِنَّهَا تَمْتَنِعُ " وَتَسْتَعْصِي " وَتَنْتَهِي إلَى " ضِدِّ " غَرَضِ الْمُسْتَعْمِلِ ، وَلِهَذَا إذَا صَالَتْ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتُ الْتَحَقَتْ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا فِي الْإِهْدَارِ .
الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ " بِهَا " " تَبِعَةٌ " وَلَا غَرَامَةَ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ ، وَقِيلَ : مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحِلِّ يَعْتَمِدُ الْمُكْنَةَ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي " التَّبِعَةَ " وَالْغَرَامَةَ " وَقَالَ " صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ : مَا قَبِلَ التَّصَرُّفِ فَهُوَ الْمَمْلُوكُ وَمَا لَا يَقْبَلُهُ " فَهُوَ لَيْسَ " بِمَمْلُوكٍ كَالْحَشَرَاتِ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصَرُّفِ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ يُسَمَّى مَالِكًا فِي " الْأَزَلِ " ، وَتَسْمِيَتُهُ مَالِكًا لِقُدْرَتِهِ عَلَى إيجَادِ الْمَعْدُومَاتِ إذْ لَيْسَ فِي الْأَزَلِ مَوْجُودٌ سِوَاهُ حَتَّى يَكُونَ إثْبَاتُ وَصْفِ الْمَالِكِيَّةِ " بِسَبَبِ " قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْجُودِ انْتَهَى وَلَك أَنْ تَقُولَ : التَّصَرُّفُ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ وَأَثَرُهُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ تَعْرِيفُهُ " بِهِ " وَأَيْضًا فَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يَمْلِكَانِ الْمَالَ وَلَا يَقْدِرَانِ عَلَى التَّصَرُّفِ " فِيهِ " إلَّا أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ تَهْيِئَةُ الْمَالِ لِلتَّصَرُّفِ وَمَالُهُمَا مُهَيَّأٌ لَهُ ، وَوَلِيُّهُمَا " نَائِبٌ عَنْهُمَا " وَقَالَ " الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى " " مَعْنًى " مُقَدَّرٌ بِالْمَحِلِّ لِإِفَادَةِ الِانْتِفَاعِ قَالَ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ مَلَكَ النِّكَاحَ وَمَلَكَ الْقِصَاصَ وَمَلَكَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ تَجَوُّزَاتِ الْفُقَهَاءِ ، " وَكُلُّ " اسْتِحْقَاقٍ وَاخْتِصَاصٍ مُؤَكَّدٌ فَتُجَوِّزُ عَنْهُ بِالْمِلْكِ ، أَمَّا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ فَهُوَ " مَا ذَكَرْنَاهُ " انْتَهَى وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهِ مُقَدَّرًا أُمُورٌ : مِنْهَا : أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ مَا لَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ " وَالضَّرُورَةُ " إلَيْهِ ، وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ " تَعَالَى " الْأَمْلَاكَ فِي مُدَّةِ " الْحَيَاةِ " ، " لِأَنَّهَا " مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَاتِ ، وَأَمَّا إثْبَاتُهَا " فِي الْمَمَاتِ " ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَلِكُلِّ
إنْسَانٍ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ ، فَأَمَّا الْمَوْتَةُ الْأُولَى فَفِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَتَثْبُتُ فِيهَا الْأَمْلَاكُ " لِلْأَجِنَّةِ " بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، لِأَنَّ الْأَجِنَّةَ صَائِرُونَ إلَى الْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ ، وَأَمَّا الْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْآجَالِ فَلِلْمَيِّتِ حَالَانِ : " إحْدَاهُمَا " أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى دَوَامِ الْمِلْكِ فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ عَنْهُ إلَى مِنْ يَرِثُهُ لِانْتِفَاءِ حَاجَاتِهِ وَضَرُورَاتِهِ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِقَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ مِلْكِهِ فَأَبْقَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ ، كَمَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَوْتَةِ الْأُولَى ، وَنَقَلَهُ فِي قَوْلٍ إلَى الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الْمَيِّتِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ حَقُّ الْمَيِّتِ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ، وَوَقَفَهُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ قَبْلَ سُقُوطِ الدَّيْنِ بِقَضَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ ، فَإِنْ سَقَطَ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ إلَى الْوَارِثِ وَإِلَّا بَقِيَ .
وَالْمَقْتُولُ يَرِثُ دِيَتَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ تَقْدِيرًا حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا دُيُونَهُ وَتَنْفُذَ وَصَايَاهُ ، وَقِيلَ : يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً قُلْت : وَمَا قَالَهُ فِي أَنَّ الْجَنِينَ يَمْلِكُ خِلَافَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ : وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ كَالْجَنِينِ ، وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا اخْتَصَّ بِهَوَاهَا حَتَّى " يَمْتَنِعَ " عَلَى غَيْرِهِ الْإِشْرَاعُ " إلَيْهِ " وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ ، إلَّا بِمَا لَا " ضَرَرَ " فِيهِ كَرَمْيِ سَهْمٍ إلَى صَيْدٍ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الِاخْتِصَاصُ فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ إلَّا " بِمَا " تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ " وَكَذَلِكَ " يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ مِنْ قَرَارِهِ إلَّا " مَا " تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ دُونَ مَا " سَفَلَ " إلَى سَبْعِ أَرْضِينَ إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا
مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى غَصْبِ الشِّبْرِ بِالتَّطْوِيقِ الْمَذْكُورِ قُلْت : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمَا " مِنْ " الْأَصْحَابِ : مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَ هَوَاهَا إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ وَتَحْتَهَا إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ ، وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ " بِأَنَّ " الْهَوَاءَ يُبَاعُ مَعَ أَصْلِهِ ، فَلَوْ بَاعَ " صَاحِبُ الْعَرْصَةِ هَوَاهَا لِشَخْصٍ لِيُشَرِّعَ " فِيهِ جَنَاحًا " لَهُ " لَمْ تَصِحَّ ، لِأَنَّ حَقَّ الْهَوَاءِ مَا لَمْ " يَتَعَلَّقْ بِعَيْنٍ " لَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، نَعَمْ قَالُوا فِي بَاب بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ : لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ وَعَلِمَ الْمُشْتَرِي بِهَا صَحَّ الْبَيْعُ وَكَانَ يَنْبَغِي بُطْلَانُهُ كَمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ تَحْتَ الصُّبْرَةِ " الْمَبِيعَةِ " دِكَّةٌ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ مَبِيعَةٌ إلَى تُخُومِ الْأَرْضِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِهَا كَالِاعْتِمَادِ عَلَى الصُّبْرَةِ وَهُوَ سُؤَالٌ صَعْبٌ .
الثَّانِي : فِي شُرُوطِهِ وَأَقْسَامِهِ : جَعَلَ بَعْضُهُمْ شَرْطَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّصَرُّفِ أَوْ تَهَيُّؤَهُ لِذَلِكَ لِيَدْخُلَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِخِلَافِ الْجَنِينِ وَالْمَيِّتِ وَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ لِضَعْفِ " تِلْكَ " الْقُدْرَةِ فِيهِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ أَوْ أَثَرُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطُهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ أَوْ يَصِحُّ لِلْجِهَةِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَبِيلَةٍ كَبَنِي تَمِيمٍ مَثَلًا إنْ صَحَّحْنَاهُ لِلْجِهَةِ صَحَّ وَإِنْ قُلْنَا : يُسْتَدْعَى الْأَعْيَانُ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى أَعْيَانِهِمْ وَهُمْ غَيْرُ مَحْصُورِينَ " فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ " ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ اللَّقِيطِ عَلَى قَوْلِ الْوَجِيزِ " مَا " وُقِفَ عَلَى " اللُّقَطَاءِ " أَوْ وُهِبَ مِنْهُمْ أَنَّ الْهِبَةَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ قَالَ بَعْضُهُمْ : أَمَّا كَوْنُ الْجِهَةِ لَا تُمْلَكُ فَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ جِهَةٌ وَهِيَ تُمْلَكُ بِالْإِرْثِ ، " وَأَهْلُ " الْفَيْءِ جِهَةٌ ، " وَأَهْلُ سُهْمَانِ " الزَّكَاةِ جِهَاتٌ ، وَكُلُّهَا تُمْلَكُ ، وَأَمَّا أَقْسَامُهُ فَقَالَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ مَوْهُوبٌ الْجَزَرِيُّ فِي فَتَاوِيهِ " : الْمَمْلُوكَاتُ " عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَعْيَانٌ وَمَنَافِعُ .
فَانْتِقَالُ الْمِلْكِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : " مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ وَالْحَوَالَةِ وَالشُّفْعَةِ وَاللُّقَطَةِ " .
الثَّانِي : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَاتِ " وَالْوَصَايَا " وَالْمِيرَاثِ " .
الثَّالِثُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ " بِالْعِوَضِ كَالْكِتَابَةِ .
الرَّابِعُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ مَالِكٍ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعِتْقِ .
الْخَامِسُ : مَا يَنْتَقِلُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ " إلَى مَالِكٍ وَهُوَ " تَمْلِيكُ " الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَوَاتِ وَأَمَّا الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ " أَقْسَامٍ " :
مِنْهَا " : " مَا هُوَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَالْجِعَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ " " وَمِنْهَا " : " مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ " كَالْوَقْفِ وَالشَّرِكَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَحِفْظِ اللَّقِيطِ .
وَنَوْعَانِ مُتَرَدِّدَانِ " بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ " وَهُمَا الْوَكَالَةُ وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ .
فَإِنَّ تَارَةً يَكُونُ بِعِوَضٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ .
" وَمِنْهَا " : الْمُسَابَقَةُ وَالْمُنَاضَلَةُ وَهِيَ قِسْمٌ مُفْرَدٌ " إذْ " الْمُرَادُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَتِهِ فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمِلْكِ .
" الثَّالِثُ " : قَدْ يَتَعَلَّقُ التَّمْلِيكُ بِمَحِلٍّ مُحَقَّقٍ كَتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَحِلٍّ مُقَدَّرٍ " كَتَمْلِيكِ " مَنَافِعِ الْأَبْضَاعِ أَوْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَةِ " أَوْ الْإِعَارَةِ " فَإِنَّ مَنَافِعَهَا مُقَدَّرَةٌ " تَعَلَّقَ " بِهَا تَمْلِيكٌ " مُقَدَّرٌ إلَّا أَنَّ " مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ مُقَدَّرَةُ النَّقْلِ وَمَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ " مُسْتَقِرَّةٌ " غَيْرُ مَنْقُولَةٍ إذْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ " بِعَقْدِ النِّكَاحِ " مِنْ الْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ مَا لَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُقْضَى " نَقْلُهُ " إلَيْهِ مِنْهَا ، وَقَدْ مَنَعُوا إيجَارَ الْمُسْتَأْجَرِ قَبْلَ قَبْضِ " مَحِلِّ الْمَنْفَعَةِ وَأَجَازُوهُ بَعْدَ قَبْضِهِ مَعَ أَنَّ الْمَنَافِعَ مَفْقُودَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَقَدَّرُوهَا مَقْبُوضَةً بَعْدَ قَبْضِ " الْعَيْنِ وَغَيْرَ مَقْبُوضَةٍ قَبْلَ قَبْضِهَا ثُمَّ قَالُوا : لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَدْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنَافِعَ تُمْلَكُ بِطْرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ " تَابِعَةً " لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ ، وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَحْدَهَا كَبَيْعِ حَقِّ الْمَمَرِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّقْفِ وَكَمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ مَنْ بَاعَ عَيْنًا فَقَدْ بَاعَهَا وَمَنَافِعَهَا ، بَلْ إنْ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ يَحْدُثُ فِيهَا مَنَافِعُ ، وَلِهَذَا لَوْ وُجِدَتْ مُسْتَحَقَّةٌ بِعَقْدٍ يُعَارِضُ كَوْنَهَا لِصَاحِبِ " الْعَيْنِ عُمِلَ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ مَنْ بَاعَ " الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَاعَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ ، بَلْ إطْلَاقُ الْعَقْدِ تَنَاوَلَهَا تَبَعًا ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ " مَانِعٌ " " مِنْ " عَمَلِهَا فِي الْحَالِ وَلَوْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَسَكَتَ عَنْ " الْمَنْفَعَةِ " فَلَمْ يُصَرِّحْ
بِأَنَّهَا لَهُ أَوْ لِلْوَرَثَةِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، أَمَّا إذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ لِزَيْدٍ وَبِالرَّقَبَةِ لِعَمْرٍو فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمُوصَى لَهُ " بِالْمَنَافِعِ " فَهَلْ تَعُودُ الْمَنَافِعُ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْ " لِلْمُوصَى " لَهُ بِالرَّقَبَةِ ؟ وَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ " لِإِخْرَاجِهَا بِالْقَبْضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الْجَزْمُ " " بِهِ " " بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ إذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِالرَّقَبَةِ " بِلَا مَنْفَعَةٍ وَلِلْآخَرِ بِالْمَنْفَعَةِ فَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ثُمَّ وَصَّى بِالْمَنْفَعَةِ لِآخَرَ ، فَالظَّاهِرُ " أَنَّهَا " عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّ رَدَّهُ أَبْطَلَ أَثَرَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ فَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ عَلَى إطْلَاقِهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ رُجُوعٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَالْوَصِيَّةُ تَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، أَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ ثُمَّ أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ فَهَلْ نَقُولُ : إنَّهُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ ، فِيهِ نَظَرٌ .
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ وَكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً قَبْلَ وُجُودِهَا وَإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَلَامًا كَثِيرًا ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنَّهَا تَهَيُّؤُ الْعَيْنِ لِذَلِكَ " الْمَعْنَى " الَّذِي قُصِدَ " مِنْهَا " كَالدَّارِ مُتَهَيِّئَةً لِلسُّكْنَى ، وَالتَّهَيُّؤُ مَوْجُودٌ الْآنَ وَتَتَوَالَى أَمْثَالُهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ " وَسَكَنَهَا " الْمُسْتَأْجِرُ ، وَهَلْ نَقُولُ : إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ؟ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : لَا " وَهُوَ " قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ كَيْفَ يَكُونُ بَدَلًا .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ : إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَنَّا لَا نَعْنِي
بِالْمِلْكِ إلَّا جَوَازَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا " فَكَانَتْ " مَمْلُوكَةً .
ضَابِطٌ : لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يُوصَى بِرَقَبَةِ عَيْنٍ لِشَخْصٍ وَبِمَنْفَعَتِهَا لِآخَرَ .
الرَّابِعُ : الْمِلْكُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : يَحْصُلُ قَهْرًا كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَمَنَافِعِ الْوَقْفِ ، وَكَذَا رَقَبَةُ " الْوَقْفِ " فِي قَوْلٍ فِيهِمَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ ، وَنَمَاءُ الْمِلْكِ مِنْ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْمَرْدُودُ " بِعَيْبٍ وَكَذَلِكَ " الْكَلَأُ وَالْمَطَرُ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ إذَا حُصِّلَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَحَكَى صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ " أَمَّا " النَّابِتُ فِي الْمَوَاتِ ، فَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ، وُعُودُ شَطْرِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى " قَوْلٍ ، وَخَلَطَ " الْمَغْصُوبَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ، وَإِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْمُوسِرُ نَصِيبَهُ وَبَذَلَ قِيمَةَ النِّصْفِ الْآخَرِ " يَمْلِكُهُ " الشَّرِيكُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا عَلَى وَجْهٍ ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَقَدْ يَتَمَلَّكُ عَلَى الْغَيْرِ قَهْرٌ " كَالرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ بِالْإِفْلَاسِ وَرُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَتِهِ وَرُجُوعِ الزَّوْجِ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ وَأَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ وَأَخْذِ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ ، وَإِذَا ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَمَلُّكِ الْمُلْتَقِطِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا قَهْرًا وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ وَلَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ جِنْسَ حَقِّهِ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اخْتِيَارِ " التَّمَلُّكِ " ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي : يَحْصُلُ بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : " بِالْأَقْوَالِ " وَيَكُونُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبُيُوعِ وَفِي غَيْرِهَا كَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا وَالْوُقُوفِ إذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ وَتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بِشَرْطِهِ .
وَالثَّانِي : " يَحْصُلُ " بِالْأَفْعَالِ كَتَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَحْيَاءِ وَالْغَنِيمَةِ .
وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ { صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا
تُوَرَّثُ } فَأَشَارَ بِالْبَيْعِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِالْمُعَاوَضَةِ ، وَبِالْهِبَةِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِغَيْرِهَا اخْتِيَارًا ، وَبِالْإِرْثِ إلَى الدَّاخِلِ قَهْرًا هَذِهِ " مَجَامِعُ التَّمَلُّكِ " وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهَا يَرْجِعُ إلَيْهَا وَمِمَّا يَتَخَالَفَانِ فِيهِ أَعْنِي الِاخْتِيَارِيَّ وَالْقَهْرِيّ إنَّ الِاخْتِيَارِيَّ يُمْلَكُ بِالْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ أَوْ بِمَا فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْقَهْرِيُّ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُمْلَكُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَوْ يَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِذَلِكَ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ " بِهِ " وَلَا يَبْعُدُ إلْحَاقُ " مَا فِيهِ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ كَأَخْذِ " الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَتَقْوِيمِ " الشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا : أَنَّ التَّمَلُّكَ الْقَهْرِيَّ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، كَمَا " فِي " أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيِّ وَمِنْهَا : أَنَّ " التَّمْلِيكَ " الْقَهْرِيَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ شُرُوطِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهَا ؟ خِلَافٌ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ يُؤْخَذُ الشِّقْصُ الَّذِي لَمْ يَرَهُ عَلَى قَوْلٍ ، وَالِاخْتِيَارِيُّ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَطْعًا وَمِنْهَا : أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ كَمَا فِي دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ بِالْإِرْثِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَلَا " يُمْلَكُ " ذَلِكَ كُلُّهُ بِالِاخْتِيَارِ .
الْخَامِسُ : الْمِلْكُ تَارَةً يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ كَالْعِتْقِ وَتَارَةً يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْوَقْفِ وَمِثْلُهُ الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يُقَالُ : سَقَطَ " وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ " الْإِمَامُ بِالْوَقْفِ .
السَّادِسُ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ " أَنَّ الْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ ، وَالْمَنَافِعُ وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ وَبَابُ الِاخْتِصَاصِ " " أَوْسَعُ " ، وَلِهَذَا شَوَاهِدُ : مِنْهَا أَنَّهُ يَثْبُتُ " فِيمَا " لَا يُمْلَكُ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْكَلْبِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الدَّعَاوَى ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِيمَا الْيَدُ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا " تُمْلَكُ ، وَالثَّانِي : تُمْلَكُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا ، وَالثَّالِثُ : إنْ كَانَ مُتَهَيِّئًا ؛ لَأَنْ يَصِيرَ مِلْكًا كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ يُدْبَغُ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ مَمْلُوكًا وَالْيَدُ عَلَيْهِ يَدُ مِلْكٍ اعْتِبَارًا بِالطَّرَفَيْنِ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَالْكَلْبِ وَالنَّجَاسَاتِ فَالْيَدُ يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا تُمْلَكُ " " وَمِنْهَا " لَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَهُ مُتَمَوِّلٌ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاخْتِصَاصِ " لَيْسَ كَحَقِّ الْمِلْكِ فَكَانَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْقُلَ اخْتِصَاصَهُ " فِي ذَلِكَ لِمَنْ " يَشَاءُ " مِنْ الْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ " يُحْسَبَ " مِنْ الثُّلُثِ إذْ لَا مَالِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا : فِي " الْغَنِيمَةِ " إذَا كَانَ فِيهَا كِلَابٌ نَصَّ " عَلَيْهِ " " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ " لِرَأْيِ " الْإِمَامِ يُخَصِّصُ " بِهِ مَنْ شَاءَ " مِنْ الْغَانِمِينَ فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَعْطَاهُ لِبَعْضِ أَهْلِ " الْخُمُسِ " فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ خَلَّاهُ أَوْ قَتَلَهُ ، لِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يَحْرُمُ وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهَا تُقَسَّمُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أَقْرَعَ إنْ تَنَازَعُوا فِيهَا .
السَّابِعُ : مِلْكُ النِّكَاحِ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَ هَذَا الْأَصْلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ فِي بَابِ " الشَّهَادَاتِ " وَبَنَى عَلَيْهِ فُرُوعًا .
" مِنْهَا " : شُهُودُ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا بَعْدَ الدُّخُولِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَقَبْلَهُ نِصْفَهُ أَوْ جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعِنْدَهُمْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ يَضْمَنُ نِصْفَ الْمُسَمَّى وَمِنْهَا : الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ الْمَمْهُورِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِمِثْلِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ " بِقِيمَتِهِ إنْ " كَانَ مُتَقَوِّمًا ، " وَالْبِضْعُ " لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلَا هُوَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَهُمْ وَمِنْهَا : إذَا خَالَعَ عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَعَلَى الْخِلَافِ قُلْت : وَمِنْهَا : إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ " لِلْبَدَلِ " الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .
وَمِنْهَا : إذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ جَاءَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَهَلْ يَجِبُ دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجِهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ " وَالْآيَةُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ " وَكَانَ الصُّلْحُ قَدْ وَقَعَ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ فَلَمَّا حَرُمَ الرَّدُّ بَعْدَ صِحَّةِ اشْتِرَاطِهِ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدِّ النِّسَاءِ فَلَا " يَصِحُّ " رَدُّ مُهُورِهِنَّ ، لِأَنَّهُ شَرْطُ مَالٍ لِلْكُفَّارِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَمِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ مِلْكُ الْقِصَاصِ ، قَالُوا : هُوَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ شَهِدَا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعَا " لَا ضَمَانَ " عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ : وَأَمَّا حَرْفُ الْجَوَابِ فَهُوَ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مِلْكٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا " بِمَحِلِّ " اسْتِيفَاءِ الشَّرْطِ ، وَمِلْكُ " الْقِصَاصِ مِلْكٌ " لَا يُعْرَفُ إلَّا بِجَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَلِهَذَا لَا يُمْلَكُ النَّقْلُ
مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مِلْكٌ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ فَإِذَا أُتْلِفَ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ ضُمِّنَ .
الثَّامِنُ : قَالُوا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ أَمَةً ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ وَحَرُمَتْ الْأَمَةُ ، وَالْأَقْوَى إذَا طَرَأَ عَلَى الْأَضْعَفِ دَفَعَهُ وَخَالَفُوا هَذَا فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَالُوا : لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى .
وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ نَفْسَهُ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ وَالِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِفْرَاشِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا تَنَاقُضَ .
وَالثَّانِي أَنَّ مَحِلَّ تَرْجِيحِنَا الِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ عَلَى الِاسْتِفْرَاشُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي عَيْنَيْنِ وَتَرْجِيحَنَا مِلْكَ الْيَمِينِ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا " وَالطَّرِيقَةُ " الْأُولَى أَحْسَنُ وَمِمَّا رَجَّحُوا فِيهِ مِلْكَ الْيَمِينِ أَنَّ " السَّيِّدَ يَبِيعُ " الْأَمَةَ مِمَّنْ بِهِ بَعْضُ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَهَلْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَمْكِينِهِ وَجْهَانِ ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ : قُلْتُ قَالَ الْمُتَوَلِّي أَصَحُّهُمَا : " يَلْزَمُهَا " التَّمْكِينُ وَهَذَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ لَا يَلْزَمُهَا وَتَتَخَيَّرُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ بَلْ إنْ كَانَا مِنْ " جِهَتَيْنِ " كَمَا إذَا كَانَ يَطَأُ " أَمَةً " فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا قَوِيَ مِلْكُ النِّكَاحِ عَلَى مِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى تَحْرُمَ الْمَمْلُوكَةُ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ عَقْدَ النِّكَاحِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ وَتَوَابِعُهُ ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ " قَدْ " يَكُونُ " لِلِاسْتِخْدَامِ " " وَغَيْرِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ شِرَاءِ أُخْتِهِ ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، فَلَا جَرَمَ قَوِيَ " النِّكَاحُ " وَحَرُمَتْ الْمَمْلُوكَةُ " .
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ " النِّكَاحِ
" " إذْ " يُنْتَفَعُ بِالْبُضْعِ فَلِذَلِكَ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا انْفَسَخَ لِلتَّنَافِي بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى دَارًا فِي إجَارَتِهِ .
التَّاسِعُ : الْمِلْكُ قِسْمَانِ : تَامٌّ وَضَعِيفٌ : فَالتَّامُّ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ ، وَالضَّعِيفُ بِخِلَافِهِ ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَإِنْ صَحَّ عِتْقُهُ وَالْمِلْكُ الضَّعِيفُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ وَضَبَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْخِيَارِ ، الْمِلْكَ الضَّعِيفَ بِمَا يَقْدِرُ الْغَيْرُ عَلَى إبْطَالِهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ ، " قَالَ " : وَاحْتَرَزْت بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَنْ مِلْكِ الْمُتَّهَبِ مِنْ الْأَبِ فَإِنَّ الْأَبَ يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ وَجَازَ لِأَجْلِهِ وَطْءُ الِابْنِ " وَسَائِرُ " تَصَرُّفَاتِهِ ، قَالَ " صَاحِبُ مَيْدَانِ الْفُرْسَانِ " ، وَهَذَا الضَّابِطُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ " أَمَتَهُ " وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ " لَهُ " وَطْؤُهَا مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ إذَا قُلْنَا بِثُبُوتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، قُلْت : الْمِلْكُ هُنَا غَيْرُ نَاقِصٍ وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " بِذَلِكَ " صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْفِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهُمَا الْمِلْكَ ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ نَاقِصٌ لَمْ يَحْدُثْ نُقْصَانُهُ بِوَطْءٍ سَابِقٍ فَلَا يُفِيدُ حِلُّ الْوَطْءِ ، قَالَ : وَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا يَلْزَمُ وَطْءُ الْعَبْدِ الْجَارِيَةَ الَّتِي مَلَّكَهَا السَّيِّدُ إيَّاهُ حَيْثُ يَجُوزُ عَلَى رَأْيٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَمَّ غَيْرُ نَاقِصٍ ، وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " فَهُوَ كَجَارِيَةِ الْمَجْنُونِ " يَطَؤُهَا " وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا لِنُقْصَانِهِ انْتَهَى .
وَيَخْرُجُ مِنْهُ " الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا سُقُوطُهُ بِالْإِعْرَاضِ ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ : إنَّ الْغَانِمِينَ إذَا لَمْ يَخْتَارُوا " التَّمَلُّكَ " فَلَا زَكَاةَ ؛ لِأَنَّ " الْغَنِيمَةَ " غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُمْ
أَوْ مَمْلُوكَةً مِلْكًا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ .
انْتَهَى .
وَمِنْ الْأَمْلَاكِ الضَّعِيفَةِ : مِلْكُ الْمُكَاتَبِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ وَمِنْهَا : مِلْكُ الْعَبْدِ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ وَقُلْنَا : يُمْلَكُ وَمِنْهَا : مِلْكُ الْغَرِيمِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ الْقَاضِي وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَقَدْ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ " فِي الزَّكَاةِ : " لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ بِتَسْلِيطِ الْحَاكِمِ " وَمِنْهَا " : مِلْكُ السَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ أَمَةً امْتَنَعَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِأَجْلِ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ مِلْكِهِ .
الْعَاشِرُ : الْمِلْكُ يَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَقِرٍّ وَغَيْرِهِ : فَالْمُسْتَقِرُّ : مَا لَا " يُحْتَمَلُ " السُّقُوطُ بِتَلَفِهِ أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ بِخِلَافِهِ كَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِتَعَرُّضِ مِلْكِهَا " لِلسُّقُوطِ " بِانْهِدَامِ الدَّارِ ، بَلْ كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ مِنْ الْمُدَّةِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ ، وَمِثْلُهُ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ بِنِصَابٍ وَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ كَالْأُجْرَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : الصَّدَاقُ أَيْضًا " يَتَعَرَّضُ " لِلسُّقُوطِ بِمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ " وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَهُ " بِعَيْبِهَا قِيلَ : الْمُؤَثِّرُ فِي اسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّضُ احْتِمَالُ سُقُوطِهِ " بِتَلَفِهِ " أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ لَا غَيْرُ بِدَلِيلِ أَنَّ احْتِمَالَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِالْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ " فِيهِمَا وَكَذَلِكَ " الصَّدَاقُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : الْمِلْكُ غَيْرُ الْمُسْتَقِرِّ الْمُتَعَقَّبُ بِالزَّوَالِ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمِلْكِ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ثَمَّ إذَا " عَتَقَ " الْمَرِيضُ مِنْ مَالِهِ عَبْدًا " فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ قَطْعًا ، وَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ فَقَبِلَ الْوَصِيَّةَ " فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمُرَجَّحِ خِلَافًا لِمَنْ صَحَّحَ " خِلَافَ " ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ذَلِكَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ " الْعَبْدَ " الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَهَلْ يَفْسُدُ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ " يَقْتَضِي " دُخُولَهُ فِي مِلْكِ الِابْنِ ثُمَّ يَكُونُ " مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ أَوْ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجْهَانِ وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ " الثَّانِيَ عَشَرَ " : " قَالَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ فِي فَتَاوِيهِ " .
الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ " وُضُوءُ " دَائِمِ الْحَدَثِ فَتَجِبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ " أَشْوَاطِ " الطَّوَافِ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَذَلِكَ وَبَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَا يُبْطِلُهُ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ فِي الْأَصَحِّ ، وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ الْمُوَالَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ بِخِلَافِ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقَطَةِ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَمِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْفَاتِحَةِ وَكَذَا بَيْنَ كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ قِيَاسُ الْفَاتِحَةِ ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ " فِي اللِّعَانِ " عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ ، وَقَدْ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ إلَى فَرْقٍ فِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَى فَلَوْ رَجَعَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ اُسْتُؤْنِفَتْ " لِيَتَوَالَى " الْإِيحَاشُ ، وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ ، وَلِهَذَا يَقْطَعُهُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ ، وَالْمُوَالَاةُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَمِنْهَا الْمُوَالَاةُ فِي الرَّضَعَاتِ الْخَمْسِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَلِفِ لَا يَأْكُلُ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فَأَكَلَ مُتَوَاصِلًا وَنَظَائِرُهُ ، وَالضَّابِطُ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ " اثْنَيْنِ " أَوْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ إمَّا فِي الْأَقْوَالِ " أَوْ " " فِي " الْأَفْعَالِ .
قَالَ الْإِمَامُ وَالِاتِّصَالُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّخْصَيْنِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْوَاحِدِ كَالْمُوَالَاةِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي كَلَامِ " شَخْصَيْنِ " مَا لَا يُحْتَمَلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ كَلَامٍ وَاحِدٍ .
النَّادِرُ هَلْ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يُلْحَقُ قَطْعًا كَمَنْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ الْأَبْكَارِ قَطْعًا فِي الِاسْتِئْذَانِ ، وَكَمَا إذَا خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الزَّائِدُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا قَطْعًا .
وَكَذَلِكَ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ فَإِنَّ بَقَاءَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، كَذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا فَأَلْحَقُوهُ بِالْغَالِبِ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ " مِنْ " زَمَنِ الْوَطْءِ لَحِقَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا " وَلَكِنَّ " الشَّارِعَ أَعْمَلَ النَّادِرَ فِي هَذِهِ " الصُّوَرِ " سِتْرًا لِلْعِبَادِ " الثَّانِي " : مَا لَا يُلْحَقُ قَطْعًا .
كَالْإِصْبَعِ " الزَّائِدَةٍ " لَا تُلْحَقُ بِالْأَصْلِيَّةِ فِي حُكْمِ الدِّيَةِ قَطْعًا وَنِكَاحِ مَنْ بِالْمَشْرِقِ مَغْرِبِيَّةً لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ .
كَنَقْضِ الْوُضُوء بِمَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ الْمُتَّصِلِ ، وَقِيلَ : لَا ؛ " لِلنُّدْرَةِ " بِخِلَافِ مَسِّ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ وَكَالنَّقْضِ بِخُرُوجِ النَّادِرِ مِنْ الْفَرْجِ وَجَوَازِ الْحَجَرِ " مِنْ " الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَنَحْوِهِمَا ، وَكَذَا دَمُ الْبَرَاغِيثِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا ، وَكَذَا كَثِيرَةُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ يُشَقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ فَأُلْحِقَ نَادِرُهُ بِغَالِبِهِ وَكَذَا لَوْ طَالَ مُدَّةُ اجْتِمَاعِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَيَّامًا وَأَشْهُرًا وَهُوَ نَادِرٌ فَالْمَذْهَبُ بَقَاءُ خِيَارِهِمَا إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَقِيلَ : لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْغَالِبِ الرَّابِعُ : مَا لَا يُلْحَقُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ فَهَلْ تُعْطَى حُكْمُهَا فِي بَابِ الرِّبَا ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا اعْتِبَارَ بِالْغَالِبِ .
النَّادِرُ إذَا لَمْ يَدُمْ يَقْتَضِي الْقَضَاءَ كَالْمَرْبُوطِ عَلَى خَشَبَةٍ يُصَلِّي وَيُعِيدُ ، وَالْمُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي سَفَرِهِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ " فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ " أَرْكَانُهَا " مُخْتَلَّةٌ " وَلَا قَضَاءَ وَهِيَ " عَلَى " خِلَافِ الْقَاعِدَةِ " إذْ هُوَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ " وَلَا بَدَلَ " فِيهِ " وَلَكِنَّهُ رُخْصَةٌ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } .
النَّادِرُ إذَا دَامَ يُعْطَى حُكْمَ الْغَالِبِ كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ مَعَ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا إلَّا أَنَّهُ يَدُومُ ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ تَلْحَقْ الْمُسَافِرَ مَشَقَّةٌ وَمِنْهُ " أَثَرُ " دَمِ الْبَرَاغِيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُومُ ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : الشُّعُورُ الَّتِي فِي الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَتْ وَكَثَافَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً إلَّا أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِالْغَالِبِ حَتَّى يَكْفِيَ غَسْلُ الظَّاهِرِ .
الثَّانِيَةُ : فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ قَوْلَانِ كَالْمَذْيِ ؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ كَذَا .
" قَالَ " النَّوَوِيُّ ، وَاسْتُشْكِلَ الْخِلَافُ ؛ لِأَنَّهَا تَدُومُ وَالنَّادِرُ إذَا دَامَ الْتَحَقَ بِالْغَالِبِ وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ .
الثَّالِثَةُ " : دَمُ الْبَوَاسِيرِ نَادِرٌ وَإِذَا وَقَعَ دَامَ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ بِالْحَجَرِ فِي الْأَظْهَرِ .
الرَّابِعَةُ : إذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ آخَرُ لِلْإِنْسَانِ وَنَقَضْنَا " بِالْخَارِجِ " مِنْهُ فَهَلْ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ ؟ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا لَا ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى السَّبِيلَيْنِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ دَامَ .
فَائِدَةٌ : قَدْ يُسْتَشْكَلُ " عِنْدَهُمْ " لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ النَّادِرِ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذُكُورَةِ الْخُنْثَى بِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ عَلَيْهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَعْدُودَ نَادِرًا هُوَ كَثَافَتُهَا لَا أَصْلُ نَبَاتِهَا " وَلِذَلِكَ لَمْ تُعَامَلْ مُعَامَلَةَ مَا كَثُفَ " مِنْ لِحْيَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا .
النَّادِرُ هَلْ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ أَمْ يَلْحَقُ بِجِنْسِهِ فِيهِ " خِلَافٌ " فَقِيلَ ( تُنَاطُ الْأَحْكَامُ بِأَسْبَابِهَا ) وَفِي كُلِّ فَرْدٍ وَقِيلَ " اسْتِقْرَاءُ الْآحَادِ يَتَعَسَّرُ فِيهِ فَيُعْتَبَرُ " الْغَالِبُ وَيَجْرِي حُكْمُهُ عَلَى مَا شَذَّ ، قَالَ " الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ " وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ : النَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَأَصْلُ الْخِلَافِ مَا لَوْ نَدَرَ الْخَارِجَ هَلْ يَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَالْخِلَافُ فِي الْخَارِجِ " الْمُعْتَادُ " مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي " الْخَارِجِ " الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخْرَجِ النَّادِرِ ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ وَخَرَجَ مِنْهُ الْفَضْلَةُ .
" وَلَوْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ وَلَا رُطُوبَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَقَعُ وَفِيهِ خِلَافٌ ، مَأْخَذُهُ هَذَا الْأَصْلُ .
قَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ وَقَدْ أُعْضِلَ التَّعْلِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ خَفِيَ عَنْهُ مَأْخَذُ وُجُوبِ الْغَسْلِ بِمَا ذَكَرْنَا " .
النَّائِمُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُسْتَيْقِظِ فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : فِي بَقَائِهِ عَلَى الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ ثَانِيَتُهَا " صِحَّةُ وُقُوفِهِ " أَيْ بِعَرَفَةَ " " ثَالِثَتُهَا " : صِحَّةُ صَوْمِهِ وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ النَّهَارِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَادَّعَى الْمُزَنِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الصِّحَّةِ .
" رَابِعَتُهَا " أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَلَوْ رَأَى نَائِمًا أَوْ " مَنْ " يُرِيدُ النَّوْمَ وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ " كَيْ لَا " يَفُوتَهُ " بِالنَّوْمِ " فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ حَتَّى نَامَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتُهُ " بِالنَّوْمِ " وَيُمْكِنُ " قَضَاؤُهَا إذَا انْتَبَهَ ، قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ " وَكَأَنَّهُ " أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَفُوتُهُ فَوَاتًا يَأْثَمُ بِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ } .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إذَا نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ " وَاسْتَمَرَّ " حَتَّى خَافَ خُرُوجَهُ " اُسْتُحِبَّ " " إيقَاظُهُ " وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ نَامَ بَعْدَهُ وَاسْتَمَرَّ ، وَالْقِيَاسُ وُجُوبُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهَا ، وَأَمَّا النَّوْمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَبِهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ .
النَّجَاسَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا قَالَ الْمُتَوَلِّي " هِيَ " كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ لَا لِحُرْمَتِهَا ، زَادَ النَّوَوِيُّ : وَاسْتِقْذَارُهَا وَضَرَرُهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ فَخَرَجَ بِالْإِطْلَاقِ السُّمُّ إذْ يُبَاحُ قَلِيلُهُ الَّذِي لَا يَضُرُّ " وَبِالْإِمْكَانِ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ ، وَبِعَدَمِ الْحُرْمَةِ الْآدَمِيُّ ، وَبِالِاسْتِقْذَارِ الْمُخَاطُ وَالْمَنِيُّ وَنَحْوُهُمَا ، وَبِتَضَرُّرِ الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ التُّرَابُ وَالْحَشِيشُ الْمُسْكِرُ .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ : فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَحْرِيمَ مَعَهَا وَأُسْقِطَ قَيْدُ الْإِمْكَانِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ .
" وَاعْلَمْ " أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلنَّجِسِ لَا لِلنَّجَاسَةِ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِالْأَعْيَانِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ " رَسَمُوهَا " بِحُكْمِهَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ " مَعْرِفَتِهَا لِكُلِّ " عَيْنٍ حَرُمَتْ لَا لِمَضَرَّتِهَا وَلَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِهَا أَوْ كُلُّ مَا يَبْطُلُ بِمُلَاقَاتِهِ الصَّلَاةَ .
الثَّانِي : الْمَشْهُورُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ وَمُتَوَسِّطَةٌ .
وَجَعَلَهَا الْمُتَوَلِّي قِسْمَيْنِ وَجَعَلَ مَا عَدَا نَجَاسَةَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ مُخَفَّفَةً " كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ " وَهُوَ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّهُ خَفَّفَ فِي الْبَوْلِ مِنْ سَبْعَةٍ إلَى " وَاحِدٍ " .
" الثَّالِثُ " : فِي " وُجُوبِ " النِّيَّةِ فِيهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ ، وَقِيلَ : تَجِبُ ، وَفِي ثَالِثٍ تُعْتَبَرُ فِي الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ الصُّعْلُوكِيِّ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ " أَنَّهُ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ ، وَأَوْضَحَ الْإِمَامُ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ " فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الرِّيحَ لَوْ أَلْقَتْ ثَوْبًا نَجِسًا فِي " أَجَانَةٍ " فِيهَا مَاءٌ تَنَجَّسَ الْمَاءُ وَلَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ ، وَلَوْ " طَرَحَهُ " الْغَاسِلُ فِيهَا عَلَى قَصْدِ الْإِزَالَةِ حَصَلَتْ الْإِزَالَةُ وَلَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَنَّ الْمَاءَ لَوْ انْصَبَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ عَلَى ثَوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَكَانَ يَنْحَدِرُ مِنْهُ وَدَفْعُ الْمَاءِ " يَتَوَالَى " حَتَّى زَالَتْ النَّجَاسَةُ طَهُرَ الثَّوْبُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ " قَاصِدٍ " وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَصْدِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ " يُعْدَمْ " فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : الْغَرَضُ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ فَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ .
الرَّابِعُ " : فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَلَا شَكَّ فِيهِ إلَّا فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا خَافَ مِنْ غَسْلِهَا التَّلَفَ لَا يَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي تِلْكَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ وَصَلَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهِ التَّلَفَ وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا " أَنَّهُ لَا يَجِبُ " .
" الْخَامِسُ " : فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ إزَالَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا ؟ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ " مَا يُعْصَى " بِالتَّلْطِيخِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ لِوُجُودِ الْمَعْصِيَةِ بِالْفِعْلِ وَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الْفَائِتَةَ " بِغَيْرِ " عُذْرٍ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَاكَ انْتَهَى أَمْرُهَا بِالتَّفْوِيتِ " وَإِنَّمَا لَمْ " يَعْصِ بِإِصَابَتِهِ نَحْوَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ " قَصْدٍ " ؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ " عَلَى " الْفَوْرِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ ، وَقِيلَ : تَجِبُ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فَتَجِبُ الْإِزَالَةُ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَكَذَا الطَّوَافُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ وَقُلْنَا : مُحَرَّمٌ كَمَا هُوَ رَأْيُ الصَّيْمَرِيِّ .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ بِرِجْلِهِ الْمُلَوَّثَةِ بِالنَّجَاسَةِ " .
وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِفَمِهِ الْمُلَوَّثِ بِالنَّجَاسَةِ وَقُلْنَا : يَحْرُمُ كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ رَجَّحَ عَدَمَ التَّحْرِيمِ .
" السَّادِسُ " : النَّجَاسَةُ لَا " تَتَعَدَّى " مَحَلَّهَا وَهَذَا مِمَّا يُخَالِفُ فِيهِ النَّجِسُ الْحَدَثَ وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِغَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " جَازَ .
وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ : لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ تَجِبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ هُنَا ، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ : وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ يَتَعَدَّى وَحُكْمَ النَّجَاسَةِ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْدِثَ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَطْهِيرِ غَيْرِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَافْتَرَقَا .
وَمِنْهَا : لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " مِنْ ثَوْبٍ " فَانْتَشَرَتْ " الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ ، نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ .
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ مَا إذَا انْتَشَرَتْ وَهُوَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَنَجِسٌ وَمِنْهَا الْمَاءُ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ إبْرِيقٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ : الْمَاءُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْ فَوَّارَةٍ " إذَا " وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ لَا يَتَنَجَّسُ بَاطِنُهُ وَنَحْوُهُ " ذَكَرَهُ " الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ : لَوْ كَانَ " كُوزٌ " " فَفَرَّ " الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ " الَّذِي فِيهِ " ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْعِطَافَ النَّجَاسَةِ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ .
" تَنْبِيهٌ " : يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُورَةُ التَّبَاعُدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الْقَدِيمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى .
" السَّابِعُ " : يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَسْقِيَ الْحَيَوَانَ الْمَاءَ النَّجِسَ لَا سِيَّمَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأَنْ " يَصُبَّهُ " فِي أُصُولِ النَّخْلِ وَالْغَرْسِ أَمَّا مُجَرَّدُ الذَّوْقِ " لِاسْتِكْشَافِهِ " عِنْدَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَنَحْوُهُ فَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ " مِنْهُ " ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَظْهَرْ ، " ؛ لِأَنَّهُ سَهْلُ الْإِزَالَةِ " قَالَ : وَيَظْهَرُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا دَمِيَتْ لِثَتُهُ أَوْ تَنَجَّسَ " فَمُهُ " بِنَجَاسَةٍ أُخْرَى فَغَسَلَهُ فَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ مَا دَامَ يَجِدُ طَعْمَهُ فِيهِ انْتَهَى .
وَهَذَا التَّصْوِيرُ يُشْعِرُ بِامْتِنَاعِ اخْتِبَارِ " مَحَلِّ " النَّجَاسَةِ بِالذَّوْقِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ قَالَ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْأَوَانِي : يَجُوزُ الِاخْتِبَارُ بِالذَّوْقِ .
" وَالْجَوَابُ " أَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى " الظَّنِّ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ فَلِهَذَا يَمْتَنِعُ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهَا لَا يَمْتَنِعُ اخْتِبَارُ الْمَحَلِّ لِوُجُودِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيُنَزَّلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ فَمَهُ النَّجِسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ لِيَغْسِلَ " كُلَّ مَا " هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَلَا " يَبْتَلِعَ " طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ أَكَلَ نَجِسًا أَوْ شَرِبَ نَجِسًا .
انْتَهَى .
وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ يُغْفَلُ عَنْهُ .
" الثَّامِنُ " : إنْ تَنَاوَلَهُ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ " فَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ : فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ بِأَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، " وَقَالَ الْإِمَامُ " وَإِنْ أُسِرَ رَجُلٌ فَحُمِلَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى .
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَقِفْ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى نَصِّهِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ فَقَالَ : نَصَّ الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " " عَلَى " أَنَّ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهَا " فَيُحْتَمَلُ " أَنَّهُ إنَّمَا " أَوْجَبَ " الِاسْتِقَاءَةَ لِخَوْفِ السُّكْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَبَنَى عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ مَا لَوْ أَكَلَ نَجِسًا هَلْ يَجِبُ قَذْفُهُ إنْ " عَلَّلْنَا " بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ أَوْ بِالْإِسْكَارِ فَلَا ، وَهَذَا الْبَحْثُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحَلِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي وُجُوبِ التَّقَيُّؤِ وَجْهَانِ صَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاسْتِحْبَابَ ، وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ الْوُجُوبُ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْأَصْحَابُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى .
قُلْت : نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَنْ " صَاحِبِ الْإِيضَاحِ " ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ حَصَلَتْ فِي " مَعْدِنِهَا " فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ الَّذِي فِي الْمَعِدَةِ .
ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا " بِخِلَافِ " النَّصِّ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا " قَالَ " الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ دَمًا تَحْتَ الْجِلْدِ وَثَبَتَ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ انْتَهَى ، وَنَقَلَ فِي التَّتِمَّةِ الْوُجُوبَ عَنْ النَّصِّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ
التَّعَدِّيَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِدَامَةِ فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ تَنَاوُلِهِ مُحَرَّمًا كَانَ اسْتِدَامَتُهُ لِتَكَامُلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا " مُحَرَّمًا " وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَمَّا الْخَمْرُ فَيَجِبُ قَذْفُهَا بِلَا خِلَافٍ إنْ خِيفَ مِنْهَا السُّكْرُ لَوْ تَرَكَهَا فِي جَوْفِهِ ، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهَا قَدْرًا لَا يُسْكِرُ " فَهَذَا " هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ .
وَيُحْمَلُ " أَيْضًا كَلَامُ " الشَّافِعِيِّ فِي الشُّرْبِ عَلَى مَا إذَا " كَانَ " السُّكْرُ يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ صَلَوَاتٍ كَمَا إذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ شَخْصٍ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ بُكْرَةً لَا يَصْحُو " إلَّا " إلَى عَشِيَّةٍ وَصَارَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ مَنْ عَادَتُهُ " إذَا لَعِبَ " بِالشِّطْرَنْجِ يَنْسَى الصَّلَاةَ أَنَّهُ يَعْصِي بِالنِّسْيَانِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهُ زَالَ عَنْهُ " قَبْلَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ " ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ حَقًّا وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ اسْتَحَبَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ مَنْ أَكَلَ حَرَامًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ ، وَأَجَابَ عَنْ تَقَيُّؤِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قِيلَ " لَهُ " : إنَّ " اللَّبَنَ " مِنْ الصَّدَقَةِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ تَحْرِيمَهَا عَلَى الْإِمَامِ ، وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " وَكَيْلَا " يَسْتَدِيمَ " الِاغْتِذَاءُ " وَالِانْتِفَاعُ بِالْحَرَامِ .
التَّاسِعُ " : النَّجَاسَةُ مَا دَامَتْ فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحُكْمِ النَّجَاسَةِ فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي حَيَوَانًا طَاهِرًا حَيًّا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَكَذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهَا فِي تَنْجِيسِ مَا لَاقَتْهُ وَتَنْجِيسُهَا بِمَا لَاقَاهَا مِنْ نَجَاسَةٍ هِيَ أَغْلَظُ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ لَحْمَ كَلْبٍ أَنْ يَغْسِلَ دُبُرَهُ كُلَّمَا تَغَوَّطَ أَوْ بَالَ وَلَمْ " يَتَنَجَّسْ " اللَّبَنُ الْمُلَاقِي " لِلْفَرْثِ " فِي الْبَطْنِ .
وَلَمْ يَنْجُسْ " الْمَنِيُّ " وَإِنْ مَرَّ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ ، وَلَمْ تَنْجُسْ " النُّخَامَةُ " " النَّازِلَةُ " مِنْ الرَّأْسِ بِجَرَيَانِهَا فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ بَعْدَ مَا جَرَى فِيهَا دَمُ الرُّعَافِ وَغَسْلُ ظَاهِرِ " الْأَرْضِ " " ، وَمِنْ " هَذَا قَالَ فِي الْبَسِيطِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ مَعْنَى الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ أَنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ هَلْ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمٌ وَهَلْ يُقَدَّرُ خُرُوجُهَا فَإِنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَثْبُتُ مَا " دَامَتْ " الْفَضْلَةُ فِي الْبَاطِنِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إنْ قِيلَ : لِمَ قَطَعْتُمْ بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ مِنْهَا قُلْنَا مَا " يَحْوِيهِ " الْبَاطِنُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَلَكِنَّ تَحْرِيمَ النَّجَاسَةِ مِنْ قَبِيلِ " الِاجْتِنَابِ " فَلَا يَبْعُدُ سُقُوطُهُ " بِالضَّرُورَاتِ " ، وَلِهَذَا نَقَلَ " الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ النَّسَوِيُّ " فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : الشَّرِيعَةُ تَقْضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَاطِنِ " الْإِنْسَانِ " نَجَاسَةٌ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ مِمَّا " خَلَقَهُ " اللَّهُ " تَعَالَى " أَمَّا نَجِسٌ أَدْخَلَهُ الْإِنْسَانُ تَعَدِّيًا إلَى بَاطِنِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَجِسًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ فَلَاقَى الْبَاطِنَ فَنَجَّسَهُ " ثُمَّ تَطْهِيرُهُ " مُتَعَذِّرٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ " تَنَجَّسَ " بِمُلَاقَاتِهِ لِنَجِسٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ .
قُلْت : وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ
بَلْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهَا .
وَقَدْ أَشَارَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " فِي الْأُمِّ إلَى أَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، فَقَالَ : لَوْ وُجِدَ حُوتٌ فِي بَطْنِ سَبُعٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ حُوتٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَطْهِيرِ ظَاهِرِهِ ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْوَلَدِ وَالْبَيْضَةِ حَيْثُ قَالَ : لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهَا ، وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الْمِنْهَاجِ فِي الْخِلَافِ فَمَنَعَ قَوْلَهُمْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ " أَنَّ " مَنْ أَكَلَ شَيْئًا ثُمَّ قَذَفَهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَلَمْ تُنَجِّسْهُ إلَّا مُلَاقَاةُ مَا فِي الْمَعِدَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ أَلْقَتْ الْبَهِيمَةُ حَبًّا عَلَى هَيْئَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ لَنَبَتَ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : لَوْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ الْمَذِرَةَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ " صَلَاتُهُ " فِي الْأَصَحِّ نَعَمْ لَا بُدَّ فِي " هَذَا " الْأَصْلِ السَّابِقِ مِنْ قَيْدَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَأَمَّا الْمَوْتُ فَيَنْجُسُ .
وَلِهَذَا لَوْ مَاتَتْ بَهِيمَةٌ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ " تَنَجَّسَ " " بِمُلَاقَاتِهِ " النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " رَحِمَهُ اللَّهُ " : لَا يَنْجُسُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ ، وَقَالَ : إنَّ الْإِنْفَحَةَ إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَيْتَةِ كَانَتْ طَاهِرَةً وَإِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ لَبَنِ الْمَأْكُولِ فَأَكَلَ نَجَاسَةً فَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِنَجَاسَتِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِمَا سَبَقَ فِي لَحْمِ الْكَلْبِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّذْكِرَةِ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ
النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا ثُمَّ تُقَيَّأهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قَالَ : وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّبَنَ يُلَاقِي الْفَرْثَ وَالدَّمَ بَلْ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فِي الْبَاطِنِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَتَّصِلَ بِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ ظَاهِرٌ فَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا كَمَا لَوْ بَلَعَ خَيْطًا فَوَصَلَ طَرْفُهُ إلَى مَعِدَتِهِ وَطَرْفُهُ الْآخَرُ " خَارِجٌ أَوْ أُدْخِلَ " فِي دُبُرِهِ عُودًا وَبَقِيَ بَعْضُهُ خَارِجًا وَصَلَّى فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَبْطُلُ .
وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا وَفِي فِيهِ خَيْطٌ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ بِبَاطِنِهِ فَهَذَا إنْ نَزَعَهُ بَطَلَ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ " اسْتَقَاءَ " عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ جَذَبَهُ وَغَسَلَ فَمَهُ وَصَلَّى مُرَاعَاةً " لِمَحَلِّ " الصَّلَاةِ وَيَقْضِي الصَّوْمَ وَهَذَا مِنْهُمْ تَقْدِيمٌ لِلصَّلَاةِ ، وَعَكَسُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ " بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ " .
فُرُوعٌ : لَوْ أَدْخَلَتْ عُودًا فِي فَرْجِهَا وَتَرَكَتْ بَعْضَهُ خَارِجًا " وَصَلَّتْ " صَحَّتْ صَلَاتُهَا إنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ بَاطِنِ فَرْجِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ .
وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ خَارِجًا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ بَاطِنِ ذَكَرِهِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَصَحَّ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ أَوْ " فِي " فَرْجِهَا وَهَذَا لَا يَظْهَرُ تَوْجِيهُهُ وَلَعَلَّ الْمُصَحِّحَ لِذَلِكَ يَرَى نَجَاسَةَ بَاطِنِ الْفَرْجِ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ غَيَّبَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوءُهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ " كَانَ " يَرَى الْقُطْنَ فِي الْإِحْلِيلِ فَلَوْ كَانَ بَاطِنُ الذَّكَرِ نَجِسًا لَمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ " لِحَمْلِهِ " النَّجَاسَةَ .
وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِاتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ .
وَلَوْ غَرَزَ إبْرَةً فِي لَحْمِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا خَارِجًا وَصَلَّى فَكَمَا لَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ لِاتِّصَالِ الْإِبْرَةِ بِالدَّمِ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ .
وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالظَّاهِرِ مِنْ الْبَاطِنِ مَا لَوْ شَقَّ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ " وَحَصَلَ مِنْهُ دَمٌ " وَبَنَى عَلَيْهِ اللَّحْمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُهُ وَإِخْرَاجُهُ ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ مِنْ أَصْلِهِ " وَاسْتَتَرَ " أَصْلُهُ بِالْجِلْدِ وَمَسَّهُ فَإِنَّ الْوُضُوءَ يُنْتَقَضُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا لَوْ وَشَمَ يَدَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْطُهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَا غُسْلُهُ مَا دَامَ الْوَشْمُ بَاقِيًا .
تَنْبِيهٌ : " هَذَا " لَا يَخْتَصُّ " بِالْحَيَوَانِ " .
وَلِهَذَا قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ سُقِيَتْ سِكِّينُ مَاءً نَجِسًا ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ طَهُرَتْ ؛ لِأَنَّ " الطِّهَارَاتِ " كُلَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَا عَلَى الْأَجْوَافِ ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَنُقِلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ قَالَ هَذَا خِلَافُ أُصُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ " يَقُولُ " فِي الْآجُرِّ إذَا عُجِنَ بِبَوْلٍ وَطُبِخَ : إنَّهُ لَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِالْغُسْلِ .
انْتَهَى .
وَهَذَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ السِّكِّينَ لَا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ " فِي " بَاطِنِهَا فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ " الْوُسْعِ " فَاكْتَفَى بِغَسْلِ الظَّاهِرِ ، وَأَمَّا الْآجُرَّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهِ بِأَنْ يُدَقَّ وَيُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي الْجِلْدِ إذَا دُبِغَ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَإِنْ كَانَ الدِّبَاغُ لَا يُبَاشِرُهُ وَلَا يُمْكِنُ إيرَادُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا نَعَمْ قَدْ يُشْكَلُ عَلَى النَّصِّ مَسْأَلَةُ إدْخَالِ الدَّمِ تَحْتَ جِلْدِهِ إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ ، " وَلِذَلِكَ " لَوْ حَمَلَ بَيْضَةً صَارَ بَاطِنُهَا دَمًا وَظَاهِرُهَا طَاهِرٌ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ ، كَالنَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ إذَا حَمَلَهَا بِخِلَافِ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ " لِلْحَيَاةِ أَثَرًا " فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا الْبَيْضَةُ فَجَمَادٌ .
وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ عُنْقُودًا اسْتَحَالَ بَاطِنُ حَبَّاتِهِ خَمْرًا وَلَا رَشْحَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ " وَجْهًا " أَنَّ " بَوَاطِنَ " حَبَّاتِ الْعُنْقُودِ مَعَ اسْتِحَالَتِهِ خَمْرًا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِمَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي الْعَنَاقِيدِ إذَا اسْتَحَالَ بَاطِنُهَا وَاشْتَدَّ وَجْهَيْنِ فِي بَيْعِهَا وَطَرْدُهُ فِي الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ ، ثُمَّ رُوجِعَ الْقَاضِي فِي نَجَاسَتِهَا فَتَوَقَّفَ قَالَ
الْإِمَامُ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّهُ لَوْ " انْفَصَلَ " مَا فِي الْبَاطِنِ لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ ، وَالِانْفِصَالُ لَا يُوجِبُ وُرُودَ " نَجَاسَةٍ " فَلَا يَلِيقُ بِالْمَذْهَبِ إلَّا نَجَاسَتُهَا ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْقَاضِي فَهُوَ يُضَاهِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ الدِّمَاءَ فِي الْعُرُوقِ الَّتِي فِي " جِلْدِ " اللَّحْمِ لَيْسَتْ " بِنَجِسَةٍ " فَإِذَا سَفَحَ وَسَالَ حَكَمَ بِالنَّجَاسَةِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالدَّمِ " فَإِنَّا " إذَا قَطَعْنَا بِنَجَاسَةِ الْبَوَاطِنِ وَتَرَدَّدْنَا فِي جَوَازِ " الْبَيْعِ " فَلَا وَجْهَ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ الْبَيْضَةِ طَاهِرٌ وَالنَّجَاسَةُ مُسْتَتِرَةٌ اسْتِتَارَ خِلْقَةٍ وَالْبَيْضَةُ فِي نَفْسِهَا صَائِرَةٌ إلَى " رُتْبَةِ " الْفَرْخِ فَيُضَاهِي " امْتِنَاعَ الْعُصْفُورِ " وَجَنَّبُوهُ النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ ، وَكَذَلِكَ الْعُنْقُودُ ظَاهِرُهُ طَاهِرٌ وَمَقْصُودُهُ آيِلٌ إلَى " الْحُمُوضَةِ " وَهُوَ مُنْتَظَرٌ فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ بِأَنَّ بَاطِنَ الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ طَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الصَّلَاةَ مَعَهَا .
قُلْنَا : جَوَازُ الصَّلَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ بَوَاطِنِهَا فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْعُصْفُورِ الَّذِي فِي بَاطِنِهِ النَّجَاسَةُ فَتَصِحُّ فِيهَا وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِاسْتِتَارُ الْخِلْقِيُّ .
فَرْعٌ : هَلْ يَجُوزُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ " يَمْحُوهُ وَيَشْرَبُهُ " بِالْمَاءِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : لَا يَجُوزُ لِمَا يُلَاقِي مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِي بَاطِنِ الْمَعِدَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ ، وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِجَوَازِ أَكْلِ الطَّعَامِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ ، قَالَ : وَمَا يُكْتَبُ عَلَى الْحَلْوَى وَالْأَطْعِمَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ مِنْهُ .
" الْعَاشِرُ " : كُلُّ مَا نَجَّسَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " نَجَّسَ " الْمَائِعَ ، أَمَّا مَا لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " هَلْ " يُنَجِّسُ الْمَائِعَ ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ " قَدْ " صَرَّحُوا بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ ، وَذَكَرَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي صُورَةِ الْهِرَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَسَمِعْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَحْكِي التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْإِيضَاحِ " لِلْجَاجَرْمِيِّ " .
وَالْحَيَوَانُ إذَا كَانَ بِمَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَائِعِ فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ .
" الْحَادِي عَشَرَ " : النَّجِسُ هَلْ يَتَنَجَّسُ ؟ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، لَكِنِّي " اسْتَخْرَجْتهَا " مِنْ الْخِلَافِ فِي فُرُوعٍ : مِنْهَا لَوْ تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ بِالْوُلُوغِ ثُمَّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَهَلْ تَكْفِي السَّبْعُ أَمْ يُغْسَلُ لَهَا ثُمَّ يُغْسَلُ لِلْكَلْبِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَقِفْ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَكْفِي بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ .
وَمِنْهَا : لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ " نَجِسٍ " فَهَلْ يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ كَمَا قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ كَمَا كَانَ كَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَالْحَجَرُ تَخْفِيفٌ فَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَقَعَ فِي الْخَمْرِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ كَالْعَظْمِ ، وَنُزِعَ " مِنْهَا " ثُمَّ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا لَمْ تَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَعَزَاهُ لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَفِي هَذَا جَزَمَ بِتَنْجِيسِ النَّجِسِ وَفِي الثَّانِي " بِتَرْجِيحِهِ " وَفِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ وَالضَّابِطُ : أَنَّ النَّجَاسَةَ إمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا وَتَحْتَهُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تُرَدَّ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْمُخَفَّفَةِ فَالْعَمَلُ لَا بِالْمُغَلَّظَةِ " قَطْعًا " كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي إنَاءٍ ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَيَكْفِي غَسْلُهُ سَبْعًا " مَعَ " التَّعْفِيرِ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ كَلْبٍ لَا يُجْزِيهِ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ وَالصَّوَابُ غَسْلُهُ سَبْعًا .
الثَّانِي : أَنْ تُرَدَّ الْمُخَفَّفَةُ عَلَى الْمُغَلَّظَةِ فَفِيهَا الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ إلْغَاءُ الْمُخَفَّفَةِ ،
وَأَمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً عَلَى مِثْلِهَا فَخِلَافٌ كَمَا وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَلَغَ آخَرُ فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْجَمِيعِ سَبْعٌ .
وَلَوْ وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى مِنْ فَضَلَاتِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ فَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُ الْأَوْجُهِ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ وُلُوغُ كِلَابٍ ، " وَنَظِيرُهُ " الْوَجْهُ الثَّالِثُ هُنَا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الْمُتَكَرِّرُ وُقُوعُهَا مِنْ كَلْبٍ وَاحِدٍ وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِالسَّبْعِ قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ غَلَّظَ فِي أَمْرِ الْوُلُوغِ حَتَّى لَا " يُسْتَثْنَى " الْكِلَابُ .
وَلِهَذَا اخْتَارَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي سَائِرُ فَضَلَاتِ الْكَلْبِ مَا عَدَا الْوُلُوغَ مَرَّةً وَاحِدَة قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ .
وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً عَلَى مِثْلِهَا فَلَا أَثَرَ لِلتَّعَدُّدِ قَطْعًا إلَّا فِي صُورَةٍ فِيهَا خِلَافٌ وَهِيَ الْبَوْلُ يُصِيبُ الْأَرْضَ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْبَائِلِينَ فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ اُعْتُبِرَ ذَنُوبَانِ وَهَكَذَا تَتَعَدَّدُ الذَّنُوبُ " بِتَعَدُّدِ " الْأَشْخَاصِ .
" الثَّانِي عَشَرَ " فِي النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهُمَا " مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَكَذَا دَمُ الْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ " لَهُ شَرْطَانِ " : أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ بِفِعْلِهِ فَلَوْ كَانَ بِفِعْلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ فَتَلَوَّثَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْبَسْ الثَّوْبَ بَلْ حَمَلَهُ وَكَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَيَلْتَحِقُ بِالْبَرَاغِيثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَمُ الْبَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا حَتَّى لَوْ " عَصَرَهُ " وَكَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ .
وَكَذَلِكَ دَمُ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مِنْهُ .
" وَثَانِيهِمَا " أَنْ لَا يَتَفَاحَشَ بِالْإِهْمَالِ فَإِنَّ لِلنَّاسِ عَادَةً فِي غَسْلِ الثِّيَابِ كُلَّ حِينٍ فَلَوْ تَرَكَ غَسْلَ الثَّوْبِ سَنَةً مَثَلًا وَهُوَ يَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ قَالَهُ الْإِمَامُ وَمِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الْبَلْغَمُ إذَا كَثُرَ وَالْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا اُبْتُلِيَ بِهِ وَنَحْوُهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ الدَّائِمُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلِسِ الْبَوْلِ ، وَكَذَا أَوَانِي الْفَخَّارِ الْمَعْمُولَةِ بِالزِّبْلِ لَا تَطْهُرُ ، وَقَدْ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " بِمِصْرَ فَقَالَ : إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ " وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ " .
الثَّانِي : مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْأَجْنَبِيِّ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ ثُمَّ أَصَابَهُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فِي الْأَصَحِّ دُونَ كَثِيرِهِ قَطْعًا ، وَكَذَلِكَ طِينُ الشَّوَارِعِ الْمُتَيَقَّنِ بِنَجَاسَتِهَا " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ ، وَالْقَلِيلُ مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ لَا يُعْفَى عَنْ التَّغَيُّرِ
الْكَثِيرِ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ دُونَ عَيْنِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَكَذَلِكَ بَقَاءُ رِيحِ النَّجَاسَةِ أَوْ لَوْنِهَا إذَا عَسِرَ زَوَالُهُ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ وَلَا عَيْنِهِ وَلَا قَلِيلِهِ وَلَا كَثِيرِهِ وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ .
تَقْسِيمٌ آخَرُ : الْمَعْفُوُّ عَنْهُ أَقْسَامٌ : أَحَدُهَا : يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ صُورَةً : مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا كَالدُّودِ وَالْخُنْفُسَاءِ أَصْلًا ، أَوْ لَهَا دَمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَسِيلُ كَالْوَزَغِ ، وَغُبَارِ النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ ، وَقَلِيلِ دُخَّانِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ أُوقِدَ نَجَاسَةٌ تَحْتَ " الْمَاءِ " وَاتَّصَلَ بِهِ قَلِيلُ دُخَّانٍ لَمْ يَنْجُسْ وَقَلِيلُ الشَّعْرِ ، وَقَلِيلُ الرِّيشِ النَّجِسِ لَهُ حُكْمُ الشَّعْرِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ إلَّا أَنَّ أَجْزَاءَ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حُكْمُ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْهِرَّةُ إذَا وَلَغَتْ بَعْدَ أَكْلِهَا فَأْرَةً ، وَأَلْحَقَ الْمُتَوَلِّي السَّبُعَ بِالْهِرَّةِ ، وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ مَعَ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهَا خَرَّجَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَفْوَاهُ الْمَجَانِينِ كَالصِّبْيَانِ ، وَإِذَا " وَقَعَ " فِي الْمَاءِ طَيْرٌ عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ " يَتَعَذَّرُ " صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِانْكِمَاشِهِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَنْفَذِ الطَّيْرِ وَعَلَيْهِ ذَرْقٌ عُفِيَ عَنْهُ .
وَإِذَا نَزَلَ الطَّائِرُ فِي الْمَاءِ وَغَاصَ وَذَرَقَ فِيهِ الْعَفْوُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ طَرَفُ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَيَدُلُّ لَهُ " مَا " سَنَذْكُرُهُ فِي السَّمَكِ " عَنْ " الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ سَمَكًا فِي جُبٍّ مَا ثُمَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ " يَبُولُ " فِيهِ " أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ
لِلضَّرُورَةِ .
وَفِي تَعْلِيقِ الْبَنْدَنِيجِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ " عَنْهُ " لَا يُمْكِنُ ، وَحَكَى الْعِجْلِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ وُقُوعَ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ الْمُنْفَذِ فِي الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ عَدَمُ التَّنْجِيسِ مُسْتَدِلًّا " بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِمَقْلِ الذُّبَابِ " .
ثُمَّ قَالَ : وَلِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ وَنِيمَ الذُّبَابِ يَسِيرٌ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، وَإِذَا شَرِبَ مِنْ الْمَاءِ طَائِرٌ عَلَى فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تَتَخَلَّلْ " عَيْنَيْهِ " فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْمُنْفَذِ لِتَعَذُّرِ صَوْنِهِ عَنْهُ وَوَنِيمُ الذُّبَابِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُسْرِ صَوْنِهِ .
وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْخُفَّاشِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْمَائِعِ وَغُسَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَلَا زَائِدَةٍ الْوَزْنِ فَإِنَّهَا تَكُونُ طَاهِرَةً مَعَ أَنَّهَا لَاقَتْ نَجِسًا .
الْقِسْمُ الثَّانِي : مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ دُونَ الثَّوْبِ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا " سَائِلٌ " وَخُرْءِ السَّمَكِ وَمُنْفَذِ الطَّائِرِ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ وَهُوَ الدَّمُ الْيَسِيرُ مِنْ سَائِر الدِّمَاءِ إلَّا دَمُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ طِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ ، فَلَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ " أَوْ غَمَسَ " يَدَهُ فِي الْمَاءِ وَعَلَيْهَا قَلِيلُ دَمِ بُرْغُوثٍ أَوْ قَمْلٍ ، أَوْ غَمَسَ فِيهِ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بُرْغُوثٍ تَنَجَّسَ وَفَرَّقَ " الْعِمْرَانِيُّ " بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْمَاءِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الثِّيَابَ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْأَوَانِي فَإِنَّ صَوْنَهَا مُمْكِنٌ بِالتَّغْطِيَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ كُلَّ وَقْتٍ يَقْطَعُهَا فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِيهَا بِخِلَافِ الْمَاءِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي فِيهِ دَمُ
بُرْغُوثٍ يُصَلَّى فِيهِ وَلَوْ وَضَعَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ " يُنَجِّسُهُ " فَيَحْتَاجُ الَّذِي يَغْسِلُهُ أَنْ يُطَهِّرَهُ " بَعْدَ " الْغَسْلِ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ مَا عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ حَتَّى لَوْ سَالَ بِعَرَقٍ وَنَحْوِهِ وَوَقَعَ فِي الثَّوْبِ " عُفِيَ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ " وَلَوْ اتَّصَلَ بِالْمَاءِ نَجَّسَهُ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا أَدْرَكَهُ الطَّرَفُ مِنْ سَائِرِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ " وَغَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ .
وَمِنْهُ : الْفَأْرَةُ الْمَيِّتَةُ وَقَلِيلُ دَمِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ " بِخِلَافِ الْيَسِيرِ مِنْ شَعْرِهِمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَإِنَّ إطْلَاقَهُمْ يَقْتَضِي تَعْمِيمَ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا .
" الثَّالِثَ عَشَرَ " .
فِي النَّجَاسَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ : فَمِنْهَا : مَا يَسْتَحِيلُ حَيَوَانًا فَيَطْهُرُ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي دُودِ الْمَيْتَةِ أَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَوَلَّدَ حَيَوَانٌ مِنْ نَجَاسَةٍ مُغَلَّظَةٍ كَالْكَلْبِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ فَدُودُ الْمَيْتَةِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ مُتَنَجِّسُ الظَّاهِرِ .
" وَمِنْهَا " : الْبَيْضَةُ إذَا صَارَتْ دَمًا فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا " اسْتَحَالَتْ " فَرْخًا طَهُرَتْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْرَى فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ .
وَمِنْهَا : الْعَذِرَةُ إذَا أَكَلَهَا التُّرَابُ وَصَارَتْ تُرَابًا أَوْ أُلْقِيَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا لَمْ يَطْهُرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَجْهًا .
وَقَدْ يَسْتَحِيلُ الطَّاهِرُ نَجِسًا كَالْبَيْضَةِ تَصِيرُ دَمًا ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاهِرًا مَأْكُولًا " يَسْتَحِيلُ " " إلَى " الْحَيَاةِ فَلَا يُؤْكَلُ كَبَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ جَوَازًا أَكْلُهُ مَا دَامَ بَيْضًا ، وَإِذَا اسْتَحَالَ حَيَوَانٌ حَرُمَ أَكْلُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاةَ قِسْمَانِ : رُوحَانِيَّةٌ وَنَبَاتِيَّةٌ ، وَاسْتِحَالَةُ الْحَيَاةِ " إلَى " الْأُولَى مُقْتَضِيَةٌ لِلطَّهَارَةِ وَاسْتِحَالَتُهَا إلَى الثَّانِيَةِ كَالزَّرْعِ النَّابِتِ بِالنَّجَاسَةِ " قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ لَكِنْ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ " الْمُجَاوِرَةِ ، فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ، وَإِذَا سَنْبَلَ فَحَبَّاتُهُ الْخَارِجَةُ طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهَا وَهَكَذَا الْقِثَّاءُ وَالْخِيَارُ وَنَحْوُهُمَا يَكُونُ طَاهِرًا وَلَا حَاجَةَ لِغَسْلِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَهَكَذَا الشَّجَرَةُ إذَا سُقِيَتْ مَاءً نَجِسًا فَأَغْصَانُهَا وَأَوْرَاقُهَا وَثِمَارُهَا طَاهِرَةٌ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ فَرْعُ الشَّجَرَةِ .
وَنَمَاؤُهَا .
انْتَهَى ، " وَحَكَى الْعِمْرَانِيُّ " عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ الْبَقْلَ النَّابِتَ فِي النَّجَاسَةِ نَجِسُ الْعَيْنِ كَقَوْلِهِ
فِي دُودِ الْمَيْتَةِ : إنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ .
ثُمَّ عَلَى الْمَذْهَبِ " ظَاهِرُ " مَا أَطْلَقُوهُ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا وَيَظْهَرُ تَقْيِيدُهَا وَتَقْيِيدُ حِلِّ الْأَكْلِ بِمَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْحَبِّ أَوْ الْبَقْلِ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ ، وَكَذَا فِي الثِّمَارِ الْمَسْقِيَّةِ بِالنَّجِسِ لَا سِيَّمَا شَجَرَ الْعِنَبِ وَالْبِطِّيخِ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافُ الْجَلَّالَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ إذَا بَلَّ الْفُولَ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يُجَفَّفَ وَيُنْقَعَ ثَانِيًا " فِي مَاءٍ " طَهُورٍ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَشَرُّبِ الْحَبِّ النَّجَاسَةَ مِنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مَزْرُوعًا وَبَيْنَ مَا يَشْرَبُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ قَدْ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِتَرْبِيَةِ الزَّرْعِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّنْجِيسَ كَمَا لَوْ احْتَاجَ إلَى عَلَفِ الْجَلَّالَةِ يَنْجُسُ فَإِنَّ فِيهَا الْخِلَافَ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ " يُنْقَعَ " الْحَبُّ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ .
الرَّابِعَ عَشَرَ " يُصَلِّي مَعَ النَّجَاسَةِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : مَا لَا تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى ثِيَابٍ دَمُ الْبَرَاغِيثِ ، أَوْ بَقِيَ أَثَرُ مَوْضِعِ الِاسْتِجْمَارِ .
وَمِنْهَا : مَا تَجِبُ مَعَهُ الْإِعَادَةُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ أَوْ " وَجَدَ " - وَخَافَ التَّلَفَ أَوْ عَلِمَ بِهَا ثُمَّ " نَسِيَهَا " أَوْ جَهِلَ مُلَابَسَتَهُ إيَّاهَا ثُمَّ عَلِمَ .
النَّذْرُ الْمُطْلَقُ هَلْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ أَوْ جَائِزِهِ ؟ قَوْلَانِ : قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ : وَقَوْلُهُمْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَيْ فِي الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُوبِ الْأَصْلِ ، وَعَنَوْا بِجَائِزِ الشَّرْعِ هَا هُنَا الْقُرُبَاتِ الَّتِي " جُوِّزَ " تَرْكُهَا انْتَهَى .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ النَّذْرِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ حُكْمَهُ كَالْجَائِزِ فِي الْقُرُبَاتِ أَوْ كَالْوَاجِبِ فِي أَصْلِهِ .
قُلْت : " وَالْأَرْجَحُ غَالِبًا " حَمْلُهُ " عَلَى الْوَاجِبِ ، وَلِهَذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرْضٍ وَمَنْذُورَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ وَلَا يُصَلِّي الْمَنْذُورَةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى الْأَصَحِّ " فِيهَا " .
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً " لَزِمَهُ " رَكْعَتَانِ وَجَبَ عَلَى مَنْ نَذَرَ الصَّوْمَ التَّبْيِيتُ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ : إذَا قُلْنَا : يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ صَحَّ مِنْ النَّهَارِ كَالتَّطَوُّعِ ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ يَجِبُ كَمَا فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ خِلَافًا لِمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ .
وَلَوْ نَذَرَ هَدْيَ شَيْءٍ مِنْ النَّعَمِ اُشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الْأُضْحِيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ كَمَا لَا يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبَةِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ .
وَلَوْ نَذَرَ بَدَنَةً فَفِي قِيَامِ بَقَرَةٍ أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ مَقَامَهَا أَوْجُهٌ .
أَحَدُهَا : لَا " وَالثَّانِي : نَعَمْ وَالْأَصَحُّ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ الْإِبِلَ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا أَوْ لَا يَجِدُ فَيَجُوزُ .
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ : إحْدَاهَا : لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ لَمْ تُشْتَرَطْ فِيهَا السَّلَامَةُ مِنْ " عُيُوبِ الْكَفَّارَةِ " فِي الْأَصَحِّ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ " جَازَ " فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثَةُ :
لَوْ نَذَرَ صَوْمًا كَفَاهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ حَمْلًا عَلَى الْجَائِزِ ، وَقِيلَ : يَكْفِيهِ بَعْضُ يَوْمٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ " صَوْمِ " ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَمْلًا عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ .
الرَّابِعَةُ : لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ كَفَاهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَلِطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي تَخْرِيجِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَزَادَ وَلَا يُقَالُ : " الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ " لَكِنْ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يُقَالُ .
السَّادِسَةُ : لَوْ أَصْبَحَ مُمْسِكًا غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ثُمَّ نَذَرَ أَنْ يَنْوِيَ وَيَصُومَ لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَلَيْسَ لَنَا صَوْمٌ وَاجِبٌ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ إلَّا هَذَا وَيُنَزَّلُ ذَلِكَ عَلَى جَائِزِ الشَّرْعِ وَهُوَ صِحَّةُ الصَّوْمِ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا رَكْعَةٌ تَنْزِيلًا عَلَى الْجَائِزِ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ " الْقِيَامُ " وَلَا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ فَإِنَّ الْخِلَافَ هُنَاكَ " مِنْ " النَّذْرِ الْمُطْلَقِ .
السَّابِعَةُ : لَوْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ النَّذْرِ عَامِدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ " الْيَوْمِ " عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ وَجَعَلَا الْإِمْسَاكَ مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ وَكَانَ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، حَتَّى إنَّهُ يَجِبُ إذَا " سَلَكْنَا " بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ وَقَدْ سَبَقَ عَنْ نَصِّ الْبُوَيْطِيِّ .
النِّسْيَانُ عُذْرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي إيجَادَ الْفِعْلِ فَمَا ( لَمْ ) يُفْعَلْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَفَّ .
فَالْمَفْعُولُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَلَا قَصْدٍ .
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَلِأَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ ( يُمْكِنُهُ ) تَلَافِيهِ بِإِيجَادِ الْفِعْلِ ( فَلَزِمَهُ ) وَلَمْ يُعْذَرْ فِيهِ بِخِلَافِ ( الْمَنْهِيِّ ) إذَا ارْتَكَبَهُ ( فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ) تَلَافِيهِ إذْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ نَفْيُ فِعْلٍ حَصَلَ فِي الْوُجُودِ فَعُذِرَ فِيهِ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَمْرِ رَجَاءُ الثَّوَابِ فَإِذَا لَمْ ( يَأْتَمِرْ ) لَمْ يُرْجَ لَهُ ثَوَابُهُ بِخِلَافِ النَّهْيِ فَإِنَّ سَبَبَهُ خَوْفُ الْعِقَابِ ؛ لِأَنَّهُ لِهَتْكِ الْحُرْمَةِ ، وَالنَّاسِي لَا يَقْتَضِي فِعْلُهُ هَتْكَ حُرْمَةٍ فَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابُ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْكَلَامِ نَاسِيًا ( وَالصَّوْمُ بِالْأَكْلِ نَاسِيًا ) وَكَمَا فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا ( وَكَأَنْ يُعْذَرَ ) فِي الْيَمِينِ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) أَوْ بِالطَّلَاقِ بِالنِّسْيَانِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيَّاتِ .
وَمِنْ الثَّانِي : النِّيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَلَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ نَاسِيًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ، وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ ، وَلَوْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ أَوَّلً الْوُضُوءِ تَدَارَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ وَلَوْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ أَعَادَ ، أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَصَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ أَعَادَ ، أَوْ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ وَهُوَ نَاسٍ لَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا ثُمَّ ذَكَرَ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ رَقَبَةٌ وَهُوَ نَاسٍ فَصَامَ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّقَبَةَ ، وَلَوْ مَرَّ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ نَاسِيًا لَزِمَهُ دَمٌ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ ، نَعَمْ إذَا قُلْنَا : يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَى الدَّاخِلِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُ نَاسِيًا لَا
يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ، وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ نَاسِيًا مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْمَأْمُورَاتِ .
وَلَوْ تَعَاطَى سَبَبَ الْحَدَثِ نَاسِيًا كَاللَّمْسِ وَنَحْوِهِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الصَّوْمِ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا مِنْ قَبِيلِ الْمَأْمُورِ .
وَلِهَذَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْمَأْمُورَاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ مَأْمُورًا بَلْ هُوَ مِنْ الْمَنْهِيِّ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكٌ وَيُتَصَوَّرُ مِنْ النَّائِمِ جَمِيعُ النَّهَارِ فَأَسْقَطَ الشَّرْعُ غَفْلَةَ النَّاسِي .
تَنْبِيهَاتٌ : الْأَوَّلُ : إنَّمَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ بِشُرُوطٍ : أَحَدُهَا " أَنْ لَا يَكْثُرَ فَإِنْ كَثُرَ ضَرَّ كَمَا فِي الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَذَا الْأَكْلُ فِي الصَّوْمِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ ، وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَهَلْ يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ فِيهِ نَظَرٌ .
الثَّانِي : أَنْ لَا يَسْبِقَهُ تَصْرِيحٌ بِالْتِزَامِ حُكْمِهِ كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الدَّارَ عَامِدًا وَلَا نَاسِيًا فَدَخَلَهَا نَاسِيًا حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ بِالْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ أَنَّ مَا وَسَّعَهُ الشَّرْعُ فَضَيَّقَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ فَهَلْ يَتَضَيَّقُ كَمَا لَوْ نَذَرَ النَّفَلَ قَائِمًا أَوْ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَالْأَصَحُّ لَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَيَّقُ .
الثَّالِثُ : أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ حَالَةٌ مُذَكِّرَةٌ يُنْسَبُ مَعَهَا لِتَقْصِيرٍ وَإِلَّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَلِهَذَا لَوْ أَكَلَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ مَا لَوْ عَلَّقَ الظِّهَارَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلظِّهَارِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكُونُ عَائِدًا ؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَتَذَكَّرَ تَصَرُّفَهُ فَلَا يُعْذَرُ فِي نِسْيَانِ الظِّهَارِ ، وَرَأَى الْبَغَوِيّ تَخْرِيجَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي حِنْثِ النَّاسِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا أَحْسَنُ .
الثَّانِي : النِّسْيَانُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ فِي
الْإِتْلَافَاتِ لَا الضَّمَانُ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ نَاسِيًا .
الثَّالِثُ : يَلْحَقُ بِالنَّاسِي الْغَالِطُ إذَا أَتَى بِالْمُبْطِلِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا وَعِنْدَهُ قَدْ تَحَلَّلَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ ( فِيهَا ) نَاسِيًا ، وَلَوْ جَامَعَ الصَّائِمُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَبَانَ خِلَافُهُ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالنَّاسِي .
النَّظَرُ إلَى الظَّاهِرِ أَوْ إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : إلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَطْعًا كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَبَرِئَ نَفَذَ قَطْعًا .
الثَّانِي : إلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
كَالْمَعْضُوبِ إذَا اسْتَنَابَ وَهُوَ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ثُمَّ بَرِئَ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَكْسُهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِزِيَادَةِ مَرَضٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ .
أَعْتَقَ مَنْ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ صَارَ بِصِفَةِ الْإِجْزَاءِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْإِمَامِ .
إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ قَضَوْا فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثُ : النَّظَرُ لِلظَّاهِرِ فِي الْأَصَحِّ .
كَالْهَرَمِ إذَا أَطْعَمَ عَنْ الصَّوْمِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْهَرَمَ عَارِضٌ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَكَذَلِكَ إذَا زَنَى الْمَرِيضُ مَرَضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ فَحَدُّهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمَّ بَرِئَ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ .
النَّفَلُ فِيهِ مَبَاحِثُ : الْأَوَّلُ : هُوَ قِسْمَانِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ بِوَقْتٍ أَوْ سَبَبٍ .
وَيَتَخَالَفَانِ فِي أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ وَذَلِكَ مَحْصُورُ الْعَدَدِ .
ثَانِيهَا : يَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعْيِينِ .
ثَالِثُهَا : لَا يَجُوزُ فِعْلُ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يَنْعَقِدُ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُؤَقَّتِ .
الثَّانِي : النَّفَلُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الْفَرْضِ .
وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِيَامُ وَلَا الِاسْتِقْبَالُ فِي السَّفَرِ وَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ .
وَكَذَا لَوْ صَلَّى إلَى جِهَةٍ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى ، أَوْ أَرَادَ قَضَاءَ فَائِتَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ ثَانِيًا وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِلنَّافِلَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ ( التَّهْذِيبِ ) ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ( الْفَرِيضَةِ ) لَا يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ وَلَوْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ فَوَجْهَانِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حُرْمَةِ ( الْفَرِيضَةِ ) وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ .
وَقَدْ ( يُضَيَّقُ النَّفَلُ فِي صُوَرٍ ) ( تَرْجِعُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ) وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ فِي ( الْفَرْضِ لِلضَّرُورَةِ ) .
مِنْهَا : يَمْتَنِعُ النَّفَلُ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ ( لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ) .
وَمِنْهَا : تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنْ الْمَعْضُوبِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ وَيَمْتَنِعُ فِي النَّفْلِ .
وَمِنْهَا : تُصَلِّي الْمُتَحَيِّرَةُ الْفَرْضَ وَتُمْنَعُ مِنْ النَّفْلِ عَلَى وَجْهٍ قَوِيٍّ ( وَيَجُوزُ ) التَّيَمُّمُ فِي الْفَرْضِ وَفِي النَّفْلِ خِلَافٌ وَسُجُودُ السَّهْوِ يُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ وَلِلشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَوْلٌ غَرِيبٌ : إنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلنَّفْلِ .
الثَّالِثُ : مَنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ هَلْ لَهُ ( التَّنَفُّلُ ) قَبْلَ أَدَائِهِ بِجِنْسِهِ أَمْ لَا ؟ هُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا " الْعِبَادَاتُ
الْمَحْضَةُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنْ كَانَتْ مُوَسَّعَةً جَازَ قَطْعًا وَإِنْ كَانَتْ مُضَيَّقَةً امْتَنَعَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْفَرْضِ فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ فَالْقِيَاسُ بُطْلَانُهُ كَالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ .
وَمِنْهَا : لَوْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ لَا يَبْتَدِئُ النَّافِلَةَ ، وَفِي مَعْنَى الشُّرُوعِ قُرْبُ إقَامَتِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَالْخَطِيبُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ ؛ لِئَلَّا يَفُوتَهُ أَوَّلُ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ .
وَمِنْهَا رَمَضَانُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ فَلَوْ نَوَاهُ لَمْ يَصِحَّ .
وَمِنْهَا لَيْسَ لَهُ التَّطَوُّعُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَدَاءِ الْفَرْضِ فَلَوْ فَعَلَ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ .
الثَّانِي : الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إذَا فَعَلَهَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّا لَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلَا يَحِلُّ تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَمْلِكُهُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَهِبَةِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْمُرَجَّحِ .
وَمِنْهَا : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ .
النَّقْدُ وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قِيَمُ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي بَابِ السَّرِقَةِ فَإِنَّ الذَّهَبَ أَصْلٌ وَالْفِضَّةَ عُرُوضٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ وَقَالَ : لَا أَعْرِفُ مَوْضِعًا نَزَلَ الدِّرْهَمُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْعُرُوضِ إلَّا فِي السَّرِقَةِ ، وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ يُضْمَنُ بِغَيْرِ النَّقْدِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْمُصَرَّاةُ .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ فَعَتَقَ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِلسَّيِّدِ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ مِنْ إبِلِ الدِّيَةِ .
ثُمَّ فِي جَوَازِ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ إذَا رَاجَتْ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ يَجُوزُ عَلَى عَيْنِهَا وَيَمْتَنِعُ فِي الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ قَطْعًا ، وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهَا عَلَى الْأَقْوَى عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَيَمْتَنِعُ الْقِرَاضُ عَلَيْهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَيَلْزَمُ النَّوَوِيَّ طَرْدُ اخْتِيَارِهِ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ شَرِيكٌ ، وَأَمَّا قَرْضُهَا فَقَالَ فِي الْبَحْرِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا ، وَحَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَهُوَ قَضِيَّةُ مَا فِي التَّبْصِرَةِ لِلْجُوَيْنِيِّ وَكَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْقِرَاضِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ التَّعَامُلِ بِهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ التَّبْصِرَةِ وَالْمُخْتَارُ الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِقْرَاضِ إرْفَاقًا .
( وَلِهَذَا يَجُوزُ فِيهِ أَخْذُ الزَّائِدِ ) وَالنَّاقِصِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يُلْحَقُ بِالْمُعَاوَضَاتِ ، وَأَمَّا ضَمَانُهَا إذَا تَلِفَتْ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إذَا أُتْلِفَتْ الْمَغْشُوشَةُ لَا تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا بَلْ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ ذَهَبًا وَقِيمَةُ الذَّهَبِ دَرَاهِمُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرَهُ فِي الدَّعْوَى بِهَا أَنَّهُ يَذْكُرُ قِيمَتَهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا جَعَلْنَاهَا مُتَقَوِّمَةً ، وَقَدْ حَمَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الدَّعَاوَى
كَلَامَ أَبِي حَامِدٍ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَعَلَّهُ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْشُوشَ مُتَقَوِّمٌ إنْ جَعَلْنَاهُ مِثْلِيًّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا نَشْتَرِطَ التَّعَرُّضَ لِلْقِيمَةِ ، وَقَدْ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ وَإِلَّا فَمُتَقَوِّمَةٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَا قَالَهُ فَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْمُعَامَلَةِ بِهَا وَبِهِ يَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مِثْلِيَّةً ، فَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ - لَا خِلَافَ فِيهِ - مَرْدُودٌ .
ضَابِطٌ فِي التَّعَامُلِ بِالْمَغْشُوشِ .
هُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : يُعْلَمُ الْخَالِصُ مِنْهُ لِلْمُتَعَامِلِينَ وَغَيْرِهِمْ فَيَجُوزُ عَيْنًا وَذِمَّةً .
وَالثَّانِي : يُجْهَلُ وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا غِشُّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي قِيمَتِهِ كَالنُّحَاسِ وَإِلَى مَا يَكُونُ مُسْتَهْلَكًا غَيْرَ مَقْصُودٍ كَالزِّئْبَقِ وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَمْتَزِجُ بِالْآخَرِ وَإِلَى مَا لَا يَمْتَزِجُ فَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ غَيْرَ مُمَازِجَةٍ لِلْغِشِّ مِنْ النُّحَاسِ وَإِنَّمَا الْفِضَّةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَالْمُعَامَلَةُ بِهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ لَا عَيْنًا وَلَا فِي الذِّمَّةِ لِاسْتِتَارِ بَعْضِ الْمَقْصُودِ وَالْجَهَالَةِ بِهِ .
وَإِنْ كَانَتْ مُمَازِجَةً لَمْ تَجُزْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْمَعْجُونَاتِ الْمَقْصُودَةِ أَجْزَاؤُهَا وَفِي جَوَازِهِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِلْجَهَالَةِ بِأَجْزَائِهَا كَتُرَابِ الصَّاغَةِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَعْجُونَاتِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ إذَا شُوهِدَتْ وَخَالَفَ تُرَابَ الصَّاغَةِ فَإِنَّهُ اخْتَلَطَ الْمَقْصُودُ بِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ بِغَيْرِ ( مَقْصُودٍ فَإِنْ امْتَزَجَا لَمْ يَجُزْ فِي الذِّمَّةِ وَالْعَيْنِ كَتُرَابِ الصَّاغَةِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَزِجَا بَلْ كَانَ الْغِشُّ ) فِي بَاطِنِهَا وَالْفِضَّةُ عَلَى ظَاهِرِهَا جَازَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى عَيْنِهَا دُونَ الذِّمَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ ( بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَلَا بَيْعُهَا بِالْخَالِصَةِ ) لِلرِّبَا ،
وَلَوْ أَتْلَفَهَا رَجُلٌ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهَا وَلَزِمَهُ قِيمَتُهَا .
وَهَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ زَكَاةِ النَّقْدِ .
النَّكِرَةُ إذَا أُعِيدَتْ كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } .
وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) : ( لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ ) .
وَمِنْ فُرُوعِهِ : لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الطَّلْقَةَ مَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ أَضَافَهُ لِطَلْقَةٍ وَعَطَفَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّأْكِيدِ ، وَقِيلَ : لَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلْقَةِ وَإِنْ كُرِّرَ فَيَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ ، وَالْقَاعِدَةُ الْبَيَانِيَّةُ تَشْهَدُ لِلْمُرَجِّحِ إلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ قَالَ : إنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ إنَّمَا دَخَلَ فِي الْأَبْعَاضِ لَا فِي الطَّلْقَاتِ وَالْأَبْعَاضُ مُتَغَايِرَةٌ وَإِنَّمَا تَغَايَرَتْ الطَّلْقَاتُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الطَّلْقَاتُ غَيْرَ مُتَغَايِرَةٍ لَأَتَى فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ قَالَ : وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ إذَا لَمْ يُعْطَفْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي لَمْ نَعْطِفْهُ عَلَى النِّصْفِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ لَفْظُ الْإِيقَاعِ وَلَا عُطِفَ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْإِيقَاعِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ؛ لَمْ تَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ .
وَمِنْهَا : لَوْ قَالَ : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كَلَّمْت فَقِيهًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كَلَّمْت شَيْخًا فَأَنْتِ طَالِقٌ - فَكَلَّمَتْ ( مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْكُلُّ وَقَعَ ثَلَاثٌ لِاجْتِمَاعِ الصِّفَاتِ فِيهِ ) وَقِيَاسُ الْقَاعِدَةِ اعْتِبَارُ التَّعَدُّدِ .
وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رَغِيفٍ أَوْ رُمَّانَةٍ فَأَكَلَتْ نِصْفَيْ رُمَّانَتَيْنِ أَوْ نِصْفَيْ رَغِيفَيْنِ لَمْ يَقَعْ وَمِنْ مُشْكِلِهِ أَيْضًا مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ ، وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةٍ وَعَلَّقَ بِنِصْفٍ بِأَنْ قَالَ : إنْ أَكَلْت (
رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ أَكَلْت نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ - فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ) فَطَلْقَتَانِ لِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ .
وَلَوْ بَاعَ بِنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ لَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ صَحِيحٌ بَلْ لَهُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ كُلٍّ ، كَذَا أَطْلَقُوهُ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا صَرَّحَ بِالدِّرْهَمِ الْمُضَافِ إلَيْهِ ، أَمَّا لَوْ صَرَفَهُ كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ دِينَارٌ صَحِيحٌ .
النُّكُولُ مَعَ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ كَالْإِقْرَارِ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ وَقَدْ أَطْلَقُوهُ وَلَهُ شُرُوطٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَأَمَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا كَمَنْ نَكَلَ عَنْ ( الْحَلِفِ ) عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ لَا يُحَدُّ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْحَقَّانِ كَالسَّرِقَةِ فَوَجْهَانِ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَالِفِ وَالنَّاكِلِ وَأَمَّا فِي حَقٍّ ثَالِثٍ فَلَا يَتَعَدَّى لِيَخْرُجَ مَنْ نَكَلَ عَنْ يَمِينِ نَفْيِ الْقَتْلِ فَلَا تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ إذَا حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ لَا التَّحْقِيقِيَّةِ .
ثُمَّ إذَا جَعَلْنَاهَا كَالْبَيِّنَةِ فَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَمُنَزَّلَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ مَقْبُولًا فِي حَقِّهِ قُبِلَتْ قَطْعًا كَمَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْمُفْلِسِ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا فَأَنْكَرَ فَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنْ قُلْنَا : كَالْإِقْرَارِ ، سُمِعَتْ وَكَذَلِكَ كَالْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْإِتْلَافِ أَوْ الدَّيْنِ قَبْلَ الْحَجْرِ لَقُبِلَتْ فَلْتُقْبَلْ ( الْبَيِّنَةُ ) أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا كَالْإِقْرَارِ وَأَوْلَى وَإِقْرَارُهُ مَقْبُولٌ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ الْإِقْرَارُ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ لَمْ تُسْمَعْ فِي الْأَصَحِّ .
مِثَالُهُ ادَّعَى عَلَى الرَّاهِنِ أَنَّ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ جَنَى فَأَنْكَرَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ فَإِنْ قُلْنَا : كَالْإِقْرَارِ لَمْ يُسْمَعْ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَا يُسْمَعُ فِي حَقٍّ ثَالِثٍ وَإِنْ قُلْنَا : كَالْبَيِّنَةِ فَوَجْهَانِ الْأَصَحُّ لَا تُسْمَعُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَعَدَّى إلَى ثَالِثٍ وَإِقْرَارُ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنَفَّذُ .
النِّيَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : فِي حَقِيقَتِهَا ، وَهُوَ رَبْطُ الْقَصْدِ بِمَقْصُودٍ مُعَيَّنٍ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُطْلَقُ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هِيَ قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ فَإِنْ قَصَدَهُ وَتَرَاخَى عَنْهُ فَهُوَ عَزْمٌ .
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ : أَمْرُ النِّيَّةِ سَهْلٌ فِي الْعِبَادَاتِ ( وَإِنَّمَا يَتَعَسَّرُ بِسَبَبِ الْجَهْلِ ) ؟ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ أَوْ الْوَسْوَسَةِ فَحَقِيقَةُ النِّيَّةِ الْقَصْدُ إلَى الْفِعْلِ وَذَلِكَ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ الْفِعْلُ اخْتِيَارِيًّا كَالْهُوِيِّ إلَى السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بِقَصْدِهِ وَتَارَةً يَكُونُ بِسُقُوطِ الْإِنْسَانِ عَلَى وَجْهِهِ بِصَدْمَةٍ فَهَذَا الْقَصْدُ يُضَادُّهُ الِاضْطِرَارُ وَالْقَصْدُ الثَّانِي كَالْعِلَّةِ لِهَذَا الْقَصْدِ وَهُوَ الِانْبِعَاثُ لِإِجَابَةِ الدَّاعِي كَالْقِيَامِ عِنْدَ رُؤْيَةِ إنْسَانٍ فَإِنْ قَصَدْت احْتِرَامَهُ فَقَدْ نَوَيْت تَعْظِيمَهُ وَإِنْ نَوَيْت الْخُرُوجَ ( إلَى الطَّرِيقِ فَقَدْ نَوَيْت الْخُرُوجَ ) فَالْقَصْدُ إلَى الْقِيَامِ لَا يَنْبَعِثُ مِنْ النَّفْسِ إلَّا إذَا كَانَ فِي الْقِيَامِ غَرَضٌ ، فَذَلِكَ الْغَرَضُ هُوَ الْمَنْوِيُّ ، وَالنِّيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ فِي الْغَالِبِ أُرِيدَ بِهَا انْبِعَاثٌ لِلْقَصْدِ مُوَجَّهًا إلَى ذَلِكَ الْغَرَضِ ، فَالْغَرَضُ عِلَّةٌ وَقَصْدُ الْفِعْلِ لَا يَنْفَكُّ عِنْدَ الْخَطَرِ إذْ اللِّسَانُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ كَلَامٌ مَنْظُومٌ اضْطِرَارًا ، وَالْفِكْرُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ النِّيَّةِ فَهَذَا يُفِيدُك أَنَّ النِّيَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ إجَابَةِ الْبَاعِثِ الْمُتَحَرِّكِ فَهَذَا تَحْقِيقُ نَوْعَيْ الْقَصْدِ ، فَالْقَصْدُ الْأَوَّلُ يَسْتَدْعِي عِلْمًا فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ الْقِيَامَ وَلَا التَّكْبِيرَ لَا يَقْصِدُ ، وَالْقَصْدُ الثَّانِي أَيْضًا يَسْتَدْعِي الْعِلْمَ بِأَنَّ الْغَرَضَ إنَّمَا يَكُونُ بَاعِثًا فِي حَقِّ مَنْ عَلِمَ الْغَرَضَ فَيُرْجَعُ إلَى الثَّانِي وَهُوَ النِّيَّةُ وَهِيَ خَطِرَةٌ وَاحِدَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَعَدُّدٌ حَتَّى يَعْسُرَ جَمْعُهَا وَيُمْكِنُ اسْتِدَامَتُهَا بَلْ يَجِبُ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ إلَى
آخِرِهِ وَتَنْقَطِعُ اسْتِدَامَتُهَا بِضِدِّهَا وَهُوَ قَصْدٌ لِشَيْءٍ آخَرَ .
الثَّانِي : النِّيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى نِيَّةِ ( التَّقَرُّبِ ) وَنِيَّةِ التَّمْيِيزِ .
فَالْأُولَى : تَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ وَهُوَ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ( تَعَالَى ) .
وَالثَّانِيَةُ : تَكُونُ فِي الْمُحْتَمَلِ لِلشَّيْءِ وَغَيْرِهِ وَذَلِكَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ إذَا أَقْبَضَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ هِبَةً وَقَرْضًا وَدِيعَةً وَإِبَاحَةً فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ تَمَيُّزِ إقْبَاضِهِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِقْبَاضِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ( نِيَّةُ التَّقَرُّبِ ) ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي مَوَاضِعَ ، وَقَالَ فِي بَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ : إنَّ مَنْ عَلَيْهِ أَلْفُ .
دِرْهَمٍ دَيْنًا فَسَلَّمَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا لَا يَقَعُ عَنْ الدَّيْنِ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَدَاءَهُ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ وَيَتِيمِهِ فَإِذَا أُطْلِقَ الشِّرَاءُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا ( بِالنِّيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ ) عَنْ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ .
وَلَوْ وَكَّلَ عَبْدًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ مَالًا آخَرَ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ : وَيَجِبُ أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمُوَكِّلِ وَإِلَّا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْعِتْقِ لَا يَنْدَفِعُ بِالنِّيَّةِ .
وَكَلَامُ الْجُرْجَانِيِّ فِي الشَّافِي يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْمِيَةُ وَأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالنِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنْ صَدَّقْنَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ لِلْمُوَكَّلِ .
وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ : اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ سَيِّدِي فَفَعَلَ صَحَّ وَيُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِالْإِضَافَةِ لِلْعَبْدِ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فَلَوْ أُطْلِقَ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ لَا يَرْضَى بِعَقْدٍ يَتَضَمَّنُ الْإِعْتَاقَ قَبْلَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ وَالنِّيَّةُ الْأُولَى تَمْتَنِعُ مِنْ الْكَافِرِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ظَاهَرَ صَحَّ وَيُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ
وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ النِّيَّةِ .
وَكَذَلِكَ إذَا حَاضَتْ الْكَافِرَةُ وَاغْتَسَلَتْ لِتَحِلَّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَنْوِيَ إبَاحَةَ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَإِنْ لَمْ تَنْوِ لَا يُبَاحُ وَطْؤُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِلتَّقَرُّبِ وَاخْتُلِفَ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الزَّكَاةُ هَلْ شُرِطَتْ النِّيَّةُ فِيهَا لِلْعِبَادَةِ أَوْ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ( الدَّارِمِيُّ ) فِي الِاسْتِذْكَارِ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ دَفَعَ إلَى الْإِمَامِ وَلَمْ يَنْوِ هَلْ يُجْزِيهِ وَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْفَرْضِيَّةِ .
الثَّانِي : النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : الْأَوْلَى أَنْ لَا تُجْعَلَ النِّيَّةُ فِيهِ لِلْقُرْبَةِ بَلْ لِلتَّمْيِيزِ وَلَوْ كَانَتْ لِلْقُرْبَةِ لَمَا جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَدَاءِ الْوُضُوءِ وَحَذْفِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى أَدَاءَ الْوُضُوءِ كَفَاهُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهَذَا مِنْهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَكْسٌ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ جَعَلَ الِاكْتِفَاءَ بِأَدَاءِ الْوُضُوءِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ ، وَالرَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ ، وَعِبَارَةُ الْإِمَامِ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ مِنْ نِيَّةِ الْقُرُبَاتِ ( وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ) أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوُضُوءَ قُرْبَةٌ ، وَمَا قَطَعَ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الْوُضُوءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ نِيَّةُ الْقُرُبَاتِ ، وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوُضُوءَ يَقَعُ تَنْظِيفًا وَيَقَعُ مَأْمُورًا بِهِ فَالْغَرَضُ مِنْ النِّيَّةِ إيقَاعُهُ مَأْمُورًا كَانَ ظَنًّا بَعِيدًا .
الثَّالِثُ : مِنْ الْأَفْعَالِ مَا تَدْخُلُهُ النِّيَّةُ وَمِنْهَا مَا لَا تَدْخُلُهُ .
فَمِنْ الْأَوَّلِ الْعِبَادَاتُ ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ عِبَادَةً ، كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وُصُولُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِهَا ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ فَتَفْتَقِرُ إلَى قَصْدِ إيقَاعِهَا طَاعَةً لِيُثَابَ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ نَعَمْ إنْ أُرِيدَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا افْتَقَرَتْ إلَيْهَا .
وَأَمَّا ) الْمُحَرَّمَاتُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ فَإِنْ قَصَدَ الثَّوَابَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الِامْتِثَالِ خُصُوصًا إذَا اشْتَهَتْهُ النَّفْسُ وَصَرَفَهَا عَنْهُ ، وَمِمَّا ذَكَرْنَا يُعْلَمُ حُكْمُ الْمَكْرُوهَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ التُّرُوكُ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَلِهَذَا تَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وَكَذَا مَا تَعَيَّنَ لِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَمِنْ هُنَا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ : لَا تَجِبُ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ صِفَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِلْمَاءِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : لَا مَدْخَلَ لِلنِّيَّةِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَدَفْنِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ : أَدَاءُ الدَّيْنِ وَرَدُّ الْوَدِيعَةِ وَالْأَذَانُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارُ وَهِدَايَةُ الطَّرِيقِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ الَّتِي تَقَعُ تَارَةً طَاعَةً وَغَيْرَ طَاعَةٍ أُخْرَى بِدَلِيلِ ذِكْرِ الْهِجْرَةِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا هَذِهِ الْقُرُبَاتُ وَنَحْوُهَا مِمَّا شُرِعَ لِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ قَصْدًا أَوْ كَانَ بِصُورَتِهِ عِبَادَةً فَعَدَمُ وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهَا
لِعَدَمِ إرَادَتِهَا أَوْ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْإِرَادَةِ حِسًّا كَصُورَةِ ( الْعَمَلِ ) إنْ قِيلَ بِعُمُومِ الْأَعْمَالِ لِلطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ انْتَهَى .
وَقَدْ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى ، وَالْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ فِي بَابِ الْأَوَامِرِ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْوَاجِبُ الْأَوَّلُ وَهُوَ النَّظَرُ الْمَعْرُوفُ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَصْدُ إلَى إيقَاعِهِ طَاعَةً إلَّا إذَا عُرِفَ وُجُوبُهُ وَهُوَ بَعْدُ لَمْ يُعْرَفْ وُجُوبُهُ فَيَسْتَحِيلُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِيهِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ .
الثَّانِي : إرَادَةُ الطَّاعَةِ فَإِنَّهَا لَوْ افْتَقَرَتْ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وَفِيمَا قَالَهُ نِزَاعٌ وَمِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَّةُ التَّذْكِيَةُ ، فَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَتْ وَاحْتَكَّتْ بِهَا شَاةٌ فِي الْمَذْبَحِ حَتَّى مَاتَتْ فَحَرَامٌ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ مِنْهُ شَبَكَةٌ ( فَتَعَلَّقَ بِهَا ) صَيْدٌ فَهُوَ حَرَامٌ فِي الْأَصَحِّ لِعَدَمِ الْقَصْدِ .
وَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِقَصْدِ اصْطِيَادِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ فَوَقَعَ فِيهَا مَأْكُولٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ فِي الْمِلْكِ وَجْهَانِ مِنْ نَظِيرِهِ ، فَمَا لَوْ رَمَى إلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ غَيْرَ صَيْدٍ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ فَإِنَّهُ يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ .
وَقَدْ يُكْتَفَى بِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ عَنْ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَتَسَحَّرُ لِأَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ غَدًا ، فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي النِّيَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي الِاعْتِكَافِ لَوْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةٍ أَنَّهُ يَعُودُ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ كَمَا سَيَأْتِي .
الرَّابِعُ : أَصْلُ تَشْرِيعِ النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنْ الْعَادَةِ .
وَأَمَّا تَعْيِينُهَا فَنَقَلَ ( الْإِمَامُ ) عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ شُرِعَ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ يَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا مِنْ الصَّلَاةِ فَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا لَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ أَوْلَى بِالِانْعِقَادِ مِنْ صَلَاةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فِيهِ لِعَقْدِ مَا يَبْغِيهِ الْمُصَلِّي مِنْ ضُرُوبِ الصَّلَوَاتِ .
وَبُنِيَ عَلَى هَذَا أَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ يَجِبُ فِي الصَّوْمِ وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا قَالَ : وَهُوَ فِقْهٌ ظَاهِرٌ .
ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا نَذْرٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ فَرْضُ الْوَقْتِ فَإِذَا نَوَى الْفَرْضَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَصِحُّ كَالْكَفَّارَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا ، فَإِنْ أَوْجَبُوا التَّعْيِينَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَقَلْنَا الْكَلَامَ إلَى الصَّوْمِ ، ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّ إيجَابَ التَّعْيِينِ فِي النِّيَّةِ شُرِعَ لِلتَّعَبُّدِ لَا لِمَا ذَكَرَهُ ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ : " إنَّ النِّيَّةَ شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ أَوْ لِمَرَاتِبِ الْعِبَادَةِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ " نَزْعَةٌ حَنَفِيَّةٌ ، فَمِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ الْكَفَّارَةُ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَالزَّكَاةُ وَالْوَكَالَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ وَالْأَحْدَاثُ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهَا فِي الرَّفْعِ .
الْخَامِسُ : فِي شُرُوطِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُعَيَّنٍ إلَّا فِي مَوَاضِعَ اكْتَفَوْا فِيهَا بِأَصْلِ النِّيَّةِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَادَةِ .
فَمِنْهُ الِاعْتِكَافُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُ مُدَّةٍ ، وَإِذَا أُطْلِقَ كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ .
وَمِنْهُ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ نِيَّةُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِهِ .
وَمِنْهُ الْحَجُّ إذَا أُطْلِقَ الْإِحْرَامُ صَحَّ وَانْصَرَفَ إلَى فَرْضِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ : وَسُقُوطُ أَثَرِ التَّعْيِينِ فِي النِّيَّةِ فِي عُسْرٍ مُشْكِلٌ ، وَلَكِنَّ الْمُمْكِنَ فِيهِ أَنَّ قَصْدَ التَّطَوُّعِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَوُجُوبُ تَقْدِيمِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ ثَابِتٌ فَيَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ الْحَجِّ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ بِفَسَادِ النِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا عَظُمَ وَضْعُ الْإِشْكَالِ لِانْضِمَامِ مُشْكِلٍ إلَى مُشْكِلٍ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْيِينِ وَالثَّانِي اسْتِحْقَاقُ التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَعْوَصُ مِنْ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْخَذَ فِي وُجُوبِ التَّعْيِينِ قَصْدُ التَّمْيِيزِ .
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ ، وَقَدْ يَجِبُ التَّعْيِينُ فِي النِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَمْيِيزٌ بَلْ الْقَصْدُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِخْلَاصِ وَإِتْعَابُ الْقَلْبِ بِالْحُضُورِ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : صَلَاةُ الْجِنَازَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَطَوَّعُ بِهَا .
وَمِنْهَا : نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ تُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَةُ لَا تَنْعَقِدُ مُنْفَرِدَةً .
وَمِنْهَا : تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي رَمَضَانَ بِالْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ مِنْ تَطَوُّعٍ وَغَيْرِهِ .
وَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ تَعَيَّنَ فِي الْأَصَحِّ وَشُرِطَتْ فِيهِ النِّيَّةُ ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ إذَا صَحَّ نَذْرُهُ فَتَعَيَّنَ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ .
وَلَوْ قَالَ : جَعَلْت هَذِهِ الشَّاةَ
أُضْحِيَّةً تَعَيَّنَ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ مَعَ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ وَصَارَتْ مِلْكًا لِلْفُقَرَاءِ فِيهِ نَظَرٌ .
الشَّرْطُ الثَّانِي : الْجَزْمُ بِتَعَلُّقِهَا وَقَدْ يُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَسْتَنِدَ التَّعْلِيقُ إلَى أَصْلٍ مُسْتَصْحَبٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُ فُرُوعِهِ فِي حَرْفِ التَّاءِ فَاسْتَحْضَرَهُ هُنَا .
وَمِنْهُ إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَمْسُ وَاغْتُفِرَ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا الْوُجُوبُ ، وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَصَوْمِهَا مَعَ عَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ لِلتَّرَدُّدِ فِي الْوُجُوبِ فَلِأَنَّ أَيَّامَ الطُّهْرِ أَغْلَبُ مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ فَلَا يَكُونُ التَّرَدُّدُ بَيْنَهُمَا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ .
وَثَانِيهِمَا : مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ كَمَنْ شَكَّ هَلْ الْخَارِجُ مِنْ ذَكَرِهِ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ احْتِيَاطًا وَلَيْسَ بِجَازِمٍ ، وَكَذَا فِيمَنْ مَلَكَ إنَاءً بَعْضُهُ فِضَّةٌ وَبَعْضُهُ ذَهَبٌ وَجَهِلَ أَكْثَرَهُمَا زَكَّى الْأَكْثَرَ ذَهَبًا وَفِضَّةً ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ إشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَزْمِ النِّيَّةِ إلَّا فِي نِصَابٍ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّقْدَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ اُسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَبَاحِثِ الشَّكِّ وَجَوَابُهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُسَوَّغُ لِلْحَاجَةِ ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) لِلْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ الِاغْتِسَالَ عَنْ الْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ حُصُولَهَا فِي حَالِ جُنُونِهِ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : الْمُقَارَنَةُ لِأَوَّلِ الْوَاجِبِ كَالْوُضُوءِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ مَغْسُولٍ مِنْ الْوَجْهِ وَكَالصَّلَاةِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّكْبِيرِ وَقَدْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ وَكَالصَّلَاةِ يَجِبُ قَرْنُهَا بِالتَّكْبِيرِ وَقَدْ لَا يُشْتَرَطُ فِي مَوْضِعِ الْمَشَقَّةِ ، كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ
نِيَّتُهُ مُتَرَاخِيَةً عَنْ الْعَمَلِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا وَمُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ إنْ كَانَ فَرْضًا قَالَ ( صَاحِبُ الْخِصَالِ ) : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ إلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ الصَّوْمِ وَالْكَفَّارَةِ ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي فِي كِتَابِ قَسْمُ الصَّدَقَاتِ لَيْسَ فِي الْعِبَادَاتِ مَا يَجِبُ تَقَدُّمُ النِّيَّةِ عَلَيْهِ غَيْرَ الصَّوْمِ وَجْهًا وَاحِدًا وَفَرَضَ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .
قُلْت : وَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ وَشَرَطُوا فِي الزَّكَاةِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ صَدَرَتْ بَعْدَ تَعْيِينِ الْقَدْرِ الَّذِي يُخْرِجُهُ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ فَلْتَكُنْ مِثْلَهُ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا مَا يَمْتَنِعُ مُقَارَنَتُهُ ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ ، وَأَمَّا مَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ فَهُوَ فِي الْبَاقِي .
وَالضَّابِطُ : أَنَّ مَا دَخَلَ فِيهِ بِفِعْلِهِ اُشْتُرِطَتْ فِيهِ الْمُقَارَنَةُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَمَا دَخَلَ فِيهِ ( بِغَيْرِ فِعْلِهِ لَا تُشْتَرَطُ كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَوْ نَوَى ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ نَائِمٌ صَحَّ صَوْمُهُ فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ ) بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَأَلْحَقَ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالْأُضْحِيَّةَ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بِالنِّيَابَةِ .
وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمُقَارَنَةُ عَلَى الْأَصَحِّ نِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْقَصْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ وَصْفٌ لِلصَّلَاةِ نَفْسِهَا فَاعْتُبِرَ مُقَارَنَتُهَا فِي ابْتِدَائِهَا وَنِيَّةُ الْجَمْعِ وَصْفٌ لِلصَّلَاتَيْنِ مَعًا فَاكْتَفَى بِهَا فِي الْأَثْنَاءِ .
وَمِنْهُ لَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَعُودَ لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ السَّابِقَةُ كَافِيَةٌ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ النِّيَّةَ عِنْدَ الْخُرُوجِ صَارَ كَمَنْ نَوَى الْمُدَّتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَالْتَحَقَ
بِمَا إذَا نَوَى الْمُتَنَفِّلُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَوَى جَعَلَهُمَا أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَطْعًا وَيَصِيرُ كَمَنْ نَوَى ذَلِكَ فِي تَحَرُّمِهِ وَالنِّيَّةُ فِي الْكِنَايَةِ ( فِي الطَّلَاقِ تُشْبِهُ نِيَّةَ الْقَصْرِ فَتُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُقَارَنَةُ فِي الْأَصَحِّ وَنِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ ) فِي الطَّلَاقِ تُشْبِهُ نِيَّةَ الْجَمْعِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقَدْ تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ بَعْدَ الْعَمَلِ أَيْ نِيَّةُ التَّعْيِينِ فِي صُوَرٍ كَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا حَالَةَ الدَّفْعِ فَلَهُ جَعْلُهُ عَمَّا شَاءَ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ يُقَسِّطُ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَمْ يَحْكُوا مِثْلَ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ مُطْلَقًا بَلْ قَطَعُوا بِأَنَّ لَهُ جَعْلَهُ عَمَّا شَاءَ ، وَلَوْ بِأَنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَحْسِبَ الْمُخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْبَاقِي هَذِهِ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ وَفِي الْكَافِي وَقَعَ عَنْ الْآخَرِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَهَذَا إذَا جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ صَرْفُهُ عَنْ الْمَالِ الَّذِي بِبَلْدَةِ الْآخَرِ وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ بِالصَّوْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ مَعَ الْإِرَاقَةِ أَوْ قَصْدِهِ قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ .
وَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدَةً فَلَهُ التَّعْيِينُ بَعْدُ .
" السَّادِسُ : مَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ يُقْدَحُ فِيهِ تَرَدُّدُ النِّيَّةِ كَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ .
لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ إنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَعَنْ الْفَائِتَةِ لَا تُجْزِيهِ أَصْلًا ، وَمَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ لَا يُقْدَحُ فِيهِ التَّرَدُّدُ كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ ، قَالَ مُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ : إنْ كَانَ الْغَائِبُ سَالِمًا وَقَعَ عَنْهُ وَإِلَّا عَنْ الْحَاضِرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِكَوْنِهَا زَكَاةَ مَالِهِ وَالتَّرَدُّدُ فِي أَنَّهَا عَنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ تُحْسَبُ وَتَعْيِينُ الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ .
السَّابِعُ : مَا لَا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ أَصْلًا إذَا قَارَنَتْهَا نِيَّةٌ اُعْتُبِرَتْ وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا : مَا لَوْ أَعْطَى دِرْهَمًا لِفَقِيرٍ لِيَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إلَّا ذَلِكَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَرْفُهُ فِي ذَلِكَ الْغَرَضِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْهَا : الدَّلَّالُ إذَا شَكَا إلَى الْمُشْتَرِي وَقَالَ الْبَائِعُ : لَمْ يُعْطِنِي أُجْرَةً ، فَأَعْطَاهُ وَكَانَ كَاذِبًا لَمْ يَمْلِكْ الْمَأْخُوذَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ .
وَمِنْهَا : الرَّجُلُ إذَا أَظْهَرَ الْفَقْرَ وَأَخْفَى الْغِنَى فَأَعْطَاهُ النَّاسُ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَمَا يَأْخُذُهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ بِنَاءً عَلَى فَقْرِهِ .
وَمِنْهَا : إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَأَجَابَتْهُ فَحَمَلَ إلَيْهِمْ هَدِيَّةً ثُمَّ لَمْ تَنْكِحْهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا سَاقَهُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَّا بِنَاءً عَلَى إنْكَاحِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّدَاقِ ، قَالَ : وَلَا فَرْقَ فِي الرُّجُوعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ( وَعَجِبْت مِمَّنْ نَقَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ) عَنْ فَتَاوَى ( ابْنِ رَزِينٍ ) .
وَمِنْهَا إذَا أَهْدَى إلَيْهِ شَيْئًا طَمَعًا فِي الثَّوَابِ فَلَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي الثَّوَابَ فِي الْمُطَلَّقَةِ ، أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِنِيَّةِ الثَّوَابِ فَيَثْبُتُ فِيهَا الرُّجُوعُ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ فِي صُورَةِ الصَّدَاقِ السَّابِقَةِ .
الثَّامِنُ : مِنْ الْأَعْمَالِ مَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّلَاقِ بِالصَّرِيحِ وَالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ وَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ حَتَّى لَوْ نَوَى إيقَاعَ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَقَعْ ، وَكَذَا لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا نَوَاهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ نَوَى ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ وَنَوَى الِامْتِنَاعَ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَاءِ .
التَّاسِعُ : مَا اُشْتُرِطَتْ فِيهِ النِّيَّةُ إنْ كَانَ عِبَادَاتٍ مُنْفَصِلَةً فَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النِّيَّةِ كَالصَّوْمِ تَجِبُ عَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ حَتَّى لَوْ نَوَى صَوْمَ أَيَّامِ الشَّهْرِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا فِي الْيَوْمِ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَةً وَاحِدَةً لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ وَتَكْفِيهِ النِّيَّةُ الْأُولَى مَعَ الِاسْتِصْحَابِ الْحُكْمِيِّ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْحَجِّ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهُ لِانْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أَمْ تَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ السَّابِقَةِ ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَبَنَى الْمُتَوَلِّي عَلَى الْخِلَافِ صِحَّةَ وُقُوفِ النَّائِمِ بِعَرَفَةَ وَعِلْمُهُ بِأَنَّهَا عَرَفَةُ شَرْطٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ نَعَمْ طَوَافُ الْوَدَاعِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَمْ لَا وَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ .
الْعَاشِرُ : النِّيَّةُ الْقَاطِعَةُ تُؤَثِّرُ فِي مَوَاضِعَ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْفِعْلِ الْقَاطِعِ .
( أَحَدُهُمَا ) فِيمَا دَوَامُ النِّيَّةِ فِيهِ رُكْنٌ ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الْإِسْلَامِ كَفَرَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ( وَكَذَا ) لَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا كَفَرَ فِي الْحَالِ ، قَالَ الدَّارِمِيُّ : وَلَا يَبْطُلُ الْمَاضِي أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ، ( وَكَذَا ) الْمُصَلِّي لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ : فَلَوْ نَوَى الْعَدْلَ أَنْ يُوَاقِعَ كَبِيرَةً غَدًا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا لَمْ يَصِرْ بِهِ فَاسِقًا ، وَإِذَا نَوَى الْمُسْلِمُ أَنْ يَكْفُرَ غَدًا فَفِي كُفْرِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا فِي الْحَالِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ الِاسْتِدَامَةِ فِي الْإِيمَانِ شَرْطٌ ، وَالتَّوْبَةُ لَا تَجِبُ فِي حَقِّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَصْلُ وُجُوبَ الْفِسْقِ ، وَالْأَصْلُ قَصْدُ الْإِيمَانِ وَإِيجَابُ فِعْلِهِ .
الثَّانِي : أَنْ يَعْضِدَهَا أَصْلٌ كَالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْإِقَامَةَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ بِخِلَافِ السَّفَرِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ طَارِئٌ فَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُنَافِيهَا فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَهُوَ سَائِرُ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا .
( وَمِثْلُهُ ) لَوْ نَوَى الْقَارِئُ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَسَكَتَ ( وَلَمْ يَقْرَأْ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْقَطْعَ وَلَمْ يَسْكُتْ ) لَمْ يَضُرَّ وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ ( عَوْدُ الْعُرُوضِ إلَى الْقِنْيَةِ ) ( بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَا تَعُودُ إلَى التِّجَارَةِ ) ( بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّلَعِ الْقِنْيَةُ لَا التِّجَارَةُ نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لِلتِّجَارَةِ جَارٍ فِي الْحَوْلِ فَنَوَى إمْسَاكَهُ الْمُحْرِمُ كَدِيبَاجٍ يَلْبَسُهُ أَوْ سِلَاحٍ يَقْطَعُ
بِهِ الطَّرِيقَ فَفِي انْقِطَاعِ الْحَوْلِ وَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ سَبَقَتْ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ مَا ، كَالسُّكُوتِ الْيَسِيرِ فِي الْفَاتِحَةِ لَا يَقْطَعُ مُوَالَاتِهَا ، فَلَوْ نَوَى بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ قَطَعَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ فَأَثَّرَ ، وَلَوْ قَصَدَ الْقَطْعَ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ بِأَنَّهُ حَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ .
وَهَذَا بِخِلَافِ نِيَّةِ الْمُصَلِّي قَطْعَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ إدَامَتُهَا حُكْمًا ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةُ الْقَطْعِ .
وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الْمُودِعِ الْخِيَانَةَ لَا يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِهَا فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِعْلًا ، وَالْأَصْلُ الْأَمَانَةُ وَمُقَابِلُهُ قَاسَهُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الْقِنْيَةِ تَقْطَعُ حَوْلَ التِّجَارَةِ ، وَلَوْ نَوَى عَلَفَ السَّائِمَةِ أَوْ إسَامَةَ الْمَعْلُوفَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهَا حَتَّى يَفْعَلَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الْحُلِيَّ فَحَتَّى يَصُوغَهُ ، نَعَمْ لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ وَالِاكْتِنَازَ دَخَلَ فِي حُكْمِ نِيَّتِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكْنِزْهُ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ وَدَوَامُهَا حُكْمًا إذَا قَطَعَهَا لَهُ أَحْوَالٌ : أَحَدُهَا مَا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ دَوَامُهُ مُدَّةَ الْعُمْرِ ، كَالْإِيمَانِ وَالْعَقَائِدِ فَيَقْطَعُهُ الدَّافِعُ فِي الْحَالِ قَطْعًا ، وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ .
الثَّانِي : مَا هُوَ شَدِيدُ اللُّزُومِ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا كَالْحَجِّ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُوَ فَرْعٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَلْحَقَهُ الْجُمْهُورُ بِالْحَجِّ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ .
الثَّالِثُ : مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ
كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَصَحِّ فَإِذَا أَرَادَ إتْمَامَهُ جَدَّدَ النِّيَّةَ وَبَنَى ، وَكَذَا سَائِرُ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةٌ لِقَطْعٍ وَحَيْثُ لَا يَقْطَعُ فِي الْأَثْنَاءِ فَبَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْلَى .
وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ لَوْ نَوَى إبْطَالَهَا بَعْدَ إخْرَاجِهَا لَمْ يَضُرَّهُ ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ : قَطَعُوا بِأَنَّهُ إذَا نَوَى إبْطَالَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَفِي الطَّهَارَةِ خِلَافٌ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّهَارَةَ بَاقِيَةٌ مُسْتَدَامَةٌ مُعَرَّضَةٌ لِلْبُطْلَانِ بِالْحَدَثِ كَالرِّدَّةِ فَجَازَ أَنْ يَنْكُلَ بِنِيَّةِ الْبُطْلَانِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدَامَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْإِبْطَالِ بِحَالٍ وَمُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ لَا أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا فَعَلَهُ .
تَنْبِيهٌ : هَلْ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ لَهُ قَطْعًا وَفِي الْوُضُوءِ خِلَافٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ : لَوْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ بَطَلَ الْوُضُوءُ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ كَالصَّلَاةِ إذَا بَطَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنْ بَطَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَهُ ثَوَابُهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا ثَوَابَ لَهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا لَا تَجِبُ إمَّا قَطْعًا كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ كَالصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ فَرَاغِهَا وَكَانَ الْخُرُوجُ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْعُذْرِ وَجَبَ وَذَلِكَ كَالتَّحَلُّلِ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَنِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مِنْ النُّسُكِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْإِحْصَارِ صَارَ خَارِجًا عَنْ الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ .
قُلْنَا : الْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُحْصَرِ أَكْمَلَ الْأَفْعَالَ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ .
وَمِثْلُهُ الصَّائِمُ إذَا أَرَادَ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي فِي بَابِ الْفَوَاتِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : إيرَادُ النِّيَّةِ عَلَى النِّيَّةِ تَارَةً يَكُونُ بِبُطْلَانِ النِّيَّةِ الْأُولَى وَتَارَةً لَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ يُبْطِلُهُ قَطْعُ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، فَإِذَا عَدَّدَ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ خَرَجَ بِالْأَشْفَاعِ وَدَخَلَ بِالْأَوْتَارِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ دُخُولًا وَلَا خُرُوجًا فَذِكْرٌ وَالثَّانِي مَا لَا يُبْطِلُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ أَعْمَالِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَهَلْ يَلْغُو أَوْ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ .
وَمِنْهُ : لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ثَانِيًا فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلنِّيَّةِ الْأُولَى ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إنْ قُلْنَا : يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّاتٍ فِي كُلِّ عُضْوٍ نِيَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ صَحَّ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا .
وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك أَوْ أَجَّرْتُك فَقَبِلَ ثُمَّ جَدَّدَ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْمَجْلِسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَاطَبَ بِالثَّانِي غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : ذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا .
إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَا يَبْطُلُ كَتَعْيِينِ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَكَذَلِكَ الْأَحْدَاثُ فِي الْوُضُوءِ ( وَالتَّيَمُّمُ ) .
وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ كَالصَّلَاةِ إذَا عَيَّنَهَا وَأَخْطَأَ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ شَيْخِهِ وَأَنَّهُ عَدَّ الْغَلَطَ فِي تَعْيِينِ الْحَدَثِ مِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ أَصْلًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ لَا يُسَوَّغُ تَرْكُهُ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالْغَلَطِ فِي تَعْيِينِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَةِ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ : هَذَانِ وَالثَّالِثُ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ تَفْصِيلًا وَيُعْتَبَرُ جُمْلَةً فَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ ضَرَّ كَالثَّانِي وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا .
وَلَوْ نَوَى مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً إعْتَاقَهَا عَنْ ظِهَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِ قَتْلٌ لَمْ يُجْزِئْهُ .
الثَّانِيَةُ : الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَإِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ .
الثَّالِثَةُ : الزَّكَاةُ إذَا أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ ( سَالِمًا ) فَتَبَيَّنَ تَلَفُهُ حَالَةَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَنْصَرِفْ الْمُخْرَجُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ إنْ كَانَ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ مُطْلَقًا انْصَرَفَ وَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّعْيِينِ .
الرَّابِعَةُ : صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَعْيِينُ الْمَيِّتِ ، وَلَوْ عَيَّنَهُ وَكَانَ غَيْرَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .
وَلَوْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا فَقِيَاسُ الْقَاعِدَةِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَكَمَا لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فِي الصَّوْمِ فَبِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ ذِكْرُهُ ،
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا نَوَى قَضَاءَ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّانِي أَنْ يُجْزِئَهُ فَالْخَطَأُ فِيهِ لَا يُؤَثِّرُ كَنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ الصُّوَرِ قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ( الصَّلَاةِ ) فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ صُبْحُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَضَى صُبْحَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لَا يُجْزِئُهُ .
وَكَذَا فِي الصَّوْمِ ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لَوْ قَالَ : أَصُومُ غَدًا يَوْمَ الْأَحَدِ وَهُوَ غَيْرُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، أَوْ قَالَ : أَنَا صَائِمٌ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ الَّذِي أَنَا فِيهِ وَهُوَ مِنْ سَنَةٍ غَيْرِ الَّتِي هِيَ فِيهِ جَازَ : انْتَهَى فَاقْتَضَى الْقَطْعَ فِي السَّنَةِ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَفِي الْيَوْمِ خِلَافٌ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهُ مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا ( وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ) مِنْهُ مَا يُحْسَبُ قَطْعًا .
وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ ( وَالْأَصَحُّ الْحُصُولُ ) .
فَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ .
وَمِنْهُ لَوْ أَتَى بِالصَّلَاةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا سُنَّةٌ لَا يَصِحُّ .
وَلَوْ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَبَنَى عَلَى الْفَاتِحَةِ لَا يُحْسَبُ .
وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَا يُحْسَبُ عَنْ فَرْضِهِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ قَطَعَ بِهِمَا الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ .
وَمِنْ الثَّانِي : مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَقُومُ مَقَامَ سُجُودِ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ لِاعْتِقَادِهِ فِيهِ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ .
بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ .
وَمِنْهُ مَا لَوْ سَجَدَ ( سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ ) سَجْدَتَيْ الْفَرْضِ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ ثُمَّ رَأَيْت الشَّاشِيَّ فِي الْحِلْيَةِ حَكَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ثُمَّ قَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى فَرْضِهِ ثُمَّ رَأَيْت الدَّارِمِيَّ صَرَّحَ بِالْوَجْهَيْنِ فَقَالَ : لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَتَيْنِ فَهَلْ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ هَلْ تَقُومُ مَقَامَ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؟ وَكَذَلِكَ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ .
قُلْت : وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ ( التَّشَهُّدِ ) الْأَوَّلِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ ظَنُّهُ فِي عَدَمِ الِاحْتِسَابِ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ
وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ تَقَعْ فِي مَحَلِّهَا ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الثَّانِيَةِ .
وَمِنْهُ لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْجَنَابَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُهُ بِنَاءً عَلَى تَأَدِّي الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَلَوْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لَمْ يُجْزِهِ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهُ : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ ، وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا .
وَمِنْ الثَّالِثِ : مَا لَوْ نَوَى الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ عَنْ الْفَرْضِ .
وَمِنْ الرَّابِعِ صُوَرٌ : ( أَحَدُهُمَا ) إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَظُنُّهُ الْأَوَّلَ ثُمَّ بَانَ الْحَالُّ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ ، وَحَكَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا قَامَ لِخَامِسَةٍ الْخِلَافَ الْآتِي هَا هُنَا .
فَإِذَا قَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا وَكَانَ قَدْ أَتَى بِالتَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَفِي احْتِيَاجِهِ لِإِعَادَتِهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : لَا ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَامَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ إلَى ثَالِثَةٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ وَأَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْآنَ نَفْلٌ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ ، أَنَّهُ يُجْزِيهِ .
الثَّانِيَةُ : لَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى وَكَانَ قَدْ جَلَسَ عَقِبَ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ بِقَصْدِ الِاسْتِرَاحَةِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ أَتَى بِالسَّجْدَتَيْنِ جَمِيعًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْسِبُ عَنْ الْجُلُوسِ .
وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقِيَاسُ قِيَامِ جِلْسَةِ
الِاسْتِرَاحَةِ مَقَامَ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قِيَامُ السَّجْدَتَيْنِ مَقَامَ ( السَّجْدَتَيْنِ ) ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الدَّارِمِيِّ التَّصْرِيحُ بِهِ .
الثَّالِثَةُ : إذَا ( قَرَأَ ) الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ هَوَى فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ بِنِيَّةِ ( سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْجُدُهَا ثُمَّ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ بَلْ رَكَعَ ) ( فَهَلْ يُحْسَبُ لِلْمَأْمُومِ هَذَا الرُّكُوعُ لِكَوْنِ الْمُتَابَعَةِ وَقَعَتْ وَاجِبَةً وَلَا يَضُرُّهُ الْجَهْلُ وَلَا قَصْدُ السُّجُودِ ) لِلتِّلَاوَةِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ( أَمْ لَا يُحْسَبُ ) لِكَوْنِهِ أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ؟ الْأَقْرَبُ : الْحُصُولُ .
( الرَّابِعَةُ ) إذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ فَقِيَاسُ هَذِهِ النَّظَائِرِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ أَوْقَعَهَا بِقَصْدِ النَّفْلِ وَبِهِ أَجَابَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ .
الْخَامِسَةُ : لَوْ قَالَ : أَنَا أَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ تَطَوُّعًا ثُمَّ إذَا فَرَغْت مِنْهَا قَرَأْت مَرَّةً أُخْرَى فَرْضًا فَإِذَا قَرَأَهَا أَوَّلًا بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَقْرَأْ أُخْرَى أَجْزَأَهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ قَالَ : وَكَذَا لَوْ ( قَالَ ) : آتِي ( بِرُكُوعٍ ) ( أَوَّلًا ) ( تَطَوُّعًا ثُمَّ ) آتِي بِرُكُوعِ الْفَرْضِ فَإِذَا أَتَى بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .
السَّادِسَةُ : أَغْفَلَ الْمُتَوَضِّئُ لُمْعَةً فِي الْأُولَى فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ التَّكْرَارِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ النَّفَلَ .
السَّابِعَةُ : صَلَّى ( الصَّبِيُّ ) ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّامِنَةُ : إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا وَلَا إعَادَةَ .
التَّاسِعَةُ : إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ صَائِمًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ
إتْمَامُهُ وَلَا قَضَاءَ وَفِيهِ وَجْهٌ ( ضَعِيفٌ ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِي الصَّبِيِّ إنَّمَا يَظْهَرُ جَعْلُهَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ وَشَرَطَهَا الرَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الصَّوْمُ .
الْعَاشِرَةُ : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْفَرْضِ فَنَوَى طَوَافًا نَفْلًا وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الطَّوَافَ بِالنِّيَّةِ إلَى غَرَضٍ آخَرَ فَهَلْ يَفْسُدُ وَفِيهِ خِلَافٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : يَفْسُدُ بِهِ عَنْ ( الزِّيَارَةِ ) وَلَا عَنْ ( الْوَدَاعِ ) ( الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ ) يَقُومُ ( النَّفَلُ مَقَامَ الْفَرْضِ ) فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ( وَيُحْسَبُ عَنْهُ ) إذَا تَرَكَ الْفَرْضَ سَاهِيًا فَتَكْمُلُ الزَّكَاةُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْفَرَائِضِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَذَا إنْ تَرَكَ الْفَرْضَ نَاسِيًا ( فِي الدُّنْيَا ) .
تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ضَابِطًا لِلصُّوَرِ الَّتِي يَتَأَدَّى الْفَرْضُ فِيهَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَبَقَتْ نِيَّةٌ ( تَشْمَلُ ) الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ جَمِيعًا ثُمَّ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ وَيُصَادِفُ بَقَاءَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ؟ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً ( وَتِلْكَ ضِمْنًا وَاسْتِصْحَابًا ، وَأَصَحُّهُمَا تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ نِيَّةِ الْفَرْضِ الشَّامِلَةِ لَهُ حُكْمُ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً ) وَلِهَذَا صَحَّتْ الْعِبَادَةُ مَعَ غَفْلَتِهِ اسْتِصْحَابًا وَالْبَاءُ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ أَيْ هَلْ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ ، بِنِيَّتِهِ السَّابِقَةِ الشَّامِلَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ مَعَ مَا صَحِبَهَا مِنْ نِيَّةِ النَّفْلِ .
قُلْت : وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ : إنْ كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُنْفَصِلًا كَمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ( لَا يَتَأَدَّى ) بِغُسْلِ
الْجُمُعَةِ ( وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ ) ( فَإِنْ ) لَمْ تَشْمَلْهَا النِّيَّةُ كَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَمْ ( يَتَأَدَّ ) بِهَا ، وَإِنْ شَمَلَتْهَا وَوَقَعَتْ فِي ( صُلْبِ ) الْعِبَادَةِ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ تَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ وَإِلَّا فَكَمَسْأَلَةِ التَّسْلِيمِ فِي اعْتِقَادِهِ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ .
الثَّانِي : التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ قِيَامِ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَفْلٍ حَقِيقَةً بَلْ وَاجِبٌ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ لَا أَثَرَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا حَصَلَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ حُصُولُ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ، وَيَدُلُّ ( لِذَلِكَ ) أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ فِيهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ حَقِيقَةً ( وَإِقْدَامُهُ ) عَلَى الْأَكْلِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ لَا يُخْرِجُ الْفِطْرَ عَنْ كَوْنِهِ حَرَامًا وَعَلَى هَذَا فَفِطْرُ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ لَا ( إثْمَ ) فِيهِ ، وَكَذَا ( فِي مَسْأَلَةِ ) ( التَّشَهُّدِ ) وَالْجُلُوسِ وَغُسْلِ اللُّمْعَةِ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَنْ الْوَاجِبِ وَكَذَا الْبَاقِي .
تَأَدَّى ( النَّفَلُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ) لَا يُؤَثِّرُ .
كَمَا إذَا صَلَّى مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرْضٌ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ الصِّحَّةُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى سُنَّةً بِاعْتِقَادِ الْفَرْضِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ .
وَمِنْهَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ عَلَى أَنَّهُ سُجُودُ صُلْبِ الصَّلَاةِ يُحْسَبُ سُجُودُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى النَّفَلَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يُصَلِّي الْفَرْضَ يَصِحُّ نَفْلُهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .
( وَمِنْهَا تَحْصُلُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ ) .
الْخَامِسَ عَشَرَ : لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي النِّيَّةِ إلَّا فِيمَا إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَذْبَحُ وَيَنْوِي عَنْهُ وَأَهْمَلَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا إذَا وَكَّلَ فِي النِّيَّةِ وَحْدَهَا وَذَبَحَ هُوَ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَوَكَّلَ فِي الذَّبْحِ غَيْرَهُ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِعَدَمِ اقْتِرَانِهَا بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ وَكِيلِهِ .
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَصُومُ عَنْهُ وَيَنْوِي فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ عَنْ الْإِمَامِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ .
ضَوَابِطُ : مَقَاصِدُ اللَّفْظِ عَلَى نِيَّةِ اللَّافِظِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ ( وَاحِدٍ ) وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْقَاضِي دُونَ الْحَالِفِ .
( سَائِرُ ) الْعِبَادَاتِ يَدْخُلُ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا إلَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ التَّكْبِيرِ .
قَالَ الْمَرْعَشِيُّ تَشْرِيكُ النِّيَّةِ مَعَ ( الْفَرْضِ لَا يَجُوزُ ) إلَّا فِي خَمْسَةِ مَسَائِلَ : الْحَجُّ الْوَاجِبُ إذَا قَرَنَهُ بِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ ، وَمَنْ تَوَضَّأَ يُرِيدُ الْوُضُوءَ ( وَالتَّبَرُّدَ ) وَمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَيَجُوزُ ( وَالْمَأْمُومُ ) يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ فَيَجُوزُ .
النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ الْحَيِّ الْقَادِرِ وَالْجِهَادِ عَنْهُ .
وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ .
تَبَعًا لَهُ وَرَدِّ ( الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ ) .
وَمِنْهَا مَا فِيهِ خِلَافٌ كَالصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَجِّ عَنْ الْحَيِّ وَكَذَلِكَ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ إذَا طَافَ بِهِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَيَتَوَضَّأُ عَنْهُ لَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَلِيِّ التَّجْدِيدُ .
وَمِنْهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْأَصَحِّ وَخَالَفَ طَلَبُ الْقِبْلَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ .
النَّهْيُ .
إنْ رَجَعَ إلَى شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ أَفْسَدَ وَإِلَّا فَلَا .
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ صَوْمُ ( يَوْمِ ) الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ وَلَا الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَالصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ وَعُرْيَانًا وَنَحْوُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ أَوْ الْمَغْصُوبِ ( أَوْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ) أَوْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ .
وَقَسَمَهُ الْمُحَقِّقُونَ إلَى ثَلَاثَةِ ( أَقْسَامٍ ) : ( نَهْيٌ ) وَرَدَ لِعَيْنِهِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَبَيْعِ ( الْحُرِّ ) وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ .
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ فَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ .
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَصْفِهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعِنْدَهُمْ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَالْبَيْعُ مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَذَلِكَ حَلَالٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا بِاعْتِبَارِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْعَقْدِ صَارَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهِ فَالْفَسَادُ مُتَّصِلٌ بِوَصْفِ الْعَقْدِ مِنْ هَذَا ( الْوَجْهِ ) وَهَكَذَا سَائِرُ صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَلِهَذَا عِنْدَنَا لَا يُفِيدُ الْمُلْكُ خِلَافًا لَهُمْ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ هَذَا الْأَصْلُ .
تَنْبِيهٌ : يُشْتَرَطُ فِي التَّأْثِيمِ الْعِلْمُ بِالنَّهْيِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : يَأْثَمُ الْخَاطِبُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ إذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ ، وَكَذَا فِي السَّوْمِ عَلَى سَوْمِهِ وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ ، فَأَمَّا النَّجَشُ فَإِنَّهُ يَعْصِي سَوَاءٌ عَلِمَ ( النَّهْيَ ) أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ وَالْخِيَانَةَ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ فِي
الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّ ( ذَلِكَ ) لَا يَعْرِفُ حُرْمَتَهُ إلَّا الْخَوَاصُّ .
قُلْت : وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَفْرِيقِ الرَّافِعِيِّ بَيْنَهُمَا بِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ حُرْمَتَهُ وَلَا مَعْنَى لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِنَصِّ ( الْإِمَامِ ) الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بِالْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فِي النَّجْشِ ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) النَّهْيُ الْعَامُّ فِي الْغُرُورِ وَالْخِيَانَةِ وَمُرَادُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّهْيَ الْخَاصَّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .
فَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ وَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ وَهَوَاءُ الشَّارِعِ الْمُشْتَرَكِ مُشْتَرَكٌ وَهَوَاءُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُسْتَأْجَرٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ ( الْأَجِيرُ ) أَنْ يَبْنِيَ جَنَاحًا فِي هَوَاءِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُنِعَ وَلِذَلِكَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إشْرَاعَ شَيْءٍ فِي هَوَائِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ بِئْرًا وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِإِزَائِهَا جُدْرَانًا وَسَقَفَ عَلَيْهَا سَقْفًا يَمُرُّ فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ مَنَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبِئْرِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ ، ( فِي ) بَابِ الْغَصْبِ مِنْ التَّهْذِيبِ .
وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ ( جِدَارِهِ ) فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَنْفِيرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلُ ، أَمَّا إذَا رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ - ضَمِنَ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ .
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يُدَلِّيَ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ وَيَمْكُثَ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ لِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ .
وَلَوْ صَلَّى عَلَى لَوْحٍ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ : يَجُوزُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ ( عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ) وَتَوَجَّهَ إلَى هَوَاءِ الْبَيْتِ وَصَلَّى يَصِحُّ فَجَعَلْنَا هَوَاءَ الْبَيْتِ كَالْبَيْتِ .
الْأَوَّلُ : ( الْمُتَحَقِّقُ ) فِيهِ الْجَوَازُ لَكِنَّ الْجَوَازَ فِيهِ أَصْلٌ ( أَوْ دَخَلَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ ) وَالْمُلَازَمَةِ خِلَافٌ ( يَنْبَنِي ) أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ جَائِزٌ أَمْ لَا وَخَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَافِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْجَنَابَةَ دُونَ الْجُمُعَةِ أَجْزَاهُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ ؟ قَوْلَانِ : قَالَ : فَمَنْ قَالَ : إنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ جَائِزٍ يَقُولُ : لَا يَحْصُلُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ ، وَمَنْ قَالَ : وَاجِبٌ وَجَائِزٌ ( يَصِحُّ ) ؛ لِأَنَّ التَّنْظِيفَ تَابِعٌ وَنِيَّةَ الْقُرْبَةِ قَدْ وُجِدَتْ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ فَجَازَ .
الثَّانِي : يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ وَيُطَالَبُ بِأَدَائِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ عَلَى الْمُوسِرِ وَكُلُّ عِبَادَةٍ وَجَبَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا .
ثَانِيهَا : مَا ( ثَبَتَ ) فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ ( وَقَبْلَ ) التَّمَكُّنِ .
ثَالِثُهَا : مَا ( لَا ) يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ يَجِبُ تَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ ( وَعَدَمِ الْإِخْلَافِ ) ( لَا ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ .
الثَّالِثُ : الْوَاجِبُ إذَا فَاتَ بِالتَّأْخِيرِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَوْ جَبْرُهُ بِالْكَفَّارَةِ إلَّا فِي صُوَرٍ سَبَقَتْ ( فِي مَبَاحِثِ الْقَضَاءِ ) .
وَمِمَّا ( لَمْ ) يَسْبِقْ اللُّقَطَةُ إذَا قُلْنَا : يَجِبُ الِالْتِقَاطُ فَتَرَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِذَا قَضَى الزَّوْجَانِ الْحَجَّ عَمَّا ( أَفْسَدَاهُ ) بِالْجِمَاعِ يَغْرَمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَالْجَدِيدُ لَا يَجِبُ وَالْقَدِيمُ يَجِبُ فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَا أَثِمَا وَصَحَّ حَجُّهُمَا وَهَذَا وَاجِبٌ لَا يُجْبَرُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .
الرَّابِعُ : الْوَاجِبُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَتْ فُرُوعُهُ ( فِي حَرْفِ الْفَاءِ ) .
الْخَامِسُ : الْوَاجِبُ إذَا قُدِّرَ بِشَيْءٍ فَعَدَلَ إلَى مَا فَوْقَهُ ( هَلْ ) يُجْزِئُهُ .
وَضَابِطُهُ : أَنَّ مَا كَانَ يَجْمَعُهُمَا نَوْعٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ وَمَا لَا فَلَا وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ : ( أَحَدُهَا ) مَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ دَفَعَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ مَعَ أَنَّ وَاجِبَهَا شَاةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ حَسْبُهُ .
وَمِنْهُ قِيَامُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَقَامَ ( مَسْجِدِ ) الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى ( عِنْدَ نَذْرِهِمَا لِلِاعْتِكَافِ ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا ( وَلَا عَكْسَ لِأَنَّهُمَا مَفْضُولَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَقِيَامُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى ) وَلَا عَكْسَ .
============================ج8.==============
ج8.
كتاب : المنثور في القواعد
المؤلف : بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
وَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فَصَلَّى فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ .
الثَّانِي : مَا يَجْرِي فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا وَجَبَ فِي الْفِطْرَةِ قُوتُ نَفْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ فَعَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْهُ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا ، وَادَّعَى الرَّافِعِيُّ ( فِيهِ ) الِاتِّفَاقَ لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ فِي الْحَاوِي .
( وَمِنْهَا ) لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ وَادَّعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْوِفَاقَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ تَخْفِيفًا وَقِيلَ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ غَسْلِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قَطْعًا لِإِتْلَافِهِ وَمِثْلُهُ ) لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ نَاوِيًا رَفْعَ الْجَنَابَةِ يَصِحُّ ( فِي ) الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ الْغُسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ عَنْهُ تَخْفِيفًا كَمَا ( قُلْنَا ) فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَكَلَامُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي تَصْوِيرَ هَذَا بِالْغَالِطِ وَأَنَّ ( الْمُتَعَمَّدَ ) لَا يَصِحُّ وَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ لِمَا ذَكَرْنَا .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ ( أَجْزَأَهُ التَّتَابُعُ ) فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ .
الثَّالِثُ مَا لَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يُجْزَ بِدِينَارٍ .
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَأَخْرَجَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الصُّورَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ : وَمِنْ لَطِيفِ الْقَوْلِ ( أَنَّا ) إذَا أَوْجَبْنَا الْعُمْرَةَ لَمْ تَقُمْ حَجَّةٌ مَقَامَهَا وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ ( وَزَادَتْ وَيُقِيمُ الْغُسْلَ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَهَذَا مِنْ أَصْدَقِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَغَايُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ) .
وَمِنْ هَذَا : لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِبَعْضِهِمْ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ فِي الْحَجِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ نَوْعَانِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَفْضَلُ مَقَامَ غَيْرِ الْأَفْضَلِ كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ بِالذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ .
وَمِثْلُهُ : لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ مِنْ ( دُوَيْرَةِ ) أَهْلِهِ لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قُلْنَا : الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ .
وَمِنْهَا : لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ وَلَمْ ( يُرَتِّبْ ) أَعْضَاءَهُ فَالْأَصَحُّ لَا يُجْزَى لِتَرْكِهِ ( التَّرْتِيبَ ) وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يُحِلُّ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ فَلَوْ قُلْنَا : يُحِلُّ الْبَدَنَ جَمِيعَهُ صَحَّ .
وَمِنْهَا : لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ .
قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَفِي الْكِفَايَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً بِعَيْنِهَا فَذَبَحَ عِوَضَهَا بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً لَمْ تُجْزِ ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَحَكَى فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّوْضَةِ فِيهِ الْخِلَافَ .
الْبَحْثُ السَّادِسُ : الْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ إذَا أُتِيَ بِهِ وَزِيدَ عَلَيْهِ هَلْ يَتَّصِفُ الْكُلُّ بِالْوُجُوبِ أَوْ ( الْمُقَدَّرُ ) الْوَاجِبُ وَالزَّائِدُ سُنَّةٌ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ طَوَّلَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَمِيعَ يَكُونُ وَاجِبًا وَالثَّانِي يَقَعُ مَا زَادَ سُنَّةً .
وَمِثْلُهُ : الْخِلَافُ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَفِي الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ : الْأَرْجَحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ تَطَوُّعًا ، وَكَذَا قَالَ فِي ( بَابِ الدِّمَاءِ فِي الْبَدَنَةِ ) أَوْ الْبَقَرَةِ الْمُخْرَجَةِ عَنْ الشَّاةِ الْأَصَحُّ أَنَّ الْفَرْضَ يَتْبَعُهَا .
وَهَذَا ( مَا ) لَمْ يَتَمَيَّزْ ( فَإِنْ تَمَيَّزَ ) وَوَقَعَ مُرَتَّبًا فَالزَّائِدُ نَفْلٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ قَطْعًا أَوْ يَجْرِي الْخِلَافُ طَرِيقَانِ صَحَّحَ فِي ( الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الرَّوْضَةِ ) الثَّانِيَ وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ لِوُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ .
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا أَجْزَأَ الْآخَرُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ( فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا ) مُرَتِّبًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الثَّانِي أَجْزَأَ الْأَوَّلُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ لَمْ يَجْزِهِ وَإِنْ قَالَ : أَعْتَقْت الثَّانِيَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِي ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ .
السَّابِعُ : يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ إلَى مَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ ( وَإِلَى مَا هُوَ عَلَى ) التَّرَاخِي فَاَلَّذِي عَلَى التَّرَاخِي يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ بِشَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ بِالِاتِّفَاقِ .
وَثَانِيهِمَا : بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَجَبَ قَضَاؤُهُ ( عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ صَارَ ) عَلَى الْفَوْرِ بِإِحْرَامِهِ وَعَدَّاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي حَرْفِ الشَّيْنِ فِي ( فَصْلِ الشُّرُوعِ ) .
الثَّامِنُ : وَقَدْ يَجِبُ الشَّيْءُ وَيَسْقُطُ ( لِتَعَارُضِ ) الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ : مِنْهَا : لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ هَلْ وَجَبَ ( الْمَهْرُ ) ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَجْهَانِ ، وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ قُلْنَا : لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ أَصْلًا وَجَبَ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ قُلْنَا : وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ لَمْ يَجِبْ بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَوْفَى .
وَمِنْهَا : الْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ هَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ ( أَصْلًا ؟ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ ) الثَّانِي كَمَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ .
وَزَعَمَ الْإِمَامُ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِنْ فَوَائِدِهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ .
وَمِنْهَا : الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَهَلْ يُقَالُ ( يَحْمِلُهَا ) ( الْإِمَامُ عَنْهُ ) ( أَوْ ) لَمْ تَجِبْ أَصْلًا ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ ، وَفَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا .
التَّاسِعُ : إذَا امْتَنَعَ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْوَاجِبِ فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْهُ النِّيَابَةُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ ( تَعَالَى ) نُظِرَ إنْ ( كَانَتْ ) صَلَاةً طُولِبَ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا حُبِسَ وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ .
وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ حُبِسَ ( حَتَّى يَفْعَلَهُ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ الِاخْتِيَارِ إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ وَكَالْمُقِرِّ بِمُبْهَمٍ يُحْبَسُ ) حَتَّى يُبَيِّنَ .
وَأَمَّا إذَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ صُورَةٌ ( فِي حَرْفِ الْكَافِ ) .
الْعَاشِرُ : مَا كَانَ صِفَةً لِلْوَاجِبِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَإِنَّ فَرْضَ الْجَمَاعَةِ لَا يَسْقُطُ وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحْدَهُ .
الثَّانِيَةُ : إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ : إنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا مَعَ الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ .
الثَّالِثَةُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ ( يَوْمَ ) الْجُمُعَةِ خَارِجَ الصَّحْرَاءِ .
الْوَارِثُ فِي قِيَامِهِ مَقَامَ ( الْمُورِثِ ) ( فِيمَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى ) أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : مَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا وَهُوَ فِي مَا لَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْحُقُوقِ وَيُقْبَلُ بَيَانُهُ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ وَحَلِفُهُ إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ( يَمِينٌ ) وَمَاتَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ( صِدْقُهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ) عَدَمُهُ ( حَرُمَ أَوْ اسْتَوَيَا ) فَوَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْوَدِيعَةِ .
وَلَوْ قَالَ : لَأَقْضِيَنَّ حَقَّك ( فَأَدَّى ) الْحَقَّ ( لِوَارِثِهِ ) ( يَبْرَأُ ) ( وَاسْتَشْكَلَهُ ) الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لِلْوَرَثَةِ وَالدَّفْعَ مَا حَصَلَ لِلْمَحْلُوفِ ( عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ ) لِوَارِثِهِ .
( وَمِنْهُ ) التَّحَالُفُ ( يَقُومُ وَارِثُ ) الْمُتَبَايِعَيْنِ مَقَامَهُمَا وَكَذَلِكَ أَحَدُهُمَا مَعَ وَارِثِ الْآخَرِ .
وَمِثْلُهُ : الْإِقَالَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهَا أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْوَصَايَا ( أَنَّهَا تَجُوزُ ) مَعَ الْمُشْتَرِي وَوَارِثِ الْبَائِعِ .
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ اسْتَأْجَرُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْ مُورِثِهِمْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا ثُمَّ تَقَايَلُوا مَعَ الْأَجِيرِ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ( لَهُمْ ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ( لَهُمْ ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضَاقَ ( الْوَقْتُ ) امْتَنَعَ .
الثَّانِي : مَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَاقِدُ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ ، وَكَمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَا ( يَفْسَخُ ) الْإِجَارَةَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَيَقُومَ مَقَامَ ( وَارِثِهِ ) اسْتِصْحَابًا لِدَوَامِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ وَمَاتَ فَجَاءَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ فَهَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ ( لَتُنَفَّذَ ) الْوَصِيَّةُ فِيهِ احْتِمَالَانِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ مِنْ الرَّافِعِيِّ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَاَلَّذِي ( جَزَمَ بِهِ ) الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ حَلِفُ الْوَارِثِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِرْقَاقِ وَالْوَلَاءِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ فِي ( الطَّلَاقِ ) الْمُبْهَمِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْحَجِّ لَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ الْقَبُولُ لِإِيجَابِ الْبَيْعِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلدَّارِكِيِّ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَخُرِقَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ .
وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ لَمْ ( يُبِنْ ) وَارِثُهُ فِي الْأَصَحِّ .
تَنْبِيهَانِ : الْأَوَّلُ : قَدْ ( يَثْبُتُ ) الْحَقُّ لِلْوَارِثِ مَعَ حَيَاةِ ( الْمُورِثِ ) وَذَلِكَ فِي ( الْوَلَاءِ ) وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا كَانَ قَاتِلًا كَانَ مِيرَاثُ الْعَتِيقِ لِعَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ فِسْقٍ ( أَوْ غَيْرِهِ ) انْتَقَلَ التَّزْوِيجُ إلَى الْأَبْعَدِ مِنْ عَصَبَاتِهِ وَلَمْ ( يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا ) قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي هَذِهِ أَنَّ الْأَبْعَدَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا يُزَوِّجُ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ عَلَى أَنَّ الْعَصَبَةَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوَلَاءِ مَعَ حَيَاةِ الْمُعْتِقِ فَإِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ ( فُضَّ ) عَلَيْهِمْ ، وَنُصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ عَصَبَةَ الْمُعْتِقِ الَّذِينَ عَلَى دِينِ ( الْعَتِيقِ ) يَرِثُونَ الْعَتِيقَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا فَأَثْبَتَ الشَّافِعِيُّ لَهُمْ الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ بِهِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتَقِدِ وَهَذَا يَرُدُّ مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ .
الثَّانِي : لَوْ وَرِثَ الْقِصَاصَ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ ، وَلَوْ وَرِثَ حَدَّ الْقَذْفِ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْقُطْ وَلِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا سَقَطَ رُجِعَ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الدِّيَةُ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ إذَا سَقَطَ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا مُشْتَرَكًا لِجَمَاعَةٍ فَعَفَا أَحَدُ سَادَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ إذْ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْءٌ .
الْوَثَائِقُ الْمُتَعَلِّقَةُ ( بِالْأَعْيَانِ ) ثَلَاثَةٌ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالشَّهَادَةُ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ قُلْت : ثُمَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا يَدْخُلُهُ الثَّلَاثَةُ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ ( وَأُرُوشِ ) الْجِنَايَاتِ الْمُسْتَقِرَّةِ .
وَمِنْهُ مَا يُسْتَوْثَقُ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالرَّهْنِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ ( جَزَمَ ) بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِهَا قَالَ : لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَنُجُومَ الْكِتَابَةِ لَا رَهْنَ فِيهَا وَلَا ضَمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ ، وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا ( يَدْخُلُهَا ) الضَّمِينُ .
وَمِنْهُ الْمُسَابَقَةُ إذَا اُسْتُحِقَّ رَهْنُهَا جَازَ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ ، وَقِيلَ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ( جَائِزٌ أَوْ لَازِمٌ ) .
وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُهُ الضَّمِينُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُسْتَدْرَكُ عَلَى الْإِمَامِ ( حَصْرُ ) الْوَثَائِقِ فِي ثَلَاثٍ ( بِأُمُورٍ ) مِنْهَا : الْحَبْسُ عَلَى الْحُقُوقِ إلَى الْوَفَاءِ ( أَوْ حُضُورِ ) الْغَيْبِ وَإِفَاقَةِ الْمَجَانِينِ وَبُلُوغِ الصِّبْيَانِ .
وَمِنْهَا حَبْسُ الْمَبِيعِ ( حَتَّى يَقْبِضَ ) الثَّمَنَ ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ ( تَسْلِيمَ ) نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الْمَهْرَ وَغَيْرُ ( ذَلِكَ ) .
فِي الْبَيْعِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيَقُومُ مَقَامَهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَفِي بَابِ الدَّعْوَى ، وَكَذَا السَّلَمُ إذَا كَانَ الْوَصْفُ لَا يُؤَدِّي إلَى ( عِزَّةِ ) الْوُجُودِ وَفِي الْجَعَالَةِ لَوْ شَرَطَ الْجُعَلَ بِسَلْبِ الْعَبْدِ أَوْ ثِيَابِهِ وَوَصَفَهُ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ وَإِلَّا فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَهُوَ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ ( اسْتِيفَاءَ ) الْأَوْصَافِ فِي الْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كَانَ ( كَالْمُسْتَأْجَرِ ) .
الْوَطْءُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ : الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ عَلَى أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : يُعْتَبَرُ ( فِيهِ ) كُلُّ ( وَاحِدٍ ) مِنْ الْوَاطِئَيْنِ بِحَالِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحَدُّ وَالْغُسْلُ ( فَأَيُّهُمَا كَانَ ) مُكَلَّفًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا .
ثَانِيهَا : مَا ( يُعْتَبَرُ بِالْوَاطِئِ ) دُونَ الْمَوْطُوءَةِ وَهُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْوَاطِئُ زَانِيًا لَحِقَ النَّسَبُ ( وَوَجَبَتْ ) الْعِدَّةُ ، وَحَيْثُ كَانَ زَانِيًا ( لَا يَثْبُتَانِ ) ثَالِثُهَا : يُعْتَبَرُ بِالْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ وَهُوَ وُجُوبُ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَتْ زَانِيَةً لَمْ تَسْتَحِقَّ الْمَهْرَ وَإِلَّا اسْتَحَقَّتْ وَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْوَاطِئِ أَنَّهُ زَانٍ أَوْ غَيْرُ زَانٍ ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَتَبِعُوهُ .
الثَّانِي : الْوَطْءُ مَعَ الْفَسْخِ بِعَيْبِ النِّكَاحِ مَضْمُونٌ بِلَا خِلَافٍ إمَّا بِالْمُسَمَّى عَلَى قَوْلٍ أَوْ بِالْمَهْرِ عَلَى قَوْلٍ وَفِي بَابِ الْبَيْعِ ( فِي ) رَدِّ الْجَارِيَةِ بِالْعَيْبِ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَطْءَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَالْوَطْءُ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْعَقْدُ عَلَى الرَّقَبَةِ وَالْوَطْءُ مَنْفَعَةُ مِلْكِهِ فَلَمْ يُقَابِلْهُ بِعِوَضٍ .
الثَّالِثُ : لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي النِّكَاحِ حُكْمُهُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ ، وَالْأَحْكَامُ الْمُوجِبَةُ لِلْوَطْءِ فِيهِ عَشْرَةٌ : وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ سَوَاءٌ سَمَّى لَهَا فِي الْعَقْدِ شَيْئًا أَمْ لَا ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إذَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُمَا مَعًا ، تَحْرُمُ ( عَلَى آبَائِهِ ) مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَجَدَّاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا ، تَصِيرُ فِرَاشًا بِهَذَا الْوَطْءِ وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَمْلِكُ بِهِ اللِّعَانَ وَهُوَ إذَا قَذَفَهَا بِزِنًى وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا أَوْ وَلَدِهَا ، قَالَ : وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ بِمُلْكِ الْيَمِينِ سَبْعَةٌ : تَصِيرُ فِرَاشًا بِنَفْسِ الْوَطْءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، تَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا ( عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا ) يَجِبُ ( عَلَيْهَا ) الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنْ ( ادَّعَتْ ) وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ وَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ ( بِلَا لِعَانٍ ) وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَتِهِ هَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الصَّدَاقِ : لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْلُوَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِهِ ( مُحْتَرَمًا ) عَنْ الْمَهْرِ إذَا أَمْكَنَ تَقْرِيرُهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الذِّمِّيَّةُ إذَا نُكِحَتْ فِي الشِّرْكِ عَلَى التَّفْوِيضِ وَكَانُوا يَرَوْنَ سُقُوطَ الْمَهْرِ عِنْدَ الْمَسِيسِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ مِنْ عَبْدِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْمَهْرُ أَصْلًا .
وَأَمَّا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ ( الصُّورَتَيْنِ ) فَلَا يُتَصَوَّرُ خُلُوُّ مَسِيسٍ فِي نِكَاحٍ عَنْ مَهْرٍ هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً فِي طُرُقِهِمْ .
قَالَ الْقَاضِي : إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا وَهِيَ مُفَوِّضَةٌ : طَأْنِي وَلَا مَهْرَ عَلَيْك ؛ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْحَقِّ وَقَدْ سَلَّطَتْهُ مَعَ الرِّضَا بِنَفْيِ الْمَهْرِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا ( قَالَتْ ) أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ فَوَطِئَهَا ظَانًّا حِلَّهُ فَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ قَوْلَانِ ( انْتَهَى ) .
وَعَبَّرَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَهْرٍ أَوْ عُقُوبَةٍ إلَّا فِي مَسَائِلَ : هَاتَانِ " وَالثَّالِثَةُ : وَطْءُ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ .
الرَّابِعَةُ : السَّفِيهُ إذَا تَزَوَّجَ رَشِيدَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَوَطِئَ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ .
الْخَامِسَةُ : أَعْتَقَ الْمَرِيضُ أَمَتَهٌ وَتَزَوَّجَهَا وَكَانَتْ ثُلُثَ مَالِهِ .
السَّادِسَةُ : إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْوَطْءِ فَوَطِئَ عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ .
السَّابِعَةُ : إذَا وُطِئَتْ الْمُرْتَدَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ بِشُبْهَةٍ .
الثَّامِنَةُ : إذَا وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ .
التَّاسِعَةُ : وَطْءُ ( الزَّوْجِ ) مَا عَدَا الْوَطْأَةَ الْأُولَى عَلَى ( وَجْهِ أَنَّ ) الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْأَةِ الْأُولَى خَاصَّةً .
الْخَامِسُ : الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ كَهُوَ فِي الْقُبُلِ إلَّا فِي سَبْعِ صُوَرٍ ذَكَرَهَا فِي الرَّوْضَةِ : التَّحْصِينُ وَالتَّحْلِيلُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْعُنَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْبِكْرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَاذَا وُطِئَتْ الْكَبِيرَةُ فِي فَرْجِهَا وَقَضَتْ وَطَرَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْمَنِيُّ وَجَبَ إعَادَةُ الْغُسْلِ فِي الْأَصَحِّ ( وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دُبُرِهَا ) لَمْ تُعِدْ .
وَالسَّابِعَةُ : لَا يَحِلُّ بِحَالٍ وَالْقُبُلُ يَحِلُّ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ .
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ ( بِصُوَرٍ ) : ( إحْدَاهَا ) إذَا وَطِئَ بَهِيمَةً وَقُلْنَا : إذَا وَطِئَهَا فِي ( الْقُبُلِ ) تُقْتَلُ فَلَا تُقْتَلُ هَا هُنَا ( بِنَاءً ) عَلَى أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَلِدَ آدَمِيًّا .
وَمِنْهَا : لَا أَثَرَ لِوَطْءِ ( الْبَائِعِ ) فِي قُبُلِ الْخُنْثَى فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي دُبُرِهِ فَسْخٌ كَقُبُلِ غَيْرِ الْخُنْثَى .
وَمِنْهَا : الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ هَلْ يُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ ، إنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْقُبُلُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ الْتِحَاقَهُ بِالْقُبُلِ .
وَمِنْهَا : هَلْ يَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ قَالَ الْحَنَّاطِيُّ : نَعَمْ .
( وَمِنْهَا : لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ ) فَوَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ فَوَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْحِنْثِ وَسَبَقَ أَنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ .
وَمِنْهَا : لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْ السَّيِّدَ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ كَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ سَقَطَتْ حَصَانَتُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَمِنْهَا إذَا وَطِئَ غُلَامًا جُلِدَ الْمَفْعُولُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ ( أَوْ بِكْرًا ) جُلِدَ .
وَمِنْهَا لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي دُبُرِ رَجُلٍ كَانَ جُنُبًا لَا مُحْدِثًا فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ .
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا عَلَى وَجْهٍ .
وَمِنْهَا وَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا وَهِيَ بِكْرٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَهَلْ يُقْسِمُ لَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي قَسَمَ بِكْرٍ أَمْ ثَيِّبٍ .
السَّادِسُ : الْوَطْءُ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ فِي الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ وَنَحْوِهِمَا ؟ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُهُ وَقَدْ يُظَنُّ تَعَارُضُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ( لَهَا ) مَأْخَذٌ يَظْهَرُ بِضَابِطٍ فَنَقُولُ : ( هُوَ ) أَنْوَاعٌ .
الْأَوَّلُ : مَا مَلَّكَهُ لِلْغَيْرِ وَتَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ كَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا فَلَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُوصَى بِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ( إحْبَالٌ ) وَوَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ التَّدْبِيرِ عَزَلَ أَمْ لَا .
الثَّانِي : مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مُنَجَّزًا فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا .
وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ بِالْفَلَسِ بِوَطْءِ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَكُونُ وَطْءُ الْأَبِ الْمَوْهُوبَةَ رُجُوعًا فِي هِبَةِ وَلَدِهِ عَلَى ( الصَّحِيحِ ) .
وَمِثْلُهُ لَوْ بَاعَ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ وَوَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْأَمَةِ فَلَوْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ( وَفِي الْعَبْدِ ) وَاسْتِرْجَاعًا لَهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ .
الثَّالِثُ : أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الزَّوَالِ وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَحْصُلُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَوَطِئَ إحْدَاهُنَّ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلنِّكَاحِ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُطَلَّقَةِ لَا يَكُونُ رَجْعَةً .
وَلَوْ قَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا ( لَا يَكُونُ ) تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ أَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ مُعَيَّنًا بِالنِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا قَطْعًا .
وَلَوْ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ فَلَا يَكُونُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَعْيِينٌ .
وَلَوْ وَطِئَ السَّيِّدُ جَارِيَتَهُ الْجَانِيَةَ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ فِي الْأَصَحِّ وَالثَّانِي يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهُ كَفَسْخِ الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ خِيَارَ الْبَيْعِ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَسَقَطَ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ ( فَإِنَّ ) خِيَارَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ الثَّانِي : أَنْ يَحْصُلَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ فَسْخًا وَرُجُوعًا .
فَمِنْهَا وَطْءُ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُشْتَرِي إجَازَةً وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ كَالسَّبْيِ فَكَذَلِكَ دَوَامُهُ .
وَمِنْهَا إذَا ظَهَرَتْ مَعِيبَةً فَذَهَبَ لِيَرُدَّهَا فَوَطِئَهَا فِي الطَّرِيقِ امْتَنَعَ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ .
وَمِنْهَا السَّيِّدُ إذَا وَطِئَ أَمَةَ الْمَأْذُونِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَانَ وَطْؤُهَا حَجْرًا عَلَيْهِ فِيهَا وَقِيلَ : يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَعْزِلَ أَمْ لَا كَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي الْقِرَاضِ جَارِيَةٌ لَمْ يَجُزْ لِلْمَالِكِ وَطْؤُهَا فَلَوْ وَطِئَ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْقِرَاضِ ؟ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ .
السَّابِعُ : كُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْزَالُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَهِيَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى لَا يَحْنَثُ إلَّا بِتَحْصِينِ الْجَارِيَةِ وَالْوَطْءِ وَالْإِنْزَالِ .
الثَّامِنُ : الْمِلْكُ الْقَاصِرُ مِنْ ابْتِدَائِهِ لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ مَا ( لَوْ ) كَانَ الْقُصُورُ طَارِئًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمُرْتَهِنِ .
التَّاسِعُ : الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ لِعَارِضٍ هَلْ يَسْتَتْبِعُ تَحْرِيمَ مُقَدِّمَاتِهِ أَمْ لَا ؟ إنْ كَانَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَقُصُورِهِ أَوْ خَشْيَةِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَالْمُسْتَبْرَأَةِ إذَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ فَيَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِمْتَاعَاتِ بِهَا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ فَهُوَ نَوْعَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْعِبَادَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : ضَرْبٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ جِنْسُ التَّرَفُّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فَيَمْتَنِعُ الْوَطْءُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ .
وَضَرْبٌ يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ وَمَا أَفْضَى ( إلَى الْإِنْزَالِ وَلَا يَمْنَعُ ) مِمَّا يَبْعُدُ ( إفْضَاؤُهُ ) إلَيْهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ الصِّيَامُ .
الثَّانِي : غَيْرُ الْعِبَادَاتِ ( وَهِيَ ) عَلَى أَرْبَعَةِ ( أَقْسَامٍ ) .
الْعَاشِرُ : إنَّمَا يُبَاحُ الْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ التَّامِّ دُونَ الْمُزَلْزَلِ .
وَلِهَذَا لَوْ اتَّفَقَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُ عَنْ قِيمَةِ الْحَيْلُولَةِ جَارِيَةً وَعَوَّضَهَا لَهُ الْغَاصِبُ جَازَ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ؟ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : تَفَقُّهًا إنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ مِلْكًا ( تَامًّا ) مُسَلَّطًا عَلَى الْوَطْءِ .
قُلْت : يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فَإِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْمَغْصُوبِ مَعْلُومًا : إنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَحَكَى فِي اسْتِقْرَارِهِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَجْهَانِ وَقَضِيَّةُ الِاسْتِقْرَارِ حِلُّ الْوَطْءِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ ( قِيمَةَ فَرْضٍ ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا عَلَى حُكْمِ رَدِّ الْعَيْنِ وَهَذَا قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْوَطْءُ .
وَمِنْهَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ : بِعْتُكهَا وَقَالَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ : بَلْ وَهَبْتنِيهَا ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الْكَامِلِ : يَحِلُّ لِمُدَّعِي الْهِبَةِ وَطْؤُهَا فِي الْبَاطِنِ إذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ وَكَانَ قَدْ قَبَضَهَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي صَادِقًا انْتَهَى .
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ تَعَيُّنُ ( جِهَةٍ ) ؟ ( كَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ) يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَطَأُ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوْ ( بِالْمِلْكِ ) .
الْحَادِيَ عَشَرَ : كُلُّ وَطْءٍ مُحَرَّمٍ إنْ حُرِّمَ لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ ( وَجَبَتْ ) فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، وَإِنْ ( حَرُمَ ) لَا لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ لَمْ يَجِبْ كَوَطْءِ الْحَائِضِ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَهِيَ مَنْقُوضَةٌ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : اُخْتُلِفَ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهُمَا الثَّالِثُ .
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْمُبَاحِ مَا أُذِنَ فِيهِ شَرْعًا فَلَيْسَ بِمُبَاحٍ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ فَأَيْنَ الْخِلَافُ ( وَهَكَذَا ) الْقَوْلُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَنَحْوِهِ .
وَقْتُ الشَّيْءِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ هُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ رُكْنًا فِي الْمَقْصُودِ ( فَيَنْزِلُ ) .
وَلِهَذَا إذَا دَخَلَ اللَّيْلُ أَفْطَرَ الصَّائِمُ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُفَطِّرَ وَكَذَلِكَ مُضِيُّ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ تُوجِبُ النَّزْعَ وَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ .
وَإِذَا وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ شَيْئًا عِنْدَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ وَمَضَى زَمَنُ إمْكَانِهِ صَارَ كَالْمَقْبُوضِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ .
وَإِذَا مَضَى زَمَانُ الْمَنْفَعَةِ فِي الْإِجَارَةِ بَعْدَ التَّمْكِينِ اسْتَقَرَّتْ ( الْأُجْرَةُ ) وَإِنْ لَمْ تُسْتَوْفَ الْمَنْفَعَةُ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ زَمَنِ عَرْضِهَا عَلَى الزَّوْجِ الْغَائِبِ مَقَامَ التَّوْكِيلِ حَتَّى تَجِبَ النَّفَقَةُ إذَا عَلِمَ وَمَضَى زَمَنُ إمْكَانِ وُصُولِهِ إلَيْهَا وَلَمْ يَصِلْ فِيهِ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ زَمَنِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمَرْأَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي الْغَيْبَةِ فِي مُضِيِّ قَدْرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ مَقَامَ الْوَطْءِ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِي الْمَقْصُودِ فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ كَدُخُولِ وَقْتِ الرَّمْيِ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الرَّمْيِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ فَقَالَ : إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ وَأَلْزَمَهُ الْأَصْحَابُ بِطَرْدِهِ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ .
وَمِنْهَا : الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ إذَا وَقَفَا بِعَرَفَةَ ثُمَّ دَفَعَا بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ كَمَّلَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُمَا خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ .
وَمِنْهَا : وَقْتُ الْخَرْصِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْخَرْصِ ؟ إنْ قُلْنَا : لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالتَّضْمِينِ - لَمْ يَقُمْ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْمَنْعُ ( وَقَالَ قَبْلَ ) ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ نَخِيلٌ يَخْتَلِفُ إدْرَاكُهَا فِي الْعَامِ فَإِنْ أُطْلِعَ ( الْمُتَأَخِّرُ ) قَبْلَ بُدُوِّ ( صَلَاحِ ) الْأَوَّلِ ضَمَّهُ إلَيْهِ أَوْ بَعْدَ جِدَادِ الْأَوَّلِ فَوَجْهَانِ قَالَ الْقَفَّالُ : لَا يَضُمُّ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ فَعَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ فَهَلْ يُقَامُ وَقْتُ الْجِدَادِ مَقَامَ الْجِدَادِ وَجْهَانِ أَفْقَهُهُمَا يُقَامُ فَإِنَّ الثِّمَارَ بَعْدَ وَقْتِ الْجِدَادِ كَالْمَجْدُودَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ أُطْلِعَتْ النَّخْلَةُ الْعَامَ الثَّانِيَ وَعَلَيْهَا بَعْضُ ثَمَرَةِ الْأَوَّلِ لَمْ تُضَمَّ قَطْعًا .
وَمِنْهَا : لَوْ أَفْرَدَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ بِالْعَقْدِ وَقْتَ التَّأْبِيرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ بِإِفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ انْقَطَعَ ( عَنْ التَّبَعِيَّةِ ) وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ تَنْزِيلُ وَقْتِ التَّأْبِيرِ مَقَامَ التَّأْبِيرِ وَمِثْلُهُ إقَامَةُ وَقْتِ ( بُدُوِّ ) الصَّلَاحِ مَقَامَ الصَّلَاحِ .
الْوَقْفُ فِي الْأَحْكَامِ ( كَثُرَ ) فِي كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ بِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ نَاجِزَةٌ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) الْوَقْفُ إلَّا فِي ( صُوَرٍ ) نَادِرَةٍ .
مِنْهَا : الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ .
وَمِنْهَا : قَالَ الرُّبَيِّعُ : ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فِي الْأَمَالِي الْقَدِيمَةِ وَحَكَى اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهَا فَقُلْت لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِيهَا ؟ فَقَالَ : أَنَا مُتَوَقِّفٌ ، حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ قَالَ : لَكِنَّهُ أَزَالَ التَّوَقُّفَ بَعْدُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَامْتَنَعَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ إثْبَاتِهِ قَوْلًا .
وَالْوَقْفُ يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ لِبَيَانِ مَا يَحْدُثُ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الْعُقُودِ فَمِنْ الْأَوَّلِ حَجُّ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ إنْ دَامَ كَانَ نَفْلًا وَإِنْ بَلَغَ قَبْلَ الْوُقُوفِ انْقَلَبَ فَرْضًا .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ فَسَلَّمَ سَاهِيًا ثُمَّ تَذَكَّرَ قَرِيبًا فَفِي صِحَّةِ سَلَامِهِ الثَّانِي وَجْهَانِ فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَقَدْ ( فَاتَ مَحَلُّ السُّجُودِ ) وَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ فَإِنْ سَجَدَ فَهُوَ بَاقٍ ( فِي الصَّلَاةِ لَوْ أَحْدَثَ لَبَطَلَتْ وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ قَالَ الْإِمَامُ : فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ) فِي الصَّلَاةِ وَلَا بُدَّ مِنْ السَّلَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : السَّلَامُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ سَجَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ تَرَكَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ تَحَلَّلَ وَأَمَّا فِي الْعُقُودِ فَالْوَقْفُ فِيهَا يُعَبَّرُ ( بِهِ ) عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ : إحْدَاهَا : بَيْعُ الْفُضُولِيِّ وَهُوَ وَقْفُ صِحَّةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الصِّحَّةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بَعْدَهَا وَتَكُونُ الْإِجَازَةُ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ( ثَلَاثَتُهَا ) أَرْكَانُ الْعَقْدِ .
هَذَا مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الصِّحَّةَ نَاجِزَةٌ وَالْمُتَوَقِّفَ ) عَلَى الْإِجَازَةِ هُوَ الْمِلْكُ .
الثَّانِيَةُ : بَيْعُ مَالِ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ
وَهُوَ وَقْفٌ ( تَبَيَّنَ ) بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْدَ ( فِيهِ صَحِيحٌ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ فِي ثَانِي الْحَالِ ) ( فَهُوَ وَقْفٌ ) عَلَى ظُهُورِ أَمْرٍ كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ ، وَالْمِلْكُ فِيهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَلَا خِيَارَ فِيهِ .
( الثَّالِثَةُ ) تَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ وَهِيَ مَا إذَا غَصَبَ أَمْوَالًا وَبَاعَهَا وَتَصَرَّفَ فِي أَثْمَانِهَا بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ تَتَبُّعُهَا بِالنَّقْضِ ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْبُطْلَانُ وَالثَّانِي لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَ وَيَأْخُذَ الْحَاصِلَ مِنْ أَثْمَانِهَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَالْأُولَى ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّهَا كَالثَّانِيَةِ فِي عَدَمِ الْخِيَارِ وَتَبَيُّنِ الْمِلْكِ مِنْ قَبْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مِنْ الْوَقْفِ مَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ وَمِنْهُ مَا يَبْطُلُ .
وَضَبَطَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الدَّعْوَى الْوَقْفَ الْبَاطِلَ فِي الْعُقُودِ بِتَوَقُّفِ الْعَقْدِ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ وَيَنْحَصِرَانِ فِي سِتَّةِ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُصُولِ شَرْطٍ بَعْدَهُ فَهُوَ الْبَاطِلُ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ .
وَلَوْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَأَنَا ( وَالرُّكَّابُ ) ضَامِنُونَ ، وَقَالَ : أَرَدْت إنْشَاءَ الضَّمَانِ عَلَيْهِمْ ، فَقِيلَ : إنْ رَضُوا ( بِهِ ) ثَبَتَ الْمَالُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ لَا ( تُوقَفُ ) عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا مَا ارْتَضَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْإِمَامُ وَقَرَّبَ فِي الْوَسِيطِ الْأَوَّلَ وَقَالَ : يَلْزَمُهُمْ الْمَالُ ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِوَقْفِ الْعُقُودِ فَإِنْ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ لِلْحَاجَةِ .
الثَّانِي : مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَبْيِينٍ وَانْكِشَافٍ سَابِقٍ عَلَى الْعَقْدِ فَهُوَ الصَّحِيحُ كَبَيْعِ مَالِ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ وَأَلْحَقَ بِهَا الرَّافِعِيُّ مَا إذَا بَاعَ الْعَبْدَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ مُكَاتَبٌ وَكَانَ قَدْ رَجَعَ أَوْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ ( وَكَذَلِكَ ) لَوْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فُضُولِيٌّ فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ إذَا قُلْنَا : لَا تَتَوَقَّفُ الْوَكَالَةُ عَلَى الْقَبُولِ وَأَنَّهُ يَكُونُ وَكِيلًا قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ إلَيْهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ .
وَمِثْلُهُ ( مُعَامَلَةُ ) مَنْ عُرِفَ رِقُّهُ وَكَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ .
وَذَكَرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِيمَا لَوْ كَاتَبَ الْعَبْدُ كِتَابَةً فَاسِدَةً ثُمَّ أَوْصَى بِهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْكِتَابَةِ فَفِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ قَوْلَانِ وَقَالَ : إنَّهُمَا أَصْلُ وَقْفِ الْعَقْدِ وَقَضِيَّتُهُ ( تَرْجِيحُ صِحَّةِ ) الْوَصِيَّةِ وَلَا نَظَرَ لِاعْتِقَادِ الْمُوصَى .
الثَّالِثُ : مَا تَوَقَّفَ عَلَى انْقِطَاعِ تَعَدٍّ فَقَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ الْإِبْطَالُ كَبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ ثُمَّ يُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ ( أَوْ ) يَفْضُلُ عَنْ الْغُرَمَاءِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ ( فِي الْأَصَحِّ ) ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَكِّ إنْ وُجِدَ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَقْفُ تَبْيِينٍ .
الرَّابِعُ : مَا تَوَقَّفَ عَلَى ارْتِفَاعِ حَجْرٍ حُكْمِيٍّ خَاصٍّ كَالْعَبْدِ يُقِيمُ شَاهِدَيْنِ عَلَى عِتْقِهِ ( وَلَمْ ) يَعْدِلَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْجُرُ عَلَى السَّيِّدِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى التَّعْدِيلِ فَلَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ عَدَالَتِهِمْ فَعَلَى قَوْلِ الْوَقْفِ فِي صُورَةِ الْمُفْلِسِ بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا أَخَصُّ مِنْهَا لِوُجُودِ الْحَجْرِ هُنَا عَلَى الْعَيْنِ خَاصَّةً ، وَهُنَاكَ عَلَى الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ تَصَرُّفُ السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي أُبْطِلَ وَقِيلَ : يَكُونُ مَوْقُوفًا إنْ فَدَاهُ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا .
الْخَامِسُ : مَا تَوَقَّفَ لِأَجْلِ حَجْرٍ شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ الْحَاكِمِ وَفِيهِ صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : تَصَرُّفَاتُ الْمَرِيضِ بِالْمُحَابَاةِ فِيمَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الثُّلُثِ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ صَحَّتْ وَإِلَّا بَطَلَتْ ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُفْلِسِ ؛ لِأَنَّ ضِيقَ ( الثُّلُثِ ) وَمُزَاحَمَةَ الْغُرَمَاءِ أَمْرٌ ( مُسْتَقْبَلٌ ) وَالْمَانِعَ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُفْلِسِ وَالرَّاهِنِ قَائِمٌ حَالَةَ التَّصَرُّفِ .
ثَانِيَتُهُمَا : إذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِي الْمَالِ غَائِبٌ فَتَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي ثُلُثَيْ الْحَاضِرِ ثُمَّ بَانَ تَلَفُ الْغَائِبِ أَلْحَقَهَا الرَّافِعِيُّ بِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ فَأَلْحَقَهَا بِبَيْعِ مَالِ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ ، وَهَذَا أَشْبَهُ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَادَفَ مِلْكَهُ فَهِيَ بِبَيْعِ الِابْنِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْفُضُولِيِّ .
السَّادِسُ : مَا تَوَقَّفَ لِأَجْلِ حَجْرٍ وَضْعِيٍّ أَيْ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ كَالرَّاهِنِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَصِحُّ عَلَى الْجَدِيدِ وَعَلَى الْقَدِيمِ الَّذِي يَجُوزُ وَقْفُ الْعُقُودِ يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى الِانْفِكَاكِ وَعَدَمِهِ وَأَلْحَقَهُ الْإِمَامُ بِبَيْعِ الْمُفْلِسِ مَالَهُ .
فَوَائِدُ : الْوَقْفُ الْمُمْتَنِعُ فِي الْعُقُودِ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ الزَّوْجَةُ كَانَ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا وَلَوْ ابْتَدَأَ النِّكَاحَ عَلَى مُرْتَدَّةٍ لَمْ يَجُزْ .
قَدْ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْقَى الْمِلْكُ مَوْقُوفًا فِي مِلْكِ الْمَبِيعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَمِلْكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ إنْ ( قَبِلَ ) تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ وَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ مَالَهُ .
الْوِلَايَةُ إذَا أُثْبِتَتْ لِشَخْصٍ بِالتَّقْدِيمِ لِقُرْبِهِ فَغَابَ انْتَقَلَتْ إلَى السُّلْطَانِ كَحِفْظِ الْمَالِ وَالتَّزْوِيجِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحَضَانَةُ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ لِلْأَبْعَدِ لَا لِلسُّلْطَانِ فَإِذَا غَابَتْ الْأُمُّ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ ( لِلْجَدَّةِ ) فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْإِمَامُ وَفَرَّقَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ النَّظَرَ فِي التَّزْوِيجِ وَالْمَالِ يَتَهَيَّأُ مِنْ السُّلْطَانِ نَفْسِهِ ( أَوْ إقَامَةِ ) غَيْرِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا الْحَضَانَةُ ( فَمَبْنَاهَا ) عَلَى الشَّفَقَةِ الْمُسْتَحِثَّةِ عَلَى إدَامَةِ النَّظَرِ إذَا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيَّزِ مُحْتَاجٌ لِذَلِكَ وَقَدْ قُلْنَا : لَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ ( الصَّغِيرَةَ ) .
الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ ( أَقْوَى ) مِنْ الْعَامَّةِ وَلِهَذَا لَا يَتَصَرَّفُ الْقَاضِي مَعَ حُضُورِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ وَأَهْلِيَّتِهِ وَيَنْعَزِلُ الْخَاصُّ بِالْفِسْقِ دُونَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ فَاسِقًا وَقُلْنَا : لَا يَلِي التَّزْوِيجَ كَانَ لَهُ تَزْوِيجُ بَنَاتِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لَا بِالْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّزْوِيجَ عَلَيْهَا بِجِهَتَيْنِ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ إحْدَاهُمَا عَمِلَتْ الْأُخْرَى .
وِلَايَةُ الْمَالِ قَدْ تُجَامِعُ وِلَايَةَ النِّكَاحِ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْأَطْفَالِ وَقَدْ يَكُونُ وَلِيًّا فِي الْمَالِ رُونَ النِّكَاحِ كَالْوَصِيِّ وَعَكْسُهُ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ يُزَوِّجُ مُولِيَتَهُ وَلَا يَلِي مَالَهَا ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ وَالْجَدُّ فِيمَنْ طَرَأَ سَفَهُهَا فَإِنَّ وِلَايَةَ الْمَالِ تَنْتَقِلُ لِلْقَاضِي وَوِلَايَةَ التَّزْوِيجِ تَبْقَى لِلْأَبِ ( ؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَلِطَ ( صَاحِبُ طِرَازِ الْمَحَافِلِ ) فَقَالَ : إنَّ التَّزْوِيجَ لِلْقَاضِي كَمَا ( ذَكَرَهُ ) الرَّافِعِيُّ ( فِيمَنْ ) طَرَأَ عَلَيْهَا الْجُنُونُ أَنَّ السُّلْطَانَ يُزَوِّجُهَا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ يَلِي الْمَالَ وَقِيَاسُهُ هُنَا كَذَلِكَ .
الْأَوَّلُ : ( الْحَادِثُ ) بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَ أَصْلَهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي النِّكَاحِ مِنْ الْحَاوِي .
الْأَوَّلُ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَبَوَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فِي الْأَكْلِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا مَأْكُولَيْنِ .
فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَأْكُولٍ حَرُمَ ( لِغَلَبَةِ الْحَظْرِ ) وَفِي حِلِّ الذَّبِيحَةِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا تَحِلُّ زَكَاتُهُمَا ، وَفِي الْمُنَاكَحَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُهُمَا ( فَالْمُتَوَلِّدُ ) بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ ( لَا يَحِلُّ ) إنْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْكِتَابِيَّةُ قَطْعًا وَكَذَا الْأَبُ فِي ( الْأَظْهَرِ وَفِي ) الزَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا زَكَوِيَّيْنِ فَالْمُتَوَلِّدُ ( بَيْنَ ) الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ لَا تَجِبُ فِيهِ وَامْتِنَاعُ التَّضْحِيَةِ بِهِ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ فَلَا سَهْمَ لِلْبَغْلِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ .
الثَّانِي : مَا يُعْتَبَرُ بِالْأَبِ خَاصَّةً وَذَلِكَ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : النَّسَبُ وَتَوَابِعُهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى .
ثَانِيهِمَا : الْحُرِّيَّةُ إذَا كَانَ ( مِنْ أَمَتِهِ وَكَذَا ) مِنْ أَمَةِ غَيْرِهِ وَغُرَّ بِحُرِّيَّتِهَا أَوْ وَطِئَهَا ( وَيَظُنُّهَا ) زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ وَطِئَ أَمَةَ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حُرًّا .
ثَالِثُهَا : ( الْكَفَاءَةُ ) فَالرِّقُّ فِي الْأُمَّهَاتِ لَا يُؤَثِّرُ ( فَمَنْ ) وَلَدَتْهُ رَقِيقَةٌ كُفْءٌ لِمَنْ وَلَدَتْهَا عَرَبِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا وَلِذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوَلَاءُ .
( رَابِعُهَا الْوَلَاءُ ) : فَإِنَّهُ يَكُونُ ( عَلَى ) الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأَبِ .
خَامِسُهَا : قَدْرُ الْجِزْيَةِ فَإِذَا كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ جِزْيَةٌ ( وَأُمُّهُ ) مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ جِزْيَةٌ فَجِزْيَتُهُ جِزْيَةُ أَبِيهِ .
سَادِسُهَا : مَهْرُ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ عَصَبَةِ الْأَبِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَقَرَابَةُ الْأُمِّ .
سَابِعُهَا : سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى .
الثَّالِثُ مَا يُعْتَبَرُ بِالْأُمِّ خَاصَّةً وَهُوَ شَيْئَانِ : الْحُرِّيَّةُ إذَا كَانَ أَبُوهُ رَقِيقًا فَإِنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ حُرٌّ .
وَالثَّانِي : الرِّقُّ إذَا كَانَ أَبُوهُ حُرًّا وَأُمُّهُ رَقِيقَةً فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ( كَذَلِكَ ) إلَّا فِي صُوَرٍ : إحْدَاهَا : إذَا اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا نُكِحَتْ الْأَمَةُ وَغَرَّتْ زَوْجَهَا بِالْحُرِّيَّةِ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ رَقِيقَةً وَعَلَى اسْتِثْنَاءِ هَاتَيْنِ ( الصُّورَتَيْنِ ) اقْتَصَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْفُرُوقِ وَأَشَارَ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا ، أَمَّا ( الْمَغْرُورُ ) فَلِأَنَّهُ إنَّمَا تَبَعُ الشَّرْطِ لَا تَبَعُ الْأُمِّ وَلَا تَبَعُ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُشْتُرِطَ حُرِّيَّتُهَا فَقَدْ ( اُشْتُرِطَ ) حُرِّيَّةُ وَلَدِهَا .
وَأَمَّا الِاسْتِيلَادُ فَالْحُكْمُ بِرِقِّهِ ( مُحَالٌ ) ؛ لِأَنَّ ( الْعُبُودِيَّةَ ) وَالْوَلَدِيَّةُ مُتَنَافِيَانِ فَلَمَّا اسْتَحَالَ أَنْ يُخْلَقَ رَقِيقًا لِاقْتِرَانِ الْمَعْنَى الْمُنَافِي بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ خُلِقَ حُرًّا وَيَثْبُتُ لِلْأُمِّ بِذَلِكَ حَقُّ حُرِّيَّةٍ ( فَتُعْتَقُ ) بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا } .
الثَّالِثَةُ : لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ حُرًّا .
الرَّابِعَةُ : إذَا وَطِئَ الْأَبُ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَالْوَلَدُ حُرٌّ .
الْخَامِسَةُ : إذَا نَكَحَ مُسْلِمٌ حَرْبِيَّةً ثُمَّ سُبِيَتْ بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْهُ لَمْ يَتْبَعْهَا الْوَلَدُ فِي الرِّقِّ وَإِنْ كَانَ ( مُجْتَنًّا ) ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا .
وَتَجِيءُ سَادِسَةٌ عَلَى وَجْهِ إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ أَمَةً وَقُلْنَا : لَا يُسْتَرَقُّ الْعَرَبُ ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ : كُلُّ مَنْ وَطِئَ أَمَةً فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ ؛ انْعَقَدَ وَلَدُهُ رَقِيقًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ الْعَرَبِيُّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً فَإِنَّ وَلَدَهُ لَا يُسْتَرَقُّ فِي قَوْلٍ وَيَكُونُ حُرَّ الْأَصْلِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ لِلسَّيِّدِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ اقْتَصَرُوا عَلَى الْأَمْرَيْنِ فِيمَا يُعْتَبَرُ بِالْأُمِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا ثَالِثٌ ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَإِنَّمَا سَكَتُوا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الرِّقِّ فَوَلَدُ الْحُرِّ مِنْ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكُ سَيِّدِهَا وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ مِنْ الْمَمْلُوكِ مِلْكٌ لِسَيِّدِ الْمَمْلُوكَةِ دُونَ سَيِّدِ الْمَمْلُوكِ ، وَكَذَلِكَ إذَا ( أَنْزَى ) فَحْلٌ مِنْ الْبَهَائِمِ ( عَلَى الْأُنْثَى ) كَانَ مِلْكًا ( لِصَاحِبِ ) الْأُنْثَى لَا لِمَالِكِ الْفَحْلِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ ( وَكَذَا قَالَ ) الرَّافِعِيُّ فِي الْغَصْبِ .
لَوْ أَنْزَى فَحْلُ غَيْرِهِ عَلَى ( رَمَكَةٍ ) بِغَيْرِ إذْنِهِ فَالْوَلَدُ لَهُ دُونَ صَاحِبِ الْفَحْلِ .
( وَرَابِعًا ) وَهُوَ التَّبْعِيضُ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ سُئِلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَمَّنْ أَوْلَدَ أَمَةً نِصْفُهَا حُرٌّ وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًى كَيْفَ حَالُ الْوَلَدِ ؟ فَقَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ ثُمَّ اسْتَقَرَّ جَوَابُهُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأُمِّ حُرِّيَّةً وَرِقًا ، قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِحُرِّيَّتِهِ إلَّا الْأُمُّ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهَا .
الرَّابِعُ : مَا يُعْتَبَرُ بِأَحَدِهِمَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُعْتَبَرُ بِأَشْرَفِهِمَا وَذَلِكَ فِي أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : الْإِسْلَامُ ، فَمَنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ وَالْآخَرُ كَافِرًا فَهُوَ مُسْلِمٌ وَفِي مَعْنَاهُ السَّابِي فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى سَبْيٍ صَغِيرٍ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ كَانَ مُسْلِمًا تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ( قَالَ ) الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : وَخَرَجَ مِنْ هَذَا حِلُّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ ( فَإِنَّهُ ) فَضِيلَةٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكْفِي فِيهِ أَحَدُهُمَا ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ امْتَازَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَى عَلَيْهِ .
ثَانِيهَا : ( فِي الْجِزْيَةِ ) يُتْبَعُ مَنْ لَهُ كِتَابٌ فَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ عُقِدَتْ لَهُ الْجِزْيَةُ لِغَلَبَةِ حَقْنِ الدِّمَاءِ .
ثَالِثُهَا : مَا يُتْبَعُ فِيهِ أَغْلَظُهُمَا وَذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ : ( مِنْهَا : فِي ضَمَانِ الصَّيْدِ ) يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا حُكْمًا فَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ وَمَا لَا يَجِبُ كَالضَّبُعِ وَالذِّئْبِ وَجَبَ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ الزَّكَاةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فِي الْمُتَوَلِّدِ ( بَيْنَ ) الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا الْإِسْقَاطُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ السَّوْمُ وَالْعَلَفُ أَوْ الْمِلْكُ وَعَدَمُهُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ غَلَبَ إسْقَاطُ الزَّكَاةِ وَفِي الْجَزَاءِ إذَا اجْتَمَعَ مَا يُوجِبُ وَمَا يُسْقِطُ يَغْلِبُ الْإِيجَابُ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّيْدَ الْوَاقِفَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمِ إذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّضْمِينِ ( فِي الْجَزَاءِ ) أَطْلَقَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ ، وَأَغْرَبَ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا يُقَابِلُ الْمَضْمُونَ وَهُوَ النِّصْفُ أَمَّا الْجَمِيعُ فَلَا .
وَمِنْهَا قَدْرُ الدِّيَةِ ( وَقِيمَةُ ) الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ يُتْبَعُ النِّصْفُ أَمَّا الْجَمِيعُ فَلَا .
وَمِنْهَا قَدْرُ الدِّيَةِ ( وَقِيمَةُ ) الْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا قَدْرًا عَلَى الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَغْلِبُ فِيهِ طَرَفُ التَّغْلِيظِ ، وَقِيلَ : تُتْبَعُ أَخَسُّهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .
وَكَالْإِيَاسِ مِنْ الْحَيْضِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نِسَاءُ ( عَشِيرَتِهِ ) ( مِنْ جِهَةِ الْأَبِ يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ عَلَى رَأْسِ سَبْعِينَ وَنِسَاءُ ) ( عَشِيرَتِهِ ) مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ يَنْقَطِعُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ يُعْتَبَرُ بِجَانِبِ الْأَبِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ اُعْتُبِرَ بِجَانِبِ الْأُمِّ ، وَفِي الْحَيْضِ يُعْتَبَرُ بِنِسَاءِ الْعَشِيرَةِ .
وَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ بِنِسَاءِ الْعَصَبَاتِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي مَا يُعْتَبَرُ بِأَخَسِّهِمَا وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهُمَا : النَّجَاسَةُ فَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ لَهُ حُكْمُ النَّجِسِ فِي الْفَضَلَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَهَلْ يُتْبَعُ أَغْلَظُهُمَا نَجَاسَةً كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ كَلْبٍ وَذِئْبٍ وَهُوَ الدَّيْسَمُ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ التَّعْفِيرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْكَلْبِ وَهَذَا لَا يُسَمَّى كَلْبًا ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِالْخِنْزِيرِ كَفَى غَسْلُهُ مَرَّةً بِلَا تُرَابٍ عَلَى الْقَدِيمِ الْمُخْتَارِ فِي الدَّلِيلِ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْخِنْزِيرِ فِيمَا أَحَدُ أَبَوَيْهِ كَلْبٌ أَوْ خِنْزِيرٌ .
ثَانِيهَا : الْمُنَاكَحَةُ فَلَا تَحِلُّ ( الْمُتَوَلِّدَةُ ) بَيْنَ ( كِتَابِيَّةٍ ) وَوَثَنِيٍّ ، وَكَذَلِكَ فِي الذَّبِيحَةِ وَالْأَطْعِمَةِ فَلَا يُؤْكَلُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُتْبَعَ الْأَخَسُّ حَتَّى لَا يُجْزِئَ فِيهَا مَا تَوَلَّدَ بَيْنَ شَاةٍ وَظَبْيٍ وَإِنْسِيٍّ وَبَقَرِ وَحْشٍ .
وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ إبِلٍ وَبَقَرٍ فَفِي إجْزَائِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ نَظَرٌ يُحْتَمَلُ الْإِجْزَاءُ وَعَدَمُهُ فَإِنْ قُلْنَا : ( يُجْزِئُ ) فَهَلْ يُعْتَبَرُ سِنُّ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ ؟ الْقِيَاسُ اعْتِبَارُ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِهِ عَلَى شَكْلِ الْأَبِ .
ثَالِثُهَا : اسْتِحْقَاقُ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ فَالْبَغْلُ لَا ( سَهْمَ ) لَهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحِمَارِ عَلَى الْفَرَسِ .
فُرُوعٌ : أَسْلَمَ فِي غَنَمٍ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا خَرَجَتْ ( مِنْ ) الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي الْبَحْرِ ، أَحَدُهَا : يَجُوزُ قَبُولُهُ ، وَالثَّانِي : لَا وَالثَّالِثُ : إنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَنَمًا جَازَ قَبُولُهُ وَإِلَّا فَلَا .
الثَّانِي : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي بَابٍ ( مِنْ ) الرَّهْنِ مِنْ تَعْلِيقِهِ : الْوَلَدُ لَا يُعْطَى حُكْمَ أُمِّهِ فِي ثَلَاثَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً : وَلَدُ الْمَرْهُونَةِ غَيْرُ مَرْهُونٍ ، وَوَلَدُ الْمَبِيعَةِ الْحَادِثُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُهُ ، وَوَلَدُ الْمَضْمُونَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ مَغْصُوبٌ ؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَلَدُ الْمُسْتَعَارَةِ فِيهِ وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَعَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا لَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي دَارِهِ فَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ وَأَخَّرَ رَدَّهُ ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ ، وَلَدُ الْمُسْتَأْجَرَةِ غَيْرُ مُسْتَأْجَرٍ ، وَلَدُ الْمَوْقُوفَةِ فِي كَوْنِهِ مَوْقُوفًا وَجْهَانِ .
قُلْت أَصَحُّهُمَا لَا ، وَلَدُ ( الْمُودَعَةِ ) كَالثَّوْبِ الَّذِي أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ، وَلَدُ الْمُوصَى بِهَا الْحَادِثُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْقَبُولِ لِلْمُوصَى لَهُ ( أَوْ بَعْدَهُ ) وَقِيلَ : الْقَبُولُ يُبْنَى عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ ، وَلَدُ الْجَانِيَةِ لَا يَتْبَعُهَا فِي الْجِنَايَةِ ، وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ وَكَذَا الْمُعْتَقَةُ بِصِفَةٍ وَالْمُكَاتَبَةُ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ يَتْبَعُهَا فِي حُكْمِهَا هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ .
وَمِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ وَلَدُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا تَكُونُ مَالَ تِجَارَةٍ فِي الْأَصَحِّ كَالْأُمِّ وَوَلَدُ مَالِ الْقِرَاضِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَفُوزُ بِهِ الْمَالِكُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كِيسِ الْعَامِلِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِيهِ وَالْمَأْخَذُ هُنَا حُدُوثُهُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ ، وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ كَأُمِّهِ ، وَوَلَدُ الْمُبَعَّضَةِ هَلْ يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ ( وَالْحُرِّيَّةِ ) أَوْ يَكُونُ حُرًّا وَجْهَانِ ، وَفِي وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ الْهَدْيِ ( الْمَنْذُورَيْنِ إذَا عُيِّنَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ ) أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا كَوَلَدِ الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً وَالثَّانِي لَا يَتْبَعُ ،
وَالثَّالِثُ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً تَبِعَ وَإِلَّا فَلَا وَفِي وَلَدِ الْمَبِيعَةِ إذَا مَاتَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا بَقَاءُ حُكْمِ ( الْمَبِيعِ ) عَلَيْهِ وَإِذَا أَتْبَعْنَا الْوَلَدَ أُمَّهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَهَلْ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنْ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ أَمْ يَكْفِي التَّصَدُّقُ مِنْ أَحَدِهِمَا أَمْ يَتَعَيَّنُ التَّصَدُّقُ مِنْ الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ ( فِيهِ ) أَوْجُهٌ ، وَإِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ دَارَ السَّلَامِ بِأَمَانٍ فَهَلْ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ نَعَمْ إنْ كَانَ مَعَهُ دُونَ مَا إذَا خَلَفَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَدْخُلُ الْوَلَدُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُسْتَأْمَنُ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ وَلَدَهُ عِنْدَنَا لَا يُسْتَرَقُّ وَلَدُهُ فِي الْأَصَحِّ .
وَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدًا ( وَفِي ) بَطْنِهَا وَلَدٌ آخَرُ فَبِيعَتْ قَبْلَ وِلَادَتِهِ فَالْوَلَدُ الثَّانِي لِلْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ وَفِي وَجْهٍ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْأَوَّلِ .
وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَلَهُ فِرَاخٌ فِي الْحِلِّ فَمَاتَتْ جُوعًا ( ضَمِنَهَا ) قَطْعًا .
وَلَوْ غَصَبَ حَمَامَةً فَتَلِفَتْ فِرَاخُهَا فَفِي ضَمَانِ الْفِرَاخِ وَجْهَانِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ قِسْمَانِ : وَلَدٌ مَوْجُودٌ ، وَقَدْ سَبَقَ وَوَلَدٌ حَادِثٌ وَهُوَ مَنْ تَعَدَّى حُكْمَ الْأُمِّ إلَيْهِ عَلَى أَقْسَامٍ .
أَحَدُهَا : مَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ قَطْعًا .
وَضَابِطُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْ الْأُمِّ ( كَوَلَدِ ) ( الْأُضْحِيَّةِ ) الْمُعَيَّنَةِ ( لِلْأُضْحِيَّةِ ) ابْتِدَاءً أَوْ جَرَيَانُ سَبَبِهِ اللَّازِمِ كَمَا إذَا أَتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِوَلَدٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًى كَانَ تَبَعًا لَهَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا ( وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَالُ التَّغْلِيظِ ) كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ مِثْلُهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ يُعْتَقُ ( بِمَوْتِ ) السَّيِّدِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ الْمَرْهُونَةُ الْمَقْبُوضَةُ ( وَالْجَانِيَةُ ) جِنَايَةً تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا إذَا اسْتَوْلَدَهَا مَالِكُهَا الْمُعْسِرُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ الِاسْتِيلَادُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ( فَتُبَاعُ ) حِينَئِذٍ فَإِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى ثُمَّ اشْتَرَاهَا السَّيِّدُ الْأَوَّلُ مَعَ أَوْلَادِهَا الْمَذْكُورِينَ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ دُونَهُمْ فَلَا يُعْتَقُونَ بِمَوْتِهِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا فِي الْمُفْلِسِ فَإِنَّ فِي الْخُلَاصَةِ لِلْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي الِاسْتِيلَادِ فَلَوْ اسْتَوْلَدَ نَفَذَ .
الثَّانِي : مَا لَا يَتَعَدَّى قَطْعًا كَالْمَرْهُونَةِ لَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا إذَا حَدَثَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الرَّهْنِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ عِنْدَ ( الْبَيْعِ فَهُوَ ) تَبَعٌ لَهَا قَطْعًا ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْئِهَا ، وَوَلَدُ الْمَبِيعَةِ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ يَعْنِي وَلَدًا ( حَدَثَ ) بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنْ قِيلَ : وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ مَضْمُونٌ كَالْأُمِّ ( فَهَلَّا كَانَ وَلَدُ الْمَبِيعَةِ ) كَذَلِكَ قُلْنَا : ( الْمَبِيعُ يَضْمَنُ ) بِالْعَقْدِ عَلَى مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَالْوَلَدُ لَمْ يُقَابَلْ بِالثَّمَنِ وَالْغَاصِبُ يَضْمَنُ بِالْعُدْوَانِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ بِإِدَامَةِ الْيَدِ عَلَى الْوَلَدِ كَالْأُمِّ .
الثَّالِثُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ التَّعَدِّي كَمَا لَوْ عَيَّنَ ( شَاةً ) عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ تَبِعَهَا فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ الْمَنْذُورِ عِتْقُهَا إذَا حَدَثَ بَعْدَ النَّذْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ السَّيِّدِ لَمْ يَبْطُلْ التَّدْبِيرُ فِيهِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الْحَادِثُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُعْتَقُ بِعِتْقِهَا مَا دَامَتْ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةً لِجَرَيَانِ سَبَبٍ لَازِمٍ عَلَى السَّيِّدِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ مِنْ النُّجُومِ ، وَكَذَا وَلَدُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا كَالْأُمِّ عَلَى الصَّحِيحِ رَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ وَمَنْفَعَتُهُ لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ .
وَلَوْ أَوْدَعَ بَهِيمَةً فَوَلَدَتْ فَهُوَ وَدِيعَةٌ كَالْأُمِّ إنْ قُلْنَا : إنَّ الْوَدِيعَةَ عَقْدٌ ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْإِمَامُ : إنْ جَعَلْنَاهُ وَدِيعَةً فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنٍ جَدِيدٍ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ إدَامَةُ الْيَدِ عَلَيْهِ .
الرَّابِعُ : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ التَّبَعِيَّةِ كَوَلَدِ الْمُوصَى بِهَا إذَا حَدَثَ لَا يَتْبَعُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَوَلَدُ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ إذَا ( حَدَثَ ) بَعْدَ التَّعْلِيقِ ( عَلَى ) .
الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ ، وَوَلَدُ الْعَارِيَّةِ وَالْمَأْخُوذُ بِسَوْمٍ غَيْرُ مَضْمُونٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَلَدُ الْمَوْقُوفَةِ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ بَلْ مِلْكٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ إذَا أَتَتْ بِهِ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَفُوزُ بِهِ الْمُشْتَرِي .
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا لَا يَقْبَلُ الدَّفْعَ ( تَعَدَّى ) إلَى الْوَلَدِ قَطْعًا ( وَإِنْ ) قَبِلَ الدَّفْعَ وَلَكِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى عَدَمِ الْقَبُولِ جَرَى الْخِلَافُ ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ : وَعِمَادُ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّمَا صَارَ الْمِلْكُ ( مُسْتَغْرَقًا ) بِهِ حَتَّى يُعَدَّ الْمِلْكُ مُسْتَحَقًّا فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَبَلَغَ مَا يَجِدُهُ مَبْلَغًا يَمْنَعُ تَقْدِيرَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ كَالِاسْتِيلَادِ فَإِنَّ أَوْلَادَهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا كَأُمِّهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَتَاقَةِ ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَلَدَ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّ تَعْيِينَهَا لِجِهَةِ الْقُرْبَةِ لَا يَزُولُ ( كَالِاسْتِيلَادِ ) وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ لِإِمْكَانِ الرُّجُوعِ ، وَكَذَا الْأَمَةُ الْمَنْذُورُ إعْتَاقُهَا قِيلَ : كَالْمُدَبَّرَةِ ، وَقِيلَ : تَتَعَدَّى إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا رُجُوعَ عَنْهُ .
الثَّالِثُ : الْوَلَدُ إذَا تَبِعَ الْأُمَّ لَا يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ بِمَوْتِ الْأُمِّ .
وَلِهَذَا إذَا مَاتَتْ الْمُسْتَوْلَدَةُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ بَقِيَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ ( وَهُوَ ) أَحَدُ الْمَوَاضِعِ ( الَّتِي ) يَزُولُ فِيهَا الْمَتْبُوعُ وَيَبْقَى حُكْمُ التَّابِعِ كَمَا لَوْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ ، وَالْفُرُوعُ نِصَابٌ لَا يَنْقَطِعُ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ بَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ ، وَقَالَ ( الْأَنْمَاطِيُّ ) : يَنْقَطِعُ ، قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمَذْهَبِ ( وَيُنْكَرُ ) مَذْهَبُهُ بِوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَمِثْلُهُ وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ .
قَاعِدَةٌ : وَلَدُ الْوَلَدِ هَلْ يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْوَلَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ؟ هَذَا ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَمَّاهُ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَعَدَمِهِ وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ كَالْبَنَاتِ وَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ ، وَكَذَلِكَ فِي امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ وَامْتِنَاعِ قَطْعِهِ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ وَرَدِّ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَإِعْتَاقِهِ إذَا مَلَكَهُ وَجُزْءِ الْوَلَاءِ وَالِاسْتِتْبَاعِ بِإِسْلَامِ الْجَدِّ وَامْتِنَاعِ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ إذَا كَانَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ .
ثَانِيهِمَا ( أَنْ يَدْخُلَ ) فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ لَا مَعَ وُجُودِهِ وَذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ يَرِثُ وَلَدُ الْوَلَدِ جَدَّهُمْ مَعَ فَقْدِ أَبِيهِمْ كَمَا يَرِثُونَ أَبَاهُمْ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مَوْجُودًا لَمْ يَرِثُوهُ .
وَمِنْهَا وِلَايَةُ النِّكَاحِ فَيَلِي الْجَدُّ فِيهَا بَعْدَ الْأَبِ مُقَدَّمًا عَلَى الِابْنِ وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْمَالِ وَالْحَضَانَةُ وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالِاسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ .
وَمِنْهَا الْوَقْفُ عَلَى الْوَلَدِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ تَعَيَّنُوا قَطْعًا .
لَا يُكْرَهُ السِّوَاكُ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمَنْ كَانَ يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَدْمَى فَمُهُ وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ .
لَا أَثَرَ لِلزِّيَادَةِ ( الْمُتَّصِلَةِ ) إلَّا فِي الصَّدَاقِ وَقَدْ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الزَّايِ ) .
لَا يَتَوَلَّى أَحَدُ طَرَفَيْ التَّصَرُّفِ إلَّا الْأَبَ وَالْجَدَّ فِي مَالِ الطِّفْلِ وَكَذَلِكَ تَمَلُّكُ ( الْمُلْتَقِطِ ) وَبَيْعُ الظَّافِرِ مَا أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَقَبْضَ الثَّمَنِ وَإِقْبَاضَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ قَبْضُهُ لِجِنْسِ حَقِّهِ قَائِمٌ فِيهِ مَقَامَ قَابِضٍ وَمُقَبِّضٍ وَسَبَقَ فِي اتِّحَادِ الْقَابِضِ ( صُوَرٌ ) أُخْرَى .
لَا يَثْبُتُ لِلشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرِيكِ الْآخَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لِمُورِثِهِ إذَا مَاتَ مُورِثُهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ قِصَاصٌ عَلَى نَفْسِهِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ وَإِذَا امْتَنَعَ سَقَطَ فِي حَقِّهِ وَإِذَا سَقَطَ فِي حَقِّهِ سَقَطَ فِي حَقِّ مُورِثِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ .
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمُورِثِهِ .
لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ سَبَقَتْ فِي ( بَابٍ ) .
لَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِتْلَافِ مِلْكِهِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ كَالْعَبْدِ ( الْمَرْهُونِ ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ( وَكَذَا ) إذَا مَلَكَ صَيْدًا أَوْ أَحْرَمَ ثُمَّ أَتْلَفَهُ وَجَبَ ضَمَانُهُ لِحَقِّ اللَّهِ .
لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ إلَّا ( الشَّوْكَ ) أَوْ دَوَاءً .
لَا يَجُوزُ ابْتِلَاعُ حَيَوَانٍ ( حَيًّا ) إلَّا السَّمَكَ وَالْجَرَادَ فِي الْأَصَحِّ وَيَجُوزُ قَطْعُ فِلْقَةٍ مِنْ ( السَّمَكِ ) وَالْجَرَادِ فِي حَيَاتِهِمَا ( فِي ) وَجْهٍ .
لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ ( الْحُبُوبِ ) فِي الْكِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَ مَا فِيهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ كِمَامِهَا لِتَصِلَ إلَى الْمَسَاكِينِ ( كَامِلَةَ ) الْمَنْفَعَةِ ، وَإِلَّا ( الْعَلَسَ وَالْأَرُزَّ ) ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّخَرَانِ وَعَلَيْهِمَا الْكِمَامُ قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ .
لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَفْرُوضَيْنِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا النُّسُكَيْنِ وَقَوْلُ الْقَفَّالِ : عِبَادَتَيْنِ ، يَرِدُ عَلَيْهِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ عَلَى قَوْلٍ وَالتَّحِيَّةُ وَالْفَرْضُ .
لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ جِنَايَةَ غَيْرِهِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : الْعَاقِلَةُ وَالسَّيِّدُ يَحْمِلُ جِنَايَةَ أُمِّ الْوَلَدِ تَجْنِي جِنَايَةً ثَانِيَةً وَثَالِثَةً ( قَالَهُ ) ابْنُ الْقَاصِّ وَزَادَ ( الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ ) ثَالِثَةً ، وَهِيَ إذَا حَفَرَ بِئْرًا وَخَلَّفَ مَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَأَعْطَى لِلْغُرَمَاءِ ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ حَيَوَانٌ فَتَلِفَ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى حَافِرِ الْبِئْرِ فِيمَا تَمَلَّكُوهُ وَقَبَضُوهُ قَضَاءً عَنْ دَيْنِهِ .
لَا يُحْكَمُ بِتَبْعِيضِ الرِّقِّ ابْتِدَاءً إلَّا فِي صُوَرٍ يَسِيرَةٍ : وَمِنْهَا الْأَسِيرُ إذَا رَأَى الْإِمَامُ إرْقَاقَ بَعْضِهِ .
وَمِنْهَا وَلَدُ الْمُبَعَّضَةِ ( هُوَ ) مُبَعَّضٌ كَأُمِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
لَا يَخْلُو الْوَطْءُ عَنْ مَهْرٍ أَوْ عُقُوبَةٍ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الْوَاوِ ) .
لَا يَدْخُلُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فِي مِلْكِ كَافِرٍ ابْتِدَاءً إلَّا فِي صُوَرٍ نَحْوِ الْخَمْسِينَ مَذْكُورَةٍ فِي الْفَلَكِ الدَّائِرِ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ .
لَا يَزِيدُ الْبَعْضُ عَلَى الْكُلِّ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ .
وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، كَانَ صَرِيحًا وَلَمْ ( يُدَنْ ) وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي ، لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا وَدِينَ قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ فِي اللَّطِيفِ .
وَزَادَ بَعْضُهُمْ صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَوْ قَالَ : زَنَى فَرْجُك حُدَّ ، وَلَوْ قَالَ : زَنَى بَدَنُك لَمْ يُحَدَّ عَلَى قَوْلٍ .
الثَّانِيَةُ : حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ مُولِيًا وَلَا يُدَانُ فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْفَرْجَ بِأَنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك ( أَوْ لَا ) وَطِئْتُك فَهُوَ مُولٍ فِي الْحُكْمِ ، وَلَوْ نَوَى غَيْرَهُ دِينَ
لَا يَزِيدُ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ .
وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ لِيَتَمَكَّنَ الْمُكَاتَبُ مِنْ الْإِسْقَاطِ وَالضَّمَانُ لَازِمٌ وَلَا يَجُوزُ ضَمَانُ الْأَمَانَاتِ كَالْمَالِ فِي يَدِ الشَّرِيكِ وَالْوَكِيلِ وَالْمُقَارِضِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةِ الْعَيْنِ .
وَنَسْتَثْنِي مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَضَمِنَهُ حَالًّا فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَيَكُونُ حَالًّا وَصَحَّحَ الرُّويَانِيُّ الْبُطْلَانَ لِئَلَّا يَكُونَ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ .
لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ .
إحْدَاهُمَا : إذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَأَعْتَقَهُمْ كُلَّهُمْ وَمَاتُوا عَتَقُوا فِي قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ : إنَّهُ لَا يُعْتَقُ مِنْهُمْ شَيْءٌ .
الثَّانِيَةُ : إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ فَأَوْصَى بِجَمِيعِ الْمَالِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَصَايَا عَنْ الْأُسْتَاذِ تَرْجِيحَ ( قَوْلِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ تَرْجِيحًا غَيْرَهُ وَنُقِلَ فِي بَابِ الْعِتْقِ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ تَرْجِيحٌ ) .
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ ثَالِثَةٌ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ وَرَقَةٍ : مُسْتَأْمَنٌ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ صَحَّ فِي الْجَمِيعِ ، وَقَالَ ( اليعفي ) صَحَّ فِي الثُّلُثِ وَالثُّلُثَانِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَقِيلَ : لِبَيْتِ الْمَالِ .
لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ سَبَقَ ( فِي مَبَاحِثِ الْمِلْكِ ) .
لَا تُقْبَلُ ( شَهَادَةُ الشُّهُودِ ) عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا ( وَلَا ) يُرْجَعُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ .
وَهِيَ ( مَا ) إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَّنَ مُشْرِكًا قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ ( وَسَبَقَتْ ) .
لَا يَقْبِضُ ( مِنْ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ ) إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : إذَا أَكَلَ الْمُلْتَقَطَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ نَفْسِهِ فَصَارَ أَمَانَةً .
وَالثَّانِيَةُ : إذَا قَالَ : مَا لِي عَلَيْك مِنْ الْعَيْنِ فَأَسْلِمْهُ لِي فِي كَذَا صَحَّ قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَالَهُ فِي الْإِشْرَافِ .
لَا تَقُومُ الْكِلَابُ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلٍ .
لَا يُنْكَرُ إلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَى مَنْعِهِ .
أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا نُنْكِرُهُ إلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ .
إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ذَلِكَ ( مُعْتَقِدَ التَّحْرِيمِ ) فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ .
وَلِهَذَا يُعَزَّرُ وَاطِئُ الرَّجْعِيَّةِ إذَا اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ .
الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ بَعِيدَ الْمَأْخَذِ بِحَيْثُ يُنْقَضُ فَيُنْكَرُ حِينَئِذٍ عَلَى ( الذَّاهِبِ ) إلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُقَلِّدُهُ وَأَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ( نَقْضِ ) الْحُكْمِ .
وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ إذَا وَطِئَ الْمَرْهُونَةَ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِخِلَافِ عَطَاءٍ .
الثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَرَافَعَ فِيهِ لِحَاكِمٍ فَيَحْكُمَ بِعَقِيدَتِهِ وَلِهَذَا يَحِدُّ الْحَنَفِيُّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ إذْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِ مُعْتَقَدِهِ وَأَبْعَدَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ نَاقِضَةٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَقَالَ : أَيُّ إنْكَارٍ أَعْظَمُ مِنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى مَأْخَذِهَا .
الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ لِلْمُنْكِرِ فِيهِ حَقٌّ كَالزَّوْجِ يَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ شُرْبِ النَّبِيذِ إذَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَكَذَلِكَ الذِّمِّيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ .
لَا يُؤْمَرُ بِضَمِّ الْأَصَابِعِ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : قَالَ الْأَئِمَّةُ : سُنَّةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَتْ مَنْشُورَةً فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ التَّفْرِيجُ الْمُقْتَصَدُ إلَّا فِي حَالَةِ السُّجُودِ .
قُلْت قَالَ الْإِمَامُ : لَمْ أَعْثُرْ ( فِيهِ ) عَلَى خَبَرٍ وَلَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَنَازَعَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ لِلْوَجِيزِ وَقَالَ : قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ } وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ ( وَهُوَ ) أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَهَا عَدَلَ ( الْإِبْهَامَ ) عَنْ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ حَالَةِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِبُطُونِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي تَفْرِيقِهَا عُدُولٌ بِبُطُونِهَا عَنْ الْقِبْلَةِ .
لَا يَشْتَغِلُ الْمَأْمُومُ بِفِعْلِ مَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ مِنْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ وَاجِبٌ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِهِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ .
إحْدَاهُمَا : جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ لِقِصَرِهَا .
الثَّانِيَةُ : الْقُنُوتُ إذَا لَحِقَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى وَزَادَ بَعْضُهُمْ انْفِرَادَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَقُّ وَلَا يُسْتَثْنَى لِزَوَالِ الْقُدْرَةِ .
لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْأَيْمَانِ يَتَعَدَّدُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي ابْتِدَاءً إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ : اللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحَرُّرِ عَنْ الْأَصْحَابِ .
لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبِضَ مَا فِي الذِّمَّةِ لِمَالِكِهِ بِسُؤَالِ الْمَدْيُونِ إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْأُولَى : الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ إذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ تَوْفِيَتَهُ وَأَخْذَ الرَّهْنِ فَامْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ كَانَ غَائِبًا .
الثَّانِيَةُ : إذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ النُّجُومَ وَكَانَ السَّيِّدُ مَجْنُونًا ، وَكَذَلِكَ إذَا أَدَّاهَا قَبْلَ الْمَحَلِّ ، وَالسَّيِّدُ غَائِبٌ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ إذَا عَلِمَ أَنَّ السَّيِّدَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ بِتَعَلُّقِهِ هُنَا بِالْعِتْقِ .
الثَّالِثَةُ : الْمَالُ الْمَضْمُونُ إذَا أَدَّاهُ الضَّامِنُ فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ أَخْذِهِ أَوْ كَانَ غَائِبًا فَلِلْقَاضِي أَخْذُهُ .
وَأَمَّا فِي الْأَعْيَانِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ كَالْمُودِعِ يَحْمِلُ الْوَدِيعَةَ لِلْقَاضِي عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَالِكِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ فِي الْأَصَحِّ .
وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً كَالْغَاصِبِ يَحْمِلُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ إلَيْهِ فَوَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا لَا يَجِبُ لِيَبْقَى مَضْمُونًا لِلْمَالِكِ .
لَيْسَ لَنَا نَجَسٌ يُزَالُ بِغَيْرِ الْمَاءِ إلَّا مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنَّهُ يَزُولُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَمَا فِي ( مَعْنَاهَا ) قَالَهُ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ .
لَيْسَ لَنَا نَجَسٌ مَائِعٌ ( تَجِبُ ) إرَاقَتُهُ إلَّا الْخَمْرَةَ غَيْرَ الْمُحْتَرَمَةِ وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَكَذَلِكَ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ .
وَزَادَ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ : الْمَائِعَ الْمُتَنَجِّسَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ تَجِبُ إرَاقَتُهُ وَمُرَادُهُ غَيْرُ الدُّهْنِ فَإِنَّهُ يُسْتَصْبَحُ بِهِ وَكَذَا الْخَلُّ ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِصَبْغٍ ( وَلَعَلَّ ) مُرَادَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ أَصْلًا .
لَيْسَ لَنَا صَلَاةٌ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ بِشَيْءٍ غَيْرَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِالتَّكْبِيرَاتِ .
لَيْسَ لَنَا ( مَنْ ) تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكْنٍ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَضَى الْمَأْمُومُونَ عَلَى التَّفَرُّدِ رُكْنًا ثُمَّ اسْتَخْلَفُوا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدُ ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْإِمَامِ .
لَيْسَ لَنَا مُكَلَّفٌ حُرٌّ مُقِيمٌ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُسَافِرُ إذَا عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِبَلْدَةٍ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِغَرَضٍ فَتَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ ؛ لِأَنَّ ( شَرْطَهَا ) رُخْصَةٌ وَقَدْ امْتَنَعَ تَرَخُّصُهُ بِإِقَامَتِهِ ثُمَّ لَا يَتِمُّ الْعَدَدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ وَلِهَذَا ( سُمِّيَ ) غَرِيبًا .
الْيَتِيمُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ ، وَأَنَّ ( الْيَتِيمَ ) فِي الْآدَمِيِّ بِمَوْتِ الْأَبَاءِ وَفِي الْبَهَائِمِ بِمَوْتِ الْأُمَّهَاتِ ، ( قَالَ ) الْمَاوَرْدِيُّ ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ تُنْسَبُ إلَى أُمِّهَا فَكَانَ بِمَوْتِ الْأُمِّ يُتْمُهَا وَالْآدَمِيُّ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُتْمُهُ بِمَوْتِ الْأَبِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الْحَجَرِ مِنْ تَعْلِيقِهِ الْيَتِيمُ مَنْ لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا أَبَ لَهُ يَلْزَمُهُ اسْمُ الْيَتِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أُمٌّ وَكَانَ لَهُ أَبٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتِيمٌ وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ : إنَّ الْأُمَّ تَلِي أَمْرَ ابْنِهَا .
انْتَهَى .
يَحْرُمُ طَلَبُ مَا يُحْزَمُ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ فِعْلُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : الْأُولَى : إذَا ادَّعَى دَعْوَى صَادِقَةً فَأَنْكَرَ الْغَرِيمُ ثُمَّ أَرَادَ الْحَلِفَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيفُهُ .
الثَّانِيَةُ : الْجِزْيَةُ يَجُوزُ طَلَبُهَا مِنْ الذِّمِّيِّ مَعَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إعْطَاؤُهَا ( مَعَ أَنَّهُ ) مُتَمَكِّنٌ مِنْ إزَالَةِ الْكُفْرِ ( بِالْإِسْلَامِ فَإِعْطَاؤُهُ ) إيَّاهَا إنَّمَا هُوَ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ حَرَامٌ .
يَدْخُلُ ( الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ ) دُونَ الْعَكْسِ وَلِهَذَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَطْعًا ، وَفِي الْعَكْسِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ أَضْعَفُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُزَاحِمَ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا فِي الْوُجُوبِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَلَوْ أَدْخَلَهَا عَلَى حَجٍّ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ امْتَنَعَ قَطْعًا .
وَمِثْلُهُ فِرَاشُ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا قَالُوهُ ، فَإِذَا وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا ثَبَتَ نِكَاحُهَا وَحُرِّمَتْ الْأَمَةُ ؛ لِأَنَّ أَقْوَى الْفِرَاشَيْنِ زَاحَمَ أَضْعَفَهُمَا وَإِنْ تَقَدَّمَ النِّكَاحُ حُرِّمَ ( عَلَيْهِ ) الْوَطْءُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ الْفِرَاشَيْنِ .
الْيَدُ قِسْمَانِ حِسِّيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ .
فَالْحِسِّيَّةُ عِنْدَنَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ وَيَدْخُلُ الذِّرَاعُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّبَعِيَّةِ ( لَا ) بِالْحَقِيقَةِ وَمِنْ هُنَا يَقْوَى الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } ذَكَرَ اسْمَ الْيَدِ ثُمَّ زَادَ عَلَى الِاسْمِ إلَى الْمَرَافِقِ ، وَقَالَ ( أَبُو عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ ) : مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْإِبْطِ ، حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْجِرَاحِ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ لَا تَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَعِنْدَنَا تَجِبُ وَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ السَّاعِدِ فَكَذَلِكَ مَعَ حُكُومَةِ الْبَاقِي ، قَالَ : وَفِي السَّرِقَةِ حَمَلْنَا الْيَدَ عَلَيْهَا مِنْ الْكُوعِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ خِلَافَ أَبِي عُبَيْدٍ لَا يَجْرِي فِي السَّرِقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ تَعْطِيلُ الْجَارِحَةِ وَكَفُّهُ عَنْ الْأَخْذِ بِهَا وَهَذَا يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّ بِهَا يَنْقَطِعُ الْبَطْشُ وَالْأَخْذُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
أَمَّا الْمَعْنَوِيَّةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْحِيَازَةِ وَهِيَ كِنَايَةٌ عَمَّا قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ بِالْيَدِ يَكُونُ التَّصَرُّفُ وَقَدْ اعْتَبَرُوهَا فِي الْإِقْدَامِ عَلَى جَوَازِ الشِّرَاءِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَرَجَّحُوا بِهَا عِنْدَ ( تَعَارُضِ ) الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَمْ ( يَجْعَلُوهَا ) سَبَبًا لِجَوَازِ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِصَاحِبِ ( الْيَدِ ) بِالْمِلْكِ عَلَى الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ قَالَ : هِيَ مِلْكُك ثُمَّ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً رَجَعَ هَذَا ( الْمُقِرُّ ) الَّذِي هُوَ مُشْتَرٍ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ الْيَدَ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعٌ وَالْمُشْتَرِي فِي النِّتَاجِ بَعْدَ ظُهُورِ عَيْبٍ هَلْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْبَيْعِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ حَدَثَ عِنْدِي فَهُوَ لِي ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ( فَعَنْ ) النَّصِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ أَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي لَكِنَّهُ مُعْتَرِفٌ لِلْبَائِعِ بِالْيَدِ السَّابِقَةِ عَلَى أُمِّهِ وَهُوَ تَابِعٌ
لَهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ حُدُوثِهِ فِي مِلْكِهِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ هَذِهِ الْعَيْنَ وَلَمْ يَقُولُوا وَهِيَ مِلْكُهُ حُكِمَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْبَعُ مَا لَا يَمْلِكُ بَلْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا ( يَدٌ إنْ نُوزِعَ ) فِيهَا ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الدَّعَاوَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْمِلْكِ إلَّا عِنْدَ ثُبُوتِ أَصْلِ الْمِلْكِ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ فَيَكُونَانِ دَالَّيْنِ عَلَى تَعْيِينِ صَاحِبِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ( رُخْصَةً ) ( وَقَضِيَّتُهُ ) أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لِمَنْ فِي يَدِهِ صَغِيرٌ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا الطَّبَرِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُ : إنْ سَمِعَهُ يَقُولُ هُوَ عَبْدِي أَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ : إنَّهُ عَبْدُهُ شُهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ اللَّقِيطِ .
وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُشْكِلٌ بِمَا إذَا ادَّعَى رِقَّ صَبِيٍّ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالرِّقِّ .
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : الْيَدُ دَالَّةٌ عَلَى الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا : ثِيَابُ الْإِنْسَانِ الَّتِي عَلَى بَدَنِهِ وَدَرَاهِمُهُ الَّتِي فِي كُمِّهِ وَنَحْوُهُ .
الثَّانِيَةُ : الْبِسَاطُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ أَوْ الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا .
( الثَّالِثَةُ ) : الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا فَإِنَّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ أَضْعَفُ مِنْ يَدِ رَاكِبِهَا .
( الرَّابِعَةُ ) : الدَّارُ الَّتِي ( هُوَ ) سَاكِنُهَا وَدَلَالَتُهَا دُونَ دَلَالَةِ الرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ ( لِأَنَّهُ ) غَيْرُ ( مُسْتَوْلٍ ) عَلَيْهِمَا ( جَمِيعَهَا ) .
وَتُقَدَّمُ أَقْوَى الْيَدَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا فَلَوْ كَانَ اثْنَانِ فِي دَارٍ تَنَازَعَا فِيهَا أَوْ فِيمَا هُمَا لَابِسَانِهِ جُعِلَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الِاتِّصَالِ ، وَجُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُ ( كُلٍّ مِنْهُمَا ) فِي الثِّيَابِ
الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِقُوَّةِ الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاكِبَانِ فِي مَرْكُوبِهِمَا حَلَفَا وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا .
وَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاكِبُ مَعَ الْقَائِدٌ وَالسَّائِقِ قُدِّمَ الرَّاكِبُ عَلَيْهِمَا بِيَمِينِهِ .
الْيَدُ اللَّاحِقَةُ تَابِعَةٌ لِلْيَدِ السَّابِقَةِ فَإِنْ كَانَتْ السَّابِقَةُ يَدَ أَمَانَةٍ فَكَذَلِكَ ( الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا ) أَوْ يَدَ ضَمَانٍ فَكَذَلِكَ وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ لَا يُضَمِّنُ الْمُرْتَهِنَ ، وَجَوَابُهُ أَنَّا لَوْ ضَمَّنَّاهُ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فَقْدِ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَلِأَنَّا فِي غَنِيَّةٍ عَنْ ذَلِكَ بِتَضْمِينِ الْمُسْتَعِيرِ .
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا ثُمَّ أَعَارَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا يَدُ أَمَانَةٍ .
يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ كَمِلْكِ الْكَافِرِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ فِي الصُّوَرِ الْمَعْرُوفَةِ وَمِلْكِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَعْتِقُ اغْتَفَرْنَا ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ وَلَمْ يُغْتَفَرْ دَوَامُهُ ، وَالْجِمَاعُ إذَا طَرَأَ فِي الْحَجِّ أَفْسَدَهُ .
وَلَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ صَحِيحًا .
وَلَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ وَوَارِثُهُ مُحْرِمٌ فَالْأَصَحُّ يَرِثُهُ ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ عَلَى ( الْفَوْرِ ) .
( وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ وَقَفَهُ صَحَّ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فَلَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ وَرِثَهُ الْوَاقِفُ ) وَالْأَصَحُّ عَوْدُ الْمَنَافِعِ إلَى الْمُعْتِقِ .
وَصَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ تَجُوزُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا لِلْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا .
وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي مُتَمَكِّنًا عَلَى الْأَرْضِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ فَحَدَثَ خَوْفٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَرَكِبَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا .
نُصَّ عَلَيْهِ ، وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَا لَوْ رَكِبَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ بَنَى ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ فَلَهُ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْرَارِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً .
وَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ وُجِدَ سَبَبُ إرْثِ الْوَلَدِ ( لَهُ ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا إذَا قَتَلَ الْأَبُ عَتِيقَ زَوْجَتِهِ ( فَإِنَّ الْقِصَاصَ ) يَثْبُتُ لَهَا فَإِذَا طَلَّقَهَا ثُمَّ مَاتَتْ وَرِثَهُ الِابْنُ ثُمَّ يَسْقُطُ .
وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ نَقْدٌ فَأَتْلَفَ رَبُّ الدَّيْنِ شَيْئًا لِلْمَدْيُونِ مُتَقَوِّمًا بِذَلِكَ النَّقْدِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ ثُمَّ تَسْقُطُ .
وَلَوْ تَزَوَّجَ ( عَبْدُهُ ) مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الْأُمِّ ( فَلَوْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إلَى مَوَالِيهِ فَلَوْ مَاتَ مَوَالِي الْأَبِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَمْ يَعُدْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ ) بَلْ يَخْلُفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَبْقَى لِبَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَلَوْ
زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ وَقُلْنَا : وَجَبَ الْمَهْرُ ثُمَّ سَقَطَ ( وَمِثْلُهُ قَتَلَ ابْنَهُ ) وَقُلْنَا : وَجَبَ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ .
وَلَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنِ مَيِّتٍ صَحَّ ، أَوْ حَيٍّ فَمَاتَ بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ فِي وَجْهٍ وَيَجُوزُ لِلْمُفْلِسِ أَنْ يَسْتَدِينَ ( مُؤَجَّلًا ) عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ ( حَلَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي قَوْلٍ ) .
وَلِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ ( أَنْ يَقْتَرِضَ لَهُ مُؤَجَّلًا وَلَوْ جُنَّ ) حَلَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ .
وَلَوْ أَذِنَ لِأَمَتِهِ فِي التِّجَارَةِ ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا فَفِي بُطْلَانِ الْإِذْنِ خِلَافٌ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ ابْتِدَاءً لِمُسْتَوْلَدَتِهِ وَأَمَتِهِ .
وَلَوْ تَبَايَعَا مُتَبَاعِدَيْنِ وَقُلْنَا : يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَهُوَ أَصَحُّ احْتِمَالَيْ الْإِمَامِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فَقَدْ أَثْبَتْنَا ابْتِدَاءَ الْخِيَارِ مَعَ التَّفَرُّقِ وَلَمْ نُثْبِتْ دَوَامَهُ مَعَ التَّفَرُّقِ ، أَوْصَى عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الشُّرُوطُ ( ثُمَّ وُجِدَتْ ) فَقَدْ اُغْتُفِرَ ثُمَّ وُجِدَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةً فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَمَرَّ عَدَمُ الشَّرْطِ فَقَدْ اغْتَفَرْنَا إبْدَاءَ الْإِيصَاءِ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَلَمْ يُغْتَفَرْ دَوَامُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ : النُّفُوذُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَأَنَّهُ وَقْتُ الِابْتِدَاءِ .
يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ ( فِي صُوَرٍ ) : مِنْهَا : لَوْ حَضَرَ الْقِتَالَ مَعْضُوبًا أَوْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ ، فَلَوْ حَضَرَ صَحِيحًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَرْبِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْ السَّهْمِ فِي الْأَصَحِّ وَمِنْهَا : عَقْدُ الذِّمَّةِ .
لَا ( يُعْقَدُ ) مَعَ تُهْمَةِ الْخِيَانَةِ ، فَلَوْ اتَّهَمَهُمْ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يُنْبَذْ عَهْدُهُمْ بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ فَإِنَّهُ يُنْبَذُ فِيهَا الْعَقْدُ بِالتُّهْمَةِ .
وَمِنْهَا : نِكَاحُ الْمُحْرِمِ لَا يَصِحُّ وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ فِي الْأَصَحِّ تَنْزِيلًا لَهَا مَنْزِلَةَ الِاسْتِدَامَةِ .
وَمِنْهَا : إذَا قُلْنَا : ( لَا تُمْنَعُ ) هِبَةُ الْآبِقِ فَلَوْ أَبَقَ الْمَوْهُوبُ فَهَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى الْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ فَرْعُ ( بَقَائِهِ ) .
وَمِنْهَا : قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ قَالَ أَصْحَابُنَا : كُلُّ امْرَأَةٍ جَازَ لَهُ ابْتِدَاءً نِكَاحِهَا فِي الْإِسْلَامِ جَازَ لِلْمُسْلِمِ إمْسَاكُهَا بِعَقْدٍ مَضَى فِي الشِّرْكِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّقْرِيبِ .
وَمِنْهَا : ابْتِدَاءُ ( الْقَرْضِ ) عَلَى ( الْعُرُوضِ ) لَا يَصِحُّ ، وَلَوْ فَسَخَ وَالْمَالُ عُرُوضٌ ثُمَّ عَقَدَ الْمَالِكُ لِذَلِكَ الْعَامِلِ الْقِرَاضَ عَلَيْهَا ( صَحَّ ) فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ .
كِتَابَةُ بَعْضِ الْعَبْدِ ( بَاطِلَةٌ ) فَلَوْ كَاتَبَهُ السَّيِّدَانِ صَحَّ بِشَرْطِهِ ، فَلَوْ عَجَزَ فَعَجْزُهُ أَحَدُهُمَا وَأَرَادَ الْآخَرُ إبْقَاءَهُ ( فَهُوَ كَابْتِدَاءِ ) الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ ، وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا تَعَيَّنَتْ الْحُرَّةُ وَانْدَفَعَتْ الْأَمَةُ فِي الْأَصَحِّ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا : مَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءً فِعْلِهِ وَاسْتِدَامَتُهُ كَالصُّورَةِ عَلَى السَّقْفِ وَالثَّوْبِ وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى شَارِبِهِ تَقَيُّؤُهُ .
ثَانِيهَا : مَا لَا يُحَرَّمَانِ وَهُوَ سَائِرُ الْمُبَاحَاتِ .
ثَالِثُهَا : مَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءً فِعْلِهِ وَلَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ كَتَمْوِيهِ السَّقْفِ بِمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ وَكَالصُّوَرِ الْمَنْقُوشَةِ عَلَى الْحُصْرِ وَالْبُسُطِ ( وَالْأَرْضِ ) .
رَابِعُهَا : مَا تَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ وَلَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ كَنِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَلَوْ مَلَكَهَا حُرِّمَ عَلَيْهِ دَوَامُ النِّكَاحِ ، وَلِهَذَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ يُبَاحُ فِعْلُهُ وَتَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ مُدَّةَ الْإِحْرَامِ .
وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إذَا أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ وَأَيْسَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَحُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهُ ( وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمَيْتَةَ لِيَأْكُلَهَا ثُمَّ وَجَدَ الْحَلَالَ حُرِّمَ عَلَيْهِ إدَامَةُ يَدِهِ عَلَيْهَا ) وَكَذَلِكَ الصَّائِمُ إذَا جَامَعَ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْجِمَاعِ .
يُغْتَفَرُ فِي الشَّيْءِ إذَا كَانَ تَابِعًا مَا لَا يُغْتَفَرُ إذَا كَانَ مَقْصُودًا كَمَا فِي الشُّفْعَةِ لَا تَثْبُتُ فِي الْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَتَثْبُتُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ إذَا بِيعَتْ مَعَهَا .
وَكَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى غَيْرِ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ ( تَثْبُتُ ) تَبَعًا لَهُمَا ، كَمَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُحْرِمِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِلشَّعْرِ الَّذِي عَلَيْهَا وَالظُّفْرِ ؛ لِأَنَّهُمَا ( هُنَا ) تَابِعَانِ غَيْرُ مَقْصُودَيْنِ بِالْإِبَانَةِ .
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ كُشِطَتْ جِلْدَةُ الرَّأْسِ فَلَا فِدْيَةَ وَيُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ الْكَبِيرَةُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَيَجِبُ الْمَهْرُ ، وَلَوْ قَتَلَتْهَا لَا يَجِبُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ تَابِعٌ عِنْدَ الْقَتْلِ غَيْرُ مَقْصُودٍ .
وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي الِاخْتِيَارِ فِي النِّكَاحِ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ ( نِسْوَةٍ ) ؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ ، وَفِي الِاخْتِيَارِ لِلْفِرَاقِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ اخْتِيَارُ الْأَرْبَعِ لِلنِّكَاحِ فَلَيْسَ أَصْلًا فِيهِ بَلْ تَابِعًا فَاغْتُفِرَ .
وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ وَأَطْلَقَ فَزَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهَا إذَا عَتَقَ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُقَالُ ( هَلَّا جَرَى ) فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ خِلَافٌ كَمَا جَرَى فِي ضَمَانِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ هَا هُنَا جَرَى فِي ضِمْنِ عَقْدٍ مَأْذُونٍ فِيهِ .
وَقَدْ يُمْنَعُ الشَّيْءُ مَقْصُودًا وَإِذَا حَصَلَ فِي ضِمْنِ عَقْدٍ لَمْ يَمْتَنِعْ وَنَظِيرُهُ : يَصِحُّ خُلْعُ الْعَبْدِ قَوْلًا وَاحِدًا وَيُمْنَعُ مِنْ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ بِعَقْدِ الْهِبَةِ فِي الْأَصَحِّ .
وَالصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَجُوزُ تَبَعًا لَهُمْ وَفِي جَوَازِهَا اسْتِقْلَالًا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْكَرَاهِيَةُ .
وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَوْ اسْتَأْجَرَ
بِئْرًا ( لِيَسْتَقِيَ ) مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ أَكْرَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا وَفِيهَا بِئْرُ مَاءٍ جَازَ أَنْ ( يَسْتَقِيَ ) مِنْهَا تَبَعًا .
يُغْتَفَرُ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْعَاقِدِ مَا لَا يُغْتَفَرُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَجَّرَ دَارًا لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مِنْ آخَرَ وَيَجُوزُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ وَالِاسْتِيفَاءُ مُتَّصِلٌ ( تَابِعٌ ) .
وَحَيْثُ أَبْطَلْنَا الْمُخَابَرَةَ فَتَجُوزُ إذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ لَا يُمْكِنُ سَقْيُ النَّخِيلِ إلَّا بِسَقْيِهِ فَيَعْقِدُ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَالْمُخَابَرَةِ تَبَعًا وَإِنْ أَفْرَدَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى النَّخِيلِ ثُمَّ أَرَادَ عَقْدَ الْمُخَابَرَةِ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَحْصُلُ لِوَاحِدٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ( فِي ) صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ : بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ النَّخِيلِ وَيَجُوزُ مِنْ مَالِكِهَا فِي الْأَصَحِّ .
وَبَيْعُ الْوَارِثِ رَقَبَةَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا لِلْمُوصَى لَهُ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ .
وَلَوْ اخْتَلَطَ حَمَامُهُ بِحَمَامِ غَيْرِهِ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا وَهِبَتُهُ شَيْئًا مِنْهُ لِثَالِثٍ ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ فِي الْأَصَحِّ وَبَيْعُ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ يَجُوزُ قَطْعًا ، وَمِنْ غَيْرِهِ خِلَافٌ ، وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ يَجُوزُ مِنْ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ وَيَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِهِ قَطْعًا .
قُلْت : وَقَدْ تَنْعَكِسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا فَبَاعَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ نَفَذَ قَطْعًا ، وَلَوْ ( بَاعَهُ ) مِنْ الْبَائِعِ بِإِذْنٍ فَإِذْنُهُ حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ ، وَلَكِنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَ الْإِيجَابِ فَهَلْ يَصِحُّ ( أَمْ ) يَقْتَضِي بَعْدُ فَسَادَ الْإِيجَابِ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ وَجْهَانِ : ( ثَانِيَتُهُمَا ) بَيْعُ الْمَرْهُونِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ صَحِيحٌ قَطْعًا وَبَيْعُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ فَكِّ الرَّهْنِ
فِيهِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ مَعَ أَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ .
يُغْتَفَرُ فِي مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا تَأْلِيفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ يُغْتَفَرُ فِي الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي ( قُدِّرَ ) دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ بِالشِّرَاءِ قَبْلَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ وَيُغْتَفَرُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ .
وَلَوْ قَالَ : اعْتِقْ عَبْدَك إذَا جَاءَ الْغَدُ عَلَى كَذَا فَفَعَلَ صَحَّ وَإِنْ كَانَ ( ذَلِكَ ) مُتَضَمِّنًا لِلتَّمْلِيكِ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ ، وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْإِبْرَاءِ .
وَلَوْ قَالَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِإِحْدَاهُنَّ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ؛ فَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ اخْتِيَارٌ لِلنِّكَاحِ وَتَعْلِيقُ الِاخْتِيَارِ يَمْتَنِعُ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الطَّلَاقِ وَالِاخْتِيَارُ يَحْصُلُ ضِمْنًا وَيُحْتَمَلُ فِي الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ مَا لَا يُحْتَمَلُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَالِاسْتِقْلَالِ ( قَالَهُ ) الرَّافِعِيُّ ( فِي ) ( الْعُقُودِ الضِّمْنِيَّةِ ) .
يُغْتَفَرُ فِي الْفُسُوخِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُقُودِ سَبَقَتْ ( فِي مَبَاحِثِ الْفَسْخِ ) .
يُغْتَفَرُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ مَا لَا يُغْتَفَرُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ بَعْدَ غُسْلِ ( النَّجَاسَةِ ) ( تَغَيُّرُ ) اللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَضُرَّ ، وَكَمَا لَوْ نَوَى الْقَارِئُ قَطْعَ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ الْقِرَاءَةُ ، وَإِنْ سَكَتَ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ فَلَوْ سَكَتَ وَنَوَى الْقَطْعَ بَطَلَتْ .
وَلَوْ أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ وَنَوَى التَّصَرُّفَ فِيهَا ضُمِّنَ وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُضَمَّنْ .
وَقَرِيبٌ مِنْهُ دَعْوَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ الدُّفُّ وَالشَّبَّابَةُ الِاتِّفَاقُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَحَيْثُ انْفَرَدَ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ ( يَتَخَرَّجَ ) عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ مَا إذَا أَبْدَلَ فِي الظِّهَارِ لَفْظَ الْأُمِّ وَالظَّهْرَ بِأَنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُخْتِي فَإِنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ إبْدَالُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضُرَّ فَإِذَا أَبْدَلَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ظِهَارًا قَطْعًا وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا .
الْيَقِينُ شَرْطٌ فِي الْإِقْرَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : أَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ فِي الْأَقَارِيرِ الْيَقِينُ وَأَطْرَحُ الشَّكَّ وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ .
فَقَوْلُهُ : " الْغَلَبَةُ " تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ تَرَكَ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَقَارِيرِ وَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى غَيْرِ غَالِبِهِ وَهُوَ ( الْمَجَازُ ) .
الْأَوَّلُ : هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : يَمِينٌ عَلَى إثْبَاتِ فِعْلِ نَفْسِهِ ، أَوْ عَلَى نَفْيِهِ ، وَيَمِينٌ عَلَى إثْبَاتِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، أَوْ نَفْيِهِ .
وَكُلُّهَا عَلَى الْقَطْعِ إلَّا الْيَمِينَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ فَإِنَّهَا عَلَى ( نَفْيِ ) الْعِلْمِ وَقَدْ سَبَقَتْ ( فِي حَرْفِ الْحَاءِ ) .
الثَّانِي : الْيَمِينُ عَلَى حَسَبِ الدَّعْوَى إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ جَحَدَ الْوَرَثَةُ تَدْبِيرَ الْعَبْدِ فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِالتَّدْبِيرِ سُمِعَتْ وَلَا تُسْمَعُ بِالْعِتْقِ ( ؛ لِأَنَّ عِتْقَ ) التَّدْبِيرِ حُكْمٌ وَالْبَيِّنَةُ تُسْمَعُ عَلَى مَا أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ لَا عَلَى الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ الْوَرَثَةُ كَانَتْ يَمِينُهُمْ ( فِي نَفْيِ الْعِلْمِ ) دُونَ الْبَتِّ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ نَفْيٍ لِفِعْلِ غَيْرِهِمْ وَكَانُوا فِي أَيْمَانِهِمْ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى التَّدْبِيرِ دُونَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُؤَدِّي مَا تَحَمَّلَتْهُ وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْيَمِينُ مَا تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَى وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدِ وَالْعِتْقِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي .
الثَّالِثُ : الْيَمِينُ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَعُ فِي غَيْرِ الْمُحَاكَمَةِ .
وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا حَلَفْت بِاَللَّهِ ( تَعَالَى ) قَطُّ لَا صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا .
وَثَانِيهِمَا : مَا تَقَعُ فِي الْمُحَاكَمَةِ ( وَهِيَ ) نَوْعَانِ : يَمِينُ دَفْعٍ وَيَمِينُ إيجَابٍ .
فَيَمِينُ الدَّفْعِ هِيَ الْمَشْرُوعَةُ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ .
وَيَمِينُ الْإِيجَابِ خَمْسَةٌ : اللِّعَانُ ، وَالْقَسَامَةُ ، مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، وَيَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ مَعَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ لَا بُدَّ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَذَلِكَ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ إذَا عُلِمَ لَهُ مَالٌ فِي الْبَاطِنِ وَأَنَّ الشُّهُودَ اعْتَمَدُوا ( عَلَى ) الظَّاهِرِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً كَمَا لَوْ طَلَبَتْ ( الْمَرْأَةُ ) مِنْ الْحَاكِمِ التَّزْوِيجَ فَيُحَلِّفُهَا عَلَى الْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ اسْتِحْبَابًا فِي الْأَصَحِّ وَغَيْرِهِ .
الرَّابِعُ : أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ قَطُّ بَلْ يَجُوزُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ وَأَنْ يَرُدَّ وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي بَعْدَ الرَّدِّ عَلَيْهِ ، قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ : ( وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ : أَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحِلَّ ) ( لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ ) تَجِبَ عَلَيْهِ .
وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَإِنْ كَانَ ( مِمَّا يُبَاحُ ) بِالْإِبَاحَةِ كَالْأَمْوَالِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ وَبَيْنَ أَنْ ( يَنْكُلَ ) إذَا عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا وَإِنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَاذِبًا فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَلِفُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ كَذِبِ خَصْمِهِ كَمَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَحْلِفُ إذَا نَكَلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالنُّكُولِ كَالْمَالِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْلِفُ لَمْ ( يَحِلَّ ) لَهُ النُّكُولُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْعِصْيَانِ كَمَا إذَا ادَّعَى ( عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ الْقَطْعَ كَاذِبًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ النُّكُولُ كَيْ لَا يَكُونَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ يَدَّعِي ) عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَحِلُّ ( لَهَا ) النُّكُولُ كَيْ لَا تَكُونَ عَوْنًا عَلَى الزِّنَى بِهَا .
وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَلَا تَحِلُّ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ وَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَإِنْ ( كَانَ ) مِمَّا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَالْأَوْلَى بِالْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ أَنْ يُبِيحَ الْحَقَّ أَوْ يُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ مِنْهُ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ أَضْرَارِ خَصْمِهِ بِالْبَاطِلِ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَعْلَمُ الْمُدَّعِي أَنَّ الْحَقَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ حِفْظًا لِمَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ .
كَمَا إذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ الْبَيْنُونَةَ فَيُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ فَيُنْكِرُ وَيَنْكُلُ ( فَيَلْزَمُهَا
) الْحَلِفُ حِفْظًا لِبُضْعِهَا مِنْ الزِّنَى وَتَوَابِعِهِ مِنْ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى الْأَمَةِ الْعِتْقَ وَإِنْكَارُ سَيِّدِهَا وَنُكُولِهِ فَيَلْزَمُهَا الْحَلِفُ وَنَظَائِرُهُ .
قِيلَ : هَلْ يَجُوزُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُطَالِبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ ( وَفُجُورِهِ ) قُلْنَا : يَجُوزُ وَذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ طَلَبِ مَا لَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّا ( لَوْ ) لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْأَيْمَانِ وَضَاعَ بِذَلِكَ الْحُقُوقُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُرِّمَ لَمَا جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَحْلِيفِ خَصْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ خَصْمَهُ كَاذِبٌ فِي إنْكَارِهِ وَيَمِينِهِ قُلْت : وَمِنْ السَّلَف مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ الصَّادِقَةِ وَأَوْفَى الْحَقَّ خَشْيَةَ أَنْ يُصَادِفَ قَضَاءً فَيُقَالُ : إنَّهُ بِالْيَمِينِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مَفْسَدَةِ الْأَخْذِ بِإِعْطَائِهِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ .
الْخَامِسُ : الْيَمِينُ إذَا تَعَلَّقَتْ بِدَمٍ غُلِّظَتْ بِالْعَدَدِ فَتَكُونُ خَمْسِينَ يَمِينًا ( كَمَا ) نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ( وَالْأَصْحَابُ ) وَتُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالصِّفَةِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِمَالٍ وَهُوَ نِصَابُ الزَّكَاةِ .
السَّادِسُ : يَقْضِي بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي إلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ وَالْمَحْجُورِ .
وَلِهَذَا فِي الْمُفْلِسِ لَوْ أَقَامَ مُسْتَحِقُّ السِّلْعَةِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الرَّهْنِ ، وَقَالَ الْمَرْعَشِيُّ فِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ : يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ فِي سِتِّ مَسَائِلَ : أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ ( عَلَى الْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ وَالْغُرَمَاءُ يَجْحَدُونَهُ وَالْمُفْلِسُ يُصَدِّقُهُ يَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ ) أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، الثَّانِي : أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، الثَّالِثُ : أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى الصَّغِيرِ بِدَيْنٍ ، الرَّابِعُ : الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ ، الْخَامِسُ : يُقِيمَهَا عَلَى الْمَيِّتِ ، السَّادِسُ : يُقِيمَهَا عَلَى الْغَائِبِ .
قَالَ : وَلَيْسَ لِلْقَاضِي اسْتِحْلَافُ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْخَصْمِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السِّتَّةِ وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَالْمُرَجَّحُ خِلَافُهُ .
السَّابِعُ : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ ( تَقُمْ ) بَيِّنَةٌ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ .
الثَّامِنُ : الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْمُتَنَازِعَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا كَذَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فِي مَوَاضِعَ وَأَوْرَدَ عَلَيْهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ تَعَدِّيَهَا إلَى الْعَاقِلَةِ وَإِلَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ .
وَإِذَا ادَّعَى عَلَى الْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ الْمُدَّعِي بَعْدَ نُكُولِهِ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ لَكِنَّ الْمَحْذُورَ تَعَدِّيَهَا إلَى ثَالِثٍ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ أَمَّا حَيْثُ قَبِلْنَاهُ ( فَلَا ) وَسَبَقَ فِي حَرْفِ النُّونِ فِي فَصْلِ النُّكُولِ لِهَذَا تَتِمَّةٌ فَاسْتَحْضِرْهُ وَصُورَةُ الْعَاقِلَةِ إذَا ادَّعَى عَلَى الْجَانِي قَتْلَ الْخَطَأِ وَنَكَلَ عَلَى الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَقُلْنَا : ( الْيَمِينُ ) الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ ثَبْتٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَكَانَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْجَانِي خَطَأً فِي الدِّيَةِ فَلَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ .
التَّاسِعُ : الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ سَوَاءٌ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ ( بِالْعَتَاقِ ) فَإِنْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ بِاَللَّهِ ( تَعَالَى ) فَعَلَى نِيَّةِ الْحَاكِمِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ مَظْلُومًا كَالْحَالِفِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا شُفْعَةَ عَلَيْهِ لِلْجَارِ ، أَوْ كَانَ حَنَفِيًّا حَلَفَ ( لَا يَمِينَ عَلَيْهِ فَالنِّيَّةُ ) فِي الْيَمِينِ نِيَّةُ الْحَالِفِ دُونَ الْحَاكِمِ الْمُسْتَحْلِفِ قَالَهُ ( الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ) .
وَمِثْلُهُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا أَوْ لَا بَيِّنَةَ بِإِعْسَارِهِ ( وَإِنْ أَقَرَّ ) حُبِسَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُورِيَ فِي يَمِينِهِ وَالتَّوْرِيَةُ هِيَ أَنْ تُوَافِقَ يَمِينُهُ قَصْدَهُ وَإِنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إذَا كَانَ مَا قَصَدَهُ مِنْ مَجَازِ اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ جَوَّزَ لِلْمُعْسِرِ الْحَلِفَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ ( يَخَفْ الْحَبْسَ ) حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ .
الْعَاشِرُ : بَابُ الْيَمِينِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ .
وَلِذَلِكَ تُقْبَلُ الْيَمِينُ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ كَالْفَاسِقِ وَالْفَاجِرِ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ غَالِبًا إلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَيُعْتَضَدُ بِهِ .
وَلِهَذَا لَوْ رَأَى بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ( صِحَّتُهُ ) كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ أَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ وَكُلُّ مَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ جَازَ الْحَلِفُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْعَكِسُ .
( الْحَادِي ) عَشَرَ : ( مَنْ ) وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَدِيَ عَنْهَا بِمَالٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ ، قَالَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَّلِ الصُّلْحِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ ( الْجَوَازَ وَهُوَ يُوهِمُ نَقْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ الْبُوَيْطِيِّ ) اخْتَارَ فِيهِ قَوْلَ مَالِكٍ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ ( وَقَدْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْمٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْقَسَامَةُ فَحَلَفَ أَكْثَرُهُمْ وَافْتَدَى بَعْضُهُمْ يَمِينَهُ بِمَالٍ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ حَتَّى هَلَكَ مَنْ حَلَفَ ) وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ( مَا قَالَهُ ) .
( الثَّانِي ) عَشَرَ : الْيَمِينُ عِنْدَنَا لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ( أَيْ لَا تَجْعَلُ الْمُبَاحَ حَرَامًا ) وَلَا تُوجِبُ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَطْءُ الزَّوْجَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِيمَا عَدَا الْوَطْأَةَ الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ وَمَعَ هَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَارَ الْوَطْءُ وَاجِبًا فَقَدْ غَيَّرَتْ الْيَمِينُ حُكْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قُلْنَا : الْمُرَادُ لَا يُغَيَّرُ حَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا وَيَمِينُ الْمَوْلَى كَذَلِكَ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ حِكَايَةً عَنْ الْقَفَّالِ لِي أَصْلٌ أُخَرِّجُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ وَهُوَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُحَرِّمُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَتَقْدِيرُ الْيَمِينِ عِنْدَنَا : تَحْقِيقُ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَهُمْ : تَحَقُّقُ الْوَعْدِ بِمَا يُكَفَّرُ بِضِدِّهِ .
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ سَبْعُ مَسَائِلَ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْيَمِينَ بِالْيَهُودِيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ وَعِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ وَأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ تَحْرِيمُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ .
الثَّانِيَةُ : إذَا قَالَ : حَرَّمْت هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى نَفْسِي .
الثَّالِثَةُ : إذَا قَالَ : حَرَّمْت هَذَا الطَّعَامَ عَلَى نَفْسِي لَا يَنْعَقِدُ يَمِينًا .
الرَّابِعَةُ : يَمِينُ الْغَمُوسِ لَا يَنْعَقِدُ ( بِهَا ) لِأَنَّهَا لَا تَقْتَضِي حَظْرًا .
الْخَامِسَةُ : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَنْتَصِبُ شَيْئًا .
السَّادِسَةُ : يَمِينُ الْكَافِرِ لَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهَا تَحْرِيمٌ فِي الْمِلْكِ .
السَّابِعَةُ : ( إذَا حَلَفَ وَحَنِثَ ) نَاسِيًا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ وَإِنْ ارْتَكَبَهُ نَاسِيًا .
قَالَ : وَنَصُّ مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا مَعْنَاهُ وَتَعْظِيمِي حُرْمَةَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ ( كَذَا ) فَإِنْ فَعَلْت كُنْت تَارِكًا تَعْظِيمِي حُرْمَةَ
اللَّهِ ( تَعَالَى ) وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَكَذَا هَذَا الْفِعْلُ يَحْرُمُ .
وَإِنَّمَا تَحْقِيقُهُ عَلَى أَصْلِنَا أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الْحَلِفُ فِي تَوَعُّدِهِ أَوْ أَمْرِهِ ( الْمُؤَكَّدِ ) وَكَانَ مَجْبُورًا بِالتَّكْفِيرِ ، وَالْحَاصِلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُوجِبَةِ قِرْبَةٍ وَلَا مَوْعُودٍ فِي مُقَابَلَةِ سَبَبٍ حَتَّى يُقَالَ : يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعْدُ تَوْكِيدٍ فَاسْتُحِبَّ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ .
الثَّالِثُ عَشَرَ : سَبَقَ أَنَّ الْيَمِينَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِدَعْوَى فَوَاجِبَةٌ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَقَدْ لَا تَجِبُ فِي مَوَاضِعَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى يَمِينِ الْأَوَّلِ : وَضَابِطُهَا أَنَّهُ كُلُّ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ وَهَذَا أَشَارَ إلَيْهِ ( الْإِمَامُ ) الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) فِي الْأُمِّ حَيْثُ قَالَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ وَصَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لِأَنِّي لَمْ أُلْحِقْهُ بِهِ بِاعْتِرَافٍ وَإِنَّمَا أَلْحَقْته بِهِ شَرْعًا وَهُوَ لَوْ رَجَعَ عَنْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فَلَا مَعْنَى لِإِحْلَافِهِ .
الثَّانِيَةُ : دَعْوَى الْأَبِ الْحَاجَةَ لِلنِّكَاحِ ( إذَا ظَهَرَتْ ) يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ .
الثَّالِثَةُ : ادَّعَى عَلَى قَاضٍ أَنَّهُ حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ فَحَضَرَ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ .
الرَّابِعَةُ : ادَّعَى عَلَى الشَّاهِدِ أَنَّهُ شَهِدَ بِالزُّورِ لَا يَحْلِفُ .
الْخَامِسَةُ : ادَّعَى عَلَى قَاسِمِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ غَلِطَ لَا يَحْلِفُ قَالَهُ شُرَيْحٌ فِي رَوْضَتِهِ .
السَّادِسَةُ : لَوْ طَالَبَ الْإِمَامُ السَّاعِيَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ الزَّكَوَاتِ فَقَالَ : لَمْ آخُذْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْأَخْذِ لَزِمَهُ كَذَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ( تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ) حَكَاهُ شُرَيْحٌ .
السَّابِعَةُ : ادَّعَى الصَّبِيُّ الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ لَا يَحْلِفُ .
الثَّامِنَةُ : قَالَ رَجُلٌ : أَنَا وَكِيلُ زَيْدٍ فِي قَبْضِ دُيُونِهِ فَأَدِّهِ إلَيَّ ؛ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ : لَا أَعْلَمُ أَنَّك وَكِيلٌ ؛ فَقَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ .
وَلَوْ قَالَ لِلْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ : أَنْتَ مَعْزُولٌ وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَمَالَ إلَى تَرْجِيحِ الْمَنْعِ قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْقَاضِي : أَنْتَ مَعْزُولٌ لَمْ تَلْزَمْهُ
الْيَمِينُ .
التَّاسِعَةُ : ادَّعَى عَلَى وَصِيٍّ مَيِّتٍ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لَهُ وَطَالَبَهُ فَقَالَ الْوَصِيُّ : لَا أَعْلَمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ الْعَاشِرَةُ : ادَّعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَيِّدِهَا أَنَّهُ وَطِئَهَا وَاسْتَوْلَدَهَا فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ أَصْلَ الْوَطْءِ فَطَلَبَتْ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ فِي الْأَصَحِّ ( كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ ) .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : ادَّعَى الْمُودِعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ قَدْ عَلِمَ عُمُومَهُ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ فَإِنْ ادَّعَى عِلْمَ عُمُومِهِ وَلَمْ ( يَعْلَمْ وُقُوعَهُ ) فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِيَمِينٍ .
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا طَلَبَ سَهْمَ الْمَسَاكِينِ وَادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَى إذَا شَهِدَتْ لَهُ الْقَرَائِنُ بِأَنْ كَانَ شَيْخًا هَرِمًا أَوْ زَمِنًا وَكَذَا إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الِاكْتِسَابُ فِي الْأَصَحِّ .
الثَّالِثَةَ عَشْرَ : كَاتَبَا عَبْدًا عَلَى مَالٍ فَادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنِّي أَدَّيْت إلَيْك جَمِيعَ النُّجُومِ لِتَأْخُذَ نَصِيبَك وَتَدْفَعَ نَصِيبَ الْآخَرِ إلَيْهِ فَقَالَ دَفَعْت إلَيَّ نَصِيبِي وَنَصِيبَ الْآخَرِ دَفَعْته إلَيْهِ بِنَفْسِك وَأَنْكَرَ الْآخَرُ الْقَبْضَ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ وَصُدِّقَ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَ الْآخَرِ بِيَمِينِهِ وَصَدَقَ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا .
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ جَنَى عَلَيْهِ فَادَّعَى زَوَالَ عَقْلِهِ وَلَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ فَإِنَّ لَهُ ( دِيَةً ) بِلَا يَمِينٍ .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : طَلَبَ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِكِ فَادَّعَى مَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ وَلَمْ يُتَّهَمْ فِي دَعْوَاهُ لَمْ يَحْلِفْ قَطْعًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنْ اُتُّهِمَ فَهَلْ يَحْلِفُ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ الصَّبِيُّ : قَتَلْت وَأَنَا صَبِيٌّ ؛ فَلَا قِصَاصَ وَلَا يَحْلِفُ .
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ :
عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ فَقَالَ : شِئْت ؛ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : ( عَلَى وَجْهٍ ادَّعَى أَبُو الصَّبِيِّ فِي الْحَضَانَةِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرَ نَقْلَةٍ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ ) .
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : ( أَكْرَى ) مَنْ يَحُجُّ ( عَنْهُ ) فَقَالَ الْأَجِيرُ : حَجَجْت قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا بَيِّنَةَ ؛ لِأَنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُمْكِنُ وَالرُّجُوعُ إلَى الْأَجِيرِ قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ .
( قَالَ ) وَإِنْ قَالَ لَهُ : قَدْ جَامَعْت فِي حَجِّك فَأَفْسَدْته ؛ لَمْ يَحْلِفْ أَيْضًا وَلَا تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ جَامَعَهَا مُحْرِمًا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَقَالَ : كُنْت نَاسِيًا قُبِلَ مِنْهُ وَلَا يَضُرُّ وَصَحَّ حَجُّهُ وَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ .
( وَكَذَا ) لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بَعْدَ عُبُورِهِ الْمِيقَاتَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا فِي إحْرَامِهِ أَوْ ( فِي ) الْحَرَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .
الْعِشْرُونَ : لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَتْ : تَزَوَّجْت ( بِزَوْجٍ ) وَدَخَلَ بِي وَطَلَّقَنِي وَاعْتَدَدْت ؛ قُبِلَ مِنْهَا وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَلَا يَمِينَ .
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً ، وَقَالَ : ظَنَنْت أَنَّهَا امْرَأَتِي فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ .
قَالَ : وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ وَقَالَ : ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ ( يَحْلِفُ مَا ) وَطِئَهَا إلَّا وَهُوَ يَرَاهَا ( حَلًّا ) لَهُ ثُمَّ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ .
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ : لَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالشُّرْبِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ( وَهِيَ ) أَنْ يُقِرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيَدَّعِي الشُّبْهَةَ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ) قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ
الْعِرَاقِيِّينَ : إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ أُمِّهِ وَقَالَ : ظَنَنْتهَا تَحِلُّ لِي أُحْلِفَ مَا وَطِئَهَا إلَّا وَهُوَ يَرَاهَا حَلَالًا ، وَأَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ وَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ وَلَا أَقْبَلُ هَذَا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جَهْلُهُ بِهِ .
قَالَ : وَكُلُّ شَتْمٍ وَضَرْبٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ فَيَحْلِفُ مَا ( شَتَمَهُ ) هَذَا الشَّتْمَ وَلَا ( ضَرَبَهُ ) هَذَا الضَّرْبَ .
الْأُولَى : مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ ( تَعَالَى ) عَلَى الْمُكَلَّفِينَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ جِنَايَةً وَيُسَمَّى عُقُوبَةً وَالْجِنَايَاتُ سَبْعٌ .
وَإِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ إتْلَافًا وَيُسَمَّى ضَمَانًا وَإِلَى مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الْتِزَامًا وَيُسَمَّى ثَمَنًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ مَهْرًا أَوْ غَيْرَهُ .
وَمِنْهُ أَدَاءُ الدُّيُونِ وَالْعَوَارِيّ وَالْوَدَائِعُ وَاجِبَةٌ بِالِالْتِزَامِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ وَالرَّقِيقِ .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا هُوَ الْتِمَاسُ إتْلَافٍ بِعِوَضٍ وَكَذَلِكَ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى كَذَا وَكَذَا الْتِزَامُ الْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ وَبَدَلِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْقَرْضِ وَسَائِرِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَهَذَا غَيْرُ الِالْتِزَامِ بِضَمَانِ الْغَيْرِ وَمِنْهُ نَوْعٌ يُسَمَّى فِدَاءً كَخُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِدَاءِ الْأَسِيرِ ( وَكَذَا ) الْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ ( يَشْتَرِيهِ ) وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُعَاوَضَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فَأَمَّا خُرُوجُ الْمَدْفُوعِ عَنْ مِلْكِ دَافِعِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ فَإِنْ وَقَعَ فِي مُعَاوَضَةٍ فَذَاكَ .
وَمِنْهُ الِافْتِدَاءُ فِي الْخُلْعِ فَإِنَّ فِيهِ إزَالَةَ مِلْكٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَانِبِ الزَّوْجِ بِإِزَالَةِ يَدِ الْعِصْمَةِ وَجَانِبِ الْبَاذِلِ فَإِنَّ فِيهِ إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْ الْمَالِ الْمَبْذُولِ ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ عَلَى عِوَضٍ .
وَأَمَّا افْتِدَاءُ الْأَسِيرِ فَلَيْسَ فِيهِ إزَالَةُ مِلْكٍ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَمْ يَمْلِكْ الْمُسْلِمَ ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْفَادِي فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا بَذَلَ مِنْ الْفِدَاءِ وَالْكَافِرُ لَا يَمْلِكُهُ وَإِنَّمَا نُعْطِيهِ لَهُ لِلضَّرُورَةِ .
وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرْنَا بِهِ أَعْطَيْنَاهُ لَهُ .
وَأَمَّا افْتِدَاءُ الْحُرِّ مِمَّنْ يَسْتَرِقُّهُ فَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَكَالْأَسِيرِ وَإِنْ جَهِلَ كَانَ مَعْذُورًا .
وَأَمَّا ضَمَانُ السَّفِينَةِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْغَرَقِ
وَلَا يُنْقِذُهُمْ إلَّا إلْقَاءُ الْمَتَاعِ يَجِبُ إلْقَاؤُهُ وَلَكِنْ بِعِوَضٍ إذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ تَعُودُ إلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ : إنَّ الْمُلْقَى ( لَا ) يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ مَالِكِهِ حَتَّى لَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ عَلَى السَّاحِلِ وَظَفِرْنَا بِهِ فَهُوَ لِمَالِكِهِ وَيُسْتَرَدُّ ( أَيْضًا مِنْهُ ) الْمَبْذُولُ وَهَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَمْسِكَ مَا يَأْخُذُهُ وَيَرُدُّ بَدَلَهُ ؟ فِيهِ خِلَافٌ كَالْخِلَافِ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً هَلْ لِلْمُقْرَضِ إمْسَاكُهَا وَرَدُّ بَدَلِهَا ؟
الثَّانِيَةُ : مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ عَنْ مِلْكِهِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً بِالتَّمْلِيكِ بِأَنْوَاعِهِ ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا فَبِالْإِبْرَاءِ ، إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ كَإِسْقَاطِ الْأَبِ حَقَّ الْوِلَايَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ أَوْ التَّزْوِيجِ لَا يَسْقُطُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقُ حَقٍّ كَهِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخُصَّ بِهِ غَيْرَهَا وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ شَائِعًا بَيْنَ بَقِيَّةِ النِّسَاءِ ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ فَإِنْ كَانَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) فِي صُورَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ وَالتَّحَجُّرُ وَمَقَاعِدُ الْأَسْوَاقِ .
وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ إذَا كَانَ لِإِنْسَانٍ غَرَضٌ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَاسْتَنْزَلَ عَنْهَا زَوْجُهَا بِمَالٍ جَازَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِقِصَّةِ ( سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ) حَيْثُ قَالَ ( لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) : ( اُنْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ شِئْت أَنْزِلُ لَك عَنْهَا ) فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ .
وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ اسْتِنْبَاطُهُ مِنْ صُورَةِ الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِضَرُورَةِ الِافْتِدَاءِ وَخَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ ( مَا بَذَلَهُ ) .
نَعَمْ وَرَدَ أَنَّ ( الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ) نَزَلَ عَنْ الْخِلَافَةِ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ قَالَ ( ابْنُ بَطَّالٍ ) فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ( فِيهِ ) مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الِانْخِلَاعِ مِنْ الْخِلَافَةِ وَالْعَهْدِ بِهَا عَلَى أَخْذِ مَالٍ جَائِزٌ لِلْمُخْتَلَعِ وَالْمَالُ لَهُ طَيِّبٌ ،
وَكَذَلِكَ هُوَ جَائِزٌ لِلْمُصَالِحِ الدَّافِعِ لِلْمَالِ وَكَانَ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلَ الْحَسَنِ : إنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَجْبُولُونَ عَلَى الْكَرَمِ وَالتَّوَسُّعِ لِمَنْ حَوَالَيْنَا مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَوَالِي ، وَقَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ مَا صَارَتْ لَنَا بِهِ عَادَةُ اتِّفَاقٍ وَإِفْضَالٍ عَلَى الْأَهْلِ وَالْحَاشِيَةِ فَإِنْ ، تَخَلَّيْت عَنْ هَذَا الْأَمْرِ قَطَعْنَا الْعَادَةَ فَقَالَ ( مُعَاوِيَةُ ) : نَفْرِضُ لَك مِنْ الْمَالِ ( عَلَى الْعَامِ ) كَذَا وَمِنْ الْأَقْوَاتِ وَالثِّيَابِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِكُلِّ مَا ذَكَرْت فَصَالَحَهُ عَلَى ذَلِكَ .
الثَّالِثَةُ : اتِّبَاعُ خَيْرِ " الْخَيْرَيْنِ مَطْلُوبٌ وَاجْتِنَابُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ ( فِيهِ ) مَرْغُوبٌ .
الرَّابِعَةُ : حَدِيثُ النَّفْسِ الْوَارِدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ ( فِي الْقَلْبِ ) مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الشَّرِّ مَكْتُوبٌ فِي الْخَيْرِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَوَقَعَ الْإِصْرَارُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي الْمُحَرَّمِ وَيَنْقُصُ الْأَجْرُ فِي الْمَكْرُوهِ وَيُتَجَاوَزُ عَنْهُ فِي الْمُبَاحِ وَيَزْدَادُ الْأَجْرُ بِهِ فِي الْوَاجِبِ ( وَالْمَنْدُوبِ وَالْعَمَلِ ) بِمَا اسْتَقَرَّ ( يَنْزِلُ ) عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي زِيَادَةِ الْأَجْرِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ وَعَدَمِهِمَا وَسَبَقَ ( فِي حَرْفِ الْحَاءِ ) .
الْخَامِسَةُ : الْأَخْذُ بِالرُّخَصِ وَالْعَزَائِمِ فِي مَحَلِّهَا مَطْلُوبٌ رَاجِحٌ فَإِذَا قَصَدَ بِالرُّخْصَةِ قَبُولَ فَضْلِ اللَّهِ ( تَعَالَى ) كَانَ أَفْضَلَ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } إذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَطْلُوبُ الشَّرْعِ الْوِفَاقُ وَرَدُّ الْخِلَافِ إلَيْهِ .
وَلِهَذَا كَانَ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَزَائِمِ وَالْعَمَلِ بِالْمُخْتَلِفِ فِيهِ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ ( فَإِذَا وَقَعَ لِلْإِنْسَانِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَأَمْكَنَهُ الْأَخْذُ فِيهِ بِالْعَزِيمَةِ ) ( فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ ) ( وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقُوَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ ) أَخَذَ بِالرُّخْصَةِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقُوَّةِ ( وَإِنْ ) كَانَ رَاجِحًا ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ( الضَّعْفِ ) إنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمُخَالَفَةِ الْمَحْضَةِ .
إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَمْ يَتَقَلَّدْ أَمْرًا لِلْمُسْلِمِينَ رُخْصَةً وَعَزِيمَةً إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَوَاعِدِ فَلْتَعْرِفْ مَقَاصِدَهُمْ وَتَقْتَدِي بِأَفْعَالِهِمْ .
السَّادِسَةُ : الشَّرِيعَةُ قِسْمَانِ مَأْمُورَاتٌ وَمَنْهِيَّاتٌ وَاعْتِنَاءُ الشَّرْعِ بِالْمَنْهِيَّاتِ فَوْقَ اعْتِنَائِهِ بِالْمَأْمُورَاتِ .
وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
وَمِنْ ثَمَّ سُومِحَ فِي تَرْكِ ( بَعْضِ ) الْوَاجِبَاتِ بِأَدْنَى مَشَقَّةٍ فِي الْإِقْدَامِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ الصَّوْمِ .
وَالْفَاقِدِ لِلْمَاءِ يَعْدِلُ لِلتَّيَمُّمِ وَلَمْ يُسَامَحْ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ ) وَخُصُوصًا الْكَبَائِرَ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ ( أَوْ الزِّنَى أَوْ الْمُضْطَرَّ ) إلَى تَنَاوُلِ الْخَمْرِ لَا يُبَاحُ لَهُمْ وَإِنْ عَظُمَتْ الْمَشَقَّةُ فِي التَّرْكِ حَتَّى بَلَغَتْ الرُّوحَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسَامَحَةَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْسَعُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ فِي فِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَإِنْ بَلَغَ الْعُذْرُ نِهَايَتَهُ ( وَانْبَنَى ) عَلَى ذَلِكَ قَوَاعِدُ : مِنْهَا : أَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ وَهُوَ عُذْرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَقَدْ ( سَبَقَتْ ) .
الْمُطَارَحَاتُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي أَوَّلِ الْمُطَارَحَاتِ التَّحَاسُدُ عَلَى الْعِلْمِ دَاعِيَةُ التَّعَلُّمِ وَمُطَارَحَةُ الْأَقْرَانِ فِي الْمَسَائِلِ ذَرِيعَةٌ إلَى الدِّرَايَةِ وَالتَّنَاظُرُ فِيهَا يُنَقِّحُ الْخَوَاطِرَ وَالْأَفْهَامَ ، وَالْخَجَلُ الَّذِي يَحِلُّ بِالْمَرْءِ مِنْ غَلَطِهِ يَبْعَثُهُ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِ الْعِلْمِ لِيَعْلَمَ وَيَتَصَفَّحَ الْكُتُبَ فَيَتَسَبَّبُ بِذَلِكَ إلَى بَسْطِ الْمَعَانِي وَيَحْفَظُ الْكُتُبَ .
مَسْأَلَةٌ : رَجُلٌ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِخَمْسِ وُضُوآت فَلَمَّا فَرَغَ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي أَحَدِهَا وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ فَجَاءَ إلَى الْمُفْتِي وَلَمْ يُحْدِثْ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ ) : تَوَضَّأْ وَأَعِدْ الْخَمْسَ ( فَتَوَضَّأَ وَأَعَادَ الْخَمْسَ ) فَلِمَا فَرَغَ تَيَقَّنَ أَنَّهُ ( تَرَكَ ) مَسْحَ الرَّأْسِ فِي هَذَا الْوُضُوءِ أَيْضًا فَجَاءَ إلَى الْمُفْتِي فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ( لَهُ ) : تَوَضَّأْ وَأَعِدْ الْعِشَاءَ ( الْآخِرَةَ ) .
وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ وَحَلُّهُ أَنَّ وُضُوءَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَتَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَعَادَ الْخَمْسَ ( بِوُضُوءٍ صَحِيحٍ ) وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا بِأَنْ يَكُونَ تَرَكَ الْمَسْحَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا الْعِشَاءُ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ فِيهِ وَغَيْرُهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ فِي الْأُولَى بَلْ أَعَادَ الْخَمْسَ مُعْتَقِدًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ كَمَا لَوْ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَتَرَكَ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ فَلَا ( يَلْزَمُهُ إلَّا إعَادَةُ ) الْعِشَاءِ .
قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْعَالِمُ ( مَعَ أَصْحَابِهِ ) ( تَشْحِيذًا ) لِلْأَذْهَانِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّخْلَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الزُّهْرِيُّ ) قَالَ ( سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ) : حَدِّثُونِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يُتَشَهَّدُ فِيهِنَّ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ يَسْبِقُ الرَّجُلُ ( فِيهَا ) بِرَكْعَةٍ ، ثُمَّ يُدْرِكُ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَتَشَهَّدُ ( فِيهِمَا ) .
قُلْت : وَيُتَصَوَّرُ فِيهَا أَرْبَعُ تَشَهُّدَاتٍ كَأَنْ يُدْرِكَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيَتَشَهَّدُ مَعَهُ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِتَشَهُّدَيْنِ وَيُتَصَوَّرُ فِيهَا خَمْسَةٌ بِأَنْ يَشُكَّ ( وَهُوَ ) فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فِي رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيَتَشَهَّدُ .
وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ ( قَالَ ) لَمَّا قَدِمَ ( عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ ) الْعِرَاقَ قَصَدْنَاهُ وَامْتَحَنَّاهُ بِمَسَائِلَ ( عَوِيصَةٍ مِنْ فِقْهِ ) أَبِي حَنِيفَةَ ( رَحِمَهُ اللَّهُ ) فَأَجَابَ عَنْهَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ثَوْرٍ بِمَاذَا تَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ قُلْت : بِفَرْضٍ ، فَقَالَ : أَخْطَأْت ، قُلْت : بِنَفْلٍ ، قَالَ : أَخْطَأْت ، قُلْت : بِمَاذَا ؟ قَالَ : بِهِمَا ، وَهُمَا التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ .
التَّكْبِيرُ فَرْضٌ ( وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ فِيهَا بِهِمَا ) تَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ .
قُلْت : وَتَجِيءُ ( مَسْأَلَةُ ) الِامْتِحَانِ بِمَا تُخْتَتَمُ الصَّلَاةُ .
وَيُحْكَى أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمَّا حَجَّ وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ حَضَرَ ( مَعَ ) مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِمَالِكٍ : مَا يَقُولُ الشَّيْخُ ( فِي الْمُحْرِمِ ) إذَا أَخَذَ فِي كُمِّهِ مِيزَانًا فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهَلْ يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ كُمٌّ ؟ فَقَالَ ( مَالِكٌ ) : مَا ذَهَبْتُ إلَى مَا ذَهَبْتَ إلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : عَادَةُ الشُّيُوخِ كَذَا تَارَةً يُخْطِئُونَ وَتَارَةً ( يُصِيبُونَ ) فَقَالَ مَالِكٌ : مَا عَلِمْت أَنَّهُ
يَسْتَهْزِئُ بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنْ مَا تَقُولُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَوْمَ ) الْجُمُعَةِ بِعَرَفَاتٍ أَصَلَّى جُمُعَةً أَمْ ( صَلَّى ) ظُهْرًا مَقْصُورَةً ( لِأَنَّهُ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ ) ؟ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : صَلَّى جُمُعَةً ؛ ( لِأَنَّهُ ) خَطَبَ ( لَهَا ) قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ : أَخْطَأَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ السَّبْتِ لَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَا الَّذِي صَلَّاهَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : صَلَّى ظُهْرًا مَقْصُورَةً ؛ لِأَنَّهُ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ فَصَوَّبَهُ هَارُونُ فِي احْتِجَاجِهِ عَلَى أَبِي يُوسُفَ وَقِيلَ : إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ( يَقُولُ ) : أَبَا يُوسُفَ بَلْ يَقُولُ : يَا يَعْقُوبُ .
( وَمِنْ الْمُمْتَحَنَاتِ مِنْ عَوِيصِ مَسَائِلِ الْمِفْتَاحِ ) لِابْنِ الْقَاصِّ رَمَى رَجُلَانِ صَيْدًا فَقَتَلَاهُ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قَالَ ( الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ ) تِلْمِيذُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ : سَأَلَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَقُلْت : لَيْسَتْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ يُمْلَكُ وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صُورَتَيْنِ : فَالصُّورَةُ الْأُولَى الَّتِي يَكُونُ فِيهَا حَرَامًا إذَا أَثْبَتَهُ أَحَدُهُمَا وَرَمَاهُ الْآخَرُ فِي ( غَيْرِ ) الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ذَكَاتُهُ فِي ( غَيْرِ ) الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ السَّابِقُ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحَالَفَا وَتَرَكَا .
وَأَمَّا الصُّورَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا نِصْفَيْنِ فَهِيَ إذَا أَثْبَتَ الْأَوَّلُ وَذَبَحَهُ الْآخَرُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَاخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ تَحَالَفَا وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، قَالَ الْقَاضِي : فَلَمَّا ذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ قَبْلَ قُدُمِي فَقُلْت لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : سَأَلْت عَنْ ذَلِكَ الْإِمَامَ الْمُتَوَلِّي مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَكَانَ آخِرَ جَوَابِهِ أَنِّي لَا أَعْلَمُ ، فَقُلْت لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا قُلْته صَحِيحٌ ؟ فَقَالَ : لِأَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا شَيْخٌ فَقِيهٌ مِنْ جِيلَانَ قَرَأَ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيِّ شَيْخِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ ( الشِّيرَازِيِّ ) وَالشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ قَرَأَ عَلَى ابْنِ الْقَاصِّ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرْته فَعَلِمْت صِحَّتَهُ قَالَ الْفَارِقِيُّ : وَهَذَا غَرَضٌ مَقْصُودٌ لِلْمُصَنِّفِينَ أَنْ يَضَعُوا ( فِي تَصَانِيفِهِمْ ) أَسْرَارًا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ لِيَحْتَاجَ إلَى مُرَاجَعَتِهِمْ فِي شَرْحِهَا .
وَقَدْ كَانَ ( الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَيْضَاوِيُّ ) قَدْ اعْتَزَلَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي نَصْرِ بْنِ
الصَّبَّاغِ يُدَرِّسُ فِي مَسْجِدٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ فَجَاءَ إلَى ابْنِ الصَّبَّاغِ رَاجَعَهُ فِيهَا ( فَذَكَرَهَا لَهُ ) فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تُسَطَّرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : لَوْ لَمْ تُسَطَّرْ هَكَذَا كَيْفَ كُنْت تَتْرُكُ التَّدْرِيسَ وَتَحْضُرُ لِلسُّؤَالِ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْغَضَائِرِيُّ فِي كِتَابِ الْوَشَائِحِ سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِ ( أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ ) فِي كِتَابِ التَّهْذِيبِ : وَلَا يَرِثُ ( الْحَمْلُ ) إلَّا بِالْبَيِّنَةِ .
مَا صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ فَأَجَبْت : صُورَتُهَا مَمْلُوكَانِ سُبِيَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَأَعْتَقَهُمَا سَيِّدُهُمَا ثُمَّ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ هَذَا أَخُوهُ وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَطَلَبَ الْآخَرُ مِيرَاثَهُ ( نُظِرَ ) إلَى السَّيِّدِ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا وَرِثَهُ وَإِنْ أَنْكَرَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ وَذَلِكَ ( سَبَبُ ) الْمِيرَاثِ ( فَمَنْ ) ادَّعَى شَيْئًا ( يَتَقَدَّمُ فَعَلَيْهِ ) إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ .
رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يُحْسِنُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَآخَرُ يُحْسِنُ النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : هَذَا مِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ ( الْمُتَعَنِّتُ ) فَيُقَالُ : أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ .
( وَمِثْلُهُ ) أَنْ يُقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخَنَاثَى إمَامُهُمْ أَيْنَ يَقِفُ ؟ وَهَذَا مُحَالٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ : سَأَلْت الْقَفَّالَ عَنْ تَجْدِيدِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ : كِدْت تُغَالِطُنِي ، التَّجْدِيدُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالطَّلَبِ وَطَلَبُ الْمَاءِ يُبْطِلُهُ فَإِذَا تَيَمَّمَ ثَانِيًا فَيَكُونُ هُوَ الْفَرْض .
قُلْت : وَفِي اعْتِرَاضِ الْقَفَّالِ عَلَى الْقَاضِي نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ ( قَدْ ) لَا يَجِبُ الطَّلَبُ لِلتَّيَمُّمِ إذَا قُطِعَ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَوْضِعِهِ .
وَفِي الذَّخَائِرِ أَنَّ الْقَفَّالَ قَالَ : لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَاءِ .
وَأَمَّا ( الْجُرْحُ ) فَيُجَدَّدُ الْمَغْسُولُ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ ؟ وَجْهَانِ .
قَالَ الشَّاشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجَدَّدَ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِي ( النَّافِلَةِ ) .
اجْتَمَعَ أَبُ الْمُعْتِقِ وَمُعْتِقُ الْأَبِ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أَبٌ وَمُعْتِقٌ كَانَ لَا مَحَالَةَ مُعْتِقًا وَكَانَ قَدْ مَسَّهُ الرِّقُّ ثُمَّ لَحِقَهُ الْعِتْقُ وَحِينَئِذٍ لَا وَلَاءَ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى الِانْجِرَارِ فَلَا مَعْنَى لِمُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَطَلَبِ ( الْأَوْلَوِيَّةِ ) .
شَرْطُ السَّعْيِ وُقُوعُهُ بَعْدَ ( طَوَافِ مَا ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا فَإِنْ قُلْت : هَلْ يَصِحُّ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ ؟ قُلْت : هَذَا مُغَالَطَةٌ ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ لَا يَصِحُّ قَبْلَ إتْمَامِ الْمَنَاسِكِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَبْلَ السَّعْيِ .
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِنَا : إذَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ ( بِجِمَاعٍ فِي يَوْمَيْنِ ) لُزُومَ كَفَّارَتَيْنِ وُجُوبُ النِّيَّةِ لِكُلِّ ( يَوْمٍ ) وَقَدْ وَافَقْنَا الْمَالِكِيَّةَ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَوَجْهُ الْإِلْزَامِ ( إمَّا أَنْ ) يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ ( مُتَّحِدًا ) فَمَا وَجْهُ ( تَعَدُّدِ ) الْكَفَّارَةِ ، وَإِنْ ( كَانَا ) عِبَادَتَيْنِ فَيَلْزَمُ لِكُلِّ ( وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) نِيَّةٌ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمَّا ( كَانَتْ تَفْتَقِرُ ) إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ صَارَتْ كَالْوَاحِدَةِ .
قُلْنَا : كَفَى بِاللَّيْلِ فَاصِلًا .
وَكَانَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ يَحْكِي أَنَّ الشَّيْخَ شَمْسَ الدِّينِ ( الْأَصْفَهَانِيَّ ) كَانَ يَحْفَظُ مِائَةَ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ وَكَانَ شَيْخُهُ ( التَّاجُ الْأُرْمَوِيُّ ) يَحْفَظُ أَلْفَ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ وَكَانَ أُسْتَاذُهُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ يَحْفَظُ عَشْرَةَ آلَافِ نُكْتَةٍ فِي الْجَدَلِ .
( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا دَائِمًا أَبَدًا وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
عَلَّقَ هَذِهِ النُّسْخَةَ بِيَدِهِ الْفَانِيَةِ عَلِيٌّ عَبْدُ الْمُحْسِنِ عَلِيٌّ عُمَرُ الرَّاجِي عَفْوًا بِهِ وَمَغْفِرَتَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدِيهِ وَلِمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَدَعَا لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَثَمَانِي مِائَةٍ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق