ج1. كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
مُقَدِّمَةُ الطَّبَرِيِّ شَيْخِ الدِّينِ فَجَاءَ فِيهِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ ، وَنَثَرَ فِيهِ أَلْبَابَ الْأَلْبَابِ ، وَفَتَحَ فِيهِ لِكُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إلَى مَعَارِفِهِ الْبَابَ ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ غَرَفَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ إنَائِهِ ، وَمَا نَقَصَتْ قَطْرَةٌ مِنْ مَائِهِ ، وَأَعْظَمُ مَنْ انْتَقَى مِنْهُ الْأَحْكَامَ بَصِيرَةً : الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ ، فَاسْتَخْرَجَ دُرَرَهَا ، وَاسْتَحْلَبَ دِرَرَهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ غَيَّرَ أَسَانِيدَهَا لَقَدْ رَبَطَ مَعَاقِدَهَا ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدَهُمَا مَنْ يَلْحَقُ بِهِمَا .
وَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالِاسْتِبْصَارِ فِي اسْتِثَارَةِ الْعُلُومِ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ حَسْبَ مَا مَهَّدَتْهُ لَنَا الْمَشْيَخَةُ الَّذِينَ لَقِينَا ، نَظَرْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَطْرَحِ ، ثُمَّ عَرَضْنَاهَا عَلَى مَا جَلَبَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَسَبَرْنَاهَا بِعِيَارِ الْأَشْيَاخِ .
فَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّظَرُ أَثْبَتْنَاهُ ، وَمَا تَعَارَضَ فِيهِ شَجَرْنَاهُ ، وَشَحَذْنَاهُ حَتَّى خَلُصَ نُضَارُهُ وَوَرِقَ عِرَارُهُ .
فَنَذْكُرُ الْآيَةَ ، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَى كَلِمَاتِهَا بَلْ حُرُوفِهَا ، فَنَأْخُذُ بِمَعْرِفَتِهَا مُفْرَدَةً ، ثُمَّ نُرَكِّبُهَا عَلَى أَخَوَاتِهَا مُضَافَةً ، وَنَحْفَظُ فِي ذَلِكَ قِسْمَ الْبَلَاغَةِ ، وَنَتَحَرَّزُ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْمُعَارَضَةِ ، وَنَحْتَاطُ عَلَى جَانِبِ اللُّغَةِ ، وَنُقَابِلُهَا فِي الْقُرْآنِ بِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَنَتَحَرَّى وَجْهَ الْجَمِيعِ ؛ إذْ الْكُلُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ، وَنُعَقِّبُ عَلَى ذَلِكَ بِتَوَابِعَ لَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ بِهَا مِنْهَا ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الْقَوْلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْبَابِ فَنُحِيلَ عَلَيْهِ فِي مَوْضُوعِهِ مُجَانِبِينَ لِلتَّقْصِيرِ وَالْإِكْثَارِ ، وَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَسْتَهْدِي ، فَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى [ قَوْله تَعَالَى ] : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَتْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِآيَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ اسْتِفْتَاحٌ لِيُعْلَمَ بِهَا مُبْتَدَؤُهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ آيَةٌ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ وَهَلْ تَكُونُ آيَةً فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ؟ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ مِنْ قِسْمِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ وَطَرِيقِ إثْبَاتِهِ قُرْآنًا ، وَوَجْهُ اخْتِلَافِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَأَشَرْنَا إلَى بَيَانِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَوَدِدْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لَهُ فَفِيهَا إشْكَالٌ عَظِيمٌ .
وَنَرْجُو أَنَّ النَّاظِرَ فِي كَلَامِنَا فِيهَا سَيَمْحِي عَنْ قَلْبِهِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ سَدَلَ مِنْ إشْكَالٍ بِهِ .
فَائِدَةُ الْخِلَافِ : وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ : إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ، فَتَدْخُلُ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فِي الْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ ، أَوْ فِي الِاسْتِحْبَابِ [ كَذَلِكَ ] .
وَيَكْفِيَك أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْآنٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا ، وَالْقُرْآنُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ، فَإِنَّ إنْكَارَ الْقُرْآنِ كُفْرٌ .
فَإِنْ قِيلَ : وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَكَانَ مُدْخِلُهَا فِي الْقُرْآنِ كَافِرًا ؛ قُلْنَا : الِاخْتِلَافُ فِيهَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ تَكُونَ آيَةً ، وَيَمْنَعُ مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ يَعُدُّهَا مِنْ الْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّ
الْكُفْرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمُخَالَفَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِي أَبْوَابِ الْعَقَائِدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ تَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ ؟ قُلْنَا : لَا تَجِبُ ، فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَى { أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْرَأُ : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَنَحْوَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ } .
فَإِنْ قِيلَ : الصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ شَيْئًا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ .
قُلْنَا : وَهَذَا يَكُونُ تَأْوِيلًا لَا يَلِيقُ بِالشَّافِعِيِّ لِعَظِيمِ فِقْهِهِ ، وَأَنَسٍ وَابْنِ مُغَفَّلٍ إنَّمَا قَالَا هَذَا رَدًّا عَلَى مَنْ يَرَى قِرَاءَةَ : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ قِرَاءَتَهَا ، وَقَدْ تَوَلَّى الدَّارَقُطْنِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ صَحَّحَهُ .
قُلْنَا : لَسْنَا نُنْكِرُ الرِّوَايَةَ ، لَكِنَّ مَذْهَبَنَا يَتَرَجَّحُ بِأَنَّ أَحَادِيثَنَا ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَإِنَّهَا أَصَحُّ ، وَبِوَجْهٍ عَظِيمٍ وَهُوَ الْمَعْقُولُ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ انْقَضَتْ عَلَيْهِ الْعُصُورُ ، وَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْأَزْمِنَةُ مِنْ لَدُنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى زَمَانِ مَالِكٍ ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ [ قَطُّ ] فِيهِ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ .
بَيْدَ أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحَبُّوا قِرَاءَتَهَا فِي النَّفْلِ ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي قِرَاءَتِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : حَمِدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يَقُولُ تَعَالَى : مَجَّدَنِي عَبْدِي يَقُولُ الْعَبْدُ : إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ يَقُولُ الْعَبْدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يَقُولُ اللَّهُ : فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
} فَقَدْ تَوَلَّى سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْقُرْآنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ ، مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ ثَلَاثًا غَيْرَ تَمَامٍ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ الْمُشْكِلَاتِ أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى حَمِدَ نَفْسَهُ ، وَافْتَتَحَ بِحَمْدِهِ كِتَابَهُ ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، بَلْ نَهَاهُمْ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ، فَقَالَ : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } وَمَنَعَ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ مَدْحَ بَعْضٍ لَهُ ، أَوْ يَرْكَنَ إلَيْهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِرَدِّ ذَلِكَ ، وَقَالَ : { اُحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ } رَوَاهُ الْمِقْدَادُ وَغَيْرُهُ .
وَكَأَنَّ فِي مَدْحِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ وَحَمْدِهِ لَهَا وُجُوهًا مِنْهَا ثَلَاثٌ أُمَّهَاتٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ عَلَّمَنَا كَيْفَ نَحْمَدُهُ ، وَكَلَّفَنَا حَمْدَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا سَبِيلٌ إلَيْهِ إلَّا بِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ مَعْنَاهُ : قُولُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، فَيَكُونُ فَائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ لَنَا ، وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِنَصْبِ الدَّالِ فِي الشَّاذِّ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَدْحَ النَّفْسِ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَا يُدْخِلُ عَلَيْهَا مِنْ الْعُجْبِ بِهَا ، وَالتَّكَثُّرِ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ أَجْلِهَا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ الِاخْتِصَاصَ بِمَنْ يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ ، وَلَا يَجُوزُ مِنْهُ التَّكَثُّرُ ، وَهُوَ الْمَخْلُوقُ ، وَوَجَبَ ذَلِكَ لِلْخَالِقِ ؛ لِأَنَّهُ أَهْلُ الْحَمْدِ .
وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ ، وَالْفَائِدَةُ الْمَقْصُودَةُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْنَدْنَا لَكُمْ ، { أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ ، أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ سَبْعًا ، ثَلَاثًا لِي وَثَلَاثًا لَك ، وَوَاحِدَةً بَيْنِي وَبَيْنَك ؛ فَأَمَّا الثَّلَاثُ الَّتِي لِي : فَ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وَأَمَّا
الثَّلَاثُ الَّتِي لَك فَ { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } وَأَمَّا الْوَاحِدَةُ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَك فَ { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } } يَعْنِي : مِنْ الْعَبْدِ الْعِبَادَةَ ، وَمِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْعَوْنَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْرَؤُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا فَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ فِي الصَّلَاةِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَلِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يَقْرَؤُهَا إذَا أَسَرَّ خَاصَّةً قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَا يَقْرَأُ .
الثَّالِثُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يَقْرَؤُهَا خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ ، كَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا ، وَالْمَسْأَلَةُ عَظِيمَةُ الْخَطَرِ ، وَقَدْ أَمْضَيْنَا الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِي دَلَائِلِهَا بِمَا فِيهِ غُنْيَةً .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي وُجُوبُ قِرَاءَتِهَا فِيمَا يُسِرُّ وَتَحْرِيمُهَا فِيمَا جَهَرَ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْإِنْصَاتِ لَهُ ، وَالِاسْتِمَاعِ لِقِرَاءَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ عَنْهُ فِي مَقَامٍ بَعِيدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ السِّرِّ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِرَاءَتِهَا عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَحَالَةٍ ، وَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ حَالَةَ الْجَهْرِ بِوُجُوبِ فَرْضِ الْإِنْصَاتِ ، وَبَقِيَ الْعُمُومُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَهَذِهِ نِهَايَةُ التَّحْقِيقِ فِي الْبَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي عَدَدِ آيَاتِهَا : لَا خِلَافَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ ، فَإِذَا عَدَدْتَ فِيهَا { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } آيَةً اطَّرَدَ الْعَدَدُ ، وَإِذَا أَسْقَطْتهَا تَبَيَّنَ تَفْصِيلُ الْعَدَدِ فِيهَا .
قُلْنَا : إنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ : { أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ } هَلْ هُوَ خَاتِمَةُ آيَةٍ أَوْ نِصْفُ آيَةٍ ؟ وَيُرَكَّبُ هَذَا الْخِلَافُ فِي عَدِّ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ : { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } خَاتِمَةُ آيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ مُسْتَوْفًى ، فَإِنْ قِيلَ : فَلَيْسَ بِمُقَفًّى عَلَى نَحْوِ الْآيَاتِ [ قَبْلَهُ ] قُلْنَا : هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ فِي تَعْدَادِ الْآيِ ، وَاعْتَبِرْهُ بِجَمِيعِ سُوَرِ الْقُرْآنِ وَآيَاتِهِ تَجِدْهُ صَحِيحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قُلْنَا
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : التَّأْمِينُ خَلْفَ الْإِمَامِ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا قَالَ الْإِمَامُ : { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقُولُوا : آمِينَ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .
فَتَرْتِيبُ الْمَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ عَلَى أَرْبَعِ مُقَدِّمَاتٍ ذَكَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا ، وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا يَدُلُّ عَلَيْهَا : الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى : تَأْمِينُ الْإِمَامِ .
الثَّانِيَةُ : تَأْمِينُ مَنْ خَلْفَهُ .
الثَّالِثَةُ : تَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ .
الرَّابِعَةُ : مُوَافَقَةُ التَّأْمِينِ .
فَعَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعِ تَتَرَتَّبُ الْمَغْفِرَةُ .
وَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَنْ الثَّالِثَةِ اخْتِصَارًا لِاقْتِضَاءِ الرَّابِعَةِ لَهَا فَصَاحَةً ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْبَيَانِ لِلِاسْتِرْشَادِ وَالْإِرْشَادِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ جَدَلِ أَهْلِ الْعِنَادِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ : ( آمِينَ ) ، فَقِيلَ : هُوَ عَلَى وَزْنِ فَاعِيلٍ ، كَقَوْلِهِ : يَا مِينَ ، وَقِيلَ فِيهِ : أَمِينٌ عَلَى وَزْنِ يَمِينٍ ؛ الْأُولَى مَمْدُودَةٌ ، وَالثَّانِيَةُ مَقْصُورَةٌ ، وَكِلَاهُمَا لُغَةٌ ، وَالْقَصْرُ أَفْصَحُ وَأَخْصَرُ ، وَعَلَيْهَا مِنْ الْخَلْقِ الْأَكْثَرُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مَعْنَى لَفْظِ آمِينَ : فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : قِيلَ : إنَّهَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَلَا ثَبَتَ قَوْلُهُ .
الثَّانِي : قِيلَ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ ، وُضِعَتْ مَوْضِعَ الدُّعَاءِ اخْتِصَارًا .
الثَّالِثُ : قِيلَ مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ ، وَالْأَوْسَطُ أَصَحُّ وَأَوْسَطُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذِهِ كَلِمَةٌ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا ، خَصَّنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا ، فِي الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : " مَا حَسَدَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى شَيْءٍ كَمَا حَسَدُوكُمْ عَلَى قَوْلِكُمْ : آمِينَ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : تَأْمِينُ الْمُصَلِّي : فِي تَأْمِينِ الْمُصَلِّي ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ اتِّفَاقًا .
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ فِي صَلَاةِ السِّرِّ لِنَفْسِهِ إذَا أَكْمَلَ قِرَاءَتَهُ ، وَفِي صَلَاةِ الْجَهْرِ إذَا أَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ إمَامُهُ يُؤَمِّنُ .
وَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُؤَمِّنُ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَهُ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ : إذَا بَلَغَ مَكَانَ التَّأْمِينِ ، كَقَوْلِهِمْ : أَنْجَدَ الرَّجُلُ إذَا بَلَغَ نَجْدًا ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُؤَمِّنُ .
قَالَ ابْنُ بُكَيْر : هُوَ بِالْخِيَارِ ، فَإِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ جَهْرًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَبِيبٍ يَقُولَانِ : يُؤَمِّنُ سِرًّا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي تَأْمِينُ الْإِمَامِ جَهْرًا ؛ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ قَالَ : { وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ } ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا .
وَفِي الْبُخَارِيِّ : { حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً مِنْ قَوْلِ النَّاسِ آمِينَ } .
وَفِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ : { وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ آمِينَ ، حَتَّى يُسْمَعَ مِنْ الصَّفِّ } ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .
وَرُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ الْأَوْزَاعِيِّ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالَ : آمِينَ ، يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَضْلُ الْفَاتِحَةِ : لَيْسَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا إلَّا حَدِيثَانِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ : { قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ .
} الثَّانِي : حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : { لَأُعَلِّمَنَّك سُورَةً مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا } .
وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي فَضْلِ سُورَةٍ إلَّا قَلِيلٌ سَنُشِيرُ إلَيْهِ ، وَبَاقِيهَا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْكُمْ أَنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهَا .
سُورَة الْبَقَرَةِ اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ أَعْظَمِ سُوَرِ الْقُرْآنِ ؛ سَمِعْتُ بَعْضَ أَشْيَاخِي يَقُولُ : فِيهَا أَلْفُ أَمْرٍ ، وَأَلْفُ نَهْيٍ ، وَأَلْفُ حُكْمٍ ، وَأَلْفُ خَبَرٍ ، وَلِعَظِيمِ فِقْهِهَا أَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ثَمَانِي سِنِينَ فِي تَعَلُّمِهَا ، وَقَدْ أَوْرَدْنَا ذَلِكَ عَلَيْكُمْ مَشْرُوحًا فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ فِي أَعْوَامٍ ، وَلَيْسَ فِي فَضْلِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ إلَّا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لَا يَدْخُلُهُ شَيْطَانٌ } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَعَدَمُ الْهُدَى وَضَعْفُ الْقُوَى وَكَلَبُ الزَّمَانِ عَلَى الْخَلْقِ بِتَعْطِيلِهِمْ وَصَرْفِهِمْ عَنْ الْحَقِّ ، وَاَلَّذِي حَضَرَ الْآنَ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ تِسْعُونَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { يُؤْمِنُونَ } : قَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَمِنْهَا تُؤْخَذُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَقِيقَةُ الْغَيْبِ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ : قَوْلُهُ : { بِالْغَيْبِ } .
وَحَقِيقَتُهُ مَا غَابَ عَنْ الْحَوَاسِّ مِمَّا لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْخَبَرِ دُونَ النَّظَرِ ، فَافْهَمُوهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : مَا ذَكَرْنَاهُ كَوُجُوبِ الْبَعْثِ ، وَوُجُودِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا وَالْحِسَابِ .
الثَّانِي : بِالْقَدَرِ .
الثَّالِثِ : بِاَللَّهِ تَعَالَى .
الرَّابِعِ : يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ الْغَائِبَةِ عَنْ الْخَلْقِ لَا بِأَلْسِنَتِهِمْ الَّتِي يُشَاهِدُهَا النَّاسُ ، مَعْنَاهُ : لَيْسُوا بِمُنَافِقِينَ ، وَكُلُّهَا قَوِيَّةٌ إلَّا الثَّانِي وَالثَّالِثَ فَإِنَّهُ يُدْرَكُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ ، فَلَا يَكُونُ غَيْبًا حَقِيقَةً ، وَهَذَا الْأَوْسَطُ ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فَإِنَّ مَخْرَجَهُ عَلَى الْخُصُوصِ .
وَالْأَقْوَى هُوَ الْأَوَّلُ ؛ أَنَّهُ الْغَيْبُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا لَا تَهْتَدِي إلَيْهِ الْعُقُولُ ، وَالْإِيمَانُ بِالْقُلُوبِ الْغَائِبَةِ عَنْ الْخَلْقِ ، وَيَكُونُ مَوْضِعُ الْمَجْرُورِ عَلَى هَذَا رَفْعًا ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ نَصْبًا ، كَقَوْلِك : مَرَرْت بِزَيْدٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُقَدَّرًا نَصْبًا ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : جَعَلْتُ قَلْبِي مَحَلًّا لِلْإِيمَانِ ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ عَنْ الْخَلْقِ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي صَحِيحَةٌ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَلَا بِحِمَى الذِّمَارِ ، وَلَا يُوجِبُ لَهُ الِاحْتِرَامَ ، إلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الثَّلَاثِ ؛ فَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ وَلَا يَسْتَحِقُّ عِصْمَةً .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي ذِكْرِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ حَتَّى بَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي مُتَنَاوَلِ الصَّلَاةِ حَتَّى خَصَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ الْمَعْلُومِ فِي الشَّرِيعَةِ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ عَرَبِيٍّ يَرِدُ مَوْرِدَ التَّكْلِيفِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُجْمَلٌ مَوْقُوفٌ بَيَانُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَحْدُودًا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ اشْتِرَاكٌ ؛ فَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ اشْتِرَاكٌ ، وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَيَانِهِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى مُجْمَلِهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ ، وَلَوْ فَرَضْنَا عَدَمَهُ لَارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ ، وَذَلِكَ تَحَقَّقَ فِي مَوْضِعِهِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دُونِ هَذَا أَوْ مِثْلِهِ : " ثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَهِدَ إلَيْنَا فِيهَا عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ : الْجَدُّ ، وَالْكَلَالَةُ ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا " .
فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، وَنَزَلَ سَحَرًا جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَصَلَّى بِهِ وَعَلَّمَهُ ، ثُمَّ وَرَدَتْ الْآيَاتُ بِالْأَمْرِ بِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا ؛ فَكَانَتْ وَارِدَةً بِمَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ ، وَسَقَطَ مَا ظَنَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمَوْهُومِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ { وَيُقِيمُونَ } : فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : يُدِيمُونَ فِعْلَهَا فِي أَوْقَاتِهَا ، مِنْ قَوْلِكَ :
شَيْءٌ قَائِمٌ ، أَيْ دَائِمٌ .
وَالثَّانِي : مَعْنَاهُ يُقِيمُونَهَا بِإِتْمَامِ أَرْكَانِهَا وَاسْتِيفَاءِ أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ عُمَرُ بِقَوْلِهِ : " مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ " .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي اشْتِقَاقِ النَّفَقَةِ : وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِتْلَافِ ، وَلِتَأْلِيفِ " نَفَقَ " فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَعَانٍ ، أَصَحُّهَا الْإِتْلَافُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ، يُقَالُ نَفِقَ الزَّادُ يَنْفَقُ إذَا فَنِيَ ، وَأَنْفَقَهُ صَاحِبُهُ : أَفْنَاهُ ، وَأَنْفَقَ الْقَوْمُ : فَنِيَ زَادُهُمْ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي وَجْهِ هَذَا الْإِتْلَافِ : وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْمَدْحِ تَخَصَّصَ مِنْ إجْمَالِهِ جُمْلَةٌ .
وَبَعْدَ ذَلِكَ التَّخْصِيصِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهُ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
الثَّالِثِ : صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الرَّابِعِ : أَنَّهُ وَفَاءُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ الْعَارِضَةِ فِي الْمَالِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مَا عَدَا الزَّكَاةَ .
الْخَامِسِ : أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِالزَّكَاةِ .
التَّوْجِيهُ : أَمَّا وَجْهُ مَنْ قَالَ : " إنَّهُ الزَّكَاةُ " فَنَظَرَ إلَى أَنَّهُ قُرِنَ بِالصَّلَاةِ ، وَالنَّفَقَةُ الْمُقْتَرِنَةُ [ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ] بِالصَّلَاةِ هِيَ الزَّكَاةُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِهِ فَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ النَّفَقَةِ .
رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : عِنْدِي دِينَارٌ : قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَبَدَأَ بِالْأَهْلِ بَعْدَ النَّفْسِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الصَّدَقَةَ عَلَى الْقَرَابَةِ صَدَقَةً وَصِلَةً } وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَنَظَرَ إلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَأْتِي إلَّا بِلَفْظِهَا الْمُخْتَصِّ بِهَا ، وَهُوَ الزَّكَاةُ ، فَإِذَا جَاءَتْ
بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ احْتَمَلَتْ الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ ، وَإِذَا جَاءَتْ بِلَفْظِ الْإِنْفَاقِ لَمْ يَكُنْ إلَّا التَّطَوُّعُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ فِي الْحُقُوقِ الْعَارِضَةِ فِي الْأَمْوَالِ مَا عَدَا الزَّكَاةَ فَنَظَرَ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ كَانَ فَرْضًا ، وَلَمَّا عَدَلَ عَنْ لَفْظِهَا كَانَ فَرْضًا سِوَاهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَنَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِهَذَا الْوَجْهِ فَرْضًا سِوَى الزَّكَاةِ ، وَجَاءَتْ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فَنَسَخَتْ كُلَّ صَدَقَةٍ جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ ، كَمَا نَسَخَ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلَّ صَوْمٍ ، وَنَسَخَتْ الصَّلَاةُ كُلَّ صَلَاةٍ .
وَنَحْوُ هَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ التَّنْقِيحُ : إذَا تَأَمَّلَ اللَّبِيبُ الْمُنْصِفُ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ تَحَقَّقَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } : كُلُّ غَيْبٍ أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَائِنٌ ، وَقَوْلُهُ : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } : عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا .
وَقَوْلُهُ : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } عَامٌّ فِي كُلِّ نَفَقَةٍ ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْكَلَامِ الْقَضَاءُ بِفَرْضِيَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا عَلِمْنَا الْفَرْضِيَّةَ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالنَّفَقَةِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بِمُطْلَقِهِ يَقْتَضِي مَدْحَ ذَلِكَ كُلِّهِ خَاصَّةً كَيْفَمَا كَانَتْ صِفَتُهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } .
الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانُ ، وَأَسَرُّوا الْكُفْرَ ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ ، وَلَوْ عَرَفُوهُ لَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يُخْدَعُ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ هَاهُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلْ الْمُنَافِقِينَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ وَقِيَامِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ .
اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي سَبَبِ عَدَمِ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَالَهُمْ سِوَاهُ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْتُلُ بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ هَلْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ أَمْ لَا ؟ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُمْ لِمَصْلَحَةٍ وَتَأَلُّفِ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ لِئَلَّا تَنْفِرَ عَنْهُ .
وَقَدْ أَشَارَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَقَالَ : { أَخَافُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ } .
الثَّالِثُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنَّمَا لَمْ يَقْتُلْهُمْ لِأَنَّ الزِّنْدِيقَ وَهُوَ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْتَلُ .
وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَتِبْهُمْ ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ : إنَّ اسْتِتَابَةَ الزِّنْدِيقِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْرِضًا عَنْهُمْ ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ ، فَهَذَا الْمُتَأَخِّرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي
قَالَ : إنَّ اسْتِتَابَةَ الزِّنْدِيقِ جَائِزَةٌ قَالَ مَا لَمْ يَصِحَّ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ ، فَقَدْ قَتَلَ بِالْمُجَذِّرِ بْنِ زِيَادٍ بِعِلْمِهِ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد بْنِ الصَّامِتِ ؛ لِأَنَّ الْمُجَذِّرَ قَتَلَ أَبَاهُ سُوَيْدًا يَوْمَ بُعَاثَ ، فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ ، وَأَغْفَلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ الْحَارِثُ فَقَتَلَهُ ، فَأَخْبَرَ بِهِ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ كَانَ غِيلَةً ، وَقَتْلُ الْغِيلَةِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
الْقَوْلُ الصَّحِيحُ : وَالصَّحِيحُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُمْ تَأَلُّفًا وَمَخَافَةً مِنْ سُوءِ الْمَقَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّنْفِيرِ ، كَمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ .
وَهَذَا كَمَا كَانَ يُعْطِي الصَّدَقَةَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِسُوءِ اعْتِقَادِهِمْ تَأَلُّفًا لَهُمْ ، أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْكَامَهُ عَلَى الْفَائِدَةِ الَّتِي سَنَّهَا إمْضَاءً لِقَضَايَاهُ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا } .
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ لَا يَبِيتُ عَلَى فِرَاشٍ ، وَلَا يَسْتَسْرِجُ سِرَاجًا ، فَبَاتَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَجَلَسَ فِي الشَّمْسِ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا عُرْفًا .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَبَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى النِّيَّةِ ، أَوْ السَّبَبِ ، أَوْ الْبِسَاطِ ، الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ فَالْعُرْفُ ، وَبَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مُطْلَقِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ ، وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ اجْتَمَعَتْ فِيهِ فَائِدَتَانِ : إحْدَاهُمَا : تَأْسِيسُ الْقَاعِدَةِ .
وَالثَّانِيَةُ : عُمُومُ اللَّفْظِ ، فِي كُلِّ حُكْمٍ مَنْوِيٍّ .
وَاَلَّذِي يَقُولُ إنَّهُ إنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْتَرِشَ فِرَاشًا وَقَصَدَ بِيَمِينِهِ الِاضْطِجَاعَ ، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَسْتَصْبِحَ ، وَنَوَى أَلَّا يَنْضَافَ إلَى نُورِ عَيْنَيْهِ نُورٌ يَعْضُدُهُ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِافْتِرَاشِ الْأَرْضِ ، وَالتَّنُّورِ بِالشَّمْسِ ، وَهَذَا حُكْمٌ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } .
لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْآيَةُ مَخْبُوءَةً تَحْتَ أَسْتَارِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى هَتَكَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِفَضْلِهِ لَنَا ، وَقَدْ تَعَلَّقَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِهَا فِي أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ ، إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بِالْحَظْرِ ، وَاغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَتَابَعَهُمْ عَلَيْهِ .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا كُلُّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلُ الْحَظْرِ .
الثَّالِثِ : أَنْ لَا حُكْمَ لَهَا حَتَّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ بِأَيِّ حُكْمٍ اُقْتُضِيَ فِيهَا .
وَاَلَّذِي يَقُولُ بِأَنَّ أَصْلَهَا إبَاحَةٌ أَوْ حَظْرٌ اخْتَلَفَ مَنْزَعُهُ فِي دَلِيلِ ذَلِكَ ؛ فَبَعْضُهُمْ تَعَلَّقَ فِيهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِالشَّرْعِ .
وَاَلَّذِي يَقُولُ : إنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ الشَّرْعُ قَالَ : الدَّلِيلُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْإِبَاحَةِ قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } فَهَذَا سِيَاقُ الْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَى الْآيَةِ .
فَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْسَامِ الْمُقَدَّمَةِ فَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلشَّرْعِ ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ لِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْإِبَاحَةِ وَدَلِيلِهَا مَدْخَلٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مُحَصِّلٌ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَعْرِضِ الدَّلَالَةِ ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى طَرِيقِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَتَصْرِيفِ الْمَخْلُوقَاتِ بِمُقْتَضَى التَّقْدِيرِ وَالْإِتْقَانِ بِالْعِلْمِ وَجَرَيَانِهَا فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِحُكْمِ الْإِرَادَةِ .
وَعَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْكُفَّارَ عَلَى جَهَالَتِهِمْ بِهَا ، فَقَالَ : { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِاَلَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي
يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } .
فَخَلْقُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَرْضَ ، وَإِرْسَاؤُهَا بِالْجِبَالِ ، وَوَضْعُ الْبَرَكَةِ فِيهَا ، وَتَقْدِيرُ الْأَقْوَاتِ بِأَنْوَاعِ الثَّمَرَاتِ وَأَصْنَافِ النَّبَاتِ إنَّمَا كَانَ لِبَنِي آدَمَ ؛ تَقْدِمَةً لِمَصَالِحِهِمْ ، وَأُهْبَةً لِسَدِّ مَفَاقِرِهِمْ ، فَكَانَ قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } مُقَابَلَةَ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْمُهَيِّئَةِ لَهَا لِلْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ لِحَاجَةِ الْخَلْقِ ؛ وَالْبَارِئُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْهُ مُتَفَضِّلٌ بِهِ .
وَلَيْسَ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا يَقْتَضِي حُكْمَ الْإِبَاحَةِ ، وَلَا جَوَازَ التَّصَرُّفِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أُبِيحَ جَمِيعُهُ جَمِيعَهُمْ جُمْلَةً مَنْثُورَةَ النِّظَامِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى قَطْعِ الْوَصَائِلِ وَالْأَرْحَامِ ، وَالتَّهَارُشِ فِي الْحُطَامِ .
وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ طَرِيقَ الْمِلْكِ ، وَشَرَحَ لَهُمْ مَوْرِدَ الِاخْتِصَاصِ ، وَقَدْ اقْتَتَلُوا وَتَهَارَشُوا وَتَقَاطَعُوا ؛ فَكَيْفَ لَوْ شَمَلَهُمْ التَّسَلُّطُ وَعَمَّهُمْ الِاسْتِرْسَالُ ؛ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ إذَا سَمِعُوا هَذَا النِّدَاءَ أَنْ يَخِرُّوا سُجَّدًا ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى لِهَذِهِ الْحُرْمَةِ لِحَقِّ مَا ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ ، ثُمَّ يَتَوَكَّفُوا بَعْدَ ذَلِكَ سُؤَالَ وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ .
وَنَظِيرُ هَذَا مِنْ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لِتَفْهِيمِ الْحَقِّ مَا قَالَ حَكِيمٌ لِبَنِيهِ : قَدْ أَعْدَدْت لَكُمْ مَا عِنْدِي مِنْ كُرَاعٍ وَسِلَاحٍ وَمَتَاعٍ وَعَرَضٍ وَقَرْضٍ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْهِ كَيْفَ شَاءُوا حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ اخْتِصَاصِهِمْ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { أَعْدَدْتُ
لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ } يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ ، فَلَا يَصِلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَيْهِ إلَّا بِتِبْيَانِ حَظِّهِ مِنْهُ وَتَعْيِينِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْبِشَارَةُ هِيَ : الْإِخْبَارُ عَنْ الْمَحْبُوبِ ، وَالنِّذَارَةُ هِيَ : الْإِخْبَارُ بِالْمَكْرُوهِ ، وَذَلِكَ فِي الْبِشَارَةِ يَقْتَضِي أَوَّلَ مُخْبِرٍ بِالْمَحْبُوبِ ، وَيَقْتَضِي فِي النِّذَارَةِ كُلَّ مُخْبِرٍ .
وَتَرَتَّبَ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُكَلَّفِ : مَنْ بَشَّرَنِي مِنْ عَبِيدِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ .
فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مُخْبِرٍ لَهُ بِهِ يَكُونُ عَتِيقًا دُونَ الثَّانِي .
وَلَوْ قَالَ : مَنْ أَخْبَرَنِي مِنْ عَبِيدِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ ، فَهَلْ يَكُونُ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ أَمْ لَا ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَكُونُ حُرًّا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ .
وَعِنْدَ عُلَمَائِنَا لَا يَكُونُ بِهِ حُرًّا ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ إنَّمَا قَصَدَ خَبَرًا يَكُونُ بِشَارَةً ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ عُرْفًا ، فَوَجَبَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فَاسْتَعْمَلَ الْبِشَارَةَ فِي الْمَكْرُوهِ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَانَ نَظَرُهُمْ لِلْبُشْرَى ، فَقِيلَ لَهُمْ : بِشَارَتُكُمْ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
فَخَرَجَ اللَّفْظُ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَانَ نَظَرٌ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا }
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } الْعَهْدُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدِهِمَا : فِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَالْآخَرُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، فَأَمَّا الَّذِي فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْيَمِينُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ الشَّيْءِ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْعَهْدُ الثَّانِي : فَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَيَلْزَمُ فِي الْحُكْمِ ، إمَّا عَلَى الْخُصُوصِ بَيْنَهُمَا ، وَإِمَّا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى الْخَلْقِ ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ حَلُّهُ ، وَلَا يَحِلُّ نَقْضُهُ ، وَلَا تَدْخُلُهُ كَفَّارَةٌ ، وَهُوَ الَّذِي يُحْشَرُ نَاكِثُهُ غَادِرًا ، يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، يُقَالُ : هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَيَقُولُ : الْعَهْدُ بِالْيَمِينِ ، لَمْ يَجُزْ حَلُّهُ ؛ لِأَجْلِ الْعَقْدِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ } اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِآدَمَ لَمْ يَكُنْ سُجُودَ عِبَادَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا سَلَامُ الْأَعَاجِمِ بِالتَّكَفِّي وَالِانْحِنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ ، وَإِمَّا وَضْعُهُ قِبْلَةً كَالسُّجُودِ لِلْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَهُوَ الْأَقْوَى ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } .
وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَعْنَى التَّعْظِيمِ ؛ وَإِنَّمَا صَدَرَ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ لِلْعِبَادَةِ ، وَاِتِّخَاذِهِ قِبْلَةً ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : جَاءَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ أَنَّ إبْلِيسَ حَاوَلَ آدَمَ عَلَى أَكْلِهَا ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، وَحَاوَلَ حَوَّاءَ ، فَخَدَعَهَا فَأَكَلَتْ فَلَمْ يُصِبْهَا مَكْرُوهٌ ، فَجَاءَتْ آدَمَ فَقَالَتْ لَهُ : إنَّ الَّذِي تَكْرَهُ مِنْ الْأَكْلِ قَدْ أَتَيْته فَمَا نَالَنِي مَكْرُوهٌ .
فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ آدَم اغْتَرَّ فَأَكَلَ ، فَحَلَّتْ بِهِمَا النِّقْمَةُ وَالْعُقُوبَةُ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } فَجَمَعَهُمَا فِي النَّهْيِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلْ بِهِمَا الْعُقُوبَةُ حَتَّى وُجِدَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا .
وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ : إنْ دَخَلْتُمَا عَلَيَّ الدَّارَ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ أَوْ حُرَّتَانِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ لَا يَقَعُ بِدُخُولِ إحْدَاهُمَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا تَطْلُقَانِ وَلَا تُعْتَقَانِ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الدَّارِ فِي الدُّخُولِ ، حَمْلًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَأَخْذًا بِمُقْتَضَى مُطْلَقِ اللَّفْظِ .
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : تُعْتَقَانِ جَمِيعًا ، وَتَطْلُقَانِ جَمِيعًا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْحِنْثِ حِنْثٌ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ أَحَدِهِمَا ، بَلْ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْهُمَا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْمَسَائِلِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : تُعْتَقُ وَتَطْلُقُ الَّتِي دَخَلَتْ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ دُخُولَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي طَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ وَضَعْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَوَضَعَتْ وَلَدًا ، وَبَقِيَ فِي بَطْنِهَا آخَرُ : إنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَضَعَ الْآخَرَ .
وَقَالَ
مَرَّةً أُخْرَى : تَطْلُقُ بِوَضْعِ الْأَوَّلِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْيَمِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ وَبِسَاطٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ بِسَاطٌ أَوْ نِيَّةٌ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ أَشْهَبَ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ عُلَمَائِنَا اخْتِلَافَ حَالٍ لَا اخْتِلَافَ قَوْلٍ ؛ فَأَمَّا الْحُكْمُ بِطَلَاقِهِمَا أَوْ عِتْقِهِمَا مَعًا بِدُخُولِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَبَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ شَرْطًا إجْمَاعًا ، وَأَمَّا [ الْحُكْمُ ] بِالْحِنْثِ بِأَكْلِ بَعْضِ الرَّغِيفَيْنِ ؛ فَلِأَنَّهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُ الْحِنْثِ حِنْثٌ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ الِاجْتِنَابَ الَّذِي عَقَدَهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { هَذِهِ الشَّجَرَةَ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ كَيْفَ أَكَلَ آدَمُ مِنْ الشَّجَرَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهُ أَكَلَهَا سَكْرَانَ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ جِنْسِ الشَّجَرَةِ لَا مِنْ عَيْنِهَا ، كَأَنَّ إبْلِيسَ غَرَّهُ بِالْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ ، وَهِيَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عَصَى اللَّهَ بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَاجْتَنِبُوهُ ؛ فَإِنَّ فِي اتِّبَاعِ الظَّاهِرِ عَلَى وَجْهِهِ هَدْمَ الشَّرِيعَةِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ ، وَخُصُوصًا فِي كِتَابِ النَّوَاهِي عَنْ الدَّوَاهِي .
الثَّالِثِ : أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ .
الرَّابِعِ : أَنَّهُ أَكَلَ مُتَأَوِّلًا ؛ لِرَغْبَةِ الْخُلْدِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْوِيلُ مَا يَعُودُ عَلَى الْمُتَأَوِّلِ بِالْإِسْقَاطِ .
الْخَامِسِ : أَنَّهُ أَكَلَ نَاسِيًا .
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ أَكَلَهَا سَكْرَانَ : فَتَعَلَّقَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ فِي أَنَّ أَفْعَالَ السَّكْرَانِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ وَالْعُقُوبَاتِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِي فِعْلٍ ؛ بَلْ يَلْزَمُهُ حُكْمُ كُلِّ فِعْلٍ ، كَمَا يَلْزَمُ الصَّاحِي ، كَمَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ حُكْمَ الْخِلَافِ فِي الْمَعْصِيَةِ مَعَ السُّكْرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي أَفْعَالِ السَّكْرَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدِهِمَا : أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَغْوٌ .
الثَّالِثِ : أَنَّ الْعُقُودَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَالنِّكَاحِ ، وَأَنَّ الْحِلَّ مُعْتَبَرٌ كَالطَّلَاقِ ، وَلِذَا إذَا أَكَلَ مِنْ جِنْسِهَا فَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ فَأَكَلَ مِنْ جِنْسِهِ حَنِثَ .
وَتَحْقِيقُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا : لَا حِنْثَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : إنْ اقْتَضَى بِسَاطُ الْيَمِينِ تَعْيِينَ الْمُشَارِ إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ جِنْسِهِ ، وَإِنْ اقْتَضَى بِسَاطُ الْيَمِينِ أَوْ سَبَبُهَا أَوْ نِيَّتُهَا الْجِنْسَ حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَحَنِثَ بِأَكْلِ غَيْرِهِ ، وَعَلَيْهِ حُمِلَتْ
قِصَّةُ آدَمَ ؛ فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ شَجَرَةٍ عُيِّنَتْ لَهُ ، وَأُرِيدَ بِهِ جِنْسُهَا ، فَحَمَلَ الْقَوْلَ عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي فَرْعٍ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ هَذِهِ الْحِنْطَةَ فَأَكَلَ خُبْزًا مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَالَ فِي الْكِتَابِ : إنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُؤْكَلُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حِنْطَةً ، وَإِنَّمَا أَكَلَ خُبْزًا ، فَرَاعَى الِاسْمَ وَالصِّفَةَ .
وَلَوْ قَالَ فِي يَمِينِهِ : لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لَحَنِثَ بِأَكْلِ الْخُبْزِ الْمَعْمُولِ مِنْهَا .
وَأَمَّا حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ هَاهُنَا فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ } فَقَرَنَ النَّهْيَ بِالْوَعِيدِ ؛ وَلَا خِلَافَ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ .
وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ لَا تَأْكُلْهَا فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ ، وَيَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخَالِدِينَ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهُ أَكَلَهَا نَاسِيًا فَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ طَه إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
التَّنْقِيحُ : أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ آدَمَ أَكَلَهَا سَكْرَانَ فَفَاسِدٌ نَقْلًا وَعَقْلًا : أَمَّا النَّقْلُ فَلِأَنَّ هَذَا لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا الْكَرْمُ " ، فَكَيْفَ يُنْهَى عَنْهَا وَيُوقِعُهُ الشَّيْطَانُ فِيهَا ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ خَمْرَ الْجَنَّةِ بِأَنَّهَا لَا غَوْلٌ فِيهَا ، فَكَيْفَ تُوصَفُ بِغَيْرِ صِفَتِهَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَنْهَا فِي الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا الْعَقْلُ ؛ فَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهُونَ عَمَّا يُؤَدِّي إلَى الْإِخْلَالِ بِالْفَرَائِضِ وَاقْتِحَامِ الْجَرَائِمِ .
وَأَمَّا سَائِرُ التَّوْجِيهَاتِ فَمُحْتَمَلَةٌ ، وَأَظْهَرُهَا الثَّانِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ آدَم مِنْ الشَّجَرَةِ سُلِخَ عَنْ كِسْوَتِهِ ، وَخُلِعَ مِنْ وِلَايَتِهِ ، وَحُطَّ عَنْ مَرْتَبَتِهِ ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى سَوْأَتِهِ مُنْكَشِفَةً قَطَعَ الْوَرَقَ مِنْ الثِّمَارِ وَسَتَرَهَا ، وَهَذَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ : [ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى بِأَيِّ شَيْءٍ سَتَرَهَا ؟ ] : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : سَتَرَهَا بِعَقْلِهِ حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ مُنْكَشِفًا ، مِنْهُمْ : الْقَدَرِيَّةُ ، وَبِهِ قَالَ أَقْضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَتَرَهَا اسْتِمْرَارًا عَلَى عَادَتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّمَا سَتَرَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَتَرَهَا بِعَقْلِهِ فَإِنَّهُ بَنَاهَا عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ وَيَحْظُرُ وَيُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ، وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ وَهِيَ أَقْضَى الْقُضَاةِ فِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَتَرَهَا مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ سَتَرَهَا عَادَةً .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَتَرَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ ، فَذَلِكَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ وَعَرَّفَهُ الْأَحْكَامَ فِيهَا ، وَأَسْجَلَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مِمَّنْ سَتَرَهَا ؟ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَهْلُهُ الَّذِينَ يَنْكَشِفُ عَلَيْهِمْ وَيَنْكَشِفُونَ عَلَيْهِ .
؟ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ وُجُوبَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامِهَا [ وَمَحَلِّهَا ] ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ آدَم سَتَرَهَا مِنْ زَوْجِهِ بِأَمْرٍ جَازِمٍ فِي شَرْعِهِ ، أَوْ بِأَمْرِ نَدْبٍ ، كَمَا هُوَ عِنْدَنَا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا رَأَى سَتْرَهَا إلَّا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى كَشْفِهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ شَرْعِهِ
أَنَّهُ لَا يَكْشِفُهَا إلَّا لِلْحَاجَةِ .
وَيَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِسَتْرِهَا فِي الْخَلْوَةِ ، { وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَتْرِهَا فِي الْخَلْوَةِ ، وَقَالَ : اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ } .
وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ لَا بِمُجَرَّدِ عَقْلٍ ، إذْ قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ اقْتِضَاءِ الْعَقْلِ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } كَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالرُّكُوعِ أَمْرٌ بِمَعْلُومٍ مُتَحَقِّقٍ سَابِقٍ لِلْفِعْلِ بِالْبَيَانِ ، وَخَصَّ الرُّكُوعَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَثْقَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الِانْحِنَاءُ لُغَةً ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَقَدْ كَانَ الرُّكُوعُ أَثْقَلَ شَيْءٍ عَلَى الْقَوْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَنْ أَسْلَمَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى أَلَّا أَخُرَّ إلَّا قَائِمًا ، فَمَنْ تَأَوَّلَهُ : عَلَى أَلَّا أَرْكَعَ ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ مِنْ قَلْبِهِ اطْمَأَنَّتْ بِذَلِكَ نَفْسُهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِالزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ مِنْ الْأَدْيَانِ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ مِقْدَارَ الْجُزْءِ الَّذِي يَلْزَمُ بَذْلُهُ مِنْ الْمَالِ .
وَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ النَّمَاءِ ، يُقَالُ : زَكَاةُ الزَّرْعِ إذَا نَمَا ، وَمَأْخُوذَةٌ مِنْ الطَّهَارَةِ ، يُقَالُ : زَكَاةُ الرَّجُلِ ، إذَا تَطَهَّرَ عَنْ الدَّنَاءَاتِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : قِيلَ لَهُمْ قُولُوا حِطَّةٌ ، فَقَالُوا : سقماثاه أزه هَذَبًا ، مَعْنَاهُ حَبَّةٌ مَقْلُوَّةٌ فِي شَعْرَةٍ مَرْبُوطَةٍ ، اسْتِخْفَافًا مِنْهُمْ بِالدِّينِ وَمُعَانَدَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَقِّ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ : إنَّ هَذَا الذَّمَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَبْدِيلَ الْأَقْوَالِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ .
وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِيهِ نَظَرٌ ؛ وَسَبِيلُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أَنْ نَقُولَ : إنَّ الْأَقْوَالَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي الشَّرِيعَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ التَّعَبُّدُ بِلَفْظِهَا ، أَوْ يَقَعَ التَّعَبُّدُ بِمَعْنَاهَا ، فَإِنْ كَانَ التَّعَبُّدُ وَقَعَ بِلَفْظِهَا فَلَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا .
وَإِنْ وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِمَعْنَاهَا جَازَ تَبْدِيلُهَا بِمَا يُؤَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَلَا يَجُوزُ تَبْدِيلُهَا بِمَا يَخْرُجُ عَنْهُ ، وَلَكِنْ لَا تَبْدِيلَ إلَّا بِاجْتِهَادٍ .
وَمِنْ الْمُسْتَقِلِّ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَوْفِي لِذَلِكَ الْعَالِمِ بِأَنَّ اللَّفْظَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ الْمَحْمُولُ عَلَيْهِ طِبْقُ الْمَعْنَى .
وَبَنُو إسْرَائِيلَ قِيلَ لَهُمْ قُولُوا : حِطَّةٌ ، أَيْ اللَّهُمَّ اُحْطُطْ عَنَّا ذُنُوبَنَا .
فَقَالُوا اسْتِخْفَافًا : حَبَّةٌ مَقْلُوَّةٌ فِي شَعْرَةٍ [ فَبَدَّلُوهُ بِمَا لَا يُعْطِي مَعْنَاهُ ] .
وَلَوْ بَدَّلُوهُ بِمَا لَا يُعْطَى مَعْنَاهُ جِدًّا لَمْ يَجُزْ ؛ فَهَذَا أَعْظَمُ فِي الْبَاطِلِ وَهُوَ الْمَمْنُوعُ الْمَذْمُومُ مِنْهُمْ .
وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَعْنَى نَقْلُ الْحَدِيثِ بِغَيْرِ لَفْظِهِ إذَا أَدَّى مَعْنَاهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ جَوَازُهُ ؛ قَالَ : لَيْسَ كُلُّ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَنْقُلُهُ بِلَفْظِهِ ؛ حَسْبُكُمْ الْمَعْنَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَأَذْكُرُ لَكُمْ فِيهِ فَصْلًا بَدِيعًا ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عَصْرِ
الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَبْدِيلُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى ، وَإِنْ اسْتَوْفَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ؛ فَإِنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لِكُلِّ أَحَدٍ لَمَا كُنَّا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ ؛ إذْ كُلُّ أَحَدٍ إلَى زَمَانِنَا هَذَا قَدْ بَدَّلَ مَا نَقَلَ ، وَجَعَلَ الْحَرْفَ بَدَلَ الْحَرْفِ فِيمَا رَوَاهُ ؛ فَيَكُونُ خُرُوجًا مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْجُمْلَةِ .
وَالصَّحَابَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ أَمْرَانِ عَظِيمَانِ : أَحَدُهُمَا : الْفَصَاحَةُ وَالْبَلَاغَةُ ؛ إذْ جِبِلَّتُهُمْ عَرَبِيَّةٌ ، وَلُغَتُهُمْ سَلِيقَةٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ شَاهَدُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلَهُ ، فَأَفَادَتْهُمْ الْمُشَاهَدَةُ عَقْلَ الْمَعْنَى جُمْلَةً ، وَاسْتِيفَاءَ الْمَقْصِدِ كُلِّهِ ؛ وَلَيْسَ مَنْ أَخْبَرَ كَمَنْ عَايَنَ .
أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا ، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَذَا ، وَلَا يَذْكُرُونَ لَفْظَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ خَبَرًا صَحِيحًا وَنَقْلًا لَازِمًا ؛ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِيبَ فِيهِ مُنْصِفٌ لِبَيَانِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ } هَذِهِ الْآيَةُ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ ، مُشْكِلَةٌ فِي النَّظَرِ ؛ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأُصُولِ وَمِنْ الْفُرُوعِ بِالْكَلَامِ فِي الدَّمِ ، وَفِي كُلِّ فَصْلٍ إشْكَالٌ ، وَذَلِكَ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ ذَلِكَ : رُوِيَ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَنْ قَتَلَ رَجُلًا غِيلَةً بِسَبَبٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ؛ وَطَرَحَهُ بَيْنَ قَوْمٍ ، وَكَانَ قَرِيبُهُ ، فَادَّعَى بِهِ عَلَيْهِمْ ، تَرَافَعُوا إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ الْقَاتِلُ : قَتَلَ قَرِيبِي هَذَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ، وَقَدْ وَجَدْتُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، فَانْتَفُوا مِنْ ذَلِكَ ، وَسَأَلُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِرَغْبَةٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَبْيِينِ الْحَقِّ لَهُمْ ؛ فَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ تَعَالَى ؛ فَأَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وَأَخْذِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا يُضْرَبُ بِهِ الْمَيِّتُ فَيَحْيَا فَيُخْبِرُهُمْ بِقَاتِلِهِ ؛ فَسَأَلُوا عَنْ أَوْصَافِهَا وَشَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَوْا إلَى صِفَتِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ ، فَطَلَبُوا تِلْكَ الْبَقَرَةَ فَلَمْ يَجِدُوهَا إلَّا عِنْدَ رَجُلٍ بَرٍّ بِأَبَوَيْهِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا ؛ فَطَلَبَ مِنْهُمْ فِيهَا مِسْكَهَا مَمْلُوءًا ذَهَبًا ، فَبَذَلُوهُ فِيهَا ، فَاسْتَغْنَى ذَلِكَ الرَّجُلُ بَعْدَ فَقْرِهِ ، وَذَبَحُوهَا فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا ، فَقَالَ : فُلَانٌ قَتَلَنِي ، لِقَاتِلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ : كَثُرَ اسْتِرْسَالُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ } .
وَمَعْنَى هَذَا [ الْخَبَرِ ] الْحَدِيثُ عَنْهُمْ بِمَا يُخْبِرُونَ [ بِهِ ] عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَقِصَصِهِمْ لَا بِمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْعَدَالَةِ وَالثُّبُوتِ إلَى مُنْتَهَى الْخَبَرِ ، وَمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ قَوْمِهِ ؛ فَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ .
وَإِذَا أَخْبَرُوا عَنْ شَرْعٍ لَمْ يَلْزَمْ قَوْلُهُ ؛ فَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ { عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُمْسِكُ مُصْحَفًا قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قُلْت : جُزْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ ؛ فَغَضِبَ وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَخْبَرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ حُكْمٍ جَرَى فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ يَلْزَمُنَا حُكْمُهُ أَمْ لَا ؟ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا حَتَّى يَثْبُتَ نَسْخُهُ أَمْ لَا ؟ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا وَلِنَبِيِّنَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالشَّرِيعَةِ مَعَنَا ، وَبِهِ قَالَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَقَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ؛ وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ بُكَيْر الْقَاضِي مِنْ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ وَمَنَازِعُهُ فِي كُتُبِهِ ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ .
الثَّانِي : أَنَّ التَّعَبُّدَ وَقَعَ بِشَرْعِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .
الثَّالِثُ : أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِشَرْعِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الرَّابِعُ : أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِشَرْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الْخَامِسُ : أَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِشَرْعِ أَحَدٍ ، وَلَا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِلَّةِ بَشَرٍ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ .
وَمَا مِنْ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ إلَّا وَقَدْ نَزَعَ فِيهِ بِآيَةٍ ، وَتَلَا فِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَرْفًا ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْقَوْلُ بِلُزُومِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا لَنَا مِمَّا أَخْبَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ دُونَ مَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِفَسَادِ الطُّرُقِ إلَيْهِمْ ؛ وَهَذَا هُوَ صَرِيحُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أُصُولِهِ كُلِّهَا ، وَسَتَرَاهَا مَوْرُودَةً بِالتَّبْيِينِ حَيْثُ تَصَفَّحْت الْمَسَائِلَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا أَوْ غَيْرِهِ .
وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا عَنْ قَصَصِ النَّبِيِّينَ ، فَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الِازْدِجَارِ وَذِكْرِ الِاعْتِبَارِ فَفَائِدَتُهُ الْوَعْظُ ،
وَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ الِامْتِثَالُ لَهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } فَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ ، وَبِهَذَا يَقَعُ الرَّدُّ عَلَى ابْنِ الْجُوَيْنِيِّ حَيْثُ قَالَ : إنَّ نَبِيَّنَا لَمْ يُسْمَعْ قَطُّ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا بَاحَثَهُمْ عَنْ حُكْمٍ ، وَلَا اسْتَفْهَمَهُمْ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لِفَسَادِ مَا عِنْدَهُمْ .
أَمَّا الَّذِي نَزَلَ بِهِ عَلَيْهِ الْمَلَكُ فَهُوَ الْحَقُّ الْمُفِيدُ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا ضَرَبَ بَنُو إسْرَائِيلَ الْمَيِّتَ بِتِلْكَ الْقِطْعَةِ مِنْ الْبَقَرَةِ قَالَ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ؛ فَتَعَيَّنَ قَتْلُهُ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْقَسَامَةِ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ بِهَذَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : هَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ الْمَيِّتِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ مَقْبُولٌ وَيُقْسِمُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَانَ هَذَا آيَةً وَمُعْجِزَةً عَلَى يَدِي مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ قُلْنَا : الْآيَةُ وَالْمُعْجِزَةُ إنَّمَا كَانَتْ فِي إحْيَاءِ الْمَيِّتِ ، فَلَمَّا صَارَ حَيًّا كَانَ كَلَامُهُ كَسَائِرِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ كُلِّهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ، وَهَذَا فَنٌّ دَقِيقٌ مِنْ الْعِلْمِ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ إلَّا مَالِكٌ .
وَلَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُقْسِطِ فِي ذِكْرِ الْمُعْجِزَاتِ وَشُرُوطِهَا ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّمَا قَتَلَهُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآيَةِ .
قُلْنَا : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ وَجَبَ صِدْقُهُ ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِالْقَسَامَةِ مَعَهُ ، أَوْ صَدَّقَهُ جِبْرِيلُ فَقَتَلَهُ مُوسَى بِعِلْمِهِ ، كَمَا قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْد ، بِالْمُجَذِّرِ بْنِ زِيَادٍ بِإِخْبَارِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ بِذَلِكَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كُبْرَى قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا .
وَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَفِي الْمُوَطَّإِ ، وَغَيْرِهِ ، { حَدِيثَ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ قَالَ فِيهِ : فَتَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } .
وَفِي مُسْلِمٍ : { يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَتَلَ
رَجُلًا بِالْقَسَامَةِ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : نُسْخَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، قَالُوا : كَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدَّمِ ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دِرْهَمٍ .
وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ الدِّيَةُ ، وَقَدْ أَحْكَمْنَا الْجَوَابَ وَالِاسْتِدْلَالَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَنُشِيرُ إلَيْهِ الْآنَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الَّتِي تَمْضِي وَتَرِدُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهَا ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهَا ، وَقَدْ تَلَوْنَا أَحَادِيثَهَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا يُقْبَلُ فِي دِرْهَمٍ قَدْ قُلْتُمْ : إنَّ قَتِيلَ الْمَحَلَّةِ يُقْسَمُ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ قَوْلٌ لِأَحَدٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَالَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ وَيَجْعَلَهُ عِنْدَ دَارِ آخَرَ ؛ بَلْ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، وَبَاقِي النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ مُسْتَطَرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى حَصْرِ الْحَيَوَانِ [ فِي الْمُعَيَّنِ ] بِالصِّفَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ : لَا يُحْصَرُ الْحَيَوَانُ بِصِفَةٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِحِلْيَةٍ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ : اذْبَحُوا بَقَرَةً بَادَرُوا إلَى أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَامْتَثَلُوا مَا طُلِبَ ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَ وَيُوصَفُ لَهُمْ حَتَّى تَعَيَّنَتْ .
وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ ، وَدَلِيلٌ مَلِيحٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَصَصِ هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا : الْجَرَادَةُ ، تَكْرُمُ عَلَيْهِ وَيَهْوَاهَا ، فَاخْتَصَمَ أَهْلُهَا مَعَ قَوْمٍ فَكَانَ صَغْوُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِأَهْلِ الْجَرَادَةِ ، فَعُوقِبَ ، وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ أَوْ يَخْلُو بِإِحْدَى نِسَائِهِ أَعْطَاهَا خَاتَمَهُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى صُورَتَهُ عَلَى شَيْطَانٍ ، فَجَاءَهَا فَأَخَذَ الْخَاتَمَ فَلَبِسَهُ ، وَدَانَتْ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لَهُ ، وَجَاءَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُهُ ، فَقَالَتْ : أَلَمْ تَأْخُذْهُ ؟ فَعَلِمَ أَنَّهُ اُبْتُلِيَ ، وَعَلِمَتْ الشَّيَاطِينُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ لَهَا ؛ فَاغْتَنَمَتْ الْفُرْصَةَ فَوَضَعَتْ أَوْضَاعًا مِنْ السِّحْرِ وَالْكُفْرِ وَفُنُونًا مِنْ النَّيْرَجَاتِ وَسَطَّرُوهَا فِي مَهَارِقَ ، وَقَالُوا : هَذَا مَا كَتَبَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا كَاتِبُ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ ، فَدَفَنُوهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ : وَعَادَ سُلَيْمَانُ إلَى حَالِهِ ، وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، فَقَالَتْ الشَّيَاطِينُ لِلنَّاسِ : إنَّمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يَمْلِكُكُمْ بِأُمُورٍ أَكْثَرُهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، فِيهَا عُلُومٌ غَرِيبَةٌ ؛ فَدُونَكُمْ فَاحْتَفِرُوا عَلَيْهَا ، فَفَعَلُوا وَاسْتَثَارُوهَا ، فَنَفَذَ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ فَصَارَ فِي أَيْدِيهِمْ ،
وَتَنَاقَلَتْهُ الْكَفَرَةُ وَالْفَلَاسِفَةُ عَنْهُمْ حَتَّى وَصَلَ ذَلِكَ إلَى يَهُودِ الْحِجَازِ ، فَكَانُوا يَعْمَلُونَهُ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيُصَرِّفُونَهُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ ؛ وَكَانُوا بَيْنَ جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ وَأُمَّةٍ عَمْيَاءَ ؛ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَنَوَّرَ الْقُلُوبَ ، وَكَشَفَ قِنَاعَ الْأَلْبَابِ ، لَجَأَتْ الْيَهُودُ إلَى أَنْ تُعَلِّقَ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَزْعُمُ أَنَّهُ مِمَّا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى سُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ذَلِكَ قَدْ حَمَلَ قَوْمًا قَبْلَ الْبَعْثِ عَلَى أَنْ يَتَبَرَّءُوا مِنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا آنِفًا مِمَّا فِيهِ الْحَرَجُ فِي ذِكْرِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْهُمْ فِي حَدِيثٍ يَعُودُ إلَيْهِمْ ، وَمَا كُنَّا لِنَذْكُرَ هَذَا لَوْلَا أَنَّ الدَّوَاوِينَ قَدْ شُحِنَتْ بِهِ .
أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ صَغُوهُ صِحَّةَ الْحُكْمِ لِقَوْمِ الْجَرَادَةِ ، فَبَاطِلٌ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ إجْمَاعًا فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ بِاتِّفَاقٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ بِأَنَّ شَيْطَانًا تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ ، فَأَخَذَ الْخَاتَمَ ، فَبَاطِلٌ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَتَصَوَّرُ عَلَى صُوَرِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي " كِتَابِ النَّبِيِّ " .
وَأَمَّا دَفْنُهَا تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُمْكِنُ أَلَّا يَعْلَمَ بِذَلِكَ وَتَبْقَى حَتَّى يُفْتَتَنَ بِهَا الْخَلْقُ بَعْدَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَهَا وَدَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِحْرًا ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا سِحْرٌ
فَحَقُّهَا أَنْ تُحْرَقَ أَوْ تُغْرَقَ ، وَلَا تَبْقَى عُرْضَةً لِلنَّقْلِ وَالْعَمَلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا } : قِيلَ : يَهُودُ زَمَانِ سُلَيْمَانَ ، وَقِيلَ يَهُودُ زَمَانِنَا ، وَاللَّفْظُ فِيهِمْ عَامٌّ ، وَلِجَمِيعِهِمْ مُحْتَمِلٌ ، وَقَدْ كَانَ الْكُلُّ مِنْهُمْ مُتَّبِعًا لِهَذَا الْبَاطِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَرْفِ " مَا " : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ نَفْيٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ مَفْعُولٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّهُ نَفْيٌ ، لَا فِي نِظَامِ الْكَلَامِ ، وَلَا فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى ، وَلَا يَتَعَلَّقُ مِنْ كَوْنِهِ مَفْعُولًا سِيَاقُ الْكَلَامِ بِمُحَالٍ عَقْلًا ، وَلَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا .
وَتَقْرِيرُهُ : وَاتَّبَعَ الْيَهُودُ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِينُ مِنْ السِّحْرِ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ، أَيْ نَسَبَتْهُ إلَيْهِ وَأَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا أَرْسَلَنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أَيْ إذَا تَلَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي تِلَاوَتِهِ مَا لَمْ يُلْقِهِ النَّبِيُّ ، يُحَاكِيهِ وَيُلَبِّسُ عَلَى السَّامِعِينَ بِهِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .
وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ قَطُّ وَلَا سَحَرَ ، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا بِسِحْرِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ يُعَلِّمُونَهُ النَّاسَ ؛ وَمُعْتَقِدُ الْكُفْرِ كَافِرٌ ، وَقَائِلُهُ كَافِرٌ ، وَمُعَلِّمُهُ كَافِرٌ ، وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ، وَمَا كَانَ الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ }
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : كَيْفَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَاطِلَ وَالْكُفْرَ ؟ قُلْنَا : كُلُّ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ أَوْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَوْ إيمَانٍ أَوْ كُفْرٍ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { مَاذَا فُتِحَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْخَزَائِنِ ؟ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ ، رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَّةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ نُزُولِ الْفِتَنِ عَلَى الْخَلْقِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قِيلَ : وَكَيْفَ نَزَّلَ الْكُفْرَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ، وَيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، فَأَنَّى يَصِحُّ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكُفْرِ وَيُعَلِّمُوهُ ؟ قُلْنَا : هَذَا الَّذِي أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ حَتَّى رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَ الْمَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بِبَابِلَ عِلْجَانِ ، وَقَدْ بَلَغَ التَّغَافُلُ أَوْ الْغَفْلَةُ بِبَعْضِهِمْ حَتَّى قَالَ : إنَّمَا هُمَا دَاوُد وَسُلَيْمَانُ ، وَتَأَوَّلَ الْآيَةَ : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } أَيْ فِي أَيَّامِهِمَا .
وقَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } يَعْنِي : الشَّيَاطِينَ .
وَقَدْ رَوَى الْمُفَسِّرُونَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ : أَطَلَعَتْ الْحَمْرَاءُ ؟ قُلْت : طَلَعَتْ .
قَالَ : لَا مَرْحَبًا بِهَا وَلَا أَهْلًا ، وَأَرَاهُ لَعَنَهَا .
قُلْت : سُبْحَانَ اللَّهِ ، نَجْمٌ مُسَخَّرٌ مُطِيعٌ تَلْعَنُهُ ؟ قَالَ : مَا قُلْت لَك إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَلَائِكَةَ عَجَّتْ مِنْ مَعَاصِي بَنِي آدَمَ فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ صَبْرُك عَلَى بَنِي آدَمَ فِي الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ ؟ فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مَكَانَهُمْ ، وَيَحُلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ قُلُوبِهِمْ مَحَلَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ لَعَمِلُوا بِعَمَلِهِمْ ، وَقَدْ أَعْطَيْت بَنِي آدَمَ عَشْرًا مِنْ الشَّهَوَاتِ فَبِهَا يَعْصُونَنِي .
قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : رَبَّنَا لَوْ أَعْطَيْتَنَا تِلْكَ الشَّهَوَاتِ ، وَابْتَلَيْتَنَا ، لَحَكَمْنَا بِالْعَدْلِ ، وَمَا عَصَيْنَاك .
فَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْهُمْ مَلَكَيْنِ مِنْ أَفْضَلِهِمْ ، فَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ هَارُوتُ وَمَارُوتُ وَقَالَا : نَحْنُ نَنْزِلُ ؛ وَأَعْطِنَا الشَّهَوَاتِ ، وَكَلِّفْنَا الْحُكْمَ بِالْعَدْلِ .
فَنَزَلَا بِبَابِلَ ، فَكَانَا يَحْكُمَانِ حَتَّى إذَا أَمْسَيَا عَرَجَا إلَى مَكَانِهِمَا ، فَفُتِنَا بِامْرَأَةٍ حَاكَمَتْ زَوْجَهَا
اسْمُهَا بِالْعَرَبِيَّةِ الزَّهْرَةُ وَبِالنَّبَطِيَّةِ بيرخت وَبِالْفَارِسِيَّةِ أقاهيد فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : إنَّهَا لَتُعْجِبُنِي .
قَالَ لَهُ الْآخَرُ : لَقَدْ أَرَدْت أَنْ أَقُولَ لَك ذَلِكَ ، فَهَلْ لَك فِي أَنْ تَعْرِضَ لَهَا ؟ قَالَ لَهُ الْآخَرُ : كَيْفَ بِعَذَابِ اللَّهِ .
قَالَ : إنَّا لَنَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ .
فَطَلَبَاهَا فِي نَفْسِهَا قَالَتْ : لَا حَتَّى تَقْضِيَا لِي عَلَى زَوْجِي ؛ فَقَضَيَا لَهَا وَقَصَدَاهَا وَأَرَادَا مُوَاقَعَتَهَا ، فَقَالَتْ لَهُمَا : لَا أُجِيبُكُمَا لِذَلِكَ حَتَّى تُعَلِّمَانِي كَلَامًا أَصْعَدُ بِهِ إلَى السَّمَاءِ ، وَأَنْزِلُ بِهِ مِنْهَا ؛ فَأَخْبَرَاهَا ، فَتَكَلَّمَتْ فَصَعِدَتْ إلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَوْكَبًا ، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا ، لَمْ يُطِيقَا فَأَيْقَنَا بِالْهَلَكَةِ ؛ فَخُيِّرَا بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا ، فَعُلِّقَا بِبَابِلَ فَجَعَلَا يُكَلِّمَانِ النَّاسَ كَلَامَهُمَا ، وَهُوَ السِّحْرُ .
وَيُقَالُ : كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ، فَلَمَّا وَقَعَا فِي الْخَطِيئَةِ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْضِ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَإِنَّمَا سُقْنَا هَذَا الْخَبَرَ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ رَوَوْهُ وَدَوَّنُوهُ فَخَشِينَا أَنْ يَقَعَ لِمَنْ يَضِلُّ بِهِ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ ، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ كُلُّهُ فِي الْعَقْلِ لَوْ صَحَّ فِي النَّقْلِ ، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ تَقَعَ الْمَعْصِيَةُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَيُوجَدَ مِنْهُمْ خِلَافُ مَا كُلِّفُوهُ ، وَتُخْلَقَ فِيهِمْ الشَّهَوَاتُ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُنْكِرُهُ إلَّا رَجُلَانِ : أَحَدُهُمَا : جَاهِلٌ لَا يَدْرِي الْجَائِزَ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ ، وَالثَّانِي : مَنْ شَمَّ وَرْدَ الْفَلَاسِفَةِ ، فَرَآهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيُّونَ ، وَإِنَّهُمْ لَا تَرْكِيبَ فِيهِمْ ، وَإِنَّمَا هُمْ بَسَائِطُ ، وَشَهَوَاتُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْجِمَاعِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ فِي الْقَوْلَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَكَيْفِيَّتِهِمْ بِمَا لَمْ يُعَايِنُوهُ ، وَلَا نُقِلَ إلَيْهِمْ ، وَلَا دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ أَحَالُوا عَلَى الْبَسِيطِ أَنْ يَتَرَكَّبَ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا جَائِزٌ ؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ أَنْ يَأْكُلَ الْبَسِيطُ وَيَشْرَبُ وَيَطَأُ ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ الْمُرَكَّبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
وَهَذَا الَّذِي اطَّرَدَ فِي الْبَسِيطِ مِنْ عَدَمِ الْغِذَاءِ ، وَفِي الْمُرَكَّبِ مِنْ وُجُودِ الْغِذَاءِ عَادَةً إلَّا أَنَّهُ غَايَةُ الْقُدْرَةِ ، وَقَدْ مَكَّنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَمَهَّدْنَاهُ فِي الْأُصُولِ ، وَخَبَرُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ، صِدْقٌ لَا خِلَافَ فِيهِ ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حَالِهِمْ ، وَهِيَ مَا يَجُوزُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فَيَكُونُ الْخَبَرُ عَنْهَا بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَكُلُّ حَقٍّ صِدْقٌ لَا خِلَافَ فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُ خَبَرٌ عَامٌّ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ التَّخْصِيصُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ أَيْضًا .
وَقَدْ رَوَى سُنَيْدٌ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ دُخِلَ إلَيْهِمَا فِي مَغَارِهِمَا وَكُلِّمَا ، وَتُعُلِّمَ مِنْهُمَا فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ ، وَلَيْسَ التَّعَلُّمُ مِنْهُمَا إلَّا سَمَاعَ كَلَامِهِمَا ، وَهُمَا إذَا تَكَلَّمَا إنَّمَا يَقُولَانِ : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ أَيْ لَا تَجْعَلْ مَا تَسْمَعُ مِنَّا سَبَبًا لِلْكُفْرِ ، كَمَا جَعَلَ السَّامِرِيُّ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ سَبَبًا لِاِتِّخَاذِ الْعِجْلِ إلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ .
وَفِي هَذَا مِنْ الْعِبْرَةِ : الْخَشْيَةُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَالْخَاتِمَةِ ، وَعَدَمُ الثِّقَةِ بِظَاهِرِ الْحَالَةِ ، وَالْخَوْفُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهَذَا بَلْعَامُ فِي الْآدَمِيِّينَ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ فِي الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ ، فَأَنْزِلُوا كُلَّ فَنٍّ فِي مَرْتَبَتِهِ ، وَتَحَقَّقُوا مِقْدَارَهُ فِي دَرَجَتِهِ حَسْبَمَا رَوَيْنَاهُ ، وَلَا تَذْهَلُوا عَنْ بَعْضٍ فَتَجْهَلُوا جَمِيعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } وَقَدْ أَوْرَدْنَا فِي كِتَابِ " الْمُشْكَلَيْنِ " الْقَوْلَ فِي السِّحْرِ وَحَقِيقَتِهِ وَمُنْتَهَى الْعَمَلِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَشْفِي الْغَلِيلَ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مِنْ أَقْسَامِهِ فِعْلَ مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمِنْهُ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَيُسَمَّى التُّوَلَةُ ، وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ ، كُفْرٌ قَالَهُ مَالِكٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السِّحْرُ مَعْصِيَةٌ إنْ قَتَلَ بِهَا السَّاحِرُ قُتِلَ ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهَا أُدِّبَ عَلَى قَدْرِ الضَّرَرِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ السِّحْرَ ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتُنْسَبُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُ كُفْرٌ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } مِنْ السِّحْرِ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ بِقَوْلِ السِّحْرِ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا بِهِ وَبِتَعْلِيمِهِ ، وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ يَقُولَانِ : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْبَيَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ } يَعْنِي : بِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ لَا بِأَمْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ، وَيَقْضِي عَلَى الْخَلْقِ بِهَا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ } هُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ نَفْعٌ لِمَا يَتَعَجَّلُونَ بِهِ مِنْ بُلُوغِ الْغَرَضِ ، وَحَقِيقَتُهُ مُضِرَّةٌ ، لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ سُوءِ الْعَاقِبَةِ ؛ وَحَقِيقَةُ الضَّرَرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كُلُّ أَلَمٍ لَا نَفْعَ يُوَازِيهِ ، وَحَقِيقَةُ النَّفْعِ كُلُّ لَذَّةٍ لَا يَتَعَقَّبُهَا عِقَابٌ ، وَلَا تَلْحَقُ فِيهِ
نَدَامَةٌ .
وَالضَّرَرُ وَعَدَمُ الْمَنْفَعَةِ فِي السِّحْرِ مُتَحَقِّقٌ
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } كَانَتْ الْيَهُودُ تَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقُولُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، رَاعِنَا ، تُوهِمُ أَنَّهَا تُرِيدُ الدُّعَاءَ ، مِنْ الْمُرَاعَاةِ ، وَهِيَ تَقْصِدُ بِهِ فَاعِلًا مِنْ الرُّعُونَةِ .
وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : رَاعِنَا ، مِنْ الرَّعْيِ ، فَسَمِعَتْهُمْ الْيَهُودُ ، فَقَالُوا : يَا رَاعِنَا كَمَا تَقَدَّمَ ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ ، لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِمْ الْيَهُودُ فِي اللَّفْظِ وَيَقْصِدُوا الْمَعْنَى الْفَاسِدَ مِنْهُ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَجَنُّبِ الْأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ الَّتِي فِيهَا التَّعَرُّضُ لِلتَّنْقِيصِ وَالْغَضِّ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ فَهْمُ التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : بِأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِلْحَدِّ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَا : إنَّهُ قَوْلٌ مُحْتَمِلٌ لِلْقَذْفِ وَغَيْرِهِ ، وَالْحَدُّ مِمَّا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْحَدُّ كَالتَّصْرِيحِ .
وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَبْلَغَ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ عِنَادٌ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيمَنْ نَزَلَتْ ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ بُخْتُ نَصَّرَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ مَانِعُو بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ النَّصَارَى اتَّخَذُوهُ كِظَامَةً .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ كُلُّ مَسْجِدٍ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ؛ فَتَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْمَسَاجِدِ أَوْ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ مُحَالٌ ، فَإِنْ كَانَ فَأَمْثَلُهَا الثَّالِثَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَائِدَةُ الْآيَةِ : فَائِدَةُ هَذِهِ الْآيَةِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمَهَا أَجْرًا كَانَ مَنْعُهَا أَعْظَمَ إثْمًا ، وَإِخْرَابُ الْمَسَاجِدِ تَعْطِيلٌ لَهَا وَقَطْعٌ بِالْمُسْلِمِينَ فِي إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ وَتَأْلِيفِ كَلِمَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { مَسَاجِدَ اللَّهِ } يَقْتَضِي أَنَّهَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَذَلِكَ حُكْمُهَا بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ؛ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ إذَا عُيِّنَتْ لِلصَّلَاةِ خَرَجَتْ عَنْ جُمْلَةِ الْأَمْلَاكِ الْمُخْتَصَّةِ بِرَبِّهَا ، فَصَارَتْ عَامَّةً لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْفَعَتِهَا وَمَسْجِدِيَّتِهَا ، فَلَوْ بَنَى الرَّجُلُ فِي دَارِهٍ مَسْجِدًا وَحَجَزَهُ عَنْ النَّاسِ ، وَاخْتَصَّ بِهِ لِنَفْسِهِ لَبَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْمَسْجِدِيَّةِ ، وَلَوْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ لَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الْعَامَّةِ ، وَخَرَجَ عَنْ اخْتِصَاصِ الْأَمْلَاكِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ } يَعْنِي إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَحَصَلَتْ تَحْتَ سُلْطَانِهِمْ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْكَافِرُ حِينَئِذٍ مِنْ دُخُولِهَا يَعْنِي إنْ دَخَلُوهَا فَعَلَى خَوْفٍ مِنْ إخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مِنْهَا وَأَذِيَّتِهِمْ عَلَى دُخُولِهَا ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِحَالٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ عَادَ فَصَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ ؛ فَاعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ الْيَهُودُ ، فَأَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَرَامَةً وَعَلَيْهِمْ حُجَّةً قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَخْيِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِيُصَلُّوا حَيْثُ شَاءُوا مِنْ النَّوَاحِي ، قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، يَتَوَجَّهُ الْمُصَلِّي فِي السَّفَرِ إلَى حَيْثُ شَاءَ فِيهَا رَاكِبًا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ قَالَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ ، آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَلِّ إلَى قِبْلَتِنَا قَالَهُ قَتَادَةُ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ .
السَّابِعُ : أَنَّ مَعْنَاهَا أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ مِنْ مَشْرِقٍ أَوْ مَغْرِبٍ فَلَكُمْ قِبْلَةٌ وَاحِدَةٌ تَسْتَقْبِلُونَهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَقْوَالُ السَّبْعَةُ لِقَائِلِيهَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ جَمِيعَهَا .
فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ }
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، فَسَنَدٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي النَّظَرِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ } ، وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَقَدْ أُسْنِدَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُونَ قَدْ رَوَوْهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : تُجْزِئُهُ ، بَيْدَ أَنَّ مَالِكًا رَأَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا .
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ، فَلَا يَنْتَصِبُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا ، كَالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَالْوَقْتِ .
وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ تُبِيحُ الضَّرُورَةُ تَرْكَهَا فِي الْمُسَايَفَةِ ، وَتُبِيحُهَا أَيْضًا الرُّخْصَةُ حَالَةَ السَّفَرِ ، فَكَانَتْ حَالَةَ عُذْرٍ أَشْبَهَ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّاهِرَ لَا يُبِيحُ تَرْكَهُ إلَى الْمَاءِ النَّجِسِ ضَرُورَةٌ فَلَا يُبِيحُهُ خَطَأٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } أَيْ : ذَلِكَ لَهُ مِلْكٌ وَخَلْقٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ وَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ تَشْرِيفًا وَتَخْصِيصًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قِيلَ : مَعْنَاهُ فَثَمَّ اللَّهُ ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ عَنْهُ تَعَالَى ، لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَان بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ ، وَيَكُونُ الْوَجْهُ اسْمًا لِلتَّوَجُّهِ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عِبَادَةً ، وَفَرَضَ فِيهَا الْخُشُوعَ اسْتِكْمَالًا لِلْعِبَادَةِ ، وَأَلْزَمَ الْجَوَارِحَ السُّكُونَ ، وَاللِّسَانَ الصَّمْتَ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَصْبَ الْبَدَنِ إلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَنْفَى لِلْحَرَكَاتِ ، وَأَقْعَدَ لِلْخَوَاطِرِ ، وَعُيِّنَتْ لَهُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ تَشْرِيفًا لَهُ .
وَقِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قِبَلَ وَجْهِك ، مَعْنَاهُ أَنَّك قَصَدْت التَّوَجُّهَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ عُيِّنَ لَك هَذَا الصَّوْبُ ، فَهُنَالِكَ تَجِدُ ثَوَابَك ، وَتَحْمَدُ إيَابَك .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَنْزِيلِ الْآيَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ : لَا يَخْفَى أَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ جَوَازَ التَّوَجُّهِ إلَى جِهَتَيْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ بِكُلِّ حَالٍ ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ جَوَازَ التَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي وَقْتٍ ، وَإِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فِي الْفَرْضِ وَالْحَضَرِ فِيهَا أَيْضًا ، وَبَقِيَتْ عَلَى النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } الْآيَةُ فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ابْتَلَى مَعْنَاهُ اخْتَبَرَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَاهُ أَمَرَ لِيَعْلَمَ مِنْ الِامْتِثَالِ أَوْ التَّقْصِيرِ مُشَاهَدَةً مَا عَلِمَ غَيْبًا ، وَهُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، تَخْتَلِفُ الْأَحْوَالُ عَلَى الْمَعْلُومَاتِ ، وَعِلْمُهُ لَا يَخْتَلِفُ ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ تَعَلُّقًا وَاحِدًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِكَلِمَاتٍ } هِيَ : جَمْعُ كَلِمَةٍ ، وَيَرْجِعُ تَحْقِيقُهَا إلَى كَلَامِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ ، لَكِنَّهُ تَعَالَى عَبَّرَ بِهَا عَنْ الْوَظَائِفِ الَّتِي كَلَّفَهَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَمَّا كَانَ تَكْلِيفُهَا بِالْكَلَامِ سُمِّيَتْ بِهِ ، كَمَا يُسَمَّى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلِمَةً ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ الْكَلِمَةِ ، وَهِيَ : كُنْ ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمُقَدِّمَتِهِ أَحَدُ قِسْمِي الْمَجَازِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : مَا تِلْكَ الْكَلِمَاتُ ؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، لُبَابُهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ ، فَأَكْمَلَهَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَمَا قَامَ أَحَدٌ بِوَظَائِفِ الدِّينِ مِثْلُهُ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَبْلَهُ ؛ فَقَدْ قَامَ بِهَا بَعْدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، وَخُصُوصًا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْفِطْرَةُ الَّتِي أَوْعَزَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا إلَيْهِ ، وَرَتَّبَهَا عَلَيْهِ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ
وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ } .
وَرَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : { الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ } ، وَزَادَ : { الْخِتَانُ } ، وَذَكَرَ { الِانْتِضَاحُ } بَدَلَ { انْتِقَاصُ الْمَاءِ } .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ هُنَا : { مِنْ الْفِطْرَةِ } يَعْنِي مِنْ السُّنَّةِ ، وَأَنَا أَقُولُ : إنَّهَا مِنْ الْمِلَّةِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ اُبْتُلِيَ بِهَا فَرْضًا ، وَهِيَ لَنَا سُنَّةٌ ، وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اُبْتُلِيَ بِهَا تَكْلِيفًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِنْ الْفَرْضِ أَوْ النَّدْبِ فِي جَمِيعِهَا أَوْ انْقِسَامِ الْحَالِ فِيهَا .
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْمِلَّةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَرَاتِبِهَا ؛ فَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ فَمُخَالَفَةٌ لِلْأَعَاجِمِ فَإِنَّهُمْ يَقُصُّونَ لِحَاهُمْ ، وَيُوَفِّرُونَ شَوَارِبَهُمْ ، أَوْ يُوَفِّرُونَهُمَا مَعًا ، وَذَلِكَ عَكْسُ الْجَمَالِ وَالنَّظَافَةِ .
وَأَمَّا السِّوَاكُ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَلِتَنْظِيفِ الْفَمِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْقَلَحِ .
وَأَمَّا قَصُّ الْأَظْفَارِ فَلِتَنْزِيهِ الطَّعَامِ عَمَّا يَلْتَئِمُ مِنْ الْوَسَخِ فِيهَا وَالْأَقْذَارِ .
وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَلِمَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْأَوْسَاخِ فِي غُضُونِهَا .
وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ تَنْظِيفًا عَمَّا يَتَلَبَّدُ مِنْ الْوَسَخِ فِيهِمَا عَلَى شَعْرِهِمَا وَمِمَّا يَجْتَمِعُ مِنْ الرَّمَصِ فِيهِمَا ، وَالِاسْتِنْجَاءُ لِتَنْظِيفِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَتَطْبِيبِهِ عَنْ الْأَذَى وَالْأَدْوَاءِ .
وَأَمَّا الْخِتَانُ فَلِنَظَافَةِ الْقُلْفَةِ عَمَّا يَجْتَمِعُ مِنْ أَذَى الْبَوْلِ فِيهَا ، وَلَمْ يَخْتَتِنْ أَحَدٌ قَبْلَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ اخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً } .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ لِمَا قُرِنَ بِهِ مِنْ إخْوَتِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ،
وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ فَرْضٌ ؛ لِأَنَّهُ تُكْشَفُ لَهُ الْعَوْرَةُ وَلَا يُبَاحُ الْحَرَامُ إلَّا لِلْوَاجِبِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلَمَّا أَتَمَّ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ الْوَظَائِفَ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } .
سَمِعْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : وَإِبْرَاهِيمُ الَّذِي وَفَّى بِمَالِهِ لِلضِّيفَانِ ، وَبِبَدَنِهِ لِلنِّيرَانِ ، وَبِقَلْبِهِ لِلرَّحْمَنِ .
الْآيَةُ الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } هَذَا تَنْبِيهٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى فَضْلِهِ ، وَتَعْدِيدٌ لِنِعَمِهِ الَّتِي مِنْهَا جَعَلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْعَرَبِ عُمُومًا وَلِقُرَيْشٍ خُصُوصًا مَثَابَةً لِلنَّاسِ أَيْ مَعَادًا فِي كُلِّ عَامٍ لَا يَخْلُو مِنْهُمْ ، يُقَالُ : ثَابَ إلَى كَذَا أَيْ : رَجَعَ وَعَادَ إلَيْهِ ، فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ كُلُّ مَنْ جَاءَهُ عَادَ إلَيْهِ .
قُلْنَا : لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْجُمْلَةِ ، وَلَمْ يَعْدَمْ قَاصِدًا مِنْ النَّاسِ ؛ وَكَذَلِكَ جَعَلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْنًا يَلْقَى الرَّجُلُ فِيهِ قَاتِلَ وَلِيِّهِ فَلَا يُرَوِّعُهُ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } وَكَذَلِكَ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } وَهَذَا لِمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ رَكَّبَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْبُقْعَةِ وَتَفْضِيلِ الْمَوْضِعِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَرْضِ الْمُشَابِهَةِ لَهُ فِي الصِّفَةِ ، بِهَذِهِ الْخِصِّيصَى الْمُعَظَّمَةِ .
وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الْكَلْبَ الْخَارِجَ مِنْ الْحَرَمِ لَا يُرَوِّعُ الصَّيْدَ بِهَا ، وَهَذَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا ؛ وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ وَرَدَ بِالْبَيْتِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَرَمُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ كَانَتْ وَعَلَيْهِ دَامَتْ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْأَمْنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ أَمْنٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ مُعَظِّمًا لَهُ وَقَصَدَهُ مُحْتَسِبًا فِيهِ لِمَنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ .
وَيَعْضُدُهُ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .
الثَّانِي : مَعْنَاهُ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا مِنْ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ ، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ
فِيمَنْ أَنَابَ إلَيْهِ مِنْ تَرْكِهَا لِحَقٍّ يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَمْنٌ مِنْ حَدٍّ يُقَامُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْكَافِرُ ، وَلَا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنْ الْقَاتِلِ ، وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُحْصَنِ وَالسَّارِقِ ؛ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَيَأْتِي عَلَيْهِ الْكَلَامُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ أَمْنٌ مِنْ الْقِتَالِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ أَوْ الْقَتْلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
وَالصَّحِيحُ فِيهِ الْقَوْلُ الثَّانِي ، وَهَذَا إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مِنَّتِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، حَيْثُ قَرَّرَ فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ تَعْظِيمَ هَذَا الْبَيْتِ ، وَتَأْمِينَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ ؛ إجَابَةً لِدَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ بِهِ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ ، فَتَوَقَّعَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِطَالَةَ ، فَدَعَا أَنْ يَكُونَ أَمْنًا لَهُمْ فَاسْتُجِيبَ دُعَاؤُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ : إنَّهُ أَمْنٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ بِجَعْلِهِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا عَلَى حُجَّتِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَالْأَمْنُ فِي الْآخِرَةِ لَا تُقَامُ بِهِ حُجَّةٌ .
وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْحَدِّ فِيهِ فَقَوْلٌ سَاقِطٌ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ ، وَبِهِ اعْتَصَمَ الْحَرَمُ ، لَا يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ؛ وَأَمْرٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَحْرَى أَلَا يَقْتَضِيهِ الْفَرْعُ .
وَأَمَّا الْأَمْنُ عَنْ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ [ فَقَوْلٌ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ ] بَعْدَ ذَلِكَ وَيَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّحْلِيلِ لِلْقِتَالِ ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَحْلِيلٌ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَا يَكُونُ لِعَدَمِ النُّبُوَّةِ إلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ امْتِنَاعِ تَحْلِيلِ الْقِتَالِ شَرْعًا لَا عَنْ مَنْعِ وُجُودِهِ حِسًّا .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَحْقِيقِ الْمَقَامِ : هُوَ مَفْعَلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، مِنْ قَامَ ، كَمَضْرَبٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْضًا ، مِنْ ضَرَبَ ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ ؛ وَالتَّقْدِيرُ : " وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَنَاسِكِ إبْرَاهِيمَ فِي الْحَجِّ عِبَادَةً وَقُدْوَةً " .
وَالْأَكْثَرُ حَمَلَهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي بَعْضِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ : فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي جَعَلَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ رِجْلَهُ حِينَ غَسَلَتْ زَوْجُ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَأْسَهُ .
وَقَدْ رَأَيْت بِمَكَّةَ صُنْدُوقًا فِيهِ حَجَرٌ ، عَلَيْهِ أَثَرُ قَدَمٍ قَدْ انْمَحَى وَاخْلَوْلَقَ ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ : هَذَا أَثَرُ قَدَمِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ الْكَعْبَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي دَعَا إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ رَبَّهُ تَعَالَى حِينَ اسْتَوْدَعَ ذُرِّيَّتَهُ .
فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ قَالَ : مَعْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَا مُصَلًّى : مَدْعَى أَيْ مَوْضِعًا لِلدُّعَاءِ .
وَمَنْ خَصَّصَهُ قَالَ : مَعْنَاهُ مَوْضِعًا لِلصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ ثَبَتَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ { أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ لَوْ اتَّخَذْت مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ : وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } .
الْحَدِيثَ ، { فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوَافَهُ مَشَى إلَى الْمَقَامِ الْمَعْرُوفِ الْيَوْمَ ، وَقَرَأَ : { وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ } ، وَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ هُوَ الْمَقَامُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بَيَّنَ الصَّلَاةَ وَأَنَّهَا الْمُتَضَمِّنَةُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا مُطْلَقِ الدُّعَاءِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَرَّفَ وَقْتَ
الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَهُوَ عَقِبَ الطَّوَافِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ مَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ أَوْضَحَ أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَاجِبَتَانِ ، فَمَنْ تَرَكَهُمَا فَعَلَيْهِ دَمٌ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْيَهُودُ ، عَابُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ رُجُوعَهُمْ إلَى الْكَعْبَةِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَوَّلًا أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، حَتَّى إذَا دَانَى الْيَهُودَ فِي قِبْلَتِهِمْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى إجَابَتِهِمْ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى تَأْلِيفِ الْكَلِمَةِ ، وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الدِّينِ ، فَقَابَلَتْ الْيَهُودُ هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالْكُفْرَانِ ، فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْجِهَاتِ كُلَّهَا لَهُ ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ وَجْهُهُ ، وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ ، فَحَيْثُمَا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ تَوَجَّهَ إلَيْهِ ؛ وَصَحَّ ذَلِكَ فِيهِ .
وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ قَبْلُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } الْوَسَطُ فِي اللُّغَةِ : الْخِيَارُ ، وَهُوَ الْعَدْلُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِنْ وَسَطِ الشَّيْءِ .
، وَلَيْسَ لِلْوَسَطِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى مُلْتَقَى الطَّرَفَيْنِ هَهُنَا دُخُولٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ آخِرُ الْأُمَمِ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْخِيَارَ الْعَدْلَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى بَعْدَهُ : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } فَأَنْبَأَنَا رَبُّنَا تَعَالَى بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ تَفْضِيلِهِ لَنَا بِاسْمِ الْعَدَالَةِ ، وَتَوْلِيَتِهِ خُطَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلِيقَةِ ، فَجَعَلَنَا أَوَّلًا مَكَانًا ، وَإِنْ كُنَّا آخِرًا زَمَانًا ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ } .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ إلَّا الْعُدُولُ ، وَلَا يَنْفُذُ عَلَى الْغَيْرِ قَوْلُ الْغَيْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ، وَذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ } اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ مَاتَ وَهُوَ يُصَلِّي إلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَتَصْدِيقِكُمْ لِنَبِيِّكُمْ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَالْأُصُولِيُّونَ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَاتُكُمْ ، زَادَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : قَالَ مَالِكٌ : " أَقَامَ النَّاسُ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ؛ ثُمَّ أُمِرُوا بِالْبَيْتِ ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ أَيْ : فِي صَلَاتِكُمْ إلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ " .
قَالَ : وَإِنِّي لَأَذْكُرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ : إنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ تَارِكَهَا غَيْرُ كَافِرٍ .
وَهَذَا تَنَاقُضٌ ، فَحَقِّقُوا وَجْهَ التَّقَصِّي عَنْهُ .
فَالْجَوَابُ : إنَّا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ الْإِيمَانِ لَمْ يَبْعُدْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ } وَكَذَلِكَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُسَمَّى تَارِكُهَا كَافِرًا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْأُصُولِيُّونَ : فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ تَسْمِيَةُ الصَّلَاةِ إيمَانًا وَتَرْكُهَا كُفْرًا مَجَازًا .
الثَّانِي : أَنْ يُرْجَعَ ذَلِكَ إلَى اعْتِقَادِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ اعْتِقَادِ نَفْيِ وُجُوبِهَا ؛
وَهَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ بَلْ يَقُولُ عُلَمَاؤُنَا مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّهَا تُسَمَّى إيمَانًا ، وَهِيَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ وَعَهْدِ الْإِسْلَامِ .
وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ وَالْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْمُرْجِئَةَ قَالَتْ : لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَارِكُهَا فِي الْجَنَّةِ ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَارِكُهَا فِي الْمَشِيئَةِ ، وَعُلَمَاؤُنَا الْفُقَهَاءُ قَالُوا : هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَارِكُهَا فِي الْمَشِيئَةِ ، قَضَتْ بِذَلِكَ آيُ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ شَيْئًا مِنْهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ } .
فَقَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَنَظَائِرُهُمَا عَلَى كُلِّ مُتَشَابِهٍ جَاءَ مُعَارِضًا فِي الظَّاهِرِ لَهُمَا ؛ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ تُسَمَّى الصَّلَاةُ إيمَانًا فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ ، وَيُحْكَمُ لِتَارِكِهَا بِالْمَغْفِرَةِ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً .
وَيُحْمَلُ مَا جَاءَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُكَفِّرَةِ ؛ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ } وَنَحْوُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : عَلَى التَّغْلِيظِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ فِعْلَ الْكَافِرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ دَمَهُ ، كَمَا أَبَاحَهُ فِي الْكَافِرِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } الشَّطْرُ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الشَّيْءِ ، وَيُقَالُ عَلَى الْقَصْدِ ، وَهَذَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعَايِنًا لِلْبَيْتِ ، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ .
وَذَكَرَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُ ، كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } الْكَعْبَةَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ ، لِأَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَنَا بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَهِيَ تُعَبِّرُ عَنْ الشَّيْءِ بِمَا يُجَاوِرُهُ أَوْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُعَرِّفَ أَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَقْصِدُ النَّاحِيَةَ لَا عَيْنَ الْبَيْتِ ، فَإِنَّهُ يَعْسُرُ [ نَظَرُهُ وَ ] قَصْدُهُ ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَبَدًا إلَّا لِلْمُعَايِنِ ، وَرُبَّمَا الْتَفَتَ الْمُعَايِنُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا فَإِذَا بِهِ قَدْ زَهَقَ عَنْهُ ، فَاسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ ؛ وَأَضْيَقُ مَا تَكُونُ الْقِبْلَةُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْقِبْلَةِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ : هَلْ فَرْضُ الْغَائِبِ عَنْ الْكَعْبَةِ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ ؟ أَوْ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : [ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ ] ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ لِمَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْجِهَةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ الْمُمْكِنُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِهِ التَّكْلِيفُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ ، إذْ قَالَ : { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْعُلَمَاءَ احْتَجُّوا بِالصَّفِّ الطَّوِيلِ الَّذِي يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ أَضْعَافُ عَرْضِ الْبَيْتِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ؛ فَإِنَّ الصَّفَّ الطَّوِيلَ إذَا بَعُدَ عَنْ الْبَيْتِ أَوْ طَالَ وَعَرُضَ
أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَكَانَ مُمْكِنًا أَنْ يُقَابِلَ [ جَمِيعَ ] الْبَيْتِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } وَهِيَ مُشْكِلَةٌ ، لُبَابُ الْكَلَامِ فِيهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ الْوِجْهَةَ هِيَ هَيْئَةُ التَّوَجُّهِ كَالْقِعْدَةِ بِكَسْرِ الْقَافِ : هَيْئَةُ الْقُعُودِ ، وَالْجِلْسَةِ : هَيْئَةُ الْجُلُوسِ ، وَفِي الْمُرَادِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ ؛ الْمَعْنَى لِأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ حَالَةٌ فِي التَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى لِكُلٍّ وِجْهَةٌ فِي الصَّلَاةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَفِي الصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ ، أَيْ لِأَهْلِ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ الْآفَاقِ وِجْهَةٌ مِمَّنْ بِمَكَّةَ وَمِمَّنْ بَعُدَ ، لَيْسَ بَعْضُهَا مُقَدَّمًا عَلَى الْبَعْضِ فِي الصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي وَلَّى جَمِيعَهَا وَشَرَعَ جُمْلَتَهَا ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَارِضَةً فِي الظَّاهِرِ وَالْمُعَايَنَةِ ، فَإِنَّهَا مُتَّفِقَةٌ فِي الْقَصْدِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ .
وَقُرِئَ : هُوَ مُوَلَّاهَا ، يَعْنِي الْمُصَلِّيَ ؛ التَّقْدِيرُ : الْمُصَلِّي هُوَ مُوَجَّهٌ نَحْوَهَا ، وَكَذَلِكَ قَبْلُ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ هُوَ مُوَلِّيهَا ؛ إنَّ الْمَعْنَى أَيْضًا أَنَّ الْمُصَلِّيَ هُوَ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَهَا ؛ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ ، وَأَشْهَرُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْخَبَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } مَعْنَاهُ ، افْعَلُوا الْخَيْرَاتِ ، مِنْ السَّبْقِ ، وَهُوَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْأَوَّلِيَّةِ ، وَذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ وَالِاسْتِعْجَالِ إلَى الطَّاعَاتِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَفِي التَّفْضِيلِ اخْتِلَافٌ ؛ وَأَعْظَمُ مُهِمٍّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْضِيلِهِ الصَّلَاةُ ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ الْوَقْتِ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ؛ لِظَاهِرِ هَذِهِ وَغَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ حَسْبَمَا مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَفَصَّلَ الْقَوْلَ ؛ فَأَمَّا الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ فِيهِمَا أَفْضَلُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ .
وَأَمَّا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ : إنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ لِلْفَذِّ ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تُؤَخَّرُ " عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالْمَشْهُورُ فِي الْعِشَاءِ أَنَّ تَأْخِيرَهَا أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَهَا لَيْلَةً حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا ، ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُهَا هَكَذَا .
} وَأَمَّا الظُّهْرُ فَإِنَّهَا تَأْتِي النَّاسَ عَلَى غَفْلَةٍ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا حَتَّى يَتَأَهَّبُوا وَيَجْتَمِعُوا .
وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ .
وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَقْدِيمِهَا ؛ فَإِنَّ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ ، وَفَضْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَجْهُولٌ ، وَتَحْصِيلُ الْمَعْلُومِ أَوْلَى .
وَأَمَّا الصُّبْحُ فَتَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الصُّبْحِ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا
يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ } .
وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [ فِي الصُّبْحِ أَيْضًا ] : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَآهُمْ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ } .
وَالصُّبْحُ كَانُوا أَوْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ } ؛ مَعْنَاهُ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ أَوْ لَمْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ كَانَ يُغَلِّسُ بِهَا .
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ اُقْتُدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ أَوْ اُمْتُثِلَ أَمْرُهُ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يُعَادِلُ الْمُبَادَرَةَ إلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ شَيْءٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ } .
قَالَ : رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ ؛ فَإِنَّ رِضْوَانَهُ لَلْمُحْسِنِينَ ، وَعَفْوَهُ لَلْمُقَصِّرِينَ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ } .
وَلَعَلَّهُ فِي السَّفَرِ إذَا اجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ ، إذْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { أَبْرِدُوا حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ } .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ } وَفِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } تَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ فِي أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ هُوَ الَّذِي يُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِ ، وَالشَّهِيدُ حَيٌّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَكَمَا أَنَّ الشَّهِيدَ فِي حُكْمِ الْحَيِّ فَلَا يُغَسَّلُ ، فَكَذَلِكَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ تَطْهِيرٌ ، وَقَدْ طُهِّرَ بِالْقَتْلِ ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ شَفَاعَةٌ وَقَدْ أَغْنَتْهُ عَنْهَا الشَّهَادَةُ ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ إذَا سَقَطَتْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا سَقَطَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهَا ، وَسُقُوطُ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْمَشْرُوطِ .
وَمَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِمْ ، لَا يَصِحُّ فِيهِ طَرِيقُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا سِوَاهُ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَالَ : كَانَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكُوا عَنْهُمَا ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } يَعْنِي مِنْ مَعَالِمِ اللَّهِ فِي الْحَجِّ ، وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ ، وَمِنْهُ إشْعَارُ الْهَدْيِ أَيْ إعْلَامُهُ بِالْجَرْحِ وَمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدِي : مَا حَصَلَ بِهِ الْعِلْمُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَشْعَرَ بِهِ إبْرَاهِيمُ ، أَيْ أَعْلَمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ } الْجُنَاحُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَيْلِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ ، وَلَكِنَّهُ خُصَّ بِالْمَيْلِ إلَى الْإِثْمِ ، ثُمَّ عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْإِثْمِ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْهَمِّ وَالْأَذَى ، وَجَاءَ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } وَهِيَ مُعَارَضَةُ الْآيَةِ ، وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ { عُرْوَةَ قُلْت لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الْآيَةُ فَوَاَللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : بِئْسَ مَا قُلْت يَا ابْنَ أُخْتِي ، إنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَهَا لَكَانَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، إنَّمَا كَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ } ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا } ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا الْعِلْمُ ، أَيْ مَا سَمِعْت بِهِ .
تَحْقِيقُ هَذَا الْحَدِيثِ وَتَفْهِيمُهُ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : لَا جُنَاحَ عَلَيْك أَنْ تَفْعَلَ ، إبَاحَةٌ لِلْفِعْلِ ، وَقَوْلَهُ : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْك أَلَا تَفْعَلَ ) إبَاحَةٌ لِتَرْكِ الْفِعْلِ ؛ فَلَمَّا سَمِعَ عُرْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } قَالَ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الطَّوَافِ جَائِزٌ ، ثُمَّ رَأَى الشَّرِيعَةَ مُطْبِقَةً عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ ، فَطَلَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَيْسَ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } دَلِيلًا عَلَى تَرْكِ الطَّوَافِ ؛ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهِ لَوْ كَانَ : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ ) .
فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ لِإِبَاحَةِ تَرْكِ الطَّوَافِ ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ لِإِفَادَةِ إبَاحَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَوْ لِمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ ؛ فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الطَّائِفَ قَصْدًا بَاطِلًا .
فَأَدَّتْ الْآيَةُ إبَاحَةَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا ، وَسَلَّ سَخِيمَةَ الْحَرَجِ الَّتِي كَانَتْ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } أَيْ مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ وَمَشْرُوعَاتِهِ ، لَا مِنْ مَوَاضِعِ الْكُفْرِ ، وَمَوْضُوعَاتِهِ ؛ فَمَنْ جَاءَ الْبَيْتَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَلَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الطَّوَافِ بِهِمَا .
وَهْمٌ وَتَنْبِيهٌ : [ قَالَ الْفَرَّاءُ ] : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) مَعْنَاهُ أَنْ يَطُوفَ ، وَحَرْفُ " لَا " زَائِدَةٌ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ " لَا " زَائِدَةً .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَا لُغَوِيٌّ وَلَا فَقِيهٌ يُعَادِلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَدْ قَرَرَتْهَا غَيْرَ زَائِدَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ مَعْنَاهَا ، فَلَا رَأْيَ لِلْفَرَّاءِ وَلَا غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّهُ رُكْنٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِرُكْنٍ .
وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ رُكْنٌ ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ : يُجْزِئُ تَارِكَهُ الدَّمُ .
وَمُعَوَّلُ مَنْ نَفَى وُجُوبَهُ وَرُكْنِيَّتَهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ خَاصَّةً كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ فَاسْعَوْا } .
صَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَيَعْضُدُهُ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ شِعَارٌ لَا يَخْلُو عَنْهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّوَافِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجِ أَوْ تَرْكِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا } تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ يَنْفِي رُكْنِيَّةَ السَّعْيِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ الْحَرَجَ عَنْ تَرْكِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا بِفِعْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُهُ .
وَالتَّطَوُّعُ هُوَ مَا يَأْتِيهِ الْمَرْءُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا إلَى أَيِّ مَعْنَى يَعُودُ رَفْعُ الْجُنَاحِ .
وقَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ } إشَارَةً إلَى السَّعْيِ وَاجِبٌ ، فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَشْكُرُ ذَلِكَ لَهُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ } اسْتَدَلَّ بِهَا عُلَمَاؤُنَا عَلَى وُجُوبِ تَبْلِيغِ الْحَقِّ وَبَيَانِ الْعِلْمِ عَلَى الْجُمْلَةِ .
وَلِلْآيَةِ تَحْقِيقٌ هُوَ أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قَصَدَ الْكِتْمَانَ عَصَى ، وَإِذَا لَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّبْلِيغُ إذَا عَرَفَ أَنَّ مَعَهُ غَيْرَهُ .
قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ : قَالَ عُرْوَةُ : الْآيَةَ { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَاَللَّهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ شَيْئًا ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يُحَدِّثَانِ بِكُلِّ مَا سَمِعَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
وَكَانَ الزُّبَيْرُ أَقَلَّهُمْ حَدِيثًا مَخَافَةَ أَنْ يُوَاقِعَ الْكَذِبَ ؛ وَلَكِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْعِلْمَ عَمَّ جَمِيعَهُمْ فَسَيُبَلِّغُ وَاحِدٌ إنْ تَرَكَ آخَرُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَالتَّبْلِيغُ فَضِيلَةٌ أَوْ فَرْضٌ ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَكَيْفَ قَصَّرَ فِيهِ هَؤُلَاءِ الْجِلَّةُ كَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَأَمْثَالِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ فَضِيلَةً فَلِمَ قَعَدُوا عَنْهَا ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ مَنْ سُئِلَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّبْلِيغُ لِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ } وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسْأَلْ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّبْلِيغُ إلَّا فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ .
وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : إنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمْرٍو هَذَا
إنَّمَا جَاءَ فِي الشَّهَادَةِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُبَلِّغُ اُكْتُفِيَ بِهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ ، وَسَكَتَ الْخُلَفَاءُ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالتَّبْلِيغِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَنْصِبِ مَنْ يَرُدُّ مَا يَسْمَعُ أَوْ يُمْضِيهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعُمُومِ التَّبْلِيغِ فِيهِ ، حَتَّى إنَّ عُمَرَ كَرِهَ كَثْرَةَ التَّبْلِيغِ ، وَسَجَنَ مَنْ كَانَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضِيلَةِ التَّبْلِيغِ أَنَّهُ قَالَ : { نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا } .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْمُوَفِّيَةُ ثَلَاثِينَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ لِي كَثِيرٌ مِنْ أَشْيَاخِي : إنَّ الْكَافِرَ الْمُعَيَّنَ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْمُوَافَاةِ لَا تُعْلَمُ ، وَقَدْ شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي إطْلَاقِ اللَّعْنَةِ الْمُوَافَاةَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنُ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فَكَلَّمَاهُ بِشَيْءٍ فَأَغْضَبَاهُ فَلَعَنَهُمَا } ؛ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِمَآلِهِمَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُ لَعْنِهِ لِظَاهِرِ حَالِهِ ، كَجَوَازِ قِتَالِهِ وَقَتْلِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اللَّهُمَّ إنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ هَجَانِي ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي لَسْت بِشَاعِرٍ فَالْعَنْهُ ، اللَّهُمَّ وَاهْجُهُ عَدَدَ مَا هَجَانِي } فَلَعَنَهُ .
وَقَدْ كَانَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ وَالْإِيمَانِ مَآلُهُ ، وَانْتَصَفَ بِقَوْلِهِ : { عَدَدَ مَا هَجَانِي } .
وَلَمْ يَزِدْ لَيُعَلِّمَ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ وَالِانْتِصَافَ ، وَأَضَافَ الْهَجْوَ إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي بَابِ الْجَزَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ بِالْوَصْفِ لَهُ بِذَلِكَ ، كَمَا يُضَافُ إلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءُ وَالْمَكْرُ وَالْكَيْدُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ } ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا يَجُوزُ إصْغَارُهُ فَكَذَلِكَ لَعْنُهُ .
( تَرْكِيبٌ ) وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَأَمَّا الْعَاصِي الْمُعَيَّنُ ، فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ اتِّفَاقًا ، لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيءَ إلَيْهِ بِشَارِبِ خَمْرٍ مِرَارًا ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ : مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا أَعْوَانًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ } ؛ فَجَعَلَ لَهُ حُرْمَةَ الْأُخُوَّةِ ، وَهَذَا يُوجِبُ الشَّفَقَةَ ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا لَعْنُ الْعَاصِي مُطْلَقًا ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَيَجُوزُ إجْمَاعًا ، لِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ } .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ : إنَّ مَعْنَاهُ عَلَيْهِمْ اللَّعْنَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } .
وَاَلَّذِي عِنْدِي صِحَّةُ لَعْنِهِ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ وَافَى كَافِرًا بِظَاهِرِ الْحَالِ ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْكَفَرَةِ مِنْ لَعْنَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَالَةٌ أُخْرَى ، وَبَيَانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ وَحَالَةٍ وَاقِعَةٍ تَعْضُدُ جَوَازَ اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا ؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ لِجَوَازِ اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا ، فَيَكُونُ لِلْآيَتَيْنِ مَعْنَيَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ تَحْكُمُونَ بِجَوَازِ لَعْنَةِ اللَّهِ لِمَنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِ الْكُفْرِ ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوَافَاتَهُ مُؤْمِنًا ؟ قُلْنَا : كَذَلِكَ نَقُولُ ، وَلَكِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ لَهُ حُكْمُهُ بِجَوَازِ لَعْنِهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَخْذًا بِظَاهِرِ حَالِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَآلِهِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِّلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا } : وَهِيَ كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ ؛ فَتُثْبِتُ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَقَدْ حَصَرَتْ هَاهُنَا الْمُحَرَّمَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتْ عَقِبَ الْمُحَلَّلِ ؛ فَقَالَ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } .
فَأَدَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، ثُمَّ عَقَّبَهَا بِالْمُحَرَّمِ بِكَلِمَةِ " إنَّمَا " الْحَاصِرَةِ ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْإِيعَابَ لِلْقِسْمَيْنِ ؛ فَلَا مُحَرَّمَ يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ، وَأَكَّدَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِعَرَفَةَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } إلَى آخِرِهَا فَاسْتَوَى الْبَيَانُ أَوَّلًا وَآخِرًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْمَيْتَةَ } .
وَهِيَ الْإِطْلَاقُ عُرْفًا ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ حُكْمًا مَا مَاتَ مِنْ الْحَيَوَانِ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ بِذَكَاةٍ ، أَوْ مَقْتُولًا بِغَيْرِ ذَكَاةٍ ، وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَسْتَبِيحُهُ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ فَجَادَلُوا فِيهِ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي شَعْرِهَا وَصُوفِهَا وَقَرْنِهَا : وَيَأْتِي فِي سُورَةِ النَّحْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ وَخُصُوصِهَا : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، فَالْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ } .
ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ : فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَهُ فِي الْجَرَادِ وَالسَّمَكِ ، وَأَجَازَ أَكْلَهُمَا مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ وَلَا ذَكَاةٍ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ فِي السَّمَكِ وَأَجَازَهُ فِي الْجَرَادِ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَمَعَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ .
وَلَكِنَّهُ وَرَدَ فِي السَّمَكِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ جِدًّا : فِي الصَّحِيحَيْنِ { عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ يَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَزَوَّدَنَا جِرَابًا مِنْ تَمْرٍ ، فَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ ، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَيْتَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اُضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا .
قَالَ : فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًا
حَتَّى سَمِنَّا ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا ؟ قَالَ : فَأَرْسَلْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ ، فَأَكَلَهُ } .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يُخَصِّصُ بِصِحَّةِ سَنَدِهِ عُمُومَ الْقُرْآنِ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ .
وَيَعْضُدُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } .
فَصَيْدُهُ مَا صِيدَ وَتُكَلِّفُ أَخْذُهُ ، وَطَعَامُهُ مَا طَفَا عَلَيْهِ ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَهُ فِي السَّمَكِ خَاصَّةً ، وَرَأَى أَكْلَ مَيْتَتِهِ ، وَمَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْجَرَادِ إلَّا بِذَكَاةٍ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ يَجْرِي عَلَى حَالِهِ حَتَّى يُخَصِّصَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، أَوْ الْآيَةُ الظَّاهِرَةُ ، وَقَدْ وُجِدَ كِلَاهُمَا فِي السَّمَكِ ، وَلَيْسَ فِي الْجَرَادِ حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي أَكْلِ مَيْتَتِهِ .
أَمَّا أَكْلُ الْجَرَادِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِيهِ أَخْبَارٌ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى : { غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ مَعَهُ } .
وَرَوَى سَلْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هُوَ أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ } ، وَلَمْ يَصِحَّ .
بَيْدَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ أَكَلَتْهُ ، وَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذَكَاةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَالَ كَعْبُ : إنَّهُ نَتْرَةُ حُوتٍ .
قُلْنَا : لَا يَنْبَنِي عَلَى قَوْل كَعْبٍ حُكْمٌ ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَمَّا يَلْزَمُنَا تَصْدِيقُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا
تَكْذِيبُهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالدَّمَ } : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجِسٌ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَقَدْ عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى هَاهُنَا مُطْلَقًا ، وَعَيَّنَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ مُقَيَّدًا بِالْمَسْفُوحِ ، وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ هَاهُنَا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ إجْمَاعًا .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي الْعُرُوقِ ؛ فَلَا تَلْتَفِتُوا فِي ذَلِكَ إلَى مَا يُعْزَى إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الدَّمِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْعُمُومِ فِي الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا تَخْصِيصَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ مَخْصُوصٌ فِي الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُخَصَّصْ ، وَأَنَّ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَحْمٌ ، يَشْهَدُ بِذَلِكَ الْعِيَانُ الَّذِي لَا يُعَارِضُهُ بَيَانٌ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى بُرْهَانٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ } .
اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ [ لَحْمَ ] الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ .
وَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ اللَّحْمِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يُذْبَحُ لِلْقَصْدِ إلَى لَحْمِهِ ، وَقَدْ شَغَفَتْ الْمُبْتَدَعَةُ بِأَنْ تَقُولَ : فَمَا بَالُ شَحْمِهِ ، بِأَيِّ شَيْءٍ حُرِّمَ ؟ وَهُمْ أَعَاجِمُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَنْ قَالَ لَحْمًا فَقَدْ قَالَ شَحْمًا ، وَمَنْ قَالَ شَحْمًا فَلَمْ يَقُلْ لَحْمًا ؛ إذْ كُلُّ شَحْمٍ لَحْمٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ لَحْمٍ شَحْمًا مِنْ جِهَةِ اخْتِصَاصِ اللَّفْظِ ؛ وَهُوَ لَحْمٌ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَةِ اللَّحْمِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ كُلَّ حَمْدٍ شُكْرٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ شُكْرٍ حَمْدًا مِنْ جِهَةِ ذِكْرِ النِّعَمِ ، وَهُوَ حَمْدٌ مِنْ جِهَةِ ذِكْرِ فَضَائِلِ الْمُنْعِمِ .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَجَاسَتِهِ : فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهُ نَجِسٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ طَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَيَوَانٍ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُ هِيَ الْحَيَاةُ .
وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَبَيَّنَّاهُ طَرْدًا وَعَكْسًا ، وَحَقَّقْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْإِحَالَةِ [ وَالْمُلَاءَمَةِ ] وَالْمُنَاسَبَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ وَمَنْ لَا يَرَاهُ بِمَا لَا مَطْعَن فِيهِ ، وَهَذَا يُشِيرُ بِك إلَيْهِ ، فَأَمَّا شَعْرُهُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } وَمَوْضِعُهَا سُورَةُ الْأَنْعَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } .
وَتَصْرِيفُهُ اُفْتُعِلَ مِنْ الضَّرَرِ ، كَقَوْلِهِ : اُفْتُتِنَ مِنْ الْفِتْنَةِ ، أَيْ : أَدْرَكَهُ ضَرَرٌ ، وَوُجِدَ بِهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي حَقِيقَةِ الضَّرَرِ وَالْمُضْطَرِّ فِي كِتَابِ " الْمُشْكَلَيْنِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ .
بَيَانُهُ : أَنَّ الضَّرَرَ هُوَ الْأَلَمُ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ يُوَازِيهِ أَوْ يُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ نَقِيضُ النَّفْعِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوصَفْ شُرْبُ الْأَدْوِيَةِ الْكَرِيهَةِ وَالْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ بِالضَّرَرِ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ النَّفْعِ الْمُوَازِي لَهُ أَوْ الْمُرْبِي عَلَيْهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ هُوَ الْمُكَلَّفُ بِالشَّيْءِ الْمُلْجَأُ إلَيْهِ ، الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ اسْمُ الْمُكْرَهِ إلَّا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ ، وَمَنْ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ فِعْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ ، كَالْمُرْتَعِشِ وَالْمَحْمُومِ ، لَا يُسَمَّى مُضْطَرًّا وَلَا مُلْجَأً ، وَأَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الْمُضْطَرُّ ، وَقَدْ يَكُونُ [ الْمُضْطَرُّ ] الْمُحْتَاجُ ، وَلَكِنَّ الْمُلْجَأَ مُضْطَرٌّ حَقِيقَةً ، وَالْمُحْتَاجُ مُضْطَرٌّ مَجَازًا .
وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ : إنَّ الْمُضْطَرَّ هُوَ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ غَيْرُهُ فِعْلًا ، وَهَذَا تَنَازُعٌ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ هُوَ اللُّغَةُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَالْمُرَادُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ } : أَيْ خَافَ التَّلَفَ ، فَسَمَّاهُ مُضْطَرًّا ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّنَاوُلِ .
وَيَرِدُ الْمُضْطَرُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مُكْتَسِبُ الضَّرَرِ ، وَالثَّانِي مُكْتَسِبُ دَفْعِهِ ، كَالْإِعْجَامِ يَرِدُ بِمَعْنَى الْإِفْهَامِ وَبِمَعْنَى نَفْيِهِ ، فَالسُّلْطَانُ يَضْطَرُّهُ أَيْ يُلْجِئُهُ لِلضَّرَرِ ، وَالْمُضْطَرُّ يَبِيعُ مَنْزِلَهُ ، أَيْ يَدْفَعُ الضَّرَرَ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعِ مَالِهِ .
وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ
مُضْطَرٌّ بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ ، مُضْطَرٌّ بِدَفْعِهِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ ؛ وَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَشْرُوطٌ ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي مَأْمُورٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هَذَا الضَّرَرُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ يَلْحَقُ إمَّا بِإِكْرَاهٍ مِنْ ظَالِمٍ ، أَوْ بِجُوعٍ فِي مَخْمَصَةٍ ، أَوْ بِفَقْرٍ لَا يَجِدُ فِيهِ غَيْرَهُ ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ يَرْتَفِعُ عَنْ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَيَكُونُ مُبَاحًا ، فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ فَيُبِيحُ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ الْإِكْرَاهِ .
وَأَمَّا الْمَخْمَصَةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ دَائِمَةً فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الشِّبَعِ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَضَلَّعَ قَالَهُ مَالِكٌ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَأْكُلُ عَلَى قَدْرِ سَدِّ الرَّمَقِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ ضَرُورَةٌ فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ بِيَدِهِ ، وَأَمْلَاهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَأَقْرَأَهُ وَقَرَأَهُ عُمُرَهُ كُلَّهُ : " يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ " .
وَدَلِيلُهُ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ فَيَعُودُ مُبَاحًا ، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُوتِ إلَى حَالَةِ وُجُودِهِ حَتَّى يَجِدَ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : مَنْ اُضْطُرَّ إلَى خَمْرٍ ، فَإِنْ كَانَ بِإِكْرَاهٍ شَرِبَ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ لِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ فَلَا يَشْرَبُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ ، وَقَالَ : لَا تَزِيدُهُ الْخَمْرُ إلَّا عَطَشًا ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ مُطْلَقًا ، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرُورَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَيْتَةِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ : إنْ رَدَّتْ الْخَمْرُ عَنْهُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا شَرِبَهَا .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخِنْزِيرِ : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } ثُمَّ أَبَاحَهُ لِلضَّرُورَةِ ، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا فِي الْخَمْرِ : إنَّهَا رِجْسٌ ، فَتَدْخُلُ فِي إبَاحَةِ ضَرُورَةِ الْخِنْزِيرِ ؛ فَالْمَعْنَى الْجَلِيُّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ ؛ وَلَا بُدَّ أَنْ تَرْوِيَ وَلَوْ سَاعَةً وَتَرُدَّ الْجُوعَ وَلَوْ مُدَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ فَهَلْ يُجِيزُهَا [ بِخَمْرٍ ] أَمْ لَا ؟ قِيلَ : لَا يُسِيغُهَا بِالْخَمْرِ مَخَافَةَ أَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُسِيغُهَا ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ .
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ دَخَلَ النَّارَ ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أَعْيَانًا مَخْصُوصَةً فِي أَوْقَاتٍ مُطْلَقَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ فِي بَعْضِ الْأَعْيَانِ ، وَتَطَرَّقَ التَّخْصِيصُ بِالنَّصِّ إلَى بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } ؛ فَرَفَعَتْ الضَّرُورَةُ التَّحْرِيمَ ، وَدَخَلَ التَّخْصِيصُ أَيْضًا بِحَالِ الضَّرُورَةِ إلَى حَالِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَمْلًا عَلَى هَذَا بِالدَّلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَأَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ كَالْمَيْتَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ مَنْ يَقُولُ : إنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَا يَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ ذَكَرَ أَنَّهَا لَا
تَزِيدُهُ إلَّا عَطَشًا ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهُ شِبَعًا ؛ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ كَانَتْ حَرَامًا ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَبَاحَتْهَا الضَّرُورَةُ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَأَمَّا الْغَاصُّ بِلُقْمَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَنَا فَإِنْ شَهِدْنَاهُ فَلَا يَخْفَى بِقَرَائِنِ الْحَالِ صُورَةُ الْغُصَّةِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَيُصَدَّقُ إذَا ظَهَرَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَدَدْنَاهُ ظَاهِرًا وَسَلِمَ مِنْ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِنًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ } .
فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ نُخْبَتُهَا اثْنَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْبَاغِيَ فِي اللُّغَةِ ، وَهُوَ الطَّالِبُ لِخَيْرٍ كَانَ أَوْ لِشَرٍّ ، إلَّا أَنَّهُ خُصَّ هَاهُنَا بِطَالِبٍ الشَّرِّ ، وَمِنْ طَالِبِ الشَّرِّ الْخَارِجُ عَلَى الْإِمَامِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ .
وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } .
وَالْعَادِي ، وَهُوَ : الْمُجَاوِزُ مَا يَجُوزُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ ، وَخُصَّ هَاهُنَا بِقَاطِعِ السَّبِيلِ ، وَقَدْ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ الثَّانِي : أَنَّ الْبَاغِيَ آكِلُ الْمَيْتَةِ فَوْقَ الْحَاجَةِ ، وَالْعَادِي آكِلُهَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ : مِنْهُمْ قَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَادِيَ بَاغٍ ، فَلَمَّا أَفْرَدَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالذِّكْرِ تَعَيَّنَ لَهُ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْآخَرِ ، لِئَلَّا يَكُونَ تَكْرَارًا يَخْرُجُ عَنْ الْفَصَاحَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْقُرْآنِ .
وَالْأَصَحُّ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ غَيْرُ طَالِبٍ شَرًّا ، وَلَا مُتَجَاوِزٍ حَدًّا ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : " غَيْرُ طَالِبٍ شَرًّا " فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ كُلُّ خَارِجٍ عَلَى الْإِمَامِ ، وَقَاطِعٍ لِلطَّرِيقِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ .
وَأَمَّا " غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ حَدًّا " فَمَعْنَاهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ حَدَّ الضَّرُورَةِ إلَى حَدِّ الِاخْتِيَارِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَدْرِ الشِّبَعِ ، كَمَا قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ ، وَلَكِنْ مَعَ النُّدُورِ لَا مَعَ التَّمَادِي ؛ { فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابَهُ قَدْ أَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا مِمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّهُ مَيْتَةٌ حَتَّى أَخْبَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ حَلَالٌ } ؛ لَكِنَّ وَجْهَ الْحُجَّةِ أَنَّهُمْ لَمَّا أَخْبَرُوهُ بِحَالِهِمْ جَوَّزَ لَهُمْ أَكْلَهُمْ شِبَعًا وَتَضَلُّعًا مَعَ اعْتِقَادِهِمْ لِضَرُورَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَسْتَبِيحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ رُخَصَ السَّفَرِ ؛ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبَاحُ لَهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ ذَلِكَ عَوْنًا ، وَالْعَاصِي لَا يَحِلُّ أَنْ يُعَانَ ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَكْلَ فَلْيَتُبْ وَيَأْكُلْ ، وَعَجَبًا مِمَّنْ يُبِيحُ ذَلِكَ لَهُ مَعَ التَّمَادِي عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ ؛ فَإِنْ قَالَهُ أَحَدٌ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَدَمًا وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ وَخَمْرًا وَصَيْدًا حَرَمِيًّا أَوْ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَهَذِهِ صُورَتَانِ : الْأُولَى : الْحَلَالُ يَجِدُهَا ، وَالثَّانِي الْحَرَامُ ؛ فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَخَمْرًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ حَلَالًا بِيَقِينٍ ، وَالْخَمْرُ مُحْتَمِلَةٌ لِلنَّظَرِ ؛ وَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَبَعِيرًا ضَالًّا أَكَلَ الْمَيْتَةَ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ .
فَإِنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَكَنْزًا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ أَكَلَ الْكَنْزَ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ .
فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ تَحْتَ حِرْزٍ أَكَلَ الْمَيْتَةَ ؛ وَلَوْ وَجَدَ مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، فَإِنْ وَجَدَ لَحْمَ بَنِي آدَمَ وَالْمَيْتَةَ أَكَلَ الْمَيْتَةَ ؛ فَإِنَّهَا حَلَالٌ فِي حَالٍ ، وَالْخِنْزِيرُ وَابْنُ آدَمَ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ ، وَلَا يَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ وَلَوْ مَاتَ قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْكُلُ لَحْمَ ابْنِ آدَمَ .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا وَجَدَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ، وَمَيْتَةً ؛ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ .
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ قَدَّمَ الْمَيْتَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ حَيَّةً وَالْخِنْزِيرُ لَا يَحِلُّ ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُخَفَّفُ أَوْلَى أَنْ يُقْتَحَمَ مِنْ التَّحْرِيمِ الْمُثْقَلِ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ أَنْ يَطَأَ أُخْتَهُ أَوْ أَجْنَبِيَّةً وَطِئَ الْأَجْنَبِيَّةَ ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ ، وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَخَمْرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَمَالَ الْغَيْرِ ، فَإِنْ أَمِنَ الضَّرَرَ فِي بَدَنِهِ أَكَلَ مَالَ الْغَيْرِ ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ أَكَلَ الْمَيْتَةَ ، وَأَمِنَهُ إذَا كَانَ مَالُ الْغَيْرِ فِي الثِّمَارِ أَكْثَرَ مِنْ أَمْنِهِ إذَا كَانَ فِي الْجَرِينِ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْمَيْتَةِ وَالْآدَمِيِّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَلَّا يَأْكُلَ الْآدَمِيَّ إلَّا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيهِ وَيُحْيِيهِ .
وَإِذَا وَجَدَ
الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَمَيْتَةً أَكَلَ الصَّيْدَ ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ مُؤَقَّتٌ ، فَهُوَ أَخَفُّ وَتُقْبَلُ الْفِدْيَةُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ ، وَلَا فِدْيَةَ لِآكِلِ الْمَيْتَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي بِالْمَيْتَةِ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَحْتَاجَ إلَى اسْتِعْمَالِهَا قَائِمَةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهَا مُحْرَقَةً ؛ فَإِنْ تَغَيَّرَتْ بِالْإِحْرَاقِ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا وَالصَّلَاةُ ، وَخَفَّفَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرْقَ تَطْهِيرٌ لِتَغَيُّرِ الصِّفَاتِ .
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي الْمَرْتَكِ يُصْنَعُ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ إذَا جَعَلَهُ فِي جُرْحِهِ لَا يُصَلِّي بِهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ .
وَإِنْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ بِعَيْنِهَا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَتَدَاوَى بِهَا بِحَالٍ وَلَا بِالْخِنْزِيرِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِنْهُ عِوَضًا حَلَالًا ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْمَجَاعَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ عِوَضٌ ، حَتَّى لَوْ وَجَدَ مِنْهَا فِي الْمَجَاعَةِ عِوَضًا لَمْ يَأْكُلْهَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا ؛ لِوُجُودِ الْعِوَضِ ، وَلَوْ أُحْرِقَتْ لَبَقِيَتْ نَجِسَةً ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ مُطَهِّرًا لِلْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ أَيُتَدَاوَى بِهَا ؟ قَالَ : لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا قَبْلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَقَدْ كَانَ الشَّعْبِيُّ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ يَقُولُ : فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } .
وَهَذَا ضَعِيفٌ لَا يَثْبُتُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَلَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَإِذَا وَقَعَ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَنَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حَاجَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ الْمَالِ إلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِدَاءُ أَسَرَاهُمْ ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ أَمْوَالَهُمْ ، وَكَذَا إذَا مَنَعَ الْوَالِي الزَّكَاةَ ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ ؟ مَسْأَلَةٌ فِيهَا نَظَرٌ ، أَصَحُّهَا عِنْدِي وُجُوبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْمَسَاكِينُ } : يَعْنِي : الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ ، وَالسَّائِلِينَ يَعْنِي الَّذِينَ كَشَفُوا وُجُوهَهُمْ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَفِي الرِّقَابِ } : هُمْ عَبِيدٌ يُعْتَقُونَ قُرْبَةً قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ : أَنَّهُمْ الْمُكَاتَبُونَ يُعَانُونَ فِي فَكِّ رِقَابِهِمْ ، وَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ عَامٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتَى الزَّكَاةَ } .
قِيلَ الْمُرَادُ بِإِيتَاءِ الْمَالِ فِي أَوَّلِهَا التَّطَوُّعُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا قَدَّرْنَاهُ ، وَبِالزَّكَاةِ هَاهُنَا الزَّكَاةُ الْمَعْرُوفَةُ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ هَاهُنَا تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ } ؛ فَبَيَّنَ الْمَالَ الْمُؤْتَى وَوَجْهَ الْإِيتَاءِ فِيهِ ، وَهُوَ الزَّكَاةُ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمَا فَائِدَتَانِ : الْإِيتَاءُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِهِ ، فَتَارَةً يَكُونُ نَدْبًا ، وَتَارَةً يَكُونُ فَرْضًا ؛ وَالْإِيتَاءُ الثَّانِي هُوَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَهَا الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ لَا يَرْضَى أَنْ يَأْخُذَ بِعَبْدٍ إلَّا حُرًّا ، وَبِوَضِيعٍ إلَّا شَرِيفًا ، وَبِامْرَأَةٍ إلَّا رَجُلًا ذَكَرًا ، وَيَقُولُونَ : الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ ، فَرَدَّهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ إلَى الْقِصَاصِ ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، فَقَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } وَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْعَدْلِ بَوْنٌ عَظِيمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَى { كُتِبَ } : فُرِضَ وَأُلْزِمَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَالْقِصَاصُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِخِيرَةِ الْوَلِيِّ ؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ كُتِبَ وَفُرِضَ إذَا أَرَدْتُمْ [ اسْتِيفَاءَ ] الْقِصَاصِ فَقَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ، كَمَا يُقَالُ كُتِبَ عَلَيْك إذَا أَرَدْت التَّنَفُّلَ الْوُضُوءُ ؛ وَإِذَا أَرَدْت الصِّيَامَ النِّيَّةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } ؛ فَقِيلَ : هُوَ كَلَامٌ عَامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ سَائِرُهُمْ : لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ؛ وَإِنَّمَا يَنْقَضِي عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ ، وَتَتْمِيمٌ لِمَعْنَاهُ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
فَائِدَةٌ : وَرَدَ عَلَيْنَا بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَقِيهٌ مِنْ عُظَمَاءِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْرَفُ بِالزَّوْزَنِيِّ زَائِرًا لِلْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَحَضَرْنَا فِي حَرَمِ الصَّخْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ طَهَّرَهَا اللَّهُ مَعَهُ ، وَشَهِدَ عُلَمَاءُ الْبَلَدِ ، فَسُئِلَ عَلَى الْعَادَةِ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، فَقَالَ : يُقْتَلُ بِهِ قِصَاصًا ؛ فَطُولِبَ بِالدَّلِيلِ ، فَقَالَ : الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ قَتِيلٍ .
فَانْتَدَبَ مَعَهُ لِلْكَلَامِ فَقِيهُ الشَّافِعِيَّةِ بِهَا وَإِمَامُهُمْ عَطَاءٌ الْمَقْدِسِيُّ ، وَقَالَ : مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّيْخُ الْإِمَامُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ } فَشَرَطَ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمُجَازَاةِ ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ؛ فَإِنَّ الْكُفْرَ حَطَّ مَنْزِلَتَهُ وَوَضَعَ مَرْتَبَتَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ رَبَطَ آخِرَ الْآيَةِ بِأَوَّلِهَا ، وَجَعَلَ بَيَانَهَا عِنْدَ تَمَامِهَا ، فَقَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } فَإِذَا نَقَصَ الْعَبْدُ عَنْ الْحُرِّ بِالرِّقِّ ، وَهُوَ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ فَأَحْرَى وَأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ الْكَافِرُ .
الثَّالِثُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } ؛ وَلَا مُؤَاخَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ؛ فَدَلَّ عَلَى
عَدَمِ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْقَوْلِ .
فَقَالَ الزَّوْزَنِيُّ : بَلْ ذَلِكَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ ، وَمَا اعْتَرَضْت بِهِ لَا يَلْزَمُنِي مِنْهُ شَيْءٌ .
أَمَّا قَوْلُك : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمُجَازَاةِ فَكَذَلِكَ أَقُولُ .
وَأَمَّا دَعْوَاك أَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ فِي الْقِصَاصِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحُرْمَةِ الَّتِي تَكْفِي فِي الْقِصَاصِ ، وَهِيَ حُرْمَةُ الدَّمِ الثَّابِتَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ فَإِنَّ الذِّمِّيَّ مَحْقُونُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَالْمُسْلِمَ مَحْقُونُ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَكِلَاهُمَا قَدْ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الذِّمِّيِّ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ قَدْ سَاوَى مَالَ الْمُسْلِمِ ؛ فَدَلَّ عَلَى مُسَاوَاتِهِ لِدَمِهِ ؛ إذْ الْمَالُ إنَّمَا يَحْرُمُ بِحُرْمَةِ مَالِكِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُك : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبَطَ آخِرَ الْآيَةِ بِأَوَّلِهَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ عَامٌّ وَآخِرُهَا خَاصٌّ ، وَخُصُوصُ آخِرِهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ عُمُومِ أَوَّلِهَا ؛ بَلْ يَجْرِي كُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ مِنْ عُمُومٍ أَوْ خُصُوصٍ .
وَأَمَّا قَوْلُك : إنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ، فَلَا أُسَلِّمُ بِهِ ؛ بَلْ يُقْتَلُ بِهِ عِنْدِي قِصَاصًا ، فَتَعَلَّقْت بِدَعْوَى لَا تَصِحُّ لَك .
وَأَمَّا قَوْلُك : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي الْمُسْلِمَ ، فَكَذَلِكَ أَقُولُ ، وَلَكِنَّ هَذَا خُصُوصٌ فِي الْعَفْوِ ؛ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عُمُومِ وُرُودِ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ ؛ فَعُمُومُ إحْدَاهُمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ خُصُوصِ الْأُخْرَى ، وَلَا خُصُوصَ هَذِهِ يُنَاقِضُ عُمُومَ تِلْكَ .
وَجَرَتْ فِي ذَلِكَ مُنَاظَرَةٌ عَظِيمَةٌ حَصَّلْنَا مِنْهَا فَوَائِدَ جَمَّةً أَثْبَتْنَاهَا فِي " نُزْهَةِ النَّاظِرِ " ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ يَكْفِي هُنَا مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } تَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِهَذَا التَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ نَظِيرَ الْحُرِّ وَمُسَاوِيهِ وَهُوَ الْحُرُّ ، وَبَيَّنَ الْعَبْدَ وَمُسَاوِيهِ ، وَهُوَ الْعَبْدُ ، وَيَعْضُدُهُ مَا نَاقَضَ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ طَرْفِ الْحُرِّ وَطَرْفِ الْعَبْدِ ، وَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ مِنْهُمَا فِي الْأَطْرَافِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ فِي الْأَنْفُسِ ، وَلَقَدْ بَلَغَتْ الْجَهَالَةُ بِأَقْوَامٍ أَنْ قَالُوا : يُقْتَلُ الْحُرُّ بِعَبْدِ نَفْسِهِ ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ } وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ .
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } الْوَلِيُّ هَاهُنَا السَّيِّدُ ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : جَعَلَهُ إلَى الْإِمَامِ ، قِيلَ : إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ إذَا ثَبَتَ لِلْمُسْلِمِينَ مِيرَاثًا ، فَيَأْخُذُهُ الْإِمَامُ نِيَابَةً عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُمْ ، وَنِيَابَتُهُ هَاهُنَا عَنْ السَّيِّدِ مُحَالٌ فَلَا يُقَادُ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } [ فَلَمْ يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى ] .
قُلْنَا : ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ آخَرُ ، وَلَوْ تَرَكْنَا هَذَا التَّقْسِيمَ لَقُلْنَا : لَا يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا قَتَلَ الرَّجُلُ زَوْجَهُ لِمَ لَمْ تَقُولُوا : يَنْتَصِبُ النِّكَاحُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ الزَّوْجِ كَمَا انْتَصَبَ النَّسَبُ الَّذِي هُوَ فَرْعُهُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ النَّسَبِ ؛ إذْ النِّكَاحُ ضَرْبٌ مِنْ الرِّقِّ ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْتَصِبَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ .
قُلْنَا : النِّكَاحُ يَنْعَقِدُ لَهَا عَلَيْهِ كَمَا يَنْعَقِدُ لَهُ عَلَيْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ أُخْتَهَا وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا ، وَيَحِلُّ لَهَا مِنْهُ مَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا ، وَتُطَالِبُهُ مِنْ الْوَطْءِ بِمَا يُطَالِبُهَا ، وَلَكِنْ لَهُ عَلَيْهَا فَضْلُ الْقَوَامِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ ، أَيْ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ ، فَلَوْ أَوْرَثَ شُبْهَةً لَأَوْرَثَهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقُولُوا كَمَا قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَتَلَ امْرَأَتَهُ فَقَتَلَهُ وَلِيُّهَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ شَيْءٌ زَائِدٌ .
وَلَوْ قَتَلَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا قُتِلَتْ ، وَأُخِذَ مِنْ مَالِهَا نِصْفُ الْعَقْلِ .
قُلْنَا : هُوَ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَحْجُوجٌ بِالْعُمُومِيَّاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقِصَاصِ دُونَ اعْتِبَارِ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ فِيهِمَا .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ الْحُرَّةَ تُقْتَلُ بِالْحُرَّةِ ، كَمَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْحُرِّ ، وَالْأَمَةُ تُقْتَلُ بِالْأَمَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالْقِصَاصُ أَيْضًا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } وَهَذَا بَيِّنٌ ،
وَسَنَزِيدُهُ بَيَانًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لِأَنَّ الْآيَةَ بِعُمُومِهَا تَقْتَضِي الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ وَالْبَعْضَ بِالْبَعْضِ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُؤْخَذُ طَرْفُ الْحُرِّ بِطَرْفِ الْعَبْدِ ، وَتُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ ، فَيَقُولُ : شَخْصَانِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي السَّلَامَةِ وَالْخِلْقَةِ فَلَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَنْفُسِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : يُؤْخَذُ طَرْفُ الْعَبْدِ بِطَرْفِ الْحُرِّ ، وَلَا يُؤْخَذُ طَرْفُ الْحُرِّ بِطَرْفِ الْعَبْدِ ، وَهَذَا يَنْعَكِسُ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي النَّفْسِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْقِصَاصُ جَارٍ بَيْنَهُمَا فِي الطَّرْفِ وَالنَّفْسِ ، وَالتَّمْهِيدُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْآيَةِ يُبْطِلُهُ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَرَطَ الْمُسَاوَاةَ فِي الْقَتْلَى ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ يُدْخِلُهُ تَحْتَ ذُلِّ الرِّقِّ ، وَيُسَلِّطُ عَلَيْهِ أَيْدِي الْمَالِكِينَ تَسْلِيطًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُطَاوَلَةِ ، وَيَصُدُّهُ عَنْ تَعَاطِي الْمُصَاوَلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعَدَاوَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْإِتْلَافِ ، كَدُخُولِ الْكَافِرِ تَحْتَ ذُلِّ الْعَهْدِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ ، فَإِنَّ مَذَلَّةَ الْعُبُودِيَّةِ تُرْهِقُهُ كَمَذَلَّةِ الْكُفْرِ الْمُرْهِقَةِ لِلذِّمِّيِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هَلْ يُقْتَلُ الْأَبُ بِوَلَدِهِ مَعَ عُمُومِ آيَاتِ الْقِصَاصِ ؟ قَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ بِهِ إذَا تَبَيَّنَ قَصْدُهُ إلَى قَتْلِهِ بِأَنْ أَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ ، فَإِنْ رَمَاهُ بِالسِّلَاحِ أَدَبًا وَحَنَقًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ، وَيُقْتَلُ الْأَجْنَبِيُّ بِمِثْلِ هَذَا ، وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالُوا : لَا يُقْتَلُ بِهِ .
سَمِعْت شَيْخَنَا فَخْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا بَكْرٍ الشَّاشِيَّ يَقُولُ فِي النَّظَرِ : لَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِابْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَانَ سَبَبَ وُجُودِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ هُوَ سَبَبَ عَدَمِهِ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا إذَا زَنَى بِابْنَتِهِ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَكَانَ سَبَبَ وُجُودِهَا ، وَتَكُونُ هِيَ سَبَبَ عَدَمِهِ ؛ ثُمَّ أَيُّ فِقْهٍ تَحْتَ هَذَا ؟ وَلِمَ لَا يَكُونُ سَبَبَ عَدَمِهِ إذَا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ أُثِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، وَمُتَعَلِّقُهُمْ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى بِالدِّيَةِ مُغَلَّظَةً فِي قَاتِلِ ابْنِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ الْمَسْأَلَةَ مُسَجَّلَةً ، وَقَالُوا : لَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ ، وَأَخَذَهَا مَالِكٌ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً ، فَقَالَ : إنَّهُ لَوْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ ، وَهَذِهِ حَالَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لِقَصْدِ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ ، وَشَفَقَةُ الْأُبُوَّةِ شُبْهَةٌ مُنْتَصِبَةٌ شَاهِدَةٌ بِعَدَمِ الْقَصْدِ [ إلَى الْقَتْلِ ] تُسْقِطُ الْقَوَدَ ، فَإِذَا أَضْجَعَهُ كَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْ قَصْدِهِ فَالْتَحَقَ بِأَصْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ [ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ] : احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَوْلِهِ : لَا تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةَ ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ ، لَا سِيَّمَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } الْجَوَابُ : أَنَّ مُرَاعَاةَ الْقَاعِدَةِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ ، وَلَوْ عَلِمَ الْجَمَاعَةُ أَنَّهُمْ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا لَمْ يُقْتَلُوا لَتَعَاوَنَ الْأَعْدَاءُ عَلَى قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي قَتْلِهِمْ ، وَبَلَغُوا الْأَمَلَ مِنْ التَّشَفِّي مِنْهُمْ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِصَاصِ قَتْلُ مَنْ قَتَلَ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ ، رَدًّا عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ بِمَنْ قَتَلَ مِنْ لَمْ يَقْتُلْ ، وَتَقْتُلَ فِي مُقَابَلَةِ الْوَاحِدِ مِائَةً افْتِخَارًا ، وَاسْتِظْهَارًا بِالْجَاهِ وَالْمَقْدِرَةِ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُسَاوَاةِ وَالْعَدْلِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقْتَلَ مَنْ قَتَلَ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } فَالْمَقْصُودُ هُنَاكَ بَيَانًا لِلْمُقَابَلَةِ فِي الِاسْتِيفَاءِ أَنَّ النَّفْسَ تُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ ، وَالْأَطْرَافَ بِالْأَطْرَافِ ، رَدًّا عَلَى مَنْ تَبْلُغُ بِهِ الْحَمِيَّةُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ نَفْسَ جَانٍ عَنْ طَرْفِ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ ، وَالشَّرِيعَةُ تُبْطِلُ الْحَمِيَّةَ وَتَعْضُدُ الْحِمَايَةَ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } إلَى آخِرِهَا : قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا قَوْلٌ مُشْكِلٌ تَبَلَّدَتْ فِيهِ أَلْبَابُ الْعُلَمَاءِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُقْتَضَاهُ .
فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ خَاصَّةً ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الدِّيَةِ إلَّا بِرِضًا مِنْ الْقَاتِلِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّ الْوَلِيَّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إنْ شَاءَ قَتَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَكَاخْتِلَافِهِمْ اخْتَلَفَ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَفِ قَبْلَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الْعَفْوُ أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ ، فَيُتْبَعَ بِمَعْرُوفٍ وَتُؤَدَّى إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ " يَعْنِي يُحْسِنُ فِي الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ ، وَلَا تَعْنِيفٍ ، وَيُحْسِنُ فِي الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَلَا تَسْوِيفٍ .
وَنَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالسُّدِّيِّ زَادَ قَتَادَةُ : بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ بَعِيرًا يَعْنِي فِي إبِلِ الدِّيَةِ ، فَمِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ } ، وَكَأَنَّهُ يَعْنِي فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الشَّرْعِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَفْسِيرُهُ مَنْ أُعْطِيَ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا مِنْ الْعَقْلِ فَلْيَتْبَعْهُ بِالْمَعْرُوفِ ؛ فَعَلَى هَذَا الْخِطَابُ لِلْوَلِيِّ ، قِيلَ لَهُ : إنْ أَعْطَاك أَخُوك الْقَاتِلُ الدِّيَةَ الْمَعْرُوفَةَ فَاقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَاتَّبِعْهُ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَفْسِيرُهُ إذَا أَسْقَطَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، وَعَيَّنَ لَهُ مِنْ الْوَاجِبِينَ لَهُ الدِّيَةُ فَاتَّبِعْهُ عَلَى ذَلِكَ أَيُّهَا الْجَانِي عَلَى هَذَا الْمَعْرُوفِ ، وَأَدِّ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ .
وَهَذَا يَدُورُ عَلَى حَرْفٍ ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْعَفْوِ ، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ خَمْسَةُ مَوَارِدَ : الْأَوَّلُ : الْعَطَاءُ ، يُقَالُ : جَادَ بِالْمَالِ عَفْوًا صَفْوًا ، أَيْ مَبْذُولًا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .
الثَّانِي :
الْإِسْقَاطُ ، وَنَحْوُهُ : { وَاعْفُ عَنَّا } { وَعَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ } .
الثَّالِثُ : الْكَثْرَةُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { حَتَّى عَفَوْا } أَيْ كَثُرُوا ، وَيُقَالُ : عَفَا الزَّرْعُ ، أَيْ طَالَ .
الرَّابِعُ : الذَّهَابُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : عَفَتْ الدِّيَارُ .
الْخَامِسُ : الطَّلَبُ ، يُقَالُ : عَفَّيْتُهُ وَأَعْفَيْتُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : مَا أَكَلَتْ الْعَافِيَةُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَطُوفُ الْعُفَاةُ بِأَبْوَابِهِ كَطَوْفِ النَّصَارَى بِبَيْتِ الْوَثَنِ وَإِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُتَعَدِّدَةِ وَجَبَ عَرْضُهَا عَلَى مَسَاقِ الْآيَةِ ، وَمُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ ؛ فَاَلَّذِي يَلِيقُ بِذَلِكَ مِنْهَا الْعَطَاءُ أَوْ الْإِسْقَاطُ ؛ فَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْإِسْقَاطَ ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ قَبْلَهُ الْقِصَاصُ ، وَإِذَا ذُكِرَ الْعَفْوُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ كَانَ فِي الْإِسْقَاطِ أَظْهَرُ .
وَرَجَّحَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الْعَطَاءَ ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ وُصِلَ بِكَلِمَةِ " عَنْ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاعْفُ عَنَّا } وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ } ، وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ كَانَتْ صِلَتَهُ لَهُ ؛ فَتَرَجَّحَ ذَلِكَ بِهَذَا ؛ وَبِوَجْهٍ ثَانٍ ، وَهُوَ أَنَّ تَأْوِيلَ مَالِكٍ هُوَ اخْتِيَارُ خَبَرِ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ تَابَعَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ وَبِوَجْهٍ ثَالِثٍ ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْجَزَاءِ أَنْ يَعُودَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ ، وَالْجَزَاءُ عَائِدٌ إلَى الْوَلِيِّ ، فَلْيَعُدْ إلَيْهِ الشَّرْطُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِمَنْ ، مَنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ بِالِاتِّبَاعِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { شَيْءٌ } فَنَكَّرَ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْقِصَاصَ لَمَا نَكَّرَهُ ، لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ ؛ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّنْكِيرُ فِي جَانِبِ الدِّيَةِ وَمَا دُونَهُ .
وَيَنْفَصِلُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ تَرْجِيحِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ مَعْنَى عَفَا أَسْقَطَ ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَهُ "
تَرَكَ " وَكَلِمَةُ " لَهُ " تَتَّصِلُ بِتَرَكَ ، كَمَا تَتَّصِلُ بِأَخَذَ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا ، وَأَمَّا الْجَزَاءُ فَقَدْ يَعُودُ عَلَى مَنْ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ الشَّرْطُ ، فَتَقُولُ : مَنْ دَخَلَ مِنْ عَبِيدِي الدَّارَ فَصَاحِبُهُ حُرٌّ ، وَإِنْ دَخَلَ عَمْرٌو الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ ، وَأَمَّا فَصْلُ النَّكِرَةِ فَغَيْرُ لَازِمٍ ؛ فَإِنَّ الْقِصَاصَ قَدْ يَكُونُ نَكِرَةً وَهُوَ إذَا عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ فَتَبَعَّضَ الْقِصَاصُ فَيَعُودُ الْبَعْضُ مُنَكَّرًا .
وَهَذَا كَمَا تَرَوْنَ تَعَارُضٌ عَظِيمٌ ، وَإِشْكَالٌ بَيِّنٌ ، وَتَرْجِيحٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ ظَاهِرٌ ، إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ أَظْهَرُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْأَثَرُ ، وَالْآخَرُ النَّظَرُ ؛ أَمَّا الْأَثَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ } .
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ كَيْفِيَّةَ الرِّوَايَاتِ وَاسْتِيفَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثِ .
وَلُبَابُهُ هَاهُنَا أَنَّ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ } .
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : { فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ } .
وَفِي الْحَرْفِ الثَّانِي سِتُّ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى : { إمَّا أَنْ يَعْقِلَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ } .
الثَّانِيَةُ : { أَنْ يَعْقِلَ أَوْ يُقَادَ } .
الثَّالِثَةُ : { إمَّا أَنْ يَفْدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ } .
الرَّابِعَةُ : { إمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ أَوْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ } .
الْخَامِسَةُ : { إمَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يُقْتَلَ } .
السَّادِسَةُ : { إمَّا أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُقَادَ } .
وَإِذَا نَزَلَتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَى الْأُولَى جَاءَ مِنْهَا اثْنَا عَشَرَ تَنْزِيلًا : الْأَوَّلُ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَعْقِلَ أَوْ يُقَادَ } ، وَيَكُونَ مَعْنَاهُ : إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ، وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَ مَعَ صَاحِبِهِ عَلَى مُفَادَاةٍ مَعْلُومَةٍ .
التَّنْزِيلُ الثَّانِي : فِي قَوْلِهِ : { يَعْقِلَ أَوْ يُقَادَ } ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ : إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ أَوْ يَأْخُذَ الْقَوَدَ .
التَّنْزِيلُ الثَّالِثُ : فِي قَوْلِهِ : { يَفْدِيَ أَوْ يَقْتُلَ مِثْلَهُ } .
التَّنْزِيلُ الرَّابِعُ : فِي قَوْلِهِ : { إمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ أَوْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ } ، يَكُونُ مَعْنَاهُ إمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ لَهُ أَوْ يُقَادَ : يُمَكَّنُ مِنْ الْقَوَدِ ، وَكَذَا أَهْلُ الْقَتِيلِ ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعِبَارَةِ عَنْهُ إنَّمَا كَانَ مَجَازًا فِي الْإِخْبَارِ بِهِ عَنْ وَلِيِّهِ .
التَّنْزِيلُ الْخَامِسُ : فِي قَوْلِهِ : { إمَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتُلَ } ، وَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مُتْقَنَةٌ مَضْبُوطَةٌ مَفْهُومَةٌ جَلِيَّةٌ ، وَتَكُونُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ إنْ كَانَ جَرِيحًا حَقِيقَةً ، أَوْ يُعَبَّرُ عَنْ وَلِيِّهِ بِهِ مَجَازًا ؛ لِأَنَّهُ سُلْطَانُ الْأَمْرِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .
التَّنْزِيلُ السَّادِسُ : فِي قَوْلِهِ : { يُقْتَلَ أَوْ يُقَادَ } ، تَقْدِيرُهُ إمَّا أَنْ يُقَادَ بِهِ الْقَاتِلُ بِرِضَاهُ أَوْ يُقْتَلَ ، وَكَذَلِكَ تَتَنَزَّلُ التَّقْدِيرَاتُ السِّتَّةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ : لَهُ قَتِيلٌ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : مَنْ قُتِلَ عِبَارَةً عَنْ فِعْلِهِ فِي حَالِ جُرْحِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، أَوْ يُعَبِّرُ عَنْ وَلِيِّهِ بِهِ ، فَهَذَا وَجْهُ الِادِّكَارِ مِنْ الْأَثَرِ بِالنَّظَرِ .
وَأَمَّا طَرِيقُ الْمَعْنَى وَالنَّظَرِ ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ أَوْ الْقَاتِلَ إذَا وَقَعَ الْعَفْوُ مِنْهُمَا بِالدِّيَةِ ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاتِلِ قَبُولُهُ دُونَ اعْتِبَارِ رِضَا الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ بَقَاءَ نَفْسِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، كَمَا لَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ بَقَاءَ نَفْسِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ لَلَزِمَهُ ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِمَالِ الْغَيْرِ إذَا وَجَدَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ فَأَوْلَى أَنْ يَلْزَمَهُ إبْقَاءُ نَفْسِهِ بِمَالِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ : فِي قَوْله تَعَالَى : { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } دَلِيلٌ عَلَى عُمُومِ الْوُجُوبِ مِمَّنْ وَقَعَ ، يُرِيدُ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ الدِّيَةَ وَجَبَ قَبُولُهَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ جَانٍ ، ثُمَّ رَأَى أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَمِرُّ فَعَقَّبَهُ بَعْدَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ إنْ عَرَضَهَا الْجَانِي اُسْتُحِبَّ قَبُولُهَا ، وَإِنْ عَرَضَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيُّهُ وَجَبَ عَلَى الْجَانِي قَبُولُهَا ، وَلَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْ الِاعْتِنَاءِ بِهِ ، وَفِي الْآيَةِ فُصُولٌ وَأَقْوَالٌ لَمْ نَتَفَرَّغْ لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَفَا عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِمَنْ أَسْلَمَ الْآنَ ، وَقَدْ بَيَّنَ لَهُ وَحُدَّتْ الْحُدُودُ ، فَإِنْ تَجَاوَزَهَا بَعْدَ بَيَانِهَا فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، بِالْقَتْلِ فِي الدُّنْيَا وَبِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ ، وَبَدِيعُ الْإِشَارَةِ فِيهِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي كِتَابِ " الْمُشْكَلَيْنِ " الْمَحْفُوظِ الْمَعْنَى : ثَبَتَ عَلَيْكُمْ فِي اللَّوْحِ الْأَوَّلِ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ وَلَا يَلْحَقُهُ تَبْدِيلٌ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ أَنَّ الْفُرُوضَ عَلَى قِسْمَيْنِ : فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ ، وَفَرْضٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِرَادَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَ يُرِيدُ حُضُورَ الْمَوْتِ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ ، وَلَا لَهُ فِي الدُّنْيَا حِصَّةٌ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَنْظِمَ مِنْ كَلَامِهَا لَفْظَةً ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَحْمُولًا عَلَيْهِ لَكَانَ تَكْلِيفٌ مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ ؛ وَلَكِنْ يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إذَا قَرُبَ حُضُورُ الْمَوْتِ ، وَأَمَارَةُ ذَلِكَ كِبَرُهُ فِي السِّنِّ ؛ أَوْ سَفَرٍ فَإِنَّهُ غَرَرٌ أَوْ تَوَقُّعُ أَمْرٍ طَارِئٍ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ أَوْ تَحَقُّقُ النَّفْسِ لَهُ بِأَنَّهَا سَبِيلٌ هُوَ آتِيهَا لَا مَحَالَةَ [ إذْ الْمَوْتُ رُبَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا ] .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا مَرِضَ ؛ فَإِنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ الْمَوْتِ ، وَمَتَى حَضَرَ السَّبَبُ كَنَّتْ بِهِ الْعَرَبُ عَنْ الْمُسَبَّبِ قَالَ شَاعِرُهُمْ : وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئْكُمْ إنِّي أَنَا الْمَوْتُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْوَصِيَّةُ } : هِيَ الْقَوْلُ الْمُبَيِّنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ عَمَلَهُ وَالْقِيَامَ بِهِ ، وَهِيَ هَاهُنَا مَخْصُوصَةٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِطْلَاقِ وَالْعُرْفِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَأْخِيرُ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمَرَضِ مَذْمُومٌ شَرْعًا ، رَوَى مُسْلِمٌ وَالْأَئِمَّةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْت : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ كَذَا } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي حُكْمِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهَا وَاجِبَةٌ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : نُسِخَ جَمِيعُهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : نُسِخَ بَعْضُهَا ، وَهِيَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ؛ وَالصَّحِيحُ نَسْخُهَا ، وَأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ إلَّا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَيَانُهُ أَوْ الْخُرُوجُ بِأَدَاءٍ عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ اللَّفْظُ بِظَاهِرِهِ ، وَذِكْرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ الْحَقِّ الَّذِي يَقْتَضِي الْحَثَّ ، وَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالنَّدْبَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } : يَعْنِي مَالًا ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي تَقْدِيرِهِ ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ والأحْكامِيُّونَ أَقْوَالًا كُلُّهَا دَعَاوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَخْتَلِفْ وَلَا يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ ، بَلْ يُوصِي مِنْ الْقَلِيلِ قَلِيلًا ، وَمِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرًا ، وَحَيْثُ وَرَدَ ذِكْرُ الْمَالِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ يُسَمَّى بِالْخَيْرِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ .
رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يَفْتَحُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَةِ الدُّنْيَا فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إلَّا بِالْخَيْرِ ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إلَّا آكِلَةُ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي كَيْفِيَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ : وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، لُبَابُهُ : مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِلْوَالِدَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ، وَفَرَضَ لِلزَّوْجِ وَلِلزَّوْجَةِ فَرْضَيْهِمَا ؛ وَهَذَا نَصٌّ لَا مَعْدَلَ لِأَحَدٍ عَنْهُ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ الْقَرَابَةِ وَارِثًا دَخَلَ مَدْخَلَ الْأَبَوَيْنِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا قِيلَ لَهُ : إنْ قَطْعَك مِنْ الْمِيرَاثِ الْوَاجِبِ إخْرَاجٌ لَك عَنْ الْوَصِيَّةِ الْوَاجِبَةِ ، وَيَبْقَى الِاسْتِحْبَابُ لِسَائِرِ الْقَرَابَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِالْمَعْرُوفِ } : يَعْنِي : بِالْعَدْلِ الَّذِي لَا وَكْسَ فِيهِ وَلَا شَطَطَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى اجْتِهَادِ الْمَيِّتِ وَنَظَرِ الْمُوصِي ، ثُمَّ تَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى تَقْدِيرَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ : { الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } ؛ فَصَارَ ذَلِكَ مِقْدَارًا شَرْعِيًّا مُبَيَّنًا حُكْمُهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ } .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا ابْنُ يُوسُفَ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الْقَاضِي الْحِيرِيُّ بِشَاغُورَ قِرَاءَةً عَلَيْهِ : أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، سَمِعْت طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ الْمَكِّيِّ ، سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ ، سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : { حَقًّا } : يَعْنِي ثَابِتًا ثُبُوتَ نَظَرٍ وَتَخْصِيصٍ ، لَا ثُبُوتَ فَرْضٍ وَوُجُوبٍ ، وَهَكَذَا وَرَدَ عَنْ عُلَمَائِنَا حَيْثُ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الثَّابِتُ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْمَعْنَى فِي الشَّرِيعَةِ نَدْبًا ، وَقَدْ ثَبَتَ فَرْضًا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنَى .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَلَى الْمُتَّقِينَ } : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ نَدْبًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَتَّقِي ، أَيْ يَخَافُ تَقْصِيرًا ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَا يُتَوَقَّعُ تَلَفُهُ إنْ مَاتَ فَتَلْزَمُهُ فَرْضًا الْمُبَادَرَةُ بِكَتْبِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمِمَّا صَحَّ مِنْ النَّظَرِ ، وَأَنَّهُ إنْ سَكَتَ عَنْهُ كَانَ تَضْيِيعًا لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ } : يَعْنِي : سَمِعَهُ مِنْ الْمُوصِي ، أَوْ سَمِعَهُ مِمَّنْ ثَبَتَ بِهِ عِنْدَهُ ، وَذَلِكَ عَدْلَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّمَا إثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } : الْمَعْنَى : أَنَّ الْمُوصِيَ بِالْوَصِيَّةِ خَرَجَ عَنْ اللَّوْمِ وَتَوَجَّهَ عَلَى الْوَارِثِ أَوْ الْوَلِيِّ .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ إذَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ خَرَجَ عَنْ ذِمَّتِهِ وَصَارَ الْوَلِيُّ مَطْلُوبًا بِهِ ، لَهُ الْأَجْرُ فِي قَضَائِهِ ، وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ فِي تَأْخِيرِهِ ؛ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَدَائِهِ ، وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَتَرَكَهُ ، ثُمَّ وَصَّى بِهِ فَإِنَّهُ لَا يُزِيلُهُ عَنْ ذِمَّتِهِ تَفْرِيطُ الْوَلِيِّ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إثْمًا } : الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ خَافَ } لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، قِيلَ لَهُمْ : إنْ خِفْتُمْ مِنْ مُوصٍ مَيْلًا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَعُدُولًا عَنْ الْحَقِّ ، وَوُقُوعًا فِي إثْمٍ ، وَلَمْ يُخْرِجْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، فَبَادِرُوا إلَى السَّعْيِ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ ؛ فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ سَقَطَ الْإِثْمُ عَلَى الْمُصْلِحِ ؛ لِأَنَّ إصْلَاحَ الْفَسَادِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِذَا قَامَ بِهِ أَحَدُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَثِمَ الْكُلُّ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ بِالظَّنِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَنَّ قَصْدَ الْفَسَادِ وَجَبَ السَّعْيُ فِي الصَّلَاحِ ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْفَسَادُ لَمْ يَكُنْ صُلْحٌ ، إنَّمَا يَكُونُ حُكْمٌ بِالدَّفْعِ وَإِبْطَالٌ لِلْفَسَادِ وَحَسْمٌ لَهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { الصِّيَامُ } : وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةً عَنْ الْإِمْسَاكِ الْمُطْلَقِ لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا مَعْنَى لَهُ غَيْرَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ هَكَذَا خَاصَّةً لَكَانَ فِيهِ كَلَامٌ فِي الْعُمُومِ وَالْإِجْمَالِ ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ وَتَمْثِيلًا بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : قِيلَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَقِيلَ : هُمْ النَّصَارَى .
وَقِيلَ : هُمْ جَمِيعُ النَّاسِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ سَاقِطٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا بِإِمْسَاكِ اللِّسَانِ عَنْ الْكَلَامِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِنَا ؛ فَصَارَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ رَاجِعًا إلَى النَّصَارَى لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ الْأَدْنَوْنَ إلَيْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ الصَّوْمَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَانَ إذَا نَامَ الرَّجُلُ لَمْ يُفْطِرْ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِصَوْمِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كَمَا كُتِبَ } وَجْهُ التَّشْبِيهِ فِيهِ مُحْتَمِلٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الزَّمَانُ ، وَالْقَدْرُ ، وَالْوَصْفُ ، وَمُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِهَا ، وَمُحْتَمِلٌ لِاثْنَيْنِ مِنْهَا ؛ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الزَّمَانِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَصُومُونَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ عَلَيْهِمْ الزَّمَانُ فَكَانَ يَأْتِي فِي الْحَرِّ يَوْمًا طَوِيلًا ، وَفِي الْبَرْدِ يَوْمًا قَصِيرًا ؛ فَارْتَأَوْا بِرَأْيِهِمْ أَنْ يَرُدُّوهُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ .
وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْعَدَدِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، رُوِيَ فِي " الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ النَّاسَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا يَوْمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَغْرَقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ ؛ فَقَالَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ } ، فَكَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ ، حَتَّى نَزَلَ رَمَضَانُ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، كَمَا فُرِضَ عَلَى النَّصَارَى فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ غَيَّرُوهُ لِأَسْبَابٍ مَرْوِيَّةٍ .
وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْوَصْفِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ } وَقَدْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا يَصُومُونَ عَنْ الْكَلَامِ كُلِّهِ ، وَفِي شَرْعِنَا الْأَمْرُ بِالصِّيَامِ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ مُتَأَكَّدٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي غَيْرِ الصِّيَامِ .
وَالْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّهُ التَّشْبِيهُ فِي الْفَرْضِيَّةِ خَاصَّةً ؛ وَسَائِرُهُ مُحْتَمِلٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فِعْلَهُ .
الثَّانِي : لَعَلَّكُمْ تَضْعُفُونَ فَتَتَّقُونَ ؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَلَّ الْأَكْلُ ضَعُفَتْ الشَّهْوَةُ ، وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ الشَّهْوَةُ قَلَّتْ الْمَعَاصِي .
الثَّالِثُ : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مَا فَعَلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ .
رُوِيَ أَنَّ النَّصَارَى بَدَّلَتْهُ إلَى الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ ، وَزَادَتْ فِيهِ كَفَّارَةُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ ؛ وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، وَمُرَادَةٌ بِالْآيَةِ ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ [ حَقِيقَةٌ ، وَالثَّانِي مَجَازٌ حَسَنٌ ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَعْصِيَةٌ ] ، وَالثَّالِثُ كُفْرٌ .
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الشَّكِّ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ لِلْعِبَادَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إنَّمَا يُحْتَاطُ لَهَا إذَا وَجَبَتْ ، وَقَبْلَ أَلَا تَجِبَ لَا احْتِيَاطَ شَرْعًا ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِدْعَةً وَمَكْرُوهًا .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَبِّهًا عَلَى ذَلِكَ : { لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا بِيَوْمَيْنِ خَوْفًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : أَتَلَقَّى رَمَضَانَ بِالْعِبَادَةِ } .
وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ عَدَمُ الزِّيَادَةِ فَقَالَ : { إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا يَصُمْ أَحَدٌ حَتَّى يَدْخُلَ رَمَضَانُ } .
وَقَدْ شَنَّعَ أَهْلُ الْجَهَالَةِ بِأَنْ يَقُولُوا نُشَيِّعُ رَمَضَانَ ؛ وَلَا تُتَلَقَّى الْعِبَادَةُ وَلَا تُشَيَّعُ ، إنَّمَا تُحْفَظُ فِي نَفْسِهَا وَتُحْرَسُ مِنْ زِيَادَةٍ فِيهَا أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهَا .
وَلِذَلِكَ كَرِهَ عُلَمَاءُ الدَّيْنِ أَنْ تُصَامَ الْأَيَّامُ السِّتَّةُ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ } مُتَّصِلَةً بِرَمَضَانَ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَهْلُ الْجَهَالَةِ أَنَّهَا مِنْ رَمَضَانَ ، وَرَأَوْا أَنَّ صَوْمَهَا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ إلَى شَعْبَانَ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ
مِنْهَا حَاصِلٌ بِتَضْعِيفِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا مَتَى فُعِلَتْ ؛ بَلْ صَوْمُهَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَفِي شَعْبَانَ أَفْضَلُ ، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ صَوْمَهَا مَخْصُوصٌ بِثَانِي يَوْمِ الْعِيدِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ سَالِكٌ سُنَنَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الزِّيَادَاتِ ، دَاخِلٌ فِي وَعِيدِ الشَّرْعِ حَيْثُ قَالَ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ } الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ } : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ رَمَضَانُ ، لَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَقَدْ أَبْعَدَ ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي الْوِصَالَ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِيهِ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى وِصَالًا غَيْرَ مَحْدُودٍ لَمَا تَحَصَّلَ لِأَحَدٍ تَقْدِيرُهُ ، لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فِيهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْعُرْفِ ، أَيْ أَنْ تَصُومُوا الْأَيَّامَ وَتُفْطِرُوا مِنْهَا زَمَنًا مَخْصُوصًا ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ مُتَعَيِّنًا إمَّا بِالْعُرْفِ الْمُتَقَدِّمِ ، فَيَكُونُ الْخِطَابُ نَصًّا ، وَإِمَّا بِبَيَانٍ مِنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَكُونُ الْخِطَابُ مُجْمَلًا ، حَتَّى بَيَّنَهُ الشَّارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ } : لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَلَّا يُطِيقَ الصَّوْمَ بِحَالٍ ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرُ وَاجِبًا .
الثَّانِي أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ ؛ فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ ، وَلَا يَصُومُ إلَّا جَاهِلٌ .
وَقَدْ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَزْدِيُّ ، أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُسْلِمٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ اللَّيْثِيُّ الْحَارِثِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحِيرِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ رَبِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ النَّسَوِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو حَسَّانَ صُهَيْبُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ : اعْتَلَلْت بِنَيْسَابُورَ عِلَّةً خَفِيفَةً ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَعَادَنِي إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ لِي : أَفْطَرْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، فَقُلْت : نَعَمْ فَقَالَ : خَشِيتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ قُلْت : أَنْبَأَنَا عَبْدَانُ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ : مِنْ أَيِّ الْمَرَضِ أُفْطِرُ ؟ قَالَ : مِنْ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا } قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ هَكَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ إِسْحَاقَ ، وَهُوَ الثَّالِثُ .
الثَّالِثُ : الْمُسَافِرُ : وَالسَّفَرُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الِانْكِشَافِ وَالْخُرُوجِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ ؛ وَهُوَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجٍ يَتَكَلَّفُ فِيهِ مُؤْنَةً ، وَيَفْصِلُ فِيهِ بُعْدٌ فِي الْمَسَافَةِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مِنْ الشَّارِعِ نَصٌّ ، وَلَكِنْ وَرَدَ فِيهِ تَنْبِيهٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا } .
وَفِي تَقْدِيرِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ .
وَالْعُمْدَةُ فِيهِ أَنَّ الْعِبَادَةَ
تَثْبُتُ فِي الذِّمِّيَّةِ بِيَقِينٍ ، فَلَا بَرَاءَةَ لَهَا إلَّا بِيَقِينٍ مُسْقِطٍ ؛ وَقَدْرُ السَّفَرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ سَفَرًا ظَاهِرًا ، فَيَسْقُطُ الْأَصْلُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَبَحْثُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَتِنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلَّقَ الْحُكْمَ بِالسَّفَرِ عَلِمَتْ الْعَرَبُ ذَلِكَ بِفَضْلِ عِلْمِهَا بِلِسَانِهَا ، وَجَرْيِ عَادَتِهَا فِي أَعْمَالِهَا ؛ فَلَمَّا جَاءَ الْأَمْرُ اقْتَصَرْنَا فِيهِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَبْنَى الْخِلَافِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : أَقَلُّ السَّفَرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ } .
وَفِي حَدِيثٍ : { وَسَفَرُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } وَفِي آخَرَ وَذَكَرَ تَمَامَهُ ؛ فَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ السَّفَرَ يَتَحَقَّقُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ : يَوْمٍ يَتَحَمَّلُ فِيهِ عَنْ أَهْلِهِ ، وَيَوْمٍ يَنْزِلُ فِيهِ فِي مُسْتَقَرِّهِ ، وَالْيَوْمِ الْأَوْسَطِ هُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ السَّيْرُ الْمُجَرَّدُ ، بِتَحَمُّلٍ لَا عَنْ مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ ، وَنُزُولٍ لَا فِي مَوْضِعِ الْإِقَامَةِ .
وَقُلْنَا لَهُ : إذَا كَانَ السَّفَرُ مُتَحَقِّقًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا سَرَدْت فَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِثْلُهُ ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّحَمُّلِ عَنْ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ فِي تَحْقِيقِ السَّفَرِ عَلَى الْمَبِيتِ فِي غَيْرِ الْمَنْزِلِ ، ثُمَّ التَّحْدِيدُ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا ، أَوْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا مَرَاحِلُ لَا تُدْرَكُ بِتَحْقِيقٍ أَبَدًا ، وَإِنَّمَا هِيَ ظُنُونٌ ؛ فَرَجُلٌ احْتَاطَ وَزَادَ ، وَرَجُلٌ تَرَخَّصَ ، وَرَجُلٌ تَقَصَّرَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا الْقَوْلُ مِنْ لَطِيفِ الْفَصَاحَةِ ، لِأَنَّ تَقْرِيرَهُ : فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } تَقْدِيرُهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ .
وَقَدْ عُزِيَ إلَى قَوْمٍ : إنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ قَضَاهُ ، صَامَهُ أَوْ أَفْطَرَهُ ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا ضُعَفَاءُ الْأَعَاجِمِ ؛ فَإِنَّ جَزَالَةَ الْقَوْلِ وَقُوَّةَ الْفَصَاحَةِ تَقْتَضِي " فَأَفْطَرَ " وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ } قَوْلًا وَفِعْلًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } : يُعْطِي بِظَاهِرِهِ قَضَاءَ الصَّوْمِ مُتَفَرِّقًا ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ .
وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّتَابُعُ فِي الشَّهْرِ لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا ، وَقَدْ عُدِمَ التَّعْيِينُ فِي الْقَضَاءِ فَجَازَ بِكُلِّ حَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } : يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِزَمَانٍ ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّرَاخِيَ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ مُسْتَرْسِلٌ عَلَى الْأَزْمِنَةِ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : إنْ كَانَ لَيَكُونَ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ قَضَاءَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِلشُّغْلِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَكَانَتْ تَصُومُ بِصِيَامِهِ ؛ إذْ كَانَ صَوْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَ مَا كَانَ فِي شَعْبَانَ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } : وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ قِرَاءَاتٌ وَتَأْوِيلَاتٌ وَاخْتِلَافَاتٌ وَهِيَ بَيْضَةُ الْعُقْرِ .
قُرِئَ يُطِيقُونَهُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ ، وَقُرِئَ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْيَاءِ وَتَشْدِيدِهِمَا ، وَقُرِئَ كَذَلِكَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ ، لَكِنَّ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ ، وَقُرِئَ يَطُوقُونَهُ ، وَالْقِرَاءَةُ هِيَ الْقِرَاءَةُ الْأُولَى ، وَمَا وَرَاءَهَا وَإِنْ رُوِيَ وَأُسْنِدَ فَهِيَ شَوَاذٌّ ، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا أَصْلٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ بَيَانًا شَافِيًا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ كَذَلِكَ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمَا .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : مَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ ، وَمَنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا فَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا وَلَزِمَهُ الصَّوْمُ ، وَأَرَادَ تَرْكَهُ ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مُطْلَقًا .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرَّرَهُ ، وَلَوْلَا تَجْدِيدُ الْفَرْضِ فِيهِ وَتَحْدِيدُهُ وَتَأْكِيدُهُ مَا كَانَ لِتَكْرَارِ ذَلِكَ فَائِدَةٌ مَقْصُودَةٌ ، وَهَذَا مُنْتَزَعٌ عَنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا مَنْ زَادَ عَلَى طَعَامِ مِسْكِينٍ ، وَقِيلَ : مَنْ صَامَ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } مَعْنَاهُ الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ ، وَخَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ النَّفْلِ ، وَالصَّدَقَةَ النَّفَلَ خَيْرٌ مِنْ الصَّوْمِ النَّفْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ الْفَرْضَ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ ، وَهُوَ فَرْضٌ ؛ لِأَنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ .
قُلْنَا قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالتَّأْوِيلَاتِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ مِنْ إطْعَامِكُمْ الْفَرْضَ وَتَطَوُّعِهِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ مِنْ إطْعَامِكُمْ الْبَدَلَ لَهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ تَطَوُّعِكُمْ الزَّائِدِ عَلَيْهِ وَبَدَلِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَصَوْمُكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ الزَّائِدِ عَلَيْهِ ، فَرُبَّمَا رَغَّبَ فِي تَكْثِيرِ الْإِطْعَامِ ، وَتَرْكِ الصِّيَامِ ، فَأَعْلَمَ أَنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُقَالُ : الْفَرْضُ خَيْرٌ مِنْ التَّطَوُّعِ ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ ، وَحُكْمُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي أَصْلِ التَّخْيِيرِ ، ثُمَّ يَتَفَاضَلَا فِيهِ ؟ قُلْنَا : الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ، فَصَارَ فِيهِ وَصْفٌ مِنْ النَّفْلِ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ : تَقْدِيمُهُ أَوْ فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْفِطْرُ أَفْضَلُ ، وَلِعُلَمَائِنَا مِثْلُهُ ، وَلَهُمْ قَوْلٌ ثَالِثٌ : إنَّ الْفِطْرَ فِي الْغَزْوِ أَفْضَلُ ؛ وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ } .
وَصَحَّ أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْفِطْرَ فِي الْغَزْوِ أَفْضَلُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ ، فَأَفْطِرُوا } " .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } ؛ وَأَمَّا فِطْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ " أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : { إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِطْرَك ، فَأَفْطَرَ } .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَلَهُ الْفِطْرُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ، مِنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَذَلِكَ حَسَنٌ ، وَمَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَذَلِكَ حَسَنٌ } .
فَأَمَّا عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْ الْعَدُوِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي اسْتِحْبَابِ الْفِطْرِ اخْتِلَافٌ ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَبِهِ أَقُولُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { شَهْرُ رَمَضَانَ } : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } .
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ طَلْحَةَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ ؛ فَقَالَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .
قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ وَذَكَرَ شَهْرَ رَمَضَانَ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ } .
الْحَدِيثَ ، فَجَاءَ هَذَا تَفْسِيرًا لِلْمَفْرُوضِ وَبَيَانًا لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { شَهْرُ رَمَضَانَ } : يَعْنِي : هِلَالَ رَمَضَانَ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ [ الشَّهْرُ ] شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ ، فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا الصَّوْمَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَهَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } .
فَفَرَضَ عَلَيْنَا عِنْدَ غُمَّةِ الْهِلَالِ إكْمَالُ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَإِكْمَالَ عِدَّةِ رَمَضَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا عِنْدَ غُمَّةِ هِلَالِ شَوَّالٍ ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ ، وَيَخْرُجَ عَنْهَا بِيَقِينٍ .
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { احْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } : مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ بِمُشَاهَدَةِ الشَّهْرِ ، وَهِيَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } .
وَقَدْ زَلَّ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ فَقَالَ : يُعَوَّلُ عَلَى الْحِسَابِ بِتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ ، حَتَّى يَدُلَّ مَا يَجْتَمِعُ حِسَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحْوٌ لَرُئِيَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ } .
مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَأَكْمِلُوا الْمِقْدَارَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا صَوْمَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَقَدْ زَلَّ أَيْضًا بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُعَوَّلُ عَلَى الْحِسَابِ وَهِيَ عَثْرَةٌ لَا لَعًا لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ } فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ ، وَهُوَ مُقِيمٌ ، ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ الصَّوْمُ فِي بَقِيَّتِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ .
الثَّانِي : مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ مِنْهُ مَا شَهِدَ وَلْيُفْطِرْ مَا سَافَرَ وَقَدْ سَقَطَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ عَلَى الثَّانِي ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ مِنْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرَ الْمُسْلِمُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا صَامَ فِي الْمِصْرِ ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ لَزِمَهُ إكْمَالُ الصَّوْمِ ، فَلَوْ أَفْطَرَ قَالَ مَالِكٌ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عُذْرٌ طَرَأَ ، فَكَانَ كَالْمَرَضِ يَطْرَأُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ طَرَأَ بَعْدَ لُزُومِ الْعِبَادَةِ ، وَيُخَالِفُ الْمَرَضَ وَالْحَيْضَ ، لِأَنَّ الْمَرَضَ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ ، وَالسَّفَرُ لَا يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ؛ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ رَآهُ ، فَأَمَّا مَنْ أُخْبِرَ بِهِ فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ ؛ لِأَنَّ رُؤْيَتَهُ قَدْ تَكُونُ لَمْحَةً ، فَلَوْ وَقَفَ صَوْمُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَتِهِ لَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْقَاطِهِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَرَاهُ وَقْتَ طُلُوعِهِ ، وَإِنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِي دَرْكِهِ كُلُّ أَحَدٍ وَيَمْتَدُّ أَمَدُهُ يُعْلَمُ بِخَبَرِ الْمُؤَذِّنِ ، فَكَيْفَ الْهِلَالُ الَّذِي يَخْفَى أَمْرُهُ وَيَقْصُرُ أَمَدُهُ ، .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْهُ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُجْزِي فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ كَالصَّلَاةِ قَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الشَّهَادَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ قَالَهُ مَالِكٌ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى أَوَّلَهُ مَجْرَى الْإِخْبَارِ وَأَجْرَى آخِرَهُ مَجْرَى الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ؛ وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ لِلْعِبَادَةِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاطُ لِدُخُولِهَا كَمَا يَحْتَاطُ لِخُرُوجِهَا ، وَالِاحْتِيَاطُ لِدُخُولِهَا أَلَّا تَلْزَمَ إلَّا بِيَقِينٍ .
وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ فَاسْتَظْهَرَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبْصَرْتُ الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ ، فَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : يَا بِلَالُ ؛ أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا } .
خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ } ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا تَارَةً وَتَارَةً مُسْنَدًا ؛ وَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدَحُ عِنْدَنَا فِي الْإِخْبَارِ ، وَبِهِ قَالَ النَّظَّامُ ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ يُسْنِدُهُ تَارَةً وَيُرْسِلُهُ تَارَةً أُخْرَى ، وَيُسْنِدُهُ رَجُلٌ وَيُرْسِلُهُ آخَرُ
.
وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ رَآهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ وَزِيَادَةٌ عَلَى السَّبَبِ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا جَائِزًا لَبَطَلَ كُلُّ خَبَرٍ بِتَقْدِيرِ الزِّيَادَةِ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : نُؤَيِّدُهُ بِالْأَدِلَّةِ ، قُلْنَا : لَا دَلِيلَ ، إنَّمَا الصَّحِيحُ فِيهِ قَبُولُ الْخَبَرِ مِنْ الْعَدْلِ وَلُزُومُ الْعَمَلِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا أَخْبَرَ مُخْبِرٌ عَنْ رُؤْيَةِ بَلَدٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْرُبَ أَوْ يَبْعُدَ ؛ فَإِنْ قَرُبَ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ ، وَإِنْ بَعُدَ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ كُرَيْبٍ ، { أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بَعَثَتْهُ إلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بِالشَّامِ قَالَ : فَقَدِمْت الشَّامَ فَقَضَيْت حَاجَتَهَا ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ ، فَرَأَيْت الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ : مَتَى رَأَيْته ؟ فَقُلْت : لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : أَنْتَ رَأَيْته ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ قَالَ : لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَقُلْت لَهُ : أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ ؟ قَالَ : لَا ؛ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، فَقِيلَ : رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ ، وَقِيلَ : رَدَّهُ ؛ لِأَنَّ الْأَقْطَارَ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَطَالِعِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ كُرَيْبًا لَمْ يَشْهَدْ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُكْمٍ ثَبَتَ بِشَهَادَةٍ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالشَّهَادَةِ يُجْزَى فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ ؛ وَنَظِيرُ مَا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَهَلَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِأَغْمَاتَ ، وَأَهَلَّ بِإِشْبِيلِيَّةَ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَيَكُونُ لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ ؛ لِأَنَّ سُهَيْلًا يُكْشَفُ مِنْ أَغْمَاتَ وَلَا يُكْشَفُ مِنْ إشْبِيلِيَّةَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } : مَعْنَاهُ عِدَّةُ الْهِلَالِ ، كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ تُكَبِّرُوا إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ، وَلَا يَزَالُ التَّكْبِيرُ مَشْرُوعًا حَتَّى تُصَلَّى صَلَاةُ الْعِيدِ ، وَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ ، وَيُكَبِّرُ فِي الْعِيدِ } ، فَأَمَّا تَكْبِيرُهُ إذَا رَأَى الْهِلَالَ فَلَمْ يَثْبُتْ ، أَمَّا إنَّهُ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ قَتَادَةَ بَلَاغًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ : أَحَدُهُمَا : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ أَعْرَضَ عَنْهُ } .
الثَّانِي : { أَنَّهُ كَانَ إذَا رَآهُ قَالَ : هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، آمَنْت بِاَلَّذِي خَلَقَك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا } .
قَالَ الْقَاضِي : وَلَقَدْ لُكْته فَمَا وَجَدْت لَهُ طَعْمًا .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ زَوْجِ الْحُرَّةِ [ أَنْبَأَنَا النَّجِيُّ ] ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَحْبُوبٍ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ سَوْرَةَ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، أَنْبَأَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ الْمَدَنِيُّ ، أَنْبَأَنَا بِلَالُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ } .
قَالَ ابْنُ سَوْرَةَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ .
وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْعِيدِ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ مَا وَجَدْت فِيهَا شِفَاءً عِنْدَ أَحَدٍ ، وَمِقْدَارُ الَّذِي تَحَصَّلَ بَعْدَ الْبَحْثِ أَنَّ لِلتَّكْبِيرِ ثَلَاثَ أَحْوَالٍ : حَالٌ فِي وَقْتِ الْبُرُوزِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَحَالَ الصَّلَاةِ ، وَحَالٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ .
فَأَمَّا
تَكْبِيرُ الْبُرُوزِ ، فَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْأَزْدِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَطَاءٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْفِطْرِ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى } .
وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْجَبَّانَةَ } ، يُرِيدُ حِينَ يَبْرُزُ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي التَّكْبِيرِ فِي الْفِطْرِ أَشَدَّ مِنْهُمْ فِي الْأَضْحَى .
وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَرَوَيْنَا فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَارًا عَنْ السَّلَفِ .
فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيُّ ، وَغَيْرُهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَاللَّفْظُ وَاحِدٌ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ } .
وَأَمَّا أَخْبَارُ السَّلَفِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُكَبِّرُ إحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ، سِتًّا فِي
========================================ج2.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ ، وَيُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، ثَلَاثًا فِي الْأُولَى وَثِنْتَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ " .
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ، سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ ، سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ " .
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : " ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً مِثْلَهُ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً ؛ سَبْعًا فِي الْأُولَى وَسِتًّا فِي الثَّانِيَةِ " .
وَرُوِيَ عَنْهُ : " إنْ شِئْت سَبْعًا ، أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ ، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : " يُكَبِّرُ تِسْعًا : خَمْسًا فِي الْأُولَى ، وَأَرْبَعًا فِي الثَّانِيَةِ " وَمِثْلُهُ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مُوسَى ؛ وَرُوِيَ عَنْهُمَا : " يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبَعًا كَتَكْبِيرِ الْجَنَائِزِ " .
وَقَدْ أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ إلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، سَأَلَهُمْ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ ، فَقَالُوا : ثَمَانِي تَكْبِيرَاتٍ ، فَذَكَرَهُ لِابْنِ سِيرِينَ ، فَقَالَ : صَدَقَ ، وَلَكِنَّهُ أَغْفَلَ تَكْبِيرَةَ فَاتِحَةِ الصَّلَاةِ .
وَاخْتَلَفَ رَأْيُ الْفُقَهَاءِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ : سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ .
إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : سَبْعًا فِي الْأُولَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ .
قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ : سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُكَبِّرُ خَمْسًا فِي الْأُولَى ، وَأَرْبَعًا فِي الثَّانِيَةِ ، سِتٌّ فِيهَا زَوَائِدُ ، وَثَلَاثٌ أَصْلِيَّاتٌ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَتَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ ، لَكِنْ يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَيُقَدِّمُ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَيُقَدِّمُ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ
التَّكْبِيرِ .
وَرَوَى أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ الصَّحَابَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى مَذْهَبِهِمْ .
وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا كَأَعْدَادِ الْوُضُوءِ وَرَكَعَاتِ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ قَائِلِهِ لَيْسَ فِي الْوُضُوءِ أَعْدَادٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا ، وَلَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ رَكَعَاتٌ مُقَدَّرَةٌ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ رِوَايَاتٍ فِي صَلَاةِ جَمَاعَاتٍ ، فَهِيَ كَاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ؛ وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ فِيهَا عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْهَا : أَحَدُهَا : أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ رِوَايَةٍ ، فَمَنْ فَعَلَ مِنْهَا شَيْئًا تَمَّ لَهُ الْمُرَادُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ نَفْسُ التَّكْبِيرِ لَا قَدْرُهُ .
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ رِوَايَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْجَحُ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ بِالدِّينِ أَقْعَدُ فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوهَا ، فَصَارَ نَقْلُهُمْ كَالتَّوَاتُرِ لَهَا .
وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَأَى تَكْبِيرًا يَتَأَلَّفُ مِنْ مَجْمُوعِهِ وِتْرٌ ، وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ [ وَإِلَيْهِ أَمِيلُ ] .
وَقَدْ يُمْكِنُ تَلْخِيصُ بَعْضِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَدَّ الْأُصُولَ وَالزَّوَائِدَ مَرَّةً وَأَخْبَرَ عَنْهَا ، فَيَأْتِيَ مِنْ مَجْمُوعِهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى الزَّوَائِدِ فِي الذِّكْرِ وَيَحْذِفَ الْأَصْلِيَّاتِ الثَّلَاثَ فَيَظْهَرُ هَاهُنَا التَّبَايُنُ أَكْثَرَ ، وَلَكِنْ يَفْضُلُ الْكُلُّ مَا قَدَّمْنَا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَعْمَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ ، فَرَوَى أَبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ غَدَاةَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَوْمَ دَفْعَةِ النَّاسِ الْعُظْمَى } .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ جَابِرٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ يَقُولُ : عَلَى مَكَانِكُمْ ، وَيَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ } .
وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : " أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَلَا يُكَبِّرُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ " كَذَلِكَ فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ .
وَرَوَى رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْته يُكَبِّرُ فِي الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ : اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا .
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ أَبِي جَعْفَرٍ [ عَنْ جَابِرٍ ] ، أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ ، وَذَكَرَهَا ابْنُ الْجَلَّابِ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَاخْتَارَ عُلَمَاؤُنَا التَّكْبِيرَ الْمُطْلَقَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَإِلَيْهِ أَمِيلُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الْإِقْبَالَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ شُكْرًا عَلَى مَا أَوْلَى مِنْ الْهِدَايَةِ وَأَنْقَذَ بِهِ مِنْ الْغَوَايَةِ ، وَبَدَلًا عَمَّا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنْ التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ ، وَالتَّظَاهُرِ بِالْأَحْسَابِ ، وَتَعْدِيدِ الْمَنَاقِبِ ، عَلَى مَا يَأْتِي تِبْيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } .
فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْأَئِمَّةُ : الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْبَرَاءِ : { أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إذَا حَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَأَنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا ، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ : أَعِنْدَكِ طَعَامٌ ؟ قَالَتْ : لَا ، وَلَكِنِّي أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ ، وَكَانَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ نَامَ قَالَتْ : خَيْبَةً لَك ؛ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ نَحْوَهُ ، { وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجَعَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَمَرَ عِنْدَهُ لَيْلَةً ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ نَامَتْ فَأَرَادَهَا فَقَالَتْ : قَدْ نِمْتُ ، فَقَالَ : مَا نِمْت ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَصَنَعَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ مِثْلَهُ .
فَغَدَا عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَعْتَذِرُ إلَى اللَّهِ وَإِلَيْك ؟ فَإِنَّ نَفْسِي زَيَّنَتْ لِي مُوَاقَعَةَ أَهْلِي ، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ
رُخْصَةٍ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَمْ تَكُنْ بِذَلِكَ حَقِيقًا يَا عُمَرُ ، فَلَمَّا بَلَغَ بَيْتَهُ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَنْبَأَهُ بِعُذْرِهِ فِي آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ } .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي أَبْوَابِ الْأَذَانِ قَالَ : " جَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَرَادَ أَهْلَهُ ، فَقَالَتْ : إنِّي قَدْ نِمْت : فَظَنَّ أَنَّهَا تَعْتَلُّ ، فَأَتَاهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي " الرَّفَثِ " : الرَّفَثُ يَكُونُ الْإِفْحَاشَ فِي الْمَنْطِقِ ، وَيَكُونُ حَدِيثَ النِّسَاءِ ، وَيَكُونُ مُبَاشَرَتَهُنَّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمُبَاشَرَةُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْمُبَاشَرَةُ الْجَمْعُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يَكُنِّي ، وَهَذَا يَعْضُدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ يَصُومُونَ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ } : الْمَعْنَى هُنَّ [ سِتْرٌ ] لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ وَيُفْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ إلَى صَاحِبِهِ ، وَيَسْتَتِرُ بِهِ وَيَسْكُنُ إلَيْهِ .
وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ صَاحِبِهِ لِمُخَالَطَتِهِ إيَّاهُ وَمُبَاشَرَتِهِ لَهُ .
وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مُتَعَفِّفٌ بِصَاحِبِهِ مُسْتَتِرٌ بِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ التَّعَرِّي مَعَ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ رِوَايَةِ عُمَرَ وَكَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلِمَ الْخِيَانَةَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَا عَلِمَ مَوْجُودًا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَتَقْدِيرُهُ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَرَخَّصَ لَكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمْرِ تَوْبَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَمَعْنَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ التَّوَّابُ ، وَقَدْ تَابَ عَلَيْنَا رَبُّنَا هَاهُنَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَبُولُهُ تَوْبَةَ مَنْ اخْتَانَ نَفْسَهُ .
وَالثَّانِي : تَخْفِيفُ مَا ثَقُلَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أَيْ رَجَعَ إلَى التَّخْفِيفِ .
قَالَ عُلَمَاءُ الزُّهْدِ : وَكَذَا فَلْتَكُنْ الْعِنَايَةُ وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ ، خَانَ نَفْسَهُ عُمَرُ فَجَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَرِيعَةً ، وَخَفَّفَ لِأَجْلِهِ عَنْ الْأُمَّةِ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ } : مَعْنَاهُ : قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْآيَةِ جِمَاعُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا جُوعُ قَيْسٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّبَبُ جُوعَ قَيْسٍ لَقَالَ : فَالْآنَ كُلُوا ، ابْتَدَأَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ الَّذِي نَزَلَتْ الْآيَةُ لِأَجْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ الْحَلَالِ .
الثَّانِي : مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ الْوَلَدِ .
الثَّالِثُ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ .
فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَامٌّ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ قَيْسٍ ، وَالثَّانِي خَاصٌّ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ عُمَرَ ، وَالثَّالِثُ عَامٌّ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } : هَذَا جَوَابُ نَازِلَةِ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ ، وَالْأَوَّلُ جَوَابُ نَازِلَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ وَبَدَأَ بِنَازِلَةِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ الْمُهِمُّ فَهُوَ الْمُقَدَّمُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } : رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ : { قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَمَدْت إلَى عِقَالَيْنِ لِي أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي ، وَجَعَلْت أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ إلَيْهِمَا فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَعَمَدْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الْفَجْرِ } } .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَمْنَعَنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِكُمْ ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا حَتَّى يَقُولَ : هَكَذَا وَضَرَبَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } : فَشَرَطَ رَبُّنَا تَعَالَى إتْمَامَ الصَّوْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ اللَّيْلُ ، كَمَا جَوَّزَ الْأَكْلَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ النَّهَارُ ، وَلَكِنْ إذَا تَبَيَّنَ اللَّيْلُ فَالسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ { : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ؛ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى ، فَقَالَ لِرَجُلٍ : انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي .
قَالَ : لَوْ انْتَظَرْت حَتَّى تُمْسِيَ .
قَالَ : انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي إذَا رَأَيْت اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ كَمَا أَنَّ السُّنَّةَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُخَالَفَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ كَذَلِكَ السُّنَّةُ تَقْدِيمُ الْإِمْسَاكِ إذَا قَرُبَ الْفَجْرُ عَنْ مَحْظُورَاتِ الصِّيَامِ .
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَوَّزَ الْأَكْلَ مَعَ الشَّكِّ فِي الْفَجْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى يَتَبَيَّنَ } وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ .
وَتَأَوَّلَهُ عُلَمَاؤُنَا : قَارَبْت الصَّبَاحَ ، وَقَارَبْت تَبَيُّنَ الْخَيْطِ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِوَضْعِ الشَّرِيعَةِ وَحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُوشِكُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ } .
وَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَأَكَلْت لَمْ تَخَفْ مُوَاقَعَةَ مَحْظُورٍ ، وَإِذَا دَنَا الصَّبَاحُ لَمْ يَحِلَّ لَك الْأَكْلُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَوْقَعَك فِي الْمَحْظُورِ غَالِبًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إذَا تَبَيَّنَ اللَّيْلُ سُنَّ الْفِطْرُ شَرْعًا ، أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ ؛ فَإِنْ تَرَكَ الْأَكْلَ لِعُذْرٍ أَوْ لِشُغْلٍ جَازَ ، وَإِنْ تَرَكَهُ قَصْدًا لِمُوَالَاةِ الصِّيَامِ قُرْبَةً اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ فَمِمَّنْ رَآهُ جَائِزًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، كَانَ يَصُومُ الْأُسْبُوعَ وَيُفْطِرُ عَلَى الصَّبْرِ ، وَرَآهُ الْأَكْثَرُ حَرَامًا لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ وَالتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ مَعْرُوفَةٌ ، وَهِيَ ضَعْفُ الْقُوَى وَإِنْهَاكُ الْأَبْدَانِ .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : فَإِنَّك تُوَاصِلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَيُّكُمْ مِثْلِي ؟ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي .
فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا وَيَوْمًا ، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ ، فَقَالَ : لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ } ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، وَإِنَّمَا كَانَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلُوهُ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا فَعَلُوهُ .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُوَاصِلُوا ؛ فَأَيُّكُمْ أَرَادَ الْوِصَالَ فَلْيُوَاصِلْ ، حَتَّى السَّحَرِ } ، وَهَذِهِ إبَاحَةٌ لِتَأْخِيرِ الْفِطْرِ ، وَمَنْعٌ مِنْ إيصَالِ يَوْمٍ بِيَوْمٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } : بَيَّنَ بِذَلِكَ مَحْظُورَاتِ الصِّيَامِ ؛ وَهِيَ الْأَكْلُ ، وَالشُّرْبُ ، وَالْجِمَاعُ .
فَأَمَّا ظَاهِرُ الْمُبَاشَرَةِ الَّتِي هِيَ اتِّصَالُ الْبَشَرَةِ بِالْبَشَرَةِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا حَرَامٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مُبَاحَةٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ بَيْنَ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ التَّعَرُّضَ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ مَنْ يَأْمَنُ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهَا : أَنَّهَا سَبَبٌ وَدَاعِيَّةٌ إلَى الْجِمَاعِ ، وَذَرِيعَةٌ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَيُخْتَلَفُ فِي حُكْمِهَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي تَحْرِيمِ الذَّرَائِعِ الَّتِي تَدْعُو إلَى الْمَحْظُورَاتِ ؛ فَأَمَّا عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فَاعْتَبَرُوا حَالَ الرَّجُلِ وَخَوْفَهُ عَلَى صَوْمِهِ وَأَمْنَهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ أَزْوَاجَهُ عَائِشَةَ وَغَيْرَهَا ، وَهُوَ صَائِمٌ ، وَيَأْمُرُ بِالْإِخْبَارِ بِذَلِكَ } ؛ لَكِنَّ النَّبِيَّ كَانَ أَمْلَكَنَا لِإِرْبِهِ .
وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ بِجَوَازِهَا وَهُوَ شَابٌّ } ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهَا مَا اعْتَبَرَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ حَالِ الْمُقَبِّلِ ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ تَجَاوَزَ فِي التَّفْصِيلِ حَدَّ الْفُتْيَا ، وَنَحْنُ نَضْبِطُ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى .
فَنَقُولُ : أَمَّا إنْ أَفْضَى التَّقْبِيلُ وَالْمُبَاشَرَةُ إلَى الْمَذْيِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَهُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَأَمَّا إنْ خِيفَ إفْضَاؤُهُ إلَى الْمَنِيِّ فَذَلِكَ الْمَمْنُوعُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ إنْ قِيلَ : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ } الْفَجْرَ وَيَتَأَخَّرُ الْبَيَانُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ؟ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ حَتَّى يَقَعَ الْخَطَأُ عَنْ الْمَقْصُودِ لَا يَجُوزُ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْبَيَانَ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ ، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُدْرِكُهُ جَمِيعُ النَّاسِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ مَكْشُوفًا فِي دَرَجَةٍ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِيهِ إلَّا عَدِيٌّ وَحْدَهُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَنِّفْ عَدِيًّا ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَيَانَ فِيهِ جَلِيًّا .
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { إنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا } ، وَضَحِكَ ؛ وَلَا يَضْحَكُ إلَّا عَلَى جَائِزٍ ، وَلَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ لَهُ إلَّا تَعْرِيضُهُ لِلْغَبَاوَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْوَطْءَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جُنُبٌ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ إجْمَاعًا ؛ وَقَدْ كَانَ وَقَعَ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ كَلَامٌ ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ ، وَبِهَذَا احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ ، وَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَهُ بِاسْتِنْبَاطِهِ ، وَغَوْصِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } : الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ هُوَ اللُّبْثُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَقَلُّهُ لَحْظَةٌ ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ مُقَدَّرٌ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِأَنَّ الصَّوْمَ عِنْدَهُمَا مِنْ شَرْطِهِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الصَّائِمِينَ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ فِي الْوَجْهَيْنِ : أَمَّا اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ فِيهِ بِخِطَابِهِ تَعَالَى لِمَنْ صَامَ فَلَا يَلْزَمُ بِظَاهِرِهِ وَلَا بَاطِنِهِ ؛ لِأَنَّهَا حَالٌ وَاقِعَةٌ لَا مُشْتَرَطَةٌ .
وَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ شَرْطِهِ فَضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ مُقَدَّرَةً بِشَرْطِهَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَتَنْقَضِي الصَّلَاةُ وَتَبْقَى الطَّهَارَةُ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ دَلِيلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِيهِ ، وَيُغْنِي الْآنَ لَكُمْ عَنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ : اعْتَكِفْ وَصُمْ } .
وَكَانَ شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّاشِيُّ إذَا دَخَلْنَا مَعَهُ مَسْجِدًا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ لِإِقَامَةِ سَاعَةٍ يَقُولُ : انْوُوا الِاعْتِكَافَ تَرْبَحُوهُ .
وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ اسْمٌ لُغَوِيٌّ شَرْعِيٌّ ، فَجَاءَ الشَّرْعُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَقْدِيرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّهُ ، وَجَاءَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِكَافِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبَّ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فِي الْمَسَاجِدِ } : مَذْهَبُ مَالِكٍ الصَّرِيحُ الَّذِي لَا مَذْهَبَ لَهُ سِوَاهُ جَوَازُ الِاعْتِكَافِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فَعَمَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا ؛ لَكِنَّهُ إذَا اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ لَا جُمُعَةَ فِيهِ لِلْجُمُعَةِ ، فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ ، وَلَا نَقُولُ بِهِ ؛ بَلْ يَشْرُفُ الِاعْتِكَافُ وَيَعْظُمُ .
وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الِاعْتِكَافِ مِنْ مَسْجِدٍ إلَى مَسْجِدٍ لَجَازَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إجْمَاعًا ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى سِوَاهُ ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : وَهِيَ بَدِيعَةٌ : فَإِنْ قِيلَ : قُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ } : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِمَاعُ ، وَقُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ } : إنَّهُ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ ، فَكَيْفَ هَذَا التَّنَاقُضُ ؟ قُلْنَا : كَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ } : إنَّهَا الْمُبَاشَرَةُ بِأَسْرِهَا صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ؛ وَلَوْلَا أَنَّ السُّنَّةَ قَضَتْ عَلَى عُمُومِهَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ فِي جَوَازِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ ، وَبِإِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْقُبْلَةِ وَهُوَ صَائِمٌ فَخَصَصْنَاهَا .
فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ } فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَعَضَّدَتْهَا أَدِلَّةٌ سِوَاهَا ؛ وَهِيَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى رُكْنَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَرْكُ الْأَعْمَالِ الْمُبَاحَةِ بِإِجْمَاعٍ .
الثَّانِي : تَرْكُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ سِوَاهُ مِمَّا يَقْطَعُهُ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ بَابِهِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْعِبَادَاتُ تُؤَثِّرُ فِيهِ ، وَالْمُبَاحَاتُ لَا تَجُوزُ مَعَهُ فَالشَّهَوَاتُ أَحْرَى أَنْ تُمْنَعَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } : فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُبَاشَرَةَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَذَلِكَ يَحْرُمُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ مُلْتَزِمُونَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَقِدُونَ لَهُ ، فَهُوَ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَهُوَ مُلْتَزِمٌ لِلِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ مُعْتَقِدٌ لَهُ رَخَّصَ لَهُ فِي حَاجَةِ الْإِنْسَانِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، وَبَقِيَ سَائِرُ أَفْعَالِ الِاعْتِكَافِ كُلِّهَا عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى { : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ ، مِنْ قَوَاعِدِ الْمُعَامَلَاتِ ، وَأَسَاسِ الْمُعَاوَضَاتِ يَنْبَنِي عَلَيْهَا ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ : هَذِهِ الْآيَةُ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَأَحَادِيثُ الْغَرَرِ ، وَاعْتِبَارُ الْمَقَاصِدِ وَالْمَصَالِحِ ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُتَعَلِّقُ كُلِّ مُؤَالِفٍ وَمُخَالِفٍ فِي كُلِّ حُكْمٍ يَدَّعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَاطِلٌ حَتَّى تُبَيِّنَهُ بِالدَّلِيلِ ، وَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومُ ؛ فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَاطِلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ لَا يَجُوزُ ، وَلَيْسَ فِيهَا تَعْيِينُ الْبَاطِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ } : الْمَعْنَى : لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } : الْمَعْنَى : لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
وَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ .
وَوَجْهُ هَذَا الِامْتِزَاجِ أَنَّ أَخَا الْمُسْلِمِ كَنَفْسِهِ فِي الْحُرْمَةِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ ؛ أَمَّا الْأَثَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ } .
وَأَمَّا النَّظَرُ فَلِأَنَّ رِقَّةَ الْجِنْسِيَّةَ تَقْتَضِيهِ وَشَفَقَةَ الْآدَمِيَّةِ تَسْتَدْعِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا } : مَعْنَاهُ : وَلَا تَأْخُذُوا وَلَا تَتَعَاطَوْا .
وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ التَّمَتُّعَ بِهِ فِي شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا } فَخَصَّ شَهْوَةَ الْبَطْنِ ؛ لِأَنَّهَا الْأُولَى الْمُثِيرَةُ لِشَهْوَةِ الْفَرْجِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِالْبَاطِلِ } : يَعْنِي : بِمَا لَا يَحِلُّ شَرْعًا وَلَا يُفِيدُ مَقْصُودًا ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ نَهَى عَنْهُ ، وَمَنَعَ مِنْهُ ، وَحَرَّمَ تَعَاطِيَهُ ، كَالرِّبَا وَالْغَرَرِ وَنَحْوِهِمَا ، وَالْبَاطِلُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، فَفِي الْمَعْقُولِ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَعْدُومِ ، وَفِي الْمَشْرُوعِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا يُفِيدُ مَقْصُودًا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ } : أَيْ : تُورِدُونَ كَلَامَكُمْ فِيهَا : ضَرَبَ لِلْكَلَامِ الْمَوْرُودِ عَلَى السَّامِعِ مَثَلًا بِالدَّلْوِ الْمَوْرُودَةِ عَلَى الْمَاءِ ، لِيَأْخُذَ الْمَاءَ وَحَقِيقَةُ اللَّفْظِ : وَتُدْلُوا كَلَامَكُمْ .
أَوْ يَكُونُ الْكَلَامِ مُمَثَّلًا بِالْحَبْلِ ، وَالْمَالُ الْمَذْكُورُ مُمَثَّلًا بِالدَّلْوِ ؛ لِتَقْطَعُوا قِطْعَةً مِنْ أَمْوَالِ غَيْرِكُمْ ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمُخَاصِمُ .
{ بِالْإِثْمِ } : أَيْ مَقْرُونَةً بِالْإِثْمِ { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } : تَحْرِيمَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ قَطْعًا غَيْرُ جَائِزٍ إجْمَاعًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَدَارَ حُكْمِ الْحَاكِمِ [ هُوَ فِي الظَّاهِرِ ] عَلَى كَلَامِ الْخَصْمَيْنِ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُهُ عِلْمُهُ ، فَلَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُهُ ؛ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ سُبْحَانَهُ وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصْطَفَى لِلِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ يَتَبَرَّأُ مِنْ الْبَاطِنِ ، وَيَتَنَصَّلُ مِنْ تَعَدِّي حُكْمِهِ إلَيْهِ ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ ؟ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ مُصِيبٌ فِي حُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ وَإِنْ أَخْطَأَ الصَّوَابَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا } بِحُكْمِهِمْ { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } بُطْلَانَ ذَلِكَ ، وَالْحَاكِمُ فِي عَفْوِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ ، وَالظَّالِمُ فِي سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِقَابِهِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى { : يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا عَنْ زِيَادَةِ الْأَهِلَّةِ وَنُقْصَانِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ لِمَ جُعِلَتْ الْأَهِلَّةُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ } .
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَيْنِ .
وَفِي الْأَثَرِ أَنَّهُ وَكَّلَ بِهِمَا مَلَكَيْنِ ؛ وَرَتَّبَ لَهُمَا مَطْلَعَيْنِ ، وَصَرَّفَهُمَا بَيْنَهُمَا لِمَصْلَحَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا دُنْيَوِيَّةٌ وَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِالشَّمْسِ ، وَالْأُخْرَى دِينِيَّةٌ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْقَمَرِ ؛ وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ جَعَلَ أَهْلُ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا الشَّمْسَ مَلَكًا أَعْجَمِيًّا وَالْقَمَرَ مَلَكًا عَرَبِيًّا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { : قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ } : يَعْنِي : فِي صَوْمِهِمْ وَإِفْطَارِهِمْ وَآجَالِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ وَمَنَافِعَ كَثِيرَةٍ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْحَجِّ } : مَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْحَجِّ آخِرًا مَعَ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ ؟ وَهِيَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَحُجُّ بِالْعَدَدِ وَتُبَدِّلُ الشُّهُورَ ؛ فَأَبْطَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِعْلَهُمْ وَقَوْلَهُمْ ، وَجَعَلَهُ مَقْرُونًا بِالرُّؤْيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِيقَاتٌ فَعَلَيْهِ يُعَوَّلُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } ، فَإِنْ لَمْ يُرَ فَلْيُرْجَعْ إلَى الْعَدَدِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ جُهِلَ أَوَّلُ الشَّهْرِ عُوِّلَ عَلَى عَدَدِ الْهِلَالِ قَبْلَهُ ، وَإِنْ عُلِمَ أَوَّلُهُ بِالرُّؤْيَةِ بُنِيَ آخِرُهُ عَلَى الْعَدَدِ الْمُرَتَّبِ عَلَى رُؤْيَتِهِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } .
وَرُوِيَ : { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا رَأَى أَحَدٌ الْهِلَالَ كَبِيرًا : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يُعَوَّلُ عَلَى كِبَرِهِ وَلَا عَلَى صِغَرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَيْلَتِهِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ مَا تَزُولُ الشَّمْسُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ " .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ : أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ رُئِيَ بِعَشِيٍّ فَلَمْ يُفْطِرْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى أَمْسَى .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ : قَدِمْنَا حُجَّاجًا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالصِّفَاحِ رَأَيْنَا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ كَأَنَّهُ ابْنُ خَمْسِ لَيَالٍ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ سَأَلْنَاهُ فَقَالَ : جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ يُصَامُ لِرُؤْيَتِهَا وَيُفْطَرُ لِرُؤْيَتِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ : وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَغَيْرُهُمَا : هُوَ لِلْمَاضِيَةِ .
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ عَنْ عُمَرَ ، وَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ : " أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ قَوْمٌ : إنَّ الْمَنَاسِكَ مِنْ صَوْمٍ وَحَجٍّ تَنْبَنِي عَلَى حِسَابِ مَنَازِلِ الْقَمَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَعَلَّقَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } فَجَعَلَ جَمِيعَهَا مِيقَاتًا لِلْحَجِّ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَفَادَتْ بَيَانَ حِكْمَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَأَمَّا تَخْصِيصُ الْفَوَائِدِ بِالْأَهِلَّةِ وَتَعْيِينُهَا فَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُصَامُ لِجَمِيعِهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يُحَجُّ لِجَمِيعِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ، فَقَالَ : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } فَبَيَّنَ أَنَّ أَهِلَّتَهُ مَعْلُومَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْأَهِلَّةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { : وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } : كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِيمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ : { أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا إذَا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ ، فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِهِ فَرَجَعَ لِحَاجَةٍ لَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ ؛ فَيَقْتَحِمَ الْجِدَارَ مِنْ وَرَائِهِ ؛ ثُمَّ يَقُومَ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرَ بِحَاجَتِهِ ، فَتَخْرُجَ إلَيْهِ مِنْ بَيْتِهِ ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَثَرِهِ كَانَ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أَحْمَسِيٌّ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَتْ الْحُمْسُ لَا يُبَالُونَ ذَلِكَ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : وَأَنَا أَحْمَسِيٌّ يَعْنِي عَلَى دِينِك فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فِي تَأْوِيلِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا بُيُوتُ الْمَنَازِلِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا النِّسَاءُ أَمَرَنَا بِإِتْيَانِهِنَّ مِنْ الْقُبُلِ لَا مِنْ الدُّبُرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا مَثَلٌ ؛ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَأْتُوا الْأُمُورَ مِنْ وُجُوهِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا الْقَوْلُ إنَّ الْمُرَادَ بِهَا النِّسَاءُ : فَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ ، فَلَمْ يُوجَدْ وَلَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ مَثَلًا فِي إتْيَانِ الْأُمُورِ مِنْ وُجُوهِهَا : فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي كُلِّ آيَةٍ ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ حَقِيقَةٍ مَثَلًا مِنْهَا مَا يَقْرَبُ وَمِنْهَا مَا يَبْعُدُ .
وَحَقِيقَةُ هَذِهِ الْآيَةِ الْبُيُوتُ الْمَعْرُوفَةُ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ذَكَرْنَا أَوْعَبَهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ، فَحَقَّقَ أَنَّهَا الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ،
ثُمَّ رَكَّبَ مِنْ الْأَمْثَالِ مَا يَحْمِلُهُ اللَّفْظُ وَيَقْرَبُ ، وَلَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ الْفِقْهِ ، وَهِيَ أَنَّ الْفِعْلَ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَنْدُوبَاتِ خَاصَّةً دُونَ الْمُبَاحِ وَدُونَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
وَاقْتِحَامُ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَكُنْ نَدْبًا فَيُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ الْقُرْبَةِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ النَّذْرُ بِمُبَاحٍ وَلَا مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَنْدُوبٍ ؛ وَهَذَا أَصْلٌ حَسَنٌ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ : قَوْله تَعَالَى { : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي مُقَدَّمَةٍ لَهَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيَانِ وَالْحُجَّةِ ، وَأَوْعَزَ إلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ بِالْمُعْجِزَةِ وَالتَّذْكِرَةِ ، وَفَسَّحَ لَهُمْ فِي الْمَهْلِ ، وَأَرْخَى لَهُمْ فِي الطِّيَلِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُدَّةِ بِمَا اقْتَضَتْهُ الْمَقَادِيرُ الَّتِي أَنْفَذهَا ، وَاسْتَمَرَّتْ بِهِ الْحِكْمَةُ ، وَالْكُفَّارُ يُقَابِلُونَهُ بِالْجُحُودِ وَالْإِنْكَارِ ، وَيَتَعَمَّدُونَهُ وَأَصْحَابَهُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْإِذَايَةِ ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابَهُ بِاحْتِمَالِ الْأَذَى وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِعْرَاضِ تَارَةً وَبِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ أُخْرَى ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، إلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ فِي الْقِتَالِ .
فَقِيلَ : إنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَاتَلَ ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَعْتَقِدُونَ قِتَالَهُمْ وَقَتْلَهُمْ بِأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضًا ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } .
ثُمَّ أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُلِّ ، فَقَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } الْآيَةَ ، وَقِيلَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ .
وَالصَّحِيحُ مَا رَتَّبْنَاهُ ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْإِذْنِ فِي الْقِتَالِ مَكِّيَّةٌ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَارَ إلَى الْعُمْرَةِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا ، فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، فَبَايَعَ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الصُّلْحِ إلَى أَمْرٍ رَبُّك أَعْلَمُ بِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ بَرَاءَةَ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ هَاهُنَا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِذَا بَعْدَهُ ، فَقَالَ تَعَالَى { : وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } بَيْدَ أَنَّ أَشْهَبَ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، أُمِرُوا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ أَمَرَ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ ، إذْ لَا يُمْكِنُ سِوَاهُ ؛ أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ بَيَّنَهَا تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ { : قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ } ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَوَّلًا كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ فَتَعَيَّنَتْ الْبِدَايَةُ بِهِمْ ، وَبِكُلِّ مَنْ دُونَهُمْ أَوْ عَاوَنَهُمْ ؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى مَكَّةَ كَانَ الْقِتَالُ لِمَنْ يَلِي مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي ، حَتَّى تَعُمَّ الدَّعْوَةُ وَتَبْلُغَ الْكَلِمَةُ جَمِيعَ الْآفَاقِ ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ الْكَفَرَةِ ، وَذَلِكَ مُتَمَادٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مُمْتَدٌّ إلَى غَايَةٍ هِيَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ : الْأَجْرُ وَالْغَنِيمَةُ } .
وَذَلِكَ لِبَقَاءِ الْقِتَالِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } وَقِيلَ غَايَتُهُ نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَنْزِلُ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ } .
وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ نُزُولَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، وَسَيُقَاتِلُ الدَّجَّالَ ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَهُوَ آخِرُ الْأَمْرِ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْجِهَادَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لَيْسَ بِفَرْضٍ إلَّا أَنْ يَسْتَنْفِرَ الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَهُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : وَمَالَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ ، وَظَنَّهُ قَوْمٌ بِابْنِ عُمَرَ حِينَ رَأَوْهُ مُوَاظِبًا عَلَى الْحَجِّ تَارِكًا لِلْجِهَادِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } .
ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ .
وَهَذَا هُوَ دَلِيلُنَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْجِهَادَ بَاقٍ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَإِنَّمَا رَفَعَ الْفَتْحُ الْهِجْرَةَ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } ؛ يَعْنِي كُفْرًا { وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } .
وَمُوَاظَبَةُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ الْحَقَّ ، وَهُوَ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنَّهُ لَا يُجَاهِدُ مَعَ وُلَاةِ الْجَوْرِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي زَمَانِهِ عُدُولٌ وَجَائِرُونَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُؤْثِرٌ لِلْحَجِّ مُوَاظِبٌ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَشَرَةَ أَعْوَامٍ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ ، ثُمَّ تَعَيَّنَ الْقِتَالُ بَعْدَ ذَلِكَ ، سَقَطَ فَرْضُ الدَّعْوَةِ إلَّا عَلَى الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ ، وَبَقِيَتْ مُسْتَحَبَّةً .
فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ وَعَمَّتْ ، وَظَهَرَ الْعِنَادُ ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ لَا يَنْقَطِعُ .
رَوَى مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اُدْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ، فَإِنْ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ } ، فَذَكَرَ الدُّعَاءَ إلَى الشَّهَادَةِ ، ثُمَّ إلَى الْهِجْرَةِ أَوْ إلَى الْجِزْيَةِ ، وَهَذَا إنَّمَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ .
وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلَ وَسَبَى ، فَعَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَائِزَ وَالْمُسْتَحَبَّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { : وَلَا تَعْتَدُوا } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : لَا تَقْتُلُوا مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } وَ { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { : وَلَا تَعْتَدُوا } أَيْ لَا تُقَاتِلُوا عَلَى غَيْرِ الدِّينِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } يَعْنِي دِينًا .
الثَّالِثُ : أَلَّا يُقَاتَلَ إلَّا مَنْ قَاتَلَ ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ ؛ فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ وَالرُّهْبَانُ فَلَا يُقْتَلُونَ ؛ وَبِذَلِكَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ أَرْسَلَهُ إلَى الشَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِهَؤُلَاءِ إذَايَةٌ .
وَفِيهِ سِتُّ صُوَرٍ : الْأُولَى : النِّسَاءُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ إلَّا أَنْ يُقَاتِلْنَ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهِنَّ ؛ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْأَئِمَّةُ ، وَهَذَا مَا لَمْ يُقَاتِلْنَ ، فَإِنْ قَاتَلْنَ قُتِلْنَ .
قَالَ سَحْنُونٌ : فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ قَتْلُهُنَّ ، إذَا قَاتَلْنَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ وَبَعْدَهَا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وقَوْله تَعَالَى { : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } وَلِلْمَرْأَةِ آثَارٌ عَظِيمَةٌ فِي الْقِتَالِ ؛ مِنْهَا الْإِمْدَادُ بِالْأَمْوَالِ ، وَمِنْهَا التَّحْرِيضُ عَلَى الْقِتَالِ ، فَقَدْ كُنَّ يَخْرُجْنَ نَاشِرَاتٍ شُعُورَهُنَّ ، نَادِبَاتٍ ، مُثِيرَاتٍ لِلثَّأْرِ ، مُعَيِّرَاتٍ بِالْفِرَارِ ، وَذَلِكَ يُبِيحُ قَتْلَهُنَّ .
الثَّانِيَةُ : الصِّبْيَانُ ؛ فَلَا يُقْتَلُ الصَّبِيُّ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الذُّرِّيَّةِ ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ ، فَإِنْ قَاتَلَ قُتِلَ حَالَةَ الْقِتَالِ ، فَإِذَا زَالَ الْقِتَالُ فَفِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي
الْعُتْبِيَّةِ يُقْتَلُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ ، فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ ، وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ : لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَلَا الصَّبِيُّ إذَا قَاتَلَا ، وَأُخِذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَسِيرَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَا قَتَلَا ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هَاهُنَا لَيْسَ قِصَاصًا ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاءٌ وَحَدٌّ ، وَاَلَّذِي يُقَوِّي عِنْدِي قَتْلَ الْمَرْأَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمِنَّةِ ، وَالْعَفْوِ عَنْ الصَّبِيِّ لِعَفْوِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الذُّنُوبِ .
الثَّالِثَةُ : الرُّهْبَانُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يُقْتَلُونَ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ ؛ بَلْ يُتْرَكُ لَهُمْ مَا يَعِيشُونَ بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَهَذَا إذَا انْفَرَدُوا عَنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : " وَسَتَجِدُ أَقْوَامًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ ، فَإِنْ كَانُوا مَعَ الْكُفَّارِ فِي الْكَنَائِسِ قُتِلُوا " .
وَلَوْ تَرَهَّبَتْ الْمَرْأَةُ رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تُهَاجُ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُغَيِّرُ التَّرَهُّبُ حُكْمَهَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي رِوَايَةُ أَشْهَبَ ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ : فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ .
الرَّابِعَةُ : الزَّمْنَى : قَالَ سَحْنُونٌ : يُقْتَلُونَ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُقْتَلُونَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ تُعْتَبَرَ أَحْوَالُهُمْ ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ إذَايَةٌ قُتِلُوا ، وَإِلَّا تُرِكُوا وَمَا هُمْ بِسَبِيلِهِ مِنْ الزَّمَانَةِ ، وَصَارُوا مَالًا عَلَى حَالِهِمْ .
الْخَامِسَةُ : الشُّيُوخُ : قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَا يُقْتَلُونَ ، وَرَأْيِي قَتْلُهُمْ ؛ لِمَا رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اُقْتُلُوا الشُّيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ ، وَيَعْضُدُهُ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَوُجُودُ الْمَعْنَى فِيهِمْ مِنْ الْمُحَارَبَةِ وَالْقِتَالِ ، إلَّا أَنْ يُدْخِلَهُمْ التَّشَيُّخُ وَالْكِبَرُ فِي حَدِّ
الْهَرَمِ وَالْفَنَدِ ، فَتَعُودُ زَمَانَةً ، وَيَلْحَقُونَ بِالصُّورَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ الزَّمْنَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكُلِّ إذَايَةٌ بِالرَّأْيِ ، وَنِكَايَةٌ بِالتَّدْبِيرِ فَيُقْتَلُونَ أَجْمَعُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
السَّادِسَةُ : الْعُسَفَاءُ : وَهُمْ الْأُجَرَاءُ وَالْفَلَّاحُونَ ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ حَشْوَةٌ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَا يُقْتَلُونَ ، وَفِي وَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ : " لَا تَقْتُلَنَّ عَسِيفًا " .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي قَتْلُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُقَاتِلُوا فَهُمْ رِدْءٌ لِلْمُقَاتِلِينَ ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرِّدْءَ يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْمُقَاتِلِ ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا الدَّلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَأَوْضَحْنَا وُجُوبَ قَتْلِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا فِيهِ غُنْيَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى { : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمَعْنَى حَيْثُ أَخَذْتُمُوهُمْ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : خَيِّرْهُمْ يَعْنِي أَصْحَابَك فِي أَسْرَى بَدْرٍ : الْقَتْلَ أَوْ الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ تَقْتُلَ مِنْهُمْ قَاتِلًا مِثْلَهُمْ .
قَالُوا : الْفِدَاءَ ، وَيُقْتَلُ مِنَّا } .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : إنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { : وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُحْكَمٌ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَقَدْ حَضَرْت فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ طَهَّرَهُ اللَّهُ بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُتْبَةَ الْحَنَفِيِّ وَالْقَاضِي الرَّيْحَانِيِّ يُلْقِي عَلَيْنَا الدَّرْسَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ بَهِيُّ الْمَنْظَرِ عَلَى ظَهْرِهِ أَطْمَارٌ ، فَسَلَّمَ سَلَامَ الْعُلَمَاءِ ، وَتَصَدَّرَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ بِمَدَارِعِ الرِّعَاءِ ، فَقَالَ لَهُ الرَّيْحَانِيُّ : مَنْ السَّيِّدُ ؟ فَقَالَ لَهُ : رَجُلٌ سَلَبَهُ الشُّطَّارُ أَمْسِ ، وَكَانَ مَقْصِدِي هَذَا الْحَرَمَ الْمُقَدَّسَ ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ صَاغَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَقَالَ الْقَاضِي مُبَادِرًا : سَلُوهُ ، عَلَى الْعَادَةِ فِي إكْرَامِ الْعُلَمَاءِ بِمُبَادَرَةِ سُؤَالِهِمْ .
وَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ إذَا الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ ، هَلْ يُقْتَلُ فِيهِ أَمْ لَا ؟ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ ، فَسُئِلَ عَنْ الدَّلِيلِ ، فَقَالَ : قَوْله تَعَالَى { : وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ } .
قُرِئَ : وَلَا تَقْتُلُوهُمْ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ ، فَإِنْ قُرِئَ وَلَا تَقْتُلُوهُمْ فَالْمَسْأَلَةُ نَصٌّ ، وَإِنْ قُرِئَ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ فَهُوَ تَنْبِيهٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَهَى عَنْ الْقِتَالِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَتْلِ كَانَ دَلِيلًا بَيِّنًا ظَاهِرًا عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْقَتْلِ .
فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الرَّيْحَانِيُّ مُنْتَصِرًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يَرَ مَذْهَبَهُمَا عَلَى الْعَادَةِ ، فَقَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ } .
فَقَالَ لَهُ الصَّاغَانِيُّ : هَذَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الْقَاضِي وَعِلْمِهِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي اعْتَرَضْت بِهَا عَلَيَّ عَامَّةٌ فِي الْأَمَاكِنِ ، وَالْآيَةَ الَّتِي احْتَجَجْت بِهَا خَاصَّةٌ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْعَامَّ يَنْسَخُ الْخَاصَّ ، فَأَبَهَتْ الْقَاضِي الرَّيْحَانِيُّ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ .
وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَهْلَ بِلَادِنَا ، فَقَالَ لَهُمْ : إنَّ الْعَامَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْسَخُ الْخَاصَّ ، وَهَذَا الْبَائِسُ لَيْتَهُ سَكَتَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ ، وَأَمْسَكَ عَمَّا لَا يَفْهَمُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَسَائِلَ مُجَرَّدَةٍ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً ؛ فَإِنْ لَجَأَ إلَيْهَا كَافِرٌ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الزَّانِي وَالْقَاتِلُ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ؛ إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ الْكَافِرُ بِالْقِتَالِ فِيهَا فَيُقْتَلُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { : فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } : هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا قَاتَلَ قُتِلَ بِكُلِّ حَالٍ ، بِخِلَافِ الْبَاغِي الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ إذَا قَاتَلَ يُقَاتَلُ بِنِيَّةِ الدَّفْعِ ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } : يَعْنِي انْتَهَوْا بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُمْ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ، وَيَرْحَمُ كُلًّا مِنْهُمْ بِالْعَفْوِ عَمَّا اجْتَرَمَ .
وَهَذَا مَا لَمْ يُؤْسَرْ ، فَإِنْ أُسِرَ مَنَعَهُ الْإِسْلَامُ عَنْ الْقَتْلِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الرِّقُّ ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، { أَنَّ ثَقِيفًا كَانَتْ حُلَفَاءَ لِبَنِي عَقِيلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ لَهُ ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ بِمَ أَخَذْتَنِي وَأَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجِّ ؟ قَالَ : أَخَذْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك ثَقِيفٍ وَقَدْ كَانُوا أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، إنِّي مُسْلِمٌ .
قَالَ : لَوْ كُنْت قُلْت ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمْسَكَ النَّاقَةَ لِنَفْسِهِ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } : يَعْنِي كُفْرٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ } يَعْنِي الْكُفْرَ ، فَإِذَا كَفَرُوا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَعَبَدُوا فِيهِ الْأَصْنَامَ ، وَعَذَّبُوا فِيهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، فَكُلُّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ ؛ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْكُفْرُ فِتْنَةً ؛ لِأَنَّ مَآلَ الِابْتِلَاءِ كَانَ إلَيْهِ ، فَلَا تُنْكِرُوا قَتْلَهُمْ وَقِتَالَهُمْ ؛ فَمَا فَعَلُوا مِنْ الْكُفْرِ أَشَدُّ مِمَّا عَابُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قُوتِلُوا وَهُمْ الظَّالِمُونَ لَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَيْهِمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ هُوَ الْكُفْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ { : حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } ؛ فَجَعَلَ الْغَايَةَ عَدَمَ الْكُفْرِ نَصًّا ، وَأَبَانَ فِيهَا أَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ الْمُبِيحَ لِلْقِتَالِ الْكُفْرُ .
وَقَدْ ضَلَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هَذَا ، وَزَعَمُوا أَنَّ سَبَبَ الْقَتْلِ الْمُبِيحَ لِلْقِتَالِ هِيَ الْخَرْبَةُ ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْضِي عَلَيْهَا الَّتِي بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ أَوَّلًا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ قِتَالِهِ وَقَتْلِهِ كُفْرُهُ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى الْقِتَالِ ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِابْتِدَاءِ قِتَالٍ مِنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الْمُبِيحُ لِلْقَتْلِ هُوَ الْكُفْرُ لَقُتِلَ كُلُّ كَافِرٍ وَأَنْتَ تَتْرُكُ مِنْهُمْ النِّسَاءَ وَالرُّهْبَانَ وَمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَهُمْ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّا إنَّمَا تَرَكْنَاهُمْ مَعَ قِيَامِ الْمُبِيحِ بِهِمْ لِأَجْلِ مَا عَارَضَ الْأَمْرَ مِنْ مَنْفَعَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ : أَمَّا الْمَنْفَعَةُ فَالِاسْتِرْقَاقُ فِيمَنْ يُسْتَرَقُّ ؛ فَيَكُونُ مَالًا وَخَدَمًا ، وَهِيَ الْغَنِيمَةُ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَنَا مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ .
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ فَإِنَّ فِي اسْتِبْقَاءِ الرُّهْبَانِ بَاعِثًا عَلَى تَخَلِّي رِجَالِهِمْ عَنْ الْقِتَالِ فَيُضْعِفُ حَرْبَهُمْ وَيُقِلُّ حِزْبَهُمْ فَيَنْتَشِرُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } : إبَاحَةٌ لِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ إلَى غَايَةٍ هِيَ الْإِيمَانُ ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ : لَا تُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ جِزْيَةٌ .
وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَائِنَا : تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَسَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ أَبَا عَلِيٍّ الْوَفَاءَ بْنَ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيَّ إمَامَهُمْ بِبَغْدَادَ يَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى { : قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
إنَّ قَوْله تَعَالَى { : قَاتِلُوا } أَمْرٌ بِالْقَتْلِ .
وقَوْله تَعَالَى { : الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } سَبَبٌ لِلْقِتَالِ وقَوْله تَعَالَى { : وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلْزَامٌ لِلْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ .
وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } بَيَانُ أَنَّ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ كَأُصُولِهَا وَأَحْكَامَهَا كَعَقَائِدِهَا .
وقَوْله تَعَالَى { : وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } أَمْرٌ بِخَلْعِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إلَّا دَيْنَ الْإِسْلَامِ .
وقَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } تَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ ، ثُمَّ بَيَّنَ الْغَايَةَ وَبَيَّنَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ ، وَثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ } .
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
{ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي قِتَالِهِ لِفَارِسَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبُرَيْدَةَ : اُدْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ، وَذَكَرَ الْجِزْيَةَ } ، وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَكُونُ هَذَا نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا ؟
فَلَنَا : هُوَ تَخْصِيصٌ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ قِتَالَهُمْ وَأَمَرَ بِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ كُفْرٌ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : [ { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } ] ؛ فَخَصَّصَ مِنْ الْحَالَةِ الْعَامَّةِ حَالَةً أُخْرَى خَاصَّةً ، وَزَادَ إلَى الْغَايَةِ الْأُولَى غَايَةً أُخْرَى ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .
وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ آخَرَ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا ، وَإِنَّمَا كَانَ بَيَانًا وَكَمَالًا .
وَكَذَلِكَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ } ، ثُمَّ بَيَّنَ الْقَتْلَ فِي مَوَاضِعَ لِعَشَرَةِ أَسْبَابٍ سَنُبَيِّنُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سَبْعٍ حِينَ قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَتَهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَنْ الَّتِي صَدَّهُ عَنْهَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ سَنَةَ سِتٍّ فِي الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَقَدْ أَخْلَتْهَا قُرَيْشٌ ، وَقَضَى نُسُكَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
الْمَعْنَى : شَهْرٌ بِشَهْرٍ وَحُرْمَةٌ بِحُرْمَةٍ ، وَصَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ قَطَعَ بِهِ عُذْرٌ أَوْ عَدُوٌّ عَنْ عِبَادَةٍ ثُمَّ قَضَاهَا أَنَّ الْحُرْمَةَ وَاحِدَةٌ وَالْمَثُوبَةَ سَوَاءٌ .
وَقِيلَ : إنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : أَنُهِيتَ يَا مُحَمَّدُ عَنْ الْقِتَالِ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَرَادُوا قِتَالَهُ فِيهِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الْمَعْنَى إنْ اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ فِيهِ فَقَاتِلْهُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْحُرْمَةَ بِالْحُرْمَةِ قِصَاصٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَك أَنْ تُبِيحَ دَمَ مَنْ أَبَاحَ دَمَك ، وَتَحِلَّ مَالُ مَنْ اسْتَحَلَّ مَالَك ، وَمَنْ أَخَذَ عِرْضَك فَخُذْ عِرْضَهُ بِمِقْدَارِ مَا قَالَ فِيك ، وَلِذَلِكَ كُلِّهِ تَفْصِيلٌ : أَمَّا مَنْ أَبَاحَ دَمَك فَمُبَاحٌ دَمُهُ لَك ، لَكِنْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَا بِاسْتِطَالَتِك وَأَخْذٍ لِثَأْرِك بِيَدِك ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ مَالَك فَخُذْ مَالَهُ إذَا تَمَكَّنْت مِنْهُ ، إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِك : طَعَامًا بِطَعَامٍ ، وَذَهَبًا بِذَهَبٍ ، وَقَدْ أَمِنْت مِنْ أَنْ تُعَدَّ سَارِقًا .
وَأَمَّا إنْ تَمَكَّنْت مِنْ مَالِهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَالِك فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَتَحَرَّى قِيمَتَهُ وَيَأْخُذُ مِقْدَارَ ذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي .
وَأَمَّا إنْ أَخَذَ عِرْضَك فَخُذْ عِرْضَهُ لَا تَتَعَدَّاهُ إلَى أَبَوَيْهِ وَلَا إلَى ابْنِهِ أَوْ قَرِيبِهِ .
لَكِنْ لَيْسَ لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَذَبَ عَلَيْك ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَابَلُ بِالْمَعْصِيَةِ ؛ فَلَوْ قَالَ لَك مَثَلًا : يَا كَافِرُ ، جَازَ لَك أَنْ تَقُولَ لَهُ : أَنْتَ الْكَافِرُ ؛ وَإِنْ قَالَ لَك : يَا زَانٍ ، فَقِصَاصُك أَنْ تَقُولَ : يَا كَذَّابُ ، يَا شَاهِدَ زُورٍ .
وَلَوْ قُلْت لَهُ : يَا زَانٍ ، كُنْت كَاذِبًا فَأَثِمْت فِي الْكَذِبِ ، وَأَخَذْت فِيمَا نُسِبَ إلَيْك مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمْ تَرْبَحْ شَيْئًا ، وَرُبَّمَا خَسِرْت .
وَإِنْ مَطَلَك وَهُوَ غَنِيٌّ دُونَ عُذْرٍ قُلْ : يَا ظَالِمُ ، يَا آكِلَ أَمْوَالِ النَّاسِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } .
أَمَّا عِرْضُهُ فَبِمَا فَسَّرْنَاهُ ، وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فَبِالسَّجْنِ حَتَّى يُؤَدِّيَ .
وَعِنْدِي أَنَّ الْعُقُوبَةَ هِيَ أَخْذُ الْمَالِ كَمَا أَخَذَ مَالَهُ ، وَأَمَّا إنْ جَحَدَك وَدِيعَةً وَقَدْ اسْتَوْدَعَك أُخْرَى فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : اصْبِرْ عَلَى ظُلْمِهِ ، وَأَدِّ إلَيْهِ أَمَانَتَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك } .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : اجْحَدْهُ ، كَمَا جَحَدَك ؛ لَكِنْ هَذَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ ، وَلَوْ صَحَّ فَلَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ ، وَهُوَ إذَا أَوْدَعَك مِائَةً وَأَوْدَعْته خَمْسِينَ فَجَحَدَ الْخَمْسِينَ فَاجْحَدْهُ خَمْسِينَ مِثْلَهَا ، فَإِنْ جَحَدْت الْمِائَةَ كُنْت قَدْ خُنْت مَنْ خَانَك فِيمَا لَمْ يَخُنْك فِيهِ ، وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ ، وَبِهَذَا الْأَخِيرِ أَقُولُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } : هَذِهِ الْآيَةُ عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعُمْدَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَفِيمَا جَانَسَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ بِكْرٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّمَا سُمِّيَ الْفِعْلُ الثَّانِي اعْتِدَاءً ، وَهُوَ مَفْعُولٌ بِحَقٍّ ، حَمْلًا لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ .
قَالُوا : وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } .
وَاَلَّذِي أَقُولُ فِيهِ : إنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَاءِ فِي اللُّغَةِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ؛ فَالْأَوَّلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالثَّانِي مَأْمُورٌ بِهِ ، وَتَعَلُّقُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ وَلَا يَقْلِبُ الْمَعَانِيَ ؛ بَلْ إنَّهُ يُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَصْفَ الطَّاعَةِ وَالْحُسْنِ ، وَيُكْسِبُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ وَصْفَ الْمَعْصِيَةِ وَالْقُبْحِ ؛ وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ يَسُوءُ الْوَاقِعُ بِهِ : وَأَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ صَحِيحٌ وَعُمُومٌ صَرِيحٌ ؛ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ ، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ وَلَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِكُلِّ مَا قَتَلَ ، إلَّا الْخَمْرَ وَآلَةَ اللِّوَاطِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقْتَلُ بِكُلِّ مَا قَتَلَ إلَّا فِي وَجْهَيْنِ وَصِفَتَيْنِ : أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : فَالْمَعْصِيَةُ كَالْخَمْرِ وَاللِّوَاطُ .
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي : فَالسُّمُّ وَالنَّارُ لَا يُقْتَلُ بِهِمَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّهُ مِنْ الْمِثْلِ ؛ وَلَسْت أَقُولُهُ ؛ وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْعَذَابِ .
وَقَدْ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا حَرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقَهُمْ بِالنَّارِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } ، وَلَقَتَلْتهمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَالسُّمُّ نَارٌ بَاطِنَةٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارَيْنِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِهِ .
وَأَمَّا الْوَصْفَانِ فَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ : إنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ بِالْحَجَرِ مُجْهِزَةً قُتِلَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ضَرَبَاتٍ فَلَا ، وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا : ذَلِكَ إلَى الْوَلِيِّ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ يُضْرَبُ بِالْعَصَا حَتَّى يَمُوتَ ، وَلَا يُطَوَّلُ عَلَيْهِ .
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : إنْ رُجِيَ أَنْ يَمُوتَ بِالضَّرْبِ ضُرِبَ ، وَإِلَّا أُقِيدَ مِنْهُ بِالسَّيْفِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يُقْتَلُ بِالنَّبْلِ وَلَا بِالرَّمْيِ
بِالْحِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ .
وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَفَقَأَ عَيْنَهُ قَصْدَ التَّعْذِيبَ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ الرِّعَاءَ حَسْبَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةٍ وَمُضَارَبَةٍ قُتِلَ بِالسَّيْفِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ وَاجِبَةٌ ، إلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِي حَدِّ التَّعْذِيبِ فَلْتُتْرَكْ إلَى السَّيْفِ ، وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَهُوَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا لَا يَصِحُّ أَيْضًا .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ ، { عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إنِّي لَقَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَذَا قَتَلَ أَخِي .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَتَلْته ؟ فَقَالَ : إنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَأَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ .
قَالَ : نَعَمْ ، قَتَلْته .
قَالَ : كَيْفَ قَتَلْته ؟ قَالَ : كُنْت أَنَا وَهُوَ نَحْتَطِبُ مِنْ شَجَرَةٍ فَسَبَّنِي فَأَغْضَبَنِي فَضَرَبْته بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْته .
} وَرَوَى أَبُو دَاوُد : { وَلَمْ أُرِدْ قَتْلَهُ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّي عَنْ نَفْسِك ؟ فَقَالَ : مَا لِي مَالٌ إلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي .
قَالَ : فَتَرَى قَوْمَك يَشْتَرُونَك ؟ قَالَ : أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ هَذَا .
قَالَ : فَرَمَى إلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ ، وَقَالَ : دُونَكَ صَاحِبَكَ ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ ؛ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فَرَجَعَ ، فَقَالَ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَلَغَنِي أَنَّك قُلْت كَذَا وَأَخَذْته بِأَمْرِك قَالَ : أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِك وَإِثْمِ صَاحِبِك ؟ قَالَ : لَعَلَّهُ .
قَالَ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّ ذَاكَ كَذَلِكَ .
قَالَ : فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ } .
وَالْحَدِيثُ مُشْكِلٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ مَسْأَلَتِنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ ، وَقَدْ قَتَلَ بِالْفَأْسِ .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ { أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ جَارِيَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَفَ فَرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ } اعْتِمَادًا لِلْمُمَاثَلَةِ وَحُكْمًا بِهَا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ التُّجِيبِيِّ قَالَ : كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ ، فَأَخْرَجُوا إلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّومِ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، فَحَمَلَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ ، فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يُلْقِي بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ : يَأَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ لَتَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا : { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } وَكَانَتْ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَإِصْلَاحَهَا ، وَتَرَكْنَا الْغَزْوَ ؛ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ النَّفَقَةِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ نَدَبَهُمْ إلَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيْ هَلُمَّ } .
الثَّانِي : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زَادٍ تَوَكُّلًا وَاتِّكَالًا .
وَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، وَالِاتِّكَالُ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ لَا يَجُوزُ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ دَائِمٌ ، وَالثَّانِي : قَدْ يُتَصَوَّرُ إذَا وَجَبَ الْجِهَادُ ، وَالثَّالِثُ صَحِيحٌ لِأَنَّ إعْدَادَ الزَّادِ فَرْضٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَفْسِيرِ التَّهْلُكَةِ : فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ .
الثَّانِي : لَا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زَادٍ ، يَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } .
الثَّالِثُ : لَا تَتْرُكُوا الْجِهَادَ .
الرَّابِعُ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى الْعَسَاكِرِ الَّتِي لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهَا .
الْخَامِسُ : لَا تَيْأَسُوا مِنْ الْمَغْفِرَةِ ؛ قَالَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهَا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ ، وَقَدْ أَصَابَ إلَّا فِي اقْتِحَامِ الْعَسَاكِرِ ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ .
فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ عُلَمَائِنَا : لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ عَلَى الْجَيْشِ الْعَظِيمِ إذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ وَكَانَ لِلَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ فَذَلِكَ مِنْ التَّهْلُكَةِ .
وَقِيلَ : إذَا طَلَبَ الشَّهَادَةَ وَخَلَصَتْ النِّيَّةُ فَلْيَحْمِلْ ؛ لِأَنَّ مَقْصِدَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مِنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : طَلَبُ الشَّهَادَةِ .
الثَّانِي : وُجُودُ النِّكَايَةِ .
الثَّالِثُ : تَجْرِيَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ .
الرَّابِعُ : ضَعْفُ نُفُوسِهِمْ لِيَرَوْا أَنَّ هَذَا صُنْعُ وَاحِدٍ ، فَمَا ظَنَّك بِالْجَمِيعِ ، وَالْفَرْضُ لِقَاءُ وَاحِدٍ اثْنَيْنِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَحْسِنُوا } .
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاَللَّهِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ .
الثَّانِي : فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الثَّالِثُ : أَحْسِنُوا إلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ .
قَالَ الْقَاضِي : الْإِحْسَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحُسْنِ ، وَهُوَ كُلُّ مَا مُدِحَ فَاعِلُهُ .
وَلَيْسَ الْحُسْنُ صِفَةً لِلشَّيْءِ ؛ وَإِنَّمَا الْحُسْنُ خَبَرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ بِمَدْحِ فَاعِلِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَصْلَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُ : { مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { وَأَتِمُّوا } : فِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَحْرِمُوا بِهِمَا مِنْ دِيَارِكُمْ ؛ قَالَهُ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسُفْيَانُ .
الثَّانِي : أَتِمُّوهُمَا إلَى الْبَيْتِ [ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ] .
الثَّالِثُ : بِحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الرَّابِعُ : أَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
الْخَامِسُ : أَلَّا يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
السَّادِسُ : إتْمَامُهُمَا إذَا دَخَلَ فِيهِمَا ؛ قَالَهُ مَسْرُوقٌ .
السَّابِعُ : أَلَا يَتَّجِرَ مَعَهُمَا .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَقِيقَةُ الْإِتْمَامِ لِلشَّيْءِ اسْتِيفَاؤُهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَشُرُوطِهِ ، وَحِفْظُهُ مِنْ مُفْسِدَاتِهِ وَمُنْقِصَاتِهِ ، وَكُلُّ الْأَقْوَالِ مُحْتَمَلٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ؛ إلَّا أَنَّ بَعْضَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
أَمَّا قَوْلُهُ : أَحْرِمْ بِهَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك ، فَإِنَّهَا مَشَقَّةٌ رَفَعَهَا الشَّرْعُ وَهَدَمَتْهَا السُّنَّةُ بِمَا وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَوَاقِيتِ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَى الْبَيْتِ ، فَذَلِكَ وَاجِبٌ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ ، وَلَهُ شُرُوطٌ بَيَانُهَا فِي مَوْضِعِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَصَحِيحٌ .
وَأَمَّا أَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَالسُّنَّةُ
الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، كَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا أَلَّا يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ التَّمَتُّعُ .
وَأَمَّا إتْمَامُهُمَا إذَا دَخَلَ فِيهِمَا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِيهِمَا حَتَّى بَالَغُوا فَقَالُوا : يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُمَا ، وَإِنْ أَفْسَدَهُمَا .
وَأَمَّا أَلَّا يَتَّجِرَ فِيهِمَا فَهُوَ مَذْهَبُ الْفُقَرَاءِ أَلَّا تَمْتَزِجَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ، وَهُوَ أَخْلَصُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ ؛ وَالْكُلُّ يُبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَجُّ : وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ ، وَخَصَّهُ الشَّرْعُ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَبِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ ، وَقَدْ كَانَ الْحَجُّ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَرَبِ ، لَكِنَّهَا غَيَّرَتْهُ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَتَهُ ، وَأَعَادَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صِفَتَهُ ، وَحَثَّ عَلَى تَعَلُّمِهِ ، فَقَالَ : { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْعُمْرَةُ : وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الزِّيَارَةِ ، وَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ زِيَارَةِ الْبَيْتِ ، خَصَّصَتْهُ الشَّرِيعَةُ بِبَعْضِ مَوَارِدِهِ ، وَقَصَرَتْهُ عَلَى مَعْنًى مِنْ مُطْلَقِهِ ، عَلَى عَادَتِهَا فِي أَلْفَاظِهَا عَلَى سِيرَةِ الْعَرَبِ فِي لُغَاتِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَ الْحَجِّ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وُجُوبُ الْعُمْرَةِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ وَاجِبَةٌ ، وَيُؤْثَرُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : هِيَ تَطَوُّعٌ ، وَإِلَيْهِ مَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِلْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا قَرَنَهَا بِالْحَجِّ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ لَا فِي الِابْتِدَاءِ ، فَإِنَّهُ ابْتَدَأَ إيجَابَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } .
وَابْتَدَأَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ فَقَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .
وَلَمَّا ذَكَرَ الْعُمْرَةَ أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا لَا بِابْتِدَائِهَا ، فَلَوْ حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ أَوْ اعْتَمَرَ عَشْرَ عُمَرَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ فِي جَمِيعِهَا ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآيَةُ لِإِلْزَامِ الْإِتْمَامِ لَا لِإِلْزَامِ الِابْتِدَاءِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِلَّهِ } : الْأَعْمَالُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، خَلْقٌ وَتَقْدِيرٌ ، وَعِلْمٌ وَإِرَادَةٌ ، وَمَصْدَرٌ وَمَوْرِدٌ ، وَتَصْرِيفٌ وَتَكْلِيفٌ ؛ وَفَائِدَةُ هَذَا التَّخْصِيصِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقْصِدُ الْحَجَّ لِلِاجْتِمَاعِ وَالتَّظَاهُرِ ، وَالتَّنَاضُلِ وَالتَّنَافُرِ ، وَالتَّفَاخُرِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ ، وَحُضُورِ الْأَسْوَاقِ ؛ وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حَظٌّ يُقْصَدُ ، وَلَا قُرْبَةٌ تُعْتَقَدُ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَقَضَاءِ حَقِّهِ ، ثُمَّ سَامَحَ فِي التِّجَارَةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ " وَالْعُمْرَةُ " بِالرَّفْعِ لِلْهَاءِ ، وَحَكَى قَوْمٌ أَنَّهُ إنَّمَا فَرَّ مِنْ فَرْضِ الْعُمْرَةِ ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْقِرَاءَةَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ ، وَلَا يُقْرَأُ بِحُكْمِ الْمَذْهَبِ .
الثَّانِي : أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّصْبَ لَا يَقْتَضِي ابْتِدَاءَ الْفَرْضِ ، فَلَا مَعْنَى لِقِرَاءَةِ الرَّفْعِ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ : يُقْرَأُ بِكُلِّ لُغَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } : هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ عُضْلَةٌ مِنْ الْعُضْلِ ، فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مُنِعْتُمْ بِأَيِّ عُذْرٍ كَانَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : [ مُنِعْتُمْ ] بِالْعَدُوِّ خَاصَّةً ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا ، وَرَأْيُ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَمُحَصِّلِيهَا عَلَى أَنَّ أُحْصِرَ عُرِّضَ لِلْمَرَضِ ، وَحُصِرَ نَزَلَ بِهِ الْحَصْرُ .
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَكَّةَ ، وَمَا كَانُوا حَبَسُوهُ وَلَكِنْ حَبَسُوا الْبَيْتَ وَمَنَعُوهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِصَّةَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ فَقَالَ : { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .
وَقَدْ تَأْتِي أَفْعَالٌ يَكُونُ فِيهَا فَعَلَ وَأَفْعَلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَمَعْنَاهَا : فَإِنْ مُنِعْتُمْ .
وَيُقَالُ : مُنِعَ الرَّجُلُ عَنْ كَذَا ؟ فَإِنَّ الْمَنْعَ مُضَافٌ إلَيْهِ أَوْ إلَى الْمَمْنُوعِ عَنْهُ .
وَحَقِيقَةُ الْمَنْعِ عِنْدَنَا الْعَجْزُ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْفِعْلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَمْنُوعِ بِعُذْرٍ ، وَأَنَّ لَفْظَهَا فِي كُلِّ مَمْنُوعٍ ، وَمَعْنَاهَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي تَحْقِيقِ جَوَابِ الشَّرْطِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } وَظَاهِرُهُ قَوْلُهُ : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَبِهَذَا قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ ؛ وَإِنَّمَا الْهَدْيُ عَلَى ذِي التَّفْرِيطِ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } ؛ فَهُوَ تَرْكٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَعْنَى .
الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَصْحَابِهِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ .
وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ الْهَدْيَ تَطَوُّعًا ، وَكَذَلِكَ كَانَ ؛ فَأَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْعَلَ الْبَارِي تَعَالَى الْهَدْيَ وَاجِبًا مَعَ التَّفْرِيطِ وَمَعَ عَدَمِهِ عِبَادَةً مِنْهُ لِسَبَبٍ وَلِغَيْرِ سَبَبٍ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .
وَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ ، وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْهَدْيُ مَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالْعُمْرَةِ وَيُهْدِي .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ فِي مَوْضِعِهِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا مَعْنَى لِلْآيَةِ إلَّا حَصْرَ الْعَدُوِّ ، أَوْ الْحَصْرَ مُطْلَقًا ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ الْجَوَابُ إلَى مُقْتَضَى الشَّرْطِ ، أَمَّا أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى بَعْضِهِ كَانَ جَائِزًا لِدَلِيلٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِ عُلَمَائِنَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } : قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : { خَرَجْنَا مُعْتَمِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَنَةً وَحَلَقَ رَأْسَهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ لَمْ يَكُنْ مُسِيئًا ؛ لِمَا رَوَى الْأَئِمَّةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ .
قَالَ : انْحَرْ وَلَا حَرَجَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : الْحِلَاقُ نُسُكٌ مَقْصُودٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ إلْقَاءُ تَفَثٍ ، وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ وَرَتَّبَهُ عَلَى نُسُكٍ .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فِي الصَّحِيحِ مَمْدُوحٌ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ .
قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ .
قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ .
قِيلَ : وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَالْمُقَصِّرِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِي تَأْكِيدِ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } وَتَتْمِيمُهُ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { أُحْصِرْتُمْ } مُنِعْتُمْ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ بِعَدُوٍّ فَفِيهِ نَزَلَتْ الْآيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ يَحِلُّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ ، وَيَنْحَرُ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ ، أَوْ يَسْتَأْنِفُ هَدْيًا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ بِمَرَضٍ لَمْ يَحِلَّهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا إلَّا الْبَيْتُ ، فَخِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، حَيْثُ أَجْرَى الْآيَةَ عَلَى عُمُومِهَا أَخْذًا بِمُطْلَقِ الْمَنْعِ .
وَزَادَ أَصْحَابُهُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ : حَصَرَهُ الْعَدُوُّ وَأَحْصَرَهُ الْمَرَضُ ؛ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالْكِسَائِيُّ .
قُلْنَا : قَالَ غَيْرُهُمَا عَكْسَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .
وَحَقِيقَتُهُ هَاهُنَا مَنْعُ الْعَدُوِّ ؛ فَإِنَّهُ مَنَعَهُمْ ، وَلَمْ يَحْبِسْهُمْ ، وَالْمَنْعُ كَانَ مُضَافًا إلَى الْبَيْتِ ، فَلِذَلِكَ حَلَّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَهَذَا الْمَرِيضُ الْمَنْعُ مُضَافٌ إلَيْهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ الْحِلِّ .
وَلِلْقَوْمِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ ، وَآثَارٌ عَنْ السَّلَفِ أَكْثَرُهَا مُعَنْعَنٌ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ الْإِحْصَارَ عَامٌّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا إحْصَارَ فِي الْعُمْرَةِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ .
قُلْنَا : وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ ، لَكِنْ فِي الصَّبْرِ إلَى زَوَالِ الْعَدُوِّ ضَرَرٌ ؛ وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ ، وَبِهِ جَاءَتْ السُّنَّةُ فَلَا مَعْدَلَ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا مَنَعَهُ الْعَدُوُّ يَحِلُّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ خَاصَّةً ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً .
وَمُتَعَلِّقُهُمْ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْعَامِ الْآخَرِ .
قُلْنَا : إنَّمَا قَضَاهَا ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ إرْغَامًا لِلْمُشْرِكِينَ ، وَإِتْمَامًا لِلرُّؤْيَا ، وَتَحْقِيقًا لِلْمَوْعِدِ ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ابْتِدَاءُ عُمْرَةٍ أُخْرَى ؛ وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ، مِنْ الْمُقَاضَاةِ لَا مِنْ الْقَضَاءِ .
الثَّانِي : الْمَعْنَى قَالُوا : تَحَلَّلَ مِنْ نُسُكِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ ؛ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قَضَائِهِ كَالْفَائِتِ وَالْمُفْسَدِ .
قُلْنَا : الْفَاسِدُ هُوَ فِيهِ مَلُومٌ ، وَالْفَائِتُ هُوَ فِيهِ مَنْسُوبٌ إلَى التَّقْصِيرِ ؛ وَهَذَا مَغْلُوبٌ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي اتِّبَاعِ الْمَعْنَى مَعَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَاصِرُ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا ؛ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ ، وَلَوْ وَثِقَ بِالظُّهُورِ ؛ وَيَتَحَلَّلُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَوْ سَأَلَ الْكَافِرُ جُعْلًا لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَهْنٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِرُ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ بِحَالٍ ، وَوَجَبَ التَّحَلُّلُ ، فَإِنْ طَلَبَ شَيْئًا وَيَتَخَلَّى عَنْ الطَّرِيقِ جَازَ دَفْعُهُ ، وَلَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ الْمُهَجِ ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ ، فَإِنَّ الدِّينَ أَسْمَحُ .
وَأَمَّا بَذْلُ الْجُعْلِ فَلِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ أَعْظَمِ الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِهِمَا ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا يُنْفَقُ فِيهِ الْمَالُ ، فَيُعَدُّ هَذَا مِنْ النَّفَقَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا حَلَّ الْمُحْصَرُ نَحَرَ هَدْيَهُ حَيْثُ حَلَّ ؛ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ تَابِعٌ لِلْمُهْدِي ، وَالْمُهْدِي حَلَّ بِمَوْضِعِهِ ، فَالْهَدْيُ أَيْضًا يَحِلُّ مَعَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وَمَحِلُّهُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ : { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .
قُلْنَا : كَذَلِكَ كَانَ صَاحِبُ الْهَدْيِ ، وَهُوَ الْمُهْدِي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَنْسَكَهُ ، وَلَكِنْ حَلَّ فِي مَوْضِعِهِ ، كَذَلِكَ هَدْيُهُ يَجِبُ أَنْ يَحِلَّ مَعَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ صَاحِبَ بُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْعَثْ مَعِي الْهَدْيَ أَنْحَرْهُ فِي الْحَرَمِ .
قَالَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : أُخْرِجُهُ فِي أَوْدِيَةٍ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؛ فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى نَحَرَهُ فِي الْحَرَمِ } .
قُلْنَا هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ فَصَدَّهُ الْعَدُوُّ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْبَيْتِ فَإِحْرَامُهُ مُلْزِمٌ لَهُ أَلَّا يَحِلَّ إلَّا بِالْبَيْتِ أَبَدًا ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَلَّ بِمَنْعِهِمْ لَهُ ، فَإِنْ شَكَّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ .
وَقَدْ أَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَجِّ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ : إنَّهُ كَائِنٌ هَذَا الْعَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ ، فَقَالَ : إنْ صُدِدْنَا عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْرَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَحَلَّ حِينَ مُنِعَ ، وَأَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى الشَّكِّ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : إنْ مُنِعَ مِنْ الطَّرِيقِ خَاصَّةً فَلْيَأْخُذْ فِي أُخْرَى إنْ كَانَتْ آمِنَةً ، وَكَانَ الْمَنْعُ مُتَطَاوِلًا ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا صَبَرَ حَتَّى يَنْجَلِيَ ، وَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ فَاتَ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : يَحِلُّ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ فِي الْمَنَاسِكِ ، وَأَمَّا الْيَائِسُ فَيَحِلُّ إذَا تَحَقَّقَ يَأْسُهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ فِي الْحَجِّ لَزِمَهُ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ وَيَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، وَلَوْ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ وَمُكِّنَ مِنْ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ، وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ فِي مَشْهُورِ الْقَوْلَيْنِ .
وَقِيلَ : الْحَجُّ بَاطِلٌ ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ الْحَجُّ مَضْمُونًا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ التَّطَوُّعُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : إذَا كَانَ الْإِحْصَارُ عَنْ الْحَجِّ وَمَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ حِينَئِذٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَسُفْيَانُ : لَا يَنْحَرُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ مُرَاعَاةً لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَهُوَ وَقْتُ الْحِلِّ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ وَقْتَهُ وَقْتُ حَلِّ الْمُهْدِي ، وَقَدْ حَلَّ بِالْيَأْسِ عَنْ الْبُلُوغِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَإِذَا سَقَطَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فَسُقُوطُ الِاسْتِقْرَاءِ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ : { مَرَّ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لِي وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ مِنْ رَأْسِي فَقَالَ : أَيُؤْذِيك هَوَامُّك ؟ قُلْت : نَعَمْ .
فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ وَلَمْ يَأْمُرْ غَيْرَهُ } ، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْآيَةَ .
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَرِيضًا وَاحْتَاجَ إلَى فِعْلِ مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَعَلَهُ وَافْتَدَى ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ : { أَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، أَوْ اهْدِ شَاةً ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } ، وَفِي الْحَدِيثِ خِلَافٌ وَكَلَامٌ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ : هُوَ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ .
قَالُوا : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الصِّيَامَ هَاهُنَا مُطْلَقًا ، وَقَيَّدَهُ فِي التَّمَتُّعِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ .
قُلْنَا : هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِي نَازِلَةٍ وَاحِدَةٍ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهَاتَانِ نَازِلَتَانِ .
الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَدْرَ الصِّيَامِ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُجْزِئُ [ الطَّعَامِ ] فِي كُلِّ مَوْضِعٍ .
وَقِيلَ : لَا يَخْتَصُّ مِنْهَا بِمَكَّةَ إلَّا الْهَدْيُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الطَّعَامُ كَالْهَدْيِ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْهَدْيِ لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ ؛ فَالطَّعَامُ الَّذِي هُوَ عِوَضُهُ كَذَلِكَ .
وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَيَخْتَصُّ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَيَأْتِي بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنَّمَا جَاءَ الْقُرْآنُ فِيهِ بِلَفْظِ النُّسُكِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَذْبَحَ حَيْثُ شَاءَ ؛ فَإِنَّ لَفْظَ النُّسُكِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَثَرِ : { مَنْ وُلِدَ لَهُ فَأَحَبَّ أَنْ يُنْسَكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ } .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ } ، فَحُمِلَ هَذَا اللَّفْظُ هَاهُنَا وَهُوَ الْهَدْيُ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا النُّسُكَ هَدْيًا جَعَلَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ نُسُكًا ، وَالنُّسُكُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ هَدْيًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } : قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } إنَّهُ إحْصَارُ الْعَدُوِّ ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ يَكُونُ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ ، وَالْبُرْءُ يَكُونُ مِنْ الْمَرَضِ ، وَإِلَيْهِ مَالَ مَنْ احْتَجَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنْ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَلَا نَقُولُ هَكَذَا ، بَلْ زَوَالُ كُلِّ أَلَمٍ مِنْ مَرَضٍ ، وَهُوَ أَمْنٌ ، وَجَاءَ بِلَفْظِ الْأَمْنِ ، وَهُوَ عَامٌّ ، كَمَا جَاءَ بِلَفْظِ " أُحْصِرَ " وَهُوَ عَامٌّ فِي الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ ؛ لِيَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى نِظَامِ أَوَّلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } : الْمَعْنَى أَكْمِلُوا مَا بَدَأْتُمْ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ ، مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَكُمْ مَانِعٌ ؛ فَإِنْ كَانَ مَانِعٌ حَلَلْتُمْ حَيْثُ حُبِسْتُمْ وَتَرَكْتُمْ مَا مُنِعْتُمْ مِنْهُ ، وَيَجْزِيكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ بَعْدَ حَلْقِ رُءُوسِكُمْ ؛ فَإِذَا أَمِنْتُمْ أَيْ زَالَ الْمَانِعُ ، وَقَدْ كُنْتُمْ حَلَلْتُمْ عَنْ عُمْرَةٍ فَحَجَجْتُمْ ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ .
وَالتَّمَتُّعُ يَكُونُ بِشُرُوطٍ ثَمَانِيَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ .
الثَّانِي : فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ .
الثَّالِثُ : فِي عَامٍ وَاحِدٍ .
الرَّابِعُ : فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .
الْخَامِسُ : تَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ .
السَّادِسُ : أَلَّا يَجْمَعَهُمَا ؛ بَلْ يَكُونُ إحْرَامُ الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ .
السَّابِعُ : أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ .
الثَّامِنُ : أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ .
وَمِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ مَا هُوَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَمِنْهَا مُسْتَنْبَطٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ } يَعْنِي : مَنْ انْتَفَعَ بِضَمِّ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَرَّتَيْنِ بِقَصْدَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ ، فَإِذَا انْتَفَعَ بِاتِّحَادِهِمَا ، وَذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ ؛ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا انْتِفَاعٌ إلَّا قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } فَإِنَّهُ نَصٌّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ بَدَنَةٌ ، مِنْهُمْ عَائِشَةُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعُرْوَةُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ شَاةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ شَاةٌ أَوْ بَدَنَةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ بَدَنَةٌ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ لِلْإِبِلِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : كَمْ هَدْيُ فُلَانٍ ، أَيْ إبِلُهُ .
وَيُقَالُ فِي وَصْفِ السَّنَةِ : هَلَكَ الْهَدْيُ وَجَفَّ الْوَادِي .
فَيُقَالُ لَهُ : إنْ كُنْت تَجْعَلُ أَيْسَرَ الْهَدْيِ بَدَنَةً وَأَكْثَرَهُ مَا زَادَ مِنْ الْعَدَدِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ فَيَلْزَمُك أَلَّا يَجُوزَ هَدْيٌ بِشَاةٍ .
وَقَدْ أَهْدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَنَمَ ، وَأَهْدَى أَصْحَابُهُ ، وَلَوْ كَانَ أَيْسَرُهُ بَدَنَةً مَا جَازَتْ شَاةٌ .
وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ الْعَرَبِ فَإِنَّمَا سَمَّتْ الْإِبِلَ هَدْيًا ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ يَكُونُ مِنْهَا فِي الْأَغْلَبِ أَوْ لِأَنَّهَا أَعْلَاهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ أَيْسَرَ الْهَدْيِ شِرْكٌ فِي دَمٍ ، فَاحْتَجَّ { بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ } .
رَوَاهُ جَابِرٌ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرَةِ ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ } ، وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا مَطْمَعَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ } : يَعْنِي انْتَفَعَ ، وَقَدْ رُوِيَتْ مُتْعَتَانِ : إحْدَاهُمَا : مَا كَانَ مِنْ فَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ .
وَالثَّانِيَةُ : مَا كَانَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي إحْرَامٍ أَوْ سَفَرٍ وَاحِدٍ .
فَأَمَّا فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ فَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَيَقُولُونَ : إذَا بَرَأَ الدَّبَرُ ، وَعَفَا الْأَثَرُ ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرَ .
{ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ؛ فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْحِلِّ ؟ قَالَ : الْحِلُّ كُلُّهُ } .
وَهَذِهِ الْمُتْعَةُ قَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ خِلَافٍ يَسِيرٍ كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ زَالَ .
وَأَمَّا مُتْعَةُ الْقِرَانِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَيْهَا فِي حَجِّهِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مُفْرِدًا ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهِ وَلَا انْتِفَاعَ بِإِسْقَاطِ عَمَلٍ وَلَا سَفَرٍ .
وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا : أَنَّ عَلِيًّا شَاهَدَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا ، وَقَالَ : مَا كُنْت أَدَعُ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِ أَحَدٍ .
وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : مَا تُرِيدُ أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .
وَتَعَلَّقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ } .
وَمَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَهُ ، أَيْ أَمَرَ بِفِعْلِهِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ شَرْحِ الْحَدِيثِ .
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، وَهِيَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فَقَالَ أَحْمَدُ : إنَّهَا الْأَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً } .
رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا أَشْفَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ الْأَرْفَقِ لَا عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى ، وَالْأَرْفَقِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً شَقَّ عَلَيْهِمْ خِلَافُهُمْ لَهُ فِي الْفِعْلِ ، فَقَالَ { : إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي ، وَقَلَّدْت هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ الْهَدْيَ } ؛ مُعْتَذِرًا إلَيْهِمْ مُبَيِّنًا عِنْدَهُمْ .
وَقَالَ ، لَمَّا رَأَى مَنْ شَفَقَتِهِمْ وَلِمَا رَجَاهُ مِنْ امْتِثَالِهِمْ وَاقْتِدَائِهِمْ ، وَسَلِّ سَخِيمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ أَهْوَائِهِمْ : { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً كَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ } .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْآيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إضَافَةُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } وَلَا يَصْلُحُ هَذَا اللَّفْظُ لِفَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ هَذَا فِي الْآيَةِ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَالْآيَةُ بَعْدُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقِرَانِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إمَّا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِرِينَ فَصَدَّهُمْ الْعَدُوُّ فَحَلُّوا ؛ وَذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الَّتِي مَنْ اعْتَمَرَ فِيهَا ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الشُّرُوطِ ؛ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لَهُ .
وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنْتُمْ
قَدْ اعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَلَوْ حَجَجْتُمْ فِي هَذَا الْعَامِ لَكُنْتُمْ مُتَمَتِّعِينَ ، وَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ صُدِدْتُمْ ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَكُمْ مَعَ حِلِّكُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَى الْبَيْتِ عُمْرَةٌ صَحِيحَةٌ كَامِلَةٌ تَكُونُ إضَافَةُ الْحَجِّ إلَيْهَا مُتْعَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يَلْزَمُ الْمَكِّيَّ دَمُ مُتْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَفَّهْ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَلَدُهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَتَمَتَّعُ وَلَا يَقْرِنُ مَنْ كَانَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَإِنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } : الْمَعْنَى : أَنَّ جَمْعَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الدَّمَ لَقَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
[ وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَشْرُوعٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ] .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَجِبُ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الْهَدْيُ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ حِينَئِذٍ يَتِمُّ وَيَصِحُّ مِنْهُ وَصْفُ التَّمَتُّعِ ، وَمَا لَمْ يُتِمَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْلُصُ بِهِ أَوْ يَقْطَعُ دُونَهُ قَاطِعٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِضَمِّ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَأَوَّلُ الْحَجِّ كَآخِرِهِ ، وَهَذِهِ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فَسَادَهَا ، وَلَوْ ذَبَحَهُ قَبْلَ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِيهِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وَلَا يَجُوزُ الْحَلْقُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً } .
وَلَوْ كَانَ ذَبْحُ الْهَدْيِ جَائِزًا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَذَبَحَهُ وَجَعَلَهَا حِينَئِذٍ عُمْرَةً .
وَقَالَ : { إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ بِأَنْ يَصُومَ مِنْ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ ، هَذِهِ حَقِيقَتُهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصُومُهُ فِي إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ إحْرَامَيْ الْمُتَمَتِّعِ ، فَجَازَ صَوْمُ الْأَيَّامِ فِيهِ كَإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ .
وَدَلِيلُنَا { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } فَإِذَا صَامَهُ فِي الْعُمْرَةِ فَقَدْ أَدَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فَلَمْ يُجْزِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : إذَا ثَبَتَ هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَصُومُهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِيَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا ، فَذَلِكَ اتِّبَاعٌ لِلسُّنَّةِ وَأَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ .
وَلَا يَخْلُو الْمُتَمَتِّعُ أَنْ يَجِدَ الْهَدْيَ أَوْ لَا يَجِدَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَعَلِمَ اسْتِمْرَارَ الْعَدَمِ إلَى آخِرِ الْحَجِّ صَامَ مِنْ أَوَّلِهِ ؛ وَإِنْ رَجَاهُ آخِرَهُ إلَى مِقْدَارِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ عَرَفَةَ فَيَصُومُهُ حِينَئِذٍ لِتَقَعَ الْأَيَّامُ مُصَوَّمَةً فِي الْحَجِّ ، وَيَخْلُوَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَنْ الصَّوْمِ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عِنْدِي عَلَى أَصْلٍ ؛ وَهُوَ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فِي الْحَجِّ } فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَيَّامَ الْحَجِّ ، وَيَحْتَمِلُ مَوْضِعَ الْحَجِّ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامَ الْحَجِّ فَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ آخِرَ أَيَّامِ الْحَجِّ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ أَيَّامِ الْحَجِّ أَيَّامَ الرَّمْيِ ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ خَالِصًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْكَانِهِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعَ الْحَجِّ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَيَقْوَى جِدًّا ، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ : " كَانَتْ عَائِشَةُ تَصُومُ أَيَّامَ مِنًى ، وَكَانَ أَبِي يَصُومُهَا " ، وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَا : " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ
إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ " .
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ إقَامَتِهِ إلَّا بِمِقْدَارِهَا ؛ يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى : { وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَيَّامَ الْحَجِّ لَقَالَ : إذَا أَحْلَلْتُمْ أَوْ فَرَغْتُمْ ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { إذَا رَجَعْتُمْ } أَيْ : عَنْ مَوْضِعِ الْحَجِّ بِإِتْمَامِ أَفْعَالِهِ .
وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي أَنَّ أَيَّامَ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ } .
قُلْنَا : إنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَامًّا فَقَدْ جَاءَ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ بِالتَّخْصِيصِ لِلْمُتَمَتِّعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا رَجَعْتُمْ } : يَعْنِي إلَى بِلَادِكُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ : إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى .
قَالَ الْقَاضِي : وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { إذَا رَجَعْتُمْ } إنْ كَانَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الرُّخَصِ وَتَرْكُ الرِّفْقِ فِيهَا إلَى الْعَزِيمَةِ إجْمَاعًا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَوْقِيتًا فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ أَرَادَ الْبِلَادَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي الْأَغْلَبِ وَالْأَظْهَرِ فِيهِ أَنَّهُ الْحَجُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : مَنْ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَهْلُ الْحَرَمِ .
الثَّانِي : مَكَّةُ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا كَذِي طُوًى .
الثَّالِثُ : أَهْلُ عَرَفَةَ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الرَّابِعُ : مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الْخَامِسُ : مَنْ هُوَ فِي مَسَافَةِ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهَا ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَلِكُلٍّ وَجْهٌ سَرَدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْفُرُوعِ .
وَالصَّحِيحُ فِيهِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَعْدِيدِ أَشْهُرِ الْحَجِّ : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقِعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَتَادَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ .
الثَّانِي : وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .
الرَّابِعُ : إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا .
فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ ذُو الْحِجَّةِ كُلُّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالتَّعْدِيدُ لِلثَّلَاثَةِ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ قَالَ : إنَّ الطَّوَافَ وَالرَّمْيَ فِي الْعَقَبَةِ رُكْنَانِ يُفْعَلَانِ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ .
وَمَنْ قَالَ : عَشْرُ لَيَالٍ قَالَ : إنَّ الْحَجَّ يَكْمُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ لِصِحَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ .
وَمَنْ قَالَ : آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَأَى أَنَّ الرَّمْيَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَشَعَائِرِهِ ، وَبَعْضُ الشَّهْرِ يُسَمَّى شَهْرًا لُغَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَائِدَةُ مَنْ جَعَلَهُ ذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إلَى آخِرِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ .
وَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا وَتَنْصِيصِهِ عَلَيْهَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهَا كَذَلِكَ فِي مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْحَالُ إلَى أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ ،
فَبَقِيَتْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ الْعَرَبُ تَرَى أَنَّ الْعُمْرَةَ فِيهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُغَيِّرُهَا فَتُنْسِئُهَا وَتُقَدِّمُهَا حَتَّى عَادَتْ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَى حَدِّهَا .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَأْثُورِ الْمُنْتَقَى { : إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا } الْحَدِيثَ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ التَّمَتُّعَ ، وَهُوَ ضَمُّ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَيَّنَ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ لَيْسَتْ جَمِيعَ الشُّهُورِ فِي الْعَامِ ، وَإِنَّمَا هِيَ الْمَعْلُومَاتُ مِنْ لَدُنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَيَّنَ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } .
أَنَّ جَمِيعَهَا لَيْسَ الْحَجُّ تَفْصِيلًا لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ تَخْصِيصًا لِبَعْضِهَا بِذَلِكَ ، وَهِيَ شَوَّالُ وَذُو الْقِعْدَةِ وَجَمِيعُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَصَحِيحُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا ؛ فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْعَامِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ أَتَى بِالْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْمَخْصُوصَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَسِوَاهُ : تَقْدِيرُهَا الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مِنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا لَا يَرَى أَحَدٌ الْإِحْرَامَ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِهَا .
[ وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ] ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ لُغَةً فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ وَعَيَّنَّاهُ فِقْهًا [ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي بَاطِنًا فِي الْتِزَامِهِ ] .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } : الْمَعْنَى الْتَزَمَهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ قَصْدًا بَاطِنًا ، وَبِالْإِحْرَامِ فِعْلًا ظَاهِرًا ، وَبِالتَّلْبِيَةِ نُطْقًا مَسْمُوعًا ؛ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي التَّلْبِيَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي بَاطِنًا فِي الْتِزَامِهِ عَنْ فِعْلٍ أَوْ نُطْقٍ ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ : إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِحْرَامِ بِهَذِهِ الْأَشْهُرِ ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا ، وَأَبَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ .
وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ مُعْضِلَةٌ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْبَيَانَ فِيهَا ، وَأَوْضَحْنَا لُبَابَهُ فِي كِتَابِ التَّلْخِيصِ ، وَأَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا دَائِرٌ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ مِنْ الْحَجِّ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِهِ ، وَمُعَوَّلُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ، وَهُنَاكَ تَبَيَّنَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ النَّظَرَيْنِ ، وَظَهَرَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْآيَةِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ } : الرَّفَثُ : كُلُّ قَوْلٍ يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ النِّسَاءِ ؛ يُقَالُ : رَفَثَ يَرْفُثُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا .
وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ مِنْ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ } .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَرَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ إلَّا إذَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ ، وَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ الرَّجُلُ مُفْرِدًا عَنْهُنَّ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ .
وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ مُنِعَ فِيهِ مِنْ التَّلَفُّظِ بِالنِّكَاحِ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَكَيْفَ بِالِاسْتِرْسَالِ عَلَى الْقَوْلِ يُذْكَرُ كُلُّهُ ، وَهَذِهِ بَدِيعَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ } : أَرَادَ نَفْيَهُ مَشْرُوعًا لَا مَوْجُودًا ، فَإِنَّا نَجِدُ الرَّفَثَ فِيهِ وَنُشَاهِدُهُ .
وَخَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ النَّفْيُ إلَى وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا إلَى وُجُودِهِ مَحْسُوسًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .
مَعْنَاهُ شَرْعًا لَا حِسًّا ، فَإِنَّا نَجِدُ الْمُطَلَّقَاتِ لَا يَتَرَبَّصْنَ ، فَعَادَ النَّفْيُ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، لَا إلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } إذَا قُلْنَا : إنَّهُ وَارِدٌ فِي الْآدَمِيِّينَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَرْعٍ ؛ فَإِنْ وُجِدَ الْمَسُّ فَعَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ ، وَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ هِيَ الَّتِي فَاتَتْ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا : إنَّ الْخَبَرَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ قَطُّ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً وَيَتَضَادَّانِ وَصْفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا وَقَعَ الْوَطْءُ فِي الْحَجِّ أَفْسَدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ أَوْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ لَمْ تُفْسِدْهُ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لِكَوْنِهَا دَاعِيَةً إلَى الْجِمَاعِ ، كَمَا حَرَّمَ الطِّيبَ وَالنِّكَاحَ ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ } ، وَلَوْ وُجِدَ الطِّيبُ وَالنِّكَاحُ لَمْ يَفْسُدْ الْحَجُّ ، فَكَذَلِكَ بِالْمُبَاشَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا فُسُوقَ } : فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ ؛ أُمَّهَاتُهَا ثَلَاثٌ : الْأَوَّلُ : جَمِيعُ الْمَعَاصِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَتْلُ الصَّيْدِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْلُو عَنْ ذَبْحٍ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَذْبَحُونَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فِسْقًا ، فَشَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِوَجْهِهِ نُسُكًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ جَمِيعُهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .
وَقَالَ : { الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ } .
فَقَالَ الْفُقَهَاءُ : الْحَجُّ الْمَبْرُورُ ، هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِي أَثْنَاءِ أَدَائِهِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْحَجُّ الْمَبْرُورُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَعْصِ اللَّهُ بَعْدَهُ .
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ { : مَنْ حَجّ ثُمَّ لَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ } بِقَوْلِهِ : ثُمَّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } : أَرَادَ لَا جِدَالَ فِي وَقْتِهِ ؛ فَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَعَادَ بِذَلِكَ إلَى يَوْمِهِ وَوَقْتِهِ .
وَقِيلَ : لَا جِدَالَ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ كَانَ مِنْ الْحُمْسِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ .
وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِدَالَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ الْخَلْقِ ، فَلَا يَكُونُ إلَى الْقِيَامَةِ ؛ وَلِهَذَا قَرَأَهُ الْعَامَّةُ وَحْدَهُ بِنَصَبِ اللَّامِ عَلَى التَّبْرِئَةِ دُونَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } .
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّزَوُّدِ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ؛ فَإِنْ كَانَ ذَا حِرْفَةٍ تَنْفُقُ فِي الطَّرِيقِ ، أَوْ سَائِلًا فَلَا خِطَابَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ الْأَمْوَالِ الَّذِينَ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ بِغَيْرِ زَادٍ ، وَيَقُولُونَ : نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ ؛ وَالتَّوَكُّلُ لَهُ شُرُوطٌ بَيَانُهَا فِي مَوْضِعِهَا يَخْرُجُ مَنْ قَامَ بِهَا بِغَيْرِ زَادٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ .
[ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ] فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ الْخَلْقِ وَهُمْ الْمُقَصِّرُونَ عَنْ دَرَجَةِ التَّوَكُّلِ الْغَافِلُونَ عَنْ حَقَائِقِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لِمَنْ الضَّالِّينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : " كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَّجِرُوا فِيهَا ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } يَعْنِي : فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ فِي الْحَجِّ لِلْحَاجِّ مَعَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ ، وَأَنَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ شِرْكًا ، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ الْمُكَلَّفُ عَنْ رَسْمِ الْإِخْلَاصِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ ، خِلَافًا لِلْفُقَرَاءِ أَنَّ الْحَجَّ دُونَ تِجَارَةٍ أَفْضَلُ أَجْرًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ } : الْإِفَاضَةُ : السُّرْعَةُ بِالدَّفْعِ ، هَذَا أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا دَفْعٌ ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْإِفَاضَةِ ، وَالْإِسْرَاعُ هَيْئَةٌ فِي الْإِفَاضَةِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { كَانَ إذَا دَفَعَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ } .
وَرُوِيَ { عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ فَسَمِعَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِبْضَاعِ ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ عَرَفَاتٍ } : مَوْضِعٌ مَعْلُومُ الْحُدُودِ ، مَشْهُورٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ .
رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ ثَلَاثًا ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ } .
وَرَوَيَا وَمَعَهُمَا أَبُو دَاوُد أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ مُضَرِّسٍ الطَّائِيَّ قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْقِفِ يَعْنِي بِجَمْعٍ فَقُلْت : جِئْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ ، أَكَلَلْت مَطِيَّتِي ، وَأَتْعَبْت نَفْسِي ، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ ، وَأَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ يَلْزَمُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا إخْرَاجُهُ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ ، وَسَتَرَوْنَهُ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذَا الْقَوْلُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يَقْتَضِي جَوَازَ عُمُومِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كُلِّهَا وَإِجْزَاءَهُ ، وَقَدْ { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقَفْت هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ .
وَنَحَرْت هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَرَوَى النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ ، فَقَالَ : هَذَا قُزَحُ ، وَهَذَا الْمَوْقِفُ ، وَجَمْعٌ ، كُلُّهَا مَوْقِفٌ } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ قُبَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ خَرَجَ ، فَرُحِلَتْ لَهُ ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ .
الْحَدِيثَ } .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ
وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمْ يُبَيِّنْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ { وَقْتَ الْإِفَاضَةِ ، وَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ ، فَإِنَّهُ وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ قَلِيلًا ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ ، وَغَابَ الْقُرْصُ } .
خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ؛ فَكَانَ بَيَانًا لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ : الْفَرْضُ الْوُقُوفُ بِاللَّيْلِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْوُقُوفُ بِالنَّهَارِ .
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } : رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي الصَّحِيحِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ دَفَعَ فَأَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى فِيهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ لَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ الصُّبْحَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا وَكَبَّرَ وَهَلَّلَ وَوَحَّدَ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ قَوْمٌ : قَوْله تَعَالَى : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } : إشَارَةٌ إلَى الصَّلَاةِ بِهِ دُونَ أَنْ تُفْعَلَ فِي الطَّرِيقِ ؛ فَإِنْ الْوَقْتُ أَخَذَهُ بِعَرَفَةَ وَتَمَادَى عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فِي الطَّرِيقِ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَكَذَلِكَ { قَالَ أُسَامَةُ : الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّلَاةُ أَمَامَك حَتَّى نَزَلَ الْمُزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِيهَا } ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ ، حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ صَلَّاهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّلَاةُ أَمَامَك } ، فَجَعَلَهُ لَهَا حَدًّا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ رُكْنًا فِي الْحَجِّ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ : هُوَ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } ؛ وَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَبِيتِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ الذِّكْرِ .
الثَّانِي : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لِعُرْوَةِ بْنِ مُضَرِّسٍ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إجْزَاءَ الْحَجِّ مَعَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ دُونَ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ كُلُّهُ مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفُ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ } .
رَوَاهُ مَالِكٌ بَلَاغًا ، وَأَسْنَدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ، وَمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ } .
قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا .
.
} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْإِفَاضَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ مُخَالَفَةً لِقُرَيْشٍ ؛ قَالَهُ الْجَمَاعَةُ .
الثَّانِي : الْمُرَادُ بِهِ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
وَإِنَّمَا صَارَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ رَأَى اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْإِفَاضَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، وَالْإِفَاضَةُ الَّتِي بَعْدَ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ هِيَ الْإِفَاضَةُ إلَى مِنًى .
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةً : الْأَوَّلُ : أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، التَّقْدِيرُ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .
وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ .
الثَّانِي : أَنْ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ : ثُمَّ ذَكَرْنَا لَكُمْ أَفِيضُوا مِنْ
حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ، فَيَرْجِعُ التَّعْقِيبُ إلَى ذِكْرِ وُجُودِ الشَّيْءِ لَا إلَى نَفْسِ وُجُودِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } .
الْمَعْنَى : ثُمَّ أَخْبَرْنَاكُمْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ؛ فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ فِي الْإِخْبَارِ لَا فِي الْإِيتَاءِ .
الرَّابِعُ : وَهُوَ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَعْنَى فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ : يَا مَعْشَرَ مَنْ حَلَّ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ .
وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخِطَابَ إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لِيَعُمَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَمَنْ لَمْ يَقِفْ حَتَّى يَمْتَثِلَهُ مَعَ مَنْ وَقَفَ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَقِيقَةَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ ، وَخُصُوصًا فِي رِسَالَةِ نُزُولِ الْوَافِدِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدَاءِ ؛ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي وَقْتِهَا ، وَهِيَ حَقِيقَتُهُ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَى النَّاسِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْمَنَاسِكِ هَاهُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الذَّبْحُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا شَعَائِرُ الْحَجِّ .
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا الرَّمْي أَوْ جَمِيعُ مَعَانِي الْحَجِّ ، { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .
وَالْمَعْنَى بِالْآيَةِ كُلِّهَا : إذَا فَعَلْتُمْ مَنْسَكًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ فَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى : كَالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، وَالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّمْيِ ، وَالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّكْبِيرُ .
وَأَمَّا التَّلْبِيَةُ فَاعْلَمُوا أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ إلَى رَمْيِ الْجَمْرَةِ بِالْعَقَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْدِيدِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَتَعْيِينِهَا ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَيَّامُ الرَّمْيِ مَعْدُودَاتٌ ، وَأَيَّامُ النَّحْرِ مَعْلُومَاتٌ ؛ فَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ ، وَالْيَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ ، وَالْيَوْمُ الرَّابِعُ مَعْدُودٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؛ وَاَلَّذِي أَصَارَهُمْ إلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } بَعْدَ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } أَنَّهَا أَيَّامُ مِنًى ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الرَّمْيِ فِيهَا .
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَيَّامَ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ .
أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } ، فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ } وَذَلِكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، وَذَلِكَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ أَفِيضُوا يَعْنِي : إلَى مِنًى عَلَى التَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَوَّلُهُ لِلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَآخِرُهُ لِمِنًى ،
فَلَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِمِنًى لَمْ يُعَدَّ فِيهَا ، وَصَارَتْ أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةً سِوَى يَوْمِ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ فِي الْأَظْهَرِ عِنْدً الْإِطْلَاقِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ قَالَ حِينَئِذٍ عُلَمَاؤُنَا : الْيَوْمُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مَعْدُودٍ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِمِنًى فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } وَلَا مِنْ الَّتِي عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ } ، وَكَانَ مَعْلُومًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } .
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّحْرُ ، وَكَانَ النَّحْرُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يَوْمُ الْأَضْحَى وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الرَّابِعِ نَحْرٌ ؛ فَكَانَ الرَّابِعُ غَيْرَ مُرَادٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَعْلُومَاتٍ } ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْحَرُ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَكَانَ مِمَّا يُرْمَى فِيهِ ؛ فَصَارَ مَعْدُودًا فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ الرَّمْيِ ، غَيْرَ مَعْلُومٍ لِعَدَمِ النَّحْرِ فِيهِ .
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ مَعْدُودٌ بِالرَّمْيِ مَعْلُومٌ بِالذَّبْحِ ، لَكِنَّهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا لَيْسَ مُرَادًا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَكُونُ كَمَا قُلْتُمْ يَوْمُ النَّحْرِ مُرَادًا فِي الْمَعْدُودَاتِ وَتَكُونُ الْمَعْدُودَاتُ أَرْبَعَةً وَالْمَعْلُومَاتُ ثَلَاثَةً ؟ وَكَمَا يُعْطِي ذِكْرُ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةً كَذَلِكَ يَقْتَضِي أَرْبَعَةً .
فَالْجَوَابُ : أَنَّا لَا نَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى بِمَعْدُودٍ وَلَا بِمَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مَعْلُومٌ ، وَكُلَّ مَعْلُومٍ مَعْدُودٌ ، لَكِنْ يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِذِكْرِ الْمَعْدُودَاتِ هَاهُنَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا قَدَّمْنَا قَدْ
اسْتَحَقَّ أَوَّلُهُ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، وَمِنْهُ تَكُونُ الْإِفَاضَةُ إلَى مِنًى ؛ فَصَارَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْإِفَاضَةِ ، وَبَعْدَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } .
وَلَوْ كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ مَعْدُودًا مِنْهَا لَاقْتَضَى مُطْلَقُ هَذَا الْقَوْلِ لِمَنْ نَفَرَ فِي يَوْمِ ثَانِي النَّحْرِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْدُودٍ فِيهَا لَا قُرْآنًا وَلَا سُنَّةً ، وَهَذَا مُنْتَهَى بَدِيعٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ ، وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدْفَعُهُ ؛ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الذِّكْرِ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ هُوَ الْحَاجُّ ، خُوطِبَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِّ فَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ هُوَ أَيْضًا خِطَابٌ لِلْحَاجِّ بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرَّمْيِ ؟ فَنَقُولُ : أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَالْمَشَاهِيرُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّكْبِيرُ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَخُصُوصًا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ؛ فَيُكَبِّرُ عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ صَلَاةٍ ، كَانَ الْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرًا ظَاهِرًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ .
لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُهُ [ وَالْمُزَنِيُّ ] .
وَالثَّانِي : مِثْلُهُ فِي الْأَوَّلِ ، وَيَقْطَعُ الْعَصْرَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ :
يُكَبِّرُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ .
الرَّابِعُ : يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُكَبِّرُ عَرَفَةَ وَيَقْطَعُ الْعَصْرَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ ، وَقَدْ قَالَ هَؤُلَاءِ : يُكَبِّرُ فِي يَوْمَيْنِ ؛ فَتَرَكُوا الظَّاهِرَ لِغَيْرِ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَقَالَ : إنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } فَذِكْرُ عَرَفَاتٍ دَاخِلٌ فِي ذِكْرِ الْأَيَّامِ ، وَهَذَا كَانَ يَصِحُّ لَوْ قَالَ يُكَبِّرُ مِنْ الْمَغْرِبِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، لِأَنَّ وَقْتَ الْإِفَاضَةِ حِينَئِذٍ ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : يُكَبِّرُ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ الظُّهْرِ ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي مُتَعَلِّقِ قَوْله تَعَالَى : { فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ عِنْدَ الْحُلُولِ بِمِنًى .
وَمِنْ قَصَرَهُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَقَدْ بَيَّنَّا مَأْخَذَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَالتَّحْقِيقِ أَنَّ التَّحْدِيدَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ظَاهِرٌ ، وَأَنَّ تَعَيُّنَهَا ظَاهِرٌ أَيْضًا بِالرَّمْيِ ، وَأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْآفَاقِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ فِيهَا ، وَلَوْلَا الِاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ لَضَعُفَ مُتَابَعَةُ الْحَاجِّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَهْلِ الْآفَاقِ إلَّا فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ الذَّبْحِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ قَوْمٌ : نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ : وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، وَقَالَ : اللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَصَادِقٌ ، ثُمَّ خَرَجَ وَمَرَّ بِزَرْعٍ لِقَوْمٍ وَحُمُرٍ ، فَأَحْرَقَ الزَّرْعَ وَعَقَرَ الْحُمُرَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ صِفَةُ الْمُنَافِقِ ، وَهُوَ أَقْوَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ الْحَاكِمَ لَا يَعْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ أَحْوَالِ النَّاسِ ، وَمَا يَبْدُو مِنْ إيمَانِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْ بَاطِنِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ مَنْ الْخَلْقِ مَنْ يُظْهِرُ قَوْلًا جَمِيلًا وَهُوَ يَنْوِي قَبِيحًا .
وَأَنَا أَقُولُ : إنَّهُ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ أَلَّا يُقْبِلُ أَحَدٌ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَحَدٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ بِالتَّجْرِبَةِ ، وَيَخْتَبِرُ بِالْمُخَالَطَةِ أَمْرَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَه إلَّا اللَّهُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { إنَّمَا أُمِرْت بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ } .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْكَفِّ عَنْهُ وَعِصْمَتِهِ ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِالظَّاهِرِ مِنْهُ فِي حَالَتِهِ ، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : { فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .
وَأَمَّا فِي [ حَدِيثِ ] حَقِّ ثُبُوتِ الْمَنْزِلَةِ بِإِمْضَاءِ قَوْلِهِ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِهِ حَتَّى يَقَعَ الْبَحْثُ عَنْهُ ، وَيُخْتَبَرُ فِي تَقَلُّبَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَ إسْلَامُهُمْ سَلَامَتَهُمْ ؛ فَأَمَّا وَقَدْ عَمَّ النَّاسَ الْفَسَادُ فَلَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } : يَعْنِي : ذَا جِدَالٍ إذَا كَلَّمَك وَرَاجَعَك رَأَيْت لِكَلَامِهِ طَلَاوَةً وَبَاطِنُهُ بَاطِلٌ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِدَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِمَا ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ سَوَاءٌ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ .
الثَّانِي : فِيمَنْ يَقْتَحِمُ الْقِتَالَ ؛ أَرْسَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَيْشًا فَحَاصَرُوا حِصْنًا فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ عَلَيْهِ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ ، فَقَالَ النَّاسُ : أَلْقَى بِيَدِهِ لِلتَّهْلُكَةِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ فَقَالَ : كَذَبُوا ؛ أَوْ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } وَحَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى شَقَّهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } .
الثَّالِثُ : نَزَلَتْ فِي الْهِجْرَةِ وَتَرْكِ الْمَالِ وَالدِّيَارِ لِأَجْلِهَا ؛ رُوِيَ أَنْ صُهَيْبًا أَخَذَهُ أَهْلُهُ وَهُوَ قَاصِدٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ آخَرُ فَافْتَدَى مِنْهُ بِبَقِيَّةِ مَالِهِ ، وَغَيْرُهُ عَمِلَ عَمَلَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ قَالَهُ عُمَرُ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ وَاسْتَرْجَعَ ، وَقَالَ : قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ .
وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَلَ مِرْبَدًا لَهُ ، فَأَرْسَلَ إلَى فِتْيَانٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَخِي عَنْبَسَةَ فَقَرَءُوا الْقُرْآنَ ، فَإِذَا كَانَتْ الْقَائِلَةُ انْصَرَفُوا .
قَالَ : فَمَرُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِبَعْضِ مَنْ كَانَ إلَى جَانِبِهِ : اقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ .
فَسَمِعَ
عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا قَالَ ، فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ قُلْت ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ .
قَالَ : مَاذَا قُلْت ؟ قَالَ : فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرَى هَذَا أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ مِنْ أَمْرِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، فَيَقُولُ هَذَا : وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَيُقَاتِلُهُ ، فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ .
فَقَالَ عُمَرُ : لِلَّهِ تِلَادُك يَا ابْنَ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا كُلُّهُ مِنْ الْأَقْوَالِ ، لَا امْتِنَاعَ فِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْآيَةِ ، دَاخِلًا فِي عُمُومِهَا ، إلَّا أَنَّ مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ؛ أَمَّا الْقَوْلُ : إنَّهَا فِي الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَأَمَّا اقْتِحَامُ الْقِتَالِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا خَافَ مِنْهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ سَقَطَ فَرْضُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ اقْتِحَامُ الْغَرَرِ فِيهِ وَتَعْرِيضُ النَّفْسِ لِلْإِذَايَةِ أَوْ الْهَلَكَةِ ؟ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
وَعُمُومُ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهَا ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ [ كَانَتْ ] مَوْضُوعَةً أَوَّلًا فِي الْأَقْرَبِينَ ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ مَصْرِفَهَا فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ مَصَارِفَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَهُوَ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ دَعْوَى ، وَشُرُوطُهُ مَعْدُومَةٌ هُنَا ؛ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فِي الْأَقْرَبِينَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِمْ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ؛ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ .
فَقَالَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ لِزَوْجِهَا : أَرَاك خَفِيفَ ذَاتِ الْيَدِ ، فَإِنْ أَجْزَأَتْ عَنِّي فِيك صَرَفْتهَا إلَيْك .
فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَتْ : أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ مِنِّي عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَك أَجْرَانِ : أَجْرُ الصَّدَقَةِ ، وَأَجْرُ الْقَرَابَةِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِمْ } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا : أُمَّكَ وَأَبَاكَ ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ ، وَأَدْنَاك أَدْنَاك } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا } وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُنُوَّ عَلَى الْقَرَابَةِ أَبْلَغُ ، وَمُرَاعَاةُ ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ أَوْقَعُ فِي الْإِخْلَاصِ .
وَتَمَامُ الْمَسْأَلَةِ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَة الرَّابِعَة وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الصَّحَابَةِ وَهُمْ الْمُخَاطَبُونَ وَالْمَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ ظَاهِرًا فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ ظَاهِرًا عَلَى مَوْضِعٍ ؛ كَانَ الْقِتَالُ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ ، حَتَّى يَكْشِفَ اللَّهُ تَعَالَى مَا بِهِمْ ؛ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاشِعٍ قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأَخِي فَقُلْت : بَايِعْنِي عَلَى الْهِجْرَةِ .
فَقَالَ : مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا .
قُلْت : عَلَامَ تُبَايِعُنَا ؟ قَالَ : عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ } .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ إبَاحَةِ الْقِتَالِ وَالْإِذْنِ فِيهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إنْ اسْتَطَاعُوا } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي نَسْخِ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَكَانَ عَطَاءٌ يَحْلِفُ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي بَعْدَهَا عَامَّةٌ فِي الْأَزْمِنَةِ وَهَذَا خَاصٌّ ؛ وَالْعَامُّ لَا يُنْسَخُ بِالْخَاصِّ بِاتِّفَاقٍ .
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّاسِخِ ؛ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } وَقَالَ غَيْرُهُ : نَسَخَتْهَا : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } وَقَالَ غَيْرُهُ : نَسَخَهَا { غَزْوُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَقِيفًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَإِغْزَاؤُهُ أَبَا عَامِرٍ إلَى أَوْطَاسَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ } ؛ وَهَذِهِ أَخْبَارٌ ضَعِيفَةٌ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : نَسَخَتْهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ عَلَى الْقِتَالِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ ، وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ بِمَكَّةَ ، وَأَنَّهُمْ عَازِمُونَ عَلَى حَرْبِهِ ، فَبَايَعَ عَلَى دَفْعِهِمْ لَا عَلَى الِابْتِدَاءِ .
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } يَعْنِي أَشْهُرَ التَّسْيِيرِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ حُرْمَةً إلَّا لِزَمَانِ التَّسْيِيرِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ رَدٌّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حِينَ أَعْظَمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِتَالَ وَالْحِمَايَةَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ
أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ } وَهِيَ الْكُفْرُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ؛ فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ تَعَيَّنَ قِتَالُكُمْ فِيهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُرْتَدِّ ، هَلْ يُحْبِطُ عَمَلَهُ نَفْسُ الرِّدَّةِ أَمْ لَا يَحْبَطُ إلَّا عَلَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْكُفْرِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْبَطُ لَهُ عَمَلٌ إلَّا بِالْمُوَافَاةِ كَافِرًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَحْبَطُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ .
وَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْمُسْلِمِ إذَا حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ حَبَطَ بِالرِّدَّةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بَاقٍ .
وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } وَقَالُوا هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ أُمَّتُهُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الرِّدَّةُ شَرْعًا .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْأَمَةِ ، وَبَيَانُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَرَفِ مَنْزِلَتِهِ لَوْ أَشْرَكَ لَحَبِطَ عَمَلُهُ ، فَكَيْف أَنْتُمْ ؟ لَكِنَّهُ لَا يُشْرِكُ لِفَضْلِ مَرْتَبَتِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } ؛ وَذَلِكَ لِشَرَفِ مَنْزِلَتِهِنَّ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ إتْيَانُ فَاحِشَةٍ مِنْهُنَّ ، صِيَانَةً لِصَاحِبِهِنَّ الْمُكَرَّمِ الْمُعَظَّمِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، حِينَ قَرَأَ : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا } ؛ وَاَللَّهِ مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ، وَلَكِنَّهُمَا كَفَرَتَا .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا ذَكَرَ
الْمُوَافَاةَ شَرْطًا هَاهُنَا ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ عَلَيْهَا الْخُلُودَ فِي النَّارِ جَزَاءً ، فَمَنْ وَافَى كَافِرًا خَلَّدَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَمَنْ أَشْرَكَ حَبِطَ عَمَلُهُ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى ، فَهُمَا آيَتَانِ مُفِيدَتَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَحُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ ، وَمَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ لِأَمَتِهِ حَتَّى يَثْبُتَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ ، وَمَا وَرَدَ فِي أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ فِيهِنَّ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ لَكَانَ هَتْكًا لِحُرْمَةِ الدِّينِ وَحُرْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِكُلِّ هَتْكٍ حُرْمَةُ عِقَابٍ ، وَيُنَزَّلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ مَنْ عَصَى فِي شَهْرٍ حَرَامٍ ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّ الْعَذَابَ يُضَاعَفُ عَلَيْهِ بِعَدَدِ مَا هَتَكَ مِنْ الْحُرُمَاتِ ، وَاَللَّهُ الْوَاقِي لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا أَقْوَالٌ : الْأَوَّلُ : مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عُمَرَ وَالصَّحِيحُ مُرْسَلٌ دُونَ ذِكْرِ " عَنْ " وَقَالَ بَدَلَهَا : عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ " فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ " فَنَزَلَتْ الْآيَة الَّتِي فِي النِّسَاءِ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ " فَنَزَلَتْ الْآيَة الَّتِي فِي الْمَائِدَة : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } فَدُعِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : انْتَهَيْنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ اسْمِ الْخَمْرِ وَمَعْنَاهُ : وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْخَمْرَ شَرَابٌ يُعْتَصَرُ مِنْ الْعِنَبِ خَاصَّةً ، وَمَا اُعْتُصِرَ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ كَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا يُقَالُ لَهُمَا نَبِيذٌ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْخَمْرَ كُلُّ شَرَابٍ مَلَذٌّ مُطْرِبٌ ، قَالَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ ؛ وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَحَادِيثَ لَيْسَ لَهَا خَطْمٌ وَلَا أَزْمَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ أَنَسًا قَالَ : " حُرِّمَتْ الْخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا بِالْمَدِينَةِ خَمْرُ الْأَعْنَابِ إلَّا قَلِيلٌ ، وَعَامَّةُ خَمْرِهَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ " .
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى رِوَايَةٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَمْرُ عِنَبٍ ؛ وَإِنَّمَا كَانُوا يَشْرَبُونَ خَمْرَ النَّبِيذِ ، فَكَسَرُوا دِنَانَهُمْ ، وَبَادَرُوا الِامْتِثَالَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ خَمْرٌ .
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : " إنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نَزَلَ ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ : الْعِنَبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ " .
وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ اشْتِقَاقًا وَأُصُولًا وَقُرْآنًا وَأَخْبَارًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَيْسِرُ : مَا كُنَّا نَشْتَغِلُ بِهِ بَعْدَ أَنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فَمَا حَرَّمَ اللَّهُ فِعْلَهُ وَجَهِلْنَاهُ حَمِدْنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَشَكَرْنَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَلْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْحَسَنُ : حُرِّمَتْ الْخَمْرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَتْ الْجَمَاعَةُ : حُرِّمَتْ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ حَرَّمَتْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ } : وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ } وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ } فَلَمَّا تَنَاوَلَ التَّحْرِيمُ الْإِثْمَ ، وَكَانَ الْإِثْمُ مِنْ صِفَاتِ الْخَمْرِ وَجَبَ تَحْرِيمُهَا .
وَهَذَا إنَّمَا كَانَ يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ لَوْ كَانَ نُزُولُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ } فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِتَحْرِيمٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : مَا هَذَا الْإِثْمُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِثْمَ مَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ ، وَالْمَنْفَعَةُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ .
الثَّانِي : أَنَّ إثْمَهَا كَانُوا إذَا شَرِبُوا سَكِرُوا فَسَبُّوا وَجَرَحُوا وَقَتَلُوا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إثْمٌ فِي الْوَجْهَيْنِ ، وَتَمَامُهَا فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } : فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا رِبْحُ التِّجَارَةِ .
وَالثَّانِي : السُّرُورُ وَاللَّذَّةُ .
وَالثَّالِثُ : قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ : مَا فِيهَا مِنْ مَنْفَعَةِ الْبَدَنِ ؛ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ الْقَائِمَةِ أَوْ جَلْبِ الصِّحَّةِ الْفَانِيَةِ بِمَا تَفْعَلُهُ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ وَسَرَيَانِهَا فِي الْأَعْصَابِ وَالْعُرُوقِ ، وَتَوَصُّلِهَا إلَى الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ الرَّئِيسِيَّةِ ، وَتَجْفِيفِ الرُّطُوبَةِ ، وَهَضْمِ الْأَطْعِمَةِ الثِّقَالِ وَتَلْطِيفِهَا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هِيَ الرِّبْحُ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِبُونَهَا مِنْ الشَّامِ بِرُخْصٍ فَيَبِيعُونَهَا فِي الْحِجَازِ بِرِبْحٍ كَثِيرٍ .
وَأَمَّا اللَّذَّةُ : فَهِيَ مُضِرَّةٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ؛ لِأَنَّ مَا تَجْلِبُهُ مِنْ اللَّذَّةِ لَا يَفِي بِمَا تُذْهِبُهُ مِنْ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ ، حَتَّى إنَّ الْعَبِيدَ الْأَدْنِيَاءَ وَأَهْلَ النَّقْصِ كَانُوا يَتَنَزَّهُونَ عَنْ شُرْبِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ إذْهَابِ شَرِيفِ الْعَقْلِ ، وَإِعْدَامُهَا فَائِدَةُ التَّحْصِيلِ وَالتَّمْيِيزِ .
وَأَمَّا مَنْفَعَةُ إصْلَاحِ الْبَدَنِ : فَقَدْ بَالَغَ فِيهَا الْأَطِبَّاءُ حَتَّى إنِّي تَكَلَّمَتْ يَوْمًا مَعَ بَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ لِي : لَوْ جُمِعَ سَبْعُونَ عَقَارًا مَا وَفَى بِالْخَمْرِ فِي مَنَافِعِهَا ، وَلَا قَامَ فِي إصْلَاحِ الْبَدَنِ مَقَامَهَا .
وَهَذَا مِمَّا لَا نَشْتَغِلُ بِهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّدَاوِيَ حَتَّى نَعْتَذِرَ عَنْ ذَلِكَ لَهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّ الْبِلَادَ الَّتِي نَزَلَ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ
فِيهَا كَانَتْ بِلَادَ جُفُوفٍ وَحَرٍّ ؛ وَضَرَرُ الْخَمْرِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهَا ؛ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ الْخَمْرُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ لِلْأَرْيَافِ وَالْبِطَاحِ وَالْمَوَاضِعِ الرَّطْبَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْبَدَنِ فَفِيهَا مَضَرَّةٌ مِنْ طَرِيقِ الدِّينِ ، وَالْبَارِي تَعَالَى قَدْ حَرَّمَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِهَا فَقَدِّرْهَا كَيْفَ شِئْت ، فَإِنَّ خَالِقَهَا وَمَصْرِفَهَا قَدْ حَرَّمَهَا .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ { طَارِقِ بْنِ سُوَيْد الْجُعْفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ وَكَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا .
قَالَ : إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ .
قَالَ : لَيْسَ بِدَوَاءٍ ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ الْخَمْرِ : أَتُتَّخَذُ خَلًّا ؟ قَالَ : لَا .
} وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَيْف يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ مَا لَا غِنَى عَنْهُ وَلَا عِوَضَ مِنْهُ ؟ هَذَا مُنَاقِضٌ لِلْحِكْمَةِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّا لَا نَقُولُ إنَّهُ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا ؛ بَلْ لِلْمَرِيضِ عَنْهَا أَلْفُ غِنًى ، وَلِلصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ مِنْهَا عِوَضٌ مِنْ الْخَلِّ وَنَحْوِهِ .
الثَّانِي : أَنْ نَقُولَ : لَوْ كَانَتْ لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا عِوَضَ مِنْهَا لَامْتَنَعَ تَحْرِيمُهَا ، وَلَا اسْتَحَالَ أَنْ يَمْنَعَ الْبَارِي تَعَالَى الْخَلْقَ مِنْهَا لِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ لِلْبَارِي تَعَالَى أَنْ يَمْنَعَ الْمَرَافِقَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا ، وَأَنْ يُبِيحَهَا ، وَقَدْ آلَمَ الْحَيَوَانَ وَأَمْرَضَ الْإِنْسَانَ .
الثَّانِي : أَنَّ التَّطَبُّبَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ قَالَ : { يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ غَيْرِ حِسَابٍ ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَوْ
كَانَ فِيهَا صَلَاحُ بَدَنٍ لَكَانَتْ فِيهَا ضَرَاوَةٌ وَذَرِيعَةٌ إلَى فَسَادِ الْعَقْلِ ، فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ ، فَغَلَبَ الْمَنْعُ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا لَوْ اُسْتُهْلِكَتْ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ ؛ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ ذَلِكَ الدَّوَاءِ أَمْ لَا ؟ فَأَجَازَهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ ، وَتَرَدَّدَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } : وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِثْمَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِثْمَ فِيمَا يَكُونُ عَنْهَا مِنْ فَسَادِ الْعَمَلِ عِنْدَ ذَهَابِ الْعَقْلِ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَةِ اللَّذَّةِ وَالرِّبْحِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَزَادَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ تَوَرَّعَ عَنْهَا قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَشَرِبَهَا آخَرُونَ لِلْمَنْفَعَةِ يَعْنِي لِأَجْلِ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا لَا لِمَنْفَعَةِ الْبَدَنِ كَمَا قَدَّمْنَا ، حَتَّى نَزَلَتْ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } فَإِنْ قِيلَ : كَيْف شُرِبَتْ بَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ } وَبَعْدَ قَوْلِهِ : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } وَكَيْف تَعَاطَى مُسْلِمٌ مَا فِيهِ مَأْثَمٌ ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ بِالْإِثْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ شُرْبُهَا لَا نَفْسُ شُرْبِهَا .
فَمَنْ فَعَلَ حِينَئِذٍ ذَلِكَ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ فَقَدْ أَثِمَ بِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ لَا بِنَفْسِ الشُّرْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَيْهِ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إثْمٌ ؛ فَكَانَ هَذَا مَقْصَدَ الْقَوْلِ عَلَى وَجْهِ الْوَرَعِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ ؛ فَقَبِلَهُ قَوْمٌ فَتَوَرَّعُوا ، وَأَقْدَمَ آخَرُونَ عَلَى الشُّرْبِ حَتَّى حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى التَّحْرِيمَ ، فَامْتَنَعَ الْكُلُّ ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّك التَّحْرِيمَ لَقَالَ لِعُمَرَ أَوَّلًا مَا قَالَ لَهُ آخِرًا حَتَّى قَالَ : انْتَهَيْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْإِثْمِ الْمُوجِبِ لِلِامْتِنَاعِ وَقَرَنَهُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِقْدَامِ فَهِمَ قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، وَلَوْ تَدَبَّرُوا قَوْله تَعَالَى : { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } لَغَلَبَ الْوَرَعُ ؛ فَأَقْدَمَ مَنْ
أَقْدَمَ ، وَتَوَرَّعَ مَنْ تَوَرَّعَ ، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ التَّحْرِيمِ الْبَاحِثَةِ الْكَاشِفَةِ لِتَحْقِيقِهِ ، فَفَهِمَهَا النَّاسُ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : انْتَهَيْنَا ، { وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ } .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَا فَضَلَ عَنْ الْأَهْلِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا إسْرَافٍ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : مَا سَمَحَتْ بِهِ النَّفْسُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا .
الرَّابِعُ : الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الْخَامِسُ : صَدَقَةُ الْفَرْضِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا .
السَّادِسُ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا .
التَّنْقِيحُ : قَدْ بَيَّنَّا أَقْسَامَ الْعَفْوِ فِي مَوْرِدِ اللُّغَةِ عِنْدَمَا فَسَّرْنَا قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
وَأَسْعَدُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ [ بِالتَّحْقِيقِ ] وَبِالصِّحَّةِ مَا عَضَّدَتْهُ اللُّغَةُ ، وَأَقْوَاهَا عِنْدِي الْفَضْلُ ، لِلْأَثَرِ الْمُتَقَدِّمِ .
[ وَلِلنَّظَرِ ] ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَصَدَّقَ بِالْكَثِيرِ نَدِمَ وَاحْتَاجَ ، فَكِلَاهُمَا مَكْرُوهٌ شَرْعًا ، فَإِعْطَاءُ الْيَسِيرِ حَالَةً بَعْدَ حَالَةٍ أَوْقَعُ فِي الدِّينِ وَأَنْفَعُ فِي الْمَالِ ؛ وَقَدْ { جَاءَ أَبُو لُبَابَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَكَذَلِكَ كَعْبٌ ، فَقَالَ لَهُمَا : الثُّلُثُ } .
الْآيَة التَّاسِعَة وَالْخَمْسُونَ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } الْآيَةَ تَحَرَّجَ النَّاسُ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ فِي الْأَمْوَالِ وَاعْتَزَلُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } يَعْنِي : قَصْدُ إصْلَاحِ أَمْوَالِهِمْ خَيْرٌ مِنْ اعْتِزَالِهِمْ : فَكَانَ إذْنًا فِي ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْقَصْدِ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْصِدُ رِفْقَ الْيَتِيمِ لَا أَنْ يَقْصِدَ رِفْقَ نَفْسِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْبَحْثِ عَنْ الْيَتِيمِ : هُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُنْفَرِدِ مِنْ أَبِيهِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِيهَا عَلَى الْمُنْفَرِدِ مِنْ أُمِّهِ .
وَالْأَوَّلُ : أَظْهَرُ لُغَةً ، وَعَلَيْهِ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ ، وَلِأَنَّ الَّذِي فَقَدَ أَبَاهُ عَدِمَ النُّصْرَةَ ، وَاَلَّذِي فَقَدَ أُمَّهُ عَدِمَ الْحَضَانَةَ ، وَقَدْ تَنْصُرُ الْأُمُّ لَكِنَّ نُصْرَةَ الْأَبِ أَكْثَرُ ، وَقَدْ يَحْضُنُ الْأَبُ لَكِنَّ الْأُمُّ أَرْفَقُ حَضَانَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ لُغَةً ، وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْيُتْمِ فِي عَدَمِ الِاسْتِبْدَادِ بِالتَّصَرُّفِ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ ؛ وَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ فِي مُخَالَطَةِ الْأَيْتَامِ مَعَ قَصْدِ الْإِصْلَاحِ بِالنَّظَرِ لَهُمْ وَفِيهِمْ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ لِلْأَيْتَامِ كَمَا يُتَصَرَّفُ لِلْأَبْنَاءِ ، وَفِي الْأَثَرِ : " مَا كُنْت تُؤَدِّبُ مِنْهُ وَلَدَك فَأَدِّبْ مِنْهُ يَتِيمَك " وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاضِنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ تَصَرُّفَ الْوَصِيِّ فِي الْبَيْعِ وَالْقِسْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ ، وَبِهِ أَقُولُ وَأَحْكُمُ ، فَيَنْفُذُ بِنُفُوذِ فِعْلِهِ لَهُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِهَذِهِ الْآيَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا كَفَلَ الرَّجُلُ الْيَتِيمَ وَحَازَهُ وَكَانَ فِي نَظَرِهِ ، جَازَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ وَالٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ ، وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ .
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ قَدَّمَ أَحَدًا عَلَى يَتِيمٍ مَعَ وُجُودِهِمْ فِي أَزْمِنَتِهِمْ ؛ وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى كَوْنِهِمْ عِنْدَهُمْ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي اللَّقِيطِ هُوَ حُرٌّ ، لَك وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ " يَعْنِي بِالْوَلَاءِ الْوِلَايَةَ ، لَيْسَ الْمِيرَاثَ ، كَمَا تَوَهَّمَهُ قَوْمٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا جَعَلْتُمْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ تَصَرُّفَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ بِوِلَايَةِ الْكَفَالَةِ كَمَا قَدَّمْتُمْ بَيَانَهُ إنْ كَانَ بِتَقْدِيمِ وَالٍ عَلَيْهِ ، فَهَلْ يُنْكِحُ نَفْسَهُ مِنْ يَتِيمَتِهِ أَوْ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ يَتِيمَتِهِ ؟ قُلْنَا : إنَّ مَالِكًا جَعَلَ وِلَايَةَ النِّكَاحِ بِالْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَةُ أَقْوَى مِنْهَا بِالْقَرَابَةِ ، حَتَّى قَالَ فِي الْأَعْرَابِ الَّذِينَ يُسَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ فِي أَعْوَامِ الْمَجَاعَةِ إلَى الْكَفَلَةِ : إنَّهُمْ يُنْكِحُونَهُمْ إنْكَاحَهُمْ .
فَأَمَّا إنْكَاحُ الْكَافِلِ مِنْ نَفْسِهِ فَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا الشِّرَاءُ مِنْهُ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَشْتَرِي فِي مَشْهُورِ الْأَقْوَالِ إذَا كَانَ نَظَرًا لَهُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِصْلَاحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَلَا فِي الْبَيْعِ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَأَمَّا مَا نَزَعَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ مَنْعِ النِّكَاحِ فَلَهُ فِيهَا طُرُقٌ بَيَانُهَا فِي مَوْضِعِهَا هُنَالِكَ ؛ وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَطَرِيقُهُ فِيهَا ضَعِيفٌ جِدًّا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مَعَنَا فِي مُرَاعَاةِ الذَّرَائِعِ وَالتُّهَمِ فَيَنْقُضُ أَصْلَهُ فِي تَرْكِهَا .
فَإِنَّ قِيلَ : فَلِمَ تَرَكَ مَالِكٌ أَصْلَهُ فِي التُّهْمَةِ وَالذَّرَائِعِ ، وَجَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ يَتِيمَتِهِ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا نَقُولُ يَكُونُ ذَرِيعَةً لِمَا يُؤَدِّي مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ إلَى مَحْظُورٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي صُورَةِ الْمُخَالَطَةِ ، وَوَكَّلَ الْحَاضِنِينَ فِي ذَلِكَ إلَى أَمَانَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ } وَكُلُّ أَمْرٍ مَخُوفٍ وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْمُكَلَّفَ إلَى أَمَانَتِهِ لَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ يَتَذَرَّعُ إلَى مَحْظُورٍ فَيُمْنَعُ مِنْهُ ، كَمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النِّسَاءَ
مُؤْتَمَنَاتٍ عَلَى فُرُوجِهِنَّ ، مَعَ عِظَمِ مَا يَتَرَكَّبُ عَلَى قَوْلِهِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَيَرْتَبِطُ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَنْسَابِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكْذِبْنَ .
وَهَذَا فَنٌّ بَدِيعٌ فَتَأْمُلُوهُ وَاِتَّخِذُوهُ دُسْتُورًا فِي الْأَحْكَامِ وَأَمِّلُوهُ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ بِرَحْمَتِهِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ سِتِّينَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَاَللَّهُ يَدْعُو إلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ بِنِكَاحٍ عَلَى مُشْرِكَةٍ كَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ ؛ قَالَهُ عُمَرُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إذَا كَانَتْ أَمَةً .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَطْءُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنْ الْمَجُوسِ وَالْعَرَبِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَدَرَسَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ قَالَ : احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ } ؛ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَايَرَ بَيْنَ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْمُشْرِكَةِ ، فَلَوْلَا أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْمُشْرِكَةِ جَائِزٌ لَمَا خَايَرَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُخَايَرَةَ إنَّمَا هِيَ بَيْنَ الْجَائِزَيْنِ ، لَا بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْمُمْتَنَعِ ، وَلَا بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك لَا تَقُولُ : الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ تَجُوزُ الْمُخَايَرَةُ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ لُغَةً وَقُرْآنًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } وَلَا خَيْرَ عِنْدَ
أَهْلِ النَّارِ .
وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِسَالَتِهِ إلَى أَبِي مُوسَى : " الرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ " .
الثَّانِي : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ } ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْعَبْدِ الْمُشْرِكِ لِلْمُؤْمِنَةِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ لِلْمُشْرِكَةِ ؛ إذْ لَوْ دَلَّ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ عَلَى الْمُرَادِ لَدَلَّ الْآخَرُ عَلَى مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا سِيقَتَا فِي الْبَيَانِ مَسَاقًا وَاحِدًا .
الثَّالِثُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَأَمَةٌ } لَمْ يُرِدْ بِهِ الرَّقِيقَ الْمَمْلُوكَ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ : الْآدَمِيَّةُ وَالْآدَمِيَّاتُ ، وَالْآدَمِيُّونَ بِأَجْمَعِهِمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَإِمَاؤُهُ ؛ قَالَهُ الْقَاضِي بِالْبَصْرَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ .
التَّنْقِيحُ : كُلُّ كَافِرٍ بِالْحَقِيقَةِ مُشْرِكٌ ؛ وَلِذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة ، وَقَالَ : أَيُّ شِرْكٍ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَقُولُ : عِيسَى هُوَ اللَّهُ أَوْ وَلَدُهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
فَإِنْ حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَامٌّ خَصَّصَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ وَلَمْ تَنْسَخْهُ ؛ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْعُرْفِ فَالْعُرْفُ إنَّمَا يَنْطَلِقُ فِيهِ لَفْظُ الْمُشْرِكِ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ مِنْ الْمَجُوسِ وَالْوَثَنِيِّينَ مِنْ الْعَرَبِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } وَقَالَ : { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } فَلَفْظُ الْكُفْرِ يَجْمَعُهُمْ ، وَيَخُصُّهُمْ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ .
فَإِنْ قِيلَ : إنْ كَانَ اللَّفْظُ خَاصًّا كَمَا قُلْتُمْ فَالْعِلَّةُ تَجْمَعُهُمْ ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ } ؛ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْكِتَابِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ .
قُلْنَا : لَا
نَمْنَعُ فِي الشَّرْعِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَامَّةً وَالْحُكْمُ خَاصًّا أَوْ أَزَيْدُ مِنْ الْعِلَّةِ ؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ فِي الشَّرْعِ وَأَمَارَاتٌ ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَاتٍ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلَى النَّارِ } يَرْجِعُ إلَى الرِّجَالِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ } لَا إلَى النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ لَوْ تَزَوَّجَتْ كَافِرًا حُكِمَ عَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَتَمَكَّنَ مِنْهَا وَدَعَاهَا إلَى الْكُفْرِ ، وَلَا حُكْمَ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ ؛ فَلَا يَدْخُلُ هَذَا فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } : قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ وَإِنْ أَعْجَبَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ بِأَنْ " لَوْ " تَفْتَقِرُ إلَى جَوَابٍ ، وَنَسِيَ أَنَّ " إنْ " أَيْضًا تَفْتَقِرُ إلَى جَزَاءٍ .
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ابْتِدَاءً وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ حُسْنُهُنَّ ، كَمَا تَقُولُ ، لَا تُكَلِّمَ زَيْدًا وَإِنْ أَعْجَبَك مَنْطِقُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ : النِّكَاحُ بِوَلِيٍّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ ثُمَّ قَرَأَ : وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ بِضَمِّ التَّاءِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ وَدَلَالَةٌ صَحِيحَةٌ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : سَبَبُ السُّؤَالِ : وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : { كَانَتْ الْيَهُودُ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ وَيُشَارِبُوهُنَّ ، وَأَنْ يَكُونُوا فِي الْبَيْتِ مَعَهُنَّ ، وَأَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا النِّكَاحَ .
فَقَالَتْ الْيَهُودُ : مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إلَّا خَالَفَنَا فِيهِ ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا نُخَالِفُ الْيَهُودَ فَنَطَأُ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا .
قَالَ : فَقَامَا فَخَرَجَا عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ ا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا ، فَعَلِمَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا .
} وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَانَ غَضَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إمَّا كَرَاهِيَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْأَسْئِلَةِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : { ذَرُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ } .
وَإِمَّا أَنْ
يَكُونَ كَرِهَ الْأَطْمَاعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالرَّذَائِلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَرِنَةً بِاللَّذَّاتِ ؛ وَالْوَطْءُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ رَذِيلَةٌ يَسْتَدْعِي عُزُوفَ النَّفْسِ .
وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ الِانْكِفَافَ عَنْهُ لَوْ كَانَ مُبَاحًا ، كَيْفَ وَقَدْ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِي الدِّينِ عِلْمُهُ ، وَثَبَتَ فِي الْمُرُوءَةِ قَدَمُهُ كَأُسَيْدٍ وَعَبَّادٍ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : { كَانُوا يَأْتُونَ النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ فِي الْمَحِيضِ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ } وَهَذَا ضَعِيفٌ يَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَفْسِيرِ الْمَحِيضِ وَهُوَ مَفْعَلُ ، مِنْ حَاضَ يَحِيضُ إذَا سَالَ حَيْضًا ، تَقُولُ الْعَرَبُ : حَاضَتْ الشَّجَرَةُ وَالسَّمُرَةُ : إذَا سَالَتْ رُطُوبَتُهَا ، وَحَاضَ السَّيْلُ : إذَا سَالَ قَالَ الشَّاعِرُ : أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الدَّمِ الَّذِي يُرْخِيهِ الرَّحِمُ فَيَفِيضُ ، وَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ : الْأَوَّلُ : حَائِضٌ .
الثَّانِي : عَارِكٌ .
الثَّالِثُ : فَارِكٌ .
الرَّابِعُ : طَامِسٌ .
الْخَامِسُ : دَارِسٌ .
السَّادِسُ : كَابِرٌ .
السَّابِعُ : ضَاحِكٌ .
الثَّامِنُ : طَامِثٌ .
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَضَحِكَتْ } يَعْنِي حَاضَتْ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَيَهْجُرُهَا يَوْمًا إذَا هِيَ ضَاحِكٌ وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } يَعْنِي حِضْنَ ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ : يَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلَا يَأْتِي النِّسَاءَ إذَا أَكْبَرْنَ إكْبَارًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمَحِيضُ ، مَفْعَلُ ، مِنْ حَاضَ ، فَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ كَوْنُ .
عِبَارَةٌ عَنْ الزَّمَانِ أَمْ عَنْ الْمَكَانِ أَمْ عَنْ الْمَصْدَرِ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ ؟ وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَمَانِ الْحَيْضِ وَعَنْ مَكَانِهِ ، وَعَنْ الْحَيْضِ نَفْسِهِ .
وَتَحْقِيقُهُ عِنْدَ مَشْيَخَةِ الصَّنْعَةِ قَالُوا : إنَّ الِاسْمَ الْمَبْنِيَّ مِنْ فَعَلَ يَفْعِلُ لِلْمَوْضِعِ مَفْعَلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَالْمَبِيتِ وَالْمَقِيلِ ، وَالِاسْمُ الْمَبْنِيُّ مِنْهُ عَلَى مَفْعَلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْمَصْدَرِ كَالْمَضْرَبِ ، تَقُولُ : إنَّ فِي أَلْفِ دِرْهَمٍ لَمَضْرَبًا ، أَيْ ضَرْبًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } أَيْ عَيْشًا .
وَقَدْ يَأْتِي الْمَفْعِلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ لِلزَّمَانِ ، كَقَوْلِنَا : مَضْرِبُ النَّاقَةِ أَيْ زَمَانُ ضِرَابِهَا .
وَقَدْ يُبْنَى الْمَصْدَرُ أَيْضًا عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّ الْأَصْلَ مَا تَقَدَّمَ .
وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ } أَيْ رُجُوعُكُمْ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ
عَنْ الْمَحِيضِ } أَيْ عَنْ الْحَيْضِ .
وَإِذَا عَلِمْت هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ ، فَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُتَعَلِّقٍ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ مِنْ بِنَاءٍ يَخْتَصُّ بِهِ قَصْدًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا ، وَهِيَ سَبْعَةٌ : الْفَاعِلُ ، وَالْمَفْعُولُ ، وَالزَّمَانُ ، وَالْمَكَانُ ، وَأَحْوَالُ الْفِعْلِ الثَّلَاثَةِ مِنْ مَاضٍ ، وَمُسْتَقْبَلٍ ، وَحَالٍ ، وَيَتَدَاخَلَانِ ، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ إلَى عَشَرَةٍ وَإِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا بِحَسَبِ تَزَايُدِ الْمُتَعَلِّقَاتِ .
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْنِيَةِ يَتَمَيَّزُ بِخُصُصِيَّتِهِ اللَّفْظِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تُمَيِّزُهُ بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ يَتَمَيَّزُ بِبِنَائِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَتَرَدُّدَاتِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَتَرَدُّدَاتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ ، كَقَوْلِك : مَعَهُ ، وَلَهُ ، وَبِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ .
فَإِذَا وَضَعَ الْعَرَبِيُّ أَحَدَهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ جَازَ ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعَارَةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِلْمُنْصِفِ اسْتَقْصَيْنَاهُ مِنْ كِتَابِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَقُلْت مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ } زَمَانِ الْحَيْضِ صَحَّ ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَجَازًا عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ السُّؤَالُ بِسَبَبِهِ ، تَقْدِيرُهُ : وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْوَطْءِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ .
وَإِنْ قُلْت : إنَّ مَعْنَاهُ مَوْضِعُ الْحَيْضِ كَانَ مَجَازًا فِي مَجَازٍ عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفَيْنِ تَقْدِيرُهُ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ } أَيْ : عَنْ الْوَطْءِ فِي مَوْضِعِ الْحَيْضِ حَالَةَ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ اسْمِ الْمَوْضِعِ يَبْقَى عَلَيْهِ وَإِنْ زَالَ الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ بِهِ ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ تَحْقِيقٍ فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ ، لِظُهُورِ الْمَجَازِ فِيهِ .
وَإِنْ قُلْت مَعْنَاهُ : وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْحَيْضِ ، كَانَ مَجَازًا عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ وَاحِدٍ ، تَقْدِيرُهُ : وَيَسْأَلُونَك عَنْ مَنْعِ الْحَيْضِ ؛ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَصَوَّرٌ مُتَقَرِّرٌ
عَلَى رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَثَابِتِ بْنِ الدَّحْدَاحَةِ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ مُتَقَدِّرٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا تَقْدِيرًا صَحِيحًا ؛ فَيَتَبَيَّنُ عِنْدَ التَّنْزِيلِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطِهِ بِتَطْوِيلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي اعْتِبَارِهِ شَرْعًا الدِّمَاءُ الَّتِي تُرْخِيهَا الرَّحِمُ دَمُ عَادَةٍ ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ ، وَدَمُ عِلَّةٍ يُعْتَبَرُ غَالِبًا عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَفِيهِ خِلَافٌ ؛ وَكِلَاهُمَا مَعْرُوفٌ ؛ وَالْأَرْحَامُ الَّتِي تُرْخِيهَا ثِنْتَانِ : حَامِلٌ ، وَحَائِلٌ [ وَالْحَائِلُ ] تَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةٍ : مُبْتَدَأَةٌ ، وَمُعْتَادَةٌ ، وَمُخْتَلِطَةٌ ، وَمُسْتَحَاضَةٌ ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ بِالْأَحْوَالِ وَالزَّمَانِ إلَى ثَلَاثِينَ قِسْمًا ، بَيَانُهَا فِي كِتَابِ الْمَسَائِلِ ، وَلِكُلِّ حَالٍ مِنْهَا حُكْمٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَذِرٌ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ .
الثَّانِي : دَمٌ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِث : نَجِسٌ .
الرَّابِعُ : مَكْرُوهٌ يُتَأَذَّى بِرِيحِهِ وَضَرَرِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ .
وَالصَّحِيحُ هَذَا الرَّابِعُ ، بِدَلِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَعُمُّهَا .
الثَّانِي : قَوْله تَعَالَى : { إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ } وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَتَقْدِيرُهُ : يَسْأَلُونَك عَنْ مَوْضِعِ الْحَيْضِ ، قُلْ : هُوَ أَذًى ؛ فَيَكُونُ رُجُوعُهُ إلَى حَقِيقَةِ الْمَحِيضِ مَجَازًا ، وَيَكُونُ رُجُوعُهُ إلَى مَجَازِهِ حَقِيقَةً ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ التَّقْدِيرِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي دَمِ الْحَيْضِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ ، رَوَاهُ أَبُو ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ مَالِكٍ ، وَجْهُ الْأَوَّلِ عُمُومٌ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ دُونَ الْقَلِيلِ .
وَوَجْهُ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } وَهَذَا يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، وَيَتَرَجَّحُ هَذَا الْعُمُومُ عَلَى الْآخَرِ بِأَنَّهُ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ عَيْنٍ .
وَذَلِكَ الْأَوَّلُ هُوَ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ حَالٍ ، وَحَالُ الْمُعَيَّنِ أَرْجَحُ مِنْ حَالِ الْحَالِ ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ فُنُونِ التَّرْجِيحِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ نُسْبَقْ إلَيْهِ وَلَمْ نُزَاحَمْ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : جُمْلَةُ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ : وَجُمْلَةُ ذَلِكَ خَمْسَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ الطَّهَارَةُ .
الثَّانِي : دُخُولُ الْمَسْجِدِ .
الثَّالِثُ : الصَّوْمُ .
الرَّابِعُ : الْوَطْءُ .
الْخَامِسُ : إيقَاعُ الطَّلَاقِ .
وَيَنْتَهِي بِالتَّفْصِيلِ إلَى سِتَّةَ عَشْرَ حُكْمًا تَفْسِيرُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } : مَعْنَاهُ افْعَلُوا الْعَزْلَ أَيْ اكْتَسَبُوهُ ، وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُجْتَمِعَيْنِ عَارِضًا لَا أَصْلًا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْرِدِ الْعَزْلِ وَمُتَعَلِّقِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : جَمِيعُ بَدَنِهَا .
فَلَا يُبَاشِرُهُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ فِي قَوْلٍ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ .
الثَّالِثُ : الْفَرْجُ ؛ قَالَتْهُ حَفْصَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْبَغُ .
الرَّابِعُ : الدُّبُرُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مَعْنَاهُ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ جَمِيعُ بَدَنِهَا فَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { النِّسَاءَ } ؛ وَهَذَا عَامُّ فِيهِنَّ فِي جَمِيعِ أَبْدَانِهِنَّ ، وَالْمَرْوِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ } .
وَقَالَتْ أَيْضًا : { كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا ، أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرَهَا } .
قَالَتْ : { وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إرْبَهُ } ؟ وَهَذَا يَقْتَضِي خُصُوصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { بَدْرَةَ مَوْلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَتْ : بَعَثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ إلَى امْرَأَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ .
فَوَجَدَتْ فِرَاشَهُ مُعْتَزِلًا فِرَاشَهَا ، فَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ عَنْ الْهُجْرَانِ ، فَسَأَلْتهَا فَقَالَتْ : إذَا طَمَثْت اعْتَزَلَ فِرَاشِي ؛ فَرَجَعْت فَأَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ فَرَدَّتْنِي إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَتْ : تَقُولُ لَك أُمُّك : أَرَغِبْت عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ وَإِنَّهَا حَائِضٌ ، وَمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلَّا ثَوْبٌ مَا يُجَاوِزُ الرُّكْبَتَيْنِ } .
وَهَذَا إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الرَّاحَةِ مِنْ مُضَاجَعَةِ الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ فَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَدَلِيلُهُ { قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ عَمَّا يَحِلُّ مِنْ الْحَائِضِ .
فَقَالَ : لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ثُمَّ شَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْفَرْجُ خَاصَّةً فَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ : { افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ } .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حِمَايَةِ الذَّرَائِعِ ، وَخَصَّ الْحُكْمَ وَهُوَ التَّحْرِيمُ بِمَوْضِعِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْفَرْجُ ؛ لِيَكُونَ الْحُكْمُ طِبْقًا لِلْعِلَّةِ يَتَقَرَّرُ بِتَقَرُّرِ الْعِلَّةِ إذَا أَوْجَبَتْهُ خَاصَّةً ، فَإِذَا أَثَارَتْ الْعِلَّةُ نُطْقًا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالنُّطْقِ وَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْعِلَّةِ ، كَمَا بَيَّنَّا فِي السَّعْيِ مِنْ قَبْلُ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ الرَّمَلُ فِيهِ لِعِلَّةِ إظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكَيْنِ ؛ ثُمَّ زَالَتْ ، وَلَكِنْ شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِبًا يَثْبُتُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مُسْتَمِرًّا ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ فِي الْفُرُوعِ وَأَدِلَّةٌ فِي الْأُصُولِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الدُّبُرُ ، فَرَوَى الْمُقَصِّرُونَ الْغَافِلُونَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ حَرُمَ حِجْرُهَا " ، وَهَذَا بَاطِلٌ ذَكَرْنَاهُ لِنُبَيِّن حَاله .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : { افْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ } ، فَمَعْنَاهُ الْإِذْنُ فِي الْجِمَاعِ ؛ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحِلَّهُ ، وَقَوْلُهُ : { شَأْنُك بِأَعْلَاهَا } ، بَيَانٌ لِمَحِلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { النِّسَاءَ } : فَذَكَرَهُنَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْجِنْسِ وَالْعَهْدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، فَإِنَّ حَمَلْتهَا عَلَى الْعَهْدِ صَحَّ ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ مَعْهُودٍ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، فَعَادَ الْجَوَابُ عَلَيْهِ طِبْقًا ، وَإِنْ حَمَلْتهَا عَلَى الْجِنْسِ جَازَ وَيَكُونُ الْجَوَابُ أَعَمُّ مِنْ السُّؤَالِ ، فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ } عَامًّا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ زَوْجًا أَوْ غَيْرَ زَوْجٍ ، خَاصًّا فِي حَالِ الْحَيْضِ ، وَتَكُونُ الزَّوْجَةُ مُحَرَّمَةً فِي حَالِ الْحَيْضِ بِالْحَيْضِ ، وَتَكُونُ الْأَجْنَبِيَّاتُ مُحَرَّمَاتٍ فِي حَالِ الْحَيْضِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَبِالْحَيْضِ جَمِيعًا ، وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْعِلَّتَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ جَوَازَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِعِلَّتَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : { فِي الْمَحِيضِ } : وَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، فَاعْتَبِرْهُ بِمَا فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } : سَمِعْت فَخْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّاشِيَّ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ يَقُولُ : إذَا قِيلَ لَا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَلَبَّسَ بِالْفِعْلِ ، وَإِذَا كَانَ بِضَمِّ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَدْنُ مِنْهُ .
وَأَمَّا مَوْرِدُهُ فَهُوَ مَوْرِدُ { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ } وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، لَكِنْ بِإِضْمَارٍ بَعْدَ إضْمَارٍ ، كَقَوْلِك مَثَلًا : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ، أَيْ فِي مَكَانِ الْحَيْضِ ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ فِيهِ ، وَرَكَّبُوا عَلَيْهَا بَاقِيَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } : حَتَّى بِمَعْنَى الْغَايَةِ ، وَهُوَ انْتِهَاءُ الشَّيْءِ وَتَمَامُهُ ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقَاطِعِ لِلشَّيْءِ قَبْلَ تَمَامِهِ كَثِيرٌ ، مِثَالُهُ أَنَّ اللَّيْلَ يَنْتَهِي بِإِقْبَالِهِ الصَّوْمُ ، وَبِالسَّلَامِ تَنْتَهِي الصَّلَاةُ ، وَبِوَطْءِ الزَّوْجِ الثَّانِي يَنْتَهِي تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَتَحْقِيقُهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي حُكْمِ الْغَايَةِ : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا ، وَقَدْ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا ، وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } : وَالْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } : وَهُمَا مُلْتَزِمَتَانِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا نُطِيلُ النَّفَسَ فِيهِ قَلِيلًا ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } ؛ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَكِنَّهُ نَاقَضَ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ قَالَ : إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ حِينَئِذٍ تَحِلُّ ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ تَحِلَّ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلٌ .
الثَّانِي : لَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ .
الثَّالِثُ : تَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ؛ قَالَهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيُنْقَضُ قَوْلُهُ بِمَا نَاقَضَ فِيهِ فَإِنَّهُ تَعَلَّقَ بِأَنَّ الدَّمَ إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ لَمْ يُؤْمَنْ عَوْدَتُهُ .
قُلْنَا : وَلَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ إذَا مَضَى وَقْتُ صَلَاةٍ ، فَبَطَلَ مَا قُلْته .
وَالتَّعَلُّقُ بِالْآيَةِ يُدْفَعُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } مُخَفَّفًا .
وَقُرِئَ " حَتَّى يَطَّهَّرْنَّ " مُشَدَّدًا .
وَالتَّخْفِيفُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَإِنَّ التَّشْدِيدَ فِيهِ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ وَغَايَةً لِلتَّحْرِيمِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهُنَّ الدَّمُ ؛ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ التَّشْدِيدُ مَوْضِعَ التَّخْفِيفِ ، فَيُقَالُ : تَطَهَّرَ بِمَعْنَى طَهُرَ ، كَمَا يُقَالُ : قَطَعَ وَقَطَّعَ ، وَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إضْمَارٍ ، وَمَذْهَبُكُمْ يَفْتَقِرُ إلَى إضْمَارِ قَوْلِك بِالْمَاءِ .
قُلْنَا : لَا يُقَالُ اطَّهَرَتْ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى
انْقَطَعَ دَمُهَا ، وَلَا يُقَالُ قَطَّعَ مُشَدَّدًا بِمَعْنَى قَطَعَ مُخَفَّفًا ، وَإِنَّمَا التَّشْدِيدُ [ بِمَعْنَى ] تَكْثِيرُ التَّخْفِيفِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ ، فَقَالَ : " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ فِي الشَّرْطِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْغَايَةِ قَبْلَهَا ، فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } مُخَفَّفًا ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " يَطَّهَّرْنَ " مُشَدَّدًا بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي الْآيَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } وَقَالَ الْكُمَيْتُ : وَمَا كَانَتْ الْأَبْصَارُ فِيهَا أَذِلَّةً وَلَا غُيَّبًا فِيهَا إذَا النَّاسُ غُيَّبُ وَقِيلَ : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا إعَادَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ كَانَ إعَادَةً لَاقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ : حَتَّى يَطْهُرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ خَاصَّةً ، فَلَمَّا زَادَ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِئْنَافُ حُكْمٍ آخَرَ .
فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ ؛ فَإِنَّ الْمَعَادَ فِي الشَّرْطِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْغَايَةِ ، بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ بِالْفَاءِ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَهُ لِذِكْرِهِ بِالْوَاوِ .
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ فَلَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ بِعَيْنِهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَا تُعْطِ هَذَا الثَّوْبَ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ ، فَإِذَا دَخَلَ فَأَعْطِهِ الثَّوْبَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ ، لَكَانَ هُوَ بِعَيْنِهِ ، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ لَقَالَ : لَا تُعْطِهِ حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ ، فَإِذَا دَخَلَ وَجَلَسَ فَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا ؛ هَذَا طَرِيقُ النَّظْمِ فِي اللِّسَانِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ : إنَّا لَا نَفْتَقِرُ فِي تَأْوِيلِنَا إلَى إضْمَارٍ ؛ وَأَنْتُمْ تَفْتَقِرُونَ إلَى إضْمَارٍ .
قُلْنَا : لَا يَقَعُ بِمِثْلِ هَذَا تَرْجِيحٌ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْإِضْمَارَ مِنْ ضَرُورَةِ الْكَلَامِ ، فَهَذَا كَالْمَنْطُوقِ بِهِ .
جَوَابٌ
ثَالِثٌ : وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ الثَّانِي مِنْ الْآيَةِ : إنَّا نَقُولُ : نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } أَنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ ، لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ، مَعْنَاهُ فَإِذَا اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى شَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : انْقِطَاعُ الدَّمِ .
الثَّانِي : الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ .
فَوَقَفَ الْحُكْمُ وَهُوَ جَوَازُ الْوَطْءِ عَلَى الشَّرْطَيْنِ ، وَصَارَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } فَعَلَّقَ الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ دَفْعِ الْمَالِ عَلَى شَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بُلُوغُ النِّكَاحِ ، وَالثَّانِي : إينَاسُ الرُّشْدِ .
فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَصِحَّ ثُبُوتُهُ بِأَحَدِهِمَا ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا : { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ثُمَّ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِاشْتِرَاطِ الْوَطْءِ ؛ فَوَقَفَ التَّحْلِيلُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُمَا انْعِقَادُ النِّكَاحِ ، وَوُقُوعُ الْوَطْءِ ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ الْجُوَيْنِيُّ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ مَدَّ التَّحْرِيمَ إلَى غَايَةٍ ، وَهِيَ انْقِطَاعُ الدَّمِ ، وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ الْجَوَازُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِسَبَبِ حُكْمِ الْغَايَةِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ حُكْمُ الْغَايَةِ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً ، فَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا شَرْطٌ آخَرُ فَإِنَّمَا يَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِمَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَكَمَا بَيَّنَّاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ هَذَا تَجْدِيدَ شَرْطٍ زَائِدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إعَادَةٌ لِلْكَلَامِ ، كَمَا تَقُولُ : لَا تُعْطِ زَيْدًا شَيْئًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ ، فَإِذَا دَخَلَ فَأَعْطِهِ ؛ وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ
وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَحْفَظُ حُكْمَ الْغَايَةِ وَيُقِرُّهَا عَلَى أَصْلِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ لَفْظِ الشَّرْطِ أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْغَايَةِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّا نَقُولُ : رَوَى عَطِيَّةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ " ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ .
الثَّانِي : أَنَّ تَطَهَّرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَكْتَسِبُهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ ، فَأَمَّا انْقِطَاعُ الدَّمِ فَلَيْسَ بِمُكْتَسَبٍ .
فَإِنْ قِيلَ : بَلْ يُسْتَعْمَلُ تَفَعَّلَ فِي غَيْرِ الِاكْتِسَابِ ، كَمَا يُقَالُ : تُقَطَّعَ الْحَبْلُ ، وَكَمَا يُقَالُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : تَجَبُّرٌ وَتَكَبُّرٌ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اكْتِسَابٌ وَلَا تَكَلُّفٌ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ اللُّغَةِ مَا قُلْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ : تَقَطَّعَ الْحَبْلُ نَادِرٌ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حُكْمٌ .
جَوَابٌ آخَرُ : هَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ ، فَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسْتَعْمَلُ ، فَلَا يُقَالُ تَطَهَّرَتْ الْمَرْأَةُ بِمَعْنَى انْقَطَعَ دَمُهَا .
وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَقَعْ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهَا ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِنْ الْمَجَازِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى الشَّيْءِ إذَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ .
وَأَمَّا مَجَازٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَى تَأْوِيلِ اللَّفْظِ فِيمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ ؛ وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمَادَاتِ لَا تُوصَفُ بِالِاكْتِسَابِ لِلْأَفْعَالِ وَتَكَلُّفِهَا ، وَلِذَلِكَ يَسْتَحِيلُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي أَفْعَالِهِ التَّكَلُّفُ ، فَحُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الضَّرُورَةِ ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ خُرُوجَهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ .
وَهَذَا جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : قَالَ
تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ : { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } فَمَدَحَهُنَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِنَّ ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَا كَانَ فِيهِ مَدْحٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِنَّ ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ قَدْ ذَمَّ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَقَالَ : { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ ، وَلَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى مَا تَقَدَّمَ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } ؛ وَلَمْ يَجْرِ لِلتَّوْبَةِ ذِكْرٌ .
قُلْنَا : سَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
جَوَابٌ رَابِعٌ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ : وَهُوَ قَوْلُهُمْ : إنَّمَا حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى هَذَا كَمَا قَدْ حَفِظْنَا مُوجِبَ الْغَايَةِ وَمُقْتَضَاهَا ، فَهَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْغَايَةِ ، فَأَمَّا إذَا قُرِنَ بِهَا الشَّرْطُ فَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ كَمَا تَقَدَّمَ .
جَوَابٌ خَامِسٌ : وَهُوَ أَنَّا نَقُولُ : إنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا مُوجَبَ الْغَايَةِ فَقَدْ حَمَلْتُمْ أَنْتُمْ اللَّفْظَ عَلَى التَّكْرَارِ ، فَتَرَكْتُمْ فَائِدَةَ عَوْدِهِ ، وَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّكْرَارِ فِي كَلَامِ النَّاسِ ، فَكَيْف كَلَامُ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ ؟ جَوَابٌ سَادِسٌ : لَيْسَ حَمْلُكُمْ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } عَلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } بِأَوْلَى مِنْ حَمْلِنَا قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } عَلَى قَوْلِهِ : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } ؛ فَوَجَبَ أَنْ يُقْرَنَ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ؛ هَذَا جَوَابُ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ .
جَوَابٌ سَابِعٌ : وَذَلِكَ أَنَّا إذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ كُنَّا قَدْ حَفِظْنَا الْآيَةَ مِنْ التَّخْصِيصِ وَالْأَدِلَّةَ مِنْ التَّنَاقُضِ ؛ وَإِذَا حَمَلْنَا { تَطَهَّرْنَ } عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ كُنَّا قَدْ خَصَّصْنَا الْآيَةَ وَتَحَكَّمْنَا عَلَى مَعْنَى لَفْظِهَا بِمَا لَا يَقْتَضِيه وَلَا يَشْهَدُ لَهُ فَرْقٌ فِيهِ ، وَتَنَاقَضْنَا فِي الْأَدِلَّةِ ؛ وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى .
هَذَا جَوَابُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ
.
وَجَوَابٌ ثَامِنٌ : وَهُوَ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ ؛ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُنَا جَوَابُ الطُّوسِيِّ وَهُوَ أَضْعَفُهَا ؛ وَقَدْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ ضَعِيفَةً عِنْدَ لِقَائِنَا لَهُ ، وَقَدْ حَصَّلْنَا فِيهَا الْقُوَّةَ وَالنُّصْرَةَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ إمَامٍ وَفِي كُلِّ طَرِيقٍ .
جَوَابٌ تَاسِعٌ : قَوْلُهُمْ : إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ اللَّفْظِ الْمَعَادِ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَادًا بِلَفْظِ الْأَوَّلِ ؛ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَادًا بِغَيْرِ لَفْظِهِ فَلَا ، وَهُوَ قَدْ قَالَ هَاهُنَا : حَتَّى " يَطْهُرْنَ " مُخَفَّفًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ : " فَإِذَا تَطَهَّرْنَ " مُشَدَّدًا ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ كَانَ كَلَامُنَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ كَمَا فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ .
فَإِنْ قِيلَ وَهُوَ آخِرُ أَسْئِلَةِ الْقَوْمِ ، وَأَعْمَدُهَا : الْقِرَاءَتَانِ كَالْآيَتَيْنِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا ، وَنَحْنُ نَحْمِلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنًى فَتُحْمَلُ الْمُشَدَّدَةُ عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِلْأَقَلِّ ، فَإِنَّا لَا نُجَوِّزُ وَطْأَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ ، وَتُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى عَلَى مَا إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِلْأَكْثَرِ ، فَنُجَوِّزُ وَطْأَهَا وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ .
قُلْنَا : قَدْ جَعَلْنَا الْقِرَاءَتَيْنِ حُجَّةً لَنَا ، وَبَيَّنَّا وَجْهَ الدَّلِيلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ فَإِنَّ قِرَاءَةَ التَّشْدِيدِ تَقْتَضِي التَّطَهُّرَ بِالْمَاءِ ، وَقِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ أَيْضًا مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ .
جَوَابٌ ثَانٍ : وَذَلِكَ أَنَّ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ أَوْجَبَتْ انْقِطَاعَ الدَّمِ ، وَالْأُخْرَى أَوْجَبَتْ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ ، كَمَا أَنَّ الْقُرْآنَ اقْتَضَى تَحْلِيلَ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِالنِّكَاحِ ، وَاقْتَضَتْ السُّنَّةُ التَّحْلِيلَ بِالْوَطْءِ ، فَجَمَعْنَا بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا اعْتَبَرْتُمْ الْقِرَاءَتَيْنِ هَكَذَا كُنْتُمْ قَدْ حَمَلْتُمُوهَا عَلَى فَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ ،
وَإِذَا اعْتَبَرْنَاهَا نَحْنُ كَمَا قُلْنَا حَمَلْنَاهَا عَلَى فَائِدَتَيْنِ مُتَجَدِّدَتَيْنِ ، وَهِيَ اعْتِبَارُ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي قَوْله تَعَالَى : { تَطَهَّرْنَ } فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَاعْتِبَارُ قَوْلِهِ : يَطْهُرُ فِي الْأَقَلِّ .
قُلْنَا : نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا قَدْ حَمَلْنَاهُمَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فَقَدْ وَجَدْنَا لِذَلِكَ مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَحَفِظْنَا نُطْقَ الْآيَةِ وَلَمْ نَخُصَّهُ ، وَحَفِظْنَا الْأَدِلَّةَ فَلَمْ نَنْقُضْهَا ؛ فَكَانَ تَأْوِيلُنَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ ؛ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلٍ آخَرَ يَخْرُجُ عَنْهَا .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْجَمْعِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِلْأَكْثَرِ ، وَمَا قُلْنَا يَقْتَضِي الْحَظْرَ ؛ وَإِذَا تَعَارَضَ بَاعِثُ الْحَظْرِ وَبَاعِثُ الْإِبَاحَةِ غَلَبَ بَاعِثُ الْحَظْرِ ، كَمَا قَالَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ : " أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ، وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى " .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ } ثُمَّ قَالَ : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } وَهُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ ، وَمَتَى انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَالزَّمَانُ بَاقٍ ، فَبَقِيَ النَّهْيُ ، وَهَذَا اعْتِرَاضُ أَبِي الْحَسَنِ الْقُدُورِيِّ .
أَجَابَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ : [ الْمَحِيضُ ] هُوَ الْحَيْضُ بِعَيْنِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ : حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ .
وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ بِأَنْ قَالَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " الْمَحِيضِ " نَفْسَ الْحَيْضِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } فَإِنْ قِيلَ : بِهَذَا نَحْتَجُّ فَإِنَّهُ إذَا زَالَ الدَّمُ زَالَ الْأَذَى ؛ فَجَازَ الْوَطْءُ ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ لِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا .
قُلْنَا : هَذَا يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ ؛ فَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ
وَلَمْ يَزُلْ الْحُكْمُ ؛ وَذَلِكَ لِفِقْهٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ وُجُودُ الْأَذَى ، ثُمَّ لَمْ يَرْبِطْ زَوَالَ الْحُكْمِ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ حَتَّى ضَمَّ إلَيْهِ شَرْطًا آخَرَ ، وَهُوَ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ ؛ وَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرٌ .
وَأَمَّا طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ فَالْكَلَامُ مَعَهُمَا سَهْلٌ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُمَا تَفْسِيرُ الطُّهْرِ بِالِانْقِطَاعِ أَوْ الِاغْتِسَالِ ؛ وَلِذَلِكَ حَمَلْنَا قَوْله تَعَالَى : { فَاطَّهَّرُوا } عَلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْجُمْلَةِ ؛ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَوْ الْمَسْأَلَتَيْنِ ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنْ نَقُولَ : الْحَيْضُ مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّوْمَ ؛ فَكَانَ الطُّهْرُ الْوَارِدُ فِيهِ مَحْمُولًا عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ أَصْلُهُ الْجَنَابَةُ .
وَأَمَّا دَاوُد فَإِنَّا لَمْ نُرَاعِ خِلَافَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَيُضَلِّلُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ الْقِيَاسَ كَفَّرْنَاهُ ؛ فَإِنْ رَاعِينَا إشْكَالَ سُؤَالِهِ ، قُلْنَا : هَذَا الْكَلَامُ هُوَ عَكْسُ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } وَهَذَا ضَمِيرُ النِّسَاءِ ؛ فَكَيْف يَصِحُّ أَنْ يَسْمَعَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } فَيَقُولُ : إنَّ وَطْأَهَا جَائِزٌ ، مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ ؛ فَيُبِيحُ الْوَطْءَ قَبْلَ وُجُودِ غَايَتِهِ الَّتِي عَلَّقَ جَوَازَ الْوَطْءِ عَلَيْهَا .
وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ بِعِطْفٍ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } ؛ عَلَى قَوْله تَعَالَى { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ } تَجِدُهُ صَحِيحًا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ اعْتَزِلُوا جُمْلَةَ الْمَرْأَةِ كَانَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } عَامًّا فِيهَا ، فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يَطْهُرْنَ } رَاجِعًا إلَى جُمْلَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا } أَسْفَلَهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ : حَتَّى يَطْهُرَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ كُلُّهُ ؛ وَلَا يَصِحُّ لَهُ ؛
===========================================ج3.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
لِأَنَّهُ كَانَ نِظَامُ الْكَلَامِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ حَتَّى يُطَهِّرْنَهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَاعْتَزِلُوا الْفَرْجَ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ .
فَإِنْ قِيلَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } فَإِذَا زَالَ الْأَذَى جَازَ الْوَطْءُ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِزَوَالِ الْأَذَى مَا وَجَبَ غَسْلُ الْفَرْجِ عِنْدَك ، لِأَنَّ الْأَذَى قَدْ زَالَ بِالْجُفُوفِ أَوْ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ ، فَغَسْلُ الْفَرْجِ إذْ ذَاكَ يَكُونُ وَقَدْ زَالَتْ الْعِلَّةُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، فَدَلَّ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْحَيْضِ لَا بِوُجُودِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِ أَذًى ، ثُمَّ مَنَعَ الْقُرْبَانَ حَتَّى تَكُونَ الطَّهَارَةُ مِنْ الْأَذَى ، وَهَذَا بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَأْتُوهُنَّ } : مَعْنَاهُ فَجِيئُوهُنَّ ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ الْوَطْءِ ، كَمَا كَنَّى عَنْهُ بِالْمُلَامَسَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعْفُو وَيُكَنِّي ، كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ " .
وَأَمَّا مَوْرِدُهُ فَقَدْ كَانَ يَتَرَكَّبُ عَلَى قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا } لَوْلَا قَوْلُهُ : " مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ " فَإِنَّهُ خَصَّصَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : وَفِيهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْهُنَّ .
الثَّانِي : الْقُبُلُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
الثَّالِثُ : مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا .
الرَّابِعُ : مِنْ قَبْلِ طُهْرِهِنَّ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ .
الْخَامِسُ : مِنْ قَبْلِ النِّكَاحِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ .
السَّادِسُ : مِنْ حَيْثُ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ الْإِتْيَانَ ، لَا صَائِمَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ ؛ قَالَهُ الْأَصَمُّ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ قَوْلٌ مُجْمَلٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَكَيْفَمَا كَانَ النَّهْيُ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ عَلَيْهِ ؛ فَبَقِيَ تَحْقِيقُ مَوْرِدِ النَّهْيِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : الْقُبُلُ ، فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ ؛ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هُوَ أَذًى } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ : وَهُوَ جَمِيعُ بُدْنِهَا فَالشَّاهِدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ } ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا الرَّابِعُ : وَهُوَ قَوْلُهُ : مِنْ قَبْلِ طُهْرِهِنَّ ؛ فَيَعْنِي بِهِ إذَا طَهُرْنَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِالْفَرْجِ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفَرْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْأَقْوَالِ ، وَإِنْ شِئْت فَرَكِّبْهُ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا يَتَرَكَّبْ ؛ فَمَا صَحَّ فِيهَا صَحَّ فِيهِ .
وَأَمَّا الْخَامِسُ : وَهُوَ النِّكَاحُ ، فَضَعِيفٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { النِّسَاءَ } إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْأَزْوَاجَ
اللَّوَاتِي يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ فِيهِنَّ بِحَالَةِ الْحَيْضِ .
وَأَمَّا السَّادِسُ : فَصَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ وَطْئِهِ ، وَلَكِنْ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَدِلَّتِهَا ؛ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْآيَةُ بِحَالِ الطُّهْرِ ، كَمَا اخْتَصَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ } يَعْنِي : فِي حَالَةِ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّهَا مُرَادَةٌ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَهُ ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مُحْتَمَلٍ فِي اللَّفْظِ مُرَادًا بِهِ فِيهِ ، وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ عِلْمِ الْأُصُولِ ، فَافْهَمْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { يُحِبُّ } : مَحَبَّةُ اللَّهِ هِيَ إرَادَتُهُ ثَوَابَ الْعَبْدِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { التَّوَّابِينَ } : التَّوْبَةُ : هِيَ رُجُوعُ الْعَبْدِ عَنْ حَالَةِ الْمَعْصِيَةِ إلَى حَالَةِ الطَّاعَةِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بِشُرُوطِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { الْمُتَطَهِّرِينَ } : وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ لِلصَّلَاةِ .
الثَّانِي : الَّذِينَ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : الَّذِينَ لَا يَنْقُضُونَ التَّوْبَةَ ، طَهَّرُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ الْعَوْدِ إلَى مَا رَجَعُوا عَنْهُ مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَاللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فَالْأَوَّلُ بِهِ أَخَصُّ ، وَهُوَ فِيهِ أَظْهَرُ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، وَهُوَ الْمُنْعَطِفُ عَلَى سَابِقِ الْآيَةِ الْمُنْتَظِمُ مَعَهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ : قَالَ جَابِرٌ : " كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ : مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ .
الثَّانِيَةُ : قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } قَالَ : يَأْتِيهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إذَا كَانَتْ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ } .
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
الثَّالِثَةُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، { أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : هَلَكْت .
قَالَ : وَمَا أَهْلَكَك ؟ قَالَ : حَوَّلْت رَحْلِي الْبَارِحَةَ .
فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } : فَقَالَ : أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا ؛ فَجَوَّزَهُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ جِمَاعُ النِّسْوَانِ وَأَحْكَامُ الْقُرْآنِ " وَأَسْنَدَ جَوَازَهُ إلَى زُمْرَةٍ كَرِيمَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِلَى مَالِكٍ مِنْ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ ، فَأَخَذْت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَان قَالَ : أَتَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ ؟ قُلْت : لَا .
قَالَ : أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ، ثُمَّ مَضَى ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِحَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } .
قَالَ : يَأْتِيهَا فِي .
.
وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ شَيْئًا .
وَيُرْوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : " وَهَلَ الْعَبْدُ " فِيمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : " قَدْ أُكْثِرُ عَلَيْك الْقَوْلَ ، إنَّك تَقُولُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّهُ أَفْتَى بِأَنْ يَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ .
قَالَ نَافِعٌ : لَقَدْ كَذَبُوا عَلَيَّ ، وَلَكِنْ سَأُخْبِرُك كَيْف كَانَ الْأَمْرُ ؛ إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ الْمُصْحَفَ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } قَالَ : يَا نَافِعُ ، هَلْ تَعْلَمُ مَا أَمْرُ هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قُلْت : لَا .
قَالَ لَنَا : كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَجِيءُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ وَنَكَحْنَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ أَرَدْنَا مِنْهُنَّ مَا كُنَّا نُرِيدُ مِنْ نِسَائِنَا وَإِذَا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَهُ ، وَكَانَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ إنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جُنُوبِهِنَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَسَأَلْت الْإِمَامَ الْقَاضِيَ الطُّوسِيَّ عَنْ
الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْفَرْجَ حَالَ الْحَيْضِ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْعَارِضَةِ ، فَأَوْلَى أَنْ يُحَرِّمَ الدُّبُرَ بِالنَّجَاسَةِ اللَّازِمَةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي شَرْحِ الْعُرْضَةِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ " عُرْضَ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَتَصَرَّفُ عَلَى مَعَانٍ ، مَرْجِعُهَا إلَى الْمَنْعِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اعْتَرَضَ فَقَدْ مَنَعَ ، وَيُقَالُ لِمَا عَرَضَ فِي السَّمَاءِ مِنْ السَّحَابِ عَارِضٌ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ رُؤْيَتِهَا ، وَمِنْ رُؤْيَةِ الْبَدْرَيْنِ وَالْكَوَاكِبِ .
وَقَدْ يُقَالُ هَذَا عُرْضَةٌ لَك أَيْ عُدَّةٌ تَبْتَذِلُهُ فِي كُلِّ مَا يَعِنُّ لَك .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ : " الصَّمَدْ لِأَيَّامِ الْحُرُوبِ ، وَهَذِهِ لِلْهَوَى ، وَهَذِهِ عُرْضَةٌ لِارْتِحَالِنَا " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمَعْنَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاَللَّهِ عِلَّةً يَعْتَلُّ بِهَا الْحَالِفُ فِي بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ ؛ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُعْطِيَ عَنْهَا كَفَّارَةً } قَالَ ذَلِكَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ .
الثَّانِي : لَا يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِ خَيْرٍ بِأَنْ يَقُولَ : عَلَيَّ يَمِينٌ أَنْ لَا يَكُونَ .
الثَّالِثُ : لَا تُكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ عُرْضٍ يَعْرِضُ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ } فَذَمَّ كَثْرَةَ الْحَلِفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَبَرُّوا } : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَجْعَلُوا الْيَمِينَ مَانِعًا مِنْ الْبِرِّ ، وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ : { لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَةً عَنْهَا } وَتَحْقِيقُ الْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ حَلَفَ أَوَّلًا كَانَ الْمَعْنَى أَنْ تَبَرُّوا بِالْيَمِينِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ الْمَعْنَى أَنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا ، وَيَدْخُلُ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَيَجْتَمِعَانِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي سُورَةِ النُّورِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ } .
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنْ تَبَرُّوا ، أَيْ إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنْ كَثْرَةِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اللَّغْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَخْصُوصٌ بِكُلِّ كَلَامٍ لَا يُفِيدُ ، وَقَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا لَا يَضُرُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ : وَفِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَقَوْلِهِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : مَا يَحْلِفُ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ ، فَيَكُونُ بِخِلَافِهِ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّالِثُ : يَمِينُ الْغَضَبِ .
الرَّابِعُ : يَمِينُ الْمَعْصِيَةِ .
الْخَامِسُ : دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، كَقَوْلِهِ : إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَيَلْحَقُ بِي كَذَا وَنَحْوُهُ .
وَالسَّادِسُ : الْيَمِينُ الْمُكَفِّرُ .
السَّابِعُ : يَمِينُ النَّاسِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : اعْلَمُوا أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَقْوَالِ لَا تَخْلُو مِنْ قِسْمَيْ اللَّغْوِ اللَّذَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى جَمِيعِهَا مُمْتَنِعٌ ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِبَعْضِهَا ، وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ وَأَخْبَارٌ وَآثَارٌ لَوْ تَتَبَّعْنَاهَا لَخَرَجْنَا عَنْ مَقْصُودِ الِاخْتِصَارِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ الْإِكْثَارِ وَاَلَّذِي يَقْطَعُ بِهِ اللَّبِيبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرِ الْآيَةِ : لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَيْكُمْ ، إذْ قَدْ قَصَدَ هُوَ الْإِضْرَارَ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْقَصْدِ ، وَهُوَ كَسْبُ الْقَلْبِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَخَرَجَ مِنْ اللَّفْظِ يَمِينُ الْغَضَبِ وَيَمِينُ الْمَعْصِيَةِ ، وَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ كَسَبَهُ الْقَلْبُ ، فَهُوَ الْمُؤَاخَذُ بِهِ ، وَقِسْمٌ لَا يَكْسِبُهُ الْقَلْبُ ، فَهُوَ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ ، وَخَرَجَ مِنْ قِسْمِ الْكَسْبِ يَمِينُ
الْحَالِفِ نَاسِيًا ، فَأَمَّا الْحَانِثُ نَاسِيًا فَهُوَ بَابٌ آخَرَ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، كَمَا خَرَجَ مِنْ قِسْمِ الْكَسْبِ أَيْضًا الْيَمِينُ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ ، فَخَرَجَ بِخِلَافِهِ ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْهُ ، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ طَوِيلٌ بَيَانُهُ فِي الْمَسَائِلِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَهِيَ آيَةٌ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ جِدًّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ كَبِيرٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَدَقَّتْ مَدَارِكُهَا حَسْبَمَا تَرَوْنَهَا مِنْ جُمْلَتِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : " كَانَ إيلَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَوَفَّتْ لَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ " ؛ فَمَنْ آلَى أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ حُكْمِيٍّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْإِيلَاءُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْحَلِفُ ، وَالْفَيْءُ هُوَ الرُّجُوعُ ، وَالْعَزْمُ هُوَ تَجْرِيدُ الْقَلْبِ عَنْ الْخَوَاطِرِ الْمُتَعَارِضَةِ فِيهِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : نَظْمُ الْآيَةِ : لِلَّذِينَ يَعْتَزِلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ بِالْأَلِيَّةِ ، فَكَانَ مِنْ عَظِيمِ الْفَصَاحَةِ أَنْ اُخْتُصِرَ ، وَحُمِّلَ آلَى مَعْنَى اعْتَزَلَ النِّسَاءَ بِالْأَلِيَّةِ حَتَّى سَاغَ لُغَةَ أَنْ يَتَّصِلَ آلَى بِقَوْلِك مِنْ ، وَنَظْمُهُ فِي الْإِطْلَاقِ أَنْ يَتَّصِلَ بِآلَى قَوْلُك عَلَى ، تَقُولُ الْعَرَبُ : اعْتَزَلْت مِنْ كَذَا وَعَنْ كَذَا ، وَآلَيْت وَحَلَفَتْ عَلَى كَذَا ، وَكَذَلِكَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تَحْمِلَ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَفْعَالِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِارْتِبَاطِ وَالِاتِّصَالِ ، وَجَهِلَتْ النَّحْوِيَّةُ هَذَا فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ : إنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يُبْدَلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَيَحْمِلُ بَعْضُهَا مَعَانِيَ الْبَعْضِ ، فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ وَضْعُ فِعْلٍ مَكَانَ فِعْلٍ ، وَهُوَ أَوْسَعُ وَأَقْيَسُ ، وَلَجُّوا بِجَهْلِهِمْ إلَى الْحُرُوفِ الَّتِي يَضِيقُ فِيهَا نِطَاقُ [ الْكَلَامِ ] وَالِاحْتِمَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْإِيلَاءُ : قَالَ قَوْمٌ : لَا يَقَعُ الْإِيلَاءُ إلَّا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِيلَاءَ يَقَعُ بِكُلِّ يَمِينٍ عَقَدَ الْحَالِفُ بِهَا قَوْلَهُ ، وَذَلِكَ بِالْتِزَامِ مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا قَبْلَ ذَلِكَ .
وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بَنَوْهُ عَلَى الْحَدِيثِ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا جَاءَ لِبَيَانِ الْأَوْلَى ، لَا لِإِسْقَاطِ سِوَاهُ مِنْ الْأَيْمَانِ ؛ بَلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ نَصِّ كَلَامِنَا مَا يُوجِبُ أَنَّهَا كُلَّهَا أَيْمَانٌ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا } .
ثُمَّ إذَا كَانَ حَالِفًا وَجَبَ أَنْ تَنْعَقِدَ يَمِينُهُ .
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَيَقُولُونَ : كُلُّ يَمِينٍ أَلْزَمَهَا نَفْسَهُ مِمَّا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ لَازِمَةً لَهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، فَهُوَ بِهَا مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ ، وَذَلِكَ لَازِمٌ صَحِيحٌ شَرِيعَةً وَلُغَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ وَذَلِكَ هُوَ تَرْكُ الْوَطْءِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَالِ الرِّضَا أَوْ الْغَضَبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ وَالشَّعْبِيُّ : لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ ؛ وَالْقُرْآنُ عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَتَخْصِيصُهُ دُونَ دَلِيلٍ لَا يَجُوزُ .
وَهَذَا الْخِلَافُ انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ قَصْدُ الْمُضَارَّةِ بِالزَّوْجَةِ وَإِسْقَاطُ حَقِّهَا مِنْ الْوَطْءِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ قَصْدًا لِلْإِضْرَارِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ : مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُولِي ، وَتَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ إنْ شَاءَتْ ، وَيُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ رَفْعِهِ ، لِوُجُودِ مَعْنَى الْإِيلَاءِ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْإِيلَاءَ لَمْ يَرِدْ لَعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ لِمَعْنَاهُ ؛ وَهُوَ الْمُضَارَّةُ وَتَرْكُ الْوَطْءِ ، حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَقْرَبَهَا لِأَجَلِ الرَّضَاعِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، لِأَنَّهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ لَا إضْرَارَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا حَلَفَ عَلَى مَنْعِ الْكَلَامِ أَوْ الْإِنْفَاقِ ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُولٍ ؛ لِوُجُودِ الْمَعْنَى السَّابِقِ بَيَانُهُ مِنْ الْمُضَارَّةِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ أَلَّا يَطَأهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَكُونُ مُولِيًا .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : لَيْسَ بِمُولٍ .
وَهَذَا الْخِلَافُ يَنُبْنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ فَائِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ ؛ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَحِلُّ الْيَمِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَرَأَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَحِلُّهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ قَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " إنْ شَاءَ اللَّهُ " مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } وَمَوْرِدُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا ثُنْيَا لَهُ ، لِأَنَّ الْحَالَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ وَقَصَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَلَّ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تَنْحَلُّ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَالَ الْأَكْثَرُ : الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ فُسْحَةٌ لِلزَّوْجِ ، لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا كَلَامَ مَعَهُ لَأَجَلِهَا ؛ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ ، وَيُوَقَّتُ لَهُ الْأَمَدُ ، وَتُعْتَبَرُ حَالُهُ عِنْدَ انْقِضَائِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَمِينُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُوجِبٌ الْحُكْمَ .
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لِمَنْ آلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ تَقْدِيرَاتٍ : الْأَوَّلُ : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
الثَّانِي : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
الثَّالِثُ : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
فَالثَّالِثُ بَاطِلٌ قَطْعًا ، وَالْأَوَّلُ مُرَادٌ قَطْعًا ، وَالثَّانِي مُحْتَمِلٌ لِلْمُرَادِ احْتِمَالًا بَعِيدًا ؛ وَالْأَصْلُ عَدَمِ الْحُكْمِ فِيهِ ؛ فَلَا يُقْضَى بِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَقُول : حَلَفْت عَلَى مُدَّةٍ هِيَ لِي ، فَلَا كَلَامَ مَعِي ، وَلَيْسَ عَنْ هَذَا جَوَابٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ فَاءُوا } : وَالْمَعْنَى : إنْ رَجَعُوا ، وَالرُّجُوعُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ مَرْجُوعٍ عَنْهُ ، وَقَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ يَمِينٌ وَاعْتِقَادٌ ؛ فَأَمَّا الْيَمِينُ فَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِالْكَفَّارَةِ ، لِأَنَّهَا تَحِلُّهَا ، وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ فَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ مُسْتَتِرٌ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِمَا يُكْشَفُ عَنْهُ مِنْ فِعْلٍ يَتَبَيَّنُ بِهِ ؛ كَحِلِّ الْيَمِينِ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ إتْيَانِ مَا امْتَنَعَ مِنْهُ ؛ فَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ : رَجَعْت فَلَا يُعَدُّ فَيْئًا ؛ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا التَّحْقِيقُ فَلَا مَعْنَى بَعْدَهُ لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي قِلَابَةَ : إنَّ الْفَيْءَ قَوْلُهُ رَجَعْت .
أَمَّا أَنَّهُ تَبْقَى هُنَا نُكْتَةٌ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ فَيَقُولُ : وَاَللَّهِ لَقَدْ رَجَعْت فَهَلْ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا ؟ قُلْنَا : لَا يَكُونُ فَيْئًا ، لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ تُوجِبُ كَفَّارَةً أُخْرَى فِي الذِّمَّةِ ، وَتَجْتَمِعُ مَعَ الْيَمِينِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يُرْفَعُ الشَّيْءُ إلَّا بِمَا يُضَادُّهُ وَهَذَا تَحْقِيقٌ بَالِغٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا كَانَ ذَا عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ مَغِيبٍ فَقَوْلُهُ : رَجَعْت فَيْءٌ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُقَالُ لَهُ كَفِّرْ أَوْ أَوْقِعْ مَا حَلَفْت عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ .
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ قَوْلُهُ : رَجَعْت ، ثُمَّ إذَا أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ ، فَلَمْ يَطَأْ طُلِّقَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَفَّرَ ثُمَّ أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ لِزَوَالِ الْعُذْرِ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُسْتَأْنَفُ لَهُ الْمُدَّةُ إذَا انْقَضَتْ ، وَهُوَ مَغِيبٌ أَوْ مَرِيضٌ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ .
قُلْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ : لَا تُسْتَأْنَفُ لَهُ مُدَّةٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعُذْرَ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ فَإِنْ كَانَ فِعْلًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَيَفْعَلُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ " الْمَسَائِلِ "
مُسْتَوْفَاةَ الْحُجَجِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا تَرَكَ الْوَطْءَ مُضَارًّا بِغَيْرِ يَمِينٍ فَلَا تَظْهَرُ فَيْئَتُهُ عِنْدَنَا إلَّا بِالْفِعْلِ ، لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْكَرَاهَةِ قَدْ ظَهَرَ بِالِامْتِنَاعِ ، فَلَا يَظْهَرُ اعْتِقَادُهُ لِلْإِرَادَةِ إلَّا بِالْإِقْدَامِ ؛ وَهَذَا تَحْقِيقٌ بَالِغٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ } : اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، هَذَا وَهُمْ الْقُدْوَةُ الْفُصَحَاءُ اللُّسْنُ الْبُلَغَاءُ مِنْ الْعَرَبِ الْعُرْبِ ، فَإِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي تَتَّضِحُ لَهُ مِنَّا بِالْأَفْهَامِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاللُّغَةِ الْمُعْتَلَّةِ ، وَلَكِنْ إنْ أَلْقَيْنَا الدَّلْوَ فِي الدِّلَاءِ لَمْ نَعْدَمْ بِعَوْنِ اللَّهِ الدَّوَاءَ ، وَلَمْ نُحْرَمْ الِاهْتِدَاءَ فِي الِاقْتِدَاءِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ لَا يُوقِعُ فُرْقَةً ؛ إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ قَصْدِهِ وَاعْتِبَارِ عَزْمِهِ .
وَقَالَ الْمُخَالِفُ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إنَّ عَزِيمَةَ الطَّلَاقِ تُعْلَمُ مِنْهُ بِتَرْكِ الْفَيْئَةِ مَدَى التَّرَبُّصِ .
أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْمَاضِي مُحَالٌ ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاقِعُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ عَزِيمَةٌ مِنَّا .
وَتَحْقِيقُ الْأَمْرُ أَنَّ تَقْرِيرَ الْآيَةَ عِنْدَنَا : " لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ فَاءُوا بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " .
وَتَقْرِيرُهَا عِنْدَهُمْ : " لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ فَاءُوا فِيهَا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ بِتَرْكِ الْفَيْئَةِ فِيهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ " .
وَهَذَا احْتِمَالٌ مُتَسَاوٍ ، وَلِأَجَلِ تَسَاوِيهِ تَوَقَّفَتْ الصَّحَابَةُ فِيهِ ، فَوَجَبَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اعْتِبَارُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ بَحْرٌ مُتَلَاطِمُ الْأَمْوَاجِ ، وَلَقَدْ كُنْت أَقَمْت بِالْمَدْرَسَةِ التَّاجِيَّةِ مُدَّةً لِكَشْفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْمُنَاظَرَةِ ، ثُمَّ تَرَدَّدْت فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ آخِرًا لِأَجْلِهَا .
فَاَلَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ النَّظَرُ بَيْنَ
الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَصْحَابَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالُوا : كَانَ الْإِيلَاءُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَزَادَ فِيهِ الشَّرْعُ الْمُدَّةَ وَالْمُهْلَةَ ، فَأَقَرَّهُ طَلَاقًا بَعْدَ انْقِضَائِهَا .
قُلْنَا : هَذِهِ دَعْوَى .
قَالُوا : وَتَغْيِيرُهَا دَعْوَى .
قُلْنَا : أَمَّا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا فَرُبَّمَا قُلْنَا إنَّهُ شَرْعٌ لَنَا مَعَكُمْ أَوْ وَحْدَنَا وَأَمَّا أَحْكَامُ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةِ ، وَهَذَا مَوْقِفٌ مُشْكِلٌ جِدًّا ، وَعَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ عَظِيمٌ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، الِاعْتِرَاضُ حَدِيثُ عَائِشَةَ : { كَانَ النِّكَاحُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ ، فَأَقَرَّ الْإِسْلَامُ وَاحِدًا } .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَرَأَوْا أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ضَرَرٌ حَادِثٌ بِالزَّوْجَةِ ؛ فَضُرِبَتْ لَهُ فِي رَفْعِهِ مُدَّةٌ ، فَإِنْ رُفِعَ الضَّرَرُ وَإِلَّا رَفَعَهُ الشَّرْعُ عَنْهَا ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالطَّلَاقِ كَمَا يَحْكُمُ فِي كُلِّ ضَرَرِ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ كَالْجُبِّ وَالْعُنَّةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَهَذَا غَايَةُ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ هَاهُنَا ؛ وَاسْتِيفَاؤُهُ فِي الْمَسَائِلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هَذِهِ الْآيَةُ بِعُمُومِهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إيلَاءِ الْكَافِرِ .
قُلْنَا : نَحْنُ نَقُولُ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ فِيهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَلَكِنْ لَا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنَا بِفِعْلِ الْكَافِرِ حَتَّى يُقَدِّمَ عَلَى فِعْلِهِ شَرْطَ اعْتِبَارِ الْأَفْعَالِ ، وَهُوَ الْإِيمَانُ ، كَمَا لَا يُنْظَرُ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى يُقَدِّمَ شَرْطَهَا ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ إنْ قُدِّرَتْ مُسْلِمَةً لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ ، وَإِنْ قُدِّرَتْ كَافِرَةً فَمَا لَنَا وَلَهُمْ ؟ وَكَيْفَ نَنْظُرُ فِي أَنْكِحَتِهِمْ ؟ وَلَعَلَّ الْمُولَى فِيهَا هِيَ الْخَامِسَةُ أَوْ بِنْتُ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ ؛ فَهَذَا لَغْوٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا كَفَّرَ الْمُولِي سَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَذَلِكَ إجْمَاعٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيلَاءِ ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ الْإِيلَاءِ ؛ إذْ لَا يَرَى جَوَازَ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا ، وَصَارَ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ ، فَلَمَّا أَكْمَلَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ صَبِيحَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إنَّك آلَيْتَ شَهْرًا .
فَقَالَ : إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْعُثْمَانِيُّ غَيْرَ مَرَّةٍ : وَصَلْت الْفُسْطَاطَ مَرَّةً ، فَجِئْت مَجْلِسَ الشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ ، وَحَضَرْت كَلَامَهُ عَلَى النَّاسِ ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسْت إلَيْهِ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ وَظَاهَرَ وَآلَى ، فَلَمَّا خَرَجَ تَبِعْته حَتَّى بَلَغْت مَعَهُ إلَى مَنْزِلِهِ فِي جَمَاعَةٍ ، فَجَلَسَ مَعَنَا فِي الدِّهْلِيزِ ، وَعَرَّفَهُمْ أَمْرِي ، فَإِنَّهُ رَأَى إشَارَةَ الْغُرْبَةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الشَّخْصَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا انْفَضَّ عَنْهُ أَكْثَرُهُمْ قَالَ لِي : أَرَاك غَرِيبًا ، هَلْ لَك مِنْ كَلَامٍ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ لِجُلَسَائِهِ : أَفْرِجُوا لَهُ عَنْ كَلَامِهِ .
فَقَامُوا وَبَقِيت وَحْدِي مَعَهُ .
فَقُلْت لَهُ : حَضَرْت الْمَجْلِسَ الْيَوْمَ مُتَبَرِّكًا بِك ، وَسَمِعْتُك تَقُولُ : آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَقْت ، وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَقْت .
وَقُلْت : وَظَاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَمْ يَكُنْ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَضَمَّنِي إلَى نَفْسِهِ وَقَبَّلَ رَأْسِي ، وَقَالَ لِي : أَنَا تَائِبٌ مِنْ ذَلِكَ ، جَزَاك اللَّهُ عَنِّي مِنْ مُعَلِّمٍ خَيْرًا .
ثُمَّ انْقَلَبْت عَنْهُ ، وَبَكَّرْت إلَى مَجْلِسِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَأَلْفَيْته قَدْ سَبَقَنِي إلَى الْجَامِعِ ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا دَخَلْت مِنْ بَابِ الْجَامِعِ وَرَآنِي نَادَى
بِأَعْلَى صَوْتِهِ : مَرْحَبًا بِمُعَلِّمِي ؛ أَفْسِحُوا لِمُعَلِّمِي ، فَتَطَاوَلَتْ الْأَعْنَاقُ إلَيَّ ، وَحَدَّقَتْ الْأَبْصَارُ نَحْوِي ، وَتَعْرِفنِي : يَا أَبَا بَكْرٍ يُشِيرُ إلَى عَظِيمِ حَيَائِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَوْ فَاجَأَهُ خَجِلَ لِعَظِيمِ حَيَائِهِ ، وَاحْمَرَّ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ طُلِيَ بِجُلَّنَارٍ قَالَ : وَتَبَادَرَ النَّاسُ إلَيَّ يَرْفَعُونَنِي عَلَى الْأَيْدِي وَيَتَدَافَعُونِي حَتَّى بَلَغْت الْمِنْبَرَ ، وَأَنَا لِعَظْمِ الْحَيَاءِ لَا أَعْرِفُ فِي أَيْ بُقْعَةٍ أَنَا مِنْ الْأَرْضِ ، وَالْجَامِعُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ ، وَأَسَالَ الْحَيَاءُ بَدَنِي عَرَقًا ، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى الْخَلْقِ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَنَا مُعَلِّمُكُمْ ، وَهَذَا مُعَلِّمِي ؛ لَمَّا كَانَ بِالْأَمْسِ قُلْت لَكُمْ : آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَّقَ ، وَظَاهَرَ ؛ فَمَا كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقُهَ عَنِّي وَلَا رَدَّ عَلَيَّ ، فَاتَّبَعَنِي إلَى مَنْزِلِي ، وَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ؛ وَأَعَادَ مَا جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَأَنَا تَائِبٌ عَنْ قَوْلِي بِالْأَمْسِ ، وَرَاجِعٌ عَنْهُ إلَى الْحَقِّ ؛ فَمَنْ سَمِعَهُ مِمَّنْ حَضَرَ فَلَا يُعَوِّلْ عَلَيْهِ .
وَمَنْ غَابَ فَلْيُبَلِّغْهُ مَنْ حَضَرَ ؛ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا ؛ وَجَعَلَ يَحْفُلُ فِي الدُّعَاءِ ، وَالْخَلْقُ يُؤَمِّنُونَ .
فَانْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى هَذَا الدِّينِ الْمَتِينِ ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْعِلْمِ لِأَهْلِهِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَإِ مِنْ رَجُلٍ ظَهَرَتْ رِيَاسَتُهُ ، وَاشْتُهِرَتْ نَفَاسَتُهُ ، لِغَرِيبٍ مَجْهُولِ الْعَيْنِ لَا يُعْرَفُ مَنْ وَلَا مِنْ أَيْنَ ، فَاقْتَدُوا بِهِ تَرْشُدُوا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } : يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذَنْبٌ ، وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِالْمَرْأَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ ، وَلِأَجَلِ هَذَا قُلْنَا : إنَّ الْمُضَارَّةَ دُونَ يَمِينٍ تُوجِبُ مِنْ الْحُكْمِ مَا يُوجِبُ الْيَمِينُ إلَّا فِي أَحْكَامِ الْمَرْأَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَشْكَلِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ ، تَرَدَّدَ فِيهَا عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَبَيَّنَ طَرِيقَهَا وَأَوْضَحَ تَحْقِيقَهَا ، وَلَكِنَّهُ وَكَّلَ دَرْكَ الْبَيَانِ إلَى اجْتِهَادِ الْعُلَمَاءِ لِيَظْهَرَ فَضْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي الدَّرَجَاتِ الْمَوْعُودِ بِالرَّفْعِ فِيهَا ؛ وَقَدْ أَطَالَ الْخَلْقُ فِيهَا النَّفْسَ ، فَمَا اسْتَضَاءُوا بِقَبَسٍ ، وَلَا حَلُّوا عُقْدَةَ الْجَلْسِ ؛ وَالضَّابِطُ لِأَطْرَافِهَا يَنْحَصِرُ فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : يَنْظِمُهَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : كَلِمَةُ الْقُرْءِ كَلِمَةٌ مُحْتَمِلَةٌ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ احْتِمَالًا وَاحِدًا ، وَبِهِ تَشَاغَلَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ فُقَهَاءٍ وَلُغَوِيِّينَ فِي تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ؛ وَأُوصِيكُمْ أَلَّا تَشْتَغِلُوا الْآنَ بِذَلِكَ لِوُجُوهٍ ؛ أَقْرَبُهَا أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ الْوَقْتُ ، يَكْفِيك هَذَا فَيْصَلًا بَيْنَ الْمُتَشَعِّبِينَ وَحَسْمًا لِدَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ ؛ فَإِذَا أَرَحْت نَفْسَك مِنْ هَذَا وَقُلْت : الْمَعْنَى : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ أَوْقَاتٍ ، صَارَتْ الْآيَةُ مُفَسَّرَةً فِي الْعَدَدِ مُحْتَمِلَةٌ فِي الْمَعْدُودِ ، فَوَجَبَ طَلَبُ بَيَانِ الْمَعْدُودِ مِنْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ اخْتَلَفْنَا فِيهَا ؛ وَلَنَا أَدِلَّةٌ وَلَهُمْ أَدِلَّةٌ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي تَلْخِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ ، وَخَلَصْنَا بِالسَّبْكِ مِنْهَا فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ مَا
يُغْنِي عَنْ جَمْعِهِ اللَّبِيبَ ؛ وَأَقْرَبُهَا الْآنَ إلَى الْغَرَضِ أَنْ تُعْرِضَ عَنْ الْمَعَانِي لِأَنَّهَا بِحَارٌ تَتَقَامَسُ أَمْوَاجُهَا ، وَتُقْبِلُ عَلَى الْأَخْبَارِ فَإِنَّهَا أَوَّلٌ وَأَوْلَى ، وَلَهُمْ خَبَرٌ وَلَنَا خَبَرٌ .
فَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ } .
وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْحُرَّةِ فِي اسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْأَمَةِ بِعَيْنِهِ ؛ فَنَصَّ الشَّارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ الْحَيْضُ ، وَبِهِ يَقَعُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالْوَاحِدِ فِي الْأَمَةِ ، فَكَذَلِكَ فَلْيَكُنْ بِالثَّلَاثَةِ فِي الْحُرَّةِ .
وَأَمَّا خَبَرُنَا فَالصَّحِيحُ الثَّابِتُ فِي كُلِّ أَمْرٍ { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ طُهْرٌ فَمَجْمُوعُهَا أَطْهَارٌ .
[ وَالتَّنْقِيحُ ] وَالتَّرْجِيحُ : خَبَرُنَا أَوْلَى مِنْ خَبَرِهِمْ ؛ لِأَنَّ خَبَرَنَا ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي أَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ الْعِدَّةِ وَاحِدُ أَعْدَادِهَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إشْكَالُ خَبَرِهِمْ فَيَرْفَعُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَالِكَ أَيْضًا هُوَ الطُّهْرُ ، لَكِنَّ الطُّهْرَ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْحَيْضِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهَا تَحِلُّ بِالدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ .
الْفَصْلُ الثَّانِي : مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ زَاحَمَ عَلَى الْآيَةِ بِعَدَدٍ ، وَاسْتَنَدَ فِيهَا إلَى رُكْنٍ ، وَتَعَلَّقَ مِنْهَا بِسَبَبٍ مَتِينٍ ؛ قَالُوا : يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقُرْءَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ جَمِيعًا ، وَالْمُرَادُ
أَحَدُهُمَا ، فَيَجِبُ إذَا قَعَدَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمُ أَنْ يَصِحَّ لَهَا قَضَاءُ التَّرَبُّصِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَائِلِ الْأَسْمَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي الشَّفَقَيْنِ وَاللَّمْسَيْنِ وَالْأَبَوَيْنِ : إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّفَقِ الْأَوَّلِ ، وَالْوُضُوءُ يَجِبُ بِاللَّمْسِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْوَطْءِ ، وَإِنَّ الْحَجْبَ يَكُونُ لِلْأَبِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَهُوَ الْجَدُّ ؛ وَهُمْ مُخَالِفُونَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ أَجْمَعِهِ فِي مَوْضِعِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } فَذَكَرَهُ وَأَثْبَتَ الْهَاءَ فِي الْعَدَدِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الطُّهْرَ الْمُذَكَّرَ ، وَلَوْ أَرَادَ الْحَيْضَةَ الْمُؤَنَّثَةَ لَأَسْقَطَ الْهَاءَ ، وَقَالَ : ثَلَاثَ قُرُوءٍ ؛ فَإِنَّ الْهَاءَ تَثْبُتُ فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَتَسْقُطُ فِي عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ مُطَلَّقَ الْأَمْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى رَأَيْنَا فِي أَنَّ الْقُرْءَ الطُّهْرُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُطَلِّقُ فِي الطُّهْرِ لَا فِي الْحَيْضِ ، فَلَوْ طَلَّقَ فِي الطُّهْرِ وَلَمْ تَعْتَدَّ إلَّا بِالْحَيْضِ الْآتِي بَعْدَهُ لَكَانَ ذَلِكَ تَرَاخِيًا عَنْ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ ؛ وَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً فَإِنَّهَا تَفْتَحُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ أَبْوَابًا رُبَّمَا عَسُرَ إغْلَاقُهَا ، فَأَوْلَى لَكُمْ التَّمَسُّكُ بِمَا تَقَدَّمَ .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ : قَالُوا : إذَا جَعَلْتُمْ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارَ فَقَدْ تَرَكْتُمْ نَصَّ الْآيَةِ فِي جَعْلِهَا ثَلَاثَةً ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ قَبْل الْحَيْضِ بِلَيْلَةٍ لَكَانَ عِنْدَكُمْ قُرْءًا مُعْتَدًّا بِهِ وَلَيْسَ بِعَدَدٍ .
قُلْنَا لَهُ : أَمَا إذَا بَلَغْنَا لِهَذَا الْمُنْتَهَى فَالْمَسْأَلَةُ لَنَا ، وَمَأْخَذُ الْقَوْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ سَهْلٌ ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى الْكُلِّ فِي إطْلَاقِ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ
لُغَةً مَشْهُورَةً عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَقُرْآنًا : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } وَهِيَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَبَعْضُ ذِي الْحِجَّةِ ، فَالْمُخَالِفُ إنْ رَاعَى ظَاهِرَ الْعَدَدِ فَمُرَاعَاةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ ، لَكِنَّ الْقُرْآنَ خَصَّ مِنْهَا الْآيِسَةَ وَالصَّغِيرَةَ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ بِالْأَشْهُرِ ، وَخَصَّ مِنْهَا الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } وَعُرِضَتْ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ الْأَمَةُ ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا حَيْضَتَانِ ، خَرَجَتْ بِالْإِجْمَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } : خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ ؛ فَإِنْ وُجِدَتْ مُطَلَّقَةٌ لَا تَتَرَبَّصُ فَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافَ مَخْبَرَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بَيَانًا شَافِيًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْحَيْضُ .
الثَّانِي : الْحَمْلُ .
الثَّالِثُ : مَجْمُوعُهُمَا .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا أَمِينَةً عَلَى رَحِمِهَا ، فَقَوْلُهَا فِيهِ مَقْبُولٌ ؛ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ إلَّا بِخَبَرِهَا ، وَقَدْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ لِقُصُورِ فَهْمِهِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى قَوْلِهَا فِي دَعْوَى الشَّغْلِ لِلرَّحِمِ أَوْ الْبَرَاءَةِ ، مَا لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهَا ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا حِضْت أَوْ حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ؛ فَقَالَتْ : حِضْت أَوْ حَمَلْت ، هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَمَنْ قَالَ مِنْ عُلَمَائِنَا بِوُقُوفِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ : هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَالْعِدَّةُ لَا خِلَافَ فِيهَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } : هَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ شَدِيدٌ لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الْكِتْمَانِ وَإِيجَابِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الرَّحِمِ بِحَقِيقَةِ مَا فِيهِ ، وَخَرَجَ مَخْرَجَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ } فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
وَفَائِدَةُ تَأْكِيدِ الْوَعِيدِ هَاهُنَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : حَقُّ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ لَهُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ سُقُوطِهِ عِنْدَ انْقِضَائِهَا .
[ الثَّانِي : ] مُرَاعَاةُ حَقِّ الْفِرَاشِ بِصِيَانَةِ الْأَنْسَابِ عَنْ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } فِيهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ : الْفَائِدَةُ الْأُولَى : أَنَّ : { وَالْمُطَلَّقَاتُ } عَامٌّ فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ فِيهَا رَجْعَةٌ أَوْ لَا رَجْعَةَ فِيهَا .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَبُعُولَتُهُنَّ } يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ أَزْوَاجٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ .
وقَوْله تَعَالَى : { بِرَدِّهِنَّ } يَقْتَضِي زَوَالَ الزَّوْجِيَّةِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَسِيرٌ ، إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرِّمَةٌ لِلْوَطْءِ ، فَيَكُونُ الرَّدُّ عَائِدًا إلَى الْحِلِّ .
وَأَمَّا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمَا فِي أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَلَّلَةُ الْوَطْءِ فَيَرَوْنَ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فَائِدَتُهُ تَنْقِيصُ الْعَدَدِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ خَاصَّةً ، وَأَنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يَنْحَلَّ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا اخْتَلَّ ، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ بَيَانُ فَائِدَةِ الرَّدِّ ؛ لِكَوْنِهِمْ قَالُوا : إنَّ أَحْكَامَ الزَّوْجِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ سَائِرَةٌ فِي سَبِيلِ الرَّدِّ ، وَلَكِنْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَالرَّجْعَةُ رَدٌّ عَنْ هَذِهِ السَّبِيلِ الَّتِي أَخَذْت فِي سُلُوكِهَا وَهُوَ رَدٌّ مَجَازِيٌّ ، وَالرَّدُّ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ رَدٌّ حَقِيقِيٌّ ؛ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ زَوَالٌ مُنْجَزٌ يَقَعُ الرَّدُّ عَنْهُ حَقِيقَةً .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فِي ذَلِكَ } : يَعْنِي فِي وَقْتِ التَّرَبُّصِ ، وَهُوَ أَمَدُ الْعِدَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ : انْقَضَتْ عِدَّتِي قُبِلَ قَوْلُهَا فِي مُدَّةٍ تَنْقَضِي فِي مِثْلِهَا الْعِدَّةُ عَادَةً مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ .
فَإِنْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَائِهَا فِي مُدَّةِ تَقَعُ نَادِرًا فَقَوْلَانِ : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : إذَا قَالَتْ : حِضْت ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ صُدِّقَتْ إذَا صَدَّقَهَا النِّسَاءُ .
وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَا تُصَدَّقُ فِي شَهْرٍ وَلَا فِي شَهْرٍ وَنِصْفٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ طَوَّلَتْ ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، فِي الْمُطَلَّقَةِ تُقِيمُ سَنَةً لِتَقُولَ لَمْ أَحِضْ إلَّا حَيْضَةً : لَمْ تُصَدَّقْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ وَكَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ .
قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : إذَا ادَّعَتْ تَأَخُّرَ حَيْضِهَا بَعْدَ الْفِطَامِ سَنَةً حَلَفَتْ بِاَللَّهِ مَا حَاضَتْ ، وَهَذَا إذَا لَمْ تُعْلَمْ لَهَا عَادَةٌ .
قَالَ الْقَاضِي : وَعَادَةُ النِّسَاءِ عِنْدَنَا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الشَّهْرِ ، وَقَدْ قَلَّتْ الْأَدْيَانُ فِي الذُّكْرَانِ فَكَيْفَ بِالنِّسْوَانِ ؟ ، فَلَا أَرَى أَنْ تُمَكَّنَ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ الزَّوَاجِ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ الطَّلَاقِ كَانَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ أَوْ آخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا قَالَ : أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَكَذَّبَتْهُ حَلَفَتْ وَبَقِيَتْ الْعِدَّةُ ، فَإِنْ قَالَ : رَاجَعْتهَا فَقَالَتْ : قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهَا بَعْدَ الْقَوْلِ .
وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ عُلَمَائِنَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا } : الْمَعْنَى إنْ قَصَدَ بِالرَّجْعَةِ إصْلَاحَ حَالِهِ مَعَهَا ، وَإِزَالَةَ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ وَالْقَطْعِ بِهَا عَنْ الْخَلَاصِ مِنْ رِبْقَةِ النِّكَاحِ ، فَذَلِكَ لَهُ حَلَالٌ ، وَإِلَّا لَمْ تَحِلَّ لَهُ .
وَلَمَّا كَانَ هَذَا أَمْرًا بَاطِنًا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّلَاثَ عَلَمًا عَلَيْهِ ، وَلَوْ تَحَقَّقْنَا نَحْنُ ذَلِكَ الْمَقْصِدَ مِنْهُ لَطَلَّقَنَا عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } : يَعْنِي : مِنْ قَصْدِ الْإِصْلَاحِ وَمُعَاشَرَةِ النِّكَاحِ .
الْمَعْنَى : أَنَّ بُعُولَتَهُنَّ لَمَّا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ حَقُّ الرَّدِّ كَانَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ إجْمَالُ الصُّحْبَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } بِذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِهَذَا الْمُجْمَلِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } : هَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَيْهَا مُقَدَّمٌ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ فَوْقَهَا ، لَكِنَّ الدَّرَجَةَ هَاهُنَا مُجْمَلَةٌ غَيْرُ مُبَيَّنٍ مَا الْمُرَادُ بِهَا مِنْهَا ؟ وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى سِوَى هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى النِّسَاءَ هَاهُنَا أَنَّ الرِّجَالَ فَوْقَهُنَّ ، ثُمَّ بَيَّنَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ذَلِكَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ؛ فَقِيلَ : هُوَ الْمِيرَاثُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْجِهَادُ ، وَقِيلَ : هُوَ اللِّحْيَةُ ؛ فَطُوبَى لِعَبْدٍ أَمْسَكَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ ، وَخُصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَظِيمِ .
وَلَا يَخْفَى عَلَى لَبِيبٍ فَضْلُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ الرَّجُلِ فَهُوَ أَصْلُهَا .
لَكِنَّ الْآيَةَ لَمْ تَأْتِ لِبَيَانِ دَرَجَةٍ مُطْلَقَةٍ حَتَّى يُتَصَرَّفَ فِيهَا بِتَعْدِيدِ فَضَائِلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ بِالْحَقِّ فِي تَقَدُّمِهِنَّ فِي النِّكَاحِ ؛ فَوَجَدْنَاهَا عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : وُجُوبُ الطَّاعَةِ ، وَهُوَ حَقٌّ عَامٌّ .
الثَّانِي : حَقُّ الْخِدْمَةِ ، وَهُوَ حَقٌّ خَاصٌّ ، وَلَهُ تَفْصِيلٌ ، بَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
الثَّالِثُ : حَجْرُ التَّصَرُّفِ إلَّا بِإِذْنِهِ .
الرَّابِعُ : أَنْ تُقَدِّمَ طَاعَتَهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّوَافِلِ ، فَلَا تَصُومُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تَحُجُّ إلَّا مَعَهُ .
الْخَامِسُ : بَذْلُ
الصَّدَاقِ .
السَّادِسُ : إدْرَارُ الْإِنْفَاقِ .
السَّابِعُ : جَوَازُ الْأَدَبِ لَهُ فِيهَا .
وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِهَا : ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ لِلطَّلَاقِ عَدَدٌ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ الْعِدَّةُ مَعْلُومَةً مُقَدَّرَةً ، فَرَوَى عُرْوَةُ قَالَ : { كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ : لَا أَقْرَبُك وَلَا تَحِلِّينَ مِنِّي .
قَالَتْ لَهُ : كَيْفَ ؟ قَالَ : أُطَلِّقُك حَتَّى إذَا جَاءَ أَجَلُك رَاجَعْتُك ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَقْصُودِ الْآيَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : بَابُ جَوَازِ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا التَّعْدِيدَ إنَّمَا هُوَ فُسْحَةٌ لَهُمْ ، فَمَنْ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ بَعْضُهُمْ : جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِبَيَانِ عَدَدِ الطَّلَاقِ ؛ وَقِيلَ : جَاءَتْ لِبَيَانِ سُنَّةِ الطَّلَاقِ .
وَالْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ ؛ فَإِنَّ بَيَانَ الْعَدَدِ بَيَانُ السُّنَّةِ فِي الرَّدِّ ، وَبَيَانَ سُنَّةِ الْوُقُوعِ بَيَانُ الْعَدَدِ .
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِعْلًا مُهْمَلًا كَسَائِرِ أَفْعَالِهَا ، فَشَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمَدَهُ ، وَبَيَّنَ حَدَّهُ ، وَأَوْضَحَ فِي كِتَابِهِ حُكْمَهُ ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ تَمَامَهُ وَشَرْحَهُ ، فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا [ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ] : طَلَاقُ السُّنَّةِ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ ، بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ : أَحَدُهَا : تَفْرِيقُ الْإِيقَاعِ وَمَنْعُ الِاجْتِمَاعِ ، تَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ طَلْقَتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مَرَّتَيْنِ .
وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثَةِ مُبَاحٌ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .
وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ سِيَاقُهُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَفْرِيقُ الْإِيقَاعِ .
وَالثَّانِي : كَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْرَاكِ بِالِارْتِجَاعِ ، وَهِيَ أَيْضًا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ : فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عُرِّفَ فِيهَا الطَّلَاقُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ؛ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ التَّعْرِيفِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ [ مَرَّتَانِ ] ، فَمَا جَاءَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ ؛ يُرْوَى عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَالرَّافِضَةِ قَالُوا : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِ ، فَمَا جَاءَ عَلَى غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ .
الثَّانِي : مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الَّذِي فِيهِ
الرَّجْعَةُ مَرَّتَانِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تُطَلِّقُ وَتَرُدُّ أَبَدًا ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرَّدَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي طَلْقَتَيْنِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الْمَسْنُونُ مَرَّتَانِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الرَّابِعُ : مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الْجَائِزُ مَرَّتَانِ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ فَصَحِيحٌ ؛ لَكِنَّ الشَّرْعَ يَتَضَمَّنُ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَالْجَائِزَ وَالْحَرَامَ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى بِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا أَحَدُ أَقْسَامِ الْمَشْرُوعِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهُوَ الْمَسْنُونُ ؛ وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ بِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ ، لَوْلَا تَظَاهُرُ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مِنْ الْأُمَّةِ بِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ ، وَلَا احْتِفَالَ بِالْحَجَّاجِ وَإِخْوَانِهِ مِنْ الرَّافِضَةِ ، فَالْحَقُّ كَائِنٌ قَبْلَهُمْ .
فَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ هَاهُنَا فَإِنَّهُ مُتَّفِقٌ مَعَنَا عَلَى لُزُومِهِ إذَا وَقَعَ .
وَقَدْ حَقَقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ : ( مَرَّةٌ ) : وَهِيَ عِبَارَةٌ فِي اللُّغَةِ عَنْ الْفَعْلَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْأَصْلِ ، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهَا الِاسْتِعْمَالُ فَصَارَتْ ظَرْفًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } : قِيلَ : الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ الرَّجْعَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالتَّسْرِيحُ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ .
وَقِيلَ : التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانِ الْإِمْسَاكُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ، وَكِلَاهُمَا مُمْكِنٌ مُرَادٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يَعْنِي : إذَا قَارَبْنَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فَرَاجِعُوهُنَّ أَوْ فَارِقُوهُنَّ .
وَقَدْ يَكُونُ الْفِرَاقُ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ الَّذِي قَالَهُ حِينَئِذٍ .
وَقَدْ يَكُونُ إذَا رَاجَعَهَا وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالسُّكُوتِ عَنْ الرَّجْعَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ؛ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنَاقُضٌ .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إنَّ التَّسْرِيحَ بِإِحْسَانٍ هِيَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ هِيَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ } وَلَمْ يَصِحَّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ زَوْجَيْنِ ، إلَّا أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إنْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ فَذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَخْصُوصٌ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ طَلَاقَ الرَّقِيقِ طَلْقَتَانِ ؛ فَالْأُولَى فِي حَقِّهِ مَرَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ، لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ عَدَدُهُ بِرِقِّ الزَّوْجِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَبَرُ عَدَدُهُ بِرِقِّ الزَّوْجَةِ .
وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ } .
وَالتَّقْدِيرُ : الطَّلَاقُ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ مَوْجُودٌ بِالرِّجَالِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُشَاهَدٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ .
} قُلْنَا : يَرْوِيه مُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَ فِيهِ اعْتِبَارَ الْعِدَّةِ وَالطَّلَاقِ بِالنِّسَاءِ جَمِيعًا ، وَلَا يَقُولُ السَّلَفُ بِهَذَا ؛ فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ فَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ أُعْتِقَا : أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَضَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَلِأَنَّ كُلَّ مِلْكٍ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِحَالٍ الْمَالِكِ لَا بِحَالِ الْمَمْلُوكِ .
وَبَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ السَّرَاحَ مِنْ صَرِيحِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا .
وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ كَمَا بَيَّنَّا ، وَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا } بَيَانًا لِحُكْمِ [ الْحُرَّةِ ] الْوَاقِعِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِنَا وَتَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الثَّانِي .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } : ظَنَّ جَهَلَةٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْفَاءَ هُنَا لِلتَّعْقِيبِ ، وَفَسَّرَ أَنَّ الَّذِي يَعْقُبُ الطَّلَاقَ مِنْ الْإِمْسَاكِ الرَّجْعَةُ ؛ وَهَذَا جَهْلٌ بِالْمَعْنَى وَاللِّسَانِ : أَمَّا جَهْلُ الْمَعْنَى فَلَيْسَتْ الرَّجْعَةُ عَقِيبَ الطَّلْقَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عَقِيبُ الْوَاحِدَةِ كَمَا هِيَ عَقِيبُ الثَّانِيَةُ ، وَلَوْ لَزِمَتْ حُكْمَ التَّعْقِيبِ فِي الْآيَةِ لَاخْتَصَّتْ بِالطَّلْقَتَيْنِ .
وَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَلَيْسَتْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ هُنَا ، وَلَكِنْ ذَكَرَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ فِيهَا مَعَانِيَ ، أُمَّهَاتُهَا ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ ، وَذَلِكَ فِي الْعَطْفِ ، تَقُولُ : خَرَجَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو .
الثَّانِي : السَّبَبُ ، وَذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ ، تَقُولُ : إنْ تَفْعَلْ خَيْرًا فَاَللَّهُ يُجْزِيك ؛ فَهُوَ بَعْدَهُ ؛ لَكِنْ لَيْسَ مُعَقِّبًا عَلَيْهِ .
الثَّالِثَةُ : زَائِدَةٌ ، كَقَوْلِك : زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَائِلَةٍ خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وَأُكْرُومَةُ الْحَيَّيْنِ خُلْوٌ كَمَا هِيَا وَهَذَا لَمْ يُصَحِّحْهُ سِيبَوَيْهِ .
وَاَلَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ مِنْ أَنَّ الْفَاءَ هَاهُنَا لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَعْنَى الْجَوَابِ لِلْجُمْلَةِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتهمْ .
كَمَا تَقُولُ : هَذَا زَيْدٌ فَقُمْ إلَيْهِ ، وَيَرْجِعُ عِنْدِي إلَى مَعْنَى التَّسَبُّبِ ، فَيَكُونُ مَعْنَيَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا وَطِئَ بِنِيَّةِ الرَّجْعَةِ جَازَ ، وَكَانَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : قَدْ رَاجَعْتُك كَانَ مَعْرُوفًا جَائِزًا ، فَالْوَطْءُ أَجْوَزُ .
فَإِنْ قِيلَ : هِيَ مُحَرَّمَةٌ بِالطَّلَاقِ ، فَكَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْوَطْءُ ؟ قُلْنَا : الْإِبَاحَةُ تَحْصُلُ بِنِيَّةِ الرَّجْعَةِ ، كَمَا تَحْصُلُ بِقَوْلِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } ؛ وَالْإِشْهَادُ يُتَصَوَّرُ عَلَى الْقَوْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ عَلَى الْوَطْءِ .
قُلْنَا : بِتَصَوُّرِ
الْإِشْهَادِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِفِعْلِهِ بَعْدَ فِعْلِهِ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الْإِشْهَادِ .
قُلْنَا : لَيْسَ فِي الْآيَةِ إيقَافُ الْحِلِّ عَلَى الْإِشْهَادِ ، إنَّمَا فِيهِ إلْزَامُ الْإِشْهَادِ ، وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ عِنْدَ ذِكْرِ الْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } : قَالَ قَوْمٌ : يَعْنِي مِنْ الصَّدَاقِ ؛ وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَعْطَاهَا ؛ فَإِنَّ الصَّدَاقَ وَإِنْ كَانَ نِحْلَةً شَرْطِيَّةً فَمَا نَحَلَهَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ؛ لِكَوْنِهِ نِحْلَةً عَنْ نِيَّةٍ ، عَامٌّ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ ، عَامٌّ فِي كُلِّ وَجْهٍ مِنْ ابْتِدَاءِ أَخْذِ الزَّوْجِ لَهُ أَوْ إعْطَائِهَا هِيَ إيَّاهُ لَهُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ نِكَاحِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وَفِي ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٌ كُلُّهَا أَبَاطِيلُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَظُنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ أَلَّا يُقِيمَ حَقَّ النِّكَاحِ لِصَاحِبِهِ حَسْبَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ لِكَرَاهِيَةٍ يَعْتَقِدُهَا ، فَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَفْتَدِيَ وَلَا عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ .
وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَنْعَ حَالَةَ الْفِرَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } وَذَلِكَ لِأَنَّهَا حَالَةٌ تَشْرَهُ النُّفُوسَ فِيهَا إلَى أَنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ مَا نَحَلَهُ الزَّوْجَةَ فِي حَالَةِ النِّكَاحِ ؛ إذْ يَخْطُرُ لَهُ أَنَّك إنَّمَا كُنْت أُعْطِيت عَلَى النِّكَاحِ ، وَقَدْ فَارَقْت فَأَنْتَ مَعْذُورٌ فِي أَخْذِك ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } وَجَوَّزَهُ عِنْدَ مُسَامَحَةِ الْمَرْأَةِ بِهِ فَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ } وَحَلَّلَ أَخْذَ النِّصْفِ بِوُقُوعِ الْفِرَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَطِيبُهُ عِنْدَ عَفْوِهَا أَوْ عَفْوِ صَاحِبِ الْعُقْدَةِ عَنْ جَمِيعِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ
يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : تُعَلَّقُ مَنْ رَأَى اخْتِصَاصَ الْخُلْعِ بِحَالَةِ الشِّقَاقِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } فَشُرِطَ ذَلِكَ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْخُلْعِ ؛ فَخَرَجَ الْقَوْلُ عَلَى الْغَالِبِ وَلَحِقَ النَّادِرُ بِهِ ، كَالْعِدَّةِ وُضِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، ثُمَّ لَحِقَ بِهَا الْبَرِيَّةُ الرَّحِمِ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ وَالْيَائِسَةُ ، وَاَلَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ وَيُوجِبُ الْعِلْمَ قَوْلُهُ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } فَإِذَا أَعْطَتْك مَالَهَا بِرِضَاهَا مِنْ صَدَاقٍ وَغَيْرِهِ فَخُذْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ ، خِلَافًا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ فَسْخٌ .
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَسْخًا لَمْ يُعَدَّ طَلْقَةً .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ ، وَذَكَرَ الْخُلْعَ بَعْدَهُ ، وَذَكَرَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّ مَذْكُورٍ فِي مَعْرِضِ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا يُعَدُّ طَلَاقًا لِوُقُوعِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ لَمَا كَانَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } طَلَاقًا ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ بِهِ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَلَا يَفْهَمُ هَذَا إلَّا غَبِيٌّ أَوْ مُتَغَابٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ دُونَ الثَّالِثَةِ الَّتِي هِيَ { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ؛ فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ فِيهِ ، فَإِنَّ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْره كَانَ بِفِدْيَةٍ أَوْ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ ،
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا } فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : قِيلَ : هِيَ فِي النِّكَاحِ خَاصَّةً ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الطَّاعَةُ ، يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .
وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَا يُطِيعُ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُطِيعُ صَاحِبَهُ فِي اللَّهِ فَلَا خَيْرَ لَهُمَا فِي الِاجْتِمَاعِ ، وَبِهِ أَقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ مَالِكٌ : الْمُبَارِئَةُ الْمُخَالِعَةُ بِمَالِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَالْمُخَالِعَةُ إذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَالْمُفْتَدِيَةُ الْمُخَالِعَةُ بِبَعْضِ مَالِهَا ، وَهَذَا اصْطِلَاحٌ يَدْخُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْخُلْعُ بِالْبَعْضِ مِنْ مَالِهَا ، وَبِالْكُلِّ بِأَنْ تَزِيدَهُ عَلَى مَا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا الْمُخْتَصُّ بِهَا مَا شَاءَتْ إذَا كَانَ الضَّرَرُ مِنْ جِهَتِهَا .
وَقَالَ قَوْمٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا ، مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْخُلْعِ بِجَمِيعِ مَا أَعْطَاهَا ، وَعُمُومُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } فَكُلُّ مَا كَانَ فِدَاءً فَجَائِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَعْتَدُوهَا } بَيَّنَ تَعَالَى أَحْكَامَ النِّكَاحِ وَالْفِرَاقِ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : تِلْكَ حُدُودِي الَّتِي أَمَرْت بِامْتِثَالِهَا فَلَا تَعْتَدُوهَا ، كَمَا بَيَّنَ تَحْرِيمَاتِ الصِّيَامِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ قَالَ : تِلْكَ حُدُودِي فَلَا تَقْرَبُوهَا ، فَقَسَّمَ الْحُدُودَ قِسْمَيْنِ : مِنْهَا حُدُودُ الْأَمْرِ بِالِامْتِثَالِ ، وَحُدُودُ النَّهْيِ بِالِاجْتِنَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : احْتَجَّ مَشْيَخَةُ خُرَاسَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ يَلْحَقَهَا الطَّلَاقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } قَالُوا : فَشَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَرِيحَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْمُفَادَاةِ بِالطَّلَاقِ ؛ وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَهَا لِأَنَّ الْفَاءَ حَرْفُ تَعْقِيبٍ .
قُلْنَا : مَعْنَاهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا وَلَمْ تَعْتَدَّ ، لِأَنَّهُ شَرَعَ قَبْلَ الِابْتِدَاءِ بِطَلَاقَيْنِ فَيَكُونُ الِابْتِدَاءُ
ثَالِثَةً ، وَلَا طَلَاقَ بَعْدَهَا لِيَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهَا ، وَيَكُونُ مُعَقِّبًا بِهِ ، فَالصَّرِيحُ الْمَذْكُورُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاقَبَةِ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِدَاءً وَلَكِنْ كَانَ صَرِيحًا ، وَدَلِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ طَلْقَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُمَا إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ ، إمَّا بِالتَّرْكِ لِتَبِينَ ، وَإِمَّا بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ ، فَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلثَّالِثَةِ ؛ فَإِنْ افْتَدَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهَا فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ تَفْتَدِ وَطَلَّقَهَا كَانَ كَذَا ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ، فَيَكُونُ بَيَانًا لِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مِلْكِ الثَّالِثَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : حَرْفُ الْفَاءِ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَقَدْ رُتِّبَ الصَّرِيحُ عَلَى الْفِدَاءِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } ثُمَّ قَالَ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أَيْ فِيمَا فَدَتْ بِهِ نَفْسَهَا مِنْ نِكَاحِهَا بِمَالِهَا ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَاقٍ فَتَكُونُ الْمُفَادَاةُ طَلَاقًا بِمَالٍ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } حَتَّى لَا يَلْزَمَنَا تَرْكُ الْقَوْلِ بِالتَّرْتِيبِ الَّذِي يَقْتَضِيه حَرْفُ الْفَاءِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَسَاقُ الْآيَةِ ، لِأَنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ عَدَدِ الطَّلَاقِ وَأَحْكَامِ الْوَاقِعِ مِنْهُ ؛ فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْعَدَدَ ثَلَاثٌ ، وَأَنَّ الصَّرِيحُ لَا يَمْنَعَ وُقُوعَ آخَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { مَرَّتَانِ } وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الرَّجْعَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } وَلَا إيقَاعَ الثَّالِثَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ : { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْوُقُوعَ بِبَدَلٍ وَلَا حُكْمِ مَا بَعْدَهُ ، فَتَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أَنَّ الِافْتِدَاءَ بِالْمَالِ عَنْ النِّكَاحِ جَائِزٌ ، وَطَلَاقٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ رَجْعَةً ؛ فَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ
جُمْلَةٍ ، فَيَكُونُ التَّرْكُ بَيَانًا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا } فَبَيَّنَ أَنَّ الصَّرِيحَ يَقَعُ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِمَالٍ .
قُلْنَا : هَذَا تَطْوِيلٌ لَيْسَ وَرَاءَهُ تَحْصِيلٌ ؛ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } بِمَا قَدْ تَرَدَّدَ فِي كَلَامِنَا .
جُمْلَتُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ مَحْصُورٌ فِي ثَلَاثٍ ، وَأَنَّ لِلزَّوْجِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ الرَّجْعَةَ ، وَأَنَّ الثَّالِثَةَ تُحَرِّمُهَا إلَى غَايَةٍ ، وَتُبَيِّنَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ تَحْرِيمَ أَخْذِ الصَّدَاقِ إلَّا بَعْدَ رِضَا الْمَرْأَةِ لِمَا قَدْ اسْتَوْفَى مِنْهَا وَاسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، وَأَحْكَمَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ : تَأْخُذُ بِمِقْدَارِ مُتْعَتِي ، وَآخُذُ بِمَا بَقِيَ لِي ، وَأَوْضَحَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفُكَّ نَفْسَهَا مِنْ رِقِّ النِّكَاحِ بِمَالِهَا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهُ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ ؛ أَوْ الثَّالِثَةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَالتَّسْرِيحِ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } كَيْفَمَا كَانَ الْفِدَاءُ ؛ فَكَانَ بَيَانًا لِجَوَازِ الْفِدَاءِ فِي الْجُمْلَةِ كُلِّهَا لَا فِي مَحِلٍّ مَخْصُوصٍ مِنْهَا بِأُولَى أَوْ ثَانِيَةٍ أَوْ ثَالِثَةٍ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَأَمَّا تَحْرِيمُ الرَّجْعَةِ فِي طَلَاقِ الْخُلْعِ فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، إنَّمَا اقْتَضَتْ الْآيَةُ تَحْرِيمَهَا بِالثَّالِثَةِ ، أَوْ بِالثَّلَاثِ ، فَأَمَّا سُقُوطُ الرَّجْعَةِ فِي الْمُفَادَاةِ فَمَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَمَعْنَاهُ وَفَرَّقَهُ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الصَّرِيحَ يَقَعُ بَعْدَ الطَّلَاقِ ، فَنَقُولُ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ فِي مَحَلِّهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِدَّةَ لَوْ انْقَضَتْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ ثَانٍ ، وَلَا يَقَعُ إذَا خَالَعَهَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ .
جَوَابٌ رَابِعٌ : قَدْ بَيَّنَّا قَبْلَ هَذَا تَقْدِيرَ الْآيَةِ وَنَظْمَ مَسَاقِهَا بِمَا يَقْتَضِيه لَفْظُهَا ، لَا بِمَا
لَا يَقْتَضِيه وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلُوا ؛ فَقَارِنُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَجِدُوا الْبَوْنَ بَيِّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالسِّتُّونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ } قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا الثَّانِي ؛ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَالنِّكَاحُ الْعَقْدُ .
قَالَ : وَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ لَهُ : بَلْ هُوَ الْوَطْءُ ، وَلَفْظُ النِّكَاحِ قَدْ وَرَدَ بِهِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى جَمِيعًا ، فَمَا بَالُهُ خَصَّصَهُ هَاهُنَا بِالْعَقْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْإِنْزَالَ وَأَنْتُمْ لَا تَشْتَرِطُونَهُ إنَّمَا شَرَطَ ذَوْقَ الْعُسَيْلَةِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، هَذَا لُبَابُ كَلَامِ عُلَمَائِنَا .
قَالَ الْقَاضِي : مَا مَرَّ بِي فِي الْفِقْهِ مَسْأَلَةٌ أَعْسَرُ مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِأَوَائِلِ الْأَسْمَاءِ أَوْ بِأَوَاخِرِهَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِي بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ .
فَإِنَّا قُلْنَا : إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَائِلِ الْأَسْمَاءِ لَزَمَنَا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .
وَإِنَّ قُلْنَا : إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَاخِرِ الْأَسْمَاءِ لَزِمَنَا أَنَّ نَشْتَرِطَ الْإِنْزَالُ مَعَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْإِحْلَالِ ، لِأَنَّهُ آخِرُ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ ، وَلِأَجَلِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا ؛ فَصَارَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي هَذَا الْحَدِّ مِنْ الْإِشْكَالِ ، وَأَصْحَابُنَا يُهْمِلُونَ ذَلِكَ وَيَمْحُونَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَقَقْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَيْهَا ، وَلَنَا لَوْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَرَى هَذَا مَعَ قَوْلِهِ : إنَّ النِّكَاحَ الْعَقْدُ لَجَازَ لَهُ ؛ وَأَمَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ الَّذِينَ نَرَى أَنَّ النِّكَاحَ هَاهُنَا هُوَ الْوَطْءُ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال لَكُمْ مَعَنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْقُرْآنُ اقْتَضَى تَحْرِيمَهَا إلَى الْعَقْدِ ، وَالسُّنَّةُ لَمْ تُبَدِّلْ لَفْظَ النِّكَاحِ وَلَا نَقَلَتْهُ عَنْ الْعَقْدِ إلَى الْوَطْءِ ، إنَّمَا زَادَتْ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ الْوَطْءُ .
قُلْنَا : إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَيَيْنِ فَأَثْبَتَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا فَلَا يُقَالُ إنَّ الْقُرْآنَ اقْتَضَى أَحَدَهُمَا وَزَادَتْ السُّنَّةُ الثَّانِيَ ؛ إنَّمَا يُقَالُ : إنَّ السُّنَّةَ أَثْبَتَتْ الْمُرَادَ مِنْهُمَا ، وَالْعُدُولُ عَنْ هَذَا جَهْلٌ بِالدَّلِيلِ أَوْ مُرَاغَمَةٌ وَعِنَادٌ فِي التَّأْوِيلِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { بَلَغْنَ } : مَعْنَاهُ قَارَبْنَ الْبُلُوغَ ؛ لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ أَجَلَهُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَانْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ ؛ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جُعِلَ لَفْظُ بَلَغَ بِمَعْنَى قَارَبَ ، كَمَا يُقَالُ : إذَا بَلَغْت مَكَّةَ فَاغْتَسِلْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } : هُوَ الرَّجْعَةُ مَعَ الْمَعْرُوفِ مُحَافَظَةً عَلَى حُدُودِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } : يَعْنِي طَلِّقُوهُنَّ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ التَّصْرِيحِ فِي الطَّلَاقِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ : طَلَاقٌ ، وَسَرَاحٌ ، وَفِرَاقٌ .
وَفَائِدَتُهَا عِنْدَهُ أَنَّهَا لَا تُفْتَقَرُ إلَى النِّيَّةِ ؛ بَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِذَكَرِهَا مُجَرَّدَةً عَنْ النِّيَّةِ .
وَعِنْدَنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ الَّذِي لَا يُفْتَقَرُ إلَى النِّيَّةِ نَيَّفَ عَلَى عَشَرَةِ أَلْفَاظٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِيُبَيِّنَ بِهَا عَدَدَ الصَّرِيحِ ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ لِبَيَانِ أَحْكَامٍ عُلِّقَتْ عَلَى الطَّلَاقِ ، فَلَا تُسْتَفَادُ مِنْهُ ، مَا لَمْ يَذْكُرْ لِأَجَلِهِ وَلَا فِي مَوْضِعِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ هَاهُنَا : { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ } صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أَيْ أَرْجِعُوهُنَّ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمَعْنَى { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ } أَيْ اُتْرُكُوا الِارْتِجَاعَ ، فَسَتُسَرَّحُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ إحْدَاثَ طَلَاقٍ بِحَالٍ ، وَقَدْ يَكُونُ الطَّلَاقُ الَّذِي كَانَتْ عَنْهُ الْعِدَّةُ مَكَانَهُ ، فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { سَرِّحُوهُنَّ } مَعْنًى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : حُكْمُ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ : أَنَّ لِلزَّوْجِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقُ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْمَعْرُوفِ ، فَيُطَلِّقُهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا فِي بَقَائِهَا عِنْدَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَتِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ هَذَا الْعَاجِزُ عَنْ النَّفَقَةِ لَا يُمْسِكُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَكَيْفَ تُكَلِّفُونَهُ أَنْتُمْ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ الْإِنْفَاقُ ، وَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ؟ قُلْنَا : إذَا لَمْ يُطِقْ الْإِنْفَاقَ بِالْمَعْرُوفِ أَطَاقَ الْإِحْسَانَ بِالطَّلَاقِ ، وَإِلَّا فَالْإِمْسَاكُ مَعَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ ضِرَارُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ : { تَقُولُ لَك زَوْجُك : أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا طَلِّقْنِي .
وَيَقُولُ لَك عَبْدُك : أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا بِعْنِي .
وَيَقُولُ لَك ابْنُك : أَنْفِقْ عَلَيَّ ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي .
}
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِقَصْدِ الرَّغْبَةِ ، فَإِنْ قَصَدَ أَنْ يَمْنَعَهَا النِّكَاحَ وَيَقْطَعَ بِهَا فِي أَمَلِهَا مِنْ غَيْرِ رَغْبَةِ اعْتِدَاءٍ عَلَيْهَا فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ، فَلَوْ عَرَفْنَا ذَلِكَ نَقَضْنَا رَجْعَتَهُ ، وَإِذَا لَمْ نَعْرِفْ نَفَذَتْ ، وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذُوا أَحْكَامَ اللَّهِ فِي طَرِيقِ الْهُزْءِ ، فَإِنَّهَا جَدٌّ كُلُّهَا ، فَمَنْ هَزَأَ بِهَا لَزِمَتْهُ .
وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَسْتَعْمِلُ إلَّا بِطَرِيقِ الْقَصْدِ إلَى اتِّخَاذِهَا هُزُوًا ؛ فَأَمَّا لُزُومُهَا عِنْدَ اتِّخَاذِهَا هُزُوًا فَلَيْسَتْ مِنْ قُوَّةِ اللَّفْظِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَمِنْ اتِّخَاذِ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةً .
فَقَالَ : يَكْفِيك مِنْهَا ثَلَاثٌ ، وَالسَّبْعَةُ وَالتِّسْعُونَ اتَّخَذْت بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا .
فَمِنْ اتِّخَاذِهَا هُزُوًا عَلَى هَذَا مُخَالَفَةُ حُدُودِهَا فَيُعَاقَبُ بِإِلْزَامِهَا ، وَعَلَى هَذَا يَتَرَكَّبُ طَلَاقُ الْهَازِلِ ؛ وَلَسْت أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ فِي لُزُومِهِ ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي نِكَاحِ الْهَازِلِ ؛ فَقَالَ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ : لَا يَلْزَمُ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى هَذَا طَلَاقَ الْهَازِلِ فَهُوَ ضَعِيفُ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ نِكَاحِ الْهَازِلِ يُوجِبُ إلْزَامَ طَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ التَّحْرِيمِ فِي الْبُضْعِ عَلَى التَّحْلِيلِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِيهِ إذَا عَارَضَتْهُ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ سَبْعِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } وَالْبُلُوغُ هَاهُنَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ قَارَبْنَ الْبُلُوغَ كَمَا فِي الْآيَةِ قَبْلِهَا لَمَا خَرَجَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ عَنْ حُكْمِ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ ، فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } تَبَيَّنَ أَنَّ الْبُلُوغَ قَدْ وَقَعَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّجْعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } الْعَضْلُ يَتَصَرَّفُ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إلَى الْمَنْعِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ؛ فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى أَوْلِيَاءَ الْمَرْأَةِ مِنْ مَنْعِهَا عَنْ نِكَاحِ مَنْ تَرْضَاهُ .
وَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ الْوَلِيِّ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ مَنْعِهَا .
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ كَانَتْ لَهُ أُخْتٌ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا ، فَأَبَى مَعْقِلٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ لَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا كَلَامَ لِمَعْقِلٍ فِي ذَلِكَ .
وَفِي الْآيَةِ أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ يَقْطَعُهَا هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ .
فَإِنْ قِيلَ : السَّبَبُ الَّذِي رَوَيْتُمْ يُبْطِلُ نَظْمَ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا كَانَ هُوَ الْمُنْكِحَ فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ : لَا تَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِ نَفْسِك ، وَهَذَا مُحَالٌ .
قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا ذَكَرْتُمْ ، لِلْمَرْأَةِ حَقُّ الطَّلَبِ لِلنِّكَاحِ ، وَلِلْوَلِيِّ حَقُّ الْمُبَاشَرَةِ لِلْعِقْدِ ؛ فَإِذَا أَرَادَتْ مَنْ يُرْضَى حَالُهُ ، وَأَبَى الْوَلِيُّ مِنْ الْعَقْدِ فَقَدْ مَنَعَهَا
مُرَادَهَا ، وَهَذَا بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } يَعْنِي إذَا كَانَ لَهَا كُفُؤًا ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي الثَّيِّبِ الْمَالِكَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا لَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي ثَيِّبٍ مَالِكَةٍ أَمْرَ نَفْسِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ هُوَ الْكَفَاءَةُ ، وَفِيهَا حَقٌّ عَظِيمٌ لِلْأَوْلِيَاءِ ، لَمَا فِي تَرْكِهَا مِنْ إدْخَالِ الْعَارِ عَلَيْهِمْ ؛ وَذَلِكَ إجْمَاعٌ مِنْ الْأُمَّةِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } هَذِهِ الْآيَةُ عُضْلَةٌ وَلَا يُتَخَلَّصُ مِنْهَا إلَّا بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ مَعَ الْغَصَصِ بِهَا بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ ؛ وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَقَلُّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَوْلَيْنِ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا بَقِيَتْ مِنْهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ وَهِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ ؛ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِنْبَاطِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي فَائِدَةِ هَذَا التَّقْدِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ إذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَرْضَعَتْ حَوْلَيْنِ ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ أَرْضَعَتْ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ شَهْرًا ، وَهَكَذَا تَتَدَاخَلُ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَمُدَّةُ الرَّضَاعِ ، وَيَأْخُذُ الْوَاحِدُ مِنْ الْآخَرِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إذَا اخْتَلَفَ الْأَبَوَانِ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ فَالْفَصْلُ فِي فِصَالِهِ مِنْ الْحَاكِمِ حَوْلَانِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ ، وَأَكْثَرُهُ مَحْدُودٌ بِحَوْلَيْنِ مَعَ التَّرَاضِي بِنَصِّ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا زَادَتْ الْمَرْأَةُ فِي رَضَاعِهَا عَلَى مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ ؛ وَقَعَ الرَّضَاعُ مَوْقِعَهُ إلَى أَنْ يَسْتَقِلَّ الْوَلَدُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : لَوْ زَادَتْ لَحْظَةً مَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي حُكْمٍ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدًّا مُؤَقَّتًا لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ إنْ وُجِدَتْ لَمَا أَوْقَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْإِرَادَةِ كَسَائِرِ الْأَعْدَادِ الْمُؤَقَّتَةِ فِي الشَّرِيعَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُرِيدُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ .
وَقَالَ زُفَرُ : ثَلَاثَ سِنِينَ ؛ وَهَذَا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ أَمَدِ الْفِطَامِ عُرْفًا لَحِقَ بِهِ وَمَا بَعُدَ مِنْهُ خَرَجَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ؛ وَفِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ تَتِمَّةُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَبِيهِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ ؛ وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّ لِأَنَّ الْغِذَاءَ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَسَاطَتِهَا فِي الرَّضَاعَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ } لِأَنَّ الْغِذَاءَ لَا يَصِلُ إلَى الْحَمْلِ إلَّا بِوَسَاطَتِهِنَّ فِي الرَّضَاعَةِ ؛ وَهَذَا بَابٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ مِثْلُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِالْمَعْرُوفِ } يَعْنِي عَلَى قَدْرِ حَالِ الْأَبِ مِنْ السَّعَةِ وَالضِّيقِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } وَمِنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا جَوَازَ إجَارَةِ الظِّئْرِ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَنْكَرَهُ صَاحِبَاهُ ، لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ فَلَمْ تَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ عَلَى عَمَلِ الْآخَرِ ، وَذَلِكَ عِنْد أَبِي حَنِيفَةَ اسْتِحْسَانٌ ، وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَصْلٌ فِي الِارْتِضَاعِ ، وَفِي كُلِّ عَمَلٍ ، وَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلُ .
وَلَوْلَا أَنَّهُ مَعْرُوفٌ مَا أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَعْرُوفِ .
فَإِنْ قِيلَ : الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ أَنَّهُ قُدِّرَ بِحَالِ الْأَبِ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى رَسْمِ الْأُجْرَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ كَبَدَلِ سَائِرِ الْأَعْوَاضِ .
قُلْنَا : قَدَّرُوهُ بِالْمَعْرُوفِ أَصْلًا فِي الْإِجَارَاتِ ، وَنَوْعُهُ بِالْيَسَارِ وَالْإِقْتَارِ رِفْقًا ؛ فَانْتَظَمَ الْحُكْمَانِ ، وَاطَّرَدَتْ الْحِكْمَتَانِ .
وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَرَى تَمَامَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هُوَ حَقٌّ لَهَا أَمْ هُوَ حَقٌّ عَلَيْهَا ؟ وَاللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّصْرِيحَ بِقَوْلِهِ ( عَلَيْهَا ) لَقَالَ : وَعَلَى الْوَالِدَاتِ إرْضَاعُ أَوْلَادِهِنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ } لَكِنَّ هُوَ عَلَيْهَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَهُوَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرُهَا ، وَهُوَ عَلَيْهَا إذَا عُدِمَ الْأَبُ لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَقُولُ لَك الْمَرْأَةُ : أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا طَلِّقْنِي ، وَيَقُولُ لَك الْعَبْدُ : أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَيَقُولُ لَك ابْنُك : أَنْفِقْ عَلَيَّ ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي .
} وَلِمَالِكٍ فِي الشَّرِيفَةِ رَأْيٌ خَصَّصَ بِهِ الْآيَةَ فَقَالَ : إنَّهَا لَا تُرْضِعُ إذَا كَانَتْ شَرِيفَةً .
وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُصْلِحَةِ الَّتِي مَهَّدْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْحَضَانَةُ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ لِلْأُمِّ وَالنُّصْرَةُ لِلْأَبِ ، لِأَنَّ الْحَضَانَةَ مَعَ الرَّضَاعِ ، وَمَسَائِلُ الْبَابِ تَأْتِي فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } الْمَعْنَى لَا تَأْبَى الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ إضْرَارًا بِأَبِيهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْأَبِ أَنْ يَمْنَعَ الْأُمَّ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ جَاءَ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ ، فَكَانَ بَيَانًا لِبَعْضِ أَحْكَامِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ النِّكَاحَ إذَا كَانَ بَاقِيًا ثَابِتًا فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِأَجَلِهِ ، وَلَا تُسْتَوْجَبُ الْأُمُّ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا لِأَجَلِ رَضَاعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا أَرَادَ الْأَبُ أَنْ يُرْضِعَ الِابْنَ غَيْرُ الْأُمّ وَهِيَ فِي الْعِصْمَةِ لِتَتَفَرَّغَ لَهُ جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَخْتَصَّ بِهِ إذَا كَانَ يَقْبَلُ غَيْرَهَا ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْأَبِ ؛ بَلْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ غِيَالِ الِابْنِ ، فَاجْتِمَاعُ الْفَائِدَتَيْنِ يُوجِبُ عَلَى الْأُمِّ إسْلَامَ الْوَلَدِ إلَى غَيْرِهَا ، وَلِمَا فِي الْآيَةِ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ ، وَهَذَا كَلَامُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُ الْغَافِلِينَ ، وَتَحَارُ فِيهِ أَلْبَابُ الشَّادِينَ ، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : لَوْ ثَبَتَتْ مَا نَسَخَهَا إلَّا مَا كَانَ فِي مَرْتَبَتِهَا ، وَلَكِنَّ وَجْهَهُ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ كَانُوا يُسَمُّونَ التَّخْصِيصَ نَسْخًا ؛ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ وَمُسَامَحَةٌ ، وَجَرَى ذَلِكَ فِي أَلْسِنَتِهِمْ حَتَّى أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ، وَهَذَا يَظْهَرُ عِنْدَ مِنْ ارْتَاضَ بِكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَثِيرًا .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ ؛ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ رَدَّهُ إلَى جَمِيعِهِ مِنْ إيجَابِ النَّفَقَةِ وَتَحْرِيمِ الْإِضْرَارِ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَمِنْ السَّلَفِ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ ، وَيُسْنَدُ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَوْجَبُوا عَلَى قَرَابَةِ الْمَوْلُودِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ نَفَقَتَهُ إذَا عَدِمَ أَبُوهُ فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ لَا مَعْنَى لَهُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءَ : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } لَا يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كُلِّهِ ؛ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْإِضْرَارِ .
الْمَعْنَى : وَعَلَى الْوَارِثِ مِنْ تَحْرِيمِ الْإِضْرَارِ بِالْأُمِّ مَا عَلَى الْأَبِ .
وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ ؛ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يُرْجِعُ الْعَطْفَ فِيهِ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ؛ وَهُوَ يَدَّعِي عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ حَوْلَيْنِ بَيَّنَ أَنَّ فِطَامَهَا هُوَ الْفِطَامُ ، وَفِصَالَهَا هُوَ الْفِصَالُ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَنْهُ مَنْزَعٌ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْأَبَوَانِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ مُضَارَّةٍ بِالْوَلَدِ ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ بِهَذَا الْبَيَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْوَالِدَيْنِ التَّشَاوُرَ وَالتَّرَاضِيَ فِي الْفِطَامِ فَيَعْمَلَانِ عَلَى مُوجِبِ اجْتِهَادِهِمَا فِيهِ ، وَتَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ } هَذَا عِنْدَ خِيفَةِ الضَّيْعَةِ عَلَى الْوَلَدِ عِنْد الْأُمِّ وَالتَّقْصِيرِ أَوْ الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ فِي اشْتِغَالِ الْأُمِّ عَنْ حَقِّهِ بِوَلَدِهَا ، أَوْ الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ فِي الِاغْتِيَالِ وَنَحْوِهِ ؛ فَإِنْ اخْتَلَفُوا نُظِرَ لِلصَّبِيِّ ، فَإِنْ أَوْجَبَ النَّظَرُ أَنْ يُسْتَرْضَعَ لَهُ اُسْتُرْضِعَ ، إذَا أَعْطَى الْمُرْضَعَ حَقَّهُ مِنْ أُمٍّ أَوْ ظِئْرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا كَانَتْ الْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ فِي الْوَلَدِ تَمَادَتْ إلَى الْبُلُوغِ فِي الْغُلَامِ وَإِلَى النِّكَاحِ فِي الْجَارِيَةِ ؛ وَذَلِكَ حَقٌّ لَهَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا عَقَلَ مَيَّزَ وَخَيَّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ ، لِمَا رَوَى النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ : زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي ، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ .
فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ : مَنْ يُحَاقُّنِي فِي ابْنِي ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلَامُ ؛ هَذَا أَبُوك ، وَهَذِهِ أُمُّك ؛ فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت .
فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ } .
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اسْتَهِمَا عَلَيْهِ .
فَلَمَّا قَالَ زَوْجُهَا : مَنْ يُحَاقُّنِي عَلَيْهِ ؟ خَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَاخْتَارَ أُمَّهُ .
} وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ : إنَّ ابْنِي كَانَ ثَدْيِي لَهُ سِقَاءً ، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً ؛ وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي .
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي .
} وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِلْخَالَةِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ ، وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ مِنْهَا .
وَالْمَعْنَى يَعْضِدهُ ؛ فَإِنَّ الِابْنَ قَدْ أَنِسَ بِهَا فَنَقْلُهُ عَنْهَا إضْرَارٌ بِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : مُعْضِلَةٌ قَالَ مَالِكٌ : كُلُّ أُمٍّ يَلْزَمُهَا رَضَاعُ وَلَدِهَا بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ فِيهَا ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا دُونَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اسْتَثْنَى الْحَسِيبَةَ ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُهَا إرْضَاعُهُ ، فَأَخْرَجَهَا مِنْ الْآيَةِ ، وَخَصَّهَا فِيهَا بِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَهَذَا فَنٌّ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ مَالِكِيٌّ .
وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَالْأَصْلُ الْبَدِيعُ فِيهِ هُوَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَوِي الْحَسَبِ ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ ؛ وَتَمَادَى ذَوُو الثَّرْوَةِ وَالْأَحْسَابِ عَلَى تَفْرِيغِ الْأُمَّهَاتِ لِلْمُتْعَةِ بِدَفْعِ الرُّضَعَاءِ إلَى الْمَرَاضِعِ إلَى زَمَانِهِ ، فَقَالَ بِهِ ، وَإِلَى زَمَانِنَا ؛ فَحَقَقْنَاهُ شَرْعًا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي نَسْخِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ } وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَوْلًا ، كَمَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ؛ قَالَهُ الْأَكْثَرُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ } تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ .
وَالْأَصَحُّ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّل كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي الْقِسَمِ الثَّانِي مِنْ " النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ " عَلَى وَجْهِ نُكْتَتِهِ عَلَى مَا رَوَى الْأَئِمَّةُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ } نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبْهَا ؟ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ؛ لَا أُغَيِّرَ مِنْهُ شَيْئًا عَنْ مَكَانِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِلْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ قُتِلَ زَوْجُهَا : اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَتْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَبْقَى بِآيَةِ الْإِخْرَاجِ ، ثُمَّ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْآيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّرَبُّصُ ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ لِلْفُرَيْعَةِ بِالْمُكْثِ فِي
بَيْتِهَا ؛ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلسُّكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ أَيْضًا مَعْنَى الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْمَعْنَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } يَعْنِي شَرْعًا ؛ فَمَا وُجِدَ مِنْ مُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَمْ تَتَرَبَّصْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ " فَجَرَى الْخَبَرُ عَلَى لَفْظِهِ ، وَثَبَتَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى صِدْقِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّرَبُّصِ بِالْقُرْءِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : التَّرَبُّصُ : هُوَ الِانْتِظَارُ ، وَمُتَعَلَّقُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : النِّكَاحُ ، وَالطِّيبُ وَالتَّنَظُّفُ ، وَالتَّصَرُّفُ وَالْخُرُوجُ .
أَمَّا النِّكَاحُ ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِلَحْظَةٍ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ النِّفَاسِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ .
وَقَدْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ظَاهِرًا لَوْلَا حَدِيثُ { سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ حَلَلْت ، فَانْكِحِي مَنْ شِئْت } صَحَّتْ رِوَايَةُ الْأَئِمَّةِ لَهُ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمَا صَحَّ رَأْيُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ الْأَجَلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ إذَا وُضِعَ فَقَدْ سَقَطَ الْأَجَلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَسَقَطَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لِأَجَلِهِ الْأَجَلُ ، وَهُوَ مَخَافَةُ شَغْلِ الرَّحِمِ ؛ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْأَشْهُرِ ؟ وَإِذَا تَمَّتْ الْأَشْهُرُ وَبَقِيَ الْحَمْلُ فَلَيْسَ يَقُولُ أَحَدٌ : إنَّهَا تَحِلُّ ؛ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ حَدِيثَ سُبَيْعَةَ جَلَاءٌ لِكُلِّ غُمَّةٍ ، وَعَلَا عَلَى كُلِّ رَأْيٍ وَهِمَّةٍ .
وَأَمَّا
قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ فَيَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَلَمْ يَشْتَرِطْ الطَّهَارَةَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } الْمُطَلَّقَاتُ ؛ لِأَنَّهُ فِيهِنَّ وَرَدَ ، وَعَلَى ذِكْرِهِنَّ انْعَطَفَ .
قُلْنَا : عَطْفُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ لَا يُسْقِطُ عُمُومَهُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ مِنْ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَأَنَّهَا قَدْ وُجِدَتْ قَطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَدْ يَزْدَحِمُ عَلَى الرَّحِمِ وَطْآنِ فَتَكُونُ الْعِدَّةُ فِيهِمَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا الْمَنْعِيُّ لَهَا يَقْدَمُ ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الثَّانِي ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَدِمَ وَهِيَ حَامِلٌ فَطَلَّقَهَا الْأَوَّلُ فَلَا يُبْرِئُهَا الْوَضْعُ ، وَلْتَأْتَنِفْ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَهُ ، وَهُوَ أَمْرٌ بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَمَّا الطِّيبُ وَالزِّينَةُ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ لَهَا احْتِجَاجًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ مَاتَ جَعْفَرٌ : أَمْسِكِي ثَلَاثًا ، ثُمَّ افْعَلِي مَا بَدَا لَك } وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ .
رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ : إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتُكْحِلُهُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ } .
قَالَتْ زَيْنَبُ : وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا لَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا ، وَدَخَلَتْ حِفْشًا فَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ ، فَقَلَّ مَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا ، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ .
وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ التَّسَلُّبَ هُوَ لِبَاسُ الْحُزْنِ ، وَهُوَ مَعْنًى غَيْرُ الْإِحْدَادِ .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : خُرُوجُ انْتِقَالٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ آيَةَ الْإِخْرَاجِ لَمْ تُنْسَخْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : خُرُوجُ الْعِبَادَةِ ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ : يَحْجُجْنَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ عَلَيْهِنَّ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ : لَا يَحْجُجْنَ ؛ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرُدُّ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ ؛ فَرَأْيُ
عُمَرَ فِي الْخُلَفَاءِ وَرَأْيُ مَالِكٍ فِي الْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ عُمُومَ فَرْضِ التَّرَبُّصِ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ زَمَانِ فَرْضِ الْحَجِّ ، لَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي .
وَإِنْ قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ فَحَقُّ التَّرَبُّصِ آكَدُ مِنْ حَقِّ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعِدَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لِلْآدَمِيِّ فِي صِيَانَةِ مَائِهِ وَتَحْرِيرِ نَسَبِهِ ؛ وَحَقُّ الْحَجِّ خَاصٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ .
الثَّالِثُ : خُرُوجُهَا بِالنَّهَارِ لِلتَّصَرُّفِ وَرُجُوعُهَا بِاللَّيْلِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ ، وَيَكُونُ خُرُوجُهَا فِي السَّحَرِ وَرُجُوعُهَا عِنْدَ النَّوْمِ ، فَرَاعُوا الْمَبِيتَ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ السُّكْنَى وَمَقْصُودُهُ ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ حَقِيقَةُ الْمَأْوَى .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمْ يَرَ أَحَدٌ مَبِيتَ لَيْلَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ سُكْنَى لِلْبَائِتِ حَيْثُ بَاتَ ، وَلَا خُرُوجًا عَنْ السُّكْنَى ، فَمَا بَالُهُمْ فِي الْعِدَّةِ قَالُوا : خُرُوجُ لَيْلَةٍ خُرُوجٌ ؟ قُلْنَا : الْمَعْنَى فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ حَقَّ الْخُرُوجِ مُتَعَلَّقُ الْمَبِيتِ فَاحْتِيطَ لَهُ ، وَالْحَيُّ يَحْمِي شَوْلَهُ مَعْقُولًا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مُتَزَوِّجَةٍ ، مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ ، أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ ، حَامِلٍ أَوْ غَيْرِ حَامِلٍ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَهِيَ خَاصَّةٌ فِي الْمُدَّةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَتَعْتَدُّ نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ إجْمَاعًا ، وَإِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْأَصَمِّ فَإِنَّهُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَقَدْ سَبَقَهُ الْإِجْمَاعُ ، لَكِنْ لِصَمَمِهِ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ ، وَإِذَا انْتَصَفَ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ، وَهُوَ مَالِكٌ ، وَرَأَيْت لِغَيْرِهِ مَا لَمْ أَرْضَ أَنْ أَحْكِيَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَمَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ انْقَضَتْ ، وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ يَوْمِ عَلِمَتْ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ .
وَقَالَ نَحْوًا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيُّ إنْ ثَبَتَ الْمَوْتُ بِبَيِّنَةٍ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ عِبَادَةٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَصْدٍ ، وَالْقَصْدُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا لَوْ عَلِمَتْ بِمَوْتِهِ فَتَرَكَتْ الْإِحْدَادَ لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ ؛ فَإِذَا تَرَكَتْ الْإِحْدَادَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ فَهُوَ أَهْوَنُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّغِيرَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنْ لَمْ تَحِضْ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَلَا عِدَّةَ لَهَا عِنْدَنَا فِي أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْحَيْضِ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ تَأْخِيرَ الْحَيْضِ رِيبَةٌ تُوجِبُ أَنْ تَسْتَظْهِرَ لَهُ ، إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضِ وَلَمْ تَخْشَ رِيبَةً بَقِيَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ وَفَاتِهِ .
وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِظْهَارِ عِنْدَنَا تَكُونُ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ كِتَابِيَّةً فَلِمَالِكٍ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا كَالْمُسْلِمَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ ؛ إذْ بِهَا يَبْرَأُ الرَّحِمُ ؛ وَهَذَا مِنْهُ فَاسِدٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ عُمُومِ آيَةِ الْوَفَاةِ ، وَهِيَ مِنْهَا ، وَأَدْخَلَهَا فِي عُمُومِ آيَةِ الطَّلَاقِ ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ مَاءِ الزَّوْجِ ؛ فَامْتِنَاعُ النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْمَاءِ الْوَاجِبِ صِيَانَتُهُ أَوَّلًا .
وَامْتِنَاعُ عَقْدِ النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِهِ شَرْعًا عَلَى مَحِلِّ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَهُ فِيهِ وَهُوَ الْحِلُّ .
وَامْتِنَاعُ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيه ، فَقَطَعَتْ الذَّرِيعَةَ إلَيْهِ بِمَنْعِ مَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ .
وَامْتِنَاعُ الْخِطْبَةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَالتَّصْرِيحَ بِهِ أَقْوَى ذَرِيعَةً وَأَشَدُّ دَاعِيَةً مِنْ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ ، فَحُرِّمَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى .
وَامْتِنَاعُ الْخُرُوجِ لِبَقَاءِ الرَّقَبَةِ الْمُوجِبِ غَايَةَ الْحَفِيظَةِ وَالْعِصْمَةِ .
وَحَقُّ أَمْرِ السُّكْنَى لِكَوْنِهِ فِي الدَّرَجَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْحُرْمَةِ ، فَأَسْقَطَ وُجُوبَهُ أَحْبَارٌ مِنْ الْأُمَّةِ ، ثُمَّ رَخَّصَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعْرِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يَعْنِي انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ .
هَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ ، وَبَيَانُ أَنَّ الْحَقَّ فِي التَّزْوِيجِ لَهُنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ أَيْ مِنْ جَائِزٍ شَرْعًا ، يُرِيدُ مِنْ اخْتِيَارِ أَعْيَانِ الْأَزْوَاجِ ، وَتَقْدِيرِ الصَّدَاقِ دُونَ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ ، كَمَا تَقَدَّمَ دُونَ وَضْعِ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ كُفْءٍ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ ، وَفِيهِ الضَّرَرُ وَإِدْخَالُ الْعَارِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالسَّبْعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ ، وَأَوْجَبَ التَّرَبُّصَ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْخَلْقَ لَا يَسْتَطِيعُونَ الصَّبْرَ عَنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ وَالتَّكَلُّمِ فِيهِ ، فَأَذِنَ فِي التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ مَعَ جَمِيعِ الْخَلْقِ ، وَأَذِنَ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيضِ مَعَ الْعَاقِدِ لَهُ ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ أَوْ الْوَلِيُّ ؛ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ آكَدُ .
وَالتَّعْرِيضُ هُوَ الْقَوْلُ الْمُفْهِمُ لِمَقْصُودِ الشَّيْءِ ، وَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيهِ .
وَالتَّصْرِيحُ هُوَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ وَالْإِفْصَاحُ بِذِكْرِهِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ عَرْضِ الشَّيْءِ وَهُوَ نَاحِيَتُهُ ، كَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا يُسِفَّ عَلَيْهِ وَيَمْشِي حَوْلَهُ وَلَا يَنْزِلُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ التَّعْرِيضِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ فِيهِ كَثِيرٌ ، جِمَاعُهُ عِنْدِي يَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَذْكُرَهَا لِلْوَلِيِّ ؛ يَقُولُ لَا تَسْبِقْنِي بِهَا .
الثَّانِي : أَنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ إلَيْهَا دُونَ وَاسِطَةٍ .
فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهَا بِنَفْسِهِ فَفِيهِ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَقُولَ لَهَا : إنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ .
الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ لَهَا : لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ لَهَا : إنَّك لَجَمِيلَةٌ ، وَإِنَّ حَاجَتِي فِي النِّسَاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا .
الرَّابِعُ : أَنْ يَقُولَ لَهَا : إنَّك لَنَافِقَةٌ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
الْخَامِسُ : إنَّ لِي حَاجَةً ، وَأَبْشِرِي فَإِنَّك نَافِقَةٌ ، وَتَقُولُ هِيَ : قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ ؛ وَلَا تَزِيدُ شَيْئًا ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ
.
السَّادِسُ : أَنْ يُهْدِيَ لَهَا .
قَالَ إبْرَاهِيمُ : إذَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مِثْلَهُ فِي : السَّابِعُ : وَلَا يَأْخُذُ مِيثَاقَهَا .
قَالَتْ سُكَيْنَةُ بِنْتُ حَنْظَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَنَا فِي عِدَّتِي فَقَالَ : يَا بِنْتَ حَنْظَلَةَ ، قَدْ عَلِمْت قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقَّ جَدِّي عَلِيٍّ .
فَقُلْت : غَفَرَ اللَّهُ لَك أَبَا جَعْفَرٍ ، تَخْطُبنِي فِي عِدَّتِي وَأَنْتَ يُؤْخَذُ عَنْك ؟ فَقَالَ : أَوَقَدْ فَعَلْت ، إنَّمَا أَخْبَرْتُك بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْضِعِي .
وَقَدْ { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا أَبِي سَلَمَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ لَهَا مَنْزِلَتَهُ مِنْ اللَّهِ } ، وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ ، فَمَا كَانَتْ تِلْكَ خِطْبَةً .
فَانْتُحِلَ مِنْ هَذَا فَصْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَذْكُرَهَا لِنَفْسِهَا .
الثَّانِي : أَنْ يَذْكُرَهَا لِوَلِيِّهَا أَوْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَقُومُ مَقَامَ الذِّكْرِ كَأَنْ يَهْدِيَ لَهَا .
وَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ : إنِّي بِك لَمُعْجَبٌ ، وَلَك مُحِبٌّ ، وَفِيك رَاغِبٌ .
وَهَذَا عِنْدِي أَقْوَى التَّعْرِيضِ ، وَأَقْرَبُ إلَى التَّصْرِيحِ .
وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يَقُولَ لَهَا : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا ، وَأَبْشِرِي وَأَنْتِ نَافِقَةٌ .
فَإِنْ قَالَ لَهَا أَكْثَرَ فَهُوَ إلَى التَّصْرِيحِ أَقْرَبُ .
أَلَا تَرَى إلَى مَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ، وَإِلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَأَمَّا إذَا ذَكَرَهَا لِأَجْنَبِيٍّ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا حَرَجَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فِي أَنْ يَقُولَ : إنَّ فُلَانًا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجُك إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ .
وَهَذَا التَّعْرِيضُ وَنَحْوُهُ مِنْ الذَّرَائِعِ الْمُبَاحَةِ ؛ إذْ لَيْسَ
كُلُّ ذَرِيعَةٍ مَحْظُورًا ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْحَظْرِ الذَّرِيعَةُ فِي بَابِ الرِّبَا ، لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ وَكُلُّ ذَرِيعَةٍ رِيبَةٌ ؛ وَذَلِكَ لِعَظِيمِ حُرْمَةِ الرِّبَا وَشِدَّةِ الْوَعِيدِ فِيهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَجَ فِي التَّعْرِيضِ فِي النِّكَاحِ قَالَ عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ التَّعْرِيضَ فِي النِّكَاحِ مَقَامَ التَّصْرِيحِ ؛ فَأَوْلَى أَلَّا يَكُونَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ .
وَهَذَا سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي التَّصْرِيحِ فِي النِّكَاحِ بِالْخُطْبَةِ ، وَأَذِنَ فِي التَّعْرِيضِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ النِّكَاحُ ؛ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِهِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ ، وَالْأَعْرَاضُ يَجِبُ صِيَانَتُهَا كَمَا تَجِبُ صِيَانَةُ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ حَدَّ الْمُعَرِّضِ ، لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْفَسَقَةُ إلَى أَخْذِ الْأَعْرَاضِ بِالتَّعْرِيضِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ بِالتَّصْرِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ } يَعْنِي : سَتَرْتُمْ وَأَخْفَيْتُمْ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ ذِكْرِهِنَّ ، وَالْعَزِيمَةِ عَلَى نِكَاحِهِنَّ ؛ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَجَ فِي ذَلِكَ ؛ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ تَفَضُّلًا مِنْهُ حِينَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِنَّ ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } الْمَعْنَى قَدْ مُنِعْتُمْ التَّصْرِيحَ بِالنِّكَاحِ وَعَقْدِهِ ، وَأُذِنَ لَكُمْ فِي التَّعْرِيضِ ؛ فَإِيَّاكُمْ أَنْ يَقَعَ بَيْنَكُمْ مُوَاعَدَةٌ فِي النِّكَاحِ ، حِينَ مُنِعْتُمْ الْعَقْدَ فِيهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السِّرِّ الْمُرَادِ هَاهُنَا عَلَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الزِّنَا .
الثَّانِي : الْجِمَاعُ .
الثَّالِثُ : التَّصْرِيحُ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ الزِّنَا ؛ لِقَوْلِ الْأَعْشَى : فَلَا تَقْرَبَنَّ جَارَةً إنَّ سِرَّهَا عَلَيْك حَرَامٌ فَانْكِحْنَ أَوْ تَأَبَّدَا وَالسِّرُّ فِي اللُّغَةِ يَتَصَرَّفُ عَلَى مَعَانٍ : أَحَدُهَا : مَا تَكَلَّمَ بِهِ فِي سِرِّهِ وَأَخْفَى مِنْهُ مَا أَضْمَرَ .
الثَّانِي : سِرُّ الْوَادِي أَيْ شَطُّهُ .
الثَّالِثُ : سِرُّ الشَّيْءِ : خِيَارُهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الزِّنَا .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ الْجِمَاعُ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ .
السَّابِعُ : سَرَرَ الشَّهْرُ : مَا اُسْتُسِرَّ الْهِلَالُ فِيهِ مِنْ لَيَالِيِهِ .
وَهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ يَدْخُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيَرْجِعُ الْمَعْنَى إلَى الْخَفَاءِ ، فَيَعُمُّ بِهِ تَارَةً وَيَخُصُّ أُخْرَى ، وَتَرَى سِرَّ الشَّيْءِ خِيَارَهُ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ يُخْفَى وَيُضَنُّ بِهِ ، وَتَرَى أَنَّ سِرَّ الْوَادِيَ شَطَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُهُ ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْوَادِي إنَّمَا يَكُونُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ لَا فِيهِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ السُّرِّيَّةُ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ لِلْوَطْءِ ، إذْ الْخَدَمُ يُتَّخَذُونَ لِلتَّصَرُّفِ وَالْوَطْءِ ، فَسُمِّيَتْ الْمُتَّخَذَةُ لِلْوَطْءِ سَرِيَّةً مِنْ السُّرُورِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ فَرْجُ الْمَرْأَةِ سِرًّا لِأَنَّهُ مَوْضِعُهُ .
فَالْمَعْنَى هَاهُنَا : لَا تُوَاعِدُوهُنَّ نِكَاحًا وَلَا وَطْئًا ، فَهُوَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الْعِدَّةِ ، لِأَنَّهُ حُرِّمَ عَلَيْهِنَّ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ إلَى وَقْتٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِنَّ ضَرْبُ الْوَعْدِ فِيهِ ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا حُرِّمَ الْوَعْدُ فِي الْعِدَّةِ بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْوَعْدِ فِي التَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ إلَى وَقْتٍ يَجُوزُ فِيهِ التَّقَابُضُ .
وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَإِنْ اسْتَنْظَرَك إلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ ، فَإِنَّ الرِّبَا مِثْلُ الْفَرْجِ فِي التَّحْرِيمِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ عِنْد التَّأَمُّلِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَهُوَ التَّعْرِيضُ الْجَائِزُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } فَهَذِهِ عَامَّةٌ لِلْبَيَانِ أَيْ لَا تُوَاعِدُوا نِكَاحًا ، وَلَا تَعْقِدُوهُ ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ .
د الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : لَوْ وَاعَدَ فِي الْعِدَّةِ وَنَكَحَ بَعْدَهَا اسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ الْفِرَاقُ بِطَلْقَةٍ تَوَرُّعًا ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ خِطْبَتَهَا ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ أَشْهَبُ الْفِرَاقُ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا نَكَحَ فِي الْعِدَّةِ وَبَنَى فَسَخَ وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَبَدًا [ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّعْبِيُّ ] ، وَبِهِ قَضَى عُمَرُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَلَّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فَحُرِمَهُ ، كَالْقَاتِلِ فِي حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ دَلِيلًا ، وَفِي كُتُبِ الْفُرُوعِ تَفْرِيعًا .
قَوْله تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَقْدِيرِهَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهَا لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ الْمَفْرُوضَ لَهُنَّ الصَّدَاقُ مِنْ قَبْلِ الدُّخُولِ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَغَيْرَ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ قَبْلَ الْفَرْضِ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهَا إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَلَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ، وَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ ، تَقْدِيرُهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَرَضْتُمْ أَوْ لَمْ تَفْرِضُوا ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تُقَدَّرُ بِهِ الْآيَةُ ، وَتَبْقَى أَوْ عَلَى بَابِهَا ، وَتَكُونُ بِمَعْنَى التَّفْصِيلِ وَالتَّقْسِيمِ وَالْبَيَانِ ، وَلَا تَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْوَاوِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا } فَإِنَّهَا لِلتَّفْصِيلِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ بِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْمَفْرُوضَ لَهُنَّ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ لِبَيَانِ طَلَاقِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَمَا كَرَّرَهُ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " ذَلِكَ .
وَلَا فَرْقَ فِي قَانُونِ الْعَرَبِيَّةِ بَيْنَ تَقْدِيرِ حَذْفٍ ، أَوْ تَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ تَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ ، وَالْأَحْكَامُ تَتَفَصَّلُ ، فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الَّتِي لَمْ تُمَسَّ ، وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ
أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِّ وَبَعْدَ الْفَرْضِ .
الثَّانِي : مُطَلَّقَةٌ بَعْدَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ .
الثَّالِثُ : مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَبَعْدَ الْفَرْضِ .
الرَّابِعُ : مُطَلَّقَةٌ بَعْدَ الْمَسِّ ، وَقَبْلَ الْفَرْضِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُتْعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ دَائِرَةٍ مَعَ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْسَامِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحُكْمِ إلَّا قِسْمَيْنِ : مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِّ وَقَبْلَ الْفَرْضِ ، وَمُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِّ وَبَعْدَ الْفَرْضِ ؛ فَجَعَلَ لِلْأُولَى الْمُتْعَةَ ، وَجَعَلَ لِلثَّانِيَةِ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، وَآلَتْ الْحَالُ إلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَمْ يُبَيِّنْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وُجُوبَهَا إلَّا لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ .
وَأَمَّا مَنْ طَلُقَتْ وَقَدْ فُرِضَ لَهَا فَلَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ نِصْفُ الْفَرْضِ ، وَلَهَا بَعْدَ الْمَسِيسِ جَمِيعُ الْفَرْضِ أَوْ مَهْرُ مِثْلِهَا .
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَابَلَ الْمَسِيسَ بِالْمَهْرِ الْوَاجِبِ وَنِصْفَهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، لِمَا لَحِقَ الزَّوْجَةَ مِنْ رَحْضِ الْعَقْدِ ، وَوَصْمِ الْحِلِّ الْحَاصِلِ لِلزَّوْجِ بِالْعَقْدِ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ أَلْزَمَهُ اللَّهُ الْمُتْعَةَ كُفُؤًا لِهَذَا الْمَعْنَى ؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهَا وَاجِبَةً لِظَاهِرِ الْأَمْرِ بِهَا ، وَلِلْمَعْنَى الَّذِي أَبْرَزْنَاهُ مِنْ الْحِكْمَةِ فِيهَا .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُقَدِّرْهَا ، وَإِنَّمَا وَكَّلَهَا إلَى اجْتِهَادِ الْمُقَدِّرِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَكَّلَ التَّقْدِيرَ فِي النَّفَقَةِ إلَى الِاجْتِهَادِ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ ، فَقَالَ : { عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ } الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِيهَا : { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَأَطْلَقَهَا
عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ؛ فَتَعْلِيقُهَا بِالْإِحْسَانِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَبِالتَّقَوِّي وَهُوَ مَعْنًى خَفِيٌّ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا اسْتِحْبَابٌ ، يُؤَكِّدُهُ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى فِي الْعَفْوِ عَنْ الصَّدَاقِ : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } فَأَضَافَهُ إلَى التَّقْوَى وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ لِلتَّقْوَى أَقْسَامًا بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْفُقَرَاءِ ؛ وَمِنْهَا وَاجِبٌ ، وَ [ مِنْهَا ] مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } فَذَكَرَهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمَتَاعَ هُوَ كُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَمَنْ كَانَ لَهَا مَهْرٌ فَمَتَاعُهَا مَهْرُهَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْرٌ فَمَتَاعُهَا مَا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّ إحْدَى الْآيَتَيْنِ حَقِيقَةٌ دُونَ الْأُخْرَى ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا الْقِسْمُ هُوَ أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهُوَ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَبَعْدَ الْفَرْضِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَفْرُوضِ وَاجِبًا ، كَمَا أَنَّ لِلْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتْعَةَ مُسْتَحَبَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَإِنْ خَلَا بِهَا ، وَلَا تَضُرُّ الْخَلْوَةُ بِالْمَهْرِ ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَسِيسٌ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ ؛ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا وَقَبَّلَ وَلَمَسَ قُلْتُمْ لَا يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ .
قُلْنَا : الْمَسِيسُ هَاهُنَا كِنَايَةٌ عَنْ الْوَطْءِ بِإِجْمَاعٍ ؛ لِأَنَّ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ لَوْ خَلَا وَلَمْ يَلْمِسْ وَلَا قَبَّلَ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا مَسٌّ وَلَا وَطْءٌ ؛ وَهَذَا خِلَافُ الْآيَةِ وَمُرَاغَمَةُ الظَّاهِرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَ الْمُطَلَّقَةِ إلَى قِسْمَيْنِ ؛ مُطَلَّقَةٌ سُمِّيَ لَهَا فَرْضٌ ، وَمُطَلَّقَةٌ لَمْ يُسَمَّ لَهَا فَرْضٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ ، وَهُوَ كُلُّ نِكَاحٍ عُقِدَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الصَّدَاقِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ وَيُفْرَضُ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّدَاقُ .
فَإِنْ فُرِضَ الْتَحَقَ بِالْعَقْدِ وَجَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَكَانَ الطَّلَاقُ لَمْ يَجِبْ صَدَاقٌ إجْمَاعًا ، وَإِنْ فُرِضَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَقَبْلَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ ، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَخِلَافُ الْقِيَاسِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ الْفَرْضَ بَعْدَ الْعَقْدِ يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ أَصْلُهُ الْفَرْضُ الْمُقْتَرِنُ بِالْعَقْدِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ وَقَعَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْفَرْضِ فَقَالَ مَالِكٌ : لَهَا الْمِيرَاثُ دُونَ الصَّدَاقِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالُوا : يَجِبُ لَهَا الصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَقَدْ مَاتَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ لَهَا بِالْمَهْرِ وَالْمِيرَاثِ وَالْعِدَّةِ } ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ " لِأَنَّ رَاوِيَهُ مَجْهُولٌ ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ فِرَاقٌ فِي نِكَاحٍ قَبْلَ الْفَرْضِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ صَدَاقٌ أَصْلُهُ الطَّلَاقُ ، وَقَدْ خَرَّجَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ أَبُو عِيسَى ، وَقَالَ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } الْوَاجِبُ لَهُنَّ مِنْ الصَّدَاقِ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ فِي إسْقَاطِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ ؛ إذْ جَعَلَهُ خَالِصَ حَقِّهِنَّ يَتَصَرَّفْنَ بِالْإِمْضَاءِ وَالْإِسْقَاطِ كَيْفَ شِئْنَ إذَا مَلَكْنَ أَمْرَ أَنْفُسِهِنَّ فِي الْأَمْوَالِ وَرَشَدْنَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وَهِيَ مُعْضِلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا : فَقِيلَ : هُوَ الزَّوْجُ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَشُرَيْحٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْوَلِيُّ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَشُرَيْحٌ الْكِنْدِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الزَّوْجُ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، لُبَابُهَا ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الصَّدَاقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرًا مُجْمَلًا مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، فَحُمِلَ عَلَى الْمُفَسَّرِ فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } فَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِلزَّوْجِ فِي قَبُولِ الصَّدَاقِ إذَا طَابَتْ نَفْسُ الْمَرْأَةِ بِتَرْكِهِ .
وَقَالَ أَيْضًا : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى الزَّوْجَ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا أَتَى الْمَرْأَةَ إنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا .
الثَّانِي : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } يَعْنِي النِّسَاءَ ، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ : يَعْنِي الزَّوْجَ ، مَعْنَاهُ يَبْذُلُ جَمِيعَ الصَّدَاقِ ، يُقَالُ : عَفَا بِمَعْنَى بَذَلَ ، كَمَا يُقَالُ : عَفَا بِمَعْنَى أَسْقَطَ .
وَمَعْنَى ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ : أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْقَطَتْ مَا وَجَبَ لَهَا مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ تَقُولُ هِيَ : لَمْ يَنَلْ مِنِّي شَيْئًا وَلَا أَدْرَكَ مَا بَذَلَ فِيهِ هَذَا الْمَالَ بِإِسْقَاطِهِ ، وَقَدْ وَجَبَ إبْقَاءً لِلْمُرُوءَةِ وَاتِّقَاءً فِي الدِّيَانَةِ .
وَيَقُولُ الزَّوْجُ : أَنَا أَتْرُكُ الْمَالَ لَهَا لِأَنِّي قَدْ نِلْتُ الْحِلَّ وَابْتَذَلْتُهَا بِالطَّلَاقِ فَتَرْكُهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ، وَأَخْلَصُ مِنْ اللَّائِمَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي هِبَةِ مَالٍ لِآخَرَ فَضْلٌ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَهَبُهُ الْمُفْضِلُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَقٌّ فِي الصَّدَاقِ .
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْوَلِيُّ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ؛ نُخْبَتُهَا أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : قَالُوا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْوَلِيُّ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ طَلَّقَ ؛ فَلَيْسَ بِيَدِهِ عُقْدَةٌ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } وَهَذَا يَسْتَمِرُّ مَعَ الشَّافِعِيِّ دُونَ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي لَا يَرَى عُقْدَةَ النِّكَاحِ لِلْوَلِيِّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْأَزْوَاجَ لَقَالَ : إلَّا أَنْ تَعْفُوا أَوْ تَعْفُونَ ، فَلَمَّا عَدَلَ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْحَاضِرِ الْمَبْدُوءِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ إلَى لَفْظِ الْغَائِبِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } يَعْنِي يُسْقِطْنَ .
وقَوْله تَعَالَى : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } لَا يُتَصَوَّرُ الْإِسْقَاطُ فِيهِ إلَّا مِنْ الْوَلِيِّ ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ الثَّانِي هُوَ مَعْنَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِهِ ، وَذَلِكَ أَنْظَمُ لِلْكَلَامِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } يَعْنِي يُسْقِطْنَ ، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ يَعْنِي يُسْقِطُ ؛ فَيَرْجِعُ الْقَوْلُ إلَى النِّصْفِ الْوَاجِبِ بِالطَّلَاقِ الَّذِي تُسْقِطُهُ الْمَرْأَةُ ، فَأَمَّا النِّصْفُ الَّذِي لَمْ يَجِبْ فَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : وَاَلَّذِي تَحَقَّقَ عِنْدِي بَعْدَ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ أَنَّ الْأَظْهَرَ هُوَ الْوَلِيُّ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { ثُمَّ
طَلَّقْتُمُوهُنَّ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } فَذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَخَاطَبَهُمْ بِهَذَا الْخِطَابِ ، ثُمَّ قَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } فَذَكَرَ النِّسْوَانَ { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } فَهَذَا ثَالِثٌ ؛ فَلَا يُرَدُّ إلَى الزَّوْجِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ وُجُودٌ ، وَقَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْوَلِيُّ ، فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ هَذَا إسْقَاطُ التَّقْدِيرِ بِجَعْلِ الثَّلَاثِ اثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِنَفْسِهِ ، وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِوَلِيَّتِهِ ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الَّذِي يُبَاشِرُ الْعَقْدَ الْوَلِيُّ ؛ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أُصُولُ الْعَفْوِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا قَبْلُ ، وَشَرَحْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْوَلِيَّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَهُوَ الْمُرَادُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَرَاضَيَانِ فَلَا يَنْعَقِدُ لَهُمَا أَمْرٌ إلَّا بِالْوَلِيِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعُقُودِ ، فَإِنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَسْتَقِلَّانِ بِعَقْدِهِمَا .
الثَّالِثُ : إنَّ مَا قُلْنَا أَنْظَمُ فِي الْكَلَامِ ، وَأَقْرَبُ إلَى الْمَرَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَعْفُو ، فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ أَوْ الْمَحْجُورَةَ لَا عَفْوَ لَهَا ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى الْقِسْمَيْنِ ، وَقَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } إنْ كُنَّ لِذَلِكَ أَهْلًا ، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ هُمَا اللَّذَانِ يَتَصَرَّفَانِ فِي الْمَالِ وَيَنْفُذُ لَهُمَا الْقَوْلُ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ فِي الْمَالِ بِمَا
يَكُونُ حَظًّا لِابْنَتِهِ ، فَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فَلَيْسَ بِحَظٍّ وَلَا نَظَرٍ .
قُلْنَا : إذَا رَآهُ كَانَ ؛ فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ نِكَاحَهَا بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِهَا نَفَذَ ؛ وَهَذَا إسْقَاطٌ مَحْضٌ ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ نَظَرًا مَضَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَلِيٍّ ، فَلِمَ خَصَصْتُمُوهُ بِهَذَيْنِ ؟ قُلْنَا : كَمَا هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ زَوْجَةٍ وَخُصَّ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَحْجُورَةِ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الزَّوْجُ فَضَعِيفٌ ، أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْأَزْوَاجَ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اسْتَشْهَدُوا بِهِمَا فَقَدْ ذَكَرَ الْوَلِيَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَجَاءَتْ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُبَيَّنَةً وَالْفَوَائِدُ الثَّلَاثَةُ مُعْتَبَرَةٌ ، وَعَلَى قَوْلِهِمْ يَسْقُطُ بَعْضُ الْبَيَانِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الثَّانِي فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ الْعَفْوِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَوْفَى فِي الْمَعْنَى مِنْ مَجِيئِهِ بِمَعْنَيَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ أَحَدِ الْعَافِيَيْنِ ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُسْتَفَادُ إذَا كَانَ الْعَفْوُ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ .
وَأَمَّا نَدْبُ الزَّوْجِ إلَى إعْطَاءِ الصَّدَاقِ كُلِّهِ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُمَيِّزَ الْوَلِيَّ عَنْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ بِمَعْنًى يَخُصُّهُ ، فَكَنَّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } بِكِنَايَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْفَصَاحَةِ ، وَأَتَمَّ فِي الْمَعْنَى ، وَأَجْمَعَ لِلْفَوَائِدِ .
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } وَتَعَلُّقُهُمْ بِأَنَّ الْإِفْضَالَ لَا يَكُونُ بِمَالِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا الْإِفْضَالُ يَكُونُ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَكُونُ بِبَذْلِ مَا تَمْلِكُهُ يَدُهُ .
وَالثَّانِي بِإِسْقَاطِ مَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ ، كَمَا يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ بِأَقَلَّ مِنْ
مَهْرِ الْمِثْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُشَاعِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لِلْمَرْأَةِ بِالطَّلَاقِ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، فَعَفْوُهَا لِلرَّجُلِ عَنْ جَمِيعِهِ كَعَفْوِ الرَّجُلِ ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُشَاعٍ وَمَقْسُومٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ إلَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَاَلَّذِي انْفَصَلَ بِهِ الْمَهْرُ عَنْ عُمُومِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا بَيَّنَ تَكْمِيلًا ثَبَتَ بِنَفْسِ الْعَفْوِ دُونَ شَرْطِ قَبْضِ ذَلِكَ فِي عَفْوِ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَهْرُ دَيْنٌ ؛ أَوْ فِي عَفْوِ الرَّجُلِ ، وَالْمَهْرُ مَقْبُوضٌ دَيْنٌ عَلَى الْمَرْأَةِ .
فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَلَا يَكْمُلُ الْعَفْوُ فِيهِ إلَّا بِقَبْضٍ مُتَّصِلٍ بِهِ ، أَوْ قَبْضٍ قَائِمٍ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ ، وَلَئِنْ حُمِلَتْ الْآيَةُ عَلَى عَفْوٍ بِشَرْطِ زِيَادَةِ الْقَبْضِ ، فَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ إلَّا تَمَامَهُ ، وَتَمَامُهُ بِالْقِسْمَةِ ، فَآلَ الِاخْتِلَافُ إلَى كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الِانْفِصَالُ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْهِبَةِ الْقَبْضَ .
فَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَرَى ذَلِكَ ؛ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا الِانْفِصَالُ مَعَنَا ، فَإِنَّ نَفْسَ الْعَفْوِ مِمَّنْ عَفَا يَخْلُصُ مِلْكًا لِمَنْ عُفِيَ لَهُ .
وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا مَعَهُمْ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ الْآيَةَ بِمُطْلَقِهَا تُفِيدُ صِحَّةَ هِبَةِ الْمُشَاعِ ، مَعَ كَوْنِهِ مُشَاعًا ، وَافْتِقَارُ الْهِبَةِ إلَى الْقَبْضِ نَظَرٌ يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ يَخُصُّ تِلْكَ النَّازِلَةَ ، فَمُشْتَرِطُ الْقِسْمَةِ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ ، وَلَمَّا يَجِدُوهُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى يَنْبَنِي عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ ؛ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُهُ ، وَلَيْسَ التَّمْيِيزُ مِنْ الْقَبْضِ أَصْلًا فِي وِرْدٍ وَلَا صَدَرٍ ، فَصَحَّ تَعَلُّقُنَا بِالْآيَةِ وَعُمُومِهَا وَسَلِمَتْ مِنْ تَشْغِيبِهِمْ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { حَافِظُوا } الْمُحَافَظَةُ : هِيَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُوَاظَبَةُ ، وَذَلِكَ بِالتَّمَادِي عَلَى فِعْلِهَا ، وَالِاحْتِرَاسُ مِنْ تَضْيِيعِهَا ، أَوْ تَضْيِيعِ بَعْضِهَا .
وَحِفْظُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ مُرَاعَاةُ أَجْزَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَمِنْهُ كِتَابُ عُمَرَ : مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ ، فَيَجِبُ أَوَّلًا حِفْظُهَا ثُمَّ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا ، بِذَلِكَ يَتِمُّ الدِّينُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا شَكَّ فِي انْتِظَامِ قَوْله تَعَالَى " الصَّلَوَاتِ " لِلصَّلَاةِ الْوُسْطَى لَكِنَّهُ خَصَّصَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهَا فِي جِنْسِهَا وَمِقْدَارِهَا فِي أَخَوَاتِهَا .
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِ الْمَلَكَيْنِ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } تَنْبِيهًا عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ فِي مِقْدَارِهِمَا بَيْنَ الْفَاكِهَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا وُسْطَى : وَفِي ذَلِكَ احْتِمَالَاتٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا وُسْطَى مِنْ الْوَسَطِ ، وَهُوَ الْعَدْلُ وَالْخِيَارُ وَالْفَضْلُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } وقَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ } يَعْنِي : الْأَفْضَلَ فِي الْآيَتَيْنِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا وَسَطٌ فِي الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ تَكْتَنِفُهَا اثْنَتَانِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا وَسَطٌ مِنْ الْوَقْتِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : الصُّبْحُ هِيَ الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي النَّهَارِ ، وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فِي اللَّيْلِ ، وَالصُّبْحُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ ، وَهِيَ أَقَلُّ الصَّلَوَاتِ قَدْرًا .
وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ تُجْمَعَانِ ، وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ تُجْمَعَانِ ، وَلَا تُجْمَعُ الصُّبْحُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ ، وَهِيَ كَثِيرًا مَا تَفُوتُ النَّاسَ وَيَنَامُونَ عَنْهَا ، وَقَالَ نَحْوَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي تَوَسُّطِ الْوَقْتِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي سَوَادٍ مِنْ اللَّيْلِ وَبَيَاضٍ مِنْ النَّهَارِ ، وَكَثِيرًا مَا تَفُوتُ النَّاسَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا : وَقَدْ قُنِتَ فِي الصُّبْحِ : هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَحْقِيقِهَا : يَبْعُدُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنْ تُسَمَّى وُسْطَى بِعَدَدٍ أَوْ وَقْتٍ وَمَا الْعَدَدُ وَالزَّمَانُ مِنْ الْحَظِّ فِي الْوَسَطِ وَالتَّخْصِيصِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ اللَّبِيبُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُبْدِئَ فِي ذَلِكَ وَيُعِيدَ ، إلَّا أَنَّهُ تَكَلُّفٌ ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } مَعْنَاهُ لِفَضْلِهِنَّ ، وَخُصُّوا الْفُضْلَى مِنْهُنَّ بِزِيَادَةِ مُحَافَظَةٍ أَيْ الزَّائِدَةَ الْفَضْلِ ، وَتَعْيِينُهَا مُتَعَذَّرٌ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الظُّهْرُ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْعَصْرُ قَالَ عَلِيٌّ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
الثَّالِثُ : الْمَغْرِبُ ؛ قَالَهُ الْبَرَاءُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا الصُّبْحُ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَنْ عَلِيٍّ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا الْجُمُعَةُ .
السَّابِعُ : أَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ .
وَكُلُّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِالدَّلِيلِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الظُّهْرُ ، فَلِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ فُرِضَتْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الْعَصْرُ ، فَتَعَلَّقَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الْمَغْرِبُ ؛ فَلِأَنَّهَا وِتْرٌ بَيْنَ أَشْفَاعٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الْعِشَاءُ ؛ فَلِأَنَّهَا وُسْطَى صَلَاةِ اللَّيْلِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الصُّبْحُ ؛ فَلِأَنَّهَا فِي وَقْتٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ غَيْرُهُمَا : هِيَ مَشْهُودَةٌ ، وَالْعَصْرُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا فَتَزِيدُ الصُّبْحُ عَلَيْهَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ .
وَالثَّانِي : أَنَّ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ
: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى غَيْرُ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَيُعَارِضُ حَدِيثَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهَا كَانَتْ وُسْطَى بَيْنَ مَا فَاتَ وَبَقِيَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الْجُمُعَةُ : فَلِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِشُرُوطٍ زَائِدَةٍ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهَا وَفَضْلِهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ، فَلِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيحِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَبَّأَهَا فِي الصَّلَوَاتِ كَمَا خَبَّأَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ ، وَخَبَّأَ السَّاعَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَخَبَّأَ الْكَبَائِرَ فِي السَّيِّئَاتِ ؛ لِيُحَافِظَ الْخَلْقُ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، وَيَقُومُوا جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَيَلْزَمُوا الذِّكْرَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ كُلِّهِ ، وَيَجْتَنِبُوا جَمِيعَ الْكَبَائِرِ وَالسَّيِّئَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةٌ ؛ وَهِيَ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ إنَّمَا يُعَدُّ فِي عَدَدٍ وِتْرٍ ؛ لِيَكُونَ الْوَسَطُ شَفْعًا يُحِيطُ بِهِ مِنْ جَانِبَيْهِ ؛ وَإِذَا عُدَّتْ الصَّلَوَاتُ الْوَاجِبَاتُ سِتًّا لَمْ تَكُنْ الْوَاحِدَةُ وَسَطًا ؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ جِهَةٍ ، وَبَيْنَ ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ مِنْ أُخْرَى ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ مُعْتَبَرٌ بِالْعَدَدِ أَوْ بِالْوَقْتِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِهِ دَلِيلٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْقُنُوتَ يَرِدُ عَلَى مَعَانٍ ، أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعٌ : الْأَوَّلُ : الطَّاعَةُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : الْقِيَامُ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَرَأَ : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ } .
الثَّالِثُ : إنَّهُ السُّكُوتُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَفِي الصَّحِيحِ قَالَ زَيْدٌ : " كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ " .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْقُنُوتَ الْخُشُوعُ .
وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا مُرَادًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافُرَ فِيهِ إلَّا الْقِيَامُ ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ : وَقُومُوا لِلَّهِ قَائِمِينَ ، إلَّا عَلَى تَكَلُّفٍ .
وَقَدْ صَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ الصُّبْحَ وَقَنَتَ فِيهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا قَالَ : هَذِهِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ، وَقَرَأَ الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَانِتِينَ } وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ؛ لِأَنَّهَا نَصٌّ ثَابِتٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُحْتَمَلٍ سِوَاهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هَاهُنَا السُّكُوتُ ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الْمُصَلِّي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَكَلَّمَهَا سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا ، فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصَّلَاةِ وَلَا زَالَ عَنْ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ ؛ وَهَذَا قَوِيٌّ جِدًّا .
وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الْفِطْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ إذَا وَقَعَ سَهْوًا أَبْطَلَهُ ، فَيُنْتَقَضُ هَذَا الْأَصْلُ .
فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْفِطْرَ ضِدُّ الصَّوْمِ ، وَإِذَا وُجِدَ ضِدُّ الْعِبَادَةِ أَبْطَلَهَا ، كَانَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا كَالْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ مَحْظُورٌ غَيْرُ مُضَادٍّ ، فَكَانَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِالْقَصْدِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ " تَلْخِيصِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ " .
وَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا ، فَإِنْ كَانَ عَابِثًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كَانَ لِإِصْلَاحِهَا كَتَنْبِيهِ الْإِمَامِ جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ .
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ الْمَشْهُورُ الصَّحِيحُ : { تَكَلَّمُوا فِيهِ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ فَفِيهِ الشِّفَاءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ ، وَحَضَرٍ وَسَفَرٍ ، وَقُدْرَةٍ وَعَجْزٍ ، وَخَوْفٍ وَأَمْنٍ ، لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِحَالٍ ، وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى فَرْضِيَّتِهَا اخْتِلَالٌ .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ } .
وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَالِ الْخَوْفِ : { فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } .
{ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفَ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ } ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَفْعَلَ الصَّلَاةَ كَيْفَمَا أَمْكَنَ ، وَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَّفِقْ فِعْلُهَا إلَّا بِالْإِشَارَةِ بِالْعَيْنِ لَلَزِمَ فِعْلُهَا ؛ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَرَكَةِ سَائِرِ الْجَوَارِحِ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى تَمَيَّزَتْ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا تَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ ، وَيُتَرَخَّصُ فِيهَا بِالرُّخَصِ الضَّعِيفَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى : إنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ .
وَقَالُوا فِيهَا : إحْدَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ ، لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا بِبَدَنٍ وَلَا مَالٍ ، يُقْتَلُ تَارِكُهَا ، وَأَصْلُهُ الشَّهَادَتَانِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْقِتَالَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ رِجْزُ الطَّاعُونِ ، وَمَاتَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ ، خَرَجُوا هَارِبِينَ مِنْ الْمَوْتِ ، فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُدَّةً ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ آيَةً ، وَمِيتَةُ الْعُقُوبَةِ بَعْدَهَا حَيَاةٌ ، وَمِيتَةُ الْأَجَلِ لَا حَيَاةَ بَعْدَهَا .
الثَّانِي : رُوِيَ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ فَتَرَكُوهُ وَخَرَجُوا فَارِّينَ مِنْهُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْأَصَحُّ وَالْأَشْهَرُ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إنَّمَا كَانَ فِرَارًا مِنْ الطَّاعُونِ ، وَهَذَا حُكْمٌ بَاقٍ فِي مِلَّتِنَا لَمْ يَتَغَيَّرْ .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ } .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ : أَمَّا الدُّخُولُ فَفِيهِ الْخِلَافُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ صِيَانَةَ النَّفْسِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ مَخُوفٍ وَاجِبٌ .
الثَّانِي : إنَّمَا نَهَى عَنْ دُخُولِهِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ مُهِمَّاتِ دِينِهِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْكَرْبِ وَالْخَوْفِ ، بِمَا يُرَى مِنْ عُمُومِ الْآلَامِ وَشُمُولِ الْأَسْقَامِ .
الثَّالِثُ : مَا يُخَافُ مِنْ السَّخَطِ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِهِ ، وَذَهَابِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ مِنْ الْقَضَاءِ .
الرَّابِعُ : مَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الِاعْتِقَادِ ، كَأَنْ يَقُولَ : لَوْلَا دُخُولِي فِي هَذَا الْبَلَدِ لَمَا نَزَلَ بِي مَكْرُوهٌ .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمَرْضَى مُهْمَلِينَ مَعَ مَا يَنْتَظِمُ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالسَّبْعُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } قَالَ قَوْمٌ مِنْ عُلَمَائِنَا : هَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ وَهُوَ خَطَأٌ ؛ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ .
قَالَ مَالِكٌ : سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ .
قَالَ الْقَاضِي : مَا مِنْ سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا يُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَفِيهَا ، وَأَوَّلُهَا وَأَعْظَمُهَا دِينُ الْإِسْلَامِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } وَزَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَامًا فَقَالَ : { مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَبَعْدَ هَذَا فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ إلَّا يَجُوزُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ وَعَنْهُ ، فَقَدْ صَحَّ الْعُمُومُ وَظَهَرَ تَأْكِيدُ التَّخْصِيصِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ ؟ قُلْنَا : هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ } .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَمَانِينَ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَرْضُ فِي اللُّغَةِ : الْقَطْعُ ، وَالْمَعْنَى مَنْ يَقْطَعُ اللَّهَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ فَيُضَاعَفُ لَهُ ثَوَابُهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ، إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ مَخْصُوصٌ بِالسَّلَفِ عَلَى عَادَةِ الشَّرْعِ فِي أَنْ يَجْرِيَ عَلَى أُسْلُوبِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِ الِاسْمِ بِبَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ ، كَمَا أَنَّ الْقِرَاضَ مَخْصُوصٌ بِالْمُضَارَبَةِ ؛ كَأَنَّ هَذَا سَلَفُ مَالِهِ ، وَهَذَا سَلَفُ عَمَلِهِ فَصَارَا مُتَسَالِفَيْنِ ، فَسُمِّيَ قِرَاضًا ، وَقِيلَ مُتَقَارِضَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَعْرِضِ النَّدْبِ وَالتَّحْضِيضِ عَلَى إنْفَاقِ الْمَالِ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْفُقَرَاءِ الْمُحْتَاجِينَ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنُصْرَةِ الدِّينِ ، وَكَنَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ الْعَلِيَّةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ الْحَاجَاتِ تَرْغِيبًا فِي الصَّدَقَةِ ، كَمَا كَنَّى عَنْ الْمَرِيضِ وَالْجَائِعِ وَالْعَاطِشِ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْآلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي ، يَقُولُ : وَكَيْفَ تَمْرَضُ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ وَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ ، وَيَقُولُ : جَاعَ عَبْدِي فُلَانٌ وَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتنِي عِنْدَهُ ، وَيَقُولُ : عَطِشَ عَبْدِي فُلَانٌ وَلَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ } .
وَهَذَا كُلُّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيفِ لِمَنْ كَنَّى عَنْهُ تَرْغِيبًا لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ قَوْمٌ : الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فَهَذَا الْجِهَادُ بِالْبَدَنِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } فَهَذَا الْجِهَادُ بِالْمَالِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا } .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مَا قَالَهُ الْحَسَنُ مِنْ أَنَّهُ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ كُلِّهَا وَلَا يَرُدُّ عُمُومَهُ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْرِ الْجِهَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : انْقَسَمَ الْخَلْقُ بِحُكْمِ الْخَالِقِ وَحِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حِينَ سَمِعُوا هَذِهِ الْآيَةَ أَقْسَامًا وَتَفَرَّقُوا فِرَقًا ثَلَاثَةً : الْفِرْقَةُ الْأُولَى : الرَّذْلَى ، قَالُوا : إنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ إلَيْنَا ، وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ؛ وَهَذِهِ جَهَالَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : { لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا } وَالْعَجَبُ مِنْ مُعَانَدَتِهِمْ مَعَ خِذْلَانِهِمْ ؛ وَفِي التَّوْرَاةِ نَظِيرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ .
الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا سَمِعَتْ هَذَا الْقَوْلَ آثَرَتْ الشُّحَّ وَالْبُخْلَ ، وَقَدَّمَتْ الرَّغْبَةَ فِي الْمَالِ ؛ فَمَا أَنْفَقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا فَكَّتْ أَسِيرًا ، وَلَا أَغَاثَتْ أَحَدًا ، تَكَاسُلًا عَنْ الطَّاعَةِ وَرُكُونًا إلَى هَذِهِ الدَّارِ .
الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا سَمِعَتْ بَادَرَتْ إلَى امْتِثَالِهِ ، وَآثَرَ الْمُجِيبُ مِنْهُمْ بِسُرْعَةٍ بِمَالِهِ ، أَوَّلُهُمْ أَبُو الدَّحْدَاحِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ أَلَا أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ مِمَّا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا ، وَلِي أَرْضَانِ : أَرْضٌ بِالْعَالِيَةِ وَأَرْضٌ بِالسَّافِلَةِ ، وَقَدْ جَعَلْت خَيْرَهُمَا صَدَقَةً .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَمْ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ } .
فَانْظُرُوا إلَى حُسْنِ فَهْمِهِ فِي قَوْلِهِ : يَسْتَقْرِضُ مِمَّا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا ، وَجُودِهِ بِخَيْرِ مَالِهِ وَأَفْضَلِهِ ؛ فَطُوبَى لَهُ ، طُوبَى لَهُ ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ ، ثُمَّ طُوبَى لَهُ ،
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : الْقَرْضُ يَكُونُ مِنْ الْمَالِ وَيَكُونُ مِنْ الْعِرْضِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَشْهُورِ الْآثَارِ : { أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ ، كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ تَصَدَّقْت بِعِرْضِي عَلَى عِبَادِك } .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَقْرِضْ مِنْ عِرْضِك لِيَوْمِ فَقْرِك يَعْنِي مَنْ سَبَّك فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ حَقًّا ، وَلَا تُقِمْ عَلَيْهِ حَدًّا ، حَتَّى تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوَفَّرَ الْأَجْرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِالْعِرْضِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا فَاسِدٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الثَّلَاثَ تَجْرِي مَجْرًى وَاحِدًا فِي كَوْنِهَا بِاحْتِرَامِهَا حَقًّا لِلْآدَمِيِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إنَّ الْمَاءَ طَعَامٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ } وَإِذَا كَانَ طَعَامًا كَانَ قُوتًا لِبَقَائِهِ وَاقْتِيَاتِ الْبَدَنِ بِهِ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الرِّبَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ وَلِمَ لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَهُوَ أَجَلُّ الْأَقْوَاتِ ، وَإِنَّمَا هَانَ لِعُمُومِ وُجُودِهِ ، وَإِنَّمَا عَمَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهُ بِفَضْلِهِ ؛ لِعَظِيمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَمِنْ شَرَفِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّهُ مُهَيَّأٌ مَخْلُوقٌ عَلَى صِفَةٍ لَا صَنْعَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا لَا أَوَّلًا وَلَا آخِرًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ قَالَ : إنْ شَرِبَ عَبْدِي مِنْ الْفُرَاتِ فَهُوَ حُرٌّ ؛ فَلَا يُعْتَقُ إلَّا أَنْ يَكْرَعَ فِيهِ ؛ فَإِنْ شَرِبَ بِيَدِهِ أَوْ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْكَرْعِ فِي النَّهْرِ وَبَيْنَ الشُّرْبِ بِالْيَدِ .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِذَا أَجْرَيْنَا الْأَيْمَانَ عَلَى الْأَلْفَاظِ ، وَقُلْنَا بِهِ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ يَنْطَلِقُ عَلَى كُلِّ هَيْئَةٍ وَصِفَةٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مِنْ غَرْفٍ بِالْيَدِ أَوْ كَرْعٍ بِالْفَمِ انْطِلَاقًا وَاحِدًا ، فَإِذَا وُجِدَ الشُّرْبُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لُغَةً وَحَقِيقَةً حَنِثَ فَاعِلُهُ .
وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا لَزِمَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِعْيَارًا لِعَزَائِمِهِمْ وَإِظْهَارَ صَبْرِهِمْ فِي اللِّقَاءِ ؛ فَكَانَ مَنْ كَسَرَ شَهْوَتَهُ عَنْ الْمَاءِ ، وَغَلَبَ نَفْسَهُ عَلَى الْإِمْعَانِ فِيهِ إلَّا غَرْفَةً وَاحِدَةً يُطْفِئُ بِهَا سَوْرَتَهُ ، وَيُسْكِنُ غَلِيلَهُ ، مَوْثُوقًا بِهِ فِي الثَّبَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ فِي الْحَرْبِ وَكَسْرِ النَّفْسِ عَنْ الْفِرَارِ عَنْ الْقِتَالِ ، وَبِالْعَكْسِ مَنْ كَرَعَ فِي النَّهْرِ وَاسْتَوْفَى الشُّرْبَ مِنْهُ ، وَهَذَا مَنْزَعٌ مَعْلُومٌ لَيْسَ مِنْ الْيَمِينِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدَرٍ .
قَوْله تَعَالَى : { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قِيلَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُقَرُّونَ عَلَى الْجِزْيَةِ ؛ وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مَنْ رَأَى قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ جِنْسٍ تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ ؛ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ إذَا لَمْ يَعِشْ لَهَا وَلَدٌ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إنْ عَاشَ أَنْ تُهَوِّدَهُ تَرْجُو بِهِ طُولَ عُمُرِهِ ، فَلَمَّا أَجْلَى اللَّهُ تَعَالَى بَنِي النَّضِيرِ قَالُوا : كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَبْنَائِنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ : { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ }
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : ( لَا إكْرَاهَ ) : عُمُومٌ فِي نَفْيِ إكْرَاهِ الْبَاطِلِ ؛ فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ مِنْ الدِّينِ ؛ وَهَلْ يُقْتَلُ الْكَافِرُ إلَّا عَلَى الدِّينِ ؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ جَازَ الْإِكْرَاهُ بِالدِّينِ عَلَى الْحَقِّ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُكْرَهِ أَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ مَا أَظْهَرَ ؟ .
الْجَوَابُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو الْخَلْقَ إلَيْهِ ، وَيُوَضِّحُ لَهُمْ السَّبِيلَ ، وَيُبَصِّرُهُمْ الدَّلِيلَ ، وَيَحْتَمِلُ الْإِذَايَةَ وَالْهَوَانَ فِي طَرِيقِ الدَّعْوَةِ وَالتَّبْيِينِ ، حَتَّى قَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ ، وَاصْطَفَى اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ ، وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ ؛ فَالْتَفَّتْ كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ ، وَائْتَلَفَتْ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، ثُمَّ نَقَلَهُ مِنْ حَالِ الْإِذَايَةِ إلَى الْعِصْمَةِ ، وَعَنْ الْهَوَانِ إلَى الْعِزَّةِ ، وَجَعَلَ لَهُ أَنْصَارًا بِالْقُوَّةِ ، وَأَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ بِالسَّيْفِ ؛ إذْ مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَكَانَ مِنْ الْإِنْذَارِ مَا حَصَلَ بِهِ الْإِعْذَارُ .
جَوَابٌ ثَانٍ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْخَذُونَ أَوَّلًا كُرْهًا ، فَإِذَا ظَهَرَ الدِّينُ وَحَصَلَ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَمَّتْ الدَّعْوَةُ فِي الْعَالَمِينَ حَصَلَتْ لَهُمْ بِمُثَافَنَتِهِمْ وَإِقَامَةِ الطَّاعَةِ مَعَهُمْ النِّيَّةُ ؛ فَقَوِيَ اعْتِقَادُهُ ، وَصَحَّ فِي الدِّينِ وِدَادُهُ ، إنْ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَوْفِيقٌ ، وَإِلَّا أَخَذْنَا بِظَاهِرِهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمًا ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْرِيعٌ كَثِيرٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ " الْإِكْرَاهُ مِنْ الْمَسَائِلِ " ، وَسَتَأْتِي مِنْهَا مَسْأَلَةُ إكْرَاهِ الطَّلَاقِ وَالْكُفْرِ فِي قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي بِالْقِنْوِ مِنْ الْحَشَفِ فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الْفُقَرَاءُ ، فَنَزَلَتْ : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِالنَّفَقَةِ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا صَدَقَةُ الْفَرْضِ ؛ قَالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ صَدَقَةٍ ؛ فَمَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي الْفَرْضِ تَعَلَّقَ بِأَنَّهَا مَأْمُورٌ بِهَا ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَبِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الرَّدِيءِ ، وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْفَرْضِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ فِي التَّطَوُّعِ .
الثَّانِي : أَنَّ لَفْظَ ( أَفْعِلْ ) صَالِحٌ لِلنَّدْبِ صَلَاحِيَّتُهُ لِلْفَرْضِ ، وَالرَّدِيءُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي النَّفْلِ ، كَمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْفَرْضِ ، إلَّا أَنَّهُ فِي التَّطَوُّعِ نَدْبٌ فِي " ( أَفْعِلْ ) مَكْرُوهٌ فِي " لَا تَفْعَلْ " وَفِي الْفَرْضِ وَاجِبٌ فِي " ( أَفْعِلْ ) حَرَامٌ فِي " لَا تَفْعَلْ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا } لَفْظٌ يَخْتَصُّ بِالدُّيُونِ الَّتِي لَا يُتَسَامَحُ فِي اقْتِضَاءِ الرَّدِيءِ فِيهَا عَنْ الْجَيِّدِ ، وَلَا فِي أَخْذِ الْمَعِيبِ عَنْ السَّلِيمِ ، إلَّا بِإِغْمَاضٍ ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَازِلَةً فِي الْفَرْضِ لَمَا قَالَ : { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } لِأَنَّ الرَّدِيءَ وَالْمَعِيبَ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ فِي الْفَرْضِ بِحَالٍ ، لَا مَعَ تَقْدِيرِ الْإِغْمَاضِ وَلَا مَعَ عَدَمِهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِإِغْمَاضٍ فِي النَّفْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { مَا كَسَبْتُمْ } يَعْنِي : التِّجَارَةَ { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } يَعْنِي النَّبَاتَ .
وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ الِاكْتِسَابَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَطْنِ الْأَرْضِ وَهُوَ النَّبَاتَاتُ كُلُّهَا ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ الْمُحَاوَلَةِ عَلَى الْأَرْضِ كَالتِّجَارَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْمُغَاوَرَةِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ ، وَالِاصْطِيَادِ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَغْنِيَاءَ مِنْ عِبَادِهِ بِأَنْ يُؤْتُوا الْفُقَرَاءَ مِمَّا آتَاهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ نَبَاتٍ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ نِصَابٍ وَلَا تَخْصِيصٍ بِقُوتٍ ، وَعَضَّدُوهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } .
وَهَذَا لَا مُتَعَلِّقَ فِيهِ مِنْ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ مَحَلِّ الزَّكَاةِ لَا لِبَيَانِ نِصَابِهَا ، أَوْ مِقْدَارِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّصَابَ بِقَوْلِهِ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَتَقَصَّيْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةٌ ؛ وَهِيَ مَعْرِفَةُ مَعْنَى الْخَبِيثِ ، فَإِنَّ جَمَاعَةً قَالُوا : إنَّ الْخَبِيثَ هُوَ الْحَرَامُ ، وَزَلَّ فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ فَقَالَ : الْخَبِيثُ كُلُّ شَيْءٍ فَاسِدٍ ، وَأَخَذَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّجِيعِ خَبِيثًا .
وَقَالَ يَعْقُوبُ : الْخَبِيثُ : الْحَرَامُ ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلُّغَةِ بِالشَّرْعِ ، وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَبِيثَ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ } .
الثَّانِي : مَا تُنْكِرُهُ النَّفْسُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا صَدَقَةُ الْفَرْضِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ : جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ صَدَقَةَ الْعَلَانِيَةِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا ، وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْعَلَانِيَةِ فِي الْفَرْضِ تَفْضُلُ صَدَقَةَ السِّرِّ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ إظْهَارَهَا أَفْضَلُ ، كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَسَائِرِ فَرَائِضِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ يُحْرِزُ بِهَا إسْلَامَهُ ، وَيَعْصِمُ مَالَهُ .
وَلَيْسَ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ عَلَى السِّرِّ وَلَا فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْعَلَانِيَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ الْإِجْمَاعُ الثَّابِتُ .
فَأَمَّا صَدَقَةُ النَّفْلِ فَالْقُرْآنُ صَرَّحَ بِأَنَّهَا فِي السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْجَهْرِ ؛ بَيْدَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إنَّ هَذَا عَلَى الْغَالِبِ مَخْرَجُهُ .
وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْحَالَ فِي الصَّدَقَةِ تَخْتَلِفُ بِحَالِ الْمُعْطِي لَهَا ، وَالْمُعْطَى إيَّاهَا ، وَالنَّاسِ الشَّاهِدِينَ لَهَا .
أَمَّا الْمُعْطِي فَلَهُ فَائِدَةُ إظْهَارِ السُّنَّةِ وَثَوَابِ الْقُدْرَةِ ، وَآفَتُهَا الرِّيَاءُ وَالْمَنُّ وَالْأَذَى .
وَأَمَّا الْمُعْطَى إيَّاهَا فَإِنَّ السِّرَّ أَسْلَمُ لَهُ مِنْ احْتِقَارِ النَّاسِ لَهُ أَوْ نِسْبَتِهِ إلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا مَعَ الْغِنَى عَنْهَا وَتَرَكَ التَّعَفُّفَ .
وَأَمَّا حَالُ النَّاسِ فَالسِّرُّ عَنْهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ لَهُمْ ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا طَعَنُوا عَلَى الْمُعْطِي لَهَا بِالرِّيَاءِ ، وَعَلَى الْآخِذِ لَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ ؛ وَلَهُمْ فِيهَا تَحْرِيكُ الْقُلُوبِ إلَى الصَّدَقَةِ ،
لَكِنَّ هَذَا الْيَوْمَ قَلِيلٌ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَصَدَّقُوا إلَّا عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ } ، فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْك هُدَاهُمْ } الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا لَا يَرْضَخُونَ لِقَرَابَاتِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَوَّلَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ .
الثَّانِي : { أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ أُمَّيْ قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : صِلِي أُمَّك } ؛ فَإِنَّمَا شَكُّوا فِي جَوَازِ الْمُوَالَاةِ لَهُمْ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : لَا تُصْرَفُ إلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفَرْضِ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ } .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُصْرَفُ إلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ ؛ لِحَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الرُّهْبَانَ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ ؛ وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا صَدَقَةُ طُهْرٍ وَاجِبَةٌ ، فَلَا تُصْرَفُ إلَى الْكَافِرِ كَصَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ هَذَا الْيَوْمِ يَعْنِي يَوْمَ الْفِطْرِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا كَانَ مُسْلِمًا عَاصِيًا فَلَا خِلَافَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفَرْضِ تُصْرَفُ إلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتْرُكُ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فَلَا تُصْرَفُ إلَيْهِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَتُوبَ ، وَسَائِرُ الْمَعَاصِي تُصْرَفُ الصَّدَقَةُ إلَى مُرْتَكِبِهَا لِدُخُولِهِمْ فِي اسْمِ الْمُسْلِمِينَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَدَفَعَهَا ، فَقِيلَ تَصَّدَّقُ عَلَى سَارِقٍ ؟ فَقَالَ : عَلَى سَارِقٍ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى : لَعَلَّهُ يَسْتَعِفُّ عَنْ سَرِقَتِهِ } الْحَدِيثَ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّمَانُونَ .
قَوْله تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا } سَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْفَقْرِ فِي آيَةِ الصَّدَقَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَنْ هُمْ ؟ قِيلَ : هُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَيُحْكَى عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ ، وَمَعْنَاهُ صَدَقَةُ الْفَرْضِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ } قِيلَ : هُوَ الْخُشُوعُ .
وَقِيلَ : الْخَصَاصَةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْخُشُوعَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الْغِنَى قَالَ تَعَالَى : { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } فَعَمَّ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، وَإِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ ، وَلَا يَفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْوَاجِبُ عَلَى مُعْطِي الصَّدَقَةِ كَانَ إمَامًا أَوْ مَالِكًا أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَالَ النَّاسِ ، فَمَنْ عَلِمَ فِيهِ صَبْرًا عَلَى الْخَصَاصَةِ وَتَحَلِّيًا بِالْقَنَاعَةِ آثَرَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ ، فَرُبَّمَا وَقَعَ فِي التَّسَخُّطِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : { إلْحَافًا } مَعْنَاهُ الشُّمُولُ بِالْمَسْأَلَةِ إمَّا لِلنَّاسِ ، وَإِمَّا فِي الْأَمْوَالِ ؛ فَيَسْأَلُ مِنْ النَّاسِ جَمَاعَةً ، وَيَسْأَلُ مِنْ الْمَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِنَاءُ " لُحِفَ " لِلشُّمُولِ ، وَمِنْهُ اللِّحَافُ ؛ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَشْتَمِلُ بِهِ ، وَنَحْوُهُ الْإِلْحَاحُ ؛ يُقَالُ : أَلْحَفَ فِي الْمَسْأَلَةِ إذَا شَمِلَ رِجَالًا أَوْ مَالًا ، وَأَلَحَّ فِيهَا إذَا كَرَّرَهَا .
وَرَوَى الْمُفَسِّرُونَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَلِيمَ الْحَيِيَّ الْغَنِيَّ النَّفْسِ الْمُتَعَفِّفَ ، وَيُبْغِضُ الْغَنِيَّ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ } .
وَلَمْ يَصِحَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ ، وَلَا عُرِفَ لَهُ سَنَدٌ ، لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا كَارِهٌ فَيُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ } .
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الْأَسَدِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { نَزَلْت أَنَا وَأَهْلِي بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَقَالَ لِي أَهْلِي : اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلْهُ لَنَا شَيْئًا نَأْكُلُهُ ، وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مِنْ حَاجَتِهِمْ فَذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْت عِنْدَهُ رَجُلًا يَسْأَلُهُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا أَجِدُ مَا أُعْطِيك .
فَوَلَّى الرَّجُلُ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَعَمْرُك إنَّك لَتُعْطِي مَنْ شِئْت ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ لَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَلَّا أَجِدَ مَا أُعْطِيهِ ، مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا .
فَقَالَ الْأَسَدِيُّ : لَلَقْحَةٌ لَنَا خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ } .
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَهُوَ مُلْحِفٌ } .
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُلْحِفَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الرَّجُلَ بَعْدَمَا رَدَّهُ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ عَنْ السُّؤَالِ ، إلَّا أَنْ يَسْأَلَ زَائِدًا عَلَى مَا عِنْدَهُ ، وَيُغْنِيهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ؛ فَذَلِكَ جَائِزٌ .
وَسَمِعْت بِجَامِعِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ رَجُلًا يَقُولُ : هَذَا أَخُوكُمْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مَعَكُمْ ، وَلَيْسَ لَهُ ثِيَابٌ يُقِيمُ بِهَا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى رَأَيْت عَلَيْهِ ثِيَابًا جُدُدًا ، فَقِيلَ لِي : كَسَاهُ إيَّاهَا فُلَانٌ لِأَخْذِ الثَّنَاءِ بِهَا .
وَيُكَرِّرُ الْمَسْأَلَةَ إذَا رَدَّهُ الْمَسْئُولُ وَالسَّائِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا سَأَلَهُ إيَّاهُ أَوْ جَاهِلٌ بِحَالِهِ ، فَيُعِيدُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ إعْذَارًا أَوْ إنْذَارًا ثَلَاثًا لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، وَفِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ذَكَرَ مَنْ فَسَّرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الرِّبَا قَالَتْ ثَقِيفٌ : وَكَيْف نَنْتَهِي عَنْ الرِّبَا ، وَهُوَ مِثْلُ الْبَيْعِ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } كِنَايَةٌ عَنْ اسْتِجَابَةٍ فِي الْبَيْعِ وَقَبْضِهِ بِالْيَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُرْبِي قَصْدًا لِمَا يَأْكُلُهُ ، فَعَبَّرَ بِالْأَكْلِ عَنْهُ ، وَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ عَنْ الشَّيْءِ بِفَائِدَتِهِ وَثَمَرَتِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَجَازِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الرِّبَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، وَلَا بُدَّ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ مَزِيدٍ عَلَيْهِ تَظْهَرُ الزِّيَادَةُ بِهِ ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ رِبًا ، أَوْ مُجْمَلَةٌ لَا بَيَانَ لَهَا إلَّا مِنْ غَيْرِهَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ وَيَرْبُونَ ، وَكَانَ الرِّبَا عِنْدَهُمْ مَعْرُوفًا ، يُبَايِعُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إلَى أَجَلٍ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ : أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي ؟ يَعْنِي أَمْ تَزِيدُنِي عَلَى مَالِي عَلَيْك وَأَصْبِرُ أَجَلًا آخَرَ .
فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّبَا ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ ؛ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ كَمَا قُلْنَا لَا تَظْهَرُ الزِّيَادَةُ إلَّا عَلَى مَزِيدٍ عَلَيْهِ ، وَمَتَى قَابَلَ الشَّيْءُ غَيْرَ جِنْسِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ لَمْ تَظْهَرْ الزِّيَادَةُ ، وَإِذَا قَابَلَ جِنْسَهُ لَمْ تَظْهَرْ الزِّيَادَةُ أَيْضًا إلَّا بِإِظْهَارِ الشَّرْعِ ، وَلِأَجْلِ هَذَا صَارَتْ الْآيَةُ مُشْكِلَةً عَلَى الْأَكْثَرِ ، مَعْلُومَةً لِمَنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّورِ الْأَظْهَرِ .
وَقَدْ فَاوَضْت فِيهَا عُلَمَاءَ ، وَبَاحَثْت رُفَعَاءَ ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ أَعْطَى مَا عِنْدَهُ حَتَّى انْتَظَمَ فِيهَا سِلْكُ الْمَعْرِفَةِ بِدُرَرِهِ وَجَوْهَرَتِهِ الْعُلْيَا .
إنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ فَلَمْ يَفْهَمْ مَقَاطِعَ الشَّرِيعَةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْمٍ هُوَ مِنْهُمْ بِلُغَتِهِمْ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابَهُ تَيْسِيرًا مِنْهُ بِلِسَانِهِ وَلِسَانِهِمْ ؛ وَقَدْ كَانَتْ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَعَانِي الْمَعْلُومَةِ ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ فِيهِمَا وَيَعْقِدُونَهُمَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَالْبَاطِلُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، هُوَ الَّذِي لَا يُفِيدُ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ تَنَاوُلِ
الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي صُورَةِ الْعِوَضِ .
وَالتِّجَارَةُ هِيَ مُقَابَلَةُ الْأَمْوَالِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَهُوَ الْبَيْعُ ؛ وَأَنْوَاعُهُ فِي مُتَعَلِّقَاتِهِ بِالْمَالِ كَالْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ ، أَوْ مَا فِي مَعْنَى الْمَالِ كَالْمَنَافِعِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : عَيْنٌ بِعَيْنٍ ، وَهُوَ بَيْعُ النَّقْدِ ؛ أَوْ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَهُوَ السَّلَمُ ، أَوْ حَالٌّ وَهُوَ يَكُونُ فِي التَّمْرِ أَوْ عَلَى رَسْمِ الِاسْتِصْنَاعِ ، أَوْ بَيْعُ عَيْنٍ بِمَنْفَعَةٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ .
وَالرِّبَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ كُلُّ زِيَادَةٍ لَمْ يُقَابِلْهَا عِوَضٌ ؛ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ لِعَيْنِهَا ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ حَرَامًا مَا صَحَّ أَنْ يُقَابِلَهَا عِوَضٌ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهَا عَقْدٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَغَيْرِهَا .
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْعِوَضُ عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَالْعَمَلِ ، وَحَرَّمَ مِنْهُ مَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْبَاطِلِ " .
وَقَدْ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَتَزِيدُ زِيَادَةً لَمْ يُقَابِلْهَا عِوَضٌ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا أَيْ : إنَّمَا الزِّيَادَةُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ آخِرًا مِثْلُ أَصْلِ الثَّمَنِ فِي أَوَّلِ الْعَقْدِ ؛ فَرَدَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ ، وَحَرَّمَ مَا اعْتَقَدُوهُ حَلَالًا عَلَيْهِمْ ، وَأُوضِحَ أَنَّ الْأَجَلَ إذَا حَلَّ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي أُنْظِرَ إلَى الْمَيْسَرَةِ تَخْفِيفًا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا تَظْهَرُ بَعْدَ تَقْدِيرِ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ ، وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَوَلَّى الشَّرْعُ تَقْدِيرَ الْعِوَضِ فِيهِ ، وَهُوَ الْأَمْوَالُ الرِّبَوِيَّةُ ، فَلَا تَحِلُّ الزِّيَادَةُ فِيهِ .
وَأَمَّا الَّذِي وَكَّلَهُ إلَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَالزِّيَادَةُ فِيهِ عَلَى قَدْرِ مَالِيَّةِ الْعِوَضَيْنِ عِنْدَ التَّقَابُلِ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ
فَهُوَ حَلَالٌ بِإِجْمَاعٍ .
وَمِنْهُ مَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ ؛ وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ ، فَأَمْضَاهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَعَدُّوهُ مِنْ فَنِّ التِّجَارَةِ ، وَرَدَّهُ الْمُتَأَخِّرُونَ بِبَغْدَادَ وَنُظَرَائِهَا وَحَدُّوا الْمَرْدُودَ بِالثُّلُثِ .
وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ عِلْمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ مَاضٍ ؛ لِأَنَّهُمَا يَفْتَقِرَانِ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَإِنْ وَقَعَ عَنْ جَهْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنَّ الْآخَرَ بِالْخِيَارِ ، وَفِي مِثْلِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ { أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا بَايَعْت فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ } .
زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ : { وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا } ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَهَذَا أَصْلُ عِلْمِ هَذَا الْبَابِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَنْكَرْتُمْ الْإِجْمَالَ فِي الْآيَةِ ، وَمَا أَوْرَدْتُمُوهُ مِنْ الْبَيَانِ وَالشُّرُوطِ هُوَ بَيَانُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ مُبَيَّنًا ، وَلَا يُوجَدُ عَنْهَا مِنْ الْقَوْلِ ظَاهِرًا .
قُلْنَا : هَذَا سُؤَالُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ ، وَلَا أَلْقَى إلَيْهِ السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، وَقَدْ تَوَضَّحَ فِي مَسَائِلِ الْكَلَامِ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ أَوْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ جَاءَ فِيهِ بِلِسَانِهِمْ ، فَقَدْ أَطْلَقَ لَهُمْ حِلَّ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ بَيْعٍ وَتِجَارَةٍ وَيَعْلَمُونَهُ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الرِّبَا وَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَيَعْلَمُونَهُ وَيَتَسَامَحُونَ فِيهِ ؛ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْحَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ زِيَادَةً فِيمَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ عَقْدٍ أَوْ عِوَضٍ لَمْ يَكُنْ
عِنْدَهُمْ جَائِزًا ، فَأَلْقَى إلَيْهِمْ وُجُوهَ الرِّبَا الْمُحَرَّمَةِ فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ ، وَثَمَنُ الْأَشْيَاءِ مَعَ الْجِنْسِ مُتَفَاضِلًا ، وَأَلْحَقَ بِهِ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَالْبَيْعَ وَالسَّلَفَ ، وَبَيَّنَ وُجُوهَ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ كُلِّهِ أَوْ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ شَرْعًا فِيمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَبَيْعِ الْغِشِّ ، وَلَمْ يَبْقَ فِي الشَّرِيعَةِ بَعْدَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ بَيَانٌ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ فِي الْبَابِ ، وَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمَا عَلَى الْجَوَازِ ؛ إلَّا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لَا يَصِحُّ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مَعْنًى نَهَى عَنْهَا } .
الْأَوَّلُ وَالثَّانِي : ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ جِنْسًا بِجِنْسٍ ، وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ : بَيْعُ الْمُقْتَاتِ أَوْ ثَمَنُ الْأَشْيَاءِ جِنْسًا بِجِنْسٍ مُتَفَاضِلًا ، أَوْ جِنْسًا بِغَيْرِ جِنْسِهِ نَسِيئَةً ، أَوْ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، أَوْ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، أَوْ بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، أَوْ عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ ؛ وَهَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الرِّبَا ، وَهُوَ مِمَّا تَوَلَّى الشَّرْعُ تَقْدِيرَ الْعِوَضِ فِيهِ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ .
الثَّامِنُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ .
التَّاسِعُ بَيْعُ الْغَرَرِ ، وَرَدُّ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْحَصَاةِ ، وَبَيْعُ الثُّنْيَا ، وَبَيْعُ الْعُرْبَانِ وَمَا لَيْسَ عِنْدَك ، وَالْمَضَامِينِ ، وَالْمَلَاقِيحِ ، وَحَبَلُ حَبَلَةٍ .
وَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِمَا مِنْ وَجْهٍ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَبَيْعُ السُّنْبُلِ حَتَّى يَشْتَدَّ ، وَالْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَهُوَ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَبَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاصَرَةِ ، وَبَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَرِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ ، وَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَشُحُومِهَا ، وَثَمَنِ الدَّمِ ،
وَبَيْعُ الْأَصْنَامِ ، وَعَسْبِ الْفَحْلِ ، وَالْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ ، وَكَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ، وَبَيْعُ الْمُضْطَرِّ ، وَبَيْعُ الْوَلَاءِ ، وَبَيْعُ الْوَلَدِ أَوْ الْأُمِّ فَرْدَيْنِ ، أَوْ الْأَخِ وَالْأَخِ فَرْدَيْنِ ، وَكِرَاءُ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّجَشِ ، وَبَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَخِطْبَتُهُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَحَاضِرٌ لِبَادٍ ، وَتَلَقِّي السِّلَعِ وَالْقَيْنَاتِ .
فَهَذِهِ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مَعْنًى حَضَرَتْ الْخَاطِرَ مِمَّا نَهَى عَنْهُ أَوْرَدْنَاهَا حَسَبَ نَسَقِهَا فِي الذِّكْرِ .
وَهِيَ تَرْجِعُ فِي التَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ إلَى سَبْعَةِ أَقْسَامٍ : مَا يَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الْعَقْدِ ، وَمَا يَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَمَا يَرْجِعُ إلَى الْعِوَضَيْنِ ، وَإِلَى حَالِ الْعَقْدِ ، وَالسَّابِعُ وَقْتُ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، أَوْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لِلصَّلَاةِ .
وَلَا تَخْرُجُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ وَهِيَ الرِّبَا ، وَالْبَاطِلُ ، وَالْغَرَرُ .
وَيَرْجِعُ الْغَرَرُ بِالتَّحْقِيقِ إلَى الْبَاطِلِ فَيَكُونُ قِسْمَيْنِ عَلَى الْآيَتَيْنِ ، وَهَذِهِ الْمَنَاهِي تَتَدَاخَلُ وَيَفْصِلُهَا الْمَعْنَى .
وَمِنْهَا أَيْضًا مَا يَدْخُلُ فِي الرِّبَا وَالتِّجَارَةِ ظَاهِرًا ، وَمِنْهَا مَا يَخْرُجُ عَنْهَا ظَاهِرًا ؛ وَمِنْهَا مَا يَدْخُلُ فِيهَا بِاحْتِمَالٍ ، وَمِنْهَا مَا يُنْهَى عَنْهَا مَصْلَحَةً لِلْخَلْقِ وَتَأَلُّفًا بَيْنَهُمْ لِمَا فِي التَّدَابُرِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا عَلَى قِسْمَيْنِ : زِيَادَةٌ فِي الْأَمْوَالِ الْمُقْتَاتَةِ وَالْأَثْمَانِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي سَائِرِهَا ؛ وَذَكَرْنَا حُدُودَهَا ؛ وَبَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا فِيمَا جُعِلَ التَّقْدِيرُ فِيهِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ جَائِزٌ بِعِلْمِهِمَا ؛ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الرِّبَا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَيُّمَا رَجُلٍ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ ، حَتَّى يَرْضَى مِنْهَا " ؛ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَمْنُوعِ الدَّاخِلِ فِي عُمُومِ التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ انْتَهَى الْقَوْلُ فِي هَذَا الْغَرَضِ هَاهُنَا وَشَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَمِنْهُ مَا تَيَسَّرَ عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنْ الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ : وَهِيَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } ذَهَبَ بَعْضُ الْغُلَاةِ مِنْ أَرْبَابِ الْوَرَعِ إلَى أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ إذَا خَالَطَهُ حَرَامٌ حَتَّى لَمْ يَتَمَيَّزْ ، ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهُ مِقْدَارُ الْحَرَامِ الْمُخْتَلِطِ بِهِ لَمْ يَحِلَّ ، وَلَمْ يَطِبْ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُخْرِجَ هُوَ الْحَلَالُ ، وَاَلَّذِي بَقِيَ هُوَ الْحَرَامُ ، وَهُوَ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ مَالِيَّتُهُ لَا عَيْنُهُ ، وَلَوْ تَلِفَ لَقَامَ الْمِثْلُ مَقَامَهُ ، وَالِاخْتِلَاطُ إتْلَافٌ لِتَمَيُّزِهِ ، كَمَا أَنَّ الْإِهْلَاكَ إتْلَافٌ لِعَيْنِهِ ، وَالْمِثْلُ قَائِمٌ مَقَامَ الذَّاهِبِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ حِسًّا بَيِّنٌ مَعْنًى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الرِّبَا عِنْدَ ذِكْرِ الْآيَةِ قَبْلَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِهَا : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا رِبَا الدَّيْنِ خَاصَّةً ، وَفِيهِ يَكُونُ الْإِنْظَارُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَالنَّخَعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ دَيْنٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ .
الثَّالِثُ : قَالَ مُتَأَخِّرُو عُلَمَائِنَا : هُوَ نَصٌّ فِي دَيْنِ الرِّبَا ، وَغَيْرُهُ مِنْ الدُّيُونِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ فِي دَيْنِ الرِّبَا فَضَعِيفٌ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهَا خَاصًّا ، فَإِنَّ آخِرَهَا عَامٌّ ، وَخُصُوصُ أَوَّلِهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ عُمُومِ آخِرِهَا ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْعَامُّ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ نَصٌّ فِي الرِّبَا ، وَغَيْرُهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ قَدْ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ : { لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } قُلْنَا : سَنَتَكَلَّمُ عَلَى الْآيَةِ فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : وَبِمَ تُعْلَمُ الْعُسْرَةُ ؟ قُلْنَا : بِأَنْ لَا نَجِدَ لَهُ مَالًا ؛ فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ : خَبَّأَ مَالًا .
قُلْنَا لِلْمَطْلُوبِ : أَثْبِتْ عَدَمَك ظَاهِرًا وَيَحْلِفُ بَاطِنًا ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مَا الْمَيْسَرَةُ الَّتِي يُؤَدَّى بِهَا الدَّيْنُ ؟ : وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
تَحْرِيرُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا : أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ الْأَيَّامَ وَكِسْوَةُ لِبَاسِهِ وَرُقَادِهِ ، وَلَا تُبَاعُ ثِيَابُ جُمُعَتِهِ ، وَيُبَاعُ خَاتَمُهُ ، وَتَفْصِيلُ الْفُرُوعِ فِي الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الصَّدَقَةُ عَلَى الْمُعْسِرِ قُرْبَةٌ ؛ وَذَلِكَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ إنْظَارِهِ إلَى الْمَيْسَرَةِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى حُذَيْفَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَلَقَّتْ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، قَالُوا : عَمِلْت مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : كُنْت آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُوسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنْ الْمُعْسِرِ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : تَجَاوَزُوا عَنْهُ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ : كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ } ؛ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّمَانُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } هِيَ آيَةٌ عُظْمَى فِي الْأَحْكَامِ ، مُبَيِّنَةٌ جُمَلًا مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَهِيَ أَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ ، جِمَاعُهَا عَلَى اخْتِصَارٍ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْغَرَضِ دُونَ الْإِكْثَارِ فِي الثِّنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ الدَّيْنِ : هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا وَالْآخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً ، فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا كَانَ حَاضِرًا ، وَالدَّيْنُ مَا كَانَ غَائِبًا قَالَ الشَّاعِرُ : وَعَدَتْنَا بِدِرْهَمَيْنَا طِلَاءً وَشِوَاءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ وَالْمُدَايَنَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَرْضَاهُ وَالْآخَرُ يَلْتَزِمُهُ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى }
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْمَهْرُ إلَى أَجَلٍ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، وَيَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ؛ وَهَذَا وَهْمٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَهْرِ وَعَلَى الدَّمِ الْمُفْضِي إلَى الصُّلْحِ ، وَالْمَهْرُ فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَالُ فِي الدَّمِ بَيْعٌ ؛ وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ حُكْمِ حَالِ دَيْنٍ مُجَرَّدٍ وَمَالٍ مُفْرَدٍ ؛ فَعَلَيْهِ يُحْمَلُ عُمُومُ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَاكْتُبُوهُ } يُرِيدُ يَكُونُ صَكًّا لِيَسْتَذْكِرَ بِهِ عِنْدَ أَجَلِهِ ؛ لِمَا يُتَوَقَّعُ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُعَامَلَةِ وَبَيْنَ حُلُولِ الْأَجَلِ ، وَالنِّسْيَانُ مُوَكَّلٌ بِالْإِنْسَانِ ، وَالشَّيْطَانُ رُبَّمَا حَمَلَ عَلَى الْإِنْكَارِ ، وَالْعَوَارِضُ مِنْ مَوْتٍ وَغَيْرِهِ تَطْرَأُ ؛ فَشُرِعَ الْكِتَابُ وَالْإِشْهَادُ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ .
وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَوَّلُ مَنْ جَحَدَ آدَم قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَهُ مَسَحَ ظَهْرَهُ ، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَعَرَضَهُمْ عَلَيْهِ ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا ابْنُك دَاوُد .
قَالَ : كَمْ عُمُرُهُ ؟ قَالَ : سِتُّونَ سَنَةً .
قَالَ : رَبِّ زِدْ فِي عُمُرِهِ .
قَالَ : لَا إلَّا أَنْ تَزِيدَهُ أَنْتَ مِنْ عُمُرِك فَزَادَهُ أَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ ، فَكَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ رُوحَهُ قَالَ : بَقِيَ مِنْ أَجَلِي أَرْبَعُونَ سَنَةً .
فَقِيلَ لَهُ : إنَّك قَدْ جَعَلْتهَا لِابْنِك دَاوُد .
قَالَ : فَجَحَدَ آدَم .
قَالَ : فَأُخْرِجَ إلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، وَأَتَمَّ لِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ وَلِآدَمَ عُمُرَهُ أَلْفَ سَنَةٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { فَاكْتُبُوهُ } إشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَى أَنَّهُ يَكْتُبُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ الْمُبَيَّنَةِ لَهُ الْمُعْرِبَةِ عَنْهُ الْمُعَرِّفَةِ لِلْحَاكِمِ بِمَا يَحْكُمُ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِمَا إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّاسَ لَمَّا كَانُوا يَتَعَامَلُونَ حَتَّى لَا يَشِذَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ الْمُعَامَلَةِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ وَمَنْ لَا يَكْتُبُ ، أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ يُتَّهَمُ فِي الْكِتَابَةِ لِلَّذِي عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَاتِبًا يَكْتُبُ بِالْعَدْلِ ، لَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ وَلَا فِي قَلَمِهِ هَوَادَةٌ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ؛ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكَاتِبِ فِي حَالِ فَرَاغِهِ ؛ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ نَدْبٌ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَمْرُ إرْشَادٍ ؛ فَلَا يَكْتُبُ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا أَمْلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ الْمُقِرُّ بِهِ الْمُلْتَزِمُ لَهُ ، فَلَوْ قَالَ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : لِي كَذَا وَكَذَا لَمْ يَنْفَعْ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ، وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ أَيْضًا نَحْوٌ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُنَّ فِي الَّذِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أَرْحَامُهُنَّ ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ أَيْضًا فِيمَا وَعَاهُ قَلْبُهُ مِنْ عِلْمِ مَا عِنْدَهُ مِمَّا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَازُعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا } أَمَّا السَّفِيهُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْجَاهِلُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الصَّبِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الرَّابِعُ : الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ الْمُفْسِدُ لِدَيْنِهِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَقِيلَ : هُوَ الْأَحْمَقُ ، وَقِيلَ : هُوَ الْأَخْرَسُ أَوْ الْغَبِيُّ ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ الْغَبِيُّ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَمْنُوعُ بِحُبْسَةٍ أَوْ عِيٍّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمَجْنُونُ .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ طَوِيلٌ نُخْبَتُهُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقَّ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ : مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يُمِلُّ ، وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ لَا يُمِلُّونَ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ صِنْفًا وَاحِدًا أَوْ صِنْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ تَعْدِيدَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ كَأَنَّهُ يَخْلُو عَنْ الْفَائِدَةِ ، وَيَكُونُ مِنْ فَنِّ الْمُثَبَّجِ [ مِنْ ] الْقَوْلِ الرَّكِيكِ مِنْ الْكَلَامِ ، وَلَا يَنْبَغِي هَذَا فِي كَلَامٍ حَكِيمٍ ، فَكَيْفَ فِي كَلَامِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ .
فَتَعَيَّنَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مَعْنًى لَيْسَ لِصَاحِبِهِ حَتَّى تَتِمَّ الْبَلَاغَةُ ، وَتَكْمُلَ الْفَائِدَةُ ، وَيَرْتَفِعَ التَّدَاخُلُ الْمُوجِبُ لِلتَّقْصِيرِ ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ السَّفِيهُ وَالضَّعِيفُ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ ، قَرِيبًا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ فِي الْمَعْنَى ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ السَّفِيهَ عَلَى ضَعِيفِ الْعَقْلِ تَارَةً وَعَلَى ضَعِيفِ الْبَدَنِ أُخْرَى ، وَأَنْشَدُوا : مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِمِ أَيْ : اسْتَضْعَفَتْهَا وَاسْتَلَانَتْهَا فَحَرَّكَتْهَا .
وَكَذَلِكَ يُطْلَقُ الضَّعِيفُ عَلَى ضَعِيفِ الْعَقْلِ ، وَعَلَى ضَعِيفِ
الْبَدَنِ ، وَقَدْ قَالُوا : الضُّعْفُ بِضَمِّ الضَّادِ فِي الْبَدَنِ ، وَفَتْحِهَا فِي الرَّأْيِ ، وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ ، وَكُلُّ ضَعِيفٍ لَا يَسْتَطِيعُ مَا يَسْتَطِيعُهُ الْقَوِيُّ ؛ فَثَبَتَ التَّدَاخُلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ .
وَتَحْرِيرُهَا الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ الْكَلَامُ وَيَصِحُّ مَعَهُ النِّظَامُ أَنَّ السَّفِيهَ هُوَ الْمُتَنَاهِي فِي ضَعْفِ الْعَقْلِ وَفَسَادِهِ ، كَالْمَجْنُونِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، نَظِيرُهُ الشَّاهِدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُهُ قِلَّةُ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ كَالطِّفْلِ نَظِيرُهُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ فَهُوَ الْغَبِيُّ الَّذِي يَفْهَمُ مَنْفَعَتَهُ لَكِنْ لَا يَلْفِقُ الْعِبَارَةَ عَنْهَا .
وَالْأَخْرَسُ الَّذِي لَا يَتَبَيَّنُ مَنْطِقَهُ عَنْ غَرَضِهِ ؛ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى مَا يَعُودُ ضَمِيرُ وَلِيِّهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : قِيلَ يَعُودُ عَلَى الْحَقِّ ؛ التَّقْدِيرُ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّ الْحَقِّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ؛ التَّقْدِيرُ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ الْمَمْنُوعُ مِنْ الْإِمْلَاءِ بِالسَّفَهِ وَالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْوَلِيِّ فِي الْإِطْلَاقِ ، يُقَالُ : وَلِيُّ السَّفِيهِ وَوَلِيُّ الضَّعِيفِ ، وَلَا يُقَالُ وَلِيُّ الْحَقِّ ، إنَّمَا يُقَالُ صَاحِبُ الْحَقِّ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْوَصِيِّ جَائِزٌ عَلَى يَتِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْلَى فَقَدْ نَفَذَ قَوْلُهُ فِيمَا أَمْلَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنْ تَصَرَّفَ السَّفِيهُ الْمَحْجُورُ دُونَ وَلِيِّ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ فَاسِدٌ إجْمَاعًا مَفْسُوخٌ أَبَدًا ، لَا يُوجِبُ حُكْمًا وَلَا يُؤَثِّرُ شَيْئًا .
وَإِنْ تَصَرَّفَ سَفِيهٌ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ ؛ فَابْنُ الْقَاسِمِ يُجَوِّزُ فِعْلَهُ ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا يُسْقِطُونَهُ .
وَاَلَّذِي أَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ تَصَرَّفَ بِسَدَادٍ نَفَذَ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ سَدَادٍ بَطَلَ .
وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَرُبَّمَا بُخِسَ فِي الْبَيْعِ وَخُدِعَ ، وَلَكِنَّهُ تَحْتَ النَّظَرِ كَائِنٌ ، وَعَلَى الِاعْتِبَارِ مَوْقُوفٌ .
وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ تَصَرُّفِهِ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْهُمْ إلَى الْمُعَامَلَةِ عَامَلَ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِمْلَاءِ أَمْلَى عَنْ نَفْسِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْلَى عَنْهُ وَلِيُّهُ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ بَيِّنٌ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا } اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَوْ نَدْبٌ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَدْبٌ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { شَهِيدَيْنِ } رَتَّبَ اللَّهُ الشَّهَادَاتِ بِحِكْمَتِهِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ وَالْحُدُودِ ، فَجَعَلَهَا فِي كُلِّ فَنٍّ شَهِيدَيْنِ ، إلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ قَرَنَ ثُبُوتَهَا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، تَأْكِيدًا فِي السَّتْرِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النُّورِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ رِجَالِكُمْ } قَالَ مُجَاهِدٌ : أَرَادَ مِنْ الْأَحْرَارِ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَأَطْنَبَ فِيهِ .
وَقِيلَ الْمُرَادُ : مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : ( مِنْ الرِّجَالِ ) كَانَ يُغْنِي عَنْهُ ، فَلَا بُدَّ لِهَذِهِ الْإِضَافَةِ مِنْ خِصِّيصَةٍ ، وَهِيَ إمَّا أَحْرَارُكُمْ وَإِمَّا مُؤْمِنُوكُمْ ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ أَخَصُّ مِنْ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ هِيَ إضَافَةُ الْجَمَاعَةِ ، وَإِلَّا فَمَنْ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الشَّتَاتَ ، وَيُنَظِّمُ الشَّمْلَ النَّظْمَ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ الْإِضَافَةُ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَالِغُونَ مِنْ ذُكُورِكُمْ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ لَا يُقَالُ لَهُ رَجُلٌ ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ لَا يُقَالُ لَهَا رَجُلٌ أَيْضًا .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ ، وَعَيَّنَ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ رِجَالِكُمْ } الْمُسْلِمَ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا قَوْلَ لَهُ ؛ وَعَنَى الْكَبِيرَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا مَحْصُولَ لَهُ .
وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِشْهَادِ الْبَالِغِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ ؛ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَحْفَظُ الشَّهَادَةَ ؛ فَإِذَا أَدَّاهَا وَهُوَ رَجُلٌ جَازَتْ ؛ وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَلَيْسَ لِلْآيَةِ أَثَرٌ فِي شَهَادَةِ الْعَبْدِ يَرِدُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { مِنْ رِجَالِكُمْ } يَقْتَضِي جَوَازَ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى مَا يَتَحَقَّقُهُ وَيَعْلَمُهُ ، فَإِنَّ السَّمْعَ فِي الْأَصْوَاتِ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ كَالْبَصَرِ لِلْأَلْوَانِ ، فَمَا عَلِمَهُ أَدَّاهُ ، كَمَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ بِاللَّمْسِ وَالشَّمِّ ، وَيَأْكُلُ بِالذَّوْقِ ، فَلِمَ لَا يَشْهَدُ عَلَى طَعَامٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَدْ ذَاقَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ رِجَالِكُمْ } جَوَازَ شَهَادَةِ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ ، وَقَدْ مَنَعَهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَالِكٌ فِي مَشْهُورِ قَوْلِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْوُجُوهَ الَّتِي مَنَعَهَا أَشْيَاخُنَا مِنْ أَجْلِهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا مَعَ الْعَدَالَةِ كَشَهَادَةِ الْقَرَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ .
وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ ؛ فَأَمَرَ بِالصِّيَامِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } مِنْ أَلْفَاظِ الْإِبْدَالِ ، فَكَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ شَهَادَةِ الرِّجَالِ ، كَحُكْمِ سَائِرِ إبْدَالِ الشَّرِيعَةِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ؛ وَهَذَا لَيْسَ كَمَا زَعَمَهُ ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّنَا ذَلِكَ لَقَالَ : فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلَانِ فَرَجُلٌ : فَأَمَّا وَقَدْ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فَهَذَا قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ حَالَةَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ بَدَلَ شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَهُ ، فَكَمَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ بِمُطْلَقِ هَذِهِ الْعِوَضِيَّةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } فَقَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْوَاعَ الشَّهَادَةِ وَعَدَّدَهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قِسْمًا ثَالِثًا فِيمَا قَدْ قَسَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِسْمَيْنِ .
وَسَلَكَ عُلَمَاؤُنَا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مَسْلَكَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قِسْمِ الشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ هُنَالِكَ بِالْيَمِينِ ، وَحَطُّ الشَّاهِدِ تَرْجِيحُ جَنْبَةِ الْمُدَّعِي ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ خُرَاسَانَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ إنَّ الْقَوْمَ قَدْ قَالُوا يُقْضَى بِالنُّكُولِ ، وَهُوَ قِسْمٌ ثَالِثٌ لَيْسَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرٌ ، كَذَلِكَ يُحْكَمُ بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ .
وَالْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ أُسْلُوبُ الشَّرْعِ ، وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِمُنَاقَضَةِ الْخَصْمِ ، وَالْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ جُعِلَ أَصْلَهَا وَجُعِلَتْ فَرْعَهُ ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْهُ ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْعَوْجَاءِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا ، وَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا عَلَى عِوَجٍ ، وَقَالَ : وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ نَقْصُ دِينِهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ نَقْصُ عَقْلِهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ : { مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْكُنَّ .
قُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا ؟ قَالَ : أَلَيْسَ تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ اللَّيَالِيَ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي ، وَشَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ عَلَى نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ؟ } .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ نَقْصُ حَظِّهَا فِي الْمِيرَاثِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } السَّادِسُ : أَنَّهَا نَقَصَتْ قُوَّتُهَا ؛ فَلَا تُقَاتِلُ وَلَا يُسْهَمُ لَهَا ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَانٍ حُكْمِيَّةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ نُسِبَ النَّقْصُ إلَيْهِنَّ وَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِنَّ ؟ قُلْنَا : هَذَا مِنْ عَدْلِ اللَّهِ يَحُطُّ مَا شَاءَ وَيَرْفَعُ مَا شَاءَ ، وَيَقْضِي مَا أَرَادَ ، وَيَمْدَحُ وَيَلُومُ وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ؛ وَهَذَا لِأَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ مَنَازِلَ ، وَرَتَّبَهَا مَرَاتِبَ ؛ فَبَيَّنَ ذَلِكَ لَنَا فَعَلِمْنَا وَآمَنَّا بِهِ وَسَلَّمْنَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } هَذَا تَقْيِيدٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ ، وَقَصَرَ الشَّهَادَةَ عَلَى الرِّضَا خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَظِيمَةٌ ؛ إذْ هِيَ تَنْفِيذُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ ؛ فَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَمَائِلُ يَنْفَرِدُ بِهَا ، وَفَضَائِلُ يَتَحَلَّى بِهَا حَتَّى يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ تُوجِبُ لَهُ تِلْكَ الْمَزِيَّةُ رُتْبَةَ الِاخْتِصَاصِ بِقَبُولِ قَوْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيُقْضَى لَهُ بِحُسْنِ الظَّنِّ ، وَيُحْكَمُ بِشُغْلِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِالْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ ، وَيُغَلَّبُ قَوْلُ الطَّالِبِ عَلَى قَوْلِهِ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ فِي دَعْوَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } دَلِيلٌ عَلَى تَفْوِيضِ الْقَبُولِ فِي الشَّهَادَةِ إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ الرِّضَا مَعْنًى يَكُونُ فِي النَّفْسِ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهَا مِنْ الْأَمَارَاتِ عَلَيْهِ ، وَيَقُومُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ ، وَلَا يَكُونُ غَيْرُ هَذَا ؛ فَإِنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ لِغَيْرِهِ لَمَا وَصَلَ إلَيْهِ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ ، وَاجْتِهَادُهُ أَوْلَى مِنْ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ عَلَى مَا خَفِيَ مِنْ الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فِي الشَّهَادَةِ حَتَّى يَقَعَ الْبَحْثُ عَنْ الْعَدَالَةِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْحُدُودِ ؛ وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ تُسْقِطُ كَلَامَهُ وَتُفْسِدُ عَلَيْهِ مَرَامَهُ ، فَيَقُولُ : حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ ، فَلَا يُكْتَفَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِظَاهِرِ الدِّينِ كَالْحُدُودِ ، وَقَدْ مَهَّدْت الْمَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذَا الْقَوْلُ يَقْتَضِي أَلَّا تُقْبَلَ شَهَادَةُ وَلَدٍ لِأَبِيهِ ، وَلَا أَبٍ لِوَلَدِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَلَا كُلِّ ذِي نَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ يُفْضِي إلَى وَصْلَةٍ تَقَعُ بِهَا التُّهْمَةُ ، كَالصَّدَاقَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالْقَرَابَةِ الثَّابِتَةِ .
وَفِي كُلِّ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلَافٌ ، بَيَانُهُ فِي إيضَاحِ دَلَائِلِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، بَيَانُهُ فِي إلْزَامِ وَصْفِ الرِّضَا الْمُشَاهَدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّذِي أَكَّدَهُ بِالْعَدَالَةِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَلَا يَجْتَمِعُ الْوَصْفَانِ حَتَّى تَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا شُرِطَ الرِّضَا وَالْعَدَالَةُ فِي الْمُدَايَنَةِ فَاشْتِرَاطُهَا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ : إنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، فَنَفَى الِاحْتِيَاطَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ النِّكَاحِ ، وَهُوَ أَوْلَى لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَالْجَدِّ وَالنَّسَبِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَقِرَاءَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنْ تَجْعَلَهَا ذِكْرًا ، وَهَذِهِ قِرَاءَةُ التَّخْفِيفِ .
الثَّانِي : أَنْ تُنَبِّهَهَا إذَا غَفَلَتْ وَهِيَ قِرَاءَةُ التَّثْقِيلِ ؛ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّهُ يَعْضُدُهُ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا } وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَعْقُبَ الضَّلَالَ وَالْغَفْلَةَ الذِّكْرُ ، وَيَدْخُلُ التَّأْوِيلُ الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً مَعَ رَجُلٍ فَيُذَكِّرَهَا الرَّجُلُ الَّذِي مَعَهَا إذَا نَسِيَتْ ؛ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ ؟ فَالْجَوَابُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ مَا أَرَادَ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحِكْمَةِ وَأَوْفَى بِالْمَصْلَحَةِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمَ الْخَلْقُ وُجُوهَ الْحِكْمَةِ وَأَنْوَاعَ الْمَصَالِحِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَقَدْ أَشَارَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَوْ ذَكَّرَهَا إذَا نَسِيَتْ لَكَانَتْ شَهَادَةً وَاحِدَةً ، فَإِذَا كَانَتْ امْرَأَتَيْنِ وَذَكَّرَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، كَالرَّجُلِ يَسْتَذْكِرُ فِي نَفْسِهِ فَيَتَذَكَّرُ .
===========================================ج4.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } فَكَرَّرَ قَوْلَهُ : " إحْدَاهُمَا " وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ الْأُخْرَى ، لَكَانَتْ شَهَادَةً وَاحِدَةً ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : فَتُذَكِّرَهَا الْأُخْرَى لَكَانَ الْبَيَانُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لِتَذْكِرَةِ الذَّاكِرَةِ النَّاسِيَةِ ، فَلَمَّا كَرَّرَ إحْدَاهُمَا أَفَادَ تَذْكِرَةَ الذَّاكِرَةِ لِلْغَافِلَةِ وَتَذْكِرَةَ الْغَافِلَةِ لِلذَّاكِرَةِ أَيْضًا لَوْ انْقَلَبَتْ الْحَالُ فِيهِمَا بِأَنْ تَذْكُرَ الْغَافِلَةُ وَتَغْفُلَ الذَّاكِرَةُ ؛ وَذَلِكَ غَايَةٌ فِي الْبَيَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ عَنْ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ إذَا تَحَمَّلُوا .
الثَّانِي : لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ عَنْ الْأَدَاءِ .
الثَّالِثُ : لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ عَنْ التَّحَمُّلِ إذَا حُمِّلُوا وَلَا يَأْبَوْا عَنْ الْأَدَاءِ إذَا تَحَمَّلُوا .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذَا النَّهْيِ عَنْ ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ نَدْبٌ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ مُطْلَقًا ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا حَالَةُ التَّحَمُّلِ لِلشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْأَدَاءِ مُبَيَّنَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } وَإِذَا كَانَتْ حَالَةُ التَّحَمُّلِ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكَافِيَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّ إبَايَةَ النَّاسِ كُلِّهِمْ عَنْهَا إضَاعَةٌ لِلْحُقُوقِ ، وَإِجَابَةُ جَمِيعِهِمْ إلَيْهَا تَضْيِيعٌ لِلْأَشْغَالِ ؛ فَصَارَتْ كَذَلِكَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَعَلَهَا أَهْلُ تِلْكَ الدِّيَارِ وِلَايَةً فَيُقِيمُونَ لِلنَّاسِ شُهُودًا يُعَيِّنُهُمْ الْخَلِيفَةُ وَنَائِبُهُ ، وَيُقِيمُهُمْ لِلنَّاسِ وَيُبْرِزُهُمْ لَهُمْ ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كِفَايَتَهُمْ ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ شُغْلٌ إلَّا تَحَمُّلُ حُقُوقِ النَّاسِ حِفْظًا ، وَإِحْيَاؤُهَا لَهُمْ أَدَاءً .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِالْأُجْرَةِ .
قُلْنَا : إنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ خَالِصَةٌ مِنْ قَوْمٍ اسْتَوْفَوْا حُقُوقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الَّذِي يَمْشِي إلَى الْحَاكِمِ ، وَهَذَا أَمْرٌ انْبَنَى عَلَيْهِ الشَّرْعُ ، وَعُمِلَ بِهِ فِي كُلِّ زَمَنٍ ، وَفَهِمَتْهُ كُلُّ أُمَّةٍ ، وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ : " فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ " .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : كَيْفَمَا تَرَدَّدَتْ الْحَالُ بِالْأَقْوَالِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهَدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَأْبَى ؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِقْلَالَ لَهُ بِنَفْسِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ غَيْرِهِ ، فَانْحَطَّ عَنْ مَنْصِبِ الشَّهَادَةِ كَمَا انْحَطَّ عَنْ مَنْصِبِ الْوِلَايَةِ ، نَعَمْ وَكَمَا انْحَطَّ عَنْهُ فَرْضُ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا فِي حَالَةِ الدُّعَاءِ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِرَجُلٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا مُسْتَحِقُّهَا الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهَا فَقَالَ قَوْمٌ : أَدَاؤُهَا نَدْبٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ الْأَدَاءَ عِنْدَ الدُّعَاءِ ، وَإِذَا لَمْ يُدْعَ كَانَ نَدْبًا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا } .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ أَدَاءَهَا فَرْضٌ ؛ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا } .
فَقَدْ تَعَيَّنَ نَصْرُهُ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ ؛ إحْيَاءً لِحَقِّهِ الَّذِي أَمَاتَهُ الْإِنْكَارُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِهِ } هَذَا تَأْكِيدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِشْهَادِ بِالدَّيْنِ ، تَنْبِيهًا لِمَنْ كَسِلَ ، فَقَالَ : هَذَا قَلِيلٌ لَا أَحْتَاجُ إلَى كَتْبِهِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَالتَّخْصِيصَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ ، وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إلَّا مَا كَانَ مِنْ قِيرَاطٍ وَنَحْوِهِ لِنَزَارَتِهِ وَعَدَمِ تَشَوُّفِ النُّفُوسِ إلَيْهِ إقْرَارًا أَوْ إنْكَارًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } يُرِيدُ أَعْدَلَ يَعْنِي أَنْ يُكْتَبَ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَيُشْهَدَ عَلَيْهِ بِالْعَدْلِ عُمُومُ ذَلِكَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ } يَعْنِي أَدْعَى إلَى ثُبُوتِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَشْهَدَ وَلَمْ يَكْتُبْ رُبَّمَا نَسِيَ الشَّاهِدُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا } بِالشَّاهِدِ إذَا نَسِيَ أَوْ قَالَ خِلَافَ مَا عِنْدَ الْمُتَدَايِنَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا رَأَى الْكِتَابَ فَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ لَا يُؤَدِّيهَا ؛ لِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الرِّيبَةِ فِيهَا وَلَا يُؤَدِّي إلَّا مَا يَعْلَمُ ، لَكِنَّهُ يَقُولُ خُذَا خَطِّي ، وَلَا أَذْكُرُ الْآنَ مَا كَتَبْت فِيهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ فِي " الْمُدَوَّنَةِ " : يُؤَدِّيهَا وَلَا يَنْفَعُ ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ وَالطَّلَاقِ .
الثَّانِي : قَالَ فِي " كِتَابِ مُحَمَّدٍ " : لَا يُؤَدِّيهَا .
الثَّالِثُ : قَالَ مُطَرِّفٌ : يُؤَدِّيهَا وَيَنْفَعُ إذَا لَمْ يَشُكَّ فِي كِتَابٍ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةِ .
وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، وَبَيَّنَّا تَعَلُّقَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ خَطَّهُ فَرْعٌ عَنْ عِلْمِهِ ، فَإِذَا ذَهَبَ عِلْمُهُ ذَهَبَ نَفْعُ خَطِّهِ ، وَأَجَبْنَا بِأَنَّ خَطَّهُ بَدَلُ الذِّكْرَى ، فَإِنْ حَصَلَتْ وَإِلَّا قَامَ مَقَامَهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } قَالَ الشَّعْبِيُّ : الْبُيُوعُ ثَلَاثَةٌ : بَيْعٌ بِكِتَابٍ وَشُهُودٍ ، وَبَيْعٌ بِرِهَانٍ ، وَبَيْعٌ بِأَمَانَةٍ ؛ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ؛ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا بَاعَ بِنَقْدٍ أَشْهَدَ ، وَإِذَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ كَتَبَ وَأَشْهَدَ ، وَكَانَ كَأَبِيهِ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُقْتَدِيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : ظَنَّ مَنْ رَأَى الْإِشْهَادَ فِي الدَّيْنِ وَاجِبًا أَنَّ سُقُوطَهُ فِي بَيْعِ النَّقْدِ رَفْعٌ لِلْمَشَقَّةِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهِ .
وَالظَّاهِرُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ وَاجِبًا ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ بِهِ أَمْرُ إرْشَادٍ لِلتَّوَثُّقِ وَالْمَصْلَحَةِ ، وَهُوَ فِي النَّسِيئَةِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ؛ لِكَوْنِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَاقِيَةً ؛ تَوَثُّقًا لِمَا عَسَى أَنْ يَطْرَأَ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَتَغَيُّرِ الْقُلُوبِ ، فَأَمَّا إذَا تَفَاصَلَا فِي الْمُعَامَلَةِ وَتَقَابَضَا ، وَبَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَيَقِلُّ فِي الْعَادَةِ خَوْفُ التَّنَازُعِ إلَّا بِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ ، وَنَبَّهَ الشَّرْعُ عَلَى هَذِهِ الْمَصَالِحِ فِي حَالَتَيْ النَّسِيئَةِ وَالنَّقْدِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا } يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ الْإِشْهَادِ فِي النَّقْدِ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } أَمْرُ إرْشَادٍ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ جُنَاحًا فِي تَرْكِ الْإِشْهَادِ فِي الدَّيْنِ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَالْجُنَاحُ هَاهُنَا لَيْسَ الْإِثْمَ ، إنَّمَا هُوَ الضَّرَرُ الطَّارِئُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ مِنْ التَّنَازُعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي لَفْظِ ( أَفْعِلْ ) فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ فَرْضٌ ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ نَدْبٌ ؛ قَالَهُ الْكَافَّةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَقَدْ بَاعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَبَ وَنُسْخَةُ كِتَابِهِ : { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لِأَدَاءٍ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ } .
وَقَدْ بَاعَ وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَاشْتَرَى وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا وَاجِبًا لَوَجَبَ مَعَ الرَّهْنِ لِخَوْفِ الْمُنَازَعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكْتُبَ الْكَاتِبُ مَا لَمْ يُمْلِ عَلَيْهِ ، وَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ قَالَهُ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ .
الثَّانِي : يَمْتَنِعُ الْكَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَالشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُدْعَى الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ وَهُمَا مَشْغُولَانِ مَعْذُورَانِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُضَارَّ تَفَاعُلٌ مِنْ الضَّرَرِ .
قَوْله تَعَالَى " يُضَارَّ " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تُفَاعِلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِهَا ، فَإِنْ كَانَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَالْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ فَاعِلَانِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ نَهْيَهُمَا عَنْ الضَّرَرِ بِمَا يَكْتُبَانِ بِهِ أَوْ بِمَا يَشْهَدَانِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَالْكَاتِبُ وَالشَّاهِدُ مَفْعُولٌ بِهِمَا ، فَيَرْجِعُ النَّهْيُ إلَى الْمُتَعَامِلَيْنِ أَلَّا يَضُرَّا بِكَاتِبٍ وَلَا شَهِيدٍ فِي دُعَائِهِ فِي وَقْتِ شُغْلٍ وَلَا بِأَدَائِهِ وَكِتَابَتِهِ مَا سَمِعَ ؛ فَكَثِيرٌ مِنْ الْكُتَّابِ الشُّهَدَاءِ يَفْسُقُونَ بِتَحْوِيلِ الْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ كَتْمِهَا ، وَإِمَّا مُتَعَامِلٌ يَطْلُبُ مِنْ الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ أَنْ يَدَعَ شُغْلَهُ لِحَاجَتِهِ أَوْ يُبَدِّلَ لَهُ كِتَابَتَهُ أَوْ شَهَادَتَهُ ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ }
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَمْ يُجَوِّزْ الرَّهْنَ إلَّا فِي السَّفَرِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَكَافَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ ؛ وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ غَالِبُ الْأَحْوَالِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ فِي الْحَضَرِ وَرَهَنَ وَلَمْ يَكْتُبْ .
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَاتِبَ إنَّمَا يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِحَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يُحْكَمُ لَهُ فِي الْوَثِيقَةِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَلَوْ رَهَنَهُ قَوْلًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فِعْلًا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَهُ حُكْمًا .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ الْحُكْمَ إلَّا لِرَهْنٍ مَوْصُوفٍ بِالْقَبْضِ ، فَإِذَا عُدِمَتْ الصِّفَةُ وَجَبَ أَنْ يُعْدَمَ الْحُكْمُ .
وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا ، لَكِنْ عِنْدَنَا إذَا رَهَنَهُ قَوْلًا وَأَبَى عَنْ الْإِقْبَاضِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ وَمُطْلَقِهِ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا خَرَجَ عَنْ يَدِ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ مَقْبُوضٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَيَخْتَصُّ بِمَا ارْتَهَنَ بِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ : لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا إلَّا إنْ كَانَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، وَإِذَا صَارَ عِنْدَ الْعَدْلِ فَهُوَ مَقْبُوضٌ لُغَةً مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ الْعِدْلَ نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ وَبِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ لَهُ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ وَمُطْلَقِهِ جَوَازَ رَهْنِ الْمُشَاعِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ افْتِقَارَ الرَّهْنِ بَلْ أَشَدَّ مِنْهُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إذَا قَبَضَ الرَّهْنَ لَمْ يَجُزْ انْتِزَاعُهُ مِنْ يَدِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَزَعَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ مِنْ الْقَبْضِ ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : كَمَا يَجُوزُ رَهْنُ الْعَيْنِ كَذَلِكَ يَجُوزُ رَهْنُ الدَّيْنِ ، وَذَلِكَ عِنْدَنَا إذَا تَعَامَلَ رَجُلَانِ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ فَرَهَنَهُ دَيْنَهُ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ قَبَضَهُ قَبْضًا .
وَقَالَ غَيْرُنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ : لَا يَكُونُ قَبْضًا ، وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ كَالِئَهَا لِزَوْجِهَا جَازَ ، وَيَكُونُ قَبُولُهُ قَبْضًا ، وَخَالَفَنَا فِيهِ أَيْضًا غَيْرُنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ ؛ وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ آكَدُ قَبْضًا مِنْ الْمُعَيَّنِ ؛ وَهَذَا لَا يَخْفَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرَّهْنَ قَائِمًا مَقَامَ الشَّاهِدِ ؛ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، وَخَالَفَنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، وَمَا قُلْنَاهُ يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَعَادَةُ النَّاسِ فِي ارْتِهَانِهِمْ مَا يَكُونُ قَدْرَ الدَّيْنِ فِي مُعَامَلَتِهِمْ ، فَإِذَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ : دَيْنِي مِائَةٌ ، وَقَالَ الرَّاهِنُ : خَمْسُونَ ، صَارَ الرَّهْنُ شَاهِدًا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : دَيْنِي مِائَةٌ وَخَمْسُونَ صَارَ مُدَّعِيًا فِي الْخَمْسِينَ .
وَلَوْ هَلَكَ الرَّهْنُ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ ، وَظَنُّوا بِنَا أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّمَا نَسْتَوْفِي بِهِ إذَا هَلَكَ ، وَكَانَ مِمَّا يُعَابُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } مَعْنَاهُ إنْ أَسْقَطَ الْكِتَابَ وَالْإِشْهَادَ وَالرَّهْنَ ، وَعَوَّلَ عَلَى أَمَانَةِ الْمُعَامِلِ ، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ الْأَمَانَةَ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّاهُ ، وَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ وَاجِبًا لَمَا جَازَ إسْقَاطُهُ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَنَا فِي النِّكَاحِ ، وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ : هُوَ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِلْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ ، وَتَابَعَهُمْ جَمَاعَةٌ ؛ وَلَا مُنَازَعَةَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ ، وَحَبَّذَا الْمُوَافَقَةُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا نُبَالِي مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الدَّلِيلِ .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْإِشْهَادَ حَزْمٌ ، وَالِائْتِمَانَ وَثِيقَةٌ بِاَللَّهِ مِنْ الْمُدَايِنِ ، وَمُرُوءَةٌ مِنْ الْمَدِينِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدْهُمْ ، فَقَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا قَالَ : فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ .
قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا .
قَالَ : صَدَقْت .
فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
فَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ، ثُمَّ أَتَى بِهَا إلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْت : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِذَلِكَ وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْت : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِذَلِكَ
وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ .
وَإِنِّي اسْتَوْدَعَتْكهَا .
فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ .
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا زِلْت جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِك فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ شَيْئًا ؟ قَالَ : أُخْبِرُك أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْت بِهِ .
قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْك الَّذِي بَعَثْت فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا } .
وَقَدْ رُوِيَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ : نَسْخٌ لِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ يَعْنِي مِنْ الْأَمْرِ بِالْكِتَابِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } بِكَسْرِ الْعَيْنِ ؛ نَهْيُهُ الشَّاهِدَ عَنْ أَنْ يَضُرَّ بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إثْمٌ بِالْقَلْبِ كَمَا لَوْ حَوَّلَهَا وَبَدَّلَهَا لَكَانَ كَذِبًا ، وَهُوَ إثْمٌ بِاللِّسَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : إذَا كَانَ عَلَى الْحَقِّ شُهُودٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا عَلَى الْكِفَايَةِ ، فَإِنْ أَدَّاهَا اثْنَانِ وَاجْتَزَأَ بِهِمَا الْحَاكِمُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَزِئْ بِهِمَا تَعَيَّنَ الْمَشْيُ إلَيْهِ حَتَّى يَقَعَ الْإِثْبَاتُ ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِدُعَاءِ صَاحِبِهَا ، فَإِذَا قَالَ لَهُ : أَحْيِ حَقِّي بِأَدَاءِ مَا عِنْدَك لِي مِنْ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالتَّوْثِيقِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْحُقُوقِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْمُحَافَظَةِ فِي مُرَاعَاةِ الْمَالِ وَحِفْظِهِ ، وَيُعْتَضَدُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ } .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ تِسْعِينَ قَوْله تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ شَرَّفَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأُمَمِ بِهَا ، فَلَمْ يُحَمِّلْنَا إصْرًا وَلَا كَلَّفَنَا فِي مَشَقَّةٍ أَمْرًا ، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا أَصَابَ الْبَوْلُ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ بِالْمِقْرَاضِ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ إلَى وَظَائِفِ عَلَى الْأُمَمِ حَمَلُوهَا ، وَرَفَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي أَنَّ الْقَوَدَ وَاجِبٌ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَعَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ اكْتَسَبَ الْقَتْلَ ؛ وَقَالُوا : إنَّ اشْتِرَاكَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ مَا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } تَعَلَّقَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا لَغْوٌ فِي الْأَحْكَامِ ، كَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَغْوًا فِي الْآثَامِ ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ : { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ ، وَالْآيَةُ إنَّمَا جَاءَتْ لِرَفْعِ الْإِثْمِ الثَّابِتِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } فَأَمَّا أَحْكَامُ الْعِبَادِ وَحُقُوقُ النَّاسِ فَثَابِتَةٌ حَسَبَ مَا يُبَيَّنُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ فِيهَا سِتّ وَعِشْرُونَ آيَة الْآيَة الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الْآمِرِ بِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " الْمُشْكِلَيْنِ " الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآيَاتُهُ وَأَخْبَارُهُ وَشُرُوطُهُ وَفَائِدَتِهِ .
وَسَنُشِيرُ إلَى بَعْضِهِ هَاهُنَا فَنَقُولُ : الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْقَادِرُ يَلْزَمُهُ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ ؛ وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَالْأَخْبَارُ مُتَظَاهِرَةٌ ، وَهِيَ فَائِدَةُ الرِّسَالَةِ وَخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْإِلَهِيَّةِ لِمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ .
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ .
وَقَالَتْ الْمُبْتَدِعَةُ : لَا يُغَيِّرُ الْمُنْكَرَ إلَّا عَدْلٌ ، وَهَذَا سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْخَلْقِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ .
فَإِنْ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } وقَوْله تَعَالَى { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } وَنَحْوِهِ .
قُلْنَا : إنَّمَا وَقَعَ الذَّمُّ هَاهُنَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، لَا عَنْ نَهْيِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ، فَقِيلَ لَهُ : هُمْ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ ، إنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى إتْيَانِهِمْ } .
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مِمَّنْ يَأْتِيه أَقْبَحُ مِمَّنْ لَا يَأْتِيه عِنْدَ فَاعِلِهِ فَيَبْعُدُ قَبُولُهُ مِنْهُ .
وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَهِيَ أَصْلٌ ، وَتَكُونُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ وَتَكُونُ فِي الْبَدَنِ إنْ احْتَاجَ إلَى
النَّهْيِ عَنْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَغْيِيرِهِ الضَّرْبَ أَوْ الْقَتْلَ ، فَإِنْ رَجَا زَوَالَهُ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الِاقْتِحَامُ عِنْدَ هَذَا الْغَرَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَهُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ ؟ وَاَلَّذِي عِنْدَهُ : أَنَّ النِّيَّةَ إذَا خَلَصَتْ فَلْيَقْتَحِمْ كَيْفَمَا كَانَ وَلَا يُبَالِي .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ .
قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْآيَةِ فِي مَوْضِعِهَا ، وَتَمَامُهَا فِي شَرْحِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُنْكَرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّه تَعَالَى مَعَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ ؟ قُلْنَا : لَمْ نَرَ لِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ نَصًّا .
وَعِنْدِي أَنَّ تَخْلِيصَ الْآدَمِيِّ أَوْجَبُ مِنْ تَخْلِيصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَذَلِكَ مُمَهَّدٌ فِي مَوْضِعِهِ .
.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ ارْتِفَاعِ الْمَدْعُوِّ إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ دُعِيَ إلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ مُخَالِفًا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الزَّجْرُ بِالْأَدَبِ عَلَى قَدْرِ الْمُخَالِفِ وَالْمُخَالَفِ .
وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ }
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } هَذَا عُمُومٌ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَتَّخِذُ الْكَافِرَ وَلِيًّا فِي نَصْرِهِ عَلَى عَدُوِّهِ وَلَا فِي أَمَانَةٍ وَلَا بِطَانَةٍ .
مِنْ دُونِكُمْ : يَعْنِي مِنْ غَيْرِكُمْ وَسِوَاكُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا } وَقَدْ نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنْ ذِمِّيٍّ كَانَ اسْتَكْتَبَهُ بِالْيَمَنِ وَأَمَرَهُ بِعَزْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : يُقَاتِلُ الْمُشْرِكُ فِي مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ لِعَدُوِّهِمْ ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ .
وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ } .
وَأَقُولُ : إنْ كَانَتْ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : إلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ ، فَإِنْ خِفْتُمْ مِنْهُمْ فَسَاعِدُوهُمْ وَوَالُوهُمْ وَقُولُوا مَا يَصْرِفُ عَنْكُمْ مِنْ شَرِّهِمْ وَأَذَاهُمْ بِظَاهِرٍ مِنْكُمْ لَا بِاعْتِقَادٍ ؛ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ فَصِلُوهَا بِالْعَطِيَّةِ ، كَمَا رُوِيَ { أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
صِلِي أُمَّكِ } .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي الدِّينِ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَإِنَّمَا فَائِدَتُهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ النَّذْرِ : وَهُوَ الْتِزَامُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، مِنْ الْأَعْمَالِ قُرْبَةً .
وَلَا يَلْزَمُ نَذْرُ الْمُبَاحِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أَبَا إسْرَائِيلَ قَائِمًا : فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَيَصُومَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مُرُوهُ فَلْيَصُمْ وَلْيَقْعُدْ وَلْيَسْتَظِلَّ } ؛ فَأَخْبَرَهُ بِإِتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَنَهَاهُ عَنْ فِعْلِ الْمُبَاحِ .
وَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ إجْمَاعًا ؛ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَعْلِيقِ النَّذْرِ بِالْحَمْلِ : اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْحَمْلَ فِي حَيِّزِ الْعَدَمِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِوُجُودِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْخٌ فِي الْبَطْنِ لِعِلَّةٍ وَحَرَكَةُ خَلْطٍ يَضْطَرِبُ ، وَرِيحٌ يَنْبَعِثُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِوَلَدٍ ؛ وَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى الْبَطْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَالَةٍ ، وَقَدْ يَشْكُلُ الْحَالُ ؛ فَإِنْ فَرَضْنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي كَوْنِهِ حَمْلًا فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهِ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ .
وَالثَّانِي : عَقْدٌ مُطْلَقٌ لَا عِوَضِيَّةَ فِيهِ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ عَقْدُ الْمُعَاوَضَةِ فَإِنَّهُ سَاقِطٌ فِيهِ إجْمَاعًا ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ } .
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ إذَا تَضَمَّنَ الْعِوَضَ وَجَبَ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ فِي حُصُولِ الْفَائِدَةِ الَّتِي بَذَلَ الْمَرْءُ فِيهَا مَالَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ حُصُولُ تِلْكَ الْفَائِدَةِ كَانَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ الْمُجَرَّدُ مِنْ الْعِوَضِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالنَّذْرِ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ فِيهِ مُنْتَفٍ إذْ هُوَ تَبَرُّعٌ مُجَرَّدٌ ؛ فَإِنْ اتَّفَقَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ يَسْتَضِرَّ أَحَدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْنَى الْآيَةِ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَ لِعِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ ابْنَتَانِ : إحْدَاهُمَا حِنَّةُ وَالْأُخْرَى يملشقع وَبَنُو مَاثَانَ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ نَسْلِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يُحَرَّرُ إلَّا الْغِلْمَانُ ، فَلَمَّا نَذَرَتْ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا عِمْرَانُ : أَرَأَيْتُكِ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِكِ أُنْثَى كَيْفَ نَفْعَلُ ؟ فَاهْتَمَّتْ لِذَلِكَ فَقَالَتْ : إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا وَلَدَ لَهَا ، فَلَمَّا حَمَلَتْ نَذَرَتْ إنْ اللَّهُ أَكْمَلَ لَهَا الْحَمْلَ وَوَضَعَتْهُ فَإِنَّهُ حَبْسٌ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : جَعَلَتْهُ نَذْرًا تَفِي بِهِ .
قَالُوا : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا رَبَّتْهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ ، وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا .
وَقِيلَ : لَفَّتْهَا فِي خِرَقِهَا وَقَالَتْ : رَبِّ إنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ، وَقَدْ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ، وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، وَأَرْسَلَتْهَا إلَى الْمَسْجِدِ وَفَاءً بِنَذْرِهَا ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ ، وَتَبَرِّيًا مِنْهَا حِينَ حَرَّرَتْهَا لِلَّهِ ، أَيْ خَلَصَتْهَا .
وَالْمُحَرَّرُ وَالْحُرُّ : هُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّ امْرَأَةَ عِمْرَانَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى حَمْلِهَا نَذْرٌ لِكَوْنِهَا حُرَّةً ، فَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ أَمَةً فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَصِحُّ لَهُ نَذْرُ وَلَدِهِ كَيْفَ مَا تَصَرَّفَتْ حَالُهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ النَّاذِرُ عَبْدًا لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ حُرًّا فَوَلَدُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ ؛ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ مِثْلُهُ ؛ وَأَيُّ وَجْهٍ لِلنَّذْرِ فِيهِ ؟ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَرْءَ إنَّمَا يُرِيدُ وَلَدَهُ لِلْأُنْسِ بِهِ وَالِاسْتِبْصَارِ وَالتَّسَلِّي وَالْمُؤَازَرَةِ ؛
فَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ أُنْسًا بِهِ وَسُكُونًا إلَيْهِ ، فَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا بِهِ نَذَرَتْ أَنَّ حَظَّهَا مِنْ الْأُنْسِ بِهِ مَتْرُوكٌ فِيهِ ؛ وَهُوَ عَلَى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَوْقُوفٌ .
وَهَذَا نَذْرُ الْأَحْرَارِ مِنْ الْأَبْرَارِ ، وَأَرَادَتْ بِهِ مُحَرَّرًا مِنْ جِهَتِي ، مُحَرَّرًا مِنْ رِقِّ الدُّنْيَا وَأَشْغَالِهَا .
فَتَقَبَّلْهُ مِنِّي .
وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ لِأُمِّهِ : يَا أُمَّاهُ ؛ ذَرِينِي لِلَّهِ أَتَعَبَّدْ لَهُ وَأَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ .
فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَسَارَ حَتَّى تَبَصَّرَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا فَدَقَّ الْبَابَ ، فَقَالَتْ : مَنْ ؟ قَالَ : ابْنُكِ فُلَانٌ .
قَالَتْ : قَدْ تَرَكْنَاكَ لِلَّهِ وَلَا نَعُودُ فِيك .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : ( { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى } ) يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ فِي كَوْنِهَا تَحِيضُ وَلَا تَصْلُحُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِلْمَسْجِدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِهَا أَنَّهَا امْرَأَةٌ فَلَا تَصْلُحُ لِمُخَالَطَةِ الرِّجَالِ ؛ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ تَبَرَّأَتْ مِنْهَا ، وَلَعَلَّ الْحِجَابَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ : { أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمَّ الْمَسْجِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فِي الرِّوَايَةِ كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ التَّعَلُّقُ بِشَرَائِعِ الْمَاضِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : لَوْ صَحَّ أَنَّهَا أَسْلَمَتْهَا فِي خِرَقِهَا إلَى الْمَسْجِدِ فَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا لَكَانَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لِلْأُمِّ أَصْلًا .
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ رِوَايَةُ عُلَمَائِنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْحَضَانَةَ حَقٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا حَقٌّ لِلْأُمِّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلَدِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ الْقَوْلُ وَالتَّأْوِيلُ فَإِنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّذْرِ فِي الْحَمْلِ ، وَكُلُّ عَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِوَضٌ بِدَلِيلِ إجْمَاعِهِمْ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهِ ، وَالنَّذْرُ مِثْلُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُطَاوَعَةَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَطْءِ لَا تُسَاوِيهِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى } .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَعَجَبًا لِغَفْلَتِهِ وَغَفْلَةِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْهُ حِينَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَحَاجَّهُ فِيهِ ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا ؛ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا ، فَاسْكُتْ وَاصْمُتْ .
ثُمَّ نَقُولُ لِأَنْفُسِنَا : نَحْنُ نَعْلَمُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَهِيَ عَلَى قَصْدِ الْعُمُومِ ، وَاَلَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَهِيَ عَلَى قَصْدِ الْخُصُوصِ .
وَهَذِهِ الصَّالِحَةُ إنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَدُ لَهُ بَيِّنَةُ حَالِهَا وَمَقْطَعُ كَلَامِهَا فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَةَ الْمَسْجِدِ فِي وَلَدِهَا ، وَرَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ بَرْزَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ عَوْرَةٌ ؛ فَاعْتَذَرَتْ إلَى رَبِّهَا مِنْ وُجُودِهَا لَهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الْعُمُومَ الْمَقْصُودُ بِهِ الْعُمُومَ وَغَيْرَهُ ، وَسَاعَدَنَا عَلَيْهِ ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ ، وَحَقَّقْنَاهُ ؛ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَتْ : إنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَكَانَتْ الْمُعَاذَةُ هِيَ وَابْنُهَا عِيسَى ، فَبِهِمَا وَقَعَ الْقَبُولُ مِنْ جُمْلَةِ الذُّرِّيَّةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّةَ قَدْ تَقَعُ عَلَى الْوَلَدِ خَاصَّةً ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَقِب مِنْ الْأَحْكَامِ .
وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحَصُورَ هُوَ الْعِنِّينُ وَهُمْ الْأَكْثَرُ ، وَمِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ الَّذِي يَكُفُّ عَنْ النِّسَاءِ وَلَا يَأْتِيهِنَّ مَعَ الْقُدْرَةِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَدْحٌ وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ ، وَالْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْفَضْلِ الْمُكْتَسَبِ دُونَ الْجِبِلَّةِ فِي الْغَالِبِ .
الثَّانِي : أَنَّ حَصُورًا فَعُولًا ؛ وَبِنَاءُ فَعُولٍ فِي اللُّغَةِ مِنْ صِيَغِ الْفَاعِلِينَ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْحَصُورُ : الْبَخِيلُ ، وَالْهَيُوبُ الَّذِي يُحْجِمُ عَنْ الشَّيْءِ ؛ وَالْكَاتِمُ السِّرَّ ؛ وَهَذَا بِنَاءُ فَاعِلٍ .
وَالْحَصُورُ عِنْدَهُمْ : النَّاقَةُ الَّتِي لَا يَخْرُجُ لَبَنُهَا مِنْ ضِيقِ إحْلِيلِهَا .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ .
وَقَدْ جَاءَ فَعُولٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ ، تَقُولُ : رَسُولٌ بِمَعْنَى مُرْسَلٍ ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ مَا تَقَدَّمَ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَحْيَى كَانَ كَافًّا عَنْ النِّسَاءِ عَنْ قُدْرَةٍ فِي شَرْعِهِ ، فَأَمَّا شَرْعُنَا فَالنِّكَاحُ .
رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ عَنْ التَّبَتُّلِ قَالَ الرَّاوِي : وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا } ، وَلِهَذَا بَالَغَ قَوْمٌ فَقَالُوا : النِّكَاحُ وَاجِبٌ ، وَقَصَرَ آخَرُونَ فَقَالُوا مُبَاحٌ ، وَتَوَسَّطَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : مَنْدُوبٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ النَّاكِحِ وَالزَّمَانِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَسَتَرَوْنَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي كَيْفِيَّةِ فِعْلِهِمْ : وَاخْتَلَفَ فِيهِ نَقْلُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّ زَكَرِيَّا قَالَ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا ، خَالَتُهَا عِنْدِي .
وَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ : نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا ، بِنْتُ عَالِمِنَا ، فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا بِالْأَقْلَامِ ، وَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَلَمِهِ ، وَاتَّفَقُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْأَقْلَامَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي ، فَمَنْ وَقَفَ قَلَمُهُ وَلَمْ يَجْرِ فِي الْمَاءِ فَهُوَ صَاحِبُهَا .
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَجَرَتْ الْأَقْلَامُ وَعَالَ قَلَمُ زَكَرِيَّا } كَانَتْ آيَةً ؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ تَجْرِي الْآيَاتُ عَلَى يَدِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَكْفُلُهَا حَتَّى كَانَ عَامُ مَجَاعَةٍ فَعَجَزَ وَأَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتَرِعُوا ، فَاقْتَرَعُوا ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِمْ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِهَا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَنَّهَا لَمَّا نَذَرَتْهَا لِلَّهِ تَخَلَّتْ عَنْهَا حِينَ بَلَغَتْ السَّعْيَ ، وَاسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا بُدٌّ مِنْ قَيِّمٍ ، إذْ لَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا بِنَفْسِهَا ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَكَانَ مَا كَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقُرْعَةُ أَصْلٌ فِي شَرِيعَتِنَا ؛ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا } ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَرَهُ مَالِكٌ شَرْعًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دِينٌ وَمِنْهَاجٌ لَا يَتَعَدَّى ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ سِتَّةً فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً } .
وَهَذَا مِمَّا رَآهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقُرْعَةَ فِي شَأْنِ زَكَرِيَّا وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ مِمَّا لَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ دُونَ قُرْعَةٍ لَجَازَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْبُدِ فَلَا يَصِحُّ التَّرَاضِي فِي الْحُرِّيَّةِ وَلَا الرِّضَا ؛ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ وَالرِّقَّ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْحُكْمِ دُونَ قُرْعَةٍ فَجَازَتْ ، وَلَا طَرِيقَ لِلتَّرَاضِي فِيهَا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا فَائِدَتُهَا اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ الْخَفِيِّ عِنْدَ التَّشَاحِّ فَأَمَّا مَا يُخْرِجُهُ التَّرَاضِي فِيهِ فَبَابٌ آخَرُ ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْقُرْعَةَ تَجْرِي فِي مَوْضِعِ التَّرَاضِي ، وَإِنَّهَا لَا تَكُونُ أَبَدًا مَعَ التَّرَاضِي فَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ التَّرَاضِي ؟ ثُمَّ يُقَالُ : إنَّهَا لَا تَجْرِي إلَّا عَلَى حُكْمِهِ وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي مَحِلِّهِ ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَدْ رُوِيَ أَنَّ مَرْيَمَ كَانَتْ بِنْتَ أُخْتِ زَوْجِ زَكَرِيَّا ، وَيُرْوَى أَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ ، وَقِيلَ مِنْ قَرَابَتِهِ ؛ فَأَمَّا الْقَرَابَةُ فَمَقْطُوعٌ بِهَا ، وَتَعْيِينُهَا مِمَّا لَمْ يَصِحَّ .
وَهَذَا جَرَى فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي قَبْلَنَا ، فَأَمَّا إذَا وَقَعَ فِي شَرِيعَتِنَا فَالْخَالَةُ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ بَعْدَ الْجَدَّةِ مِنْ سَائِرِ الْقَرَابَةِ وَالنَّاسِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَى بِهَا لِلْخَالَةِ ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ : { خَرَجَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ إلَى مَكَّةَ فَقَدِمَ بِابْنَةِ حَمْزَةَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَاسْمُهَا أَمَةُ اللَّهِ ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ أُخْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَقَالَ جَعْفَرٌ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا ؛ ابْنَةُ عَمِّي ، وَعِنْدِي خَالَتُهَا ، وَإِنَّمَا الْخَالَةُ أُمٌّ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا .
وَقَالَ زَيْدٌ : أَنَا أَحَقُّ بِهَا ، خَرَجْت إلَيْهَا وَسَافَرْت وَقَدِمْت بِهَا ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ شَيْئًا ، وَقَالَ : أَمَّا الْجَارِيَةُ فَأَقْضِي بِهَا لِجَعْفَرٍ تَكُونُ مَعَ خَالَتِهَا ، وَإِنَّمَا الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذَا إذَا كَانَتْ الْخَالَةُ أَيِّمًا ، فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَتْ ، وَكَانَ زَوْجُهَا أَجْنَبِيًّا فَلَا حَضَانَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا بِالزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ ، فَكَيْفَ بِأُخْتِهَا وَبِأُمِّهَا وَالْبَدَلِ عَنْهَا .
فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا كَمَا لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَةُ زَوْجِ جَعْفَرٍ ؛ لِكَوْنِ جَعْفَرٍ وَلِيًّا لِابْنَةِ حَمْزَةَ وَهِيَ بُنُوَّةُ الْعَمِّ .
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ كَانَ وَصِيَّ حَمْزَةَ فَتَكُونُ الْخَالَةُ عَلَى هَذَا أَحَقَّ مِنْ الْوَصِيِّ ، وَيَكُونُ ابْنُ الْعَمِّ إذَا كَانَ زَوْجًا غَيْرَ قَاطِعٍ لِلْخَالَةِ فِي الْحَضَانَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا
.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ اسْمَ الْكُلِّ وَوَصْفَ قَرَابَتِهِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاظَرَ أَهْلَ نَجْرَانَ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ ، فَأَبَوْا الِانْقِيَادَ وَالْإِسْلَامَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَدَعَا حِينَئِذٍ فَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ، ثُمَّ دَعَا النَّصَارَى إلَى الْمُبَاهَلَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ابْنَاهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَسَنِ : { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
فَتَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إنَّ الِابْنَ مِنْ الْبِنْتِ يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْحَبْسِ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَلَيْسَ فِيهَا حُجَّةٌ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ مَجَازٌ ، وَبَيَانُهُ هُنَالِكَ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ تَابَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا قَالَ لَهُمْ الْيَهُودُ : تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ ، فَلَيْسَ لَكُمْ عِنْدَنَا حَقٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الدِّينَارُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا ، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ ، وَالْقِنْطَارُ أَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ ، وَالرُّبْعُ ثَلَاثُونَ رِطْلًا ، وَالرِّطْلُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، وَالْأُوقِيَّةُ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَالدِّرْهَمُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ مَشْرُوحًا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَائِدَتُهَا النَّهْيُ عَنْ ائْتِمَانِهِمْ عَلَى مَالِ .
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ : فَائِدَتُهَا أَلَّا يُؤْتَمَنُوا عَلَى دِينٍ ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِهِ : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ } فَأَرَادَ أَلَّا يُؤْتَمَنُوا عَلَى نَقْلِ شَيْءٍ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا فِي الْمَالِ نَصٌّ ، وَفِي الدِّينِ سُنَّةٌ ؛ فَأَفَادَتْ الْمَعْنَيَيْنِ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ } هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ فِي الدِّينَارِ بِالنَّصِّ أَوْ بِالسُّنَّةِ أَوْ بِالْقِيَاسِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ ، وَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِهِ ، وَهُنَاكَ تَجِدُونَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ لِلْمُفْلِسِ ؛ وَأَبَاهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ ؛ وَلَا حُجَّةَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مُلَازَمَةَ الْغَرِيمِ الْمَحْكُومِ بِعَدَمِهِ لَا فَائِدَةَ فِيهَا ؛ إذْ لَا يُرْجَى مَا عِنْدَهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ هُنَاكَ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ : إنَّ مَعْنَى { لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } أَيْ حَافِظًا بِالشَّهَادَةِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : أَقْسَامُ هَذِهِ الْحَالِ ثَلَاثَةٌ : قِسْمٌ يُؤَدَّى ، وَقِسْمٌ لَا يُؤَدَّى إلَّا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائِمًا ، وَقِسْمٌ لَا يُؤَدَّى وَإِنْ دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ الْمُعْتَادُ ، وَالثَّالِثُ نَادِرٌ ؛ فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الْغَالِبِ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ } الْمَعْنَى فَعَلُوا ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ظُلْمَهُمْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ جَائِزٌ ، تَقْدِيرُ كَلَامِهِمْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ظُلْمِ الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أَيْ إثْمٌ .
وَقَوْلُهُمْ هَذَا كَذِبٌ صَادِرٌ عَنْ اعْتِقَادٍ بَاطِلٍ مُرَكَّبٍ عَلَى كُفْرٍ ، فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ التَّوْرَاةِ بِمَا لَيْسَ فِيهَا ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الْأَمَانَةُ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ فِي الدِّينِ ، وَمِنْ عَظِيمِ قَدْرِهَا أَنَّهَا تَقِفُ عَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْجَوَازِ إلَّا مَنْ حَفِظَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَكِتَابِ شَرْحِ الْمُشْكِلَيْنِ ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ ؛ فَتُقَابِلَ مَعْصِيَةً فِيكَ بِمَعْصِيَةٍ فِيهِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَكَ أَنْ تَغْدِرَ بِمَنْ غَدَرَ بِكَ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : " بَابُ إثْمِ الْغَادِرِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ " .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَنْ حَلَّ بِكَ فَاحْلُلْ بِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يَعْنِي أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يُقْتَلُ ، وَلَكِنْ مَنْ عَرَضَ لَكَ فَاقْتُلْهُ وَحُلَّ أَنْتَ بِهِ أَيْضًا ، مَنْ خَانَكَ فَخُنْهُ .
قُلْنَا : تَحْرِيمُ الْمُحْرِمِ كَانَ بِشَرْطِ أَلَّا يَعْرِضَ لَهُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ ، وَالْأَمَانَةُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّا نُصِيبُ فِي الْغَزْوِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ وَنَقُولُ : لَيْسَ بِذَلِكَ عَلَيْنَا بَأْسٌ .
فَقَالَ لَهُ : هَذَا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ؛ إنَّهُمْ إذَا أَدَّوْا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إلَّا عَنْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } هَذِهِ الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الْكَفَرَةِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيلِ اللَّهِ وَتَحْرِيمِهِ ، وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَمِنْ هَذَا يَخْرُجُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَحْكُمُ بِالِاسْتِحْسَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَسْت أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ قَالَهُ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ قَوْمٌ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ؛ كَتَبُوا كِتَابًا وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً لِتُنَفَّقَ سِلْعَتُهُ فِي الْبَيْعِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } الْآيَةَ .
قَالَ : فَجَاءَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ : فِي نَزَلَتْ ، كَانَ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي .
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ } .
فَقُلْت : إذًا يَحْلِفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ وَمَا رُوِيَ عَنْ الْيَهُودِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ الْمَالَ فِي الْبَاطِنِ بِقَضَاءِ الظَّاهِرِ ، إذَا عَلِمَ الْمَحْكُومُ لَهُ بُطْلَانَهُ .
وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَأَنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، وَإِنَّمَا نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَلَا ، فَقَالَ : إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمَبْنِيَّ عَلَى الشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ يُحِلُّ الْفَرْجَ لِمَنْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي بُطْلَانُ قَوْلِهِ فِي آيَةِ اللِّعَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا إلَى قَوْلِهِ : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا نَصَارَى نَجْرَانَ ، وَلَكِنْ مُزِجَ مَعَهُمْ الْيَهُودُ ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مِنْ الْجَحْدِ وَالْعِنَادِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { رَبَّانِيِّينَ } وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفَاصِيلَ مَعْنَى اسْمِ الرَّبِّ فِي " الْأَمَدِ الْأَقْصَى " ، وَهُوَ هَاهُنَا عِبَارَةٌ عَنْ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ ، وَكَأَنَّهُ يَقْتَدِي بِالرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي تَيْسِيرِ الْأُمُورِ الْمُجْمَلَةِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مِقْدَارِ بَدَنِهِ مِنْ غِذَاءٍ وَبَلَاءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } الْمَعْنَى : وَإِنَّ عِلْمَهُمْ بِالْكِتَابِ ، وَدَرْسَهُمْ لَهُ يُوجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي شُرِحَتْ فِيهِ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا } الْمَعْنَى : وَلَا آمُرُ الْخَلْقَ أَنْ يَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا يَعْبُدُونَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ مَنْ أَسْلَمَ فِعْلًا ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْكُفْرِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عَقْلًا ، فَلَمَّا لَمْ يَتَقَدَّرْ وَلَا تُصُوِّرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ أَمْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَتَّخِذُوا النَّاسَ عِبَادًا يَتَأَلَّهُونَ لَهُمْ ، وَلَكِنْ أَلْزَمَ الْخَلْقَ طَاعَتَهُمْ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يُوسُفَ : { اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } وَقَالَ : { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ } فَتَعَارَضَتْ .
فَلَوْ تَحَقَّقْنَا التَّارِيخَ لَكَانَ الْآخَرُ رَافِعًا لِلْأَوَّلِ أَوْ مُبَيِّنًا لَهُ عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي النَّسْخِ .
وَإِذَا جَهِلْنَا التَّارِيخَ وَجَبَ النَّظَرُ فِي دَلَالَةِ التَّرْجِيحِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ بِمَا الْكَافِي مِنْهُ الْآنَ لَكُمْ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا كَانَ لِتَخْلِيصِ الِاعْتِقَادِ مِنْ أَنْ يَعْتَقِدَ لِغَيْرِ اللَّهِ عُبُودِيَّةً أَوْ فِي سِوَاهُ رُبُوبِيَّةً ، فَلَمَّا حَصَلَتْ الْعَقَائِدُ كَانَ الْجَوَازُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ } قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ بِضَمِّ التَّاءِ ، وَكَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَتَّخِذُوهُمْ عِبَادًا بِحَقِّ تَعْلِيمِكُمْ ، فَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْكُمْ أَوْ إشْرَاكٌ فِي نِيَّتِكُمْ ، أَوْ اسْتِعْجَالٌ لِأَجْرِكُمْ ، أَوْ تَبْدِيلٌ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ التَّاءِ .
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَرَبِيُّ : كَذَلِكَ يَقْتَضِي صِفَةَ الْعِلْمِ وَقِرَاءَتَهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّعْلِيمِ لِتَحْرِيمِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَحْرِيرِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ } مَعْنَاهُ تُصِيبُوا ، يُقَالُ : نَالَنِي خَيْرٌ يَنُولُنِي ، وَأَنَالَنِي خَيْرًا ؛ وَيُقَالُ : نِلْتُهُ أَنُولُهُ مَعْرُوفًا وَنَوَّلْتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا } أَيْ لَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِتَقْدِيسِهِ عَنْ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { الْبِرَّ } وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ " الْأَمَدِ الْأَقْصَى " وَشَفَيْنَا النَّفْسَ مِنْ إشْكَالِهِ .
قِيلَ : إنَّهُ ثَوَابُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : إنَّهُ الْجَنَّةُ ؛ وَذَلِكَ يَصِلُ الْبِرُّ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { حَتَّى تُنْفِقُوا } الْمَعْنَى حَتَّى تُهْلِكُوا ، يُقَالُ : نَفِقَ إذَا هَلَكَ .
الْمَعْنَى حَتَّى تُقَدِّمُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قُلُوبُكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ النَّفَقَةِ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَهِيَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ .
وَقِيلَ : هِيَ سُبُلُ الْخَيْرِ كُلُّهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ الْآيَةِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاك اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَخٍ ، بَخٍ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ .
ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، وَقَدْ سَمِعْت مَا قُلْت فِيهَا ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ } فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ .
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ : أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ جَاءَ بِفَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ سَبَلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَصَدَّقْ بِهَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ قَبِلْت صَدَقَتَكَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّمَا تَصَدَّقَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَرَابَةِ الْمُصَّدِّقِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّدَقَةَ فِي الْقَرَابَةِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهَا كَمَا قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّ نَفْسَ الْمُتَصَدِّقِ تَكُونُ بِذَلِكَ أَطْيَبَ وَأَسْلَمَ عَنْ تَطَرُّقِ النَّدَمِ إلَيْهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : سَبَبُ نُزُولِهَا ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ أَنْكَرُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْلِيلَ لُحُومِ الْإِبِلِ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ بِتَحْلِيلِهَا لَهُمْ حَتَّى حَرَّمَهَا إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ .
الْمَعْنَى : إنِّي لَمْ أُحَرِّمْهَا عَلَيْكُمْ ، وَإِنَّمَا كَانَ إسْرَائِيلُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ عِصَابَةً مِنْ الْيَهُودِ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ؛ أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ؟ فَقَالَ : { أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا طَالَ سَقَمُهُ فِيهِ فَنَذَرَ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ إلَيْهِ ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا ؟ } فَقَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ : قَالَ : { فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ فِيهَا } .
رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ، فَرَجَمَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَأَمَّا نُزُولُهَا فِي رَجْمِ الْيَهُودِ فَيَأْبَاهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ ، وَأَمَّا سَائِرُهَا فَمُحْتَمَلٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيمِ إسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ فَقِيلَ : كَانَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقِيلَ : كَانَ بِاجْتِهَادٍ ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ اجْتِهَادِ الْأَنْبِيَاءِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ الْيَهُودِ ذَلِكَ .
فَقِيلَ : إنَّ إسْرَائِيلَ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ .
وَقِيلَ : اقْتَدَوْا بِهِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بَغْيَهُمْ ، وَنَزَلَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وَالصَّحِيحُ أَنَّ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ ؛ وَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ كَانَ دِينًا يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ لِتَقْرِيرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَمَا يُوحَى إلَيْهِ وَيَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ ، كَذَلِكَ يُؤْذَنُ لَهُ وَيَجْتَهِدُ ، وَيَتَعَيَّنُ مُوجِبُ اجْتِهَادِهِ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ .
وَالظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَذِنَ لَهُ فِي تَحْرِيمِ مَا شَاءَ ، وَلَوْلَا تَقَدَّمَ الْإِذْنُ لَهُ مَا تَسَوَّرَ عَلَى التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَتَقَدَّمَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فَحَرَّمَهُ مُجْتَهِدًا فَأَقَرَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَسَلَ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَوْ جَارِيَتَهُ مَارِيَةُ فَلَمْ يُقِرَّ اللَّهُ تَحْرِيمَهُ ، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتِهَادًا أَوْ بِأَمْرٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : حَقِيقَةُ التَّحْرِيمِ الْمَنْعُ ؛ فَكُلُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ شَيْءٍ مَعَ اعْتِقَادِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ فَقَدْ حَرَّمَهُ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ ؛ إمَّا بِنَذْرٍ كَمَا فَعَلَ يَعْقُوبُ فِي تَحْرِيمِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا ؛ وَإِمَّا بِيَمِينٍ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَسَلِ ، أَوْ فِي جَارِيَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ بِنَذْرٍ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي شَرْعِنَا .
وَلَسْنَا نَتَحَقَّقُ كَيْفِيَّةَ تَحْرِيمِ يَعْقُوبَ ؛ هَلْ كَانَ بِنَذْرٍ أَوْ بِيَمِينٍ ؛ فَإِنْ كَانَ بِيَمِينٍ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْيَمِينَ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ رُخْصَةً مِنْهُ لَنَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِغَيْرِنَا مِنْ الْأُمَمِ .
فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : حَرَّمْت الْخُبْزَ عَلَى نَفْسِي أَوْ اللَّحْمَ لَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينًا ؛ فَإِنْ قَالَ : حَرَّمْت أَهْلِي فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَحْرِيمُ الْأَهْلِ إذَا ابْتَدَأَ بِتَحْرِيمِهَا كَمَا يُحَرِّمُهَا بِالطَّلَاقِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَحْرِيمُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا } .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ ؟ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَوْ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ؟ قَالَ : { الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ } .
وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ عَامًا ؛ وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : كَانَ فِي الْأَرْضِ بَيْتٌ قَبْلَهُ تَحُجُّهُ الْمَلَائِكَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي بَرَكَتِهِ : قِيلَ : ثَوَابُ الْأَعْمَالِ .
وَقِيلَ : ثَوَابُ الْقَاصِدِ إلَيْهِ .
وَقِيلَ : أَمْنُ الْوَحْشِ فِيهِ .
وَقِيلَ : عُزُوفُ النَّفْسِ عَنْ الدُّنْيَا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ بِجَمِيعِهِ مَوْجُودٌ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَأَمَّا قَوْلُهُ : { بِبَكَّةِ } فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : بَكَّةُ : مَكَّةُ .
الثَّانِي : بَكَّةُ : الْمَسْجِدُ ، وَمَكَّةُ سَائِرُ الْحَرَمِ .
وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ ، أَيْ تَقْطَعُهَا .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَتَادَةُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَكَّ بِهَا النَّاسَ ؛ فَتُصَلِّي النِّسَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ ، وَلَا يَكُونُ فِي بَلَدٍ غَيْرِهَا ، وَصُورَةُ هَذَا أَنَّ النَّاسَ يَسْتَدِيرُونَ بِالْبَيْتِ فَيَكُونُ وُجُوهُ الْبَعْضِ إلَى الْبَعْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِقْبَالِ النِّسَاءِ مِنْ حَيْثُ صَلَّوْا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْحَجَرُ الْمَعْهُودُ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ آيَةً لِلنَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ جَمَادٌ صَلْدٌ وَقَفَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ أَثَرَ قَدَمِهِ آيَةً بَاقِيَةً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { مَقَامُ إبْرَاهِيمَ } هُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ ، فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ قَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَنَادَى بِالْحَجِّ عِبَادَ اللَّهِ ، فَجَمَعَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَى قَصْدِهِ ، وَكَانَتْ شِرْعَةً مِنْ عَهْدِهِ ، وَحَجَّةً عَلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِ مِنْ بَعْدِهِ .
وَفِيهِ مِنْ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ خَائِفًا عَادَ آمِنًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ كَانَ صَرَفَ الْقُلُوبَ عَنْ الْقَصْدِ إلَى مُعَارَضَتِهِ ، وَصَرَفَ الْأَيْدِي عَنْ إذَايَتِهِ ، وَجَمَعَهَا عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَتِهِ .
وَهَذَا خَبَرٌ عَمَّا كَانَ ، وَلَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى آيَاتٍ ، وَتَقْرِيرُ نِعَمٍ مُتَعَدِّدَاتٍ ، مَقْصُودُهَا وَفَائِدَتُهَا وَتَمَامُ النِّعْمَةِ فِيهِ بَعْثُهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَيَرَى مَا فِيهَا مِنْ شَرَفِ الْمُقَدِّمَاتِ لِحُرْمَةِ مَنْ ظَهَرَ مِنْ تِلْكَ الْبُقْعَةِ فَهُوَ مِنْ الْأَمْوَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ مَنْ اقْتَرَفَ ذَنْبًا وَاسْتَوْجَبَ بِهِ حَدًّا ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ عَصَمَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } ) فَأَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَمْنَ لِمَنْ دَخَلَهُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ .
وَكُلُّ مَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ وَهِمَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ خَبَرٌ عَمَّا مَضَى ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهَا إثْبَاتُ حُكْمٍ مُسْتَقْبَلٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْنَ قَدْ ذَهَبَ ، وَأَنَّ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا ، وَخَبَرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَقَعُ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِي الْقَاضِي .
هَذَا وَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى وَلَا يُعَامَلُ وَلَا يُكَلَّمُ حَتَّى يَخْرُجَ ، فَاضْطِرَارُهُ إلَى الْخُرُوجِ لَيْسَ يَصِحُّ مَعَهُ أَمْنٌ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَقَعُ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ فِي الْحَرَمِ ، وَلَا أَمْنَ أَيْضًا مَعَ هَذَا ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا مِنْ النَّارِ ؛ وَلَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ ، وَلَكِنَّهُ { مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } ، { وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ } .
قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْمَقْصُودِ ، وَبَيَانًا لِخُصُوصِ الْعُمُومِ ، إنْ كَانَ هَذَا الْقَصْدُ صَحِيحًا .
هَذَا ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ تَعْدِيدَ النِّعَم عَلَى مَنْ كَانَ بِهَا جَاهِلًا وَلَهَا مُنْكِرًا مِنْ الْعَرَبِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ } فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا مِنْ أَوْكَدِ أَلْفَاظِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْعَرَبِ ، إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا فَقَدْ وَكَّدَهُ وَأَوْجَبَهُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَّ بِأَبْلَغَ أَلْفَاظِ الْوُجُوبِ ؛ تَأْكِيدًا لِحَقِّهِ ، وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ ، وَتَقْوِيَةً لِفَرْضِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَانَ الْحَجُّ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَرَبِ مَشْرُوعًا لَدَيْهِمْ ، فَخُوطِبُوا بِمَا عَلِمُوا وَأُلْزِمُوا مَا عَرَفُوا ، وَقَدْ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ ؛ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يُغَيِّرْ مِنْ شَرْعِ إبْرَاهِيمَ مَا غَيَّرُوا حَيْثُ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَيَقُولُونَ : نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ فَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ وَنَحْنُ الْحُمْسُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُكْنَ الْحَجِّ الْقَصْدُ إلَى الْبَيْتِ .
وَلِلْحَجِّ رُكْنَانِ : أَحَدُهُمَا : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ .
وَالثَّانِي : الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ : لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَكُلُّ مَا وَرَاءَهُ نَازِلٌ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَيْنَ الْإِحْرَامُ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؟ قُلْنَا : هُوَ النِّيَّةُ الَّتِي تَلْزَمُ كُلَّ عِبَادَةٍ ، وَتَتَعَيَّنُ فِي كُلِّ طَاعَةٍ ، وَكُلُّ عَمَلٍ خِلَافُهَا لَمْ يَكُنْ بِهِ اعْتِدَادٌ ؛ فَهِيَ شَرْطٌ لَا رُكْنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا تَوَجَّهَ الْخِطَابُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِفَرْضٍ ، هَلْ يَكْفِي فِيهِ فِعْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ ؟ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ دَلِيلًا وَمَذْهَبًا .
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقْتَضِي فِعْلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَقَالَ : لَا ، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ } .
رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ؛ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قَالُوا : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَوَفِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : لَا وَلَوْ قُلْتُ : نَعَمْ ، لَوَجَبَتْ } .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ } .
فَقَالَ مُحْصِنٌ الْأَسَدِيُّ : أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : { أَمَا إنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، ثُمَّ لَوْ تُرِكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ ؟ اُسْكُتُوا عَنِّي مَا سَكَتُّ عَنْكُمْ ، إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ } فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِامْتِثَالِ الْخِطَابِ إلَّا فَعْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ هَلْ هِيَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ هِيَ مُسْتَرْسِلَةٌ عَلَى الزَّمَانِ إلَى خَوْفِ الْفَوْتِ ؟ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ إلَى حَمْلِهَا عَلَى الْفَوْرِ .
وَيَضْعُفُ عِنْدِي .
وَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ فِي مُطْلَقَاتِ ذَلِكَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ بِفَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ كَمَا تَرَاهُ ؛ وَهُوَ الْحَقُّ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَلَى النَّاسِ } عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ ، مُسْتَرْسَلٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ الْعُمُومَاتِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى حَمْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ ، خَلَا الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ أُصُولِ التَّكْلِيفِ ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ : إنَّ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ فِيهِ ، وَكَذَا الْعَبْدُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ مُطْلَقِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي تَمَامِ الْآيَةِ : { مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } وَالْعَبْدُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْنَعُهُ بِشُغْلِهِ بِحُقُوقِهِ عَنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ ؛ وَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَقَّ السَّيِّدِ عَلَى حَقِّهِ رِفْقًا بِالْعِبَادِ وَمَصْلَحَةً لَهُمْ .
وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَلَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ، وَلَا نَهْرِفُ بِمَا لَا نَعْرِفُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا الْإِجْمَاعُ .
تَوْجِيهٌ وَتَعْلِيمٌ تَسَاهَلَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فَقَالَ : إنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَجُّ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْلِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجُّ الْكَافِرِ مُعْتَدًّا بِهِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِ الرِّقُّ ضَرْبًا مُؤَبَّدًا لَمْ يُخَاطَبْ بِالْحَجِّ ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَاعْلَمُوهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْكُفَّارَ عِنْدَنَا مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصْحَابِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ ارْتَفَعَ بِالْإِسْلَامِ فَوَجَبَ ارْتِفَاعُ حُكْمِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ تَلْزَمُهُ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ مَعَ كَوْنِهِ رَقِيقًا ، وَلَوْ فَعَلَهَا فِي حَالِ الْكُفْرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِثْلَهُ ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقَدُّمِ حُقُوقِ السَّيِّدِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : السَّبِيلُ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، وَرَفَعُوا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَهُوَ أَيْضًا يَبْعُدُ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : الِاسْتِطَالَةُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لَكَانَ أَوْلَى فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّ السَّبِيلَ فِي اللُّغَةِ هِيَ الطَّرِيقُ ، وَالِاسْتِطَاعَةُ مَا يَكْسِبُ سُلُوكَهَا ، وَهِيَ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَوُجُودُ الْقُوتِ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فَالرُّكُوبُ زِيَادَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْبَدَنِ وَوُجُودِ الْقُوتِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : " النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَاقَتِهِمْ وَيُسْرِهِمْ وَجَلَدِهِمْ " .
قَالَ أَشْهَبُ : أَهُوَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا قَدْرُ طَاقَةِ النَّاسِ ، وَقَدْ يَجِدُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السَّيْرِ ، وَآخَرُ يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَلَا صِفَةَ فِي ذَلِكَ أَبَيْنُ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ، وَهَذَا بَالِغٌ فِي الْبَيَانِ مِنْهُ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ صَحَّ حَدِيثُ الْخُوزِيِّ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ ، وَالْغَالِبُ مِنْهُمْ فِي الْأَقْطَارِ الْبَعِيدَةِ ، وَخُرُوجُ مُطْلَقِ الْكَلَامِ عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا وُجِدَتْ الِاسْتِطَاعَةُ تَوَجَّهَ فَرْضُ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ إلَّا أَنْ تَعْرِضَ لَهُ آفَةٌ ، وَالْآفَاتُ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا الْغَرِيمُ يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ ، أَوْ مَنْ كَانَ لَهَا مِنْ النِّسَاءِ زَوْجٌ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ كَاخْتِلَافِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ فِي الزَّوْجِ أَنَّهُ يَمْنَعُهَا لَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْحَجَّ لَا يَلْزَمُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَحَقُّ الزَّوْجِ مُقَدَّمٌ ، وَأَمَّا الْأَبَوَانِ فَإِنْ كَانَا مَنَعَاهُ لِأَجْلِ الشَّوْقِ وَالْوَحْشَةِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ خَوْفَ الضَّيْعَةِ وَعَدَمِ الْعِوَضِ فِي التَّلَطُّفِ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْحَجِّ ؛ وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَغْصُوبًا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الْمَسِيرُ إلَى الْحَجِّ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ إنَّمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ إجْمَاعًا ؛ وَالْمَرِيضُ وَالْمَغْصُوبُ لَا اسْتِطَاعَةَ لَهُمَا ؛ فَإِنْ رَوَوْا أَنَّ الصَّحِيحَ قَدْ تَضَمَّنَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حُجِّي عَنْهُ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى } .
وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَأَبَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ ، وَهُمْ فِيهِ أَعْدَلُ قَضِيَّةً ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِمْ دِينًا وَدُنْيَا ، وَجَلْبُ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهِمَا جِبِلَّةً وَشَرْعًا فَإِنَّهُ رَأَى مِنْ الْمَرْأَةِ انْفِعَالًا بَيِّنًا ، وَطَوَاعِيَةً ظَاهِرَةً ، وَرَغْبَةً صَادِقَةً فِي بِرِّ أَبِيهَا ، وَتَأَسَّفَتْ أَنْ تَفُوتَهُ بَرَكَةُ الْحَجِّ ، وَيَكُونَ عَنْ ثَوَابِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِمَعْزِلٍ ، وَطَاعَتْ بِأَنْ تَحُجَّ عَنْهُ ؛ فَأَذِنَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ .
وَكَأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازَ حَجِّ الْغَيْرِ عَنْ الْغَيْرِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ ، وَالْبَدَنُ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ فَإِنَّ الْمَالَ يَحْتَمِلُهَا فُرُوعِي فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ جِهَةُ الْمَالِ ، وَجَازَتْ فِيهِ النِّيَابَةُ .
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيهَا دَيْنُ عَبْدٍ لَسَعَتْ فِي قَضَائِهِ ،
فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ، إنْ كَانَ لَا يَلْزَمُهَا تَخْلِيصُهُ مِنْ مَأْثَمِ الدَّيْنِ وَعَارِ الِاقْتِضَاءِ ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ؛ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَقْوَى مَا فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ دَيْنًا ، وَلَكِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ هَذَا الشَّخْصَ الْمَخْصُوصَ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ دَيْنَ اللَّهِ إذَا وَجَبَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ، وَالتَّطَوُّعُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِابْتِدَاءِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِفَرْضٍ مَا صَرَّحَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي قَوْلِهَا : " إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ " وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَمَنْعِ الْفَرِيضَةِ ، وَلَا يَجُوزُ مَا انْتَفَى فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ قَطْعًا أَنْ يَثْبُتَ فِي آخِرِهِ ظَنًّا .
يُحَقِّقُهُ أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بِإِجْمَاعٍ ؛ فَإِنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ أَوْلَى بِالْقَضَاءِ ، وَبِهِ يُبْدَأُ إجْمَاعًا لِفَقْرِ الْآدَمِيِّ وَاسْتِغْنَاءِ اللَّه تَعَالَى ، فَيَتَعَيَّنُ الْغَرَضُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ ، وَهُوَ تَأْكِيدُ مَا ثَبَتَ فِي النَّفْسِ مِنْ الْبِرِّ حَيَاةً وَمَوْتًا وَقُدْرَةً وَعَجْزًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَلَّفِ قُوتٌ يَتَزَوَّدُهُ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ إجْمَاعًا ، وَإِنْ وَهَبَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا يَحُجُّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ إجْمَاعًا ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ وَهَبَ أَبَاهُ مَالًا قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا مِنَّةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يُجَازِي الْوَالِدَ عَنْ نِعَمِهِ لَا يَبْتَدِئُهُ بِعَطِيَّةٍ .
قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْوَلَدِ لَوْ كَانَتْ جَزَاءً لَقُضِيَ بِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا ، ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مِنَّةٌ فَفِيهِ سُقُوطُ الْحُرْمَةِ وَحَقِّ الْأُبُوَّةِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ قَدْ جَزَاهُ وَقَدْ وَفَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : لَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْحَجِّ عَنْ الْأَعْمَى لِإِمْكَانِ وُصُولِهِ إلَى الْبَيْتِ مَحْمُولًا ؛ فَيَحْصُلُ لَهُ وَصْفُ الِاسْتِطَاعَةِ ، كَمَا يَحْصُلُ لَهُ فَرْضُ الْجُمُعَةِ بِوُجُودِ قَائِدٍ إلَيْهَا ، وَيَلْزَمُ السَّعْيُ لِقَضَائِهَا .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْحَبْلُ : لَفْظٌ لُغَوِيٌّ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ ؛ أَعْظَمُهَا السَّبَبُ الْوَاصِلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ .
وَهُوَ هَاهُنَا مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ عَهْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : كِتَابُهُ ، وَقِيلَ : دِينُهُ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ رُؤْيَا الظُّلَّةِ الَّتِي تَنْطِفُ عَسَلًا وَسَمْنًا ، وَفِيهِ قَالَ : { وَرَأَيْت شَيْئًا وَاصِلًا مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ } الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ ، وَعَبَّرَ الصِّدِّيقُ بِحَضْرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ، فَضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْ مَلَكِ الرُّؤْيَا مَثَلًا لِلْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ بِالْحَبْلِ الْوَاصِلِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُنِيرَانِ بِمِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كِتَابُ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ عَهْدَهُ وَدِينَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : التَّفَرُّقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : التَّفَرُّقُ فِي الْعَقَائِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } الثَّانِي : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا } ، وَيَعْضُدُهُ قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا } الثَّالِثُ : تَرْكُ التَّخْطِئَةِ فِي الْفُرُوعِ وَالتَّبَرِّي فِيهَا ، وَلْيَمْضِ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى اجْتِهَادِهِ ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ بِحَبْلِ اللَّهِ مُعْتَصِمٌ ، وَبِدَلِيلِهِ عَامِلٌ ؛ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ } ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَضَرَتْ الْعَصْرُ فَأَخَّرَهَا حَتَّى بَلَغَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَمْ يُرِدْ هَذَا مِنَّا يَعْنِي وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِعْجَالَ فَلَمْ يُعَنِّفْ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحَدًا مِنْهُمْ .
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ الْمُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ وَالتَّعَصُّبِ وَتَشْتِيتِ الْجَمَاعَةِ ؛ فَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ } .
وَرُوِيَ أَنَّ لَهُ إنْ أَصَابَ عَشَرَةَ أُجُورٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : قَوْلُهُ { وَلَا تَفَرَّقُوا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُمْ قَدْ تَفَرَّقَتْ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مُتَعَلَّقًا لَمَا جَازَتْ صَلَاةُ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ أَيْضًا قَدْ تَفَرَّقَتْ ؛ وَفِي الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْزَعَ الْآيَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ لَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ هَذَا الْعَالِمِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : أُمَّةٌ كَلِمَةٌ ذَكَرَ لَهَا عُلَمَاءُ اللِّسَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى ، وَقَدْ رَأَيْت مَنْ بَلَغَهَا إلَى أَرْبَعِينَ ، مِنْهَا أَنَّ الْأُمَّةَ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأُمَّةَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ الدَّاعِي إلَى الْحَقِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَمِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ نُصْرَةُ الدِّينِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ إذَا عَرَفَ الْمَرْءُ مِنْ نَفْسِهِ صَلَاحِيَّةَ النَّظَرِ وَالِاسْتِقْلَالِ بِالْجِدَالِ ، أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، خِلَافًا لِلْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الْعَدَالَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ شُرُوطَ الطَّاعَاتِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ ، وَكُلُّ أَحَدٍ عَلَيْهِ فَرْضٌ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُطِيعَ ، وَعَلَيْهِ فَرْضٌ فِي دِينِهِ أَنْ يُنَبِّهَ غَيْرَهُ عَلَى مَا يَجْهَلُهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ، وَيَنْهَاهُ عَمَّا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى قَبْلَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَرْتِيبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ } .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَرِيبِ الْفِقْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فِي الْبَيَانِ بِالْأَخِيرِ فِي الْفِعْلِ ، وَهُوَ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِاللِّسَانِ وَالْبَيَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبِالْيَدِ .
يَعْنِي أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الْمُنْكَرِ وَبَيْنَ مُتَعَاطِيهِ بِنَزْعِهِ وَبِجَذْبِهِ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا بِمُقَاتَلَةٍ وَسِلَاحٍ فَلْيَتْرُكْهُ ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إلَى السُّلْطَانِ ؛ لِأَنَّ شَهْرَ السِّلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ قَدْ يَكُونُ مَخْرَجًا إلَى الْفِتْنَةِ ، وَآيِلًا إلَى فَسَادٍ أَكْثَرَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، إلَّا أَنْ يَقْوَى الْمُنْكَرُ ؛ مِثْلُ أَنْ يَرَى عَدُوًّا يَقْتُلُ عَدُوًّا فَيَنْزِعُهُ عَنْهُ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَلَّا يَدْفَعَهُ ، وَيَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ قَتَلَهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُسَلِّمُهُ بِحَالٍ ، وَلْيُخْرِجْ السِّلَاحَ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ } أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهُ فِي التَّغْيِيرِ دَرَجَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ؛ وَهِيَ إذَا رَأَى مُسْلِمٌ فَحْلًا يَصُولُ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ حِينَئِذٍ ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ لَهُ هُوَ الَّذِي صَالَ عَلَيْهِ الْفَحْلُ ، أَوْ مُعِينًا لَهُ مِنْ الْخَلْقِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَدْ قَامَ بِفَرْضٍ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَنَابَ عَنْهُمْ فِيهِ ؛ وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ مَالِكُ الْفَحْلِ ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ فِي قَتْلِ الصَّائِلِ وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْظِيمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؛ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } وَإِشَارَةٌ لِتَقْدِيمِهَا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ .
وَفِي الْأَثَرِ يُنْمَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا } .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } أَوْرَدَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ الْمُنَافِقُونَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُرْتَدُّونَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَهْلُ الْكِتَابِ ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْكُفَّارِ ؛ أَقَرُّوا بِالتَّوْحِيدِ فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ قَالَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
الْخَامِسُ : رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَأَيُّ كَلَامٍ أَبَيْنُ مِنْ هَذَا ؟ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُمْكِنٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ، لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ ؛ وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَةَ وَأَهْلَ الْأَهْوَاءِ كُفَّارٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي تَرْتِيبُهُمْ ، فَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمْ فَنَسْتَقْرِئُ فِيهِمْ الْأَدِلَّةَ ، وَنَحْكُمُ بِمَا تَقْتَضِيهِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، فَفِيهِمْ نَظَرٌ طَوِيلٌ ؛ .
وَإِذَا حَكَمْنَا بِكُفْرِهِمْ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلَّى عَلَى مَوْتَاهُمْ ، وَلَا تُعَادُ مَرَضَاهُمْ .
قَالَ سَحْنُونٌ : أَدَبًا لَهُمْ .
قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : وَهَذِهِ إشَارَةٌ مِنْ سَحْنُونٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهُمْ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ يَجِبُ قَتْلُهُ ؛ فَإِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ قَتْلَهُ وَجَبَ عَلَيْكَ هِجْرَتُهُ ، فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَلَا تَعُدْهُ فِي مَرَضِهِ ، وَلَا تُصَلِّ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ حَتَّى تُلْجِئَهُ إلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّ ، وَيَتَأَدَّبَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْخَلْقِ ؛ فَكَأَنَّ سَحْنُونٌ قَالَ : إذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ فَأَدِّبْهُ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ : هَلْ تُزَوَّجُ الْقَدَرِيَّةُ ؟ فَقَالَ : قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ }
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي : قَائِمَةً بِالْحَقِّ ، يُرِيدُ قَوْلًا وَفِعْلًا ؛ فَيَعُودُ الْكَلَامُ إلَى الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ : { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ } .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ؛ وَمُفْتَتَحُ الْكَلَامِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَوْلُهُ : { لَيْسُوا سَوَاءً } تَمَامُ كَلَامٍ ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ بِوَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ ؛ وَهَذِهِ الْخِصَالُ هِيَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، لَا سِيَّمَا الصَّلَاةُ وَخَاصَّةً فِي اللَّيْلِ وَقْتَ الرَّاحَةِ .
وَقِيلَ : إنَّهَا الصَّلَاةُ مُطْلَقًا .
وَقِيلَ : إنَّهَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً وَقَدْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ فَمِنَّا الْمُضْطَجِعُ .
وَمِنَّا الْمُصَلِّي ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ هَذِهِ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ } .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا .
وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ } .
وَهَذِهِ فِي الْعَتَمَةِ تَأْكِيدٌ لِلتَّخْصِيصِ وَتَبْيِينٌ لِلتَّفْضِيلِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّهْيُ عَنْ مُصَاحَبَةِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، حَتَّى نَهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ .
قَالَ أَنَسٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا } .
فَلَمْ نَدْرِ مَا قَالَ حَتَّى جَاءَ الْحَسَنُ فَقَالَ : لَا تَسْتَضِيئُوا : لَا تُشَاوِرُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ .
وَمَعْنَى لَا تَنْقُشُوا عَرَبِيًّا : لَا تَنْقُشُوا : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَ الْحَسَنُ : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } الْآيَةَ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَسَنَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لَا تَجُوزُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } وَبِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَالِاعْتِرَاضَاتُ وَالِانْفِصَالَاتُ قَدْ مَهَّدْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قِيلَ نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقِيلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَالصَّحِيحُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَوَّلُ أَمْرِ الصُّوفِ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ } ، وَكَانَ عَلَى الزُّبَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ ، فَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى صِفَتِهِ ؛ نَزَلُوا عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ ، وَقَدْ طَرَحُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ مُسَوِّمِينَ بِالصُّوفِ ؛ فَأَمَرَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَسَوَّمُوا أَنْفُسَهُمْ وَخَيْلَهُمْ بِالصُّوفِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : جَاءَتْ الْمَلَائِكَةُ مَجْزُوزَةً أَذْنَابُ خَيْلِهِمْ وَنَوَاصِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الِاشْتِهَارُ بِالْعَلَامَةِ فِي الْحَرْبِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ ، وَهِيَ هَيْئَةٌ بَاهِيَةٌ قُصِدَ بِهَا الْهَيْبَةُ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَالْإِغْلَاظُ عَلَى الْكُفَّارِ ، وَالتَّحْرِيضُ لِلْمُؤْمِنِينَ .
وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .
وَهَذَا مِنْ بَابِ الْجَلِيَّاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى بُرْهَانٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى لِبَاسِ الثَّوْبِ الْأَصْفَرِ وَحُسْنِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا نَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ بِهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ لَبِسَ نَعْلًا أَصْفَرَ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ .
وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فَانْظُرْ فِيهِ ، غَيْرَ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ قَضَى حَاجَةَ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى بَقَرَةٍ صَفْرَاءَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي جَزِّ النَّوَاصِي وَالْأَذْنَابِ فَضَعِيفٌ لَمْ يَصِحَّ ؛ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ : { الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ } .
وَهَذَا إنْ صَحَّ تَعْضُدُهُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ الْمُشَاوَرَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ لِيَسْتَشِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ وَيَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : شُرْت الدَّابَّةَ أَشُورهَا إذَا رُضْتهَا لِتَسْتَخْرِجَ أَخْلَافَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَاذَا تَقَعُ الْإِشَارَةُ ؟ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِشَارَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا رَأْيٌ بِقَوْلٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِوَحْيٍ مُطْلَقٍ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ حِينَ خَطَبَ : { أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ، وَاَللَّهِ مَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ " أَبَنُوهُمْ " عَيَّرُوهُمْ .
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُؤَالًا لَهُمْ عَنْ الْوَاجِبِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ التَّعَصُّبِ لَهُمْ وَإِسْلَامَهُمْ إلَى الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ؛ { فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، مِنْ الْأَوْسِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فِيهِ بِأَمْرِكَ .
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، فَقَالَ لِذَلِكَ الْأَوْسِيِّ : كَذَبْت ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ .
فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْأَوْسِيِّ الْمُتَكَلِّمِ أَوَّلًا ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : كَذَبْت ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ؛ فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ ، فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ؛ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا } .
وَكَانَتْ هَذِهِ فَائِدَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُ لِيَسْتَنَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُشَاوَرَةِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو
عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِيءَ بِالْأَسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسَارَى ؟ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً طَوِيلَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْفَلِتَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبِ عُنُقٍ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَمَا رَأَيْتنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ يَقَعَ عَلَيَّ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ .
قَالَ : وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } } قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَهُوَ عَلَى النَّحْوِ الْأَوَّلِ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ فِي قَرَابَتِهِمْ وَحَالِ أَنْفُسِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُ بِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } جَمِيعُ أَصْحَابِهِ ؛ وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ قَالَ : الْمُرَادُ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّهُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَأَحَقُّ بِهِ ، وَلَكِنْ لَا يُقْصَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَقَصْرُهُ عَلَيْهِمْ دَعْوَى .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي السِّيَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : { أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْمَنْزِلِ .
فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ ، أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ ؟ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ وَلَا نَتَأَخَّرَهُ أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ .
قَالَ : فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ ؛ انْطَلِقْ بِنَا إلَى أَدْنَى مَاءِ الْقَوْمِ } إلَى آخِرِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهَا ثَلَاثُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَغَانِمِ ، وَرُوِيَ أَنَّ قَطِيفَةً حَمْرَاءَ فُقِدَتْ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا ، وَأَكْثَرُوا فِي ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآيَةَ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْمًا غَلُّوا مِنْ الْمَغْنَمِ أَوْ هَمُّوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ فِيمَا هَمُّوا وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
الثَّالِثُ : نَهَى اللَّهُ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي حَقِيقَةِ الْغُلُولِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنْ غَلَّ يَنْصَرِفُ فِي اللُّغَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : خِيَانَةٌ مُطْلَقَةٌ .
الثَّانِي : فِي الْحِقْدِ ، يُقَالُ فِي الْأَوَّلِ تَغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ ، وَفِي الثَّانِي يَغِلُّ بِكَسْرِ الْغَيْنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ خِيَانَةُ الْغَنِيمَةِ ؛ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ جَرَى عَلَى خَفَاءٍ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : كَانَ أَصْلُهُ مَنْ خَانَ فِيهِ إذَا أَدْخَلَهُ فِي مَتَاعِهِ فَسَتَرَهُ فِيهِ .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : { لَا إغْلَالَ وَلَا إسْلَالَ } .
وَفِيهِ تَفْسِيرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْإِغْلَالَ خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ ، وَالْإِسْلَالِ : السَّرِقَةُ مُطْلَقَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِغْلَالَ وَالْإِسْلَالَ السَّرِقَةُ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْإِغْلَالَ خِيَانَةُ الْمَغْنَمِ وَالْإِسْلَالَ سَرِقَةُ الْخَطْفِ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ ، كَمَا يَفْعَلُ سُودَانُ مَكَّةَ الْيَوْمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي الْقِرَاءَاتِ : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ يَغُلُّ بِضَمِّ الْغَيْنِ ، وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ ، وَهُمَا صَحِيحَتَانِ قِرَاءَةً وَمَعْنًى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي مَعْنَى الْآيَةِ : فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّ الْغَيْنِ فَمَعْنَاهُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَ فِي مَغْنَمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ .
وَلَا فِي وَحْيٍ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِظَنِينٍ وَلَا ضَنِينٍ ، أَيْ لَيْسَ بِمُتَّهَمٍ عَلَيْهِ وَلَا بِخَيْلٍ فِيهِ ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَمِينًا حَرِيصًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يَخُونُ وَهُوَ يَأْخُذُ مَا أَحَبَّ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ وَيَكُونُ لَهُ فِيهِ سَهْمُ الصَّفِيِّ ؛ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَصْطَفِيَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ مَا أَرَادَ ، ثُمَّ يَأْخُذَ الْخُمُسَ وَتَكُونَ الْقِسْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ كَرَامَةَ أَخْلَاقٍ وَطَهَارَةَ أَعْرَاقٍ ، فَكَيْفَ مَعَ مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ وَعِصْمَةِ الرِّسَالَةِ .
وَمَنْ قَرَأَ يُغَلَّ بِنَصْبِ الْغَيْنِ فَلَهُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : يُوجَدُ غَالًّا ، كَمَا تَقُولُ : أَحْمَدْتُ فُلَانًا .
الثَّانِي : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا تُلِيَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفَسَّرَ بِهَذَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ .
فَقَالَ : نَعَمْ وَيَقْتُلُ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا ؛ فَإِنْ بَاعَهُ فِي الْعِلْمِ وَالتَّفْسِيرِ لَا يَبُوعَهُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ ، أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ وُجُودًا ، إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخُونَهُ أَحَدٌ شَرْعًا ، نَعَمْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيهِمْ فُجُورًا وَتَعَدِّيًا ، وَخَصَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَيْضًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُونَ ، وَلَكِنْ هُوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً .
الثَّالِثُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُتَّهَمَ فَإِنَّهُ مُبَرَّأٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ شَيْطَانًا لَبَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ وَجَاءَهُ فِي صُورَةِ مَلَكٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُشْكِلَيْنِ ، وَخَصَّصْنَاهُ بِرِسَالَةٍ سَمَّيْنَاهَا بِكِتَابِ " تَنْبِيهِ الْغَبِيِّ
عَلَى مِقْدَارِ النَّبِيِّ " وَسَنَذْكُرُهَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الرَّابِعُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ ، وَلَا يُعْلَمُ ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَانَهُ أَحَدٌ أَطْلَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا أَقْوَى وُجُوهِ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى ثَقَلِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كَرْكَرَةُ فَمَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : هُوَ فِي النَّارِ } فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ غَلَّ عَبَاءَةً .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ } فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ .
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ : { إنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَذَكَرَ الْغُلُولَ وَعَظَّمَهُ ، وَقَالَ : { لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهَا حَمْحَمَةٌ يَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَغِثْنِي .
فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْت } الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا غَلَّ الرَّجُلُ فِي الْمَغْنَمِ فَوَجَدْنَاهُ أَخَذْنَاهُ مِنْهُ وَأَدَّبْنَاهُ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَلِلْحُسَيْنِ مِنْ التَّابِعِينَ ، حَيْثُ قَالُوا : يُحْرَقُ رَحْلُهُ إلَّا الْحَيَوَانَ وَالسِّلَاحَ .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إلَّا السَّرْجَ ، وَالْإِكَافَ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قَالَ : { إذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ } .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ .
وَرَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ .
قَالَ ابْنُ الْجَارُودِ عَنْ الذُّهْلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ الْقَطَّانِ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ .
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ كَرْكَرَةَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَحْرَقَ مَتَاعَهُ .
وَهَذَا أَصَحُّ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ إنَّمَا لَمْ يُحْرِقْ رَحْلَ كَرْكَرَةَ ؛ لِأَنَّ كَرْكَرَةَ قَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ ؛ وَالتَّحْرِيقُ إنَّمَا هُوَ زَجْرٌ وَرَدْعٌ ، وَلَا يُرْدَعُ مَنْ مَاتَ .
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُرْدَعُ بِهِ مَنْ بَقِيَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ ثُمَّ تُرِكَ ، وَيَعْضُدُهُ أَنَّهُ لَا عُقُوبَةَ فِي الْأَمْوَالِ ، وَلَكِنَّهُ يُؤَدَّبُ بِجِنَايَتِهِ لِخِيَانَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَحْرِيمُ الْغُلُولِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَأْثِرَ بِشَيْءٍ مِنْهَا دُونَ الْآخَرِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمُ الصَّفِيِّ .
الثَّانِي : أَنَّ الْوَلِيَّ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَغْنَمِ مَا شَاءَ ، وَهَذَا رُكْنٌ عَظِيمٌ وَأَمْرٌ مُشْكِلٌ ، بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الثَّالِثُ : فِي الصَّحِيحِ ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : { أَصَبْت جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ ، وَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا شَيْئًا مِنْ هَذَا ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَبَسُّمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَأَى حَقًّا مِنْ أَخْذِ الْجِرَابِ وَحَقًّا مِنْ الِاسْتِبْدَادِ بِهِ دُونَ النَّاسِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَمْ يَتَبَسَّمْ مِنْهُ وَلَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْبَاطِلِ إجْمَاعًا كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَمَنْ غَصَبَ مِنْهَا شَيْئًا أُدِّبَ ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً أَوْ سَرَقَ نِصَابًا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَرَأَى جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا وَكَانَ سَهْمُهُ كَالْمُشْتَرَكِ الْمُعَيَّنِ .
قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ ظَاهِرٌ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ بَيْتُ الْمَالِ ، وَقَدْ مَنَعَ بَيْتُ الْمَالِ ، وَقَالَ : لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ يُقْطَعُ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : إنَّ حَظَّهُ فِي الْمَغْنَمِ يُورَثُ عَنْهُ وَحَظَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يُورَثُ عَنْهُ ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي الْإِنْصَافِ .
الْآيَة الرَّابِعَة وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ مَانِعُو الزَّكَاةَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، بَخِلُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ خَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ ؛ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ، وَالشُّحُّ مَنْعُ الْمُسْتَحَبِّ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } وَالْإِيثَارُ مُسْتَحَبٌّ ، وَسُمِّيَ مَنْعُهُ شُحًّا .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ بِرِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ؛ فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ وَوَفَرَتْ حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتُعَفِّيَ أَثَرَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ تَقَلَّصَتْ وَلَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا ، فَهُوَ يُوَسِّعُ وَلَا تُوَسَّعُ } .
وَهَذَا مِنْ الْأَمْثَالِ الْبَدِيعَةِ ، بَيَانُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْمُخْتَارِ الصَّحِيحِ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا وَعِيدٌ لِمَانِعِهَا ، وَالْوَعِيدُ الْمُقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى حَسَبِ اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ ؛ وَهَذَا الْوَعِيدُ بِالْعِقَابِ مُفَسَّرٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ مَالٍ لَا يُؤَدَّى زَكَاتُهُ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَأْخُذُهُ بِشِدْقَيْهِ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ } ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } إلَى آخِرِهَا .
وَهَذَا نَصٌّ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ .
أَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ يَدْخُلُ فِي الْآيَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ وَاجِبًا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ فَمَنْعُهُ وَقَطْعُهُ لِمُوجَبِ الشَّرِيعَةِ وَمُبَلِّغِهَا ، وَشَارِحِهَا أَوْلَى بِوُجُوبِ الْعِقَابِ وَتَضْعِيفِهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ { : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَمُضْطَجِعِينَ عَلَى جُنُوبِهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الذِّكْرُ الْمُطْلَقُ .
الرَّابِعُ : قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ : الْمَعْنَى قِيَامًا بِحَقِّ الذِّكْرِ وَقُعُودًا عَنْ الدَّعْوَى فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْأَحَادِيثِ الْمُنَاسِبَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى ، وَهِيَ خَمْسَةٌ : الْأَوَّلُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ : فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَقْرَأُ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الْعَشْرَ الْآيَاتِ } .
الثَّانِي : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ { عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ بِهِ بَاسُورٌ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ } .
الثَّالِثُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ مُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ .
} الرَّابِعُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةُ } .
الْخَامِسُ : رَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسَنَّ وَحَمَلَ اللَّحْمَ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذِكْرٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : مَنْ قَدَرَ صَلَّى قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا ،
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى جَالِسًا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى نَائِمًا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ وَرُوِيَ عَلَى ظَهْرِهِ .
وَالصَّحِيحُ الْجَنْبُ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ ، وَمَا وَافَقَ الْحَدِيثَ فِيهِ أَوْلَى ، وَهُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْمَسَائِلِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي شَرْحِ أَلْفَاظِهَا : الصَّبْرُ : عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ النَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا ، وَالْمُصَابَرَةُ : إدَامَةُ مُخَالَفَتِهَا فِي ذَلِكَ ؛ فَهِيَ تَدْعُو وَهُوَ يَنْزِعُ .
وَالْمُرَابَطَةُ : الْعَقْدُ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى لَا يَبْخَلَ فَيَعُودَ إلَى مَا كَانَ صَبَرَ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْأَقْوَالِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ ، وَصَابِرُوا وَعْدِي لَكُمْ ، وَرَابِطُوا أَعْدَاءَكُمْ .
الثَّانِي : اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ ، وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ ، وَرَابِطُوا الْخَيْلَ .
الثَّالِثُ : مِثْلُهُ إلَّا قَوْلَهُ : رَابِطُوا فَإِنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ رَابِطُوا الصَّلَوَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي حَقِيقَةِ ذَلِكَ : وَهُوَ أَنَّ الصَّبْرَ : حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ مَكْرُوهِهَا الْمُخْتَصِّ بِهَا وَالْمُصَابَرَةُ : حَمْلُ مَكْرُوهٍ يَكُونُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا ؛ الْأَوَّلُ كَالْمَرَضِ ، وَالثَّانِي كَالْجِهَادِ .
وَالرِّبَاطُ : حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ وَالْجِسْمِ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ ، وَمِنْ أَعْظَمِهِ ارْتِبَاطُ الْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَارْتِبَاطُ النَّفْسِ عَلَى الصَّلَوَاتِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ؛ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ .
وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ } .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ : إسْبَاغُ
الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ، فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ ثَلَاثًا } .
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَوْلَاهُ وَأَفْضَلَهُ فِي نَوْعَيْ الطَّاعَةِ الْمُتَعَدِّي بِالْمَنْفَعَةِ إلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ ، وَإِلْزَامُ الْمُخْتَصِّ بِالْفَاعِلِ وَهُوَ دُونَهُ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَتَفَاضَلُ الْعَقَائِدُ وَالْأَعْمَالُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَفِيضُ مِنْهُ .
سُورَةُ النِّسَاءِ فِيهَا إحْدَى وَسِتُّونَ آيَة الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ } الْمَعْنَى : اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَعْصُوهُ ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا .
وَمَنْ قَرَأَ وَالْأَرْحَامِ فَقَدْ أَكَّدَهَا حَتَّى قَرَنَهَا بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْمِلَّةُ أَنَّ صِلَةَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ قَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ ، وَثَبَتَ { أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صِلِي أُمَّكِ } .
فَلِتَأْكِيدِهَا دَخَلَ الْفَضْلُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ الْكَافِرَةِ ، فَانْتَهَى الْحَالُ بِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ إلَى أَنْ يَقُولُوا : إنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَتَوَارَثُونَ ، وَيَعْتِقُونَ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهُمْ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِمْ ، لِحُرْمَةِ الرَّحِمِ وَتَأْكِيدًا لِلْبَعْضِيَّةِ ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَمَا بَيْنَهُمْ مِنْ تَعَصُّبَةٍ وَمَا يَجِبُ لِلرَّحِمِ عَلَيْهِمْ مِنْ صِلَةٍ مَعْلُومٌ عَقْلًا مُؤَكَّدٌ شَرْعًا ، لَكِنَّ قَضَاءَ الْمِيرَاثِ قَدْ أَحْكَمْتُهُ السُّنَّةُ وَالشَّرِيعَةُ ، وَبَيَّنَتْ أَعْيَانَ الْوَارِثِينَ ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ حَظٌّ لَفُصِلَ لَهُمْ ، أَمَّا الْحُكْمُ بِالْعِتْقِ فَقَدْ نَقَضُوهُ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُعَلِّقُوهُ بِالرَّحِمِ الْمُطْلَقَةِ حَسْبَمَا قَضَى ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا أَنَاطُوهُ بِرَحِمِ الْمَحْرَمِيَّةِ ؛ وَذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّقٌ بِإِشَارَةِ الْحَدِيثِ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا نَكَتَتْهُ أَنَّهُ عُمُومٌ خَصَّصْنَاهُ فِي الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، بِدَلِيلِ الْمَعْنَى الْمُقَرَّرِ هُنَالِكَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ إنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا } مَعْنَاهُ وَأَعْطُوا ، أَيْ مَكِّنُوهُمْ مِنْهَا ، وَاجْعَلُوهَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إجْرَاءُ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إلَّا ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَخْذَ الْكُلِّيَّ وَالِاسْتِبْدَادَ .
الثَّانِي رَفْعُ الْيَدِ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ وَالْإِرْشَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ الْيَتَامَى : وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ لَا أَبَ لَهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ ، فَإِذَا بَلَغَهُ خَرَجَ عَنْ هَذَا الِاسْمِ ، وَصَارَ فِي جُمْلَةِ الرِّجَالِ .
وَحَقِيقَةُ الْيُتْمِ الِانْفِرَادُ ؛ فَإِنْ رَشَدَ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَاسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ فِي النَّظَرِ لَهَا ، وَالْمَعْرِفَةِ بِمَصَالِحِهَا ، وَالنَّظَرِ بِوُجُودِ الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ مِنْهَا زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ وَمَعْنَاهُ مِنْ الْحَجْرِ ، وَإِنْ بَلَغَ الْحُلُمَ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِي غِرَارَتِهِ وَسَفَهِهِ مُتَمَادٍ عَلَى جَهَالَتِهِ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْيُتْمِ حَقِيقَةً ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَجْرِ ، وَتَمَادَى عَلَيْهِ الِاسْمُ مَجَازًا لِبَقَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِعَدَمِ الدِّينِ لَا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ، فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَيُبَدِّلُونَهَا بِأَمْوَالِهِمْ ، وَيَقُولُونَ : اسْمٌ بِاسْمٍ وَرَأْسٌ بِرَأْسٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ مِائَةُ شَاةٍ جِيَادٍ فَيُبَدِّلُونَهَا بِمِائَةِ شَاةٍ هَزْلَى لَهُمْ ، وَيَقُولُونَ : مِائَةٌ بِمِائَةٍ ؛ فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَى تَأْكُلُوا
تَجْمَعُوا وَتَضُمُّوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : مَعْنَاهُ مَعَ أَمْوَالِكُمْ .
وَالْمَعْنَى الَّذِي يَسْلَمُ مَعَهُ اللَّفْظُ مَا قُلْنَا : نُهُوا أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ أَمْوَالَ الْيَتَامَى كَأَمْوَالِهِمْ وَيَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهَا بِالْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ اعْتَزَلَ كُلُّ وَلِيٍّ يَتِيمَهُ ، وَأَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ مِلْكِهِ حَتَّى آلَتْ الْحَالُ أَنْ يُصْنَعَ لِلْيَتِيمِ مَعَاشُهُ فَيَأْكُلَهُ ، فَإِنْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ فَسَدَ وَلَمْ يَقْرَبْهُ أَحَدٌ ، فَعَادَ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ عَلَيْهِمْ ، فَأَرْخَصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْمُخَالَطَةِ قَصْدًا لِلْإِصْلَاحِ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إنْ كَانَ الْمَعْنَى بِالْآيَةِ الْإِنْفَاقُ فَذَلِكَ يَكُونُ مَا دَامَتْ الْوِلَايَةُ ، وَيَكُونُ اسْمُ الْيُتْمِ حَقِيقَةً كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَإِنْ كَانَ الْإِيتَاءُ هُوَ التَّمْكِينُ وَإِسْلَامُ الْمَالِ إلَيْهِ فَذَلِكَ عِنْدَ الرُّشْدِ ، وَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ يَتِيمًا مَجَازًا ؛ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يَتِيمًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً أُعْطِيَ مَالَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ .
وَهَذَا بَاطِل ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ الْمُطَلَّقَةَ مَرْدُودَةٌ إلَى الْمُقَيَّدَةِ عِنْدَنَا .
وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا مُنِعَ الْيَتِيمُ مِنْ مَالِهِ هِيَ خَوْفُ التَّلَفِ عَلَيْهِ بِغِرَارَتِهِ وَسَفَهِهِ ؛ فَمَا دَامَتْ الْعِلَّةُ مُسْتَمِرَّةٍ لَا يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ ، وَإِذَا زَالَتْ الْعِلَّةُ زَالَ الْحُكْمُ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَتَحْقِيقُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمَسَائِلِ ، وَهَبْكُمْ أَنَّا لَا نَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَالْحُكْمُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ
سَنَةً لَا وَجْهَ لَهُ ، لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَلَا قَوْلٌ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَعْنَى .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُرْوَةَ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَتْ : " هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ تُشْرِكُهُ فِي مَالِهِ ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالَهَا ، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَلَا يُقْسِطَ لَهَا فِي صَدَاقِهَا ، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ حَتَّى يُقْسِطُوا لَهُنَّ ، وَيُعْطُوهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ .
قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : { وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ } } قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِهِمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إنْ كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ " ، وَهَذَا نَصُّ كِتَابَيْ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْحَشْوِ رِوَايَاتٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا هَاهُنَا ، يَرْجِعُ مَعْنَاهَا إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ } قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : مَعْنَاهُ أَيْقَنْتُمْ وَعَلِمْتُمْ ؛ وَالْخَوْفُ وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الظَّنِّ الَّذِي يَتَرَجَّحُ وُجُودَهُ عَلَى عَدَمِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى الْيَقِينِ
وَالْعِلْمِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى بَابِهِ مِنْ الظَّنِّ لَا مِنْ الْيَقِينِ ؛ التَّقْدِيرُ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّقْصِيرُ فِي الْقِسْطِ لِلْيَتِيمَةِ فَلْيَعْدِلْ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : دَلِيلُ الْخِطَابِ : وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهِ ؛ فَإِنَّ دَلِيلَ خِطَابِ هَذِهِ الْآيَةِ سَاقِطٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْسِطُ لِلْيَتِيمَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ سِوَاهَا ، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إذَا خَافَ أَلَّا يُقْسِطَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ { فِي الْيَتَامَى } فِي تَجْوِيزِ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتُسْتَأْمَرَ وَيَصِحَّ إذْنُهَا .
وَفِي بَعْضِ رِوَايَتِنَا إذَا افْتَقَرَتْ أَوْ عَدِمَتْ الصِّيَانَةَ جَازَ إنْكَاحُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ .
وَالْمُخْتَارُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ يَتِيمَةً قَبْلَ الْبُلُوغِ ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ هِيَ امْرَأَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا يَتِيمَةٌ .
قُلْنَا : الْمُرَادُ بِهِ يَتِيمَةٌ بَالِغَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ } وَهُوَ اسْمٌ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْكِبَارِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ : { فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } فَرَاعَى لَفْظَ النِّسَاءِ ، وَيُحْمَلُ الْيُتْمُ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ لِلِاسْمِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ أَرَادَ الْبَالِغَةَ لَمَا نَهَى عَنْ حَطِّهَا عَنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَارُ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ إجْمَاعًا .
قُلْنَا : إنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ ذَاتَ وَصِيٍّ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى اسْتِظْهَارِ الْوَلِيِّ عَلَيْهَا بِالرُّجُولِيَّةِ وَالْوِلَايَةِ ، فَيَسْتَضْعِفُهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَيَتَزَوَّجُهَا بِمَا شَاءَ ، وَلَا يُمَكِّنُهَا خِلَافَهُ ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِالْحَقِّ الْوَافِرِ .
وَقَدْ وَفَرَّنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّلْخِيصِ ، وَرَوَيْنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثَ الْمُوَطَّأِ : { الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَلَا إذْنَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ : { زَوَّجَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ بِنْتَ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ، فَجَاءَ الْمُغِيرَةُ إلَى أُمِّهَا فَرَغَّبَهَا فِي الْمَالِ فَرَغِبَتْ ، فَقَالَ قُدَامَةُ : أَنَا عَمُّهَا وَوَصِيُّ أَبِيهَا ، زَوَّجْتُهَا مِمَّنْ أَعْرِفُ فَضْلَهُ .
فَتَرَافَعُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّهَا يَتِيمَةٌ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا } .
قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : تُحْمَلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : إلَّا بِإِذْنِهَا ، وَلَيْسَ لِلصَّغِيرَةِ إذْنٌ .
وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي الْجَوَابِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، أَقْوَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْيُتْمِ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَةَ لَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهَا .
.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِإِسْقَاطِ الزَّوْجَةِ أَوْ مَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا مِنْ أَبٍ ؛ فَأَمَّا الْوَصِيُّ فَمَنْ دُونَهُ فَلَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَسُنَّتِهَا .
وَسُئِلَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ غَنِيَّةً مِنْ ابْنِ أَخٍ لَهُ فَقِيرٍ ؛ فَاعْتَرَضَتْ أُمُّهَا ؛ فَقَالَ : إنِّي لَأَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا ، فَسَوَّغَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ حَتَّى يُظْهِرَ هُوَ فِي نَظَرِهِ مَا يُسْقِطُ اعْتِرَاضَ الْأُمِّ عَلَيْهِ .
وَرُوِيَ : مَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ مُتَكَلِّمًا ، بِزِيَادَةِ الْأَلْفِ عَلَى النَّفْيِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا بَلَغَتْ الْيَتِيمَةُ وَأَقْسَطَ الْوَلِيُّ فِي الصَّدَاقِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَكُونَ هُوَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ ، فَيَكُونُ نَاكِحًا مُنْكِحًا حَتَّى يُقَدِّمَ الْوَلِيُّ مَنْ يَنْكِحُهَا .
وَمَالَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ تَعْدِيدَ النَّاكِحِ وَالْمُنْكِحِ وَالْوَلِيِّ تَعَبُّدٌ ، فَإِذَا اتَّحَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ حِينَ قَالَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ } الْحَدِيثُ .
الْجَوَابُ : إنَّا لَا نَقُولُ : إنَّ لِلتَّعَبُّدِ مَدْخَلًا فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ ارْتِبَاطَ الْعَقْدِ بِالْوَلِيِّ ، فَأَمَّا التَّعَدُّدُ وَالتَّعَبُّدُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَظَرَ لَهُ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ إلَى الْعَقْدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ؛ وَالصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .
التَّقْدِيرُ : انْكِحُوا مَنْ حَلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ، وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعَقْدِ ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : انْكِحُوا نِكَاحًا طَيِّبًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } قَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُبِيحُ لِلرَّجُلِ تِسْعَ نِسْوَةٍ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ مَثْنَى عِنْدَ الْعَرَبِ عِبَارَةٌ عَنْ اثْنَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثُلَاثَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثٍ مَرَّتَيْنِ ، وَرُبَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعٍ مَرَّتَيْنِ ، فَيَخْرُجُ مِنْ ظَاهِرِهِ عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ إبَاحَةُ ثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً : لِأَنَّ مَجْمُوعَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ تِسْعَةٌ ، وَعَضَّدُوا جَهَالَتَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ تَحْتَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ، وَقَدْ كَانَ تَحْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعٍ ، وَإِنَّمَا مَاتَ عَنْ تِسْعٍ ، وَلَهُ فِي النِّكَاحِ وَفِي غَيْرِهِ خَصَائِصُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ ، بَيَانُهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ .
وَلَوْ قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا لَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ نِكَاحِ التِّسْعِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكَلَامِ وَنِظَامِ الْمَعْنَى فِيهِ : فَلَكُمْ نِكَاحُ أَرْبَعٍ ، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَثَلَاثَةً ، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَاثْنَتَيْنِ ؛ فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ؛ فَنَقْلُ الْعَاجِزِ عَنْ هَذِهِ الرُّتَبِ إلَى مُنْتَهَى قُدْرَتِهِ ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحِلِّ ، وَهِيَ الْأَرْبَعُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ تِسْعَ نِسْوَةٍ لَكَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَانْكِحُوا تِسْعَ نِسْوَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ، وَهَذَا مِنْ رَكِيكِ الْبَيَانِ الَّذِي لَا يَلِيقُ
بِالْقُرْآنِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِمَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ حِينَ أَسْلَمَ ، وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : مِنْ الْبَيِّنِ عَلَى مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي نِكَاحِ أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّهَا خِطَابٌ لِمَنْ وَلِيَ وَمَلَكَ وَتَوَلَّى وَتَوَصَّى ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ الْأَحْرَارِ الْمَالِكِينَ الَّذِينَ يَلُونَ الْأَيْتَامَ تَحْتَ نَظَرِهِمْ ؛ يَنْكِحُ إذَا رَأَى ، وَيَتَوَقَّفُ إذَا أَرَادَ .
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَنْكِحُ إلَّا اثْنَتَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَفِي مَشْهُورِ قَوْلَيْهِ إنَّهُ يَتَزَوَّجُ أَرْبَعًا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَالتَّسْوِيَةِ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ ، وَهُوَ فَرْضٌ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَمِدُهُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ ، إذَا فَعَلَ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ وَوَجَدَ قَلْبَهُ الْكَرِيمَ السَّلِيمَ يَمِيلُ إلَى عَائِشَةَ : { اللَّهُمَّ هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ } يَعْنِي قَلْبَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا صَرْفَ قَلْبِهِ عَنْ ذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ ، وَرُبَّمَا فَاتَ الْقُدْرَةَ ؛ وَأَخَذَ الْخَلْقَ بِاعْتِدَادِ الظَّاهِرِ لِتَيَسُّرِهِ عَلَى الْعَاقِلِ ، فَإِذَا قَدَرَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ وَمِنْ بِنْيَتِهِ عَلَى نِكَاحِ أَرْبَعٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلُ مَالُهُ وَلَا بِنْيَتُهُ فِي الْبَاءَةِ ذَلِكَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ إنْ نَالَهَا فَحَسَنٌ وَإِنْ قَعَدَ عَنْهَا هَانَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ أُخْرَى فَإِنَّهُ إذَا أَمْسَكَ عَنْهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ يَتَوَفَّرُ لِلْأُخْرَى ، فَيَقَعُ النِّزَاعُ وَتَذْهَبُ الْأُلْفَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا حَقَّ لِلْوَطْءِ فِيهِ وَلَا لِلْقَسْمِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فِي الْقَسْمِ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، فَجَعَلَ مِلْكَ الْيَمِينِ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِمِلْكِهِ حَقٌّ فِي الْوَطْءِ .
أَوْ فِي الْقَسْمِ ، وَحَقُّ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْعَدْلِ قَائِمٌ بِوُجُوبِ حَسَنِ الْمِلْكِيَّةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّقِيقِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَلَّا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : أَلَّا تَضِلُّوا ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَلَّا تَمِيلُوا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّاسُ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي رِسَالَةِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " بِشَيْءٍ لَمْ نَرَ أَنْ نَخْتَصِرَهُ هَاهُنَا : قُلْنَا : أُعْجِبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِكَلَامِهِ هَذَا ، وَقَالُوا : هُوَ حُجَّةٌ لِمَنْزِلَةِ الشَّافِعِيِّ فِي اللُّغَةِ ، وَشُهْرَتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِالْفَصَاحَةِ حَتَّى لَقَدْ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ : هُوَ أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ ، مَعَ غَوْصِهِ عَلَى الْمَعَانِي ، وَمَعْرِفَتِهِ بِالْأُصُولِ ؛ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : فَانْكِحُوا وَاحِدَةً إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ تَنْتَفِيَ عَنْكُمْ كَثْرَةُ الْعِيَالِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ .
وَقَالَ أَصْحَابُهُ : لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَوْلِ هَاهُنَا الْمَيْلَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَيْلَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ عَدَدِ النِّسَاءِ وَقِلَّتِهِنَّ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ إذَا كَثُرْنَ تَكَاثَرَتْ الْحُقُوقُ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : كُلُّ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَوْ قِيلَ عَنْهُ أَوْ وُصِفَ بِهِ فَهُوَ كُلُّهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِكٍ ، وَنَغْبَةٌ مِنْ بَحْرِهِ ؛ وَمَالِكٌ أَوْعَى سَمْعًا ، وَأَثْقَبُ فَهْمًا ، وَأَفْصَحَ لِسَانًا ، وَأَبْرَعُ بَيَانًا ، وَأَبْدَعُ وَصْفًا ، وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ مُقَابَلَةُ قَوْلٍ بِقَوْلٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَفَصْلٍ .
وَاَلَّذِي يَكْشِفُ لَكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَحْثُ عَنْ مَعَانِي قَوْلِكَ " عَالَ " لُغَةً حَتَّى إذَا عَرَفْتَهُ رَكَّبْتَ عَلَيْهِ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَحَكَمْتَ بِمَا يَصِحُّ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ سَبْعَةَ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ :
الْمَيْلُ ؛ قَالَ يَعْقُوبُ : عَالَ الرَّجُلُ إذَا مَالَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } وَفِي الْعَيْنِ : الْعَوْلُ : الْمَيْلُ فِي الْحُكْمِ إلَى الْجَوْرِ ، وَعَالَ السَّهْمُ عَنْ الْهَدَفِ : مَالَ عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنَّهُ لِعَائِلِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، وَيَنْشُدُ لِأَبِي طَالِبٍ : بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَغُلُّ شَعِيرَةً لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ الثَّانِي : عَالَ : زَادَ .
الثَّالِثُ عَالَ : جَارَ فِي الْحُكْمِ .
قَالَتْ الْخَنْسَاءُ : وَلَيْسَ بِأَوْلَى وَلَكِنَّهُ وَيَكْفِي الْعَشِيرَةَ مَا عَالَهَا الرَّابِعُ : عَالَ : افْتَقَرَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } الْخَامِسُ : عَالَ : أَثْقَلَ ؛ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى بَيْتِ الْخَنْسَاءِ ، وَكَانَ بِهِ أَقْعُدُ .
السَّادِسُ : قَامَ بِمَؤُونَةِ الْعَائِلِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } " .
السَّابِعُ : عَالَ : غَلَبَ ، وَمِنْهُ عِيلَ صَبْرُهُ ، أَيْ غَلَبَ .
هَذِهِ مَعَانِيهِ السَّبْعَةُ لَيْسَ لَهَا ثَامِنٌ ، وَيُقَالُ : أَعَالَ الرَّجُلُ كَثُرَ عِيَالُهُ ، وَبِنَاءُ " عَالَ " يَتَعَدَّى وَيَلْزَمُ ، وَيَدْخُلُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَسْأَلَةِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ مُفَصَّلًا بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ شَهِدَ لَكَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ ؛ أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { تَعُولُوا } فِعْلٌ ثُلَاثِيٌّ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَيْلِ الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَانِي " عَوَّلَ " كُلُّهَا ، وَالْفِعْلُ فِي كَثْرَةِ الْعِيَالِ رُبَاعِيٌّ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْآيَةِ ، فَقَدْ ذَهَبَتْ الْفَصَاحَةُ وَلَمْ تَنْفَعْ الضَّادُ الْمَنْطُوقُ بِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : ذَلِكَ أَدْنَى ، أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَنْتَفِيَ الْعَوْلَ يَعْنِي الْمَيْلَ ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً عُدِمَ الْمَيْلُ ، وَإِذَا كَانَتْ
ثَلَاثًا فَالْمَيْلُ أَقَلُّ ، وَهَكَذَا فِي اثْنَتَيْنِ ؛ فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْخَلْقَ إذَا خَافُوا عَدَمَ الْقِسْطِ وَالْعَدْلِ بِالْوُقُوعِ فِي الْمَيْلِ مَعَ الْيَتَامَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْأَجَانِبِ أَرْبَعًا إلَى وَاحِدَةٍ ؛ فَذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يَقِلَّ الْمَيْلَ فِي الْيَتَامَى وَفِي الْأَعْدَادِ الْمَأْذُونِ فِيهَا ، أَوْ يَنْتَفِيَ ؛ وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ ، فَأَمَّا كَثْرَةُ الْعِيَالِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى أَلَّا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : مَنْ الْمُخَاطَبُ بِالْإِيتَاءِ ؟ : وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَوْلِيَاءُ ؛ قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ .
وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الضَّمَائِرَ وَاحِدَةٌ ؛ إذْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ ، وَهِيَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِجُمْلَتِهِ الْأَزْوَاج ؛ فَهُمْ الْمُرَادُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ } فَوَجَبَ تَنَاسُقُ الضَّمَائِرِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ هُوَ الْآخِرُ فِيهَا أَوْ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { نِحْلَةً } وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَطِيَّةِ الْخَالِيَةِ عَنْ الْعِوَضِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَا هَاهُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهُ : طِيبُوا نَفْسًا بِالصَّدَاقِ ، كَمَا تَطِيبُونَ بِسَائِرِ النِّحَلِ وَالْهِبَاتِ .
الثَّانِي : مَعْنَاهُ " نِحْلَةً " مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ ؛ فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ كَانُوا يَأْخُذُونَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَانْتَزَعَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ وَنَحَلَهَا النِّسَاءَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ " عَطِيَّةً " مِنْ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَنَاكَحُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالشِّغَارِ وَيُخْلُونَ النِّكَاحَ مِنْ الصَّدَاقِ ؛ فَفَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ وَنَحَلَهُ إيَّاهُنَّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : النِّكَاحُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ انْعَقَدَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلٌ عَنْ
صَاحِبِهِ ، وَمَنْفَعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَةِ الْآخَرِ ، وَالصَّدَاقُ زِيَادَةٌ فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الزَّوَاجِ لِمَا جَعَلَ لَهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ الدَّرَجَةِ ، وَلِأَجْلِ خُرُوجِهِ عَنْ رَسْمِ الْعِوَضِيَّةِ جَازَ إخْلَاءُ النِّكَاحِ عَنْهُ ، وَالسُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِهِ ، ثُمَّ يُفْرَضُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ ، أَوْ يَجِبُ بِالْوَطْءِ .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَالُوا : لَوْ فَسَدَ الصَّدَاقُ لَمَا تَعَدَّى فَسَادُهُ إلَى النِّكَاحِ ، وَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِفَسْخِهِ لَمَّا كَانَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى عَقْدِهِ وَصِلَةً فِي حَقِّهِ ، فَإِنْ طَابَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسًا بَعْدَ وُجُوبِهِ بِهِبَتِهِ لِلزَّوْجِ وَحَطَّهُ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُ ، وَإِنْ أَبَتْ فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا فِيهِ ، كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا حَسْبَمَا اقْتَضَاهُ عُمُومُ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الصَّدَاقَ عِوَضًا ، وَأَجْرَاهُ مَجْرَى سَائِرَ أَعْوَاضِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَقَابِلَاتِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } فَسَمَّاهُ أَجْرًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ عَنْ حُكْمِ النِّحَلِ إلَى حُكْمِ الْمُعَاوَضَاتِ .
وَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَتَمَتَّعُ بِصَاحِبِهِ وَيُقَابِلُهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ زِيَادَةٌ فِيهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ وَجَبَ الصَّدَاقُ عَلَى الزَّوْجِ لِيَمْلِكَ بِهِ السَّلْطَنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَيَنْزِلَ مَعَهَا مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ مَعَ الْمَمْلُوكِ فِيمَا بَذَلَ مِنْ الْعِوَضِ فِيهِ ، فَتَكُونَ مَنْفَعَتُهَا بِذَلِكَ لَهُ فَلَا تَصُومُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تَحُجُّ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تُفَارِقُ مَنْزِلَهَا إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَيَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِمَالِهَا كُلِّهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهَا مِنْهُ إلَّا ثُلُثُهُ ، فَمَا ظَنُّكَ بِبَدَنِهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِفَسَادِهِ ، فَيُفْسَخُ قَبْلَ وَبَعْدَ .
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ ،
لِمَا فَاتَ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَمَضَى مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ .
وَأَمَّا طِيبُ نَفْسِ الْمَرْأَةِ بِهِ إنْ كَانَتْ مَالِكَةً فَصَحِيحٌ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ .
وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَا لَهَا ، كَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الصَّغِيرَةُ عِنْدَهُمْ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْأَمَةُ .
وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَلَكِنْ رَاعَى قِيَامَ الرُّشْدِ ، وَدَلِيلُ التَّمَلُّكِ لِلْمَالِ دُونَ ظَاهِرِ الْعُمُومِ فِي الزَّوْجَاتِ ، كَذَلِكَ فَعَلْنَا نَحْنُ فِي الْبِكْرِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا أَدِلَّةَ قُصُورِهَا عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهَا فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ ، وَفِي الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ النُّكَتِ كِفَايَةٌ لِلَبِيبِ الْمُنْصِفِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَالِكَةَ لِأَمْرِ نَفْسِهَا إذَا وَهَبَتْ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا نَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلَا رُجُوعَ لَهَا فِيهِ ، إلَّا أَنَّ شُرَيْحًا رَأَى الرُّجُوعَ لَهَا فِيهِ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا } وَإِذَا قَامَتْ طَالِبَةً لَهُ لَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسًا ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ طَابَتْ وَقَدْ أَكَلَ ، فَلَا كَلَامَ لَهَا ؛ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ صُورَةَ الْأَكْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْإِحْلَالِ وَالِاسْتِحْلَالِ ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي السَّفَهِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الصَّغِيرَةُ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُجَرَّبْ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ السَّفَهَ صِفَةُ ذَمٍّ ، وَالصَّغِيرَةُ وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَحِقَّانِ ذَمًّا .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ وَصَفَ الْمَرْأَةَ بِنُقْصَانِ الدِّينِ وَالْعَقْلِ ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ مَوْصُوفٌ بِالْغِرَارَةِ وَالنَّقْصِ ، وَإِنْ كَانَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمَا ، لَكِنَّهُمَا لَا يُلَامَانِ عَلَى ذَلِكَ ، فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ إيتَاءِ الْمَالِ إلَيْهِمْ ، وَتَمْكِينِهِمْ مِنْهُ ، وَجَعْلِهِ فِي أَيْدِيهِمْ ؛ وَيَجُوزُ هِبَةُ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَيَكُونُ لِلسُّفَهَاءِ مِلْكًا وَلَكِنْ لَا يَكُونُ لَهُمْ عَلَيْهِ يَدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَمْوَالَكُمْ } اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْإِضَافَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا حَقِيقَةٌ ، وَالْمُرَادُ نَهْيُ الرَّجُلِ أَوْ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُؤْتِيَ مَالَهُ سُفَهَاءَ أَوْلَادِهِ ؛ فَيُضَيِّعُونَهُ وَيَرْجِعُونَ عِيَالًا عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَهْيُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ إيتَاءِ السُّفَهَاءِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَإِضَافَتِهَا إلَى الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ ، تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ ، وَتَخْرُجُ عَنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } مَعْنَاهُ : لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ؛ فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ فَيَكُونُ قَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا أُعْطِيَ الْمَالُ سَفِيهًا فَأَفْسَدَهُ رَجَعَ النُّقْصَانُ إلَى الْكُلِّ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَمِيعُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ } لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ وَلِيَّ الْيَتِيمِ ؛ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالتَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ اشْتَرَاك الْخَلْقِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِهِ الْآبَاءَ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } الْمَعْنَى : لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ الْحِرْمَانِ وَجَفَاءِ الْقَوْلِ لَهُمْ ، وَلَكِنْ حَسِّنُوا لَهُمْ الْكَلَامَ ؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِوَلِيِّهِ : أَنَا أَنْظُرُ إلَيْكَ ، وَهَذَا الِاحْتِيَاطُ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَيْكَ .
وَيَقُولُ الْأَبُ لِابْنِهِ : مَالِي إلَيْكَ مَصِيرُهُ ، وَأَنْتَ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَاحِبُهُ إذَا مَلَكْتُمْ رُشْدَكُمْ وَعَرَفْتُمْ تَصَرُّفَكُمْ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاَللَّهِ حَسِيبًا } فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الِابْتِلَاءُ هُنَا الِاخْتِبَارُ ، لِتَحْصُلَ مَعْرِفَةُ مَا غَابَ مِنْ عِلْمِ الْعَاقِبَةِ أَوْ الْبَاطِنِ عَنْ الطَّالِبِ لِذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْيَتَامَى } قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي وَجْهِ تَخْصِيصِ الْيَتَامَى : وَهُوَ أَنَّ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَمَصْلَحَتِهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ يَحُوطُهُ ، أَوْ لَا أَبَ لَهُ ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَمَا عِنْدَهُ مِنْ غَلَبَةِ الْحُنُوِّ وَعَظِيمِ الشَّفَقَةِ يُغْنِي عَنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ وَالِاهْتِبَالِ بِأَمْرِهِ .
فَأَمَّا الَّذِي لَا أَبَ لَهُ فَخُصَّ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرِهِ لِذَلِكَ وَالْوَصِيَّةِ بِهِ ، وَإِلَّا فَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْأَبُ بِوَلَدِهِ الصِّغَارِ أَوْ الضُّعَفَاءِ فَإِنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ وَيَخْتَبِرُ أَحْوَالَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي كَيْفِيَّةِ الِابْتِلَاءِ : وَهُوَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَتَأَمَّلُ أَخْلَاقَ يَتِيمِهِ ، وَيَسْتَمِعُ إلَى أَغْرَاضِهِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِنَجَابَتِهِ وَالْمَعْرِفَةُ بِالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِ ، وَضَبْطِ مَالِهِ ، أَوْ الْإِهْمَالُ لِذَلِكَ ؛ فَإِذَا تَوَسَّمَ الْخَيْرَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَهُوَ الثَّانِي ، وَيَكُونُ يَسِيرًا ، وَيُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ ؛ فَإِنْ نَمَّاهُ وَأَحْسَنَ النَّظَرَ فِيهِ فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِيَارُ ، فَلْيُسْلِمْ إلَيْهِ مَالَهُ جَمِيعَهُ ، وَإِنْ أَسَاءَ النَّظَرَ فِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إمْسَاكُ مَالِهِ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : {
حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } يَعْنِي : الْقُدْرَةَ عَلَى الْوَطْءِ ، وَذَلِكَ فِي الذُّكُورِ بِالِاحْتِلَامِ ، فَإِنْ عَدِمَ فَالسِّنُّ ، وَذَلِكَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي رِوَايَةٍ ، وَثَمَانِي عَشْرَةَ فِي أُخْرَى .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ ابْنَ عُمَرَ فِي أُحُدٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَجَوَّزَهُ فِي الْخَنْدَقِ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً } ، وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى إطَاقَةِ الْقِتَالِ لَا إلَى الِاحْتِلَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا دَلِيلًا فَكُلُّ عَدَدٍ مِنْ السِّنِينَ يُذْكَرُ فَإِنَّهُ دَعْوَى ، وَالسِّنُّ الَّتِي اعْتَبَرَهَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْلَى مِنْ سِنٍّ لَمْ يَعْتَبِرْهَا ، وَلَا قَامَ فِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا .
وَكَذَلِكَ اعْتَبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْبَاتَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ؛ فَمَنْ عَذِيرِي مِمَّنْ يَتْرُكُ أَمْرَيْنِ اعْتَبَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَأَوَّلُهُ وَيَعْتَبِرُ مَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظًا ، وَلَا جَعَلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ نَظَرًا .
وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا بُدَّ فِي شَرْطِ اخْتِيَارِهِنَّ مِنْ وُجُودِ نَفْسِ الْوَطْءِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الِابْتِلَاءُ فِي الرُّشْدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : وَجْهُ اخْتِيَارِ الرُّشْدِ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْبُلُوغُ إلَى الْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ ؛ وَالْحِكْمَةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا حَسْبَمَا رَآهُ مَالِكٌ قَدْ قَرَّرْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ نُكْتَتُهُ أَنَّ الذَّكَرَ بِتَصَرُّفِهِ وَمُلَاقَاتِهِ لِلنَّاسِ مِنْ أَوَّلِ نَشْأَتِهِ إلَى بُلُوغِهِ يَحْصُلُ بِهِ الِاخْتِبَارُ ، وَيَكْمُلُ عَقْلُهُ بِالْبُلُوغِ فَيَحْصُلُ لَهُ الْغَرَضُ .
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَبِكَوْنِهَا مَحْجُوبَةً لَا تُعَانِي الْأُمُورَ ، وَلَا تُخَالِطَ ، وَلَا تَبْرُزُ لِأَجْلِ حَيَاءِ الْبَكَارَةِ وُقِفَ
فِيهَا عَلَى وُجُودِ النِّكَاحِ ، فَبِهِ تُفْهَمُ الْمَقَاصِدُ كُلُّهَا .
قَالَ مَالِكٌ : إذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ فَيَقْتَصِرَ حَتَّى يُؤْمَنَ أَمْرُهُ ، وَلِأَبِيهِ تَجْدِيدُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ إنْ رَأَى خَلَلًا مِنْهُ .
وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا بُدَّ بَعْدَ دُخُولِ زَوْجِهَا مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ عَلَيْهَا تُمَارِسُ فِيهَا الْأَحْوَالَ ، وَلَيْسَ فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ دَلِيلٌ .
وَذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا فِي تَحْدِيدِهِ أَقْوَالًا عَدِيدَةً ؛ مِنْهَا الْخَمْسَةُ الْأَعْوَامِ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ فِي ذَاتِ الْأَبِ ، وَجَعَلُوهُ فِي الْيَتِيمَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَجَعَلُوهُ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهَا مُؤَبَّدًا حَتَّى يَثْبُتَ رُشْدُهَا .
وَتَحْدِيدُ الْأَعْوَامِ فِي ذَاتِ الْأَبِ عَسِيرٌ ، وَأَعْسَرُ مِنْهُ تَحْدِيدُ الْعَامِ فِي الْيَتِيمَةِ ، وَأَمَّا تَمَادِي الْحَجْرِ فِي الْمُوَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ رُشْدُهَا فَيُخْرِجَهَا الْوَصِيُّ مِنْهُ أَوْ يُخْرِجَهَا الْحُكْمُ مِنْهُ فَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَأَمَّا سُكُوتُ الْأَبِ عَنْ ابْنَتِهِ فَدَلِيلٌ عَلَى إمْضَائِهِ لِفِعْلِهَا ، فَتَخْرُجُ دُونَ حُكْمٍ بِمُرُورِ مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ يَحْصُلُ فِيهِ الِاخْتِبَارُ ؛ وَتَقْدِيرُهُ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْوَلِيِّ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ ، وَاخْتِلَافٌ كَثِيرٌ مَوْضِعُهُ كُتُبُ الْمَسَائِلِ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا } فَتَعَيَّنَ اعْتِبَارُ إينَاسِ الرُّشْدِ ؛ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ إينَاسُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الرَّاشِدِ فَاعْرِفْهُ ، وَرَكِّبْهُ عَلَيْهِ ، وَاجْتَنِبْ التَّحَكُّمَ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَادْفَعُوا } دَفْعُ الْمَالِ إلَى الْيَتِيمِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إينَاسُ الرُّشْدِ .
وَالثَّانِي : بُلُوغُ الْحُلُمِ .
فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُ الْمَالِ إلَيْهِ ، كَذَلِكَ نَصُّ الْآيَةِ ؛ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ إذَا احْتَلَمَ الْغُلَامَ أَوْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ وَلَمْ يُؤْنَسُ مِنْهُ الرُّشْدُ فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا عِتْقٌ حَتَّى يُؤْنَسَ مِنْهُ الرُّشْدُ ، وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مَالُهُ ثُمَّ دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ لَمْ يَنْفُذْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : حَقِيقَةُ الرُّشْدِ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ ، وَضَبْطُ الْمَالِ ؛ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : إصْلَاحُ الدُّنْيَا وَالْمَعْرِفَةُ بِوُجُوهِ أَخْذِ الْمَالِ وَالْإِعْطَاءِ وَالْحِفْظِ لَهُ عَنْ التَّبْذِيرِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّالِثُ : بُلُوغُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَعَوَّلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوثَقُ عَلَى دِينِهِ فَكَيْف يُؤْتَمَنُ عَلَى مَالِهِ ، كَمَا أَنَّ الْفَاسِقَ لَمَّا لَمْ يُوثَقْ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ .
قُلْنَا لَهُ : الْعِيَانُ يَرُدُّ هَذَا ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ الْمُتَهَتِّكَ فِي الْمَعَاصِي حَافِظًا لِمَالِهِ ، فَإِنَّ غَرَضَ الْحِفْظَيْنِ مُخْتَلِفٌ ؛ أَمَّا غَرَضُ الدِّينِ فَخَوْفُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَأَمَّا غَرَضُ الدُّنْيَا فَخَوْفُ فَوَاتِ الْحَوَائِجِ وَالْمَقَاصِدِ وَحِرْمَانِ اللَّذَّاتِ الَّتِي تَنَالُ بِهِ ؛ وَيُخَالِفُ هَذَا الْفَاسِقُ ؛ فَإِنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مَرْتَبَةٌ وَالْفَاسِقُ مَحْطُوطُ الْمَنْزِلَةِ شَرْعًا .
وَعَوَّلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً صَلُحَ أَنْ يَكُونَ جَدًّا فَيَقْبُحُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ .
قُلْنَا : هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ جَدًّا وَلَمْ يَكُنْ ذَا جَدٍّ فَمَاذَا يَنْفَعُهُ جَدُّ النَّسَبِ وَجَدُّ الْبَخْتِ فَائِتٌ ؟ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ الرَّجُلَ لِيَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِتَنْبُتَ لِحْيَتُهُ لِيَشِيبَ وَهُوَ ضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْإِعْطَاءِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : رَأَيْت جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَقْرَبُ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا سَلَّمَ الْمَالَ إلَيْهِ بِوَجْهِ الرُّشْدِ ، ثُمَّ عَادَ إلَى السَّفَهِ بِظُهُورِ تَبْذِيرٍ وَقِلَّةِ تَدْبِيرٍ عَادَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعُودُ ؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ بِدَلِيلِ جَوَازِ إقْرَارِهِ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْله
تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } وَقَالَ : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْجُورًا سَفِيهًا أَوْ يَطْرَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَيُعَضِّدُ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ اشْتَرَى ضَيْعَةً بِسِتِّينَ أَلْفًا ، فَقَالَ عُثْمَانُ : مَا يَسُرّنِي أَنَّهَا لِي بِنَعْلِي ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ : أَلَا تَأْخُذُ عَلَى ابْنِ أَخِيكَ وَتَحْجُرُ عَلَيْهِ فِعْلَ كَذَا .
فَجَاءَ عَلِيٌّ إلَى عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا شَرِيكُهُ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : كَيْف أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ .
فَهَذَانِ خَلِيفَتَانِ قَدْ نَظَرَا فِي هَذَا وَعَزَمَا عَلَى فِعْلِهِ لَوْلَا ظُهُورُ السَّدَادِ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } إسْرَافًا : يَعْنِي مُجَاوَزَةً مِنْ أَمْوَالِكُمْ الَّتِي تَنْبَغِي لَكُمْ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .
وَالْإِسْرَافُ : مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ إلَى الْمَحْظُورِ .
وَبِدَارًا : يَعْنِي مُبَادَرَةً أَنْ يَكْبَرُوا ، وَاسْتِبَاقًا لِمَعْرِفَتِهِمْ لِمَصَالِحِهِمْ ، وَاسْتِئْثَارًا عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ فِي أَمْوَالِهِمْ وَقُبِضَتْ عَنْهَا أَيْدِيهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهَا قَوْلٌ ، وَلَا نَفَذَ لَهُمْ فِيهَا عَقْدٌ وَلَا عَهْدٌ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا بَيْعُهُمْ وَلَا نَذْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا قُبِضَتْ أَيْدِيهِمْ عَنْهَا الصِّيَانَةُ لَهَا عَنْ تَبْذِيرِهِمْ وَالْحِفْظُ لَهَا إلَى وَقْتِ مَعْرِفَتِهِمْ وَتَبَصُّرِهِمْ ؛ فَلَوْ جَازَ لَهُمْ فِيهَا بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ عَهْدٌ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْمَنْعِ لَهُمْ عَنْهَا ، وَسَقَطَ مَقْصُودُ حِفْظِهَا عَلَيْهِمْ .
فَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ تَمَكَّنُوا مِنْهُمَا فَكَلَامُهُمْ نَافِذٌ فِيهِمَا ، وَيَنْفُذُ طَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَعِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ فِعْلًا فَيَنْفُذُ الْقَوْلُ فِيهِمَا شَرْعًا .
وَهَذِهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ فِي الْحُجَّةِ لِإِنْفَاذِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا كَانَ الِاخْتِبَارُ إلَى بُلُوغِ النِّكَاحِ فِي الْحُرَّةِ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ فِي ذَاتِ الْأَبِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ، وَفِي الْيَتِيمَةِ سِتَّةٌ فَمَا عَمِلْنَا فِي أَثْنَاءِ السِّتَّةِ أَوْ السَّبْعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّدِّ وَمَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : مَا عَمِلْتَ فِي السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّدِّ ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ السَّدَادُ ، وَمَا عَمِلْتَ بَعْدَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِمْضَاءِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ السَّفَهُ .
وَلَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ
فِي زَمَانِنَا فِي مَحْجُورَةٍ أَرَادَتْ نِحْلَةَ ابْنَتَهَا بِمَالٍ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ فِعْلُ الْمَحْجُورِ ، وَقُلْنَا نَحْنُ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ إينَاسَ الرُّشْدِ إنَّمَا يَكُونُ بِمِثْلِ هَذَا ؛ وَمَنْ نَظَرَ لِوَلَدِهِ وَاهْتَبَلَ بِهِ فَهُوَ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالرُّشْدِ لَهُ وَلِنَفْسِهِ ، فَوَفَّقَ اللَّهُ مُتَوَلِّي الْحُكْمِ يَوْمَئِذٍ وَأَمْضَى النِّحْلَةَ عَلَى مَا أَفْتَيْنَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا بِحَالٍ ، وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } وَاخْتَارَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْيَتِيمُ ، وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ بِقَدْرِ فَقْرِهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ غِنَاهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ فِيهِ شَيْءٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَلِيُّ إنْ كَانَ غَنِيًّا عَفَّ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْرُوفَ شُرْبُهُ اللَّبَنَ وَرُكُوبُهُ الظَّهْرَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي حَلْبٍ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَهُوَ بَعِيدٌ ، لَا أَرْضَاهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } وَهُوَ الْجَائِزُ الْحَسَنُ ؛ وَقَالَ : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } فَكَيْف يَنْسَخُ الظُّلْمُ الْمَعْرُوفَ ؟ بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ فِي التَّجْوِيزِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ مُغَايِرٌ لَهُ ؛ وَإِذَا كَانَ الْمُبَاحُ غَيْرَ الْمَحْظُورِ لَمْ يَصِحَّ دَعْوَى نَسْخٍ فِيهِ ؛ وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ الْإِطْنَابِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْيَتِيمُ فَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا مَأْمُورٍ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا إنَّمَا يَأْكُلُ بِالْمَعْرُوفِ ؛ فَسَقَطَ هَذَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْوَلِيَّ إنْ كَانَ غَنِيًّا عَفَّ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ فَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ؛ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا أَنَا فِي بَيْتِ الْمَالِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت تَرَكْت ، وَإِنْ احْتَجْت أَكَلْت ؛ وَبِهِ أَقُولُ .
وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ اللَّبَنِ ، وَمِثْلُهُ التَّمْرُ ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : اشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ لِلْحَلْبِ ؛ وَلِأَنَّ شُرْبَ اللَّبَنِ مِنْ الضَّرْعِ ؛ وَأَكْلَ التَّمْرِ مِنْ الْجُذُوعِ أَمْرٌ مُتَعَارَفٌ بَيْنَ الْخَلْقِ مُتَسَامَحٌ فِيهِ .
فَإِنْ أَكَلَ هَلْ يَقْضِي ؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَكَلْت قَضَيْت .
وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
فَأَمَّا مَنْ نَفَى الْقَضَاءَ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْأَكْلَ لَهُ ، كَمَا أَنَّ النَّظَرَ عَلَيْهِ ؛ فَجَرَى مَجْرَى الْأُجْرَةَ .
وَأَمَّا مَنْ يَرَى الْقَضَاءَ فَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } فَمَنَعَ مِنْهُ ، فَإِنْ فَعَلَ قَضَى .
وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ، أَيْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَيَقْضِي كَمَا يَقْضِي الْمُضْطَرُّ إلَى الْمَالِ فِي الْمَخْمَصَةِ .
قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَكَلَ .
الْمَعْنَى : فَإِذَا رَدَدْتُمْ مَا أَكَلْتُمْ فَأَشْهِدُوا إذَا غَرِمْتُمْ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَهُ ؛ فَيَتَعَيَّنُ بِهِ الْأَكْلُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالْمَعْرُوفُ هُوَ حَقُّ النَّظَرِ ؛ وَقَدْ قَالَ أَبُو
حَنِيفَةَ : يُقَارِضُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَيَأْكُلُ حَظَّهُ مِنْ الرِّبْحِ ، فَكَذَلِكَ يَأْخُذُ مِنْ صَمِيمِ الْمَالِ بِمِقْدَارِ النَّظَرِ ؛ هَذَا إذَا كَانَ فَقِيرًا ؛ أَمَّا إذَا كَانَ غَنِيًّا فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِالْعِفَّةِ وَالْكَفِّ عَنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلُ عُمَرَ : " أَنَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت تَرَكْت " أَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؟ كَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ إنْ كَانَ غَنِيًّا الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ؟ قُلْنَا عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ : " أَنَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إنْ اسْتَغْنَيْت " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَيْسَ كَالْوَصِيِّ ، وَلَكِنَّ عُمَرَ بِوَرَعِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ كَالْوَصِيِّ .
الثَّانِي : أَنَّ الَّذِي يَأْكُلُهُ الْخُلَفَاءُ وَالْوُلَاةُ وَالْفُقَهَاءُ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ لِنَازِلِهِمْ وَمُنْتَابِهِمْ ؛ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَفْعَلُونَهُ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ ، فَكَيْف تَجِبُ الْأُجْرَةُ لَهُمْ ؛ وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ ، وَالْفَرْضِيَّةُ تَنْفِي الْأُجْرَةَ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ عَمَلًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَعَمَلِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَالسُّعَاةِ وَالْمُعَلِّمِينَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : مَنْ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهَذَا كُلِّهِ ؟ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَ الْأَيْتَامُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى قِسْمَيْنِ : [ الْأَوَّلُ ] : يَتِيمٌ مَعْهُودٌ بِهِ ، كَقَوْلِ سَعْدٍ : هُوَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إلَيَّ فِيهِ .
الثَّانِي : مَكْفُولٌ بِقَرَابَةٍ أَوْ جِوَارٍ .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكَافِلَ لَهُ نَاظِرٌ كَمَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِ الْأَبُ ، إلَّا أَنَّ الْكَافِلَ نَاظِرٌ فِي حِفْظِ الْمَوْجُودِ ، وَالْمَعْهُودُ إلَيْهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّصَرُّفِ الْمُطْلَقِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْيَتِيمُ عَرِيًّا عَنْ كَافِلٍ وَوَصِيٍّ فَالْمُخَاطَبُ وَلِيُّ الْأَوْلِيَاءِ ، وَهُوَ السُّلْطَانُ ؛ فَهُوَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ، وَهُوَ وَلِيٌّ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ
: يَا مَنْ إلَيْهِ يَتِيمٌ بِكَفَالَةٍ أَوْ عَهْدٍ أَوْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ ، افْعَلْ كَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْوَصِيِّ وَالْكَافِلِ أَنْ يَحْفَظَ الصَّبِيَّ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ ؛ إذْ لَا يَصِحُّ الِابْتِلَاءُ إلَّا بِذَلِكَ ، فَالْمَالُ يَحْفَظُهُ بِضَبْطِهِ وَالْبَدَنُ يَحْفَظُهُ بِأَدَبِهِ .
وَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ فِي حِجْرِي يَتِيمًا أَآكُلُ مِنْ مَالِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا وَلَا وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَأَضْرِبُهُ ؟ قَالَ : مَا كُنْت ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ } .
وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مُسْنَدًا فَلَيْسَ يَجِدُ عَنْهُ أَحَدٌ مُلْتَحَدًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِصْلَاحُ ، وَإِصْلَاحُ الْبَدَنِ أَوْكَدُ مِنْ إصْلَاحِ الْمَالِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ الصَّلَاةَ ، وَيَضْرِبُهُ عَلَيْهَا ، وَيَكْفِهِ عَنْ الْحَرَامِ بِالْكَهْرِ وَالْقَهْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ تَنْبِيهًا عَلَى التَّحْصِينِ وَإِرْشَادًا إلَى نُكْتَةٍ بَدِيعَةٍ ؛ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَالٍ قُبِضَ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ بِإِشْهَادٍ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِإِشْهَادٍ عَلَى دَفْعِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } وَهُوَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ ، فَلَوْ ضَاعَ قَبْلَ قَوْلِهِ ، فَإِذَا قَالَ دَفَعْت لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِالْإِشْهَادِ ؛ لِأَنَّ الضَّيَاعَ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَقْتَ ضَيَاعِهِ ، فَلَا يُكَلَّفُ مَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ ؛ وَالْبَيِّنَةُ يَقْدِرُ أَنْ يُقِيمَهَا حَالَ الدَّفْعِ فَتَفْرِيطُهُ فِيهَا مُوجِبٌ عَلَيْهِ الضَّمَانَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْوَدِيعَةِ مِثْلَهُ ، وَهِيَ عِنْدَنَا مَحْمُولَةٌ وَنَظِيرَةٌ لَهُ .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا : إنَّهَا أَمَانَةٌ ؛ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .
قُلْنَا : لَوْ رَضِيَ أَمَانَتَهُ بِالرَّدِّ مَا كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالْعَقْدِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ النِّسَاءَ الْمِيرَاثَ وَيَخُصُّونَ بِهِ الرِّجَالَ ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا وَقَرَابَةً كِبَارًا اسْتَبَدَّ بِالْمَالِ الْقَرَابَةُ الْكِبَارُ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا أَصَاغِرَ وَأَخًا كَبِيرًا ، فَاسْتَبَدَّ بِمَالِهِ ، فَرَفَعَ أَمَرَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ الْعَمُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ الْوَلَدَ صَغِيرٌ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَكْسِبُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ } .
وَكَانَ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ تَصَرُّفًا بِجَهْلٍ عَظِيمٍ ؛ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ الصِّغَارَ الضِّعَافَ كَانُوا أَحَقَّ بِالْمَالِ مِنْ الْقَوِيِّ ؛ فَعَكَسُوا الْحُكْمَ وَأَبْطَلُوا الْحِكْمَةَ ؛ فَضَلُّوا بِأَهْوَائِهِمْ وَأَخْطَئُوا فِي آرَائِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ : إحْدَاهَا : بَيَانُ عِلَّةِ الْمِيرَاثِ ، وَهِيَ الْقَرَابَةُ .
الثَّانِي : عُمُومُ الْقَرَابَةِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ مِنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ .
الثَّالِثُ : إجْمَالُ النَّصِيبِ الْمَفْرُوضِ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ خُصُوصَ الْقَرَابَةِ وَمِقْدَارَ النَّصِيبِ ، وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ تَوْطِئَةً لِلْحُكْمِ وَإِبْطَالًا لِذَلِكَ الرَّأْيِ الْفَاسِدِ ، حَتَّى وَقَعَ الْبَيَانُ الشَّافِي بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى سِيرَةِ اللَّهِ وَسُنَّتِهِ فِي إبْطَالِ آرَائِهِمْ وَسُنَّتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } كَانَ أَشْيَاخُنَا قَدْ اخْتَلَفُوا عَنْ مَالِكٍ فِي قِسْمَةِ الْمَتْرُوكِ عَلَى الْفَرَائِضِ إذَا كَانَ فِيهِ تَغْيِيرٌ عَنْ حَالِهِ كَالْحَمَّامِ وَبَدْءِ الزَّيْتُونِ وَالدَّارِ الَّتِي تَبْطُلُ مَنَافِعُهَا بِإِبْرَازِ أَقَلِّ السِّهَامِ مِنْهَا ؛ فَكَانَ ابْنُ كِنَانَةَ يَرَى ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرْوِي عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُضَارَّةِ ؛ وَقَدْ نَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُضَارَّةَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { غَيْرَ مُضَارٍّ } وَأَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَعَرُّضٌ لِلْقِسْمَةِ ؛ وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ الْآيَةُ وُجُوبَ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ فِي التَّرِكَةِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا ؛ فَأَمَّا إبْرَازُ ذَلِكَ النَّصِيبِ فَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَارِثَ يَقُولُ : قَدْ وَجَبَ لِي نَصِيبٌ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَمَكِّنُونِي مِنْهُ .
فَيَقُولُ لَهُ شَرِيكُهُ : أَمَّا تَمْكِينُكَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فَلَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ بَيْنِي وَبَيْنِكَ مِنْ إفْسَادِ الْمَالِ وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ وَتَنْقِيصِ الْقِيمَةِ ، فَيَقَعُ التَّرْجِيحُ .
وَالْأَظْهَرُ سُقُوطُ الْقِسْمَةِ فِيمَا يُبْطِلُ الْمَنْفَعَةَ وَيَنْقُصُ الْقِيمَةَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ؛ قَالَهُ سَعِيدٌ وَقَتَادَةُ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ ، وَالْمَعْنَى فِيهَا الْإِرْضَاخُ لِلْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ إذَا كَانَ الْمَالُ وَافِرًا ، وَالِاعْتِذَارُ إلَيْهِمْ إنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا ، وَيَكُونُ هَذَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ بَيَانًا لِتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ } وَأَنَّهُ فِي بَعْضِ الْوَرَثَةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ؛ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ .
وَهَذَا تَرْتِيبٌ بَدِيعٌ ؛ لِأَنَّهُ عُمُومٌ ثُمَّ تَخْصِيصٌ ثُمَّ تَعْيِينٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَازِلَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ ، يُوصِي الْمَيِّتُ لِهَؤُلَاءِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي نَقْلِ الْوَصِيَّةِ لَا مَعْنًى لَهَا .
وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ أَضْغَاثٌ وَآثَارٌ ضِعَافٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ اسْتِحْقَاقَ الْوَرَثَةِ لِنَصِيبِهِمْ ، وَاسْتِحْبَابَ الْمُشَارَكَةِ لِمَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْهُمْ بِأَنْ يُسْهِمَ لَهُمْ مِنْ التَّرِكَةِ وَيَذْكُرَ لَهُمْ مِنْ الْقَوْلِ مَا يُؤْنِسُهُمْ وَتَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهُمْ .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقًا فِي التَّرِكَةِ وَمُشَارَكَةً فِي الْمِيرَاثِ لِأَحَدِ الْجِهَتَيْنِ مَعْلُومٌ وَلِلْآخَرِ مَجْهُولٌ ؛ وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِلْحِكْمَةِ وَإِفْسَادٌ لِوَجْهِ التَّكْلِيفِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ الصِّلَةُ ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا يَسْتَحِقُّونَهُ لَتَنَازَعُوا مُنَازَعَةَ الْقَطِيعَةِ
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ نَهْيٌ لِمَنْ حَضَرَ عِنْدَ الْمَوْتِ عَنْ التَّرْغِيبِ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْإِسْرَافِ الْمُضِرِّ بِالْوَرَثَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ نَهْيٌ لِلْمَيِّتِ عَنْ الْإِعْطَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْمَسَاكِينٍ وَالضُّعَفَاءِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ نَهْيٌ لِمَنْ حَضَرَ عِنْدَ الْمَيِّتِ عَنْ تَرْغِيبِهِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْآيَةَ رَاجِعَةٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ ذِكْرِ الْيَتَامَى وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ ، فَذُكِّرُوا بِالنَّظَرِ فِي مَصْلَحَتِهِمْ وَالْعَمَلِ بِمَا كَانَ يُرْضِيهِمْ أَنْ يُعْمَلَ مَعَ ذُرِّيَّاتِهِمْ الضُّعَفَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ عَلَى ذُرِّيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ ، فَلَا يَقُولُ إلَّا مَا يُرِيدُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَلَهُ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ ، وَعُمْدَةٌ مِنْ عُمُدِ الْأَحْكَامِ ، وَأُمٌّ مِنْ أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ : فَإِنَّ الْفَرَائِضَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ حَتَّى إنَّهَا ثُلُثُ الْعِلْمِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعِلْمُ ثَلَاثٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ } .
وَكَانَ جُلَّ عِلْمِ الصَّحَابَةِ وَعُظْمَ مُنَاظَرَتِهِمْ ، وَلَكِنَّ الْخُلُقَ ضَيَّعُوهُ ، وَانْتَقِلُوا مِنْهُ إلَى الْإِجَارَاتِ وَالسَّلَمِ وَالْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَالتَّدْلِيسِ ، إمَّا لِدِينٍ نَاقِصٍ ، أَوْ عِلْمٍ قَاصِرٍ ، أَوْ غَرَضٍ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا ظَاهِرٍ { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَضْلِ الْفَرَائِضِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهَا تَبْهَت مُنْكَرِي الْقِيَاسِ وَتُخْزِي مُبْطِلِي النَّظَرِ فِي إلْحَاقِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ ، فَإِنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِهَا إنَّمَا هِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ إذْ النُّصُوصُ لَمْ تُسْتَوْفَ فِيهَا ، وَلَا أَحَاطَتْ بِنَوَازِلِهَا ، وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ الْفَرَائِضَ وَالْحَجَّ وَالطَّلَاقَ فَبِمَ يَفْضُلُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ ؟ وَقَالَ وَهْبٌ عَنْ مَالِكٍ : كُنْت أَسْمَعُ رَبِيعَةَ يَقُولُ : مَنْ تَعَلَّمَ الْفَرَائِضَ مِنْ
غَيْرِ عِلْمٍ بِهَا مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَسْرَعَ مَا يَنْسَاهَا .
قَالَ مَالِكٌ : وَصَدَقَ .
وَقَدْ أَطَلْنَا فِيهَا النَّفَسَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّا نُشِيرُ إلَى نُكَتٍ تَتَعَلَّقُ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ ، وَفِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُخَاطَبِ بِهَا ، وَعَلَى مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ ؟ : وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي الْمَوْتَى الْمَوْرُوثِينَ ، وَالْخُلَفَاءِ الْحَاكِمِينَ ، وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَمَّا تَنَاوُلُهَا لِلْمَوْتَى فَلْيَعْلَمُوا الْمُسْتَحَقِّينَ لِمِيرَاثِهِمْ بَعْدَهُمْ فَلَا يُخَالِفُوهُ بِعَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ ؛ وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهَاتُهَا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحِ : { عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي مَرَضٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي ؛ أَفَأَتَصَدَّقُ بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا .
قُلْت : فَالثُّلُثَانِ ؟ قَالَ : لَا .
قُلْت : فَالشَّطْرُ ؟ قَالَ : لَا .
الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ؛ إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
الثَّانِي : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْت : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ كَذَا } .
الثَّالِثُ : مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : " إنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِهِ لَكَانَ لَكِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ " .
فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَرْءَ أَحَقُّ بِمَالِهِ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ
أَحَدُ سَبَبَيْ زَوَالِهِ وَهُوَ الْمَرَضُ قَبْلَ وُجُودِ الثَّانِي ، وَهُوَ الْمَوْتُ مُنِعَ مِنْ ثُلُثَيْ مَالِهِ ، وَحُجِرَ عَلَيْهِ تَفْوِيتُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَارِثِ بِهِ ، فَعَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ إلَيْهِ ، وَوَصَّى بِهِ لِيُعَلِّمَهُ فَيَعْمَلَ بِهِ ؛ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى سَبَبَيْنِ بِأَحَدِ سَبَبَيْهِ ثَابِتٌ مَعْلُومٌ فِي الْفِقْهِ ؛ لِجَوَازِ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ ، وَقَبْلَ الْمَوْتِ فِي الْقَتْلِ ، وَكَذَلِكَ صَحَّ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ بِوُجُودِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَالِ قَبْلَ الْبَيْعِ .
وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِلْخُلَفَاءِ الْحَاكِمِينَ فَلْيَقْضُوا بِهِ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ .
وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَكُونُوا بِهِ عَالِمِينَ ، وَلِمَنْ جَهِلَهُ مُبَيِّنِينَ ، وَعَلَى مَنْ خَالَفَهُ مُنْكِرِينَ ، وَهَذَا فَرْضٌ يَعُمُّ الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ ، وَهُوَ فَنٌّ غَرِيبٌ مِنْ تَنَاوُلِ الْخِطَابِ لِلْمُخَاطَبِينَ ، فَافْهَمُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ وَحَافِظُوا عَلَيْهِ وَاحْفَظُوهُ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الضُّعَفَاءَ مِنْ الْغِلْمَانِ وَلَا الْجَوَارِي ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَبَيَّنَ حُكْمَهُ وَرَدَّ قَوْلَهُمْ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمِيرَاثُ لِلْوَلَدِ ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدِينَ وَالْأَقْرِبَاءِ ؛ فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ وَبَيَّنَ الْمَوَارِيثَ ، رَوَاهُ فِي الصَّحِيحِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ ، رَوَى عَنْ { جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَهِيَ جَدَّةُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَزُرْنَاهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَعَرَّشَتْ لَنَا صَوْرًا فَقَعَدْنَا تَحْتَهُ ، وَذَبَحَتْ لَنَا شَاةً
وَعَلَّقَتْ لَنَا قِرْبَةً ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَتَحَدَّثُ إذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَتَحَدَّثْنَا ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَطَلَعَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَتَحَدَّثْنَا ، فَقَالَ : الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ .
قَالَ : فَرَأَيْتُهُ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ مِنْ سَعَفِ الصُّورِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنَّ شِئْتَ جَعَلْته عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَهَنِيئًا لَهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِطَعَامِهَا فَتَغَدَّيْنَا ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَقُمْنَا مَعَهُ مَا تَوَضَّأَ وَلَا أَحَدٌ مِنَّا ، غَيْرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِكَفِّهِ جَرْعًا مِنْ الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ بِهِنَّ مِنْ غَمَرِ الطَّعَامِ ؛ فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَاتَانِ بِنْتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمَا مَالًا إلَّا أَخَذَهُ ؛ فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ لَا تَنْكِحَانِ أَبَدًا إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } الْآيَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا فَقَالَ لِعَمِّهِمَا : أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَلَك الْبَاقِي } .
فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ مَقْبُولٌ لِهَذَا الْإِسْنَادِ .
الثَّالِثُ : مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ { قُلْت : يَا
رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا تَرَى أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي ؟ فَنَزَلَتْ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } } رَدٌّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ وَإِبْطَالٌ لِجَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْأَوَّلِ فَائِدَةً ؛ وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا مَسْكُوتًا عَنْهُ ؛ مُقَرًّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْعًا مُقَرًّا عَلَيْهِ لَمَا حَكَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى عَمِّ الصَّبِيَّتَيْنِ بِرَدِّ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إذَا مَضَتْ وَجَاءَ النَّسْخُ بَعْدَهَا إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ ، وَلَا يُنْقَضُ بِهِ مَا تَقَدَّمَ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ ظُلَامَةٌ وَقَعَتْ ، أَمَّا أَنَّ الَّذِي وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فَأُخْرِجَتْ عَنْهَا أَهْلُ الْمَوَارِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فِي أَوْلَادِكُمْ } يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَلَدٍ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ دُنْيَا أَوْ بَعِيدًا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ أَدَم } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ } فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ كَانَ لِصُلْبِ الْمَيْتِ دُنْيَا أَوْ بَعِيدًا .
وَيُقَالُ بَنُو تَمِيمٍ ؛ فَيَعُمُّ الْجَمِيعَ ؛ فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : ذَلِكَ حَقِيقَةً فِي الْأَدْنَيْنَ مَجَازٌ فِي الْأَبْعَدَيْنِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّوَلُّدِ ، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ فَقَدْ غَلَبَ مَجَازُ الِاسْتِعْمَالِ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي الْأَدْنَيْنَ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْبُعَدَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ ؛ فَيُقَالُ لَيْسَ بِوَلَدٍ ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمَا سَاغَ نَفْيَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسَمِّي وَلَدَ الْوَلَدِ وَلَدًا ، وَلَا يُسَمِّي بِهِ وَلَدَ الْأَعْيَانِ ، وَكَيْفَمَا
دَارَتْ الْحَالُ فَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْجَمِيعِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : لَوْ حَبَسَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ لَانْتَقَلَ إلَى أَبْنَائِهِمْ ، وَلَوْ قَالَ صَدَقَةً فَاخْتَلَفَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا ؛ هَلْ تُنْقَلُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَهُ حَفَدَةَ لَمْ يَحْنَثْ .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي أَقْوَالِ الْمَخْلُوقِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْبَارِي ؟ فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ كَلَامُ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَالٍ ، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ .
الثَّانِي : أَنَّ كَلَامَ النَّاسِ يَرْتَبِطُ بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَبْسِ التَّعْقِيبِ ، فَدَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ التَّمْلِيكُ ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الْأَدْنَى خَاصَّةً وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مِنْ بَعْدُ إلَّا بِدَلِيلٍ .
وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } فَدَخَلَ فِيهِ آبَاءُ الْآبَاءِ ، وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } هَذَا الْقَوْلُ يُفِيدُ أَنَّ الذَّكَرَ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْأُنْثَى أَخَذَ مِثْلَيْ مَا تَأْخُذُهُ الْأُنْثَى ، وَأَخَذَتْ هِيَ نِصْفَ مَا يَأْخُذُ الذَّكَرُ ؛ وَلَيْسَ هَذَا بِنَصٍّ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ ، وَلَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا أَنَّهُمْ يُحِيطُونَ بِجَمِيعِ الْمَالِ إذَا انْفَرَدُوا لَمَا كَانَ بَيَانًا لِسَهْمٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَاقْتَضَى الِاضْطِرَارُ إلَى بَيَانِ سِهَامِهِمْ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ إذَا انْفَرَدُوا ؛ فَإِذَا انْضَافَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ فَأَخَذَ سَهْمَهُ كَانَ الْبَاقِي أَيْضًا مَعْلُومًا ؛ فَيَتَعَيَّنُ سَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ ، وَوَجَبَ حَمْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْعُمُومِ ، إلَّا أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الْأَبَوَيْنِ بِالسُّدُسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالزَّوْجَيْنِ بِالرُّبْعِ وَالثُّمُنِ لَهُمَا عَلَى تَفْصِيلِهِمَا ، وَبَقِيَ الْعُمُومُ وَالْبَيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فِي أَوْلَادِكُمْ } عَامٌّ فِي الْأَعْلَى مِنْهُمْ وَالْأَسْفَلِ ؛ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الرُّتْبَةِ أَخَذُوهُ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ حَجَبَ الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى يَقُولُ : أَنَا ابْنُ الْمَيِّتِ ، وَالْأَسْفَلَ يَقُولُ : أَنَا ابْنُ ابْنِ الْمَيِّتِ ، فَلَمَّا اسْتَفَلَّتْ دَرَجَتُهُ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُدْلِي بِهِ يُقْطَعُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى ذَكَرًا سَقَطَ الْأَسْفَلُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى أُنْثَى أَخَذَتْ الْأُنْثَى حَقَّهَا ، وَبَقِيَ الْبَاقِي لِوَلَدِ الْوَلَدِ إنْ كَانَ ذَكَرًا ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْوَلَدِ أُنْثَى أُعْطِيت الْعُلْيَا النِّصْفَ ، وَأُعْطِيَتْ السُّفْلَى السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّا نُقَدِّرُهُمَا بِنْتَيْنِ مُتَفَاوِتَتَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ ، فَاشْتَرَكَتَا فِي الثُّلُثِ بِحُكْمِ الْبِنْتِيَّةِ ، وَتَفَاوَتَتَا فِي الْقِسْمَةِ بِتَفَاوُتِ الدَّرَجَة ؛
وَبِهَذِهِ الْحِكْمَةُ جَاءَتْ السُّنَّةُ .
وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَعْلَى بِنْتَيْنِ أَخَذَتَا الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْأَسْفَلُ أُنْثَى لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِزَائِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا ذَكَرٌ فَإِنَّهَا تَأْخُذُ مَعَهُ مَا بَقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : " إنْ كَانَ الذَّكَرُ مِنْ وَلَدِ الْوَلَدِ بِإِزَائِهَا رَدَّ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهَا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا " ، مُرَاعِيًا فِي ذَلِكَ .
ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْبَنَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ شَيْئًا إلَّا الثُّلُثَيْنِ ؛ وَهَذَا سَاقِطٌ ، فَإِنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي قَضَيْنَا فِيهِ بِاشْتِرَاكِ بِنْتِ الِابْنِ مَعَ ابْنِ أَخِيهَا وَاشْتِرَاكِ ابْنِ الِابْنِ مَعَ عَمَّتِهِ لَيْسَ حُكْمًا بِالسَّهْمِ الَّذِي اقْتَضَاهُ قَوْله تَعَالَى : { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ بِالتَّعْصِيبِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ اشْتِرَاكُهُمَا مَعَهُ إذَا كَانَتَا بِإِزَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثَيْنِ ، وَهَذَا قَاطِعٌ جِدًّا .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّهُ لَوْ وَازَاهَا مَا رَدَّ عَلَيْهَا ، وَلَا شَارَكَتْهُ مُرَاعَاةً لِهَذَا الظَّاهِرِ لَقِيلَ لَهُ : لَا حُجَّةَ لَكَ فِي هَذَا الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ أُخِذَ بِالسَّهْمِ ، وَهَذَا حَقٌّ أُخِذَ بِالتَّعْصِيبِ ؛ وَمَا يُؤْخَذُ بِالتَّعْصِيبِ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ بِخِلَافِ السَّهْمِ الْمَفْرُوضِ الْمُعَيَّنِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ تَرَكَ عَشْرَ بَنَاتٍ وَابْنًا وَاحِدًا ، لَأَخَذَتْ الْبَنَاتُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ بِالتَّعْصِيبِ لَمْ يَقْدَحْ فِي الَّذِي يَجِبُ بِالسَّهْمِ ؛ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ بَيَانُهُ فِي الْفَرَائِضِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } وَهِيَ مُعْضِلَةٌ عَظِيمَةٌ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَوْ قَالَ : فَإِنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ لَانْقَطَعَ النِّزَاعُ ، فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْلُ هَكَذَا مُشْكِلًا وَبَيَّنَ حُكْمَ الْوَاحِدَةِ بِالنِّصْفِ وَحُكْمَ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْبِنْتَيْنِ أُشْكِلَتْ الْحَالُ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : تُعْطَى الْبَنَاتُ النِّصْفَ ، كَمَا تُعْطَى الْوَاحِدَةُ ؛ إلْحَاقًا لِلْبِنْتَيْنِ بِالْوَاحِدَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا زَادَ عَلَى الْبِنْتَيْنِ فَتَخْتَصُّ الزِّيَادَةُ بِتِلْكَ الْحَالِ .
الْجَوَابُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ مُبَيِّنًا حَالَ الْبِنْتَيْنِ بَيَانَهُ لِحَالِ الْوَاحِدَةِ وَمَا فَوْقَ الْبِنْتَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ قَاطِعًا ، وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْأَمْرَ مَسَاقَ الْإِشْكَالِ ؛ لِتَتَبَيَّنَ دَرَجَةُ الْعَالِمِينَ ، وَتَرْتَفِعَ مَنْزِلَةُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَيِّ الْمَرْتَبَتَيْنِ [ فِي ] إلْحَاقِ الْبِنْتَيْنِ أَحَقُّ ؟ وَإِلْحَاقُهُمَا بِمَا فَوْقَ الِاثْنَتَيْنِ أَوْلَى مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا قَالَ : { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَبَ لَهَا مَعَ أَخِيهَا الثُّلُثُ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَجِبَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ قَضَى فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ بِالسُّدُسِ لِبِنْتِ الِابْنِ ، وَالنِّصْفِ لِلْبِنْتِ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ } ، فَإِذَا كَانَ لِبِنْتِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ الثُّلُثَانِ فَأَحْرَى وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا .
الثَّالِثُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالثُّلُثَيْنِ لِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ } كَمَا قَدَّمْنَا ،
وَهُوَ نَصٌّ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } أَيْ اضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ فَمَا فَوْقَهَا .
الْخَامِسُ : أَنَّ النِّصْفَ سَهْمٌ لَمْ يُجْعَلْ فِيهِ اشْتِرَاكٌ ؛ بَلْ شُرِعَ مُخْلَصًا لِلْوَاحِدَةِ ، بِخِلَافِ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ سَهْمُ الِاشْتِرَاكِ بِدَلِيلِ دُخُولِ الثَّلَاثِ فِيهِ فَمَا فَوْقَهُنَّ ؛ فَدَخَلَتْ فِيهِ الِاثْنَتَانِ مَعَ الثُّلُثِ دُخُولَ الثَّلَاثِ مَعَ مَا فَوْقَهُنَّ .
السَّادِسُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي الْأَخَوَاتِ : { وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } وَقَالَ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ } فَلَحِقَتْ الِابْنَتَانِ بِالْأُخْتَيْنِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَحُمِلَتَا عَلَيْهِمَا ، وَلَحِقَتْ الْأَخَوَاتُ إذَا زِدْنَ عَلَى اثْنَتَيْنِ بِالْبَنَاتِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ وَحُمِلَتَا عَلَيْهِنَّ .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : كَمَا حَمَلْنَا الِابْنَ فِي الْإِحَاطَةِ بِالْمَالِ بِطَرِيقِ التَّعْصِيبِ عَلَى الْأَخِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } وَهَذَا كُلُّهُ لِيَتَبَيَّنَ بِهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَشْرُوعٌ ، وَالنَّصَّ قَلِيلٌ .
وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ بَيِّنَةُ الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ ؛ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُبِينُ الْمَقْصُودَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } هَذَا قَوْلٌ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَنْ عَلَا مِنْ الْآبَاءِ دُخُولَ مَنْ سَفُلَ مِنْ الْأَبْنَاءِ فِي قَوْلِهِ : { أَوْلَادِكُمْ } لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْقَوْلَ هَاهُنَا مَثْنَى ، وَالْمَثْنَى لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْجَمْعَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْأُمُّ الْعُلْيَا هِيَ الْجَدَّةُ ، وَلَا يُفْرَضُ لَهَا الثُّلُثُ بِإِجْمَاعٍ ؛ فَخُرُوجُ الْجَدَّةِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَتَنَاوُلُهُ لِلْأَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ فِي قَوْلِهِ : { أَوْلَادِكُمْ } بَيَانَ الْعُمُومِ ، وَقَصَدَ هَاهُنَا بَيَانَ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْآبَاءِ وَهُمَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَتَفْصِيلُ فَرْضِهِمَا دُونَ الْعُمُومِ ؛ فَأَمَّا الْجَدُّ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الصَّحَابَةُ ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبًا ، وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَسَاقُهُ بَيَانُ التَّنْوِيعِ لَا بَيَانُ الْعُمُومِ ، وَمَقَاصِدُ الْأَلْفَاظِ أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ .
وَاَلَّذِي نُحَقِّقُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَخَ أَقْوَى سَبَبًا مِنْ الْجَدِّ ؛ فَإِنَّ الْأَخَ يَقُولُ : أَنَا ابْنُ أَبِي الْمَيِّتِ ، وَالْجَدُّ يَقُولُ : أَنَا أَبُو أَبِي الْمَيِّتِ ، وَسَبَبُ الْبُنُوَّةِ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْأُبُوَّةُ ؛ فَكَيْف يُسْقِطُ الْأَضْعَفُ الْأَقْوَى ؛ وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ طُيُولِيَّةٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا الْبَيَانِ إيضَاحُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قِيَاسِيَّةٌ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ؛ فَأَمَّا الْجَدَّةَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ جَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقَالَ لَهَا : لَا أَجِدُ لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ؛
فَإِنْ وُجِدَ الْأَبُ وَالْأُمُّ لَمْ يَكُنْ لِلْجَدِّ وَالْجَدَّةِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْأَدْنَى يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْلَادِ ، وَإِنْ عَدِمَا يَنْزِلُ الْأَبْعَدُ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : مَعْنَاهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى أَخَذَتْ النِّصْفَ ، وَأَخَذَتْ الْأُمُّ السُّدُسَ ، وَأَخَذَ الْأَبُ الثُّلُثَ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ ، بَلْ يَأْخُذُ الْأَبُ السُّدُسَ سَهْمًا وَالسُّدُسَ الْآخَرَ تَعْصِيبًا ، وَهُوَ مَعْنًى آخَرُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ نَصٌّ فِي الْآيَةِ ، إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ ظَاهِرٌ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { الثُّلُثُ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ ، وَفَاضَلَ بَيْنَهُمَا مَعَ عَدَمِهِ فِي أَنْ جَعَلَ سَهْمَيْهِمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمَا يُدْلِيَانِ بِقَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ ، فَاسْتَوَيَا مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ ؛ فَإِنْ عَدِمَ الْوَلَدُ فَضَلَ الْأَبُ الْأُمَّ بِالذُّكُورَةِ وَالنُّصْرَةِ وَوُجُوبِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ ، وَثَبَتَتْ الْأُمُّ عَلَى سَهْمٍ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا اجْتَمَعَ الْآبَاءُ وَالْأَوْلَادُ قَدَّمَ اللَّهُ الْأَوْلَادَ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَانَ يُقَدِّمُ وَلَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَيَوَدُّ أَنَّهُ يَرَاهُ فَوْقَهُ وَيَكْتَسِبُ لَهُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : حَالُ حَفِيدِكَ مَعَ وَلَدِكِ كَحَالِكَ مَعَ وَلَدِكِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ ، مَعَ عَدِمَ الْأَوْلَادِ إلَّا الْأَبَوَانِ ؛ فَكَانَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ زِيَادَةَ الْوَاوِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَّرَ عَنْ ثُبُوتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ أَسْقَطُوا الْإِخْوَةَ ، وَشَارَكَهُمْ الْأَبُ ، وَأَخَذَ حَظَّهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ مَنْ أُسْقِطُوا ، بَلْ أَوْلَى ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَخَ بِالْأَبِ يُدْلِي فَيَقُولُ : أَنَا ابْنُ أَبِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ وَاسِطَتُهُ وَسَبَبُهُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ هُوَ الْأَبُ كَانَ سَبَبُهُ أَوْلَى مِنْهُ وَمَانِعًا لَهُ ؛ فَيَكُونُ حَالُ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ انْفِرَادِهِمَا كَحَالِ الْوَالِدَيْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَيَجْتَمِعُ بِذَلِكَ لِلْأَبِ فَرْضَانِ : السَّهْمُ ، وَالتَّعْصِيبُ ، وَهَذَا عَدْلٌ فِي الْحُكْمِ
ظَاهِرٌ فِي الْحِكْمَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } الْمَعْنَى إنْ وُجِدَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْمِيرَاثِ فَهُمْ يُحْجَبُونَ وَلَا يَرِثُونَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ ، بِخِلَافِ الِابْنِ الْكَافِرِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَانَ دَلِيلُ ذَلِكَ ، وَعَاضَدَهُ ، وَبَسَطَهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ } مَعْطُوفٌ عَلَى مَا سَبَقَ ، فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ، وَهَكَذَا يَزْدَوِجُ الْكَلَامُ وَيَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَطْفُ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ وَلَا أَبَ لَهُ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ .
قُلْنَا : هَذَا سَاقِطٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَبْطُلُ فَائِدَةُ الْعَطْفِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إبْطَالٌ لِفَائِدَةِ الْكَلَامِ مِنْ الْبَيَانِ ، فَإِنَّا كُنَّا نُعْطِي بِذَلِكَ الْأُمَّ السُّدُسَ ، وَمَا نَدْرِي مَا نَصْنَعُ بِبَاقِي الْمَالِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : يُعْطِي لِلْإِخْوَةِ .
قُلْنَا : وَهُمْ مَنْ ؟ أَوْ كَيْفَ يُعْطِي لَهُمْ ؟ فَيَكُونُ الْقَوْلُ مُشْكَلًا غَيْرَ مُبَيَّنٍ وَلَا مُبِينٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ يَبْقَى قِسْمٌ مِنْ الْأَقْسَامِ غَيْرُ مُبَيَّنٍ ، وَهُوَ إنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ وَلَهُ أَبٌ وَأُمٌّ فَاعْتِبَارُهُ بِالْبَيَانِ أَوْلَى ، وَمَا صَوَّرُوهُ مِنْ أُمٍّ وَإِخْوَةٍ قَدْ بُيِّنَ فِي قَوْلِهِ : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ } وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ الْكَلَامِ ، فَتَأَمَّلُوهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ تَبَيَّنَ هَاهُنَا فَائِدَتَانِ : إحْدَاهُمَا : حَجْبُ الْأُمِّ بِالْإِسْقَاطِ لَهُمْ .
الثَّانِي : حَجْبُ النُّقْصَانِ لِلْأُمِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } هَذَا قَوْلٌ
يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ أَنَّهُمْ يَحْجُبُونَهَا حَجْبَ نُقْصَانٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا لَا يَحْجُبَانِهَا ؛ وَغَرَضُهُ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ خِلَافُ التَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَصِيغَةً ، وَهَذِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّثْنِيَةِ .
وَمَنْ يَعْجَبُ فَعَجَبٌ أَنْ يَخْفَى عَلَى حَبْرِ الْأُمَّةِ وَتُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ وَدَلِيلِ التَّأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَسْأَلَتَانِ : إحْدَاهُمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَالْأُخْرَى مَسْأَلَةُ الْعَوْلِ ؛ وَعَضَّدَ هَذَا الظَّاهِرَ بِأَنْ قَالَ : إنَّ الْأُمَّ أَخَذَتْ الثُّلُثَ بِالنَّصِّ ، فَكَيْف يَسْقُطُ النَّصُّ بِمُحْتَمَلٍ .
وَهَذَا الْمَنْحَى مَائِلٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ .
وَلِعُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ سَبِيلٌ مَسْلُوكَةٌ نَذْكُرُهَا وَنُبَيِّنُ الْحَقُّ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْإِخْوَةِ عَلَى الْأَخَوَيْنِ ؛ بَلْ قَدْ يَنْطَلِقُ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : نَحْنُ فَعَلْنَا ، وَتُرِيدُ الْقَائِلُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } وَقَالَ : { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ثُمَّ قَالَ : { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } وَقَالَ : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } وَقَالَ : { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } وَقَالَ : { بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ .
وَقَالَ تَعَالَى : { أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } يَعْنِي عَائِشَةَ ، وَقِيلَ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ .
وَقَالَ : { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ } وَكَانَا اثْنَيْنِ كَمَا نُقِلَ فِي التَّفْسِيرِ .
وَقَالَ : { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } وَهُمَا طَرَفَانِ .
وَقَالَ : { إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } وَقَالَ : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } وَقَالَ : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } وَكَانَ وَاحِدًا .
وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ
فِي اللُّغَةِ سَائِغٌ ، لَكِنْ إذَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ؛ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ ؟ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } فَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ الْبِنْتَيْنِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَحَمَلُوا الْأَخَوَاتِ عَلَى الْبَنَاتِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَكَانَ هَذَا نَظَرًا دَقِيقًا وَأَصْلًا عَظِيمًا فِي الِاعْتِبَارِ ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ ، وَأَرَادَ الْبَارِي بِذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا دُخُولَ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ : إنَّ قَوْمَكَ حَجَبُوهَا يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا ، وَهُمْ أَهْلُ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَهُمْ الْمُخَاطَبُونَ ، وَالْقَائِمُونَ لِذَلِكَ ؛ وَالْعَامِلُونَ بِهِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَبْقَى لِنَظَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَوَّلَ عَلَى اللُّغَةِ فَغَيْرُهُ مِنْ نَظَائِرِهِ وَمَنْ فَوْقَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَعْرَفُ بِهَا ، وَإِنْ عَوَّلَ عَلَى الْمَعْنَى فَهُوَ لَنَا ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَيْنِ كَالْبِنْتَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا ، وَلَيْسَ فِي الْحُكْمِ بِمَذْهَبِنَا خُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ فِي اللُّغَةِ وَارِدًا لَفْظَ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْجَمِيعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا فَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ فُصُولِ الْفَرَائِضِ ، وَأَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الْمَالَ قِوَامًا لِلْخَلْقِ ؛ وَيَسَّرَ لَهُمْ السَّبَبَ إلَى جَمْعِهِ بِوُجُوهٍ مُتْعَبَةٍ ، وَمَعَانٍ عَسِيرَةٍ ، وَرَكَّبَ فِي جِبِلَّاتِهِمْ الْإِكْثَارَ مِنْهُ وَالزِّيَادَةَ عَلَى الْقُوتِ الْكَافِي الْمُبَلِّغِ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَارِكُهُ بِالْمَوْتِ يَقِينًا ، وَمُخَلِّفُهُ لِغَيْرِهِ ، فَمِنْ رِفْقِ الْخَالِقِ بِالْخَلْقِ صَرْفُهُ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا ؛ إبْقَاءً عَلَى الْعَبْدِ وَتَخْفِيفًا مِنْ حَسْرَتِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كَفَنِهِ وَجِهَازِهِ إلَى قَبْرِهِ .
الثَّانِي : مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ مِنْ دَيْنِهِ .
الثَّالِثُ : مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ خَيْرٍ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ مَا فَاتَ فِي أَيَّامِ مُهْلَتِهِ .
الرَّابِعُ : مَا يَصِيرُ إلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ الدَّانِيَةِ وَأَنْسَابِهِ الْمُشْتَبِكَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّمَا قَدِمَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ حَاجَتَهُ الْمَاسَةَ فِي الْحَالِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ لَا سَبِيلَ لِقَرَابَتِهِ إلَى قُوتِهِ وَلِبَاسِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهِ .
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الدَّيْنِ فَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهِنَةٌ بِدَيْنِهِ ، وَفَرْضُ الدَّيْنِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ .
فَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ فِي بَعْضِ الْمَالِ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِيَالَةٌ دِينِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ جَمِيعَهُ لَفَاتَهُ بَابٌ مِنْ الْبِرِّ عَظِيمٌ ، وَلَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ لَمَا أَبْقَى لِوَرَثَتِهِ بِالصَّدَقَةِ مِنْهُ شَيْئًا لِأَكْثَرِ الْوَارِثِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ ؛ فَقَسَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ الْمَالَ وَأَعْطَى الْخَلْقَ ثُلُثَ أَمْوَالِهِمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِهِمْ ، وَأَبْقَى سَائِرَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ ، كَمَا قَالَ
==========================================ج5.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
مَعَ أَنَّهُ كَلَالَةٌ مِنْهُ بَعِيدٌ عَنْهُ .
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : " خَيْرٌ " هَاهُنَا وُجُوهًا مُعْظَمُهَا أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ إلَى ذِكْرِهِ بِالْجَمِيلِ ، وَإِحْيَاءُ ذِكْرِهِ هُوَ إحْدَى الْحَيَاتَيْنِ ، وَمَعْنًى مَقْصُودٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي طَرِيقِهِ فَقَالَ : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ } وَأَخْبَرَ عَنْ رَغْبَتِهِ فِيهِ فَقَالَ : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } وَإِذَا كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ عَظُمَ قَدْرُهُمْ ، وَشَرُفَ ذِكْرُهُمْ فِي الطَّاعَةِ وَذِكْرُهُ .
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ وَتَرَكَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَتْرُوكًا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ ؛ وَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ الْوَصِيَّةَ مَشْرُوعَةً مَسُوغَةً لَهُ ، وَكَّلَهَا إلَى نَظَرِهِ لِنَفْسِهِ فِي أَعْيَانِ الْمُوصِي لَهُمْ ، وَبِمِقْدَارِ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ .
وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مَفْرُوضَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ؛ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ { خَبَّابٍ قَالَ : هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : وَمِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَلَمْ نَجِدْ لَهُ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إلَّا نَمِرَةً كُنَّا إذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ } ؛ فَبَدَأَ بِالْكَفَنِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ ، { عَنْ جَابِرٍ أَنَّ أَبَاهُ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ
سِتَّ بَنَاتٍ ، وَتَرَكَ دَيْنًا ، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَدْ عَلِمْت أَنَّ وَالِدِي اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ .
قَالَ : اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَفَعَلْت : فَلَمَّا دَعَوْتُهُ وَحَضَرَ عِنْدِي وَنَظَرُوا إلَيْهِ كَأَنَّمَا أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اُدْعُ أَصْحَابَكَ ؛ فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي } .
فَقَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْمِيرَاثِ .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلِّ عَلَيْهَا .
فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .
ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا .
فَقَالَ : هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ .
قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ .
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ } ، فَجَعَلَ الْوَفَاءَ بِمُقَابَلَةِ الدَّيْنِ .
وَلِهَذِهِ الْآثَارِ وَالْمَعَانِي السَّالِفَةِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنْتُمْ تُقَدِّمُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْوَصِيَّةِ عَلَى ذِكْرِ الدَّيْنِ ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا ؟ قُلْنَا ؛ فِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ " أَوْ " لَا تُوجِبُ تَرْتِيبًا ،
إنَّمَا تُوجِبُ تَفْصِيلًا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَعْدِ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَلَوْ ذَكَرَهُمَا بِحَرْفِ الْوَاوِ لَأَوْهَمَ الْجَمْعَ وَالتَّشْرِيكَ ؛ فَكَانَ ذِكْرُهُمَا بِحَرْفِ " أَوْ " الْمُقْتَضِي التَّفْصِيلَ أَوْلَى .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَدَّمَ الْوَصِيَّةَ ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَالدَّيْنُ ثَابِتٌ مُؤَدًّى ذَكَرَهُ أَمْ لَمْ يَذْكُرْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ وُجُودَ الْوَصِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ وُجُودِ الدَّيْنِ ؛ فَقُدِّمَ فِي الذِّكْرِ مَا يَقَعُ غَالِبًا فِي الْوُجُودِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُشْكِلٌ ، هَلْ يَقْصِدُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ امْتِثَالُهُ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ ابْتِدَاءً تَامًّا مَشْهُورًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَقَدَّمَ الْمُشْكِلَ ؛ لِأَنَّهُ أَهَمُّ فِي الْبَيَانِ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً ثُمَّ نُسِخَتْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، فَلَمَّا ضَعَّفَهَا النَّسْخُ قَوِيَتْ بِتَقْدِيمِ الذِّكْرِ ؛ وَذِكْرُهُمَا مَعًا كَانَ يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَلَّقَ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ .
لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ خُصِّصَتْ بِبَعْضِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَازَتْ فِي جَمِيعِ الْمَالِ لَاسْتَغْرَقَتْهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِيرَاثٌ ؛ فَخَصَّصَهَا الشَّرْعُ بِبَعْضِ الْمَالِ ؛ بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ يُنْشِئُهُ بِمَقَاصِدَ صَحِيحَةٍ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، بَيِّنَةِ الْمَنَاحِي فِي كُلِّ حَالٍ ؛ يَعُمُّ تَعَلُّقُهَا بِالْمَالِ كُلِّهِ .
وَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ وَظَهَرَ الْمَعْنَى فِي تَخْصِيصِ الْوَصِيَّةِ بِبَعْضِ الْمَالِ قَدَّرَتْ ذَلِكَ الشَّرِيعَةُ بِالثُّلُثِ ، وَبَيَّنَتْ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إلَيْهِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ ؛ { قَالَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِي مَالٌ وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي الْحَدِيثُ ، إلَى أَنْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ
خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
فَظَهَرَتْ الْمَسْأَلَةُ قَوْلًا وَمَعْنًى وَتَبَيَّنَتْ حِكْمَةً وَحُكْمًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي تَقْدِيمِ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ عَلَى الْمِيرَاثِ ، فَقَالَ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا فَرَّطَ فِي زَكَاتِهِ وَحَجِّهِ أُخِذَ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : إنْ أَوْصَى بِهَا أُدِّيَتْ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ شَيْءٌ .
وَتَعَلُّقُ الشَّافِعِيُّ ظَاهِرٌ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ ؛ فَلَزِمَ أَدَاؤُهُ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، لَا سِيَّمَا وَالزَّكَاةُ مَصْرِفُهَا إلَى الْآدَمِيِّ وَمُتَعَلَّقُ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ أَوْ تَرْكَ الْوَرَثَةِ فُقَرَاءَ ، لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ تَرْكَ الْكُلِّ ، حَتَّى إذَا مَاتَ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ ؛ فَلَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ حَقٌّ ؛ فَكَانَ هَذَا قَصْدًا بَاطِلًا فِي حَقِّ عِبَادَاتِهِ وَحَقِّ وَرَثَتِهِ ؛ وَكُلُّ مَنْ قَصَدَ بَاطِلًا فِي الشَّرِيعَةِ نُقِضَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ ، تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ اُتُّهِمَ بِهِ إذَا ظَهَرَتْ عَلَامَتُهُ ، كَمَا قَضَيْنَا بِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ لِلْقَاتِلِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَدْرُونَ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فِي الْآخِرَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ يَشْفَعُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
الثَّانِي : لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ؛ أَيُّهُمْ أَرْفَعُ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تُرِكَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ : الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ لَمْ يُؤْمَنْ إذَا قَسَّمَ التَّرِكَةَ فِي الْوَصِيَّةِ ، حِيفَ أَحَدُكُمْ ، لِتَفْضِيلِ ابْنٍ عَلَى بِنْتٍ ، أَوْ أَبٍ عَلَى أُمٍّ ، أَوْ وَلَدٍ عَلَى وَلَدٍ ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ عَلَى أَحَدٍ ، فَتَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَسْمَهَا بِعِلْمِهِ ، وَأَنْفَذَ فِيهَا حِكْمَتَهُ بِحُكْمِهِ ، وَكَشَفَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَعَبَّرَ لَكُمْ رَبُّكُمْ عَنْ وِلَايَةِ مَا جَهِلْتُمْ ، وَتَوَلَّى لَكُمْ بَيَانَ مَا فِيهِ نَفْعُكُمْ وَمَصْلَحَتُكُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي قِرَاءَتِهَا : قُرِئَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ، وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِهَا مَكْسُورَةً ، فَإِنْ كَانَ بِالْفَتْحِ فَذَلِكَ عَائِدٌ لِلْمَيِّتِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : { كَلَالَةً } حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ فِي يُورَثُ .
وَإِذَا قُرِئَتْ بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ عَائِدٌ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ " كَلَالَةً " مَفْعُولًا يَتَعَدَّى الْفِعْلُ إلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ ؛ وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُ تَضْعِيفُ الْفِعْلِ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي لُغَتِهَا : اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : الْكَلَالَةُ : الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ .
الثَّانِي : قَالَ أَبُو عَمْرٍو : مَا لَمْ يَكُنْ لَحًّا مِنْ الْقَرَابَةِ فَهُوَ كَلَالَةٌ ، يُقَالُ : هُوَ ابْنُ عَمِّي لَحًّا ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي كَلَالَةً .
الثَّالِثُ : وَهُوَ فِي مَعْنَى الثَّانِي : أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ بَعُدَ ، يُقَالُ : كَلَّتْ الرَّحِمُ إذَا بَعُدَ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ وَلَا أَخٌ .
الْخَامِسُ : أَنَّ الْكَلَالَةَ هُوَ الْمَيِّتُ بِعَيْنِهِ ، كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ عَقِيمٌ وَرَجُلٌ أُمِّيٌّ .
السَّادِسُ : أَنَّ الْكَلَالَةَ هُمْ الْوَرَثَةُ ، وَالْوُرَّاثُ الَّذِينَ يُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّوْجِيهِ : أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيُعَضِّدُهُ الِاشْتِقَاقُ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَوْجِيهُ الرَّابِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ قَرِيبٌ جِدًّا حِينَ جَمَعَهُ مَعَ أَخِيهِ صَلْبٌ وَاحِدٌ وَارْتَكَضَا فِي رَحِمٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْتَقَمَا مِنْ ثَدْيٍ
وَاحِدَةٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْمَيِّتُ نَفْسُهُ فَقَدْ نَزَعَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ عَنْ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وَمَنْ قَالَ : إنَّهُمْ الْمُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ نَزَعَ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : كَلَّلَهُ النَّسَبُ : أَحَاطَ بِهِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ التَّاجُ إكْلِيلًا ؛ لِأَنَّهُ يُحِيطُ بِجَوَانِبِ الرَّأْسِ .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ ، أَيْ أَحَاطَ بِهِ ؛ كَأَنَّهُ سَمَّاهُ بِضِدِّهِ كَالْمَفَازَةِ وَالسَّلِيمِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : دَعْنَا مِنْ تَرْتَانَ ، وَمَا لَنَا وَلِاخْتِلَافِ اللُّغَةِ وَتَتَبُّعُ الِاشْتِقَاقِ ؟ وَلِسَانِ الْعَرَبِ وَاسِعٌ ، وَمَعْنَى الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ فَقَدَ أَبَاهُ وَابْنَهُ وَالزَّوْجَاتِ وَتَرَكَ الْإِخْوَةَ [ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَرَكَ سِهَامَ الْفَرَائِضِ مَعَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالزَّوْجَاتِ وَتَرَكَ الْإِخْوَةَ ] ؛ فَجَعَلَ هَذِهِ آيَتَهُمْ وَجَعَلَهُمْ كَلَالَةً اسْمًا مَوْضُوعًا لُغَةً بِأَحَدِ مَعَانِي الْكَلَالَةِ مُسْتَعْمَلًا شَرْعًا ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي آخِرِ السُّورَةِ فِي آيَةِ الصَّيْفِ سَمَّاهُ كَلَالَةً ، وَذَكَرَ فَرِيضَةً لَا أَبَ فِيهَا وَلَا ابْنَ ، فَتَحَقَّقْنَا بِذَلِكَ مُرَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكَلَالَةِ .
تَبْقَى هَاهُنَا نُكْتَةٌ تَفَطَّنَ لَهَا أَبُو عَمْرٍو ، وَهِيَ إلْحَاقُ فَقْدِ الْأَخِ لِلْعَيْنِ أَوْ لِعِلَّةٍ بِالْكَلَالَةِ ؛ لِأَنَّهَا نَازِلَةٌ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْأُولَى ، وَهِيَ هَذِهِ ؛ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى آيَةِ الصَّيْفِ : الْكَلَالَةُ فَقْدُ الْأَبِ وَالِابْنِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَقْتَضِي ذَلِكَ كُلَّهُ ؛ وَمُطْلَقُ اللُّغَةِ يَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِهَا فَاسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قَصْدًا لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ
بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ وَالْمَصَالِحِ ، فَهَذَا جَرَيَانُ الْأَمْرِ عَلَى الِاشْتِقَاقِ وَتَصْرِيفِ اللُّغَةِ ، فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْمَعْنَى عَلَى رَسْمِ الْفَتْوَى ، وَهِيَ
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْكَلَالَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ قَوْمًا اخْتَارُوا أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ .
الثَّانِي : مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ إخْوَةٌ .
الثَّالِثُ : قَوْلٌ طَرِيفٌ لَمْ يُذْكَرْ فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ ؛ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَالَةَ الْمَالُ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْمَالُ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الَّذِي ذَهَبَ طَرَفَاهُ الْأَسْفَلُ فَمُشْكِلٌ تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ حَتَّى أَلْحَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِهَا ؛ فَقَالَ لَهُ : { أَلَّا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ } يَعْنِي الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِي آخِرِ النِّسَاءِ .
وَرَوَى مَعْدَانُ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : إنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا هُوَ أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ الْكَلَالَةِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ الْجَدِّ وَالْكَلَالَةِ وَمَا رَاجَعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْته فِي الْكَلَالَةِ ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهَا حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي ، وَقَالَ : { يَا عُمَرُ ؛ أَمَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ } يَعْنِي الْآيَةَ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ .
قَالَ وَإِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ .
فَإِذَا كَانَ هَذَا أَمْرًا وَقَفَ فِي وَجْهِ عُمَرَ فَمَتَى يُسْفَرُ لَنَا عَنْهُ وَجْهُ النَّظَرِ ؟ لَكِنَّ الْآنَ نَرِدُ فِي اقْتِحَامِ هَذَا الْوَعْرِ بِنِيَّةٍ وَعِلْمٍ ، فَنَقُولُ فِيهِمَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ الْمُنْعِمُ : إنَّ الْكَلَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً لُغَةً مُتَوَارِدَةً عَلَى مَعَانٍ مُتَمَاثِلَةٍ وَمُتَضَادَّةٍ فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَبَصَّرَ مَوَارِدَهَا فِي الشَّرِيعَةِ فَنَقُولُ : وَرَدَتْ فِي
آيَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا هَذِهِ ، وَالْأُخْرَى الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَأَمَّا هَذِهِ فَهِيَ الَّتِي لَا وَلَدَ فِيهَا وَلَا وَالِدَ وَفِيهَا إخْوَةٌ لِأُمٍّ .
وَأَمَّا الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فَهِيَ الَّتِي لَا وَلَدَ ذَكَرًا فِيهَا ، وَهُمْ إخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ إخْوَةٌ لِأَبٍ أَوْ أَخَوَاتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَجَدٌّ ، فَجَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِبَيَانِ حَالِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَجَاءَتْ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ لِبَيَانِ إخْوَةِ الْأَعْيَانِ وَالْعَلَّاتِ حَتَّى يَقَعَ الْبَيَانُ بِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَجَمَعَهُ وَشَرَحَهُ .
وَكَانَ عُمَرُ يَطْلُبُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّصَّ الْقَاطِعَ لِلْعُذْرِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْبَيَانِ الْوَاقِعِ مَعَ الْإِطْلَاقِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ إلَى الِاجْتِهَادِ بِالْأَخْذِ مِنْ اللُّغَةِ وَمُقَاطَعِ الْقَوْلِ وَمَرَابِطِ الْبَيَانِ وَمَفَاصِلِهِ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَنَصٌّ فِي التَّكَلُّمِ بِالرَّأْيِ الْمُسْتَفَادِ عِنْدَ النَّظَرِ الصَّائِبِ .
وَإِذَا ثَبَتَ فِيهِ النَّظَرُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَالَةِ مِنْ " كَلَّ " أَيْ بَعُدَ ، وَمِنْ " تَكَلَّلَ " أَيْ أَحَاطَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى السَّلْبِ ، كَمَا يُقَالُ فَازَ فِي الْمَفَازَةِ أَيْ انْتَفَى لَهُ الْفَوْزُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْإِحَاطَةَ وُجِدَتْ مَعَ فَقْدِ السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ وَهُوَ قُرْبُ النَّسَبِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إنَّمَا قُلْنَا : إنَّ الْكَلَالَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقْدُ الِابْنِ وَالْأَبِ ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ يُحْجَبُونَ بِالْجَدِّ ، وَهُمْ الْمُرَادُونَ فِي الْآيَةِ بِالْإِخْوَةِ إجْمَاعًا ، وَدَخَلَ فِيهَا الْجَدُّ الْخَارِجُ عَنْ الْكَلَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّسَبِ كَالْأَبِ الْمُتَوَلَّدِ عَنْهُ الِابْنُ .
وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا : إنَّ الْجَدَّ أَيْضًا خَارِجٌ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ مَعَ
الْجَدِّ لَا تَأْخُذُ نِصْفًا ؛ إنَّمَا هِيَ مُقَاسِمَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْأَخُ مُقَاسِمٌ لَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ أَخْرَجْتُمْ الْجَدَّ عَنْهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْهَا ؛ إذْ حَقِيقَةُ الْكَلَالَةِ ذَهَابُ الطَّرَفَيْنِ ، وَعَلَيْهِ مَبْنَى اللُّغَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ بَعِيدٌ ضَعِيفٌ .
وَأَفْسَدُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْمَالُ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لُغَةً وَلَا مَقِيسٍ مَعْنًى .
الثَّانِي : أَنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَعَ ذُكُورِ وَلَدِ الْمُتَوَفَّى فِي السُّدُسِ ، وَالْإِخْوَةُ لَا يَرِثُونَ مَعَهُمْ ، فَكَيْفَ يُشَارِكُ مَنْ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ وَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ .
وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ قَالَ حَبْرُ الْأُمَّةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : إنَّ امْرَأَةً لَوْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأَبِيهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَجَدَّهَا : إنَّ النِّصْفَ لِلزَّوْجِ ، وَالسُّدُسَ لِلْأُمِّ فَرِيضَةً ، وَلِلْجَدِّ مَا بَقِيَ ؛ قَالَ : لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُولُ : لَوْ لَمْ أَكُنْ كَانَ لِلْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ مَا بَقِيَ ، وَلَا يَأْخُذُ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ شَيْئًا ، فَلَمَّا حَجَبَتْ إخْوَةُ الْأُمِّ عَنْهُ كُنْت أَنَا أَحَقَّ بِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَلِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ السُّدُسَ كَهَيْئَةِ الْمُقَاسَمَةِ ، وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ فِي الْفَرَائِضِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي آخِرِهَا مَا يَقْتَضِي التَّعْصِيبَ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ وَالْأُمِّ وَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ : إنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسَ ، وَلِلْأَخِ لِلْأُمِّ السُّدُسَ ، وَلِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ السُّدُسَ بِحُكْمِ التَّعْصِيبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الْأَخَوَاتُ عُصْبَةٌ لِلْبَنَاتِ ، وَإِذَا تَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتًا أَوْ ابْنَتَيْنِ وَأُخْتًا فَالنِّصْفُ لِلِابْنَةِ ، وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ ، وَهُمَا ذَوَاتَا فَرْضٍ ، لَكِنْ إذَا اجْتَمَعَا سَقَطَ فَرْضُ الْأَخَوَاتِ وَعَادَ سَهْمُهُنَّ إلَى التَّعْصِيبِ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ : الِابْنَةُ تُسْقِطُ الْأُخْتَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ } فَتَأْخُذُ الْبِنْتُ النِّصْفَ وَمَا بَقِيَ لِلْعُصْبَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ { أَنَّ مُعَاذًا قَضَى بِالْيَمَنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ } ؛ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ رَجَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ قَوْلِهِ ؛ فَصَارَ فَرْضُ الْأُخْتِ وَالْأَخَوَاتِ بِالنَّصِّ إنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، وَصَارَ فَرْضُهُنَّ التَّعْصِيبَ إنْ كَانَ بِنْتًا ، وَسَقَطْنَ بِالذَّكَرِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، فَخَصَّتْ السُّنَّةُ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ عُمُومَ قَوْلِهِ : { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : لَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ أَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ ، أَوْ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ ؛ فَأَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَاتَّفَقَ النَّاسُ فِيهَا أَنَّ الثُّلُثَ لَهُمَا بِسَبَبِ الْأُمِّ ، وَيَأْخُذُ الثَّانِي مَا بَقِيَ مِنْ الْمِيرَاثِ بِالتَّعْصِيبِ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ : فَاخْتَلَفُوا فِيهَا ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : لِمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْقَرَابَتَانِ السُّدُسُ بِحُكْمِ الْأُمُومَةِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ .
وَقَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ : الْمَالُ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي التَّعْصِيبِ ، وَفَضَلَهُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ ؛ فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ فِي التَّعْصِيبِ كَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ سَبَبٌ يُفْرَضُ بِهِ فِي السِّهَامِ ، فَلَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي التَّعْصِيبِ ، كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجَهَا ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَخَ الشَّقِيقَ فَإِنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يُفْرَضُ فِيهَا لِوَلَدِ الْأُمِّ ، لَا لِوَلَدِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيهِ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ مُضَارٍّ } وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ .
أَمَّا رُجُوعُهُ إلَى الْوَصِيَّةِ فَبِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ .
الثَّانِي : بِأَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ .
فَأَمَّا إنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحُقُوقِهِمْ لَا لِحَقِّ اللَّهِ .
وَأَمَّا إنْ أَوْصَى إلَى وَارِثٍ فَإِنَّ الْوَرَثَةَ الْمُبْدَنَةِ بِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا فِي وَصَايَاهُمْ ، وَيَرْجِعُ مِيرَاثًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : تَبْطُلُ ، وَلَا يَقَعُ بِهِ تَحَاصٌّ ، وَنَظَرُهُمَا بَيِّنٌ فِي إسْقَاطِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِبُطْلَانِهِ .
وَمَطْلَعُ نَظَرِ مَالِكٍ أَعْلَى ؛ لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ بِوَصِيَّتِهِ لِلْوَارِثِ مَعَ سَائِرِ الْوَصَايَا أَنَّهُ أَرَادَ تَنْقِيصَ حَظِّ الْوَصَايَا وَتَخْصِيصَ وَارِثِهِ ، فَإِنْ بَطَلَ أَحَدُ الْقَصْدَيْنِ ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُجَوِّزْهُ ، لَمْ يُبْطِلْ الْآخَرَ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَيُرَدُّ مَا أَبْطَلَ الشَّرْعُ وَيَمْضِي مَا لَمْ يَعْتَرِضْ فِيهِ .
وَأَمَّا رُجُوعُ الْمُضَارَّةِ إلَى الدَّيْنِ فَبِالْإِقْرَارِ فِي حَالَةٍ لَا يَجُوزُ فِيهَا لِشَخْصٍ الْإِقْرَارُ لَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ أَوْ لِصِدِّيقٍ مُلَاطِفٍ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إذَا تَحَقَّقْنَا الْمُضَارَّةَ بِقُوَّةِ التُّهْمَةِ ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ رَأْسًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ .
وَمَطْلَعُ النَّظَرِ أَنَّا لَمَحْنَا أَنَّ الْمَوْرُوثَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ هِبَتَهُ لِوَارِثِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ وَصِيَّتَهُ لَهُ لَا تَجُوزُ ، وَقَدْ فَاتَهُ نَفْعُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ عَمَدَ إلَى الْهِبَةِ فَأَلْقَاهَا بِصُورَةِ الْإِقْرَارِ لِتَجَوُّزِهَا ؛ وَيُعَضِّدُ هَذِهِ التُّهْمَةَ صُورَةُ الْقَرَابَةِ وَعَادَةُ النَّاسِ بِقِلَّةِ الدِّيَانَةِ .
وَمَطْلَعُ نَظَرِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْهُ ؛ لَكِنَّهُ رَبَطَ الْأَمْرَ
بِصِفَةِ الْقَرَابَةِ حِينَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ عَلَى التُّهْمَةِ ، كَمَا عُلِّقَتْ رُخَصُ السَّفَرِ بِصُورَةِ السَّفَرِ حِينَ تَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَى تَحْرِيرِ الْمَشَقَّةِ وَوُجُودِهَا .
وَرَاعَى الشَّافِعِيُّ فِي نَظَرِهِ أَنَّ هَذِهِ حَالَةُ إخْبَارٍ عَنْ حَقٍّ وَاجِبٍ يُضَافُ إلَى سَبَبٍ جَائِزٍ فِي حَالَةٍ يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ ، وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ ، وَيَتُوبُ فِيهَا الْعَاصِي ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ ، وَجَوَّزَهُ .
فَإِنْ قَالَ : الْإِقْرَارُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَرَضُ .
قُلْنَا : وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ حُجَّةً شَرْعِيَّةً [ فَإِنَّ الْهِبَةَ صِلَةٌ شَرْعِيَّةٌ ] ، وَلَكِنْ حَجَرَهَا الْمَرَضُ .
كَذَلِكَ تَحْجُرُ التُّهْمَةُ الْإِقْرَارَ ، وَكَمَا رَدَّتْ التُّهْمَةُ الشَّهَادَةَ أَيْضًا .
وَأَمَّا نَظَرُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى صُورَةِ الْقَرَابَةِ فَفِيهِ إلْغَاءُ الْعِلَّةِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهَا وَقَصْرٌ لَهَا عَلَى مُورِدِهَا .
وَيَنْبَغِي أَنَّ تَطَّرِدَ الْعِلَّةُ حَيْثُ وُجِدَتْ مَا لَمْ يَقِفْ دُونَهَا دَلِيلُ تَخْصِيصٍ ، فَعَلَى هَذَا إذَا وَجَدْنَا التُّهْمَةَ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ مِنْ صَدِيقٍ مُلَاطِفٍ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ ، وَكَمْ مِنْ صَدِيقٍ أَلْصَقُ مِنْ قَرِيبٍ وَأَحْكُمُ عُقْدَةً فِي الْمَوَدَّةِ .
تَكْمِلَةٌ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِضَ السِّهَامِ ، وَبَقِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ بَقِيَّةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْهُ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ } ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ فِي الْعَصَبَةِ عَلَى الْأَبْعَدِ ، كَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ ، وَابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، هَكَذَا أَبَدًا .
تَخْصِيصٌ : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } الْفَرَائِضَ إلَى آخِرِهَا بِسِهَامِهَا وَمُسْتَحَقِّيهَا ، ثُمَّ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } .
فَخَرَجَ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ تَوَارُثُ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا ، وَلَا يَحْجُبُهُ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هُوَ وَإِنْ كَانَ لَا يَرِثُ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ : { وَلِأَبَوَيْهِ } هُوَ الْمَذْكُورُ فِي : { إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } فَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ : { وَلِأَبَوَيْهِ } لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْكُفَّارُ ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ .
تَحْقِيقُهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَعَلَتْهُ فِي بَابِ الْإِرْثِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا كَالْمَعْدُومِ ، كَذَلِكَ فِي بَابِ الْحَجْبِ فَإِنَّهُ أَحَدُ حُكْمَيْ الْمِيرَاثِ ؛ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْكَافِرُ ، أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَافِرِ أَصْلُهُ الْمِيرَاثُ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْحَجْبِ مُعَضِّدٌ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي الْأَبْوَابِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْأَسْبَابُ الَّتِي يُسْتَحَقُّ بِهَا الْمِيرَاثُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ : نِكَاحٌ ، وَنَسَبٌ ، وَوَلَاءٌ .
فَأَمَّا النِّكَاحُ وَالنَّسَبُ فَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُسْتَحَقُّ الْمِيرَاثُ زَائِدًا عَلَى هَذَا بِالْحَلِفِ وَالْمُعَاقَدَةِ وَالِاتِّحَادِ فِي الدِّيوَانِ .
وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمِيرَاثَ عِنْدَنَا يُسْتَحَقُّ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ : نِكَاحٍ ، وَنَسَبٍ ، وَوَلَاءٍ ، وَإِسْلَامٍ ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا : " وَإِسْلَامٍ " أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ عِنْدَنَا وَارِثٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِوَارِثٍ .
وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَعَوَّلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } وَهِيَ آيَةٌ نُبَيِّنُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفَرَائِضَ مَقَادِيرَهَا ، وَقَرَّرَهَا مَقَارِيرَهَا ، وَاسْتَمَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ زَمَانًا نَزَلَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ عَارِضَةٌ ، وَهِيَ ازْدِحَامُ أَرْبَابِ الْفَرَائِضِ عَلَى الْفَرَائِضِ ، وَزِيَادَةُ فُرُوضِهِمْ عَلَى مِقْدَارِ الْمَالِ ، مِثَالُ ذَلِكَ امْرَأَةٌ تَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُخْتَهَا وَأُمَّهَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَلَمَّا أُلْقِيَتْ عِنْدَ عُمَرَ ، وَكَانَ امْرَأً وَرِعًا ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَيُّكُمْ قَدَّمَ اللَّهُ وَلَا أَيُّكُمْ أَخَّرَ ، فَلَا أَجِدُ مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ أُقَسِّمَ عَلَيْكُمْ هَذَا الْمَالَ بِالْحِصَصِ ، فَأَدْخَلَ عَلَى كُلِّ ذِي سَهْمٍ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْلٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَزِيزِ ، إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا مَا جَعَلَ فِي الْمَالِ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا ، فَهَذَانِ النِّصْفَانِ قَدْ ذَهَبَا بِالْمَالِ ، فَأَيْنَ الثُّلُثُ ؟ فَلْيَجِيئُوا فَلْنَضَعْ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكْنِ فَلْنَبْتَهِلْ .
قَالَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْبَصْرِيُّ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؛ وَأَيُّهُمَا قَدَّمَ اللَّهُ ؟ وَأَيُّهُمَا أَخَّرَ ؟ قَالَ : كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ يُهْبِطْهَا اللَّهُ إلَّا إلَى فَرِيضَةٍ ، فَهِيَ الْمُقَدَّمُ ، وَكُلُّ فَرْضٍ إذَا زَالَ رَجَعَ إلَى مَا بَقِيَ فَهُوَ الْمُؤَخَّرُ .
قَالَ الْقَاضِي : اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ أَحَدٌ إلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَرَثَةَ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ ، فَأُعْطُوا عِنْدَ التَّضَايُقِ حُكْمَ الْحِصَّةِ ، أَصْلُهُ الْغُرَمَاءُ إذَا ضَاقَ مَالُ الْغَرِيمِ عَنْ حُقُوقِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ يَتَحَاصُّونَ بِمِقْدَارِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمْ فِي رَأْسِ مَالِ الْغَرِيمِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ مُعْضِلَةٌ فِي الْآيَاتِ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ عَلَى عِلْمِهَا ، وَفِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً ، لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، اللَّذَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَالٍ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مَمْدُودًا إلَى غَايَةٍ ، ثُمَّ وَقَعَ بَيَانُ الْغَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُنْتَظِمٌ مُتَّصِلٌ لَمْ يَرْفَعَ مَا بَعْدَهُ مَا قَبْلَهُ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اللَّاتِي } هُوَ جَمْعُ الَّتِي ؛ كَلِمَةٌ يُخْبَرُ بِهَا عَنْ الْمُؤَنَّثِ خَاصَّةً ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ : " الَّذِي " يُخْبَرُ بِهِ عَنْ الْمُذَكَّرِ خَاصَّةً ، وَجَمْعُهُ الَّذِينَ ، وَقَدْ تُحْذَفُ التَّاءُ فَتَبْقَى الْيَاءُ السَّاكِنَةُ فَتَجْرِي بِحَرَكَتِهَا ، قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } ، فَجَاءَ بِاللُّغَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ الْمَخْزُومِيُّ : مِنْ اللَّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ الْبَرِيءَ الْمُغَفَّلَا
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْفَاحِشَةَ } هِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ تَعْظُمُ كَرَاهِيَتُهُ فِي النُّفُوسِ ، وَيَقْبُحُ ذِكْرُهُ فِي الْأَلْسِنَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْغَايَةَ فِي جِنْسِهِ ، وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِشَهْوَةِ الْفَرْجِ إذَا اُقْتُضِيَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ شَرْعًا أَوْ الْمُجْتَنَبِ عَادَةً ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الزِّنَا إجْمَاعًا ، وَفِي اللِّوَاطِ بِاخْتِلَافٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللِّوَاطَ فَاحِشَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّاهُ بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } يُقَالُ : أَتَيْت مَقْصُورًا ؛ أَيْ جِئْت ، وَعَبَّرَ عَنْ الْفِعْلِ وَالْعَمَلِ بِالْمَجِيءِ ؛ لِأَنَّ الْمَجِيءَ إلَيْهِ يَكُونُ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِعَارَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ نِسَائِكُمْ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الصَّحَابَةِ : إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُرَادُ الْجِنْسُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ : إنَّهُنَّ الْأَزْوَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وَقَوْلِهِ : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَأَرَادَ الْأَزْوَاجَ فِي الْآيَتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ ، وَإِذَا كَانَ إضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا إلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ ؛ قَالُوا : وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْأُخْرَى ، وَكَانَتْ الْأَكْبَرُ لِلثَّيِّبِ ، وَالْأَصْغَرُ لِلْبِكْرِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعُمُومَهُ ، فَأَمَّا الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ آيَةِ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَى الْأَزْوَاجِ ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيلَاءَ لَمَّا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النِّكَاحِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَلَّا يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فَوَطِئَهَا يَحْنَثُ إذَا وَطِئَهَا إذَا تَزَوَّجَهَا ، وَإِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْأَجَلِ فِي الزَّوْجَةِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْأَغْلَظُ لِلْأَعْظَمِ وَالْأَقَلُّ لِلْأَصْغَرِ ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ فِي النِّسَاءِ جَمِيعًا : إحْدَاهُمَا فِي الثَّيِّبِ ، وَالْأُخْرَى فِي الْبِكْرِ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا : إنَّ الْحِكْمَةَ فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ نِسَائِكُمْ } بَيَانُ حَالِ الْمُؤْمِنَاتِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } يَعْنِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَالَ تَعَالَى : { ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَيُفِيدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا
يَحُدُّ الْكَافِرَةَ إذَا زَنَتْ ، وَذَلِكَ يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } وَهَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } فَشَرَطَ غَايَةَ الشَّهَادَةِ فِي غَايَةِ الْمَعْصِيَةِ لِأَعْظَمِ الْحُقُوقِ حُرْمَةً ، وَتَعْدِيدُ الشُّهُودِ بِأَرْبَعَةٍ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ؛ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { جَاءَتْ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ فَأَتَوْهُ بِابْنَيْ صُورِيَّا ، فَنَشَدَهُمَا اللَّهَ كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَا : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا .
قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالَا : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا وَكَرِهْنَا الْقَتْلَ .
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ فَجَاءُوا وَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَمَهُمَا } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ عُدُولًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْبُيُوعِ وَالرَّجْعَةِ ، فَهَذَا أَعْظَمُ ، وَهُوَ بِذَلِكَ أَوْلَى ، وَهُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالدَّلِيلِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَلَا يَكُونُوا ذِمَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَلَى ذِمَّةٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ الْقَتْلُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الزِّنَا ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ بِشَاهِدَيْنِ ، فَمَا هَذَا ؟ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْحِكْمَةَ
الْإِلَهِيَّةَ وَالْإِيَالَةَ الرَّبَّانِيَّةَ اقْتَضَتْ السَّتْرَ فِي الزِّنَا بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي السَّتْرِ ، وَجَعَلَ ثُبُوتَ الْقَتْلِ بِشَاهِدَيْنِ ، بَلْ بِلَوْثٍ وَقَسَامَةٍ صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْكُمْ } الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ أَوَّلًا { مِنْ نِسَائِكُمْ } ثُمَّ قَالَ : { مِنْكُمْ } فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَيْرَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ شَهِدُوا } الْمَعْنَى : فَاطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ الشُّهَدَاءَ ، فَإِنْ شَهِدُوا .
وَلَيْسَ هَذَا بِأَمْرِ وُجُوبٍ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ تَعْلِيمِ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ ، وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ الَّتِي يَشْهَدُ بِهَا الشَّاهِدُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ شَأْنِ مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيِّ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الْخَامِسَةِ ، فَقَالَ : أَنِكْتَهَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ : حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِيهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مِثْلَ مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَمَا تُرِيدُ مِنِّي بِهَذَا الْقَوْلِ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ .
}
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِمْسَاكِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ وَحَبْسِهِنَّ فِيهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَكْثُرَ الْجُنَاةُ ، فَلَمَّا كَثُرَ الْجُنَاةُ وَخُشِيَ فَوْتُهُمْ اُتُّخِذَ لَهُمْ سِجْنٌ .
وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا السِّجْنِ ، هَلْ هُوَ حَدٌّ أَوْ تَوَعُّدٌ بِالْحَدِّ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ تَوَعُّدٌ بِالْحَدِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ حَدٌّ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ : زَادَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ النِّكَاحِ حَتَّى يَمُوتُوا يَعْنِي عُقُوبَةً لَهُمْ حَيْثُ طَلَبُوا النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ .
ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْحَدِّ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } فَمَنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ ، وَمَنْ كَانَ بِكْرًا جُلِدَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَدٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ عُقُوبَةً مَمْدُودَةً إلَى غَايَةِ مُؤْذَنَةٍ بِأُخْرَى هِيَ النِّهَايَةُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ حَدٌّ ، لِأَنَّهُ إيذَاءٌ ، وَإِيلَامٌ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْجِلْدِ ، وَكُلُّ إيذَاءٍ وَإِيلَامٍ حَدٌّ ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ وَزَجْرٌ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ مَمْدُودٌ إلَى غَايَةٍ إبْطَالًا لِقَوْلِ مَنْ رَأَى مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّهُ نُسِخَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } رَوَى مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَلُقِيَ لِذَلِكَ ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ } .
.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ : { الْبِكْرُ تُجْلَدُ وَتُنْفَى ، وَالثَّيِّبُ تُجْلَدُ وَتُرْجَمُ } .
.
فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ : بِكْرٌ تَزْنِي بِبِكْرٍ ، وَثَيِّبٌ تَزْنِي بِثَيِّبٍ .
الثَّالِثُ بِكْرٌ تَزْنِي بِثَيِّبٍ ، أَوْ ثَيِّبٌ تَزْنِي بِبِكْرٍ ، لِقَوْلِهِ : { الْبِكْرُ تُجْلَدُ وَتُنْفَى ، وَالثَّيِّبُ تُرْجَمُ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَمَّادٌ : لَا يُقْضَى بِالنَّفْيِ حَدًّا إلَّا أَنْ يَرَاهُ الْحَاكِمُ [ تَعْزِيرًا ] ، وَاحْتَجَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وَلَمْ يَذْكُرْ تَغْرِيبًا ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
جَوَابٌ ثَانٍ : قَدْ رَدَدْتُمْ الْبَيِّنَةَ بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَلْدَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّجْمَ ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ .
جَوَابٌ رَابِعٌ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ الْإِحْصَانَ وَلَا الْحُرِّيَّةَ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْآيَةِ بَيَانُ جِنْسِ الْحَدِّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : الْمَرْأَةُ لَا تُغَرَّبُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ حِينَ تَعَلَّقُوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَالْمَعْنَى يَخُصُّهُ ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ مِنْ الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ وَالْقَصْرِ عَنْ الْخُرُوجِ وَالتَّبَرُّزِ اللَّذَيْنِ يَذْهَبَانِ بِالْعِفَّةِ إلَى مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : الْعَبْدُ لَا يُغَرَّبُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ بِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَيَخُصُّهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلْيَبِعْهَا ، وَلَوْ بِضَفِيرٍ } .
فَكَرَّرَ ذِكْرَ الْجَلْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّغْرِيبَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَرَّرَهُ أَوْ ذَكَرَهُ .
وَأَيْضًا ، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَخُصُّهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَغْرِيبِ الْحُرِّ إيذَاؤُهُ بِالْحَيْلُولَةِ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ، وَالْإِهَانَةِ لَهُ ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ .
الْمَسْأَلَةُ
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي أَصْلِ التَّغْرِيبِ : وَهُوَ أَنَّهُ أَجْمَعَ رَأْيُ خِيَارِ بَنِي إسْمَاعِيلَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْحَرَمِ حَدَثًا غُرِّبَ مِنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَهُ لَهُمْ أَوَّلُهُمْ ، فَصَارَتْ سُنَّةً لَهُمْ فِيهِ يَدِينُونَ بِهَا ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ اسْتَنَّ النَّاسُ إذَا أَحْدَثَ أَحَدٌ حَدَثًا غُرِّبَ عَنْ بَلَدِهِ ؛ وَتَمَادَى ذَلِكَ إلَى الْجَاهِلِيَّةِ إلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَقَرَّهُ فِي الزِّنَا خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْمَظَالِمَ يُمْكِنُ كَفُّ الظَّالِمِ عَنْهَا جَهْرًا ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا سِرًّا ، وَالزِّنَا لَيْسَ الْكَفُّ عَنْهُ بِكَامِلٍ حَتَّى يُغَرَّبَ عَنْ مَوْضِعِهِ ، فَلَا تَكُونُ لَهُ حِيلَةٌ فِي السِّرِّ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْعَوْدَةِ إلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، وَمُتَعَلَّقُهُمْ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِ عَلِيٍّ ذَلِكَ أَيَّامَ خِلَافَتِهِ .
وَقَوْلُنَا أَصَحُّ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَجَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْلِدْهُ ، فَتَرَكَهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِعْلًا فِي كُلِّ مَنْ رَجَمَ ، وَقَوْلًا فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ : { وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } مُسْقِطٌ لَهُ .
قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْإِذَايَةَ فِي الْأَبْكَارِ قَالَهُ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي أَبْكَارِ الرِّجَالِ وَثَيِّبِهِمْ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ؛ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ الْأُولَى مُؤَنَّثٌ ؛ فَاقْتَضَى النِّسَاءَ ؛ وَهَذَا لَفْظٌ مُذَكَّرٌ ، فَاقْتَضَى الرِّجَالَ .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالُوا : إنَّ لَفْظَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَالصَّوَابُ مَعَ مُجَاهِدٍ ؛ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَصٌّ فِي النِّسَاءِ بِمُقْتَضَى التَّأْنِيثِ وَالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِنَّ الْمَخْصُوصِ لَهُنَّ ، فَلَا سَبِيلَ لِدُخُولِ الرِّجَالِ فِيهِ ، وَلَفْظُ الثَّانِيَةِ يَحْتَمِلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ، وَكَانَ يَصِحُّ دُخُولُ النِّسَاءِ مَعَهُمْ فِيهَا لَوْلَا أَنَّ حُكْمَ النِّسَاءِ تَقَدَّمَ ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ لَوْ اسْتَقَلَّتْ لَكَانَتْ حُكْمًا آخَرَ مُعَارِضًا لَهُ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ، وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَتْ مَنُوطَةً بِهَا ، مُرْتَبِطَةً مَعَهَا ، مُحَالَةً بِالضَّمِيرِ عَلَيْهَا فَقَالَ : { يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الرِّجَالَ ضَرُورَةً .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّ قَوْلَهُ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } عَامٌّ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، فَاقْتَضَى مَسَاقُ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي زِنَا النِّسَاءِ عُقُوبَةَ الْإِمْسَاكِ فِي الْبُيُوتِ ، وَجَعَلَ فِي زِنَا الرِّجَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيهِمَا جَمِيعًا الْإِيذَاءَ ، فَاحْتَمَلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ الْإِيذَاءُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ عُقُوبَةً لَهُمْ [ عُقُوبَةً ] دُونَ الْإِمْسَاكِ ، وَاحْتَمَلَ
الْإِيذَاءَ وَالْإِمْسَاكَ حَمْلًا عَلَى النِّسَاءِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَاهُنَا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَنَّ الْجَلْدَ بِالْآيَةِ وَالرَّجْمَ بِالْحَدِيثِ نَسَخَ هَذَا الْإِيذَاءَ فِي الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْدُودًا إلَى غَايَةٍ ، وَقَدْ حَصَلَ التَّعَارُضُ ؛ وَعُلِمَ التَّارِيخُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ ، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِالنَّسْخِ ؛ وَأَمَّا الْجَلْدُ فَقُرْآنٌ نَسَخَ قُرْآنًا ، وَأَمَّا الرَّجْمُ فَخَبَرٌ مُتَوَاتِرٌ نَسَخَ قُرْآنًا ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي قَبْلَ هَذَا فِيهِ .
قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا مَاتَ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِزَوْجَتِهِ مِنْ وَلِيِّهَا ، يَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُنْكِحُهَا لِغَيْرِهِ ، وَرُبَّمَا أَلْقَى أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِ عَلَيْهَا ثَوْبًا ، فَكَانَ أَوْلَى بِهَا ، حَتَّى مَاتَ ابْنُ عَامِرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْآيَةَ ، وَنَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } الْقَوْلُ فِي الْعَضْلِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ؛ قِيلَ فِيهَا أُمِرُوا بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِنَّ إذَا لَمْ يَرِثُوهُنَّ .
وَقِيلَ : هَذَا خِطَابٌ لِلْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْنَعُ الرَّجُلُ [ مِنْهُمْ ] امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُهَا ؛ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قِيلَ : هُوَ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ إذَا لَمْ يَتَّفِقُوا مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ ، نُهُوا أَنْ يُمْسِكُوهُنَّ عَلَى غَيْرِ عِشْرَةٍ جَمِيلَةٍ حَتَّى يَأْخُذُوا مَا أَعْطُوهُنَّ .
وَقِيلَ : هُوَ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالْجَاهِلِيَّةُ نُهُوا أَنْ يَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ النِّكَاحِ لِمَنْ أَرَدْنَ إذَا مَاتَ أَزْوَاجُهُنَّ ، وَلَا يَحْبِسُوهُنَّ لِيَرِثُوا مِنْهُنَّ مَا وَرِثُوا مِنْ مُوَرِّثِهِمْ ، عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " آتَيْتُمُوهُنَّ " لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى وَجْهِ الْمِيرَاثِ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْخُذُوهُ عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ مِيرَاثًا أَيْضًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قِيلَ : الْفَاحِشَةُ الزِّنَا .
الثَّانِي : قِيلَ : النُّشُوزُ .
الثَّالِثُ : قَالَ عَطَاءٌ : كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا زَنَتْ امْرَأَتُهُ أَخَذَ جَمِيعَ مَالِهَا الَّذِي سَاقَهُ لَهَا ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِالْحُدُودِ .
الرَّابِعُ : قِيلَ : إنَّهُ كَانَ فِي الزِّنَا ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ ، قِيلَ لَهُمْ : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا } الْآيَةَ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ } فَجَازَ لَهُ عَضْلُهَا عَنْ حَقِّهَا وَأَخْذُ مَالِهَا .
ثُمَّ نَزَلَتْ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } فَهَذَا الْبِكْرَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَحْقِيقِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْوَالِ : أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُ الزِّنَا وَالنُّشُوزُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَ جَوَازِ الْخُلْعِ وَأَخْذِ مَالِ الْمَرْأَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَمُحْتَمَلٌ صَحِيحٌ تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ ، لَكِنْ لَا يُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّهُ نَسْخٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي التَّحْقِيقِ نَسْخًا ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسَخَ الْبَاطِلَ ، وَلَكِنْ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ ، وَشَرْطٌ يَرْتَبِطُ بِهِ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : كَانَ فِي الزِّنَا ثَلَاثَةُ أَنْحَاءٍ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ ، وَنَقْلٌ لَمْ يَصِحَّ ، وَتَقْدِيرٌ يَفْتَقِرُ إلَى نَقْلٍ ثَابِتٍ ، وَلَمْ يَكُنْ ، فَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ : وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْبِسَ امْرَأَةً كَرْهًا حَتَّى يَأْخُذَ مَالَهَا إذَا مَاتَتْ كَانَتْ غَيْرَ زَوْجَةٍ أَوْ زَوْجَةً قَدْ سَقَطَ غَرَضُهُ فِيهَا ، وَسَقَطَتْ عِشْرَتُهُ الْجَمِيلَةُ مَعَهَا ، وَلَا يَحِلُّ عَضْلُهَا عَنْ النِّكَاحِ لِغَيْرِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَ الزَّوْجُ مَا أَعْطَاهَا صَدَاقًا ، أَوْ لِيَأْخُذَ الْغَاصِبُ مَا
كَانَ أَخَذَ مِنْ مَالِ مُوَرِّثِهِ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ ذَنْبٌ بِزِنًا أَوْ نُشُوزٍ لَا تَحْسُنُ مَعَهُ عِشْرَةٌ ، فَجَائِزٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِنِكَاحِهَا حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهَا مَالًا ، فَأَوَّلُ الْآيَةِ عَامٌّ فِي الْأَزْوَاجِ وَغَيْرِهِمْ ؛ وَآخِرُهَا عِنْدَ الِاسْتِثْنَاءِ مَخْصُوصٌ بِالْأَزْوَاجِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَحَقِيقَةُ " عَشَرَ " فِي الْعَرَبِيَّةِ الْكَمَالُ وَالتَّمَامُ ، وَمِنْهُ الْعَشِيرَةُ ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ كَمُلَ أَمْرُهُمْ وَصَحَّ اسْتِبْدَادُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ .
وَعَشَرَةٌ تَمَامُ الْعَقْدِ فِي الْعَدَدِ ، وَيُعَشَّرُ الْمَالُ لِكَمَالِهِ نِصَابًا .
فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَزْوَاجَ إذَا عَقَدُوا عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَكُونَ أُدْمَةُ مَا بَيْنَهُمْ وَصُحْبَتُهُمْ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ، فَإِنَّهُ أَهْدَأُ لِلنَّفْسِ ، وَأَقَرُّ لِلْعَيْنِ ، وَأَهْنَأُ لِلْعَيْشِ ، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى سُوءِ عَادَتِهِمْ فَيَشْتَرِطُونَهُ وَيَرْبِطُونَهُ بِيَمِينٍ ، وَمِنْ سُقُوطِ الْعِشْرَةِ تَنْشَأُ الْمُخَالَعَةُ ، وَبِهَا يَقَعُ الشِّقَاقُ ، فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فِي شِقٍّ ، وَهُوَ سَبَبُ الْخُلْعِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } الْمَعْنَى : إنْ وَجَدَ الرَّجُلُ فِي زَوْجَتِهِ كَرَاهِيَةً ، وَعَنْهَا رَغْبَةً ، وَمِنْهَا نُفْرَةً مِنْ غَيْرِ فَاحِشَةٍ وَلَا نُشُوزٍ فَلْيَصْبِرْ عَلَى أَذَاهَا وَقِلَّةِ إنْصَافِهَا ، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ .
أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ بِالْمُهْدِيَةِ ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فِي الْمَنْزِلَةِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ سَيِّئَةُ الْعِشْرَةِ ، وَكَانَتْ تُقَصِّرُ فِي حُقُوقِهِ ، وَتُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا فَيُقَالُ لَهُ فِي أَمْرِهَا فَيَسْدُلُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا ، وَكَانَ يَقُولُ : أَنَا رَجُلٌ قَدْ أَكْمَلَ اللَّهُ عَلَيَّ النِّعْمَةَ فِي صِحَّةِ بَدَنِي وَمَعْرِفَتِي ، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي ، فَلَعَلَّهَا بُعِثَتْ عُقُوبَةً عَلَى دِينِي ، فَأَخَاف إذَا فَارَقْتُهَا أَنْ تَنْزِلَ بِي عُقُوبَةٌ هِيَ أَشَدُّ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهِيَةِ الطَّلَاقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذَا
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْفِرَاقَ لِلْأَزْوَاجِ وَالِانْتِقَالَ بِالنِّكَاحِ مِنْ امْرَأَةٍ إلَى امْرَأَةٍ أَخْبَرَ عَنْ دِينِهِ الْقَوِيمِ وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ فِي تَوْفِيَةِ حُقُوقِهِنَّ إلَيْهِنَّ عِنْدَ فِرَاقِهِنَّ ؛ فَوَطْأَةٌ وَاحِدَةٌ حَلَالًا تُقَاوِمُ مَالَ الدُّنْيَا كُلِّهِ ، نَهَى الْأَزْوَاجَ عَنْ أَنْ يَعْتَرِضُوهُنَّ فِي صَدَقَاتِهِنَّ ، إذْ قَدْ وَجَبَ ذَلِكَ لَهُنَّ وَصَارَ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِنَّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } فِيهِ جَوَازُ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُقَلِّلُونَهُ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ : " أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَقَاتِ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ مَا أَصْدَقَ قَطُّ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا مِنْ بَنَاتِهِ فَوْقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً " فَقَامَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا عُمَرُ ، يُعْطِينَا اللَّهُ وَتَحْرُمُنَا أَنْتَ ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } فَقَالَ عُمَرُ : " امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَأَمِيرٌ أَخْطَأَ " .
وَفِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ مِثْلُهُ إلَى قَوْلِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، زَادَ : فَإِنَّ الرَّجُلَ يُغَلِّي بِالْمَرْأَةِ فِي صَدَاقِهَا .
فَتَكُونُ حَسْرَةٌ فِي صَدْرِهِ فَيَقُولُ : كُلِّفْت إلَيْكَ عِرْقَ الْقِرْبَةِ .
قَالَ : فَكُنْت غُلَامًا مَوْلُودًا لَمْ أَدْرِ مَا هَذَا ؛ قَالَ : وَأُخْرَى يَقُولُونَ لِمَنْ قُتِلَ فِي مَغَازِيكُمْ هَذِهِ : قُتِلَ فُلَانٌ شَهِيدًا أَوْ مَاتَ فُلَانٌ شَهِيدًا ، وَلَعَلَّهُ أَنْ
يَكُونَ خَرَجَ وَأُفْرِدَ دُونَ رَاحِلَتِهِ أَوْ أَعْجَزَهَا بِطَلَبِ النَّجَاةِ ، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مَاتَ فَلَهُ الْجَنَّةُ } .
وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ عُمَرُ عَلَى طَرِيقِ التَّحْرِيمِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّدْبَ إلَى التَّعْلِيمِ ؛ وَقَدْ تَنَاهَى النَّاسُ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى بَلَغَ صَدَاقُ امْرَأَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ ، وَهَذَا قَلَّ أَنْ يُوجَدَ مِنْ حَلَالٍ .
وَقَدْ سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ رَجُلٍ غَالَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ أَيَرُدُّهُ السُّلْطَانُ ؟ قَالَ : لَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ إلَى عَلِيٍّ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتَهُ مِنْ فَاطِمَةَ ، فَقَالَ : إنَّهَا صَغِيرَةٌ ، فَقَالَ عُمَرُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ كُلَّ نَسَبٍ وَصِهْرٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا نَسَبِي وَصِهْرِي } ، فَلِذَلِكَ رَغِبْت فِي مِثْلِ هَذَا " .
فَقَالَ عَلِيٌّ : إنِّي أُرْسِلُهَا حَتَّى تَنْظُرَ إلَى صِغَرِهَا ، فَأَرْسَلَهَا فَجَاءَتْ ، فَقَالَتْ : إنَّ أَبِي يَقُولُ : هَلْ رَضِيت الْحُلَّةَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ رَضِيتهَا .
فَأَنْكَحَهَا عَلِيٌّ فَأَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ } ، وَرُوِيَ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ .
وَرُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ } .
{ وَقَالَ لِرَجُلٍ : أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ : أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .
فَزَوَّجَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكْتُبْ لَهَا صَدَاقًا وَلَا أَعْطَاهَا شَيْئًا ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَلَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِي فُلَانَةَ ، فَلَمْ أُعَيِّنْ لَهَا صَدَاقًا ، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا ، وَإِنِّي أُعْطِيهَا مِنْ صَدَاقِهَا
سَهْمِي بِخَيْبَرَ ، فَأَخَذَتْ سَهْمَهُ ذَلِكَ فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ } .
وَزَوَّجَ عُرْوَةَ الْبَارِقِيَّ بِنْتَ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ .
وَعَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ مُطَرِّفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ أُوقِيَّةٍ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِنَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، يُقَالُ هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ .
{ وَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ } .
وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى نَعْلَيْنِ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَضِيَتْ عَنْ مَالِكِ بِهَاتَيْنِ النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : يُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَاقِ الرِّطْلُ مِنْ الذَّهَبِ ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْحَرَائِرِ مِثْلَ أُجُورِ الْبَغَايَا : الدِّرْهَمُ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَكُونَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَشَيْءٌ مِنْ هَذَا لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ ، خِلَافُ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَاتَمِ الْحَدِيدِ ، وَسَيَأْتِي تَقْدِيرُ الْمَهْرِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { قِنْطَارًا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اُخْتُلِفَ فِي الْقِنْطَارِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ؛ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا دِينَارٍ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَهُوَ الْأَوْلَى لِلصَّوَابِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ دِيَةُ أَحَدِكُمْ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ ؛ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ ؛ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا .
السَّادِسُ : أَنَّهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ
دِرْهَمٍ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ مِائَةُ رِطْلٍ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
التَّاسِعُ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : وَهُوَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَحَكُّمٌ فِي الْأَكْثَرِ ، وَقَدْ رُوِيَ بَعْضُهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ الْوَزْنِ ، هَذَا عُرْفٌ عَرَبِيٌّ ، أَمَّا أَنَّ النَّاسَ لَهُمْ فِي الْقِنْطَارِ عُرْفٌ مُعْتَادٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْقِنْطَارَ أَرْبَعَةُ أَرْبَاعٍ ، وَالرُّبْعُ ثَلَاثُونَ رِطْلًا ، وَالرِّطْلُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، وَالْأُوقِيَّةُ سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَالدِّرْهَمُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ حَبَّةً ، وَهِيَ سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، فَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ اتِّفَاقِهِمْ أَوْ بِحُكْمِ الْوُلَاةِ ، وَقَدْ رَدُّوا الدِّرْهَمَ مِنْ سَبْعَةٍ ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مِنْ سِتَّةِ دَوَانِيقَ ، وَرَكَّبُوا الدِّرْهَمَ الْأَكْبَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ دَوَانِيقَ عَلَى الدِّرْهَمِ الْأَصْغَرِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ ، فَحَمَلَتْ بَنُو أُمَيَّةَ زِيَادَةَ الْأَكْبَرِ عَلَى نُقْصَانِ الْأَصْغَرِ ، فَجَعَلُوهُمَا دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، وَجَعَلُوا الدِّينَارَ دِرْهَمَيْنِ ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا ، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ .
وَقَدْ رَوَى شَرِيكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ { عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؛ قَالَ : زَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا بِوَزْنِ سِتَّةٍ } ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ ، إنَّمَا زَوَّجَهُ إيَّاهَا فِي الصَّحِيحِ عَلَى دِرْعِهِ الْحُطَمِيَّةِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { أَفْضَى } أَفْعَلُ مِنْ الْفَضَاءِ ، وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ خَالٍ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ، وَقَدْ كَانَتْ الْخَلْوَةُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ ؟ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَلِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٌ : إحْدَاهُنَّ : يَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِالْخَلْوَةِ .
الثَّانِي : لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِالْوَطْءِ .
الثَّالِثُ : يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ فِي بَيْتِ الْإِهْدَاءِ .
وَالْأَصَحُّ اسْتِقْرَارُهُ بِالْخَلْوَةِ مُطْلَقًا ، وَيَلِيهِ فِي بَيْتِ الْإِهْدَاءِ .
وَأَمَّا وُقُوفُهُ عَلَى الْوَطْءِ فَضَعِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا قَوْلُهُ : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .
الثَّانِي : كَلِمَةُ النِّكَاحِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( نَكَحَتْ ) .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوُهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : لَا يَأْخُذُ الزَّوْجُ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ شَيْئًا لِقَوْلِهِ : { فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } إلَى قَوْلِهِ : { مِيثَاقًا غَلِيظًا } .
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ، فَنَسَخَ ذَلِكَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : بَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ بَكْرٍ إنْ أَرَادَتْ هِيَ الْعَطَاءَ ، فَقَدْ { جَوَّزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَوْجَتِهِ مَا سَاقَ إلَيْهَا وَصَدَّقَ } إنَّمَا يَكُونُ النَّسْخُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ ، وَبِهِ يَتِمُّ الْبَيَانُ ، وَتَسْتَمِرُّ فِي سُبُلِهَا الْأَحْكَامُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا } فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ النِّكَاحَ أَصْلُهُ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، فَتَجْتَمِعُ الْأَقْوَالُ فِي الِانْعِقَادِ وَالرَّبْطِ كَمَا تَجْتَمِعُ الْأَفْعَالُ فِي الِاتِّصَالِ وَالضَّمِّ ، لَكِنَّ الْعَرَبَ عَلَى عَادَتِهَا خَصَّصَتْ اسْمَ النِّكَاحِ بِبَعْضِ أَحْوَالِ الْجَمْعِ وَبَعْضِ مَحَالِّهِ ، وَمَا تَعَلَّقَ بِالنِّسَاءِ ، وَاقْتَضَى تَعَاطِيَ اللَّذَّةِ فِيهَا ، وَاسْتِيفَاءَ الْوَطَرِ مِنْهَا ، وَعَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ جَاءَتْ الْآثَارُ وَالْآيَاتُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَا نَكَحَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَلِمَةِ " مَا " هَلْ يُخْبَرُ بِهَا عَمَّا يَعْقِلُ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي رِسَالَةِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي اللُّغَةِ شَائِعٌ فِيهَا ، وَفِي الشَّرِيعَةِ .
وَجَهِلَ الْمُفَسِّرُونَ هَذَا الْمِقْدَارَ ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَعْنَى وَلَا تَنْكِحُوا نِكَاحَ آبَائِكُمْ يَعْنِي النِّكَاحَ الْفَاسِدَ الْمُخَالِفَ لِدِينِ اللَّهِ ؛ إذْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَحْكَمَ وَجْهَ النِّكَاحِ ، وَفَصَّلَ شُرُوطَهُ .
وَالْمَعْنَى الصَّحِيحُ : وَلَا تَنْكِحُوا نِسَاءَ آبَائِكُمْ ، وَلَا تَكُونُ ( مَا ) هُنَا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ ؛ لِاتِّصَالِهَا بِالْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي ، وَبِمَعْنَى مَنْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا تَلَقَّتْ الْآيَةَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَمِنْهُ اسْتَدَلَّتْ عَلَى مَنْعِ نِكَاحِ الْأَبْنَاءِ حَلَائِلَ الْآبَاءِ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : { إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا } تَعَقَّبَ النَّهْيَ بِالذَّمِّ الْبَالِغِ الْمُتَتَابِعِ ؛ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ انْتِهَاءٌ مِنْ الْقُبْحِ إلَى الْغَايَةِ ، وَذَلِكَ هُوَ خَلَفُ الْأَبْنَاءِ عَلَى حَلَائِلِ الْآبَاءِ ؛ إذْ كَانُوا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَهُ وَيَسْتَهْجِنُونَ فَاعِلَهُ وَيُسَمُّونَهُ الْمَقْتِيَّ ؛ نَسَبُوهُ إلَى الْمَقْتِ .
فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ وَلَا يَبْلُغُ إلَى هَذَا الْحَدِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : ثَلَاثُ آيَاتٍ مُبْهَمَاتٍ : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } ، و { مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ } ، { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مُبْهَمَةٌ ، وَإِنَّمَا النَّهْيُ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ ، فَلَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهُ أَوْ وَطِئَهَا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا مَعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } .
يَعْنِي مِنْ فِعْلِ الْأَعْرَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَتْ الْحَمِيَّةُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ ، فَيَكْرَهُ أَنْ يَعْمُرَ فِرَاشَ أَبِيهِ غَيْرُهُ ، فَيَعْلُو هُوَ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَسْتَمِرُّ عَلَى الْعَادَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ ، فَعَطَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَفْوِ عَمَّا مَضَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، وَصَدَقُوا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِبَاحَةِ الْمَحْظُورِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ عَفْوٍ سَحَبَ ذَيْلَهُ عَمَّا مَضَى مِنْ عَمَلِهِمْ الْقَبِيحِ ؛ فَصَارَ تَقْدِيرُهُ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فَإِنَّكُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَى قَوْلِهِ : { كَانَ } أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَقْتِ وَالْفُحْشِ ، دَلِيلُهُ الْقَاطِعُ : { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } ، وَهُوَ يَكُونُ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هُوَ كَائِنٌ عَلَيْهَا ، كَذَلِكَ فَسَّرَ هَذَا كُلَّهُ الْحَبْرُ وَالْبَحْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ وَهَمَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَالْمُبَرِّدُ فَقَالَا : إنَّ ( كَانَ ) زَائِدَةٌ هُنَا ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي زِيَادَتِهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَكَيْفَ إذَا مَرَرْت بِدَارِ قَوْمٍ وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٌ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ بِاللُّغَةِ وَالشَّعْرِ ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ زِيَادَةُ كَانَ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى وَجِيرَانٌ كِرَامٌ كَانُوا لَنَا مُجَاوِرِينَ ، فَأَبَادَهُمْ الزَّمَانُ
وَانْقَطَعَ عَنْهُمْ مَا كَانَ ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ ، وَذَكَرْنَا مَنْ قَالَهَا قَبْلَهُمَا وَبَعْدَهُمَا ، وَاسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا نَكَحَ الْأَبُ وَالِابْنُ نِكَاحًا فَاسِدًا حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ انْعَقَدَ لِصَاحِبِهِ عَقْدٌ فَاسِدٍ عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ ، كَمَا يَحْرُمُ بِالصَّحِيحِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ لَمْ يُوجِبْ حُكْمًا وَلَا تَحْرِيمًا ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ تَعَلَّقَ بِهِ إلَى الْحُرْمَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّحِيحِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نِكَاحًا ، فَيَدْخُلَ تَحْتَ مُطْلَقِ اللَّفْظِ ؛ وَالْفُرُوجُ إذَا تَعَارَضَ فِيهَا التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ غُلِّبَ التَّحْرِيمُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا لَمَسَهَا الْأَبُ أَوْ الِابْنُ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا فِي التَّحْرِيمِ كَالْوَطْءِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِاللَّمْسِ مِنْ التَّحْرِيمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ فَعِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ مِثْلُهُ ؛ وَتَفْصِيلُ بَيَانِهِ فِي الْمَسَائِلِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّمْسِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالْجِمَاعِ أَوْ الْعَقْدِ ؛ وَلَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ لُغَةً وَلَا حَقِيقَةً .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ هُوَ الِاجْتِمَاعُ ، وَإِذَا قَبَّلَ أَوْ عَانَقَ فَقَدْ وُجِدَ الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ حَقِيقَةً ، فَوَجَبَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ النِّكَاحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَقْدِ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ ، يَتَصَرَّفُ الْمَعْنَى فِيهِمَا تَحْتَ اللَّفْظِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ أَدِلَّتِهِ وَاحْتِمَالَاتِهِ ، وَانْتِظَامِ الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا نَظَرَ إلَيْهَا بِلَذَّةٍ هُوَ وَأَبُوهُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا ؛ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ ، فَجَرَى مَجْرَى النِّكَاحِ فِي التَّحْرِيمِ ؛ إذْ الْأَحْكَامُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَعَانِي لَا بِالْأَلْفَاظِ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِالِاسْتِمْتَاعِ ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ اجْتِمَاعٌ وَلِقَاءٌ ، وَفِيهِ بَيْنَ الْمُحِبِّينَ اسْتِمْتَاعٌ ؛ وَقَدْ بَالَغَ فِي ذَلِكَ الشُّعَرَاءُ فَقَالُوا : أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وَإِيَّانَا فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي فَكَيْفَ بِالنَّظَرِ وَالْمُجَالَسَةِ وَاللَّذَّةِ ؟ وَهَذَا بَيِّنٌ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ } قَدْ بَيَّنَّا بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ وَبَلَّغَكُمْ فِي الْعِلْمِ أَمَلَكُمْ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصِفَاتٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَأَنَّ الْأَعْيَانَ لَيْسَتْ مَوْرِدًا لِلتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَلَا مَصْدَرًا ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ ، لَكِنَّ الْأَعْيَانَ لَمَّا كَانَتْ مَوْرِدًا لِلْأَفْعَالِ أُضِيفَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْحُكْمُ إلَيْهَا وَعُلِّقَ بِهَا مَجَازًا بَدِيعًا عَلَى مَعْنَى الْكِنَايَةِ بِالْمَحِلِّ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ مِنْ بَابِ قِسْمِ التَّسْبِيبِ فِي الْمَجَازِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ النَّسَبِ سَبْعًا وَمِنْ الصِّهْرِ سَبْعًا ، وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ وَهُوَ أَصْلُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَوَرَدَتْ مِنْ جِهَةِ مُبَيِّنَةٍ لِجَمِيعِهَا بِأَخْصَرِ لَفْظٍ وَأَدَلِّ مَعْنًى فَهِمَتْهُ الصَّحَابَةُ وَخَبَرَتْهُ الْعُلَمَاءُ .
وَنَحْنُ نُفَصِّلُ ذَلِكَ بِالْبَيَانِ فَنَقُولُ : الْأُمُّ : عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَهَا عَلَيْكَ وِلَادَةٌ ، وَيَرْتَفِعُ نَسَبُكَ إلَيْهَا بِالْبُنُوَّةِ ، كَانَتْ مِنْكَ عَلَى عَمُودِ الْأَبِ أَوْ عَلَى عَمُودِ الْأُمِّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَوْقَكَ .
وَالْبِنْتُ : عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ تَنْتَسِبُ إلَيْكَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إذَا كَانَ مَرْجِعُهَا إلَيْكَ .
وَالْأُخْتُ : عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْكَ فِي أَصْلَيْك : أَبِيكَ وَأُمِّكَ ، وَلَا تَحْرُمُ أُخْتُ الْأُخْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَكَ أُخْتًا ؛ فَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ثُمَّ يُقَدَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ .
سَحْنُونٌ : هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهَا بِنْتَهَا مِنْ غَيْرِهِ .
وَتَفْسِيرُهَا أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ زَيْدٌ زَوْجَتَانِ عَمْرَةُ وَخَالِدَةُ ، وَلَهُ مِنْ عَمْرَةَ وَلَدٌ اسْمُهُ عَمْرٌو ، وَمِنْ خَالِدَةَ بِنْتٌ اسْمُهَا سَعَادَةٌ ، وَلِخَالِدَةَ زَوْجٌ اسْمُهُ عَمْرٌو ، وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ اسْمُهَا حَسْنَاءُ ، فَزَوَّجَ زَيْدٌ وَلَدَهُ عَمْرًا مِنْ حَسْنَاءَ ، وَهِيَ أُخْتُ أُخْتِ عَمْرٍو ، وَهَذِهِ صُورَتُهَا لِتَكُونَ أَثْبُتَ فِي النُّفُوسِ .
الْعَمَّةُ : هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْ أَبَاكَ مَا عَلَا فِي أَصْلَيْهِ .
الْخَالَةُ : هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْ أُمَّكَ مَا عَلَتْ فِي أَصْلَيْهَا ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الْأُمُومَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ تَفْصِيلِهِ تَحْرِيمُ عَمَّةِ الْأَبِ وَخَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ عَمَّةَ الْأَبِ أُخْتُ الْجَدِّ ، وَالْجَدُّ أَبٌ ، وَأُخْتُهُ عَمَّةٌ ، وَخَالَةُ الْأَبِ أُخْتُ جَدَّتِهِ لِأُمِّهِ ، وَالْجَدَّةُ أُمٌّ ، فَأُخْتُهَا خَالَةٌ ،
وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْأُمِّ أُخْتُ جَدِّهَا لِأَبِيهَا ، وَجَدُّهَا أَبٌ وَأُخْتُهُ عَمَّةٌ ، وَخَالَةُ أُمِّهَا جَدَّتُهُ .
وَالْجَدَّةُ أُمٌّ وَأُخْتُهَا خَالَةٌ ؛ وَتَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ عَمَّةُ الْعَمَّةِ ؛ لِأَنَّهَا عَمَّةُ الْأَبِ كَذَلِكَ ، وَخَالَةُ الْعَمَّةِ خَالَةُ الْأُمِّ كَذَلِكَ ، وَخَالَةُ الْخَالَةِ خَالَةُ الْأُمِّ ، وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْخَالَةِ عَمَّةُ الْأُمِّ ؛ فَتَضَمَّنَ هَذَا كُلَّهُ قَوْله تَعَالَى : { وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ } بِالِاعْتِلَاءِ فِي الِاحْتِرَامِ ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْهُ آيَةُ الْفَرَائِضِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمَوَارِيثِ ، لِسَعَةِ الْحَجْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَضِيقِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَمْوَالِ .
فَعِرْقُ التَّحْرِيمِ يَسْرِي حَيْثُ اطَّرَدَ ، وَسَبَبُ الْمِيرَاثِ يَقِفُ أَيْنَ وَرَدَ ، وَلَا تَحْرُمُ أُمُّ الْعَمَّةِ وَلَا أُخْتُ الْخَالَةِ ؛ وَصُورَةُ ذَلِكَ كَمَا قَرَرْنَا لَكَ فِي الْأُخْتِ .
بِنْتُ الْأَخِ ، وَبِنْتُ الْأُخْتِ : عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لِأَخِيكَ أَوْ لِأُخْتِكَ عَلَيْهَا وِلَادَةٌ ، وَتَرْجِعُ إلَيْهَا بِنِسْبَةٍ ؛ فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ النِّسْبِيَّةُ السَّبْعَةُ .
وَأَمَّا الْأَصْنَافُ الصِّهْرِيَّةُ السَّبْعَةُ : { أُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } وَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ بِالْقُرْآنِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ مِنْ الْمُحَرَّمِ بِالرَّضَاعَةِ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا .
وَالْأُمُّ أَصْلٌ وَالْأُخْتُ فَرْعٌ ؛ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ ، وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ } .
وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَالَكَ تَنَوُّقُ فِي قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا ؟ قَالَ : وَعِنْدَكُمْ شَيْءٌ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، ابْنَةُ حَمْزَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ } .
وَمِثْلُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَعْنَى حَدِيثُ { أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرَكَنِي فِي
خَيْرٍ أُخْتِي .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي قُلْت : فَإِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تَنْكِحُ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ .
قَالَ : ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي ، أَرْضَعَتْنِي أَنَا وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتَكُمْ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ } .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَثُوَيْبَةُ هِيَ الَّتِي أَرْضَعَتْ حَمْزَةَ أَيْضًا ، فَرُوِيَ أَنَّ هَذَا الرَّضَاعَ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ حَمْزَةَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَامَيْنِ ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ وَهِيَ الْمَصَّةُ } .
وَرَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ فَنُسِخَتْ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ .
فَقَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ .
وَرَأَى مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْأَخْذَ بِمُطْلَقِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّقٌ بِهِ ، وَقَدْ قَوِيَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّحْرِيمِ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْحَوْطَةِ عَلَى الْفُرُوجِ ؛ فَقَدْ وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ لِمَنْ يَرَى الْعُمُومَ وَمَنْ لَا يَرَاهُ .
وَقَدْ رَامَ بَعْضُ حُذَّاقِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْإِمَامُ الْجُوَيْنِيُّ أَنْ يُبْطِلَ التَّعَلُّقَ بِهَذَا الْعُمُومِ ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ سِيقَ لِيَتَبَيَّنَّ بِهِ وَجْهُ التَّحْرِيمِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْمِيمُ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ إذَا سِيقَ قَصْدًا لِلْعُمُومِ ؛ وَذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ .
قَالَ الْقَاضِي : يَا لِلَّهِ وَلِلْمُحَقِّقِينَ مِنْ رَأْسِ التَّحْقِيقِ الْجُوَيْنِيُّ ، يَأْتِي بِهَذَا الْكَلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ نَاظِرٍ فِي الْفِقْهِ شَادٍّ أَوْ مُنْتَهٍ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ كُلَّهَا فِي الْآيَةِ جَاءَتْ مَجِيئًا وَاحِدًا فِي الْبَيَانِ فِي مَقْصُودٍ وَاحِدٍ ، فَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } لَمَا حُمِلَ أَيْضًا عَلَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ : { أُمَّهَاتُكُمْ } فَيُرْتَقَى بِهِنَّ إلَى الْجَدَّاتِ ، وَلَا بَنَاتُكُمْ فَيَحُطُّ بِهِنَّ إلَى بَنَاتِ الْبَنَاتِ ، وَقَدْ رَأَى أَنَّهُنَّ لَمْ يَعُمَّهُنَّ فِي الْمِيرَاثِ وَعَمَّهُنَّ هَاهُنَا فِي التَّحْرِيمِ ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُ
نِسَائِكُمْ } كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يُحْمَلَ عَلَى الْعُمُومِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ كَمَا قَالَ سِيَاقُ الْعُمُومِ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَوْ قُلْنَا بِهِ سَبَبًا لِخَرْمِ قَاعِدَةِ الْآيَةِ .
وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي التَّلْخِيصِ وَالتَّمْحِيصِ .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا .
أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَدِلَّةِ ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ مِمَّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَصْلُهُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ فَرْعُهُ ؟ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْإِمْلَاجَةِ فَمَعْنَاهُ كَانَ مِنْ الْمَصِّ وَالْجَذْبِ مِمَّا لَمْ يُدَرُّ مَعَهُ لَبَنٌ وَيَصِلُ إلَى الْجَوْفِ .
وَيَتَحَقَّقُ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ ، فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَبِنَصِّ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ } ، فَإِذَا مَصَّ لَبَنَهَا وَحَصَلَ فِي جَوْفِهِ فَهِيَ مُرْضِعَةٌ ، وَهِيَ أُمُّهُ ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ بِالْآيَةِ بِلَا مِرْيَةٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : كَانَ قَوْله تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ فِي أَيِّ وَقْتٍ وُجِدَ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيَّنَ وَقْتَهُ بِقَوْلِهِ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلِينَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ، فَبَيَّنَ زَمَانَهُ الْكَامِلَ ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُعْتَبَرَ مَا زَادَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ رَأَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ مُحَرِّمٌ ؛ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْهَا ، قَالَتْ : { جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، وَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فُضُلًا ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِمْ مَا عَلِمْت ، فَكَيْفَ تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْضِعِيهِ
خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَحْرُمُ بِلَبَنِهَا } .
فَكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ ، فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ ، وَأَبَاهُ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْنَ : وَاَللَّهِ مَا نَرَى ذَلِكَ إلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَهْلَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ حُكْمًا عَامًّا وَلَا قَضِيَّةً مُطْلَقَةً لِكُلِّ أَحَدٍ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَدَّهُ عُمَرُ ، وَأَمَرَ بِأَدَبِ مَنْ أَرْضَعَ مِنْ النِّسَاءِ كَبِيرًا .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنْ الثَّدْيِ ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } .
نِظَامُ نَشْرٍ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ الْتَقَمَا ثَدْيًا وَاحِدًا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي زَمَانَيْنِ فَهُمَا أَخَوَانِ ، وَالْأُصُولُ مِنْهُمَا وَالْفُرُوعُ بِمَنْزِلَةِ أُصُولِ الْأَنْسَابِ وَفُرُوعِهَا فِي التَّحْرِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي لَبَنِ الْفَحْلِ : ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ وَفِي كُلِّ فَرِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لِأَفْلَحَ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ الَّذِي أَرْضَعَنِي ، إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ ، فَقَالَ : إنَّهُ عَمُّكَ فَلْيَلِجْ عَلَيْكَ } .
وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ وَأَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ .
وَرَأَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ ؛ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَتَانِ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّةً ، فَيَحْرُمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَخَوَانِ لِأَبٍ مِنْ لَبَنٍ ؛ فَيَحْرُمَانِ كَمَا يَحْرُمَانِ لَوْ كَانَا أَخَوَيْنِ لِأَبٍ مِنْ نَسَبٍ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ } .
وَهَذَا ظَاهِرٌ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ نَصٌّ ، فَقَدْ تَعَاضَدَا فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ لَا يُحَرِّمُ الْأُمَّ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا .
كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا .
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةُ : إنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَلَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْأُمِّ .
وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي الْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ : { اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فَقِيلَ : يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ .
وَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَجَعَلُوا رُجُوعَ الْوَصْفِ إلَى الْمَوْصُوفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْ الْعَامِلِ مَمْنُوعًا كَالْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ .
وَجَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَرَأَوْا أَنَّ عَامِلَ الْإِضَافَةِ غَيْرُ عَامِلِ الْخَفْضِ بِحَرْفِ الْجَرِّ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الرِّوَايَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ أَنَّهُ مَذْهَبُ عَلِيٍّ خَاصَّةً ، كَمَا قَدْ اسْتَقَرَّ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَارِ أَنَّ الرَّبَائِبَ وَالْأُمَّهَاتِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مُخْتَلِفَاتٌ ، وَأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّبَائِبِ .
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ غَوَامِضِ الْعِلْمِ وَأَخْذُهَا مِنْ طَرِيقِ النَّحْوِ يَضْعُفُ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الْعَرَبَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بُلْغَتِهِمْ أَعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَقْطَعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمْ ؛ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَخُصُوصًا عَلِيًّا مَعَ مِقْدَارِهِ فِي الْعِلْمَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ فَصَاحَتُهَا بِالْأَعْجَمِيَّةِ ، فَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَاوَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ .
وَالْمَأْخَذُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَصْفُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا جَمِيعًا ؛ فَيُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى التَّحْلِيلِ فِي الْفُرُوجِ ، وَهَكَذَا هُوَ مَقْطُوعُ السَّلَفِ فِيهَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ عَلَيْهَا .
الثَّانِي : رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ
لَمْ يَدْخُلْ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْهَا .
وَهَذَا إنْ صَحَّ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَّاحِ تَضْعُفُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْ نِسَائِكُمْ } لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ، وَالْوَاحِدُ مِنْهُ امْرَأَةٌ .
وَقَوْلُكَ : امْرُؤٌ وَامْرَأَةٌ ، كَقَوْلِكَ : آدَمِيٌّ وَآدَمِيَّةٌ ، فَقَوْلُهُ : وَامْرَأَتُكَ كَقَوْلِهِ : وَآدَمِيَّتُكَ ، فَأُضِيفَتْ إلَيْكَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ وَجْهِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الَّتِي تُشْبِهُكَ أَوْ تُجَاوِرُكَ أَوْ تَمْلِكُهَا أَوْ تَمْلِكُكَ ، أَوْ تَحِلُّ لَهَا أَوْ تَحِلُّ لَكَ .
وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الشَّبَهِ وَالْجُوَارِ مُحَالٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَسَّمْت مَا قَسَّمْت لَمْ تَجِدْ وَجْهًا إلَّا بَابَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَلَهُ مَسَاقُ الْآيَةِ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ ؛ فَإِذَا حَلَّتْ لَهُ أَوْ مَلَكَهَا فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْإِضَافَةُ الْمَقْصُودَةُ فَوَجَبَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَكَذَلِكَ كُنَّا نَقُولُ فِي الرَّبَائِبِ ، لَوْلَا التَّقْيِيدُ بِشَرْطِ الدُّخُولِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَاحْمِلُوا الْأُمَّهَاتِ عَلَى الْبَنَاتِ .
قُلْنَا : لَوْ كُنَّا نَطْلُبُ الرُّخَصَ لَفَعَلْنَا ، وَلَكِنْ إذَا تَعَارَضَ الدَّلِيلُ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الْفُرُوجِ غَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ فِي الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ لَمَّا تَعَارَضَ فِيهِمَا التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ غُلِّبَ التَّحْرِيمُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ هَاهُنَا النِّكَاحُ ، فَعَلَى هَذَا الرَّبَائِبُ وَالْأُمَّهَاتُ سَوَاءٌ ؛ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ غُلِّبَ عَلَى الرَّبَائِبِ بِاشْتِرَاطِ الْوَطْءِ فِي أُمَّهَاتِهِنَّ لِتَحْرِيمِهِنَّ .
الْخَامِسُ : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْصُوفِينَ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ صَاحِبِهِ ، وَخَرَجَ مِنْهُ بِوَصْفِهِ ؛ فَإِنَّهُ
قَالَ : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ } ، فَوَصَفَ وَكَرَّرَ ، وَذَلِكَ الْوَصْفُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْأُمَّهَاتِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } ، فَالْوَصْفُ الَّذِي يَتْلُوهُ يَتْبَعُهُ ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِبُعْدِهِ مِنْهُ وَانْقِطَاعِهِ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ } وَاحِدَتُهَا رَبِيبَةٌ ، فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، مِنْ قَوْلِك : رَبَّهَا يَرُبُّهَا ، إذَا تَوَلَّى أَمْرَهَا ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ أَوْ فِي حِجْرِ حَاضِنَتِهَا غَيْرِ أُمِّهَا ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحُكْمِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ حَتَّى تَكُونَ فِي حِجْرِهِ .
قُلْنَا هَذَا بَاطِلٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الْجِمَاعُ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : هُوَ التَّمَتُّعُ مِنْ اللَّمْسِ أَوْ الْقُبَلِ ؛ قَالَهُ مَالِكٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّ الْجِمَاعَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَيَحْتَمِلُ عَلَيْهِ اللَّمْسُ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ مِثْلُهُ ، يَحِلُّ بِحِلِّهِ ، وَيَحْرُمُ بِحُرْمَتِهِ ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ هَذَا .
وَأَمَّا النَّظَرُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يُحَرِّمُ ؛ لِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ شُبْهَةٌ فِي الزِّنَا ذَرِيعَةُ الذَّرِيعَةِ ، لَكِنَّ الْأَمْوَالَ تَارَةً يُغَلَّبُ فِيهَا التَّحْلِيلُ وَتَارَةً يُغَلَّبُ فِيهَا التَّحْرِيمُ ، فَأَمَّا الْفُرُوجُ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ فِيهَا عَلَى تَغْلِيبِ التَّحْرِيمِ ، كَمَا أَنَّ النَّظَرَ لَا يَحِلُّ إلَّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ إذَا حَلَّ ، أَصْلُهُ اللَّمْسُ وَالْوَطْءُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ } : وَاحِدَتُهَا حَلِيلَةٌ ، وَهِيَ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعَّلَةٍ ، أَيْ مُحَلَّلَةٍ .
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْآبَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ أَبْنَائِهِمْ ، كَمَا حَرَّمَ عَلَى الْأَبْنَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ آبَائِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } فَكُلُّ فَرْجٍ حَلَّ لِلِابْنِ حَرُمَ عَلَى الْأَبِ أَبَدًا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : الْأَبْنَاءُ ثَلَاثَةٌ : ابْنُ نَسَبٍ ، وَابْنُ رَضَاعٍ ، وَابْنُ تَبَنٍّ .
فَأَمَّا ابْنُ النَّسَبِ فَمَعْلُومٌ ، وَمَعْلُومٌ حُكْمُهُ .
وَأَمَّا ابْنُ الرَّضَاعِ فَيَجْرِي مَجْرَى الِابْنِ فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مُعْظَمُهَا التَّحْرِيمُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } .
وَأَمَّا ابْنُ التَّبَنِّي فَكَانَ ذَلِكَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ؛ إذْ تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَتْ : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } ؛ وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَصْلَابِكُمْ } لِيَسْقُطَ وَلَدُ التَّبَنِّي ، وَيَذْهَبَ اعْتِرَاضُ الْجَاهِلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ زَيْنَبَ زَوْجِ زَيْدٍ ، وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لَهُ ، فَنَهَجَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِبَيَانِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، كَمَا حَرَّمَ نِكَاحَ الْأُخْتِ ، وَالنَّهْيُ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ ، فَهُوَ عَامٌّ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَقَدْ كَانَ تَوَقَّفَ فِيهَا مَنْ تَوَقَّفَ فِي أَوَّلِ وُقُوعِهَا ، ثُمَّ اطَّرَدَ الْبَيَانُ عِنْدَهُمْ ، وَاسْتَقَرَّ التَّحْرِيمُ ؛ وَهُوَ الْحَقُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ ، وَالْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ ، وَقَالَ : إنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا فِي حِلٍّ فَهُوَ جَمْعٌ فِي حَبْسٍ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْفَرْجِ ، وَهُوَ إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَهَا فَقَدْ حَبَسَ الْمُتَزَوِّجَةَ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، وَهُوَ الْحِلُّ وَالْوَطْءُ ، وَقَدْ حَبَسَ أُخْتَهَا بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، وَهُوَ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ لِحِفْظِ النَّسَبِ ، فَحُرِّمَ ذَلِكَ بِالْعُمُومِ ؛ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الطَّوِيلَةِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا هُنَالِكَ .
وَاَلَّذِي نَجْتَزِئُ بِهِ الْآنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَهَاهُ عَنْ أَنْ يَجْمَعَ ؛ وَهَذَا لَيْسَ بِجَمْعٍ مِنْهُ ، لِأَنَّ النِّكَاحَ اكْتَسَبَهُ ، وَالْعِدَّةُ أَلْزَمَتْهُ ، فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي هَذَا الْجَمْعِ كَسْبٌ يَرْجِعُ النَّهْيُ بِالْخِطَابِ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } لَيْسَ هَذَا مِنْ مِثْلِ [ قَوْلِهِ ] : { إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } فِي نِكَاحِ مَنْكُوحَاتِ الْآبَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِشَرْعٍ ؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةٌ جُهَلَاءُ وَفَاحِشَةٌ شَائِعَةٌ ؛ وَنِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا فَنَسَخَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِينَا .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } فِيهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى أَبُو الْخَلِيلِ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الضُّبَعِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ ، فَكَرِهَتْهُنَّ رِجَالٌ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } } .
وَقَدْ خَرَّجَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَالْمُحْصَنَاتُ } : بِنَاءُ " ح ص ن " عَلَى الْمَنْعِ ، وَمِنْهُ الْحِصْنُ ؛ لَكِنْ يَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَأَسْبَابِهِ ؛ فَالْإِسْلَامُ حِصْنٌ ، وَالْحُرِّيَّةُ حِصْنٌ ، وَالنِّكَاحُ حِصْنٌ ، وَالتَّعَفُّفُ حِصْنٌ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ } ؛ وَهُوَ الْإِسْلَامُ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } ، فَهُنَّ الْحَرَائِرُ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } هُنَّ الْعَفَائِفُ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْصَنَتْ ؟ يَعْنِي تَزَوَّجَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَتَصْرِيفُهُ غَرِيبٌ ؛ يُقَالُ : أَحْصَنَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُحْصَنٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي
اسْمِ الْفَاعِلِ ، وَأَسْهَبَ فِي الْكَلَامِ فَهُوَ مُسْهَبٌ إذَا أَطَالَ الْقَوْلَ فِيهِ ، وَأَلْفَجَ فَهُوَ مُلْفَجٌ إذْ كَانَ عَدِيمًا ، وَلَا رَابِعَ لَهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي إشْكَالِهَا : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَعْلَمُهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا يُفَسِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ لَضَرَبْت إلَيْهِ أَكْبَادَ الْإِبِلِ ، وَذَلِكَ لَا يَدْرِيهِ إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ ، وَتَصَدَّى لِضَمِّ مُنْتَشِرِ الْكَلَامِ ، وَتَرْتِيبِ وَضْعِهِ ، وَحِفْظِ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي سَرْدِ الْأَقْوَالِ : الَّذِي تَحَصَّلَ عِنْدِي فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَاخْتَارَهُ .
الثَّانِي : ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَأَنَسٌ وَغَيْرُهُمَا .
الثَّالِثُ : مِنْ جَمِيعِ النِّسَاءِ الْأَرْبَعِ اللَّوَاتِي حَلَلْنَ لَهُ ؛ قَالَهُ عُبَيْدَةُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ قَالَهُ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ .
الْخَامِسُ : الْمَعْنَى لَا تَنْكِحُ الْمَرْأَةُ زَوْجَيْنِ .
السَّادِسُ : أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرُ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ وَابْنُ شِهَابٍ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي سَرْدِ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالُوا : بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقَهَا ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأُبَيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ .
وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : طَلَاقُ الْأَمَةِ سِتَّةٌ : بَيْعُهَا وَعِتْقُهَا وَهِبَتُهَا وَمِيرَاثُهَا وَطَلَاقُ زَوْجِهَا ، زَادَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : وَانْتِزَاعُ سَيِّدِهَا لَهَا مِنْ مِلْكِ زَوْجِهَا عَبْدَهُ .
الثَّانِي : يَعْنِي بِهِ الْمَرْأَةَ الْحَرْبِيَّةَ إذَا سُبِيَتْ ؛ فَإِنَّ السِّبَاءَ يَفْسَخُ النِّكَاحَ .
الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } إلَّا
الْإِمَاءُ وَالْأَزْوَاجُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَاوُسٍ ؛ وَقَالَ : زَوْجُكَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَنْزِيلِ الْأَقْوَالِ وَتَقْدِيرِهَا : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ ؛ فَذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُسْلِمَاتٌ وَكَافِرَاتٌ ، وَالْمُسْلِمَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ : حَرَائِرُ وَإِمَاءٌ ، فَيَعُمُّهُنَّ التَّحْرِيمُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَيَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } إلَى بَعْضِهِنَّ وَهُنَّ الْإِمَاءُ ، أَوْ إلَى بَعْضِ الْبَعْضِ وَهُنَّ الْمَسْبِيَّاتُ ؛ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِمَاءِ جُمْلَةً فَعَلَيْهِ يَتَرَكَّبُ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ فِرَاقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمَسْبِيَّاتِ وَفِيهِ وَرَدَتْ الْآيَةُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : حَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ كُلَّ ذَاتِ زَوْجٍ ، إلَّا مَنْ سَبَيْتُمْ .
وَعَلَى أَنَّهُنَّ جَمِيعَ الْإِمَاءِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ : حَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ كُلَّ ذَاتِ زَوْجٍ إلَّا مَا مَلَكْتُمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ فَيَكُونُ تَنْزِيلُ الْآيَةِ عِنْدَهُ : حَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ مَنْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمًا مُدَبَّرًا ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ جَمِيعَ النِّسَاءِ إلَّا بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ ، وَكُلُّهُنَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ إلَّا أَرْبَعٌ فَدَعْوَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الْأُولَى فِي ابْتِدَاءِ السُّورَةِ فِي الْأَرْبَعِ ؛ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لَهُ لَفْظًا وَبَطَل مَعْنًى ، عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَوْلُ مُجَاهِدٍ مُقَدَّرٌ بِنَوْعٍ وَنَحْوٍ مِمَّا تَقَدَّمَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُنَّ الْحَرَائِرُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : وَحَرَّمْنَا عَلَيْكُمْ الْحَرَائِرَ مِنْ النِّسَاءِ ، وَأَحْلَلْنَا لَكُمْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَقْوَالِ : أَمَّا مَنْ خَصَّصَهَا فِي بَعْضِ النِّسَاءِ فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَعْضَ يَبْقَى حِلًّا ، وَالْآيَةُ
إنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُحَلَّلَاتِ مِنْهُنَّ ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْأَزْوَاجِ لَهُ مِنْ الْحَرَائِرِ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ ، أَوْ كُلُّ تَأْوِيلٍ يَقْتَضِي بَقَاءَ بَعْضِهِنَّ فَذَلِكَ بَعِيدٌ فِي التَّأْوِيلِ مُفَسِّرٌ لِلتَّنْزِيلِ .
وَأَمَّا مَنْ عَمَّمَ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ إلَّا الْأَرْبَعَ فَمَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا مَنْ عَمَّمَ فِي الْكُلِّ فَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيَقَعُ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فِي الْإِمَاءِ أَوْ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ ؛ وَهَذَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ الْعَظِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : وَهَذَا الْمُشْكِلُ هُوَ الَّذِي مِلْنَا إلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } رَاجِعٌ إلَى الشِّرَاءِ وَالنِّكَاحِ فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } ، فَقَدْ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُطْلِقْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ بِأَنَّهَا مِلْكُ الْيَمِينِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُ مِنْهُ مَا يَمْلِكُ مِنْهَا ، أَمَّا إنَّهُ لَهُ عَلَيْهَا دَرَجَةٌ ، وَلَكِنْ نَقُولُ : إنَّ قَوْلَهُ : { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يَرْجِعُ إلَى الْإِمَاءِ ، وَقَوْلَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } يَرْجِعُ إلَى مَنْ عَدَا الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي الْإِمَاءِ كُلِّهِنَّ ، فَإِنَّ مِلْكَ الْأَمَةَ الْمُتَجَدِّدِ عَلَى النِّكَاحِ يُبْطِلُهُ ، فَمَوْضِعُ إشْكَالٍ عَظِيمٍ ، وَلِأَجْلِهِ تَرَدَّدَ فِيهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْدَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مِلْكًا مُتَجَدِّدًا لَا يُبْطِلُ نِكَاحًا مُتَأَكَّدًا ، وَلَوْ أَنَّهُ مَلَّكَ مَنْفَعَةَ رَقَبَتِهَا لِرَجُلٍ بِالْإِجَارَةِ ثُمَّ يَبِيعُهَا مَا أَبْطَلَ الْمِلْكُ الْمُتَجَدِّدُ مِلْكَ مَنْفَعَةِ الرَّقَبَةِ ؛ فَمِلْكُ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ أَوْلَى أَنْ يَبْقَى ، فَإِنَّ أَحَقَّ
الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اُسْتُحِلَّتْ بِهِ الْفُرُوجُ ، فَعَقْدُ الْفَرْجِ نَفْسِهِ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ بِهِ مِنْ عَقْدِ مَنْفَعَةِ الرَّقَبَةِ .
وَاَلَّذِي يَقْطَعُ الْعُذْرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ بَرِيرَةَ وَلَمْ يَجْعَلْ مَا طَرَأَ مِنْ الْعِتْقِ عَلَيْهَا ، وَلَا مَا مَلَكَتْ مِنْ نَفْسِهَا ، مُبْطِلًا لِنِكَاحِ زَوْجِهَا ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كُلُّ مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَفِيمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ هَاهُنَا مِنْ الْأَثَرِ وَالْمَعْنَى كِفَايَةٌ لِمَنْ سَدَّدَ النَّظَرَ ، فَوَضَحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْجَمِيعُ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ السَّبْيُ الَّذِي نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي بَيَانِهِ .
وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْأَرْبَعِ فَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } : هَذَا عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِمَّنْ نَفَاهُ وَمِمَّنْ أَثْبَتَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَدَّدَ الْمُحَرَّمَاتِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } ؛ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُرَادِ بِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمُرَادُ بِهِ مَنْ عَدَا الْقَرَابَةِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَاتِ .
الثَّانِي : مَا دُونَ الْأَرْبَعِ .
الثَّالِثُ : مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : عَجَبًا لِلْأَوَائِلِ كُلِّفُوا فَهَرَفُوا ؛ نَظَرُوا إلَى السُّدِّيِّ يَقُولُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } يَعْنِي مَا دُونَ الْأَرْبَعِ ، وَكَمْ حَرَامٍ بَعْدَ هَذَا ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَطَاءٍ : إنَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْقَرَابَةِ ، وَبَقِيَ الْأَجَانِبُ غَيْرَ مُبَيَّنَاتٍ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ قَتَادَةَ ؛ بَلْ أَضْعَفُ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ التَّحْلِيلَ إلَى الْإِمَاءِ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْتِ دَفْعَةً ، وَلَا وَقَعَ الْبَيَانُ فِي تَفْصِيلِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ نُجُومًا وَشُذِّرَ شُذُورًا لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ وَحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ ؛ فَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعْدُودَاتٍ مَشْرُوحَاتٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَكِنَّهُ فَرَّقَهَا عَلَى السُّوَرِ وَالْآيَاتِ ، وَقَسَّمَهَا عَلَى الْحَالَاتِ وَالْأَوْقَاتِ ؛ فَاجْتَمَعَتْ الْعُلَمَاءُ وَكَمُلَتْ فِي الدِّينِ ، كَمَا كَمُلَ جَمِيعُهُ وَاسْتَوْثَقَ وَانْتَظَمَ وَاتَّسَقَ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ } .
وَقَدْ بَلَغَ الْعُلَمَاءُ الْأَسْبَابَ الْمُبِيحَةَ لِلدَّمِ إلَى عَشَرَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَعَدَدُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا حَسْبَمَا رَتَّبْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا
الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ النِّسَاءِ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً ، مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ حُرِّمْنَ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، وَمِنْهُنَّ سِتَّ عَشْرَةَ تَحْرِيمُهُنَّ لِعَارِضٍ .
فَأَمَّا الْأَرْبَعُ وَالْعِشْرُونَ فَهُنَّ : الْأُمُّ ، الْبِنْتُ ، الْأُخْتُ ، الْعَمَّةُ ، الْخَالَةُ ، بِنْتُ الْأَخِ ، بِنْتُ الْأُخْتِ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعٌ .
وَمِنْ الرَّضَاعِ مِثْلُهُنَّ بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، كَمُلْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَحَلِيلَةُ الْأَبِ ، وَحَلِيلَةُ الِابْنِ ، وَأُمُّ الزَّوْجَةِ ، وَرَبِيبَةُ الزَّوْجَةِ ، الْمَدْخُولِ بِهَا .
وَمِنْ الْجَمْعِ ثَلَاثٌ ؛ وَهُنَّ الْأُخْتَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَالْمَرْأَةُ وَعَمَّتُهَا ، وَالْمَرْأَةُ وَخَالَتُهَا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُلَاعَنَةُ سَنَةً ، وَالْمَنْكُوحَةُ فِي الْعِدَّةِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فِي قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَزَوْجَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَقَطَ هَذَا الْوَجْهُ بِمَوْتِهِنَّ .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ لِعَارِضٍ فَهُنَّ : الْخَامِسَةُ ، وَالْمُزَوَّجَةُ ، وَالْمُعْتَدَّةُ ، وَالْمُسْتَبْرَأَة ، وَالْحَامِلُ ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا ، وَالْمُشْرِكَةُ ، وَالْأَمَةُ الْكَافِرَةُ ، وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ لِوَاجِدِ الطُّولِ ؛ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَةُ الِابْنِ ، وَالْمُحَرَّمَةُ ، وَالْمَرِيضَةُ ، وَمَنْ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ مِنْ زَوْجِهِ اللَّاتِي لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا ، وَالْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَالْمَنْكُوحَةُ عِنْدَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ وَالْمَنْكُوحَةُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ بَعْدَ التَّرَاكُنِ .
فَأَمَّا السَّبْعَ عَشْرَةَ مِنْهُنَّ فَدَلِيلُهُنَّ ظَاهِرٌ .
وَأَمَّا الْمُلَاعَنَةُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا ؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ تَحْرِيمُهَا مُؤَبَّدًا فَإِنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ حَلَّ لَهُ رَجْعَتُهَا ، وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ طَلَاقٌ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِلَفْظِ الزَّوْجِ كَالطَّلَاقِ ، مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْحَاكِمِ كَطَلَاقِ الْعِنِّينِ ، وَلِأَنَّهُ
سَبَبٌ أَوْجَبَهُ اللِّعَانُ ، فَزَالَ بِالتَّكْذِيبِ ؛ فَنُفِيَ بِلِعَانِهِ وَيَعُودُ بِتَكْذِيبِهِ .
وَالنُّكْتَةُ الْعُظْمَى لَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَوْجَبَ حُرْمَةً لَأَوْجَدَ مَحْرَمِيَّةً كَالرِّضَاعِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَعَانِي لَهُمْ ، وَالنَّظَائِرُ وَالْأُصُولُ مَعَهُمْ ، وَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ إلَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ .
لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَالِي ؟ قَالَ : لَا مَالَ لَكَ .
إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَلِكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا } .
وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ النَّظَرُ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مُحَرَّمًا قَبْلَ حِلِّهِ فَحَرَّمَهُ أَبَدًا ؛ كَالْقَاتِلِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْمِيرَاثِ ، وَالْمُسْتَبْرَأَة مُعْتَدَّةٌ ، الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَالْمَحِلُّ وَاحِدٌ ، وَالسَّبَبُ وَاحِدٌ ؛ فَلَمَّا اتَّحَدَا اتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالْحَامِلُ أَوْقَعُ ، وَالدَّلِيلُ فِيهَا الْجَمْعُ ، وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا قُرْآنِيَّةً ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَةُ ، وَالْأَمَتَانِ تَأْتِيَانِ مُبَيِّنَتَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا أَمَةُ الِابْنِ فَكُلُّ مُحَرَّمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَإِنَّ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ عَامٌّ فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَدَخَلَ فِيهِ تَحْرِيمُ مِلْكِ الْيَمِينِ ، وَأَمَةُ الِابْنِ مِنْ حَلَائِلِ الِابْنِ لَفْظًا ، أَوْ مَعْنًى وَلَفْظًا ، أَوْ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، وَالْكُلُّ فِي اقْتِضَاءِ التَّحْرِيمِ دَرَجَاتٌ ، وَلَهُ مُقْتَضَيَاتٌ ؛ وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ دَخَلَ فِيهِ الْجَمْعُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِمَا بَيَّنَّاهُ .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَةُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَجَمَاعَةٌ : نِكَاحُ الْمُحَرَّمِ جَائِزٌ بِالْعَقْدِ دُونَ الْوَطْءِ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، وَلَا عُمْدَةَ لَهُمَا فِيهِ إلَّا حَدِيثُ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ ، خَرَّجَهُ مَالِكٌ : { لَا
يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ، وَلَا يُنْكَحُ } .
وَضَعَّفَ الْبُخَارِيُّ نُبَيْهَ بْنَ وَهْبٍ ، وَتَعْدِيلُ مَالِكٍ وَعِلْمُهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ عِلْمِ كُلٍّ بُخَارِيٍّ وَحِجَازِيٍّ ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي { مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا } ، فَعَجَبًا لِلْبُخَارِيِّ يُدْخِلُهُ مَعَ عَظِيمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَيَتْرُكُ أَمْثَالَهُ ، وَلَا يُعَارَضُ حَدِيثُ نُبَيْهِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ .
وَالْمَسْأَلَةُ عَظِيمَةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا نِكَاحُ الْمَرِيضِ فَمِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ وَكَذَلِكَ الْيَتِيمَةُ الصَّغِيرَةُ لَا تُزَوَّجَ بِحَالٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا ، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ ؛ فَأَفْسَدَ مَا بَنَى وَجَعَلَ حَلًّا مُتَرَقَّبًا ، وَهِيَ طُيُولِيَّةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ .
فَهَذِهِ جُمَلٌ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ثَبَتَتْ فِي الشَّرِيعَةِ بِأَدِلَّتِهَا وَخُصَّتْ مِنْ قَوْلِهِ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَتَرَكَّبَ عَلَى هَذَا مَا إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ ، هَلْ يُثْبِتُ زِنَاهُ حُرْمَةً فِي فُرُوعِهَا وَأُصُولِهَا ؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ وَدَعْ مَنْ رَوَى ، وَمَا رُوِيَ .
أَقَامَ مَالِكٌ عُمْرَهُ كُلَّهُ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ وَيَقْرَأَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهِ : إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيِّنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } : يَعْنِي بِالنِّكَاحِ أَوْ بِالشِّرَاءِ ، فَأَبَاحَ اللَّهُ الْحَكِيمُ الْفُرُوجَ بِالْأَمْوَالِ وَالْإِحْصَانِ دُونَ السِّفَاحِ وَهُوَ الزِّنَا ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ ، لَكِنْ رُخِّصَ فِي جَوَازِ السُّكُوتِ عَنْهُ عِنْدَ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْوِيضِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ هُنَالِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } مُطْلَقًا ، فَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ فِي جَوَازِ الصَّدَاقِ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمَوْهُوبَةِ فِي الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ } .
وَلَنَا فِيهِ طُرُقٌ ؛ أَقْوَاهَا أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ اسْتِبَاحَةَ هَذَا الْعُضْوِ وَهُوَ الْبُضْعُ إلَّا بِبَدَلٍ وَجَبَ أَنْ يَتَقَرَّرَ ذَلِكَ الْبَدَلُ ؛ بَيَانًا لِخَطَرِهِ وَتَحْقِيقًا لِشَرَفِهِ ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَحُقُوقُ اللَّهِ مُقَدَّرَةٌ كَالشَّهَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ وَ [ نُصُبِ ] السَّرِقَةِ وَالدِّيَاتِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَتَخَصَّصَ هَذَا الْإِطْلَاقُ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ ، لَا سِيَّمَا وَمَسَاقُ هَذَا اللَّفْظِ إيجَابُ الْبَدَلِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْإِشَارَةَ بِعُمُومِهِ .
فَأَمَّا حَدِيثُ خَاتَمِ الْحَدِيدِ فَخَاتَمٌ فِي الْعُرْفِ يَتَزَيَّنُ بِهِ ، قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ ؛ فَتَأَمَّلْ تَحْقِيقَهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالنِّكَاحِ بِالْأَمْوَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْذُلَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَتَحْقِيقُ الْمَالِ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَطْمَاعُ ، وَيُعْتَدُّ لِلِانْتِفَاعِ ، هَذَا رَسْمُهُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ .
وَتَحْقِيقُ بَيَانِهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ
أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّقَبَةِ فِي الْإِجَارَةِ مَالٌ ، وَأَنَّ مَنْفَعَةَ التَّعْلِيمِ لِلْعِلْمِ كُلِّهِ مَالٌ ، وَفِي جَوَازِ كَوْنِهِ صَادِقًا كَلَامٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا عِتْقُ الْأَمَةِ فَلَيْسَ بِمَالٍ .
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ مَالٌ يَجُوزُ النِّكَاحُ بِمِثْلِهِ ، لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ صَدَاقًا فِي نِكَاحِهِ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ فَإِنَّهُ أَعْتَقَهَا بِتَزَوُّجِهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } ، رَوَاهُ أَنَسٌ فِي الصَّحِيحِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ بِخَصَائِصَ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ كَانَ يَنْكِحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا صَدَاقٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَقَدْ أَرَادَ زَيْنَبَ فَحُرِّمَتْ عَلَى زَيْدٍ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِمِثْلِ هَذَا .
وَقَدْ حَقَّقْنَا خَصَائِصَهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَقَدْ عَضَّدَ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنْ قَالُوا : إنَّ قَوْلَهُ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } ؛ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعِتْقِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مُحْصِنِينَ } : قَالَ بَعْضُ الْغَافِلِينَ : إنَّ قَوْلَهُ : { مُحْصِنِينَ } يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ النِّسَاءِ ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْتَغُوهُنَّ غَيْرَ زَانِيَاتٍ ، وَلَوْ أَرَادَ كَوْنَهَا حَالًا لِلنِّسَاءِ لَقَالَ : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ كَمَا فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا ؛ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { مُحْصِنِينَ } حَثُّ الرِّجَالِ عَلَى حَظِّهِمْ الْمَحْمُودِ فِيمَا أُبِيحَ لَهُمْ مِنْ الْإِحْصَانِ دُونَ السِّفَاحِ ؛ قِيلَ لَهُمْ : ابْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ نِكَاحًا لَا سِفَاحًا ، وَالسِّفَاحُ اسْمُ الزِّنَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ مُسَافِحِينَ } : يَعْنِي غَيْرَ زَانِينَ ، وَالسِّفَاحُ اسْمٌ لِلزِّنَا ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَسْفَحُ الْمَاءَ أَيْ يَصُبَّهُ ، وَالسَّفْحُ الصَّبُّ ، وَالنِّكَاحُ سِفَاحٌ اشْتِقَاقًا ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَمْعُ وَالضَّمُّ ، وَصَبُّ الْمَاءِ ؛ وَلَكِنَّ الشَّرِيعَةَ وَاللُّغَةَ خَصَّصَتْ كُلَّ وَاحِدٍ بِاسْمٍ مِنْ مَعْنَى مُطْلَقِهِ ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِهِ عَلَى عَادَتِهَا فِيمَا تُطْلِقُهُ مِنْ بَعْضِ أَلْفَاظِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِمْتَاعَ النِّكَاحِ الْمُطْلَقِ ؛ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مُتْعَةُ النِّسَاءِ بِنِكَاحِهِنَّ إلَى أَجَلٍ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتْعَةِ فَقَرَأَ : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاَللَّهِ لَأَنْزَلَهَا اللَّهُ كَذَلِكَ .
وَرُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ : أَعْطَانِي ابْنُ عَبَّاسٍ مُصْحَفًا ، وَقَالَ : هَذَا قِرَاءَةُ أُبَيٍّ ، وَفِيهِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا ؛ فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ يَعْنِي بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ .
أَمَّا إنَّهُ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّ الصَّدَاقَ إذَا لَمْ يُسَمَّ فِي الْعَقْدِ وَجَبَ بِالدُّخُولِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي التَّفْوِيضِ ، وَأَمَّا مُتْعَةُ النِّسَاءِ فَهِيَ مِنْ غَرَائِبِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّهَا أُبِيحَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أُبِيحَتْ فِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ بَيَانًا يَشْفِي الصُّدُورَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : سَمَّاهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَجْرًا ، وَسَمَّاهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى فِي أَوَّلِ السُّورَةِ نِحْلَةً ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى تِلْكَ الْآيَةِ ، وَكَانَتْ الْفَائِدَةُ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْبَيَانُ لِحَالِ الصَّدَاقِ ، وَأَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ نِحْلَةٌ وَمِنْ وَجْهٍ عِوَضٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عِوَضٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : النِّكَاحُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبُيُوعِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعِوَضِ وَتَعْرِيفِهِ وَإِبْقَاؤُهُ وَرَدُّهُ بِالْعَيْبِ وَالْقِيَامُ فِيهِ بِالشُّفْعَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَرِيضَةً } : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْإِتْيَانِ لِيَخْلُصَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْأَجْرِ ، فَيَقْتَضِي التَّقْدِيرَ ؛ مَعْنَاهُ أَعْطُوهَا صَدَاقَهَا كَامِلًا ، وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ، كَمَا قَالَ : { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } : إذَا وَجَبَ الْمَهْرُ وَعُلِمَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقَعَ فِيهِ التَّرَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي تَرْكِهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ، أَوْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَهُمَا مَالِكَانِ أَمَرَهُمَا فَذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ فَذَلِكَ إلَى الْوَلِيِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } ، وَكَمَا تُوجِبُ امْرَأَةٌ لِنَفْسِهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ تُسْقِطُهُ ، كَذَلِكَ يُوجِبُهُ وَلِيُّهَا لَهَا ثُمَّ يُسْقِطُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِيهِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الزِّيَادَةَ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَبِالصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ تَلْحَقُهُمَا وَيَجْرِي مَجْرَاهُمَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَاتِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ وَهِيَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مَذْكُورَةٌ .
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ فَسْخَ الْعَقْدِ وَتَجْدِيدِهِ صَرِيحًا فَمَلَكَاهُ عَنْهُمَا ، وَلَهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَا فِيهِ كَيْفَ شَاءَا .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حِكْمَةِ الْآيَةِ : اُنْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى مُرَاعَاةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لِمَصَالِحِنَا وَحُسْنِ تَقْدِيرِهِ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَحْكَامِنَا ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ضَرَبَ الرِّقَّ عَلَى الْخَلْقِ عُقُوبَةً لِلْجَانِي وَخِدْمَةً لِلْمَعْصُومِ ، وَعَلِمَ أَنَّ الْعَلَّاقَةَ قَدْ تَنْتَظِمُ بِالرِّقِّ فِي بَابِ الشَّهْوَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا جِبِلَّةً ، وَرَتَّبَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا فِي اتِّحَادِ الْقُرُونِ وَتَرْتِيبِ النَّظَرِ ، وَشَرَّفَهُ لِشَرَفِ فَائِدَتِهِ وَمَقْصُودِهِ مِنْ وُجُودِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ صَانَ عَنْهُ مَحِلَّ الْمَمْلُوكِيَّةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ فِيهَا سَبَبَ الْحِلِّ وَطَرِيقَ التَّحْرِيمِ ، وَالِاسْتِمْتَاعُ يَكْفِي .
الثَّانِي : وَهُوَ الْمَقْصُودُ صِيَانَةُ النُّطْفَةِ عَنْ التَّصْوِيرِ بِصُورَةِ الْإِرْقَاقِ .
الثَّالِثُ : صِيَانَةٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ حِينَ كَثَّرَ شُرُوطَهُ ، وَأَعْلَى دَرَجَتَهُ ، وَكَمَّلَ صِفَتَهُ ؛ وَقَدْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ أَحْوَالَ الْخَلْقِ سَتَسْتَقِيمُ بِقِسْمَتِهِ إلَى ضِيقٍ وَسَعَةٍ وَضَرُورَةٍ أَذِنَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ لِلْحُرِّ فِي تَعْرِيضِ نُطْفَتِهِ لِلْإِرْقَاقِ ، لِئَلَّا يَكُونَ مُرَاعَاةَ أَمْرٍ مَوْهُومٍ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ حَالٍ مُتَوَقَّعَةٍ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ الْهَوَى يُجِيزُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ ، وَهَذَا مُنْتَهَى نَظَرُ الْمُحَقِّقِينَ فِي مُطَالَعَةِ الْأَحْكَامِ مِنْ بَحْرِ الشَّرْعِ وَسَاحِلِ الْعَقْلِ ؛ فَاِتَّخَذُوهَا مُقَدِّمَةً لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي فَهْمِ سِيَاقِ الْآيَةِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي سِيَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا سِيقَتْ مَسَاقَ الرُّخَصِ ،
كَقَوْلِهِ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } وَقَوْلِهِ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وَنَحْوُهُ .
فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تُلْحَقَ بِالرُّخَصِ الَّتِي تَكُونُ مَقْرُونَةً بِأَحْوَالِ الْحَاجَةِ وَأَوْقَاتِهَا ، وَلَا يَسْتَرْسِلُ فِي الْجَوَازِ اسْتِرْسَالَ الْعَزَائِمِ ؛ وَإِلَى هَذَا مَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَاخْتَارَهُ مَالِكٌ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَصْلًا ، وَجَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُطْلَقًا ، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَدْ جَهِلَ مَسَاقَ الْآيَةِ مَنْ ظَنَّ هَذَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبَحْ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَالثَّانِي خَوْفُ الْعَنَتِ ؛ فَجَاءَ بِهِ شَرْطًا عَلَى شَرْطٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَرَائِرَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْحَرَائِرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ذِكْرًا مُطْلَقًا ؛ فَلَمَّا ذَكَرَ الْإِمَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ ذَكَرَهَا ذِكْرًا مَشْرُوطًا مُؤَكَّدًا مَرْبُوطًا .
فَإِنْ قِيلَ : حَلَّقْتُمْ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ بِأَلْفَاظٍ هَائِلَةٍ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ وَصْفًا أَوْ وَصْفَيْنِ فَأَرَدْتُمْ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ ، وَهَذَا دَلِيلُ الْخِطَابِ الَّذِي نَازَعْنَاكُمْ فِيهِ مُذْ كُنَّا وَكُنْتُمْ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّا نَقُولُ : دَلِيلُ الْخِطَابِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِنَا ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَحَقَّقْنَاهُ تَحْقِيقًا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ ، وَمَنْ أَرَادَ دَرَاهُ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَسُوقَةً مَسَاقَ دَلِيلِ الْخِطَابِ كَمَا بَيَّنَّا ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مَسُوقَةٌ مَسَاقَ الْإِبْدَالِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ مَسُوقَةً مَسَاقَ شِبْهِ دَلِيلِ الْخِطَابِ لَوْ قُلْنَا : انْكِحُوا الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ بِطَوْلٍ وَعِنْدَ خَوْفِ عَنَتٍ ، فَأَمَّا وَقَدْ قَالَ : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ } ؛ فَقَرَنَهُ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي رَتَّبَ عَلَيْهَا الْإِبْدَالَ فِي الشَّرِيعَةِ وَأَدْخَلَهَا فِي بَابِهَا
بِعِبَارَتِهَا وَمَعْنَاهَا لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهَا ، فَلَيْسَ لِرَجُلٍ حَكَمَهُ اللَّهُ وَاضِعٌ .
وَمِنْ غَرِيبِ دَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ يَخُصُّ الْوَصْفَ بِالذَّكَرِ لِلتَّنْبِيهِ ، وَقَدْ يَخُصُّهُ بِالْعُرْفِ ، وَقَدْ يَخُصُّهُ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ } فَإِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى حَالَةِ الْإِثْرَاءِ ، وَخَصَّ حَالَةَ الْإِمْلَاقِ بِالنَّهْيِ ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْأَبُ لَقَتْلِ الِابْنِ فِيهَا .
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } خَصَّ حَالَةَ الْإِكْثَارِ وَالْإِثْرَاءِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا النُّفُوسُ بِالنَّهْيِ ؛ فَأَمَّا إذَا وَقَعَ شَرْطٌ بِقُدْرَةٍ فَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَدَلِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ ، وَإِنْ وَقَعَ بِتَنْبِيهٍ مَقْرُونًا بِحَالَةٍ أَوْ عَادَةً كَانَ ظَاهِرًا ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ } .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ خَمْسَةً مِنْ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي فِي الْمَعْنَى أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ رُخْصَةٌ ، فَلَمَّا انْتَهَى النَّظَرُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ ، وَرَأَى الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ رُخْصَةٌ ، وَأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بَعْدَ الطَّوْلِ تَحَكَّمَ فِي الطَّوْلِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَقَالَ : إنَّ الطَّوْلَ هُوَ وُجُودُ الْحُرَّةِ تَحْتَهُ ، فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَهُوَ ذُو طَوْلٍ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، هَذَا تَأْوِيلُ أَبِي يُوسُفَ .
وَتَحْقِيقُهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الطَّوْلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْقُدْرَةُ ، وَالنِّكَاحُ هُوَ الْوَطْءُ حَقِيقَةً ، فَمَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَطَأَ حُرَّةً فَلْيَتَزَوَّجْ أَمَةً ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةً فِي الَّذِي تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَلَا يُنْقَلُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ .
أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنْ قَالُوا : الطَّوْلُ هُوَ الْغِنَى وَالسَّعَةُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ } .
وَالنِّكَاحُ هُوَ الْعَقْدُ ، فَمَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَاقُ حُرَّةٍ فَلْيَتَزَوَّجْ أَمَةً ، وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } ، وَهَذَا أَقْوَى أَلْفَاظِ الْحَصْرِ ، كَقَوْلِهِ فِي شُرُوطِ الْمُتْعَةِ فِي الْحَجِّ : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .
وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِطُ خَوْفَ الْعَنَتِ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ قَدَرَ عَلَى طَوْلِ كِتَابِيَّةٍ هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، يَتَزَوَّجُهَا .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْف هَذَا ، وَهِيَ مِثْلُ الْمُسْلِمَةِ الْحُرَّةِ ؟ وَالْقُدْرَةُ عَلَى مِثْلِ الشَّيْءِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ .
قُلْنَا : لَيْسَا مِثْلَيْنِ بِأَدِلَّةٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً وَقُوَّةً ، مِنْهَا أَنَّ إمَاءَهُمْ لَمْ تَسْتَوِ فَكَيْفَ حَرَائِرُهُمْ ؟ وَمَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا نَشْتَرِطُهُ نَحْنُ ، وَلَا نُلْحِقُ مُسْلِمَةً بِكَافِرَةٍ ، فَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ بِلَا كَلَامٍ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " لَهُ : لَيْسَ نِكَاحُ الْأَمَةِ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ مَا يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ أَوْ تَلَفُ عُضْوٍ ، وَلَيْسَ فِي مَسْأَلَتِنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
قُلْنَا : هَذَا كَلَامُ جَاهِلٍ بِمِنْهَاجِ الشَّرْعِ أَوْ مُتَهَكِّمٍ لَا يُبَالِي بِمَا يَرِدُ الْقَوْلُ .
نَحْنُ لَمْ نَقُلْ إنَّهُ حُكْمٌ نِيطَ بِالضَّرُورَةِ ، إنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ بِالرُّخْصَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالْحَاجَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ ، وَحَالَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ الَّتِي تَكُونُ مَعَهَا الرُّخْصَةُ فَلَا يُعْنَى بِالْكَلَامِ مَعَهُ ، فَإِنَّهُ مُعَانِدٌ أَوْ جَاهِلٌ ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ إتْعَابٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ مَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ أَمْ لَا ؟ قُلْنَا : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ مَعَ حُرَّةٍ وَاحْتَاجَ إلَى أُخْرَى ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَدَاقِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ ؛ وَهَكَذَا مَعَ كُلِّ حُرَّةٍ وَكُلِّ أَمَةٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأَرْبَعِ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ رُدَّ نِكَاحُهُ ؛ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ الْأُولَى أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ وَأَوْلَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ بِشَرْطٍ قَدْ وُجِدَ وَكَمُلَ عَلَى الْأَمْرِ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَهَلْ تَكُونُ الْحُرَّةُ بِالْخِيَارِ فِي الْبَقَاءِ مَعَهَا أَوْ الْفِرَاقِ ؟ قُلْنَا : كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِالسَّبَبِ الْمُحَقَّقِ رَضِيَ بِالْمُسَبَّبِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَأَلَّا يَكُونَ لَهَا خِيَارٌ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهُ نِكَاحَ الْأَرْبَعِ ، وَعَلِمَتْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ تَزَوَّجَ أَمَةً ، وَمَا شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا كَمَا شَرَطَتْ عَلَى نَفْسِهَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي شُرُوطِ اللَّهِ عِلْمُهَا ، وَهَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ فِي الْبَابِ وَالْإِنْصَافِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .
بِهَذَا اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُؤْمِنَةِ ، فَكَانَ شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ الْإِيمَانُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ .
قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا اسْتِدْلَالًا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالتَّعْلِيلِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْإِيمَانَ فِي نِكَاحِهِنَّ ، وَذِكْرُ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَكْرِمُوا الْعَالِمَ وَاحْفَظُوا الْغَرِيبَ لَكَانَ تَنْصِيصًا عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَى عِلَّتِهِ ، وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْغُرْبَةُ فَيَتَعَدَّى الْإِكْرَامُ [ وَالْحِفْظُ ] لِكُلِّ عَالَمٍ وَغَرِيبٍ ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى سِوَاهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ؛ فَكَانَ هَذَا تَعْلِيلًا يَمْنَعُ مِنْ النِّكَاحِ فِي الْمُشْرِكَاتِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِيمَانُ شَرْطًا فِي الْإِحْلَالِ وَلَا الْعِفَّةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْحُرِّيَّةُ .
الرَّابِعُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } فَلْيَنْكِحْ الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ، فَالْإِحْصَانُ هَاهُنَا فِي الْحُرِّيَّةِ قَطْعًا ، فَنَقَلْنَاهُ مِنْ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةٍ إلَى أَمَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ } يَعْنِي حِلٌّ لَكُمْ ، { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } حِلٌّ لَكُمْ أَيْضًا ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الْحَرَائِرَ لَا مَعْنَى لَهُ سِوَاهُ ، فَأَفَادَتْ الْآيَةُ حِلَّ الْكِتَابِيَّةِ ، وَبَقِيَتْ الْأَمَةُ
الْكَافِرَةُ تَحْتَ التَّحْرِيمِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ } ، فَخَايَرَ بَيْنَهُمَا ، وَالْمُخَايَرَةُ لَا تَكُونُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : لَمَّا أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ الْمُحَرَّمَاتِ الْحَاضِرَاتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلتَّكْلِيفِ ، وَقَالَ بَعْدَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } ، فَلَوْ وَقَعَ هَذَا الْإِحْلَالُ بِنَصٍّ لَكَانَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي عَدَدْنَاهَا نَسْخًا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ عُمُومًا ، فَجَرَى عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ أَلْفًا مَا أَثَّرَ فِي الْعُمُومِ ، فَكَيْفَ وَهِيَ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ ؟ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } وَهُوَ عُمُومٌ خَرَجَ مِنْهُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ وَبَقِيَ تَحْتَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَهُمْ الْمُحَارِبُونَ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ لَا فَصَاحَةً وَلَا حِكْمَةً وَلَا دِينًا وَلَا شَرِيعَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمَّا شَرَطَ الْإِيمَانَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَخْفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ أَحَالَ عَلَى الظَّاهِرِ فِيهِ ، وَقَالَ : { وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } فِيمَا أَضْمَرْتُمْ مِنْ الْإِيمَانِ ، كُلُّكُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ ، وَبِظَاهِرِهِ مَعْصُومٌ ، حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِ الْحَكِيمُ ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا { جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ لَهُ : عَلَيَّ رَقَبَةٌ وَأُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ .
قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ .
قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } حَمْلًا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْإِيمَانِ ، نَعَمْ وَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْأَلْفَاظِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } .
قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْتُمْ الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي الشَّرَفِ ، وَرَدَّ عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تُسَمِّي وَلَدَ الْأَمَةِ هَجِينًا تَعْبِيرًا لَهُ بِنُقْصَانِ مَرْتَبَةِ أُمِّهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ أَدْخَلَتْهُ الْيَمَنِيَّةُ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَشْعُرْ بِجَهْلِ الْعَرَبِ وَغَفَلْتهَا ؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ ابْنُ أَمَةٍ ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى بَصِيرَةٍ مَا قَبِلَتْ هَذَا التَّعْبِيرَ ، وَإِلَيْهَا يُرْجَعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً ، ثُمَّ قَدَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى حُرَّةٍ فَتَزَوَّجَهَا ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ .
وَقَالَ مَسْرُوقٌ : يَنْفَسِخُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ ارْتَفَعَتْ الْإِبَاحَةُ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِدَامَتِهِ ، كَالْعِدَّةِ وَالْإِحْرَامِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ .
وَهَذَا لَا جَوَابَ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فِي الضَّرُورَةِ فَتُفَارِقُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَازِمٌ ، وَتِلْكَ إبَاحَةٌ مُجَرَّدَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذَا عَقْدٌ بِشُرُوطٍ ، فَيُعْتَبَرُ بِشُرُوطِهِ ، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فِي الْمَيْتَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ صَدَاقٌ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ هَذَا وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ صَدَاقٍ سِفَاحٌ ؟ وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ ، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نِكَاحَ كُلِّ امْرَأَةٍ ، فَقَرَنَهُ بِذَكَرِ الصَّدَاقِ فَقَالَ فِي الْإِمَاءِ : { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ؛ فَكَيْفَ يَخْلُو عَنْهُ عَقْدُ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ بِأَنْ يَجِبَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ فِي الْعَقْدِ عَنْهُ لَوَجَبَ بِالْوَطْءِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ تَعَرَّضَ الْحَنَفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّونَ لِلرَّدِّ عَلَى إسْمَاعِيلَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " لَهُ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ الْهَرَّاسُ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " ، فَتَعَرَّضُوا لِلِارْتِقَاءِ فِي صُفُوفِهِ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ .
قَالَ الرَّازِيّ : يَجِبُ الْمَهْرُ وَيَسْقُطُ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ اسْتِبَاحَةُ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ ، وَيَسْقُطُ فِي الثَّانِي حِينَ يَسْتَحِقُّهُ الْمَوْلَى ، لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ ، وَالْمَوْلَى هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَالَهَا وَلَا يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِشَخْصٍ عَلَى شَخْصٍ ، فَمَنْ الَّذِي أَوْجَبَهُ ؟ وَعَلَى مَنْ وَجَبَ ؟ فَإِنْ
قُلْت : وَجَبَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ فَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِهِ ، وَوُجُوبِهِ لَا عَلَى أَحَدٍ مُحَالٌ ، وَكَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ كَذَلِكَ الْمِلْكُ يَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ ، وَلَيْسَ إيجَابُهُ ضَرُورَةَ الْإِسْقَاطِ ، كَمَا يُقَالُ إنَّ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِلِابْنِ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمِلْكِ ، فَأَمَّا إسْقَاطُ الْمَهْرِ فَلَا يَقْتَضِي إثْبَاتَهُ ، فَوَجَبَ أَلَّا يَجِبَ بِحَالٍ .
وَقَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ أَصْلًا ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ وَلَا بُدَّ مِنْ مَالِكٍ ، وَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ مَالِكًا ؛ فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ ، وَعَادَ الْكَلَامُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ ؛ وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ أَمْ لَا ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا قَوْلُ الرَّازِيّ : إنَّهُ يَجِبُ وَيَسْقُطُ فَكَلَامٌ لَهُ فِي الشَّرْعِ أَمْثِلَةٌ ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا ؛ فَمِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ .
فَقَالَ سَيِّدُهُ : هُوَ حُرٌّ .
فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ كَلِمَةُ " هُوَ حُرٌّ " يَتَضَمَّنُ عَقْدَ الْبَيْعِ ، وَوُجُوبَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُبْتَاعِ ، ثُمَّ وُجُوبَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ ، وَوُجُوبَ الْمِلْكِ لِلْمُبْتَاعِ ، وَخُرُوجَهُ عَنْ يَدِ الْبَائِعِ وَمِلْكَهُ وَالْعِتْقَ ، وَيَجِبُ الْمِلْكُ ثُمَّ يَسْقُطُ .
كُلُّ ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ .
كَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ : يَجِبُ الصَّدَاقُ هَاهُنَا لِحِلِّ الْوَطْءِ ، ثُمَّ يَكُونُ مَا كَانَ .
وَمِمَّا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ نَحْنُ وَالشَّافِعِيَّةُ إذَا اشْتَرَى الِابْنُ أَبَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُ الشِّرَاءِ وَيَحْصُلُ الْمِلْكُ لِلِابْنِ ، ثُمَّ يَسْقُطُ الْمِلْكُ وَيُعْتَقُ ، وَيَجِبُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إذَا قَتَلَ الْأَبُ ابْنَهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَيَسْقُطُ ، فَوُجُوبُهُ لِوُجُودِ عِلَّةِ الْقِصَاصِ مِنْ الْعُدْوَانِ وَشَرْطُهُ
مِنْ الْمُكَافَآتِ ، وَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ لِلْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : يَنْتَقِلُ الْقِصَاصُ إلَى غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِرًا لَانْتَقَلَ الْمِيرَاثُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَوْ قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا قُتِلَ بِهِ ، وَلَوْ قَتَلَ مُكَاتَبًا لَمْ يُتْرَكْ وَفَاءً قُتِلَ بِهِ ، وَلَوْ قَتَلَ مُكَاتَبًا تُرِكَ وَفَاءً لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَاتَ عَبْدًا وَالْقِصَاصُ لِسَيِّدِهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مَاتَ حُرًّا وَيُدْفَعُ مِنْ مَالِهِ كِتَابَتُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَيَرِثُ مَالَهُ بَقِيَّةُ وَرَثَتِهِ ، وَيَرِثُونَ قِصَاصَهُ ، فَانْتَصَبَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُسْتَحَقِّ شُبْهَةً فِي دَرْكِ الْقِصَاصِ .
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيجَابَ حُكْمٌ ، وَالِاسْتِيفَاءُ حُكْمٌ آخَرُ مُغَايِرٌ لَهُ ، وَأَسْبَابُهُمَا تَخْتَلِفُ ؛ وَإِذَا اخْتَلَفَا سَبَبًا وَاخْتَلَفَا ذَاتًا كَيْفَ يَصِحُّ لِمُحِقٍّ أَنْ يُنْكِرَ انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ؟ بَلْ هُنَالِكَ أَغْرُبُ مِنْ هَذَا ؛ وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ حُكْمٌ وَالِاسْتِقْرَارُ حُكْمٌ آخَرُ ؛ فَإِنَّ الصَّدَاقَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ ؛ إذْ يَتَطَرَّقُ السُّقُوطُ إلَى جَمِيعِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ بِالرِّدَّةِ ، وَإِلَى نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ .
وَقَدْ انْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الزَّكَاةِ ، إذَا كَانَ الصَّدَاقُ مَاشِيَةً وَغَيْرَهَا ؛ فَإِذَا كَانَ الِاسْتِقْرَارُ وَهُوَ وَصْفُ الْوُجُوبِ حُكْمًا انْفَرَدَ عَنْ الْوُجُوبِ بِانْفِرَادِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ وَهُوَ غَيْرُهُ أَصْلًا وَصِفَةً فَذَلِكَ أَوْلَى .
وَأَمَّا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ : مَنْ الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ ؟ وَلِمَنْ وَجَبَ ؟ فَيُقَالُ لَهُ : نَقَصَكَ قِسْمٌ ثَالِثٌ عَدَلْتَ عَنْهُ أَوْ تَعَمَّدْتَ تَرْكَهُ تَلْبِيسًا : وَهُوَ أَنْ يَجِبَ لِلْأَمَةِ وَهِيَ الزَّوْجُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَهَا .
فَإِنْ قَالَ :
لَيْسَتْ الْأَمَةُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ وَلَا لِلتَّمْلِيكِ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ؛ بَلْ الْعَبْدُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ وَالتَّمْلِيكِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَخْلِيصًا وَتَلْخِيصًا وَإِنْصَافًا ، وَحَقَّقْنَا فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ عِلَّةَ الْمِلْكِ الْحَيَاةُ وَالْآدَمِيَّةُ ، وَإِنَّمَا انْغَمَرَ وَصْفُ الْعَبْدِ بِالرِّقِّ لِلسَّيِّدِ ، وَلَكِنَّ الْعِلَّةَ بَاقِيَةٌ ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا مَعَ وُجُودِ الْغَامِرِ لَهَا .
وَكَيْفَ لَا تَمْلِكُ الْأَمَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْإِمَاءِ : { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
فَأَضَافَ الْأُجُورَ إلَيْهِنَّ إضَافَةَ تَمْلِيكٍ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْعَقْدَ كَمَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ كَذَلِكَ [ الْمِلْكُ ] يَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ .
قُلْنَا لَهُ : فَذَكَرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُقْتَضَاهُ أَوْجَبَ بِالْعَقْدِ وَأَسْقَطَ بِالْمِلْكِ وَوَفَّرَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ حُكْمَهُ كَمَا فَعَلْنَا فِي شِرَاءِ الْقَرِيبِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ إيجَابَهُ لَيْسَ ضَرُورَةً لِلْإِسْقَاطِ بِخِلَافِ عِتْقِ الْقَرِيبِ فَإِنَّ إيجَابَهُ هُنَاكَ ضَرُورَةَ الْعِتْقِ .
قُلْنَا : وَإِيجَابُهُ الصَّدَاقُ هَاهُنَا ضَرُورَةَ الْحِلِّ ؛ إذْ جَعَلَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ ، وَنَصَّ عَلَى إيجَابِهِ فِي كُلِّ نِكَاحٍ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ النَّاكِحِينَ مِنْ مَلِكٍ أَوْ مَمْلُوكٍ ؛ فَيَجِبُ لِلْأَمَةِ ، ثُمَّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا ، وَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَجِبَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ حَقٌّ ، فَلَا تُغَرَّ غُرُورًا بِمَا لَا تَحْصِيلَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ .
وَهَلَّا قُلْتُمْ : يَجِبُ لِلْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ ، ثُمَّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مِنْ الْأَمَةِ ، ثُمَّ يَسْقُطُ ؛ وَسُقُوطُ الْحَقِّ بِانْتِقَالِهِ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحِلٍّ لَيْسَ غَرِيبًا فِي مَسَائِلِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَالدُّيُونِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْعِتْقَ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمِلْكِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ الْحِلُّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ .
وَأَمَّا قَوْلُكَ : إنَّ الْقَوْلَ عَادَ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ فَيَا
حَبَّذَا عَوْدُهُ إلَى هَذَا الْأَصْلِ الَّذِي ظَهَرْنَا فِيهِ عَلَيْكُمْ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا تُنْكَحَ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَسَيِّدِهِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ لَا أَمْرَ لَهُ ، وَبَدَنُهُ كُلُّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِحَقِّ السَّيِّدِ ؛ لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهَا فُسِخَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَجُزْ بِإِجَازَةِ السَّيِّدِ ، وَإِذَا جَوَّزَ السَّيِّدُ نِكَاحَ الْعَبْدِ جَازَ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأُنُوثَةِ فِي الْأَمَةِ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ النِّكَاحِ أَلْبَتَّةَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِإِذْنِ أَهْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ السَّيِّدُ الْعَقْدَ .
قُلْنَا : نَعَمْ ، يَجُوزُ ؛ وَلَكِنْ لَا تُبَاشِرُهُ هِيَ ، بَلْ يَتَوَلَّاهُ مَنْ تَوَلَّاهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ : هُوَ حَسَنٌ .
وَحَدِيثٌ يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى أُجْرَةً ، وَدَلِيلُ هَذَا أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ الْبُضْعِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْمَنْفَعَةَ يُسَمَّى أُجْرَةً .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ النِّكَاحُ مَا هُوَ ؟ بَدَنُ الْمَرْأَةِ ، أَوْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ ، أَوْ الْحِلُّ ؟ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ عِنْدَ ذِكْرِنَا مَا تُرَدُّ بِهِ الزَّوْجَةُ مِنْ الْعُيُوبِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ لِلْأَمَةِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ : إنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ ، أَصْلُهُ إجَازَةُ الْمَنْفَعَةِ فِي الرَّقَبَةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ فَقَدْ مَلَكَ مِنْهَا مَا لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ غَشَيَانِهَا بِالتَّزْوِيجِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَهَذَا الْعَقْدُ لَهَا لَا لَهُ ، فَعِوَضَهُ لَهَا بِخِلَافِ مَنَافِعِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّهَا وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا لِلسَّيِّدِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إطْنَابٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : مَا يَعْنِي بِالْمَعْرُوفِ ؟ يَعْنِي الْوَاجِبَ ، وَهُوَ ضِدُّ الْمُنْكَرِ ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ الْمَعْرُوفَ الَّذِي هُوَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ ؛ وَسَتَرَاهُ مُبَيَّنًا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } : يَعْنِي عَفَائِفَ غَيْرَ زَانِيَاتٍ .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ حَرَّمَ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ ، وَهُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَالَ إنَّهُ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ الْإِحْصَانَ وَهُوَ الْعِفَّةُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ النُّورِ : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : مَعْنَى قَوْلُهُ : مُحْصَنَاتٍ ، أَيْ بِنِكَاحٍ لَا بِزِنًى ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا : { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } ، فَكَيْفَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْكُوحَاتٌ ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا فِي الْكَلَامِ قَبِيحًا فِي النِّظَامِ ، وَإِنَّمَا شَرَطَ اللَّهُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمَاءِ الْحَلَالِ عَنْ الْمَاءِ الْحَرَامِ ؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا نِكَاحُهَا حَتَّى تُسْتَبْرَأَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ نِكَاحُهَا الْيَوْمَ لِمَنْ زَنَى بِهَا الْبَارِحَةَ ، وَلِمَنْ لَمْ يَزْنِ بِهَا مَعَ شَغْلِ رَحِمِهَا بِالْمَاءِ ، فَهَذِهِ هِيَ الزَّانِيَةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهَا ؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ } ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ فِي وَطْءٍ وَنَسَبٍ لَهُمَا حُرْمَةٌ .
وَذَلِكَ فِي وَطْءِ الْكُفَّارِ ؛ لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَاءِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الرَّحِمِ حُرْمَةٌ فَلِلْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ حُرْمَةٌ ، فَكَيْفَ يَمْتَزِجُ مَاءٌ بِمَاءٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ ، وَفِي ذَلِكَ خَلْطُ الْأَنْسَابِ الصَّحِيحَةِ بِالْمِيَاهِ الْفَاسِدَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً } ، فَهِيَ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ ، اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَالْمُتَحَصِّلُ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُسَافِحُ وَتَشْتَرِطُ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ كُنَّ نِسَاءٌ مَعْلُومَاتٌ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَيَتَزَوَّجْنَ الرَّجُلَ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِتُنْفِقَ الْمَرْأَةُ مِنْهُنَّ عَلَيْهِ ، فَنَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ } .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَنَحْوُهُ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ عَنْ بَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ كَرَايَةِ الْبَيْطَارِ ، وَكَانَتْ بُيُوتُهُنَّ تُسَمَّى الْمَوَاخِيرَ ، لَا يَدْخُلُ إلَيْهِنَّ إلَّا زَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ مُشْرِكٍ ، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
الثَّالِثُ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا يَزْنِي الزَّانِي إلَّا بِزَانِيَةٍ مِثْلِهِ أَوْ مُشْرِكَةٍ ، وَنَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ .
الرَّابِعُ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : نَسَخَهَا قَوْلُهُ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } .
وَقَالَ أَنَسٌ : مِنْ أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ .
وَقَدْ أَكَّدَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : { كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَكَانَ رَجُلٌ يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ .
قَالَ : وَكَانَتْ امْرَأَةُ بَغْيٍ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهَا ، وَإِنَّهُ وَاعَدَ رَجُلًا مِنْ أَسْرَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ .
قَالَ : فَجِئْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ قَالَ : فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيَّ عَرَفَتْنِي ، فَقَالَتْ : مَرْثَدٌ ، فَقُلْت : مَرْثَدٌ .
فَقَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ .
قَالَ : قُلْت : يَا عَنَاقُ ، حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا قَالَتْ : يَا أَهْلَ الْخِيَامِ ، هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
.
قَالَ : حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَأَنْكِحُ عَنَاقَ ؟ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا ، فَنَزَلَتْ : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَرْثَدُ ، الزَّانِي لَا يَنْكِحُ وَقَرَأَهَا إلَى آخِرِهَا ، وَقَالَ لَهُ : فَلَا تَنْكِحْهَا } .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَغَايَا مَعْلُومَاتٍ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ الزَّانِي لَا يُزَانِي إلَّا زَانِيَةً فَمَا أَصَابَ فِيهِ غَيْرَهُ ، وَهِيَ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ مُعَلِّمِهِ الْمُعَظَّمِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يَنْكِحُ الْمَحْدُودُ إلَّا مَحْدُودَةً ، وَهُوَ الْحَسَنُ ، يُرِيدُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : الزَّانِيَةُ الَّتِي تَبَيَّنَ زِنَاهَا ، وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ عَنْهَا بِهِ ؛ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَنْ نَفَذَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ وَقَبْلَ نُفُوذِ الْحَدِّ هِيَ مُحْصَنَةٌ يَحُدُّ قَاذِفُهَا ، وَهُوَ الَّذِي مَنَعَ مِنْ نِكَاحِهَا وَمَعَهُ نَتَكَلَّمُ وَعَلَيْهِ نَحْتَجُّ .
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : إنَّ مَعْنَاهُ إذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَا يَتَزَوَّجُهَا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا ، لَكِنَّ مَخْرَجَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَتَكُونُ الْآيَةُ مَسُوقَةً لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَسْتَرْسِلُ عَلَى الْمِيَاهِ الْفَاسِدَةِ بِالنِّكَاحِ إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ كَمَا سَبَقَ ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَا اخْتَارَهُ عَالِمُ الْقُرْآنِ ؛ قَالَ : الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْبَغَايَا الْمُشْرِكَاتِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الزَّانِيَةَ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ حَرَامٌ عَلَى الْمُشْرِكِ ، وَأَنَّ الزَّانِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ عَلَيْهِ الْمُشْرِكَاتُ ، فَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الزَّانِي لَا يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ لَا تَسْتَحِلُّ الزِّنَا أَوْ بِمُشْرِكَةٍ تَسْتَحِلُّهُ ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إلَّا زَانٍ لَا يَسْتَحِلُّ
الزِّنَا أَوْ مُشْرِكٌ يَسْتَحِلُّهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ فَمَا فَهِمَ النَّسْخَ ؛ إذْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ بَلْ الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَاضِدَةٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَمُوَافَقَةٌ لَهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ نِكَاحَ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي ، وَأَمَرَ بِنِكَاحِ الصَّالِحَاتِ وَالصَّالِحِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ فَكَذَلِكَ هُوَ مَعْنَاهَا ، وَهِيَ خَبَرٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ ، فَإِنْ وُجِدَ خِلَافُ الْمَخْبَرِ فَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } : كَانَتْ الْبَغَايَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مَشْهُورَاتٌ وَمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ ، وَكَانُوا بِعُقُولِهِمْ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ الزِّنَا وَيَحِلُّونَ مَا بَطَنَ ؛ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْجَمِيعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَتَى وَفَتَاةً وَصْفٌ لِلْعَبِيدِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي } .
وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ كَانَ عَبْدًا لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : مَعْنَى الْإِحْصَانِ هَاهُنَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ الْإِسْلَامُ ؛ قَائِلُهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : أُحْصِنَّ : تَزَوَّجْنَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً وَالْأَمَةُ حُرًّا ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُحَدُّ الْكَافِرَةُ عَلَى الزِّنَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ وَلَا النِّكَاحُ .
وَقُرِئَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأُحْصِنَّ بِضَمِّهَا ، فَمَنْ قَرَأَ بِالْفَتْحِ قَالَ مَعْنَاهُ : أَسْلَمْنَ ، وَالْإِسْلَامُ أَحَدُ مَعَانِي الْإِحْصَانِ .
وَمَنْ قَرَأَ أُحْصِنَّ بِالضَّمِّ قَالَ مَعْنَاهُ : زُوِّجْنَ .
وَقَدْ يُحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَحْصَنَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ زُوِّجْنَ ، فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَيْهِنَّ لِمَا وُجِدَ بِهِنَّ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُحْصِنَّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ : أَسْلَمْنَ : مَعْنَاهُ مُنِعْنَ بِالْإِسْلَامِ مِنْ أَحْكَامِ الْكُفْرِ .
وَالظَّاهِرُ فِي الْإِطْلَاقِ هُوَ الْأَوَّلُ .
وَمَنْ شَرَطَ نِكَاحَ الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
وَالْإِحْصَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الْإِحْصَانِ ، فَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْكِحَ الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِنَاتِ فَلْيَنْكِحْ الْمَمْلُوكَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْحَرَائِرِ مِنْ الْحَدِّ .
وَلَا يَتَنَصَّفُ الرَّجْمُ ، فَلْيَسْقُطْ اعْتِبَارُهُ .
وَيَكُونُ الْمُرَادُ مَا يَتَشَطَّرُ وَهُوَ الْجَلْدُ ، وَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ : فَإِذَا تَزَوَّجْنَ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا
عَلَى الْأَبْكَارِ مِنْ الْعَذَابِ ، وَهُوَ الْجَلْدُ .
وَنَحْنُ أَسَدُّ تَأْوِيلًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : الْمُؤْمِنَاتُ ، يَقْتَضِي الْإِسْلَامَ .
فَقَوْلُهُ : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَرَّدَةٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُسْلِمَةَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } ، فَتَنَاوَلَهَا عُمُومُ هَذَا الْخِطَابِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَخُذُوا الْكَافِرَ بِهَذَا الْعُمُومِ .
قُلْنَا : الْكَافِرُ لَهُ عَهْدٌ أَلَّا نَعْتَرِضَ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَالرَّقِيقُ لَا عَهْدَ لَهُ .
قُلْنَا : الرِّقُّ عَهْدٌ إذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ سَبِيلٌ إلَيْهِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ وَالْمَصْلَحَةِ لِتَظَاهُرِهِ بِالْفَاحِشَةِ إنْ أَظْهَرَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ { أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ .
قَالَ : إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثَلَاثًا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ } .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ } .
وَهَذَا نَصُّ عُمُومٍ فِي جَلْدِ مَنْ تَزَوَّجَ وَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحَدَّ عَلَى مَمْلُوكِهِ دُونَ رَأْي الْإِمَامِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقِيمُهُ إلَّا نَائِبُ اللَّهِ وَهُوَ الْإِمَامُ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } وَلَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يُقِيمُهُ ؛ فَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ ذَلِكَ إلَى السَّادَاتِ ، وَهُمْ نُوَّابُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا يَنُوبُ آحَادُ النَّاسِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَيْفَ يَتَّفِقُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَا ؛ أَيُقِيمُهُ بِعِلْمِهِ أَمْ بِالشُّهُودِ فَيَتَصَدَّى مَنْصِبَ قَاضٍ وَتُؤَدَّى عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ ؟ قُلْنَا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبُ عَلَيْهَا } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ .
وَالزِّنَا يَتَبَيَّنُ بِالشَّهَادَةِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ؛ أَوْ بِالْحَمْلِ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ السَّيِّدُ إلَى الْإِمَامِ ، وَلَكِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَيْهَا بِمَا ظَهَرَ مِنْ حَمْلِهَا إذَا وَضَعَتْهُ وَفَصَلَتْ مِنْ نِفَاسِهَا ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الصَّحِيحِ : { إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا الْحَدَّ ، فَوَجَدْتهَا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ ، فَخِفْت إنْ أَنَا جَلَدْتهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَتَرَكْتهَا فَأَخْبَرْته .
فَقَالَ : أَحْسَنْت } .
وَلِهَذَا خَاطَبَ السَّادَاتِ بِذِكْرِ الْإِمَاءِ اللَّاتِي يَتَبَيَّنُ زِنَاهُنَّ بِالْحَمْلِ ، وَسَكَتَ عَنْ الْعَبِيدِ الَّذِينَ لَا يَظْهَرُ زِنَاهُمْ إلَّا بِالشَّهَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : دَخَلَ الذُّكُورُ تَحْتَ الْإِنَاثِ فِي قَوْلِهِ : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } بِعِلَّةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ ، كَمَا دَخَلَ الْإِمَاءُ تَحْتَ قَوْلِهِ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ } ؛ بِعِلَّةِ سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَتَغْلِيبِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى حَقِّ الْمِلْكِ .
وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } دُخُولَ الْمُحْصَنِينَ فِيهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَنَتِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الزِّنَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْإِثْمُ .
الثَّالِثُ : الْعُقُوبَةُ .
الرَّابِعُ : الْهَلَاكُ .
الْخَامِسُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ : كُلُّ مَا يُعْنِتُ الْمَرْءَ عَنَتٌ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُعْنِتُهُ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَمَنْ خَافَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ ، وَأَصْلُهُ الزِّنَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَعَلَيْهِ عُوِّلَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ } : يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ إرْقَاقِ الْوَلَدِ وَجَوَازِ خَوْفِ هَلَاكِ الْمَرْءِ ؛ فَاجْتَمَعَتْ فِيهِ مَضَرَّتَانِ دُفِعَتْ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى ، فَقُدِّمَ الْمُتَحَقِّقُ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَزْلَ حَقُّ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقًّا لِلرَّجُلِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَيَعْزِلَ ، فَيَنْقَطِعَ خَوْفُ إرْقَاقِ الْوَلَدِ فِي الْغَالِبِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ حَقٌّ إلَّا فِي الْإِيلَاجِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا عَقْدٌ لِلْوَطْءِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَكَمَا أَنَّ لِلرَّجُلِ فِيهِ حَقَّ الْغَايَةِ وَهُوَ الْإِيلَاجُ وَالتَّكْرَارُ فَلِلْمَرْأَةِ فِيهِ غَايَةُ الْإِنْزَالِ وَتَمَامُ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ ، فَبِهِ تُتِمُّ اللَّذَّةُ لِلْفَرِيقَيْنِ ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّجُلُ إسْقَاطَ حَقِّهِ وَالْوُقُوفَ دُونَ هَذِهِ الْغَايَةِ فَلِلْمَرْأَةِ حَقُّ بُلُوغِهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } الْآيَةُ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي صَدْرِ هَذِهِ الْآيَةِ : وَهُوَ أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً } : التِّجَارَةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُعَاوَضَةِ ، وَمِنْهُ الْأَجْرُ الَّذِي يُعْطِيهِ الْبَارِي عِوَضًا عَنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي هِيَ بَعْضٌ مِنْ فَضْلِهِ ، فَكُلُّ مُعَاوَضَةٍ تِجَارَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الْعِوَضُ ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ : { بِالْبَاطِلِ } أَخْرَجَ مِنْهَا كُلَّ عِوَضٍ لَا يَجُوزُ شَرْعًا مِنْ رِبًا أَوْ جَهَالَةٍ أَوْ تَقْدِيرِ عِوَضٍ فَاسِدٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَوُجُوهِ الرِّبَا ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مُعَاوِضٍ إنَّمَا يَطْلُبُ الرِّبْحَ إمَّا فِي وَصْفِ الْعِوَضِ أَوْ فِي قَدْرِهِ ؛ وَهُوَ أَمْرٌ يَقْتَضِيهِ الْقَصْدُ مِنْ التَّاجِرِ لَا لَفْظُ التِّجَارَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : مِنْ جُمْلَةِ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ بَيْعُ الْعُرْبَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْكَ السِّلْعَةَ وَيُعْطِيكَ دِرْهَمًا عَلَى أَنَّهُ إنْ اشْتَرَاهَا تَمَّمَ الثَّمَنَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهَا فَالدِّرْهَمُ لَكَ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا شُرِطَ الْعِوَضُ فِي أَكْلِ الْمَالِ وَصَارَتْ تِجَارَةً خَرَجَ عَنْهَا كُلُّ عَقْدٍ لَا عِوَضَ فِيهِ يَرِدُ عَلَى الْمَالِ ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ ، وَجَازَتْ عُقُودُ الْبُيُوعَاتِ بِأَدِلَّةٍ أُخَرَ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : الرِّبْحُ هُوَ مَا يَكْتَسِبُهُ الْمَرْءُ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ مُعَوِّضِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ فِيهِ إذَا كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الْعِوَضِ فِي الْمُعَامَلَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الرِّبْحُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ إلَى عَقْدِ الصَّفْقَةِ فَالزِّيَادَةُ أَبَدًا تَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمُحْتَاجِ ؛ إنْ احْتَاجَ الْبَائِعُ أَعْطَى زَائِدًا عَلَى الثَّمَنِ مِنْ قِيمَةِ سِلْعَتِهِ ، وَإِنْ احْتَاجَ الْمُشْتَرِي أَعْطَى زَائِدًا مِنْ الثَّمَنِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ يَسِيرًا فِي الْغَالِبِ ، فَإِنْ كَانَ الرِّبْحُ مُتَفَاوِتًا فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ؛ فَأَجَازَهُ جَمِيعُهُمْ ، وَرَدَّهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ إذَا كَانَ الْمَغْبُونُ لَا بَصَرَ لَهُ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ ، وَلِذَا جَوَّزَهُ فَرَاعَى أَنَّ الْمَغْبُونَ مُفْرِطٌ ؛ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ وَيُشَاوِرَ مَنْ يَعْلَمُ أَوْ يُوَكِّلَهُ ، وَإِذَا رَدَدْنَاهُ فَلِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ؛ إذْ لَيْسَ تَبَرُّعًا وَلَا مُعَاوَضَةً ؛ فَإِنَّ الْمُعَاوَضَةَ عِنْدَ النَّاسِ لَا تَخْرُجُ إلَى هَذَا التَّفَاوُتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْخِلَابَةِ ، وَالْخِلَابَةُ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا مَعَ ضَعْفِهَا كَالْغِلَابَةِ
وَهُوَ الْغَصْبُ ، مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا مَعَ قُوَّتِهَا ، وَتَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
أَلَا تَرَى أَنَّ تَلَقِّيَ الرَّكْبَانِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخِيَارُ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْحَالِ ، وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ ، فَلْنَجْمَعْ الْكَلَامَ عَلَى الْآيَةِ فِيهَا كُلِّهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا : خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ التَّبَرُّعَاتُ كُلُّهَا ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ التِّجَارَةَ وَبَقِيَ غَيْرُهَا عَلَى مُقْتَضَى النَّهْيِ حَتَّى نَسَخَهَا قَوْلُهُ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا } ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ لَمْ تَقْتَضِ تَحْرِيمَ التَّبَرُّعَاتِ ؛ وَإِنَّمَا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الْمُعَاوَضَةِ الْفَاسِدَةِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } : وَهُوَ حَرْفٌ أُشْكِلَ عَلَى الْعُلَمَاءِ حَتَّى اضْطَرَبَتْ فِيهِ آرَاؤُهُمْ : قَالَ بَعْضُهُمْ : التَّرَاضِي هُوَ التَّخَايُرُ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ : { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ } وَقَالَ آخَرُونَ : إذَا تَوَاجَبَا بِالْقَوْلِ فَقَدْ تَرَاضَيَا ، يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالصَّحَابَةُ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ : إلَّا تِجَارَةً تَعَاقَدْتُمُوهَا وَافْتَرَقْتُمْ بِأَبْدَانِكُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فِيهَا ؛ وَهَذِهِ دَعْوَى إنَّمَا يَدُلُّ مُطْلَقُ الْآيَةِ عَلَى التِّجَارَةِ عَلَى الرِّضَا ، وَذَلِكَ يَنْقَضِي بِالْعَقْدِ ، وَيَنْقَطِعُ بِالتَّوَاجُبِ ، وَبَقَاءِ التَّخَايُرِ فِي الْمَجْلِسِ لَا تَشْهَدُ لَهُ الْآيَةُ لَا نُطْقًا وَلَا تَنْبِيهًا ، وَكُلُّ
آيَةٍ وَرَدَتْ فِي ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُدَايِنَةِ وَالْمُعَامَلَةِ إنَّمَا هِيَ مُطْلَقَةٌ لَا ذِكْرَ لِلْمَجْلِسِ فِيهَا وَلَا لِافْتِرَاقِ الْأَبْدَانِ مِنْهَا ؛ كَقَوْلِهِ : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } ؛ فَإِذَا عَقَدَ وَلَمْ يُبْرِمْ لَمْ يَكُنْ وَفَاءٌ ، وَإِذَا عَقَدَ وَرَجَعَ عَنْ عَقْدِهِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْكَلَامِ وَالسُّكُوتِ فَرْقٌ ، بَلْ السُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ تَعَبٌ وَلَا الْتَزَمَ وَلَا أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ ، فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ ، وَتَقَدَّمَ الْعُذْرُ ، وَإِذَا عَقَدَ وَحَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ كَلَامُهُ تَعَبًا وَلَغْوًا ، وَمَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ بِلِسَانِهِ عَنْ عَقْدِهِ وَرِضَاهُ ، فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الدَّيْنِ : { وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } ، فَإِذَا أَمْلَى وَكَتَبَ وَأَعْطَى الْأُجْرَةَ ثُمَّ عَادَ وَمَحَا مَا كَتَبَ كَانَ تَلَاعُبًا وَفَسْخًا لِعَقْدٍ آخَرَ قَدْ تَقَرَّرَ .
وَكَذَلِكَ قَالَ : { وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } ، وَإِذَا حَلَّهُ فَقَدْ بَخَسَهُ كُلَّهُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } ، وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَشْهَدُونَ ؟ وَلَمْ يَلْزَمْ عَقْدٌ وَلَا انْبَرَمَ أَمْرٌ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى أَجَلِهِ } يَلْزَمُ مِنْهُ مَا لَزِمَ مِنْ قَوْلِهِ : { وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فَيُضِيفُ عَقْدًا إلَى غَيْرِ عَقْدٍ ، وَيَرْتَهِنُ إلَى غَيْرِ وَاجِبٍ وَاعْتِبَارُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَحْدَهُ مُبْطِلٌ لِهَذَا كُلِّهِ ، فَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُرَاعَى ؟ وَأَيُّ الْحَالَيْنِ أَقْوَى أَنْ يُعْتَبَرَ ؟ فَإِنْ قِيلَ : أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ فِي أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَنْقَضِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ .
قُلْنَا : الْغَالِبُ ضِدُّهُ ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الشُّهُودِ حَتَّى يَقُومَ الْمُتَعَاقِدَانِ ؟ هَذَا لَمْ يُعْهَدْ وَلَمْ يُتَّفَقْ .
فَإِنْ تَعَلَّقُوا
بِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْقُرْآنِ إلَى الْأَخْبَارِ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا يَجِبُ ، فَلَا نُدْخِلُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : هَذَا نَصٌّ عَلَى إبْطَالِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ لِفَوَاتِ الرِّضَا فِيهِ ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى إبْطَالِ أَفْعَالِهِ كُلِّهَا حَمْلًا عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ مِلَّتِكُمْ .
الثَّانِي : لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
الثَّالِثُ : لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِفِعْلِ مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَكُلُّهَا صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَقْعَدَ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينِ مِنْ اللَّفْظِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَعْنَى .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِفِعْلِ مَا نُهِيتُمْ عَنْهُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَهُ ، وَلَكِنَّ هَاهُنَا دَقِيقَةٌ مِنْ النَّظَرِ ؛ وَهِيَ أَنَّ هَذَا الَّذِي اخْتَرْنَاهُ يَسْتَوْفِي الْمَعْنَى ، وَلَكِنَّهُ مَجَازٌ فِي لَفْظِ الْقَتْلِ ، وَعَلَى حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى صَرِيحِ الْقَتْلِ يَكُونُ قَوْلُهُ : { أَنْفُسَكُمْ } مَجَازًا أَيْضًا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْمَجَازِ فَمَجَازٌ يَسْتَوْفِي الْمَعْنَى وَيَقُومُ بِالْكُلِّ أَوْلَى ؛ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } ، فَتَدَبَّرُوهُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي وَالْخَاطِئِ وَالْمُكْرَهِ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَتَّصِفُ بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ ، إلَّا فَرْعٌ وَاحِدٌ مِنْهَا وَهُوَ الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ ، فَإِنَّ فِعْلَهُ يَتَّصِفُ إجْمَاعًا بِالْعُدْوَانِ ؛ فَلَا جَرَمَ يُقْتَلُ عِنْدَنَا بِمَنْ قَتَلَهُ ، وَلَا يَنْتَصِبُ الْإِكْرَاهُ عُذْرًا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا } : اُخْتُلِفَ فِي مَرْجِعِهِ ؛ فَقِيلَ إلَى مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا } إلَى هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ وَعِيدُهُ فِيهِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ كَوْنَ وَعِيدِهِ جَاءَ مَعَهُ مَخْصُوصًا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْعُمُومِ أَيْضًا ؛ إذْ لَا تَنَاقُضَ فِيهِ ؛ بَلْ فِيهِ تَأْكِيدٌ [ لَهُ ] .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَاهُنَا دَقِيقَةٌ أَغْفَلَهَا الْعُلَمَاءُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا إذَا نَزَلَتْ لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مَا سَبَقَهَا مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إلَى هُنَا مُنَزَّلًا مَكْتُوبًا ، أَمْ نَزَلَ جَمِيعُهُ بَعْدَ نُزُولِهَا ؟ وَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَقَدَّمَ نُزُولًا وَكِتَابَةً لَا يَقْتَضِي قَوْلُهُ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ دُونَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ الْقُرْآنِ دُونَ جَمِيعِ مَا فِيهِ مِنْ مَمْنُوعٍ مُحَرَّمٍ .
فَالْأَصَحُّ أَنَّ قَوْلَهُ : { ذَلِكَ } يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يَقِينًا ؛ وَغَيْرُهُ مُحْتَمَلٌ مَوْقُوفٌ عَلَى الدَّلِيلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : يُرْوَى { أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَغْزُو الرِّجَالُ وَلَا نَغْزُو ؟ وَيَذْكُرُ الرِّجَالُ وَلَا نَذْكُرُ ؟ وَلَنَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ : { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي حَقِيقَةِ التَّمَنِّي : وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْإِرَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبِلِ ، كَالتَّلَهُّفِ نَوْعٌ مِنْهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ التَّمَنِّي ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعَلُّقَ الْبَالِ بِالْمَاضِي وَنِسْيَانَ الْآجِلِ ، وَلِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ ، وَتَفَطَّنَ الْبُخَارِيُّ لَهُ فَعَقَدَ لَهُ فِي جَامِعِهِ كِتَابًا فَقَالَ : كِتَابُ التَّمَنِّي ، وَأَدْخَلَ فِيهِ أَبْوَابًا وَمَسَائِلَ هُنَاكَ تُرَى مُسْتَوْفَاةً بَالِغَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُرَادُ هَاهُنَا النَّهْيُ عَنْ التَّمَنِّي الَّذِي تَسْتَحْسِنُهُ عِنْدَ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَيْكَ ، وَهُوَ الْحَسَدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
أَمَّا أَنَّهُ يَجُوزُ تَمَنِّي مِثْلِهِ وَهِيَ الْغِبْطَةُ ، فَيُسْتَحَبُّ الْغَبْطُ فِي الْخَيْرِ ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، وَآخَرُ يَعْمَلُ الْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُهَا } .
هَذَا مَعْنَاهُ .
قَالَ : اعْمَلُوا وَلَا تَتَمَنَّوْا ، فَلَيْتَكُمْ قُمْتُمْ بِمَا أُوتِيتُمْ ، وَاسْتَطَعْتُمْ مَا عِنْدَكُمْ .
وَأَحْسَنُ عِبَارَةٍ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ : كُنْ طَالِبَ حُقُوقِ مَوْلَاكَ وَلَا تَتَّبِعْ مُتَعَلِّقَاتِ هَوَاكَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ الْمَالَ وَمَا يَدْرِيهِ لَعَلَّ هَلَاكَهُ فِيهِ .
وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا تَمَنَّاهُ لِلدُّنْيَا ، وَأَمَّا إذَا تَمَنَّاهُ لِلْخَيْرِ فَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّرْعُ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ فَيَتَمَنَّاهُ الْعَبْدُ لِيَصِلَ بِهِ إلَى الرَّبِّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَّا نَصِيبُهُمْ فِي الْأَجْرِ فَسَوَاءٌ ؛ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ .
وَأَمَّا نَصِيبُهُمْ فِي مَالِ الدُّنْيَا فَبِحَسَبِ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَرَكَّبَ الْخَلْقَ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ رَتَّبَ أَنْصِبَاءَهُمْ ، فَلَا تَتَمَنَّوْا مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَأَحْكَمَ بِمَا عَلِمَ وَدَبَّرَ حُكْمَهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمَوْلَى فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَنْطَلِقُ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَعَانٍ ، قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ " الْأَمَدِ " وَغَيْرِهِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْوَلِيِّ وَهُوَ الْقُرْبُ ، وَتَخْتَلِفُ دَرَجَاتُ الْقُرْبِ وَأَسْبَابُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَاهُ مَوْلَى الْعَصَبَةِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } .
وَلَيْسَ بَعْدَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إلَّا الْعَصَبَةُ ، وَيُفَسِّرُهُ وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ بِالْعِتْقِ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِلْوَلَاءِ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .
وَلَيْسَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ نَسِيبًا وَلَا وَارِثًا ؛ وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُ النَّسَبِ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ ، فَكَأَنَّ الْوَلَاءَ أُبُوَّةٌ لِأَنَّهُ أَوْجَدَهُ بِالْعِتْقِ حُكْمًا ، كَمَا أَوْجَدَ الْأَبُ ابْنَهُ بِالِاكْتِسَابِ لِلْوَطْءِ حِسًّا .
قَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ : هُوَ وَارِثٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ إذَا ثَبَتَ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ مِنْ الْأُخْرَى ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ } .
وَاسْتَهَانَ الْعُلَمَاءُ بِهَذَا الْكَلَامِ ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ ، وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ بِالْعِتْقِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ
.
الثَّانِي : أَنَّ الْإِنْعَامَ بِالْعِتْقِ لَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا الْعِتْقُ مِنْ النَّارِ حَسْبَمَا قَابَلَهُ [ بِهِ ] النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ : { أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ } .
وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي مُتَعَلَّقٌ إلَّا الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ لِطَاوُسٍ فِيهِ وَلِمَنْ قَالَهُ بَعْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، فَتَارَةً قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ أَيُّهُمَا مَاتَ وِرْثَهُ الْآخَرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } يَعْنِي تُؤْتُوهُمْ مِنْ الْوَصِيَّةِ جَمِيلًا وَإِحْسَانًا فِي الثُّلُثِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .
وَتَارَةً قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ حَالَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَكَانَ الْأَنْصَارِيُّ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيَّ ، وَالْمُهَاجِرِيُّ يَرِثُ الْأَنْصَارِيَّ ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ فَلَا تَوَاخِيَ بَيْنَ أَحَدٍ الْيَوْمَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ الْأَبْنَاءَ ، فَرَدَّ اللَّهُ الْمِيرَاثَ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْعَصَبَةِ ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ .
وَقَدْ أَحْكَمَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ بَيَانًا بِمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْهَانًا قَالَ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } قَالَ : وَرَثَةٌ ، { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } فَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } نُسِخَتْ .
ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوَصَّى لَهُ ، وَهَذَا غَايَةٌ لَيْسَ لَهَا مَطْلَبٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حُكْمُ الْآيَةِ بَاقٍ مَنْ يَرِثُ بِهِ وَبِالِاشْتِرَاكِ فِي الدُّيُونِ لِاشْتِرَاكِهِمَا عِنْدَهُ فِي الْعَقْدِ ، وَهَذَا بَابٌ قَدْ
اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَاهُنَا مَعْنَى الْآيَةِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهَا مَعْنًى .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ زَوْجِي لَطَمَ وَجْهِي .
قَالَ : بَيْنَكُمَا الْقِصَاصُ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إلَيْكَ وَحْيُهُ } .
قَالَ حَجَّاجُ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ : فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } } .
قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ : سَمِعْت الْحَسَنَ يَقْرَؤُهَا : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَقْضِيَ إلَيْكَ وَحْيَهُ ، بِالنُّونِ وَنَصْبِ الْيَاءِ مِنْ " وَحْيَهُ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { قَوَّامُونَ } : يُقَالُ قَوَّامٌ وَقَيِّمٌ ، وَهُوَ فَعَّالٌ وَفَيْعَلٌ مِنْ قَامَ ، الْمَعْنَى هُوَ أَمِينٌ عَلَيْهَا يَتَوَلَّى أَمْرَهَا ، وَيُصْلِحُهَا فِي حَالِهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَلَيْهَا لَهُ الطَّاعَةُ وَهِيَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الزَّوْجَانِ مُشْتَرَكَانِ فِي الْحُقُوقِ ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } بِفَضْلِ الْقَوَّامِيَّةِ ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ ، وَيُحْسِنَ الْعِشْرَةَ وَيَحْجُبَهَا ، وَيَأْمُرَهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَيُنْهِيَ إلَيْهَا شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ إذَا وَجَبَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهَا الْحِفْظُ لِمَالِهِ ، وَالْإِحْسَانُ إلَى أَهْلِهِ ، وَالِالْتِزَامُ لِأَمْرِهِ فِي الْحَجَبَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَقَبُولِ
قَوْلِهِ فِي الطَّاعَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } : الْمَعْنَى إنِّي جَعَلْت الْقَوَّامِيَّةَ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ لِأَجْلِ تَفْضِيلِي لَهُ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : الْأَوَّلُ : كَمَالُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ .
الثَّانِي : كَمَالُ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ فِي الْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى الْعُمُومِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .
وَهَذَا الَّذِي بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَسْلَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْكُنَّ .
قُلْنَ : وَمَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ ؛ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا .
وَشَهَادَةُ إحْدَاكُنَّ عَلَى النِّصْفِ مِنْ شَهَادَةِ الرَّجُلِ ، فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا } .
وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّقْصِ ، فَقَالَ : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .
الثَّالِثُ : بَذْلُهُ الْمَالَ مِنْ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا هَاهُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ } : يَعْنِي مُطِيعَاتٌ ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْقُنُوتِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } : يَعْنِي غَيْبَةَ زَوْجِهَا ، لَا تَأْتِي فِي مَغِيبِهِ بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ مِنْهَا فِي حُضُورِهِ ؛ وَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ : إنَّ شُرَيْحًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ .
قَالَ : فَلَمَّا تَزَوَّجْتهَا نَدِمْت حَتَّى أَرَدْت أَنْ أُرْسِلَ إلَيْهَا بِطَلَاقِهَا .
فَقُلْت : لَا أَعْجَلُ حَتَّى يُجَاءَ بِهَا .
قَالَ : فَلَمَّا جِيءَ بِهَا تَشَهَّدَتْ ثُمَّ قَالَتْ : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نَدْرِي مَتَى نَظْعَنُ مِنْهُ ، فَانْظُرْ الَّذِي تَكْرَهُ ، هَلْ تَكْرَهُ زِيَارَةَ الْأَخْتَانِ ؟ فَقُلْت : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ ، لَا أَكْرَهُ الْمُرَافَقَةَ ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُ مُلَالِ الْأَخْتَانِ قَالَ : فَمَا شَرَطْتُ شَيْئًا إلَّا وَفَتْ بِهِ قَالَ : فَأَقَامَتْ سَنَةً ثُمَّ جِئْت يَوْمًا وَمَعَهَا فِي الْحَجَلَةِ إنْسٌ ، فَقُلْت : إنَّا لِلَّهِ .
فَقَالَتْ : أَبَا أُمَيَّةَ ، إنَّهَا أُمِّي ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا .
فَقَالَتْ : اُنْظُرْ فَإِنْ رَابَكَ شَيْءٌ مِنْهَا فَأَوْجِعْ رَأْسَهَا .
قَالَ : فَصَحِبَتْنِي ثُمَّ هَلَكَتْ قَبْلِي .
قَالَ : فَوَدِدْت أَنِّي قَاسَمْتهَا عُمْرِي أَوْ مِتُّ أَنَا وَهِيَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
وَقَالَ شُرَيْحٌ : رَأَيْت رِجَالًا يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمْ فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ زَيْنَبَا الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } : يَعْنِي بِحِفْظِ اللَّهِ ، وَهُوَ مَا يَخْلُقُهُ لِلْعَبْدِ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا شَاءَ أَنْ يَحْفَظَ عَبْدَهُ لَمْ يَخْلُقْ لَهُ إلَّا قُدْرَةَ الطَّاعَةِ ، فَإِنْ تَوَالَتْ كَانَتْ لَهُ عِصْمَةٌ وَلَا تَكُونُ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } : قِيلَ فِيهِ : تَظُنُّونَ ، وَقِيلَ تَتَيَقَّنُونَ ؛ وَلِكُلِّ وَجْهٍ مَعْنًى يَأْتِي بَيَانُهُ فِي تَرْكِيبِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { نُشُوزَهُنَّ } : يَعْنِي امْتِنَاعَهُنَّ مِنْكُمْ ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالنُّشُوزِ ، وَهُوَ مِنْ النَّشَزِ : الْمُرْتَفَعُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَإِنَّ كُلَّ مَا امْتَنَعَ عَلَيْكَ فَقَدْ نَشَزَ عَنْكَ حَتَّى مَاءُ الْبِئْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةِ : قَوْله تَعَالَى : { فَعِظُوهُنَّ } : وَهُوَ التَّذْكِيرُ بِاَللَّهِ فِي التَّرْغِيبِ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ ثَوَابٍ ، وَالتَّخْوِيفِ لِمَا لَدَيْهِ مِنْ عِقَابٍ ، إلَى مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِمَّا يُعَرِّفُهَا بِهِ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي إجْمَالِ الْعِشْرَةِ ، وَالْوَفَاءِ بِذِمَامِ الصُّحْبَةِ ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الطَّاعَةِ لِلزَّوْجِ ، وَالِاعْتِرَافِ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ أَمَرْت أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ إلَى أَحَدٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي فِرَاشِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : لَا يُكَلِّمُهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَأَبُو الضُّحَى .
الثَّالِثُ : لَا يَجْمَعُهَا وَإِيَّاهُ فِرَاشٌ وَلَا وَطْءٌ حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الَّذِي يُرِيدُ ؛ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ .
الرَّابِعُ : يُكَلِّمُهَا وَيُجَامِعُهَا ، وَلَكِنْ بِقَوْلٍ فِيهِ غِلَظٌ وَشِدَّةٌ إذَا قَالَ لَهَا تَعَالِي ؛ قَالَهُ سُفْيَانُ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَا ذَكَرَهُ مَنْ تَقَدَّمَ مُعْتَرَضٌ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ، وَاخْتَارَ أَنَّ مَعْنَاهُ يُرْبَطْنَ بِالْهِجَارِ وَهُوَ الْحَبْلُ فِي الْبُيُوتِ ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْمَضَاجِعِ ، إذْ لَيْسَ لِكَلِمَةِ { اُهْجُرُوهُنَّ } إلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةِ مَعَانٍ .
فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْهَجْرِ الَّذِي هُوَ الْهَذَيَانُ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُدَاوَى بِذَلِكَ ، وَلَا مِنْ الْهَجْرِ الَّذِي هُوَ مُسْتَفْحَشٌ مِنْ الْقَوْلِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِهِ ؛ فَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ إلَّا أَنْ تَرْبِطُوهُنَّ بِالْهِجَارِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يَا لَهَا هَفْوَةٌ مِنْ عَالِمٍ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِنِّي لَأَعْجَبَكُمْ مِنْ ذَلِكَ ؛ إنَّ الَّذِي أَجْرَأَهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ ، هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ كَانَتْ تَخْرُجُ حَتَّى عُوتِبَ فِي ذَلِكَ .
قَالَ : وَعَتَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى ضَرَّتِهَا ، فَعَقَدَ شَعْرَ وَاحِدَةٍ بِالْأُخْرَى ، وَضَرَبَهُمَا ضَرْبًا شَدِيدًا ، وَكَانَتْ الضَّرَّةُ أَحْسَنُ اتِّقَاءً ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ لَا تَتَّقِي ؛ فَكَانَ الضَّرْبُ بِهَا أَكْثَرَ وَآثَرَ ؛ فَشَكَتْهُ إلَى أَبِيهَا أَبِي بَكْرٍ ؛ فَقَالَ لَهَا : أَيْ بُنَيَّةَ اصْبِرِي ؛ فَإِنَّ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ صَالِحٌ ،
وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَكِ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا ابْتَكَرَ بِالْمَرْأَةِ تَزَوَّجَهَا فِي الْجَنَّةِ .
فَرَأَى الرَّبْطَ وَالْعَقْدَ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَعَ فِعْلِ الزُّبَيْرَ ، فَأَقْدَمَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لِذَلِكَ .
وَعَجَبًا لَهُ مَعَ تَبَحُّرِهِ فِي الْعُلُومِ وَفِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَيْفَ بَعُدَ عَلَيْهِ صَوَابُ الْقَوْلِ ، وَحَادَ عَنْ سَدَادِ النَّظَرِ ؛ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مِنْ أَخْذِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ الْمُفْضِيَةِ بِسَالِكِهَا إلَى السَّدَادِ ؛ فَنَظَرْنَا فِي مَوَارِدِ " هـ ج ر " فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى هَذَا النِّظَامِ فَوَجَدْنَاهَا سَبْعَةً : ضِدَّ الْوَصْلِ .
مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْلِ .
مُجَانَبَةُ الشَّيْءِ ، وَمِنْهُ الْهَجْرَةُ .
هَذَيَانُ الْمَرِيضِ .
انْتِصَافُ النَّهَارِ .
الشَّابُّ الْحَسَنِ .
الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ فِي حِقْوِ الْبَعِيرِ ثُمَّ يُشَدُّ فِي أَحَدِ رُسْغَيْهِ .
وَنَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَوَارِدِ فَأَلْفَيْنَاهَا تَدُورُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبَعْدُ عَنْ الشَّيْءِ فَالْهَجْرُ قَدْ بَعُدَ عَنْ الْوَصْلِ الَّذِي يَنْبَغِي مِنْ الْأُلْفَةِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ ، وَمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْلِ قَدْ بَعُدَ عَنْ الصَّوَابِ ، وَمُجَانَبَةُ الشَّيْءِ بُعْدٌ مِنْهُ وَأَخْذٌ فِي جَانِبٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَهَذَيَانُ الْمَرِيضِ قَدْ بَعُدَ عَنْ نِظَامِ الْكَلَامِ ، وَانْتِصَافُ النَّهَارِ قَدْ بَعُدَ عَنْ طَرَفَيْهِ الْمَحْمُودَيْنِ فِي اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَإِمْكَانِ التَّصَرُّفِ .
وَالشَّابُّ الْحَسَنُ قَدْ بَعُدَ عَنْ الْعَابِ ، وَالْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْبَعِيرُ قَدْ أَبْعَدَهُ عَنْ اسْتِرْسَالِهِ فِي تَصَرُّفِهِ وَاسْتِرْسَالِ مَا رُبِطَ عَنْ تَقَلْقُلِهِ وَتَحَرُّكِهِ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَكَانَ مَرْجِعُ الْجَمِيعِ إلَى الْبُعْدِ فَمَعْنَى الْآيَةِ : أَبَعِدُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ .
وَلَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَالَمُ ، وَهُوَ لَا يَنْبَغِي لِمِثْلِ السُّدِّيِّ وَالْكَلْبِيِّ فَكَيْفَ أَنْ يَخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ ، فَاَلَّذِي قَالَ : يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ
جَعَلَ الْمَضْجَعَ ظَرْفًا لِلْهَجْرِ ، وَأَخَذَ الْقَوْلَ عَلَى أَظْهَرْ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْأَقَلِّ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْأُصُولِ .
وَاَلَّذِي قَالَ يَهْجُرُهَا فِي الْكَلَامِ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْأَكْثَرِ الْمُوفِي ، فَقَالَ : لَا يُكَلِّمُهَا وَلَا يُضَاجِعُهَا ، وَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ كَمَا يَقُولُ : اُهْجُرْهُ فِي اللَّهِ ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ مَالِكٍ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ : بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَكَانَ يُغَاضِبُ بَعْضَهُنَّ ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا يَفْرِشُ فِي حُجْرَتِهَا وَتَبِيتُ هِيَ فِي بَيْتِهَا فَقُلْت لِمَالِكٍ : وَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّه تَعَالَى : { وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ } وَاَلَّذِي قَالَ : لَا يُكَلِّمُهَا وَإِنْ وَطِئَهَا فَصَرَفَهُ نَظَرُهُ إلَى أَنْ جَعَلَ الْأَقَلَّ فِي الْكَلَامِ ، وَإِذَا وَقَعَ الْجِمَاعُ فَتْرُكِ الْكَلَامِ سَخَافَةٌ ، هَذَا وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ .
وَاَلَّذِي قَالَ : يُكَلِّمُهَا بِكَلَامٍ فِيهِ غِلَظٌ إذَا دَعَاهَا إلَى الْمَضْجَعِ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْقَوْلِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ الْقَوْلِ فِي الرَّأْي ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ رَفَعَ التَّثْرِيبَ عَنْ الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَهُوَ الْعِقَابُ بِالْقَوْلِ ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ مَعَ ذَلِكَ بِالْغِلْظَةِ عَلَى الْحُرَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاضْرِبُوهُنَّ } ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا ، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا ؛ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، وَعَلَيْهِنَّ أَلَّا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، فَإِنْ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاشِزَ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ ، وَأَنَّ الْفَاحِشَةَ هِيَ الْبَذَاءُ لَيْسَ الزِّنَا كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ ، فَفَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّرْبَ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُبَرِّحًا ، أَيْ لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ عَلَى الْبَدَنِ يَعْنِي مِنْ جُرْحٍ أَوْ كَسْرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : مِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْت فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ قَالَ : يَعِظُهَا فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا ، فَإِنْ قَبِلَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا ، فَإِنْ هِيَ قَبِلَتْ وَإِلَّا بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَيَنْظُرَانِ مِمَّنْ الضَّرَرُ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ الْخُلْعُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عَطَاءٌ : لَا يَضْرِبُهَا وَإِنْ أَمَرَهَا وَنَهَاهَا فَلَمْ تُطِعْهُ ، وَلَكِنْ يَغْضَبُ عَلَيْهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِنْ فِقْهِ عَطَاءٍ ، فَإِنَّهُ مِنْ فَهْمِهِ بِالشَّرِيعَةِ وَوُقُوفِهِ عَلَى مَظَانِّ الِاجْتِهَادِ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالضَّرْبِ هَاهُنَا أَمْرُ إبَاحَةٍ ، وَوَقَفَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ : { إنِّي لَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ يَضْرِبُ أَمَتَهُ عِنْدَ غَضَبِهِ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ يَوْمِهِ } .
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ { أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُسْتُؤْذِنَ فِي ضَرْبِ النِّسَاءِ ، فَقَالَ : اضْرِبُوا ، وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ } .
فَأَبَاحَ وَنَدَبَ إلَى التَّرْكِ .
وَإِنَّ فِي الْهَجْرِ لَغَايَةَ الْأَدَبِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَوُونَ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُقْرَعُ بِالْعَصَا وَالْحُرَّ تَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ ؛ وَمِنْ النِّسَاءِ ، بَلْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ لَا يُقِيمُهُ إلَّا الْأَدَبُ ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ ، وَإِنْ تَرَكَ فَهُوَ أَفْضَلُ .
قَالَ بَعْضُهُمْ وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَا أَسْوَأُ أَدَبِ وَلَدِكِ فَقَالَ : مَا أُحِبُّ اسْتِقَامَةَ وَلَدِي فِي فَسَادِ دِينِي .
وَيُقَالُ : مِنْ حُسْنِ خُلُقِ السَّيِّدِ سُوءُ أَدَبِ عَبْدِهِ .
وَإِذَا لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلرَّجُلِ زَوْجَةً صَالِحَةً وَعَبْدًا مُسْتَقِيمًا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهُ مَعَهُمَا إلَّا بِذَهَابِ جُزْءٍ مِنْ دِينِهِ ، وَذَلِكَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ .
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ بَعْدَ الْهَجْرِ وَالْأَدَبِ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } .
وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : وَهِيَ مِنْ الْآيَاتِ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَلَمْ نَجِدْ لَهَا فِي بِلَادِنَا أَثَرًا ؛ بَلْ لَيْتَهُمْ يُرْسِلُونَ إلَى الْأَمِينَةِ ، فَلَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ائْتَمَرُوا ، وَلَا بِالْأَقْيِسَةِ اجْتَزَوْا ، وَقَدْ نَدَبْت إلَى ذَلِكَ فَمَا أَجَابَنِي إلَى بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ عِنْدَ الشِّقَاقِ إلَّا قَاضٍ وَاحِدٌ ، وَلَا إلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إلَّا قَاضٍ آخَرُ ، فَلَمَّا وَلَّانِي اللَّهُ الْأَمْرَ أَجْرَيْت السُّنَّةَ كَمَا يَنْبَغِي ، وَأَرْسَلْت الْحَكَمَيْنِ ، وَقُمْت فِي مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ كَمَا عَلَّمَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْأَدَبِ لِأَهْلِ بَلَدِنَا لِمَا غَمَرَهُمْ مِنْ الْجَهَالَةِ ؛ وَلَكِنْ أَعْجَبُ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِلْحَكَمَيْنِ عِنْدَهُ خَبَرٌ ، وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَتْرُكُ الظَّوَاهِرَ وَالنُّصُوصَ لِلْأَقْيِسَةِ ؛ بَلْ أَعْجَبُ أَيْضًا مِنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ : الَّذِي يُشْبِهُ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّهُ فِيمَا عَمَّ الزَّوْجَيْنِ مَعًا حَتَّى يَشْتَبِهَ فِيهِ حَالَاهُمَا ، وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَذِنَ فِي نُشُوزِ الزَّوْجِ بِأَنْ يُصَالَحَا ، وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، وَبَيَّنَ فِي نُشُوزِ الْمَرْأَةِ بِالضَّرْبِ ، وَأَذِنَ فِي خَوْفِهِمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بِالْخُلْعِ ، وَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بِرِضَاءِ الْمَرْأَةِ ، وَحُظِرَ أَنْ يَأْخُذُ الرَّجُل مِمَّا أَعْطَى شَيْئًا إنْ أَرَادَ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ ، فَلَمَّا أَمَرَ فِيمَنْ خِفْنَا الشِّقَاقَ بَيْنَهُمَا بِالْحَكَمَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ حُكْمِ الْأَزْوَاجِ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَا يَبْعَثُ الْحَكَمَيْنِ إلَّا مَأْمُونَيْنِ بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلِهِمَا
لِلْحَكَمَيْنِ بِأَنْ يَجْمَعَا أَوْ يُفَرِّقَا إذَا رَأَيَا ذَلِكَ .
وَوَجَدْنَا حَدِيثًا بِإِسْنَادٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَكَمَيْنِ وَكِيلَانِ لِلزَّوْجَيْنِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : هَذَا مُنْتَهَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابُهُ يَفْرَحُونَ بِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُشْبِهُ نِصَابَهُ فِي الْعِلْمِ ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْصِفْهُ فِي الْأَكْثَرِ .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِي الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالْإِنْصَافِ وَالتَّحْقِيقِ أَنْ نَقُولَ : أَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي يُشْبِهُ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّهُ فِيمَا عَمَّ الزَّوْجَيْنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ بَلْ هُوَ نَصُّهُ ، وَهِيَ مِنْ أَبْيَنِ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَوْضَحِهَا جَلَاءً ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } .
وَمَنْ خَافَ مِنْ امْرَأَتِهِ نُشُوزًا وَعَظَهَا ؛ فَإِنْ أَنَابَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ ؛ فَإِنْ ارْعَوَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا ، فَإِنْ اسْتَمَرَّتْ فِي غُلَوَائِهَا مَشَى الْحَكَمَانِ إلَيْهِمَا ؛ وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ بَيَانٌ .
وَدَعْهُ لَا يَكُونُ نَصًّا يَكُونُ ظَاهِرًا ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الشَّافِعِيُّ يُشْبِهُ الظَّاهِرَ فَلَا نَدْرِي مَا الَّذِي يُشْبِهُ الظَّاهِرَ ؟ وَكَيْفَ يَقُولُ اللَّهُ : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } ؛ فَنَصَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَيَقُولُ هُوَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا عَمَّهُمَا وَأَذِنَ فِي خَوْفِهِمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بِالْخُلْعِ ، وَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بِرِضَا الْمَرْأَةِ ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ نَصُّهُ .
ثُمَّ قَالَ : فَلَمَّا أَمَرَ بِالْحَكَمَيْنِ عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ حُكْمِ الْأَزْوَاجِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ بِأَنْ يَنْفُذَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا ، فَتَتَحَقَّقُ الْغَيْرِيَّةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يَبْعَثُ الْحَكَمَيْنِ إلَّا مَأْمُونَيْنِ فَصَحِيحٌ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِرِضَا الزَّوْجَيْنِ
بِتَوْكِيلِهِمَا فَخَطَأٌ صُرَاحٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَاطَبَ غَيْرَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خَافَا الشِّقَاقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِإِرْسَالِ الْحَكَمَيْنِ ، وَإِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ غَيْرَهُمَا فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَوْكِيلِهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ لَهُمَا حُكْمٌ إلَّا بِمَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يُخَالِفُ الْآخَرَ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ هَاهُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَإِنْ خِفْتُمْ } : قَالَ السُّدِّيُّ : يُخَاطِبُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا ضَرَبَهَا فَشَاقَّتْهُ ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ لِحَكَمِهَا : قَدْ وَلَّيْتُكَ أَمْرِي وَحَالِي كَذَا ؛ وَيَبْعَثُ الرَّجُلُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَيَقُولُ لَهُ : حَالِي كَذَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الْمُخَاطَبُ السُّلْطَانُ ، وَلَمْ يَنْتَهِ رَفْعُ أَمْرِهِمَا إلَى السُّلْطَانِ ، فَأَرْسَلَ الْحَكَمَيْنِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : قَدْ يَكُونُ السُّلْطَانَ ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَلِيَّيْنِ إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ مَحْجُورَيْنِ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُخَاطَبَ الزَّوْجَانِ فَلَا يَفْهَمُ كِتَابَ اللَّهِ كَمَا قَدَّمْنَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ السُّلْطَانُ فَهُوَ الْحَقُّ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : إنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْوَلِيَّيْنِ فَصَحِيحٌ ، وَيُفِيدُهُ لَفْظُ الْجَمْعِ ، فَيَفْعَلُهُ السُّلْطَانُ تَارَةً ، وَيَفْعَلُهُ الْوَصِيُّ أُخْرَى .
وَإِذَا أَنْفَذَ الْوَصِيَّانِ حَكَمَيْنِ فَهُمَا نَائِبَانِ عَنْهُمَا ، فَمَا أَنْفَذَاهُ نَفَذَ ، كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ الْوَصِيَّانِ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَيُّوبُ عَنْ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ؛ قَالَ : جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَمَعَهُمَا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ ، فَأَمَرَهُمْ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ : أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا ؟ إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا .
فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : رَضِيت بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ لِي وَعَلَيَّ .
وَقَالَ الزَّوْجُ ، أَمَّا الْفُرْقَةُ
فَلَا .
فَقَالَ : لَا تَنْقَلِبْ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ : فَبُنِيَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ إلَى الْحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ بُعِثَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَمْرٌ فِي ذَلِكَ وَلَا نَهْيٌ .
فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا مَضَيَا مِنْ عِنْدِ عَلِيٍّ : رَضِيت بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِي وَعَلَيَّ .
وَقَالَ الزَّوْجُ : لَا أَرْضَى .
فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ تَرْكَهُ الرِّضَا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، أَوْ يُنَفِّذَ مَا فِيهِ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْأَدَبِ ، فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ يَقُلْ لَهَا : أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا ؟ إنَّمَا كَانَ يَقُولُ : أَتَدْرِيَانِ بِمَا وُكِّلْتُمَا ، وَيَسْأَلُ الزَّوْجَيْنِ مَا قَالَا لَهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } : هَذَا نَصٌّ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَنَّهُمَا قَاضِيَانِ لَا وَكِيلَانِ ، وَلِلْوَكِيلِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى ، وَلِلْحُكْمِ اسْمٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَعْنًى ، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَنْبَغِي لِشَاذٍّ فَكَيْفَ لِعَالَمٍ أَنْ يُرَكِّبَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَإِفْسَادٌ لِلْأَحْكَامِ ، وَإِنَّمَا يَسِيرَانِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَيُخْلِصَانِ النِّيَّةَ لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَيَنْظُرَانِ فِيمَا عِنْدَ الزَّوْجَيْنِ بِالتَّثَبُّتِ ، فَإِنْ رَأَيَا لِلْجَمْعِ وَجْهًا جَمَعَا ، وَإِنْ وَجَدَاهُمَا قَدْ أَنَابَا تَرَكَاهُمَا ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَقَالَتْ : اصْبِرْ لِي وَأُنْفِقُ عَلَيْكَ ، وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَتْ : يَا بَنِي هَاشِمٍ ، لَا يُحِبُّكُمْ قَلْبِي أَبَدًا ، أَيْنَ الَّذِينَ أَعْنَاقُهُمْ كَأَبَارِيقِ الْفِضَّةِ ، تَرِدُ أُنُوفُهُمْ قَبْلَ شِفَاهِهِمْ ، أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ أَيْنَ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ فَيَسْكُتُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهُوَ بَرِمٌ .
فَقَالَتْ لَهُ : أَيْنَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ؟ فَقَالَ : عَلَى يَسَارِكِ فِي النَّارِ إذَا دَخَلْتِ ، فَنَشَرَتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا .
فَجَاءَتْ عُثْمَانَ ، فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ ؛ فَأَرْسَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ .
فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قَدْ سَدًّا عَلَيْهِمَا أَبْوَابَهُمَا ، وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا لَمَّا أَتَيَا اشْتَمَّا رَائِحَةً طَيِّبَةً وَهُدُوًّا مِنْ الصَّوْتِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : ارْجِعْ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَا قَدْ اصْطَلَحَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَفَلَا نَمْضِي فَنَنْظُرَ أَمْرَهُمَا ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : فَنَفْعَلُ مَاذَا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَئِنْ دَخَلْت
عَلَيْهِمَا فَرَأَيْت الَّذِي أَخَافُ عَلَيْهِمَا مِنْهُ لَأَحْكُمَنَّ عَلَيْهِمَا ثُمَّ لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا .
فَإِنْ وَجَدَاهُمَا قَدْ اخْتَلَفَا سَعْيًا فِي الْأُلْفَةِ ، وَذَكَّرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِالصُّحْبَةِ ؛ فَإِنْ أَنَابَا وَخَافَا أَنْ يَتَمَادَى ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِمَا ظَهَرَ فِي الْمَاضِي ، فَإِنْ يَكُنْ مَا طَلَعَا عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي يُخَافُ مِنْهُ التَّمَادِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ : هُمَا شَاهِدَانِ يَرْفَعَانِ الْأَمْرَ إلَى السُّلْطَانِ ، وَيَشْهَدَانِ بِمَا ظَهَرَ إلَيْهِمَا .
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .
وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُمَا حَكَمَانِ لَا شَاهِدَانِ .
فَإِذَا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : تَكُونُ الْفُرْقَةُ كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا لِوُقُوعِ الْخَلَلِ فِي مَقْصُودِ النِّكَاحِ مِنْ الْأُلْفَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا ظَهَرَ الظُّلْمُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ فَظُهُورُ الظُّلْمِ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ الظَّالِمِ حَقُّ الْمَظْلُومِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ .
قُلْنَا : هَذَا نَظَرٌ قَاصِرٌ ، يُتَصَوَّرُ فِي عُقُودِ الْأَمْوَالِ ؛ فَأَمَّا عُقُودُ الْأَبْدَانِ فَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالِاتِّفَاقِ وَالتَّآلُفِ وَحُسْنِ التَّعَاشُرِ ؛ فَإِذَا فُقِدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ وَجْهٌ ، وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْفُرْقَةِ .
وَبِأَيِّ وَجْهٍ رَأَيَاهَا مِنْ الْمُتَارَكَةِ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : جَازَ وَنَفَذَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
قَالَ الطَّبَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا بِرِضَاهُ ، وَبِهِ قَالَ كُلَّ مَنْ جَعَلَهُمَا شَاهِدَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا حَكَمَانِ لَا شَاهِدَانِ ، وَأَنَّ فِعْلَهُمَا يَنْفُذُ كَمَا يَنْفُذُ فِعْلُ الْحَاكِمِ فِي الْأَقْضِيَةِ ، وَكَمَا يَنْفُذُ فِعْلُ الْحَكَمَيْنِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَهِيَ أُخْتُهَا .
وَالْحِكْمَةُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فَخَصَّ الشَّرْعَ هَاتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ بِحَكَمَيْنِ ؛ لِيَنْفُذَ حُكْمُهُمَا بِعِلْمِهِمَا ، وَتَرْتَفِعَ بِالتَّعْدِيدِ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا كَانَتْ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ائْتَمَنَاهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمَا فَرَّقَا بَيْنَهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا أَصْدَقَهَا ، وَلَا يَسْتَوْعِبَانِهِ لَهُ ، وَعِنْدَهُ بَعْضُ الظُّلْمِ ، رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : هُمَا الْحَكَمَانِ إذَا أَرَادَا الْإِصْلَاحَ وَفَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِتَوْفِيقِهِ فَقَدْ صَلُحَ أَمْرُهُمَا وَأَمْرُ الزَّوْجَيْنِ ، فَكُلُّ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ ، وَالْأَصْلُ هِيَ النِّيَّةُ ، فَإِذَا صَلُحَتْ صَلُحَتْ الْحَالُ كُلُّهَا ، وَاسْتَقَامَتْ الْأَفْعَالُ وَقُبِلَتْ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : الْأَصْلُ فِي الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْأَهْلِ ؛ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَهْلَ أَعْرَفُ بِأَحْوَالِ الزَّوْجَيْنِ ، وَأَقْرَبُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ الزَّوْجَانِ إلَيْهِمَا ؛ فَأَحْكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَمْرَ بِأَهْلِهِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَهْلٌ ، أَوْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَخْتَارُ حَكَمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا كَيْفَمَا كَانَ عَدَمُ الْحَكَمَيْنِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْحَكَمَيْنِ مَعْلُومٌ ، وَاَلَّذِي فَاتَ بِكَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِهِمَا يَسِيرٌ ، فَيَكُونُ الْأَجْنَبِيُّ الْمُخْتَارُ قَائِمًا مَقَامَهُمَا ، وَرُبَّمَا كَانَ أَوْفَى مِنْهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا حَكَمَا بِالْفِرَاقِ فَإِنَّهُ بَائِنٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا كُلِّيٌّ ، وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ .
أَمَّا الْكُلِّيُّ فَكُلُّ طَلَاقٍ يُنَفِّذُهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ بَائِنٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ هُوَ الشِّقَاقُ ، وَلَوْ شُرِعَتْ فِيهِ الرَّجْعَةُ لَعَادَ الشِّقَاقُ ، كَمَا كَانَ أَوَّلَ دُفْعَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا ؛ فَامْتَنَعَتْ الرَّجْعَةُ لِأَجَلِهِ .
فَإِنْ أَوْقَعَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ؛ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ : يَنْفُذُ .
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً .
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ يَنْفُذُ أَنَّهُمَا حَكَمَا فَيُنَفَّذُ مَا حَكَمَا بِهِ .
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَهُمَا لَا يَكُونُ فَوْقَ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، كَذَلِكَ الْحَكَمَانِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَرَدُّهُ الْمَسْأَلَةَ إلَى مَسْأَلَةِ خِيَارِ الْأُمَّةِ حَزْمٌ ، وَالْأَصْلُ وَاحِدٌ ، وَالْأَدِلَّةُ مُتَدَاخِلَةٌ وَمُتَقَارِبَةٌ فَلْيَطْلُبْ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فَإِنْ حَكَمَ أَحَدُهُمَا بِوَاحِدَةٍ ، وَالْآخَرُ بِثَلَاثٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يَنْفُذُ الْوَاجِبُ ، و هِيَ الْوَاحِدَةُ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا وَيَلْغُو مَا زَادَ .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ .
وَلَوْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا طَلْقَةً وَالْآخَرُ طَلْقَتَيْنِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ .
وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَصَحُّ ، كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ قُضِيَ بِالْأَقَلِّ .
============================================ج6.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا حَكَمَ أَحَدُهُمَا بِمَالٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ مَالِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ مَحْضٌ .
كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِبَيْعٍ وَالْآخَرُ بِهِبَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ اتِّفَاقًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ الشِّقَاقَ لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمَا حَكَمَيْنِ وَلَا يَنْتَظِرُ ارْتِفَاعَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا يَضِيعُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَثْنَاءَ مَا يَنْتَظِرُ رَفْعُهُمَا إلَيْهِ لَا جَبْرَ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : يُجْزِئُ إرْسَالُ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ فِي الزِّنَا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ ، ثُمَّ قَدْ { أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ أُنَيْسًا ، وَقَالَ لَهُ : إنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَوْ أَرْسَلَ الزَّوْجَانِ حَكَمَيْنِ ، وَحَكَمَا نَفَذَ حُكْمُهُمَا ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَنَا جَائِزٌ ، وَيَنْفُذُ فِعْلُ الْحَكَمِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ .
هَذَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلًا ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : حُكْمُهُ مَنْقُوضٌ ؛ لِأَنَّهُمَا تَخَاطَرَا بِمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْغَرَرِ .
وَالصَّحِيحُ نُفُوذُهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَوْكِيلًا فَفِعْلُ الْوَكِيلِ نَافِذٌ ، وَإِنْ كَانَ تَحْكِيمًا فَقَدْ قَدَّمَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، وَلَيْسَ الْغَرَرُ بِمُؤَثِّرٍ فِيهِ ، كَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي التَّوْكِيلِ ، وَبَابُ الْقَضَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَرَرِ كُلِّهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ مَعْرِفَةُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ الْحُكْمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : لَوْ نَوَى تَبَرُّدًا أَوْ تَنَظُّفًا مَعَ نِيَّةِ الْحَدَثِ أَوْ مَجَمًّا لِمَعِدَتِهِ مَعَ التَّقَرُّبِ لِلَّهِ أَوْ قَضَاءِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ ، لِأَنَّهُ مَزَجَ فِي نِيَّتِهِ التَّقَرُّبِ بِنِيَّةٍ دُنْيَاوِيَّةٍ وَلَيْسَ لِلَّهِ إلَّا الدِّينُ الْخَالِصُ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ التَّبَرُّدَ لِلَّهِ ، وَالتَّنْظِيفَ وَإِجْمَامَ الْمَعِدَةِ لِلَّهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أَوْ مُبَاحٌ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَا تُنَاقِضُ الْإِبَاحَةُ الشَّرِيعَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَوْ أَحَسَّ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ بِدَاخِلٍ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَظِرُهُ ، وَلَيْسَ لِأَمْرٍ يَعُودُ إلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ ؛ وَلَكِنْ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِمَنْ عَقَدَ الصَّلَاةَ مَعَهُ ؛ وَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فِي الْمَفْرُوضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَبِرُّهُمَا يَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ؛ فَأَمَّا فِي الْأَقْوَالِ فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحِمِ الْمُطْلَقَةِ ، وَحَقَّ الْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ ؛ إذْ أَنْتَ جُزْءٌ مِنْهُ ، وَهُوَ أَصْلُكَ الَّذِي أَوْجَدَكَ ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِكَ حَالَ ضَعْفِكَ وَعَجْزِكَ عَنْ نَفْسِكَ .
وَقَدْ { عَرَضَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ كُنْت تُرِيدُ النِّسَاءَ الْبِيضَ وَالنُّوقَ الْأُدْمَ فَعَلَيْكَ بِبَنِي مُدْلِجٍ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَعَ مِنِّي سَبْيَ بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمْ الرَّحِمَ } .
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ : أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ فَلَمْ يَقُمْ لَهُمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي لَا أَخْرَجْت مِنْ صُلْبِكَ نَبِيًّا ، فَلَا نَبِيَّ فِيهِمْ مِنْ عَقِبِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ } ؛ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا أَخَذَ الْوَالِدُ الْهِبَةَ مِنْ الْوَلَدِ أَغْضَبَهُ فَعَقَّهُ ، وَمَا أَدَّى إلَى الْمَعْصِيَةِ فَمَعْصِيَةٌ .
قُلْنَا : أَمَّا إذَا عَصَى أُخِذَ بِالشَّرْعِ فَلَا لَعًا لَهُ وَلَا عُذْرَ ، إنَّمَا يَكُونُ الْعُذْرُ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَوْ عَصَى اللَّهَ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَلْ مِنْ بِرِّ الرَّجُلِ بِوَالِدِهِ الْمُشْرِكِ أَلَّا يَقْتُلَهُ ؟ قُلْنَا : مِنْ بِرِّهِ بِنَفْسِهِ أَنْ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ .
{ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ
مُسْتَأْذِنًا فِي قَتْلِ أَبِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ أَذِنْت لِي فِي قَتْلِهِ قَتَلْته } : وَهَكَذَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَلِلرَّحِمِ حَقٌّ ، وَلَكِنْ لَمَا جَاءَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بَطَلَ حَقُّ الرَّحِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، وَالْخَامِسَةُ : الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ : وَقَدْ تَقَدَّمَتَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ } : حُرْمَةُ الْجَارِ عَظِيمَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مَعْقُولَةٌ مَشْرُوعَةٌ مُرُوءَةً وَدِيَانَةً ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ } .
وَقَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ } .
" وَالْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْمُشْرِكُ ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ : الْجَارُ الْمُسْلِمُ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ : الْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ الرَّحِمُ " .
وَهُمَا صِنْفَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ ، وَأَبْعَدُهُ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا .
وَقِيلَ : الْبَعِيدُ مَنْ يَلِيكَ بِحَائِطٍ ، وَالْقَرِيبُ مَنْ يَلِيكَ بِبَابِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ : { إنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَهْدِي ؟ قَالَ : إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا } .
وَحُقُوقُهُ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا الْإِكْرَامُ ، وَكَفُّ الْأَذَى .
وَمِنْ الْعَشَرَةِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ } .
وَقَدْ رَأَى جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَدْبًا لَا فَرْضًا ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ مَكْرُوهًا لَا مُحَرَّمًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ .
وَالْحَائِطُ يَحْتَاجُهُ صَاحِبُهُ ؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ نَقَصَ مَالُهُ ، وَإِنْ أَعَارَهُ تَكَلَّفَ حِفْظَهُ بِالْإِشْهَادِ ، وَأَضَرَّ بِنَفْسِهِ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْتَمِلَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ ، وَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ وِزْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : الصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ : قِيلَ : إنَّهُ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ ، وَاَلَّذِي قَالَ هَذَا جَعَلَ قَوْلَهُ : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } الْجَارُ الَّذِي لَهُ الرَّحِمُ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُكَ مَعَهُ رُفَاقَةُ السَّفَرِ ، فَهُوَ ذِمَامٌ عَظِيمٌ ، فَإِنَّهُ يَلُفُّهُ مَعَهُ الْأُنْسُ وَالْأَمْنُ وَالْمَأْكَلُ وَالْمَضْجَعُ ، وَبَعْضُهَا يَكْفِي لِلْحُرْمَةِ ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْجُوَارِ الشُّفْعَةُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَفْرُوضَاتِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِحْسَانَ ، وَالْمَفْرُوضُ لَهُمْ يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ ، وَلَمْ يَبْقَ شَرْعٌ وَلَا حَقٌّ إلَّا دَخَلَ فِيهِ ؛ فَعَمَّتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، وَتَفَصَّلَتْ مَنَازِلُهُ بِالْأَدِلَّةِ ؛ وَإِنَّمَا قَطَعْنَا شُفْعَةَ الْجِوَارِ بِعِلَّةٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالشَّرِكَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ } .
قُلْنَا : أَرَادَ بِهِ الشَّرِيكَ ، وَهُوَ أَخَصُّ جُوَارٍ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : ابْنُ السَّبِيلِ : قِيلَ : هُوَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِكَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ } .
وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَرَى أَنَّ الضِّيَافَةَ حَقٌّ .
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ } ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَرَامَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِحَقٍّ ، وَبِذَلِكَ يُفَسَّرُ أَنَّ الْإِحْسَانَ هَاهُنَا مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ الْفَقِيرُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّفْقِ بِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، مَلَّكَكُمْ اللَّهُ رِقَابَهُمْ ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ } .
وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : { كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْت صَوْتًا مِنْ خَلْفِي : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ مَرَّتَيْنِ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَيْت السَّوْطَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا } .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْيَهُودِ كَانُوا يَأْتُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَهِّدُونَهُمْ فِي نَفَقَةِ أَمْوَالِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَيُخَوِّفُونَهُمْ الْفَقْرَ ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ : لَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } الْآيَةَ كُلَّهَا .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بَيَانَ الْبُخْلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ بَخِلُوا بِأَمْوَالِهِمْ ، وَأَمَرُوا غَيْرَهُمْ بِالْبُخْلِ .
وَقِيلَ : بَخِلُوا بِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَوَاصَوْا مَعَ أَحْبَارِهِمْ بِكَتْمِهِ ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
وَقِيلَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يَكْتُمُونَ الْغِنَى وَيَتَفَاقَرُونَ لِلنَّاسِ ، لَيْسَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ ، لَيْسَ مَعَنَا وَمَعَهُمْ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } .
وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا } .
قِيلَ هُمْ الْيَهُودُ ، وَقِيلَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَبَيَانُهَا مِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ شَرٌّ مِنْ الَّذِي يَبْخَلُ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، وَنَفَقَةُ الرِّيَاءِ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِي .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } .
فِيهَا ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : خِطَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَاهُنَا الْمُؤْمِنِينَ بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ الْخَمْرِ ، وَتَلِفَتْ عَلَيْهِمْ أَذْهَانُهُمْ ؛ فَخُصُّوا بِهَذَا الْخِطَابِ ؛ إذْ كَانَ الْكُفَّارُ لَا يَفْعَلُونَهَا صُحَاةً وَلَا سُكَارَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ صَلَّى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَرَجُلٍ آخَرَ فَقَرَأَ : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } فَخَلَطَ فِيهَا ، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ الْخَمْرِ ؛ فَنَزَلَتْ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا ، فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنْ الْخَمْرِ ، فَأَخَذَتْ الْخَمْرُ مِنَّا ، وَحَضَرْت الصَّلَاةَ ، فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْت : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ .
قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } الْآيَةَ .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا ، لَكِنَّا لَا نَفْتَقِرُ إلَيْهَا هَاهُنَا ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ الْعَدْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ } : سَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّاشِيَّ وَهُوَ يَنْتَصِرُ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ ؛ قَالَ : يُقَالُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ : لَا تَقْرَبْ كَذَا بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا تَلْبَسْ بِالْفِعْلِ ، وَإِذَا كَانَ بِضَمِّ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَدْنُ مِنْ الْمَوْضِعِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ مَسْمُوعٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الصَّلَاةَ } : وَهِيَ فِي نَفْسِهَا مَعْلُومَةُ اللَّفْظِ مَفْهُومَةُ الْمَعْنَى ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُرَادِ بِهَا هَاهُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ الثَّانِي ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُمْ .
سَمِعْت فَخْرَ الْإِسْلَامِ يَقُولُ فِي الدَّرْسِ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ ، وَحَذَفَ الْمُضَافَ وَإِقَامَتُهُ مَقَامَ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَكْثَرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ رَمْلِ يَبْرِينَ وَهِيَ فِلَسْطِينُ فِي الْأَرْضِ ، وَيَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا نُهِيَ عَنْ دُخُولِ مَوْضِعِهَا كَرَامَةً فَهِيَ بِالْمَنْعِ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ سُكَارَى } : السُّكْرُ : عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ الْعَقْلِ عَنْ التَّصَرُّفِ عَلَى الْقَانُونِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ النِّظَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } أَيْ حُبِسَتْ عَنْ تَصَرُّفِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا ، وَمِنْهُ سُكْرُ الْأَنْهَارِ ؛ وَهُوَ مَحْبِسُ مَائِهَا ، فَكُلُّ مَا حَبَسَ الْعَقْلَ عَنْ التَّصَرُّفِ فَهُوَ سُكْرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْخَمْرِ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ النَّوْمِ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْفَرَحِ وَالْجَزَعِ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا السُّكْرِ سُكْرُ الْخَمْرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إبَّانَ كَانَتْ الْخَمْرُ حَلَالًا ، خَلَا الضَّحَّاكِ فَإِنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ سُكَارَى مِنْ النَّوْمِ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ سُكْرِ الْخَمْرِ نَهْيٌ عَنْ سُكْرِ النَّوْمِ فَقَدْ أَصَابَ ، وَلَا مَعْنَى لَهُ سِوَاهُ ؛ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ { لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ } : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ كُلِّ قَضَاءٍ فِي حَالِ شُغْلِ الْبَالِ بِنَوْمٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ حَقْنٍ أَوْ حَزْقٍ ، فَلَا يَفْهَمُ مَعَهُ كَلَامَ الْخُصُومِ ، كَمَا لَا يَعْلَمُ مَا يَقْرَأُ ، وَلَا يَعْقِلُ فِي الصَّلَاةِ إذَا دَافَعَهُ الْأَخْبَثَانِ ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ : فَبَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ ، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ ، بِأَيِّ سَبَبٍ وُجِدَتْ ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ ، وَقَدْ أَغْنَى هَذَا اللَّفْظُ عَنْ عِلْمِ سَبَبِ الْآيَةِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ وَهُوَ نَائِمٌ ؛ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ } ، فَهَذَا أَيْضًا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، وَالْحَقُّ يَعْضُدُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَكَيْفَ يَصِحُّ تَقْدِيرُ
هَذَا النَّفْيِ ؟ أَتَقُولُونَ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّكْرُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ وَهُوَ نَائِمٌ ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ } ؛ فَهَذَا أَيْضًا الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعَهُ مَعْنًى ، وَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا خِطَابٌ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَهَى عَنْ التَّعَرُّضِ لِلسُّكْرِ إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الصَّلَاةِ قِيلَ لَكُمْ : إنَّ السُّكْرَ إذَا نَافَى ابْتِدَاءَ الْخِطَابِ نَافَى اسْتِدَامَتَهُ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُنْتَشِي الَّذِي لَيْسَ بِسَكْرَانَ نُهِيَ أَنْ يُصَيِّرَ نَفْسَهُ سَكْرَانَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } أَيْ : فِي حَالِ سُكْرِكُمْ ؛ وَلَمَّا كَانَ الِاضْطِرَابُ فِي الْآيَةِ هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ .
هَذَا نَصُّ كَلَامِ بَعْضِ مَنْ يُدَّعَى لَهُ التَّحْقِيقُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَةٌ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَزِمَهُ فِي تَقْدِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ يَلْزَمُهُ فِي تَقْدِيرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ .
وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلصَّاحِي ، يُقَالُ لَهُ : لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ بِحَالٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ تُصَلِّيَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ فَتَخْلِطَ كَمَا فَعَلَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ ، فَلَمْ يَقْنَعْ بِهَا عُمَرُ .
وَالنَّهْيُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْمُحَرَّمَاتِ مَعْقُولٌ ؛ وَهَذَا الْخِطَابُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَاحٍ ، فَإِذَا شَرِبَ وَعَصَى وَسَكِرَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ اللَّوْمُ وَالْعِقَابُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُخَاطَبَ الْمُنْتَشِي وَهُوَ يَعْقِلُ النَّهْيَ ، لَكِنَّ اسْتِمْرَارَ الْأَفْعَالِ وَالْكَلَامِ وَانْتِظَامِهِ رُبَّمَا يَفُوتُهُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : لَا تَفْعَلْ وَأَنْتَ مُنْتَشٍ أَمْرًا لَا تَقْدِرُ عَلَى نِظَامِهِ كُلِّهِ ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ يَأْخُذُ بِهَذَا مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَإِنَّمَا يَنْسِجُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مِنْوَالِ الصَّحَابَةِ ، وَمَا فِي
الْآيَةِ احْتِمَالٌ يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ الْإِسْكَارُ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقَدْ نَرَى الْإِنْسَانَ يُصَلِّي وَلَا يُحْسِنُ صَلَاتَهُ لِشُغْلِ بَالِهِ ، فَلَا يَشْعُرُ بِالْقِرَاءَةِ حَتَّى تَكْمُلَ ، وَلَا بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ حَتَّى لَا يَعْلَمَ مَا كَانَ عَدَدُهُ ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ " .
قُلْنَا : إنَّمَا أُخِذَ عَلَى الْعَبْدِ الِاسْتِشْعَارُ وَإِحْضَارُ النِّيَّةِ فِي حَالِ التَّكْبِيرِ ، فَإِنْ ذَهِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ سُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ ؛ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُ الْعِبَادِ بِهِ ؛ وَلَيْسَ حَالُ عُمَرَ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ فِي عِبَادَةٍ لِعِبَادَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَعْظَمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْهَا ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَحْظَةً مَعَ الْغَلَبَةِ ثُمَّ يَصْحُو إلَى نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ وَالْغَاضِبِ وَمَدَافِعِ الْأَخْبَثَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذِهْنِهِ لِغَلَبَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } : الْجُنُبُ فِي اللُّغَةِ : الْبَعِيدُ ، بَعُدَ بِخُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ عَنْ حَالِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُمْ الْجُنُبُ مَعْرُوفًا ، وَهُوَ الَّذِي غَشِيَ النِّسَاءَ ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفًا .
وَهُوَ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ ، ثُمَّ أَثْبَتَتْ الشَّرِيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَاتِهِ وَتَفْضِيلَهُ ، وَهُوَ إيلَاجٌ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِشَرْطِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ دُونَ إنْزَالٍ ، أَوْ إنْزَالُ الْمَاءِ دُونَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ ، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ } لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ ، فَتَقْدِيرُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ : لَا تَقْرَبُوا الْمَسَاجِدَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، وَلَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا ، إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ مُجْتَازِينَ غَيْرَ لَابِثِينَ ؛ فَجَوَّزُوا الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نَفْسُ الصَّلَاةِ فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ : لَا تُصَلُّوا وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا لَهَا ، أَوْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ ، فَتَيَمَّمُوا وَتُصَلُّوا وَأَنْتُمْ جُنُبٌ حَتَّى تَغْتَسِلُوا إذَا وَجَدْتُمْ الْمَاءَ .
وَرَجَّحَ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَذْهَبَهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ مُجْتَازًا .
وَرَجَّحَ الْآخَرُونَ بِمَا رَوَى أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ : لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } .
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
و الْمَسْأَلَةُ تَفْتَقِرُ إلَى تَفْصِيلٍ وَتَنْقِيحٍ ، وَقَدْ أَحْكَمْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا نُشِيرُ إلَيْهِ هَاهُنَا فَنَقُولُ : لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمَلَةٌ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ ؛ فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَعْلَمَ الْمُرَادَ مِنْهَا رَجَّحْنَا احْتِمَالَاتِهَا حَتَّى نَرَى الْفَضْلَ لِمَنْ هُوَ فِيهَا ؛ فَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ الْعُبُورَ لَا يُمْكِنُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ ؛ وَأَحْسَنُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ ، وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ
ذَلِكَ إلَى حَذْفٍ كَثِيرٍ وَتَأْوِيلٍ طَوِيلٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } .
قَالُوا : وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا تَأَوَّلْتُمْ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنَّ أَوَّلَ مَا يُحْفَظُ سَبَبُ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ ، وَتُحْفَظُ فَاتِحَتُهَا فَتُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، حَتَّى نَرَى مَا يَرُدُّنَا عَنْهَا وَيَحْفَظُ لُغَتَهَا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : لَا تَقْرَبُوهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْمَكَانِ ، فَكَيْفَ يُضْمَرُ الْمَكَانُ وَيُوصَلُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ؟ هَذَا مُحَالٌ .
وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ : لَا تُصَلُّوا سُكَارَى وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ الْعُبُورُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ ؟ قُلْنَا : بِأَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا ، فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ بِالتَّيَمُّمِ جُنُبًا ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا يُسَمَّى الْمُسَافِرُ عَابِرِي سَبِيلٍ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ، بَلْ يُقَالُ لَهُ عَابِرُ سَبِيلٍ حَقِيقَةً وَاسْمًا ، وَالدُّنْيَا كُلُّهَا سَبِيلٌ تُعْبَرُ .
وَفِي الْآثَارِ : " الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا " .
وَقَدْ اتَّفَقُوا مَعَنَا عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ مَا قُلْتُمْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِضْمَارِ الْكَثِيرِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ فِي تَفْهِيمِ مَنْ لَا يَفْهَمُ مَثَلُكَ ، وَأَمَّا مَعَ مَنْ يَفْهَمُ فَالْحَالُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا كَمَا أَعْرَبَتْ الصَّحَابَةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .
فَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إلَّا جَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ
؛ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ يُفْهَمُ إلَّا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ قَبْلَهُ ؛ وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جِدًّا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : ثَبَتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُصِيبُهُمْ الْجَنَابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ ، وَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ } ، وَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِهَذَا جَاهِلٌ فَظَنَّ أَنَّ اللُّبْثَ لِلْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزٌ .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ وَأُكْرِمَ عَنْ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ كَيْفَ يَدْخُلُهُ مَنْ لَا يَرْضَى لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ ، و لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهَا ؟ فَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ .
قُلْنَا : ذَلِكَ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ ` فَيَشُقُّ الْوُضُوءُ لَهُ ، وَالشَّرِيعَةُ لَا حَرَجَ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْتَسِلَ ، لِأَنَّهَا تَقَعُ نَادِرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى حَدَثِ الْوُضُوءِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا قِيَاسٌ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ؛ هُوَ قِيَاسٌ ؛ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ مَعَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يَرَوْنَهُ دَلِيلًا ؛ فَإِنْ وَجَدْنَا مُبْتَدِعًا يُنْكِرُهُ أَخَذْنَا مَعَهُ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ كَمَا قَدْ رَأَيْتُمُونَا مِرَارًا نَفْعَلُهُ فَنَخْصِمُهُمْ وَنَبْهَتُهُمْ ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } : وَهُوَ لَفْظٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعَرَبِ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ بِالْيَدِ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ مَا كَانَ مَنَعَ مِنْهُ ؛ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً .
وَظَنَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْغُسْلَ عِبَارَةٌ عَنْ صَبِّ الْمَاءِ خَاصَّةً لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَرَّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ وَالْغَمْسِ فِيهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَأَتْبَعَهُ بِمَاءٍ وَلَمْ يَغْسِلْهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } اقْتَضَى هَذَا عُمُومَ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ بِاتِّفَاقٍ ؛ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالدَّلْكِ ، وَأَعْجَبُ لِأَبِي الْفَرَجِ الَّذِي رَأَى وَحَكَى عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ دُونَ ذَلِكَ يُجْزِي ؛ وَمَا قَالَ مَالِكٌ قَطُّ نَصًّا وَلَا تَخْرِيجًا ، و إنَّمَا هِيَ مِنْ أَوْهَامِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ غَرِيبًا لَمْ يَخْرُجْ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ كَانَ احْتِيَاطًا لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ ، وَلَوْ صَبَبْت عَلَى نَفْسِكَ الْمَاءَ كَثِيرًا مَا عَمَّ حَتَّى تَمْشِيَ يَدُكَ ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ بِمَا فِيهِ مِنْ دُهْنِيَّةٍ يَدْفَعُ الْمَاءَ عَنْ نَفْسِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا عَمَّ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِالْمَاءِ أَجْزَأَهُ إجْمَاعًا ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ فِي دَوَاوِينَ صِحَاحٍ عَلَى السُّنَّةُ عُدُولٍ قَالُوا : رَوَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ فِيهِ أَصَابِعَهُ وَفِي أُصُولِ الشَّعْرِ ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ حَفَنَ عَلَى
رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ } .
وَفِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ { ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ } .
قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ أُدْخِلْ فِي كِتَابِي إلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } وَفَهِمَ الْكُلُّ مِنْهُ عُمُومَ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ وَالْغُسْلِ بَالَغَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمٌ ظَاهِرُ الْوَجْهِ بِدَلِيلِ غَسْلِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ ، كَمَا يُغْسَلُ الْخَدُّ وَالْجَبِينُ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِيهَا .
وَاللُّبَابُ مِنْهَا أَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ بَاطِنَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ؛ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَإِنَّكَ تُشَاهِدُ بُطُونَهُمَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ؛ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّائِمَ إذَا بَلَعَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الرِّيقِ فِي فَمِهِ فَلَا يُفْطِرُ ، وَلَوْ ابْتَلَعَهُ مِنْ يَدِهِ لَأَفْطَرَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، وَالْمَسْأَلَةُ هُنَاكَ مُسْتَوْفَاةٌ ، فَمَنْ أَرَادَهَا وَجَدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إنَّ اسْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَغْتَسِلَ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ مُدَّةٍ إلَى غَايَةٍ هِيَ الِاغْتِسَالُ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِالْغَايَةِ يَمْتَدُّ إلَى غَايَتِهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } : يَقْتَضِي النِّيَّةَ ، خِلَافًا لِمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَلِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ؛ وَلَفْظُ " اغْتَسَلَ " يَقْتَضِي اكْتِسَابَ الْفِعْلِ ، وَلَا يَكُونُ مُكْتَسَبًا لَهُ إلَّا بِالْقَصْدِ إلَيْهِ حَقِيقَةً ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْمَجَازِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ بِالْإِنْصَافِ وَالتَّلْخِيصِ ؛ أَعْظَمُهَا أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ اُشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ } .
وَلَا يَكُونُ شَطْرُ الشَّيْءِ إلَّا مِنْ جِنْسِهِ .
قَالَ : وَالْوُضُوءُ نُورٌ عَلَى نُورٍ ، وَلَا تَسْتَنِيرُ الْجَوَارِحُ بِالْمُبَاحَاتِ ، وَإِنَّمَا تَسْتَنِيرُ بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ .
وَقَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ } الْحَدِيثَ ، وَلَا يَنْفِي الْأَوْزَارَ إلَّا الْعِبَادَاتُ ، وَالْقُرْآنُ يَقْتَضِي وُجُوبَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ عَلَى مَا سَتَرَوْنَهُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } : الْمَرَضُ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ الْبَدَنِ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَالِاعْتِيَادِ إلَى الِاعْوِجَاجِ وَالشُّذُوذِ ؛ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : يَسِيرٌ وَكَثِيرٌ ، وَقَدْ يَخَافُ الْمَرِيضُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، وَقَدْ يَعْدَمُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ وَهُوَ يَعْجِزُ عَنْ تَنَاوُلِهِ ، وَمُطْلَقُ اللَّفْظِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَرِيضٍ إذَا خَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَتَأَذِّيهِ بِالْمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ إذَا خَافَ التَّلَفَ ؛ وَنَظَرَ إلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَرَضِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ الْمُتَيَقَّنِ لِلْخَوْفِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ .
قُلْنَا : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ؛ فَلَيْسَ لَكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَصْلٌ تَرُدُّ إلَيْهِ كَلَامَكَ ؛ بَلْ قَدْ نَاقَضْت ؛ فَإِنَّكَ قُلْت : إذَا خَافَ التَّلَفَ مِنْ الْبَرْدِ يَتَيَمَّمُ ، فَكَمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ خَوْفُ التَّلَفِ كَذَلِكَ يُبِيحُهُ لَهُ خَوْفُ الْمَرَضِ ؛ فَإِنَّ الْمَرَضَ مَحْذُورٌ ، كَمَا أَنَّ التَّلَفَ مَحْذُورٌ ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ : إذَا خَافَ الْمَرِيضُ مِنْ الْبَرْدِ يَتَيَمَّمُ فَكَيْفَ بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ .
، وَقَدْ رَوَى { جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ ؟ فَقَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ؛ فَاغْتَسَلَ ، فَمَاتَ ؛ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : قَتَلُوهُ ، قَتَلَهُمْ اللَّهُ .
أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ؛ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ } .
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
وَعَجَبًا لِلشَّافِعِيِّ يَقُولُ : لَوْ زَادَ الْمَاءُ عَلَى
قِيمَتِهِ حَبَّةً لَمْ يَلْزَمْ شِرَاؤُهُ صِيَانَةً لِلْمَالِ ؛ وَيَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ ، وَهُوَ يَخَافُ عَلَى بَدَنِهِ الْمَرَضَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ كَلَامٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } : رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ ، ثُمَّ اُبْتُلُوا بِالْجَنَابَةِ فَشَكَوْا ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
{ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كُنْت فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنْت بِذَاتِ الْجَيْشِ ضَلَّ عِقْدٌ لِي } الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ .
قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَهِيَ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْت لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ عِنْدَ أَحَدٍ ، هُمَا آيَتَانِ فِيهِمَا ذِكْرُ التَّيَمُّمِ : إحْدَاهُمَا فِي النِّسَاءِ ، وَالْأُخْرَى فِي الْمَائِدَةِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَيَّةَ آيَةٍ عَنَتْ عَائِشَةُ .
وَآيَةُ التَّيَمُّمِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ النَّازِلَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْعَقْدِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ ، سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : سَنَةَ خَمْسٍ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ .
وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَلَا مَفْعُولًا لَهُمْ .
فَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَتْ حَالُ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ، وَحَانَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ .
فَإِحْدَى الْآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةٌ وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ عَلَيْهَا ، وَإِحْدَاهُمَا سَفَرِيَّةٌ وَالْأُخْرَى حَضَرِيَّةٌ ، وَلَمَّا كَانَ أَمْرًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ خَبَّأَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ بَيَانُهُ عَلَى يَدَيْ أَحَدٍ ، وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ الْبُخَارِيِّ بَوَّبَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التَّيَمُّمَ ، وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فَقَالَ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .
وَبَوَّبَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ : بَابُ " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً " وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ تَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قِصَّةَ عَائِشَةَ ، وَأَرَادَ فَائِدَةً أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ أَنَّ قَوْلَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } إلَى هَذَا الْحَدِّ نَزَلَ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ ، وَأَنَّ مَا وَرَاءَهَا قِصَّةٌ أُخْرَى وَحُكْمٌ آخَرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فِي وَقْتٍ آخَرَ قُرِنَتْ بِهَا .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ يُذْكَرُ التَّيَمُّمُ فِيهَا فِي الْمَائِدَةِ ، وَهِيَ النَّازِلَةُ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مَفْعُولًا غَيْرَ مَتْلُوٍّ ، فَكَمُلَ ذِكْرُهُ وَعَقَّبَ بِذِكْرِ بَدَلِهِ وَاسْتُوْفِيَتْ النَّوَاقِضُ فِيهِ ، ثُمَّ أُعِيدَتْ مِنْ قَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } إلَى آخِرِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُرَكَّبَةً عَلَى قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } حَتَّى تَكْمُلَ تِلْكَ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ جَاءَ بِأَعْيَانِ مَسَائِلِهَا كَمَالُ هَذِهِ ، وَيَتَكَرَّرُ الْبَيَانُ ، وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آيَةَ عَائِشَةَ هِيَ آيَةُ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ بِالْمَدِينَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } يَعْنِي مِنْ النَّوْمِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } هَاهُنَا خِلَافُ قَوْلِهِ : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فِي الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ هُنَاكَ شَرْطٌ فِي الْإِفْطَارِ ، فَاعْتَبَرْنَاهُ وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، وَحَدَّدْنَاهُ ، فَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّ التَّيَمُّمَ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى السَّفَرِ ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ ؛ فَأَمَّا عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ فَنَادِرٌ ؛ فَإِنْ وَقَعَ فَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : يُعِيدُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ اتِّهَامٌ لَهُ بِالتَّقْصِيرِ كَمَا اسْتَقْصَرَ فِيمَا إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ ، وَالنَّاسُ لَا خِطَابَ عَلَيْهِمْ إجْمَاعًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ إلَّا مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ ، يُقَالُ لَهُ ، أَوْ طَلِيقٌ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَرَضِ وَالْحَبْسِ عِنْدَهُ هُوَ عَدَمُ الْمَقْدِرَةِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ شَرِيفًا بَدِيعًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ حَتَّى تَيَمَّمَ فِي الْحَائِطِ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } : وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ ، كَانُوا إذَا أَرَادُوا قَضَاءَ الْحَاجَةِ أَتَوْهُ رَغْبَةً فِي التَّسَتُّرِ ، فَكُنِيَ بِهِ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ، وَشُرِطَ الْوُضُوءُ بِهِ شَرْعًا وَكَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ حَدَثًا مُعْتَادًا ، ضُرِبَ لَهُمْ بِهِ الْمِثْلُ ، وَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : وَإِلَّا إذَا كُنْتُمْ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثِينَ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ بَيَانُ صِفَةِ غُسْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْخَارِجَ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ وَصَارَ دَاءً ، و الدَّلِيلُ عَلَيْهِ سُقُوطُ اعْتِبَارِ دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَجْلِ أَنَّهُ دَمُ عِلَّةٍ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ بِتَفْصِيلِهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } : فِيهَا خِلَافٌ كَثِيرٌ ، وَأَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَمُتَعَلِّقَاتٌ مُخْتَلِفَاتٌ ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الطَّوِيلَةِ ؛ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا مَا فِيهِ بِطُرُقِهِ الْبَدِيعَةِ ، وَخُذُوا الْآنَ مَعْنًى قُرْآنِيًّا بَدِيعًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : حَقِيقَةُ اللَّمْسِ إلْصَاقُ الْجَارِحَةِ بِالشَّيْءِ ، وَهُوَ عُرِفَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهَا آلَتُهُ الْغَالِبَةُ ؛ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ .
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : اللَّمْسُ هُنَا الْجِمَاعُ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : هُوَ اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا ؛ فَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ : لَمَسْتُمْ : وَطِئْتُمْ ، وَلَامَسْتُمْ : قَبَّلْتُمْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ ، وَاَلَّذِي يَكُونُ بِقَصْدٍ وَفِعْلٍ مِنْ الْمَرْأَةِ هُوَ التَّقْبِيلُ ، فَأَمَّا الْوَطْءُ فَلَا عَمَلَ لَهَا فِيهِ .
قَالَ أَبُو عَمْرٍو : الْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ ، وَاللَّمْسُ لِسَائِرِ الْجَسَدِ ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِقْرَاءٌ لَا نَقْلَ فِيهِ عَنْ الْعَرَبِ .
وَحَقِيقَةُ النَّقْلِ أَنَّهُ كُلَّهُ سَوَاءٌ ؛ ( وَإِنْ لَمَسْتُمْ ) مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ، كَقَوْلِهِ : لَامَسْتُمْ ، وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِفِعْلِ الرَّجُلِ شَيْءٌ مِنْ الْمَرْأَةِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعِفُّ : كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ، فَمَا بَالُ أَبِي حَنِيفَةَ خَالَفَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَجَعَلْنَا لِكُلِّ قِرَاءَةٍ حُكْمَهَا ، وَجَعَلْنَاهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَتَيْنِ ، وَلَمْ يَتَنَاقَضْ ذَلِكَ وَلَا تَعَارَضَ ؛ وَهَذَا تَمْهِيدُ الْمَسْأَلَةِ .
وَيُكْمِلُهُ وَيُؤَكِّدُهُ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَلَا جُنُبًا } أَفَادَ الْجِمَاعَ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } أَفَادَ الْحَدَثَ
، وَأَنَّ قَوْلَهُ : { أَوْ لَامَسْتُمْ } أَفَادَ اللَّمْسَ وَالْقُبَلَ ؛ فَصَارَتْ ثَلَاثَ جُمَلٍ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ الْجِمَاعَ لَكَانَ تَكْرَارًا ، وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ قِيلَ : ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَنَابَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهَا ، فَلَمَّا ذَكَرَ سَبَبَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ ذَكَرَ سَبَبَ الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ الْمُلَامَسَةُ لِلْجِمَاعِ ؛ لِيُفِيدَ أَيْضًا بَيَانَ حُكْمِ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، كَمَا أَفَادَ بَيَانَ حُكْمِهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ .
قُلْنَا : لَا يَمْنَعُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَيْنِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : رَاعَى مَالِكٌ فِي اللَّمْسِ الْقَصْدَ ، وَجَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ بِصُورَتِهِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ ؛ وَاَلَّذِي يَدَّعِي انْضِمَامَ الْقَصْدِ إلَى اللَّمْسِ فِي اعْتِبَارِ الْحُكْمِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ اللَّمْسَ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَذْي مَنْزِلَةَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ .
فَأَمَّا اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ فَلَا مَعْنَى لَهُ ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { النِّسَاءَ } : وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ كَالْجَنَابَةِ ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّهُ لَوْ لَمَسَ صَغِيرَةً يُنْتَقَضُ طُهْرُهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ لَمْسَ الصَّغِيرَةِ كَلَمْسِ الْحَائِضِ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ اللَّذَّةَ ، وَإِنْ أَخْرَجَ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ عَنْهَا فَقَدْ اُنْتُقِضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ .
وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا اللَّذَّةَ ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ حُكْمُهَا ، وَهُوَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : يَدْخُلُ فِي حُكْمِ اللَّمْسِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءِ كَمَا دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا } سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِالِاسْمِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْنَى ؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ اغْتَسِلُوا وَاطَّهَّرُوا اقْتَضَى ذَلِكَ الْمَاءَ اقْتِضَاءً قَطْعِيًّا ، إذْ هُوَ الْغَاسُولُ وَالطَّهُورُ ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ، فَصَرَّحَ بِالْمُقْتَضِي ، وَكَانَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ التَّصْرِيحُ وَالِاقْتِضَاءُ ؛ وَهَذَا فِي اللُّغَةِ كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : فَائِدَةُ الْوُجُودِ الِاسْتِعْمَالُ وَالِانْتِقَاعُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } ، فَلَمْ تَقْدِرُوا ؛ لِيَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْوُجُوهَ الْمُتَقَدِّمَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا ، وَهِيَ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ ؛ فَإِنَّ الْمَرِيضَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ صُورَةً ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِضَرُورَةٍ صَارَ مَعْدُومًا حُكْمًا ؛ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ نَشْرَ الْكَلَامِ ( فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ) .
وَهَذَا يَعُمُّ الْمَرَضَ وَالصِّحَّةَ إذَا إذَا خَافَ مِنْ أَخْذِ الْمَاءِ لِصًّا أَوْ سَبُعًا ، وَيَجْمَعُ الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ ؛ وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الصَّرِيحُ ، وَالْفِقْهُ الصَّحِيحُ ، وَالْأَصْوَبُ بِالتَّصْحِيحِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ بِزَائِدٍ عَلَى قِيمَتِهِ جَعَلَهُ مَعْدُومًا حُكْمًا ، وَقِيلَ لَهُ تَيَمَّمْ .
وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوُجُودُ الْحُكْمِيُّ ، لَيْسَ الْوُجُودَ الْحِسِّيَّ .
وَعَلَى هَذَا قُلْنَا : إنَّ مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، إنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ : يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لِعَيْنِهِ لَا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ ، كَمَا لَوْ رَأَى الْمَاءَ وَعَلَيْهِ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ ، أَوْ رَآهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِوُجُودِ مَقْرُونٍ بِالْقُدْرَةِ ؛ وَإِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ إلَّا بَعْدَ إبْطَالِهَا ، وَلَا تَبْطُلُ إلَّا بَعْدَ اقْتِرَانِ الْقُدْرَةِ بِالْمَاءِ ، فَلَا بُطْلَانَ لَهَا ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ دَوْرِيَّةٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي " كِتَابِ التَّلْخِيصِ " فَلْتُنْظَرْ فِيهِ ؛ وَعَلَى هَذَا تَنْبَنِي مَسْأَلَةٌ ؛ هِيَ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ ، فَإِنَّ النَّاسِيَ لَا يُعَدُّ وَاجِدًا وَلَا يُخَاطَبُ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ ؛ فَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ : إنَّهُ يُجْزِئُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مَاءً } : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ ، وَهُوَ يَعُمُّ لُغَةً ؛ فَيَكُونُ مُفِيدًا جَوَازَ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ ؛ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ ، الْآنَ يَسْتَدِلُّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِاللُّغَاتِ ، وَيَقُولُونَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ يَنْبِذُونَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ بِالْعَرَاءِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّفْيَ فِي النَّكِرَةِ يَعُمُّ كَمَا قُلْتُمْ ، وَلَكِنْ فِي الْجِنْسِ ؛ فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ سَمَاءٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ بَحْرٍ عَذْبٍ أَوْ مِلْحٍ ؛ فَأَمَّا غَيْرُ الْجِنْسِ فَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَاءُ الْبَاقِلَاءِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْعِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالزَّعْفَرَانِ فِي " كِتَابِ التَّلْخِيصِ " .
وَمِنْ هَاهُنَا وَهَمَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ إذَا وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كُلِّهَا أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا كَفَاهُ وَيَتَيَمَّمُ لِبَاقِيهِ ؛ فَخَالَفَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
أَمَّا مُقْتَضَى اللُّغَةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَأَرَادَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ ، ثُمَّ قَالَ { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي يَقُومُ لَهُ بِحَقِّ مَا تَقَدَّمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَالتَّكْلِيفُ لَهُ ؛ فَإِنْ آخِرَ الْكَلَامِ مُرْتَبِطٌ بِأَوَّلِهِ .
وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلْأُصُولِ فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعٌ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، و هِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ ابْنُ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ النَّارِ أَوْ لِأَنَّهُ طِينُ جَهَنَّمَ ، وَكَأَنَّهُمْ يُشِيرُونَ إلَى أَنَّهُ مَاءُ عَذَابٍ فَلَا يَكُونُ مَاءَ قُرْبَةٍ .
وَقَدْ { مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلُوا بِهِ بِدِيَارِ ثَمُودَ أَلَّا يُشْرَبَ وَلَا يُتَوَضَّأَ مِنْ آبَارِهِمْ إلَّا مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ ، وَأَوْقَفَهُمْ عَلَيْهِ } ؛ وَهِيَ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ هُوَ طَهُورُ الْمَلَائِكَةِ ، إذَا نَزَلُوا تَوَضَّئُوا ، وَإِذَا صَعِدُوا تَوَضَّئُوا ، فَيُقَابَلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَبْقَى لَنَا مُطْلَقُ الْآيَةِ ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا } : مَعْنَاهُ فَاقْصِدُوا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَهَا فَائْتَمُّوا ، وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَأَمْلَحُ ؛ فَإِنَّ " اقْصِدُوا " أَمْلَحُ مِنْ اتَّخِذُوهُ إمَامًا ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ لَفْظًا وَمَعْنًى .
قُلْنَا : لَيْسَ الْقَصْدُ إلَيْهِ لِلِاسْتِعْمَالِ بَدَلَ الْمَاءِ هُوَ النِّيَّةُ ، إنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلُوهُ بَدَلًا ، فَأَمَّا قَصْدُ التَّقَرُّبِ فَهُوَ غَيْرُهُ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَتَيَمَّمُوا } إنْ كَانَ يَقْتَضِي بِلَفْظِهِ النِّيَّةَ فَقَوْلُهُ : تَطَهَّرُوا وَاغْتَسِلُوا يَقْتَضِي بِلَفْظِهِ النِّيَّةَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى قَصْدٍ إذَا وُجِدَتْ النَّظَافَةُ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ .
قُلْنَا : وَكَذَلِكَ التُّرَابُ مُلَوَّثٌ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى قَصْدٍ إذَا وُجِدَ التَّلَوُّثُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { صَعِيدًا } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : وَجْهُ الْأَرْضِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّانِي : الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّالِثُ : الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ .
الرَّابِعُ : التُّرَابُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَاَلَّذِي يُعَضِّدُهُ الِاشْتِقَاقُ وَهُوَ صَرِيحُ اللُّغَةِ أَنَّهُ وَجْهُ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ رَمْلٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ تُرَابٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْلُهُ : { طَيِّبًا } : قِيلَ : إنَّهُ مُنْبِتٌ ، وَعُزِيَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَعَضَّدَهُ بِالْمَعْنَى فَقَالَ : إنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِحْيَاءِ إلَى التُّرَابِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِنْبَاتِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ النَّظِيفُ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الْحَلَالُ .
وَقِيلَ : هُوَ الطَّاهِرُ ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا الطَّاهِرُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إذَا تَيَمَّمَ عَلَى بُقْعَةٍ نَجِسَةٍ جَاهِلًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ أَعَادَ أَبَدًا .
قُلْنَا : هُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الَّذِي نَنْصُرُهُ الْآنَ ، وَكَلَامُ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ نَقَلَ مِنْ أَصْلِ الْإِحْيَاءِ إلَى أَصْلِ الْإِنْبَاتِ فَهُوَ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ؛ عَلَى أَنَّا نَقُولُ : نَقَلَنَا مِنْ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ ، وَمِنْهَا خَلَقَنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَامْسَحُوا } : وَالْمَسْحُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ جَرِّ الْيَدِ عَلَى الْمَمْسُوحِ خَاصَّةً ، فَإِنْ كَانَ بِآلَةٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الْآلَةِ إلَى الْيَدِ وَجَرِّهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : وَالْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : شَرْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ : وَالسَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى الْوَجْهِ : وَالسَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : سُقُوطُ قَوْلِهِ { مِنْهُ } هَاهُنَا وَثُبُوتُهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : دُخُولُ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَانْتِظَامِهَا بِهِمَا .
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إسْقَاطُهُ لِحُقُوقِهِ أَوْ بَذْلُهُ لِفَضْلِهِ ، وَمَغْفِرَتُهُ سَتْرُهُ عَلَى عِبَادِهِ ؛ فَوَجْهُ الْإِسْقَاطِ هَاهُنَا تَخْفِيفُ التَّكْلِيفِ ، وَلَوْ رُدَّ بِأَكْثَرَ لَلَزِمَ ، وَوَجْهُ بَدَلِهِ إعْطَاؤُهُ الْأَجْرَ الْكَثِيرَ عَلَى الْفِعْلِ الْيَسِيرِ ، وَرَفْعُهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ وَضَعَهُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا ، وَمَغْفِرَتُهُ سَتْرُهُ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ فِي الطَّاعَاتِ ؛ وَذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي آيَاتِ الذِّكْرِ ، وَمِنْهُ نُبْذَةٌ فِي " شَرْحِ الْمُشْكَلَيْنِ " فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمَانَاتِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ كُلُّ مَا أَخَذْتَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَا أَخَذْتَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ لِمَنْفَعَتِهِ .
الصَّحِيحُ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَمَانَةٌ ؛ وَمَعْنَى الْأَمَانَةِ فِي الِاشْتِقَاقِ أَنَّهَا أُمِنَتْ مِنْ الْإِفْسَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى : بِأَدَائِهَا إلَى أَرْبَابِهَا ، وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَمْرُ السَّرَايَا ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَمَكْحُولٌ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي { عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُوهَا ، فَدَعَا عُثْمَانُ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمِفْتَاحَ } ، فَكَانَتْ وِلَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا فَخْرًا .
وَرُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ تُجْمَعَ لَهُ السَّدَانَةُ وَالسِّقَايَةُ ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ شَيْبَةُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَوْ فَرَضْنَاهَا نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ فَهِيَ عَامَّةٌ بِقَوْلِهَا ، شَامِلَةٌ بِنُظُمِهَا لِكُلِّ أَمَانَةٍ ؛ وَهِيَ أَعْدَادٌ كَثِيرَةٌ ، أُمَّهَاتُهَا فِي الْأَحْكَامِ : الْوَدِيعَةُ ، وَاللُّقَطَةُ ، وَالرَّهْنُ ، وَالْإِجَارَةُ ، وَالْعَارِيَّةُ .
أَمَّا الْوَدِيعَةُ : فَلَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهَا حَتَّى تُطْلَبَ ، وَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَحُكْمُهَا التَّعْرِيفُ سَنَةً فِي مَظَانِّ الِاجْتِمَاعَاتِ ، وَحَيْثُ تُرْجَى الْإِجَابَةُ لَهَا ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْكُلُهَا حَافِظُهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا .
وَأَمَّا الرَّهْنُ : فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ أَدَاءٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ دَيْنَهُ .
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ : إذَا انْقَضَى عَمَلُهُ فِيهَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا ، وَلَا يُحْوِجُهُ إلَى تَكْلِيفٍ لِلطَّلَبِ وَمُؤْنَةِ الرَّدِّ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْإِجَارَةِ : يَرُدُّهَا أَيْنَ أَخَذَهَا إنْ كَانَ مَوْضِعُ ذَلِكَ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِينُ ، بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِمْ ؛ فَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيمَا لَدَيْهِمْ مِنْ الْفَيْءِ ، وَكُلُّ مَا يَدْخُلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يُوصِلُوهُ إلَى أَرْبَابِهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ ، وَأَمَرَنَا بَعْدَ ذَلِكَ بِطَاعَتِهِمْ ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْحُكْمِ عَامَّةً فِي الْوِلَايَةِ وَالْخَلْقِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ عَالِمٌ ، بَلْ كُلُّ مُسْلِمٍ حَاكِمٌ وَوَالٍ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ : أَلَّا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } .
فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كُلَّ هَؤُلَاءِ رُعَاةً وَحُكَّامًا عَلَى مَرَاتِبِهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْعَالَمُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْتَى يَكُونُ قَضَى ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَالْفَرْضِ وَالنَّدْبِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ فِيمَنْ ذَكَرْنَا أَمَانَةٌ تُؤَدَّى وَحُكْمٌ يُقْضَى ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ الطَّاعَةِ : وَهِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، كَمَا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ ضِدُّهَا ، وَهِيَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ .
وَالطَّاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ طَاعَ إذَا انْقَادَ ، وَالْمَعْصِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَصَى وَهُوَ اشْتَدَّ ، فَمَعْنَى ذَلِكَ امْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى }
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } : فِيهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : هُمْ أَصْحَابُ السَّرَايَا ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ ، إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ .
الثَّانِي : قَالَ جَابِرٌ : هُمْ الْعُلَمَاءُ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ ، و اخْتَارَهُ مَالِكٌ ؛ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَسْلَمَةَ : سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ : هُمْ الْعُلَمَاءُ .
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ نَزَارٍ ، وَقَفْت عَلَى مَالِكٍ فَقُلْت : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؛ مَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } ؟ قَالَ : وَكَانَ مُحْتَبِيًا فَحَلَّ حَبْوَتَهُ ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فِي وَجْهِي ، وَعَلِمْت مَا أَرَادَ ، وَإِنَّمَا عَنَى أَهْلَ الْعِلْمِ ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي } الْحَدِيثَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا ، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ .
وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْخَلْقِ ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ ، يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ حَاكِمٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ : { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } .
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكِمٌ [ وَالرَّبَّانِيَّ حَاكِمٌ ] ، وَالْحَبْرَ حَاكِمٌ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَفْضَى إلَى الْجُهَّالِ ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ ؛ وَلِذَلِكَ نَظَرَ مَالِكٌ إلَى خَالِدِ بْنِ نَزَارٍ نَظْرَةً مُنْكَرَةً ، كَأَنَّهُ
يُشِيرُ بِهَا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ ، وَزَالَ عَنْ الْأُمَرَاءِ لِجَهْلِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ ، وَالْعَادِلُ مِنْهُمْ مُفْتَقِرٌ إلَى الْعَالَمِ كَافْتِقَارِ الْجَاهِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : رُدُّوهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوهُ فَإِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَكَمَا قَالَ عَلِيٌّ : مَا عِنْدَنَا إلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، أَوْ فَهْمٌ أُوتِيهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، وَكَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ .
قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي ، وَلَا آلُو .
قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا لَا يَصِحُّ .
قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " وَكِتَابِ " نَوَاهِي الدَّوَاهِي " صِحَّتَهُ ، وَأَخَذَ الْخُلَفَاءُ كُلُّهُمْ بِذَلِكَ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِلْأَنْصَارِ : إنَّ اللَّهَ جَعَلَكُمْ الْمُفْلِحِينَ ، وَسَمَّانَا الصَّادِقِينَ ؛ فَقَالَ : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا } .
وَلَوْ كَانَ لَكُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا أَوْصَى بِكُمْ " .
وَقَالَ لَهُ عُمَرُ حِينَ ارْتَدَّ مَانِعُوا الزَّكَاةِ : خُذْ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ وَدَعْ الزَّكَاةَ .
فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَالصَّلَاةَ حَقُّ الْبَدَنِ .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : نَرْضَى لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا .
وَجَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا : لَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ السُّدُسُ ؛ فَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا .
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَضَى بِالسُّدُسِ لِلْجَدَّةِ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ } ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ .
وَكَذَلِكَ لَمَّا جَمَعَ الصَّحَابَةَ فِي أَمْرِ الْوَبَاءِ بِالشَّامِ فَتَكَلَّمُوا مَعَهُ بِأَجْمَعِهِمْ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ ، مَا ذَكَرُوا فِي طَلَبِهِمْ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَتِهِمْ لِلَّهِ كَلِمَةً وَلَا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْفًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ ، وَأَفْتَوْا وَحَكَمَ عُمَرُ ، وَنَازَعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ فَهَبَطْت بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ : إحْدَاهَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ؛ أَلَيْسَ إنْ رَعَيْت الْخِصْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، فَضَرَبَ الْمَثَلَ لِنَفْسِهِ بِالرَّعْيِ وَالنَّاسِ بِالْإِبِلِ ، وَالْأَرْضِ الْوَبِئَةِ بِالْعُدْوَةِ الْجَدْبَةِ ، وَالْأَرْضِ السَّلِيمَةِ بِالْعُدْوَةِ الْخِصْبَةِ ، وَلِاخْتِيَارِ السَّلَامَةِ بِاخْتِيَارِ الْخِصْبِ ؛ فَأَيْنَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ؟ أَيُقَالُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَقُولَا ، فَذَلِكَ كُفْرٌ ، أَمْ يُقَالُ : دَعْ هَذَا فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ ، فَذَلِكَ كُفْرٌ ، وَلَكِنْ تُضْرَبُ الْأَمْثَالِ وَيُطْلَبُ الْمِثَالُ حَتَّى يَخْرُجَ الصَّوَابُ .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَصْحَابُهُ حِينَ جَمَعُوا
الْقُرْآنَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَوْضِعَ بَرَاءَةٍ ، وَإِنَّ قِصَّتَهَا لَتُشْبِهُ قِصَّةَ الْأَنْفَالِ ، فَنَرَى أَنْ نَكْتُبَهَا مَعَهَا وَلَا نَكْتُبُ بَيْنَهَا سَطْرَ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
فَأَثْبَتُوا مَوْضِعَ الْقُرْآنِ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : نَرَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .
وَقَالَ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } .
فَإِذَا فَصَلْتَهُمَا مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا بَقِيَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَوْمُ الْجُنُبِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } فَيَقَعُ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَدْ انْعَقَدَ جُزْءٌ مِنْ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاتِحَتُهُ مَعَ الْجَنَابَةِ ، وَلَوْ سَرَدْنَا نَبْطَ الصَّحَابَةِ لَتَبَيَّنَ خَطَأُ الْجَهَالَةِ ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِلْعُلَمَاءِ ؛ فَإِنْ عَارَضَكُمْ السُّفَهَاءُ فَالْعَجَلَةُ الْعَجَلَةُ إلَى كِتَابِ نَوَاهِي الدَّوَاهِي ، فَفِيهِ الشِّفَاءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : يُرْوَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي { رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ نَازَعَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْكَاهِنُ .
وَقِيلَ : قَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، يَفِرُّ الْيَهُودِيُّ مِمَّنْ يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ وَيُرِيدُ الْمُنَافِقُ مَنْ يَقْبَلُهَا .
وَيُرْوَى أَنَّ الْيَهُودِيَّ قَالَ لَهُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ .
وَقَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْكَاهِنُ ، حَتَّى تَرَافَعَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ عَلَى الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ : لَا أَرْضَى ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَكْرٍ ؛ فَأَتَيَا أَبَا بَكْرٍ فَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ لِلْيَهُودِيِّ .
فَقَالَ الْمُنَافِقُ : لَا أَرْضَى ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ عُمَرُ .
فَأَتَيَا عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ الْيَهُودِيُّ بِمَا جَرَى ؛ فَقَالَ : أَمْهِلَا حَتَّى أَدْخُلَ بَيْتِي فِي حَاجَةٍ ، فَدَخَلَ فَأَخْرَجَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَتَلَ الْمُنَافِقَ ؛ فَشَكَا أَهْلُهُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ الْفَارُوقُ } ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ كُلُّهَا إلَى قَوْلِهِ : { وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
وَيُرْوَى فِي الصَّحِيحِ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحُرَّةِ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ، وَأَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِكِ الْأَنْصَارِيِّ .
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : آنَ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ،
فَتَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ : أَمْسِكْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ } .
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } إلَى آخِرِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : الطَّاغُوتُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ صَنَمٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ الشِّرْكُ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ : { آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ } : يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ، أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ .
وَبِقَوْلِهِ : { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } : يَعْنِي الْيَهُودَ ؛ آمَنُوا بِمُوسَى ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } وَيَذْهَبُونَ إلَى الطَّاغُوتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ ثُمَّ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا قِصَّةَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَكُلُّ مَنْ اتَّهَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ ، لَكِنَّ الْأَنْصَارِيَّ زَلَّ زَلَّةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَالَ عَثْرَتَهُ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ يَقِينِهِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَعْدَهُ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِيهَا أَنْ يَتَحَاكَمَ الْيَهُودِيُّ مَعَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ حَاكِمِ الْإِسْلَامِ ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّهُ { تَفَاخَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ وَيَهُودِيٌّ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : وَاَللَّهِ ، لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا .
فَقَالَ ثَابِتٌ : وَاَللَّهِ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا لَفَعَلْنَا .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ : قَالَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا .
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : الْقَائِلُ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَرْفُ " لَوْ " تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْأَكْثَرَ مَا كَانَ يَمْتَثِلُ ذَلِكَ فَتَرَكَهُ رِفْقًا بِنَا ؛ لِئَلَّا تَظْهَرَ مَعْصِيَتُنَا ، فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ قَصَّرْنَا عَنْهُ مَعَ خِفَّتِهِ ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعَ ثِقَلِهِ ؟ أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَةً وَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ بِهَا عِيشَةً رَاضِيَةً ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } .
الْآيَةُ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ أَشْبَهُهَا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْزُونٌ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي أَرَاك مَحْزُونًا ؟ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، نَحْنُ نَغْدُو عَلَيْكَ وَنَرُوحُ نَنْظُرُ فِي وَجْهِكَ وَنُجَالِسُكَ ، وَغَدًا تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ ، فَلَا نَصِلُ إلَيْكَ ؛ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَهُوَ يَصِفُ الْمَدِينَةَ وَفَضْلَهَا ، يُبْعَثُ مِنْهَا أَشْرَافُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَحَوْلَهَا الشُّهَدَاءُ أَهْلُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ ، ثُمَّ تَلَا مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ : { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ عَلِيمًا } ؛ يُرِيدُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَهُمْ ، وَفَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْبِقَاعِ : مَكَّةَ و سِوَاهَا ، وَهَذَا فَضْلٌ مُخْتَصٌّ بِهَا ، وَلَهَا فَضَائِلُ سِوَاهَا بَيَّنَّاهَا فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ ، وَفِي الْإِنْصَافِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَلْيُنْظَرْ فِي الْكِتَابَيْنِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الثُّبَةُ : الْجَمَاعَةُ ، وَالْجَمْعُ فِيهَا ثِبُونَ أَوْ ثِبِينَ أَوْ ثُبَاتٌ ، كَمَا تَقُولُ : عِضَةٌ وَعِضُونَ وَعِضَاهٌ ، وَاللُّغَتَانِ فِي الْقُرْآنِ ، وَتَصْغِيرُ الثُّبَةِ ثُبَيَّةٌ ، وَيُقَالُ فِي وَسَطِ الْحَوْضِ ثُبَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَثُوبُ إلَيْهِ ، أَيْ يَرْجِعُ ؛ وَتَصْغِيرُ هَذِهِ ثُوَيْبَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْذُوفُ الْوَاوِ ، وَثُبَةُ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ ثَبَّيْتُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَجَمَعْتُ مَحَاسِنَ ذِكْرِهِ ، فَيَعُودُ إلَى الِاجْتِمَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { خُذُوا حِذْرَكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَقْتَحِمُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ عَلَى جَهَالَةٍ حَتَّى يَتَحَسَّسُوا إلَى مَا عِنْدَهُمْ ، وَيَعْلَمُوا كَيْفَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ ؛ فَذَلِكَ أَثْبَتُ لِلنُّفُوسِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّاسَ بِالْجِهَادِ سَرَايَا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمَعِينَ عَلَى الْأَمِيرِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ السَّرَايَا فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ؛ لِيَكُونَ مُتَحَسِّسًا إلَيْهِمْ وَعَضُدًا مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَرُبَّمَا احْتَاجُوا إلَى دَرْئِهِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .
سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا أَوْ انْقَلَبَ غَانِمًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } .
فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا ، وَجَعَلَ الْأَجْرَ فِي مَحَلٍّ وَالْغَنِيمَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا سَرِيَّةٍ أَخْفَقَتْ كَمُلَ لَهَا الْأَجْرُ ، وَأَيُّمَا سَرِيَّةٍ غَنِمَتْ ذَهَبَ ثُلُثَا أَجْرِهَا } .
فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي شُرُوحَاتِ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَلَيْسَ يُعَارِضُ الْآيَةَ كُلَّ الْمُعَارَضَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ثُلُثَ الْأَجْرِ ، وَهَذَا عَظِيمٌ ؛ وَإِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا فَلْيُؤْخَذْ تَمَامُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ : إنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ لَهُ الْأَجْرَ وَالْغَنِيمَةَ ، فَمَا أَعْطَى اللَّهُ الْغَنَائِمَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مُحَاسِبًا لَهَا بِهَا مِنْ ثَوَابِهَا ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِهَا تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لَهَا ؛ لِحُرْمَةِ نَبِيِّهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي } .
فَاخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا يَرْتَزِقُونَ أَفْضَلَ وُجُوهِ الْكَسْبِ وَأَكْرَمَهَا ، وَهُوَ أَخْذُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ .
وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي يَغْنَمُ قَدْ أَصَابَ [ الْحَظَّيْنِ ، وَاَلَّذِي يَخْفِقُ لَهُ ] الْحَظُّ الْوَاحِدُ وَهُوَ الْأَجْرُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَحْدَهُ أَوْ غَنِيمَةٍ مَعَ الْأَجْرِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } .
الْآيَةُ فِيهَا [ ثَلَاثُ ] مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْقِتَالَ ؛ لِاسْتِنْقَاذِ الْأَسْرَى مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ مَعَ مَا فِي الْقِتَالِ مِنْ تَلَفِ النَّفْسِ ، فَكَانَ بَذْلُ الْمَالِ فِي فِدَائِهِمْ أَوْجَبَ ، لِكَوْنِهِ دُونَ النَّفْسِ وَأَهْوَنَ مِنْهَا .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ } .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَفْدُوا الْأَسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا : عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَاسُوهُمْ ، فَإِنَّ الْمُوَاسَاةَ دُونَ الْمُفَادَاةِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ غَنِيًّا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْفَادِي أَمْ لَا ؟ فِي ذَلِكَ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنْ امْتَنَعَ مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقَاتِلُهُ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِتَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ .
فَإِنْ قَتَلَ الْمَانِعُ الْمَمْنُوعَ كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى قِتَالٍ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ كَانَ فِي الْمَيِّتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَانِعِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
الثَّانِي : عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ .
الثَّالِثُ : الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرَمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُهُمْ
جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَاؤُنَا : رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلَّمَ السَّائِلَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ قَالَ لَهُ : وَالزَّكَاةُ ؟ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ .
دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ حَقٍّ فِي الْمَالِ غَيْرَ الزَّكَاةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا فَرْضَ ابْتِدَاءً فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ إلَّا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ ، فَأَمَّا الْعَوَارِضُ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ فِيهَا فَرْضٌ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْفُرُوضِ بِالنَّذْرِ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ عِبَادَاتٌ لَا تَتَعَدَّى الْمُتَعَبِّدَ بِهَا .
وَأَمَّا الْمَالُ فَالْأَغْرَاضُ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ ، وَالْعَوَارِضُ عَلَيْهِ مُخْتَلِفَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ لِيَقُومَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَسُدَّ خَلَّتَهُمْ ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ قَاصِرَةً .
فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ : هَذَا لَا يَلْزَمُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَفْرِضَ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ قَائِمَةً لِسَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا قَائِمَةً بِالْأَكْثَرِ ، وَتَرَكَ الْأَقَلَّ لِيَسُدَّهَا بِنَذْرِ الْعَبْدِ الَّذِي يَسُوقُهُ الْقَدَرُ إلَيْهِ .
الثَّانِي : أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ الزَّكَاةَ فِي زَمَنِهِ } فَلَمْ تَقُمْ الْخَلَّةُ الْمَذْكُورَةُ بِالْفُقَرَاءِ حَتَّى كَانَ يَنْدُبَ إلَى الصَّدَقَةِ ، وَيَحُثُّ عَلَيْهَا
.
الثَّالِثُ : لِلْفَضْلَيْنِ : إنَّ الزَّكَاةَ إذَا أَخَذَهَا الْوُلَاةُ ، وَمَنَعُوهَا مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا ، فَبَقِيَ الْمَحَاوِيجُ فَوْضَى ؛ هَلْ يَتَعَلَّقُ إثْمُهُمْ بِالنَّاسِ أَمْ يَكُونُ عَلَى الْوَالِي خَاصَّةً ؟ فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَحَدٌ بِخَلَّةِ مِسْكِينٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ سَدُّهَا دُونَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهَا سِوَاهُ ، فَيَتَعَلَّقُ الْفَرْضُ بِجَمِيعِ مَنْ عَلِمَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ قَوْله تَعَالَى : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } هِيَ قُصُورُ السَّمَاءِ ، أَلَّا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْبُرُوجُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَعِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ : الْحَمَلُ ، الثَّوْرُ ، الْجَوْزَاءُ ، السَّرَطَانُ ، الْأَسَدُ ، السُّنْبُلَةُ ، الْمِيزَانُ ، الْعَقْرَبُ ، الْقَوْسُ ، الْجَدْيُ ، الدَّلْوُ ، الْحُوتُ .
وَقَدْ يُسَمُّونَ الْحَمَلَ الْكَبْشَ ، وَالْجَوْزَاءَ التَّوْأَمَيْنِ ، وَالسُّنْبُلَةَ الْعَذْرَاءَ ، وَالْعَقْرَبَ الصُّورَةَ ، وَالْقَوْسَ الرَّامِيَ ، وَالْحُوتَ السَّمَكَةَ .
وَتُسَمَّى أَيْضًا الدَّلْوَ الرَّشَا .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْبُرُوجَ مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَقَدَّرَ فِيهَا ، وَرَتَّبَ الْأَزْمِنَةَ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا جَنُوبِيَّةً وَشَمَالِيَّةً ، دَلِيلًا عَلَى الْمَصَالِحِ ، وَعَلَمًا عَلَى الْقِبْلَةِ ، وَطَرِيقًا إلَى تَحْصِيلِ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، لِمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالتَّعَبُّدِ ، وَسَنَسْتَوْفِي ذَلِكَ بَيَانًا فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانٍ ذَاهِبٌ كُلُّهُ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَك وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاَللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْقِتَالَ فَرْضٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا وَحْدَهُ ، وَنَدَبَ الْمُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا سِرَاعًا إلَى الْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ ، فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقِتَالِ كَاعَ عَنْهُ قَوْمٌ ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ ؛ { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : قَدْ بَلَّغْت : قَاتِلْ وَحْدَكَ ، { لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ } فَسَيَكُونُ مِنْهُمْ مَا كَتَبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ ، فَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ لَنَصَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دُونَهُمْ ، وَهَلْ نَصْرُهُ مَعَ قِتَالِهِمْ إلَّا بِجُنْدِهِ الَّذِي لَا يُهْزَمُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا .
قُلْت : أَيْ رَبِّ ؛ إذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً .
قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُعِنْكَ ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقْ عَلَيْكَ ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ } .
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الرِّدَّةِ : أُقَاتِلُهُمْ وَحْدِي حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي .
وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ : وَاَللَّهِ لَوْ خَالَفَتْنِي شِمَالِي لَقَاتَلْتهَا بِيَمِينِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : {
وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ } أَيْ عَلَى الْقِتَالِ : التَّحْرِيضُ وَالتَّحْضِيضُ هُوَ نَدْبُ الْمَرْءِ إلَى الْفِعْلِ ، وَقَدْ يُنْدَبُ الْمَرْءُ إلَى الْفِعْلِ ابْتِدَاءً ، وَقَدْ يُنْدَبُ إلَى امْتِثَالِ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَذْكِرَةً بِهِ لَهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } .
الْآيَةُ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً } عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَنْ يَزِيدُ عَمَلًا إلَى عَمَلٍ .
الثَّانِي : مَنْ يُعِينُ أَخَاهُ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ، وَلْيَقْضِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ } .
الثَّالِثُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي مَعْنَاهُ : مَنْ يَكُنْ يَا مُحَمَّدُ شَفِيعًا لِوِتْرِ أَصْحَابِكَ فِي الْجِهَادِ لِلْعَدُوِّ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأَجْرِ .
وَمَنْ يَشْفَعْ وِتْرًا مِنْ الْكُفَّارِ فِي جِهَادِكَ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْإِثْمِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَعْيًا فِي إثْمٍ أَوْ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَفَاعَةً سَيِّئَةً .
وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ؟ فَقَالُوا : وَمَنْ يَجْتَرِئُ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا } مُخْتَصَرًا .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنْ حَيَّ ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَك بِهِ ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك ؛ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
فَقَالَتْ لَهُ : وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ } إلَّا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : إنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ يَلْقَى أَحَدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ لَهُ : اسْلَمْ ، عِشْ أَلْفَ عَامٍ ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ .
فَهَذَا دُعَاءٌ فِي طُولِ الْحَيَاةِ أَوْ طِيبِهَا بِالسَّلَامَةِ مِنْ الذَّامِّ أَوْ الذَّمِّ ، فَجُعِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَالْعَطِيَّةُ الشَّرِيفَةُ بَدَلًا مِنْ تِلْكَ ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ أَصْلَهَا آدَم .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ } أَنَّهُ فِي الْعُطَاسِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُشَمِّتِ .
الثَّانِي : إذَا دُعِيَ لِأَحَدِكُمْ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَرُدُّوا عَلَيْهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : إذَا قِيلَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ .
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ جَوَابَ كِتَابٍ ، فَقَالَ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ الْآيَةِ : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } .
فَاسْتَشْهَدَ مَالِكٌ فِي هَذَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَدِّ الْجَوَابِ إذَا رَجَعَ الْجَوَابُ عَلَى حَقٍّ .
كَمَا رُوِيَ رَجَعَ الْمُسْلِمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ :
قَوْله تَعَالَى : { فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَحْسَنَ مِنْهَا أَيْ الصِّفَةِ ، إذَا دَعَا لَك بِالْبَقَاءِ فَقُلْ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّهَا أَحْسَنُ مِنْهَا فَإِنَّهَا سُنَّةُ الْآدَمِيَّةِ ، وَشَرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةِ .
الثَّانِي : إذَا قَالَ لَك سَلَامٌ عَلَيْك فَقُلْ : وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ رُدُّوهَا } : اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا فِي السَّلَامِ .
الثَّانِي : أَنَّ أَحْسَنَ مِنْهَا هُوَ فِي الْمُسْلِمِ ، وَأَنَّ رُدَّهَا بِعَيْنِهَا هُوَ فِي الْكَافِرِ ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْك قَالُوا : السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا عَلَيْكُمْ } .
كَذَلِكَ كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُهَا .
وَالْمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ بِالْوَاوِ ، وَالصَّوَابُ سُقُوطُ الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا لَهُمْ : عَلَيْكُمْ رَدٌّ ، وَقَوْلَنَا وَعَلَيْكُمْ مُشَارَكَةٌ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
{ وَكَانَتْ عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْك السَّامُّ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ قَوْلَهُمْ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَقَالَتْ : أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْت عَلَيْكُمْ ؟ إنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : التَّحِيَّةُ هَاهُنَا الْهَدِيَّةُ ، أَرَادَ الْكَرَامَةَ بِالْمَالِ وَالْهِبَةِ قَالَ الشَّاعِرُ : إذْ تُحْيِي بِضَيْمُرَانَ وَآسِ وَقَالَ آخَرُ : وَالْمُرَادُ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْكَرَامَةُ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : أَوْ رُدُّوهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّ السَّلَامِ بِعَيْنِهِ .
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي رَدَّ التَّحِيَّةِ بِعَيْنِهَا ، وَهِيَ الْهَدِيَّةُ ، فَإِمَّا بِالتَّعْوِيضِ أَوْ الرَّدِّ بِعَيْنِهِ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِي السَّلَامِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْعَارِيَّةِ ؟ لِأَنَّ رَدَّ الْعَيْنَ هَاهُنَا وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ .
قُلْنَا : التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنْ
الْحَيَاةِ ، وَهِيَ تَنْطَلِقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ ؛ مِنْهَا الْبَقَاءُ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ جَنَابٍ : مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْته إلَّا التَّحِيَّةَ وَمِنْهَا الْمُلْكُ ، وَقِيلَ : إنَّهُ الْمُرَادُ هَاهُنَا فِي بَيْتِ زُهَيْرٍ .
وَمِنْهَا السَّلَامُ ، وَهُوَ أَشْهَرُهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالتَّحِيَّةِ السَّلَامُ حَتَّى ادَّعَى هَذَا الْقَائِلُ تَأْوِيلَهُ هَذَا ، وَنَزَعَ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
وَإِنَّ الْعَرَبَ عَبَّرَتْ بِالتَّحِيَّةِ عَنْ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَجَازٍ ؛ لِأَنَّهَا تَجْلِبُ التَّحِيَّةَ كَمَا يَجْلِبُهَا السَّلَامُ ، وَالسَّلَامُ أَوَّلُ أَسْبَابِ التَّحِيَّةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ } وَقَالَ : { أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ } .
فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ تُسَمَّى الْهَدِيَّةُ بِهَا مَجَازًا كَأَنَّهَا حَيَاةٌ لِلْمَحَبَّةِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِيقَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : نَحْمِلهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا .
قُلْنَا لَهُمْ : أَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ ذَلِكَ ؛ فَلَا يَصِحُّ لَكُمْ بِالْقَوْلِ بِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بَقِيَتْ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى الْهَدِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فَنَسْتَثْنِي مِنْهَا الْوَلَدَ مَعَ وَالِدِهِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُطْلَبْ هُنَالِكَ ، فَصَحَّتْ لَنَا الْآيَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يُنْظَرُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فَلْيُطْلَبْ هُنَا لَك .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكُمْ ، فَقِيلَ : هُوَ مَصْدَرُ سَلَّمَ يُسَلِّمُ سَلَامَةً وَسَلَامًا ، كَلَذَاذَةٍ وَلَذَاذًا ، وَقِيلَ لِلْجَنَّةِ دَارُ
السَّلَامِ ؛ لِأَنَّهَا دَارُ السَّلَامَةِ مِنْ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَالْآفَاتِ .
وَقِيلَ : السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ، وَلَا يُدْرِكُهُ آفَاتُ الْخَلْقِ .
فَإِذَا قُلْت : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَيَحْتَمِلُ اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ .
وَإِنْ أَرَدْت بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ عَقْدُ السَّلَامَةِ وَذِمَامُ النَّجَاةِ .
حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُنِيرٍ ، أَخْبَرَنَا النَّيْسَابُورِيُّ [ أَنْبَأَنَا قَلِيلَهْ ] ، أَنْبَأْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَتَدْرِي مَا السَّلَامُ ؟ تَقُولُ : أَنْتَ مِنِّي آمِنٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ فَرْضٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ : السَّلَامُ وَرَدُّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إنْ كَانَتْ جَمَاعَةً ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا كَفَى وَاحِدٌ .
فَالسَّلَامُ فَرْضٌ مَعَ الْمَعْرِفَةِ ، سُنَّةٌ مَعَ الْجَهَالَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إنْ لَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ تَغَيَّرَتْ نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ السَّلَامُ عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ : مِنْ قَائِمٍ عَلَى قَاعِدٍ ، وَمَارٍّ عَلَى جَالِسٍ ، وَقَلِيلٍ عَلَى كَثِيرٍ ، وَصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا كَانَ الرَّدّ فَرَضَا بِلَا خِلَافٍ فَقَدْ اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ لِلْعَيْنِ ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ التَّحِيَّةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الْهِبَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هِبَةِ الْأَجْنَبِيِّ ثَوَابٌ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ مَا أَعْطَى إلَّا لِيُعْطَى ؛ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا ، وَإِنَّا لَا نَعْمَلُ عَمَلًا لِمَوْلَانَا إلَّا لِيُعْطِيَنَا ، فَكَيْفَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي سُورَةِ الرُّومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يَضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ صَاحِبٍ عَنْ صَاحِبٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إلَى أُحُدٍ رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ، فِرْقَةٌ تَقُولُ : نَقْتُلُهُمْ ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ : لَا نَقْتُلُهُمْ } ، فَنَزَلَتْ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ .
الثَّانِي : قَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ خَرَجُوا مِنْ [ أَهْلِ ] مَكَّةَ حَتَّى أَتَوْا الْمَدِينَةَ ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ فَارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ ، فَفِرْقَةٌ تَقُولُ إنَّهُمْ مُنَافِقُونَ ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ هُمْ مُؤْمِنُونَ ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نِفَاقَهُمْ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِمَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ
حَاجَةً ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِهِمْ قَالَتْ فِئَةٌ : اُخْرُجُوا إلَى هَؤُلَاءِ الْجُبَنَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ نَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ قَالُوا : أَصَابَتْنَا أَوْجَاعٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَعَلَّنَا نَخْرُجُ إلَى الطُّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ وَنَرْجِعُ ؛ فَانْطَلَقُوا فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ طَائِقَةٌ : أَعْدَاءُ اللَّهِ مُنَافِقُونَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إخْوَانُنَا غَمَّتْهُمْ الْمَدِينَةُ فَاجْتَوَوْهَا ، فَإِذَا بَرِئُوا رَجَعُوا ؛ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ .
الْخَامِسُ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ زَيْدٌ .
وَقَوْلُهُ : { حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يَعْنِي حَتَّى يَهْجُرُوا الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ وَالْمَالَ ، وَيُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ اللَّهَ رَدَّ الْمُنَافِقِينَ إلَى الْكُفْرِ ، وَهُوَ الْإِرْكَاسُ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ ، كَمَا قَالَ فِي الرَّوْثَةِ إنَّهَا رِجْسٌ ، أَيْ رَجَعَتْ إلَى حَالَةٍ مَكْرُوهَةٍ ؛ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَلَّقُوا فِيهِمْ بِظَاهِرِ الْإِيمَانِ ، إذَا كَانَ أَمْرُهُمْ فِي الْبَاطِنِ عَلَى الْكُفْرِ ، وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ ، وَأَيْنَمَا ثَقِفُوهُمْ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ يُقْتَلُ ، وَلَا يُسْتَتَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } .
فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَاهُ مَا دَامُوا عَلَى حَالِهِمْ .
قُلْنَا :
كَذَلِكَ نَقُولُ وَهَذِهِ حَالَةٌ دَائِمَةٌ ، لَا تَذْهَبُ عَنْهُمْ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ ، وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ ، فَعُثِرَ عَلَيْهِ ، كَيْفَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } : الْمَعْنَى إلَّا مَنْ انْضَافَ مِنْهُمْ إلَى طَائِفَةٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ، فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ ، ثُمَّ نُسِخَتْ الْعُهُودُ فَانْتَسَخَ هَذَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِإِيضَاحِهِ وَبَسْطِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ جَاءُوا وَقَالُوا : لَا نُرِيدُ أَنْ نُقَاتِلَ مَعَكُمْ وَلَا نُقَاتِلُ عَلَيْكُمْ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مُعَاهَدِينَ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعَهْدِ ، وَقَالُوا : لَا نُسْلِمُ وَلَا نُقَاتِلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ تَأَلُّفًا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى وَيَشْرَحَهَا لِلْإِسْلَامِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَمِثْلُهُ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقَدْ بَسَطْنَاهَا بَسْطًا عَظِيمًا فِي " كِتَابِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ " بِأَخْبَارِهَا ومُتَعلَّقاتِها فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ وَرَقَةٍ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } : مَعْنَاهُ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا قَتْلًا جَائِزًا .
أَمَّا أَنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَنَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَوَازَهُ لَا وُجُودَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيَانِ الْحِسِّيَّاتِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، إنَّمَا بُعِثُوا لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ لِلْكَافِرِ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَعَمْ ، فَقَدْ أَحْلَلْتُمْ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : لَا ، فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ بِالْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ ، وَالْكَافِرُ فِيهِ مِثْلُهُ .
قُلْنَا : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ بِحَنَانِهِمْ وَأُخُوَّتِهِمْ وَشَفَقَتِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ الْمُؤْمِنُ بِالتَّأْكِيدِ ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْضًا حَسْبَمَا نُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا خَطَأً } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلَهُ يَقُولُ النُّحَاةُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَتَهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَمَعْنَاهُ أَنْ يَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّفْظِ ، لَا عَلَى نَفْسِ اللَّفْظِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَفْت بِهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا الْأَوَارِيَ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ فَلَمْ تَدْخُلْ الْأَوَارِي فِي لَفْظِ أَحَدٍ ، وَلَكِنْ دَخَلَتْ فِي مَعْنَاهُ .
أَرَادَ : وَمَا بِالرَّبْعِ أَحَدٌ أَيْ [ غَيْرُ ] مَا كَانَ فِيهِ ، أَوْ أَثَرٌ كُلُّهُ ذَاهِبٌ ، إلَّا الْأَوَارِيَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } ؛ الْمَعْنَى مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُفَوِّتَ نَفْسَ مُؤْمِنٍ بِكَسْبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ إلَى وَصْفِهِ ؛ فَافْهَمْهُ وَرَكِّبْهُ تَجِدْهُ بَدِيعًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَرَادَ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ ؛ وَيَجْعَلَهُ مُتَّصِلًا لِجَهْلِهِ بِاللُّغَةِ وَكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا فِي السَّلَفِ ؛ فَقَالَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ .
وَفَائِدَتُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَيَا لِلَّهِ ، وَيَا لِلْعَالِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ، كَيْفَ يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ : أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً ، وَمِنْ شَرْطِ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُكَلَّفُ وَقَصْدُهُ ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْخَطَأِ ، فَالْكَلَامُ لَا يَتَحَصَّلُ مَعْقُولًا .
ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ أَنْ يُرَى عَلَيْهِ لِبْسَةُ الْمُشْرِكِينَ وَالِانْحِيَازُ إلَيْهِمْ كَقِصَّةِ حُذَيْفَةَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ أُحُدٍ .
قُلْنَا لَهُ : هَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَقَعَ خِلَافَ الْقَصْدِ ، وَهُوَ قَصْدٌ إلَى مُشْرِكٍ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ
مُسْلِمٌ ؛ فَهَذَا لَا يُدْخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا .
ثُمَّ قَالَ : وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا يُبَاحُ لَهُ إذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ ، وَشَرْطُ الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ التَّهَافُتِ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مَا يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ .
وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ : شَرْطُ إبَاحَةِ الْقَتْلِ أَنْ لَا يَقْصِدَ ، لَاهُمَّ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْمُقَلِّدِ أَلَمَّ بِقَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ : إنَّ الْمَأْمُورَ لَا يُعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ تَقَضِّي الِامْتِثَالِ وَمُضَائِهِ ؛ فَالِاخْتِلَالُ فِي الْمَقَالِ وَاحِدٌ وَالرَّدُّ وَاحِدٌ ، فَلْتَلْحَظْهُ فِي أُصُولِهِ الَّتِي صَنَّفَ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ؛ ثُمَّ أَبْطَلَ هُوَ هَذَا وَكَانَ فِي غِنًى عَنْ ذِكْرِهِ وَإِبْطَالِهِ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ أَقْرَبَ قَوْلٍ فِيهِ أَنْ يُقَالَ : إنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { إلَّا خَطَأً } اقْتَضَى تَأْثِيمَ قَاتِلِهِ لِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ ذَلِكَ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { إلَّا خَطَأً } رَفْعٌ لِلتَّأْثِيمِ عَنْ قَاتِلِهِ ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَا تَضْمَنَّهُ اللَّفْظُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَآثِمِ ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ قَاتِلَ الْخَطَأِ ، وَجَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ؛ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْلَمُ اللُّغَةَ وَلَا يَفْهَمُ مَقَاطِعَ الشَّرِيعَةِ ، بَلْ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا جَائِزٌ ضَرُورَةً لَا وُجُودًا ؛ فَنَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَوَازَ ذَلِكَ لَا وُجُودَهُ ، فَقَوْلُ هَذَا الرَّجُلِ : إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْثِيمَ قَاتِلِهِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ضِدَّ الْجَوَازِ التَّحْرِيمُ وَحْدَهُ ؛ بَلْ ضِدَّ النَّدْبِ وَالْكَرَاهِيَةِ عَلَى قَوْلٍ ، وَالْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ عَلَى آخَرَ ، فَلِمَ عَيَّنَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ نَفْيِ الْجَوَازِ التَّحْرِيمَ الْمُؤْثِمَ .
أَمَّا إنَّ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ لَا مِنْ نَفْسِ هَذَا اللَّفْظِ .
ثُمَّ نَقُولُ : هَبْكَ أَنَّا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ
بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقُلْنَا لَهُ : إنَّ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ أَنْتَ آثِمٌ إنْ قَتَلَتْهُ ، إلَّا أَنْ تَقْتُلَهُ خَطَأً ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ أَيْضًا إنَّمَا يَرْتَبِطُ بِالْعَمْدِ ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ : إلَّا خَطَأً ، فَهُوَ ضِدُّهُ ، فَصَارَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ حَقِيقَةً وَصِفَةً وَرَفْعًا لِلْمَأْثَمِ .
وَقَوْلُهُ : فَإِنَّمَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ اللَّفْظُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَأْثَمِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ لِذَلِكَ ذِكْرُ حَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازًا ؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْإِثْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَقَدْ أَشَرْنَا نَحْنُ إلَى حَقِيقَتِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّحَارِيرِ : إنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ ؛ { وَذَلِكَ أَنَّ أُسَامَةَ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي غَزَاةٍ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ ، فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ فَقَتَلَهُ ؛ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقَتَلَتْهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا .
فَجَعَلَ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ : بَعْدَ أَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ } .
قَالَ : فَلَقَدْ تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
فَهَذَا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ .
وَهَذَا نَفِيسٌ .
وَمِثْلُهُ قَتْلُ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَمُتَعَلِّق الْخَطَأِ غَيْرُ مُتَعَلِّق الْعَمْدِ ، وَمَحَلُّهُ غَيْرُ مَحَلِّهِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا مِنْهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَةٌ : إنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ فَأَصَابَ هِشَامًا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَقَتَلَهُ خَطَأً فِي هَزِيمَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَكَانَ أَخُوهُ مِقْيَسٌ بِمَكَّةَ ، فَقَدِمَ مُسْلِمًا فِيمَا يَظْهَرُ .
وَقِيلَ : لَمْ يَبْرَحْ مِنْ الْمَدِينَةِ فَطَلَب دِيَةَ أَخِيهِ ، فَبَعَثَ
مَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ فِهْرٍ إلَى بَنِي النَّجَّارِ فِي دِيَتِهِ ، فَدَفَعُوا إلَيْهِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِقْيَسٌ وَالْفِهْرَيْ رَاجِعِينَ إلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ مِقْيَسٌ الْفِهْرَيَّ ، وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام ، وَرَكِبَ جَمَلًا مِنْهَا ، وَسَاقَ مَعَهُ الْبَقِيَّةَ ، وَلَحِقَ كَافِرًا بِمَكَّةَ ، وَقَالَ : شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ مَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا يَضْرُجُ فِي ثَوْبَيْهِ دِمَاءَ الْأَخَادِعِ وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ تَلُمُّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ ثَأَرْت بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْت عَقْلَهُ سُرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ حَلَلْت بِهِ وَتْرِي وَأَدْرَكْت ثُؤْرَتِي وَكُنْت إلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ فَدَخَلَ قَتْلُ الْأَنْصَارِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } وَدَخَلَ قَتْلُ مِقْيَسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } ، وَكُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَتِهِ فِي الْآيَتَيْنِ بِصِفَتِهِمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ ، وَسَكَتَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ عَنْهَا .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، مَآلُهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا قَالَا : لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا إثْمَ فِيهِ فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى .
قُلْنَا : هَذَا يُبْعِدُهَا عَنْ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُوجِبْهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْمِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا عِبَادَةً ، أَوْ فِي مُقَابَلَةِ التَّقْصِيرِ ، وَتَرْك الْحَذَرِ وَالتَّوَقِّي ، وَالْعَمْدُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : ( مُؤْمِنَةٍ ) وَهَذَا يَقْتَضِي كَمَا لَهَا فِي صِفَاتِ الدِّينِ ، فَتُكْمَلُ فِي صِفَاتِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَعِيبَةً ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَتْلَفَ شَخْصًا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَ آخَرَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ عَنْ شُغُلِ غَيْرِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوٌ مِنْهَا مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجُ بِالْفَرْجِ ، فَمَتَى نَقَصَ عُضْوٌ مِنْهَا لَمْ تَكْمُلُ شُرُوطُهَا .
وَهَذَا بَدِيعٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : سَوَاءٌ كَانَتْ الرَّقَبَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِمُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ؛ إذْ قَالُوا : لَا يُجْزِئُ إلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ الْإِسْلَامَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَنْ وُلِدَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِتْقِ ، كَمَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجِنَايَةِ وَالْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجَمِيعِ أَحْكَامِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ جَبْرًا .
كَمَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ زَجْرًا ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِفْقًا ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْخَطَأِ لَمْ يَكْتَسِبْ إثْمًا وَلَا مَحْرَمًا ، وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ زَجْرًا عَنْ التَّقْصِيرِ وَالْحَذَرِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فِي تَقْدِيرِ الشَّرِيعَةِ ، وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ؛ فَإِنْ عُدِمَتْ الْإِبِلُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ : فَقَالَ مَالِكٌ : مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَمِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ ، وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ مِنْهُ الْإِبِلُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ ، فَإِنَّمَا الْأَصْلُ ؛ فَإِذَا عُدِمَتْ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ فِي بَدَلِهَا وَهُوَ الْقِيمَةُ بِحِسَابِ الْوَقْتِ ، كَمَا فِي كُلِّ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ يَتَعَذَّرُ أَدَاؤُهُ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَهَبًا وَوَرِقًا ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى الْآفَاقِ ؛ وَلَا مُخَالِفَ ؛ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ؛ فَإِنَّ بَلَدًا لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِهِ إبِلٌ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْوِيمِهَا فِيهِ ، فَعَلِمَتْ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ فَقَدَّرَتْ نَصِيبَهَا ، وَاعْتَبَرَتْهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ إذْ لَا يَخْلُو بَلَدٌ مِنْهُمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي تَقْدِيرِهَا : عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَبَنَاهَا عَلَى نِصَابِ الزَّكَاةِ ، وَعُمَرُ مَعَ الصَّحَابَةِ قَدْ عَلِمُوا نِصَابَ الزَّكَاةِ حِينَ قَدَّرُوهَا بِاثْنَيْ عَشْرَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهُوَ بَدِيعٌ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ مَنْ أَرَادَ تَمَامَ الْعِلْمِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هِيَ فِي الْإِبِلِ أَخْمَاسٌ : بَنَاتُ مَخَاضٍ ، وَبَنَاتُ لَبُونٍ ، وَبَنُو لَبُونٍ ، وَحِقَاقٌ ، وَجِذَاعٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ أَخْمَاسٌ ، إلَّا أَنَّ مِنْهَا بَنِي مَخَاضٍ دُونَ بَنِي لَبُونٍ .
وَدَلِيلُنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا ، فَقَالَ : عِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ } ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَنِي مَخَاضٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد كُوفِيًّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ فَلَا كَلَامَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا مَعْنَى مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ شَيْءٌ لَا يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَجِبْ فِي الدِّيَةِ كَالثَّنَايَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَهِيَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ ، وَهِيَ ضَرُورَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ قَدْ تَكُونُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ حَوَامِلَ فَيَضُرُّ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِيهِ تَكُونُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَوَابِنَ ، وَوَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَرِفْقًا ، فَتُؤْخَذُ مِنْهَا بِذَلِكَ ، .
{ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَغْرَاضٍ } : مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا صُلْحًا وَتَسْدِيدًا .
وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُعَجِّلُهَا تَأْلِيفًا ، فَلَمَّا وُجِدَ الْإِسْلَامُ قَرَّرَتْهَا الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا النِّظَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ بَقَرٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمَهَّدَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا ؛ فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الدِّيَةِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا يَفِي بِهَا إلَّا كُتُبُ الْمَسَائِلِ ، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا ، فَنَخْرُجَ عَنْ الْمَقْصُودِ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إلَّا أَنْ يَصَدَّقُوا بِهَا عَلَى الْقَاتِلِ ؛ وَالِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى جَمِيعِهَا إذَا صَلَحَ ذَلِكَ فِيهَا ، وَإِلَّا عَادَ إلَى مَا يُصْلَحُ لَهُ ذَلِكَ مِنْهَا .
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ ، وَالْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا تُقْبَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَا تَنْفُذُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ خَطَأً ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ : أَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً .
وَأَمَّا امْتِنَاعُ الدِّيَةِ عِنْدَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا لَمْ تُجِبْ الدِّيَةُ لَهُمْ لِئَلَّا يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا لَمْ تَجِبْ لَهُمْ دِيَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدٌ وَلَا مِيثَاقٌ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَوَّلَ عَلَى أَنَّ الْعَاصِمَ لِلْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ لَهُ فِي مَالِهِ الدَّارُ ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ وَبَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ اعْتَصَمَ عِصْمَةً قَوِيمَةً يَجِبُ بِهَا عَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ عِصْمَةٌ مُقَوَّمَةٌ ؛ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدَرٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ .
وَهَذَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّ الدَّارَ عِنْدَ مَالِكٍ
الْعَاصِمَةُ لِلْأَهْلِ وَالْمَالِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِسْلَامُ يَعْصِمُ مَالَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلَهُ وَدَمَهُ حَيْثُ كَانُوا .
وَالْمَسْأَلَةُ فِي نِهَايَةِ الْإِشْكَالِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَسْلَمُ ، وَعَلَى هَذَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيّ لَمْ يَذْكُرْهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُسْتَحَقٌّ ؛ فَلَوْ كَانَ لَهَا مُسْتَحَقٌّ لَوَجَبَتْ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى مَنْ آمَنَ فَرْضًا ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَلَا إسْلَامَ لَهُ وَلَا وِلَايَةَ ، فَأَمَّا مُذْ سَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ بِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ لَهُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ أَيْنَمَا كَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : وَالْمِيثَاقُ هُوَ الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي قَدْ ارْتَبَطَ وَانْتَظَمَ ، وَمِنْهُ الْوَثِيقَةُ فَفِيهِ الدِّيَةُ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذَا هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَهُ وَلِقَوْمِهِ الْعَهْدُ ، فَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ لِأَهْلِهِ وَالْكَفَّارَةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ : الْمُرَادُ بِهِ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَقْتُولَ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، كَمَا قَالَ فِي الْقَتِيلِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَإِطْلَاقُهُ مَا قَيَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ خِلَافُهُ .
وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ نُسِّقَتْ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَرُبِطَتْ بِهَا ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ } وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي دِيَةِ الْكَافِرِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى النِّصْفِ ، وَهُوَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ثُلُثَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ .
وَالدِّيَةُ الْمُسَلَّمَةُ هِيَ الْمُوَفَّرَةُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا قَبَلهَا حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، وَقَدْ أَتَيْنَا فِيهِ بِالْعَجَبِ فِي الْمَحْصُولِ ، وَهُوَ عِنْدِي لَا يَلْحَقُ إلَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى حَمْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ
شَخْصًا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ؛ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخَلِّصَ آخَرَ لَهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ زَجْرٌ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ وَتُقَاةٍ لِلْحَذَرِ ، وَحَمْلٌ عَلَى التَّثَبُّتِ عِنْدَ الرَّمْيِ ؛ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ .
وَأَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا .
وَنُحَرِّرُ هَذَا قِيَاسًا فَنَقُولُ : كُلُّ كَافِرٍ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِ [ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِ ] ، وَلَا عُذْرَ لَهُمْ عَنْهُ بِهِ احْتِفَالٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ الْمُؤْمِنُ ، فَمَنْ قَتَلَ كَافِرًا خَطَأً ، وَلَهُ عَهْدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ إجْمَاعًا .
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَصْلٌ بَدِيعٌ فِي رَفْعِ الدِّمَاءِ .
وَنَحْنُ نُمَهِّدُ فِيهِ قَاعِدَةً قَوِيَّةً فَنَقُولُ : مَبْنَى الدِّيَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الْحُرْمَةِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الْمَرْتَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَفَاوَتُ بِالصِّفَاتِ ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا شُرِعَ زَجْرًا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا نَظَرْنَا إلَى الدِّيَةِ فَوَجَدْنَا الْأُنْثَى تَنْقُصُ فِيهِ عَنْ الذَّكَرِ ؛ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُسَاوِيهِ فِي دِيَتِهِ .
وَزَادَ الشَّافِعِيُّ نَظَرًا ، فَقَالَ : إنَّ الْأُنْثَى الْمُسْلِمَةَ فَوْقَ الْكَافِرِ الذَّكَرِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقُصَ دِيَتُهُ عَنْ دِيَتِهَا ، فَتَكُونَ دِيَتُهُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .
وَقَالَ مَالِكٌ بِقَضَاءِ عُمَرَ وَهُوَ النِّصْفُ ؛ إذْ لَمْ يُرَاعِ الصَّحَابَةُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَتْبَعْ ذَلِكَ إلَى أَقْصَاهُ ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمَرَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ نَظَرٌ .
وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَعْطَى فِي ذِي الْعَهْدِ مِثْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ } فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِمْ ؛ إذْ كَانَ يُؤَدِّيهِ
مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَا يُرَتِّبُهَا عَلَى الْعَاقِلَة ، وَإِلَّا فَقَدْ اسْتَقَرَّ مَا اسْتَقَرَّ عَلَى يَدِ عُمَرَ ، حَتَّى جَعَلَ فِي الْمَجُوسِيِّ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِنَقْصِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ التَّفَاوُتِ وَاعْتِبَارِ نَقْصِ الْمَرْتَبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } : ظَنَّ قَوْمٌ أَوَّلُهُمْ مَسْرُوقٌ أَنَّ الصِّيَامَ بَدَلٌ عَنْ الدِّيَةِ وَالرَّقَبَةِ ، وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ .
وَهُوَ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ يَلْزَمُ الْقَاتِلَ فَهُوَ بَدَلٌ عَمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ الرَّقَبَةِ ، وَالدِّيَةُ لَمْ تَكُنْ تَلْزَمُهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلٌ عَنْهَا .
وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } انْحَصَرَ الْقَتْلُ فِي خَطَأٍ وَعَمْدِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ ثَالِثًا ؛ وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ ، وَجَعَلُوهُ عَمْدًا خَطَأً ، كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ عَمْدٌ مِنْ وَجْهٍ خَطَأٍ مِنْ وَجْهٍ .
وَاَلَّذِي أَشَارُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ؛ فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَأِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ ، وَقَدْ [ رُوِيَ ] شِبْهُ الْعَمْدِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَكَى الْعُلَمَاءُ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ بِشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَأَنَّ الْقَتْلَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، وَلَكِنْ جُعِلَ شِبْهُ الْعَمْدِ فِي مِثْلِ قِصَّةِ الْمُدْلِجِيِّ فِي نَظَرِ مَنْ أَثْبَتَهُ أَنَّ الضَّرْبَ مَقْصُودٌ وَالْقَتْلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ ؛ وَإِنَّمَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْقَصْدِ فَيَسْقُطُ الْقَوْدُ ، وَتَغْلُظُ الدِّيَةُ .
وَبَالَغَ أَبُو حَنِيفَةَ مُبَالَغَةً أَفْسَدَتْ الْقَاعِدَةَ ، فَقَالَ : إنَّ الْقَاتِلَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ شِبْهَ الْعَمْدِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ وَلَا قَوْدَ فِيهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ فَلَمَّا عَلَاهُ بِالسَّيْفِ قَالَ الْمُشْرِكُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
فَقَالَ الرَّجُلُ : إنَّمَا يَتَعَوَّذُ بِهَا مِنْ الْقَتْلِ ؛ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا يَتَعَوَّذُ .
فَمَا زَالَ يُعِيدُهَا عَلَيْهِ : كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ } فَقَالَ الرَّجُلُ : وَدِدْت أَنِّي أَسْلَمْت ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ مَا كَانَ لِي مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَأَنِّي اسْتَأْنَفْت الْعَمَلَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا هُوَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ ، أَصْلُهُ أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ ، رَوَاهُ عَنْهُ الْأَعْمَشُ ، وَحُصَيْنُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اسْمَ الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ .
الثَّانِي : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ ، فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا إحْنَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَرَمَاهُ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ
بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ، وَجَاءَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ، فَقَالَ : لَا غَفَرَ اللَّهُ لَك ، فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَتِهِ ، فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى دَفَنُوهُ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : إنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعَظِّمَ مِنْ حُرْمَتِكُمْ فَرَمَوْهُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَارَةِ ، وَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَهُ الْآيَةَ } .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقِيَ نَاسٌ رَجُلًا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلُوهُ ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغَنِيمَةَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الرَّابِعُ : قَالَ قَتَادَةُ : أَغَارَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُ : إنِّي مُسْلِمٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَقَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْمِقْدَادُ ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْخَامِسُ .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ حَمَلَ دِيَتَهُ ، وَرَدَّ عَلَى أَهْلِهِ غَنِيمَتَهُ } ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَحِيحًا عَلَى طَرِيقِ الِائْتِلَافِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَقْتُولَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، أَوْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَوْ يَكُونَ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الَّذِي قَالَ عُلِمَ إسْلَامُهُ : فَأَمَّا كَوْنُهُ عَامِرَ بْنِ الْأَضْبَطِ فَبَعِيدٍ ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ عَامِرٍ قَدْ اخْتَلَفَتْ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ قَتْلَ مُحَلِّمٍ إنَّمَا كَانَ لِإِحْنَةٍ وَحِقْدٍ بَعْدَ الْعِلْمِ بِحَالٍ ، وَكَيْفَمَا تَصَوَّرَ الْأَمْرَ فَفِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ نَزَلَتْ ، وَغَيْرُهَا يَدْخُلُ فِيهَا بِمَعْنَاهَا .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا لَقِيَ الْكَافِرَ لَا عَهْدَ لَهُ جَازَ
لَهُ قَتْلُهُ ؛ فَإِنْ قَالَ لَهُ الْكَافِرُ : " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ؛ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِعِصَامِ الْإِسْلَامِ الْمَانِعِ مِنْ دَمِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ .
فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ .
وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ قَالَهَا مُتَعَوِّذًا ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ قَوْلُهَا مُطْمَئِنًّا ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَاصِمٌ كَيْفَمَا قَالَهَا .
وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ حَتَّى يُعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إشْكَالٍ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَافِرِ يُوجَدُ عِنْدَ الدَّرْبِ فَيَقُولُ : جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا أَطْلُبُ الْأَمَانَ : هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْفَاسِدُ قَدْ تَبَدَّلَ بِاعْتِقَادٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الصَّحِيحُ ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَقُولَ : أَنَا مُسْلِمٌ ، وَلَا أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ الْعَاصِمَةِ الَّتِي عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .
فَإِنْ صَلَّى أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَتَبَايَنَتْ الْفِرَقُ فِي إسْلَامِهِ ، وَقَدْ حَرَّرْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَنَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ ، أَمَّا أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ : مَا وَرَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ؟ فَإِنْ قَالَ : صَلَاةُ مُسْلِمٍ قِيلَ لَهُ قُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولٌ اللَّهِ .
فَإِنْ قَالَهَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ ، وَإِنْ أَبَى عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَلَاعُبٌ ، وَكَانَتْ عِنْدَ مَنْ يَرَى إسْلَامَهُ رِدَّةً وَيُقْتَلُ عَلَى كُفْرِهِ الْأَصْلِيِّ ، وَذَلِكَ مُحَرَّرٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، مُقَرَّرٌ أَنَّهُ كُفْرٌ أَصْلِي لَيْسَ بِرِدَّةٍ .
وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ يُكَلَّفُ الْكَلِمَةَ ، فَإِنْ قَالَهَا تَحَقَّقَ رَشَادُهُ ، وَإِنْ أَبِي تَبَيَّنَ عِنَادُهُ وَقُتِلَ .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { فَتَبَيَّنُوا } أَيْ الْأَمْرَ الْمُشْكِلَ ، أَوْ تَثَبَّتُوا وَلَا تَعْجَلُوا ، الْمَعْنَيَانِ سَوَاءٌ ؟ فَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فَقَدْ أَتَى مَنْهِيًّا عَنْهُ ، لَا يَبْلُغ فِدْيَةً وَلَا كَفَّارَةً وَلَا قِصَاصًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كُفْرِهِ قَدْ تَيَقَّنَاهُ ، فَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَتَغْلِيظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَلِّمٍ كَيْفَ مَخْرَجُهُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِإِسْلَامِهِ ، وَلَمْ يُحَقِّقْهُ ؛ فَغَضِبَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ بِنَاءَ " ضَرَبَ " يَتَصَرَّفُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ ؛ مِنْهَا السَّفَرُ ، وَمَا أَظُنُّهُ سُمِّيَ بِهِ إلَّا لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا سَافَرَ ضَرَبَ بِعَصَاهُ دَابَّتَهُ ، لِيَصْرِفَهَا فِي السَّيْرِ عَلَى حُكْمِهِ ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ مُسَافِرٍ ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِي فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا أَمْكَنَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ ضَبْطٌ فَرَأَيْتُهُ تَكَلُّفًا ، فَتَرَكْتُهُ إلَى أَوْبَةٍ تَأْتِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : ( مُرَاغَمًا كَثِيرًا ) هَذِهِ لَفْظَةٌ وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا سَنَذْكُرُهَا مَعَهَا ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَدِّمَ شَرْحَ اللَّفْظَةِ ، لِتَكُونَ إلَى جَانِبِ أُخْتِهَا .
وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِشْكَالٌ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمُرَاغَمُ : الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْمُرَاغَمُ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ .
الثَّانِي : الْمُرَاغَمُ : الْمُتَحَوِّلُ ، يُعْزَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : الْمُرَاغَمُ : الْمَنْدُوحَةُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَتَقَارَبُ .
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ التُّرَابُ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ أَنْفِ الشَّاةِ .
وَالرُّغَامُ بِضَمِّ الرَّاءِ يُرْجَعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ رَجُلًا قَصَدَ ذُلَّهُ ، وَأَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ ، حَتَّى يَقَعَ أَنْفُهُ عَلَى الرَّغَامِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ، فَضُرِبَ الْمِثْلُ بِهِ ، حَتَّى يُقَالَ : أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ ، وَأَفْعَلَ كَذَا وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ ، ثُمَّ سُمِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْفُ وَمَا يَسِيلُ مِنْهُ بِهِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّفْظَةَ تَرْجِعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ .
الْمَعْنَى : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا لِلذَّهَابِ ، وَضَرَبَ التُّرَابَ لَهُ مَثَلًا ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ : تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ ، فَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ بِهِ إلَى هَرَبٍ أَوْ طَلَبٍ .
وَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ الشَّرْعِيَّةِ : وَاجِبٌ ، وَمَنْدُوبٌ ، وَمُبَاحٌ ، وَمَكْرُوهٌ ، وَحَرَامٌ .
وَيَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ التَّنْوِيعِ فِي الْمَقَاصِدِ إلَى أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : الْهِجْرَةُ ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاَلَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ هِيَ الْقَصْدُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ ، فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ بَقِيَ فَقَدْ عَصَى ، وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الثَّانِي : الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدٍ سُبَّ فِيهَا السَّلَفُ .
وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ نُزِلَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوصُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وَقَدْ كُنْت قُلْت لِشَيْخِنَا الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ : ارْحَلْ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ إلَى بِلَادِك .
فَيَقُولُ : لَا أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ بِلَادًا غَلَبَ عَلَيْهَا كَثْرَةُ الْجَهْلِ ، وَقِلَّةُ الْعَقْلِ ، فَأَقُولُ لَهُ :
فَارْتَحِلْ إلَى مَكَّةَ أَقِمْ فِي جُوَارِ اللَّهِ وَجُوَارِ رَسُولِهِ ؛ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَرْضٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْحَرَامِ ، فَيَقُولُ : وَعَلَى يَدِي فِيهَا هُدًى كَثِيرٌ ، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ ، وَتَوْحِيدٌ ، وَصَدٌّ عَنْ الْعَقَائِدِ السَّيِّئَةِ ، وَدُعَاءٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا إلَى حَدٍّ شَرَحْنَاهُ فِي تَرْتِيبِ [ لُبَابِ ] الرِّحْلَةِ وَاسْتَوْفَيْنَاهُ .
الثَّالِثُ : الْخُرُوجُ عَنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلَالِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .
الرَّابِعُ : الْفِرَارُ مِنْ الْإِذَايَةِ فِي الْبَدَنِ ؛ وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْخَصَ فِيهِ ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَوْضِعٍ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ ، وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ ؛ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ .
وَأَوَّلُ مَنْ حَفِظْنَاهُ فِيهِ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَافَ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ : { إنِّي مُهَاجِرٌ إلَى رَبِّي } .
وَقَالَ : { إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } وَمُوسَى قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وَذَلِكَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ .
وَيَلْحَقُ بِهِ ، وَهُوَ : الْخَامِسُ : خَوْفُ الْمَرَضِ فِي الْبِلَادِ الْوَخِمَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنْهَا إلَى الْأَرْضِ النَّزِهَةِ .
وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرِّعَاءِ حِينَ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَتَنَزَّهُوا إلَى الْمَسْرَحِ ، فَيَكُونُوا فِيهِ حَتَّى يَصِحُّوا ، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنْ الطَّاعُونِ ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْدَ أَنِّي رَأَيْت عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَكْرُوهٌ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
السَّادِسُ : الْفِرَارُ خَوْفَ الْإِذَايَةِ فِي الْمَالِ ؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ
الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ ، وَالْأَهْلُ مِثْلُهُ أَوْ آكَدُ ، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ قِسْمِ الْهَرَبِ .
وَأَمَّا قِسْمُ الطَّلَبِ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : طَلَبُ دِينٍ وَطَلَبُ دُنْيَا ؛ فَأَمَّا طَلَبُ الدِّينِ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ ، وَلَكِنَّ أُمَّهَاتِهِ الْحَاضِرَةَ عِنْدِي الْآنَ تِسْعَةٌ : الْأَوَّلُ : سَفَرُ الْعِبْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } .
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَيُقَالُ : إنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ إنَّمَا طَافَ الْأَرْضَ لِيَرَى عَجَائِبَهَا .
وَقِيلَ : لَيُنْفِذَ الْحَقَّ فِيهَا .
الثَّانِي : سَفَرُ الْحَجِّ .
وَالْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَهَذَا فَرْضٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الثَّالِثُ : سَفَرُ الْجِهَادِ ، وَلَهُ أَحْكَامُهُ .
الرَّابِعُ : سَفَرُ الْمَعَاشِ ؛ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الرَّجُلِ مَعَاشُهُ مَعَ الْإِقَامَةِ ، فَيَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ احْتِطَابٍ أَوْ احْتِشَاشٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ : سَفَرُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى الْقُوتِ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } يَعْنِي : التِّجَارَةَ .
وَهَذِهِ نِعْمَةٌ مَنَّ بِهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ ، فَكَيْفَ إذَا انْفَرَدَتْ .
السَّادِسُ : فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ .
السَّابِعُ : قَصْدُ الْبِقَاعِ الْكَرِيمَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نَوْعَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْمَسَاجِدُ الْإِلَهِيَّةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .
الثَّانِي : الثُّغُورُ لِلرِّبَاطِ بِهَا ، وَتَكْثِيرُ سَوَادِهَا لِلذَّبِّ عَنْهَا ؛ فَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ كَثِيرٌ .
الثَّامِنُ : زِيَارَةُ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
التَّاسِعُ : السَّفَرُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، .
وَسَيَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَبَعْدَ هَذَا فَالنِّيَّةُ تَقْلِبُ الْوَاجِبَ مِنْ هَذَا حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا بِحَسَبِ حُسْنِ الْقَصْدِ وَإِخْلَاصِ السِّرِّ عَنْ الشَّوَائِبِ .
وَقَدْ تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ إلَى تَفْصِيلٍ ؛ هَذَا أَصْلُهَا الَّتِي تَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ ، وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ إلَّا فَرْضٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ .
وَتَعَلَّقُوا بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ ، حَتَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ ، بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ بِعَيْنِهِ .
وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : { فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِهَا } .
السَّادِسُ : أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَائِشَةُ قَالَتْ : أَتِمُّوا ، فَقَالُوا لَهَا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْصُرُ .
قَالَتْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَرْبٍ ، وَكَانَ يَخَافُ ؛ فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ ؟ أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ
فَفَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا وَاجِبًا مِنْ نَدْبٍ ، { وَقَدْ قَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهَا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا تَقْصُرْ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ فَعُمُومُ الْقُرْآنِ أَيْضًا يَقْضِي عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ قُرْبَةً مِنْ مُبَاحٍ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ : الصَّحِيحُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَلِأَنَّهَا فَرْضٌ مُعَيَّنٌ لِلسَّفَرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَعَلَّقَتْ لَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْعِرَاقِيِّينَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ فَسَادهَا .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْحَدِيثِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، يُعَارِضُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي كِتَابِهِ الْقَصْرَ تَخْفِيفًا ، وَالتَّمَامَ أَصْلًا ، وَيُعَارِضُ أَيْضًا الْأُصُولَ الْمَعْقُولَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِقَامَةَ فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا ، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَقَلَبَهَا فِي الْحَدِيثِ الرَّاوِي ؛ وَأَقْوَاهُ { أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَرَ وَأَتْمَمْت ، وَأَفْطَرَ وَصُمْت ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ ، وَكَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ } .
وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَأَشْكَلُ دَلِيلٍ فِيهِ لَهُمْ أَنْ قَالُوا : إنَّا بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ ، وَالْعَزَائِمُ لَا تَتَغَيَّرُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ كَالتَّيَمُّمِ .
قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ رُخْصَةٌ ، وَعَلَيْهِ تَنْبَنِي الْمَسْأَلَةُ ، وَالرُّخْصُ لَا تَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : تَلَاعَبَ قَوْمٌ بِالدِّينِ ؛ فَقَالُوا : إنْ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَى ظَاهِرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَكَلَ .
وَقَائِلُ هَذَا أَعْجَمِيٌّ لَا يَعْرِفُ السَّفَرَ
عِنْدَ الْعَرَبِ ، أَوْ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ ؛ وَلَوْ لَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوهُ مَا رَضِيت أَنْ أَلْمَحَهُ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِي ، وَلَا أَنْ أُفَكِّرَ فِيهِ بِفُضُولِ قَلْبِي ؛ وَقَدْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيرِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدَّرُونَهُ بِيَوْمٍ .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ بِأَنَّ السَّفَرَ كُلُّ خُرُوجٍ تُكَلِّفَ لَهُ وَأُدْرِكَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْقَصْرَ قَصْرُ عَدَدٍ ، وَهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا قَصْرُ الْحُدُودِ وَتَغْيِيرُ الْهَيْئَاتِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْقَصْرَ فِي الْعَدَدِ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى اثْنَيْنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَقْصُرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَى وَاحِدَةٍ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ هَيْئَتِهَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا حَالَةَ الْخَوْفِ ، وَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ عَدَدِهَا إلَى ثِنْتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا فِي حَالَةِ الْأَمْنِ .
وَأَمَّا الْقَصْرُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ إلَى وَاحِدَةٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً .
وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ خِفْتُمْ } : فَشَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَوْفَ فِي الْقَصْرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ بِالْفِعْلِ ؛ هَلْ يَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْفِعْلِ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ بِثُبُوتِهِ وَيَسْقُطَ بِسُقُوطِهِ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ ، وَهُمْ نُفَاةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِاللُّغَةِ وَلَا بِالْكِتَابِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ بَيَانًا شَافِيًا .
وَعَجَبًا لَهُمْ .
{ قَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ حِفْتُمْ } فَهَا نَحْنُ قَدْ أَمِنَّا .
قَالَ : عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ .
فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ .
} وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : إنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ يَعْنِي نَجِدُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ ؛ فَهَذِهِ الصَّحَابَةُ الْفُصَّحُ ، وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ ارْتِبَاطَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ ، وَتُسْلِمُ فِيهِ وَتَعْجَب مِنْهُ ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ الْعَرَبِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا ، فَلْيُنْظَرْ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِنَا عَلَيْهِ .
وَلَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ إلَى أَنْ قَالُوا : إنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ : { مِنْ الصَّلَاةِ } وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : { إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ } وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ وَلَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مَعَهُمَا .
وَفِي الصَّحِيحِ
عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : { صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى ، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرُهُ رَكْعَتَيْنِ } ؛ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَهِلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ تَكَلَّمُوا بِرَأْيِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ .
وَهَذَا نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَقَوْلٍ مَذْمُومٍ ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ مَطْلَبٌ لِأَحَدٍ إلَّا لِجَاهِلٍ مُتَعَسِّفٍ أَوْ فَارِغٍ مُتَكَلِّفٍ ، أَوْ مُبْتَدِعٍ مُتَخَلِّفٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَصْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةَ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ ، { وَإِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَتَمَّ بِمِنًى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ } .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { : وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ الَّتِي قَبْلَهَا عَدَدًا فَقَدْ زَعَمَ قَوْلُهُمْ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا بِهَا مُرْتَبِطَةٌ .
وَقَدْ فَصَّلْنَاهَا خِطَابًا وَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حُكْمًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ دُونَ اخْتِلَالٍ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ } .
فَإِنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ شَرْطًا فِي الْقَصْرِ " وَكَانَ الْمَعْنَى أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ حُدُودِهَا ، فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانُ صِفَةِ ذَلِكَ الْقَصْرِ مِنْ الْحُدُودِ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً لَمْ يَرْتَبِطْ بِالْأَوَّلِ ، فَهَذَا بَيَانُهُ ، فَيَقُولُ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ مِرَارًا عِدَّةً بِهَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ } ، فَقِيلَ فِي مَجْمُوعِهَا : إنَّهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ صِفَةً ، ثَبَتَ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ صِفَةً قَدْ شَرَحْنَاهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
وَاَلَّذِي نَذْكُرُهُ لَكُمْ الْآنَ مَا نُورِدُهُ أَبَدًا فِي الْمُخْتَصَرَاتِ ، وَذَلِكَ عَلَى ثَمَانِي صِفَاتٍ : الصِّفَةُ الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى
بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً .
} الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ : { قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَصَفّنَا صَفَّيْنِ ؛ صَفًّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ انْحَدَرْنَا بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا ، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ انْحَدَرْنَا بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيه انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ ، فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا } .
الصِّفَة الثَّالِثَةُ : عَنْ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ قُدَّامُهُمْ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ } .
الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ : يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ { إنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ
مَعَهُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى وَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا ، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ .
} الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ جَابِرٌ : { أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ } .
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ : عَنْ ابْنِ عُمَرَ : يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ وَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا قِيَامًا وَرُكْبَانًا } .
قَالَ نَافِعٌ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا ، لَا أَرَى ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ السِّتُّ فِي الصَّحِيحِ الثَّابِتِ .
الصِّفَةُ السَّابِعَةُ : عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَقَامَ صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ، وَجَاءَ الْآخَرُونَ ؛
فَقَامُوا مَقَامَهُمْ ، وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ وَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمُوا ، ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِي الْعَدُوِّ ، وَرَجَعَ أُولَئِكَ مَقَامَهُمْ ، فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا } .
الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا } ، وَمِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ فِي الْمُصَنَّفَاتِ خَرَّجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَمَا بَقِيَ غَيْرُهَا مِنْ السِّتَّ عَشْرَةَ صِفَةً عَلَى سِتَّةِ أَقْوَال : الْأَوَّلُ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ : هِيَ سَاقِطَةٌ كُلُّهَا ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } فَإِنَّمَا أَقَامَ الصَّلَاةَ خَوْفِيَّةً بِشَرْطِ إقَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِهِمْ .
قُلْنَا لَهُمْ : فَالْآنَ مَا يَصْنَعُونَ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَتْرُكُ الصَّلَاةَ مَعَ الذِّكْرِ لَهَا وَالْعِلْمِ بِهَا وَبِوَقْتِهَا كَانَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا بِهَا وَاقْتِدَاءً بِمَنْ فَاتَ ، وَإِنْ قَالَ يَفْعَلُهَا عَلَى الْحَالَةِ الْمُعْتَادَةِ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الِاقْتِدَاءُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ } وَالِائْتِمَامُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ فِي الصَّحِيحِ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } ، وَاَللَّهُ قَالَ لَهُ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } وَهُوَ قَالَ لَنَا : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الثَّانِي : قَالَتْ طَائِفَةٌ : أَيُّ صَلَاةٍ صَلَّى مِنْ
هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الصِّحَاحِ الْمَرْوِيَّةِ جَازَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الَّذِي يُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وَيَتَحَقَّق تَأَخُّرُ غَيْرِهِ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمَ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى التَّرْجِيحُ فِيمَا جُهِلَ تَارِيخُهُ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي نَسْخِ الْفِعْلِ لِلْفِعْلِ فِي الْأُصُولِ فِي الْمَحْصُولِ ، وَهَذَا كَانَ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ لَوْ لَا أَنَّا نَبْقَى فِي الْإِشْكَالِ بَعْدَ تَحْدِيدِ الْمُتَقَدِّمِ .
الرَّابِعُ : قَالَ قَوْمٌ : مَا وَافَقَ صِفَةَ الْقُرْآنِ مِنْهَا فَهُوَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَمَا خَالَفَهَا مَظْنُونٌ ، وَلَا يُتْرَكُ الْمَقْطُوعُ بِهِ لَهُ ، وَعَلَّقُوهُ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ لِلسُّنَّةِ ؛ وَهَذَا مُتَعَلَّقٌ قَوِيٌّ ، لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إنَّمَا كَانَتْ لِيُجْمَعَ بَيْنَ التَّحَرُّزِ مِنْ الْعَدُوِّ وَإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ ، فَكَيْفَمَا أَمْكَنَتْ فُعِلَتْ ، وَصِفَةُ الْقُرْآنِ لَمْ تَأْتِ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ .
وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمُمْكِنَةِ ، وَهَذَا بَالِغٌ .
الْخَامِسُ : تَرْجِيحُ الْأَخْبَارِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَهَا أَوْ مَزِيدِ عَدَالَتِهِمْ فِيهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، فَرَجَّحْنَا خَبَرَ سَهْلٍ وَصَالِحٍ ، ثُمَّ رَجَّحْنَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ ؛ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَخَفَّ فِعْلًا ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ أَحْفَظَ لِأُهْبَةِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ : السَّادِسُ : مِثَالُ ذَلِكَ إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فِي الْخَوْف .
قُلْنَا : نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ نُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ فِي الِانْتِظَارِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَةً لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَهَا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ .
وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ بِالسَّلَامِ بَعْدَ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ طُولٌ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعِهِ ، وَهَذِهِ نُبْذَةٌ كَافِيَةٌ لِلْبَابِ الَّذِي تَصَدَّيْنَا إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا صَلَّوْا أَخَذُوا سِلَاحَهُمْ عِنْدَ الْخَوْفِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْمِلُهَا .
قَالُوا : لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَمْلُهَا لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا .
قُلْنَا : لَمْ يَجِب عَلَيْهِمْ حَمْلُهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ قُوَّةً لَهُمْ وَنَظَرًا ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَلَا تَعَلُّقَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَاعْلَمْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِعُسْفَانَ صَلَاةَ الظُّهْرِ ، فَرَأَوْهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ فُرْصَةً لَكُمْ } .
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : فَإِنَّ لَهُمْ صَلَاةً أُخْرَى هِيَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلَيْهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَاسْتَعِدُّوا حَتَّى تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } : وَهَذَا سُقْنَاهُ لِتَتَبَيَّنُوا أَنَّهَا آيَةٌ أُخْرَى فِي قِصَّةٍ غَيْر قِصَّةِ الْقَصْرِ ، وَتَتَحَقَّقُوا غَبَاوَةَ مَنْ حَذَفَ الْوَاوَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُصَلِّي حَالَ الْمُسَايَفَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا تَصِحُّ مَعَهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ ، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ فِي الْخَوْفِ كَالرُّعَافِ .
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ الصَّحِيحُ : { فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } ؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَصِفَةِ مَوْقِفِ الْعَدُوِّ .
وَأَمَّا الزِّحَافُ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فُعِلَتْ كَمَا أَنَّهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فُعِلَ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ .
وَمَا قُلْنَاهُ أَرْجَحُ ؛ لِأَنَّا نَحْنُ أَسْقَطْنَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ أَسْقَطَ أَصْلَ الصَّلَاةِ ، فَهَذَا أَرْجَحُ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ شَيْءٍ ، فَلِعُلَمَائِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يُعِيدُونَ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ ، فَجَازَ لَهُمْ كَمَا لَوْ أَخْطَئُوا الْقِبْلَةَ .
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُمْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ ، فَعَادُوا إلَى الصَّوَابِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَالْمُضَاءُ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَتَرْكُ الْإِعَادَةِ أُولَى ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَاجْتَهَدُوا وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ لَا فِي الْقِبْلَةِ وَلَا فِي الْخَوْفِ وَلَا فِي أَمْثَالِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا تَابَعَ الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ حِينَئِذٍ صَلَاةً ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مُحَارَبَةً .
قُلْنَا : يَا حَبَّذَا الْفَرْضَانِ إذَا اجْتَمَعَا ، وَإِذَا كَانَتْ الْحَرَكَةُ لَعِبًا لَمْ تَنْتَظِمْ مَعَ الصَّلَاةِ ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عِبَادَةً وَاجِبَةً وَتُعُيِّنَتَا جَمِيعًا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُصَلِّي وَيُقَاتِلُ ؛ وَعُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُكْبَانًا ، وَعَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَمُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } يُعْطِي جَوَازَ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَفْتَقِرُ الْقَصْرُ وَالْخَوْفُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ ، وَهَذِهِ إحْدَى خَطِيئَاتِهِ ؛ فَلَهُ انْفِرَادَاتٌ يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ مَقَامِ الْمُتَثَبِّتِينَ .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ طَارِئَةٌ ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَجْدِيدٍ مِنْ نِيَّةٍ كَالْجُمُعَةِ .
فَإِنْ قِيلَ الْجُمُعَةُ بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ ، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَتْ إلَى نِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ .
قُلْنَا : رُبَّمَا قَلَبْنَا الْأَمْرَ ، فَقُلْنَا الْجُمُعَةُ أَصْلٌ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَلَامُهُمْ ؟ الثَّانِي : إنَّا نَقُولُ : وَهَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ ، أَلَيْسَتْ صَلَاةُ الْقَصْرِ بَدَلًا ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ بَدَلًا آخَرَ ؟ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ سَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا بَدَلًا أَوْ أَصْلًا لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهَا فِي الصِّفَاتِ وَالشُّرُوطِ وَالْهَيْئَاتِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ هَاهُنَا ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ وَأَنْ تُسْتَأْنَفَ لَهُ نِيَّةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ } : نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَطَرُ ، وَمَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ جُرْحٍ ، فَرَخَّصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي تَرْكِ السِّلَاحِ وَالتَّأَهُّبِ لِلْعَدُوِّ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ التَّأَهُّبِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْعَدُوِّ وَتَرْكِ الِاسْتِسْلَامِ ؛ فَإِنَّ الْجَيْشَ مَا جَاءَهُ قَطُّ مُصَابٌ إلَّا مِنْ تَفْرِيطٍ فِي حَذَرٍ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } .
قَالَ قَوْمٌ : هَذِهِ الْآيَةُ وَاَلَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ سَوَاءٌ ، وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٍ ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ
يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ } أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْهَا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، كَمَا قَالَ : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ إذَا كُنْتُمْ فِيهَا قَاضِينَ لَهَا ، فَأْتُوهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِكُمْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَمُصَافَّتِكُمْ لِلْعَدُوِّ وَكَرِّكُمْ وَفَرِّكُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } : يَعْنِي بِحُدُودِهَا وَأُهْبَتِهَا وَكَمَالِ هَيْئَتِهَا فِي السَّفَرِ وَكَمَالِ عَدَدِهَا فِي الْحَضَرِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ : يُصَلِّي رَاحِلًا وَرَاكِبًا ، كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَمَا قَدَرَ يُومِئُ إيمَاءً كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَيَكُونُ فِي كُلِّ حَالَةٍ حُكْمٌ لَهُ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَيْهِ وَحُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } : قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ مَفْرُوضًا ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْوَقْتِ ، وَمَا أَظُنُّهُ ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ الزَّمَانِ ؛ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ } ؛ فَدَلَّ أَنَّ مَعْنَاهُ مَفْرُوضًا حَقِيقَةً .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنُوطَةٌ بِوَقْتٍ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَقَدْ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ مُرْتَبِطَةٌ بِوَقْتٍ إذَا زَالَ لَمْ تُفْعَلْ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ الْوَقْتَ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ لَا شَرْطَ فِيهِ ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِفِعْلِهَا مَضَى الْوَقْتُ أَوْ بَقِيَ .
وَلَا نَقُولُ إنَّ الْقُضَاةَ بِأَمْرِ ثَانٍ بِحَالٍ .
وَقَدْ رَبَطْنَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُمْ : إنَّ مَوْقُوتًا مَحْدُودًا
بِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَسُنَنٍ وَفَرَائِضَ ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ لُغَةً مُحْتَمَلٌ مَعْنًى .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا كَوَقْتِ الْحَجِّ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَقْتٌ لِلذِّكْرِ } ، وَكَمَا دَامَ ذِكْرُهَا وَجَبَ فِعْلُهَا وَأَدَاؤُهَا .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لَلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي أُبَيْرِقٍ ؛ سَرَقُوا طَعَامَ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ قَوْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَيْرٍ ، { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ذَلِكَ ، فَطَالَبَهُمْ عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَقَالَ رِفَاعَةُ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَرَ رِفَاعَةَ وَأَخْزَى اللَّهُ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِقَوْلِهِ : { بِمَا أَرَاك اللَّهُ } } أَيْ بِمَا أَعْلَمَك ، وَذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ بِنَظَرٍ ، وَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَضُدِ أَهْلِ التُّهَمِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُمْ بِمَا يَقُولُهُ خَصْمُهُمْ مِنْ الْحُجَّةِ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطَلِ وَالْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ .
الْآيَةُ الْمُوَفِّيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } هَذِهِ الْآيَةُ آيَةٌ بِكْرٌ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ فِيهَا ذِكْرٌ ، وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْإِخْلَاصُ ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ ظَاهِرُ الْمَرْءِ وَبَاطِنُهُ .
وَالثَّانِي : النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ .
فَالنَّجْوَى خِلَافُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَبَعْدَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْخَلْقِ مِنْ أَمْرٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَيَخُصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بِصِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ؛ وَالْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَالسَّعْيِ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَفِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ } : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّجْوَى مَصْدَرًا ، كَالْبَلْوَى وَالْعَدْوَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمُنْتَجِينَ كَمَا قَالَ : { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } .
فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُنْتَجِينَ فَقَوْلُهُ : { إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } اسْتِثْنَاءُ شَخْصٍ مِنْ شَخْصٍ ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَذْفِ تَقْدِيرِهِ : إلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي صِفَةِ النَّجْوَى : ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ } .
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ، وَهُوَ ضَرَرٌ ؛ وَالضَّرَرُ لَا يَحِلُّ بِإِجْمَاعٍ ، وَبِالنَّصِّ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ النَّاسُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَمُنَافِقٍ وَمُخْلِصٍ ، حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ حَيْثُ يَتَوَقَّعُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حِيلَةٍ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَجَمِيلِ الْأَدَبِ ؛ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ .
وَالصَّحِيحُ بَقَاءُ النَّهْيِ وَتَمَادِي الْأَمْرِ وَعُمُومُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ .
{ مَخَافَةَ أَنْ يُحْزِنَهُ } .
وَأَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَدَعَا رَابِعًا ، وَأَوْقَفَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ رَيْثَمَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ يَعْنِي أَرْبَعٌ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا عُلِمَتْ بِالنَّظَرِ اطَّرَدَتْ حَيْثُمَا وُجِدَتْ ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا أَيْنَمَا كَانَتْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ تَحْزِينُ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ الْعَدَدُ كَانَ التَّحْزِينُ أَكْثَرَ ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ آكَدَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّلٌ بِتَحْزِينِ الْوَاحِدِ فَإِذَا اسْتَأْذَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ جَازَ وَلَمْ يَحْرُمْ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلِأُمَنِّيَنهمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَشِفَ الْهَيْئَةِ ، فَصَعَّدَ فِي النَّظَرِ وَصَوَّبَهُ فَقَالَ : هَلْ لَك مِنْ مَالٍ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : مِنْ أَيِّ الْمَالِ ؟ قُلْت : مِنْ كُلِّ الْمَالِ آتَانِي اللَّهُ فَأَكْثَرَ وَأَطْيَبَ ؛ الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ وَالرَّقِيقُ وَالْغَنَمُ .
قَالَ : فَإِذَا آتَاك اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْك .
ثُمَّ قَالَ : هَلْ تُنْتِجُ إبِلُ قَوْمِك صِحَاحًا آذَانُهَا فَتَعْمِدُ إلَى الْمَوْسِيِّ فَتَشُقُّ آذَانَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ بَحْرٌ ؛ وَتَشُقَّ جُلُودَهَا ، وَتَقُولَ : هَذِهِ صُرُمٌ لِتُحَرِّمَهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِك ؟ قَالَ : قُلْت : أَجَلْ .
قَالَ : فَكُلُّ مَا أَتَاك اللَّهُ حِلٌّ وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ ، وَسَاعِدُهُ أَشَدُّ الْحَدِيثَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا كَانَ مِنْ إبْلِيسَ مَا كَانَ مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ السُّجُودِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآمِرِ بِهِ بِالتَّسْفِيهِ أَنْفَذَ اللَّهُ فِيهِ حُكْمَهُ وَأَحَقَّ عَلَيْهِ لَعَنَتْهُ ، فَسَأَلَهُ النَّظْرَةَ ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا زِيَادَةً فِي لَعْنَتِهِ ، فَقَالَ لِرَبِّهِ : { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلِأُضِلَّنَّهُمْ وَلِأُمَنِّيَنهمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } وَكَانَ مَا أَرَادَ ، وَفَعَلَتْ الْعَرَبُ مَا وَعَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَتَحْرِيمٌ ، وَتَحْلِيلٌ بِالطُّغْيَانِ ، وَقَوْلٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ ، وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ ، فَلِذَلِكَ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنْ يُغَيِّرَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَرْكَبُ عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ
الْكُفْرُ بِهِ ، لَا جَرَمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ } ، مَعْنَاهُ أَنْ تُلْحَظَ الْأُذُنُ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مَقْطُوعَةً أَوْ مَشْقُوقَةً ؛ فَتُجْتَنَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الشَّيْطَانِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ } ، وَهِيَ هَذِهِ ، وَشَبَّهَهَا مِمَّا وَفَّى فِيهَا لِلشَّيْطَانِ بِشَرْطِهِ حِينَ قَالَ : { فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلْيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَمِّ الْغَنَمَ فِي آذَانِهَا } ، وَكَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّدُ الْهَدْيَ وَيُشْعِرُهُ أَيْ يَشُقُّ جِلْدَهُ ، وَيُقَلِّدُهُ نَعْلَيْنِ ، وَيُسَاقُ إلَى مَكَّةَ نُسُكًا } ؛ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ بِدْعَةٌ ؛ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ ، لَهِيَ [ فِيهَا ] أَشْهَرُ مِنْهُ فِي الْعُلَمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَسْمُ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ بِالنَّارِ فِي أَعْنَاقِهَا وَأَفْخَاذِهَا مُسْتَثْنًى مِنْ التَّغْيِيرِ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَاسْتِثْنَاءِ مَا سَلَف .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُوتَشِرَةَ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ } .
فَالْوَاشِمَةُ هِيَ الَّتِي تَجْرَحُ الْبَدَنَ نُقَطًا أَوْ خُطُوطًا ، فَإِذَا جَرَى الدَّمُ حَشَتْهُ كُحْلًا ، فَيَأْتِي خِيلَانًا وَصُوَرًا فَيَتَزَيَّنُ بِهَا النِّسَاءُ لِلرِّجَالِ ؟ وَرِجَالُ صِقِلِّيَّةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ يَفْعَلُونَهُ لِيَدُلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى رُجْلَتِهِ فِي حَدَاثَتِهِ .
وَالنَّامِصَةُ : هِيَ نَاتِفَةُ الشَّعْرِ ، تَتَحَسَّنُ بِهِ .
وَأَهْلُ مِصْرَ يَنْتِفُونَ شَعْرَ الْعَانَةِ ، وَهُوَ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ حَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ ، فَأَمَّا نَتْفُ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يُرْخِيهِ وَيُؤْذِيهِ وَيُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ .
وَالْوَاشِرَةُ : هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ أَسْنَانَهَا .
وَالْمُتَفَلِّجَةُ : هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فَرْجًا وَهَذَا كُلُّهُ تَبْدِيلٌ لِلْخِلْقَةِ ، وَتَغْيِيرٌ لِلْهَيْئَةِ ، وَهُوَ حَرَامٌ .
وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي الْآيَةِ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا : التَّغْيِيرُ لِخَلْقِ اللَّهِ يُرِيدُ بِهِ دِينَ اللَّهِ ؛ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا فَلَا نَقُولُ : إنَّهُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا غَيَّرَ الشَّيْطَانُ وَحَمَلَ الْآبَاءَ عَلَى تَغْيِيرِهِ ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ يَقَعُ التَّغْيِيرُ عَلَى يَدِي الْأَبِ وَالْكَافِلِ وَالصَّاحِبِ ، وَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ التَّابِعِينَ جُمْلَةً : تَوْخِيَةُ الْخِصَاءِ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ .
فَأَمَّا فِي الْآدَمِيِّ فَمُصِيبَةٌ ، وَأَمَّا فِي [ الْحَيَوَانِ ] وَالْبَهَائِمِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ مَكْرُوهٌ ، لِأَجْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .
وَرَوَى مَالِكٌ كَرَاهِيَتَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَقَالَ : فِيهِ نَمَاءُ الْخَلْقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ جَائِزٌ ؛ وَهُمْ الْأَكْثَرُ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِهِ تَعْلِيقَ الْحَالِ بِالدِّينِ لِصَنَمٍ يُعْبَدُ ، وَلَا لِرَبٍّ يُوَحَّدُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ تَطْيِيبُ اللَّحْمِ فِيمَا يُؤْكَلُ ، وَتَقْوِيَةُ الذَّكَرِ إذَا انْقَطَعَ أَمَلُهُ عَنْ الْأُنْثَى ، وَالْآدَمِيُّ عَكْسُهُ إذَا خُصِيَ بَطَلَ قَلْبُهُ وَقُوَّتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : رَوَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ طَاوُسًا كَانَ لَا يَحْضُرُ نِكَاحَ سَوْدَاءَ بِأَبْيَضَ ، وَلَا بَيْضَاءَ بِأَسْوَدَ ، وَيَقُولُ : هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : { فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } .
وَهُوَ أَنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ وَمُطْلَقُهُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا أَنَفَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِكَاحِ مَوْلَاهُ زَيْدٍ ، وَكَانَ أَبْيَضَ ، بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ أُمِّ أُسَامَةَ ، فَكَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ مِنْ أَبْيَضَ ، وَهَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى طَاوُسٍ مِنْ عِلْمِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِنَا فِي آيَةِ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ فَلَا يُجِيبُ ، حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ } ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَالِ } .
هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَثِيرٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : طَلَبْنَا مَا قَالَ مَالِكٌ فَوَجَدْنَاهُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا : قَوْلُهُ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى } .
{ وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ } .
{ يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا } .
{ يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } .
{ يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ السَّاعَةِ } .
{ يَسْأَلُك النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَالِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ } : الَّذِينَ لَا أَبَ لَهُمْ ، أَكَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمْرَهُمْ وَأَكَّدَ أَمْرَ الْيَتَامَى ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا أَبًا لَهُمْ ؛ فَيُحْتَمَلُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونُوا هُمْ ، أَكَّدَ أَمْرَهُمْ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخَصَّ بِهِ مِنْ الضَّعْفِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مَنْ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ ضَعِيفًا ، وَالْيَتِيمُ الْمُنْفَرِدُ بِالضَّعْفِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مَنْ رَمَاهُ أَهْلُهُ وَدَفَعَهُ أَبُوهُ عَنْ نَفْسِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَمْرِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قَالَتْ عَائِشَةُ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا أَنْ يُفَارِقَهَا ، فَيَقُولُ : أَجْعَلُك مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
قَالَ الْقَاضِي رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى الصِّدِّيقَة الطَّاهِرَةِ : لَقَدْ وَفَتَّ مَا حَمَلَهَا رَبُّهَا مِنْ الْعَهْدِ فِي قَوْلِهِ : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } .
وَلَقَدْ خَرَجَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ الْعَهْدِ .
{ وَهَذَا كَانَ شَأْنُهَا مَعَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ لَمَّا أَسَنَّتْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَآثَرَتْ الْكَوْنَ مَعَ زَوْجَاتِهِ .
فَقَالَتْ لَهُ : امْسِكْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ ، فَفَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَاتَتْ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِهِ } .
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَائِشَةَ .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الرُّعْنِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الرَّجُلَ إذَا أَخَذَ شَبَابَ الْمَرْأَةِ وَأَسَنَّتْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَبَدَّلَ بِهَا ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ حَرَجًا وَجَعَلَ مِنْ هَذِهِ الضِّيقَةِ مَخْرَجًا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذْرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَلَّفَ الرِّجَالَ الْعَدْلَ بَيْنَ النِّسَاءِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ ، وَهَذَا وَهْمٌ عَظِيمٌ ، فَإِنَّ الَّذِي كَلَّفَهُمْ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ فِي الظَّاهِرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } .
وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَطَاعٌ ، وَاَلَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ قَطُّ إيَّاهُ ؛ وَهُوَ النِّسْبَةُ فِي مَيْلِ النَّفْسِ ؛ وَلِهَذَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسَمِ ، وَيَجِدُ نَفْسَهُ أَمْيَلَ إلَى عَائِشَةَ فِي الْحُبِّ ، فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَسْأَلْنِي فِي الَّذِي تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ } يَعْنِي قَلْبَهُ ، وَالْقَاطِعُ لِذَلِكَ ، الْحَاسِمُ لِهَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنَّا فِي تَكْلِيفِ مَا لَا نَسْتَطِيعُ فَضْلًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَنَا إيَّاهُ حَقًّا وَخُلُقًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : سَأَلْت عَبِيدَةُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : هُوَ الْحُبُّ وَالْجِمَاعُ .
وَصَدَقَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ ؛ إذْ قَلْبُهُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ .
وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ قَدْ يَنْشَطُ لِلْوَاحِدَةِ مَا لَا يَنْشَطُ لِلْأُخْرَى ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ مِنْهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَكْلِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ }
: قَالَ الْعُلَمَاءُ : أَرَادَ تَعَمُّدَ الْإِتْيَانِ ، وَذَلِكَ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَجَعَلَ إلَيْهِ ، مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ : غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ ، فَكَانَ ضِلْعُهُ مَعَ الْفَقِيرِ ، يَرَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَظْلِمُ الْغَنِيَّ ، فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقِسْطُ : الْعَدْلُ .
بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، وَالْقَسْطُ بِفَتْحِهَا : الْجَوْرُ وَيُقَالُ : أَقْسَطَ إذَا عَدَلَ ، وَقَسَطَ إذَا جَارَ ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ : قَسَطَ الْبَعِيرُ قَسْطًا إذَا يَبِسَتْ يَدُهُ ، فَلَعَلَّ أَقْسَطَ سَلْبُ قَسَطَ ، فَقَدْ يَأْتِي بِنَاءُ أَفْعَلَ لِلسَّلْبِ .
كَقَوْلِهِ : أَعْجَمَ الْكِتَابُ إذَا سَلَبَ عُجْمَتَهُ بِالضَّبْطِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } : يَعْنِي فَعَّالِينَ ، مِنْ قَامَ ، وَاسْتَعَارَ الْقِيَامَ لِامْتِثَالِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْعَلُ فِي مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ وَهِيَ غَايَةُ الْفِعْلِ لَنَا ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ فَضَرَبَهُ هَاهُنَا مَثَلًا لِغَايَةِ الْقِيَامِ بِالْعَدْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { شُهَدَاءَ لِلَّهِ } : كُونُوا مِمَّنْ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ لِلَّهِ وَلِوَجْهِهِ ، فَيُبَادِرُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، وَيَقُولُ الْحَقَّ فِيهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِالْحَقِّ ، وَالْمَلَائِكَةُ وَأَوَّلُو الْعِلْمِ وَعُدُولُ الْأُمَّةِ ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِالْقِسْطِ فَقَدْ شَهِدَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ لِلَّهِ فَقَدْ شَهِدَ بِالْقِسْطِ ، وَلِهَذَا نَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى فِي الْمَائِدَةِ بِمَقْلُوبِ هَذَا النَّظْمِ ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَبْدَ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ ، وَيُسَمِّي الْإِقْرَارَ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةً ، كَمَا تُسَمَّى الشَّهَادَةُ عَلَى الْغَيْرِ الْإِقْرَارَ .
وَفِي حَدِيثِ { مَاعِزٍ : فَلَمْ يَرْجُمْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ } ، وَلَا يُبَالِي الْمَرْءُ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا فَاَللَّهُ يَفْتَحُ لَهُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } إلَّا أَنَّهُ فِي بَابِ الْحُدُودِ نَدَبَ إلَى أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتُوبَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَهُ ؛ بَلْ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَدِّ إذَا رَأَى غَيْرَهُ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ وَهُوَ صَاحِبُهُ ، فَيَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ لِيُخَلِّصَهُ وَيُبَرِّئَهُ .
رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ { عَنْ الْحَلَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ فِي السُّوقِ فَرَمَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا .
قَالَ : فَثَارَ النَّاسُ وَثُرْت فِيمَنْ ثَارَ ، فَانْتَهَيْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك ؟ فَقَالَ فَتًى حِذَاءَهَا : أَنَا أَبُوهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك ؟ فَسَكَتَتْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا حَدِيثَةُ السِّنِّ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِحُزْنٍ وَلَيْسَتْ تُكَلِّمُك ، أَنَا أَبُوهُ ؛ فَنَظَرَ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ ، فَقَالُوا : مَا عَلِمْنَا إلَّا خَيْرًا .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْصَنْت .
قَالَ : نَعَمْ ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ .
قَالَ : فَخَرَجْنَا فَحَفَرْنَا لَهُ حَتَّى أَمْكَنَّاهُ ثُمَّ رَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى هَدَأَ مُحْتَضَرًا } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ الْوَالِدَيْنِ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ عَلَى الْوَالِدَيْنِ : الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ بِرَّهُمَا ، بَلْ مِنْ بِرِّهِمَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِالْحَقِّ ، وَيُخْلِصَهُمَا مِنْ الْبَاطِلِ ، وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } فِي بَعْضِ مَعَانِيه .
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُمَا أَوْ شَهِدَا لَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْوَالِدِ وَالْأَخِ لِأَخِيهِ ، وَيَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } ؛ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَّهِمُ فِي ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْ النَّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ ، فَتُرِكَتْ شَهَادَةُ مِنْ يُتَّهَمُ ، وَصَارَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ ، وَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إذَا كَانُوا عُدُولًا .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَهُ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا إلَّا فِي النَّسَبِ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ فِي نَصِيبٍ مِنْ مَالٍ يَرِثُهُ ، وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ شَهَادَةُ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ
؛ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ عِنْدَهُ ، وَلَا إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ .
وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ أَصْلَ الشَّرِيعَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَلَا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ لِمَا بَيْنَهَا مِنْ الْبَعْضِيَّةِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا } .
وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ لَا تَجُوزُ ، إلَّا أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ قَالَ : إنَّهُ كَانَ يُسَامِحُ فِيهِ .
وَمَا رَوَى قَطُّ أَحَدٌ أَنَّهُ نَفَذَ قَضَاءٌ بِشَهَادَةِ وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَلَا وَالِدٍ لِوَلَدِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْمُسَامَحَةِ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَرِّحُونَ بِرَدِّهَا ، وَلَا يُحَذِّرُونَ مِنْهَا لِصَلَاحِ النَّاسِ ، فَلَمَّا فَسَدُوا وَقَعَ التَّحْذِيرُ ، وَنَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْأَصْلِ ، فَظَنَّ مَنْ تَغَافَلَ أَوْ غَفَلَ أَنَّ الْمَاضِينَ جَوَّزُوهَا ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ قَطُّ ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ جُزْءًا مِنْهُ فِي الْإِسْلَامِ ؛ وَتَبَعًا لَهُ فِي الْإِيمَانِ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ بِإِجْمَاعٍ ، وَمُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ بِاخْتِلَافٍ ، وَمَالُهُ لِأَبِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَهَكَذَا فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا بَيَانَ فَوْقَ هَذَا .
وَالْأَخُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا بَعْضِيَّةٌ فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ حَقِيقَةً وَعَادَةً ، فَجَوَّزَهَا الْعُلَمَاءُ فِي جَانِبِ الْأَخِ بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ الْمُبَرِّرَةِ ، مَا لَمْ تَجُرَّ نَفْعًا .
وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : يَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ بَعْضِهِمَا لِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ ؛ وَإِنَّمَا بَيْنَهُمَا عَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ ، وَهُوَ سَبَبٌ مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ : فَإِنَّ الزَّوْجِيَّةَ تُوجِبُ الْحَنَانَ وَالتَّعَطُّفَ وَالْمُوَاصَلَةَ وَالْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ ، وَلَهُ حَقٌّ فِي مَالِهَا عِنْدَنَا ، وَلِذَلِكَ لَا تَتَصَرَّفُ فِي
الْهِبَةِ إلَّا فِي ثُلُثِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَلَهَا فِي مَالِهِ حَقُّ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : أَلْحَقَ مَالِكٌ الصَّدِيقَ الْمُلَاطِفَ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ؛ فَهِيَ فِي الْعَادَةِ أَقْوَى مِنْهَا ، وَهِيَ فِي الْمَوَدَّةِ ؛ فَكَانَتْ مِثْلَهَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } : الْمَعْنَى لَا تَمِيلُوا بِالْهَوَى مَعَ الْفَقِيرِ لِضَعْفِهِ ، وَلَا عَلَى الْغَنِيِّ لِاسْتِغْنَائِهِ ، وَكُونُوا مَعَ الْحَقِّ ؛ فَاَللَّهُ الَّذِي أَغْنَى هَذَا وَأَفْقَرَ هَذَا أَوْلَى بِالْفَقِيرِ أَنْ يُغْنِيَهُ بِفَضْلِهِ بِالْحَقِّ لَا بِالْهَوَى وَالْبَاطِلِ ، وَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْغَنِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا فِي يَدِهِ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ ، لَا بِالتَّحَامُلِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ عِيَارًا لِمَا يَظْهَرُ مِنْ الْخُبْثِ وَمِيزَانًا لِمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ الْمَيْلِ ، عَلَيْهِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الدُّنْيَاوِيَّةُ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُجْرِي الْمَقَادِيرَ بِحِكْمَتِهِ ، وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحُكْمِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ جَمَاعَةٌ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَسَوَّى بَيْنَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبَوَيْنِ فِي الْأَمْرِ بِالْحَقِّ وَالْوَصِيَّةِ بِالْعَدْلِ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الدَّرَجَةِ ؛ كَمَا سَوَّى بَيْنَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا أَيْضًا فِي الدَّرَجَةِ ، وَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : لَا تَلْتَفِتُوا فِي الرَّحِمِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ فِي الْحَقِّ كُونُوا مَعَهُ عَلَيْهَا ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْعَدْلِ عَنْهُ لَهَا لَمَا خُصُّوا بِالْوَصِيَّةِ بِهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا } : مَعْنَاهُ لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ فِي طَلَبِ الْعَدْلِ بِرَحْمَةِ الْفَقِيرِ وَالتَّحَامُلِ عَلَى الْغَنِيِّ ، بَلْ ابْتَغَوْا الْحَقَّ فِيهِمَا ، وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا } : الْمَعْنَى إنْ مَطَلْتُمْ حَقًّا فَلَمْ تُنَفِّذُوهُ إلَّا بَعْدَ بُطْءٍ ، أَوْ عَرَضْتُمْ عَنْهُ جُمْلَةً فَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِعَمَلِكُمْ .
يُقَالُ لَوَيْت الْأَمْرَ أَلْوِيه لَيًّا وَلِيَّانًا ، إذَا مَطَلْته قَالَ غَيْلَانُ : تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيَّةٌ وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْأَعْمَشُ : وَإِنْ تَلُوا ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ ، وَأَكْثَرُ ، وَقَدْ رُدَّ إلَى الْأَوَّلِ بِوَجْهٍ عَرَبِيٍّ ؛ وَذَلِكَ أَنْ تُبْدِلَ مِنْ الْوَاوِ الْآخِرَةِ هَمْزَةً فَتَكُونَ تَلْوُوا ، ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةِ وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْوَاوِ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَل ذَلِكَ .
وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ تَلُوا مِنْ الْوِلَايَةِ ، أَيْ اسْتَقْلَلْتُمْ بِالْأَمْرِ أَوْ ضَعُفْتُمْ عَنْهُ فَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِذَلِكَ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } .
هَذَا خَبَرٌ ، وَالْخَبَرُ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ ، وَنَحْنُ نَرَى الْكَافِرِينَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي بِلَادِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ ، فَقَالَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فِي الْحُجَّةِ ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ .
الثَّانِي : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فِي الْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : أَمَّا حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ وُجُودِ الْحُجَّةِ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحُجَّةِ لِلْكَافِرِ مُحَالٌ ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْجَعْلُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ .
وَأَمَّا نَفْيُ وُجُودِ الْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضَعِيفٌ ؛ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْخَبَرِ فِيهِ ؛ وَإِنْ أَوْهَمَ صَدْرُ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ ؛ لِقَوْلِهِ : { فَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَأَخَّرَ الْحُكْمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي الدُّنْيَا دُولَةً تَغْلِبُ الْكُفَّارُ تَارَةً وَتُغْلَبُ أُخْرَى بِمَا رَأَى مِنْ الْحِكْمَةِ وَسَبَقَ مِنْ الْكَلِمَةِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } .
فَتَوَهَّمَ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِهِ ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ فَائِدَتَهُ .
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يَمْحُو بِهِ دَوْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُذْهِبُ آثَارَهُمْ ، وَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : وَدَعَوْت رَبِّي أَلَّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَجْعَلُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا مِنْهُ إلَّا أَنْ تَتَوَاصَوْا بِالْبَاطِلِ ،
وَلَا تَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَتَتَقَاعَدُوا عَنْ التَّوْبَةِ ؛ فَيَكُونُ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ مِنْ قَبْلِكُمْ ؛ وَهَذَا نَفِيسٌ جِدًّا .
الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَجْعَلُ لَلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا بِالشَّرْعِ ؛ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَبِخِلَافِ الشَّرْعِ ، وَنَزَعَ بِهَذَا عُلَمَاؤُنَا فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ ؛ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَفَى السَّبِيلَ لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ ، وَالْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ سَبِيلٌ فَلَا يُشْرَعُ وَلَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ مَعْنَى { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } فِي دَوَامِ الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّا نَجِدُ ابْتِدَاءَهُ يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ بِالْإِرْثِ ، وَصُورَتُهُ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدٌ كَافِرٌ فِي يَدَيْ كَافِرٍ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ ، فَقَبْلَ الْحُكْمِ بِبَيْعِهِ مَاتَ ، فَيَرِثُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَارِثُ الْكَافِرِ ، فَهَذِهِ سَبِيلٌ قَدْ ثَبَتَتْ ابْتِدَاءً ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ .
وَرَأَى مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحُكْمَ بِمِلْكِ الْمِيرَاثِ ثَابِتٌ قَهْرًا لَا قَصْد فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : مِلْكُ الشِّرَاءِ ثَبَتَ بِقَصْدِ الْيَدِ ، فَقَدْ أَرَادَ الْكَافِرُ تَمَلُّكَهُ بِاخْتِيَارِهِ .
قُلْنَا : فَإِنَّ الْحُكْمَ بِعَقْدِ بَيْعِهِ وَثُبُوتِ مِلْكِهِ ؛ فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ قَصْدُهُ وَجَعَلَ لَهُ سَبِيلُ الْيَدِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَة عَظِيمَةٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَحَكَمْنَا بِالْحَقِّ فِيهَا فِي كِتَابِ " الْإِنْصَافِ لِتَكْمِلَةِ الْإِشْرَافِ " ، فَلْيُنْظَرْ هُنَا لَك .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا } .
فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى } : يَعْنِي مُتَكَاسِلِينَ مُتَثَاقِلِينَ ، لَا يَنْشَطُونَ لِفِعْلِهَا ، وَلَا يَفْرَحُونَ لَهَا ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ : { أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ } .
فَكَانَ يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا .
وَفِي آثَارٍ آخَرَ : { وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ } ؛ فَإِنَّ الْعَتَمَةَ تَأْتِي وَقَدْ أَنْصَبَهُمْ عَمَلُ النَّهَارِ ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ إلَيْهَا ، وَتَأْتِي صَلَاةُ الصُّبْحِ ، وَالنَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصَّلَاةِ دُنْيَا وَلَا فَائِدَتَهَا أُخْرَى ؛ فَيَقُومُونَ إلَيْهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا خَوْفًا مِنْ السَّيْفِ وَمَنْ قَامَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ بِنِيَّةِ إتْعَابِ النَّفْسِ وَإِيثَارِهَا عَلَيْهَا ، طَالِبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَاَلَّذِي يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُرَاءُونَ النَّاسَ } : يَعْنِي أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ وَهُمْ يَشْهَدُونَهَا لَغْوًا ، فَهَذَا هُوَ الرِّيَاءُ الشِّرْكُ ، فَأَمَّا إنْ صَلَّاهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ يَعْنِي وَيَرَوْنَهُ فِيهَا ، فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْإِيمَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الرِّيَاءَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ بِهَا طَلَبَ الْمَنْزِلَةِ وَالظُّهُورِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَجَوَازِ الْإِمَامَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يُظْهِرَهَا صَيْدًا لِلدُّنْيَا وَطَرِيقًا إلَى الْأَكْلِ بِهَا ، فَهَذِهِ نِيَّةٌ لَا تُجْزِئُ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا } : وَرَوَى الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ .
تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ .
يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } .
فَذَمَّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَّةِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَبَلِ ، فَيَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهَا بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْ الذِّكْرِ فَرْضًا الْفَاتِحَةُ .
وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ إقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِمَا ، وَالِاسْتِوَاءُ عِنْدَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا .
فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } ، { وَعَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ فَقَالَ لَهُ : فَارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا ، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } .
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِرَاقِيَّةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَا ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ سِوَاهَا ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُرَهَا نَقْرَ الْغُرَابِ ، وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ بِهَا ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ ، وَقَدْ بَيَّنَ صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَبَيَّنَ صَلَاةَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } وَمَنْ خَشَعَ خَضَعَ
وَاسْتَمَرَّ ، وَلَمْ يَنْقُرْ وَلَا اسْتَعْجَلَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَيَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّاهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ : هَذَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجَزَةٌ فِي تَمَامٍ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يَظْلِمُ الرَّجُلَ ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَذْكُرَهُ بِمَا ظَلَمَهُ فِيهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَآخَرُونَ : إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَةِ ؛ إذَا نَزَلَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ضَيْفًا فَلَمْ يَقُمْ بِهِ جَازَ لَهُ إذَا خَرَجَ عَنْهُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ .
وَقَالَ رَجُلٌ لِطَاوُسٍ : إنِّي رَأَيْت مِنْ قَوْمٍ شَيْئًا فِي سَفَرٍ ، أَفَأَذْكُرُهُ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } .
وَقَالَ : { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } .
وَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الشُّورَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حُكُومَةً ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُهَا لِنَفْسِهِ حَتَّى أَنْفَذَ فِيهَا عَلَيْهِمْ عُمَرُ لِلْوَاجِبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَوَتْ الْمَنَازِلُ أَوْ تَقَارَبَتْ ؛ فَأَمَّا إذَا تَفَاوَتَتْ فَلَا تُمَكَّنُ الْغَوْغَاءُ مِنْ أَنْ تَسْتَطِيلَ عَلَى الْفُضَلَاءِ ، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ حَقَّهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِظُلْمٍ وَلَا غَضَبٍ ؛ وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآثَارُ .
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ } ، بِأَنْ يَقُولَ مَطَلَنِي ، وَعُقُوبَتُهُ بِأَنْ يُحْبَسَ لَهُ حَتَّى يُنْصِفَهُ .
=============================================ج7.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَإِنْ صَبَرَ وَغَفَرَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ ؛ وَصِفَةُ دُعَائِهِ عَلَى الظَّالِمِ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعْنِي عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ ، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَنْ يَدْعُو عَلَى سَارِقٍ سَرَقَهُ ، فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحْيِي عَنْهُ ، أَيْ لَا تُخَفِّفْ عَنْهُ بِدُعَائِك ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُؤْمِنًا ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَأُرْسِلْ لِسَانَك وَادْعُ بِالْهَلَكَةِ ، وَبِكُلِّ دُعَاءٍ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّصْرِيحِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالدُّعَاءِ وَتَعْيِينِهِمْ وَتَسْمِيَتِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ دَعَا عَلَيْهِ جَهْرًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِرْضٌ مُحْتَرَمٌ ، وَلَا بَدَنٌ مُحْتَرَمٌ ، وَلَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ .
وَقَدْ فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ ظُلِمَ } : قُرِئَ بِفَتْحِ الظَّاءِ ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا ، وَقَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى : لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ " مَنْ " رَفْعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَحَدٍ .
التَّقْدِيرُ : لَا يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ .
وَاَلَّذِي قَرَأَهَا بِالْفَتْحِ هُوَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْآيَةِ تَقْدِيرَهَا وَإِعْرَابَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .
وَاخْتِصَارُهُ أَنَّ الْآيَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حَذْفٍ مُقَدَّرٍ ، تَقْدِيرُهُ فِي فَاتِحَةِ الْآيَةِ لِيَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ مُرَكَّبًا عَلَى مَعْنًى مُقَدَّرٍ خَيْرٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فَنَقُولُ : مَعْنَى الْآيَةِ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ .
أَوْ نَقُولُ مُقَدَّرًا لِلْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَقُولَ تَقْدِيرُهُ : لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ فَإِنَّهُ كَذَا .
أَوْ مَنْ ظُلِمَ فَإِنَّهُ كَذَا ، التَّقْدِيرُ أَبْعَدُ مِنْهُ وَأَضْعَفُ ، كَمَا قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَقْدِيرًا انْتَظَمَ بِهِ الْكَلَامُ وَاتَّسَقَ بِهِ الْمَعْنَى ؛ قَالُوا : تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، لَكِنْ يَخَافُ الظَّالِمُونَ ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَأَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّهُمْ يُخَاطَبُونَ .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ نُهُوا عَنْ الرِّبَا وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْخِطَابِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا مُعَامَلَتُهُمْ ، وَالْقَوْمُ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَمْ لَا ؟ فَظَنَّتْ طَائِفَةٌ أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ لَا تَجُوزُ ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ رِبَاهُمْ وَاقْتِحَامِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ ، فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا وَسُنَّةً : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، { وَقَدْ عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ ، وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِعِيَالِهِ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَخَذَ ثَمَنَ الْخَمْرِ فِي الْجِزْيَةِ وَالتِّجَارَةِ ، فَقَالَ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْهُمْ عُشْرَ أَثْمَانِهَا ؛ وَالْحَاسِمُ لِدَاءِ الشَّكِّ وَالْخِلَافِ اتِّفَاقُ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ تَاجِرًا ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَذَلِكَ مِنْ سَفَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ قَاطِعٌ عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ إلَيْهِمْ وَالتِّجَارَةِ مَعَهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل النُّبُوَّةِ .
قُلْنَا : إنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّسْ قَبْل النُّبُوَّة بِحَرَامٍ ، ثَبَتَ ذَلِكَ تَوَاتُرًا ، وَلَا اعْتَذَرَ عَنْهُ إذْ بُعِثَ ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ إذْ نُبِّئَ ، وَلَا قَطَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ؛ فَقَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي فَكِّ الْأَسْرَى ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ؛ وَفِي الصُّلْحِ كَمَا أَرْسَلَ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ ، وَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَكُون نَدْبًا ، فَأَمَّا السَّفَرُ إلَيْهِمْ لِمُجَرَّدِ التِّجَارَةِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، كَيْف يَجُوزُ مُبَايَعَتُهُمْ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ ؟ قُلْنَا : سَامَحَ الشَّرْعُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَفِي طَعَامِهِمْ رِفْقًا بِنَا ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي الْمُخَاطَبَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ إلَّا وَنَفَاهُ ، وَلَا كَانَتْ فِي الْعُقُوبَةِ شِدَّةٌ إلَّا وَأَثْبَتَهَا عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مَعَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُمْ الشَّرْعَ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ الْأَحْكَامَ فَقَدْ بَدَّلُوا وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً الْتَزَمُوهَا ، فَأَجْرَى الشَّرْعُ الْأَحْكَامَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي بَيْعٍ وَطَعَامٍ حَتَّى فِي اعْتِقَادِهِمْ فِي أَوْلَادِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ ، سَوَاءٌ تَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ بِشِرْعَتِهِمْ أَوْ بِعَصَبِيَّتِهِمْ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ ؛ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِي الصُّلْحِ أَبْنَاؤُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ إذَا كَانَ الصُّلْحُ لِلْعَامَيْنِ وَنَحْوَهُمَا ؟ لِأَنَّهُمَا مُهَادَنَةٌ ، وَلَوْ كَانَ دَائِمًا أَوْ لِمُدَّةٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ مِنْ الصُّلْحِ مِثْلُ مَا لِآبَائِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ فَرَاعَى مَالِكٌ اعْتِقَادَهُمْ فِي
الْأَوْلَادِ وَالنِّسَاءِ ، كَمَا رَاعَى اعْتِقَادَهُمْ فِي الطَّعَامِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا مَعَ بَطَارِقَتِهِمْ يَعْنِي بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ جَازَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ عَامَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بِرِبًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَالَهُ حَلَالٌ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أُخِذَ جَازَ .
قُلْنَا : إنَّ مَا يَجُوزُ أَخْذُهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَلَّةٍ وَسَرِقَةٍ فِي سَرِيَّةٍ ، فَأَمَّا إذَا أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَ وَدَخَلَ دَارَهُمْ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفِيَ بِأَلَّا يَخُونَ عَهْدَهُمْ ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِمْ ، وَلَا شَيْءَ مِنْ أَمْرِهِمْ ؛ فَإِنْ جَوَّزَ الْقَوْمُ الرِّبَا فَالشَّرْعُ لَا يُجَوِّزُهُ .
فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ : إنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُسْلِمُ مُخَاطَبٌ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ لَمَّا قَالَ : إنَّ مَنْ زَنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَرْبِيَّةٍ لَمْ يَحُدَّ أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ .
وَهُوَ جَهْلٌ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
وَمَأْخَذِ الْأَدِلَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ؛ فَلَا يُبَاحُ الْوَطْءُ إلَّا بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا حَدَّ فِيهَا ، نَازَعَ بِذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مَعَهُ ؛ فَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا تستنزلنكم الْغَفْلَةُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ سِتِّينَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " فِي تَسْمِيَةِ عِيسَى بِالْمَسِيحِ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا فِي مَعْنَاهُ ، وَأُمَّهَاتُهَا أَنَّهُ اسْمٌ عَلَمٌ لَهُ .
أَوْ هُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، وُلِدَ دَهِينًا لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالدُّهْنِ أَوْ بِالْبَرَكَةِ ، أَوْ مَسَحَهُ حِينَ وُلِدَ يَحْيَى .
أَوْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ عَلَيْهِ مَسْحَةُ جَمَالٍ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ جَمِيلٌ ، أَوْ يَمْسَحُ الزَّمَنَ فَيَبْرَأُ أَوْ يَمْسَحُ الطَّائِرَ فَيَحْيَا ، أَوْ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِالْمَشْيِ ؛ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَهَى إلَى قَرْيَةٍ قَدْ خَرِبَتْ حُصُونُهَا ، وَعَفَتْ آثَارُهَا ، وَتَشَعَّثَ شَجَرُهَا ، فَنَادَى : يَا خَرِبُ ، أَيْنَ أَهْلُك ؟ فَنُودِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بَادُوا وَالْتَقَمَتْهُمْ الْأَرْضُ ، وَعَادَتْ أَعْمَالُهُمْ قَلَائِدَ فِي رِقَابِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَجْدٌ .
قَالَ الرَّاوِي : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ .
وَقِيلَ إنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنْ مَشِيحٍ كَتَعْرِيبِ مُوسَى عَنْ مُوشَى ، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا ، وَكَذَلِكَ الدَّجَّالُ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ جَهَلَةُ يَتَوَسَّمُونَ بِالْعِلْمِ ، فَجَعَلُوا الدَّجَّالَ مُشَدَّدَ السِّينِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ ، إنَّ الْأُوَلَ قَالُوا هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَسِيحُ الْهُدَى الصَّالِحُ السَّلِيمُ ، وَالْآخَرُ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ الْكَافِرُ ، فَاعْلَمُوهُ تَرْشُدُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأُولَى : أَنَّهَا نَفْخَةٌ نَفَخَهَا جِبْرِيلُ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ، وَسُمِّيَتْ النَّفْخَةُ رُوحًا لِأَنَّهَا تَكُونُ عَنْ الرِّيحِ .
الثَّانِي : أَنَّ الرُّوحَ الْحَيَاةُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكَلَيْنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَى رُوحٍ رَحْمَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الرُّوحَ صُورَةٌ ؛ لِمَا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَصَوَّرَهُمْ ، ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى .
ثُمَّ أَنْشَأَهُمْ كَرَّةً أَطْوَارًا ، أَوْ جَعَلَ لَهُمْ الدُّنْيَا قَرَارًا ؛ فَعِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ أَدْخَلَهُ فِي مَرْيَمَ .
وَاخْتَارَ هَذَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
وَقِيلَ فِي الْخَامِسِ : رُوحُ صُورَةٍ صَوَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَجَّهَهَا فِي مَرْيَمَ .
وَقِيلَ فِي السَّادِسِ : سِرُّ رُوحٍ مِنْهُ يَعْنِي جِبْرِيلَ ، وَهُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَلْقَاهَا إلَيْهِ رُوحٌ مِنْهُ أَيْ إلْقَاءٌ الْكَلِمَةِ كَانَ مِنْ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِنْ الصَّوَابِ .
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ : وَبَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمُشْكَلَيْنِ ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْآنَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَسْأَلَةٌ ؛ وَهِيَ : .
إذَا قَالَ لِزَوْجِهِ : رُوحُك طَالِقٌ ؛ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا : حَيَاتُك طَالِقٌ ، فِيهَا قَوْلَانِ .
وَكَذَلِكَ مِثْلُهُ كَلَامُك طَالِقٌ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَاخْتِلَافِنَا ، وَاسْتَمَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهَا : كَلَامُك طَالِقٌ ؛ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ .
فَإِنَّ الْكَلَامَ حَرَامٌ سَمَاعُهُ ، فَهُوَ مِنْ مُحَلِّلَاتِ النِّكَاحِ فَيَلْحَقُهُ الطَّلَاقُ .
وَأَمَّا الرُّوحُ وَالْحَيَاةُ فَلَيْسَ لِلنِّكَاحِ فِيهِمَا مُتَعَلَّقٌ ، فَوَجْهُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَيْهِمَا خَفِيٌّ ، وَهُوَ أَنَّ بَدَنَهَا الَّذِي فِيهِ الْمَتَاعُ لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِالرُّوحِ وَالْحَيَاةِ .
وَهُوَ بَاطِنٌ فِيهَا ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا : بَاطِنُك طَالِقٌ ، فَيُسْرِي الطَّلَاقُ إلَى ظَاهِرِهَا فَإِنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا سَرَى إلَى الْبَاقِي .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْرِي ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٌ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ : يَدُك طَالِقٌ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ مِنْهَا شَيْئًا وَحَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقِفَ حَيْثُ قَالَ ، وَلَا يَتَعَدَّى ، أَوْ يَسْرِي كَمَا قُلْنَا أَوْ يَلْغُو .
وَمُحَالٌ أَنْ يَلْغُوَ لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ أَضَافَهُ إلَى مَحَلٍّ بِحُكْمٍ صَحِيحٍ جَائِزٍ فَنَفَذَ كَمَا لَوْ قَالَ : وَأُمُّك طَالِقٌ أَوْ ظَهْرُك ، وَمُحَالٌ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ قَالَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَحْرِيمِ بَعْضِهَا وَتَحْلِيلِ بَعْضِهَا .
وَذَلِكَ مُحَالٌ شَرْعًا ، وَهَذَا بَالِغٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَوْله تَعَالَى : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } .
هَذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ : إنَّ مَنْ نَسَبْتُمُوهُ إلَى وِلَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، مِنْ آدَمِيٍّ وَمَلِكٍ ، لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَهُ وَلَدًا ؟ وَلَوْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْوِلَادَةِ جَائِزًا مَا كَانَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } .
فَإِنْ قِيلَ : مَا مَعْنَى { يَسْتَنْكِفَ } فِي اللُّغَةِ ؟ قُلْنَا : هُوَ يَسْتَفْعِلُ ، مِنْ نَكَفْت كَذَا إذَا نَحَّيْته ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَعْنَى .
التَّقْدِيرُ لَنْ يَتَنَحَّى مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَوْله تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي وَقْتِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ : آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةَ ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ عَنْ { جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَرِضْت وَعِنْدِي تِسْعُ أَخَوَاتٍ لِي ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَضَحَ فِي وَجْهِي مِنْ الْمَاءِ ، فَأَفَقْت فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ .
قُلْت : بِالشَّطْرِ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا أَرَاك مَيِّتًا مِنْ وَجَعِك هَذَا ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الَّذِي لِأَخَوَاتِك فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ } .
وَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ : نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : أَلَا إنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ شَأْنِ الْفَرَائِضِ نَزَلَتْ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ أَنْزَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ النِّسَاءِ فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ الْأَنْفَالِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَمَا جَرَّتْ
الرَّحِمُ مِنْ الْعَصَبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : { نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ ، وَإِلَى جَنْبِهِ حُذَيْفَةُ ، فَبَلَّغَهَا حُذَيْفَةُ وَبَلَّغَهَا عُمَرُ ، وَهُوَ يَسِيرُ خَلْفَهُ ، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ سَأَلَ حُذَيْفَةَ عَنْهَا ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ تَفْسِيرُهَا ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : وَاَللَّهِ إنَّك لَعَاجِزٌ } .
هَكَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ .
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِيهَا : وَاَللَّهِ إنَّك لَأَحْمَقُ إنْ ظَنَنْت أَنَّ إمَارَتَك تَحْمِلُنِي عَلَى أَنْ أُحَدِّثَك بِمَا لَمْ أُحَدِّثْك يَوْمئِذٍ .
فَقَالَ عُمَرُ : لَمْ أُرِدْ هَذَا رَحِمَك اللَّهُ ، وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُك عَلَيْهَا شَيْئًا أَبَدًا ؛ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ مَنْ كُنْت بَيَّنْتهَا لَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَتَبَيَّنْ لِي .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { عُمَرَ نَازَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ ، وَقَالَ : يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءٍ يَعْلَمُهُ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُهُ ، وَهُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَى الْآيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى فَكَانَ مَوْرُوثًا كَلَالَةً ، فَلِأُخْتِهِ النِّصْفُ فَرِيضَةً مُسَمَّاةً .
فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أُنْثَى فَهِيَ مَعَ الْأُنْثَى عَصَبَةٌ يَصِيرُ لَهَا مَا كَانَ يَصِيرُ لِلْعَصَبَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَحْدُودٍ بِحَدٍّ ، وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ : إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهِ مَعَهُ ؛ فَيَكُونُ لِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَجْهٌ ؛ إذْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ الْمَيِّتَ إذَا تَرَكَ بِنْتًا فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَخٌ ذَكَرٌ ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَقَّهَا إذَا وَرِثَتْ الْمَيِّتَ كَلَالَةً ، وَتَرَكَ بَيَانُ مَا لَهَا مِنْ حَقٍّ إذَا لَمْ يُورَثْ كَلَالَةً ؛ فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيِ رَبِّهِ ، فَجَعَلَهَا عَصَبَةً مَعَ إنَاثِ وَلَدِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ وِرَاثَتَهَا فِي الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَوْرُوثًا عَنْ كَلَالَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } : مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَضِلُّوا ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ ضَلَالٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا ؟ وَلَمْ يَعْلَمْهَا عُمَرُ وَلَا اتَّفَقَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَمَا زَالَ الْخِلَافُ إلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ .
قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا ضَلَالًا ، وَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الْمَوْعُودُ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ نَصًّا يُدْرِكُهُ الْجَفْلَيْ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَظْنُونًا يَخْتَصُّ بِهِ الْعُلَمَاءُ لِيَرْفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ، وَيَتَصَرَّفُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي مَسَالِكِ النَّظَرِ ، فَيَدْرِك بَعْضُهُمْ الصَّوَابَ فَيُؤْجَرُ عَشَرَةَ أُجُورٍ ، وَيُقَصِّرُ آخَرُ فَيُدْرِكُ أَجْرًا وَاحِدًا ، وَتَنْفُذُ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَاوِيَّةُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِيهَا أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .
فِيهَا عِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَالَ عَلْقَمَةُ : إذَا سَمِعْت : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ، وَإِذَا سَمِعْت : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } فَهِيَ مَكِّيَّةٌ ؛ وَهَذَا رُبَّمَا خَرَجَ عَلَى الْأَكْثَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَبُو سَلَمَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ : يَا عَلِيُّ ، أَشَعَرْت أَنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، وَهِيَ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ } .
قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي : هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ ، أَمَّا أَنَّا نَقُولُ : سُورَةُ الْمَائِدَةِ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ فَلَا نُؤْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ : فِي الْمَائِدَةِ ثَمَانِي عَشَرَةَ فَرِيضَةً .
وَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهَا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فِي سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ؛ فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي مَيْسَرَةَ : إنَّ فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً فَرُبَّمَا كَانَ أَلْفُ فَرِيضَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا نَحْنُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ لِلْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : شَاهَدْت الْمَائِدَةَ بِطُورِ زَيْتَا مِرَارًا ، وَأَكَلْت عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَذَكَرْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِيهَا سِرًّا وَجِهَارًا ، وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا أَسْفَلَ مِنْ الْقَامَةِ بِنَحْوِ الشِّبْرِ ، وَكَانَ لَهَا دَرَجَتَانِ قَلْبِيًّا وَجَوْفِيًّا ، وَكَانَتْ صَخْرَةً صَلْدَاءَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ : مُسِخَتْ صَخْرَةً إذْ مُسِخَ أَرْبَابُهَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صَخْرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ الْأَرْضِ مَحَلًّا لِلْمَائِدَةِ
النَّازِلَةِ مِنْ السَّمَاءِ ، وَكُلُّ مَا حَوْلَهَا حِجَارَةٌ مِثْلُهَا ، وَكَانَ مَا حَوْلَهَا مَحْفُوفًا بِقُصُورٍ ، وَقَدْ نُحِتَ فِي ذَلِكَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ بُيُوتٌ ، أَبْوَابُهَا مِنْهَا ، وَمَجَالِسُهَا مِنْهَا مَقْطُوعَةٌ فِيهَا ، وَحَنَايَاهَا فِي جَوَانِبِهَا ، وَبُيُوتُ خِدْمَتِهَا قَدْ صُوِّرَتْ مِنْ الْحَجَرِ ، كَمَا تُصَوَّرُ مِنْ الطِّينِ وَالْخَشَبِ ، فَإِذَا دَخَلْت فِي قَصْرٍ مِنْ قُصُورِهَا وَرَدَدْت الْبَابَ وَجَعَلْت مِنْ وَرَائِهِ صَخْرَةً كَثُمْنِ دِرْهَمٍ لَمْ يَفْتَحْهُ أَهْلُ الْأَرْضِ لِلُصُوقِهِ بِالْأَرْضِ ؛ فَإِذَا هَبَّتْ الرِّيحُ وَحَثَتْ تَحْتَهُ التُّرَابَ لَمْ يُفْتَحْ إلَّا بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ تَحْتَهُ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ ، حَتَّى يَسِيلَ بِالتُّرَابِ وَيَنْفَرِجَ مُنْعَرَجُ الْبَابِ ، وَقَدْ مَاتَ بِهَا قَوْمٌ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَقَدْ كُنْت أَخْلُو فِيهَا كَثِيرًا لِلدَّرْسِ ، وَلَكِنِّي كُنْت فِي كُلِّ حِينٍ أَكْنُسُ حَوْلَ الْبَابِ مَخَافَةً مِمَّا جَرَى لِغَيْرِي فِيهَا ، وَقَدْ شَرَحْت أَمْرَهَا فِي كِتَابِ " تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ " بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْفُوا } يُقَالُ : وَفَى وَأَوْفَى .
قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : وَاللُّغَتَانِ فِي الْقُرْآنِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } .
وَقَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ : أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْعُقُودُ : وَاحِدُهَا عَقْدٌ ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : الْعُقُودُ : الْعُهُودُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : حِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ .
الثَّالِثُ : الَّذِي عَقَدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَعَقَدْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
الرَّابِعُ : عَقْدُ النِّكَاحِ وَالشَّرِكَةِ وَالْيَمِينِ وَالْعَهْدِ وَالْحِلْفِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
الْخَامِسُ : الْفَرَائِضُ ؛ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ .
قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الطَّبَرِيُّ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَنْقِيحٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : [ فِي تَنْقِيحِ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ ] : قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ عَهْدٍ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ ، وَأَصْلَ الْعَقْدِ الرَّبْطُ وَالْوَثِيقَةُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : " الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا وَعَهْدُنَا إلَيْكُمْ " .
وَتَقُولُ الْعَرَبُ : عَهِدْنَا أَمْرَ كَذَا وَكَذَا أَيْ : عَرَفْنَاهُ ، وَعَقَدْنَا أَمْرَ كَذَا وَكَذَا أَيْ : رَبَطْنَاهُ بِالْقَوْلِ ، كَرَبْطِ الْحَبْلِ بِالْحَبْلِ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ : قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمْ شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وَعَهْدُ اللَّهِ إلَى الْخَلْقِ إعْلَامُهُ بِمَا أَلْزَمَهُمْ وَتَعَاهَدَ الْقَوْمُ : أَيْ أَعْلَنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِمَا الْتَزَمَهُ لَهُ وَارْتَبَطَ مَعَهُ إلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ ؛ فَبِهَذَا دَخَلَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ فِي الْآخَرِ ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الَّذِي قَرْطَسَ عَلَى الصَّوَابِ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ ؛ فَكُلُّ عَهْدٍ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَنَا بِهِ ابْتِدَاءً ، وَالْتَزَمْنَاهُ نَحْنُ
لَهُ ، وَتَعَاقَدْنَا فِيهِ بَيْنَنَا ، فَالْوَفَاءُ بِهِ لَازِمٌ بِعُمُومِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُطْلَقِ الْوَارِدِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا فِي الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِهِ .
وَأَمَّا مَنْ خَصَّ حِلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا قُوَّةَ لَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إذَا لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهُوَ مِنْ عَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَالْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي مِنْ النَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنُّصْرَةِ ، وَسَقَطَ الْمِيرَاثُ خَاصَّةً بِآيَةِ الْفَرَائِضِ وَآيَةِ الْأَنْفَالِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } ] .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَقْدُ الْبَيْعِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، فَإِنَّمَا أَشَارَ إلَى عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ وَأَسْقَطَ غَيْرَهَا وَعُقُودَ اللَّهِ وَالنُّذُورَ ؛ وَهَذَا تَقْصِيرٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْكِسَائِيّ : الْفَرَائِضُ ، فَهُوَ أَخُو قَوْلِ الزَّجَّاجِ ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الزَّجَّاجِ أَوْعَبُ ؛ إذْ دَخَلَ فِيهِ الْفَرْضُ الْمُبْتَدَأُ وَالْفَرْضُ الْمُلْتَزَمُ وَالنَّدْبُ ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ قَوْلُ الْكِسَائِيّ ذَلِكَ كُلَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَرَبْطُ الْعَقْدِ تَارَةً يَكُونُ مَعَ اللَّهِ ، وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ الْآدَمِيِّ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْقَوْلِ ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ ؛ فَمَنْ قَالَ : " لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ " فَقَدْ عَقَدَهُ بِقَوْلِهِ مَعَ رَبِّهِ ؛ وَمَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَنَوَى وَكَبَّرَ فَقَدْ عَقَدَهَا لِرَبِّهِ بِالْفِعْلِ ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ ابْتِدَاءُ الصَّوْمِ ، وَيَلْزَمُ هَذَا تَمَامُ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَقَدَهَا مَعَ رَبِّهِ ، وَالْتَزَمَ .
وَالْعَقْدُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ .
وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } .
كَذَلِكَ قَالَ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .
وَمَا قَالَ الْقَائِلُ : عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِيَفْعَلَ ، فَإِذَا فَعَلَ كَانَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ عَقْدٌ وَهَذَا نَقْدٌ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَى الشَّافِعِيِّ تَمْهِيدًا بَلِيغًا ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : هَدْمِي هَدْمُك ، وَدَمِي دَمُك ، وَهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى النُّصْرَةِ فِي الْبَاطِلِ .
قُلْنَا : كَذَبْتُمْ ؛ إنَّمَا كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حَقًّا ، وَفِيمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ حَقًّا مَا هُوَ حَقٌّ كَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ ، وَحَمْلِ الْكَلِّ ، وَقِرَى الضَّيْفِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
وَفِيهِ أَيْضًا بَاطِلٌ ؛ فَرَفَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ ذَلِكَ الْبَاطِلَ بِالْبَيَانِ ، وَأَوْثَقَ عُرَى الْجَائِزِ ، وَالْحَقِّ مِنْهُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِإِتْيَانِهِمْ نَصِيبَهُمْ فِيهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنُّصْرَةِ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .
مَعْنَاهُ إنَّمَا تَظْهَرُ حَقِيقَةُ إيمَانِهِمْ عِنْدَ
الْوَفَاءِ بِشُرُوطِهِمْ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } .
ثُمَّ قَالَ : { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ } .
فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَيْ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِعَقْدٍ إلَّا أَنْ يُعْقَدَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ .
وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْوَفَاءَ بِعُهُودِهِمْ وَشُرُوطِهِمْ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ ، فَيَسْقُطَ .
وَلَا يَمْنَعُ هَذَا التَّعَلُّقَ بِعُمُومِ الْقَوْلَيْنِ ؛ وَلِذَلِكَ حَثَّ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ ، فَقَالَ : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
وَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْ الشَّرِّ ، فَقَالَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
فَهَذَا حَثٌّ عَلَى فِعْلِ كُلِّ خَيْرٍ وَاجْتِنَابِ كُلِّ شَرٍّ .
فَأَمَّا اجْتِنَابُ الشَّرِّ فَجَمِيعُهُ وَاجِبٌ .
وَأَمَّا فِعْلُ الْخَيْرِ فَيَنْقَسِمُ إلَى مَا يَجِبُ وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ ؛ وَكَذَلِكَ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْوُجُوبُ ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَدْبِهِ ؛ وَقَدْ جَهِلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : لَمَّا كَانَتْ الْعُقُودُ الْبَاطِلَةُ وَالشُّرُوطُ الْبَاطِلَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالْجَائِزُ مِنْهَا مَحْصُورٌ فَصَارَ مَجْهُولًا فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَلَا بِالشُّرُوطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قُلْنَا : وَمَا لَا يَجُوزُ [ كَيْفَ ] يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مُجْمَلًا .
وَاَللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَلَا بِالْبَاطِلِ : لَقَدْ ضَلَّتْ إمَامَتُك وَخَابَتْ أَمَانَتُك ، وَعَلَى هَذَا لَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ لِأَمْرٍ يُفْعَلُ ؛ فَإِنَّ مِنْهُ كُلِّهِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَمِنْهُ مَا يَجُوزُ ، فَيُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ أَدِلَّةِ
الشَّرْعِ وَأَوَامِرِهِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالْوَقْفِ لَمْ يَرْتَكِبُوا هَذَا الْخَطَرَ ، وَلَا سَلَكُوا هَذَا الْوَعْرَ ، فَدَعْ هَذَا ، وَعَدِّ الْقَوْلَ إلَى الْعِلْمِ إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَحْمُولُ قَوْلِهِ { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } عَلَى الْمُقَيَّدِ لِمَا بَيَّنَّا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قُلْنَا : فَقَدْ أَبْطَلْنَا مَا يُثْبِتُ مَحْمُولَ قَوْلِهِ : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } عَلَى كُلِّ عَقْدٍ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ .
وَمَاذَا تُرِيدُ بِقَوْلِك مُقَيَّدًا ؟ تُرِيدُ قُيِّدَ بِالْجَوَازِ أَمْ قُيِّدَ بِقُرْبَةٍ ، أَوْ قُيِّدَ بِشَرْطٍ ؟ فَإِنْ أَرَدْت بِهِ قُيِّدَ بِشَرْطٍ لَزِمَك فِيهِ مَا لَزِمَك فِي الْمُطْلَقِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ لَك ، وَإِنْ قُلْت : مُقَيَّدٌ بِقُرْبَةٍ ، فَيَبْطُلُ بِالْمُعَامَلَاتِ ، وَإِنْ قُلْت : مُقَيَّدٌ بِالدَّلِيلِ ، فَالدَّلِيلُ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَقَدْ قَالَ : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا عَقْدُ الْيَمِينِ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قُلْنَا : لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ ، وَكَيْفَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ عَقْدٌ أُكِّدَ بِاسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؟ حَاشَا لِلَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ رَحْمَةً وَرُخْصَةً فِي إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَدَلًا مِنْ الْبِرِّ ، وَخَلَفًا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الَّذِي فَوَّتَهُ الْحِنْثُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَسَتَرَاهُ فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا نَذَرَ قُرْبَةً لَا يَدْفَعُ بِهَا بَلِيَّةً وَلَا يَسْتَنْجِحُ بِهَا طَلَبَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا .
قُلْنَا : مَنْ قَالَ بِهَذَا فَقَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الشَّرْعِ ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : { أَوْفِ بِنَذْرِك } .
وَقَدْ بَيَّنَّا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَمَاذَا عَلَى الشَّرِيعَةِ أَوْ مَاذَا
يَقْدَحُ فِي الْأَدِلَّةِ مِنْ رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا نَذْرُ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَلْزَمْ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَنَصِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ ، وَهِيَ شَيْءٌ جَهِلْته يَا هَذَا الْعَالِمُ ، فَادْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ ، فَلَيْسَ بِوَكْرٍ إلَّا لِمَنْ أَمَّنَتْهُ مَعْرِفَةُ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَكْرِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ ، وَلَا أُعْجِبَ بِطُرُقٍ مِنْ النَّظَرِ حَصَّلَهَا ، وَلَمْ يَتَمَرَّسْ فِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَافْهَمْ هَذَا ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُكُمْ وَإِيَّانَا بِتَوْفِيقِهِ لِتَوْفِيَةِ عُهُودِ الشَّرِيعَةِ حَقَّهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنَّهُ كُلُّ الْأَنْعَامِ ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالضَّحَّاكُ .
الثَّانِي : إنَّهُ الْإِبِلُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْغَنَمُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : إنَّهُ الظِّبَاءُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْحُمُرُ الْوَحْشِيَّانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فِي الْمُخْتَارِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ النَّعَمَ هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، فَقَدْ عَلِمْت صِحَّةَ ذَلِكَ دَلِيلًا ، وَهُوَ أَنَّ النَّعَمَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ خَاصٌّ لِلْإِبِلِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ؛ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } .
وَقَالَ : { وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } .
فَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ : وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ، أَيْ خَلَقَ جَنَّاتٍ وَخَلَقَ مِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا يَعْنِي كِبَارًا وَصِغَارًا ، ثُمَّ فَسَّرَهَا فَقَالَ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } إلَى قَوْلِهِ : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا } وَهِيَ الْغَنَمُ { وَأَوْبَارِهَا } وَهِيَ الْإِبِلُ { وَأَشْعَارِهَا } وَهِيَ الْمِعْزَى ، { أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ } .
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ تُنْبِئُ عَنْ تَضَمُّنِ اسْمِ النَّعَمِ لِهَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ : الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ؛ لِتَأْنِيسِ ذَلِكَ كُلِّهِ ،
فَأَمَّا الْوَحْشِيَّةُ فَلَمْ أَعْلَمْهُ إلَى الْآنَ إلَّا اتِّبَاعًا لِأَهْلِ اللُّغَةِ .
أَمَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } يَقْتَضِي دُخُولَ الْبَقَرِ وَالْحُمُرِ وَالظِّبَاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ؛ فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إنْسِيُّهَا وَوَحْشِيُّهَا غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أَيْ مَا لَمْ تَكُونُوا مُحْرِمِينَ .
فَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَعَلِّقًا فَقَدْ قَالَ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
فَجَعَلَ الصَّيْدَ وَالنَّعَمَ صِنْفَيْنِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ الظِّبَاءَ وَالْبَقَرَ وَالْحُمُرَ الْوَحْشِيَّةَ فِيهِ لِيَعُمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْإِحْلَالِ مَاذَا يَصْنَعُ بِصِنْفِ الصَّيْدِ الطَّائِرِ كُلِّهِ ؟ فَالدَّلِيلُ الَّذِي أَحَلَّهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحِلُّ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْآيَةِ .
وَقَدْ يَنْتَهِي الْعِيُّ بِبَعْضِهِمْ إلَى أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْأَنْعَامَ هِيَ الْإِبِلُ لِنِعْمَةِ أَخْفَافِهَا فِي الْوَطْءِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَافِرُ وَلَا الظِّلْفُ لِجَسَاوَتِهِ وَتَحَدُّدِهِ .
وَيُقَالُ لَهُ : إنَّ الْأَنْعَامَ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِمَا يُتَنَعَّمُ بِهِ مِنْ لُحُومِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ .
وَبِهَذِهِ الْآيَةِ كَانَ يَدْخُلُ صِنْفُ الْوَحْشِيِّ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَشْعَارٍ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ حِسًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ مِنْهَا عُرْفًا .
فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا اللَّفْظُ فِي النَّحْلِ وَيَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْأَلْفَاظَ تُحْمَلُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُعْتَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ؛ إذْ لَا يُعْتَادُ ذَلِكَ
مِنْ أَوْبَارِهَا .
وَهَا هُنَا انْتَهَى تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } : قَالُوا : مِنْ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَقِيلَ مِنْ قَوْلِهِ : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } .
وَاَلَّذِي يُتْلَى هُوَ الْقُرْآنُ ، لَيْسَ السُّنَّةَ .
قُلْنَا : كُلُّ كِتَابٍ يُتْلَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ } وَكُلُّ سُنَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ : { لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُك وَجَارِيَتُك فَرَدٌّ عَلَيْك ، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } .
وَلَيْسَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إلَى رَسُولِهِ عِلْمًا مِنْ كِتَابِهِ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ .
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي : فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، وَالْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ } .
فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ : إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك لَعَنْت كَيْتَ وَكَيْتَ .
فَقَالَ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ .
فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ .
أَوَمَا قَرَأْتِ : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ؟ قَالَتْ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ .
قَالَتْ : فَإِنِّي أَرَى أَهْلَك يَفْعَلُونَهُ .
قَالَ : فَاذْهَبِي فَانْظُرِي ، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ
فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا .
فَقَالَ : لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ : إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ الْآنَ ، أَوْ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتٍ لَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى تَعْجِيلِ الْحَاجَةِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمَحْصُولِ " ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَنَا شَيْئًا وَحَرَّمَ عَلَيْنَا شَيْئًا اسْتِثْنَاءً مِنْهُ .
فَأَمَّا الَّذِي أَبَاحَ لَنَا فَسَمَّاهُ [ وَبَيَّنَهُ ] .
وَأَمَّا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ فَوَعَدَ بِذِكْرِهِ فِي حِينِ الْإِبَاحَةِ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى اخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْبَيَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ .
الثَّانِي : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
الثَّالِثُ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ لَا يَحِلُّ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي تَنْقِيحِهَا .
أَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْأَخْفَشُ ، وَقَالَا : فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي نِظَامِ الْكَلَامِ وَإِعْرَابِهِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا كَانَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ حَالٌ ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لَا مُحِلِّينَ لِلصَّيْدِ فِي إحْرَامِكُمْ " .
وَنَكْثُ الْعَهْدِ وَنَقْضُ الْعَقْدِ مُحَرَّمٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْوَفَاءِ مُسْتَمِرٌّ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي كُلِّ حَالٍ .
وَلَوْ اخْتَصَّ الْوَفَاءَ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لَكَانَ مَا عَدَاهَا بِخِلَافٍ عَلَى رَأْيِ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ .
وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَوْ يَكُونُ مَسْكُوتًا عَنْهُ .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَقَلَّ مِنْ أَحْوَالِ الْوَفَاءِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَهَذَا تَهْجِينٌ لِلْكَلَامِ وَتَحْقِيرٌ لِلْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ الْوَحْشِيَّةُ ، فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَا سِيَّمَا عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ حَمْلٌ لِلَفْظِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عَلَى الْوَحْشِيَّةِ دُونَ الْإِنْسِيَّةِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ بِالْمَعْنَى التَّابِعِ لِمَعَانِيهِ الْمُخْتَلَفِ مِنْهَا فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا مَا
كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ الصَّيْدُ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
وَهَذَا أَشْبَهُهَا مَعْنًى ، إلَّا أَنَّ نِظَامَ تَقْدِيرِهِ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى قَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ [ تَقْدِيرُهُ ] : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، غَيْرَ مُحِلِّينَ صَيْدَهَا وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، فَيَصِحُّ الْمَعْنَى ، وَيَقِلُّ فُضُولُ الْكَلَامِ ، وَيَجْرِي عَلَى قَانُونِ النَّحْوِ .
وَفِيهَا مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ؛ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : [ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ، تَثْنِيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ] : وَهِيَ تَثْنِيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ تَرِدُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَتَكَرَّرَ ، وَيَكُونَ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ } .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ جَمِيعًا مِنْ الْأَوَّلِ ، كَقَوْلِهِ هَاهُنَا : إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ ، فَقَوْلُهُ : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } اسْتِثْنَاءٌ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَظْهَرْهُمَا ، وَقَوْلُهُ : إلَّا الصَّيْدَ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ أَيْضًا مَعَهُ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فِي تَمْثِيلٍ لِهَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَذَلِكَ مَا رُوِيَ { أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْحَارِثَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأَنَا حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ لِي ، فَكُنْت أَرْقَى عَلَى الْجِبَالِ ، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إذْ رَأَيْت النَّاسَ مُشْرِفِينَ لِشَيْءٍ ، فَذَهَبْت لِأَنْظُرَ ، فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ ، فَقُلْت لَهُمْ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : لَا نَدْرِي .
فَقُلْت : هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ .
قَالُوا : هُوَ مَا رَأَيْت .
وَكُنْت نَسِيت سَوْطِي .
فَقُلْت لَهُمْ : نَاوِلُونِي سَوْطِي .
فَقَالُوا : لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ ، فَنَزَلْت وَأَخَذْته ثُمَّ صِرْت فِي أَثَرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ إلَّا ذَاكَ حَتَّى عَقَرْته ؛ فَأَتَيْت إلَيْهِمْ فَقُلْت : قُومُوا فَاحْتَمِلُوا .
فَقَالُوا : لَا نَمَسُّهُ ، فَحَمَلْته حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ ، فَأَبَى بَعْضُهُمْ ، وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ .
قُلْت : أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكْته ، فَحَدَّثْته الْحَدِيثَ ،
فَقَالَ لِي : أَبَقِيَ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : فَكُلُوا فَهُوَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ } .
فَأُحِلَّ لَهُمْ الْحُمُرُ مُطْلَقًا إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ، إلَّا مَا صَادُوهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ مِنْهَا ؛ وَمَا صَادَهُ غَيْرُهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ ، فَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ مَا وَقَعَ إلَيْهِمْ بِصَيْدِهِمْ ، إلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ إذَا صِيدَ لَهُمْ ، فَإِنْ حُرِّمَ فَإِنَّمَا هُوَ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرَ هَذِهِ الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : مَضَى فِي سَرْدِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ قَالَ فِي جَنِينِ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ نَحْوِهَا : إنَّهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الْمُحَلَّلَةِ .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ حَلَالٌ بِكُلِّ حَالٍ ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ ، إلَّا أَنْ يُذَكَّى ؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَقَلَّ وَنَبَتَ شَعْرُهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِضْعَةً كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ؛ قَالَ مَالِكٌ .
وَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : { ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي ذِكْرِ " ذَكَاةِ " الثَّانِيَةِ ، هَلْ هِيَ بِرَفْعِ التَّاءِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ وَلَا يَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إلَى ذَكَاةٍ ، أَوْ هُوَ بِنَصْبِ التَّاءِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي ، وَيَفْتَقِرُ إلَى الذَّكَاةِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ ، وَبَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ " أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْجَنِينِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ، أَمْ يُعْتَبَرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ " الْحَقَّ فِيهَا ، وَأَنَّهُ فِي مَذْهَبِنَا بِاعْتِبَارِ ذَكَاةِ الْمُسْتَقْبَلِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَسَنُشِيرُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { شَعَائِرَ } : وَزْنُهَا فَعَائِلُ ، وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ ؛ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْهَدْيُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كُلُّ مُتَعَبَّدٍ ؛ مِنْهَا الْحَرَامُ فِي قَوْلِ السُّدِّيِّ ، وَمِنْهَا اجْتِنَابُ سَخَطِ اللَّهِ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ .
وَمِنْهَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ .
وَقَالَ عُلَمَاءُ النَّحْوِيِّينَ : هُوَ مِنْ أَشْعَرَ : أَيْ : أَعْلَمَ ؛ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ فَعَلَ لَا مِنْ أَفْعَلَ ، وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ كَمَصْدَرِ جَرَى عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ هُوَ الثَّانِي ، وَأَفْسَدُهَا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْهَدْيُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَ فَلَا مَعْنَى لِإِبْهَامِهِ وَالتَّصْرِيحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } : قَدْ بَيَّنَّا فِي كُلِّ مُصَنَّفٍ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَأْتِي لِلْعَهْدِ وَتَأْتِي لِلْجِنْسِ ؛ فَهَذِهِ لَامُ الْجِنْسِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يَأْتِي بَيَانُهَا مُفَصَّلَةً فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الْهَدْيَ } وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ يُهْدَى إلَى اللَّهِ فِي بَيْتِهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عُمُومُهُ فِي كُلِّ مُهْدًى ، كَانَ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا .
وَحَقِيقَةُ الْهَدْيِ كُلُّ مُعْطًى لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ عِوَضٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى إلَى الْجُمُعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : { فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَدَنَةً ، وَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً } وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : ثَوْبِي هَدْيٌ أَنَّهُ يَبْعَثُ بِثَمَنِهِ إلَى مَكَّةَ فِي اخْتِلَافٍ يَأْتِي بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَأَمَّا الْقَلَائِدُ فَهِيَ كُلُّ مَا عُلِّقَ عَلَى أَسْنِمَةِ الْهَدَايَا عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، مِنْ نَعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَهِيَ سُنَّةٌ إبْرَاهِيمِيَّةٌ بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ فِي الْحَجِّ .
وَأَنْكَرَهَا أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } يَعْنِي قَاصِدِينَ لَهُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَمَمْت كَذَا ، أَيْ قَصَدْته ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ قَصَدَهُ بِاسْمِ الْعِبَادَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا ، كَالْكَافِرِ ، وَهَذَا قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ غَيْرُ نَسْخٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ قَدْ بَقِيَتْ الْحُرْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } : وَكَانَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } ثُمَّ أَبَاحَهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ ، وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ ؛ لِأَنَّ رَبْطَهُ التَّحْرِيمَ بِالْإِحْرَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَالَ الْإِحْرَامُ زَالَ التَّحْرِيمُ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى التَّحْرِيمُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِحْرَامِ ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَدَمَ الْعِلَّةِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ ؛ فَكَانَ نَصًّا فِي مَوْضِعِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ اتِّفَاقًا ، وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَقْدِيمِ الْحَظْرِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } عَلَى الْعُدْوَانِ عَلَى آخَرِينَ ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي { الْحَكَمِ رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بِمَ تَأْمُرُنَا ؟ فَسَمِعَ مِنْهُ .
وَقَالَ : أَرْجِعُ إلَى قَوْمِي فَأُخْبِرُهُمْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ جَاءَ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَرَجَعَ بِقَفَا غَادِرٍ .
وَرَجَعَ فَأَغَارَ عَلَى سَرْحٍ مِنْ سُرُوحِ الْمَدِينَةِ ، فَانْطَلَقَ بِهِ ، وَقَدِمَ بِتِجَارَةٍ أَيَّامَ الْحَجِّ يُرِيدُ مَكَّةَ ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ } أَيْ لَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بِقَطْعِ سُبُلِ الْحَجِّ ، وَكُونُوا مِمَّنْ يُعِينُ فِي التَّقْوَى ، لَا فِي التَّعَدِّي ، وَهَذَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ مَنْسُوخٌ ، وَظَاهِرُ عُمُومِهَا بَاقٍ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْمِلَهُ بُغْضُ آخَرَ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ظَالِمًا ، فَالْعِقَابُ مَعْلُومٌ عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } فَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " وَهُوَ قَوْلُهُ : { الْمُنْخَنِقَةُ } : فَهِيَ الَّتِي تُخْنَقُ بِحَبْلٍ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ بِغَيْرِ حَبْلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوْقُوذَةُ : الَّتِي تُقْتَلُ ضَرْبًا بِالْخَشَبِ أَوْ بِالْحَجَرِ ، وَمِنْهُ الْمَقْتُولَةُ بِقَوْسِ الْبُنْدُقِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُتَرَدِّيَةُ : وَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ بِئْرٍ .
وَأَمَّا الْمُتَنَدِّيَةُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : [ الْمُتَنَدِّيَةُ ] : فَيُقَالُ : نَدَّتْ الدَّابَّةُ إذَا انْفَلَتَتْ مِنْ وَثَاقٍ فَنَدَّتْ فَخَرَجَ وَرَاءَهَا فَرُمِيَتْ بِرُمْحٍ أَوْ سَيْفٍ فَمَاتَتْ ، فَهَلْ يَكُونُ رَمْيُهَا ذَكَاةً أَمْ لَا ؟ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ذَكَاةً فِيهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُذَكَّى بِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ { رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ ، فَأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا } .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ تَسْلِيطَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ذَكَاةٌ لَهُ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ : إنَّمَا هُوَ تَسْلِيطٌ عَلَى حَبْسِهِ لَا عَلَى ذَكَاتِهِ فَإِنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَلَا يُرَاعَى النَّادِرُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ رَوَى { أَبُو الْعَشْرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ؟ قَالَ : لَوْ طَعَنْت فَخِذَهَا لَأَجْزَأَ عَنْك } .
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : هَذَا فِي الضَّرُورَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَعْجَبَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُد ، وَأَشَارَ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنْ يَكْتُبَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ النَّطِيحَةُ : وَهِيَ الشَّاةُ تَنْطَحُهَا الْأُخْرَى بِقُرُونِهَا .
وَقَرَأَ أَبُو مَيْسَرَةَ : الْمَنْطُوحَةُ ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ } وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أَكَلَ السَّبُعُ شَاةً أَكَلُوا بَقِيَّتَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مَقْطُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ غَيْرُ عَائِدٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، يَجْعَلُونَ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } .
مَعْنَاهُ : لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُنَا عَلَيْهِ ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِأَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ : أَمْسَى سَقَامٌ خَلَاءً لَا أَنِيسَ بِهِ إلَّا السِّبَاعُ وَمَرُّ الرِّيحِ بِالْغُرَفِ أَرَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ السِّبَاعُ ، أَوْ لَكِنْ بِهِ السِّبَاعُ .
وَسَقَامٌ : وَادٍ لِهُذَيْلٍ .
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَقَالَ النَّابِغَةُ : وَقَفْت بِهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا الْأَوَارِيَ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ وَمِنْ أَبْدَعُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ : مِنْ الْبِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَحَّلٍ .
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو الْحَسَنِ الطُّيُورِيُّ عَنْ الْبَرْمَكِيِّ ، وَالْقَزْوِينِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَمِنْ أَصْلِهِ نَقَلْته .
الثَّانِي : أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا بَعْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } مِنْ الْمُنْخَنِقَةُ إلَى مَا أَكَلَهُ السَّبْعُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى التَّحْرِيمِ لَا إلَى الْمُحَرَّمِ ، وَيَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ لَا يُنْكَرُ فِي اللُّغَةِ وَلَا [ فِي الشَّرِيعَةِ ] فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ حَسْبَمَا
أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ أَصْلُ اللُّغَةِ ، وَجُمْهُورُ الْكَلَامِ ، وَلَا يُرْجَعُ إلَى الْمُنْقَطِعِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْمُتَّصِلُ .
وَتَعَذُّرُ الْمُتَّصِلِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : إمَّا عَقْلِيًّا وَإِمَّا شَرْعِيًّا ؛ فَتَعَذُّرُ الِاتِّصَالِ الْعَقْلِيِّ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ قَبْلَ هَذَا فِي الْأَوَّلِ .
وَأَمَّا التَّعَذُّرُ الشَّرْعِيُّ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلَّا قَوْمَ يُونُسَ } .
فَإِنَّ قَوْلَهُ : { إلَّا قَوْمَ يُونُسَ } لَيْسَ رَفْعًا لِمُتَقَدِّمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى لَكِنْ .
وَقَوْلَهُ : { طَه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } .
وَقَوْلَهُ : { إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } { إلَّا مَنْ ظَلَمَ } .
عُدْنَا إلَى قَوْلِهِ : { إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } ، قُلْنَا : فَأَمَّا الَّذِي يُمْنَعُ أَنْ يَعُودَ إلَى مَا يُمْكِنُ إعَادَتُهُ إلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { الْمُنْخَنِقَةُ } إلَى آخِرِهَا ،
كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " إذَا أَدْرَكْت ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا " ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؛ وَهُوَ خَالٍ عَنْ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ يَرُدُّهُ ؛ بَلْ قَدْ أَحَلَّهُ الشَّرْعُ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِالْجَبَلِ الَّذِي بِالسُّوقِ ، وَهُوَ سَلْعٌ ، فَأُصِيبَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : { أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ شَاةً فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةِ ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا كَانَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَةٍ .
وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ ، وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ عُمْرَهُ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرِّوَايَاتِ الْغَابِرَةِ ، لَا سِيَّمَا وَالذَّكَاةُ عِبَادَةٌ كَلَّفَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي [ يَأْتِي ] بَيَانُهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذَا هُوَ أَحَدُ مُتَعَلِّقَاتِ الذَّكَاةِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي الذَّكَاةِ ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ : الْمُذَكِّي ، وَالْمُذَكَّى ، وَالْآلَةِ ، وَالتَّذْكِيَةِ نَفْسِهَا .
فَأَمَّا الْمُذَكَّى فَيَتَعَلَّقُ الْقَوْلُ فِيهِ بِأَنْوَاعِ الْمُحَلَّلَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا الْمُذَكِّي : وَهُوَ الذَّابِحُ فَبَيَانُهُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا التَّذْكِيَةُ نَفْسُهَا وَالْآلَةُ فَهَذَا مَوْضِعُ ذَلِكَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي التَّذْكِيَةِ : وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمَامِ ، وَمِنْهُ ذُكَاءُ السِّنِّ ، وَيُقَالُ : ذَكَّيْتُ النَّارُ إذَا أَتْمَمْتُ اشْتِعَالَهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى فِي الْمُذَكَّاةِ بَقِيَّةٌ تَشْخَبُ مَعَهَا الْأَوْدَاجُ وَيَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْمَذْبُوحِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ الشَّاةَ أَدْرَكَهَا الْمَوْتُ ، وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ شَخْبِ أَوْدَاجِهَا ، وَإِنَّمَا أَصَابَ الْغَرَضَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : إذَا ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَضْطَرِبُ إشَارَةً إلَى أَنَّهَا وُجِدَ فِيهَا قَتْلٌ صَارَ بِاسْمِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا ذَكَاةٌ ، أَيْ تَمَامٌ يُحِلُّهَا وَتَطْهِيرٌ لَهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ : { ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا } .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إنْهَارِ الدَّمِ ، وَفَرْيِ الْأَوْدَاجِ فِي الْمَذْبُوحِ ، وَالنَّحْرِ فِي الْمَنْحُورِ ، وَالْعَقْرِ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ مَقْرُونًا ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْقَصْدِ إلَيْهِ .
وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى ، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ ؟ فَقَالَ : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ، لَيْسَ السِّنَّ
وَالظُّفُرَ .
وَسَأُخْبِرُكُمْ : أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت إنْ أَصَابَ أَحَدُنَا صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ ، أَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا ؟ قَالَ : انْهَرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا ذُبِحَتْ بِمَرْوَةَ ، وَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُ الذَّكَاةِ بِغَيْرِ إنْهَارِ الدَّمِ ، فَأَمَّا فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ : لَا تَصِحُّ الذَّكَاةُ إلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْوَدَجَيْنِ بِتَفْصِيلٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { افْرِ الْوَدَجَيْنِ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ لَا لَنَا وَلَا لَهُمْ ؛ وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الْمَعْنَى ؛ فَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ قَطْعَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَعَهُ حَيَاةٌ ، وَهُوَ الْغَرَضُ مِنْ الْمَوْتِ .
وَعُلَمَاؤُنَا اعْتَبَرُوا الْمَوْتَ عَلَى وَجْهٍ يَطِيبُ مَعَهُ اللَّحْمُ ، وَيَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَلَالُ وَهُوَ اللَّحْمُ ، مِنْ الْحَرَامِ ، وَهُوَ الدَّمُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ صَحِيحُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ } .
وَهَذَا بَيِّنٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَا تَصِحُّ الذَّكَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ : وَلِذَلِكَ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَهَا مِنْ الْمَجُوسِيِّ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَصْدُ لَمْ يُبَالَ مِمَّنْ وَقَعَتْ ، وَسَنُكْمِلُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَلَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَا ، ثُمَّ اسْتَوْفَى الْقَطْعَ ، وَأَنْهَرَ الدَّمَ ، وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ ، لَمْ تُؤْكَلْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ نُحَقِّقُهُ لَكُمْ ؛ وَهُوَ أَنَّ الذَّكَاةَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا إنْهَارَ الدَّمِ ، وَلَكِنْ فِيهَا ضَرْبٌ مِنْ التَّعَبُّدِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ لِأَصْنَامِهَا وَأَنْصَابِهَا ، وَتُهِلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهَا ، وَتَجْعَلُهَا قُرْبَتَهَا وَعِبَادَتَهَا ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّهَا إلَيْهِ وَالتَّعَبُّدِ بِهَا لَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهَا نِيَّةٌ وَمَحَلٌّ مَخْصُوصٌ .
وَقَدْ ذَبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلْقِ ، وَنَحَرَ فِي اللَّبَّةِ ؛ وَقَالَ : { إنَّمَا الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ } ، فَبَيَّنَ مَحَلَّهَا ، وَقَالَ مُبَيِّنًا لِفَائِدَتِهَا : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ } .
فَإِذَا أُهْمِلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقَعْ بِنِيَّةٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ زَالَ مِنْهَا حَظُّ التَّعَبُّدِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي الْآلَةِ : وَقَدْ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ } .
وَتَجْوِيزُهُ الذَّبْحُ بِالْقَصَبِ ، وَالْحَجَرِ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْحِدَةِ يَقْطَعُ وَيُرِيحُ الذَّبِيحَةَ ، وَلَا يَكُونُ مِعْرَاضًا يَخْنُقُ وَلَا يَقْطَعُ ، أَوْ يَجْرَحُ وَلَا يَفْصِلُ ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤْكَلْ .
وَأَمَّا السِّنُّ وَالظُّفُرُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يَجُوزُ بِالْعَظْمِ ؛ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ بِالْعَظْمِ وَالسِّنِّ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : إنْ كَانَا مُرَكَّبَيْنِ لَمْ يُذْبَحْ بِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلًا ذُبِحَ بِهِمَا ؛ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ [ وَأَبُو حَنِيفَةَ ] .
فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَخَذَ بِمُطْلَقِ النَّهْيِ ، وَجَعَلَهُ عَامًّا فِي حَالِ الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ ، وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَأَخَذَا بِالْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ كَانَ الذَّبْحُ بِهِمَا خَنْقًا ، وَأَمَّا إذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ كَانَا بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ وَالْقَصَبِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، كَمَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ عِنْدَنَا عِبَادَةٌ ، فَكَانَتْ بِاتِّبَاعِ النَّصِّ فِي الْآلَةِ أَوْلَى ، وَعِنْدَهُ أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى ، فَكَانَ بِإِنْهَارِ الدَّمِ بِكُلِّ شَيْءٍ أَوْلَى ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَصَّ عَلَى السِّنِّ وَالظُّفُرِ وَقَفَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَهُ وَقْفَةَ قَاطِعٍ لِلنَّظَرِ حِينَ قَطَعَ الشَّرْعُ بِهِ عَنْهُ .
وَرَأَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ السِّنِّ وَالظُّفُرِ ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ أَنَّ مَنْ كَانَ يَفْعَلُهُ لَمْ يُبَالِ أَنْ تُخْلَطَ الذَّكَاةُ بِالْخَنْقِ ، فَإِذَا كَانَتْ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَفْصِلُهُمَا جَازَ ذَلِكَ إذَا انْفَصَلَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : أَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْمَرِيضَةِ أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ تَذْكِيَتِهَا وَلَوْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ إذَا كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ حَيَاةٍ .
وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ بَقِيَّةِ حَيَاةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ بَقِيَّةِ حَيَاةٍ مِنْ سَبْعٍ لَوْ اتَّسَقَ النَّظَرُ وَسَلِمَتْ عَنْ الشَّبَهِ الْفِكَرُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُمْ : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى التَّحْرِيمِ لَا إلَى الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَا التَّحْرِيمُ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّحْرِيمَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ شَرَحْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ بِصِفَاتٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ اسْتِثْنَاءٌ ، إنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَقُولِ [ فِيهِ ] وَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } مَعْنَاهُ : تَطْلُبُوا مَا قُسِمَ لَكُمْ ، وَجَعْلُهُ مِنْ حُظُوظِكُمْ وَآمَالِكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ فِسْقٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ فَإِنَّهُ تَعَرُّضٌ لِعِلْمِ الْغَيْبِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْغَيْبِ وَلَا يَطْلُبُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ رَفَعَهُ بَعْدَ نَبِيِّهِ إلَّا فِي الرُّؤْيَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَجُوزُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ .
قُلْنَا : لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُصْحَفُ لِيُعْلَمَ بِهِ الْغَيْبُ ؛ إنَّمَا بُيِّنَتْ آيَاتُهُ ، وَرُسِمَتْ كَلِمَاتُهُ لِيُمْنَعَ عَنْ الْغَيْبِ ؛ فَلَا تَشْتَغِلُوا بِهِ ، وَلَا يَتَعَرَّضْ أَحَدُكُمْ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فَإِنْ قِيلَ : فَالْفَأْلُ وَالزَّجْرُ كَيْفَ حَالُهُمَا عِنْدَك ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْفَأْلُ فَمُسْتَحْسَنٌ بِاتِّفَاقٍ .
وَأَمَّا الزَّجْرُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَأْلَ فِيمَا يَحْسُنُ ، وَالزَّجْرُ فِيمَا يُكْرَهُ .
وَإِنَّمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ الزَّجْرِ لِئَلَّا تَمْرَضَ بِهِ النَّفْسُ وَيَدْخُلَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْهُ الْهَمُّ ، وَإِلَّا فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ [ فِي الشَّرْعِ ] عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ حَيْثُ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : الْأَزْلَامِ .
كَانَتْ قِدَاحًا لِقَوْمٍ وَحِجَارَةً لِآخَرِينَ ، وَقَرَاطِيسَ لِأُنَاسٍ ، يَكُونُ أَحَدُهَا غُفْلًا ، وَفِي الثَّانِي " افْعَلْ " أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، وَفِي الثَّالِثِ " لَا تَفْعَلْ " أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، ثُمَّ يَخْلِطُهَا فِي جَعْبَةٍ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُخْرِجُهَا مَخْلُوطَةً مَجْهُولَةً ، فَإِنْ خَرَجَ الْغُفْلُ أَعَادَ الضَّرْبَ حَتَّى يَخْرُجَ لَهُ " افْعَلْ " أَوْ " لَا تَفْعَلْ " وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ أَصْنَامِهِمْ ؛ فَيَمْتَثِلُونَ مَا يَخْرُجُ لَهُمْ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنْ الصَّنَمِ لِمَطْلَبِهِمْ .
وَكَذَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ
مَالِكٍ كَمَا سَرَدْنَاهُ لَكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الطَّيِّبَاتُ } رَوَى أَبُو رَافِعٍ قَالَ : { جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ ، وَقَالَ : قَدْ أَذِنَّا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَ أَنْ نَقْتُلَ الْكِلَابَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَتَلْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى امْرَأَةٍ عِنْدَهَا كَلْبٌ يَنْبَحُ عَلَيْهَا ، فَتَرَكْته وَجِئْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته ، فَأَمَرَنِي فَرَجَعْت إلَى الْكَلْبِ فَقَتَلْته ، فَجَاءُوا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْت بِقَتْلِهَا ، فَسَكَتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { الطَّيِّبَاتُ } وَهِيَ ضِدُّ الْخَبِيثَاتِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَالطَّيِّبُ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُلَائِمُ النَّفْسَ وَيُلِذُّهَا .
وَالثَّانِي : مَا أَحَلَّ اللَّهُ .
وَالْخَبِيثُ : ضِدُّهُ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } قِيلَ : مَعْنَاهُ الْكَوَاسِبُ ، يُقَالُ : جَرَحَ إذَا كَسَبَ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ } فَكُلُّ كَاسِبٍ جَارِحٌ إذَا كَسَبَ كَيْفَمَا كَانَ ، وَمِمَّنْ كَانَ ، إلَّا أَنَّ هَاهُنَا نُكْتَةً ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } .
فَنَحْنُ فَرِيقٌ وَالطَّيِّبَاتُ فَرِيقٌ ، وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ فَرِيقٌ غَيْرُ الِاثْنَيْنِ ، وَذَلِكَ مِنْ الْبَهَائِمِ الَّتِي يَعْلَمُهَا بَنُو آدَمَ ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَعْلُومَةً وَهِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ فِي أَكْلِ مَا صِيدَ بِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَحْقِيقًا ؟ قُلْنَا : يُبَيِّنُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ؛ أَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَقَوْلُهُ : { مُكَلِّبِينَ } ، كَلَّبَ الرَّجُلُ وَأَكْلَبَ إذَا اقْتَنَى كَلْبًا .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الْأَئِمَّةِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ } .
وَالضَّارِي : هُوَ الَّذِي ضَرَّى الصَّيْدَ فِي اللُّغَةِ .
وَرَوَى جَمِيعُهُمْ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ ، وَأَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى .
فَقَالَ : إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ وَإِنْ قَتَلَ ، مَا لَمْ يُشْرِكْهُ كَلْبٌ آخَرُ .
قَالَ : وَإِنْ أَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ } .
وَعِنْدَ جَمِيعِهِمْ : { فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ
أَنَّهُ قَالَ : { وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ } .
وَرَوَى جَمِيعُهُمْ عَنْهُ نَحْوَ الْأَوَّلِ عَنْ عَدِيٍّ .
وَفِيهِ : { فَإِنْ صِدْت بِكَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَكُلْ } .
فَقَدْ فَسَّرَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ التَّكْلِيبَ وَالتَّعْلِيمَ ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك } .
وَالْمُعَلَّمُ : هُوَ الَّذِي إذَا أَشْلَيْتَهُ انْشَلَى ، وَإِذَا زَجَرْته انْزَجَرَ ، فَهَذَا رُكْنُ التَّعْلِيمِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ .
فَلَوْ اسْتَرْسَلَ عَلَى الصَّيْدِ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَغْرَاهُ صَاحِبُهُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يُؤْكَلُ بِهِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا يُؤْكَلُ ؛ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَكْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثَّرَ فِيهِ الِانْشِلَاءُ وَانْزَجَرَ عِنْدَ الِانْزِجَارِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الصَّيْدِ : لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
فَاعْتَبَرَ الِاسْتِرْسَالَ مِنْهُ وَالذِّكْرَ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّهُ إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَغْرَاهُ فَغَرِيَ فِي سَيْرِهِ : إنَّهَا نِيَّةٌ أَثَّرَتْ فِي الْكَلْبِ ، فَإِنَّهُ عَادَ إلَى رَأْيِ صَاحِبِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَرَجَ لِنَفْسِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إنْ أَكَلَ الْكَلْبَ : فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : أَحَدَاهُمَا : أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مِثْلُهُ ، وَالثَّانِي : يُؤْكَلُ .
وَالرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى حَدِيثَيْ عَدِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ .
وَحَدِيثُ عَدِيٍّ أَصَحُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْضُدُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ ؛ مِنْهَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ يُحْمَلُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ : { فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .
فَجَعَلَهُ خَوْفًا ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّحْرِيمِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْأَصْلُ فِي الْحَيَوَانِ التَّحْرِيمُ ، لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّكَاةِ وَالصَّيْدُ ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ " فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْقَوْلَ الثَّانِيَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَمَا جَازَ الْبِدَارُ إلَى هَجْمِ الصَّيْدِ مِنْ فَمِ الْكَلْبِ ، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَأْكُلَ ، فَيَجِبُ إذًا التَّوَقُّفُ حَتَّى نَعْلَمَ حَالَ فِعْلِ الْكَلْبِ بِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلْبَ قَدْ يَأْكُلُ لِفَرْطِ جُوعٍ أَوْ نِسْيَانٍ ، وَقَدْ يَذْهَلُ الْعَالِمُ النِّحْرِيرُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ، فَكَيْفَ بِالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ أَنْ تَسْتَقْصِيَ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْتِقْصَاءَ وَقَدْ أَخَذْنَا أَطْرَافَ الْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } : عَامٌّ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ .
وَقَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ : إنَّ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ لَا يُؤْكَلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ } .
وَهَذَا إنَّمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلَهُ لَقَالَهُ ، وَنَحْنُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَأْتِيَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظٌ يَقْتَضِي صَرْفَنَا عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنْ أَدْرَكْت ذَكَاةَ الصَّيْدِ فَذَكِّهِ دُونَ تَفْرِيطٍ ، فَإِنْ فَرَّطْت لَمْ يُؤْكَلْ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْك ، وَفِي قَوْلِهِ : { إنْ وَجَدْت مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأْكُلْهُ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ } ، نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهُ إلَيْك وَتَجْتَمِعَا فَيَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا : قَدْ سَمَّيْت ؛ فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ أَرْسَلْت كَلْبًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَكُلْ } ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْعَبَثِ لَا عَلَى مَعْنَى طَلَبِ الْأَكْلِ ؛ فَإِنَّهُ لَا نَدْرِي أَنَّا إذَا أَرْسَلْنَا غَيْرَ الْمُعَلَّمِ هَلْ يُدْرِكُ ذَكَاتَهُ أَمْ يَعْقِرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : أَمَّا الْفَهْدُ وَنَحْوُهُ إذَا عُلِّمَ فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ صَادَ عَلَيَّ ابْنُ عُرْسٍ لَأَكَلْته ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلْبٌ [ كُلُّهُ ] فِي مُطْلَقِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
فَأَمَّا جَوَارِحُ الطَّيْرِ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : جَوَارِحُ الطَّيْرِ : فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ : " أَنَّ الْبَازِيَ وَالصَّقْرَ وَالْعُقَابَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الطَّيْرِ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ مَا يَفْقَهُ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَيْدُهُ ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ .
وَفِيهِ خِلَافٌ عَنْ عَلِيٍّ لَا نُبَالِي بِهِ " .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا ؛ هَلْ يُؤْخَذُ صَيْدُهَا مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ : { مُكَلِّبِينَ } .
وَالتَّكْلِيبُ هُوَ التَّضْرِيَةُ بِالشَّيْءِ وَالتَّسْلِيطُ عَلَيْهِ لُغَةً ، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُعَلَّمٍ مُكَلَّبٍ ضَارٍ .
وَقَالَ : أُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي ، فَقَالَ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَكْلَ فِي صَيْدِ الْبَازِي عَلَى مَا عَلَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَكْلَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ ، وَهُوَ الْأَكْلُ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَأْتِ لِبَيَانِ التَّحْلِيلِ فِي الْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِحِ الْأَكْلَ ، وَإِنَّمَا مَسَاقُهَا تَحْلِيلُ صَيْدِهِ ، وَقَالُوا فِي تَأْوِيلِهِ : أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَصَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ .
فَحَذَفَ " صَيْدَ " وَهُوَ الْمُضَافُ ، وَأَقَامَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ ، وَاَلَّذِي عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُبْتَدَأٌ ، وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .
وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَائِلَةٍ خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وَأُكْرُومَةُ الْحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } عَامٌّ بِمُطْلَقِهِ فِي كُلِّ مَا أَمْسَكَ الْكَلْبُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالدَّلِيلِ فِي كُلِّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ مِنْ جِنْسٍ كَالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ ، أَوْ مِنْ جُزْءٍ كَاللَّحْمِ وَالْجِلْدِ دُونَ الدَّمِ .
وَهَذَا عُمُومٌ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ سَابِقٍ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } هَلْ يَتَضَمَّنُ مَا إذَا غَابَ عَنْك الصَّيْدُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : " إذَا غَابَ عَنْك فَلَيْسَ بِمُمْسِكٍ عَلَيْك " وَإِذَا بَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ فِي أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُؤْكَلُ وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت } .
فَالْإِصْمَاءُ فِي اللُّغَةِ : الْإِسْرَاعُ ، أَيْ كُلْ مَا قَتَلَ مُسْرِعًا ، وَأَنْتَ تَرَاهُ ، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت : أَيْ مَا مَضَى مِنْ الصَّيْدِ وَسَهْمُك فِيهِ ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَهُوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهِ وَالصَّحِيحُ أَكْلُهُ وَإِنْ غَابَ مَا لَا تَجِدُهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ أَوْ عَلَيْهِ أَثَرٌ غَيْرُ أَثَرِ سَهْمِك .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لَهُ : كُلْهُ مَا لَمْ تَجِدْهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَسَهْمُك قَتَلَهُ أَمْ لَا } ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : { إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته فَكُلْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ مَا لَمْ يُنْتِنْ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا : زَادَ النَّسَائِيّ { وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبْعٌ فَكُلْهُ } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ } قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالْمَدِينَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بِمَعْنَى الْآنَ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ الْيَوْمَ كَذَا بِمَعْنَى الْآنَ ، كَأَنَّهُ وَقْتُ الزَّمَانِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَنْخِيلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : وَبَيَانُهُ أَنَّ كَوْنَهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ بِمَعْنَى الزَّمَانِ فَصَحِيحٌ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ غَيْرَهُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِعُمَرَ : لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ لَاِتَّخَذْنَا ذَلِكَ عِيدًا .
فَقَالَ عُمَرُ : " قَدْ عَلِمْت فِي أَيِّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، نَزَلَتْ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ " .
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ ، فَرَاجَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمِثْلِ مَا رَاجَعَهُ عُمَرُ .
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَانِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ رَاجِعَةً إلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيَّامًا سِوَاهَا ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْنَى كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ فِيهِ : وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ لُبَابُهُ فِي سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ، أَرَادَ : " الْيَوْمَ عَرَّفْتُكُمْ بِنَفْسِي
بِأَسْمَائِي وَصِفَاتِي وَأَفْعَالِي فَاعْرِفُونِي " .
الثَّانِي : الْيَوْمَ قَبِلْتُكُمْ وَكَتَبْت رِضَائِي عَنْكُمْ لِرِضَائِي لِدِينِكُمْ ؛ فَإِنَّ تَمَامَ الدِّينِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَبُولِ .
الثَّالِثُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دُعَاءَكُمْ ؛ أَيْ اسْتَجَبْت لَكُمْ دُعَاءَكُمْ ، وَدُعَاءَ نَبِيِّكُمْ لَكُمْ .
ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ } .
الرَّابِعُ : الْيَوْمَ أَظْهَرْتُكُمْ عَلَى الْعَدُوِّ بِجَمْعِ الْحَرَمَيْنِ لَهُ أَوْ بِتَعْرِيفِ ذَلِكَ فِيهِ .
الْخَامِسُ : الْيَوْمَ طَهَّرْت لَكُمْ الْحَرَمَ عَنْ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ مَعَكُمْ ، فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ، وَلَا كَانَ النَّاسُ صِنْفَيْنِ فِي مَوْقِفِهِمْ ؛ بَلْ وَقَفُوا كُلُّهُمْ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ .
السَّادِسُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ الْفَرَائِضَ وَانْقَطَعَ النَّسْخُ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ بِكَمَالِ الدِّينِ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ يُصَرِّفُ نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَرَجَاتِ الْإِسْلَامِ وَمَرَاتِبِهِ دَرَجَةً دَرَجَةً حَتَّى أَكْمَلَ شَرَائِعَهُ وَمَعَالِمَهُ وَبَلَغَ أَقْصَى دَرَجَاتِهِ ، فَلَمَّا أَكْمَلَهُ تَمَّتْ بِهِ النِّعْمَةُ وَرَضِيَهُ دِينًا ، كَمَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ ؛ يُرِيدُ : فَالْزَمُوهُ وَلَا تُفَارِقُوهُ وَلَا تُغَيِّرُوهُ ، كَمَا فَعَلَ سِوَاكُمْ بِدِينِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، وَقَدْ فَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلَا يُخْتَصُّ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ؛ بَلْ يُقَالُ إنَّ جَمِيعَهَا مُرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِمَّا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهُ آيَةٌ وَلَا ذُكِرَ بَعْدَهُ حُكْمٌ لَا يَصِحُّ ؛ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الْبَرَاءِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْبَرَاءَ قَالَ : " آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ { يَسْتَفْتُونَك } وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ " بَرَاءَةٌ " .
وَفِي الصَّحِيحِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "
آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا " .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَسِيرٍ .
وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي تَارِيخِهِ حَدِيثُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَهَذَا تَارِيخٌ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } فِي ذِكْرِ الطَّعَامِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّ مَطْعُومٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُ الِاشْتِقَاقِ .
وَكَانَ حَالُهُمْ يَقْتَضِي أَلَّا يُؤْكَلَ طَعَامُهُمْ لِقِلَّةِ احْتِرَاسِهِمْ عَنْ النَّجَاسَاتِ ، لَكِنَّ الشَّرْعَ سَمَحَ فِي ذَلِكَ ؟ لِأَنَّهُمْ أَيْضًا يَتَوَقَّوْنَ الْقَاذُورَاتِ ، وَلَهُمْ فِي دِينِهِمْ مُرُوءَةٌ يُوصِلُونَهَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجُوسَ الَّذِينَ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ لَا يُؤْكَلُ طَعَامُهُمْ وَيُسْتَقْذَرُونَ وَيُسْتَنْجَسُونَ فِي أَوَانِيهِمْ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ .
فَقَالَ : أَنْقُوهَا غَسْلًا وَاطْبُخُوا فِيهَا } .
وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ قَالَ { : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ فِي آنِيَتِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ } .
قَالَ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَغَسْلُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ فَرْضٌ ، وَغَسْلُ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَضْلٌ وَنَدْبٌ ؛ فَإِنَّ أَكْلَ مَا فِي آنِيَتِهِمْ يُبِيحُ الْأَكْلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ " أَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ " ، وَصَحَّحَهُ وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرَاجِمِ .
وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَ طَعَامِهِمْ رُخْصَةٌ ، فَإِذَا احْتَجْت إلَى آنِيَتِهِمْ فَغَسْلُهَا عَزِيمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلرُّخْصَةِ .
قُلْنَا : رُخْصَةُ أَكْلِ طَعَامِهِمْ حِلٌّ تَأَصَّلَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاسْتَقَرَّ ، فَلَا يَقِفُ عَلَى مَوْضِعِهِ ؛ بَلْ يَسْتَرْسِلُ عَلَى مَحَالِّهِ كُلِّهَا ، كَسَائِرِ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَبَائِحُهُمْ ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي طَعَامِهِمْ : قَالَ لِي شَيْخُنَا الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ النَّابُلُسِيُّ فِي ذَلِكَ كَلَامًا كَثِيرًا ، لُبَابُهُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَذِنَ فِي طَعَامِهِمْ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ غَيْرَهُ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا تَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَعَلَقُوا بِذَيْلِ نَبِيٍّ جُعِلَتْ لَهُمْ حُرْمَةً عَلَى أَهْلِ الْأَنْصَابِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : " تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ الْمُطْلَقَةُ إلَّا مَا ذَبَحُوا يَوْمَ عِيدِهِمْ أَوْ لِأَنْصَابِهِمْ " .
وَقَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ : تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَإِنْ ذَكَرُوا عَلَيْهَا اسْمَ غَيْرِ الْمَسِيحِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ نَذْكُرُ لَكُمْ مِنْهَا قَوْلًا بَدِيعًا : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الذَّبَائِحِ ، وَأَذِنَ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَقُولُونَ : [ إنَّ ] اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، وَإِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ .
تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا .
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أُكِلَ طَعَامُهُمْ ، وَإِنْ ذَكَرُوا فَقَدْ عَلِمَ رَبُّك مَا ذَكَرُوا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ الْإِلَهِ ، وَقَدْ سَمَحَ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ ، وَلَا تُضْرَبُ الْأَمْثَالُ لَهُ .
وَقَدْ قُلْت لِشَيْخِنَا أَبِي الْفَتْحِ الْمَقْدِسِيِّ : إنَّهُمْ يَذْكُرُونَ غَيْرَ اللَّهِ .
فَقَالَ لِي : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ، وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَبَعًا لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِمْ .
وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ ؛ قَالَ : لَوْ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْإِلَهَ حَقِيقَةً لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُمْ عَلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْمَعْبُودَ ، فَلَيْسَتْ تَسْمِيَتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ ، وَاشْتِرَاطُهُمْ التَّسْمِيَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَا يُعْقَلُ .
قُلْنَا :
تُعْقَلُ صُورَةُ التَّسْمِيَةِ ، وَلَهَا حُرْمَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسَمِّي مَنْ يُسَمِّي .
وَلَوْ شَرَطْنَا الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مَا جَازَ أَكْلُ كَثِيرٍ مِنْ ذَبْحِ مَنْ يُسَمِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّرْعُ ذَبْحًا يُذْكَرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَصْرِيحًا .
فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ اللَّهَ فَيُصِيبُ قَصْدَهُ فَهُوَ الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ .
وَأَمَّا الَّذِي يُسَمِّيهِ فَيُخْطِئُ قَصْدَهُ فَذَلِكَ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ ؛ فَإِذَا قَالَ " اللَّهُ " وَهُوَ يَقْصِدُ الْمَسِيحَ ، أَوْ الْمَسِيحُ وَهُوَ يَقْصِدُ اللَّهَ فَيَرْجِعُ أَمْرُهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ وَسَمَحَ لَك فِيهِ الْإِلَهُ الَّذِي ضَلَّ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْهُ ، وَخَفَفَ حَالُهُمْ بِهَذِهِ الشُّعْبَةِ الْخَفِيَّةِ مِنْ الْقَصْدِ إلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ .
[ فَإِنْ قِيلَ : فَمَا أَكَلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الذَّكَاةِ كَالْخَنْقِ وَحَطْمِ الرَّأْسِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذِهِ مَيْتَةٌ ، وَهِيَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ ، وَإِنْ أَكَلُوهَا فَلَا نَأْكُلُهَا نَحْنُ كَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَهُمْ ، وَمِنْ طَعَامِهِمْ ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْنَا ، فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ] .
وَأَمَّا ذَبَائِحُ الْكِتَابِيِّينَ فَقَدْ سُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَمَّا يُذْبَحُ لِكَنِيسَةٍ اسْمُهَا سَرْجِسُ ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ : تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَإِنْ ذُكِرَ غَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِسَمِ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ ، وَسَنُشِيرُ إلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } تَضَمَّنَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ ، فَهَلْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ؟ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ النَّبِيُّ فَاتَّبَعَهُ ، هَلْ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ مِنْ دُعَائِهِ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوْضِعِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْعٍ دَخَلَ فِي حُكْمِهِمْ ، أَوْ كَانَ عَلَى شَرْعٍ دُرِسَ عَنْهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الْعَرَبِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ؛ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَأَلْحَقَهُمْ بِالْكِتَابِيِّينَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ : { وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًّا } .
وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَقَالَ : لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إشَارَةً إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِهِمْ بِاللَّفْظِ ؛ وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ .
وَعَنْ عُلَمَائِنَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا مَا تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَعَلِيٌّ .
وَقَالَ : لِأَنَّهُمْ لَا يُحَلِّلُونَ مَا تُحَلِّلُ النَّصَارَى وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا يُحَرِّمُونَ .
وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْهُمْ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَلَّوْهُمْ ، وَلَا دَانُوا بِدِينِهِمْ ، وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِهِ لَوَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَالِهِمْ وَحُكْمِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ } ، إلَى قَوْلِهِ : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ وَطَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الْحَلَالُ الْمُطْلَقُ ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيَرْفَعَ الشُّكُوكَ وَيُزِيلَ الِاعْتِرَاضَاتِ [ وَلَكِنَّ الْخَوَاطِرَ الْفَاسِدَةَ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِرَاضَاتِ ] ، وَيَخْرُجَ إلَى تَطْوِيلِ الْقَوْلِ .
وَلَقَدْ سُئِلْت عَنْ النَّصْرَانِيِّ يَفْتِلُ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ ثُمَّ يَطْبُخُهَا : هَلْ يُؤْكَلُ مَعَهُ أَوْ تُؤْخَذُ طَعَامًا مِنْهُ ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقُلْت : تُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّهَا طَعَامُهُ وَطَعَامُ أَحْبَارِهِ وَرُهْبَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ ذَكَاةً عِنْدَنَا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ طَعَامَهُمْ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَا يَرَوْنَ فِي دِينِهِمْ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَنَا فِي دِينِنَا ، إلَّا مَا كَذَّبَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ .
وَلَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُمْ يُعْطُونَنَا أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ مِلْكًا فِي الصُّلْحِ فَيَحِلُّ لَنَا وَطْؤُهُنَّ ، فَكَيْفَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَالْأَكْلُ دُونَ الْوَطْءِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ } قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَبَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ وَاحْتِمَالَ اللَّفْظِ لَأَنْ يَكُونَ الْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ الْحَرَائِرِ وَالْعَفَائِفِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي قَصَصٍ مُخْتَلِفَةٍ ؛ مِنْهَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهَا نُبَيْشَةُ بَغَتْ ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَذْبَحَ نَفْسَهَا فَأَدْرَكُوهَا فَقَدُّوهَا ، فَذَكَرُوهُ أَيْضًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : " انْكِحُوهَا نِكَاحَ الْحُرَّةِ الْعَفِيفَةِ الْمُسْلِمَةِ " .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : " إحْصَانُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتُحْصِنَ فَرْجَهَا مِنْ الزِّنَا " .
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ النَّازِلَةِ فَقَالَ : مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَحِلُّ لَنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحِلُّ لَنَا ، ثُمَّ تَلَا : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } .
قَالَ : فَمَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ حَلَّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُعْطِ لَمْ يَحِلَّ لَنَا نِسَاؤُهُ .
وَمِنْ هَاهُنَا يَخْرُجُ أَنَّ نِكَاحَ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُنَّ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِنَّ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَذَلِكَ الْحَرَائِرُ .
قُلْنَا : حَلُّوا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
وَقِيلَ : عَنَى بِذَلِكَ نِسَاءَ بَنْيِ إسْرَائِيلَ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ دَانُوا بِدِينِ بَنِي إسْرَائِيلَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ مَعَهُمْ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحِهِمْ لِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } هَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نَفْسُ الْإِعْطَاءِ وَالِالْتِزَامِ ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ؟ قُلْنَا : أَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَقَدْ تَلَوْته عَلَيْكُمْ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فَيَقُولُونَ : إنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ
مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } .
وَذِكْرُ الْجِزْيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِتَالِ لَا فِي النِّكَاحِ ، إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ كَرِهُوا نِكَاحَ الْحَرْبِيَّةِ لِئَلَّا يُولَدَ لَهُ فِيهِمْ فَيَتَنَصَّرُوا وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَرَادَ بِهِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا غَيْرَ مُتَعَالِنِينَ بِالزِّنَا كَالْبَغَايَا ، وَلَا مِمَّنْ يَتَّخِذُ أَخْدَانًا ، مَعْنَاهُ يَخْتَصُّ بِزَانٍ مَعْلُومٍ وَبِزَانِيَةٍ مَعْلُومَةٍ .
وَفِي هَذَا تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فِيهَا اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ مَسَائِلَ وَأَكْثَرِهَا أَحْكَامًا فِي الْعِبَادَاتِ ، وَبِحَقِّ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا شَطْرُ الْإِيمَانِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ } ، فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ عَنْهُ .
وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ فِيهَا أَلْفَ مَسْأَلَةٍ ، وَاجْتَمَعَ أَصْحَابُنَا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فَتَتَبَّعُوهَا فَبَلَّغُوهَا ثَمَانَمِائَةِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُبَلِّغُوهَا الْأَلْفَ ، وَهَذَا التَّتَبُّعُ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ يُرِيدُ تَعْرِيفَ طُرُقِ اسْتِخْرَاجِ الْعُلُومِ مِنْ خَبَايَا الزَّوَايَا ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ الْآنَ فِي هَذِهِ الْعُجَالَةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ الِانْتِدَابُ إلَى انْتِزَاعِ الْجَلِيِّ وَأَنْ نَتَعَرَّضَ لِمَا يَسْنَحُ خَاصَّةً مِنْ ظَاهِرِ مَسَائِلِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مَفْعُولًا قَبْلَ نُزُولِهَا غَيْرُ مَتْلُوٍّ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بِمَكَّةَ سُنَّةً ، مَعْنَاهُ كَانَ مَفْعُولًا بِالسُّنَّةِ ، فَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَطُّ إلَّا فَرْضًا .
وَقَدْ
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ ظُهْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيُصَلِّيَ بِهِ فَغَمَزَ الْأَرْضَ بِعَقِبِهِ ، فَأَنْبَعَتْ مَاءً ، وَتَوَضَّأَ مُعَلِّمًا لَهُ ، وَتَوَضَّأَ هُوَ مَعَهُ ، وَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ السَّيِّدُ وَالْعُلَمَاءُ يَتَغَافَلُونَ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، وَإِنْ ذَهَبَ .
وَيَكْرَهُونَ أَنْ يَبْتَدِئُوا بِذِكْرِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : هَذَا الْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْكَافِرِينَ دَاخِلُونَ فِيهِ ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هَاهُنَا خَصَّ الْخِطَابَ الْمُلْزِمَ لِلْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ النَّازِلَةَ عَرَضَتْ لَهُ ، وَالْقِصَّةَ دَارَتْ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } : مَعْنَاهُ : إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ حَالَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُ ، وَالْإِرَادَةُ هِيَ النِّيَّةُ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ وَاجِبَةٌ فِيهِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهِيَ مِنْ طُيُولِيَّاتِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِيهِ .
وَالْأَصْلُ الْمُحَقَّقُ أَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا شَطْرُ الْإِيمَانِ ، وَالْعِبَادَاتُ لَا يُتَعَبَّدُ بِهَا إلَّا مَعَ النِّيَّةِ ، وَيُخَالِفُ الشَّعْبِيُّ إلَّا الْجُمُعَةَ .
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : مَعْنَاهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَبَيَّنَ هَذَا أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ ، وَبِهِ قَالَ جُمْلَةُ الْأُمَّةِ ، سَمِعْت عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ حَدَثًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدِي عَنْهُ .
وَرُوِيَ لِي عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ حَدَثًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّائِمِينَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ إذَا كَانَ الَّذِي أَثَارَهُمَا سَبَبًا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ السَّبَبِ فِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ وَرَاءَ ذَلِكَ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِهِمَا أَمْ يَكُونَانِ عَلَى عُمُومِهِمَا ؟ وَثَبَتَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَنَوْمٍ } .
وَالْأَمْرُ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُعَرِّفَكُمْ وُجُودَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَفِي صَحِيحِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ صَفْوَانَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ فَهُوَ حَدَثٌ لِمَا يَصْحَبُهُ غَالِبًا مِنْ خُرُوجِ الْخَارِج .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : هُوَ حَدَثٌ بِعَيْنِهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَنَامُونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ .
وَمِنْهُ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا .
وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ .
فَقَامَ رَجُلٌ يُنَاجِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ ثُمَّ صَلَّوْا } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَإِذَا ثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا تَفْصِيلَهُ فِي النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَنْ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوءُهُ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الرُّكُوعِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى نَفَخَ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ؛ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّك قَدْ نِمْت .
فَقَالَ : إنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد أَنْكَرَهُ ، فَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظًا ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : { تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } .
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْسَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ؛ إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } .
وَهُوَ بَاطِلٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأَوْضَحْنَا خَلَلَهُ .
وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّمَا بَنَى عَلَى أَنَّ الرَّاكِعَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَثْقِلَ نَوْمًا وَيَثْبُتَ رَاكِعًا ، فَدَلَّ أَنَّ نَوْمَهُ ثَبَاتٌ وَخُلَسٌ لَا شَيْءَ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ الْوُضُوءُ فِي النَّوْمِ فَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ فِي النَّائِمِينَ ، وَإِيَّاهُمْ صَادَفَ الْخِطَابُ ، وَلَكِنَّا مِمَّنْ يَأْخُذُ بِمُطْلَقِ الْخِطَابِ وَلَا يَرْبِطُ الْحُكْمَ بِالْأَسْبَابِ ، وَكَذَلِكَ كُنَّا نَقُولُ : إنَّ الْوُضُوءَ يَلْزَمُ لِكُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ ، إلَّا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ .
قُلْت : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ ؟ قَالَ : كَانَ يَجْزِي أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ } .
خَرَّجَهُ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَعَلْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ .
فَقَالَ : عَمْدًا فَعَلْته } .
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِتَكَرُّرِهِ أَحَلْتُمْ ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَتَكَرَّرُ فَمَا وَجْهُهُ ؟ قُلْنَا : مِنْ الْمُتَعَجْرِفِينَ مَنْ تَكَلَّفَ فَقَالَ : إنَّمَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ ، وَهُوَ الْحَدَثُ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ لِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُحْدِثًا ، فَالْحَدَثُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ لَا عِلَّتِهِ .
وَالْحُكْمُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ شَرْعًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَدْ أَحْدَثَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً شَنْعَاءَ ، فَقَالَ : إنَّ الْمُحْدِثَ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ ، وَعَلَيْهِ يُثَابُ ، وَعَلَيْهِ يُعَاقَبُ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ .
وَهَذَا خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ
الْأُمَّةِ وَهَتْكٌ لِحِجَابِ الشَّرِيعَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا رَدٌّ عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ التَّوْحِيدَ مُخَاطَبٌ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ تَوْحِيدِ الرَّبِّ ، وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاغْسِلُوا } : الْفَاءُ حَرْفٌ يَقْتَضِي الرَّبْطَ وَالسَّبَبَ وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْقِيبِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ ، وَهِيَ هَاهُنَا جَوَابٌ لِلشَّرْطِ رَبَطَتْ الْمَشْرُوطَ بِهِ وَجَعَلَتْهُ جَوَابَهُ أَوْ جَزَاءَهُ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ بَيْدَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ : إنَّ فِي هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِالْوَجْهِ ؛ إذْ هُوَ جَزَاءُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ تَرْتِيبَ الْوُضُوءِ : إنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كَانَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَعْنًى وَاحِدًا ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ جُمَلٌ كُلُّهَا جَوَابًا وَجَزَاءً لَمْ نُبَالِ بِأَيِّهِمَا بَدَأَتْ ؛ إذْ الْمَطْلُوبُ تَحْصِيلُهَا .
وَهَذَا قَوْلٌ لَهُ رَوْنَقٌ وَلَيْسَ بِمُحَقَّقٍ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } ؛ فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ ، فَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ ، كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَجَّ وَجَاءَ إلَى الصَّفَا : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ } ، وَكَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِالصَّفَا وَاجِبَةً .
وَيَعْضُدُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عُمْرَهُ كُلَّهُ مُرَتِّبًا تَرْتِيبَ الْقُرْآنِ ، وَفِعْلُهُ هَذَا بَيَانُ مُجْمَلِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عُظْمَى قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُخْتَارُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَاغْسِلُوا } : وَظَنَّ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ فِي الْفَصَاحَةِ بَلْهُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسِوَاهُ أَنَّ الْغَسْلَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْغَسْلَ مَرُّ الْيَدِ مَعَ إمْرَارِ الْمَاءِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى الْيَدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : الْغَسْلُ يَقْتَضِي مَغْسُولًا مُطْلَقًا وَمَغْسُولًا بِهِ : وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وُجُوهَكُمْ } : وَالْوَجْهُ فِي اللُّغَةِ : مَا بَرَزَ مِنْ بَدَنِهِ وَوَاجَهَ غَيْرَهُ بِهِ ، وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ ، وَأَوْجَهُ مِنْ أَنْ يُوَجَّهَ ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ عُضْوٌ يَشْتَمِلُ عَلَى جُمْلَةِ أَعْضَاءٍ ، وَمَحَلٌّ مِنْ الْجَسَدِ فِيهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ لِلْعُلُومِ ، وَلَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ ، وَهُوَ أَيْضًا بَيِّنٌ إلَّا أَنَّهُ أَشْكَلَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْهُ سِتَّةُ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : إذَا اكْتَسَى الذَّقَنُ بِالشَّعْرِ ، فَإِنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ الْفَرْضُ فِيمَا يُقَابِلُهُ إلَى الشَّعْرِ قَطْعًا وَنَفْيِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اتَّصَلَ بِالْوَجْهِ وَوَاجَهَ كَمَا يُوَاجَهُ ، فَيَكُونُ فَرْضًا غَسْلُهُ مِثْلُ الْوَجْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا ، وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ ؛ لِمَا ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ لِحْيَتَهُ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَعُيِّنَ الْمُحْتَمَلُ بِالْفِعْلِ .
الثَّانِي : إذَا دَارَ الْعِذَارُ عَلَى الْخَدِّ ، هَلْ يَلْزَمُ غَسْلُ مَا وَرَاءَهُ إلَى الْأُذُنِ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَنَا فِي أَنْفُسِنَا وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا غَيْرِنَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ لَا لِلْأَمْرَدِ وَلَا لِلْمُعْذِرِ .
الثَّالِثُ : الْفَمُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ : إنَّ غَسْلَهُ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ؛ وَقَدْ وَاظَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ : { إذَا تَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ } .
الرَّابِعُ : الْأَنْفُ ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، فَقَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ } .
الْخَامِسُ : الْعَيْنُ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا وَاحِدٌ أَثَرًا وَنَظَرًا وَلُغَةً ، وَلَكِنْ سَقَطَ غَسْلُهَا
لِلتَّأَذِّي بِذَلِكَ وَالْحَرَجِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمَّا عَمِيَ يَغْسِلُ عَيْنَيْهِ إذْ كَانَ لَا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ .
السَّادِسُ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ فِيهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ عُمُومِ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ مَسْحِ جُزْءٍ مَعَهُ مِنْ الْوَجْهِ لَا يَتَقَدَّرُ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مَنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ مِثْلُهُ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَهَذِهِ تَتِمَّةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَالَ لَنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي الدَّرْسِ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } كَانَ مَعْنَاهُ ضَرُورَةَ اللُّغَةِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ؛ وَذَكَرَ أَمْثِلَةً بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَاقْتَضَى الْأَمْرُ بِظَاهِرِهِ غَسْلَ الْوَجْهِ لِلصَّلَاةِ ، فَمَنْ غَسَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، هَاهُنَا كَلَامًا مُخْتَلًّا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَنَصُّهُ : " ظَنَّ ظَانُّونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ يُوجِبُونَ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَهُ لِأَجْلِهِ ، وَأَنَّهُ أَوْجَبَ بِهِ النِّيَّةَ ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْوُضُوءَ لِأَجْلِ الْحَدَثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِأَجْلِهِ وَيَحْصُلَ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقِ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ وَبِنِيَّتِهَا لِأَجْلِهِ " إلَى تَخْلِيطٍ زِيدَ عَلَيْهِ لَا أَرْضَى ذِكْرَهُ .
قُلْنَا : قَوْلُهُ : " ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمَّا وُجِدَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَنَّهُ وَجَبَ لِأَجْلِهِ " .
لَمْ يَظُنَّ أَحَدٌ ذَلِكَ ، إنَّمَا قُطِعَ الِاعْتِقَادُ بِهِ ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ النِّيَّةَ " .
قُلْنَا لَهُ : هَذَا تَلْبِيسٌ ، وُجُوبُهُ لِأَجْلِهِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي النِّيَّةَ ضَرُورَةً فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أُمِرَ لِمَأْمُورٍ بِهِ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : " هَذَا لَا يَصِحُّ " .
قُلْنَا : لَا يَصِحُّ إلَّا هُوَ .
قَوْلُهُ : " فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ الْوُضُوءَ لِأَجْلِ الْحَدَثِ " .
قُلْنَا : هَذَا هَوَسٌ ، لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ " .
قُلْنَا : لَا يَجِبُ
عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مَاذَا ؟ إنْ أَرَدْت الْحَدَثَ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقُولُ بِهِ ؟ وَإِنْ أَرَدْت الصَّلَاةَ فَلَا يُعْطِي اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى إلَّا وُجُوبَ النِّيَّةِ لَهَا .
وَقَوْلُهُ : " يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِأَجْلِهِ وَيَحْصُلَ دُونَ قَصْدٍ " .
قُلْنَا : هَذَا لَا نُسَلِّمُهُ مُطْلَقًا إنْ أَرَدْت فِي الْعِبَادَاتِ فَلَا ، وَإِنْ أَرَدْت فِي غَيْرِهَا فَلَا نُبَالِي بِهِ .
وَقَوْلُهُ : " دُونَ قَصْدٍ " .
إلَى هُنَا انْتَهَى كَلَامُهُ الْمَعْقُولُ لَفْظًا الْمُخْتَلُّ مَعْنًى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيقُ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ فَكَلَامٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لَفْظًا ، فَكَيْفَ مَعْنًى ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذَا الَّذِي زَمْزَمَ بِهِ أَنَا أَعْرِفُهُ .
قَوْلُهُ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا } لَا يَخْلُو مِنْ سِتَّةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا يَرْبِطُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَمَا بَعْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَرْبِطُهُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ الْحَدَثِ وَبِالصَّلَاةِ ، وَهُوَ : الثَّالِثُ ، أَوْ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ : الرَّابِعِ ، أَوْ بِالْكُلِّ وَهُوَ : الْخَامِسِ ، أَوْ بِبَعْضِهِ وَهُوَ : السَّادِسِ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَ نَرْبِطُهُ بِشَيْءٍ كَانَ مُحَالًا لُغَةً كَمَا تَقَدَّمَ ، مُحَالًا بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُبِطَ بِمَا رُبِطَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَإِنْ رَبَطَهُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَمُحَالٌ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَمُحَالٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقِيَامِ لَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ ، وَنَفْسُ الْإِرَادَةِ هِيَ النِّيَّةُ .
وَأَمَّا إنْ أَرَدْت رَبْطَهُ بِالْحَدِيثِ فَبِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِهِ ، لَا مِنْ أَجْلِهِ .
وَإِنْ قُلْتُمْ بِالصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ هُوَ .
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } .
وَإِذَا أَمَرَ بِغَسْلِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَثِلْ مَا أُمِرَ بِهِ ،
وَإِنْ قَالَ : إنَّهُ وَجَبَ لِأَجْلِ الْكُلِّ فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ ؛ وَهَذَا تَحْقِيقٌ مِنْ كَلَامِهِ فِي غَرَضِهِ بِعَيْنِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا وَجَبَتْ النِّيَّةُ لِلْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ ، أَيْ لِأَيِّ عِبَادَةٍ وَجَبَتْ ، فَمَحَلُّهَا أَنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً مَعَ أَوَّلِهَا لَا تَجُوزُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفِعْلِ حَقِيقَتُهُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَصْدًا لَهُ ، فَنِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ ، بَيْدَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا : إنَّ مَنْ خَرَجَ إلَى النَّهْرِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ .
وَإِنْ خَرَجَ إلَى الْحَمَّامِ فَعَزَبَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَطَلَتْ النِّيَّةُ .
فَرَكَّبَ عَلَى هَذَا سَفَاسِفَةُ الْمُفْتِينَ أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَأَوْرَدُوا فِيهَا نَصًّا عَمَّنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ [ بِأَنَّهُ قَالَ : ] يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ النِّيَّةَ فِيهَا عَلَى التَّكْبِيرِ .
وَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْعَالَمِينَ مِنْ أُمَّةٍ أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً مُجْتَهِدَةً فَمَا وَفَّقَهَا اللَّهُ وَلَا سَدَّدَهَا ، اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ عَنْ مَرْتَبَةِ الِاتِّفَاقِ سُومِحَ فِي تَقْدِيمِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا قَدْ لَا يَجِبُ .
فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَهِيَ أَصْلٌ مَقْصُودٌ ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْفَرْعِ التَّابِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ؟ هَلْ هَذَا إلَّا غَايَةَ الْغَبَاوَةِ ؟ فَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَتَّى تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهَا مُقَارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ الشَّرْعَ رَفَعَ الْحَرَجَ فِيهِ ، لَمَّا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ بِتَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَيْدِيَكُمْ } : الْيَدُ : عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالظُّفْرِ ، وَهِيَ ذَاتُ أَجْزَاءٍ وَأَسْمَاءٍ ؛ مِنْهَا الْمَنْكِبُ ، وَمِنْهَا الْكَفُّ ، وَالْأَصَابِعُ ، وَهُوَ مَحَلُّ الْبَطْشِ وَالتَّصَرُّفِ الْعَامِّ فِي الْمَنَافِعِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْيَدِ ، وَغَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا عِنْدَ أَوَّلِ مُحَاوَلَةِ الْوُضُوءِ وَهُوَ سُنَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ فَرْضٌ .
وَمَعْنَى غَسْلِهِمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ تَنْظِيفُ الْيَدَيْنِ لِإِدْخَالِهَا [ فِي ] الْإِنَاءِ وَمُحَاوَلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ بِهِمَا ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ ، فَقَدْ رَوَى جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .
وَرَوَى عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا { أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ } ، حَتَّى بَلَغَ مَكَانَهُمَا مِنْ عُلَمَائِنَا أَنْ جَعَلُوهُمَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ .
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إذَا غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثُمَّ تَمَادَى فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ كَمَا يُعِيدُ مَا سَبَقَ مِنْ الْوُضُوءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَى الْمَرَافِقِ } : فَذَكَرَهَا .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ إدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ .
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ ، وَذَكَرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ : الْأَوَّلُ : أَنَّ { إلَى } بِمَعْنَى مَعَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } مَعْنَاهُ مَعَ أَمْوَالِكُمْ .
الثَّانِي : أَنَّ { إلَى } حَدٌّ ، وَالْحَدُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَلَ فِيهِ ، تَقُولُ : بِعْتُك
هَذَا الْفَدَّانَ مِنْ هَاهُنَا إلَى هَاهُنَا ، فَيَدْخُلُ الْحَدُّ فِيهِ .
وَلَوْ قُلْت : مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ مَا دَخَلَ الْحَدُّ فِي الْفَدَّانِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَرَافِقَ حَدُّ السَّاقِطِ لَا حَدُّ الْمَفْرُوضِ ؛ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ .
وَمَا رَأَيْته لِغَيْرِهِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَأَيْدِيَكُمْ } يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ مِنْ الظُّفْرِ إلَى الْمَنْكِبِ ، فَلَمَّا قَالَ : { إلَى الْمَرَافِقِ } أَسْقَطَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْمِرْفَقِ ، وَبَقِيَتْ الْمَرَافِقُ مَغْسُولَةً إلَى الظُّفْرِ ؛ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ يَجْرِي عَلَى الْأُصُولِ لُغَةً وَمَعْنًى .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ { إلَى } بِمَعْنَى مَعَ فَلَا سَبِيلَ إلَى وَضْعِ حَرْفٍ مَوْضِعَ حَرْفٍ ، إنَّمَا يَكُونُ كُلُّ حَرْفٍ بِمَعْنَاهُ ، وَتَتَصَرَّفُ مَعَانِي الْأَفْعَالِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِيهَا لَا فِي الْحُرُوفِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { إلَى الْمَرَافِقِ } عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ : فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُضَافَةً إلَى الْمَرَافِقِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } مَعْنَاهُ مُضَافَةً إلَى أَمْوَالِكُمْ .
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَامْسَحُوا } : الْمَسْحُ : عِبَارَةٌ عَنْ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى الْمَمْسُوحِ خَاصَّةً ، وَهُوَ فِي الْوُضُوءِ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْآلَةِ الْمَمْسُوحِ بِهَا ، وَالْغَسْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْمَغْسُولِ ؛ وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ اللُّغَةِ ، وَبَيَانُهُ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { بِرُءُوسِكُمْ } : وَالرَّأْسُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا النَّاسُ ضَرُورَةً ، وَمِنْهَا الْوَجْهُ ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْوُضُوءِ وَعَيَّنَ الْوَجْهَ لِلْغَسْلِ بَقِيَ بَاقِيهِ لِلْمَسْحِ .
وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ أَوَّلًا فِيهِ لَلَزِمَ مَسْحُ جَمِيعِهِ : مَا عَلَيْهِ شَعْرٌ مِنْ الرَّأْسِ ، وَمَا فِيهِ الْعَيْنَانِ وَالْأَنْفُ وَالْفَمُ ؛ وَهَذَا انْتِزَاعٌ بَدِيعٌ مِنْ الْآيَةِ .
وَقَدْ أَشَارَ مَالِكٌ إلَى نَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَتْرُكُ بَعْضَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ تَرَكَ بَعْضَ وَجْهِهِ أَكَانَ يُجْزِئُهُ ؟ وَمَسْأَلَةُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ مُعْضِلَةٌ ، وَيَا طَالَمَا تَتَبَّعْتهَا لِأُحِيطَ بِهَا حَتَّى عَلَّمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ إيَّاهَا ؛ فَخُذُوهَا مُجْمَلَةً فِي عِلْمِهَا ، مُسَجَّلَةً بِالصَّوَابِ فِي حُكْمِهَا ؛ وَاسْتِيفَاؤُهَا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إنْ مَسَحَ مِنْهُ شَعْرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ .
الثَّانِي : ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ .
الثَّالِثُ : مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
ذَكَرَ لَنَا هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي الدَّرْسِ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
الرَّابِعُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَمْسَحُ النَّاصِيَةَ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَمْسَحَ الرُّبْعَ .
السَّادِسُ : قَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ الثَّالِثَةِ : لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ النَّاصِيَةَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعٍ .
السَّابِعُ :
يَمْسَحُ الْجَمِيعَ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّامِنُ : إنْ تَرَكَ الْيَسِيرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ ؛ أَمْلَاهُ عَلَيَّ الْفِهْرِيُّ .
التَّاسِعُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إنْ تَرَكَ الثُّلُثَ أَجْزَأَهُ .
الْعَاشِرُ : قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : إنْ مَسَحَ ثُلُثَهُ أَجْزَأَهُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : قَالَ أَشْهَبُ : إنْ مَسَحَ مُقَدِّمَةً أَجْزَأَهُ .
فَهَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا ، وَمَنْزِلَةُ الرَّأْسِ فِي الْأَحْكَامِ مَنْزِلَتُهُ فِي الْأَبْدَانِ ، وَهُوَ عَظِيمُ الْخَطَرِ فِيهِمَا جَمِيعًا ؛ وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَطْلَعٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ : فَمَطْلَعُ الْأَوَّلِ : أَنَّ الرَّأْسَ وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّعْرِ بِلَفْظِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْلِقْ رَأْسَك } ، وَالْحَلْقُ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّعْرِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا تَرَكَّبَ عَلَيْهِ : الْمَطْلَعُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الرَّأْسِ يَنْقَسِمُ فِي الْعُرْفِ وَالْإِطْلَاقِ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الِاسْمِ .
وَالثَّانِي : يَقْتَضِي بَعْضَهُ ؛ فَإِذَا قُلْت : " حَلَقْت رَأْسِي " اقْتَضَى فِي الْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ الْجَمِيعَ .
وَإِذَا قُلْت : مَسَحْت الْجِدَارَ أَوْ رَأْسَ الْيَتِيمِ أَوْ رَأْسِي اقْتَضَى الْبَعْضَ ، فَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ : الْمَطْلَعُ : الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنَّ الْبَعْضَ لَا حَدَّ لَهُ مُجْزِئٌ مِنْهُ مَا كَانَ قَالَ لَنَا الشَّاشِيُّ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ } وَكَانَ مَعْنَاهُ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ ، وَكَانَ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثًا .
قُلْنَا : إنْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَهَا أَجْزَأَهُ ، وَالْمَسْحُ أَظْهَرُ ، وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَقَلُّهُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ .
الْمَطْلَعُ الرَّابِعُ : نَظَرَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَبْدُو مِنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْغَالِبِ ، وَاَلَّذِي
يَبْدُو مِنْ الرَّأْسِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ النَّاصِيَةُ ، وَلَا سِيَّمَا وَهَذَا يُعْتَضَدُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ } .
الْمَطْلَعُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ مَسْحُ النَّاصِيَةِ فَلَا يُتَيَقَّنُ مَوْضِعُهَا ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُ الْعِبَادَةِ بِالرَّأْسِ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ مَسْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاصِيَةَ ، وَهِيَ نَحْوُ الرُّبْعِ فَيَتَقَدَّرُ الرُّبْعُ مِنْهُ أَيْنَ كَانَ ، وَمَطْلَعُ الرُّبْعِ بِتَقْدِيرِ الْأَصَابِعِ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمَطْلَعُ الْجَمِيعِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَّقَ عِبَادَةَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ ، كَمَا عَلَّقَ عِبَادَةَ الْغَسْلِ بِالْوَجْهِ ؛ فَوَجَبَ الْإِيعَابُ فِيهِمَا بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّ مُطْلَقَ الْقَوْلِ فِي الْمَسْحِ لَا يَقْتَضِي الْإِيعَابَ عُرْفًا ، فَمَا عُلِّقَ بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَغْرَاضِ وَبِحَسَبِ الْأَحْوَالِ ، تَقُولُ : مَسَحْت الْجِدَارَ ، فَيَقْتَضِي بَعْضَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْجِدَارَ لَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُهُ بِالْمَسْحِ حِسًّا ، وَلَا غَرَضَ فِي اسْتِيعَابِهِ قَصْدًا ، وَتَقُولُ : مَسَحْت رَأْسَ الْيَتِيمِ لِأَجْلِ الرَّأْفَةِ ، فَيُجْزِئُ مِنْهُ أَقَلُّهُ بِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ .
وَتَقُولُ : مَسَحْت الدَّابَّةَ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا جَمِيعُهَا ؛ لِأَجْلِ مَقْصَدِ النَّظَافَةِ فِيهَا ، فَتَعَلُّقُ الْوَظِيفَةِ بِالرَّأْسِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ بِقَصْدِ التَّطْهِيرِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : مَسَحْت رَأْسِي كُلَّهُ فَتُؤَكِّدُهُ ، وَلَوْ كَانَ يَقْتَضِي الْبَعْضَ لَمَا تَأَكَّدَ بِالْكُلِّ ؛ فَإِنَّ التَّأْكِيدَ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمُتَطَرِّقِ إلَى الظَّاهِرِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ إنَّ تَرْكَ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ : أَنَّ تَحَقُّقَ عُمُومِ الْوَجْهِ بِالْغَسْلِ مُمْكِنٌ بِالْحِسِّ ، وَتَحَقُّقَ عُمُومِ الْمَسْحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ فَسُومِحَ بِتَرْكِ الْيَسِيرِ مِنْهُ دَفْعًا
لِلْحَرَجِ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مُرُورَ الْيَدِ عَلَى الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ تَحْصِيلُهُ حِسًّا وَعَادَةً .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ : إنَّ تَرْكَ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ : قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ رَأَى الثُّلُثَ يَسِيرًا ، فَجَعَلَهُ فِي حَدِّ الْمَتْرُوكِ لَمَّا رَأَى الشَّرِيعَةَ سَامَحَتْ بِهِ فِي الثُّلُثِ وَغَيْرِهِ .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ : إنْ مَسَحَ ثُلُثَهُ أَجْزَأَهُ إلَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الْكَثِيرِ عَلَى الثُّلُثِ فِي قَوْلِهِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ : " الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " .
وَلُحِظَ مَطْلَعُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّاصِيَةِ حَسْبَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي تَعَلُّقِ الْعِبَادَاتِ بِالظَّاهِرِ .
وَمَطْلَعُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّ مَنْ مَسَحَ مُقَدِّمَةً أَجْزَأَهُ إلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ تَنَاصُفٌ لَيْسَ يَخْفَى عَلَى اللَّبِيبِ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَالْأَنْحَاءِ الْمُطَلَّعَاتِ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَخْرُجْ اجْتِهَادُهُمْ عَنْ سَبِيلِ الدَّلَالَاتِ فِي مَقْصُودِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا جَاوَزُوا طَرَفَيْهَا إلَى الْإِفْرَاطِ ؛ فَإِنَّ لِلشَّرِيعَةِ طَرَفَيْنِ : أَحَدُهُمَا : طَرَفُ التَّخْفِيفِ فِي التَّكْلِيفِ .
وَالْآخَرُ : طَرَفُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ .
فَمَنْ احْتَاطَ اسْتَوْفَى الْكُلَّ ، وَمَنْ خَفَّفَ أَخَذَ بِالْبَعْضِ .
قُلْنَا : فِي إيجَابِ الْكُلِّ تَرْجِيحٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : الِاحْتِيَاطُ .
الثَّانِي : التَّنْظِيرُ بِالْوَجْهِ ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ ؛ بَلْ مِنْ مُطْلَقِ اللَّفْظِ فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ ، وَذِكْرِ الْمَحَلِّ ؛ وَهُوَ الْوَجْهُ أَوْ الرَّأْسُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ ؟ قُلْنَا : بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ .
فَلَمَّا مَسَحَ
بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حِكَايَةُ حَالٍ وَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزْكُومًا فَلَمْ يُمْكِنْهُ كَشْفُ رَأْسِهِ ؛ فَمَسَحَ الْبَعْضَ وَمَرَّ بِيَدِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَعْضِ ، فَانْتَهَى آخِرُ الْكَفِّ إلَى آخِرِ النَّاصِيَةِ ، فَأَمَرَّ الْيَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ قَصَدَ مَسْحَ الْعِمَامَةِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَسْحَ النَّاصِيَةِ بِإِمْرَارِ الْيَدِ ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ مُشَاهَدَةً ، وَلِهَذَا لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَطْوَارِهِ بِأَسْفَارِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : ظَنَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَحَشْوِيَّةُ النَّحْوِيَّةِ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ ، وَلَمْ يَبْقَ ذُو لِسَانٍ رَطْبٍ إلَّا وَقَدْ أَفَاضَ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَ الْكَلَامُ فِيهَا إجْلَالًا بِالْمُتَكَلِّمِ ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ شَدَا طَرَفًا مِنْ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الْبَاءِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ تَرِدُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيهِ لِرَبْطِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَعْنًى ؛ تَقُولُ : مَرَرْت بِزَيْدٍ ، فَهَذَا لِإِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ ، ثُمَّ تَقُولُ : مَرَرْت زَيْدًا فَيَبْقَى الْمَعْنَى .
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيَانُهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " .
وَقَدْ طَالَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَتَرَامَتْ فِيهِ الْخَوَاطِرُ فِي الْمُخْتَصَرِ حَتَّى أَفَادَنِي فِيهِ بَعْضُ أَشْيَاخِي فِي الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُطَالَعَةِ فَائِدَةً بَدِيعَةً : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَامْسَحُوا } يَقْتَضِي مَمْسُوحًا ، وَمَمْسُوحًا بِهِ .
وَالْمَمْسُوحُ الْأَوَّلُ هُوَ مَا كَانَ .
وَالْمَمْسُوحُ الثَّانِي هُوَ الْآلَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَاسِحِ وَالْمَمْسُوحِ ، كَالْيَدِ وَالْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ
الْمَسْحِ ، وَهُوَ الْمِنْدِيلُ ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَوْ قَالَ : امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ إمْرَارًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى الرَّأْسِ لَا مَاءَ وَلَا سِوَاهُ ، فَجَاءَ بِالْبَاءِ لِتُفِيدَ مَمْسُوحًا بِهِ ، وَهُوَ الْمَاءُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ ، مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ، وَقَدْ أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : كَنُوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ وَمَسَحْت بِاللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الْإِثْمِدِ مِثْلُهُ : " مِثْلُ الْقَنَافِذِ " .
وَمِثْلُهُ : { مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } .
وَاللِّثَةُ : هِيَ الْمَمْسُوحَةُ بِعَصْفِ الْإِثْمِدِ ، فَقَلْبٌ .
وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ وَالْفَصَاحَةَ قَائِمَةٌ ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي شَرْطِهِ الرَّابِعِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْأَرْبَعِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَمْسُوحٌ بِهِ لِأَجْلِ الْبَاءِ ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : فَامْسَحُوا بِأَكُفِّكُمْ رُءُوسَكُمْ .
وَالْكَفُّ خَمْسُ أَصَابِعَ وَمُعْظَمُهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ ، وَالْمُعْظَمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَفَطِنَ أَنَّ إدْخَالَ الْبَاءِ لِمَعْنًى ، وَغَفَلَ عَنْ أَنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ يَقْتَضِي الْيَدَ لُغَةً وَحَقِيقَةً ؛ فَجَعَلَ فَائِدَةَ الْبَاءِ التَّعَلُّقَ بِالْيَدِ .
وَهَذِهِ عَثْرَةٌ لِفَهْمِهِ لَا يُقَالُهَا ، وَوَفَّقَ اللَّهُ هَذَا الْإِمَامَ الَّذِي أَفَادَنِي هَذِهِ الْفَائِدَةَ فِيهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنِي وَإِيَّاكُمْ بِرَحْمَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : مِنْ أَغْرَبِ شَيْءٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَأَى مَسْحَ شَعْرِ الْقَفَا ؛ وَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ ؛ فَإِنَّ الرَّأْسَ جُزْءٌ مِنْ الْإِنْسَانِ ، وَالْيَدَ جُزْءٌ ، وَالْبَدَنَ جُزْءٌ ، وَالْعَيْنَ جُزْءٌ ، وَالْعُنُقَ جُزْءٌ ، وَمُقَدَّمَ الرَّقَبَةِ الْعُنُقُ ، وَمُؤَخَّرَهَا الْقَفَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ قَفَاهُ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ إلَى قَفَاهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَنَقَلَ أَصْحَابُهُ مَا شَاهَدُوا مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا لِكَيْفِيَّةِ الْمَغْسُولِ صِفَةً ، وَنَقَلُوا كَيْفِيَّةَ مَسْحِ رَأْسِهِ بِاهْتِبَالٍ كَثِيرٍ ، وَتَحْصِيلٍ عَظِيمٍ ، وَاخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَاتِ مُتَفَاوِتٍ ، نَشَأَتْ مِنْهُ مَسَائِلُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مُعْظَمِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُبْهَمًا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } : وَقَالَ الرَّاوِي : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ ، فَلَوْ غَسَلَهُ الْمُتَوَضِّئُ بَدَلَ الْمَسْحِ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ ، إلَّا مَا أَخْبَرَنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الدَّرْسِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِهِمْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ .
وَهَذَا تَوَلُّجٌ فِي مَذْهَبِ الدَّاوُدِيَّةِ الْفَاسِدِ مِنْ اتِّبَاعِ الظَّاهِرِ الْمُبْطِلِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } .
وَكَمَا قَالَ : { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ } ؛ وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ هَذَا الْغَاسِلُ لِرَأْسِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ زِيَادَةٌ خَرَجَتْ عَنْ اللَّفْظِ الْمُتَعَبَّدِ بِهِ .
قُلْنَا : وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْنَاهُ فِي إيصَالِ الْفِعْلِ إلَى الْمَحَلِّ وَتَحْقِيقِ التَّكْلِيفِ فِي التَّطْهِيرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِكُلِّ عُضْوٍ : وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ يَدَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ } .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ " رَأَى { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ فَضْلِ يَدَيْهِ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مُطْلَقًا } .
وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً ، وَالْمُقَيَّدُ أَوْلَى مِنْ الْمُطْلَقِ ؛ لِاحْتِمَالِ الْمُطْلَقِ وَتَنْصِيصِ الْمُقَيَّدِ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ .
وَالثَّانِي : وُجُوبُ نَقْلِ الْمَاءِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : نَشَأَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرَى نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ ، وَلَيْسَ مِنْهُ ، مِنْ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مِنْ بَلَلِ لِحْيَتِهِ نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ ؛ فَيَكْفِي مِنْهُ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْيَدِ وَعَلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ ؛ فَأَمَّا نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ كَمَا وَصَفَ أَصْحَابُهُ ، فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ كُلُّهَا حَيْثُمَا وَرَدَتْ فَاخْتَلَفَتْ صِفَاتُ وُضُوئِهِ فِيهَا وَكَثْرَةُ الْأَعْدَادِ فِي الْأَعْضَاءِ وَقِلَّتُهَا حَاشَا الرَّأْسِ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ : { تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا } .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَأَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ : { أَنَّهُ أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ } .
وَفِي الْبُخَارِيِّ : { فَأَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ } ؛ وَهُمَا صَحِيحَانِ مُتَوَافِقَانِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ وَبِغَايَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْحُ لِرَأْسِهِ بِيَدَيْهِ ، فَلَوْ مَسَحَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ سُفْيَانَ : حَتَّى لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ لَأَجْزَأَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَيْئَةَ الْأَفْعَالِ فِي الْعِبَادَاتِ هَلْ هِيَ رُكْنٌ فِيهَا أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَا يَتَعَيَّنُ فِي الْعِبَادَةِ كَأَصْلِهَا .
وَالثَّانِي : كَوَضْعِ الْإِنَاءِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُتَوَضِّئِ .
وَالثَّالِثُ : كَاغْتِرَافِ الْمَاءِ بِالْيَدِ وَغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْهَيْئَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْحِ تَفْسِيرُ الْأَمْرِ ، وَهُوَ أَوْلَى فِي التَّعْمِيمِ ، وَأَقْرَبُ إلَى التَّحْصِيلِ ؛ لِأَنَّ مَا فَاتَهُ فِي الْإِقْبَالِ أَدْرَكَهُ فِي الْإِدْبَارِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَمَّا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ جَمِيعَ الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي إيجَابِ عُمُومِهِ ، وَكَانَتْ الْجَبْهَةُ خَارِجَةً عَنْهُ بِالسُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْخِلْقَةِ ، نَشَأَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْأَصْلَعِ وَالْأَنْزَعِ مِنْ الْأَغَمِّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ ؛ وَحُكْمُهُ الْأَظْهَرُ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ الرَّأْسِ مِقْدَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الْخِطَابُ لِلْمَرْأَةِ بِالْعِبَادَةِ ، كَمَا هُوَ لِلرَّجُلِ فِي الْوُضُوءِ ، حَتَّى فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ؛ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَمَيَّزَتْ عَنْ الرَّجُلِ بِاسْتِرْسَالِ الدَّلَّالَيْنِ ، فَاخْتَلَفَ آرَاءُ مُتَأَخِّرِي عُلَمَائِنَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ مِنْ الْجِلْدَةِ ، وَبِهِ تَعَلُّقٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَمْسَحُ مِنْهُ مَا يُوَازِي الْفَرْضَ مِنْ مِقْدَارِ الرَّأْسِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي اللِّحْيَةِ آنِفًا ، وَكَمَا يَلْزَمُ فِي الْخُفَّيْنِ مَسْحُ مَا يُقَابِلُ مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الْقَوْلُ فِي الْأُذُنَيْنِ : وَهُمَا إنْ كَانَتَا مِنْ الرَّأْسِ فَإِنَّهُمَا فِي الْإِشْكَالِ رَأْسٌ ، وَقَدْ تَفَاقَمَ الْخَطْبُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِمَا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ فِي التَّفْرِيعِ ، وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ فِي الْآثَارِ .
وَاَلَّذِي يُهَوِّنُ عَلَيْك الْخَطْبَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى قَالَ : { بِرُءُوسِكُمْ } وَلَمْ يَذْكُرْ الْأُذُنَيْنِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي حُكْمِ الرَّأْسِ مَا أَهْمَلَهُمَا ، وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًّا .
وَقَدْ رَوَى صِفَةَ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ الْأُذُنَيْنِ فِيهَا إلَّا الْيَسِيرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ؛ قَالَ : رَأَيْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأَخَذَ مَاءً لِأُذُنَيْهِ خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ } .
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، رَوَى : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ } ؛ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُمْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ؛ قَالَتْ : رَأَيْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ ، وَمَسَحَ صُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً } .
صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ الْوُضُوءَ لِمَنْ سَأَلَهُ بِأَنْ تَوَضَّأَ لَهُ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا } .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ الْأُذُنَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ حُكْمًا ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الثَّالِثُ : قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ
: يَغْسِلُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ ، وَيَمْسَحُ مَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا مَعَ الرَّأْسِ ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا مِنْ الرَّأْسِ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ تَذْكُرْهُمَا فِي الْوُضُوءِ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا ذَكَرَتْهُمَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَنَزَعَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ : { سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ } وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ جُمْلَتَهُ ، وَالسَّمْعُ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ ، وَالْبَصَرُ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ فَالْكُلُّ مُضَافٌ إلَى الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ وَلِلْقَصْدِ ، فَأَضَافَهُ إلَى الِاسْمِ الْعَامِّ لِلْمَعْنَيَيْنِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ فَلَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ تَحَكُّمٌ لَا تَعْضُدُهُ لُغَةٌ ، وَلَا تَشْهَدُ لَهُ شَرِيعَةٌ .
وَالصَّحِيحُ أَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِمَا ، هَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْوَجْهِ ؟ وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَهُمَا ، فَبَيَّنَ مَسْحَ الرَّأْسِ ، وَأَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ كَمَا يُمْسَحُ الرَّأْسُ ، وَهُمَا مُضَافَانِ إلَيْهِ شَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ خَطَايَا رَأْسِهِ ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ : الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالرَّأْسِ الْخَالِي مِنْ الشَّعْرِ : اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ؛ هَلْ يُمْسَحُ أَمْ لَا ؟ وَلَيْسَ عِنْدِي بِمَقْصُودٍ ، لَا فِي الرَّأْسِ ، وَلَا فِي الْأُذُنَيْنِ ، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ مَنْ يَسْتَوْثِقُ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَرْجُلَكُمْ } : ثَبَتَتْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بِثَلَاثِ رِوَايَاتٍ : الرَّفْعُ ، قَرَأَ بِهِ نَافِعٌ ، رَوَاهُ عَنْهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ .
وَالنَّصْبُ ، رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ : قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ أَوْ الْحُسَيْنُ فَقَرَأَ قَوْلَهُ : { وَأَرْجُلَكُمْ } فَسَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، فَقَالَ : وَأَرْجُلَكُمْ بِالنَّصْبِ ، هَذَا مِنْ مُقَدَّمِ الْكَلَامِ وَمُؤَخَّرِهِ .
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
وَقَرَأَ أَنَسٌ وَعَلْقَمَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ لِأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، إنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَنَا بِالْأَهْوَازِ وَنَحْنُ مَعَهُ ، فَذَكَرَ الطَّهُورَ ، فَقَالَ : اغْسِلُوا حَتَّى ذَكَرَ الرِّجْلَيْنِ وَغَسَلَهُمَا وَغَسَلَ الْعَرَاقِيبَ وَالْعَرَاقِبَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحُجَّاجُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } قَالَ : فَكَانَ أَنَسٌ إذَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُمَا وَقَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ ، وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْغَسْلِ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ افْتَرَضَ اللَّهُ مَسْحَيْنِ وَغَسْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ .
وَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ جُعِلَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ أُسْقِطَ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ ، وَجَعَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْخَبَرِ يُعْمَلُ بِهِمَا إذَا لَمْ يَتَنَاقَضَا .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَطَفَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ ، فَقَدْ يُنْصَبُ عَلَى خِلَافِ إعْرَابِ الرَّأْسِ أَوْ يُخْفَضُ مِثْلُهُ ؛ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَأَصْحَابِهِ رُءُوسُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ لُغَةً وَشَرْعًا .
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُحْتَمَلَةٌ لُغَةً مُحْتَمَلَةٌ شَرْعًا ، لَكِنْ
تُعَضَّدُ حَالَةُ النَّصْبِ عَلَى حَالَةِ الْخَفْضِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ وَمَا مَسَحَ قَطُّ ، وَبِأَنَّهُ رَأَى قَوْمًا تَلُوحُ أَعْقَابُهُمْ ، فَقَالَ { : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ } ، { وَ وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ } .
فَتَوَعَّدَ بِالنَّارِ عَلَى تَرْكِ إيعَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ الرِّجْلَيْنِ مَمْسُوحَتَانِ لَمْ يَعْلَمْ بِوَعِيدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ إيعَابِهِمَا .
وَطَرِيقُ النَّظَرِ الْبَدِيعِ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ مُحْتَمَلَتَانِ ، وَأَنَّ اللُّغَةَ تَقْضِي بِأَنَّهُمَا جَائِزَتَانِ ، فَرَدَّهُمَا الصَّحَابَةُ إلَى الرَّأْسِ مَسْحًا ، فَلَمَّا قَطَعَ بِنَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَ فِي وُجُوهِنَا وَعِيدُهُ ، قُلْنَا : جَاءَتْ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ النَّصْبَ يُوجِبُ الْعَطْفَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا مَسْحُ الرَّأْسِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُ كَوَظِيفَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا بَعْدَهُمَا ، فَذُكِرَ لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ لَا لِيَشْتَرِكَا فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ ، وَجَاءَ الْخَفْضُ لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحَانِ حَالَ الِاخْتِيَارِ عَلَى حَائِلٍ ، وَهُمَا الْخُفَّانِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، فَعَطَفَ بِالنَّصْبِ مَغْسُولًا عَلَى مَغْسُولٍ ، وَعَطَفَ بِالْخَفْضِ مَمْسُوحًا عَلَى مَمْسُوحٍ ، وَصَحَّ الْمَعْنَى فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَنْتُمْ وَإِنْ قَرَأْتُمُوهَا بِالنَّصْبِ فَهِيَ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ مَوْضِعًا ، فَإِنَّ الرُّءُوسَ وَإِنْ كَانَتْ مَجْرُورَةً لَفْظًا فَهِيَ مَنْصُوبَةٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّهَا مَفْعُولَةٌ ، فَكَيْفَ قَرَأْتهَا خَفْضًا أَوْ نَصْبًا فَوَظِيفَتُهَا الْمَسْحُ مِثْلُ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : يُعَارِضُهُ أَنَّا وَإِنْ قَرَأْنَاهَا خَفْضًا ، وَظَهَرَ أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ فَقَدْ يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى الشَّيْءِ بِفِعْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِهِ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
وَرَأَيْت زَوْجَك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا فِعْلًا فَرُوعَ الْأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنِعَامُهَا وَكَقَوْلِهِ : شَرَّابُ أَلْبَانٍ وَتَمْرٍ وَأَقِطٍ تَقْدِيرُهُ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَسَقَيْتهَا مَاءً .
وَمُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَحَامِلًا رُمْحًا ، وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَفَرَّخَتْ نِعَامُهَا .
وَشَرَّابُ أَلْبَانٍ وَآكِلُ تَمْرٍ وَأَقِطٍ .
فَإِنْ قِيلَ : هَاهُنَا عَطَفَ وَشَرَكَ فِي الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَفْعُولًا اتِّكَالًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ لِلْحَقِيقَةِ .
قُلْنَا : وَهَا هُنَا عَطَفَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرُّءُوسِ وَشَرَكَهُمَا فِي فِعْلِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَفْعُولُهُ ، تَعْوِيلًا عَلَى بَيَانِ الْمَبْلَغِ ، فَقَدْ بَلَغَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا أَنَّهَا تَكُونُ مَمْسُوحَةً تَحْتَ الْخُفَّيْنِ ؛ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْبَيَانِ ؛ وَقَدْ أَفْرَدْنَاهَا مُسْتَقِلَّةً فِي جُزْءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إذَا ثَبَتَ وَجْهُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَعَلَامَةٌ مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ ، وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ .
فَإِنْ قِيلَ : هِيَ أَخْبَارُ آحَادٍ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْمُبْتَدِعَةِ بَاطِلٌ .
قُلْنَا : خَبَرُ الْوَاحِدِ أَصْلٌ عَظِيمٌ لَا يُنْكِرُهُ إلَّا زَائِغٌ ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ ، وَقَدْ جَمَعْنَاهُ فِي جُزْءٍ .
الْجَوَابُ الثَّانِي : إنَّهَا مَرْوِيَّةٌ تَوَاتُرًا ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلَى نَقْلِهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى آحَادٍ ، كَمَا أُضِيفَ اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ إلَى الْقُرَّاءِ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِيهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَى الْكَعْبَيْنِ } : اُخْتُلِفَ فِيهِمَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجَمَاعَةُ : إنَّهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي الْمِفْصَلِ بَيْنَ السَّاقِ وَالرِّجْلِ .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : إنَّهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي وَجْهِ الْقَدَمِ ؛ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْكَعْبُ هُوَ الَّذِي بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ .
وَالْعَقِبُ هُوَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ ، وَتَقْتَضِي لُغَةُ الْعَرَبِ أَنَّ كُلَّ نَاتِئٍ كَعْبٌ ، يُقَالُ : كَعْبُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إذَا بَرَزَ عَنْ صَدْرِهَا .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّرَاكُ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي اللُّغَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ بِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَايَةٍ لَهُمَا وَلَا بِبَعْضِ مَعْلُومٍ مِنْهُمَا ، وَالْإِحَالَةُ عَلَى الْمَجْهُولِ فِي التَّكْلِيفِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْبَيَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، وَلَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ ؛ فَبَطَلَ ؛ بَلْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِضِدِّهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ } .
وَهَذَا يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ حِذَاءَهُ لَا فَوْقَهُ ، يَعْضُدُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } وَلَوْ قَالَ : أَرَادَ مَعْقِدَ الشِّرَاكِ لَقَالَ إلَى الْكِعَابِ ، كَمَا قَالَ : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قَلْبٌ وَاحِدٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ اثْنَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْقَوْلُ فِي دُخُولِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْكَعْبَيْنِ كَالْقَوْلِ فِي دُخُولِ الْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي السَّاقِ ، كَمَا أَنَّ الْمِرْفَقَ فِي الْعَضُدِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّك إذَا غَسَلْت السَّاعِدَ إلَى
الْمِرْفَقِ فَالْمِرْفَقُ آخِرُ الْعَضُدِ ، وَإِذَا غَسَلْت الْقَدَمَ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَالْكَعْبَانِ آخِرَ السَّاقَيْنِ ، فَرَكِّبْهُ عَلَيْهِ وَافْهَمْهُ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ : وَذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ؛ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ فِي الرِّجْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْجَمِيعِ ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَلِّلُوا بَيْنَ الْأَصَابِعِ لَا تَتَخَلَّلُهَا النَّارُ } .
وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَلِّكُ بِخِنْصَرِهِ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ } .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالدَّلْكِ ، غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ تَخْلِيلَهَا بِالْمَاءِ يُقَرِّحُ بَاطِنَهَا ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ ، وَمَا عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ فِي تَخْلِيلٍ تَتَقَرَّحُ بِهِ الْأَقْدَامُ ،
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : نَزَعَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، لِأَنَّهُ قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } ؛ تَقْدِيرُهُ كَمَا سَبَقَ : وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ، فَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْجَاءَ ، وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ أَوَّلَ مَبْدُوءٍ بِهِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِهَا لَا ذَاكِرًا وَلَا نَاسِيًا ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ وَتَسْقُطُ مَعَ النِّسْيَانِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا زَادَتْ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ يُرِيدُ الْكَبِيرَ الَّذِي هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الْمِثْقَالِ قِيَاسًا عَلَى فَمِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ وَتَفْرِيعُهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَكُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ .
وَلَا حُجَّةَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا بَيَّنَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ صِفَةَ الْوُضُوءِ خَاصَّةً ، وَلِلصَّلَاةِ شُرُوطٌ : مِنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَبَيَانُ كُلِّ شَرْطٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَتَرْتِيبَهَا وَأَمَرَ بِغَسْلِهَا مُعَقَّبَةً ، فَهَلْ يَلْزَمُ كُلَّ مُكَلَّفٍ أَنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً مَجْمُوعَةً فِي الْفِعْلِ كَجَمْعِهَا فِي الذِّكْرِ ، أَوْ يُجْزِئُ التَّفْرِيقُ فِيهَا ؟ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ : إنَّ التَّوَالِيَ سَاقِطٌ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ فَرَّقَهُ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُجْزِهِ ، وَيُجْزِيهِ نَاسِيًا .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا يُجْزِيهِ نَاسِيًا وَلَا مُتَعَمِّدًا .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ : يُجْزِيهِ فِي الْمَغْسُولِ وَلَا يُجْزِيهِ فِي الْمَمْسُوحِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يُجْزِيهِ نَاسِيًا وَمُتَعَمِّدًا .
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْأَصْلُ فِيهَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ أَمْرًا مُطْلَقًا فَوَالِ أَوْ فَرِّقْ ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفَوْرِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوْرِ الْأَمْرُ بِأَصْلِ الْوُضُوءِ خَاصَّةً .
وَالْأَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَوَجَبَ فِيهَا التَّوَالِي كَالصَّلَاةِ ، وَبِهَذَا نَقُولُ : إنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَالَاةُ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا ، فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ الْفَرْقِ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ فَإِنَّ التَّوَالِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الطَّهَارَةِ ، فَافْتَرَقَ فِيهَا الذِّكْرُ وَالنِّسْيَانُ ، كَالتَّرْتِيبِ .
وَاعْتِبَارُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادَةِ بِصِفَةٍ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ عِبَادَةٍ بِعِبَادَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فِي تَحْقِيقِ مَعْنًى لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ أَحَدٌ حَاشَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، لِعَظِيمِ إمَامَتِهِ ، وَسَعَةِ دِرَايَتِهِ ، وَثَاقِبِ فِطْنَتِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } الْآيَةَ .
{ وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَمَرَّتَيْنِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ وَثَلَاثًا فِي بَعْضِهَا فِي وُضُوءٍ وَاحِدٍ } ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ بَلْ كُلُّهُمْ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فَرْضٌ ، وَالثَّانِيَةَ فَضْلٌ ، وَالثَّالِثَةَ مِثْلُهَا ، وَالرَّابِعَةَ تَعَدٍّ ، وَأَعْلَنُوا بِذَلِكَ فِي الْمَجَالِسِ ، وَدَوَّنُوهُ فِي الْقَرَاطِيسِ ؛ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا وَإِنْ كَثُرُوا ، فَالْحَقُّ لَا يُكَالُ بِالْقُفْزَانِ ، وَلَيْسَ سَوَاءً فِي دَرْكِهِ الرِّجَالُ وَالْوِلْدَانِ .
اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا أَنَّهُ أَوْعَبَ بِوَاحِدَةٍ ، وَجَاءَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةُ زَائِدَةً فَإِنَّ هَذَا غَيْبٌ لَا يُدْرِكُهُ بَشَرٌ ؛ وَإِنَّمَا رَأَى الرَّاوِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَرَفَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً ، فَقَالَ : تَوَضَّأَ مَرَّةً ، وَهَذَا صَحِيحٌ صُورَةً وَمَعْنًى ؛ ضَرُورَةً أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوعِبْ الْعُضْوَ بِمَرَّةٍ لَأَعَادَ ؛ وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْعُضْوِ أَوْ غَرْفَتَيْنِ فَإِنَّنَا لَا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ أَوْعَبَ الْفَرْضَ فِي الْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَاءَ مَا بَعْدَهَا فَضْلًا ، أَوْ لَمْ يُوعِبْ فِي الْوَاحِدَةِ وَلَا فِي الِاثْنَتَيْنِ حَتَّى زَادَ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْمَاءِ وَحَالِ الْأَعْضَاءِ فِي النَّظَافَةِ وَتَأْتِي حُصُولُ التَّلَطُّفِ فِي إدَارَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَيْهَا ، فَيُشْبِهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِهِ بِأَنْ يُكَرِّرَ لَهُمْ الْفِعْلَ ، فَإِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوعِبَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَجَرَى مَعَ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْأَخْذِ لَهُمْ بِأَدْنَى أَحْوَالِهِمْ إلَى التَّخَلُّصِ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُوَقِّتْ مَالِكٌ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا إلَّا مَا أَسْبَغَ .
قَالَ : وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي التَّوْقِيتِ ، يُرِيدُ اخْتِلَافًا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَى الْإِسْبَاغِ لَا صُورَةُ الْأَعْدَادِ ، وَقَدْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، وَيَدَهُ بِغَرْفَتَيْنِ ، لِأَنَّ الْوَجْهَ ذُو غُضُونٍ وَدَحْرَجَةٍ وَاحْدِيدَابٍ ، فَلَا يَسْتَرْسِلُ الْمَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ مَرَّةٍ بِخِلَافِ الذِّرَاعِ فَإِنَّهُ مُسَطَّحٌ فَيَسْهُلُ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ وَإِسَالَتُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ { تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } .
{ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ آتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ } .
{ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي ، وَوُضُوءُ أَبِي إبْرَاهِيمَ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَعْدَادٌ مُتَفَاوِتَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْبَاغِ ، يَتَعَلَّقُ الْأَجْرُ بِهَا مُضَاعَفًا عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهَا .
قُلْنَا : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ تَصِحَّ ، وَقَدْ أَلْقَيْت إلَيْكُمْ وَصِيَّتِي فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَجْلِسٍ أَلَّا تَشْتَغِلُوا مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ ، فَكَيْفَ يَنْبَنِي مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى أَخْبَارٍ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ ؛ عَلَى أَنَّ لَهُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنَّهُ { تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } فَإِنَّهُ أَقَلُّ مَا يَلْزَمُ ، وَهُوَ الْإِيعَابُ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِحَالِهَا .
ثُمَّ تَوَضَّأَ بِغَرْفَتَيْنِ وَقَالَ : لَهُ أَجْرُهُ
مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ تَكَلُّفِ غَرْفَةٍ ثَوَابٌ .
وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي ؛ مَعْنَاهُ الَّذِي فَعَلْته رِفْقًا بِأُمَّتِي وَسُنَّةً لَهُمْ ؛ وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ الْغَرْفَةَ الْأُولَى تَسُنُّ الْعُضْوَ لِلْمَاءِ وَتُذْهِبُ عَنْهُ شُعْثَ التَّصَرُّفِ .
وَالثَّانِيَةُ تَرْحَضُ وَضَرَ الْعُضْوِ ، وَتُدْحِضُ وَهَجَهُ .
وَالثَّالِثَةُ تُنَظِّفُهُ ، فَإِنْ قَصَّرْت دُرْبَةُ أَحَدٍ عَنْ هَذَا كَانَ بَدَوِيًّا جَافِيًا فَيُعَلَّمُ الرِّفْقَ حَتَّى يَتَعَلَّمَ ، وَيُشْرَعُ لَهُ سَبِيلُ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَنْهَضَ إلَيْهَا ، وَيَتَقَدَّمَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ : " فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ " .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ غَسْلَ الْوَجْهِ مُطْلَقًا ، وَتَمَضْمَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيَّنَ وَجْهَ النَّظَافَةِ فَتَعَيَّنَ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ ، ثُمَّ لَازَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَاكَ فِعْلًا ، وَنَدَبَ إلَيْهِ أَمْرًا ، حَتَّى قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ } ، وَمَا غَفَلَ عَنْهُ قَطُّ ؛ بَلْ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَمِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ ، لَا مِنْ فَضَائِلِهِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } : فِي التَّيَمُّمِ ، فَأَدْخَلَ الْبَاءَ فِيهِ ، كَمَا أَدْخَلَهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { بِرُءُوسِكُمْ } ؛ وَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، لِيُبَيِّنَ وُجُوبَ الْمَمْسُوحِ بِهِ ؛ وَأَكَّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { مِنْهُ } وَقَدْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْبَيَانِ .
وَزَعَمَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَوْلَهُ { مِنْهُ } إنَّمَا جَاءَ لِيُبَيِّنَ وُجُوبَ نَقْلِ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ عَلَى التُّرَابِ لَا عَلَى الْحِجَارَةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا أَفَادَتْ { مِنْهُ } وُجُوبَ ضَرْبِ الْأَرْضِ بِالْيَدَيْنِ ، فَلَوْلَا ذَلِكَ وَتَرَكْنَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَجَازَتْ الْإِشَارَةُ إلَى الصَّعِيدِ وَضَرْبِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ بِالْيَدَيْنِ إلَى الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّهُ أَكَّدَ بِقَوْلِهِ { مِنْهُ } لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ تَعَبُّدًا ، ثُمَّ ضَرَبَ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقَرَّرْنَا أَنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ كَيْفَمَا كَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : فَإِنْ قِيلَ : فَبَيِّنُوا لَنَا بَقِيَّةَ الْآيَةِ .
قُلْنَا : أَمَّا قَوْلُهُ : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَحُكْمُ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ ، وَالْقَوْلُ فِيهَا وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا فَيَنْتَظِمُ الْمَعْنَى بِهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ وَنِظَامِهَا : [ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ ] : رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، تَقْدِيرُهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ نَوْمٍ ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ ، أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا .
الثَّانِي : تَقْدِيرُهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا تِلَاوَةً وَتَقْدِيرًا إلَى آخِرِهَا .
الثَّالِثُ : تَقْدِيرُهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ .
وَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
تَقَدَّمَ أَكْثَرُ مَعْنَاهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ ذِكْرِنَا لِنَظِيرَتِهَا ، وَنَحْنُ نُعِيدُ ذِكْرَ مَا تَجَدَّدَ هَاهُنَا مِنْهَا ، وَنُعِيدُ مَا تَحْسُنُ إعَادَتُهُ فِيهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ فَوَعَدُوهُ ثُمَّ هَمُّوا بِغَدْرِهِ ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَلَّا يُحَمِّلَهُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْحَالَةِ الْمُبْغِضَةِ لَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْحَقِّ فِيهَا قَضَاءً أَوْ شَهَادَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } : أَوْ " قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ قِيَامُهُ لِلَّهِ فَشَهَادَتُهُ وَعَمَلُهُ يَكُونُ بِالْعَدْلِ ، وَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ بِالْعَدْلِ فَشَهَادَتُهُ وَعَمَلُهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ لِارْتِبَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ارْتِبَاطَ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْقِيَامُ لِلَّهِ وَالْعَدْلُ مُرْتَبِطٌ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } : يُرِيدُ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ عَلَى الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَ [ نُفُوذُ ] شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ ، وَإِنْ أَبْغَضَهُ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ وَشَهَادَتُهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ مَعَ الْبُغْضِ لَهُ لَمَا كَانَ لِأَمْرِهِ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَجْهٌ .
فَإِنْ قِيلَ : الْبُغْضُ وَرَدَ مُطْلَقًا فَلِمَ خَصَّصْتُمُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْبُغْضَ فِي غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاءً ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ أَحَدًا بِقَوْلِ الْحَقِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَعَ عَدَاوَةٍ لَا تَحِلُّ ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِلْوَصْفِ ، وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ ؛ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلِأُدَخِّلَنكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا خِطَابٌ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ فِعْلِ مُوسَى مَعَ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَبَعْثِهِ النُّقَبَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، لِيَخْتَبِرُوا حَالَ مَنْ بِهَا ، وَيُعْلِمُوهُ بِمَا أَطْلَعُوهُ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى يَنْظُرُوا فِي الْغَزْوِ إلَيْهَا ؛ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَمَا عَرَضَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِثْلَهَا ، وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ مَالِكٍ ذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، رَكَّبْنَا عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ لِكَوْنِهِ مِنْ وَاضِحَاتِ الدَّلَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ مِنْ حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ .
وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا تَائِبِينَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا نَصِيبَهُمْ لَهُمْ مِنْ السَّبْيِ فَقَالُوا قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا } { عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ } ، وَاحِدُهَا عَرِيفٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ ، أَيْ يَعْرِفُ بِمَا عِنْدَ مَنْ كُلِّفَ أَنْ يَعْرِفَ مَا عِنْدَهُ .
وَمِنْ حَدِيثِ { وَفْدِ هَوَازِنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ ، وَإِنِّي رَأَيْت أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَطِيبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ .
فَقَالَ النَّاسُ : قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ .
فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ .
فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا } .
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ : وَهُوَ النَّقِيبُ أَوْ مَا فَوْقَهُ ، وَيَنْطَلِقُ بِالْمَعْنَيَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقِيبَ الْأَنْصَارِ .
وَيَنْطَلِقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْأَمِينِ وَالْكَفِيلِ .
وَاشْتِقَاقُهُ ؛ يُقَالُ : نَقَبَ
الرَّجُلُ عَلَى الْقَوْمِ يَنْقُبُ إذَا صَارَ نَقِيبًا ، وَمَا كَانَ الرَّجُلُ نَقِيبًا ، وَلَقَدْ نَقَبَ ، وَكَذَلِكَ عَرَفَ عَلَيْهِمْ إذَا صَارَ عَرِيفًا ، وَلَقَدْ عَرَفَ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ نَقِيبٌ ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ دَخِيلَةَ أَمْرِ الْقَوْمِ وَمَنَاقِبَهُمْ ، وَالْمَنَاقِبُ تُطْلَقُ عَلَى الْخِلْقَةِ الْجَمِيلَةِ وَعَلَى الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَعَلَى هَذَا انْبَنَى قَبُولُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا فِي الَّذِي يُبَلِّغُهُ إيَّاهَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِ الدِّينِ وَدُخُولِ الدَّارِ بِإِذْنِ الْآذِنِ ، وَأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ لَا نُطَوِّلُ بِهَا ؛ فَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا وَعَلَى أَنْوَاعِهَا " ، فَأَلْحِقْ كُلَّ شَيْءٍ بِجِنْسِهِ مِنْهَا ، وَمِنْ هَاهُنَا اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : كَانَتْ الْأَنْصَارُ سَبْعِينَ رَجُلًا يَعْنِي مَالِكٌ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا ، فَكَانَ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ أَحَدَ النُّقَبَاءِ نَقِيبًا .
قَالَ مَالِكٌ : النُّقَبَاءُ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ ، مِنْهُمْ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : كَانَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنُ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّقَبَاءِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : التِّسْعَةُ مِنْ الْخَزْرَجِ هُمْ : أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ .
وَمِنْ الْأَوْسِ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّ فِيهِمْ أَبَا
الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيْهَانِ ؛ فَجَعَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقَبَاءَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَعَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } .
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مَسْكَنٌ يَأْوِي إلَيْهِ وَامْرَأَةٌ يَتَزَوَّجُهَا وَخَادِمٌ يَخْدُمُهُ .
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَقَتَادَةَ ، زَادَ قَتَادَةُ : كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الْخَدَمَةَ ؛ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَمَلَكَ دَارًا وَخَادِمًا بَاعَهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ وَلَمْ يُجْزِهِ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِبَيْعِ خَادِمِهِ أَوْ دَارِهِ ، وَهُوَ مَلِكٌ ، وَالْمُلُوكُ لَا يُكَفِّرُونَ بِالصِّيَامِ وَلَا يُوصَفُونَ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِعْتَاقِ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا } : اُخْتُلِفَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ وَلَدُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَهُمَا قَابِيلُ وَهَابِيلُ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُ مِنْ النَّاسِ ، جَرَى مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ قَتِيلٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَفْعَلُ بِهَابِيلَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الْغُرَابَيْنِ ، فَتَنَازَعَا فَاقْتَتَلَا ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .
الثَّانِي : أَنَّ الْغُرَابَ إنَّمَا بُعِثَ لِيُرِيَ ابْنَ آدَمَ كَيْفِيَّةَ الْمُوَارَاةِ لِهَابِيلَ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { سَوْأَةَ أَخِيهِ } : قِيلَ : هِيَ الْعَوْرَةُ .
وَقِيلَ : لَمَّا أَنْتَنَ صَارَ كُلُّهُ عَوْرَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ سَوْأَةً لِأَنَّهَا تَسُوءُ النَّاظِرَ إلَيْهَا عَادَةً .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : دَفْنُ الْمَيِّتِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِسَتْرِهِ .
الثَّانِي : لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْأَحْيَاءَ بِجِيفَتِهِ .
وَقِيلَ : إنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ فِي صُورَةِ الْغُرَابَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَانَا غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ ، فَبَحَثَ الْأَرْضَ عَلَى سَوْأَةِ أَخِيهِ حَتَّى عَرَفَ كَيْفَ يَدْفِنُهُ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ حَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ سَنَةً يَدُورُ بِهِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ، وَدَفَنَ فَتَعَلَّمَ ، وَعَمِلَ مِثْلَ مَا رَأَى ، وَقَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِهِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } .
وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي الْخَلْقِ ، وَفَرْضًا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ عَلَى الْكِفَايَةِ ، مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَرْضُهُ ؛ وَأَخَصُّ الْخَلْقِ بِهِ الْأَقْرَبُونَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنْ الْجِيرَةِ ، ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَهُوَ حَقٌّ فِي الْكَافِرِ أَيْضًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رَوَى نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ { عَلِيٍّ قَالَ : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ ، فَمَنْ يُوَارِيهِ ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاك ، وَلَا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتَّى تَأْتِيَنِي .
فَوَارَيْته ، ثُمَّ جِئْت ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ وَدَعَا لِي } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ } : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ ؛ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } : وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَحْكَامِ هَاهُنَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأُصُولِ ؛ لَكِنَّا نُشِيرُ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الْقُلُوبِ بِهَا ، فَنَقُولُ : مِنْ الْغَرِيبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَدِمَ وَهُوَ فِي النَّارِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } .
قُلْنَا : عَنْ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْحَدِيثُ لَيْسَ يَصِحُّ ، لَكِنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ ، وَكُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سَلِمَ ، لَكِنَّ النَّدَمَ لَهُ شُرُوطٌ ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بِشُرُوطِهِ قُبِلَ مِنْهُ ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُقْبَلْ .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ نَدَمُهُ ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ النَّدَمُ إذَا اسْتَمَرَّ .
الثَّالِثُ : أَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَاضِي إنَّمَا يَنْفَعُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى أَلَّا يَفْعَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ } : تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إنَّ ابْنَيْ آدَمَ كَانَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْلُ زَمَانُ آدَمَ وَلَا زَمَنُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ شَرْعٍ .
وَأَهَمُّ قَوَاعِدِ الشَّرَائِعِ حِمَايَةُ الدِّمَاءِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ وَحِيَاطَتُهُ بِالْقِصَاصِ كَفًّا وَرَدْعًا لِلظَّالِمِينَ وَالْجَائِرِينَ وَهَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَا تَخْلُو عَنْهَا الشَّرَائِعُ وَالْأُصُولُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِلَلُ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ بِالذِّكْرِ لِلْكِتَابِ فِيهِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْزِلُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ كَانَ قَوْلًا مُطْلَقًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ ، بَعَثَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ فَكَتَبَ لَهُ الصُّحُفَ ، وَشَرَعَ لَهُ دِينَ الْإِسْلَامِ ، وَقَسَّمَ وَلَدَيْهِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ ، فَوَضَعَ اللَّهُ إسْمَاعِيلَ بِالْحِجَازِ مُقَدِّمَةً لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلَاهَا عَنْ الْجَبَابِرَةِ تَمْهِيدًا لَهُ ، وَأَقَرَّ إِسْحَاقَ بِالشَّامِ ، وَجَاءَ مِنْهُ يَعْقُوبُ وَكَثُرَتْ الْإِسْرَائِيلِيَّة ، فَامْتَلَأَتْ الْأَرْضُ بِالْبَاطِلِ فِي كُلِّ فَجٍّ ، وَبَغَوْا ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُوسَى وَكَلَّمَهُ وَأَيَّدَهُ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ ، وَخَطَّ لَهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ ، وَأَمَرَهُ بِالْقِتَالِ ، وَوَعَدَهُ النَّصْرَ ، وَوَفَّى لَهُ بِمَا وَعَدَهُ ، وَتَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ بِعَقَائِدِهَا ، وَكَتَبَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي التَّوْرَاةِ الْقِصَاصَ مُحَدَّدًا مُؤَكَّدًا مَشْرُوعًا فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْحُدُودِ ، إلَى سَائِرِ الشَّرَائِعِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا بِكَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً لَيْسَ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا سَبِيلُ هَذَا الْكَلَامِ الْمَجَازُ ، وَلَهُ وَجْهٌ وَفَائِدَةٌ ؛ فَأَمَّا وَجْهُ التَّشْبِيهِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَاهُ قَتَلَ نَبِيًّا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ مِنْ الْخَلْقِ يُعَادِلُ الْخَلْقَ ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ بَعْدَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي النَّبِيِّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمَقْتُولِ ، إمَّا لِأَنَّهُ فَقَدَ نَفْسَهُ ، فَلَا يَعْنِيهِ بَقَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مَأْثُومٌ وَمُخَلَّدٌ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاخْتَارَهُ مُجَاهِدٌ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الطَّبَرِيُّ فِي الْجُمْلَةِ ، وَعَكْسُهُ فِي الْإِحْيَاءِ مِثْلُهُ .
الثَّالِثُ : قَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ مَعْنَاهُ يُقْتَلُ بِمَنْ قُتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا بِالْعَفْوِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ أَجْمَعِينَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ذَمَّ الْقَاتِلِ ، كَمَا عَلَيْهِمْ إذَا عَفَا مَدْحُهُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازٌ .
وَبَعْضُهَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، أَعْلَمَنَا اللَّهُ بِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ : هُوَ الْكُفْرُ .
وَقِيلَ : هُوَ إخَافَةُ السَّبِيلِ .
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَصْلُ " فَسَدَ " فِي لِسَان الْعَرَبِ تَعَذُّرُ الْمَقْصُودِ وَزَوَالُ الْمَنْفَعَةِ ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ كَانَ أَبْلَغَ ، وَالْمَعْنَى ثَابِتٌ بِدُونِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } أَيْ لَعَدِمَتَا ، وَذَهَبَ الْمَقْصُودُ .
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } وَهُوَ الشِّرْكُ أَوْ الْإِذَايَةُ لِلْخَلْقِ ، وَالْإِذَايَةُ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ السَّبِيلِ ، وَمَنْعِ الطَّرِيقِ .
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ الْمُطْلَقُ مَا يُزَيِّفُ مَقْصُودَ الْمُفْسِدِ ، أَوْ يَضُرُّهُ ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ .
وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ هُوَ الْإِذَايَةُ لِلْغَيْرِ .
وَالْإِذَايَةُ لِلْغَيْرِ عَلَى قِسْمَيْنِ : خَاصٌّ ، وَعَامٌ ؛ وَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا جَزَاؤُهُ الْوَاقِعُ وَحْدَهُ الرَّادِعُ ، حَسْبَمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُمُومِ فَجَزَاؤُهُ مَا فِي الْآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ظَاهِرُهُ خِلَافُ مُشَاهَدَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ إلَّا وَاحِدًا ، وَلَكِنَّهُ تَحَمَّلَ أَوْجُهًا مِنْ الْمَجَازِ .
مِنْهَا : أَنَّ عَلَيْهِ إثْمَ مَنْ قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَلَهُ أَجْرُ مَنْ أَحْيَا جَمِيعَ النَّاسِ إذَا أَصَرُّوا عَلَى الْهَلَكَةِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لَأَنْ يَقْتُلَ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَمَنْ أَنْقَذَ وَاحِدًا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ عَدُوٍّ فَهُوَ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَفْعَلَ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ ذَلِكَ ؛ فَالْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ .
وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، ثُمَّ جَاءَ عَالِمًا فَسَأَلَهُ : هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَا ، فَكَمَّلَ الْمِائَةَ بِهِ ، ثُمَّ جَاءَ غَيْرَهُ ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَك تَوْبَةٌ } الْحَدِيثَ { إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ } .
وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا فَقَدْ سَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَقْتُلُ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنْ إثْمٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْيَا مِثْلُهُ فِي الْأَجْرِ ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا } ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ظَاهِرُهَا مُحَالٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُحَارَبُ وَلَا يُغَالَبُ وَلَا يُشَاقُّ وَلَا يُحَادُّ ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ ، وَعُمُومِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ عَلَى الْكَمَالِ ، وَمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ التَّنَزُّهِ عَنْ الْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَحَارِبِينَ فِي جِهَةٍ وَفَرِيقٍ عَنْ الْآخَرِ .
وَالْجِهَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لِمَا وَجَبَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمَجَازِ : مَعْنَاهُ يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ؛ وَعَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَةِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ إكْبَارًا لِإِذَايَتِهِمْ ، كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْفُقَرَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } لُطْفًا بِهِمْ وَرَحْمَةً لَهُمْ ، وَكَشْفًا لِلْغِطَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي ، وَجُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، وَعَطِشْت فَلَمْ تَسْقِنِي ، فَيَقُولُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ ، وَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ } .
وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ مُحَالٌ ، وَلَكِنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُ تَشْرِيفًا لَهُ ، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ .
وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْكُفْرُ ، وَهِيَ مَعْنًى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ
الْكُفْرَ يَبْعَثُ عَلَى الْحَرْبِ ؛ وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ .
الثَّانِي : نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : { نَزَلَتْ فِي عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ، قَدِمَ مِنْهُمْ نَفَرٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَلُوا أَعْيُنَهُمْ ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالَتِهِمْ .
} وَقَالَ قَتَادَةُ : فَبَلَغَنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ } .
هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قِصَّتِهِمْ ، وَتَمَامُهَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي صَرِيحِ الصَّحِيحِ ، زَادَ الطَّبَرِيُّ : وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مُعَاتَبَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْعُرَنِيِّينَ ؛ قَالَهُ اللَّيْثُ .
الْخَامِسُ : قَالَ قَتَادَةُ : هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا فَعَلَ فِي الْعُرَنِيِّينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ : لَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ لَكَانَ غَرَضًا ثَابِتًا ، وَنَصَّا صَرِيحًا .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَهُودَ ، وَدَخَلَ تَحْتَهَا كُلُّ ذِمِّيٍّ وَمَلِّيٍّ .
وَهَذَا مَا لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْيَهُودِ حَارَبَ ، وَلَا أَنَّهُ جُوزِيَ بِهَذَا الْجَزَاءِ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ عُكْلًا وَعُرَيْنَةَ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَأَفْسَدُوا ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمْ فِي زَوَالِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ، كَمَا يَسْقُطُ قَبْلَهَا ، وَقَدْ قِيلَ لِلْكُفَّارِ : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
وَقَالَ فِي الْمُحَارِبِينَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ دُونَ الْمُحَارَبَةِ ، وَفِي الْآيَةِ النَّفْيُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يُنْفَى ، وَفِيهَا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا تُقْطَعُ لَهُ يَدٌ وَلَا رِجْلٌ ؛ فَثَبَتَ أَنَّهَا لَا يُرَادُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ وَلَا الْمُرْتَدُّونَ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّهَا فِي شَأْنِ الْعُرَنِيِّينَ أَقْوَى ؛ وَلَا يُمْكِن أَنْ يُحْكَمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ سَمْلِ الْأَعْيُنِ ، وَقَطْعِ الْأَيْدِي .
قُلْنَا : ذَلِكَ مُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا تَعَيَّنَ فَاعِلُ ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ حَرْبِيِّينَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ؛ وَالْمُرْتَدُّ يَلْزَمُ اسْتِتَابَتُهُ ، وَعِنْدَ إصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ يُقْتَلُ .
قُلْنَا : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، وَالْأُخْرَى : لَا يُسْتَتَابُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَقِيلَ : لَا يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ .
وَقِيلَ : يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِتَابَةَ هَؤُلَاءِ لِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْقَتْلِ وَالْمُثْلَةِ وَالْحَرْبِ ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ الَّذِي يَرْتَابُ فَيَسْتَرِيبُ بِهِ وَيُرْشَدُ ، وَيُبَيَّنُ لَهُ الْمُشْكِلُ ، وَتُجْلَى لَهُ الشُّبْهَةُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ قَالَ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ؛ وَتِلْكَ صِفَةُ الْكُفَّارِ ؟ قُلْنَا : الْحِرَابَةُ تَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْمَعْصِيَةِ ، فَيُجَازَى بِمِثْلِهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : ذَلِكَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الرِّبَا قُلْنَا : نَعَمْ ، وَفِيمَنْ فَعَلَهُ ، فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ مَنْ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ يُحَارَبُ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالرِّبَا ، وَعَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْمُحَارَبَةِ : وَهِيَ إشْهَارُ السِّلَاحِ قَصْدَ السَّلْبِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَرْبِ ؛ وَهُوَ اسْتِلَابُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ بِإِظْهَارِ السِّلَاحِ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا } .
وَقَدْ شَرَحَ ذَلِكَ مَالِكٌ شَرْحًا بَالِغًا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : الْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ السَّبِيلَ وَيَنْفِرُ بِالنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَان ، وَيُظْهِرُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا ، إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ يُقْتَلُ ؛ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ بِالْقَتْلِ ، أَوْ الصَّلْبِ ، أَوْ الْقَطْعِ ، أَوْ النَّفْيِ ؛ قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسْتَتِرُ فِي ذَلِكَ وَالْمُعْلِنُ بِحِرَابَتِهِ [ سَوَاءٌ ] .
وَإِنْ اسْتَخْفَى بِذَلِكَ ، وَظَهْرَ فِي النَّاسِ إذَا أَرَادَ الْأَمْوَالَ وَأَخَافَ فَقَطَعَ السَّبِيلَ أَوْ قَتَلَ ، فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ؛ يَجْتَهِدُ أَيَّ هَذِهِ الْخِصَالِ شَاءَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَأَخَذَ بِحِدْثَانِهِ فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ فِيهِ بِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ ، وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِمَالِكٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمُجَاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْمُكَابِرُ بِاللُّصُوصِيَّةِ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْمُجَاهِرُ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي الْمِصْرِ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَطَاءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَسَاقِطٌ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَفْعَلهُ مُجَاهَرَةً مُغَالَبَةً ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْحَشُ فِي الْحِرَابَةِ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَقَدْ كُنْت أَيَّامَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ قَدْ رُفِعَ إلَيَّ قَوْمٌ خَرَجُوا مُحَارِبِينَ إلَى رُفْقَةٍ
، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ امْرَأَةً مُغَالَبَةً عَلَى نَفْسِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ فِيهَا فَاحْتَمَلُوهَا ، ثُمَّ جَدَّ فِيهِمْ الطَّلَبُ فَأُخِذُوا وَجِيءَ بِهِمْ ، فَسَأَلْتُ مَنْ كَانَ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمُفْتِينَ ، فَقَالُوا : لَيْسُوا مُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّ الْحِرَابَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْفُرُوجِ .
فَقُلْت لَهُمْ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أَلَم تَعْلَمُوا أَنَّ الْحِرَابَةَ فِي الْفُرُوجِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الْأَمْوَالِ ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَيَرْضَوْنَ أَنْ تَذْهَبَ أَمْوَالُهُمْ وَتُحْرَبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهمْ وَلَا يُحْرَبُ الْمَرْءُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَبِنْتِهِ ، وَلَوْ كَانَ فَوْقَ مَا قَالَ اللَّهُ عُقُوبَةٌ لَكَانَتْ لِمَنْ يَسْلُبُ الْفُرُوجَ ، وَحَسْبُكُمْ مِنْ بَلَاءٍ صُحْبَةُ الْجُهَّالِ ، وَخُصُوصًا فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَوَاءٌ فِي الْمِصْرِ وَالْبَيْدَاءِ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِمُطْلَقِ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْحِرَابَةَ فِي الْبَيْدَاءِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الْمِصْرِ لِعَدِمِ الْغَوْثِ فِي الْبَيْدَاءِ وَإِمْكَانِهِ فِي الْمِصْرِ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّ الْحِرَابَةَ عَامَّةٌ فِي الْمِصْرِ وَالْقَفْرِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْحَشَ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَكِنَّ اسْمَ الْحِرَابَةِ يَتَنَاوَلُهَا ، وَمَعْنَى الْحِرَابَةِ مَوْجُودٌ فِيهَا ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضًا مَنْ فِي الْمِصْرِ لَقُتِلَ بِالسَّيْفِ وَيُؤْخَذُ فِيهِ بِأَشَدِّ ذَلِكَ لَا بِأَيْسَرِهِ فَإِنَّهُ سَلَبَ غِيلَةً ، وَفِعْلُ الْغِيلَةِ أَقْبَحُ مِنْ فِعْلِ الظَّاهِرَةِ ، وَلِذَلِكَ دَخَلَ الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْمُجَاهَرَةِ ، فَكَانَ قِصَاصًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ ، وَكَانَ حَدًّا ؛ فَتَحَرَّرَ أَنَّ قَطْعَ السَّبِيلِ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ فِي أَصَحِّ أَقْوَالِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا لَا يُوجِبُ إجْرَاءَ الْبَاغِي بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ خَاصَّةً مَجْرَى الَّذِي يَضُمُّ إلَيْهِ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ ، لِعَظِيمِ الزِّيَادَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى
الْآخَرِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي يَضُمُّ إلَى السَّعْيِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ ، وَاَلَّذِي يَنْفَرِدُ بِالسَّعْيِ فِي إخَافَةِ السَّبِيلِ خَاصَّةً يَجُوزُ تَرْكُ قَتْلِهِ ؛ يُؤَكِّدهُ أَنَّ الْمُحَارِبَ إذَا قَتَلَ قُوبِلَ بِالْقَتْلِ ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ لِأَخْذِهِ الْمَالَ ، وَرِجْلُهُ لِإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ ، وَهَذِهِ عُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَيْنَا ، وَخُصُوصًا أَهْلَ خُرَاسَانَ مِنْهُمْ ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُهَا مُبْتَدِئٌ .
أَمَّا قَوْلُهُمْ : كَيْف يُسَوَّى بَيْنَ مَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَقَتَلَ ، وَبَيْنَ مَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، وَقَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ الزِّيَادَةُ الْعُظْمَى ، وَهِيَ الْقَتْلُ ؟ قُلْنَا : وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ اسْتِوَاءِ الْجَرِيمَتَيْنِ فِي الْعُقُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَفْحَشَ مِنْ الْأُخْرَى ؟ وَلِمَ أَحَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ أَعَقْلًا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَمْ شَرْعًا ؟ أَمَّا الْعَقْلُ فَلَا مَجَالَ لَهُ فِي هَذَا ، وَإِنْ عَوَّلْتُمْ عَلَى الشَّرْعِ فَأَيْنَ الشَّرْعُ ؟ بَلْ قَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ ؛ فَإِنَّ عُقُوبَةَ الْقَاتِلِ كَعُقُوبَةِ الْكَافِرِ ، وَإِحْدَاهُمَا أَفْحَشُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَوْ اسْتَوَى حُكْمُهُمَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الْقَتْلِ عَمَّنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، كَمَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ عَمَّنْ أَخَافَ وَقَتَلَ .
قُلْنَا : هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْكُمْ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يُخِيفُ وَيَقْتُلُ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَعَيُّنِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ .
أَمَّا إذَا أَخَافَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، فَمِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى الْقَتْلِ حَكَمَ بِهِ ، وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى إسْقَاطِهِ أَسْقَطَهُ ؛ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ قَالَ مَالِكٌ : وَلْيَسْتَشِرْ لِيَعْلَمَ الْحَقِيقَةَ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ لِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَى جَهَالَةٍ كَمَا أَقْدَمْتُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ
: إنَّ الْقَتْلَ يُقَابِلُ الْقَتْلَ ، وَقَطْعَ الْيَدِ يُقَابِلُ السَّرِقَةَ ، وَقَطْعَ الرِّجْلِ يُقَابِلُ الْمَالَ ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ مِنْهُمْ وَمَزْجٌ لِلْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ بِالْحِرَابَةِ ، وَهُوَ حُكْمٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ جَمِيعِ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ لِفُحْشِهِ وَقُبْحِ أَمْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } فِيهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عَلَى التَّفْصِيلِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّفْصِيلِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا .
أَوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ .
أَوْ تَقْطَعَ أَيَدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : الْمَعْنَى إنْ حَارَبَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَقُتِلَ وَصُلِبَ ، فَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِذَا لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ ، وَهَذَا يُقَارِبُ الْأَوَّلَ ، إلَّا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَطَعَ الطَّرِيقَ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ وَصَلَبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ رِجْلَهُ وَيَدَهُ وَلَمْ يَصْلُبْهُ ، فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ فَقَتَلَ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِالْأَوَّلِ غُرِّبَ وَنُفِيَ مِنْ الْأَرْضِ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْحَسَنُ مِثْلَهُ ، إلَّا فِي الْآخَرِ فَإِنَّهُ قَالَ : يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَتْلِ قُتِلُوا ، وَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ قُطِعُوا مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَقَتَلُوا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يُخَيَّرُ فِيهِمْ بِأَرْبَعِ جِهَاتِ : قَتْلٌ ، صَلْبٌ ،
قَطْعٌ وَقَتْلٌ ، قَطْعٌ وَصَلْبٌ ، وَهَذَا نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا سَادِسٌ .
السَّابِعُ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ بِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : لِأَنَّ { أَوْ } عَلَى التَّخْيِيرِ فَهُوَ أَصْلُهَا وَمَوْرِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لِلتَّفْصِيلِ فَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ : هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ : إنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أَنْ تُرْفَعَ مَنَازِلُهُمْ أَوْ يَكُونُوا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حُلُولَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الطَّبَرِيُّ لَا يَكْفِي إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَمِعْوَلُهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } .
فَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ كَيْفَ يُقْتَلُ ؟ قَالُوا وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنْ التَّخْيِيرَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَخَفِّ ، ثُمَّ يُنْتَقَلُ فِيهِ إلَى الْأَثْقَلِ ؛ وَهَا هُنَا بَدَأَ بِالْأَثْقَلِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْأَخَفِّ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَّرَ تَرْتِيبَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَفْعَالِ ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى ، فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ ، فَإِنْ زَادَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ ؛ فَإِنَّ الْفِعْلَ جَاءَ أَفْحَشَ ؛ فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَحْدَهُ قُطِّعَ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ أَخَافَ نُفِيَ .
الْجَوَابُ : الْآيَةُ نَصٌّ فِي التَّخْيِيرِ ، وَصَرْفُهَا إلَى التَّعْقِيبِ وَالتَّفْصِيلِ تَحَكُّمٌ عَلَى الْآيَةِ وَتَخْصِيصٌ لَهَا ، وَمَا تَعَلَّقُوا مِنْهُ بِالْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : يُقْتَلُ الرِّدْءُ وَلَمْ يُقْتَلْ : وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا تَعَلُّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحَدٍ .
وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ الْقُطْعُ لِتَشْغِيبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ التَّخْيِيرَ عَلَى
الْمُحَارَبَةِ وَالْفَسَادِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفَسَادَ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ وَمَعَ الْمُحَارَبَةِ أَشَدُّ .
================================================ج8.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يُسْجَنُ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْجِنَايَةِ .
الثَّانِي : يُنْفَى إلَى بَلَدِ الشِّرْكِ ؛ قَالَهُ أَنَسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
الثَّالِثُ : يُخْرَجُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إلَى مَدِينَةٍ أَبَدًا ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
الرَّابِعُ : يُطْلَبُونَ بِالْحُدُودِ أَبَدًا فَيَهْرُبُونَ مِنْهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ .
وَالْحَقُّ أَنْ يُسْجَنَ ، فَيَكُونُ السِّجْنُ لَهُ نَفْيًا مِنْ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا نَفْيُهُ إلَى بَلَدِ الشِّرْكِ فَعَوْنٌ لَهُ عَلَى الْفَتْكِ .
وَأَمَّا نَفْيُهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَشُغْلٌ لَا يُدَانُ بِهِ لِأَحَدٍ ، وَرُبَّمَا فَرَّ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ ثَانِيَةً .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُطْلَبُ أَبَدًا وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْ الْحَدِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَزَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَاوَلَةُ طَلَبِ الْجَزَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أُخِذَ فِي الْحِرَابَةِ نَصَّابًا .
قُلْنَا : أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِك أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَوَفِّ شَيْخَكَ حَقَّهُ لِلَّهِ .
إنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
فَاقْتَضَى هَذَا قَطْعَهُ فِي حَقِّهِ .
وَقَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فَاقْتَضَى بِذَلِكَ تَوْفِيَةَ الْجَزَاءِ لَهُمْ عَلَى الْمُحَارَبَةِ عَنْ حَقِّهِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّارِقِ أَنَّ قَطْعَهُ فِي نِصَابٍ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَبَقِيَتْ الْمُحَارَبَةُ عَلَى عُمُومِهَا .
فَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَرُدَّ الْمُحَارَبَةَ إلَى السَّرِقَةِ كُنْتَ مُلْحِقًا الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى وَخَافِضًا الْأَرْفَعَ إلَى الْأَسْفَلِ ، وَذَلِكَ عَكْسُ الْقِيَاسِ .
وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَاسَ الْمُحَارِبُ وَهُوَ يَطْلُبُ النَّفْسَ إنْ وَقَى الْمَالَ بِهَا عَلَى السَّارِقِ وَهُوَ يَطْلُبُ خَطْفَ الْمَالِ ، فَإِنْ شَعَرَ بِهِ فَرَّ ، حَتَّى إنَّ السَّارِقَ إذَا دَخَلَ بِالسِّلَاحِ يَطْلُبُ الْمَالَ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ أَوْ صِيحَ عَلَيْهِ وَحَارَبَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِ .
[ قَالَ الْقَاضِي ] : وَكُنْت فِي أَيَّامِ حُكْمِي بَيْنَ النَّاسِ إذَا جَاءَنِي أَحَدٌ بِسَارِقٍ وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ بِسِكِّينٍ يَسْحَبُهُ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِ الدَّارِ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَأَصْحَابُهُ يَأْخُذُونَ مَالَ الرَّجُلِ حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ ؛ فَافْهَمُوا هَذَا مِنْ أَصْلِ الدِّينِ ، وَارْتَفِعُوا إلَى يَفَاعِ الْعِلْمِ عَنْ حَضِيضِ الْجَاهِلِينَ .
وَالْمُسْكِتُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْحِرْزَ ، فَلَوْ كَانَ الْمُحَارِبُ مُلْحَقًا بِالسَّارِقِ لِمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى حِرْزٍ .
وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يَقُولَ : أَحَدُ شَرْطَيْ السَّرِقَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُحَارِبِ كَالْحِرْزِ وَالتَّعْلِيلِ النِّصَابُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا صَلَبَ الْإِمَامُ الْمُحَارِبَ فَإِنَّهُ يَصْلُبُهُ حَيًّا : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصْلُبُهُ مَيِّتًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } ، فَبَدَأَ بِالْقَتْلِ .
قُلْنَا : نَعَمْ الْقَتْلُ مَذْكُورٌ أَوَّلًا ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّا إذَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا هُوَ الْخِلَافُ .
وَالصَّلْبُ حَيًّا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَى وَأَفْضَحُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَعْنَى الرَّدْعِ الْأَصْلَحِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحِرَابَةَ يُقْتَلُ فِيهَا مَنْ قَتَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : مِنْهُمَا أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ فِي الدِّمَاءِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ كَالْقِصَاصِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هَاهُنَا لَيْسَ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَسَادِ الْعَامِّ ، مِنْ التَّخْوِيفِ وَسَلْبِ الْمَالِ ، فَإِنْ انْضَافَتْ إلَيْهِ إرَاقَةُ الدَّمِ فَحُشَ ، وَلِأَجْلِ هَذَا لَا يُرَاعَى مَالُ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا خَرَجَ الْمُحَارِبُونَ فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْقَافِلَةِ فَقَتَلَ بَعْضُ الْمُحَارِبِينَ ، وَلَمْ يَقْتُلْ بَعْضٌ ، قُتِلَ الْجَمِيعُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ قَتَلَ .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ وَتَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَيُعَضِّدُ هَذَا أَنَّ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ شُرَكَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُ جَمِيعُهُمْ .
وَقَدْ اتَّفَقَ مَعَنَا عَلَى قَتْلِ الرِّدْءِ وَهُوَ الطَّالِعُ ، فَالْمُحَارِبُ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَقَدْ حَارَبُوا بِأَرْضِ الشِّرْكِ .
الثَّالِثُ : إلَّا الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ .
الرَّابِعُ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ؛ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : وَفِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَالٌ يُعْرَفُ ، أَوْ يَقُومَ وَلِيٌّ يَطْلُبُ دَمَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ وَالْقِصَاصُ مِنْهُ .
الْخَامِسُ : قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُطْلَبُ بِشَيْءٍ لَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَلَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .
أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْآيَةَ فِي الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ إنَّ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } عَائِدٌ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَرَادَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِمَّنْ هُوَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ فَهُوَ تَخْصِيصٌ طَرِيفٌ ، وَلَهُ وَجْهٌ طَرِيفٌ ؛ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } يُعْطِي أَنَّهُمْ بِغَيْرِ أَرْضِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ ، وَهَذَا إذَا تَبَيَّنْتَهُ لَمْ يَصِحَّ تَنْزِيلُهُ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ إلَى الْجَبَلِ ، وَتَوَسَّطَ الْبَيْدَاءَ فِي مَنَعَةٍ فَلَا تَتَّفِقُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِجَرِّ جَيْشٍ وَنَفِيرِ قَوْمٍ ؛ فَلَا يُقَالُ : إنَّا قَادِرُونَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَرْجِعُ إلَى الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ .
قُلْنَا : إنَّا نَقُولُ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا فَقَدْ عَلِمْنَا
بُطْلَانَ ذَلِكَ بِمَا قَامَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا يَغْفِرُهَا الْبَارِّي سُبْحَانَهُ إلَّا بِمَغْفِرَةِ صَاحِبِهَا ، وَلَا يُسْقِطُهَا إلَّا بِإِسْقَاطِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَغْفِرَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ حَقٍّ .
قُلْنَا : هَذِهِ مَغْفِرَةٌ عَامَّةٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْمَصْلَحَةِ فِي التَّحْرِيضِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ؛ فَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَرْبَابُهَا .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهَادَةِ : إنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ خَطِيئَةٍ إلَّا الدَّيْنَ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ حُكْمَهَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ : إنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَوَلَّى طَلَبَهَا ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهَا أَرْبَابُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِمُعَيِّنِينَ مِنْ النَّاسِ فِي حُقُوقِهِمْ الْمُعِينَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَائِبُهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ الْمُجْمَلَةِ الْمُبْهَمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعَيَّنَةٍ .
وَأَمَّا إنْ عَرَفْنَا بِيَدِهِ مَالًا لِأَحَدٍ أَخَذَهُ فِي الْحِرَابَةِ فَلَا نُبْقِيه فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ غَصْبٌ ، وَنَحْنُ نُشَاهِدُهُ ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْمُنْكَرِ لَا يَجُوزُ ، فَيَكُونُ بِيَدِ صَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَأْخُذَهُ مَالِكُهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَأَخِيهِ الَّذِي يُوقِفُهُ الْإِمَامُ عِنْدَهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فِيهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي شَرَحَ حَقِيقَةِ السَّرِقَةِ : وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى خُفْيَةٍ مِنْ الْأَعْيُنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِ النَّبَّاشِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ فِي كُتُبِهِ .
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ : السَّارِقُ هُوَ الْمُعْلِنُ وَالْمُخْتَفِي .
وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ الْمُخْتَفِي ، وَالْمُعْلِنُ عَادٍ .
وَبِهِ نَقُولُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنْ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ بَيَّنَّا مَعْنَاهُمَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَقُلْنَا : إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يَجْتَمِعَانِ فِي الِاسْمِ وَيَرِدَانِ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ وَلِلتَّعْيِينِ ، وَكِلَاهُمَا تَعْرِيفٌ بِمَنْكُورٍ عَلَى مَرَاتِبَ ؛ فَإِنْ دَخَلَتْ لِتَخْصِيصِ الْجِنْسِ فَمِنْ فَوَائِدِهَا صَلَاحِيَةُ الِاسْمِ لِلِابْتِدَاءِ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
و { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .
وَإِنْ دَخَلَتْ لِلتَّعْيِينِ فَفَوَائِدُهُ مُقَرَّرَةٌ هُنَالِكَ ، وَهِيَ إذَا اقْتَضَتْ تَخْصِيصَ الْجِنْسِ أَفَادَتْ التَّعْمِيمَ فِيهِ بِحُكْمِ حَصْرِهَا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْهَا وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا صَالِحًا فِي رَبْطِهِ بِهَا دُونَ مَا سِوَاهَا ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لُغَةً .
وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْوَقْفِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ كَمَا أَنْكَرُوا جَمِيعَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّلْخِيصِ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } عَامٌّ فِي كُلِّ سَارِقٍ وَسَارِقَةٍ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَدًّا عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ ، وَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمُجْمَلَ ، وَلَا الْعَامَّ ؛ فَإِنَّ السَّرِقَةَ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لُغَةً إذْ لَيْسَتْ لَفْظَةً شَرْعِيَّةً بِاتِّفَاقٍ رُبِطَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ تَخْصِيصًا ، وَعُلِّقَ عَلَيْهَا الْخَبَرُ بِالْحُكْمِ رَبْطًا ، فَقَدْ أَفَادَتْ الْمَقْصُودَ ، وَجَرَتْ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ وَالْعُمُومِ ، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ " ؛ لِيُبَيِّنَ إرَادَةَ الْعُمُومِ .
وَاَلَّذِي يَقْطَعُ لَك بِصِحَّةِ إرَادَةِ الْعُمُومِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ
لِحَصْرِ الْجِنْسِ ، وَهُوَ الْعُمُومُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ : وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ بِالنَّصْبِ ، وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ .
قَالَ سِيبَوَيْهِ هِيَ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي فِي هَذَا النَّصْبُ ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْكَلَامِ تَقَدُّمَ الْفِعْلَ ، وَهُوَ فِيهِ أَوْجَبُ ، وَإِنَّمَا قُلْت زَيْدًا ضَرَبَهُ ، وَاضْرِبْهُ مَشْغُولُهُ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَا يَكُونَانِ إلَّا بِالْفِعْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ .
قَالَ الْقَاضِي : أَصْلُ الْبَابِ قَدْ أَحْكَمْنَاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَنُخْبِتُهُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَمَفْعُولِ ، فَإِذَا أَخْبَرْت بِهِمْ أَوْ عَنْهُمْ خَبَرًا غَرِيبًا كَانَ عَلَى سِتِّ صِيَغٍ : الْأُولَى : ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا .
الثَّانِيَةُ : زَيْدٌ ضَرَبَ عَمْرًا .
الثَّالِثَةُ : عَمْرًا ضَرَبَ زَيْدٌ .
الرَّابِعَةُ : ضَرَبَ عَمْرًا زَيْدٌ .
الْخَامِسَةُ : زَيْدٌ عَمْرًا ضَرَبَ .
السَّادِسَةُ : عَمْرًا زَيْدٌ ضَرَبَ .
فَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ نَظْمٌ مُهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَجَاءَ مِنْ هَذَا جَوَازُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ ، كَمَا جَازَ تَقَدُّمُ الْفَاعِلِ ، بَيْدَ أَنَّهُ إذَا قَدَّمْت الْمَفْعُولَ بَقِيَ بِحَالِهِ إعْرَابًا ، فَإِذَا قَدَّمْت الْفَاعِلَ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ فِي الْإِعْرَابِ ، وَبَقِيَ الْمَعْنَى الْمُخْبَرُ عَنْهُ ، وَحَدَثَ فِي تَرْتِيبِ الْخَبَرِ مَا أَوْجَبَ تَغْيِيرَ الْإِعْرَابِ ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمَّى الِابْتِدَاءُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى هَذَا الْبَابِ الْأَدَوَاتُ الَّتِي وُضِعَتْ لِتَرْتِيبِ الْمَعَانِي وَهِيَ كَثِيرَةٌ أَوْ الْمَقَاصِدِ وَهِيَ أَصْلٌ فِي التَّغْيِيرِ ، وَمِنْهَا وَضْعُ الْأَمْرِ مَوْضِعَ الْخَبَرِ ، تَقُولُ : اضْرِبْ زَيْدًا .
وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ اسْتِدْعَاءَ إيقَاعِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ هُنَالِكَ فَاعِلٌ سَقَطَ فِي إسْنَادِ الْفِعْلِ ، وَثَبَتَ فِي تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ وَارْتِبَاطِهِ ، وَتَكُونُ لَهُ صِيغَتَانِ : إحْدَاهُمَا هَذِهِ .
وَالثَّانِيَةُ : زَيْدًا اضْرِبْ ، كَمَا كَانَ فِي الْخَبَرِ ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ
صِيغَةٌ ثَالِثَةٌ ، فَلَمَّا جَازَ تَقْدِيمُهُ مَفْعُولًا كَانَ ظَاهِرُ أَمْرِهُ أَلَّا يَأْتِيَ إلَّا مَنْصُوبًا عَلَى حُكْمِ تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ ، وَلَكِنْ رَفَعُوهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ وُقُوعُهُ بِهِ فَيُخْبِرُ عَنْهُ ، ثُمَّ يَقْتَضِي الْفِعْلَ فِيهِ ، فَإِنْ اقْتَضَى وَلَمْ يُخْبِرْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَنْصُوبًا ، وَإِنْ أَخْبَرَ وَلَمْ يَقْتَضِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَرْفُوعًا ، فَهُمَا إعْرَابَانِ لِمَعْنَيَيْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ .
تَتْمِيمٌ : فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقُلْت : زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ فَإِنْ نَصَبْته فَعَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ، وَإِنْ رَفَعْته فَعَلَى تَقْدِيرِ الِابْتِدَاءِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى قَصْدِ الْمُخْبِرِ ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ مَعَ النَّصْبِ اضْرِبْ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ ، فَأَمَّا إذَا طَالَ الْكَلَامُ فَقُلْت : زَيْدًا فَاقْطَعْ يَدَهُ كَانَ النَّصْبُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَطُولُ فَيَقْبُحُ الْإِضْمَارُ فِيهِ لِطُولِهِ .
وَهَذَا قَالَبُ سِيبَوَيْهِ أَفْرَغْنَا عَلَيْهِ .
وَأَقُولُ : إنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْجَزَاءِ ، أَوْ كَانَتْ الْفَاءُ فِيهِ مُنَزَّلَةً عَلَى تَقْدِيرِ جَوَابِهِ فَإِنَّ الرَّفْعَ فِيهِ أَعْلَى ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ لَهُ ، فَلَا يَبْقَى لِتَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ إلَّا وَجْهٌ بَعِيدٌ ؛ فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، لَا طَرِيقَ لِلْإِجْمَالِ إلَيْهَا ، فَالسَّرِقَةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ مَعَانٍ : فِعْلٌ هُوَ سَرِقَةٌ ، وَسَارِقٌ ، وَمَسْرُوقٌ مُطْلَقٌ ، وَمَسْرُوقٌ مِنْهُ ، وَمَسْرُوقٌ فِيهِ .
فَهَذِهِ خَمْسَةُ مُتَعَلِّقَاتٍ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ عُمُومُهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ .
أَمَّا السَّرِقَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا .
وَأَمَّا السَّارِقُ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ] .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : [ السَّارِقُ ] : فَهُوَ فَاعِلٌ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِفَاءِ عَنْ الْأَعْيُنِ ؛ لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ شَرَطَتْ فِيهِ سِتَّةَ مَعَانٍ : الْعَقْلُ : لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ لَا يُخَاطَبُ عَقْلًا .
وَالْبُلُوغُ : لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَا يَتَوَجَّه إلَيْهِ الْخِطَابُ شَرْعًا .
وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ : لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُثَافَنْ حَتَّى يَعْرِفَ الْأَحْكَامَ ، وَادَّعَى الْجَهْلَ فِيمَا أَتَى مِنْ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَظَهَرَ صِدْقُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ كَالْأَبِ فِي مَالِ ابْنِهِ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إذَا وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا ، وَالْحُدُودُ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَهَذَا الْأَبُ وَإِنْ كَانَ جَاءَ بِصُورَةٍ السَّرِقَةِ فِي أَخْذِ الْمَالِ خِفْيَةً فَإِنَّ لَهُ فِيهِ سُلْطَانَ الْأُبُوَّةِ وَتَبَسُّطَ الِاسْتِيلَاءِ ، فَانْتَصَبَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ الْمَسْرُوقِ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ ] .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : [ مُتَعَلِّقُ الْمَسْرُوقِ ] : فَهُوَ كُلُّ مَالٍ تَمْتَدُّ إلَيْهِ الْأَطْمَاعُ ، وَيَصْلُحُ عَادَةً وَشَرْعًا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ لَمْ يَنْفَعْ تَعَلُّقُ الطَّمَاعِيَةِ فِيهِ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ مِنْهُ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مَثَلًا .
وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي قَطْعَ سَارِقِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؛ لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَتَصَوُّرِ الْمَعْنَى فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ قَطَعَ فِي دِرْهَمٍ .
وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ لَمْ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا شَوَاذٍّ ، وَلَا يَسْتَرِيبُ اللَّبِيبُ ، بَلْ يَقْطَعُ الْمُنْصِفُ أَنَّ سَرِقَةَ التَّافِهِ لَغْوٌ ، وَسَرِقَةَ الْكَثِيرِ قَدْرًا أَوْ صِفَةً مَحْسُوبٌ ، وَالْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَى الْفَصْلِ فِيهِ بِحَدٍّ تَقِفُ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُ ، فَتَوَلَّى الشَّرْعُ تَحْدِيدَهُ بِرُبْعِ دِينَارٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ ، عَنْ عَائِشَةَ : " مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيت : الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا " .
وَهَذَا نَصٌّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَرَوَى أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا قَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ } قُلْنَا : هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ ، كَمَا جَاءَ فِي مَعْرَضِ التَّرْغِيبِ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } .
وَقِيلَ : إنَّ هَذَا مَجَازٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ظَفِرَ بِسَرِقَةِ الْقَلِيلِ سَرَقَ الْكَثِيرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ؛ فَبِهَذَا تَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ ، وَيَجْتَمِعُ الْمَعْنَى وَالنَّصُّ فِي نِظَامِ الصَّوَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَمِنْهُ كُلُّ مَالٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ وَيُبْتَاعُ وَتَمْتَدُّ إلَيْهِ الْأَطْمَاعُ ، وَتُبْذَلُ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَمْوَالِ .
وَشُبْهَةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ التَّغَيُّرِ وَالْفَسَادِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِيهِ لَمَا لَزِمَ الضَّمَانُ لِمُتْلِفِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَمِنْهُ كُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؛ كَجَوَاهِرِ الْأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا ، وَشِبْهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ ، فَتَنْتَصِبُ إبَاحَةُ أَصْلِهِ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهِ .
قُلْنَا : لَا تَضُرُّ إبَاحَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ إذَا طَرَأَ التَّحْرِيمُ ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ قَوْمٍ ، فَإِنَّ وَطْأَهَا حَرَامٌ يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْد خُلُوصِهَا لِأَحَدِهِمْ ، وَلَا تُوجِبُ الْإِبَاحَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ شُبْهَةً .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرِ وَلَا كَثَرٍ إلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ } .
رَوَاهُ قَلِيلَهْ وَأَبُو دَاوُد .
وَانْفَرَدَ قَلِيلَهْ : { وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ إلَّا فِيمَا أَوَاهُ الْمَرَاحُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَمِنْهُ مَا إذَا سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا .
قَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَطْعُ .
وَقِيلَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ .
قُلْنَا : هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ ؛ وَلَمْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي الْمَالِ لِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا قُطِعَ لِتَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِهِ ، وَتَعَلُّقِهَا بِالْحُرِّ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْعَبْدِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ : وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ مَا كَانَ مَالُهُ مُحْتَرَمًا بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَقَدْ حُرِّمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ } ، إنَّ مَالَ الزَّوْجَيْنِ مُحْتَرَمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمَا حَلَالًا لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَاقَدَا بِعَقْدٍ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي الْخِلْطَةَ وَالتَّبَسُّطَ .
وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَجُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنْ صَاحِبِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَالِ زَوْجِهِ تَبَسُّطٌ لَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَتِهَا ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا ، وَهِيَ : [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ السَّارِقِ مِنْ ذِي رَحِمٍ ] : إنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الرَّحِمِ لَوْ وَطِئَهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ مَالَهَا ، وَشُبْهَةُ الْمَحْرَمِيَّةِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ .
وَإِنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، أَوْ السَّيِّدُ مِنْ عَبْدِهِ : فَلَا قَطْعَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ أَحَدٌ بِأَخْذِ مَالِ عَبْدِهِ لِأَنَّهُ أَخْذٌ لِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَبِقَوْلِ الْخَلِيفَةِ : " غُلَامُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ " ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ مَعَ الْأَبِ فِي الْبَابَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ] .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : [ مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ] : فَهُوَ الْحِرْزُ الَّذِي نُصِبَ عَادَةً لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ حَالِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الْحِرْزِ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ .
أَمَّا الْأَثَرُ : فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ إلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ } .
وَأَمَّا النَّظَرُ فَهُوَ أَنَّ الْأَمْوَالَ خُلِقَتْ مُهَيَّأَةً لِلِانْتِفَاعِ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ بِالْحِكْمَةِ الْأَوَّلِيَّةِ الَّتِي بَيِّنَاهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ حُكِمَ فِيهَا بِالِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ شَرْعًا ، وَبَقِيَتْ الْأَطْمَاعُ مُعَلَّقَةً بِهَا ، وَالْآمَالُ مُحَوَّمَةً عَلَيْهَا ، فَتَكُفُّهَا الْمُرُوءَةُ وَالدِّيَانَةُ فِي أَقَلِّ الْخَلْقِ ، وَيَكُفُّهَا الصَّوْنُ وَالْحِرْزُ عَنْ أَكْثَرِهِمْ ، فَإِذَا أَحَرَزهَا مَالِكُهَا فَقَدْ اجْتَمَعَ بِهَا الصَّوْنَانِ ، فَإِذَا هُتِكَا فَحُشَتْ الْجَرِيمَةُ فَعَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ ؛ وَإِذَا هُتِكَ أَحَدُ الصَّوْنَيْنِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَجَبَ الضَّمَانُ وَالْأَدَبُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ الْحِرْزِ فِي الصَّوْنِ شَيْءٌ ، لَمَّا كَانَ غَايَةَ الْإِمْكَانِ رَكَّبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ غَايَةَ الْعُقُوبَةِ مِنْ عِنْدِهِ رَدْعًا وَصَوْنًا ، وَالْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ؛ لِاقْتِضَاءِ لَفْظِهَا ، وَلَا تَضْمَنُ حِكْمَتُهَا وُجُوبَهُ ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ تَرَكَ اعْتِبَارَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا تَحَصَّلَ لِي مَنْ يُهْمِلُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ يُذْكَرُ ، وَرُبَّمَا نُسِبَ إلَى مَنْ لَا قَدْرَ لَهُ ، فَلِذَلِكَ أَعْرَضْت عَنْ ذِكْرِهِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ فِيهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَهْتِكْ حِرْزًا لَمْ يُلْزِمْهُ أَحَدٌ قِطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ الشَّرِيكِ ] : لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي الْقَطْعِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى إخْرَاجِ نِصَابٍ مِنْ حِرْزِهِ ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ ، أَوْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجَهُ إلَّا بِتَعَاوُنِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِالتَّعَاوُنِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ جَمِيعُهُمْ بِاتِّفَاقٍ مِنْ عُلَمَائِنَا .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخْرِجهُ وَاحِدٌ وَاشْتَرَكُوا فِي إخْرَاجِهِ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ فِيهِ .
وَالثَّانِي : فِيهِ الْقَطْعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الْمُشْتَرِكُونَ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَجِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حِصَّتِهِ نِصَابٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّصَابِ وَمَحَلِّهِ حِينَ لَمْ يَقْطَعْ إلَّا مِنْ سَرَقَ نِصَابًا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ .
وَدَلِيلُنَا : الِاشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ لَا يُسْقِطُ عُقُوبَتَهَا ، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْقَتْلِ ، وَمَا أَقْرَبَ مَا بَيْنَهُمَا ؛ فَإِنَّا قَتَلْنَا الْجَمَاعَةَ بِقَتْلِ الْوَاحِدِ ، صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ ، لِئَلَّا يَتَعَاوَنَ عَلَى سَفْكِهَا الْأَعْدَاءُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ مِثْلُهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ سَاعَدَنَا الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ قُطِعُوا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا اشْتَرَكُوا فِي السَّرِقَةِ فَإِنْ نَقَبَ وَاحِدٌ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ آخَرُ فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقَبَ وَلَمْ يَسْرِقْ ، وَالْآخَرَ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ مَهْتُوكِ الْحُرْمَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَارَك فِي النَّقْبِ وَدَخَلَ وَأَخَذَ قُطِعَ .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَعَاوُنٌ وَاتِّفَاقٌ قُطِعَا ، وَإِنْ نَقَبَ سَارِقٌ وَجَاءَ آخَرُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَدَخَلَ النَّقْبَ وَسَرَقَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَهُوَ الْحِرْزُ ، وَفَصْلُ التَّعَاوُنِ قَدْ تَقَدَّمَ وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي النَّبَّاشِ : قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ : يُقْطَعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ مَالًا مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ لَا مَالِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ السَّرِقَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ سَاكِنٌ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ السَّرِقَةُ بِحَيْثُ تُتَّقَى الْأَعْيُنُ ، وَيُتَحَفَّظُ مِنْ النَّاس ، وَعَلَى نَفْي السَّرِقَةِ عَوَّلَ أَهْلُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَقُلْنَا : إنَّهُ سَارِقٌ ؛ لِأَنَّهُ تَدَرَّعَ اللَّيْلَ لِبَاسًا ، وَاتَّقَى الْأَعْيُنَ ، وَتَعَمَّدْ وَقْتًا لَا نَاظِرَ فِيهِ وَلَا مَارَّ عَلَيْهِ ؛ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَرَقَ فِي وَقْتِ تَبَرُّزِ النَّاسِ لِلْعِيدِ وَخُلُوِّ الْبَلَدِ مِنْ جَمِيعِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الْقَبْرَ غَيْرُ حِرْزٍ فَبَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ حِرْزَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ حَالِهِ الْمُمَكَّنَةِ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُ الْمَيِّتِ عَارِيًّا ، وَلَا يُنْفَقُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ دَفْنِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَنَ إلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ ؛ فَصَارَتْ هَذِهِ الْحَاجَةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزُهُ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } لَيَسْكُنَ فِيهَا حَيًّا وَيُدْفَنَ فِيهَا مَيِّتًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ عُرْضَةٌ لِلتَّلَفِ فَكُلُّ مَا يَلْبَسُهُ الْحَيُّ أَيْضًا مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ وَالْإِخْلَاقِ بِلِبَاسِهِ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أَعْجَلُ مِنْ الثَّانِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا سَرَقَ السَّارِقُ وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ وَرَدُّ الْعَيْنِ ؛ فَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَطْعِ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْغُرْمُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْحَالَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْتَمِعُ الْقَطْعُ مَعَ الْغُرْمِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ } وَلَمْ يَذْكُرْ غُرْمًا ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ ، وَهِيَ نَسْخٌ ، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ ، وَأَمَّا بِنَظَرٍ فَلَا يَجُوزُ قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } مُطْلَقًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْطَى لِذَوِي الْقُرْبَى إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ؛ فَزَادَ عَلَى النَّصِّ بِغَيْرِ نَصٍّ مِثْلِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ .
وَأَمَّا عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فَعَوَّلُوا عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَا يُسْقِطُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، كَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَيْسَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ قَوِيٌّ ، وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أُقِيمَ عَلَى السَّارِقِ الْحَدُّ فَلَا ضَمَانَ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِأَنَّ الْإِتْبَاعَ بِالْغُرْمِ عُقُوبَةٌ ، وَالْقَطْعَ عُقُوبَةٌ ، وَلَا تَجْتَمِعُ عُقُوبَتَانِ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَهُوَ كَلَامٌ مُخْتَلُّ اللَّفْظِ .
وَصَوَابُهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ فِي الْبَدَنِ ، وَالْغُرْمَ عَلَى الْمُوسِرِ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ ، فَصَارَا
حَقَّيْنِ فِي مَحَلَّيْنِ .
وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَقُلْنَا : يَثْبُتُ الْغُرْمُ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، كَمَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَطْعَ فِي الْبَدَنِ وَالْغُرْمَ وَهُوَ مَحَلٌّ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَجُزْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةَ فِي مَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ ، وَالْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ يَنْقُضُ هَذَا الْأَصْلَ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ مَعَ الْقِيمَةِ ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ إلَّا أَنْ يَطَّرِدَ أَصْلُنَا ، فَنَقُولُ : إذَا وَجَبَ الْحَدُّ وَكَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ ، وَإِنَّ الْجَزَاءَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، سَقَطَتْ الْقِيمَةُ عَنْهُ ، فَحِينَئِذٍ تَطَّرِدُ الْمَسْأَلَةُ وَيَصِحُّ الْمَذْهَبُ ؛ أَمَّا أَنَّهُ قَدْ رَوَى النَّسَائِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَغْرَمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إذَا أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ } .
فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُعْسِرِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَاءَ أَغْرَمَ السَّارِقَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَهُ وَلَمْ يُغْرِمْهُ ؛ فَجَعَلَ الْخِيَارَ إلَيْهِ ؛ وَالْخِيَارُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَرْءِ بَيْنَ حَقَّيْنِ هُمَا لَهُ ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَيَّرَ الْعَبْدُ فِيهِ كَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : إذَا سَرَقَ الْمَالَ مِنْ الَّذِي سَرَقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لَمْ تَنْقَطِعْ عَنْهُ ، وَيَدَ السَّارِقِ كَلَا يَدٍ .
فَإِنْ قِيلَ : اجْعَلُوا حِرْزَهُ كَلَا حِرْزٍ .
قُلْنَا : الْحِرْزُ قَائِمٌ ، وَالْمِلْكُ قَائِمٌ ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْمِلْكُ فِيهِ ، فَيَقُولُوا لَنَا : أَبْطِلُوا الْحِرْزَ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا تَكَرَّرَتْ السَّرِقَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ قُطِعَ ثَانِيًا فِيهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
وَلَيْسَ لِلْقَوْمِ دَلِيلٌ يُحْكَى ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ مَعَنَا : إذَا تَكَرَّرَ الزِّنَا يُحَدُّ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا اعْتِرَاضَهُمْ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأَبْطَلْنَاهُ .
وَعُمُومُ الْقُرْآنِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ إذَا مَلَكَ السَّارِقُ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ ] : إذَا مَلَكَ السَّارِقُ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ سَقَطَ الْقَطْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
فَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يُسْقِطْهُ شَيْءٌ وَلَا تَوْبَةُ السَّارِقِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ حُقُوقَ اللَّهِ وَحُدُودَهُ ، وَعَزَوْهُ إلَى الشَّافِعِيِّ قَوْلًا ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْوُجُوبِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ جَمِيعِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ دَلِيلُنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ حَدَّ الْمُحَارِبِ قَالَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدَّ السَّارِقِ ، وَقَالَ فِيهِ : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } فَلَوْ كَانَ ظُلْمُهُ فِي الْحُكْمِ مَا غَايَرَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا ، وَيَا مَعْشَرَ الشَّافِعِيَّةِ ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيْنَ الدَّقَائِقُ الْفِقْهِيَّةُ وَالْحِكَمُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَسْتَنْبِطُونَهَا فِي غَوَامِضِ الْمَسَائِلِ ، أَلَمْ تَرَوْا إلَى الْمُحَارِبِ الْمُسْتَبِدِّ بِنَفْسِهِ ، الْمُجْتَرِئِ بِسِلَاحِهِ ، الَّذِي يَفْتَقِرُ الْإِمَامُ مَعَهُ إلَى الْإِيجَافِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، كَيْف أَسْقَطَ جَزَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ اسْتِنْزَالًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ ، كَمَا فُعِلَ بِالْكَافِرِ فِي مَغْفِرَةِ جَمِيعِ مَا سَلَفَ اسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَامِ .
فَأَمَّا السَّارِقُ وَالزَّانِي ، وَهُمْ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَحْتَ حُكْمِ الْإِمَامِ ، فَمَا الَّذِي يُسْقِطُ عَنْهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ ؟ أَوْ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْمُحَارِبِ ، وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْحَالَةُ وَالْحِكْمَةُ ؟
هَذَا لَا يَلِيقُ بِمِثْلِكُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْمُحَقِّقِينَ .
وَأَمَّا مِلْكُ السَّارِقِ الْمَسْرُوقَ ، فَقَدْ { قَالَ صَفْوَانُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ } .
خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ حُكْمُ سَارِقِ الْمُصْحَفِ ] : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْمُصْحَفِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَا يَنْفَعُ إلَّا أَنْ مَنَعَ بَيْعَهُ وَتَمَلُّكَهُ .
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ : إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ وَرَقًا وَكَتَبَ فِيهِ الْقُرْآنَ لَا يُبْطِلُ مَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مِلْكَهُ ، كَمَا لَمْ يُبْطِلْ مِلْكَهُ لَوْ كَتَبَ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ تَرَتَّبْ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْقَطْعِ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } اعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يُتَعَرَّضْ فِي الْقُرْآنِ لِذِكْرِهَا ، وَلَكِنَّ الْعُمُومَ لَمَّا كَانَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ وَنُظَرَاءَهُ ذَكَرْنَا أُمَّهَاتِ النَّظَائِرِ ، لِئَلَّا يَطُولَ عَلَيْكُمْ الِاسْتِيفَاءُ ، وَبَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ التَّخْصِيصِ لِهَذَا الْعُمُومِ ، لِتَعْلَمُوا كَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَكَذَا عَقَدْنَا فِي كُلِّ آيَةٍ وَسَرَدْنَا ، فَافْهَمُوهُ مِنْ آيَاتِ هَذَا الْكِتَابِ ؛ إذْ لَوْ ذَهَبْنَا إلَى ذِكْرِ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَصَعُبَ الْمَرَامُ .
وَمِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ، فَنَذْكُرُ وَجْهَ إيرَادِهَا لُغَةً ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : ثُمَّ نُفِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَمَامِهَا ، فَإِنَّهَا عَظِيمَةُ الْإِشْكَالِ لُغَةً لَا فِقْهًا ، فَنَقُولُ : إنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وَإِنَّمَا هُمَا يَمِينَانِ " ؟ قُلْت : لَمَّا تَوَجَّهَ هَذَا السُّؤَالُ وَسَمِعَهُ النَّاسُ لَمْ يَحُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِطَائِلٍ مِنْ فَهْمِهِ .
أَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَتَقَبَّلُوهُ ، وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ ، وَتَابَعَهُمْ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ حُسْنَ ظَنٍّ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِكَلَامِهِمْ ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ اثْنَانِ ، فَحُمِلَ الْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : بُطُونُهُمَا وَعُيُونُهُمَا ، وَهُمَا اثْنَانِ ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِثْلَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَبَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ مَا فِي الشَّيْءِ مِنْهُ وَاحِدٌ وَبَيْنَ مَا فِيهِ مِنْهُ اثْنَانِ ، فَجَعَلَ مَا فِي الشَّيْءِ مِنْهُ وَاحِدٌ جَمْعًا إذَا ثُنِّيَ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ جُعِلَ جَمْعًا فَالْإِضَافَةُ تَثْنِيَةٌ ، لَا سِيَّمَا وَالتَّثْنِيَةُ
جَمْعٌ ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ اثْنَانِ رَجُلَانِ ، وَلَكِنْ رَجُلَانِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ وَالتَّثْنِيَةِ جَمِيعًا ، وَذُكِرَ كَذَلِكَ اخْتِصَارًا ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت : قُلُوبُهُمَا فَالتَّثْنِيَةُ فِيهِمَا قَدْ بَيَّنَتْ لَك عَدَدَ قَلْبٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ : وَمَهْمَهَيْنِ قَذْفَيْنِ مَرَّتَيْنِ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ الثَّالِثُ : قَالَ سِيبَوَيْهِ : إذَا كَانَ مُفْرَدًا قَدْ يُجْمَعْ إذَا أَرَدْت بِهِ التَّثْنِيَةَ ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ : وَضَعَا رِحَالَهُمَا ، وَتُرِيدُ رَحْلَيْ رَاحِلَتَيْهِمَا ، وَإِلَى مَعْنَى الثَّانِي يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ الرَّابِعِ ، وَيَشْتَرِكُ الْفُقَهَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ فِي كُلِّ جَسَدٍ يَدَانِ ، فَهِيَ أَيْدِيهِمَا مَعًا حَقِيقَةٌ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَرَادَ الْيُمْنَى مِنْ كُلِّ جَسَدٍ ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ ، جَرَى هَذَا الْجَمْعُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَتُؤَوَّلُ كَذَلِكَ .
الْخَامِسُ : أَنَّ ذِكْرَ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ عِنْدَ التَّثْنِيَةِ أَفْصَحُ مِنْ ذِكْرِهِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ مَعَ التَّثْنِيَةِ ؛ فَهَذَا مُنْتَهَى مَا تَحَصَّلَ لِي مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَقَدْ تَتَقَارَبُ وَتَتَبَاعَدُ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ عَنْهُمْ فِي الْخَامِسِ ، مِنْ أَنَّهُمْ بَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ تُقْطَعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ : أَيْدِيَهُمَا إلَى أَرْبَعَةٍ ، وَهِيَ جَمْعٌ فِي الْآيَتَيْنِ ، وَهِيَ تَثْنِيَةٌ ؛ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَصَاحَتِهِ ، وَلَوْ قَالَ : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمْ لَكَانَ وَجْهًا ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ لَمْ يُرَدْ بِهِمَا شَخْصَيْنِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا هُمَا اسْمًا جِنْسٍ يَعُمَّانِ مَا لَا يُحْصَى إلَّا بِالْفِعْلِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ جَمْعٌ لِحَقِيقَةِ الْجَمْعِ فِيهِ .
وَبَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ كَثِيرًا مَآلُهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ خَاصَّةً ، وَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ تَقْطَعُ الْيُسْرَى وَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فِي رِجْلِ رَجُلٍ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَلَيْسَ عَلَى غَلَطِهِ غِطَاءٌ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَبْلَهُ قَالُوا خِلَافَهُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ، فَجَاءَ بِالْجَمْعِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَقْوَالِ النُّحَاةِ قُلْنَا : ذَلِكَ يَكُونُ تَأْوِيلًا مَعَ الضَّرُورَةِ إذَا جَاءَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ ، فَبَطَلَ مَا قَالَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّمَا سَرَقَ .
قَالَ : اقْطَعُوا يَدَهُ .
قَالُوا : ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ ، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا } .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ثَالِثَةً فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ رَابِعَةً فَقَطَعَ رِجْلَهُ } .
أَمَّا النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد فَرَوَيَاهُ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ .
وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا .
وَقَالَ الْحَارِثُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ
تَمَّمَ قَطْعَهُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِهِ فِي الْخَامِسَةِ ؛ وَهَذَا يُسْقِط قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قَطْعِ الْيَمِينِ أَنَّهُ قَطَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى رُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَا ؛ بَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى .
قَالَ لَهُ : دُونَك .
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ وَأَثْبُتُ رِجَالًا .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ، وَاتْرُكُوا لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا الطَّعَامَ ، وَيَسْتَنْجِي بِهَا مِنْ الْغَائِطِ ، وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَإِنَّمَا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِعَدَمِ الْيُمْنَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : مِنْ تَوَابِعِهَا أَنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } يَقْتَضِي قَطْعَ يَدِ الْآبِقِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ : { فِي الْغَزْوِ } .
فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي السَّفَرِ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْآبِقِ ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ ؛ لِأَجْلِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ الْعَامِّ لَا يُقَالُ فِيهِ يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُعَمِّمُ لَفْظَهُ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَصَدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْغَزْوِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَقَالُوا : إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْغَانِمِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَلَا يُقْطَعُ وَلَا يُحَدُّ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ .
وَقِيلَ : يُقْطَعُ وَيُحَدُّ لِعَدَمِ تَعْيِينِ حَظِّهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَقِرٌّ يُورَثُ عَنْهُ وَتُؤَدَّى مِنْهُ دُيُونُهُ ، فَصَارَ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا وَجَبَ حَدُّ السَّرِقَةِ فَقَتَلَ السَّارِقُ رَجُلًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ قَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ وَيَدْخُلُ الْقَطْعُ فِيهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْطَعُ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ لِلْمُسْتَحِقَّيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُوَفَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : الْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ .
قُلْنَا : إنَّ الَّذِي نَخْتَارُ أَنَّ حَدًّا لَا يُسْقِطُ حَدًّا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ ، هَلْ هُوَ شَرْعُنَا خَاصَّةً أَمْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ؟ فَقِيلَ : كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ .
وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ مُوسَى ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقَطْعُ فِي شَرْعِنَا نَاسِخٌ لِلرِّقِّ .
وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَوْكِيدًا لَهُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدَّ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا قَبْلَنَا ، وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفِيَّتَهُ ، إذْ قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا } .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوك شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ { أَبِي لُبَابَةَ حِينَ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَانَهُ } .
الثَّانِي : نَزَلَتْ فِي شَأْنِ { بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَكَوَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إنَّ النَّضِيرَ يَجْعَلُونَ خَرَاجَنَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ خَرَاجِهِمْ .
وَيَقْتُلُونَ مِنَّا مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنَّا وَدَوْهُ
أَرْبَعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي { الْيَهُودِ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إنَّ رَجُلًا مِنَّا وَامْرَأَةً زَنَيَا ؛ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ ، إنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ ، فَأَتَوْا بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ .
فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ .
فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ .
فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا } .
هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ [ وَالْبُخَارِيُّ ] وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد .
قَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : ائْتُونِي أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ فَجَاءُوا بِابْنَيْ صُورِيَّا ، فَنَشَدَهُمَا اللَّهَ كَيْفَ تَجِدَانِ أَمَرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ قَالَا : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا .
قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا ، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ .
فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ ، فَجَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ .
فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهِمَا فَرُجِمَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُخْتَارِ مِنْ ذَلِكَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي شَأْنِ أَبِي لُبَابَةَ وَمَا قَالَ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَمَا شَكَوْهُ مِنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ
فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ تَحْكِيمًا مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكْوًى .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كِلَاهُمَا فِي وَصْفِ الْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَكَّمُوهُ ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَمْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَ الزَّانِيَيْنِ .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مُصَالَحُونَ ، وَعُمْدَةُ الصُّلْحِ أَلَّا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ ، وَإِنْ تَعَرَّضُوا لَنَا وَرَفَعُوا أَمَرَهُمْ إلَيْنَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا رَفَعُوهُ ظُلْمًا لَا يَجُوزُ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرِيعَةُ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ وَشِبْهِهِ لَمْ يُمَكَّنْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِيهِ .
وَإِذَا كَانَ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَيَحْكُمُونَنَا فِيهِ وَيَتَرَاضَوْا بِحُكْمِنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ أَعْرَضَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ .
قُلْت : وَإِنَّمَا أَنْفَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ ، لِيُحَقِّقَ تَحْرِيفَهُمْ وَتَبْدِيلَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ وَكَتْمَهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ .
وَمِنْهُ صِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجْمُ عَلَى مَنْ زَنَا مِنْهُمْ .
وَعَنْهُ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ ، وَحُجَجِهِ الْبَيِّنَةِ ، وَبَرَاهِينِهِ الْمُثَبِّتَةِ لِلْأُمَّةِ ، الْمُخْزِيَةِ لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي التَّحْكِيمِ مِنْ الْيَهُودِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إذَا جَاءَ الْأَسَاقِفَةُ وَالزَّانِيَانِ فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَكَمَ أَوْ لَا ؟ لِأَنَّ إنْفَاذَ الْحُكْمِ حَقُّ الْأَسَاقِفَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : إذَا حَكَّمَ الزَّانِيَانِ الْإِمَامَ جَازَ إنْفَاذُهُ الْحُكْمَ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْأَسَاقِفَةِ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مُسْلِمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا لَنَفَذَ [ حُكْمُهُ ] وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْحَاكِمِ ؛ فَالْكِتَابِيُّونَ بِذَلِكَ أَوْلَى ، إذْ الْحُكْمُ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلْحَاكِمِ عَلَى النَّاسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عِيسَى ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ ، إنَّمَا كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى عَنْهُ إنَّمَا نَزَعَ بِهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ الزَّانِيَيْنِ كَانَا مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ أَوْ فَدَكَ ، وَكَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ يَسْرَةُ ، وَكَانُوا بَعَثُوا إلَى يَهُودِ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ لَهُمْ : اسْأَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا ، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِغَيْرِ الرَّجْمِ فَخُذُوهُ مِنْهُ وَاقْبَلُوهُ ، وَإِنْ أَفْتَى بِهِ فَاحْذَرُوهُ ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ أَرَادَهَا اللَّهُ فِيهِمْ فَنَفَذَتْ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ أَعْلَمُ يَهُودَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : ابْنُ صُورِيَّا .
فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فِي فَدَكَ ، فَجَاءَ فَنَشَدَهُ اللَّهَ ، فَانْتَشَدَ لَهُ وَصَدَّقَهُ بِالرَّجْمِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ لَهُ : وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ، إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، فَبَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ .
} وَهَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَجِيئُهُمْ بِالزَّانِيَيْنِ وَسُؤَالُهُمْ عَهْدًا وَأَمَانًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَهْدَ ذِمَّةٍ وَدَارٍ لَكَانَ لَهُمْ حُكْمُ الْكَفِّ عَنْهُمْ وَالْعَدْلُ فِيهِمْ ، فَلَا حُجَّةَ لِرِوَايَةِ عِيسَى فِي هَذَا ، وَعَنْهُمْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
بِقَوْلِهِ : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } .
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْجَاسُوسَ بِقَوْلِهِ : { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك } ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْجَوَاسِيسُ ، وَلَمْ يَعْرِضْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَقَرَّرَتْ الْأَحْكَامُ ، وَلَا تَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ ؛ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا حَكَّمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْفَذَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ ، وَكُلُّ مَنْ حَكَّمَ رَجُلًا فِي الدِّينِ فَأَصْلُهُ هَذِهِ الْآيَةُ .
قَالَ مَالِكٌ : إذَا حَكَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَحُكْمُهُ مَاضٍ ، وَإِنْ رُفِعَ إلَى قَاضٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يَكُون جَوْرًا بَيِّنًا .
وَقَالَ سَحْنُونٌ : يُمْضِيه إنْ رَآهُ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالطَّالِبِ ، فَأَمَّا الْحُدُودُ فَلَا يُحَكَّمُ فِيهَا إلَّا السُّلْطَانَ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ اخْتَصَّ بِهِ الْخَصْمَانِ جَازَ التَّحْكِيمُ فِيهِ وَنَفَذَ تَحْكِيمُ الْمُحَكَّمِ بِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّحْكِيمُ جَائِزٌ ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ آحَادُ النَّاسِ الْوُلَاةَ وَالْحُكَّامَ ، وَلَا يَأْخُذُ آحَادُ النَّاسِ الْوِلَايَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَسَنَعْقِدُ فِي تَعْلِيمِ التَّحْكِيمِ مَقَالًا يُشْفِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، إشَارَتُهُ إلَى أَنَّ كُلَّ مُحَكَّمٍ فَإِنَّهُ هُوَ مُفَعَّلٌ مِنْ حَكَّمَ ، فَإِذَا قَالَ : حَكَّمْت ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ لَغْوًا أَوْ مُفِيدًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مُفِيدًا ، فَإِذَا أَفَادَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُفِيدَ التَّكْثِيرَ كَقَوْلِك : كَلَّمْته وَقَلَّلْته ، أَوْ يَكُونَ بِمَعْنَى جَعَلْت لَهُ ، كَقَوْلِك : رَكَّبْته وَحَسَّنْته ، أَيْ جَعَلْت لَهُ مَرْكُوبًا وَحُسْنًا ؛ وَهَذَا يُفِيدُ جَعَلْتُهُ حَكَمًا .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ حَقُّهُمْ لَا حَقُّ الْحَاكِمِ ، بَيْدَ أَنَّ الِاسْتِرْسَالَ عَلَى التَّحْكِيمِ خَرْمٌ لِقَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ وَمُؤَدٍّ إلَى تَهَارُجِ النَّاسِ تَهَارُجَ الْحُمُرِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْبِ فَاصِلٍ ؛ فَأَمَرَ الشَّرْعُ بِنَصْبِ الْوَالِي لِيَحْسِمَ قَاعِدَةَ الْهَرَجِ ، وَأَذِنَ فِي التَّحْكِيمِ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَعَنْهُمْ فِي مَشَقَّةِ التَّرَافُعِ ، لِتَتِمَّ الْمَصْلَحَتَانِ ، وَتَحْصُلَ الْفَائِدَتَانِ .
وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَلْحَظُونِ الشَّرِيعَةَ بِعَيْنِ مَالِكٍ
رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى الْمَصَالِحِ ، وَلَا يَعْتَبِرُونَ الْمَقَاصِدَ ، وَإِنَّمَا يَلْحَظُونَ الظَّوَاهِرَ وَمَا يَسْتَنْبِطُونَ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْقَبَسِ فِي شَرْحِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
وَلَمْ أَرْوِ فِي التَّحْكِيمِ حَدِيثًا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ الْآنَ إلَّا مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْقَاضِي الْعِرَاقِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْجَوْنِيُّ ، أَخْبَرَنَا النَّيْسَابُورِيُّ ، أَخْبَرَنَا قَلِيلَهْ ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ الْمِقْدَامِ بْنَ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ { هَانِئٍ قَالَ : لَمَّا وَفَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ وَهُمْ يُكَنُّونَهُ أَبَا الْحَكَمِ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ .
فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَك مِنْ الْوَلَدِ ؟ قَالَ : لِي شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَمُسْلِمٌ .
قَالَ : فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ ؟ قَالَ : شُرَيْحٌ .
قَالَ : فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : كَيْفَ أَنْفَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ ؟ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ جَوَابُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ زَنَى مِنْهُمْ وَقَدْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْإِمَامُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فِي الْإِحْصَانِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : حَكَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ بِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَهَادَةِ الْيَهُودِ ، إذْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا ، وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْحَقِّ فِي الدَّلِيلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ؛ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ .
الثَّالِثُ : إنَّمَا حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ ، وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ الْيَوْمَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَسَأَلُوهُ عَنْ أَمْرِهِمْ ، فَفِي هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِيهِ : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ جَاءُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ { فَإِنْ جَاءُوكَ } .
ثُمَّ خَيَّرَهُ فَقَالَ : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .
ثُمَّ قَالَ لَهُ : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَالْقِسْطُ هُوَ الْعَدْلُ ، وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ شُهُودٌ مِنَّا عُدُولٌ ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْكُفَّارِ عَدْلٌ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَفَضِيحَةَ الْيَهُودِ حَسْبَمَا شَرَحْنَا ؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ .
وَلَوْ نَظَرَ إلَى الْحُكْمِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَرْسَلَ إلَى ابْنِ صُورِيَّا ، وَلَكِنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُجُوهُ فِيهِ مِنْ قَبُولِ التَّحْكِيمِ وَإِنْفَاذِهِ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ، وَهِيَ الْحَقُّ حَتَّى يُنْسَخَ ، وَبِشَهَادَةِ الْيَهُودِ ، وَذَلِكَ دِينٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ بِالْعُدُولِ مِنَّا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ : وَمُحَمَّدٌ مِنْهُمْ ؛ يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَمُطْلَقُهُ فِي قَوْلِهِ : { النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } ، آخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهُ لِلْيَهُودِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .
قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .
وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } .
فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : [ فِي سَبَبِ النُّزُولِ ] : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَمَّا رَأَتْ قُرَيْظَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ وَكَانُوا يُخْفُونَهُ فِي كِتَابِهِمْ ، قَالُوا : يَا مُحَمَّد : اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إخْوَاننَا بَنِي النَّضِيرِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ دَمٌ ، وَكَانَتْ النَّضِيرُ تَتَعَزَّزُ عَلَى قُرَيْظَةَ فِي دِمَائِهَا وَدِيَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَالُوا : لَا نُطِيعُك فِي الرَّجْمِ ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِحُدُودِنَا الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا ، فَنَزَلَتْ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } ، وَنَزَلَتْ : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَعْنَى : فَمَا بَالُهُمْ يُخَالِفُونَ فَيَقْتُلُونَ النَّفْسَيْنِ بِالنَّفْسِ وَيَفْقَئُونَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَيْنِ ؛ وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عِنْدَهُمْ الْقِصَاصُ خَاصَّةً ، فَشَرَّفَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَمَةَ بِالدِّيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ .
قَالَتْ لَهُ الشَّافِعِيَّةُ : هَذَا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا .
وَقُلْنَا نَحْنُ لَهُ : هَذِهِ الْآيَةُ ، إنَّمَا جَاءَتْ لِلرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَأَخْذِهِمْ مِنْ قَبِيلَةٍ رَجُلًا بِرَجُلٍ ، وَنَفْسًا بِنَفْسٍ ، وَأَخْذِهِمْ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ ، فَأَمَّا اعْتِبَارُ أَحْوَالِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ فَلَيْسَ لَهُ تَعَرُّضٌ فِي ذَلِكَ ، وَلَا سِيقَتْ الْآيَةُ لَهُ ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْمَقَاصِدِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَبُ مِنْ بَعْضٍ ؛ { عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ سُئِلَ : هَلْ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا مَا فِي هَذَا ، وَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ ، وَإِذَا فِيهِ : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ } .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } .
وَقَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } فَاقْتَضَى لَفْظُ الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةَ ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِر ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْكُفْرِ الْمُبِيحِ لِلدَّمِ مَوْجُودٌ بِهِ ، فَلَا تَسْتَوِي نَفْسٌ مُبِيحُهَا مَعَهَا مَعَ نَفْسٍ قَدْ تَطَهَّرَتْ عَنْ الْمُبِيحَاتِ ، وَاعْتَصَمَتْ بِالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْعِصَمِ .
وَقَدْ ذَكَر بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ نُكْتَةً حَسَنَةً ، قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي مِلَّتِهِمْ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنْهُمْ تَعَادُلُ نَفْسًا ؛
فَإِذَا الْتَزَمْنَا نَحْنُ ذَلِكَ فِي مِلَّتِنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي مِلَّتِنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنَّا تُقَابِلُ نَفْسًا ، فَأَمَّا مُقَابَلَةُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَّا بِنَفْسٍ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ ، وَلَا مِنْ مَوَارِدِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يُوجِبُ قَتْلَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ خَاصَّةً .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يُوجِبُ ذَلِكَ أَخْذَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، وَأَخْذَ أَطْرَافِهِ بِأَطْرَافِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .
وَنَخُصُّ هَذَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ السَّلَامَةِ فِي الْخِلْقَةِ فَلَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَنْفُسِ ، وَيُقَالُ لِلْآخَرَيْنِ : إنَّ نَقْصَ الرِّقِّ الْبَاقِيَ فِي الْعَبْدِ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ يَمْنَعُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ يَصْرِفُهُ الْحُرُّ كَمَا يَصْرِفُ الْأَمْوَالَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يُوجِبُ قَتْلَ الرَّجُلِ [ الْحُرِّ ] بِالْمَرْأَةِ [ الْحُرَّةِ ] مُطْلَقًا ؛ وَبِهِ قَالَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِالتَّرَاجُعِ ، فَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ خُيِّرَ وَلِيُّهَا ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَتَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أُعْطِيَ نِصْفَ الْعَقْلِ .
وَقَتَلَ الرَّجُلَ .
وَعُمُومُ الْآيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ } .
وَالْمَعْنَى يُعَضِّدُهُ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ فَقَدْ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ فِي الدَّمِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَالرَّجُلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تُقْتَل الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
قُلْنَا : هَذَا عُمُومٌ تَخُصُّهُ حِكْمَتُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا قَتَلَ مَنْ قَتَلَ صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ عَنْ الْقَتْلِ ، فَلَوْ عَلِمَ الْأَعْدَاءُ أَنَّهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُمْ لَقَتَلُوا عَدُوَّهُمْ فِي جَمَاعَتِهِمْ ، فَحَكَمْنَا بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ رَدْعًا لِلْأَعْدَاءِ ، وَحَسْمًا لِهَذَا الدَّاءِ ، وَلَا كَلَامَ لَهُمْ عَلَى هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ : إذَا جَرَحَ أَوْ قَطَعَ الْيَدَ أَوْ الْأُذُنَ ثُمَّ قَتَلَ فُعِلَ بِهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } الْآيَةَ ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا أَخَذَ ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ قَصْدَ بِذَلِكَ الْمُثْلَةَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ مُضَارَبَتِهِ لَمْ يُمَثَّلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِصَاصِ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّشَفِّيَ ، وَإِمَّا إبْطَالَ الْعُضْوِ .
وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَيْهِ .
وَهَذَا لَيْسَ بِقِصَاصٍ [ وَلَا انْتِصَافٍ ] ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ تَأَلَّمَ بِقَطْعِ الْأَعْضَاءِ [ كُلِّهَا ] وَبِالْقَتْلِ ، فَلَا بُدَّ فِي تَحْقِيقِ الْقِصَاصِ مِنْ أَنْ يَأْلَمَ كَمَا آلَمَ ، وَبِهِ أَقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } وَذَكَرَ الْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ وَتَرَكَ الْيَدَ ، فَقِيلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بِهَا يُفْعَلُ [ كُلُّ ] ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْيَدَيْنِ ، بِخِلَافِ الْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ ، فَإِنَّ الْيُسْرَى لَا تُسَاوِي الْيُمْنَى ؛ فَتَرَكَ الْقَوْلَ فِيهَا لِتَدْخُلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
ثُمَّ يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْيَدَ بِالْيَدِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ ؛ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } قَرَأَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ، فَالنَّصْبُ إتْبَاعٌ لِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ ؛ وَالرَّفْعُ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى حَالِ النَّفْسِ قَبْلَ دُخُولِ أَنْ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ .
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا كُتِبَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَقَأَهَا ، أَوْ أَذْهَبَ بَصَرَهَا وَبَقِيَتْ صُورَتُهَا ، أَوْ أَذْهَبَ بَعْضَ الْبَصَرِ .
وَقَدْ أَفَادَنَا كَيْفِيَّةَ الْقِصَاصِ مِنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ بِمِرْآةٍ فَحُمِّيَتْ ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَى الْعَيْنِ الْأُخْرَى قُطْنًا ، ثُمَّ أُخِذَتْ الْمِرْآةُ بِكَلْبَتَيْنِ فَأُدْنِيَتْ مِنْ عَيْنِهِ حَتَّى سَالَ إنْسَانُ عَيْنِهِ .
فَلَوْ أَذْهَبَ رَجُلٌ بَعْضَ بَصَرِهِ فَإِنَّهُ تُعْصَبُ عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى ، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُ الْمَضْرُوبِ فَيُعَلَّمَ ، ثُمَّ تُغَطَّى عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى ، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ ، فَحَيْثُ انْتَهَى الْبَصَرُ عَلَّمَ ، ثُمَّ يُقَاسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمَسَّاحَةِ ، فَكَيْفَ كَانَ الْفَضْلُ نَسَبًا ، وَيَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِ ذَلِكَ مَعَ الْأَدَبِ الْوَجِيعِ وَالسِّجْنِ الطَّوِيلِ ؛ إذْ الْقِصَاصُ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَا يَزَالُ هَذَا يُخْتَبَرُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ لِئَلَّا يَتَدَاهَى الْمَضْرُوبُ فَيَنْقُصَ مِنْ بَصَرِهِ ، لِيَكْثُرَ حَظُّهُ مِنْ مَالِ الضَّارِبِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَوْ فَقَأَ أَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ : قِيلَ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ .
وَقِيلَ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ شَاءَ فَقَأَ عَيْنَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً .
وَمُتَعَلَّقُ عُثْمَانَ [ أَنَّهُ ] فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ أَخَذَ جَمِيعَ الْبَصَرِ بِبَعْضِهِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَاوَاةِ .
وَمُتَعَلَّقُ الشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى : { الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .
وَمُتَعَلَّقُ مَالِكٍ أَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمَّا تَعَارَضَتْ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ أَوْلَى فَإِنَّهُ أَسْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا فَقَأَ صَحِيحٌ عَيْنَ أَعْوَرَ : فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ .
وَلَكِنْ عُلَمَاؤُنَا قَالُوا : إنَّ مَنْفَعَةَ الْأَعْوَرِ بِبَصَرِهِ كَمَنْفَعَةِ السَّالِمِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ دِيَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَالُوا : إذَا ضَرَبَ سِنَّهُ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا دِيَتُهَا كَامِلَةً ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهَا حُكُومَةٌ ، وَهَذَا عِنْدِي خِلَافٌ يَئُولُ إلَى وِفَاقٍ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَوَادُهَا أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا ، وَإِنَّمَا بَقِيَتْ صُورَتُهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ ، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ مَنْفَعَتِهَا شَيْءٌ أَوْ جَمِيعُهَا لَمْ يَجِبْ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ حُكُومَةٌ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا ضُرِبَ سِنُّهُ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ عَنْهُ سَنَدًا وَلَا فِقْهًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ مَالِكٌ : إذَا أَخَذَ الْكَبِيرُ دِيَةَ ضِرْسِهِ ، ثُمَّ ثَبَتَتْ .
فَلَا يَرُدُّهَا .
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَرُدُّهَا ؛ لِأَنَّ عِوَضَهَا قَدْ ثَبَتَ ، أَصْلُهُ سِنُّ الصَّغِيرِ ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا ثَبَاتٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّادِرِ كَسَائِرِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَلَوْ قَلَعَ رَجُلٌ سِنَّ رَجُلٍ فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا فَالْتَحَمَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ثَانِيَةً ، وَإِنْ رَدَّهَا أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا بِحَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَزَقَتْ مِثْلُهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يَجْبُرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَلْعِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ أَلْصَقَهَا ؛ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَقَدْ جَهِلَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ رَدَّهَا وَعَوْدَهَا لِصُورَتِهَا مُوجِبٌ عَوْدَهَا لِحُكْمِهَا ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ كَانَتْ فِيهَا لِلِانْفِصَالِ ، وَقَدْ عَادَتْ مُتَّصِلَةً ، وَأَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَحْكَامٌ تَعُودُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا وَإِخْبَارِهِ عَنْهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَسْقُطُ عَنْ قَالِعِ السِّنِّ دِيَتُهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِقَلْعِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَنْجَبِرُ .
قُلْنَا : إنَّمَا وَجَبَتْ لِفَقْدِهَا وَذَهَابِ مَنْفَعَتِهَا ؛ فَإِذَا عَادَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ عَيْنَهُ فَفَقَدَ بَصَرَهُ ، فَلَمَّا قَضَى عَلَيْهِ عَادَ بَصَرُهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ قَلْعِ السِّنِّ الزَّائِدِ ] : فَلَوْ كَانَتْ لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ فَقُلِعَتْ فَفِيهَا حُكُومَةٌ ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَلَيْسَ فِي التَّقْدِيرِ دَلِيلٌ ، فَالْحُكُومَةُ أَعْدَلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ قَطْعِ أُذُنَيْ رَجُلٍ ] : قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَيْ رَجُلٍ : عَلَيْهِ حُكُومَةٌ ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي السَّمْعِ ، وَيُقَاسُ كَمَا يُقَاسُ الْبَصَرُ ، فَإِنْ أَجَابَ جَوَابَ مَنْ يَسْمَعُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ أُحْلِفَ ، لَقَدْ صُمَّتْ مِنْ ضَرْبِ هَذَا ، وَأُغْرِمَ دِيَتَهُ ، وَمِثْلُهُ فِي الْيَمِينِ فِي الْبَصَرِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : اللِّسَانُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَوَدِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ، وَالْعِلَّةُ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ الْقَوَدِ فِيهِ عَدَمُ الْإِحَاطَةِ بِاسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ فَالْقَوَدُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَيُخْتَبَرُ بِالْكَلَامِ فَمَا نَقَصَ مِنْ الْحُرُوفِ فَبِحِسَابِهِ مِنْ الدِّيَةِ تَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ .
فَإِنْ قَلَعَ لِسَانَ أَخْرَسَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : [ إذَا قَلَعَ لِسَانُ أَخْرَس ] : فَفِيهِ حُكُومَةٌ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ : فِيهِ الدِّيَةُ ، يُقَالُ لَهُ : إذَا أَسْقَطْت الْقَوَدَ فَلَا يَبْقَى إلَّا الْحُكُومَةُ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَرِينَةُ الْقَوَدِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : [ الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ بِالْيَسَارِ ] : إذَا قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ أَوْ يَسَارَهُ لَمْ يُؤْخَذْ الْيَمِينُ إلَّا بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ إلَّا بِالْيَسَارِ عِنْدَ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : تُؤْخَذُ الْيَمِينُ بِالْيَسَارِ وَالْيَسَارُ بِالْيَمِينِ نَظَرًا إلَى اسْتِوَائِهِمَا فِي الصُّورَةِ وَالِاسْمِ ، وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَهُمَا فِيهَا مُتَفَاوِتَتَانِ أَشَدَّ تَفَاوُتًا مِمَّا بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، فَإِذَا لَمْ تُؤْخَذْ الْيَدُ بِالرِّجْلِ فَلَا تُؤْخَذُ يُمْنَى بِيُسْرَى .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ : نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَعْضَاءِ وَتَرَكَ بَاقِيَهَا لِلْقِيَاسِ عَلَيْهَا ، وَكُلُّ عُضْوٍ فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا أَمْكَنَ وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ فَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَوَدِ فِيهِ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْأَعْضَاءِ وَالصُّوَرِ بَيَّنَّاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ حُكْمُ الْجُرُوحِ ] : لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرَ وَخَصَّ مَا خَصَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } فَعَمَّ بِمَا نَبَّهَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ .
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : لَا وَاَللَّهِ ، لَا تُكْسَر ثَنِيَّتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : [ فَهُوَ كَفَّارَةُ لَهُ هُوَ ] الْمَجْرُوحُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْجَارِحُ .
وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ هَلْ هُوَ فِي الضَّمِيرَيْنِ وَاحِدٌ أَوْ كُلُّ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلَى مُضْمَرٍ ثَانٍ ؟ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى وَاحِدِ الضَّمِيرَيْنِ جَمِيعًا ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فَأَسْقَطَهُ كَفَّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِهِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً ، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً } .
وَاَلَّذِي يَقُولُ : إنَّهُ إذَا عَفَا عَنْهُ الْمَجْرُوحُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَة قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَقِيلَ : { جَاءَ ابْنُ صُورِيَّا ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ ، وَكَعْبُ بْنُ أُسَيْدَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُونَ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ ، فَقَالُوا لَهُ : نَحْنُ أَحْبَارَ يَهُودَ ، إنْ آمَنَّا لَك آمَنَ النَّاسُ جَمِيعُهُمْ بِك ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْك لِتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ ، وَنُؤْمِنُ بِك وَنُصَدِّقُك ؛ فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآيَةَ ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } } بِمَعْنَى وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ قَوْمٌ : هَذَا نَاسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ ، وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ ؛ فَإِنَّ شُرُوطَ النُّسَخِ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا : مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ .
وَهَذَا مَجْهُولٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى حَالِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوك عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك } قَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ عَنْ كُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك ، وَالْبَعْضُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْكُلِّ قَالَ الشَّاعِرُ : تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَغْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَيُرْوَى : أَوْ يَرْتَبِطْ .
أَرَادَ كُلَّ النُّفُوسِ ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ { بَعْضَ } عَلَى حَالِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّجْمُ أَوْ الْحُكْمُ الَّذِي كَانُوا أَرَادُوهُ وَلَمْ يَقْصِدُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الْكُلِّ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ ، وَابْنِ أُبَيٍّ ؛ وَذَلِكَ { أَنَّ عُبَادَةَ تَبَرَّأَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِلْفِ قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ كَانَ لَهُ حِلْفُهُمْ مِثْلُ مَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَتَمَسَّكَ ابْنُ أُبَيٍّ بِهِمْ ، وَقَالَ : إنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ .
} الثَّانِي : كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُوَازُونَ يَهُودَ قُرَيْظَةَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ رِيفٍ ، وَكَانُوا يَمِيرُونَهُمْ وَيُقْرِضُونَهُمْ ، فَقَالُوا : كَيْفَ نَقْطَعُ مَوَدَّةَ قَوْمٍ إذَا أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَاحْتَجْنَا إلَيْهِمْ وَسَعَوْا عَلَيْنَا الْمَنَازِلَ وَعَرَضُوا عَلَيْنَا الثِّمَارَ إلَى أَجَلٍ ، فَنَزَلَتْ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ ؛ فَأَمَّا نُزُولُهَا فِي أَبِي لُبَابَةَ فَمُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى يَهُودِ [ بَنِي قُرَيْظَةَ ] إلَى حَلْقِهِ بِأَنَّهُمْ إنْ نَزَلُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الذَّبْحُ فَخَانَهُ ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى ذَلِكَ فِيهِمَا .
وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ لَا تَخُصُّ بِهِ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اتَّخَذَ بِالْيَمَنِ كَاتِبًا ذِمِّيًّا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِيَ وِلَايَةً أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلِيًّا فِيهَا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُخْلِصُونَ النَّصِيحَةَ ، وَلَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، ، فَقَرَأَ : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مُوَضَّحًا ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ بَيَانُ تَمَامِ الْآيَةِ ، ثُمَّ جَاءَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى عَامَّةً فِي نَفْيِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ أَجْمَعِينَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ إلَى الصَّلَاةِ وَقَعُوا فِي ذَلِكَ وَسَخِرُوا مِنْهُ ؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُ الْأَذَانِ إلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَمَّا إنَّهُ ذُكِرَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ النَّصَارَى ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ ، إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : حُرِقَ الْكَاذِبُ ، فَسَقَطَتْ فِي بَيْتِهِ شَرَارَةٌ مِنْ نَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَتَعَلَّقَتْ النَّارُ بِالْبَيْتِ فَأَحْرَقَتْهُ ، وَأَحْرَقَتْ ذَلِكَ الْكَافِرَ مَعَهُ ؛ فَكَانَتْ عِبْرَةً لِلْخَلْقِ .
وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ .
وَقَدْ كَانُوا يُمْهِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَفْتِحُوا فَلَا يُؤَخَّرُوا بَعْدَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ ، يَغْزُ حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ ، وَإِلَّا أَغَارَ } ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَتَجَنَّبُونَ الصَّلَاةَ فَيَجْتَمِعُونَ ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ النَّصَارَى .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ : اتَّخِذُوا قَرْنًا مِثْل قَرْنِ الْيَهُودِ ؛ فَقَالَ عُمَرُ : أَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ ؛ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ } .
وَفِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : { لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ لِيُعْمَلَ حَتَّى يُضْرَبَ بِهِ فَيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا ، فَقُلْت لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، تَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ ؟ فَقَالَ لِي : مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ فَقُلْت : نَدْعُو بِهِ لِلصَّلَاةِ .
قَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقُلْت : بَلَى .
فَقَالَ : تَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ فَذَكَرَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ .
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْت ، فَقَالَ : إنَّهَا لِرُؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ .
فَفَعَلْت } .
{ فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ الْأَذَانَ خَرَجَ مُسْرِعًا ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ ، لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الَّذِي رَأَى .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ } .
وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى أَخْبَارِ الْأَذَانِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِهِ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ مِنْ طَرِيقَيْهِ : فِي التَّوْحِيدِ ، وَفِي الْعَمَلِ ؛ فَغُلُوُّهُمْ فِي التَّوْحِيدِ نِسْبَتُهُمْ لَهُ الْوَلَدَ سُبْحَانَهُ ، وَغُلُوُّهُمْ فِي الْعَمَلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّكْلِيفِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قِيلَ : الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ .
فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ، وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ } .
وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّا نَتَّبِعُ مَنْ قَبْلَنَا فِي سُنَنِهِ ، وَكَانَتْ الْكَفَرَةُ قَدْ شَبَّهَتْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِالْخَلْقِ فِي الْوَلَدِ ، وَشَبَّهَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْبَارِيَ تَعَالَى بِالْخَلْقِ فِي مَصَائِبَ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْأُصُولِ لَا تَقْصُرُ فِي الْبَاطِلِ عَنْ الْوَلَدِ ، وَغَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْعَمَلِ حَتَّى تَرَهَّبَتْ وَتَرَكَتْ النِّكَاحَ ، وَوَاظَبَتْ عَلَى الصَّوْمِ ، وَتَرَكَتْ الطَّيِّبَاتِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَغِبَ عَنْ سَنَتِي فَلَيْسَ مِنِّي } .
وَسَنَكْشِفُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ هَاهُنَا بِالِاخْتِصَارِ ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَّاهُ بِالطُّولِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ، وَخُصُوصًا فِي قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } .
وَهِيَ : .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَالْمِقْدَادُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، جَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِ النَّصَارَى مِنْ تَحْرِيمِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ كَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ النِّسَاءَ وَالزِّينَةَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَتَرَهَّبُوا ، وَلَا يَأْكُلُوا لَحْمًا وَلَا وَدَكًا ؛ وَقَالُوا : نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا ، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ ، كَمَا فَعَلَ الرُّهْبَانُ .
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَنْكِحُ النِّسَاءَ ، وَيَأْكُلُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ ، وَأَنَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سَنَتِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَقَالَ لَهُمْ : { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، فَشَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
أُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ ، اُعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَصُومُوا رَمَضَانَ ، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا ، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ } .
وَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ضَافَهُ ضَيْفٌ ، فَانْقَلَبَ ابْنُ رَوَاحَةَ وَلَمْ يَتَعَشَّ .
فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ : مَا عَشَّيْتِيهِ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا ، فَانْتَظَرْتُك أَنْ تَأْتِيَ .
قَالَ : حَرَمْت ضَيْفِي مِنْ أَجْلِي ،
فَطَعَامُك عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته .
فَقَالَتْ هِيَ : وَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ لَمْ تُذَقْهُ .
وَقَالَ الضَّيْفُ : هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته إنْ لَمْ تَذُوقُوهُ .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَالَ : قَرِّبِي طَعَامَك ، كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ ، وَغَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ .
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسَنْت .
وَنَزَلَتْ الْآيَةُ : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ .
} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ : { فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا ، فَنَزَلَتْ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } } .
الثَّالِثُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي إذَا أَصَبْت اللَّحْمَ انْتَشَرْت لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَةٌ ، فَحَرَّمْت عَلَيَّ اللَّحْمَ ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } إلَى { مُؤْمِنِينَ } } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَحِيحَةُ الْإِرْسَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ظَنَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ طَرِيقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ رَفْضِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّسَاءِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } فَكَانَتْ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَشَرِيعَتُنَا بِالسَّمْحَةِ الْحَنِيفِيَّةِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ نَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّبَتُّلِ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا } .
وَاَلَّذِي يُوجِبُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمَ ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ ، وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ : { وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا } فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَتُّلَ بِفِعْلِهِ ؛ وَشَرَحَ أَنَّهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ ، وَلَيْسَ بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ ، { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ إذَا وَجَدَهُ ، وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ تُبْتَاعُ بِعِشْرِينَ جَمَلًا ، وَيُكْثِرُ مِنْ الْوَطْءِ ، وَيَصْبِرُ إذَا عَدِمَ ذَلِكَ } ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ لِسُنَّةِ عِيسَى فَلَيْسَ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إذَا كَانَ الدِّينُ قِوَامًا ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ حَرَامًا ؛ فَأَمَّا إذَا فَسَدَ الدِّينُ عِنْدَ النَّاسِ ، وَعَمَّ الْحَرَامُ فَالتَّبَتُّلُ وَتَرْكُ اللَّذَّاتِ أَوْلَى ، وَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالُ فَحَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ وَكَانَ داتشمند رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول : إذْ عَمَّ الْحَرَامُ وَطَبَقَ الْبِلَادَ ، وَلَمْ يُوجَدْ حَلَالٌ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ ، وَصَارَ الْكُلُّ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ أَحَقَّ بِمَا فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبَهُ .
وَأَنَا أَقُولُ : إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُنْقَاسٌ إذَا انْقَطَعَ الْحَرَامُ ، فَأَمَّا وَالْغَصْبُ مُتَمَادٍ ، وَالْمُعَامَلَاتُ الْفَاسِدَةُ مُسْتَمِرَّةٌ ، وَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنْ حَرَامٍ إلَّا إلَى حَرَامٍ فَأَشْبَهَ الْمَعَاشُ مَنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ قَدِيمُ الْمِيرَاثِ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهُ ، وَمَا رَأَيْت فِي رِحْلَتِي أَحَدًا يَأْكُلُ مَالًا حَلَالًا مَحْضًا إلَّا سَعِيدًا الْمَغْرِبِيَّ ، كَانَ يَخْرُجُ فِي صَائِفَةِ الْخِطْمِيِّ ، فَيَجْمَعُ مِنْ زَرِيعَتِهِ قُوَّتَهُ وَيَطْحَنُهَا وَيَأْكُلُهَا بِزَيْتٍ يَجْلِبُهُ الرُّومُ مِنْ بِلَادِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ عَدَا الزَّوْجَةَ فَإِنَّهُ كِذْبَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَهُ .
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْمُتَقَدِّمُ .
وَفِي حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُمْ { أَنَّهُمْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ } ، فَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ ، وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَمَوْضِعُهَا سُورَةُ التَّحْرِيمِ ، وَاَللَّهُ يُسَهِّلُ فِي الْبُلُوغِ إلَيْهَا بِعَوْنِهِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
فِيهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : لَغْوٌ وَمُنْعَقِدَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَغْوَ الْيَمِينِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ فَهِيَ الْمُنْفَعِلَةُ مِنْ الْعَقْدِ ، وَالْعَقْدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : حِسِّيٌّ كَعَقْدِ الْحَبْلِ ، وَحُكْمِيٌّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ ؛ وَهُوَ رَبْطُ الْقَوْلِ بِالْقَصْدِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ ، يَعْزِمُ بِقَلْبِهِ أَوَّلًا مُتَوَاصِلًا مُنْتَظِمًا ، ثُمَّ يُخْبِرُ عَمَّا انْعَقَدَ مِنْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : صُورَةُ الْيَمِينِ اللَّغْوِ وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى هَذَا وَاحِدَةٌ ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا : قَدْ آنَ الْآنَ أَنْ نَلْتَزِمَ بِذَلِكَ الِاحْتِفَاءِ ، وَنَكْشِفَ عَنْهُ الْخَفَاءَ ، فَنَقُولُ : إنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ مَا قُلْنَاهُ .
وَاللَّغْوَ ضِدُّهُ وَالْيَمِينَ اللَّغْوَ سَبْعُ مُتَعَلِّقَاتٍ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ : الْمُتَعَلِّقُ الْأَوَّلُ : الْيَمِينُ مَعَ النِّسْيَانِ ، فَلَا شَكَّ فِي إلْغَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذْ قَصَدَ زَيْدًا فَتَلَفَّظَ بِعَمْرٍو فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ قَصْدِهِ ، فَهِيَ لَغْوٌ مَحْضٌ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَةُ فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ يُحْكَى .
وَالْمُتَعَلِّقُ الثَّالِثُ : فِي دُعَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا ، فَيَنْزِلْ بِهِ كَذَا ، فَهَذَا قَوْلٌ لَغْوٌ فِي طَرِيقِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَكِنَّهُ مُنْعَقِدٌ فِي الْعَقْدِ مَكْرُوهٌ ، وَرُبَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا
يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى نَفْسِهِ ، فَرُبَّمَا صَادَفَ سَاعَةً لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهَا } .
وَالْمُتَعَلِّقُ الرَّابِعُ : فِي يَمِينِ الْمَعْصِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عِبَادَةً ، وَالْحَالِفَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ مَعْصِيَةً ، وَيُقَالُ لَهُ : لَا تَفْعَلْ فَكَفَّرَ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ فَجَرَ فِي إقْدَامِهِ وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِقَلْبِهِ الْفِعْلَ أَوْ الْكَفَّ فِي زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ يَتَأَتَّى فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَهَذَا ظَاهِرٌ .
وَالْمُتَعَلِّقُ الْخَامِسُ : فِي يَمِينِ الْغَضَبِ مَوْضِعُ فِتْنَةٍ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : يَمِينُ الْغَضَبِ لَا يَلْزَمُ ، وَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى حَدِيثٍ يُرْوَى : { لَا يَمِينَ فِي إغْلَاقٍ } ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ ، وَالْإِغْلَاقُ : الْإِكْرَاهُ ؛ لِأَنَّهُ تُغْلِقُ الْأَبْوَابَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَتَرُدُّهُ إلَى مَقْصِدِهِ ، وَقَدْ { حَلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَاضِبًا أَلَّا يَحْمِلَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَحَمَلَهُمْ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .
وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ جِدًّا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ .
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَلَتْ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } فِي قَوْلِ الرَّجُلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ .
قُلْنَا : هَذَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ إذَا أَكْثَرَ الرَّجُلُ فِي يَمِينِهِ مِنْ قَوْلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ، عَلَى أَشْيَاءَ يَظُنُّهَا كَمَا قَالَ ، فَتَخْرُجُ بِخِلَافِهِ .
أَوْ عَلَى حَقِيقَةٍ ، فَهِيَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : قِسْمًا يُظَنُّ وَقِسْمًا يُعْقَدُ ، فَلَا يُؤَاخَذُ مِنْهَا فِيمَا وَقَعَ عَلَى ظَنٍّ ، وَيُؤَاخَذُ فِيمَا عَقَّدَ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ
أَحَدٌ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ، فِيمَا يَعْتَقِدُهُ وَيُعَقِّدُهُ أَنَّهُ لَغْوٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِيهِ وَالتَّهَافُتِ بِهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ } فَنُهِيَ عَنْهَا وَلَا يُؤَاخَذُ إذَا فَعَلَهَا .
هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ هُوَ الْقَوْلُ اللَّغْوُ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَأَنَّهُ الْيَمِينُ عَلَى ظَنٍّ يَخْرُجُ بِخِلَافِهِ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ فِي أَيِّ قِسْمٍ هِيَ ؟ : قُلْنَا هِيَ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى وَدَاهِيَةٌ كُبْرَى تَكَلَّمَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ، وَقَدْ أَفَضْنَا فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَوَجْهُ إشْكَالِهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا فَهِيَ فِي قِسْمِ اللَّغْوِ ، فَلَا تَقَعُ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهَا فَهِيَ فِي قِسْمِ الْمُنْعَقِدَةِ ، تَلْزَمُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ .
وَحَلُّهُ طَوِيلٌ ؛ اخْتِصَارُهُ أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِقِسْمَيْنِ : لَغْوٌ ، وَمُنْعَقِدَةٌ خَرَجَتْ عَلَى الْغَالِبِ فِي أَيْمَانِ النَّاسِ ؛ فَأَمَّا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ فَلَا يَرْضَى بِهَا ذُو دِينٍ أَوْ مُرُوءَةٍ ، وَيَحِلُّ الْإِشْكَالُ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ عَلَى قِسْمَيْ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ ، فَدَعْ مَا بَعْدَهَا يَكُونُ مِائَةَ قِسْمٍ فَإِنَّهُ لَمْ تُعَلَّقْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ مُنْعَقِدَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ بِالْقَلْبِ ، مَعْقُودَةٌ بِخَبَرٍ ، مَقْرُونَةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى .
قُلْنَا : عَقْدُ الْقَلْبِ إنَّمَا يَكُونُ عَقْدًا إذَا تُصُوِّرَ حِلُّهُ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي صَوَّرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَوْجُودٌ فِي يَمِينِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا ؛ فَثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَصْدِ لَا يَكْفِي فِي الْكَفَّارَةِ ، هَذَا وَقَدْ فَارَقَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الْحِلَّ .
وَكَيْفَ تَنْعَقِدُ ؟ وَقَدْ مَهَدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ : قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمَسَائِلِ ، وَهِيَ رَبْطُ الْعَقْدِ بِالِامْتِنَاعِ وَالتَّرْكِ أَوْ بِالْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلٍ بِمَعْنَى مُعَظَّمٍ حَقِيقَةً أَوْ اعْتِقَادًا .
وَالْمُعَظَّمُ حَقِيقَةً ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ .
وَالْمُعَظَّمُ اعْتِقَادًا ، كَقَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ .
وَالْحُرِّيَّةُ مُعَظَّمَةٌ عِنْدَهُ ، لِاعْتِقَادِهِ عَظِيمَ مَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالطَّلَاقِ .
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
فَسَمَّى الْحَالِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ حَالِفًا .
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جِهَةِ النَّذْرِ لَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ .
وَالنَّذْرُ يَمِينٌ حَقِيقَةً ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَقْسَمْت عَلَيْك ، أَوْ أَقْسَمْت لَيَكُونَنَّ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا إذَا قَصَدَ بِاَللَّهِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ يَمِينًا حَتَّى يُذْكَرَ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا .
قُلْنَا : إنْ كَانَ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ فَقَدْ نَوَاهُ ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى فَهِيَ يَمِينٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ : وَعِلْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا .
وَظَنَّ قَوْمٌ مِمَّنْ لَمْ يُحَصِّلْ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ يُنْكِرُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : إذَا حَلَفَ : وَقُدْرَةِ اللَّهِ كَانَتْ يَمِينًا .
وَإِنَّمَا الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْلُومِ ، وَهُوَ الْمُحْدَثُ ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَذُهِلَ عَنْ أَنَّ الْقُدْرَةَ أَيْضًا تَنْطَلِقُ عَلَى الْمَقْدُورِ ، وَكُلُّ كَلَامٍ لَهُ فِي الْمَقْدُورِ فَهُوَ حُجَّتُنَا فِي الْمَعْلُومِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ : وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إذَا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلِيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } وَلِأَنَّ هَذَا يُنْتَقَضُ بِمَنْ قَالَ : وَآدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتِ : عَقَّدْتُمْ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَعَقَدْتُمْ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ ، وَعَاقَدْتُمْ بِالْأَلِفِ .
فَأَمَّا التَّخْفِيفُ فَهُوَ أَضْعَفُهَا رِوَايَةً وَأَقْوَاهَا مَعْنًى ؛ لِأَنَّهُ فَعَلْتُمْ مِنْ الْعَقْدِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَإِذَا قُرِئَ عَاقَدْتُمْ فَهُوَ فَاعَلْتُمْ ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ الثَّانِي مِنْ حَلَفَ لِأَجْلِهِ فِي كَلَامٍ وَقَعَ مَعَهُ ، وَقَدْ يَعُودُ ذَلِكَ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رَبَطَ بِهِ الْيَمِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ فَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ ، كَقَوْلِك : طَارَقَ النَّعْلَ ، وَعَاقَبَ اللِّصَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي اللِّصِّ خَاصَّةً .
وَإِذَا قَرَأَ عَقَّدْتُمْ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : تَعَمَّدْتُمْ .
الثَّانِي : قَالَ الْحَسَنُ : مَعْنَاهُ مَا تَعَمَّدْت بِهِ الْمَأْثَمَ فَعَلَيْك فِيهِ الْكَفَّارَةُ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : التَّشْدِيدُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ .
الرَّابِعُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : التَّشْدِيدُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : مَا تَعَمَّدْتُمْ فَهُوَ صَحِيحٌ يَعْنِي مَا قَصَدْتُمْ إلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ اللَّغْوِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ مَا تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ الْمَأْثَمَ فَيَعْنِي بِهِ مُخَالَفَةَ الْيَمِينِ ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَسَنَانِ يَفْتَقِرَانِ إلَى تَحْقِيقٍ ، وَهُوَ بَيَانُ وَجْهِ التَّشْدِيدِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَهُ عَلَى التَّكْرَارِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ لِضَعْفِهِ .
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .
فَذَكَرَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي
الْيَمِينِ الَّتِي لَمْ تَتَكَرَّرْ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : إنَّ التَّشْدِيدَ فِي التَّأْكِيدِ مَحْمُولٌ عَلَى تَكْرَارِ الصِّفَاتِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا : " وَاَللَّهِ " يَقْتَضِي جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا ، فَإِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَةُ التَّغْلِيظِ بِالْأَلْفَاظِ ؟ قُلْنَا : لَا تَغْلِيظَ عِنْدَنَا بِالْأَلْفَاظِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَإِنْ غَلَّظْنَا فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِمُغَلَّظٍ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْإِرْهَابِ عَلَى الْحَالِفِ فَإِنَّهُ كُلَّمَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ اللَّهَ تَعَالَى حَدَثَ لَهُ غَلَبَةُ حَالٍ مِنْ الْخَوْفِ ، وَرُبَّمَا اقْتَضَتْ لَهُ رَعْدَةً ، وَقَدْ يَرْهَبُ بِهَا عَلَى الْمَحْلُوفِ لَهُ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : { وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } فَأَرْهَبَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ .
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّشْدِيدَ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَعْقِدُ عَلَى الْمَعْنَى بِالْقَصْدِ إلَيْهِ ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ الْحَلِفَ بِقَصْدٍ آخَرَ ، فَهَذَا هُوَ الْعَقْدُ الثَّانِي الَّذِي حَصَلَ بِهِ التَّكْرَارُ أَوْ التَّأْكِيدُ ، بِخِلَافِ اللَّغْوِ فَإِنَّهُ قَصَدَ الْيَمِينَ وَفَاتَهُ التَّأْكِيدُ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الْيَمِينُ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَلْخِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ الْعِرَاقِيَّةِ وَالْخُرَاسَانِيَّة عَلَى التَّمَامِ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ قَالَ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي هَذَا الطَّعَامَ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ .
وَلَمَّا رَأَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ مَسْأَلَةَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ مُرَكَّبَةٌ عَلَى الْيَمِينِ أَنْكَرُوا لَهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ ، وَكَانَ هَذَا لِأَنَّ النُّظَّارَ تَحْمِلُهُمْ مُقَارَعَةُ الْخُصُومِ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُنَاقَضَاتِ وَتَرْكِ التَّحْقِيقِ ، وَالنَّظَّارُ الْمُحَقِّقُ يَتَفَقَّدُ الْحَقَائِقَ ، وَلَا يُبَالِي عَلَى مَنْ دَار النَّظَرُ ، وَلَا مَا صَحَّ مِنْ مَذْهَبٍ .
وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ مَنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ حَتَّى يُكَفِّرَ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا ؛ وَالِامْتِنَاعُ هُوَ التَّحْرِيمُ بِعَيْنِهِ ، وَالْبَارِي تَعَالَى هُوَ الْمُحَرِّمُ وَهُوَ الْمُحَلِّلُ ، وَلَكِنَّ تَحْرِيمَهُ يَكُونُ ابْتِدَاءً كَمُحَرَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ يُعَلِّقُهَا عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ ، كَتَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ ، وَالتَّحْرِيمِ بِالْيَمِينِ .
وَيَرْفَعُ التَّحْرِيمُ الْكَفَّارَةَ مَفْعُولَةً أَوْ مَعْزُومًا عَلَيْهَا .
وَيَرْفَعُ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ النِّكَاحَ بِحَسَبِ مَا رَتَّبَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَبَيَّنَ مِنْ الشُّرُوطِ .
هَذَا لُبَابُهُ ، وَتَمَامُهُ فِي التَّلْخِيصِ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ [ بَاقِي قِسْمَيْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ فِيهِ لَغُنْيَةُ الْأَلْبَابِ ] .
وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا
قَدْ اجْتَمَعُوا وَاعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الْأَطَايِبِ مِنْ الطَّعَامِ وَالزِّينَةِ مِنْ الثِّيَابِ وَاللَّذَّةِ مِنْ النِّسَاءِ حَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَلِأَجْلِهِ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمْ ؛ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَحْلِفُوا ، وَلَكِنَّهُمْ اعْتَقَدُوا ، فَقَدْ دَخَلَتْ مَسْأَلَتُهُمْ فِي قِسْمِ اللَّغْوِ ؛ وَإِذَا أَرَادَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُلْحِقَ قَوْلَهُ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي الْأَكْلَ ، بِقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت ، تَبَيَّنَ لَكُمْ نُقْصَانُ هَذَا الْإِلْحَاقِ وَفَسَادُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ حَرَّمَ وَأَكَّدَ التَّحْرِيمَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا قَالَ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي الْأَكْلَ ، فَتَحْرِيمُهُ وَحْدَهُ دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ يَلْحَقُ بِالتَّحْرِيمِ الْمَقْرُونِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ إسْقَاطِهِ هَذَا الْإِلْحَاقَ ؟ لَا يَخْفَى تَهَاتُرُهُ عَلَى أَحَدٍ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : إذَا لَمْ يُؤَكِّدْ الْيَمِينَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَإِذَا أَكَّدَهَا أَعْتَقَ رَقَبَةً .
قِيلَ لِنَافِعٍ : مَا التَّأْكِيدُ ؟ قَالَ : أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ مِرَارًا ؛ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَثَرِ وَلَا مِنْ النَّظَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ كَمَا قَدَّمْنَا حَلَّتْهَا الْكَفَّارَةُ أَوْ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَكِلَاهُمَا رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّهُ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ نَسْقًا عَلَيْهَا لَا يَكُونُ مُتَرَاخِيًا عَنْهَا .
الثَّانِي : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ : يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِالْيَمِينِ اعْتِقَادًا أَوْ بِآخِرِ حَرْفٍ مِنْهَا ، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُدْرِكُ الْيَمِينَ الِاسْتِثْنَاءَ [ وَلَوْ ] بَعْدَ سَنَةٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ إلَى قَوْلِهِ : { مُهَانًا } فَإِنَّهَا نَزَلَتْ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عَامٍ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ تَابَ } .
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَلْ يَحِلُّ الْيَمِينَ بَعْدَ عَقْدِهَا [ أَوْ يَمْنَعُهَا مِنْ الِانْعِقَادِ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِحِلِّ الْيَمِينِ ] ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهَ } [ فَجَاءَ ] فِيهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَفْظًا فَكَذَلِكَ يَكُونُ عَقْدًا .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخَارِجٌ عَنْ اللُّغَةِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ تَابَ } فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ كَانَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي لَوْحِهِ ؛ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ نُزُولُهَا لِحِكْمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهَا ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ؛ أَمَّا إنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا فَرْعٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، وَاسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ الْأَوَّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ ، وَاسْتَثْنَى فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فِي قَلْبِهِ أَيْضًا مَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْنَاءِ
الَّذِي يَرْفَعُ الْيَمِينَ لِمُدَّةٍ وَلِسَبَبٍ أَوْ لِمَشِيئَةِ أَحَدٍ ، وَلَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ إرْهَابًا عَلَى الْمَحْلُوفِ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينَانِ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الطَّلَاق مَا لَمْ تَحْضُرْهُ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَاهُ ، لِئَلَّا يَكُونَ نَدَمًا .
وَقَدْ تَيَقَّنَّا التَّحْرِيمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَاهُ الِاسْتِثْنَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ نَافِعًا لَهُ وَحْدَهِ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا .
نُكْتَةٌ : كَانَ أَبُو الْفَضْلِ الْمَرَاغِيُّ يَقْرَأُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ ، فَكَانَتْ الْكُتُبُ تَأْتِي إلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ ، فَيَضَعُهَا فِي صُنْدُوقٍ ، وَلَا يَقْرَأُ مِنْهَا وَاحِدًا مَخَافَةَ أَنْ يَطَّلِعَ فِيهَا عَلَى مَا يُزْعِجُهُ أَوْ يَقْطَعُ بِهِ عَنْ طَلَبِهِ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ ، وَقَضَى غَرَضًا مِنْ الطَّلَبِ ، وَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ شَدَّ رَحْلَهُ ، وَأَبْرَزَ كُتُبَهُ ، وَأَخْرَجَ تِلْكَ الرَّسَائِلِ وَقَرَأَ مِنْهَا مَا لَوْ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهَا قَرَأَهَا فِي وَقْتِ وُصُولِهَا مَا تَمَكَّنَ بَعْدَهَا مِنْ تَحْصِيلِ حَرْفٍ مِنْ الْعِلْمِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَرَحَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ قاشه ، وَخَرَجَ إلَى بَابِ الْحَلْبَةِ طَرِيقِ خُرَاسَانَ ، وَتَقَدَّمَهُ الْكَرِيُّ بِالدَّابَّةِ ، وَأَقَامَ هُوَ عَلَى فَامِيٍّ يَبْتَاعُ مِنْهُ سُفْرَتَهُ ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاوِلُ ذَلِكَ مَعَهُ إذْ سَمِعَهُ يَقُولُ لِفَامِيٍّ آخَرَ : أَيْ فُلَ ، أَمَا سَمِعْت الْعَالِمَ يَقُولُ يَعْنِي الْوَاعِظَ : إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ، لَقَدْ اشْتَغَلَ بَالِي بِذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ سَمِعْته يَقُولُهُ : وَظَلَلْتُ فِيهِ مُتَفَكِّرًا ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَيُّوبَ : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
وَمَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ حِينَئِذٍ : قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؟ فَلَمَّا سَمِعْته يَقُولُ ذَلِكَ قُلْت : بَلَدٌ يَكُونُ الْفَامِيُّونَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ
الْمَرْتَبَةِ أَخْرُجُ عَنْهُ إلَى الْمَرَاغَةِ ؟ لَا أَفْعَلُهُ أَبَدًا ؛ وَاقْتَفَى أَثَرَ الْكَرِيِّ ، وَحَلَّلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ ، وَصَرَفَ رَحْلَهُ .
وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي الْأَفْضَلِ : مِنْ اسْتِمْرَارِ الْبِرِّ فِي الْيَمِينِ أَوْ الْحِنْثِ إلَى الْكَفَّارَةِ : فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { لَأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ عَنْهَا كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ } .
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْتِيَ أَمْرًا لَا يَجُوزُ فَالْبِرُّ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الصَّحِيحَيْنِ حِينَ { نَبَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا } .
وَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَكْرُوهٍ فَالْبِرُّ مَكْرُوهٌ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَاجِبٍ عَصَى وَالْحِنْثُ وَاجِبٌ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ : فَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ مُضِرًّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ .
وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَنْفَعَةٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ .
وَفِيهِ جَاءَ قَوْلُهُ : { لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينِهِ } إلَى آخِرِهِ حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ : لِعُلَمَائِنَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا يَجُوزُ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةٌ قَدْ أَفَضْنَا فِيهَا عِنْدَ ذِكْرِنَا مَسَائِلَ الْخِلَافِ بِالتَّحْقِيقِ الْكَامِلِ ، وَهَا هُنَا مَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ ذَلِكَ ، فَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ : قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } ، فَعَلَّقَ الْكَفَّارَةَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ الْحَلِفُ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَّا وَمِنْهُمْ : مَعْنَاهُ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَمَا لَمْ يَحْنَثْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَا يُرْفَعُ ، فَلَا مَعْنَى لِفِعْلِهَا ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ الْمُسْتَقْبَلَ ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْمَاضِيَ مِنْ الْإِثْمِ ، فَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ قَوْلِنَا : الْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تُقَدَّرُ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ .
وَتَعَلَّقَ الَّذِينَ جَوَّزُوا التَّقْدِيمَ بِأَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } فَأَضَافَ الْكَفَّارَةَ إلَى الْيَمِينِ .
وَالْمَعَانِي تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا وَأَكَّدُوا ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحِنْثَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا جَاءَ فُلَانٌ غَدًا مِنْ سَفَرِهِ ، وَلَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ غَدًا .
الثَّانِي : أَنَّ شُهُودَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا رَجَعُوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصَّدَاقُ ، وَلَوْلَا كَوْنُ الْيَمِينِ سَبَبًا مَا ضَمِنُوا مَا لَا تَعَلُّقَ بِهِ بِالتَّفْوِيتِ ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيتَ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْحِنْثُ لَا بِالْيَمِينِ .
وَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى ، وَهِيَ الْمَحِلُّ الثَّانِي ، فَوَجَدْنَا الْآثَارَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ : رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ أَبُو مُوسَى : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ } .
وَقَدْ رُوِيَ لَنَا { فَلِيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ } .
قَالَ عَدِيٌّ : فَلْيُكَفِّرْهَا وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؛ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْحِنْثِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّا إذَا رَدَدْنَا حَدِيثَ تَقْدِيمِ الْحِنْثِ إلَى حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ يُسْقِطُهُ ، وَرَدُّ حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ إلَى تَقْدِيمِ الْحِنْثِ يُثْبِتُهُمَا جَمِيعًا .
وَأَمَّا الْمَعَانِي فَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ ، فَمَنْ أَرَادَ التَّلْخِيصَ مِنْهَا فَلْيَنْظُرْهَا فِي التَّلْخِيصِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكِتَابِ الْخِلَالَ الثَّلَاثَ مُخَيِّرًا فِيهَا ، وَعَقَّبَ عِنْدَ عَدَمِهَا بِالصِّيَامِ فَالْخُلَّةُ الْأُولَى هِيَ الْإِطْعَامُ ، وَبَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ الْأَفْضَلَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ لِغَلَبَةِ الْحَاجَةِ فِيهَا عَلَى الْخَلْقِ ، وَعَدَمِ شِبَعِهِمْ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ خِلَالِهَا .
وَعِنْدِي أَنَّهَا تَكُونُ بِحَسَبِ الْحَالِ ؛ فَإِنْ عَلِمْت مُحْتَاجًا فَالْإِطْعَامُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّك إذَا أَعْتَقْت لَمْ تَرْفَعْ حَاجَتَهُمْ وَزِدْت مُحْتَاجًا حَادِيَ عَشَرَ إلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ تَلِيه ، وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ [ غَلَبَةَ ] الْحَاجَةِ بَدَأَ بِالْمُهِمِّ الْمُقَدَّمِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وَقَوْلُهُ : { تُطْعِمُونَ } يَحْتَمِلُ طَعَامَهُمْ بَقِيَّةَ عُمْرِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ غَدَاءً وَعَشَاءً ؛ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَكْلَةِ الْيَوْمِ وَسَطًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَشِبَعًا فِي غَيْرِهَا ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : تَتَقَدَّرُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي الْبُرِّ بِنِصْفِ صَاعٍ ، وَفِي التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ بِصَاعٍ .
وَأَصْلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَسَطَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَعْلَى وَالْخِيَارِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أَيْ عُدُولًا خِيَارًا .
وَيَنْطَلِقُ عَلَى مَنْزِلَةٍ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ ، وَنِصْفًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ ، وَإِلَيْهِ يُعْزَى الْمِثْلُ الْمَضْرُوبُ : " خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا " .
وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ بِمَعْنَى الْخِيَارِ هَاهُنَا مَتْرُوكٌ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَعْلُومَةً عَادَةً ، وَمِنْهُ مَنْ قَدَّرَهَا كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ قَالَ : { قَامَ
فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا ، فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ ، أَوْ صَاعِ بُرٍّ بَيْنَ اثْنَيْنِ } ، وَبِهِ أَخَذَ سُفْيَانُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ .
وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ صَاعٌ مِنْ الْكُلِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَشْهُورٌ .
وَاَلَّذِي أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَسَطُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وَإِنَّمَا يُخْرِجُ الرَّجُلُ مِمَّا يَأْكُلُ .
وَقَدْ زَلَّتْ هَاهُنَا جُمْلَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ؛ فَقَالُوا : إنَّهُ إذَا كَانَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيَأْكُلُ النَّاسُ الْبُرَّ فَلْيُخْرِجْ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ ، وَهَذَا سَهْوٌ بَيِّنٌ ، فَإِنَّ الْمُكَفِّرَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إلَّا الشَّعِيرَ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يُعْطِيَ لِغَيْرِهِ سِوَاهُ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } .
فِي مَوْضِعٍ كَانَ فِيهِ الشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ أَكْثَرَ مِنْ الْبُرِّ ، وَالْبُرُّ أَكْثَرَ مِنْ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ ، فَإِنَّمَا فَصَّلَ ذِكْرَهُمَا لِيُخْرِجَ كُلُّ أَحَدٍ فَرْضَهُ مِمَّا يَأْكُلُ مِنْهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ بِهِ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ وَالْقَدْرَ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْعَدْلُ مِنْ الْقَدْرِ .
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ .
وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ مُجْمَلُ قَوْلِهِ : صَدَقَةٌ ، وَلَمْ يُجْمِلْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، بَلْ قَالَ { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُمْ جِنْسُ مَا يُطْعِمُونَ وَقَدْرُهُ مَعْلُومًا ، وَوَسَطُ الْقَدْرِ مُدٌّ ، وَأَطْلَقَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَالَ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
فَحُمِلَ عَلَى الْأَكْثَرِ ، وَهَذِهِ سَبِيلُ مَهْيَعٌ
، وَلَمْ يُرَدَّ مُطْلَقُ ذَلِكَ إلَى مُقَيَّدِهِ ، وَلَا عَامُّهُ إلَى خَاصِّهِ ، وَلَا مُجْمَلُهُ إلَى مُفَسَّرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَا بُدَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ تَمْلِيكِ الْمَسَاكِينِ مَا يَخْرُجُ لَهُمْ ، وَدَفْعِهِ إلَيْهِمْ حَتَّى يَتَمَلَّكُوهُ وَيَتَصَرَّفُوا فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ؛ وَهِيَ طُيُولِيَةٌ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ : إنَّ التَّمْكِينَ مِنْ الطَّعَامِ إطْعَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } .
فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَطْعَمَهُ دَخَلَ فِي الْآيَةِ .
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَالَ : إنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ التَّمْلِيكُ حَقِيقَةً قَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { أَطْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّةَ السُّدُسَ } ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ( أَطْعَمَ ) مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى مَفْعُولَيْنِ ، كَقَوْلِنَا أَعْطَيْته ، فَيَقُولُ : طَعِمَ زَيْدٌ ، وَأَطْعَمْته أَيْ جَعَلْته يَطْعَمُ ، وَحَقِيقَتُهُ بِالتَّمْلِيكِ هَذِهِ بِنِيَّةِ النَّظَرِ لِلْفَرِيقَيْنِ .
وَتَحْرِيرُهُ : أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ ، فَمَنْ يَدَّعِي التَّمْلِيكَ هُوَ الَّذِي يُخَصِّصُ الْعُمُومَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ، وَنَخُصُّهُ نَحْنُ بِالْقِيَاسِ حَمْلًا عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ هَذَا الْيَوْمِ } .
فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا التَّمْلِيكُ .
وَهَذَا بَالِغٌ ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِطْعَامِ التَّمْلِيكُ التَّامُّ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ الْمِسْكِينُ مِنْ الطَّعَامِ تَمَكُّنَ الْمَالِكِ ، كَالْكِسْوَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَّارَةِ الْمَدْفُوعَةِ إلَى الْمِسْكِينِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا إلَّا التَّمْلِيكُ ، أَصْلُهُ الْكِسْوَةُ وَمَا أَقْرَبُ مَا بَيْنَهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَفَعَهَا إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْزِيهِ ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَتَعَلَّقَ بِالْآيَةِ وَهِيَ عَكْسُ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعَهُمْ ، وَنَحْنُ نَفْتَقِرُ إلَى تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ ، وَمَعَنَا نَحْنُ ظَاهِرُ الْعَدَدِ وَذِكْرُهُ وَهُمْ يُحَاوِلُونَ إسْقَاطَهُ بِالْمَعْنَى .
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
فَذَكَرَ الْإِطْعَامَ وَالْمَطْعُومَ فَتَعَيَّنَا .
فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ فَعَلَيْهِ إطْعَامُ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قُلْنَا : الْإِطْعَامُ مَصْدَرٌ ، وَالْمَصْدَرُ مُقَدَّرٌ مَعَ الْفِعْلِ ، كَمَا سَبَقَ فِي التَّحْرِيرِ وَالصِّيَامِ ، وَكَذَلِكَ هُنَا ، وَمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَعَلَيْهِ إطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، كَلَامُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِاللِّسَانِ ؛ فَإِنَّ الْإِطْعَامَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَلَا يَنْتَظِمُ مِنْهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، بِخِلَافِ مَفْعُولَيْ ظَنَنْت ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَجُوزُ فِي مَفْعُولَيْ ظَنَنْت أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَصْلًا ، فَإِنْ صَرَّحَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ فَهُوَ مُضْمَرٌ ؛ فَأَمَّا أَنْ يُقَدِّرَ مَا أَضْمَرَ وَيُسْقِطَ مَا صَرَّحَ فَكَلَامٌ غَبِيٌّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَمُغِيرَةُ : مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَعَلَّ قَوْلَ الْمُخَالِفِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يُمَاثِلُ مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ ؛ فَإِنَّ مِئْزَرًا وَاحِدًا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، وَيَقَعُ بِهِ الِاسْمُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَقَلِّ .
وَمَا كَانَ أَحَرَصَنِي عَلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا كِسْوَةٌ تَسْتُرُ عَنْ أَذَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ طَعَامًا يُشْبِعُهُ مِنْ الْجُوعِ فَأَقُولُ بِهِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِمِئْزَرٍ وَاحِدٍ فَلَا أَدْرِيه ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ لِي وَلَكُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ بِمَعُونَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : لَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ عَنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْزِئُ ، وَهُوَ يَقُولُ : تُجْزِئُ الْقِيمَةُ فِي الزَّكَاةِ ، فَكَيْفَ فِي الْكَفَّارَةِ ؟ وَعُمْدَتُهُ أَنَّ الْغَرَضَ سَدُّ الْخُلَّةِ ، وَرَفْعُ الْحَاجَةِ ، فَالْقِيمَةُ تُجْزِئُ فِيهِ .
قُلْنَا : إنْ نَظَرْتُمْ إلَى سَدِّ الْخُلَّةِ فَأَيْنَ الْعِبَادَةُ ؟ وَأَيْنَ نَصُّ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَعْيَانِ الثَّلَاثَةِ وَالِانْتِقَالُ بِالْبَيَانِ مِنْ نَوْعٍ إلَى نَوْعٍ ؛ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْقِيمَةَ لَكَانَ فِي ذِكْرِ نَوْعٍ وَاحِدٍ مَا يُرْشِدُ إلَيْهِ وَيُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَفَعَ الْكِسْوَةَ إلَى ذِمِّيٍّ أَوْ الطَّعَامَ لَمْ يُجْزِهِ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمَسْكَنَةِ ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ ، فَعَلَيْنَا التَّخْصِيصُ ، فَتَخْصِيصُهُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَقُولَ : هُوَ كَافِرٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ فِي الْكَفَّارَةِ حَقًّا كَالْحَرْبِيِّ .
أَوْ نَقُولَ : جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ يَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْمَسَاكِينِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ ، أَصْلُهُ الزَّكَاةُ .
وَقَدْ اتَّفَقْنَا مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا لِلْمُرْتَدِّ ، فَكُلُّ دَلِيلٍ خَصَّ بِهِ الْمُرْتَدَّ فَهُوَ دَلِيلُنَا فِي الذِّمِّيِّ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } : سَمِعْت ، عَنْ الْبَائِسِ أَنَّهُ قَالَ : يُجْزِئُ الْمَعِيبُ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُفْسِدُ جَارِحَةً ، وَلَا مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهَا ، كَثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ كَفٍّ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .
وَإِنْ أَرَادَ الْعَيْبَ الْمُطْلَقَ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَعْتِقُ امْرَأً مُسْلِمًا إلَّا كَانَ فِكَاكُهُ مِنْ النَّارِ ، كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِعُضْوٍ حَتَّى الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ } ؛ وَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعِيبَ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَلَا تَكُونُ كَافِرَةً ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهَا ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَا يَكُونُ الْكَافِرُ مَحِلًّا لَهَا كَالزَّكَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَهِيَ طُيُولِيَةٌ فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } الْمُعْدَمُ لِلْقُدْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَكُونُ لِوَجْهَيْنِ : إمَّا لِمَغِيبِ الْمَالِ عَنْ الْحَالِفِ ، أَوْ لِعَدَمِ ذَاتِ الْيَدِ ؛ فَإِنْ كَانَ لِمَغِيبِ الْمَالِ فَحَيْثُ كَانَ ثَاوِيًا كَانَ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَوَجَدَ مِنْ يُسَلِّفُهُ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُسَلِّفُهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ : يَنْتَظِرُ إلَى بَلَدِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ ؛ بَلْ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ ، وَالشَّرْطُ مِنْ الْعَدَمِ قَدْ تَحَقَّقَ ، فَلَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِ الْأَمْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : فِي تَحْدِيدِ الْعَدَمِ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَنْ لَمْ يَجِدْ : مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : دِرْهَمَانِ .
وَقِيلَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ مَالِهِ الَّذِي يَعِيشُ مِنْهُ مَعَ عِيَالِهِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ .
وَقِيلَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قُوتُ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا دَلِيلٌ يَقُومُ عَلَيْهِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ بِدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ مِسْكِينًا حَتَّى يُتِمَّ كَفَّارَتَهُ .
وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَلَا يُعْطِيهَا إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ فَوْقَ قُوتِ سَنَةٍ .
وَأَمَّا الرَّقَبَةُ فَقَدْ تَفَطَّنَ مَالِكٌ لِلْحَقِّ ، فَقَالَ : إنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا رَقَبَةً أَوْ دَارًا لَا فَضْلَ فِيهِمَا ؛ أَوْ عَرَضًا ثَمَنَ رَقَبَةٍ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْعِتْقُ ، فَذَكَرَ الدَّارَ وَالْعَرَضَ وَالرَّقَبَةَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ رَمَقًا ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا مَعَهُ غَيْرُهُمَا ، هَلْ يُعْتِقُ الرَّقَبَةَ الَّتِي كَانَتْ تُعَيِّشُهُ بِخَرَاجِهَا وَكَسْبِهَا أَمْ عِنْدَهُ فَضْلٌ غَيْرُهَا ؟
فَإِنْ كَانَتْ الرَّقَبَةُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُعَيِّشُهُ بِخَرَاجِهَا فَلَا سَبِيلَ إلَى عِتْقِهَا .
وَبِالْجُمْلَةِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ التَّفْصِيلِ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ فَلْيَتَرَيَّثْ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ .
أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ أَوْ يُؤْثِرَ الْعِتْقَ ، أَوْ الْإِطْعَامَ بِسَبَبٍ يَدْعُوهُ إلَى ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ مُتَتَابِعَاتٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ التَّفْرِيقُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، إذْ التَّتَابُعُ صِفَةٌ لَا تَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ ، وَقَدْ عُدِمَا فِي مَسْأَلَتِنَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُعْطَى فِي الْكَفَّارَةِ الْخُبْزُ ، وَالْإِدَامُ زَيْتٌ أَوْ كِشْكٌ أَوْ كَامِخٌ أَوْ مَا تَيَسَّرَ ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ مَا أَرَاهَا عَلَيْهِ وَاجِبَةً .
أَمَّا إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ مَعَ الْخُبْزِ السُّكَّرَ نَعَمْ وَاللَّحْمَ ، وَأَمَّا تَضْمِينُ الْإِدَامِ لِلطَّعَامِ مَعْنًى يَتَضَمَّنَهُ لَفْظُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : بَدَأَ اللَّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِالْأَهْوَنِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ ، فَإِذَا شَاءَ انْتَقَلَ إلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْإِعْتَاقُ ، وَبَدَأَ فِي الظِّهَارِ بِالْأَشَدِّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرْتِيبِ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَقِلَ لَمْ يَقْدِرْ ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَهُ تَأْوِيلًا بِالْعِرَاقِ حَيْثُ الْبُرُّ ثَلَاثُمِائَةٍ رِطْلٍ بِدِينَارٍ إذَا طُلِبَ ، فَإِذَا زُهِدَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ .
فَأَمَّا بِالْحِجَازِ حَيْثُ الْبُرُّ فِيهِ إذَا رَخُصَ أَرْبَعَةُ آصُعٍ وَخَمْسَةُ آصُعٍ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الْعَبْدَ فِيهِ أَرْخَصُ ، وَالْحَاجَةَ إلَى الطَّعَامِ أَعْظَمُ ، فَقَدْ يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ بِدِينَارٍ ، وَلَكِنْ يُخْرِجُهُ مِنْ الرِّقِّ إلَى الْجُوعِ ، وَيَتَفَادَى مِنْهُ سَيِّدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : احْفَظُوهَا ، فَلَا تَحْلِفُوا فَتَتَوَجَّهُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتُ .
الثَّانِي : احْفَظُوهَا إذَا حَنِثْتُمْ ؛ فَبَادِرُوا إلَى مَا لَزِمَكُمْ .
الثَّالِثُ : احْفَظُوهَا فَلَا تَحْنَثُوا ؛ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْبُرُّ أَفْضَلَ أَوْ الْوَاجِبَ .
وَالْكُلُّ عَلَى هَذَا مِنْ الْحِفْظِ صَحِيحٌ عَلَى وَجْهِهِ الْمَذْكُورِ وَصِفَتِهِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَيْهِ ، فَلْيُرَكَّبْ عَلَى ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْعَقْلَ وَالْمَالَ " فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ } .
فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا " فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } ؛ فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا " فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } إلَى قَوْلِهِ : { مُنْتَهُونَ } ؛ فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " انْتَهَيْنَا .
انْتَهَيْنَا " .
وَرُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُلَاحَاةٍ جَرَتْ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ .
وَهُمَا عَلَى شَرَابٍ لَهُمَا ، وَقَدْ انْتَشَيَا ، فَتَفَاخَرَتْ الْأَنْصَارُ وَقُرَيْشٌ ، فَأَخَذَ الْأَنْصَارِيُّ لَحْيَيْ جَمَلٍ فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَفَزَرَهُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَ سَعْدٍ وَبَيْنِ عِتْبَانَ مَا يُوجِبُ نُزُولَ الْآيَةِ كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ ، فَيُدْعَى عُمَرُ فَتُقْرَأُ عَلَيْهِ ، كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ اسْمِ الْخَمْرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَصَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ .
وَأَمَّا الْمَيْسِرُ : فَهُوَ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ لَا سَبِيلَ إلَى عَمَلِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ ذِكْرُهُ وَيُمْحَى رَسْمُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { رِجْسٌ } : وَهُوَ النَّجَسُ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي صَحِيحِ حَدِيثِ الِاسْتِنْجَاءِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : إنَّهَا رِكْسٌ } أَيْ نَجَسٌ .
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا مَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ ، كَالْحَرِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ مُحَرَّمٌ ، مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، الرِّجْسِ النَّجِسِ ، الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ } .
وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ تَمَامَ تَحْرِيمِهَا وَكَمَالَ الرَّدْعِ عَنْهَا الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهَا حَتَّى يَتَقَذَّرَهَا الْعَبْدُ ، فَيَكُفُّ عَنْهَا ، قُرْبَانًا بِالنَّجَاسَةِ وَشُرْبًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَالْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوهُ } يُرِيدُ أَبْعِدُوهُ ، وَاجْعَلُوهُ نَاحِيَةً ؛ وَهَذَا أَمْرٌ بِاجْتِنَابِهَا ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْفَلَاحُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ شَرِبُوا الْخَمْرَ وَانْتَشَوْا ، فَعَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، فَلَمَّا صَحَوْا ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِي وَجْهِ بَعْضٍ آثَارَ مَا فَعَلُوا ، وَكَانُوا إخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ : لَوْ كَانَ أَخِي بِي رَحِيمًا مَا فَعَلَ هَذَا بِي ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهُمْ الضَّغَائِنُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } كَمَا فُعِلَ بِعَلِيٍّ ، وَرُوِيَ : بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الصَّلَاةِ حِينَ أَمَّ النَّاسَ ، فَقَرَأَ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَقَالَ عُمَرُ : انْتَهَيْنَا .
حِينَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ ، { وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ؛ فَكُسِرَتْ الدِّنَانُ ، وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ حَتَّى جَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، وَمَا كَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمئِذٍ إلَّا مِنْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ } ، وَهَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا } وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلتَّحْرِيمِ ، وَتَشْدِيدٌ فِي الْوَعِيدِ .
قَالَ : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَلَيْسَ عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ ، فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا
الْبَلَاغُ الْمُبِينُ .
أَمَّا عِقَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَعَلَى الْمُرْسِلِ لَا عَلَى الرَّسُولِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنْت سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي ؛ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : اُخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ ؛ قَالَ : فَخَرَجْت ، فَقُلْت : هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ .
فَقَالَ لِي : اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا ، وَكَانَ الْخَمْرُ مِنْ الْفَضِيخِ .
قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ .
فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ .
قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } إلَى قَوْلِهِ : { الْمُحْسِنِينَ } .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ صَحِيحًا عَنْ الْبَرَاءِ أَيْضًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ : إذَا مَا طَعِمُوا ؛ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَسْمِيَةِ الشُّرْبِ طَعَامًا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلَى : { الْمُحْسِنِينَ } اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : اتَّقَوْا فِي اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ ، وَاتَّقَوْا فِي الثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاتَّقَوْا فِي لُزُومِ النَّوَافِلِ ؛ وَهُوَ الْإِحْسَانُ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ .
الثَّانِي : اتَّقَوْا قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، ثُمَّ اتَّقَوْا بَعْدَ تَحْرِيمِهَا شُرْبَهَا ، ثُمَّ اتَّقَوْا فِي الَّذِي بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ ، فَاجْتَنَبُوا الْعَمَلَ الْمُحَرَّمَ .
الثَّالِثُ : اتَّقَوْا الشِّرْكَ ، وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا الْحَرَامَ ، ثُمَّ اتَّقَوْا تَرْكَ الْإِحْسَانِ ، فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ .
وَقَدْ صُرِفَتْ فِيهَا أَقْوَالٌ عَلَى قَدْرِ وَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا ، وَأَشْبَهُهَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَبِالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهُمْ أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ ، فَكَانَ عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ يَجْلِدُهُمْ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَقَدْ شَرِبَ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُجْلَدَ ، فَقَالَ : أَتَجْلِدُنِي ، بَيْنِي وَبَيْنَك كِتَابُ اللَّهِ " .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَجِدُ أَلَّا أَجْلِدَك ؟ " فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ ؛ فَأَنَا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ، شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا وَأُحُدًا
وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَلَا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ " ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ عُذْرًا لِمَنْ صَبَرَ وَحُجَّةً عَلَى النَّاسِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } الْآيَةَ ، ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَنْفَذَ الْآيَةَ الْأُخْرَى ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَاهُ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " صَدَقْت ، مَاذَا تَرَوْنَ " ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : " إنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، وَعَلَى الْمُفْتَرِي جَلْدُ ثَمَانِينَ " .
[ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ] .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ بَدْرًا ، وَهُوَ خَالُ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ زَادَ الْبَرْقَانِيُّ : فَقَدِمَ الْجَارُودُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ قَدْ شَرِبَ مُسْكِرًا ، وَإِنِّي إذَا رَأَيْت حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى حُقَّ عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَهُ إلَيْك .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : " مَنْ يَشْهَدُ لِي عَلَى مَا تَقُولُ ؟ " فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ .
فَدَعَا عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : " عَلَامَ تَشْهَدُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ " ؟ فَقَالَ : " لَمْ أَرَهُ حِينَ شَرِبَ ، وَقَدْ رَأَيْته سَكْرَانَ يَقِيءُ " .
فَقَالَ عُمَرُ : " لَقَدْ تَنَطَّعْت فِي الشَّهَادَةِ " .
ثُمَّ كَتَبَ عُمَرَ إلَى قُدَامَةَ وَهُوَ بِالْبَحْرَيْنِ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ .
فَلَمَّا قَدِمَ قُدَامَةُ وَالْجَارُودُ بِالْمَدِينَةِ كَلَّمَ الْجَارُودُ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : أَقِمْ عَلَى هَذَا كِتَابَ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ لِلْجَارُودِ : " أَشَهِيدٌ أَنْتَ أَمْ خَصْمٌ " ؟ فَقَالَ الْجَارُودُ : أَنَا شَهِيدٌ .
قَالَ : " قَدْ كُنْت أَدَّيْت الشَّهَادَةَ " .
فَسَكَتَ الْجَارُودُ ، ثُمَّ قَالَ
: لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي أَنْشُدُك اللَّهَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَمَا وَاَللَّهِ لَتَمْلِكَنَّ لِسَانَك أَوْ لَأَسُوءَنَّكَ " .
فَقَالَ الْجَارُودُ : أَمَا وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ بِالْحَقِّ أَنْ يَشْرَبَ ابْنُ عَمِّك وَتَسُوءَنِي : فَتَوَعَّدَهُ عُمَرُ .
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَالِسٌ : " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ كُنْت تَشُكُّ فِي شَهَادَتِنَا فَسَلْ بِنْتَ الْوَلِيدِ امْرَأَةَ ابْنِ مَظْعُونٍ " .
فَأَرْسَلَ عُمَرُ إلَى هِنْدَ يَنْشُدُهَا بِاَللَّهِ ، فَأَقَامَتْ هِنْدُ عَلَى زَوْجِهَا قُدَامَةَ الشَّهَادَةَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " يَا قُدَامَةُ ؛ إنِّي جَالِدُك " .
فَقَالَ قُدَامَةُ : وَاَللَّهِ لَوْ شَرِبْت كَمَا تَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَنْ تَجْلِدَنِي يَا عُمَرُ .
قَالَ : " لِمَ يَا قُدَامَةُ ؟ " قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ إلَى : { الْمُحْسِنِينَ } .
فَقَالَ عُمَرُ : " إنَّك أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةُ ؛ إذَا اتَّقَيْت اللَّهَ اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ " .
ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ : " مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " فَقَالَ الْقَوْمُ : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا دَامَ وَجِعًا ، فَسَكَتَ عُمَرُ عَنْ جَلْدِهِ أَيَّامًا ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى جَلْدِهِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " فَقَالُوا : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا دَامَ وَجِعًا .
فَقَالَ عُمَرُ : " إنَّهُ وَاَللَّهِ لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ تَحْتَ السَّوْطِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَهِيَ فِي عُنُقِي ، وَاَللَّهِ لَأَجْلِدَنَّهُ ، ائْتُونِي بِسَوْطٍ " .
فَجَاءَ مَوْلَاهُ أَسْلَمُ بِسَوْطٍ رَقِيقٍ صَغِيرٍ ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِأَسْلَمَ : " قَدْ أَخَذْتُك بِإِقْرَارِ أَهْلِكَ ، ائْتُونِي بِسَوْطٍ غَيْرِ هَذَا " .
قَالَ : فَجَاءَهُ أَسْلَمُ بِسَوْطٍ تَامٍّ ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ ، فَغَاضَبَ قُدَامَةُ عُمَرَ وَهَجَرَهُ ، فَحَجَّا وَقُدَامَةُ مُهَاجِرٌ لِعُمَرَ ، حَتَّى قَفَلُوا مِنْ حَجِّهِمْ ، وَنَزَلَ عُمَرُ
بِالسُّقْيَا وَقَامَ بِهَا ؛ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ قَالَ : " عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدَامَةَ ، انْطَلِقُوا فَأْتُونِي بِهِ ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ جَاءَنِي آتٍ فَقَالَ لِي : سَالِمْ قُدَامَةُ فَإِنَّهُ أَخُوكَ " .
فَلَمَّا جَاءُوا قُدَامَةَ أَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ ؛ فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ أَنْ يُجَرَّ إلَيْهِ جَرًّا حَتَّى كَلَّمَهُ عُمَرُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ صُلْحِهِمَا .
فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى تَأْوِيلِ الْآيَةِ ، وَمَا ذُكِرَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَرْقَانِيِّ ، وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَبَسْطُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي غَيْرِهِ لَا يُحَدُّ عَلَى الْخَمْرِ مَا حُدَّ أَحَدٌ ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ تَأْوِيلٍ ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى قُدَامَةَ ، وَعَرَفَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ كَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا عَلَى شَجْوِهِ إلَّا بَكَيْت عَلَى عُمَرَ
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، أَحْرَمَ بَعْضُ النَّاسِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُحْرِمْ بَعْضُهُمْ فَكَانَ إذَا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَحْوَالُهُمْ ، وَاشْتَبَهَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَيَانًا لِأَحْكَامِ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَمَحْظُورَاتِ حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، خَاطَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا كُلَّ مُسْلِمٍ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ ، وَبَيَّنَّا حَقِيقَتَهَا ، وَأَوْضَحْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي كُلِّ آيَةٍ تَجْرِي عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُخَاطَبِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ الْمُحِلُّونَ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، وَتَعَلَّقَ مَنْ عَمَّمَ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } مُطْلَقٌ فِي الْجَمِيعِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ خَصَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } يَقْتَضِي أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ ، فَإِنَّ تَكْلِيفَ الِامْتِنَاعِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الِابْتِلَاءُ هُوَ مَعَ الْإِحْرَامِ .
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } الَّذِي يَقْتَضِي التَّكْلِيفَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمُحِلِّ بِمَا شُرِطَ لَهُ مِنْ أُمُورِ الصَّيْدِ ، وَمَا شُرِعَ لَهُ مِنْ وَظِيفَةٍ فِي كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيَادِ ، وَالتَّكْلِيفُ كُلُّهُ ابْتِلَاءٌ وَإِنْ تَفَاضَلَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ ، وَتَبَايَنَ فِي الضَّعْفِ وَالشِّدَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ قَوْمٌ : الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ ، وَالْإِبَاحَةُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ : الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلَ يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِهِ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : لَا أَصْلَ فِي شَيْءٍ إلَّا مَا أَصَّلَهُ الشَّرْعُ بِتِبْيَانِ حُكْمِهِ وَإِيضَاحِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مِنْ حِلٍّ أَوْ تَحْرِيمٍ ، وَوُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ كَرَاهِيَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ لِمَا أَكَلَهُ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ ، حَتَّى قِيلَ الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ .
وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ .
وَقُلْنَا : إنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ فَلَا يُحَرِّمُهُ أَكْلُ الْكَلْبِ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ .
ثُمَّ ذَكَرْنَا التَّعَارُضَ فِيهِ وَالِانْفِصَالَ عَنْهُ ، فَلْيُنْظَرْ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } بَيَانٌ لِحُكْمِ صِغَارِ الصَّيْدِ وَكِبَارِهِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } فَكُلُّ شَيْءٍ يَنَالُهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ ، أَوْ بِرُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ فَقَتَلَهُ ، فَهُوَ صَيْدٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : [ صَيْدُ الذِّمِّيِّ ] : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ صَيْدُ الذِّمِّيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحَلِّينَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ ، لِاخْتِصَاصِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْإِيمَانِ ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْ الشَّيْءِ ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ بِخِلَافِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ أَنَّ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ مَنْطُوقٌ بِهِ ، مُبَيَّنٌ حُكْمُهُ ، وَالثَّانِي مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى مَا نُطِقَ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } .
قُلْنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ طَعَامِهِمْ .
وَالصَّيْدُ بَابٌ آخَرُ ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ ذِكْرِ الطَّعَامِ ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ لَفْظِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : نَقِيسُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ نَوْعُ ذَكَاةٍ ، فَجَازَ مِنْ الذِّمِّيِّ كَذَبْحِ الْإِنْسِيِّ .
قُلْنَا : لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِمَّا يُذَكَّى شُرُوطٌ ، وَلِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ شُرُوطٌ أُخَرُ ؛ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضُوعٌ وُضِعَ عَلَيْهِ ، وَمَنْصِبٌ جُعِلَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ فِيمَا اخْتَلَفَ مَوْضُوعُهُ فِي الْأَصْلِ ؛ وَهَذَا فَنٌّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ أَمَّا صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ : فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ الْوَاقِعَ مِنْهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } وَالْمَجُوسِيُّ إنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ، وَيَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ ، وَيَفْعَلُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا ذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَكُلْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَالذِّمِّيُّ لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ وَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ .
قُلْنَا : لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الذِّمِّيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَيَسْقُطُ عَنَّا هَذَا الِالْتِزَامُ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يُؤْكَلُ فَلِمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } عَلَى أَحَدِ الْأَدِلَّةِ ، وَعَلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي نَأْكُلُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَاطَبُوا بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
وَعَلَى الدَّلِيلِ الثَّالِثِ يَكُونُ كَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مُتَرَدِّدٌ عَلَى الْآيَاتِ بِحُكْمِ التَّعَارُضِ فِيهَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُ أَكْلِ صَيْدِهِ ، وَأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِجَمِيعِ النَّاسِ مُحِلِّهِمْ وَمُحْرِمِهِمْ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ حَبِيبٍ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } لَيُكَلِّفَنَّكُمْ .
ثُمَّ بَيَّنَ التَّكْلِيفَ بَعْدَهُ فَقَالَ وَهِيَ :
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } .
فِيهَا ثَمَانِ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْلِهِ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } وَالْقَتْلُ : كُلُّ فِعْلٍ يُفِيتُ الرُّوحَ ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ ، وَالْخَنْقُ وَالرَّضْخُ وَشِبْهُهُ ؛ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الصَّيْدِ كُلَّ فِعْلٍ يَكُونُ مُفِيتًا لِلرُّوحِ ، وَحَرَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى نَفْسَ الِاصْطِيَادِ ؛ فَقَالَ : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ كُلِّ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الصَّيْدِ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ خِطَابِ الشَّارِعِ بِالْأَعْيَانِ ، فَالْمُحْرِمُ هُوَ الْقَوْلُ فِيهِ : لَا تَقْرَبُوهُ ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ : لَا تَتْرُكُوهُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَقَعَ عَامًّا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيَةِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَبْحُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ ذَكَاةٌ ؛ وَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ذَبْحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ ، مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ وَهُوَ الْأَنْعَامُ ، فَأَفَادَ مَقْصُودَهُ مِنْ حِلِّ الْأَكْلِ مِنْ أَصْلِهِ ذَبْحِ الْحَلَالِ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى دَعْوَى ؛ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَبْحِ الصَّيْدِ ؛ إذْ الْأَهْلِيَّةُ لَا تُسْتَفَادُ عَقْلًا ، وَإِنَّمَا يُفِيدُهَا الشَّرْعُ ، وَذَلِكَ بِإِذْنِهِ فِي الذَّبْحِ ؛ أَوْ يَنْفِيهَا الشَّرْعُ أَيْضًا ؛ وَذَلِكَ بِنَهْيِهِ عَنْ الذَّبْحِ .
وَالْمُحْرِمُ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَبْحِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } فَقَدْ انْتَفَتْ الْأَهْلِيَّةُ بِالنَّهْيِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فَأَفَادَ مَقْصُودَهُ ، فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا ذَبَحَ الصَّيْدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ ؛ وَإِنَّمَا يَأْكُلُ مِنْهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ ، فَإِذَا كَانَ الذَّبْحُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ لِلذَّابِحِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَلَا يُفِيدَهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فِي أَحْكَامِهِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مَا لَا يَثْبُتُ لِأَصْلِهِ .
وَإِذَا بَطَلَ مَنْزَعُ الشَّافِعِيِّ وَمَأْخَذُهُ فَقَدْ اعْتَمَدَ عُلَمَاؤُنَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى أَنَّهُ ذَبْحٌ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ ، فَلَا يَجُوزُ كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ ، وَهَذَا صَحِيحٌ .
فَإِنَّ الَّذِي قَالَ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } هُوَ الْقَائِلُ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .
وَالْأَوَّلُ : نَهْيٌ عَنْ الْمَقْصُودِ بِالسَّبَبِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ .
وَالثَّانِي : نَهْيٌ عَنْ السَّبَبِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ شَرْعًا ، فَلَا يُفِيدُ مَقْصُودُهُ حُكْمًا ، وَهَذَا مِنْ
نَفِيسِ الْأُصُولِ فَتَأَمَّلُوهُ .
وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا : لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ السِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْكَالَّةِ وَمِلْكِ الْغَيْرِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ التَّذْكِيَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ وَلَا فِي الْمَذْبُوحِ لَمْ يُحَرَّمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } فَجَعَلَ الْقَتْلَ مُنَافِيًا لِلتَّذْكِيَةِ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ الذَّبْحِ لِلْأَكْلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ وَلَدِي فَهُوَ عَاصٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَإِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي فَإِنَّهُ يَفْتَدِيه بِشَاةٍ عَلَى تَفْصِيلِ بَيَانِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ بَيَانُهُ .
وَالْمِقْدَارُ الْمُتَعَلِّقُ مِنْهُ هَاهُنَا بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّذْكِيَةِ بِمُطْلَقِهِ وَلَا الْخَنْقَ ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ اللَّذَيْنِ شُرِعَا فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِتَطْيِيبِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } جَرَى عُمُومُهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ بَرِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ ، حَتَّى جَاءَ قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } فَأَبَاحَ صَيْدَ الْبَحْرِ إبَاحَةً مُطْلَقَةً ، وَحَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِينَ ؛ فَصَارَ هَذَا التَّقْسِيمُ وَالتَّنْوِيعُ دَلِيلًا عَلَى خُرُوجِ صَيْدِ الْبَحْرِ مِنْ النَّهْيِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي التَّحْرِيمِ بِالزَّمَانِ ، وَفِي التَّحْرِيمِ بِالْمَكَانِ ، وَفِي التَّحْرِيمِ بِحَالَةِ الْإِحْرَامِ ، إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الزَّمَانِ خَرَجَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا ، وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْمَكَانِ وَحَالَةُ الْإِحْرَامِ عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي كُلِّ صَيْدٍ كَانَ ، مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، سَبُعًا أَوْ غَيْرَ سَبُعٍ ، ضَارِيًا أَوْ غَيْرَ ضَارٍ ، صَائِلًا أَوْ سَاكِنًا ؛ بَيْدَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ السِّبَاعِ عَنْهُ وَتَخْصِيصِهِ مِنْهَا ؛ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ الْمُبْتَدِئَةِ بِالْمَضَرَّةِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، وَمِنْ الطَّيْرِ كَالْغُرَابِ وَالْحَدَأَةِ ؛ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِنَا فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ ، وَخَالَفَنَا فِي السَّبُعِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهَا مِنْ السِّبَاعِ ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءَ بِقَتْلِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ إلَّا السَّمْعُ وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { خَمْسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ : الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { الْحَيَّةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ .
وَفِيهِ { الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، وَفِيهِ : { السَّبُعُ الْعَادِي } خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَعَلَى الْأَجْنَاسِ .
أَمَّا الْعِلَّةُ فَهِيَ الْفِسْقُ بِالْإِذَايَةِ ، وَأَمَّا الْأَجْنَاسُ فَنَبَّهَ بِكُلِّ مَذْكُورٍ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْجِنْسِ وَذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِعِلَّةِ الْعَقْرِ الْفَهْدُ وَالسَّبُعُ ، وَلَا سِيَّمَا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السِّجْزِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ .
وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنْ يَحْمِلَ التُّرَابَ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الْكَيْلِ ، وَلَا يَحْمِلَ السِّبَاعَ الْعَادِيَةَ
عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ بِعِلَّةِ الْفِسْقِ وَالْعَقْرِ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ لَحْمَهَا لَا يُؤْكَلُ فَهِيَ مَعْقُورَةٌ لَا جَزَاءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ كَالْخِنْزِيرِ .
وَأَمَّا إنْ قُلْنَا : إنَّهَا تُؤْكَلُ فَفِيهَا الْجَزَاءُ لِأَنَّهَا صَيْدٌ مَأْكُولٌ .
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي أَكْلِهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى .
وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ صَيْدٌ تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ بِالنَّهْيِ وَالْجَزَاءِ بَعْدَ ارْتِكَابِ النَّهْيِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ صَيْدٌ أَنَّهُ يُقْصَدُ لِأَجْلِ جِلْدِهِ ، وَالْجِلْدُ مَقْصُودٌ فِي الْمَالِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ اللَّحْمَ مَقْصُودٌ فِي الْأَكْلِ .
قُلْنَا : لَا تُسَمِّي الْعَرَبُ صَيْدًا إلَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : بَلْ كَانَتْ الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ صَيْدًا .
فَإِنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ ، ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّحْرِيمِ ، فَغَيَّرَ الشَّرْعُ الْأَحْكَامَ دُونَ الْأَسْمَاءِ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ ، إنَّ الصَّيْدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا فِيمَا يُؤْكَلُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشَّرْعَ غَيَّرَ الْأَحْكَامَ دُونَ الْأَسْمَاءِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَابِعَةٌ لِلْأَسْمَاءِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .
الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فِيهَا جَزَاءٌ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، كَبْشٌ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ أَكْلِهَا ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ جَزَائِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .
وَلِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وَقَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } عَامٌّ فِي النَّوْعَيْنِ .
وَقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، يُقَالُ : رَجُلٌ حَرَامٌ وَامْرَأَةٌ حَرَامٌ ، وَجَمْعُ ذَلِكَ حُرُمٌ ، كَقَوْلِنَا : قَذَالٌ وَقُذُلٌ .
وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَعَانِي فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } فَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُتَعَمِّدَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ خَاصَّةً ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، مُتَعَمِّدٌ ، وَمُخْطِئٌ ، وَنَاسٍ ؛ فَالْمُتَعَمِّدُ هُوَ الْقَاصِدُ لِلصَّيْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْإِحْرَامِ ، وَالْمُخْطِئُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا .
وَالنَّاسِي هُوَ الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ وَلَا يَذْكُرُ إحْرَامَهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ .
الثَّانِي : إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ، نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَقَدْ حَلَّ وَلَا حَجَّ لَهُ ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَذَلِكَ الَّذِي يُجْزِي .
الثَّالِثُ : لَا شَيْءَ عَلَى الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِعُمُومِ الْكَفَّارَةِ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِالْعَمْدِ ، وَجَعَلَ الْخَطَأُ تَغْلِيظًا ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : { مُتَعَمِّدًا } خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ ، فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِرُ ، كَسَائِرِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
الثَّالِثُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : إنَّهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْعَمْدِ بِالْقُرْآنِ ، وَفِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ بِالسُّنَّةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ وَجَبَ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا كَفَّارَةُ إتْلَافِ نَفْسٍ ؛ فَتَعَلَّقَتْ بِالْخَطَأِ ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ؛ وَتَعَلَّقَ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } ، وَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ .
وَتَعَلَّقَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى
رِوَايَتَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ خَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِالذِّكْرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ بِخِلَافِهِ ، وَزَادَ بِأَنْ قَالَ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، فَمَنْ ادَّعَى شَغْلَهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ مَنْ قَالَ : وَجَبَ فِي النِّسْيَانِ تَغْلِيظًا فَدَعْوَى تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ فَحِكْمَةُ الْآيَةِ وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ مَا قَالُوهُ ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُ ؟ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ وَجَبَ فِي النِّسْيَانِ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَمَا أَحْسَنُهَا أُسْوَةً ، وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ الَّذِي يَرَى الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا وَخَطَأً ، فَأَمَّا نَحْنُ وَقَدْ عَقَدْنَا أَصْلَنَا عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ فِي الْآدَمِيِّ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَفِي قَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا الْكَفَّارَةَ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَّا لِوُجُودِ الْمُنَاقَضَةِ مِنَّا بِالْمُخَالَفَةِ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عِنْدَنَا .
وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي لِوَصْفِ التَّعَمُّدِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ، لِاكْتِفَاءِ الْمَعْنَى مَعَهُ .
وَهَذَا دَقِيقٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
فَأَمَّا إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ وَالْإِحْرَامِ فَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي وَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ ؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : لَا حَجَّ لَهُ .
وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يَدُلُّك عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ الْمَعْنَى ، وَسَنَسْتَوْفِي بَقِيَّةَ الْقَوْلِ فِي آخِرِ الْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } الْجَزَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ : الْمُقَابِلُ لِلشَّيْءِ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ فِي مُقَابِلِ مَا أَتْلَفَ وَبَدَلٌ مِنْهُ ؛ وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْثَالُهُ قَبْلَ هَذَا ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّ فِي مُقَابَلَتِهَا ثَوَابًا بِثَوَابٍ وَعِقَابًا بِعِقَابٍ ، وَدَرَجَاتٍ وَدَرَكَاتٍ ؛ وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : { مِثْلُ } قُرِئَ بِخَفْضِ مِثْلَ عَلَى الْإِضَافَةِ إلَى { فَجَزَاءٌ } .
وَبِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ صِفَةً لِلْجَزَاءِ ؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ رِوَايَةً ، صَوَابٌ مَعْنًى ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْإِضَافَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَيْرَ الْمِثْلِ ؛ إذْ الشَّيْءُ لَا يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ ، وَإِذَا كَانَ الصِّفَةُ بِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ هُوَ الْجَزَاءَ بِعَيْنِهِ ، لِوُجُوبِ كَوْنِ الصِّفَةِ عَيْنَ الْمَوْصُوفِ ؛ وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ النَّعَمِ } قَدْ بَيَّنَّا فِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " دَرَجَاتِ حَرْفِ مِنْ ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَانُ الْجِنْسِ ، كَقَوْلِك : خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، وَقَدَّمْنَا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ السَّرَّاجِ فِي شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي أَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّهَا لَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بِحَالٍ ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِالْقَرِينَةِ ، فَجَاءَتْ مُقْتَرِنَةً بِقَوْلِهِ : { مِنْ النَّعَمِ } لِبَيَانِ جِنْسٍ مِثْلِ الْمَقْتُولِ الْمُفْدَى ، وَأَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ شَبَهُهُ فِي الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي مَعْنًى ، وَهُوَ مَجَازُهُ ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ الْمِثْلُ اقْتَضَى بِظَاهِرِهِ حَمْلَهُ عَلَى الشَّبَهِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَعْنَى ، لِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مُطْلَقِ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ الْمَجَازِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الدَّلِيلُ مَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ الْخِلْقِيُّ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْمِثْلِ .
فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْخِلْقَةِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَ حَقِيقَةً هُوَ الْمِثْلُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : { مِنْ النَّعَمِ } فَبَيَّنَ جِنْسَ الْمِثْلِ ، وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِالنَّعَمِ بِحَالٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَالَ : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَهَذَا ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إلَى مِثْلِ مِنْ النَّعَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ سِوَاهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهِ .
وَالْقِيمَةُ الَّتِي يَزْعُمُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَالَ : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } وَاَلَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْهَدْيُ مِثْلُ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ ؛ فَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هَدْيًا .
فَإِنْ قِيلَ : الْقِيمَةُ مِثْلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ ، حَتَّى يُقَالَ الْقِيمَةُ مِثْلٌ لِلْعَبْدِ ، وَلَا يَجْعَلُ فِي الْإِتْلَافِ مِثْلَهُ عَبْدًا يَغْرَمُ فِيهِ ، وَأَوْجَبْنَا فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي الْمُتْلِفَاتِ الْمِثْلَ خِلْقَةً ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ كَالطَّعَامِ وَالدُّهْنَ كَالدُّهْنِ ؛ وَلَمْ يُوجَبْ فِي الْعَبْدِ عَبْدٌ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْخِلْقَةَ لَمْ تَقُمْ
بِالْمِثْلِيَّةِ ، فَكَيْفَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَدَنَةَ مِثْلًا لِلنَّعَامَةِ .
قُلْنَا : هَذَا مَزْلَقٌ يَنْبَغِي أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ قَدَمُ النَّاظِرِ قَلِيلًا ، وَلَا يَطِيشَ حُلْمُهُ ، فَاسْمَعْ مَا نَقُولُ ، فَلَا خَفَاءَ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ يُعَارِضُهُ الْآنَ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ أَنَّ النَّعَامَةَ لَا تُمَاثِلُهَا الْبَدَنَةُ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَضَوْا بِهَا فِيهَا ، وَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَفْهَمُ ، وَبِالْمِثْلِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ وَالْمَعْنَى أَعْلَمُ ، فَلَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سِوَاهُ إلَّا وَهَمَ ، وَلَا يَتَّهِمُهُمْ فِي قُصُورِ النَّظَرِ ، إلَّا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ .
وَالدَّقِيقَةُ فِيهِ أَنَّ مُرَاعَاةَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَعَ شَبَهٍ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّوَفُّرِ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ ؛ هَذَا مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ فِي مَطْرَحِ النَّظَرِ إلَّا نَافِذُ الْبَصِيرَةِ وَالْبَصَرِ .
فَإِنْ قِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ قَوَّمُوا النَّعَامَةَ بِدَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَوَّمُوا الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ سَرْدَ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا سَنُورِدُهُ يُبْطِلُ هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّ قِيمَةَ النَّعَامَةِ لَمْ تُسَاوِ قَطُّ قِيمَةَ الْبَدَنَةِ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ ، لَا مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ ، عُلِمَ ذَلِكَ ضَرُورَةً وَعَادَةً ، فَلَا يَنْطِقُ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا مُتَسَاخِفٌ بِالنَّظَرِ .
وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الْمِثْلِيَّةُ فِي الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الشَّبَهُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ مُعْتَبَرًا ، فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ، وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ يَحْكُمَانِ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِارْتِيَاءِ وَالنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْعُدُولِ وَالْحُكْمِ مَا يُشْكَلُ الْحَالُ فِيهِ
وَيَضْطَرِبُ وَجْهُ النَّظَرِ عَلَيْهِ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّ اعْتِبَارَ الْحُكْمَيْنِ إنَّمَا وَجَبَ فِي حَالِ الْمَصِيدِ مِنْ صِغَرٍ وَكِبَرٍ ، وَمَا لَهُ جِنْسٌ مِمَّا لَا جِنْسَ لَهُ ، وَلْيَعْتَبِرْ مَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ نَصٌّ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } ، فَشَرَكَ بَيْنَهُمَا بِ " أَوْ " فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ ، أَوْ مِنْ الطَّعَامِ ، أَوْ مِنْ الصِّيَامِ ، وَتَقْدِيرُ الْمِثْلِيَّةِ فِي الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ بِالْمَعْنَى ، وَكَذَلِكَ فِي الْمِثْلِ الْأَوَّلِ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ أَوْ تَجَاهُلٌ ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } ظَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِ الْخِلْقَةِ ، وَمَا عَدَاهُ يَمْتَنِعُ فِيهِ مِثْلِيَّةُ الْخِلْقَةِ حِسًّا ؛ فَرَجَعَ إلَى مِثْلِيَّةِ الْمَعْنَى حُكْمًا ، وَلَيْسَ إذَا عُدِمَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فِي مَوْضِعٍ وَيَرْجِعُ إلَى بَدَلِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَدَلِهِ مَعَ وُجُودِهِ .
تَكْمِلَةٌ : وَمَنْ يَعْجَبُ فَعَجَبٌ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ وَالْبَصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ : فَجَزَاءُ مِثْلِ بِالْإِضَافَةِ ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي الْغَيْرِيَّةَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ لِمِثْلِ الْمَقْتُولِ لَا الْمَقْتُولِ ، وَمِنْ قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ : فَجَزَاءً مِثْلَ عَلَى الْوَصْفِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ هُوَ الْمِثْلَ .
وَيَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْجَزَاءَ غَيْرُ الْمِثْلِ .
وَيَقُولُ الْمَدَنِيُّونَ وَالْمَكِّيُّونَ وَالشَّامِيُّونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْجَزَاءَ هُوَ الْمِثْلُ ؛ فَيَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبَهُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى ظَاهِرِ قِرَاءَةِ قُرَّاءِ بَلَدِهِ .
وَقَدْ قَالَ لَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْقَرَافِيُّ الزَّاهِدُ : إنَّ ابْنَ مَعْقِلٍ الْكَاتِبَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ
جَزَاءُ الْمَقْتُولِ لَا جَزَاءُ مِثْلِ الْمَقْتُولِ .
وَالْإِضَافَةُ تُوجِبُ جَزَاءَ الْمِثْلِ لَا جَزَاءَ الْمَقْتُولِ .
قَالَ : وَمَنْ أَضَافَ الْجَزَاءَ إلَى الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى تَقْدِيرِ إقْحَامِ الْمِثْلِ ؛ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : أَنَا أُكْرِمُ مِثْلَك ؛ أَيْ أُكْرِمُك .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ أَحَدُ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي سَرْدِ الْآثَارِ عَنْ السَّلَفِ فِي الْبَابِ : وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ ، لُبَابُهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ السُّدِّيُّ : " فِي النَّعَامَةِ وَالْحِمَارِ بَدَنَةٌ ، وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْأَرْوَى بَقَرَةٌ ، وَفِي الْغَزَالِ وَالْأَرْنَبِ شَاةٌ ، وَفِي الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ سَخْلَةٌ قَدْ أَكَلَتْ الْعُشْبَ ، وَشَرِبَتْ الْمَاءَ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ .
الثَّانِي : قَالَ عَطَاءٌ : " صَغِيرُ الصَّيْدِ وَكَبِيرُهُ سَوَاءٌ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } ، مُطْلَقًا ، وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " تُطْلَبُ صِفَةُ الصَّيْدِ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ بِالْحِنْطَةِ ، ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " .
الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " تُذْبَحُ عَنْ الظَّبْيِ شَاةٌ ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ " .
الْخَامِسُ : قَالَ الضَّحَّاكُ : " الْمِثْلُ مَا كَانَ لَهُ قَرْنٌ كَوَعْلٍ وَأُيَّلٍ فَدَاهُ بِبَقَرَةٍ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرْنٌ كَالنَّعَامَةِ وَالْحِمَارِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ ظَبْيٍ فَمِنْ النَّعَمِ مِثْلُهُ ، وَفِي الْأَرْنَبِ ثَنِيَّةٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ يَرْبُوعٍ فَفِيهِ جَمَلٌ صَغِيرٌ .
فَإِنْ أَصَابَ فَرْخَ صَيْدٍ أَوْ بِيضَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ ، أَوْ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " .
السَّادِسُ : قَالَ النَّخَعِيُّ : " يُقَوِّمُ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ يَشْتَرِي الْقَاتِلُ بِقِيمَتِهِ فِدَاءً مِنْ النَّعَمِ ، ثُمَّ يُهْدِيه إلَى الْكَعْبَةِ " .
السَّابِعُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : " أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ الَّذِي أَصَابَ ، فَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُهُ مِنْ الطَّعَامِ ؛ فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا " .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : " إنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَوَّمَهَا طَعَامًا أَجْزَأَهُ " .
وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ قَالَ عَنْهُ : وَهُوَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْخِيَارِ أَيْ ذَلِكَ فِعْلٌ أَجْزَأَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ .
فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : [ الْفَرْقُ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ ] : فَصَحِيحٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْخِلْقَةِ ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ مُتَفَاوِتَانِ فِيهَا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ التَّفَاوُتُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَعُودُ إلَى التَّقْوِيمِ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الصَّغِيرِ فِيهِ وَالْكَبِيرِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : لَوْ كَانَ الصَّيْدُ أَعْوَرَ أَوْ أَعْرَجَ أَوْ كَسِيرًا لَكَانَ الْمِثْلُ عَلَى صِفَتِهِ لِتَحَقُّقِ الْمِثْلِيَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُتْلِفَ فَوْقَ مَا أَتْلَفَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَأَمَّا تَرْتِيبُ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَاتِ فِي هَذِهِ الْمِثْلِيَّةِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ عُلَمَاؤُنَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ فِيهَا ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ " أَوْ " فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ .
وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ مَصْرُوفٌ إلَى الْحَكَمَيْنِ ، فَمَا رَأَيَاهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، حَيْثُ قَدَّرَهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِسْكِينًا بِيَوْمٍ ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ تَقْدِيرِهِ تَعَالَى وَتُقَدَّسُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ تَتَعَارَضُ فِيهِ الْأَقْوَالُ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ ؛ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدِ الْجَلِيِّ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقِيمُ الْمُتْلِفُ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَيَنْظُرَانِ فِيمَا أَصَابَ ، وَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِمَا رَأَيَاهُ فِي ذَلِكَ ، فَمَا حَكَمَا عَلَيْهِ لَزِمَهُ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ حَاضِرًا أَوْ نَائِبَهُ أَنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا أَقَامَ حِينَئِذٍ الْمُتْلِفُ مَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّحْكِيمِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الذِّكْرُ فِيهِ ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُ يَجُوزُ حُكْمُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ؛ وَذَلِكَ عِنْدِي صَحِيحٌ ؛ إذْ يَتَعَذَّرُ أَمْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ : أَصَبْت صَيْدًا ، وَأَنَا مُحْرِمٌ ، فَأَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : " ائْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِك فَلْيَحْكُمَا عَلَيْك " فَأَتَيْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدًا ، فَحَكَمَا عَلَيَّ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ .
وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى فَصْلَ الْقَضَاءِ رَجُلَانِ ، وَقَدْ مَنَعَتْهُ الْجَهَلَةُ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ اجْتِهَادِهِمَا يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْأَحْكَامِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ بَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إلَى الْيَمَنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مِخْلَافٍ ، وَبَعَثَ أُنَيْسًا إلَى الْمَرْأَةِ الْمَرْجُومَةِ ، وَلَمْ يَأْتِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُكْمِ إلَّا فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا خُصُومَةَ فِيهَا ، فَإِنْ اتَّفَقَا لَزِمَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا نُظِرَ فِي غَيْرِهِمَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ : وَلَا يَأْخُذُ بِأَرْفَعِ قَوْلِهِمَا ؛ يُرِيدُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ تَحْكِيمٍ ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمِثْلِ الْخِلْقِيِّ ، إذَا حَكَمَا بِهِ ، إلَى الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ لَزِمَ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ ؛ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ
أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْجَزَاءِ مِنْ الْمِثْلِ فَفَعَلَا ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الطَّعَامِ جَازَ .
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجَاوُزٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : إنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْمِثْلِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُحَكِّمُهُمَا .
ثُمَّ يَنْظُرَانِ فِي الْقَضِيَّةِ ، فَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا لَزِمَهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ .
وَهُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِهِمَا ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِالْتِزَامِهِ لِحُكْمِهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } : الْمَعْنَى إذَا حَكَمَا بِالْمِثْلِ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ ، يُقَلِّدُهُ وَيُشْعِرُهُ ، وَيُرْسِلُهُ إلَى مَكَّةَ وَيَنْحَرُهُ بِهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْهَدْيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحَرَمِ .
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُفْتَقَرُ إلَى حِلٍّ مَعَهُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يَبْتَاعُ بِالْحِلِّ ، وَيُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ ، وَيَدْفَعُ إلَى الْحَرَمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِلِّ .
وَحَقِيقَةُ قَوْله تَعَالَى : { بَالِغَ الْكَعْبَةِ } يَقْتَضِي أَنْ يَهْدِيَ مِنْ مَكَان يَبْلُغُ مِنْهُ إلَى الْكَعْبَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا ؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا ، إذْ هِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ الصَّغِيرَ مِنْ الْهَدْيِ يَجِبُ فِي الصَّغِيرِ مِنْ الصَّيْدِ ، لِأَنَّهُ يَبْتَاعُهُ فِي الْحَرَمِ وَيُهْدِيه فِيهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَكُونُ الْجَزَاءُ فِي الصَّغِيرِ إلَّا بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ الصَّغِيرَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلَى الْحَرَمِ ، وَهَذَا لَا يُغْنِي ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَضَتْ فِي الصَّغِيرِ صَغِيرًا ، وَفِي الْكَبِيرِ كَبِيرًا ، وَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ إلَى الْحَرَمِ حُمِلَتْ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ بِالْمَغْرِبِ : بَعِيرِي هَذَا هَدْيٌ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْمَلُ ثَمَنُهُ إلَى مَكَّةَ ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي صَغِيرِ الْهَدْيِ مِثْلُهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ صَغِيرَ الْهَدْيِ مِثْلُ كَبِيرِهِ فِي الْقِيمَةِ ، كَمَا أَنَّ صَغِيرَ الْآدَمِيِّ مِثْلُ كَبِيرِهِ فِي الدِّيَةِ .
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ جَبْرًا ، وَهَذَا مُقَدَّرٌ نَظَرًا ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فَافْتَرَقَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كَفَّارَةٌ } سَمَّاهُ بِهَا لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الطَّعَامَ عَنْ الصَّيْدِ لَا عَنْ الْهَدْيِ ، وَلِيُلْحِقَهَا بِأَمْثَالِهَا وَنَظَائِرِهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { طَعَامُ مَسَاكِينَ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ ظَبْيًا وَنَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَإِنْ قَتَلَ أُيَّلًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حِمَارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَالطَّعَامُ مُدٌّ مُدٌّ لِشِبَعِهِمْ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : إنْ لَمْ يَجِدْ جَزَاءً قَوَّمَ الْجَزَاءَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ حِنْطَةً ، ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا .
وَقَالَ : إنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصَّوْمَ ، فَإِذَا وَجَدَ طَعَامًا وَجَبَ جَزَاءً .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَغَيْرِهِمْ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَإِطْعَامُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ لَا عَلَى التَّرْتِيبِ بِمَا يَقْتَضِيه حَرْفُ " أَوْ " فِي لِسَانِ الْعَرَبِ .
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الطَّعَامِ فِي الظَّبْيِ بِسِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَفِي الْبَدَنَةِ بِثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ نَافِذٍ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ تَحَكُّمٌ بِاخْتِيَارِ قِيمَةِ الطَّعَامِ بِالدَّرَاهِمِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا كَمَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ يُعْطَى عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا لَا نِصْفَ صَاعٍ .
وَقَدْ رَوَى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَعْرَابِ مُحْرِمِينَ ، فَحَاشَ أَحَدُهُمَا صَيْدًا فَقَتَلَهُ الْآخَرُ ، فَأَتَيَا عُمَرُ ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : شَاةٌ .
قَالَ : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ .
اذْهَبَا فَأَهْدَيَا شَاةً .
فَلَمَّا مَضَيَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : مَا دَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَقُولُ ، حَتَّى سَأَلَ صَاحِبَهُ .
فَسَمِعَهُ عُمَرُ ، فَرَدَّهُمَا ، فَقَالَ : هَلْ تَقْرَآنِ سُورَةَ الْمَائِدَةِ ؟ فَقَالَا : لَا .
فَقَرَأَ عَلَيْهِمَا : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا } ثُمَّ قَالَ : اسْتَعَنْت بِصَاحِبِي هَذَا .
وَعَنْ قَبِيصَةَ وَصَاحِبٍ لَهُ أَنَّهُمَا أَصَابَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ .
فَسَمِعَهُمَا عُمَرُ .
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : تَقْتُلُ الصَّيْدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ، وَتَغْمِصُ الْفُتْيَا ، إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَنَا عُمَرُ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ يُوجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً لِقَضَاءِ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَجُلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَهِيَ تَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لُغَوِيٌّ قُرْآنِيٌّ ، وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ .
أَمَّا اللُّغَوِيُّ الْقُرْآنِيُّ : فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ لِلصَّيْدِ قَاتِلٌ نَفْسًا عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ ، بِدَلِيلِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتْلِفٌ نَفْسًا عَلَى الْكَمَالِ وَمُذْهِبٌ رَوْحًا عَلَى التَّمَامِ .
وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، وَقَدْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إجْمَاعًا مِنَّا وَمِنْهُمْ فَثَبَتَ مَا قُلْنَا .
وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ : فَإِنَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قِيمَةٌ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ وَمُقَابِلٌ لِلْجِنَايَةِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ جِنَايَةً كَامِلَةً ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى قَاتِلًا ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الْجَزَاءَ كَفَّارَةً فِي كِتَابِهِ .
وَأَمَّا كَمَالُ الْجِنَايَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْإِحْرَامِ فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَسُمِّيَ قَاتِلًا حَقِيقَةً فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءً .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ يَقُومُ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ ، وَيَلْحَظُ فِيهِ شِبْهَهُ .
وَلَوْ كَانَ كَفَّارَةً لَاعْتُبِرَ مُطْلَقًا مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ كَالدِّيَةِ .
قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ .
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ مَا دَخَلَ الصِّيَامُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الصِّيَامَ إنَّمَا مَوْضِعُهُ وَمَوْضُوعُهُ
الْكَفَّارَاتُ ، لَا أَبْدَالُ الْمُتْلَفَاتِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمَحِلِّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَهَا ، مَحِلٌّ ، فَيَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَقَدَّرُ حَقِيقَةً فَيُقَدَّرُ كَفَّارَةً .
جَوَابٌ ثَالِثُ : وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ ، وَالدِّيَةُ يَجُوزُ إسْقَاطُهَا ، فَدَلَّ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا بِالصِّفَةِ وَالْمَوْضُوعِ .
جَوَابٌ رَابِعُ : وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى يَسْتَوِي فِي الْجَزَاءِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي الدِّيَةِ ، وَقِيمَةِ الْإِتْلَافِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ضَعِيفٌ جِدًّا .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي فَرْعٍ ؛ وَهُوَ إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ صَيْدًا فِي حَرَمٍ وَهُمْ مُحِلُّونَ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُونَ فِي الْحِلِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً ، فَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ .
وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فَبَنَاهُ فِي أَسْرَارِ اللَّهِ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : السِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْعِبَادِ ، فَقَدْ ارْتَكَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَحْظُورًا فِي إحْرَامِهِ .
وَإِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا أَتْلَفَ نَفْسًا مُحْتَرَمَةً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ دَابَّةً ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ دَابَّةً ، وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَهُوَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ .
وَقَدْ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ فِي الْحَرَمِ ، كَمَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيٌ ، فَهُوَ هَاتِكٌ لَهَا فِي الْحَالَيْنِ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقْوَى مِنَّا ، عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَصْلًا .
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : حُرْمَةُ الْحَرَمِ كَالْإِحْرَامِ ، وَاللَّفْظُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، يُقَالُ : أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ، كَمَا يُقَالُ : أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ مَنْ أَسْقَطَ الْجَزَاءَ فِيهِ ، وَيُضَعَّفُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ وَعُمُومِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ :
وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ كَكَفَّارَةِ الْحُرِّ سَوَاءٌ ؛ لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ مُخْتَلِفَ الْحَالِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي آيَةِ الظِّهَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : إذَا قُوِّمَ الطَّعَامُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْنَ يُقَوَّمُ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : يُقَوَّمُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ ؛ قَالَهُ حَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَسِوَاهُمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَوَّمُ حَيْثُ يُكَفِّرُ بِمَكَّةَ .
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعْتَبَرُ بِهِ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : يَوْمَ الْإِتْلَافِ .
وَقَالَ آخَرُ : يَوْمَ الْقَضَاءِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَلْزَمُ الْمُتْلِفُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الْإِتْلَافِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا كَاخْتِلَافِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْإِتْلَافِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ حَقًّا لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَعْدَمَهُ الْمُتْلِفُ لَزِمَهُ إيجَادُهُ بِمِثْلِهِ ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ الْعَدَمِ ، فَالْقَضَاءُ يُظْهِرُ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ ، وَلَا يَسْتَأْنِفُ الْقَاضِي إيجَابًا لَمْ يَكُنْ ، وَهَذَا يُعَضِّدُ فِي مَسْأَلَتِنَا الْوُجُوبَ فِي مَوْضِعِ الْإِتْلَافِ ، فَأَمَّا فِي مَوْضِعِ فِعْلِ الْكَفَّارَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَمَّا الْهَدْيُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَكَّةَ .
وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ هَلْ يَكُونُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ : إنَّهُ يَصُومُ حَيْثُ شَاءَ .
وَقَالَ حَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُكَفِّرُ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ بِمَكَّةَ ، وَيَصُومُ حَيْثُ شَاءَ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : يُكَفِّرُ حَيْثُ شَاءَ .
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّهُ يُكَفِّرُ حَيْثُ أَصَابَ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ وَلَا أَثَرَ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَصُومُ حَيْثُ شَاءَ فَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالصَّائِمِ ، فَتَكُونُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَصِيَامِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الطَّعَامَ يَكُونُ بِمَكَّةَ فَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ نَظِيرٌ لَهُ ؛ وَالْهَدْيُ حَقٌّ لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ ؛ فَلِذَلِكَ يَكُونُ بِمَكَّةَ بَدَلَهُ أَوْ نَظِيرَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ مَوْضِعٍ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، فَإِنَّهُ اعْتِبَارٌ بِكُلِّ طَعَامٍ وَفِدْيَةٍ ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِكُلِّ مَوْضِعٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْعَدْلُ وَالْعِدْلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا : هُوَ الْمِثْلُ ، وَيُؤْثَرُ عَنْ السَّكَّاكِيِّ أَنَّهُ قَالَ : عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَأَرَادَ أَوْ يَصُومُ صَوْمًا مُمَاثِلًا لِلطَّعَامِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَاثِلَ الطَّعَامُ الطَّعَامَ فِي وَجْهٍ أَقْرَبَ مِنْ الْعَدَدِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ .
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : يَصُومُ عَلَى عَدَدِ الْمَسَاكِينِ فِي الطَّعَامِ لَا عَلَى عَدَدِ الْأَمْدَادِ الْأَشْهُرِ ، وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَالْكَافَّةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِالْأَمْدَادِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِمَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا اعْتِبَارًا بِفِدْيَةِ الْأَذَى .
وَاعْتِبَارُ الْكَفَّارَةِ بِالْفِدْيَةِ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نُظَرَائِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّمَا يُفْتَقَرُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ فِي الْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ ، وَالْإِطْعَامِ ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا فِي الْحَالِ كُلِّهَا ، وَهِيَ تَنْحَصِرُ فِي مَوَاضِعَ سَبْعَةٍ : الْأَوَّلُ : هَلْ يُحْكَمُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَوْ فِي الْعَمْدِ وَحْدَهُ ؟ الثَّانِي : هَلْ يُحْكَمُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ كَمَا يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ ؟ الثَّالِثُ : هَلْ يُحْكَمُ بِالْجَزَاءِ حَيَوَانًا أَوْ قِيمَةً ؟ الرَّابِعُ : إذَا رَأَى الْحَيَوَانَ جَزَاءً عَنْ حَيَوَانٍ .
فِي تَعْيِينِ الْحَيَوَانِ خِلَافٌ كَثِيرٌ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيطِ نَظَرِهِ عَلَيْهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ؛ هَلْ يَسْتَوِي صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ حِينَ جَعَلَهُ كَالدِّيَةِ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يُرَاعِي صِفَاتِهِ أَجْمَعَ حَتَّى الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ ، أَمْ تُرَاعَى
الْأُصُولُ ، أَوْ يُرَاعَى الْعَيْبُ وَالسَّلَامَةُ ، أَوْ هُمَا وَاحِدٌ ؟ وَهَلْ يَكُونُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ كَمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ ، أَمْ يَكُونُ فِيهَا الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَارِبُ خَلْقَ الْبَقَرِ وَلَا تَبْلُغُ خَلْقَ الْإِبِلِ ؟ الْخَامِسُ : هَلْ الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا تُجْزِئُ أَمْ بَعْضُهَا ؟ السَّادِسُ : هَلْ يَقُومُ الْمِثْلُ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ ؟ السَّابِعُ : هَلْ يَكُونُ التَّقْوِيمُ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْ بِمَوْضِعِ الْكَفَّارَةِ ؟ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ فُصُولِ الِاخْتِلَافِ ، فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْحُكْمَيْنِ حَتَّى يُخَلِّصَ اجْتِهَادُهُمَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَيَلْزَمُهُ مَا قَالَا .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَجَزَاهُ .
ثُمَّ قَتَلَهُ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، وَمِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الدَّلِيلِ أَحْبَارٌ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِمَرْتَبَتِهِمْ إيرَادُ هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ عُلِّقَ بِشَرْطٍ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ ، فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ [ فَإِنَّ الطَّلَاقَ ] لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الدُّخُولِ ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى تَكْرَارِ الْحُكْمِ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ فَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الدَّلِيلِ الْقَائِمِ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ الْمُضَافِ إلَيْهِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقِيَامِ مَعَ الْحَدَثِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } .
وَهَا هُنَا تَكَرَّرَ الِاسْمُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ ، بِقَوْلِهِ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
وَالنَّهْيُ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ ، فَالْجَزَاءُ لِأَجْلِ ذَلِكَ مُتَوَجِّهٌ لَازِمٌ ذِمَّتَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } وَلَمْ يَذْكُرْ جَزَاءً وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قُلْنَا : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا الْإِسْلَامِ ، أَوْ عَمَّا قَبْلَ بَيَانِ الْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ قَبْلَهُ عَفْوٌ .
وقَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ عَادَ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يَعْنِي فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ ،
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَمَادِي التَّحْرِيمِ فِي الْإِحْرَامِ وَتَوَجُّهِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الدَّلِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } يَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ ، { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ .
وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ نَحْكُمُ عَلَيْهِ أَفَيُخْلَعُ يَعْنِي يُخْرَجُ عَنْ حُكْمِ الْمُحْرِمِينَ ؛ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ : إنَّهُ إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ حَلَّ إحْرَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا [ يُنَافِي ] عِبَادَةً فِيهَا ، فَأَبْطَلَهَا ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْجَزَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَسَادَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْحَجِّ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ شَرْطًا وَوَصْفًا وَوَضْعًا فِي الْأَصْلِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ بِحَالٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْمُعَلَّيْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَتَجُوزُ عَنْهُ ، ثُمَّ عَادَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَارًا مِنْ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ ، وَهَذِهِ عِبْرَةٌ لِلْأُمَّةِ وَكَفٌّ لِلْمُعْتَدِينَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا تَقَدَّمَ فِيهِ لِلصَّحَابَةِ حُكْمٌ مِنْ الْجَزَاءِ فِي صَيْدٍ يَبْتَدِئُ الْآنَ الْحَكَمَانِ النَّظَرَ فِيهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُنْظَرُ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِقَضَايَا الدِّينِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ أَنْفَذَتْهُ الصَّحَابَةُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ ثَانِيًا .
وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعٌ ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ ، وَهَذَا تَسَامُحٌ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَانِيًا وَحَكَمَيْنِ ، فَحَذْفُ بَعْضِ الْعَدَدِ إسْقَاطٌ لِلظَّاهِرِ ، وَإِفْسَادٌ لِلْمَعْنَى لِأَنَّ حُكْمَ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَاسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، فَزِيَادَةُ ثَانٍ إلَيْهِ غَيْرَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْحُكْمِ بِرَجُلَيْنِ سِوَاهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ } : عَامٌّ فِي الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ قَبْلَ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { الْبَحْرِ } هُوَ كُلُّ مَاءٍ كَثِيرٍ ، وَأَصْلُهُ الِاجْتِمَاعُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْمَدَائِنُ بِحَارًا .
وَيُقَالُ لِلْبَلْدَةِ : الْبَحْرَةُ وَالْبُحَيْرَةُ ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا ؛ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } : إنَّ الْبَحْرَ الْبِلَادُ ، وَالْبَرَّ الْفَيَافِي وَالْقِفَارُ .
وَفَائِدَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ بَرًّا وَبَحْرًا وَهَوَاءً ، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الثَّلَاثَةِ عِمَارَةً ، فَعِمَارَةُ الْهَوَاءِ الطَّيْرُ ، وَعِمَارَةُ الْمَاءِ الْحِيتَانُ ، وَعِمَارَةُ الْأَرْضِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ ، وَجَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ مُبَاحًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى شُرُوطٍ وَتَنْوِيعٍ ، هِيَ مُبَيَّنَةٌ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { صَيْدُ الْبَحْرِ } : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا صِيدَ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الثَّانِي : هُوَ حِيتَانُهُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : السَّمَكُ الْجَرِيُّ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، وَهِيَ حِيتَانُهُ تَفْسِيرًا ، وَيَرْجِعُ مِنْ طَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا حُووِلَ أَخْذُهُ بِحِيلَةٍ وَعَمَلٍ ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ : مَا صِيدَ مِنْهُ ، وَهُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : " أُحِلَّ لَكُمْ أَخْذُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحِيتَانِ بِالْمُحَاوَلَةِ ، وَأُحِلَّ لَكُمْ طَعَامُهُ ، وَهُوَ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ " وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ وَلَا حِيلَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا طَفَا عَلَيْهِ مَيْتًا .
وَالثَّانِي : مَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُهُ } : عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا جَزَرَ عَنْهُ .
وَالثَّانِي : مَا طَفَا عَلَيْهِ ؛ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَتَادَةُ ، وَهِيَ رِوَايَةُ مَعْنٍ عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : صَيْدُ الْبَحْرِ مَا صِيدَ ، وَطَعَامُهُ مَيْتَتُهُ .
الثَّالِثُ : مَمْلُوحُهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ } .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ .
وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَلَا كَلَامَ بَعْدَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ
================================================ج9.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
حَرَامٌ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَخُصُّ هَذَا الْعُمُومَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ بِهِ الْخَلِيفَتَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَثَبَتَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ { عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَكْلِهِمْ الْحُوتَ الْمَيِّتَ فِي غُزَاةِ سَيْفِ الْبَحْرِ ، وَمِنْ ادِّخَارِهِمْ مِنْهُ جُزْءًا ، حَتَّى لَقُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مِنْهُ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَا يُحَرَّمُ بِالْإِحْرَامِ ، وَمَا لَا يُحَرَّمُ بِهِ ، لَا لِبَيَانِ مَا حَرُمَ بِنَفْسِهِ .
وَإِنَّمَا بَيَانُ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } إلَى آخِرِهَا .
وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ السَّمَكُ الْمَذْكُورُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ .
وَهَذِهِ عُمْدَةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
قُلْنَا : هَذَا قَلْبُ الْمَبْنَى ، وَإِفْسَادُ الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا إنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ تَحْلِيلِ الصَّيْدِ ، وَهُوَ أَخْذُ مَا لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ ، وَلَا أَنَسَ لَهُ بِهِ ، وَصِفَةُ تَذْكِيَتِهِ حَتَّى يَحِلَّ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ بِهِ الْمُحِلِّينَ ، فَبَيَّنَ رُكْنَ التَّحْلِيلِ فِي ذَلِكَ وَأَخْذَهُ بِالْقَهْرِ وَالْحِيلَةِ فِي كِبَارِهِ ، وَبِالْيُسْرِ فِي صِغَارِهِ ، ثُمَّ أَطْلَقَ تَحْلِيلَ صَيْدِ الْبَحْرِ فِي بَابِهِ ، وَزَادَ مَا لَا يُصَادُ مِنْهُ ؛ وَإِنَّمَا يَرْمِيهِ الْبَحْرُ رَمْيًا ، ثُمَّ قَيَّدَ تَحْرِيمَ صَيْدِ الْبَرِّ خَاصَّةً بِالْإِحْرَامِ ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .
فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ وَأَجْنَاسُهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } فَهُوَ عَامٌّ خَصَّصَهُ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ، فِي مَيْتَةِ الْمَاءِ خَاصَّةً .
وَأَمَّا حَدِيثُ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ } ؛ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يَلْزَمُنَا عَنْهُ جَوَابٌ ، ثُمَّ نَقُولُ : إنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ : السَّمَكُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا فِي الْبَحْرِ ، اسْمٌ عَامٌّ .
وَقَدْ يُطْلَقُ بِالْعُرْفِ فِي بَعْضِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا لِبَعْضِ الْحُوتِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ سَمَكٌ دُونَ سَائِرِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلسَّيَّارَةِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ " أَبِي عُبَيْدَةَ : إنَّهُمْ أَكَلُوهُ وَهُمْ مُسَافِرُونَ ، وَأَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ " فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ حَلَالٌ لِمَنْ أَقَامَ ، كَمَا أَحَلَّهُ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِمَنْ سَافَرَ .
الثَّانِي : إنَّ السَّيَّارَةَ هُمْ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ : { أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْعَرَكِيُّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ لَهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَلَوْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " لَمَا جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الْعَطَشِ لِأَنَّ الْجَوَابَ مُرْتَبِطٌ بِالسُّؤَالِ .
وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَدَأَ بِتَأْسِيسِ الْحُكْمِ وَبَيَانِ الشَّرْعِ ؛ فَقَالَ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
فَزَادَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ جَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ } ابْتِدَاءً .
الثَّانِي : { الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالٍ ؛ فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } إنْ كَانَ الصَّيْدُ الْفِعْلَ فَمَعْنَاهُ مَعَ الِاصْطِيَادِ كُلِّهِ عَلَى أَنْوَاعِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصَّيْدِ الْمَصِيدَ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لِلتَّكْلِيفِ بِالْأَفْعَالِ ، وَتَفْسِيرُ وَجْهِ التَّعَلُّقِ ؛ فَصَارَ الصَّيْدُ فِي الْبَرِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ مُمْتَنِعًا بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَكَانَتْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَإِضَافَةِ الْخَمْرِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ وَالْمَيْتَةِ ؛ إذْ إنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ " أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ إذْ أَبْصَرْت أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ ، فَنَظَرْت فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ ، فَأَسْرَجْت فَرَسِي ، وَأَخَذْت رُمْحِي ، ثُمَّ رَكِبْت ، فَسَقَطَ سَوْطِي ، فَقُلْت لِأَصْحَابِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ : نَاوِلُونِي السَّوْطَ .
فَقَالُوا : وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلْت فَتَنَاوَلْته ، ثُمَّ رَكِبْت فَأَدْرَكْته مِنْ خَلْفِهِ ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ ، فَطَعَنْته بِرُمْحِي ، فَعَقَرْته ، فَأَتَيْت بِهِ أَصْحَابِي ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُلُوهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نَأْكُلُهُ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا ، فَحَرَّكْت دَابَّتِي فَأَدْرَكْته ، فَقَالَ : هُوَ حَلَالٌ ، فَكُلُوهُ } .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : فَكُلُوا .
هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : مَعَنَا رِجْلُهُ .
قَالَ : فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَكَلَهَا } .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ " الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ { أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ : فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي وَجْهِهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ قَالَ : إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ فَأُتِيَ عُثْمَانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ ، فَأَكَلَ عُثْمَانُ ، وَأَبَى عَلِيٌّ أَنْ يَأْكُلَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا صِدْنَا وَلَا أَمَرْنَا وَلَا أَشَرْنَا .
فَقَالَ عَلِيٌّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : إنَّمَا صِيدَ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ : وَنَحْنُ قَدْ بَدَأْنَا وَأَهْلَلْنَا وَنَحْنُ حَلَالٌ ، أَفَيَحِلُّ لَنَا الْيَوْمَ ؟ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، أُخِذَ لَهُ أَوْ لَمْ يُؤْخَذْ ، وَإِنْ صَادَهُ الْحَلَالُ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ مِثْلُهُ .
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ بِقَوْلِهِ صَيْدُ الْبَرِّ ، أَوْ الْمُحَرَّمَ مُضْمَرٌ ؛ وَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ الْمَصِيدُ ، وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى الدَّلِيلِ أَنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَصِيدِ لَا بِالصَّيْدِ ؛ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ يَتَعَلَّقُ بِتَنَاوُلِ الْحِيلَةِ فِي تَحْصِيلِهِ أَوْ بِقَصْدِ تَنَاوُلِ الْحِيلَةِ فِي تَحْصِيلِهِ لَهُ ، بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } ؛ فَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُحْرِمُ صَيْدَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا قَصَدَ بِهِ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ
أَخْذُهُ وَلَا مِلْكُهُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا } ، وَالْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ .
وَقِيلَ : إنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّهُ صِيدَ لَهُ ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ دَاخِلًا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَمْ يُعَنْ فِيهِ بِدَلَالَةٍ وَلَا سِلَاحٍ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ .
وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ : فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَحِلُّ لَهُ إمْسَاكُهُ وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ .
وَالْآخَرُ يُمْسِكُهُ حَتَّى يَحِلَّ فِي تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ مِثْلُهُمَا .
وَجْهُ الْقَوْلِ بِإِرْسَالِهِ قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي [ مَنْعِ ] الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ كُلِّهِ .
وَجْهُ الْقَوْلِ بِإِمْسَاكِهِ أَنَّهُ مَعْنَى يَمْتَنِعُ مَعَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ ؛ أَصْلُهُ النِّكَاحُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَإِنْ صَادَهُ الْحَلَالُ فِي الْحِلِّ ، فَأَدْخَلَهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ ذَبْحِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ مَعْنَى يَفْعَلُ فِي الصَّيْدِ ؛ فَجَازَ فِي الْحَرَمِ الْحَلَالُ كَالْإِمْسَاكِ وَالشِّرَاءِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِمَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلِأَنَّ الْمَقَامَ فِي الْحَرَمِ يَدُومُ ، وَالْإِحْرَامُ يَنْقَطِعُ ، فَلَوْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ لَأَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ، فَسَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ فِيهِ لِذَلِكَ .
وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَصَالِحِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَالْمَصْلَحَةُ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا بِدُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ ؛ لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا } .
وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ : وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا صَادَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ آثِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ إنْ قَتَلَهُ بِهَا .
وَقَالَ سَعْدٌ : جَزَاؤُهُ أَخْذُ سَلَبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ .
أَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ : فَإِنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا صَادَ بِالْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَكُلِّمَ فِي رَدِّهِ ، فَقَالَ : مَا كُنْت لِأَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ؛ وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِسَعْدٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ مَنْ لَقِيَ صَائِدًا بِالْمَدِينَةِ فَلْيَسْتَلِبْهُ ثِيَابَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ .
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ حَرَمٌ ، فَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فِيهِ صَيْدًا ، كَمَا يُفْعَلُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ كَانَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ مَا جَازَ دُخُولُهَا إلَّا بِالْإِحْرَامِ ، فَافْتَرَقَا .
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَاءَ الْمُتَعَدِّي فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ : { مَنْ أَحْدَثَ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا } .
فَأَرْسَلَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَلَّ الْحَرَامُ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْحَلَالُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ؛ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالْمَسْأَلَةُ غَامِضَةُ الْمَأْخَذِ بَعِيدَةُ الْغَوْرِ ، وَلِعُلَمَائِنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
أَقْوَاهَا طَرِيقُ مَنْشَأِ غَوْرٍ .
وَقَالَ الْجَوْنِيُّ : الضَّمَانُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : إمَّا بِإِتْلَافٍ مُبَاشِرٍ ، كَالْقَتْلِ .
أَوْ بِتَلَفٍ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَيَوَانُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ .
أَوْ بِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِالْفَاعِلِ ؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي جِهَةِ التَّعَدِّي ؛ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُ الْجَزَاءِ بِهِ .
وَعَوَّلَ مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ : { هَلْ أَشَرْتُمْ ؟ هَلْ أَعَنْتُمْ ؟ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ لَوْ أَشَارَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فَلَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ لِلْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ أَمْ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ .
وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلَانِ : دَلِيلُ تَحْلِيلٍ ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمٍ ، فَغَلَّبْنَا دَلِيلَ التَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا ؛ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَا أَخْرَجَ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ مِنْ الْبَحْرِ يُخَمَّسُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ شَبِيهُ الْبَرِّ وَقَسِيمُهُ وَنَظِيرُهُ ؛ إذْ الدُّنْيَا بَرٌّ وَبَحْرٌ ، فَنَقُولُ : فَائِدَةُ أُخْرِجَتْ مِنْ الْبَاطِنِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ حَقُّ اللَّهِ فِيمَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ .
وَالتَّعْلِيلُ لِلْبَحْرِ .
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " لَا زَكَاةَ فِي الْعَنْبَرِ ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَقْذِفُهُ الْبَحْرُ " وَلِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَحْرِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ أَصْلُهُ السَّمَكُ .
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَتَجْرِي فِيهِ الْغَنِيمَةُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحِ الْمُطْلَقِ ، كَالصَّيْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُونَ فِي ذَهَبٍ يُوجَدُ فِي الْبَحْرِ ؟ قُلْنَا : لَا رِوَايَةَ فِيهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلذَّهَبِ ، فَوُجُودُهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّيُولَ قَذَفَتْهُ فِيهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يَحْتَمِلُ أَلَّا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ فِي الْبَحْرِ جِبَالًا لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا .
قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّهُ } : وَهُوَ يَتَصَرَّفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : بِمَعْنَى سَمَّى ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ بِمَا يَنْبَغِي .
الثَّانِي : بِمَعْنَى خَلَقَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، مِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } .
الثَّالِثُ : بِمَعْنَى صَيَّرَ ، كَقَوْلِك ، جَعَلْت الْمَتَاعَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ .
وَتَحْقِيقُهُ هَاهُنَا خَلَقَ ثَانِيًا وَصْفًا لِشَيْءٍ مَخْلُوقٍ أَوَّلًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ الْكَعْبَةَ وُجُودًا أَوَّلًا ، ثُمَّ خَلَقَ فِيهَا صِفَاتٍ ثَانِيًا ، فَ " خَلَقَ " عَامٌّ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، وَ " جَعَلَ " خَاصٌّ فِي الثَّانِي خَبَرٌ عَنْ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : الْكَعْبَةُ : وَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرَبُّعِهَا ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِنُتُوئِهَا وَبُرُوزِهَا ؛ فَكُلُّ نَاتِئٍ بَارِزٌ كَعْبٌ ، مُسْتَدِيرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، يُقَالُ : كَعَبَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ ؛ وَهَذِهِ صِفَتُهَا هُنَا ، وَقَدْ شَرَحْنَا أَمْرَهَا فِي " إيضَاحِ الصَّحِيحَيْنِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْبَيْتَ الْحَرَامَ } : سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْتًا ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَقْفٍ وَجِدَارٍ ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْبَيْتِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سَاكِنٌ ؛ وَلَكِنْ جَعَلَ لَهَا شَرَفَ الْإِضَافَةِ بِقَوْلِهِ : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ } .
وَقَالَ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الْحَرَامَ } : سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِ إيَّاهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } .
رَوَاهُ الْكُلُّ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ ؟ قُلْنَا : بَلَى .
قَالَ : أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ .
فَقَالَ : أَلَيْسَ الْبَلْدَةُ ؟ } يَعْنِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ : { أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ ؟ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ } .
وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : حَرَّمَهَا أَيْ بِعِلْمِهِ وَكِتَابِهِ وَكَلَامِهِ وَإِخْبَارِهِ بِتَحْرِيمِهَا وَخَلْقِهِ لِتَحْرِيمِهَا ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ ، وَإِلَيْهِ مَنْسُوبٌ .
فَإِنْ قِيلَ : وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَرَّمَهَا ؟ قُلْنَا : مِنْ سَطْوَةِ الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ ظَلَمَةِ الْكُفْرِ فِيهَا بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لِيُخَرِّبَن الْكَعْبَةَ ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ } .
قُلْنَا : هَذَا عِنْدَ انْقِلَابِ الْحَالِ ، وَانْقِضَاءِ الزَّمَنِ ، وَإِقْبَالِ السَّاعَةِ ، وَسَيَأْتِي
بَيَانُهُ الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قِيَامًا لِلنَّاسِ } قِيَامُ الشَّيْءِ قَوَامُهُ وَمِلَاكُهُ أَيْ يَقُومُونَ بِهِ قِيَامًا ، كَمَا قَالَ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } ؛ أَيْ يَقُومُونَ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : [ الْأَوَّلُ ] : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قِيَامًا لِلنَّاسِ ، أَيْ صَلَاحًا .
الثَّانِي : قِيَامًا لِلنَّاسِ أَيْ أَمْنًا .
الثَّالِثُ : يَعْنِي فِي الْمَنَاسِكِ وَالْمُتَعَبِّدَات ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَدْخُلُ فِيهِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ الصَّلَاحِ ، وَيَدْخُلُ التَّمَكُّنُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنَّ لِكُلٍّ مَصْلَحَةً .
وَفَائِدَةُ ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي الْجِبِلَّةِ أَخْيَافًا يَتَقَاطَعُونَ تَدَابُرًا وَاخْتِلَافًا ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي لَفِّ الْحُطَامِ إسْرَافًا ، لَا يَبْتَغُونَ فِيهِ إنْصَافًا ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ فِيهِ بِرُشْدٍ اعْتِرَافًا ، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخِلَافَةِ ، وَجَعَلَ فِيهِمْ الْمَمْلَكَةَ ، وَصَرَفَ أُمُورَهُمْ إلَى تَدْبِيرِ وَاحِدٍ يَزَعُهُمْ عَنْ التَّنَازُعِ ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّأَلُّفِ مِنْ التَّقَاطُعِ ، وَيَرْدَعُ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ ، وَيُقَرِّرُ كُلَّ يَدٍ عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقًّا ، وَيَسُوسُهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ لُطْفًا وَرِفْقًا ، وَأَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقَ ذَلِكَ وَصَوَابَهُ ، وَأَرَاهُمْ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّجْرِبَةِ صَلَاحَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَمَآلِهِ ، وَلَقَدْ يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ ، فَالرِّيَاسَةُ لِلسِّيَاسَةِ وَالْمُلْكُ لِنَفْيِ الْمُلْكِ ، وَجَوْرُ السُّلْطَانِ عَامًا وَاحِدًا أَقَلُّ إذَايَةً مِنْ كَوْنِ النَّاسِ فَوْضَى لَحْظَةً وَاحِدَةً ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ ، كُلَّمَا بَانَ خَلِيفَةٌ خَلَفَهُ آخَرُ ، وَكُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ مَلَكَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ ؛ لِيَسْتَتِبَّ
بِهِ التَّدْبِيرُ ، وَتَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى رَأْيِهِ الْأُمُورُ ، وَيَكُفَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَادِيَةَ الْجُمْهُورِ ؛ فَإِذَا بَعَثَ نَبِيًّا سَخَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكَ فِي وَقْتِهِ إنْ كَانَ ضَعِيفًا ، فَكَانَ صَغْوُهُ إلَيْهِ وَعَوْنُهُ مَعَهُ ، كَمَا فَعَلَ بِدَانْيَالَ وَأَمْثَالِهِ .
وَإِنْ بَعَثَهُ قَوِيًّا يَسَّرَ لَهُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ، وَأَعْرَى أَرْضَ السُّلْطَانِ عَنْ ظِلِّهِ ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي الدِّينِ وَأَهْلِهِ ، كَمَا فَعَلَ بِمُوسَى ، وَلِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، وَالتَّقْدِيمِ لَهُ ، وَالتَّشْرِيفِ لِقَوْمِهِ أَسْكَنَ أَبَاهُ إسْمَاعِيلَ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ حَيْثُ لَا إنْسَ وَلَا أَنِيسَ ، وَاسْتَخْرَجَ فِيهَا ذُرِّيَّتَهُ ، وَسَاقَ إلَيْهِ مِنْ الْجُوَارِ مَنْ عَمَرَتْ بِهِ تِلْكَ الْبِلَادُ وَالدِّيَارُ ، وَجَرَّدَهُمْ عَنْ الْمُلْكِ تَقَدُّمَةً لِرِئَاسَةِ الْمِلَّةِ ، وَكَانُوا عَلَى جِبِلَّةِ الْخَلِيقَةِ وَسَلِيقَةِ الْآدَمِيَّةِ ، مِنْ التَّحَاسُدِ وَالتَّنَافُسِ ، وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ ، وَالسَّلْبِ وَالْغَارَةِ ، وَالْقَتْلِ وَالثَّارَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَشِيئَةِ الْأَوَّلِيَّةِ مِنْ كَافٍّ يَدُومُ مَعَ الْحَالِ ، وَرَادِعٍ يُحْمَدُ مَعَهُ الْمَآلُ ؛ فَعَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمْ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لِحَقِّهِ ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْبَتَهُ لِحِكْمَتِهِ ، وَعَظَّمَ بَيْنَهُمْ حُرْمَتَهُ لِقَهْرِهِ ؛ فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ ، وَكَانَ مَنْ اُضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } .
بَيْدَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضِعًا مَخْصُومًا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ مَظْلُومٍ وَلَا يَنَالُهُ كُلُّ خَائِفٍ جَعَلَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مَلْجَأٌ آخَرُ ، فَقَرَّرَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ حُرْمَةَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ؛ فَكَانُوا لَا يَرُوعُونَ فِيهَا سَرْبًا ، وَلَا يَطْلُبُونَ فِيهَا
ذَنْبًا ، وَلَا يَتَوَقَّعُونَ فِيهَا ثَأْرًا ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ فَلَا يُؤْذِيهِ .
وَاقْتَطَعُوا فِيهَا ثُلُثَ الزَّمَانِ ، وَوَصَلُوا مِنْهَا ثَلَاثَةً مُتَوَالِيَةً ، فُسْحَةً وَرَاحَةً ، وَمَجَالًا لِلسِّيَاحَةِ فِي الْأَمْنِ وَاسْتِرَاحَةً ، وَجَعَلُوا مِنْهَا وَاحِدًا مُفْرَدًا فِي نِصْفِ الْعَامِ دَرْكًا لِلِاحْتِرَامِ ؛ ثُمَّ يَسَّرَ لَهُمْ الْإِلْهَامَ ، وَشَرَعَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ الْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ، فَكَانُوا إذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلًا .
رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : أَنَّ الْقَلَائِدَ حَبْلٌ يَفْتِلُهُ ، وَنَعْلَانِ يُقَلِّدُهُمَا ، وَالنَّعْلُ الْوَاحِدُ تُجْزِي ؛ وَلِذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ نَعْلَيْنِ .
وَرُبَّمَا قَلَّدَ نَعْلًا وَاحِدًا ، فَإِذَا فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فِي بَعِيرِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَرُعْهُ ذَلِكَ حَيْثُ لَقِيَهُ ، وَكَانَ الْفَيْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ ظَلَمَهُ ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَبَيَّنَ الْحَقَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَانْتَظَمَ الدِّينُ فِي سَلْكِهِ ، وَعَادَ الْحَقُّ إلَى نِصَابِهِ ، وَبِهَذَا وَجَبَتْ الْخِلَافَةُ هُدًى ، وَمَنَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ، فَأُسْنِدَتْ الْإِمَامَةُ إلَيْهِ ، وَانْبَنَى وُجُوبُهَا عَلَى الْخَلْقِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلِيُبَدِّلْنَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي وَلَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ : الْمَعْنَى أَنَّهُ دَبَّرَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ ، وَأَنْفَذَهُ مِنْ قَضَائِهِ
بِقُدْرَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ ، لِيَعْلَمُوا بِظُهُورِ هَذَا التَّقْدِيرِ وَانْتِظَامِهِ فِي التَّدْبِيرِ عُمُومَ عِلْمِهِ ، وَشُمُولَ قُدْرَتِهِ ، وَإِحَاطَتَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، كَيْفَمَا تَصَرَّفَ أَوْ تَقَدَّرَ .
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْخَبِيثِ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْكَافِرُ .
وَالثَّانِي : الْحَرَامُ .
وَأَمَّا الطَّيِّبُ وَهِيَ : [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ] : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : [ الطَّيِّبُ ] : وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْمُؤْمِنُ .
الثَّانِي : الْحَلَالُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } : وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْجِبُهُ الْكُفَّارُ وَلَا الْحَرَامُ ، وَإِنَّمَا يُعْجِبُ ذَلِكَ النَّاسَ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْجَابًا بِهِ لَهُ أَنَّهُ صَارَ عِنْدَهُ عَجَبًا مِمَّا يُشَاهِدُ مِنْ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ ، وَالْمَالِ الْحَرَامِ ، وَقِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقِلَّةِ الْمَالِ الْحَلَالِ .
وَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ بِذَلِكَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا آدَم ، ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلنَّارِ وَوَاحِدٌ لِلْجَنَّةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي وَجْهِ عَدَمِ اسْتِوَائِهِ وَوُجُوبِ تَفَاوُتِهِ : إنَّ الْحَرَامَ يُؤْذِي فِي الدِّينِ ، وَيَجِبُ فَسْخُهُ وَرَدُّهُ ، وَالْحَلَالُ يَنْفَعُ وَيَجِبُ إمْضَاؤُهُ [ وَيَصِحُّ تَنْفِيذُهُ ] .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } .
وَقَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } .
فَلَا يُعْجِبَنَّكَ كَثْرَةُ الْمَالِ الرِّبَوِيِّ ، وَنُقْصَانُ الْمَالِ بِصَدَقَتِهِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْحَقُ ذَلِكَ الْكَثِيرَ فِي الْعَاقِبَةِ ، وَيُنَمِّي الْمَالَ الزَّكَاتِيَّ بِالصَّدَقَةِ ؛ وَبِهَذَا احْتَجَّ مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ رَأَى أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُفْسَخُ ، وَلَا يُمْضَى بِحَوَالَةِ سُوقٍ ، وَلَا بِتَغَيُّرِ بَدَنٍ ؛ فَيَسْتَوِي فِي إمْضَائِهِ مَعَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ؛ بَلْ يُفْسَخُ أَبَدًا .
وَقَدْ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى قَاعَةً إلَى أَمَدٍ فَكَمُلَ أَمَدُهُ ، وَقَدْ بَنَى بِهَا وَأَسَّسَ ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يُخْرِجَهُ ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا ، وَلَا يَهْدِمُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِالْغَاصِبِ إذَا بَنَى فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ .
وَنَظَرَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ الْبَيْعَ إذَا فُسِخَ بَعْدَ الْفَوْتِ يَكُونُ فِيهِ غَبْنٌ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَا عُقُوبَةَ فِي الْأَمْوَالِ .
وَكَذَلِكَ إذَا كَمُلَ أَمَدُ الْبَانِي فَأَيُّ حُجَّةٍ لَهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبُنْيَانَ إلَى أَمَدٍ ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْعَرْصَةِ سَيَحْتَاجُ إلَى عَرْصَتِهِ لِمِثْلِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَلْزَمَهُ إخْلَاؤُهَا مِمَّا شَغَلَهَا بِهِ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا حُقُوقٌ مُرْتَبِطَةٌ بِحَقَائِقَ وَأَدِلَّةٍ تَتَّفِقُ تَارَةً وَتَفْتَرِقُ أُخْرَى
، وَتَتَبَايَنُ تَارَةً وَتَتَمَاثَلُ أُخْرَى .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : حَقِيقَةُ الِاسْتِوَاءِ : الِاسْتِمْرَارُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَمِثْلُهُ الِاسْتِقَامَةُ ، وَضِدُّهُ الِاعْوِجَاجُ ، وَذَلِكَ يَتَصَرَّفُ إلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الْمِقْدَارِ ، وَلَا يَتَسَاوَى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ مِقْدَارًا فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ أَوْزَنُ دُنْيَا وَالطَّيِّبُ أَوْزَنُ أُخْرَى .
الثَّانِي : الِاسْتِوَاءُ فِي الْمَكَانِ ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ فِي النَّارِ وَالطَّيِّبَ فِي الْجَنَّةِ .
الثَّالِثُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الذَّهَابِ ، وَلَا يَتَسَاوَيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ يَأْخُذُ جِهَةَ الشِّمَالِ وَالطَّيِّبَ يَأْخُذُ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ .
الرَّابِعُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ مُنْفِقَ الْخَبِيثِ يَعُودُ عَلَيْهِ الْخُسْرَانُ فِي الدَّارَيْنِ ، وَمُنْفِقَ الطَّيِّبِ يَرْبَحُ فِي الدَّارَيْنِ .
أَمَّا خُسْرَانُ الْأَوَّلِ فَنَقْصُ مَالِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَنَقْصُ مَالِهِ فِي الْآخِرَةِ ؛ وَرَبِحَ مُنْفِقُ الطَّيِّبِ فِي الدُّنْيَا حُسْنُ النِّيَّةِ وَصِدْقُ الرَّجَاءِ فِي الْعِوَضِ ، وَرِبْحُهُ فِي الْآخِرَةِ ثِقَلُ الْمِيزَانِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْنَا مِثْلَهَا .
قَالَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا .
قَالَ : فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ ، وَلَهُمْ حُنَيْنٌ .
فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي ؟ فَقَالَ : أَبُوك فُلَانٌ } ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
الثَّانِي : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ : مَنْ أَبِي ؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ : تَضِلُّ نَاقَتُهُ : أَيْنَ نَاقَتِي } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
الثَّالِثُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : لَا .
وَلَوْ قُلْت : نَعَمْ لَوَجَبَتْ } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بَعْضُهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَحِيرَةِ ، وَالسَّائِبَةِ ، وَالْوَصِيلَةِ ، وَالْحَامِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } : هَذَا الْمَسَاقُ يُعَضِّدُ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّ سَبَبَهَا سُؤَالُ ذَلِكَ الرَّجُلِ : مَنْ أَبِي ؟ لِأَنَّهُ لَوْ كَشَفَ لَهُ عَنْ سِرِّ أُمِّهِ رُبَّمَا كَانَتْ قَدْ بَغَتْ عَلَيْهِ فَيَلْحَقُ الْعَارُ بِهِمْ .
وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ أُمَّ السَّائِلِ قَالَتْ لَهُ : يَا بُنَيَّ ؛ أَرَأَيْت أُمَّك لَوْ قَارَفْت بَعْضَ مَا كَانَ يُقَارِفُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، أَكُنْت تَفْضَحُهَا ؟ فَكَانَ السَّتْرُ أَفْضَلَ .
وَيُعَضِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ تَفْسِيرِ فَرْضِ الْحَجِّ ؛ فَإِنَّ تَكْرَارَهُ مُسْتَثْنًى لِعَظِيمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، وَعَظِيمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَشْيَاءَ فَامْتَثِلُوهَا ، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَاجْتَنِبُوهَا ، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً مِنْهُ ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } : وَهَذَا يَشْهَدُ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي لَا يُبَيِّنُهُ إلَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ ، وَجَعَلَ نُزُولَ الْقُرْآنِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْجَوَابِ ؛ إذْ لَا شَرْعَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } أَيْ أَسْقَطَهَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي يَسْقُطُ لِعَدَمِ بَيَانِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِ وَسُكُوتِهِ عَنْهُ هُوَ بَابُ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَيُحَرِّمُ عَالِمٌ ، وَيُحِلُّ آخَرُ ، وَيُوجِبُ مُجْتَهِدٌ .
وَيُسْقِطُ آخَرُ ؛ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ ، وَفُسْحَةٌ فِي الْحَقِّ ، وَطَرِيقٌ مَهْيَعٌ إلَى الرِّفْقِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَوْمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَائِدَةِ .
الثَّانِي : قَوْمُ صَالِحٍ فِي النَّاقَةِ .
الثَّالِثُ : قُرَيْشٌ فِي الصَّفَا ذَهَبًا .
الرَّابِعُ : بَنُو إسْرَائِيلَ ، كَانَتْ تَسْأَلُ : فَإِذَا عَرَفْت بِالْحُكْمِ لَمْ تُقِرَّ وَلَمْ تَمْتَثِلْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ ، وَلَقَدْ كَفَرَتْ الْعِيسَوِيَّةُ بِعِيسَى وَبِالْمَائِدَةِ ، وَالصَّالِحِيَّةِ بِالنَّاقَةِ ، وَالْمَكِّيَّةِ بِكُلِّ مَا شَهِدَتْ مِنْ آيَةٍ ، وَعَايَنَتْ مِنْ مُعْجِزَةٍ مِمَّا سَأَلَتْهُ وَمِمَّا لَمْ تَسْأَلْهُ عَلَى كَثْرَتِهَا ؛ وَهَذَا تَحْذِيرٌ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأُمَمِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْغَافِلِينَ تَحْرِيمَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَهُوَ جَهْلٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا كَانَ فِيمَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ ، وَلَا مَسَاءَةَ فِي جَوَابِ نَوَازِلِ الْوَقْتِ ، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَكْرَهُهَا أَيْضًا ، وَيَقُولُ فِيمَا يَسْأَلُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ : دَعُوهُ دَعُوهُ حَتَّى يَقَعَ ، يُرِيدُ : فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِينَئِذٍ يُعِينُ عَلَى جَوَابِهِ ، وَيَفْتَحُ إلَى الصَّوَابِ مَا اسْتَبْهَمَ مِنْ بَابِهِ ؛ وَتَعَاطِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ غُلُوٌّ فِي الْقَصْدِ ، وَسَرَفٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِ ؛ وَقَدْ وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَبِيعَةِ الرَّأْيِ وَهُوَ يُفَرِّعُ الْمَسَائِلَ ، فَقَالَ : مَا الْعِيُّ عِنْدَنَا إلَّا مَا هَذَا فِيهِ مُنْذُ الْيَوْمِ .
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِبَسْطِ الْأَدِلَّةِ ، وَإِيضَاحِ سُبُلِ النَّظَرِ ، وَتَحْصِيلِ مُقَدَّمَاتِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِعْدَادِ الْآلَةِ الْمُعِينَةِ عَلَى الِاسْتِمْدَادِ ؛ فَإِذَا عَرَضَتْ النَّازِلَةُ أَتَيْت مِنْ بَابِهَا ، وَنُشِدَتْ فِي مَظَانِّهَا ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ فِي صَوَابِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَهُمْ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ : { لَا تَسْأَلُوا } إلَى قَوْلِهِ : { تَسُؤْكُمْ } سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَمَّا يَضُرُّ وَيَسُوءُ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ يَضُرُّ .
وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يَعْنِي .
وَهَذَا بَيِّنٌ .
الثَّانِي : قَالَ : قَوْلُهُ : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } يَعْنِي : وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ فَكَيْفَ يَنْهَاهُمْ وَيَقُولُ : إنَّهُ يُبَيِّنُ لَهُمْ إنْ سَأَلُوهُ عَنْهَا .
وَهَذَا اسْتِبْعَادٌ مَحْضٌ عَارٍ عَنْ الْبُرْهَانِ ؛ وَأَيُّ فَرْقٍ أَوْ أَيُّ اسْتِحَالَةٍ فِي أَنْ يُقَالَ : لَا تَسْأَلْ ، فَإِنَّك إنْ سَأَلْت يُبَيِّنُ لَك مَا يَسُوءُك ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِك ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهَا لَك .
الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } : قَالَ : فَهَذَا السُّؤَالُ لِغَيْرِ الشَّيْءِ ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي هُوَ سُؤَالٌ عَنْ غَيْرِ الشَّيْءِ ، وَهَذَا كَلَامٌ فَاتِرٌ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ضِدُّهُ حِينَ قَالَ : إنَّ السُّؤَالَ الثَّانِيَ هُوَ سُؤَالٌ عَنْ الشَّيْءِ ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ بَلَاغٌ فِي الْآيَةِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْسِيمُهُ وَتَفْسِيرُهُ ، وَمَعْنَى اللَّفْظِ هَاهُنَا : مَا سَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ حُكْمًا وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا ، بَيْدَ أَنَّهُ قَضَى بِهِ عِلْمًا ، وَأَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ خَلْقًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَنَفْعٍ وَضُرٍّ ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ الْمُسَمَّيَاتِ فِيهَا لُغَةٌ : فَالْبَحِيرَةُ ، هِيَ : النَّاقَةُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ لُغَةً ، يُقَالُ : بَحَرْت أُذُنَ النَّاقَةِ أَيْ شَقَقْتهَا .
وَالسَّائِبَةُ ، هِيَ : الْمُخَلَّاةُ لَا قَيْدَ عَلَيْهَا وَلَا رَاعِيَ لَهَا .
وَالْوَصِيلَةُ فِي الْغَنَمِ : كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا وَلَدَتْ الشَّاةُ أُنْثَى كَانَتْ لَهُمْ ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا كَانَتْ لِآلِهَتِهِمْ ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا ، فَكَانَ الْكُلُّ لِلْآلِهَةِ ، وَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ .
وَالْحَامِي : كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا نَتَجَتْ مِنْ صُلْبِ الْفَحْلِ عَشَرَةُ أَبْطُنٍ قَالُوا : حَمَى ظَهْرَهُ فَسَيَّبُوهُ لَا يُرْكَبُ وَلَا يُهَاجُ .
وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَفْسِيرٌ طَوِيلٌ بِاخْتِلَافٍ كَثِيرٍ يَرْجِعُ إلَى مَا أَوْضَحَهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتِقُونَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ يُسَيِّبُونَهَا ، فَأَمَّا الْحَامِي فَمِنْ الْإِبِلِ ؛ كَانَ الْفَحْلُ إذَا انْقَضَى ضِرَابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ مِنْ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ وَسَيَّبُوهُ .
وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ فَمِنْ الْغَنَمِ وَلَدَتْ أُنْثَى بَعْدَ أُنْثَى سَيَّبُوهَا .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ النُّصُبَ ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ ، وَغَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ؛ وَلَقَدْ رَأَيْته يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِهِ } .
قَالَ : وَأَوَّلُ مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِرَ { رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ عَمَدَ إلَى نَاقَتَيْنِ لَهُ ، فَجَدَعَ آذَانَهُمَا ، وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا وَظُهُورَهُمَا ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِمَا ، فَشَرِبَ أَلْبَانَهُمَا ، وَرَكِبَ ظُهُورَهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ رَأَيْتهمَا فِي النَّارِ يَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا وَيَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا } .
وَنَحْوُهُ عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ
: " لَقَدْ رَأَيْته يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِهِ " وَلَمْ يَزِدْ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : السَّوَائِبُ الْغَنَمُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ .
وَالسَّائِبَةُ هِيَ النَّاقَةُ إذَا تَابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ لَمْ يَرْكَبْ ظَهْرَهَا ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرَهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ فَمَا نَتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنُهَا ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا ، فَلَمْ يَرْكَبْ ظَهْرَهَا ، وَلَمْ يَجُزَّ وَبَرَهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ ، كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا ؛ فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ .
وَالْوَصِيلَةُ : الشَّاةُ إذَا أَتَأَمَّتْ عَشْرَ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ جُعِلَتْ وَصِيلَةً ، قَالُوا : قَدْ وُصِلَتْ ، فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ الْإِنَاثِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَشْتَرِكُونَ فِي أَكْلِهِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُونَ إنَاثِهِمْ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَالْحَامِي الْفَحْلُ إذَا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ حُمِيَ ظَهْرُهُ ، فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهُ ، وَخُلِّيَ فِي إبِلِهِ يَضْرِبُ ، لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ بِغَيْرِ ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْبَحِيرَةُ النَّاقَةُ .
وَالْوَصِيلَةُ الشَّاةُ .
وَالْحَامِي الْفَحْلُ .
وَسَائِبَةٌ يَقُولُ يُسَيِّبُونَهَا لِأَصْنَامِهِمْ .
وَرُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ .
قَالَ : فَسَأَلْته عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ .
قَالَ : هَلَكُوا } .
وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نَصْبِ الْأَوْثَانِ وَتَغْيِيرِ دِينِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَأْرِبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ ؛ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ أَوْلَادُ عِمْلِيقَ ، وَيُقَالُ عِمْلَاقُ بْنُ
لَاوِذْ بْنُ سَامِ بْنُ نُوحٍ ، رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : هَذِهِ أَصْنَامٌ نَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا ، وَنَسْتَنْصِرُنَا فَتَنْصُرُهَا .
فَقَالَ لَهُمْ : أَفَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا أَسِيرُ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فَيَعْبُدُوهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ هُبَلُ .
فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِزَعْمِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِرِضَا رَبِّهِمْ وَفِي طَاعَتِهِ ، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرِضَاهُ إنَّمَا تُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ لِلَّهِ بِذَلِكَ قَوْلٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : { وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } .
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }
.
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ : { رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك .
فَقَالَ أَكْثَمُ : أَخْشَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : لَا ؛ لَأَنَّك مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ ؛ إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ ، وَحَمَى الْحَامِيَ } .
وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ عَوْنُ بْنُ مَالِكٍ بْنُ نَضْلَةَ الْجُشَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَبُّ إبِلٍ أَنْتَ أَمْ رَبُّ غَنَمٍ ؟ فَقَالَ : مِنْ كُلِّ الْمَالِ آتَانِي اللَّهُ فَأَكْثَرَ وَأَطْيَبَ .
فَقَالَ : هَلْ تُنْتِجُ إبِلُك صِحَاحًا آذَانُهَا فَتَعْمِدَ إلَى الْمَوَاسِي فَتَقْطَعَ آذَانَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ بُحُرٌ .
وَتَشُقُّ جُلُودَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ صُرُمٌ ، فَتُحَرِّمُهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِك ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ لَك مَا آتَاك ، وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ ، وَسَاعِدُ اللَّهِ أَشَدُّ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرَبَ عَلَى مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلْأُمَّةِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَلَزِمَهُمْ الِانْقِيَادُ إلَى مَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، دُونَ التَّعَلُّقِ بِمَا كَانَ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : الْحَبْسُ الَّذِي جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلَاقِهَا الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا الَّذِي كَلَّمَ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَبَا يُوسُفَ عِنْدَ هَارُونَ .
وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ خَالَفَ مَالِكًا فِي الْأَحْبَاسِ ، وَرَأَى رَأْيَ شَيْخِهِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْحَبْسَ بَاطِلٌ .
وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَضَرْت مَالِكًا وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ صَدَقَةِ الْحَبْسِ ، فَقَالَ : إذَا حِيزَتْ مَضَتْ .
قَالَ الْعِرَاقِيُّ : إنَّ شُرَيْحًا قَالَ : لَا حَبْسَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ .
فَضَحِكَ مَالِكٌ ، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ ، وَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ شُرَيْحًا لَوْ دَرَى مَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ : إنَّ الْحَبْسَ لَا يَجُوزُ .
فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْأَحْبَاسُ أَحْبَاسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ وَفَدَكَ وَأَحْبَاسُ أَصْحَابِهِ ؟ فَأَمَّا { حَظُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } .
وَأَمَّا أَصْحَابُهُ : فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، وَخَالِدَ بْنَ
الْوَلِيدِ ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ عُمَرَ جَمَاعَةٌ ، قَالُوا : { إنَّ عُمَرَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي أَصَبْت مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ مِنْهُ يَعْنِي بِسَمْعٍ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْبِسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَاتِ } .
وَأَشَارَ بِهِ إلَى الصَّدَقَةِ الدَّائِمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ صَدَقَةً فَبِيعَ لَانْقَطَعَ أَجْرُهُ فِي الْحَبْسِ ؛ وَكَتَبَ عُمَرُ فِي شَرْطِهِ : " هَذَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ صَدَقَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ ، لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْقُرْبَى ، وَالرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالضَّيْفِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا " .
وَجَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ هَذِهِ أُمَّهَاتُهَا .
وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَابَ عَلَى الْعَرَبِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ مِنْ تَسْيِيبِ الْبَهَائِمِ وَحِمَايَتِهَا وَحَبْسِ أَنْفُسِهَا عَنْهَا .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَابَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا بِعُقُولِهِمْ بِغَيْرِ شَرْعٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ ، أَوْ تَكْلِيفٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا عَابَ عَلَيْهِمْ أَنْ نَقَلُوا الْمِلْكَ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ ، وَالْمِلْكُ قَدْ عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَمْوَالِ ، وَجَعَلَ الْأَيْدِي تَتَبَادَلُ فِيهِ بِوُجُوهٍ شَرْعِيَّةٍ ، أَوْ تَبْطُلُ فِي الْأَعْيَانِ بِمَعَانٍ قَرِيبَةٍ ، كَالْعِتْقِ وَالْهَدْيِ ؛ فَأَمَّا هَذِهِ الطَّرِيقُ فَبِدْعَةٌ .
قُلْنَا : بَلْ سُنَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
جَوَابٌ ثَانٍ : وَذَلِكَ أَنَّ الْحَبْسَ عِنْدَنَا لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ ؛ بَلْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ مَالِكِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْحَبْسُ فِي الْغَلَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي يُنْقَلُ الْمِلْكُ إلَى الْمَحْبُوسِ
عَلَيْهِ وَهُوَ مَالِكٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا كَانَ يَصِحُّ هَذَا لَوْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ ، فَأَمَّا الْمَجْهُولُ وَالْمَعْدُومُ فَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَيْهِ .
قُلْنَا : هَذَا يَبْطُلُ بِأَرْبَعَةِ مَسَائِلَ : الْأُولَى الْمَسْجِدُ .
الثَّانِيَةُ الْمَقْبَرَةُ .
الثَّالِثَةُ الْقَنْطَرَةُ ، قَالُوا يَصِحُّ هَذَا ، وَهُوَ حَبْسٌ عَلَى مَعْدُومٍ وَمَجْهُولٍ [ وَهُوَ الرَّابِعُ ] .
جَوَابٌ خَامِسٌ : وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ نَاقَضَ ؛ فَقَالَ : إذَا أَوْصَى بِالْحَبْسِ جَازَ ، وَهَذِهِ الْمُنَاقَضَاتُ الْخَمْسُ لَا جَوَابَ لَهُ عَنْهَا إلَّا وَيَنْعَكِسُ عَلَيْهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَلَهُمْ آثَارٌ لَمْ نَرْضَ ذِكْرَهَا لِبُطْلَانِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي عِتْقِ السَّائِبَةٍ : قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَهِبَةِ الْوَلَاءِ .
وَقَالَ عِيسَى : أَكْرَهُهُ وَأَنْهَى عَنْهُ .
قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُعْجِبُنَا كَرَاهِيَتُهُ لَهُ ، وَهُوَ جَائِزٌ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ غَيْرِهِ يُرِيدَانِ : وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ هِبَةً لِلْوَلَاءِ ، كَذَلِكَ فِي السَّائِبَةِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ صَحِيحٌ عَلَى تَعْلِيلِهِ .
وَأَمَّا لَوْ عَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا ، فَلَا يَتَقَرَّبُ بِهَا ؛ إذْ لَهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعِتْقِ فِي كِنَايَاتِهِ وَصَرَائِحِهِ مَنْدُوحَةٌ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، وَتَبَيَّنَتْ الْمَسْأَلَةُ ؛ وَبِالْكَرَاهَةِ أَقُولُ لِلْمَعْنَى الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَصْوِيرِهِ : وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْعَبْدِ : أَنْتَ سَائِبَةٌ ، وَيَنْوِيَ الْعِتْقَ .
أَوْ يَقُولَ : أُعْتِقُك سَائِبَةً .
فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ : أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْمِلْكُ وَالْيَدُ وَيَبْقَى كَالْجَمَلِ الْمُسَيَّبِ الَّذِي لَا يُعْرَضُ لَهُ ، وَلَوْ تَبَيَّنَ الْوَلَاءُ لِأَحَدٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْمَعْنَى .
وَوَجْهُ الثَّانِي وَبِهِ أَقُولُ : إنَّهُ لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ عَنْ مُعَيَّنٍ ، فَلَا يَخْرُجُ الْوَلَاءُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ الْعِتْقَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } : وَهَذَا عَامٌّ فِيهِمْ ، لَكِنْ افْتِرَاؤُهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ : افْتِرَاءُ مُعَانِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ وَزُورٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ ، وَهُمْ الْأَتْبَاعُ لِرُؤَسَائِهِمْ وَأَهْلُ الْغَفْلَةِ مِنْهُمْ ، وَهُمْ الْأَكْثَرُ ؛ وَالْعَذَابُ يُشْرِكُهُمْ وَيَعُمُّهُمْ ، وَالْعِنَادُ أَعْظَمُ عَذَابًا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ارْتِبَاطُهَا بِمَا قَبْلَهَا : وَذَلِكَ بَيِّنٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ جَهَالَةِ الْعَرَبِ فِيمَا تَحَكَّمَتْ فِيهِ بِآرَائِهَا السَّقِيمَةِ فِي الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْحَوَامِي ، وَاحْتِجَاجُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ ؛ فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَتَرَكُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَمَرَ بِهِ مِنْ دِينِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعُقُولَ لَا حُكْمَ لَهَا بِتَحْسِينٍ وَلَا تَقْبِيحٍ ، وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ ؛ إذْ الْعُقُولُ لَا تَهْتَدِي إلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي تُرْشِدُ مِنْ ضَلَالِ الْخَوَاطِرِ ، وَتُنْجِي مِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ بِمَا لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَى تَفْصِيلِهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِهِ ، فَكَيْفَ إنْ تَغَيَّرَ مَا مَهَّدَهُ الشَّرْعُ ، وَتَبَدَّلَ مَا سَنَّهُ وَأَوْضَحَهُ ، وَذَلِكَ [ كُلُّهُ ] مِنْ غُرُورِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ وَتَحَكُّمِهِ عَلَى الْخَلْقِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ : لَأَجْلِبَنَّ عَلَيْهِمْ وَلِأُشَارِكَنهُمْ وَلَأَعِدَنَّهُمْ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجْلِك وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إلَّا غُرُورًا } .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَمَّ الْكُفَّارِ بِاتِّبَاعِهِمْ لِآبَائِهِمْ بِالْبَاطِلِ ، وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ .
وَأَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَا فَسَّرْنَاهُ فِي الْبَاطِلِ .
فَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْحَقِّ فَأَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَعِصْمَةٌ مِنْ عِصَمِ الْمُسْلِمِينَ يَلْجَأُ إلَيْهَا الْجَاهِلُ الْمُقَصِّرُ عَنْ دَرْكِ النَّظَرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، فَأَمَّا جَوَازُهُ ، بَلْ وُجُوبُهُ ، فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَصَحِيحٌ ، وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْعَالِمِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِدَلِيلِهِ ؛ وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يُقَالَ : إنَّا نُقَلِّدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ ، وَأَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ مُوَافِقَةً لِدَعْوَاهُ ، وَدَالَّةً عَلَى صِدْقِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَ التَّقْلِيدِ وَوَجْهَهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
لِبَابِهِ : أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْعَامِّيِّ إذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَنْ يَقْصِدَ أَعْلَمَ مَنْ فِي زَمَانِهِ وَبَلَدِهِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ نَازِلَتِهِ ، فَيَمْتَثِلُ فِيهَا فَتْوَاهُ ، وَعَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ [ أَعْلَمَ ] أَهْلِ وَقْتِهِ بِالْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَتَّصِلَ لَهُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْأَكْثَرِ مِنْ النَّاسِ .
وَعَلَى الْعَالِمِ أَيْضًا فَرْضُ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا مِثْلَهُ فِي نَازِلَةٍ خَفِيَ عَلَيْهِ فِيهَا وَجْهُ الدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُرَدِّدَ فِيهَا الْفِكْرَ ، حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْمَطْلُوبِ ؛ فَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ ذَلِكَ ، وَخِيفَ عَلَى الْعِبَادَةِ أَنْ تَفُوتَ ، أَوْ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَذْهَبَ فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ ، وَاخْتِلَافٍ كَثِيرٍ ، عَوَّلُوا مِنْهُ عَلَى مَا أَشَرْنَا لَكُمْ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } : هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ وَالِاحْتِجَاجَاتِ لَا تَكُونُ بِمُحْتَمَلٍ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاتِّبَاعُ فِيهَا بِمَا خَرَجَ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، وَوَجَبَتْ لَهُ الصِّحَّةُ فِي طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ : وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ، فَنَحْنُ نَقْتَدِي بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ ، وَنَمْتَثِلُ مَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ بِالْهُدَى عَامِلُونَ ، وَعَنْ غَيْرِ الْحَقِّ مَعْصُومُونَ ، وَنَسُوا أَنَّ الْبَاطِلَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ ، وَالْخَطَأَ وَالْجَهْلَ لَاحِقٌ بِهِمْ ؛ فَبَطَلَ وَجْهُ الْحُجَّةِ فِيهِ ، وَوَضَحَ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ بِشُرُوطِهِ حَسْبَمَا قَرَرْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ الْأَدِلَّةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ لَيْسَ لَهَا أُخْتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا آيَةٌ يَنْسَخُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا ؛ نَسَخَ قَوْلُهُ : { إذَا اهْتَدَيْتُمْ } قَوْلَهُ : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ، فَالْحَظُوهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعْلَمُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَتَأَوَّلُونَهَا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } .
وَإِنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَرَوَى { أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ : أَتَيْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ، فَقُلْت لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ فَقَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْت : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } ؛ فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْت عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلْ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك بِخَاصَّةِ نَفْسِك ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا ، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ } الْحَدِيثَ إلَى
آخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَخِلَافَةُ الْمُسْلِمِينَ : وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَبْوَابَهُ وَمَسَائِلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَهِيَ مِنْ فُرُوعِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا فِي آيَاتٍ قَبْلَ هَذَا ، وَذَكَرْنَا بَعْضَ شُرُوطِهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْقِيَامَ بِهِ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ .
وَعَرَضْت هَذِهِ الْآيَةَ الْمُوهِمَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ لِمُعَارَضَتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ ، أَوْ لِمَا يَتَأَخَّرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَعِنْدَ سَدَادِ النَّظَرِ وَانْتِهَائِهِ إلَى الْغَايَةِ يَتَبَيَّنُ الْمَطْلُوبُ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } .
وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ لِأَجْلِ سُكُوتِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ الْمَفْعُولِ ، وَالْمَعْرُوفِ الْمَتْرُوكِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِهَا ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آنِفًا بِقَوْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } .
وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَقِينِ الْأَمْنِ مِنْ الضَّرَرِ عِنْدَ الْقِيَامِ بِهِ ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : { فَإِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك بِخَاصَّةِ نَفْسِك ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ } .
وَذَلِكَ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى مُعَارَضَةِ الْخَلْقِ ، وَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ مِنْ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ .
وَتِلْكَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَسَّرَهَا عَلَيْنَا ، وَفَضْلُهُ الْعَمِيمُ آتَانَاهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ
الْعَمَلِ فِيهِ وَالِاخْتِلَافَ عَلَيْهِ .
وَيَعْضُدُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ } .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : ذَهَبَ مَا كُنْت تَعْلَمُ .
فَسَكَتَ أَبُو سَعِيدٍ ، وَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ؛ إذْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَلِكِ ، وَلَا اسْتَطَاعَ مُنَازَعَةَ الْإِمَارَةِ ، وَسَكَتَ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ النَّاسِ ، وَلِمَ يَحْضُرُ بِدْعَةً ، وَيُقِيمُ سُنَّةً مُبْدَلَةً ؟ قُلْنَا : فِي الْجَوَابِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا قَالَ عُثْمَانُ ، حِينَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ يُصَلِّي لَنَا إمَامُ فِتْنَةٍ .
قَالَ : " الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ ؛ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ " .
الثَّانِي : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ ؛ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ كَانَ مُحَاطًا بِهِ مِنْ الْحَرَسِ مَشْحُونًا بِحَاشِيَةِ مَرْوَانَ ، يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ النَّاسِ ، وَيَلْحَظُونَ حَرَكَاتِهِمْ ، فَلَوْ خَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ لَخَافَ أَنْ يَلْقَى هَوَانًا ، فَأَقَامَ مَعَ النَّاسِ فِي الطَّاعَةِ ، وَخَلَصَ بِنَفْسِهِ مِنْ التَّبَاعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : تَذَاكَرْت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى طَهَّرَهُ اللَّهُ مَعَ شَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : { إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ .
فَقَالُوا : بَلْ مِنْهُمْ .
فَقَالَ : بَلْ مِنْكُمْ ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا ، وَهُمْ لَا يَجِدُونَ عَلَيْهِ أَعْوَانًا } ، وَتَفَاوَضْنَا كَيْفَ يَكُونُ أَجْرُ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْأُمَّةِ أَضْعَافَ أَجْرِ الصَّحَابَةِ ، مَعَ أَنَّهُمْ أَسَّسُوا الْإِسْلَامَ ، وَعَضَّدُوا الدِّينَ ، وَأَقَامُوا الْمَنَارَ ، وَافْتَتَحُوا الْأَمْصَارَ ، وَحَمَوْا الْبَيْضَةَ ، وَمَهَّدُوا الْمِلَّةَ ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { دَعُوا لِي أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } .
فَتَرَاجَعْنَا الْقَوْلَ فَكَانَ الَّذِي تَنَخَّلَ مِنْ الْقَوْلِ ، وَتَحَصَّلَ مِنْ الْمَعْنَى لُبَابًا أَوْضَحْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ لَهُمْ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ سَرْدُهُ ؛ وَذَلِكَ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ ، وَلَا يُدَانِي شَأْوَهُمْ فِيهَا بَشَرٌ ، وَالْأَعْمَالُ سِوَاهَا مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ يُسَاوِيهِمْ فِيهَا فِي الْأَجْرِ مَنْ أَخْلَصَ إخْلَاصَهُمْ ، وَخَلَّصَهَا مِنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَهُمْ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بَابٌ عَظِيمٌ هُوَ ابْتِدَاءُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ ، وَهُوَ أَيْضًا انْتِهَاؤُهُ ؛ وَقَدْ كَانَ قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، صَعْبَ الْمَرَامِ لِغَلَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْحَقِّ ، وَفِي آخِرِ الزَّمَانِ أَيْضًا يَعُودُ كَذَلِكَ بِوَعْدِ الصَّادِقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَسَادِ الزَّمَانِ ، وَظُهُورِ الْفِتَنِ ، وَغَلَبَةِ الْبَاطِلِ ، وَاسْتِيلَاءِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ عَلَى الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ ، وَرُكُوبِ مَنْ يَأْتِي سَنَنَ مَنْ مَضَى
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا فَلَا بُدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحُكْمِ هَذَا الْوَعْدِ الصَّادِقِ أَنْ يَرْجِعَ الْإِسْلَامُ إلَى وَاحِدٍ كَمَا بَدَأَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَيَضْعُفَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ مَعَ احْتِوَاشِهِ بِالْمَخَاوِفِ ، وَبَاعَ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ إلَيْهِ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَضْعَافُ مَا كَانَ لِمَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ ، مُعَانًا عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الدُّعَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : " لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَهُمْ لَا يَجِدُونَ إلَيْهِ أَعْوَانًا حَتَّى يَنْقَطِعَ ذَلِكَ انْقِطَاعًا بَاتًّا ، لِضَعْفِ الْيَقِينِ ، وَقِلَّةِ الدِّينِ " كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ } .
يُرْوَى بِرَفْعِ الْهَاءِ وَنَصْبِهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ ، فَإِنْ رُوِيَتْ بِرَفْعِ الْهَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى مُوَحِّدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا نَصَبْت الْهَاءَ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى آمِرٌ بِمَعْرُوفٍ ، وَلَا نَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ يَقُولُ : خَافُوا اللَّهَ ، وَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْعَاقِلُ الْمَوْتَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ } .
.
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنْ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إنَّا إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
وَإِنَّمَا نَظَمْنَاهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ ، وَقَدْ عَسُرَ الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى الْمُتَبَحِّرِينَ ، فَأَمَّا الشَّادُونَ فَالْحِجَابُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِعْزَفٌ ، وَالسَّبِيلُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهَا لَا تُعْرَفُ ، وَمَا زِلْنَا مُدَّةَ الطَّلَبِ نَقْرَعُ بَابَهَا وَنَجْذِبُ حِجَابَهَا إلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا بِمَا سَرَدْنَاهُ لَكُمْ وَجَلَوْنَاهُ عَلَيْكُمْ فِي تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَوْ سَرَدْنَاهَا بِطُرُقِهَا ، وَسَطَرْنَاهَا بِنُصُوصِهَا ، وَكَشَفْنَا عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا بِالتَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ لَاتَّسَعَ الشَّرْحُ ، وَطَالَ عَلَى الْقَارِئِ الْبَرْحُ ، فَلِذَا نَذْكُرُ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَيْسَرَهُ وَوَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ أَكْثَرُهُ ، فَنَقُولُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ
الْآيَةِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } بَرِئَ مِنْهَا النَّاسُ غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَتِهِ ، وَمَعَهُ جَامُ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ ، وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ ، فَمَرِضَ ، فَأَوْصَى إلَيْهِمَا ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ .
قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهَا أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا إلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا ، وَفَقَدُوا الْجَامَ ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ ، فَقُلْنَا : مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا ، وَمَا دَفَعَ إلَيْنَا غَيْرَهُ .
قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا أَسْلَمْت بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ ، وَأَدَّيْت إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ يَجِدُوا ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إلَى قَوْله تَعَالَى : { أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا ، فَنُزِعَتْ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ .
وَقَدْ رُوِيَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الِاخْتِصَارِ قَالَ : { خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالُوا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ وَتَمِيمٍ ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ .
قَالَ : وَفِيهِمْ نَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فَهُوَ صَحِيحٌ .
وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا الْكَلْبِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { وَأَمَّا قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } .
قَالَ : بَلَغَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَوْلًى مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ ، ثُمَّ لِآلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ انْطَلَقَ فِي تِجَارَةٍ نَحْوَ الشَّامِ ، وَمَعَهُ تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيُّ بْنُ بَدَاءَ ، وَيُرْوَى بَيْدَاءَ ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ يَوْمَئِذٍ ، فَتُوُفِّيَ الْمَوْلَى فِي مَسِيرِهِ ؛ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ثُمَّ جَعَلَهَا فِي مَالِهِ وَمَتَاعِهِ ، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَيْهِمَا ، وَقَالَ لَهُمَا : أَبْلِغَا أَهْلِي مَالِي وَمَتَاعِي ؛ فَانْطَلَقَا لِوَجْهِهِمَا الَّذِي تَوَجَّهَا إلَيْهِ ، فَفَتَّشَا مَتَاعَ الْمَوْلَى الْمُتَوَفَّى بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَأَخَذَا مَا أَعْجَبَهُمَا مِنْهُ ، ثُمَّ رَجَعَا بِالْمَالِ وَالْمَتَاعِ الَّذِي بَقِيَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ فَدَفَعَاهُ إلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَّشَ الْقَوْمُ الْمَالَ وَالْمَتَاعَ الَّذِي بَقِيَ فَقَدُوا بَعْضَ مَا خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُمْ مَعَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ ، فَنَظَرُوا إلَى الْوَصِيَّةِ وَهِيَ فِي الْمَتَاعِ فَوَجَدُوا الْمَالَ وَالْمَتَاعَ فِيهِمَا مُسَمًّى ، فَدَعَوْا تَمِيمًا وَصَاحِبَهُ ، فَقَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَوْ اشْتَرَى ؟ فَقَالُوا : لَا .
قَالُوا : فَهَلْ مَرِضَ فَطَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ قَالُوا : لَا
.
قَالُوا : فَإِنَّا نَفْقِدُ بَعْضَ الَّذِي مَضَى بِهِ صَاحِبُنَا مَعَهُ .
قَالُوا : مَا لَنَا عَمَّا مَضَى بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، وَلَا بِمَا كَانَ فِي وَصِيَّتِهِ ؛ وَلَكِنْ دَفَعَ إلَيْنَا هَذَا الْمَالَ وَالْمَتَاعَ ، فَبَلَّغْنَاكُمُوهُ كَمَا دَفَعَهُ إلَيْنَا .
فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ الْأَمْرَ ، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } إلَى { الْآثِمِينَ } فَقَامَا فَحَلَفَا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إدْبَارَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا ، ثُمَّ طَلَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ عِنْدَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، فَقَالُوا : هَذَا مِنْ آنِيَةِ صَاحِبِنَا الَّتِي مَضَى بِهَا مَعَهُ ، وَقَدْ قُلْتُمَا إنَّهُ لَمْ يَبِعْ مِنْ مَتَاعِهِ شَيْئًا ، فَقَالَا : إنَّا كُنَّا قَدْ اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ ، فَنَسِينَا أَنْ نُخْبِرَكُمْ بِهِ ؛ فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } إلَى { الْفَاسِقِينَ } فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ إنَّهُ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ ، وَلَقَدْ خَانَهُ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ .
فَأَخَذَ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ بِكُلِّ مَا وُجِدَ فِي الْوَصِيَّةِ لَمَّا اطَّلَعَ عِنْدَهُمَا مِنْ الْخِيَانَةِ } .
وَقَدْ ذَكَرَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حِبَّانَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَنْ الضَّحَّاكِ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : { رَكِبُوا الْبَحْرَ مَعَ الْمَوْلَى بِمَالٍ مَعْلُومٍ ، وَقَدْ عَلِمَهُ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَرَفُوهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَوَرِقٍ وَهِيَ الْفِضَّةُ ، فَمَرِضَ الْمَوْلَى ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ النَّصْرَانِيِّينَ ، وَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ : أَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ مَا تَرَكَ مَوْلَاكُمْ مِنْ
الْمَتَاعِ إلَّا مَا أَتَيْنَاكُمْ بِهِ ، وَإِنَّا لَا نَشْتَرِي بِأَيْمَانِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ الدُّنْيَا .
قَالَ : ثُمَّ وُجِدَ عِنْدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إنَاءٌ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ ، فَأُخِذَا بِهِ ، فَقَالَا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَبَا ، فَكَلَّفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى بَيِّنَةٍ ، فَرَفَعَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } إلَى { الْفَاسِقِينَ } .
فَحَلَفَ وَلِيَّانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ : إنَّ مَالَ صَاحِبِنَا كَذَا ، وَإِنَّ الَّذِي نَطْلُبُهُ قِبَلَ الدَّارِيَّيْنِ حَقٌّ } .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِينَ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ ، وَالْآخَرُ يَمَانٍ ، صَحِبَهُمَا مَوْلًى لِقُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ ، وَمَعَ الْقُرَشِيِّ مَالٌ مَعْلُومٌ ، قَدْ عَلِمَهُ أَهْلُهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَوَرِقٍ فَمَرِضَ ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إلَى الدَّارِيَّيْنِ ، فَمَاتَ وَقَبَضَهَا الدَّارِيَّانِ ، فَدَفَعَاهَا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَخَانَاهُ بِبَعْضِ مَالِهِ ، فَقَالُوا : إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ خَرَجَ ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُعْفِيِّ .
وَذَكَرَ سُنَيْدٌ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي { تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ النَّصْرَانِيِّينَ وَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ مَعَهُمَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ الرُّومِيُّ مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ بِمَتَاعٍ إلَى أَرْضِ الشَّامِ فِيهِ آنِيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَآنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَآنِيَةٌ مُمَوَّهَةٌ بِالذَّهَبِ .
فَلَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ ، وَكَانَ مُسْلِمًا ، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا تَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَلَا عَدِيٌّ ، وَأَدْخَلَهَا فِي مَتَاعِهِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ ، فَقَدِمَ تَمِيمٌ
الدَّارِيِّ وَعَدِيٌّ الْمَدِينَةَ ، وَدَفَعَا الْمَتَاعَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى الْمُطَّلِبِ ، وَأَخْبَرَاهُمَا بِمَوْتِ بُدَيْلٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ : لَقَدْ مَضَى مِنْ عِنْدِنَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، فَهَلْ بَاعَ شَيْئًا ؟ قَالَا : لَا .
فَمَضَوْا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَ لَهُمَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَرَكَ عِنْدَنَا غَيْرَ هَذَا .
ثُمَّ إنَّ عَمْرًا وَالْمُطَّلِبَ ظَهَرَا عَلَى آنِيَةٍ عِنْدَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيٍّ ، فَقَالَا : هَذِهِ الْآنِيَةُ لَنَا ، وَهِيَ مِمَّا مَضَى بِهِ بُدَيْلٌ مِنْ عِنْدِنَا .
فَقَالَ لَهُمْ تَمِيمٌ وَصَاحِبُهُ عَدِيٌّ : اشْتَرَيْنَا هَذِهِ الْآنِيَةَ مِنْهُ .
فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ : قَدْ سَأَلْنَاكُمَا هَلْ بَاعَ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُمَا : لَا ، وَقَدْ كَانَتْ وَصِيَّةُ بُدَيْلٍ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا .
فَحَلَفَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ وَاسْتَحَقَّا الْآنِيَةَ } .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ نَزَلَتْ فِي { تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ ، وَكَانَ مَتْجَرُهُمَا إلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ قَدِمَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَدِينَةَ ، وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ تَاجِرًا فَخَرَجَ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ حَتَّى إذَا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرِضَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ ، وَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَدَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ ، وَأَوْصَى إلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ ، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ ، وَأَخَذَا مِنْهُ مَا أَرَادَا ، وَأَوْصَلَا بَقِيَّةَ التَّرِكَةِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ ، فَفَتَحُوا فَوَجَدُوا وَصِيَّتَهُ ، وَقَدْ كُتِبَ فِيهَا مَا خَرَجَ بِهِ ، فَفَقَدُوا أَشْيَاءَ ، فَسَأَلُوا تَمِيمًا وَعَدِيًّا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا نَدْرِي ، هَذَا الَّذِي قَبَضْنَا لَهُ ، فَرَفَعُوهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } الْآيَةَ .
فَأَمَرَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَحْلَفَا بِاَللَّهِ مَا قَبَضْنَا لَهُ غَيْرَ هَذَا ، وَمَا كَتَمْنَاهُ شَيْئًا .
فَحَلَفَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٍ بِذَهَبٍ مَعَهُمَا ، فَقَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ ، فَارْتَفَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } .
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَيِّتِ فَحَلَفَا ، وَاسْتَحَقَّا الْإِنَاءَ } .
ثُمَّ إنَّ تَمِيمًا أَسْلَمَ ، فَكَانَ يَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ؛ أَنَا أَخَذْت الْإِنَاءَ .
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ خَرَجَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى السَّوَادِ .
فَمَاتَ بِدَقُوقَاءَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ ، فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، فَأَخْبَرَاهُ ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ : هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا ، وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى الْعِلْجَيْنِ حَتَّى انْتَهَى بِهِمَا إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ ؛ فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وُجُوهَهُمَا ، فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَقُلْت : لَا يُبَالُونَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَكِنْ اسْتَحْلَفَهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ( شَهِيدٍ ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا بِعَيْنِهَا ، وَبَيَّنَّا اخْتِلَافَ أَنْوَاعِهَا ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } قِيلَ : مَعْنَاهُ أَحْضِرُوا .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } قَضَى .
وَمِنْهَا شَهِدَ ، أَيْ أَقَرَّ ، كَقَوْلِهِ : { وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ } .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى حَكَمَ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا } .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى حَلَفَ ، كَمَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى عَلِمَ .
كَمَا قَالَ : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } أَيْ عِلْمَ اللَّهِ .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى وَصَّى ، كَقَوْلِهِ هَاهُنَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَدْ نَقَصَ مَوَارِدُ مِنْهُ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ : وَهُوَ أَنَّ بِنَاءَ " شَهِدَ " مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا يُعْلَمُ بِدَرْكِ الْحَوَاسِّ ، كَمَا أَنَّ " غَيَّبَ " مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا لَمْ يُدْرَكْ بِهَا وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّ الْبَارِي تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَمَعْنَى شَهِدْت : أَدْرَكْت بِحَوَاسِّي ، أَيْ عَلِمْت بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ طُرُقًا لِعِلْمِي ، ثُمَّ يُنْقَلُ مَجَازًا إلَى مُتَعَلَّقَاتِهِ ، فَمَعْنَى شَهِدَ اللَّهُ : عَلِمَ مُشَاهَدَةً ، وَأَخْبَرَ عَمَّا عَلِمَ بِكَلَامِهِ ، وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمُحَدِّثِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } أَيْ أَحْضِرُوا مَنْ يَعْلَمُ لَكُمْ مَا يُشَاهِدُ مِنْ عَقْدِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : { شَهِدَ اللَّهُ } أَيْ عَلِمَ وَأَخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ ، وَبَيَّنَ مَا عَلِمَ لَنَا حَتَّى نَتَبَيَّنَهُ .
فَأَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَرْجِعُ إلَى عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ عَمَّا
يُخْبِرُ عَنْهُ ، لِارْتِبَاطِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ .
وَشَهِدَ بِمَعْنَى حَلَفَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ ، وَقَرَنَ بِخَبَرِهِ تَعْظِيمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يُرِيدُ مَا عَلِمْنَاهُ وَعَلِمَهُ اللَّهُ مَعَنَا ، فَإِنْ صَدَقَ وَإِلَّا كَانَ خَبَرُهُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ كَذِبًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَجْهَلُ ، وَالصَّادِقُ الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْكَذِبِ .
وَأَمَّا شَهِدَ بِمَعْنَى وَصَّى فَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا عَلَى بُعْدٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا بِمَعْنَى حَلَفَ .
وَالثَّانِي : بِمَعْنَى حَضَرَ لِلتَّحَمُّلِ .
وَالثَّالِثُ : بِمَعْنَى الْأَدَاءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ .
تَقُولُ : أَشْهَدُ عِنْدَك ، أَيْ حَضَرْت لِأُؤَدِّيَ عِنْدَك مَا عَلِمْت ، وَأَدَاؤُهَا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ بَعِيدٌ لَا دَرْكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَعْنَاهُ ، وَلَا يُجْزِي غَيْرُهُ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بَيْنِكُمْ } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : مَعْنَاهُ شَهَادَةُ مَا بَيْنِكُمْ ، فَحُذِفَتْ مَا ، وَأُضِيفَتْ الشَّهَادَةُ إلَى الظَّرْفِ ، اُسْتُعْمِلَ الْبَيْنُ اسْمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } .
وَأَنْشَدُوا : تُصَافِحُ مَنْ لَاقَيْت لِي ذَا عَدَاوَةٍ صِفَاحًا وَعَنِّي غَيْبُ عَيْنَيْك مُنْزَوِي وَأَنْشَدُوا : وَأَهْلُ خِبَاءٍ صَالِحٌ ذَاتُ بَيْنِهِمْ قَدْ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَتَى آجِلُهُ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ " بَيْنَ " فِي أَصْلِهِ مَصْدَرُ قَوْلِك : بَانَ يَبِينُ بَيْنًا أَيْ فَارَقَ مَا كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَهُ ، وَانْفَصَلَ عَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ } .
الْمَعْنَى مَا فُصِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ عَنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ يَعْنِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ؛ وَاسْتُعْمِلَ ظَرْفًا عَلَى مَعْنَى الصَّدْر ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ
أَبْوَابِ النَّحْوِ ، تَقُولُ : بَيْنَ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ .
وَلَوْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْنٌ ، أَيْ مَوْضِعٌ خَالٍ مِنْهُمَا .
وَمَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : اجْتِمَاعُ أَجْسَامٍ ، وَاجْتِمَاعُ مَعَانٍ ، وَهِيَ الْأَخْلَاقُ وَالْأَهْوَاءُ جَعَلَ افْتِرَاقَ الْأَهْوَاءِ كَافْتِرَاقِ الْأَجْسَامِ ، وَاسْتَعْمَلَ فِيهِ " بَيْنَ " الَّذِي هُوَ الِافْتِرَاقُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ } .
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ : بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَحِمٌ ، أَيْ مَا افْتَرَقْنَا إلَّا عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ .
وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ شَرِكَةٌ أَيْ افْتَرَقْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا عَنْ جَمْعِ الْمَالِ الْمَخْصُوصِ .
فَقَالَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ : هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْمَعَانِي ، ظَرْفٌ فِي الْأَجْسَامِ لَمَّا كَانَتْ ذَوَاتُ مِسَاحَاتٍ مَحْسُوسَاتٍ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعَانِي ، وَالْكُلُّ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَايُنٌ وَتَبَاعُدٌ وَفُرْقَةٌ .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا .
الْمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ تَبَاعُدُكُمْ وَافْتِرَاقُكُمْ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ اتِّصَالٌ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَبِينُ عَلَى قِسْمَيْنِ ، مِنْهُ مَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ ، وَمِنْهُ مَا لَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ ، فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقَطُّعِ .
وَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ هُنَا " بَيْنَ " لِلظَّرْفِ ، وَكَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى جُعِلَ اسْمًا فِي الْأَهْوَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ ، مَجَازًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ .
الْمَعْنَى : لَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَهْوَاؤُكُمْ وَأَخْلَاقُكُمْ .
وَتَارَةً تُضَافُ بِالْكِنَايَةِ إلَيْهِ فَيُقَالُ : ذَاتُ الْبَيْنِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } .
قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَهْلُ خِبَاءٍ صَالِحٌ ذَاتُ بَيْنِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيُقَالُ : الْأَمْرُ الَّذِي بَيْنَكُمْ ، وَمَا بَيْنَكُمْ مُبْهَمٌ ، مَعْنَاهُ الْأَمْرُ الَّذِي فَرَّقَكُمْ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } ، أَيْ شَهَادَةُ اخْتِلَافِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ ؛ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُضَافَةً إلَى الْمَصْدَرِ ، لَا إلَى الظَّرْفِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ .
وَهَذِهِ غَايَةُ الْبَيَانِ ، وَلَوْ هُدِيَ لَهُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْآيَةِ وَمَا تَخَبَّطَ فِيهَا وَلَا خَلَطَ مَعَانِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ } : وَلَفْظُ { حَضَرَ } يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْوُجُودِ مُشَاهَدَةً ، وَضِدُّهُ غَابَ ، وَهُوَ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ الَّذِي لَمْ يُشَاهَدْ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِقَوْلِك : " غَابَ " عَنْ الْمَعْدُومِ .
وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ؛ أَيْ عَالِمُ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ؟ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْوُجُودِ فِي عَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ .
وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عِبَارَةً عَنْ الْمَوْتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ } .
وَفِي قَوْلِهِ : { حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } فَهُوَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَةُ الْوُجُودِ مُشَاهَدَةً .
وَأَمَّا وُرُودُهَا مَجَازًا فَبِأَنْ يُعَبَّرَ عَنْ حُضُورِ سَبَبِهِ بِحُضُورِهِ ، وَهُوَ الْمَرَضُ ، فَيُعَبَّرَ عَنْ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَجَازِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ } وَمَعْنَى { حِينَ } وَقْتَ ؛ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا أَرَدْتُمْ الْوَصِيَّةَ وَقَدْ مَرِضْتُمْ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ الْأَوَّلُ : حَالَ الْبِدَارِ إلَى السَّنَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ وَقْتِ ذَلِكَ وَسَبَبِهِ وَحَقِيقَةِ الْوَصِيَّةِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي وَقْتِ الْوَصِيَّةِ وَسُنَنِهَا بِالْإِيضَاحِ وَالْبَسْطِ : وَذَلِكَ عِنْدَ السَّفَرِ لِلْمَخَافَةِ فِيهِ ، وَالْمَرَضِ ؛ لِأَنَّهُ رَائِدُ الْمَنِيَّةِ وَمَظِنَّتُهَا .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ مَرَضٍ ، فَاقْتَضَتْ ذَلِكَ قَرِينَةً فِي الْحُكْمِ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ .
وَقَدْ كُنْت أَرَدْت بَسْطَهُ ، فَلَمَّا ذَكَرْت طُولَهُ قَبَضْت عَنْهُ الْعَنَانَ ، وَأَحَلْت عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالْبَيَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اثْنَانِ } وَكَانَ بِمُطْلَقِهِ يَقْتَضِي شَخْصَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ رَجُلَيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : ذَوَا عَدْلٍ ، فَيُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْمُذَكَّرِ ، كَمَا أَنَّ " ذَوَاتَيْ " لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْمُؤَنَّثِ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إعْرَابُهُ : وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ " شَهَادَةُ " مُرْتَفِعًا بِالِابْتِدَاءِ وَاثْنَانِ خَبَرُهُ التَّقْدِيرُ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ .
الثَّانِي : أَنْ يَرْتَفِعَ اثْنَانِ بِشَهَادَةٍ ؛ التَّقْدِيرُ وَفِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِشَهَادَةٍ .
الرَّابِعُ : يَكُونُ تَقْدِيرُهُ : شُهُودُ شَهَادَةِ بَيْنِكُمْ اثْنَانِ ، وَيَجُوزُ الْحَذْفُ مَعَ الِابْتِدَاءِ ، كَمَا يَجُوزُ مَعَ الْخَبَرِ وَفِي الثَّالِثِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَا يَتَعَدَّى ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْكُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْكَافُ وَالْمِيمُ لِضَمِيرِهِمَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : مِنْ قَبِيلَتِكُمْ : قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
الثَّالِثُ : مِنْكُمْ : مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ } قِيلَ : هِيَ لِلتَّخْيِيرِ .
وَقِيلَ : لِلتَّفْصِيلِ .
مَعْنَاهُ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْكُمْ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَشُرَيْحٌ ؛ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَتَحْقِيقُ النَّظَرِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْكُمْ } قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَعَلَيْهِ يَتَرَكَّبُ قَوْلُهُ : أَوْ آخَرَانِ ، وَقَوْلُهُ : غَيْرِكُمْ ؟ وَهِيَ مَسْأَلَتَانِ تَتِمُّ بِهِمَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً ، فَإِنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ كَانَ قَوْلُهُ : غَيْرِكُمْ لِلْكَافِرِينَ ، وَكَانَ الْآخَرَانِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ كَانَ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا " فَقَبِيلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : مِنْ غَيْرِكُمْ ؛ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ الْكَافِرُونَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ فَلِأَنَّ الْحَجَّ لَهُمْ وَالْكَلَامَ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ ؛ وَيُؤَكِّدُهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .
ثُمَّ قَالَ { مِنْ غَيْرِكُمْ } يَعْنِي أَوْ آخَرَانِ عَدْلَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ .
وَبِهِ يَصِحُّ الْعَطْفُ ، وَقَالَ : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبِيلَةِ أَوْ مِنْ الْوَرَثَةِ ، وَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ
بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : إنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَيَتَخَصَّصُ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ : { إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } ، كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ فِي الْغَالِبِ ، فَيُؤْخَذُ الْكَافِرُ عِوَضًا مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ ؛ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ وَالْآيَةِ .
وَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } يَعْنِي وَقَدْ أَسْنَدْتُمْ النَّظَرَ إلَيْهِمَا ، وَاسْتَشْهَدْتُمُوهُمَا .
أَوْ ارْتَبْتُمْ بِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سَرْدِ الْقَصَصِ وَالرِّوَايَاتِ وَذِكْرِ الْآثَارِ وَالْمَقَالَاتِ
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَبْسِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحُكُومَةِ ، وَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ ؟ فَإِنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَوَجِّهَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهَا مَا يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا ، وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا مُؤَجَّلًا فَإِنْ خُلِّيَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَغَابَ وَاخْتَفَى بَطَلَ الْحَقُّ وَتَوِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّوَثُّقِ مِنْهُ ، فَإِمَّا بِعِوَضٍ عَنْ الْحَقِّ وَيَكُونُ بِمَالِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِيهِ ؛ وَهِيَ الْمُسَمَّى رَهْنًا ، وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْكَدُ ؛ وَإِمَّا شَخْصٌ يَنُوبُ مَنَابَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالذِّمَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغِيبَ كَغَيْبَتِهِ ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ كَتَعَذُّرِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا .
فَإِنْ تَعَذَّرَا جَمِيعًا لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّوَثُّقُ بِحَبْسِهِ ، حَتَّى تَقَعَ مِنْهُ التَّوْفِيَةُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بَدَنِيًّا لَا يُقْبَلُ الْبَدَلُ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَلَمْ يَتَّفِقْ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا ، لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّوَثُّقُ بِسِجْنِهِ ؛ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ شُرِعَ السِّجْنُ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ رَجُلًا ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ } .
وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ : احْبِسُوهُ ؛ فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ فَاقْتُلُوهُ } .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ يَمِينٌ وَأَنَّهُ عَنَى بِهِمْ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْحَقِّ لَا الْقَائِمَيْنِ بِالشَّهَادَةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ بِالشَّهَادَةِ لَا حَبْسَ عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : بَعْدَ الْعَصْرِ ؛ قَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : مِنْ بَعْدِ الظُّهْرِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَيُّ صَلَاةٍ كَانَتْ .
الرَّابِعُ : مِنْ بَعْدِ صَلَاتِهِمَا ، عَلَى أَنَّهُمَا كَافِرَانِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّفَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرُوِيَ بَعْدَ الظُّهْرِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقِيَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .
وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرَحْنَا أَنَّ حُكْمَ التَّغْلِيظِ يَتَعَلَّقُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : تَغْلِيظٌ بِالْأَلْفَاظِ .
الثَّانِي : تَغْلِيظٌ بِالْمَكَانِ ، كَالْمَسْجِدِ وَالْمِنْبَرِ ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ ، فَيَكُونُ لَهُ أَخْزَى ، وَلِفَضِيحَتِهِ أَشْهَرُ .
الثَّالِثُ : التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ ، كَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " النُّورِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : إنَّ التَّغْلِيظَ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : بِاللَّفْظِ .
الثَّانِي : بِالتَّكْرَارِ .
الثَّالِثُ : بِالْمُصْحَفِ .
الرَّابِعُ : بِالْحَالِ .
الْخَامِسُ : بِالْمَكَانِ .
السَّادِسُ : بِالزَّمَانِ .
أَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْأَلْفَاظِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا تُجْزِئُهُ .
الثَّانِي : الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ .
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ : أَمَّا رُبْعُ دِينَارٍ وَالْقَسَامَةُ ، وَاللِّعَانُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيهِ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَلَقَدْ
شَاهَدْت الْقُضَاةَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، الطَّالِبُ الْغَالِبُ ، الضَّارُّ النَّافِعُ ، الْمُدْرِكُ الْمُهْلِكُ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .
وَهَذَا مَا لَا آخِرَ لَهُ إلَّا التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ اسْمًا ، وَغَيْرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي حَلَفُوا بِهَا أَرْهَبُ وَأَعْظَمُ مَعْنًى مِنْ غَيْرِهَا .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : " الْحَلِفُ بِاَللَّهِ وَبِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، وَهُوَ التَّغْلِيظُ ، وَبِالْمُصْحَفِ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ مَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ قَطُّ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَكُلُّ فَصْلٍ يُسْتَوْفَى بِمَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } قِيلَ : هُمَا الْوَصِيَّانِ إذَا اُرْتِيبَ بِقَوْلِهَا .
وَقِيلَ : هُمَا الشَّاهِدَانِ إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ وَارْتَابَ بِهِمَا الْحَاكِمُ حَلَّفَهُمَا .
وَاَلَّذِي سَمِعْت وَهُوَ بِدْعَةٌ عَنْ أَبِي لَيْلَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ مَعَ شَاهِدَيْهِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَا بِهِ حَقٌّ ، وَحِينَئِذٍ يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ .
وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدِي إذَا ارْتَابَ الْحَاكِمُ بِالْقَبْضِ لِلْحَقِّ فَيَحْلِفُ إنَّهُ لَبَاقٍ .
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
هَذَا فِي الْمُدَّعِي فَكَيْفَ يُحْبَسُ الشَّاهِدُ أَوْ يَحْلِفُ ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { بِاَللَّهِ } وَهَذَا نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي تَرْكِ التَّغْلِيظِ بِالْأَلْفَاظِ .
وَاَلَّذِي أَقُولُ : إنَّهُ إنْ كَانَ الْحَالِفُ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَرْدِ الْأَقْوَالِ وَالرِّوَايَاتِ ، وَقُلْنَا بِالتَّغْلِيظِ فَلَا يُقَالُ لَهُ فِي التَّغْلِيظِ قُلْ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِهَا .
وَعَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى هَذَا الْإِنْكَارِ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ : أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى } ، وَتَغَلَّظَ عَلَيْهِمْ بِالْمَكَانِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِالزَّمَانِ بَعْدَ صَلَاتِهِمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ فِي قِصَّةِ دَقُوقَاءَ ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا التَّغْلِيظِ كُلِّهِ زَجْرُ الْحَالِفِ عَنْ الْبَاطِلِ ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ ، وَرَهْبَتُهُ بِمَا يُحِلُّ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَةً لِلِانْكِفَافِ عَنْ الْبَاطِلِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ ، وَهُوَ مَعْنَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا الْغَرَضَ ، فَقُلْنَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَا غَلَّظَ فِي كِتَابِهِ يَمِينًا ، إنَّمَا قَالَ : فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إي وَرَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ } .
وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ خَلِيلِهِ : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
وَلَكِنْ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اتَّقُوا اللَّهَ ، فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَتَعْلَمُنَّ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ { خَصْمَيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُدَّعِي : الْبَيِّنَةُ .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْسَ
لِي بَيِّنَةٌ .
فَقَالَ لِلْآخَرِ : احْلِفْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيْك شَيْءٌ ، أَوْ مَا لَهُ عِنْدَك شَيْءٌ } .
وَتَغْلِيظُ الْعَدَدِ فِي اللِّعَانِ ، وَهُوَ التَّكْرَارُ ، وَفِي الْقَسَامَةِ مِثْلُهُ .
وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ وَيُؤْثِرُ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَصِحَّ .
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْحَالِ فَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ .
وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ : يَحْلِفُ جَالِسًا .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَحْلِفُ كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا إنْ قَائِمًا فَقَائِمًا ، وَإِنْ جَالِسًا فَجَالِسًا ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي أَثَرٍ وَلَا نَظَرٍ اعْتِبَارُ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ .
وَتَغْلِيظُ الْمَكَانِ كَمَا قُلْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ } .
فَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْحَالَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْطَعُ الْحُقُوقِ .
وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ قَوْمٍ عَاهَدُوا وَحَلَفُوا عَلَى الْمِنْبَرِ لِلنَّاسِ ثُمَّ غَدَرُوا .
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى رَجُلًا يَحْلِفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَقَالَ : أَعَلَى دَمٍ أَوْ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْتَقِرِّ فِي الشَّرْعِ أَلَّا يَحْلِفَ هُنَالِكَ إلَّا عَلَى مَا وَصَفَ ، فَكُلُّ مَالٍ تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ ، وَتَسْقُطُ فِيهِ حُرْمَةُ الْعُضْوِ فَهُوَ عَظِيمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ ارْتَبْتُمْ } وَالرِّيبَةُ : هِيَ التُّهْمَةُ يَعْنِي مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بِخِيَانَةٍ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَابِ ، فَقِيلَ : هُوَ الْحَاكِمُ .
وَقِيلَ : هُمْ الْوَرَثَةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَالتُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَعُ الرِّيبَةُ فِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ أَوْ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى ؛ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ .
الثَّانِي : التُّهْمَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ ؛ وَهُوَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ ، بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْمَسَائِلِ وَصُوَرُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ هَاهُنَا الدَّعْوَى ، وَثَبَتَتْ عَلَى مَا سَطَّرَ فِي الرِّوَايَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ لَا نَشْتَرِي بِهِ ذَا ثَمَنٍ ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَهَذَا مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الثَّمَنَ عِنْدَنَا مُشْتَرًى ، كَمَا أَنَّ الْمَثْمُونَ مُشْتَرًى ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَبِيعَيْنِ ثَمَنًا وَمَثْمُونًا ، كَانَ الْبَيْعُ دَائِرًا عَلَى عَرْضٍ أَوْ نَقْدٍ ، أَوْ عَلَى عَرْضَيْنِ أَوْ نَقْدَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَنْبَنِي مَسْأَلَةُ مَا إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَوُجِدَ مَتَاعُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ ، هَلْ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَكُونُ أَوْلَى بِهِ ، وَبَنَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { بِهِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يَعْنِي الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَاهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَعْنَى : لَا نَبِيعُ حَظَّنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْعَرْضِ .
الثَّالِثُ : هُوَ ضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ ، وَهُمْ الْوَرَثَةُ ، وَهُمْ الْمُتَّهِمُونَ الَّذِينَ لَهُمْ الطَّلَبُ وَلَهُمْ التَّحْلِيفُ ، وَالْحَاكِمُ يَقْتَضِي لَهُمْ وَيَنُوبُ عَنْهُمْ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي : أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْقَوْلِ ، فَبِهِ يَتَمَكَّنُ الْمَعْنَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى سِوَاهُ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } مَعْنَاهُ : لَا نَشْهَدُ الزُّورَ ، وَلَا نَأْخُذُ رِشْوَةً لِنَكْذِبَ ، وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قُرْبَى قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا يَمِينٌ قَالَ : التَّقْدِيرُ : لَا نَأْخُذُ بِيَمِينِنَا بَدَلًا مَنْفَعَةً ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِذِي الْقُرْبَى ، فَكَيْفَ لِأَجْنَبِيٍّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا عَلِمَ اللَّهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا نَكْتُمُ مَا أَعْلَمَنَا اللَّهُ مِنْ الشَّهَادَةِ ؛ أَضَافَهَا إلَيْهِ لِعِلْمِهِ بِهَا ، وَأَمْرِهِ بِأَدَائِهَا ، وَنَهْيِهِ عَنْ كِتْمَانِهَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَيَقُولَانِ فِي يَمِينِهِمَا : بِاَللَّهِ إنَّ صَاحِبَكُمْ بِهَذَا أَوْصَى أَنَّ هَذِهِ تَرِكَتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْيَمِينِ ، وَلَا لِلشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الدَّعْوَى كَيْفَمَا كَانَتْ ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِصِفَةِ الْحَالِ كَمَا جَرَتْ ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ : إنِّي لَا أَشْتَرِي بِشَهَادَتِي شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ قَرَابَتِي .
أَوْ يَقُولُهَا الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ عِنْدِي وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ أَوْ يَشْهَدُ كَمَا وَصَفْنَا وَيَعْتَقِدُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي لَفْظِهِ فِي شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } يُرِيدُ ظَهَرَ ، وَأَظْهَرُ شَيْءٍ فِي الطَّرِيقِ مَا عُثِرَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا كَانَ غَائِبًا عَنْك وَكُنْت جَاهِلًا بِهِ ، ثُمَّ حَضَرَ لَدَيْك وَاطَّلَعْت عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَعَثَرْنَا عَلَيْهِمْ } لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَهُمْ ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُهُمْ .
التَّقْدِيرُ : إذَا نَفَذَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ فِي الظَّاهِرِ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ كَذِبُهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُمَا } قِيلَ : هُمَا الشَّاهِدَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَقِيلَ : هُمَا الْوَصِيَّانِ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ ، وَيَخْتَلِفُ التَّقْدِيرُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إثْمًا } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عُقُوبَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غُرْمًا ، وَظَاهِرُ الْإِثْمِ الْعُقُوبَةُ ، لَكِنْ صَرَفَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ قَوْلُهُ : اسْتَحَقَّا ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْمَعَاصِي ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ اسْتَوْجَبَا غُرْمًا بِطَرِيقَةٍ .
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ } فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا كَانَا اسْتَحَقَّاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْقَوْمَ ادَّعَوْا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَعْوَى مِنْ انْتِقَالِ مِلْكٍ عَنْهُ إلَيْهِمَا بِبَعْضِ مَا تَزُولُ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ دُونَ الْمُدَّعِي ، وَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَآخَرَانِ } إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ الْوَارِثَيْنِ كَانَا اثْنَيْنِ ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا لَأَجْزَأَهُ .
الْمَسْأَلَةُ
الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ } مَعْنَاهُ : مِمَّنْ كَانَ نَفَذَ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرَهُ ، وَهُمْ الْوَرَثَةُ .
وَمَنْ يَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُ عُلَمَائِنَا : إنَّ فِي قَوْلِهِ { عَلَيْهِمْ } ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا ، وَلَا نَحْفِلُ بِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { اسْتَحَقَّ } مَعَ قَوْلِهِ : " عَلَى " مُتَلَائِمٌ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { الْأَوْلَيَانِ } وَهَذَا فَصْلٌ مُشْكِلُ الْمَعْنَى مُشْكِلُ الْإِعْرَابِ ، كَثُرَ فِيهِ الِاخْتِلَاطُ : أَمَّا إعْرَابُهُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي " يَقُومَانِ " وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : فَالْأَوْلَيَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَوَّلَيْنِ .
وَهَذَا حَسَنٌ ؛ لَكِنَّهُ فِيهِ رَدُّ الْبَعِيدِ إلَى الْقَرِيبِ فِي الْبَدَلِيَّةِ بَعْدَمَا حَالَ بَيْنَهُمَا مِنْ طَوِيلِ الْكَلَامِ ، وَيَكُونُ فَاعِلُ " اُسْتُحِقَّ " بِضَمِّ التَّاءِ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ الْحَقُّ أَوْ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْإِيصَاءُ أَوْ الْمَالُ .
وَقِيلَ : فَاعِلُ اُسْتُحِقَّ عَائِدٌ عَلَى الْإِثْمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ الْغُرْمُ لِلْمَالِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
الثَّانِي : أَنَّ " الْأَوْلَيَانِ " فَاعِلٌ بِاسْتُحِقَّ ، يُرِيدُ الْأَوْلَيَانِ بِالْيَمِينِ بِأَنْ يُحَلِّفَا مَنْ يَشْهَدُ بَعْدَهُمَا ، فَإِنْ جَازَتْ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّينَ كَانَ الْأَوْلَيَانِ النَّصْرَانِيِّينَ ، وَالْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ أَهْلِ الْمَيِّتِ .
هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ .
وَلَا أَقُولُ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا : مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوَّلُ وَبِالْحَقِّ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ : آخَرَانِ .
الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ ، تَقْدِيرُهُ فَالْأَوْلَيَانِ آخَرَانِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَأَكْمَلْنَا تَقْدِيرَ الْآيَةِ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ حَمْزَةُ ، وَأَبُو بَكْرٍ فَيُرْجَعُ إلَى الْأَوَّلَيْنِ ، وَهُوَ حَسَنٌ .
وَقَرَأَ حَفْصٌ اسْتَحَقَّ بِمَعْنَى حَقَّ عَلَيْهِمْ .
وَمِنْ الْغَرِيبِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ : { عَلَيْهِمْ } فَقِيلَ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ .
وَهَذَا كَثِيرٌ .
وَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } .
وَهَذِهِ دَعَاوَى
وَضَرُورَاتٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا ، وَلَا يَصِحُّ مُرَادُهُمْ فِي بَعْضِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : مَعْنَى الْأَوْلَيَانِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَوْلَى بِالشَّهَادَةِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : الْأَوْلَى بِالْمَيِّتِ مِنْ الْوَرَثَةِ .
الثَّالِثُ : الْأَوْلَى بِتَحْلِيفِ غَيْرِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ ؛ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا } الْمَعْنَى : لَقَوْلُنَا أَحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمَا .
وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ، وَأَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ لَا تَكُونُ إلَّا بِلَفْظِ الدَّعْوَى .
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ بِإِنَّ قَوْلِي أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِك رُبَّمَا وَرَدَ فِي يَمِينِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ قَدْ كَذَبَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَكَذَبَ هُوَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، فَيَلْزَمُ التَّصْرِيحُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْكَذِبَ ، وَتَحْصُلُ الْمُجَاهَرَةُ إنْ خَالَفَ ، لِيَأْتِيَ بِالصِّدْقِ عَلَى وَجْهِهِ ؛ فَإِذَا صَحَّ بِالْقَوْلِ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا نَوَى إذَا أَضْمَرَ مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك عَلَيْهِ صَاحِبُك } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمَعْنًى قَوِيمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَرَرْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي بَقَاءِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ ارْتِفَاعِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُكْمُهَا مَنْسُوخٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : حُكْمُهَا ثَابِتٌ ، فَمَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَالَ : إنَّ الْيَمِينَ الْآنَ لَا تَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُرْتِيبَ بِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَلَا فِي حَالِهِ خُلَّةٌ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْيَمِينِ ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَنُخْبَتُهُمْ .
وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَحَقَّقَهُ بِأَمْرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَ { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
فَوَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعَدَالَةِ ، وَاقْتُضِيَتْ الْيَمِينُ مِنْهَا إنْ كَانَتْ فِيهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا ثَابِتَةٌ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ ؛ مِنْهُمْ أَحْمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ يُجَوِّزُهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَصَارَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاقٍ بِالْيَمِينِ ، وَهُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ ، وَجَهْلٌ بِالتَّأْوِيلِ ، وَقُصُورٌ عَنْ النَّظَرِ ، وَإِذَا أَسْقَطَ أَحْمَدُ الْيَمِينَ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَثْبُتُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّهَادَةَ الْيَمِينُ ، وَهِيَ هَاهُنَا يَمِينُ الْوَصِيَّيْنِ ، كَمَا سُمِّيَتْ الْيَمِينُ فِي اللِّعَانِ شَهَادَةً .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إنَّمَا حَكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْيَمِينِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِمَا الْوَصِيَّةُ بِالْخِيَانَةِ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، مَا لَا يَبْرَأُ فِيهِ الْمُدَّعِي ذَلِكَ قِبَلَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ؛ فَإِنَّ نَقْلَ الْيَمِينِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ إنَّمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِي أَيْمَانِهِمَا بِإِثْمٍ ، وَظَهَرَ عَلَى كَذِبِهِمَا فِي ذَلِكَ بِمَا ادَّعَوْا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَنَّهُ بَاعَهُ
مِنْهُمَا ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَانَةَ ظَهَرَتْ فِي أَدَاءِ الْمَالِ ، وَلِذَلِكَ حَلَفَا مَعَ الشَّهَادَةِ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُمَا ادَّعَيَا بَيْعَ الْجَامِ مِنْهُمَا .
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّأْوِيلُ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَدَّيَا التَّرِكَةَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهَا ، وَانْقَلَبَا عَلَى سَتْرٍ وَسَلَامَةٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ الْخِيَانَةُ فِي الْجَامِ ؛ إمَّا بِأَنَّهُ وُجِدَ يُبَاعُ ، وَإِمَّا بِتَحَرُّجِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَتَأَثُّمِهِ وَأَدَائِهِ مَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْهُ .
وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ رِوَايَةٍ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ عَضَّدَتْهَا صِيغَةُ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسَرَدُوهَا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ مِنْهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ .
أَمَّا إنَّهُ إذَا فَسَّرْت الْكَلَامَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاحْتَجْت إلَى تَجْوِيزٍ أَوْ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ فَكُلَّمَا كَانَ أَقَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ فَهُوَ أَرْجَحُ ، وَكُلَّمَا كَانَ مِنْ خِلَافِ الْأُصُولِ فِيهِ أَقَلَّ فَهُوَ أَرْجَحُ ، كَتَأْوِيلٍ فِيهِ إجَازَةُ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَإِحْلَافُ الشَّاهِدِ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يُخَرَّجُ عَنْهُ هَذَا هُوَ أَرْجَحُ ، وَلَا يَسْلَمُ تَأْوِيلٌ مِنْ اعْتِرَاضٍ ؛ فَإِنَّ الْبَيَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْأَحْكَامِ جَاءَ عَلَى صِفَةٍ غَرِيبَةٍ وَهُوَ سِيَاقُهُ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَى الْقِصَّةِ ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ بِانْتِقَالَاتٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } .
وَرُبَّمَا كَانَ الْمُدَّعِي وَاحِدًا ، فَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى : { فَآخَرَانِ } خَارِجًا مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنْ الْعَدَدِ فِي الْقِصَّةِ ، وَالْوَاحِدُ كَالِاثْنَيْنِ فِيهَا ؛ فَيَطْلُبُ النَّاظِرُ مَخْرَجًا أَوْ تَأْوِيلًا لِلَّفْظِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَيُدْخِلُ الْإِشْكَالَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ
حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ ، فَلَا يُسَاحَلُ عَنْ هَذَا الْبَحْرِ أَبَدًا ؛ وَكَذَلِكَ مَا جَرَى مِنْ التَّعْدِيدِ لَا يُمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْيَمِينِ كَمَا فِي اللِّعَانِ .
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكَرْ فِي اللِّعَانِ عَدَدًا ، وَجَرَى ذِكْرُهُ هَاهُنَا لِاتِّفَاقِهِ فِي الْقِصَّةِ ؛ لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ .
وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْعَدَالَةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَشْهَدَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ ائْتَمَنَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ : وَهُوَ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَحَضَرَكُمْ الْمَرَضُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمَوْتِ ، وَأَرَدْتُمْ الْوَصِيَّةَ فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ مِنْ قَرَابَتِكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فَإِنْ خَافَا فَاحْبِسُوهُمَا عَلَى الْيَمِينِ إنْ عَدِمْتُمْ الْبَيِّنَةَ .
فَإِنْ تَبَيَّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَتُهُمْ حَلَفَ مِمَّنْ حَلَفُوا لَهُ وَهُوَ أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ مَا يَجِبُ بِالْيَمِينِ " .
وَعَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ يَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : " فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَأَشْهِدُوا الْكُفَّارَ " فَإِنْ أَدَّيَا مَا أُحْضِرَا لَهُ أَوْ ائْتُمِنَا عَلَيْهِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ أَدْرَكَتْهُمْ تُهْمَةٌ أَوْ تَبَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ خِيَانَةٌ ، حَلَفُوا .
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
وَإِنَّمَا قَبِلْنَا نَحْنُ شَهَادَةَ الْعَدْلِ فِي الْوَصِيَّةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ إذَا عُدِمَ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَعْتَرِضُكُمْ مِنْ الْإِشْكَالِ عَلَى دَلِيلِنَا وَتَقْدِيرِنَا الَّذِي قَدَّرْنَاهُ آنِفًا ، فَانْظُرُوهُ فِي مَوْضِعِهِ هَاهُنَا تَجِدُوهُ مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
سُورَةُ الْأَنْعَامِ فِيهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ } اعْلَمُوا أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " بِمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ هَاهُنَا أَنَّ " عِنْدَهُ " كَلِمَةً يُعَبَّرُ بِهَا عَمَّا قَرُبَ مِنْك وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ دُنُوَّ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ يُقَالُ فِيهِ قَرِيبٌ ، وَنَأْيُهُ عَنْهُ يُقَالُ فِيهِ بَعِيدٌ ، وَأَصْلُهُ : الْمَكَانُ فِي الْمِسَاحَةِ ، تَقُولُ : زَيْدٌ قَرِيبٌ مِنْك ، وَعَمْرٌو بَعِيدٌ عَنْك .
وَيُوضَعُ الْفِعْلُ مَوْضِعَ الِاسْمِ ؛ فَتَقُولُ : زَيْدٌ قُرْبُك ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلَى الْمَكَانَةِ الْمَعْقُولَةِ غَيْرِ الْمَحْسُوسَةِ ، فَيُقَالُ : الْعِلْمُ مِنْك قَرِيبٌ ، وَعَلَيْهِ يُتَأَوَّلُ مَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْ الْبَارِي سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِهِ يُفَسَّرُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } بِعِشْرِينَ مَعْنًى جَائِزَةٍ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهَا وَيُخْبَرُ عَنْهُ بِمَعْنَاهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ " .
وَتَقُولُ : زَيْدٌ قُدَّامُك ، وَعَمْرٌو وَرَاءَك .
فَإِذَا قُلْت زَيْدٌ قُدَّامُك احْتَمَلَ الْمَسَافَةَ مِنْ لَدُنْ جِسْمِهِ إلَى مَا لَا يَنْحَصِرُ مُنْتَهَاهُ قَدَمًا ، وَكَذَلِكَ وَرَاءَك ، فَصَغَّرُوهُ إذَا أَرَادُوا قُرْبَ الْمَسَافَةِ مِنْ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، فَقَالُوا : قُدَيْدِيمَةُ .
وَإِذَا أَرَادُوا تَخْلِيصَ الْقُرْبِ بِغَايَةِ الدُّنُوِّ قَالُوا : زَيْدٌ عِنْدَك ، عَبَّرُوا بِهِ عَنْ نِهَايَةِ الْقُرْبِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُصَغِّرُوهُ ، فَيَقُولُوا فِيهِ عُنَيْدَ .
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهَا أَيْضًا عَمَّا فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ ، فَيُقَالُ : عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا ؛ أَيْ فِي مِلْكِهِ
لِأَنَّ الْمِلْكَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْءِ اخْتِصَاصَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ ؛ فَعَبَّرُوا بِأَقْرَبِ الْوُجُوهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ : عِنْدَهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك } يَعْنِي فِي مِلْكِك .
إذَا ثَبَتَ هَذَا وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قُرْبَهَا مِنْهُ قُرْبَ مَكَانَةٍ وَتَيْسِيرٍ ، لَا قُرْبَ مَكَان .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ يُظْهِرُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيُخْفِي مَا يَشَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرُكْنٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ ، مُعْظَمُهَا يَتَفَسَّرُ بِهَا ، وَفِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ نُكْتَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ فَأَمَّا مَنْزَعُهَا فِي الْأُصُولِ فَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ؛ وَأَمَّا نُكْتَتُهَا الْأَحْكَامِيَّةُ فَنُشِيرُ إلَيْهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَضْمُونِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ الْمُشْكِلَيْنِ لِيَنْفَتِحَ بِذَلِكَ غَلْقُ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } وَاحِدُهَا مَفْتَحٌ وَمِفْتَاحٌ ، وَجَمْعُهُ مَفَاتِحُ وَمَفَاتِيحُ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْنَى يَحِلُّ غَلْقًا ، مَحْسُوسًا كَانَ كَالْقُفْلِ عَلَى الْبَيْتِ ، أَوْ مَعْقُولًا كَالنَّظَرِ ، وَالْخَبَرُ يَفْتَحُ قُفْلَ الْجَهْلِ عَنْ الْعِلْمِ وَالْغَيْبِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : عِبَارَةٌ عَنْ مُتَعَلِّقٍ لَا يُدْرَكُ حِسًّا أَوْ عَقْلًا ، وَكَمَا لَا يُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا وَرَاءَ الْجِدَارِ أَوْ مَا فِي الْبَيْتِ الْمُقْفَلِ ، كَذَلِكَ لَا تُدْرِكُ الْبَصِيرَةُ مَا وَرَاءَ الْمَحْسُوسَاتِ الْخَمْسِ ، وَالْمَحْسُوسَاتُ مُنْحَصِرَةُ الطُّرُقِ بِانْحِصَارِ الْحَوَاسِّ وَالْمَعْقُولَاتُ لَا تَنْحَصِرُ طُرُقُهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُدْرَكُ بِبَدِيهَةِ النَّظَرِ .
الثَّانِي : مَا يَتَحَصَّلُ مِنْ سَبِيلِ النَّظَرِ .
أَمَّا إنَّهُ لَهُ أُمَّهَاتٌ خَمْسٌ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَجَاءَتْ الْعِبَارَةُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي
نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .
فَالْأُمُّ الْكُبْرَى : السَّاعَةُ ؛ وَمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْمَوْقِفِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَهْوَالِ ، وَحَالُ الْخَلْقِ فِي الْحِسَابِ ، وَمِنْقَلُهُمْ بَعْدَ تَفْضِيلٍ وَحَطٍّ وَتَفْصِيلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .
الْأُمُّ الثَّانِيَةُ : تَنْزِيلُ الْغَيْثِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاتِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ مِيكَائِيلَ وَتَحْتَ نَظَرِهِ مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَصْدُرُ عَنْ أَمْرِهِ فِي تَنْفِيذِ الْمَقَادِيرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ مِنْ إنْشَاءِ الرِّيَاحِ ، وَتَأْلِيفِ السَّحَابِ ، وَإِلْقَاحِهَا بِالْمَاءِ ، وَفَتْقِهَا بِالْقَطْرِ ، وَعَلَى يَدَيْ كُلِّ مَلِكٍ قَطْرَةٌ يُنْزِلُهَا إلَى بُقْعَةٍ مَعْلُومَةٍ لِيُنَمِّيَ بِهَا شَجَرَةً مَخْصُوصَةً ؛ لِيَكُونَ رِزْقًا لِحَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الْأُمُّ الثَّالِثَةُ : مَا تَحْوِيهِ الْأَرْحَامُ ، وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ فِي مَوْرِدِ الْأَمْرِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ إسْرَافِيلُ ، وَفِي زِمَامِهِ : مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَرَنَ بِكُلِّ رَحِمٍ مَلَكًا يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ تَدْبِيرُ النُّطْفَةِ فِي أَطْوَارِ الْخِلْقَةِ .
الْأُمُّ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا } .
وَهُوَ مَعْنًى خَبَّأَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْخَلْقِ تَحْتَ أَسْتَارِ الْأَقْدَارِ ، بِحِكْمَتِهِ الْقَائِمَةِ ، وَحُجَّتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَقُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ ، وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ ، فَكَائِنَاتُ غَدٍ تَحْتَ حِجَابِ اللَّهِ ، وَنَبَّهَ : بِالْكَسْبِ عَنْ تَعْمِيَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَوْكَدُ مَا عِنْدَ الْمَرْءِ لِلْمَعْرِفَةِ ، وَأَوْلَاهُ لِلتَّحْصِيلِ ، وَعَلَيْهِ يَتَرَكَّبُ الْعُمْرُ وَالرِّزْقُ ، وَالْأَجَلُ ، وَالنَّجَاةُ ، وَالْهَلَكَةُ ، وَالسُّرُورُ ، وَالْغَمُّ ، وَالْغَرَائِزُ الْمُزْدَوِجَةُ فِي جِبِلَّةِ الْآدَمِيِّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ أَوْ مَكْرُوهٍ لَهُ .
الْأُمُّ الْخَامِسَةُ :
قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } .
نَبَّأَ بِهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا رَبُّ الْعِزَّةِ .
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَأْكِيدِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ؛ قَالَا : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أَصْحَابِهِ ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ ، فَطَلَبْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إذَا أَتَاهُ ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ ، كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ، وَكُنَّا نَجْلِسُ جَانِبَيْهِ ، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا ، وَأَطْيَبِ النَّاسِ رِيحًا ، وَأَنْقَى النَّاسِ ثَوْبًا ، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ ، إذْ وَقَفَ فِي طَرَفِ السِّمَاطِ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَدْنُو ؟ قَالَ : ادْنُهْ .
فَمَا زَالَ بِهِ يَقُولُ : أَدْنُو ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ : ادْنُهْ ، حَتَّى وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ .
قَالَ : فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْت ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَلَمَّا أَنْ سَمِعْنَا قَوْلَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ أَنْكَرْنَا ذَلِكَ .
ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ .
قَالَ : فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْت ؟ قَالَ : نَعَمْ
.
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَمَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك .
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَمَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : فَنَكَّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ دَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ ، وَقَالَ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ، وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ يَجِئْنَ ، إذَا رَأَيْت رِعَاءَ الْغَنَمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ، وَرَأَيْت الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ مُلُوكَ الْأَرْضِ ، وَرَأَيْت الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا ، هُنَّ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ : { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } .
وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا ، ثُمَّ صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ مَا كُنْت بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ السُّدِّيُّ : الْمُرَادُ بِهَذَا خَزَائِنُ الْغَيْبِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ، وَقَرَأَ الْآيَاتِ الْخَمْسَ الْمُتَقَدِّمَةَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ : افْتَحْ عَلَيَّ كَذَا أَيْ أَعْطِنِي ، أَوْ عَلِّمْنِي مَا أَتَوَصَّلُ [ بِهِ ] إلَيْهِ .
فَأَمَّا قَوْلُ السُّدِّيِّ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفَاتِحِ الْخَزَائِنُ فَمَجَازٌ بَعِيدٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعِلْمٌ سَدِيدٌ مِنْ فَكٍّ شَدِيدٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ الثَّالِثِ فَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا النَّحْوِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَقَالَ : أَجْمَعَتْ أَيْ الْفِرْقَةُ السَّالِفَةُ الصَّالِحَةُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَصَحُّ وَأَوْلَى .
وَأَظُنُّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا اغْتَزَى فِيهِ الْمَغْزَى ،
وَلَقَدْ أَلْحَمَ فِيهِ الصَّوَابَ وَسَدَى ، وَإِذَا مَنَحْته نَقْدًا لَمْ تَعْدَمْ فِيهِ هُدًى ؛ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمُ الْغَيْبِ ، وَبِيَدِهِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَيْهِ ، لَا يَمْلِكُهَا إلَّا هُوَ ؛ فَمَنْ شَاءَ إطْلَاعَهُ عَلَيْهَا أَطْلَعَهُ ، وَمَنْ شَاءَ حَجْبَهُ عَنْهَا حَجَبَهُ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إفَاضَتِهِ إلَّا عَلَى رُسُلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مَقَامَاتُ الْغَيْبِ الْخَمْسَةُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَامَةَ عَلَيْهَا ، إلَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمُجْتَبَى لِاطِّلَاعِ الْغَيْبِ مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَاهَا لَا أَمَارَةَ عَلَيْهَا ؛ فَكُلُّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا فَهُوَ كَافِرٌ ، أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَاتٍ ادَّعَاهَا ، أَوْ بِقَوْلٍ مُطْلَقٍ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَهُوَ كَافِرٌ ؛ فَأَمَّا الْأَمَارَةُ عَلَى هَذَا فَتَخْتَلِفُ ؛ فَمِنْهَا كُفْرٌ ، وَمِنْهَا تَجْرِبَةٌ ، وَالتَّجْرِبَةُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ الطَّبِيبُ : إذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ مُسْوَدَّ الْحَلَمَةِ فَهُوَ ذَكَرٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أُنْثَى ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَجِدُ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ أَثْقَلَ فَهُوَ ذَكَرٌ ، وَإِنْ وَجَدَتْ الْجَنْبَ الْأَشْأَمَ أَثْقَلَ فَالْوَلَدُ أُنْثَى ، وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَةً لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَةِ لَمْ نُكَفِّرْهُ ، وَلَمْ نُفَسِّقْهُ .
فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى عِلْمَ الْكَسْبِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْكَوَائِنِ الْجُمَلِيَّةِ أَوْ الْمُفَصَّلَةِ فِيمَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، فَلَا رِيبَةَ فِي كُفْرِهِ أَيْضًا .
فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ وَلَا يُكَفَّرُ ، أَمَّا عَدَمُ تَكْفِيرِهِ فَلِأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا : إنَّهُ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ ، وَتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ ، حَسْبَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا : { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } فَلِحِسَابِهِمْ لَهُ ، وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهُ ، وَصِدْقِهِمْ فِيهِ ، تَوَقَّفَتْ عُلَمَاؤُنَا عَنْ الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِمْ .
وَأَمَّا أَدَبُهُمْ فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلَى الْعَامَّةِ فِي تَعْلِيقِ الْعِلْمِ بِالْغَيْبِ الْمُسْتَأْنَفِ وَلَا يَدْرُونَ قَدْرَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ ، فَتُشَوَّشُ عَقَائِدُهُمْ فِي الدِّينِ ، وَتَتَزَلْزَلُ قَوَاعِدُهُمْ فِي الْيَقِينِ
، فَأُدِّبُوا حَتَّى يُسِرُّوا ذَلِكَ إذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ .
وَالْخَوْضُ هُوَ الْمَشْيُ فِيمَا لَا يَتَحَصَّلُ حَقِيقَةً ، مِنْ الْخَائِضِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يُدْرَى بَاطِنُهُ ، اُسْتُعِيرَ مِنْ الْمَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ عَلَى مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُشَارَكَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى رَسُولِهِ بِالْمُجَالَسَةِ ، سَوَاءٌ تَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ أَوْ كَرِهَهُ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْمُنْكَرِ لَا تَحِلُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قَالَ قَوْمٌ : هَذَا خِطَابٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْأُمَّةُ ، وَكَأَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ ذَهَبُوا إلَى تَنْزِيهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النِّسْيَانِ وَهُمْ كِبَارُ الرَّافِضَةِ ، قَبَّحَهُمْ اللَّهُ ، وَإِنْ عَذَرْنَا أَصْحَابَنَا فِي قَوْلِهِمْ : إنْ قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } ، خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ بِاسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِاسْتِحَالَةِ الْإِشْرَاكِ عَلَيْهِ فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي هَذَا لِجَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ } ، وَقَالَ وَقَدْ سَمِعَ قِرَاءَةَ رَجُلٍ يَقْرَأُ : { لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْت أُنْسِيتهَا } .
وَقَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : { تَلَاحَى رَجُلَانِ فَنَسِيتهَا } .
وَقَالَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ نَسِيت آيَةَ كَذَا ، بَلْ نُسِّيتهَا } ، كَرَاهِيَةَ إضَافَةِ اللَّفْظِ إلَى الْقُرْآنِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتُنَا فَنَسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } .
وَفَائِدَتُهُ : أَنَّ لَفْظَ " نَسِيت " يَنْطَلِقُ عَلَى تَرَكْت انْطِلَاقًا طِبْقِيًّا ، ثُمَّ نَقُولُ فِي تَقْسِيمِ وَجْهَيْ مُتَعَلِّقِهِ سَهَوْت إذَا كَانَ تَرَكَهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَعَمَدْت إذَا كَانَ تَرَكَهُ عَنْ قَصْدٍ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ قَوْلَهُ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } عَامٌّ فِي وَجْهَيْ النِّسْيَانِ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ .
وَقَوْلُهُ إذَا ذَكَرَهَا : يَعْنِي أَنَّ السَّاهِيَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْخِطَابُ ، وَأَنَّ الْعَامِدَ ذَاكِرٌ أَبَدًا فَلَا يَزَالُ الْخِطَابُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَبَدًا
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إنَّ رَبَّك حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ : { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قَالَ : بِالْعِلْمِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ .
: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى .
رَوَى الْمَنْصُورُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ ، وَهِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الدِّرَايَةُ } .
وَقَالَ مَالِكٌ ، لِابْنَيْ أُخْتِهِ أَبِي بَكْرٍ وَإِسْمَاعِيلَ : إنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ يَنْفَعَكُمَا اللَّهُ بِهَذَا الشَّأْنِ فَأَقِلَّا مِنْهُ ، وَتَفَقَّهَا فِيهِ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ فِي الدُّنْيَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَصَدَقَ ؛ عِلْمُ الدُّنْيَا عِنْوَانُ الْآخِرَةِ وَسَبِيلُهَا .
وَاَلَّذِي أُوتِيَهُ إبْرَاهِيمَ مِنْ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ ، وَهِيَ الَّتِي تُذْكَرُ لِلْخَصْمِ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ كَانَ فِي الدُّنْيَا بِظُهُورِ دَلَالَةِ التَّوْحِيدِ وَبَيَانِ عِصْمَةِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالشَّكِّ فِيهِ ، وَالْإِخْبَارِ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ إنَّمَا كَانَ احْتِجَاجًا ، وَلَمْ يَكُنْ اعْتِقَادًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي الْمُشْكِلَيْنِ
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذِهِ الْآيَةُ أُصُولِيَّةٌ فَإِنَّهَا تُفِيدُ مَسْأَلَةً مِنْ الْأُصُولِ ، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ : هَلْ تَعَبَّدُوا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي الْأُصُولِ ، فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ .
وَفِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، وَأَخْبَرَنَا عَنْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ سَأَلْت مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ " ص " فَقَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْت ؟ فَقَالَ : أَوَمَا تَقْرَأُ : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ } " إلَى قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ } .
وَكَانَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ ، فَسَجَدَهَا دَاوُد ، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَسَتَرَاهَا مُسْتَوْفَاةً فِي سُورَةِ " ص " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ الْيَنْعِ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الطِّيبُ وَالنُّضْجُ ؛ يُقَال : أَيْنَعَ الثَّمَرُ يَيْنَعُ وَيُونِعُ ، وَالثَّمَرُ يَانِعٌ وَمُونِعٌ ، إذَا أَدْرَكَ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْيَنْعُ جَمْعُ يَانِعٍ ، وَهُوَ الْمُدْرِكُ الْبَالِغُ .
الثَّالِثُ : قَالَ الْفَرَّاءُ : " يَنَعَ " أَقَلُّ مِنْ " أَيْنَعَ " وَمَعْنَاهُ احْمَرَّ ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ : { إنْ وَلَدَتْهُ أَحْمَرَ مِثْلَ الْيَنَعَةِ } ، وَهِيَ : خَرَزَةٌ حَمْرَاءُ ، يُقَالُ : إنَّهُ الْعَقِيقُ ، أَوْ نَوْعٌ مِنْهُ ؛ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ يَقِفُ جَوَازُ بَيْعِ الثَّمَرِ ، وَبِهِ يَطِيبُ أَكْلُهَا ، وَيَأْمَنُ الْعَاهَةَ ، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا مَعَ الْفَجْرِ ، بِمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَادَةِ ، وَأَحْكَمَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَفَصَّلَهُ مِنْ الْحُكْمِ وَالشَّرِيعَةِ ؛ وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ : { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّحَ } قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : إذَا تَغَيَّرَ الْبُسْرُ إلَى الْحُمْرَةِ قِيلَ : هَذِهِ شُقْحَةٌ ، وَقَدْ أَشَقَحَتْ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } الْإِينَاعُ : الطِّيبُ بِغَيْرِ فَسَادٍ وَلَا نَقْشٍ .
قَالَ مَالِكٌ : وَالنَّقْشُ أَنْ تَنْقُشَ أَسْفَلَ الْبُسْرَةِ حَتَّى تَرْطُبَ ، يُرِيدُ يَثْقُبُ فِيهَا ، بِحَيْثُ يُسْرِعُ دُخُولُ الْهَوَاءِ إلَيْهِ فَيَرْطُبُ مُعَجَّلًا ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ الْيَنْعُ الْمُرَادَ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا هُوَ الَّذِي رَبَطَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَاتِهِ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ ، وَفِي بَعْضِ بِلَادِ التِّينِ ، وَهِيَ الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ ، لَا يَنْضَجُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي فَمِهِ عَمُودٌ قَدْ دُهِنَ بِزَيْتٍ ، فَإِذَا طَابَ حَلَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةُ الْهَوَاءِ وَعَادَةُ
الْبِلَادِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا طَابَ فِي وَقْتِ الطِّيبِ .
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : قُلْت لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَدْ رَأَيْته يَأْكُلُ الرُّطَبَ يُقَصِّعُهُ ، كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا ، وَقَدْ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقْصِيعِ الرُّطَبِ } ؟ فَقَالَ : إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقْصِيعِ الرُّطَبِ حَيْثُ كَانَ أَكْلُهُ : يَتَشَبَّعُ بِهِ ؛ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّخَاءِ وَالْخَيْرِ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالتَّقْصِيعِ أَكْلُ الرُّطَبَةِ فِي لُقْمَةٍ ، وَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ الشِّبَعِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا فَأَكْلُهَا فِي لُقَمٍ أَثْبَتُ لِلشِّبَعِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : لَا تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إلَهَكُمْ وَكَذَلِكَ هُوَ ؛ فَإِنَّ السَّبَّ فِي غَيْرِ الْحُجَّةِ فِعْلُ الْأَدْنِيَاءِ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الرَّجُلَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَكَيْفَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ ؟ قَالَ : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا جَائِزًا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ يُؤَوَّلُ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ ؛ وَسَتَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَوْفَاةً فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا لَنَسُبَّنَّ إلَهَكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُحِقِّ أَنْ يَكُفَّ عَنْ حَقٍّ [ يَكُونُ ] لَهُ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ يَكُونُ فِي الدِّينِ ؟ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ طَوِيلٌ ، اخْتِصَارُهُ : أَنَّ الْحَقَّ إنْ كَانَ وَاجِبًا فَيَأْخُذُهُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَفِيهِ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّ قُرَيْشًا كَلَّمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ ثَمُودَ كَانَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ ؛ فَأْتِنَا مِنْ الْآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا .
قَالَ لَهُمْ : فَإِنْ فَعَلْت تُصَدِّقُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ ؛ وَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْت لَنَتَّبِعَنَّكَ أَجْمَعُونَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا شِئْت ، إنْ شِئْت أَصْبَحَ ذَهَبًا ، وَلَئِنْ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةً وَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَيُعَذِّبَنَّهُمْ ، وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ يَتُوبُ تَائِبُهُمْ } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ : { يَجْهَلُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } : يَعْنِي غَايَةَ أَيْمَانِهِمْ الَّتِي بَلَغَهَا عِلْمُهُمْ ، وَانْتَهَتْ إلَيْهِ قُدْرَتُهُمْ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْأَعْظَمُ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ إنَّمَا يَعْبُدُونَهَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِاَللَّهِ } وَإِنْ كَانَ غَايَةُ أَيْمَانِ الْكُفَّارِ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ الَّذِي قَدَّمْنَا ، فَإِنَّهُ غَايَةُ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
وَهَذَا يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ .
وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ ، بِأَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لَهُ مَعَ اللَّهِ ، أَوْ مُعَظِّمًا لَهُ مِنْ دُونِهِ ؛ فَهَذَا كُفْرٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ ، بِأَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ مَعْنًى مِمَّا يَلْزَمُهُ جِنْسُهُ فِي الشَّرْعِ ابْتِدَاءً بِوَجْهِ مَا إذَا رَبَطَهُ بِفِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، وَهُوَ مَعْنَى اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِيمَا إذَا قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، أَوْ عَبْدِي حُرٌّ ، فَهَذِهِ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، وَهِيَ أَصْلٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَتَرَكَّبَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَهِيَ : مَا إذَا قَالَ : الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا .
وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مَعْرُوفَةً بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ كَانُوا يَقُولُونَ : عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَهُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ ، ثُمَّ تَكَاثَرَتْ الصُّوَرُ حَتَّى آلَتْ بَيْنَ النَّاسِ إلَى صُورَةٍ هَذِهِ أُمُّهَا .
وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ يَقُولُ : يَلْزَمُهُ إطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا إذَا حَنِثَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " الْأَيْمَانُ " جَمْعُ يَمِينٍ ، وَهُوَ لَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ ، وَحَنِثَ لَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ .
وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينَانِ لَلَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ إذَا حَنِثَ .
وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ فَيَلْزَمُهُ فِيهَا ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ .
وَكَانَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا مَرْجِعُهُ إلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ
الطَّلَاقَ فِيهَا ثَلَاثٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الطَّلَاقَ فِيهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ .
وَقَدْ جَمَعْت فِي الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً إبَّانَ كُنْت بِإِفْرِيقِيَّةَ ، وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ فِيهَا عَلَيَّ ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مُتَوَسِّطٍ مِنْ الْأَقْوَالِ لَمْ أَخْرُجْ فِيهِ عَنْ جَادَّةِ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا عَنْ أَصْلِ إمَامِ الْأَئِمَّةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
أَمَّا أَصْلُ مَالِكٍ فَقَوْلُهُ فِيمَنْ قَالَ : عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ ، يَحْلِفُونَ فِي الْبَيْعَةِ وَيَتَوَثَّقُونَ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْعُهُودِ فِي الْمُحَالَفَةِ ، وَيُدْخِلُونَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الْيَمِينَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِ ؛ فَلَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ هَذِهِ النَّازِلَةِ وَأَصْحَابُهُ رَأَوْا أَنَّ الْحَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي أَنْ يَتْرُكُوا مَعَهُ أَزْوَاجَهُ مُحْتَبَسِينَ فِي النِّكَاحِ ، وَمِمَّا يَأْخُذُهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الطَّلَاقُ فَتَحَرَّجُوا فِي ذَلِكَ ، وَقَالُوا : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ .
وَأَمَّا طَرِيقُ الْأَدِلَّةِ فَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا يَخْلُو أَنْ يُرَادَ بِهَا هَاهُنَا الْجِنْسُ أَوْ الْعَهْدُ ، فَإِنْ دَخَلَتْ لِلْعَهْدِ فَالْمَعْهُودُ قَوْلُك بِاَللَّهِ ، فَيَكُونُ مَا قَالَهُ الْفِهْرِيُّ .
وَإِنْ دَخَلَتْ لِلْجِنْسِ فَالطَّلَاقُ جِنْسٌ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا وَلَا يُسْتَوْفَى عَدَدُهُ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَكْفِي أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مَعْنًى وَاحِدٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي الْجِنْسِ الْمَعْنَى كُلُّهُ لَلَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ؛ إذْ قَدْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَمِينًا ، وَنَافِذَةً فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَيَّنًا فِي دَارٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ كَبْشٍ وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ إجْمَاعًا ؛ فَتَبَصَّرْنَا ذَلِكَ ، وَأَخَذْنَا بِالْوَسَطِ مِنْهُ ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ الْحَاكِمَةِ عَلَى الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ ، وَهُنَاكَ يَسْتَوْفِي النَّاظِرُ
غَرَضَهُ مِنْهَا ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { أَتَى أُنَاسٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ ، وَلَا نَأْكُلُ مَا قَتَلَ اللَّهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { لَمُشْرِكُونَ } } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } يَقْضِي بِدَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَرَأَ أَلَّا يُؤْكَلَ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ الْأَكْلِ عَلَى أَحَدِ وَصْفَيْ الشَّيْءِ ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ بِخِلَافِهِ ، بَيْدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ الْحُكْمَيْنِ بِنَصَّيْنِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِمَا بِكَلَامَيْنِ صَرِيحَيْنِ ، فَقَالَ فِي الْمُقَابِلِ الثَّانِي : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } .
الْمَعْنَى : مَا الْمَانِعُ لَكُمْ مِنْ أَكْلِ مَا سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ رَبَّكُمْ ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ الْمُحَرَّمَ ، وَأَوْضَحَ لَكُمْ الْمُحَلَّلَ ، فَإِنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْك مَعْنًى خَاصِّيًّا أَبَاحَ مَا سِوَاهُ ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَتْلِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وَأَكْلِهِ ، فَكَيْفَ يُقَابَلُ ذَلِكَ مِنْ تَفْصِيلِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ وَإِيضَاحِهِ وَشَرْحِهِ بِهَوًى بَاطِلٍ وَرَأْيٍ فَاسِدٍ ، صَدَرَا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَكَانَا بِاعْتِدَاءٍ وَإِثْمٍ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ
بِالْمُعْتَدِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } .
الْمَعْنَى : قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الْمُحَرَّمَ فَذَرُوهُ وَهُوَ الْإِثْمُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ : سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ : قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ نِكَاحُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، وَبَاطِنُهُ الزِّنَا .
الثَّالِثُ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ مِنْ الزَّوَانِي ، وَبَاطِنُهُ ذَوَاتِ الْأَخْدَانِ ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ .
الرَّابِعُ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ طَوَافُ الْعُرْبَانِ ، وَبَاطِنُهُ الزِّنَا ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : إنَّ الْإِثْمَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فِي الْقَوْلِ الْخَامِسِ ظَاهِرُ الْإِثْمِ الْخَمْرُ ، وَبَاطِنُهُ الْمُثَلَّثُ وَالْمُنَصَّفُ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَيُحْتَمَلُ وَجْهًا سَادِسًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْإِثْمِ وَاضِحَ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَبَاطِنُهُ الشُّبُهَاتِ وَمِنْهَا الذَّرَائِعُ ، وَهِيَ الْمُبَاحَاتُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمُحَرَّمَاتِ ؛ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } يَعْنِي : فَمُطْلَقُ سَبَبِ الْآيَةِ الْمَيْتَةُ ، وَهِيَ الَّتِي قَالُوا هُمْ فِيهَا : وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ .
فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَا تَأْكُلُوا مِنْهَا ؛ فَإِنَّكُمْ لَمْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَقَصْرُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى السَّبَبِ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَقِلًّا دُونَ عَطْفِهِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لُغَةً وَلَا حُكْمًا .
قُلْنَا : قَدْ آنَ أَنْ نَكْشِفَ لَكُمْ نُكْتَةً أُصُولِيَّةً وَقَعَتْ تَفَارِيقَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ تَلَقَّفْتهَا جُمْلَةً مِنْ فَكٍّ شَدِيدٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : مَهْمَا قُلْنَا : إنَّ اللَّفْظَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ ، هَلْ يَقْصُرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّا لَا نُخْرِجُ السَّبَبَ عَنْهُ ، بَلْ نُقِرُّهُ فِيهِ ، وَنَعْطِفُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا نَمْتَنِعُ أَنْ يُضَافَ غَيْرُهُ إلَيْهِ إذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ ، أَوْ قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ ؛ فَقَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } ظَاهِرٌ فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ بِعُمُومِ لَفْظِهِ ، وَكَوْنِهَا سَبَبًا لِوُرُودِهِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ مِنْ الْآلِهَةِ الْمُبْطَلَةِ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : بِعُمُومِ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَبِزِيَادَةِ ذِكْرِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ الَّذِي يَقْتَضِي تَحْرِيمُهُ هَذَا اللَّفْظَ عُمُومًا وَمَعْنَاهُ تَنْبِيهًا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَيَقْتَضِي تَحْرِيمُهُ نَصًّا قَوْلُهُ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ، فَقَدْ تَوَارَدَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ النَّصُّ وَالْعُمُومُ وَالتَّنْبِيهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ لِظَاهِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ أَوَّلًا .
وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِنْبَاطِ فِي مَوَارِدِ الْأَدِلَّةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا تَرَكَ الْمُسْلِمُ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ عَمْدًا مِنْ الذَّبَائِحِ أَمْ لَا ؟ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا قَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي تَخْلِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَلَكِنَّنَا نُشِيرُ فِيهَا هَاهُنَا إلَى نُكْتَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَقْصُودِ ؛ فَنَقُولُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أُكِلَتْ .
وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَعِيسَى ، وَأَصْبَغُ .
الثَّانِي : إنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا تُؤْكَلُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا حَرُمَ أَكْلُهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَأَحْمَدُ .
الرَّابِعُ : إنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا كُرِهَ أَكْلُهَا وَلَمْ تُحَرَّمْ ؛ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ ، وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : التَّسْمِيَةُ شَرْطٌ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ دُونَ السَّهْمِ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
السَّادِسُ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَجِبُ أَنْ تُعَلَّقَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّلَائِلِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي أَسَّسَتْهَا الشَّرِيعَةُ .
فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
{
وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } فَبَيَّنَ الْحَالَيْنِ وَأَوْضَحَ الْحُكْمَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } نَهْيٌ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِتَنَاوُلِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ الْحَرَامَ الْمَحْضَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ .
وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ عِلْمِ الْأُصُولِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ } .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ } .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ } .
وَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ غَالِبَةٌ عَالِيَةٌ ، وَذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ .
وَأَعْجَبُ لِرَأْسِ الْمُحَقِّقِينَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ فِي مُعَارَضَةِ هَذَا : [ وَذِكْرُ اللَّهِ ] إنَّمَا شُرِعَ فِي الْقُرَبِ ، وَالذَّبْحُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ .
قُلْنَا : هَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، كَمَا قُلْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكْنَةٍ ، حَتَّى فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ دَرَجَاتُهُ : بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الذَّبِيحَةَ قُرْبَةٌ بِدَلِيلِ افْتِقَارِهَا إلَى النِّيَّةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ بِالْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ يُضَادُّ النِّسْيَانَ ، وَمَحَلُّ النِّسْيَانِ الْقَلْبُ ، فَمَحَلُّ الذِّكْرِ الْقَلْبُ .
وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ
يُسَمِّي أَوْ لَمْ يُسَمِّ } ، وَلِهَذَا تُجْزِئُهُ الذَّبِيحَةُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ تَعْوِيلًا عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ اسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
قُلْنَا : الذِّكْرُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ ، وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ ، وَاَلَّذِي كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ تَسْمِيَةَ الْأَصْنَامِ وَالنُّصُبِ بِاللِّسَانِ ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْأَلْسِنَةِ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ ، حَتَّى قِيلَ لِمَالِكٍ : هَلْ يُسَمِّي اللَّهَ إذَا تَوَضَّأَ ؟ فَقَالَ : أَيُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ ؟ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَوْضِعَ التَّسْمِيَةِ وَمَوْضُوعَهَا إنَّمَا هُوَ فِي الذَّبَائِحِ لَا فِي الطَّهَارَةِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ فِي قَوْلِهِ : { اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ } فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ .
وَأَمَّا النَّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } وَلَيْسَ النَّاسِي فَاسِقًا بِإِجْمَاعٍ ، فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَذَلِكَ الْمُتَعَمِّدُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ إنْ أَكَلَهَا إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا .
قُلْنَا : قَدْ أَجَبْنَا عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَصَرَّحْنَا فِيهِ بِالْحَقِّ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّ تَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ إذَا أَضْجَعَ الذَّبِيحَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : قَلْبِي مَمْلُوءٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ ، فَلَا أَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ ذَلِكَ بِلِسَانِي : فَذَلِكَ يُجْزِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَعَظَّمَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ التَّسْمِيَةِ صَرِيحَةً ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ ، فَهَذَا يُجْزِيهِ لِكَوْنِهِ عَلَى مَذْهَبٍ يَصِحُّ اعْتِقَادُهُ اجْتِهَادًا لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ وَتَقْلِيدًا لِمَنْ قَلَّدَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَا أُسَمِّي ، وَأَيُّ قَدْرٍ لِلتَّسْمِيَةِ ؟ فَهَذَا مُتَهَاوِنٌ كَافِرٌ فَاسِقٌ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِي
الْمَسْأَلَةِ عَلَى الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَأَمَّا عَلَى الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ فَلَا تَشْخِيصَ لَهَا .
وَاَلَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ النَّاسِي أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ ، لِاسْتِحَالَةِ خِطَابِ النَّاسِي ؛ فَالشَّرْطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ } سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ إلْهَامٍ وَحْيًا ، وَهَذَا مِمَّا يُطْلِقُهُ شُيُوخُ التَّصَوُّفِ ، وَيُنْكِرُهُ جُهَّالُ الْمُتَوَسِّمِينَ بِالْعِلْمِ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوَحْيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُ فِي جَمِيعِهَا جَائِزٌ فِي دِينِ اللَّهِ ، أَوْ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ سَمَّى إلْهَامَ الشَّيَاطِينِ وَحْيًا ؛ وَكُلُّ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ الْخَوَاطِرِ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ ؛ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الشَّرِّ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَى الشَّيْطَانِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْخَيْرِ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَى الْمَلَكِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ لَمَّتَيْنِ : لَمَّةٌ مِنْ الْمَلَكِ وَلَمَّةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ؛ فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِيُجَادِلُوكُمْ } الْمُجَادَلَةُ دَفْعُ الْقَوْلِ عَلَى الْقَوْلِ عَلَى طَرِيقِ الْحُجَّةِ بِالْقُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ " الْأَجْدَلِ " : طَائِرٌ قَوِيٌّ ، أَوْ لِقَصْدِ الْمُغَالَبَةِ ؛ كَأَنْ يَطْرَحَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ ، وَيَكُونُ حَقًّا فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ وَبَاطِلًا فِي نُصْرَةِ الْبَاطِلِ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } إنَّمَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ بِطَاعَةِ الْمُشْرِكِ مُشْرِكًا إذَا أَطَاعَهُ فِي اعْتِقَادِهِ : الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ؛ فَإِذَا أَطَاعَهُ فِي الْفِعْلِ وَعَقْدُهُ سَلِيمٌ مُسْتَمِرٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ فَهُوَ عَاصٍ .
فَافْهَمُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ : وَالْعَاشِرَةُ ، وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ ، فَإِنَّهَا تَصَرَّفَتْ بِعُقُولِهَا الْقَاصِرَةِ فِي تَنْوِيعِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ سَفَاهَةً بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلَا عَدْلٍ ؛ وَاَلَّذِي تَصَرَّفَتْ بِالْجَهْلِ فِيهِ مِنْ اتِّخَاذِ آلِهَةٍ أَعْظَمَ جَهْلًا وَأَكْبَرَ جُرْمًا ؛ فَإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ ، وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ ، وَاحِدٌ فِي مَخْلُوقَاتِهِ أَبْيَنُ
وَأَوْضَحُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا حَلَالٌ ، وَهَذَا حَرَامٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إنَّكُمْ عَلَى كَمَالِ عُقُولِكُمْ وَوُفُورِ أَحْلَامِكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ الْحَجَرَ .
فَقَالَ عَمْرٌو : تِلْكَ عُقُولٌ كَادَهَا بَارِيهَا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ سَخَافَةِ الْعَرَبِ وَجَهْلِهَا أَمْرٌ أَذْهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ ، وَأَبْطَلَهُ بِبَعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ الظَّاهِرِ لَنَا أَنْ نُمِيتَهُ حَتَّى لَا يَظْهَرَ ، وَنَنْسَاهُ حَتَّى لَا يُذْكَرَ [ إلَّا ] أَنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَهُ بِنَصِّهِ ، وَأَوْرَدَهُ بِشَرْحِهِ ، كَمَا ذَكَرَ كُفْرَ الْكَافِرِينَ بِهِ .
وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ قَضَاءَهُ قَدْ سَبَقَ ، وَحُكْمَهُ قَدْ نَفَذَ ، بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالتَّخْلِيطَ لَا يَنْقَطِعَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَلَّا يَصُدَّ كَافِرٌ عَنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ ، وَلَا مُبْتَدِعٌ عَنْ تَغْيِيرِ الدِّينِ ، قَصَدَهُ بِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ ، ثُمَّ وَفَّقَ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ الْخَيْرُ فَيَسَّرَ لَهُ مَعْرِفَتَهَا ، فَآمَنَ وَأَطَاعَ ، وَخَذَلَ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ الشَّرُّ فَصَدَفَهُ عَنْهَا ، فَكَفَرَ وَعَصَى { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } فَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نُشِيرَ إلَى بَسْطِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ } أَيْ : أَظْهَرَ بِالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ، وَجَمِيعُهُ لَهُ لَا شَرِيكَ مَعَهُ فِي خَلْقِهِ ، فَكَيْفَ جَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فِي الْقُرْبَانِ بِهِ مِنْ الْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا لِلْعِبَادَةِ مَعَهُ ، وَشَرُّ الْعَبِيدِ كَمَا يَأْتِي [ بَيَانُهُ ] فِي الْأَثَرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ بِنِعْمَةٍ فَجَعَلَ يَشْكُرُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَ هَذَا النَّصِيبُ الَّذِي لِلْأَوْثَانِ جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنْ
الْحَرْثِ مَصْرُوفًا فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى خُدَّامِهَا ، وَكَذَلِكَ نَصِيبُ الْأَنْعَامِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَهَا قُرْبَانًا لِلْآلِهَةِ .
وَقِيلَ : كَانَ لِلَّهِ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامُ ، وَكَانَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَمْوَالِهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ ، وَإِذَا اخْتَلَطَ مَا لِلْأَوْثَانِ بِهَا رَدُّوهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ } الْآيَةَ .
وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يَغْرَمُوهُ ، وَإِذَا هَلَكَ مَا جُعِلَ لِلْأَوْثَانِ غَرِمُوهُ .
وَقِيلَ : كَانُوا يَذْكُرُونَ اسْمَ الْأَوْثَانِ عَلَى نَصِيبِ اللَّهِ ، وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نَصِيبِ الْأَوْثَانِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنَّ تَرْكَهُمْ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مَذْمُومٌ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي تَرْكِ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } يَعْنِي : فِي الْوَأْدِ لِلْبَنَاتِ مَخَافَةَ السِّبَاءِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ وَمَا حُرِمْنَ مِنْ النُّصْرَةِ ، كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ .
وَقِيلَ : كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ عَبْدَ اللَّهِ .
وَحَقِيقَةُ التَّزْيِينِ إظْهَارُ الْجَمِيلِ ، وَإِخْفَاءُ الْقَبِيحِ ، وَقَدْ يَتَغَلَّبُ بِخِذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ، كَمَا يَتَحَقَّقُ بِتَوْفِيقِهِ لَهُ .
وَمِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ تَصْوِيرَهُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ أَكْلِ الذُّكُورِ مِنْ الْقَرَابِينِ ، وَمَنْعُ الْإِنَاثِ مِنْ أَكْلِهَا ، كَالْأَوْلَادِ وَالْأَلْبَانِ ، وَكَانَ تَفْضِيلُهُمْ لِلذُّكُورِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ ، أَوْ بِمَجْمُوعِهِمَا : إمَّا لِفَضْلِ الذَّكَرِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْأُنْثَى ، وَإِمَّا لِأَنَّ الذُّكُورَ كَانُوا سَدَنَةَ بُيُوتِ الْأَصْنَامِ ؛ فَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِمَّا جُعِلَ لَهُمْ مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ تَعَدٍّ فِي الْأَفْعَالِ ، وَابْتِدَاءٌ فِي الْأَقْوَالِ ، وَعَمَلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِنْ الشَّرْعِ ؛ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ جُمْهُورٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَقَالُوا : إنَّهُ يُحَرِّمُ وَيُحَلِّلُ بِالْهَوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَعُلَمَاؤُنَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ : الْقِيَامُ كَذَا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَالِاسْتِحْسَانُ كَذَا ، وَالِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
نُكْتَتُهُ الْمُجْزِئَةُ هَاهُنَا أَنَّ الْعُمُومَ إذَا اسْتَمَرَّ وَالْقِيَاسُ إذَا اطَّرَدَ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنًى ، وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يَخُصَّ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَيَسْتَحْسِنُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ
يَخُصَّ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ الْوَارِدِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ .
وَيَرَى مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعَ إذَا ثَبَتَ تَخْصِيصًا ، وَلَمْ يَفْهَمْ الشَّرِيعَةَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمَصْلَحَةِ وَلَا رَأَى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ، وَقَدْ رَامَ الْجُوَيْنِيُّ رَدَّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي هِيَ نُخْبَةُ عَقِيدَتِهِ وَنَخِيلَةُ فِكْرَتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْهُ ، وَفَاوَضْت الطُّوسِيَّ الْأَكْبَرَ فِي ذَلِكَ وَرَاجَعْته حَتَّى وَقَفَ ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ وَالِاسْتِيفَاءُ بِمَا فِي تَحْصِيلِهِ شِفَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فَقَدْ تَاخَمْتُمْ هَذِهِ الْمَهْوَاةَ ، وَأَشْرَفْتُمْ عَلَى التَّرَدِّي فِي الْمَغْوَاةِ ؛ فَإِنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْيَمِينَ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَيَقْلِبَ الْأَوْصَافَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَنَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هَيْهَاتَ ، مَا حَرَّمْنَا إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَلَا قُلْنَا إلَّا مَا قَالَ اللَّهُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَهُ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَسَنُبَيِّنُهَا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { أَنْشَأَ } : أَيْ : ابْتَدَأَ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءِ مِثَالٍ ؛ وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ ، وَأَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَنْشَأَ فِي كُلِّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى مِثَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْجَنَّاتُ : هِيَ : الْبَسَاتِينُ الَّتِي يَجِنُّهَا الشَّجَرُ ، أَيْ : يَسْتُرُهَا ؛ وَمِنْهُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجِنُّ ، لِاجْتِنَانِهِمْ عَنْ الْأَبْصَارِ ، وَكَذَلِكَ الْجِنَّةُ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنَانِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } يَعْنِي : رُفِعَتْ عَلَى الْأَعْوَادِ ، وَصِينَتْ عَنْ تَدَلِّي الثَّمَرِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَأُظْهِرَتْ لِلْإِدْرَاكِ ، وَسَهُلَ جَمْعُهَا دُونَ انْحِنَاءٍ .
وَالْعَرْشُ : كُلُّ مَا ارْتَفَعَ فَوْقَ غَيْرِهِ .
وَقِيلَ : تَعْرِيشُهَا حِيَاطَتُهَا بِالْجُدُرِ ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَدْخَلٌ لِأَحَدٍ ؛ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الِاشْتِقَاقِ .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : { خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } : يَعْنِي عَلَى أَعَالِيهَا ، وَلَعَلَّهُ عَلَى جُدْرَانِهَا ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى حَدَائِقِ الْأَعْنَابِ الَّتِي هِيَ الْكُرُومُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلَا الْمَعَاشِ ، وَعِمَادَا الْقُوتِ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ فِي
وِزَانٍ آخَرَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَوَصْفُهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَةٌ وَغَيْرُ مُتَشَابِهَةٍ ؛ يَعْنِي : أَنَّ مِنْهَا مَا يَتَشَابَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَيُخَالِفُهُ فِي الْبَاطِنِ ؛ وَمِنْهَا مَا يَشْتَبِهُ فِي اللَّوْنِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْمِ ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلَانِ عَظِيمَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى الْمِنَّةِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا وَالنِّعْمَةِ الَّتِي هَيَّأَهَا لَنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَلَوْ شَاءَ رَبُّنَا إنْ خَلَقَنَا أَحْيَاءً أَلَّا يَخْلُقَ لَنَا غِذَاءً ، أَوْ إذَا خَلَقَهُ أَلَّا يَكُونَ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ طَيِّبَ الطَّعْمِ ، أَوْ إذَا خَلَقَهُ كَذَلِكَ أَلَّا يَكُونَ سَهْلَ الْجَنْيِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَبِفَضْلِهِ ، كَابْتِدَاءِ خَلْقِهِ : فِي تَعْدِيدِ النِّعَمِ وَتَقْرِيرِ الْفَضْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالثَّوَابِ قَبْلَ الْعِقَابِ ، وَبِالْعَطَاءِ قَبْلَ الْعَمَلِ .
الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى الْقُدْرَةِ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الرُّسُوبُ يَصْعَدُ بِقُدْرَةِ الْوَاحِدِ الْقَادِرِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ مِنْ أَسَافِلِ الشَّجَرِ إلَى أَعَالِيهَا ، وَيَتَرَقَّى مِنْ أُصُولِهَا إلَى فُرُوعِهَا ، حَتَّى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِهَا نَشَأَ فِيهَا أَوْرَاقٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا ، وَثِمَارٌ خَارِجَةٌ عَنْ صِفَتِهَا ، فِيهَا الْجِرْمُ الْوَافِرُ ، وَاللَّوْنُ الزَّاهِرُ ، وَالْجَنْيُ الْجَدِيدُ ، وَالطَّعْمُ اللَّذِيذُ ؛ فَأَيْنَ الطَّبَائِعُ وَأَجْنَاسُهَا ؟ وَأَيْنَ الْفَلَاسِفَةُ وَأُنَاسُهَا ؟ هَلْ فِي قُدْرَةِ الطَّبِيعَةِ إذَا سَلَّمْنَا وَقُلْنَا لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَدَلِ أَنْ تُتْقِنَ هَذَا الْإِتْقَانَ الْبَدِيعَ ، أَوْ تُرَتِّبَ هَذَا التَّرْتِيبَ الْعَجِيبَ ؟ كَلًّا ، لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْمَعْقُولِ إلَّا لِحَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ مُرِيدٍ ، فَقَدْ عَلِمَ الْأَلِبَّاءُ أَنَّ أُمِّيًّا لَا يَنْظِمُ سُطُورَ الْكِتَابَةِ ، وَأَنَّ سَوَادِيًّا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا فِي الدِّيبَاجِ مِنْ التَّزَيُّنِ وَالنِّسَاجَةِ ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ فِي
كُلِّ شَيْءٍ آيَةُ بِدَايَةٍ وَنِهَايَةٍ ، فَمِنْ اللَّهِ الِابْتِدَاءُ ، وَإِنَّ إلَى رَبِّك الْمُنْتَهَى ، تَقَدَّسَ وَتَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فَهَذَانِ بِنَاءَانِ جَاءَا بِصِيغَةِ أَفْعَلَ ، وَأَحَدُهُمَا مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ : { فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } .
وَالثَّانِي : وَاجِبٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الشَّرِيعَةِ اقْتِرَانُ الْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ ؛ لِمَا يَأْتِي فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَأَمَّا الْأَكْلُ فَلِقَضَاءِ اللَّذَّةِ ، وَأَمَّا إيتَاءُ الْحَقِّ فَلِقَضَاءِ حَقِّ النِّعْمَةِ ، فَلِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ نِعْمَةٌ فِي الْبَدَنِ بِالصِّحَّةِ ، وَاسْتِقَامَةِ الْأَعْضَاءِ ، وَسَلَامَةِ الْحَوَاسِّ ، وَنِعْمَةٌ فِي الْمَالِ بِالتَّمْلِيكِ وَالِاسْتِغْنَاءِ ، وَقَضَاءِ اللَّذَّاتِ ، وَبُلُوغِ الْآمَالِ ؛ فَفَرْضُ الصَّلَاةِ كِفَاءُ نِعْمَةِ الْبَدَنِ ، وَفَرْضُ الزَّكَاةِ كِفَاءُ نِعْمَةِ الْمَالِ ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنِّعْمَةِ كَانَ مِنْ فَضْلِهِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ } اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَقِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ ؛ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الصَّدَقَةُ غَيْرُ الْمَفْرُوضَةِ تَكُونُ يَوْمَ الْحَصَادِ وَعِنْدَ الصِّرَامِ ؛ وَهِيَ إطْعَامُ مَنْ حَضَرَ وَالْإِيتَاءُ لِمَنْ غَبَرَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثِ : أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِالزَّكَاةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُجْمَلٌ وَلَمْ يَخْلُصُوا الْقَوْلَ فِيهِ ، وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ : { آتُوا } مُفَسَّرٌ ، وَقَوْلُهُ : { حَقَّهُ } مُفَسَّرٌ فِي الْمُؤْتَى ، مُجْمَلٌ فِي الْمِقْدَارِ ؛ إنَّمَا يَقَعُ النَّظَرُ فِي رَفْعِ الْإِشْكَالِ الَّذِي أَنْشَأَهُ احْتِمَالُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ
: وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ وَجْهَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَتَحْقِيقُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ هَاهُنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ .
وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَأَفَادَتْ بَيَانَ مَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ مُخْرَجَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي أَجْمَلهَا فِي قَوْلِهِ : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } ، وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا ؛ فَكَانَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةً فِي الْمُخْرَجِ كُلِّهِ مُجْمَلَةً فِي الْقَدْرِ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي مُخْرَجَاتِ الْأَرْضِ مُجْمَلَةٌ فِي الْقَدْرِ ، فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُمِرَ بِأَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } ؛ فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِمِقْدَارِ الْحَقِّ الْمُجْمَلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِلْمِقْدَارِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَقُّ ، وَاَلَّذِي يُسَمَّى فِي أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ نِصَابًا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ لَا قَوْلَ لَهُ سِوَاهُ .
وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَشَرَحْنَاهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ فِي كُلِّ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْخُضَرِ ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي أُصُولِ الثِّمَارِ دُونَ الْبُقُولِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَقْوَالًا ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ يُوسَقُ ، فَأَوْجَبَهَا فِي اللَّوْزِ ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ دُونَ الْجَوْزِ
لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ ، مُعَوِّلًا عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ حَبٍّ صَدَقَةٌ } ؛ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَحَلَّ الْوَاجِبِ هُوَ الْمُوسَقُ ، وَبَيَّنَ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ إخْرَاجُ الْحَقِّ مِنْهُ .
وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِالْقُوتِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُقْتَاتِ غَالِبًا دَائِمًا .
وَأَمَّا الْخُضَرُ فَأَمْرُهَا نَادِرٌ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ { فَتَعَلَّقَتْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ خُضَرِ الْمَدِينَةِ صَدَقَةً } .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الْآيَةَ مِرْآتَهُ فَأَبْصَرَ الْحَقَّ ، وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْمَأْكُولِ قُوتًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } : وَقَدْ أَشَرْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ إلَى مَسَالِكِ النَّظَرِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ وَالتَّخْلِيصِ .
وَقَدْ آنَ تَحْدِيدُ النَّظَرِ فِيهَا كَمَا يَلْزَمُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ .
فَاَلَّذِي لَاحَ بَعْدَ التَّرَدُّدِ فِي مَسَالِكِهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَّرَ الْإِنْسَانَ بِنِعَمِهِ فِي الْمَأْكُولَاتِ الَّتِي هِيَ قِوَامُ الْأَبْدَانِ وَأَصْلُ اللَّذَّاتِ فِي الْإِنْسَانِ ، عَلَيْهَا تَنْبَنِي الْحَيَاةُ ، وَبِهَا يَتِمُّ طِيبُ الْمَعِيشَةِ عَدَّدَ أُصُولَهَا تَنْبِيهًا عَلَى تَوَابِعِهَا ، فَذَكَرَ مِنْهَا خَمْسَةً : الْكَرْمَ ، وَالنَّخْلَ ، وَالزَّرْعَ ، وَالزَّيْتُونَ ، وَالرُّمَّانَ .
فَالْكَرْمُ وَالنَّخْلُ : يُؤْكَلُ فِي حَالَيْنِ فَاكِهَةً وَقُوتًا .
وَالزَّرْعُ يُؤْكَلُ فِي نَوْعَيْنِ : فَاكِهَةً وَقُوتًا .
وَالزَّيْتُ : يُؤْكَلُ قُوتًا وَاسْتِصْبَاحًا .
وَالرُّمَّانُ : يُؤْكَلُ فَاكِهَةً مَحْضَةً .
وَمَا لَمْ يُذْكَرْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ .
فَقَالَ تَعَالَى : هَذِهِ نِعْمَتِي فَكُلُوهَا طَيِّبَةً شَرْعًا بِالْحِلِّ طَيِّبَةً حِسًّا بِاللَّذَّةِ ، وَآتُوا الْحَقَّ مِنْهَا يَوْمَ
الْحَصَادِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِوَقْتِ الْإِخْرَاجِ ، وَجَعَلَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ مُخْتَلِفًا بِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ وَقِلَّتِهَا ، فَمَا كَانَ خَفِيفَ الْمُؤْنَةِ قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ سَقْيَهُ فَفِيهِ الْعُشْرُ ، وَمَا عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُ بِالسَّقْيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِتْيَانِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ .
فَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ : إنَّهُ فِيمَا يُوسَقُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ } ، فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقْتَضِي ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مُعْتَبَرًا فِي التَّمْرِ وَالْحَبِّ .
فَأَمَّا سُقُوطُ الْحَقِّ عَمَّا عَدَاهَا فَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ .
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالْقُوتِ فَدَعْوَى وَمَعْنَى لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمَعَانِي مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا بِأُصُولِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ .
وَكَيْفَ يَذْكُرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النِّعْمَةَ فِي الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ ، وَأَوْجَبَ الْحَقَّ مِنْهَا كُلِّهَا فِيمَا تَنَوَّعَ حَالُهُ كَالْكَرْمِ وَالنَّخِيلِ ، وَفِيمَا تَنَوَّعَ جِنْسُهُ كَالزَّرْعِ ، وَفِيمَا يَنْضَافُ إلَى الْقُوتِ مِنْ الِاسْتِسْرَاجِ الَّذِي بِهِ تَمَامُ النِّعْمَةِ فِي الْمَتَاعِ بِلَذَّةِ الْبَصَرِ إلَى اسْتِيفَاءِ النِّعَمِ فِي الظُّلَمِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمُقْتَاتِ الَّذِي يَدُومُ ، فَأَمَّا فِي الْخُضَرِ فَلَا بَقَاءَ لَهَا ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ تُؤْخَذْ الزَّكَاةُ فِي الْأَقْوَاتِ مِنْ أَخْضَرِهَا ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ يَابِسِهَا .
قُلْنَا : إنَّمَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عِنْدَ انْتِهَائِهِ ، بِالْيُبْسِ ، وَانْتِهَاءُ الْيَابِسِ وَالطَّيِّبِ انْتِهَاءُ الْأَخْضَرِ ؛ وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ الرَّطْبُ لَا يُثْمِرُ ، وَالْعِنَبُ لَا يَتَزَبَّبُ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِمَا ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْفَاكِهَةُ الْخُضَرِيَّةُ أَصْلًا فِي اللَّذَّةِ وَرُكْنًا فِي النِّعْمَةِ مَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ .
أَلَا تَرَاهُ وَصَفَ جَمَالَهَا وَلَذَّتَهَا ،
فَقَالَ : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } فَذَكَرَ النَّخْلَ أَصْلًا فِي الْمُقْتَاتِ ، وَالرُّمَّانَ أَصْلًا فِي الْخَضْرَاوَاتِ .
أَوَلَا يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ امْتِنَانِهِ عَلَى الْعُمُومِ لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ بِقَوْلِهِ : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
وَاَلَّذِي يُحْصَدُ الزَّرْعُ .
قُلْنَا : جَهِلْتُمْ ؛ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ نَبْتٍ فِي الْأَرْضِ .
وَأَصْلُ الْحَصَادِ إذْهَابُ الشَّيْءِ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ؛ قَالَ تَعَالَى : { مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } .
وَقَالَ : { حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } .
وَقَالَ : { فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَجَازٌ ؛ وَأَصْلُهُ فِي الزَّرْعِ .
قُلْنَا : هَذَا كُلُّهُ حَقِيقَةٌ ؟ وَأَصْلُهَا الذَّهَابُ .
فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ يُقَالُ جِدَادُ النَّخْلِ ، وَحَصَادُ الزَّرْعِ ، جُذَاذُ الْبَقْلِ ؟ قُلْنَا : الِاسْمُ الْعَامُّ الْحَصَادُ ؛ وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُتَنَاوَلَاتِهِ .
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَصَادَ فِيمَا يُحْصَدُ دَلِيلًا عَلَى الْجِدَادِ فِيمَا يُجَدُّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي عَنْ الْآخَرِ ، وَلَكِنَّ النَّبَاتَ كَانَ أَصْلًا لِقَوْلِهِ : فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ [ فَجَعَلَهَا قِسْمًا ] وَحَبَّ الْحَصِيدِ ، فَجَعَلَهُ قِسْمًا آخَرَ ؛ فَلَمَّا عَادَلَ الْجَمِيعَ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ خُضَرِ الْمَدِينَةِ وَلَا خَيْبَرَ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ عَدَمُ دَلِيلٍ لَا وُجُودُ دَلِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ أَخَذَهَا لَنُقِلَ .
قُلْنَا : وَأَيُّ
حَاجَةٍ إلَى نَقْلِهِ ، وَالْقُرْآنُ يَكْفِي عَنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَ [ آيَةُ ] الزَّكَاةِ مَدَنِيَّةٌ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ .
وَتَحْقِيقُهُ : فِي نُكْتَةٍ بَدِيعَةٍ ؛ وَهِيَ أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ أَوْ مَدَنِيَّةٌ يَطُولُ .
فَهَبْكُمْ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ؛ إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ بِهَا إيجَابًا مُجْمَلًا فَتَعَيَّنَ فَرْضُ اعْتِقَادِهَا ، وَوَقَفَ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى بَيَانِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالْوَقْتِ ، فَلَمْ تَكُنْ بِمَكَّةَ حَتَّى تَمَهَّدَ الْإِسْلَامُ بِالْمَدِينَةِ ؛ فَوَقَعَ الْبَيَانُ ، فَتَعَيَّنَ الِامْتِثَالُ ، وَهَذَا لَا يَفْقُهُهُ إلَّا الْعُلَمَاءُ بِالْأُصُولِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } كَلَامٌ جَاءَ لِبَيَانِ تَفْصِيلِ قَدْرِ الْوَاجِبِ بِحَالِ الْمُوجِبِ فِيهِ ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْعُمُومَ حَتَّى يَقَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَامِ مَا سَقَتْ السَّمَاءُ .
قُلْنَا : هَذَا هُوَ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ مُذْهَبَاتِهِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا كِتَابَ الْبُرْهَانِ ، وَظَنَّ أَنَّهَا لَمْ تُدْرَكْ فِي غَابِرِ الْأَزْمَانِ ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الدَّلَائِلِ مَكَانٌ .
نَحْنُ نَقُولُ : إنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ لِلْعُمُومِ فِي كُلِّ مَسْقِيٍّ ، وَلِتَفْصِيلِ قَدْرِ الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُوجِبِ فِيهِ ، وَلَا يَتَعَارَضُ ذَلِكَ ؛ فَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ خَصَّصْتُمْ الْحَدِيثَ فِي الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْمُقْتَاتِ ، فَنَحْنُ نَخُصُّهُ فِي الْمَأْكُولَاتِ أَيْضًا .
قُلْنَا : نَحْنُ خَصَّصْنَاهُ فِي الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْمُقْتَاتِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِي الْمُقْتَاتِ ؛ فَإِنْ أَعَادُوا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَعَدْنَا مَا سَبَقَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْوِبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا
زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ إدَامًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التِّينَ أَنْفَعُ مِنْهُ فِي الْقُوتِ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ .
قُلْنَا لَهُ : الزَّكَاةُ تَجِبُ عِنْدَنَا فِي التِّينِ ، فَلَا قَوْلَ لَك فِي ذَلِكَ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ التِّينِ وَالزَّبِيبِ ، وَالزَّيْتُونُ قُوتٌ يُدَّخَرُ ذَاتُهُ وَيُدَّخَرُ زَيْتُهُ ؛ فَلَا كَلَامَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ مَالِكٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ : إنَّمَا تَكُونُ الزَّكَاةُ فِيمَا يُقْتَاتُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ دُونَ مَا يُقْتَاتُ بِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ ، فَلَا زَكَاةَ فِي الْقَطَّانِي ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي التِّينِ ، فَكَانَ لَا يُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِيهِ ، فَإِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ وَرَأَى مَوْقِعَهُ فِي بِلَادِهِ أَوْجَبَ فِيهِ الزَّكَاةَ ؛ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا وَرَدَ ، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْغَالِبِ مِنْ الْمُتَنَاوَلِ فِيهِ ؟ وَالصَّحِيحُ حَمْلُهُ : عَلَى الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ النَّبَاتِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا تَجِبُ وَقْتَ الْجِدَادِ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ؛ بِقَوْلِهِ : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِبُ يَوْمَ الطِّيبِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الطِّيبِ يَكُونُ عَلَفًا لَا قُوتًا وَلَا طَعَامًا ؛ فَإِذَا طَابَتْ وَكَانَ الْأَكْلُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ وَجَبَ الْحَقُّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، إذْ بِتَمَامِ النِّعْمَةِ يَجِبُ شُكْرُ النِّعْمَةِ ، وَيَكُونُ الْإِيتَاءُ يَوْمَ الْحَصَادِ لِمَا قَدْ وَجَبَ يَوْمَ الطِّيبِ .
الثَّالِثِ : أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْخَرْصِ ؛ قَالَهُ الْمُغِيرَةُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْوَاجِبُ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَيَكُونُ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا ، أَصْلُهُ مَجِيءُ السَّاعِي فِي الْغَنَمِ .
وَلِكُلِّ قَوْلٍ وَجْهٌ كَمَا تَرَوْنَ ؛ لَكِنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالطِّيبِ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الدَّلِيلِ ؛ وَإِنَّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي ثِمَارِهِمْ .
وَالْأَصْلُ فِي الْخَرْصِ حَدِيثُ الْمُوَطَّإِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ فَخَرَصَ عَلَيْهِمْ وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا وَلَهُ مَا قَالَ ، أَوْ يَنْخُلُوا وَلَهُمْ مَا قَالَ : فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ } .
وَيَا وَيْحَ الْبُخَارِيَّ يَتَخَيَّرُ عَلَى مَالِكٍ ، وَلَا يُدْخِلُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْخَرْصِ ، وَيُدْخِلُ مِنْهُ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ مَرَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِحَدِيقَةٍ فَقَالَ : اُخْرُصُوا هَذِهِ فَخَرَصُوا ؛ فَلَمَّا رَجَعَ عَنْ الْغَزْوِ وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُك ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ كَمَا قَالَ ؟ } فَكَانَتْ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ فِي قَوْلٍ .
فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الطِّيبِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا عَلَى الْمَالِكِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إنَّ اللَّهَ ذَهَبَ بِمَالِهِ وَمَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْخَرْصِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَلَفِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْلِفُ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْهَا إلَّا إيجَادُ الْبَرَاءَةِ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمَانَاتِ الَّتِي تَكُونُ مُسْتَحْفَظَةً عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ : فِي الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : تَرَكَّبَتْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ مَسْأَلَةٌ ؛ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْكَرْمِ وَالْفُرُوعِ وَالنَّخْلِ مُطْلَقًا ، ثُمَّ فَسَّرَ النِّصَابَ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ .
فَمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، أَوْ مِنْ زَبِيبٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاتُهُ إجْمَاعًا فِي الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ مُخْتَلِفَانِ .
فَإِنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ طَعَامٍ بُرٍّ وَشَعِيرٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَكَّاهُمَا [ مَعًا ] عِنْدَ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْمَعَانِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا ، وَإِنَّمَا هِيَ أَنْوَاعٌ كُلُّهَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ ؛ وَفِي حَالَةِ الطَّعْمِ .
وَالصَّحِيحُ ضَمُّهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا قُوَّتَانِ يَتَقَارَبَانِ ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الِاسْمِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } الْإِسْرَافُ : هُوَ الزِّيَادَةُ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تُسْرِفُوا فِي الْأَكْلِ بِزِيَادَةِ الْحَرَامِ عَلَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تُسْرِفُوا فِي أَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى حَقِّكُمْ ، وَهُوَ التِّسْعَةُ الْأَعْشَارُ ، حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ ، وَأَدُّوا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْكُمْ بِالْخَرْصِ أَوْ بِالْجِذَاذِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَجِيءُ الْمَلَكِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ ؛ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَلَكَ لَمْ يَأْتِ إلَيْهِ الْآنَ إلَّا بِهَذَا ؛ إذْ قَدْ جَاءَ إلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } وَذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهَا نَاسِخٌ ؛ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَلَى طَاعِمٍ } الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَطْعُومَاتٌ ، وَمَنْكُوحَاتٌ ، وَمَلْبُوسَاتٌ .
فَأَمَّا الْمَطْعُومَاتُ وَالْمَنْكُوحَاتُ فَقَدْ اسْتَوْفَى اللَّهُ بَيَانَهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، وَمِنْهَا فِي السُّنَّةِ تَوَابِعُ .
وَأَمَّا الْمَلْبُوسَاتُ فَمِنْهَا فِي الْقُرْآنِ إشَارَاتٌ وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ ؛ وَقَالَ اللَّهُ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ } الْآيَةَ .
فَأَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } .
وَكَانَ وُرُودُ ذِكْرِ الدَّمِ مُطْلَقًا هُنَالِكَ وَوَرَدَ هَاهُنَا مُقَيَّدًا بِالسَّفْحِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ هَاهُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ كُلَّ دَمٍ مُحَرَّمٌ إلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ ، بِاسْتِثْنَاءِ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَخْتَصُّ بِالْمَسْفُوحِ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ : { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي الْعُرُوقِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ : الصَّحِيحُ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ مُفْرَدًا حَرُمَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَإِنْ خَالَطَ اللَّحْمَ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الدَّمُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَحَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ؛ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَا حَرَامَ فِيهَا إلَّا فِيمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ .
الثَّالِثِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : هِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَيَضُمُّ إلَيْهَا
بِالسُّنَّةِ مَا فِيهَا مِنْ مُحَرَّمٍ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِهَا .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ : كَمَا فِي تَفْصِيلِ الْأُصُولِ ، لَكِنْ لَوْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ مُحَرَّمٌ غَيْرُ هَذِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ فَرْضٍ عَلَى الْمَفْرُوضَاتِ لَا يَكُونُ نَسْخًا بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لَا سِيَّمَا وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ مُخْتَلَفٌ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَمَا قَالُوا .
الثَّانِي : أَنَّهَا حُرِّمَتْ بِعِلَّةِ { أَنَّ جَائِيًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَنِيَتْ الْحُمُرُ .
فَنِيَتْ الْحُمُرُ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُنَادَى بِتَحْرِيمِهَا } لِعِلَّةٍ مِنْ خَوْفِ الْفَنَاءِ عَلَيْهَا ؛ فَإِذَا كَثُرَتْ وَلَمْ يَضُرَّ فَقْدُهَا بِالْحُمُولَةِ جَازَ أَكْلُهَا ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ .
الثَّالِثِ : أَنَّهَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا طُبِخَتْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .
الرَّابِعِ : أَنَّهَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ جَلَّالَةِ الْبَقَرِ } .
وَهَذَا بَدِيعٌ فِي وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ نَهَى ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ النَّهْيُ التَّحْرِيمَ ، وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهِيَةَ ، مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ السِّبَاعِ فِي الِافْتِرَاسِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْكَلْبِ وَالْهِرِّ وَالضَّبُعِ فَإِنَّهَا سِبَاعٌ ، وَقَدْ وَقَعَ الْأُنْسُ بِالْهِرِّ مُطْلَقًا وَبِبَعْضِ الْكِلَابِ ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ ، وَفِيهَا كَبْشٌ .
وَلَسْنَا نَمْنَعُ أَنْ يُضَافَ
إلَيْهَا بِالسُّنَّةِ مَا صَحَّ سَنَدُهُ ، وَتَبَيَّنَ مَوْرِدُهُ ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } .
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ مَوْرِدَ الْآيَةِ مَجْهُولٌ .
فَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَّا أَنَّ مَوْرِدَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا مَا فِيهَا ، وَإِلَيْهِ أَمِيلُ ، وَبِهِ أَقُولُ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قُلْت لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } .
قَالَ : قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْحَبْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَقَرَأَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ } الْآيَةَ ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ .
وَقَرَأَتْ الْآيَةَ كَمَا قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَقْدِيرُ الْآيَةِ : قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِمَّا كُنْتُمْ تَسْتَخْبِثُونَهُ وَتَجْتَنِبُونَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ [ مَيْتَةً ] الْآيَةَ .
فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنْهَا الْمُنْخَنِقَةُ وَأَخَوَاتُهَا .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ أَشْيَاءَ غَيْرِ ذَلِكَ ، مِنْهَا الْقَاذُورَاتُ ، وَمِنْهَا الْخَمْرُ وَالْآدَمِيُّ .
الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ : الْجَوَابُ الْأَوَّلُ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّ هَذَا وَأَوْضَحَ الْمُرَادَ مِنْهُ وَالْحَقَّ فِيهِ ، وَهُوَ الْحَبْرُ الْبَحْرُ التُّرْجُمَانُ .
الْجَوَابُ الثَّانِي : دَعْوَى وُرُودِ الْآيَةِ عَلَى سُؤَالٍ لَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .
الْجَوَابُ الثَّالِثُ : لَوْ صَحَّ السُّؤَالُ لَمَا آثَرَ خُصُوصَ السُّؤَالِ فِي عُمُومِ الْجَوَابِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ وَبَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ .
الْجَوَابُ الرَّابِعُ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ
اللَّهَ حَرَّمَ غَيْرَ ذَلِكَ كَالْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْمَيْتَةِ إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْمَيْتَةِ وَشَرَحَ مَا يُسْتَدْرَكُ ذَكَاتُهُ مِمَّا تَفُوتُ ذَكَاتُهُ لِئَلَّا يَشْكُلَ أَمْرُهُ وَيُمْزَجَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ فِي حُكْمِهَا .
الْجَوَابُ الْخَامِسُ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَاذُورَاتِ فَلَا قَاذُورَ مُحَرَّمٌ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ رِجْسًا فَيَدْخُلَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ ، وَهُوَ : الْجَوَابُ السَّادِسُ : دَخَلَتْ فِي تَعْلِيلِ الرِّجْسِيَّةِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ السَّابِعُ : عَنْ الْآدَمِيِّ فَهَيْهَاتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ ، لَقَدْ حَطَطْت مُسَمَّاك إذْ أَبْعَدْت مَرْمَاك ، مَنْ أَدْخَلَ الْآدَمِيَّ فِي هَذَا ؟ وَهُوَ الْمُحَلَّلُ لَهُ الْمُحَرَّمُ ، الْمُخَاطَبُ الْمُثَابُ الْمُعَاقَبُ ، الْمُمْتَثِلُ الْمُخَالِفُ ، فَبَيْنَمَا كَانَ مُتَصَرِّفًا جَعَلْته مُصَرِّفًا ، انْصَرِفْ عَنْ الْمَقَامِ فَلَسْت فِيهِ بِإِمَامٍ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هَاهُنَا وَرَاءٌ ، وَالْوَرَاءُ أَمَامٌ ، وَقَدْ انْدَرَجَتْ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي هَذَا الْكَلَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : رَوَى مُجَاهِدٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ مِنْ الشَّاءِ سَبْعًا : الدَّمَ ، وَالْمِرَارَ ، وَالْحَيَاءَ ، وَالْغُدَّةَ ، وَالذَّكَرَ ، وَالْأُنْثَيَيْنِ .
} وَهَذِهِ زِيَادَاتٌ عَلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ غَيْرُ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالنَّدْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُجُوبِ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةَ إنَّمَا هِيَ عِيَافَةُ نَفْسٍ ، وَتَقَزُّزُ جِبِلَّةٍ ، وَتَقَذُّرُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَلَّلِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ الدَّمَ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرَائِنِ ، فَكَمْ مِنْ مَكْرُوهٍ قُرِنَ بِمُحَرَّمٍ ، كَقَوْلِهِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ } .
وَكَمْ مِنْ غَيْرِ وَاجِبٍ قُرِنَ
بِوَاجِبٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
وَقَوْلُهُ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ الدَّمَ الْمُخَالِطَ لِلَّحْمِ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ لِلْخَلْقِ وَأَمَّا الْمِرَارُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ الْأَمَرُّ ، وَهُوَ الْمَصَارِينُ ، وَلَا أُرَاهُ أَرَادَ إلَّا الْمِرَارَ بِعَيْنِهِ ، وَنَبَّهَ بِذِكْرِهِ عَلَى عِلَّةِ كَرَاهَةِ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمُسْتَخْبَثِ ؛ فَكُرِهَ لِأَجْلِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : هَادُوا : تَابُوا .
هَادَ يَهُودُ : تَابَ .
الثَّانِي : هَادَ : إذَا سَكَنَ .
الثَّالِثُ : هَادَ : فَتَرَ .
الرَّابِعُ : هَادَ : دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { كُونُوا هُودًا } أَيْ يَهُودًا .
ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ التَّائِبُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } أَيْ تُبْنَا ، وَكُلُّ تَائِبٍ إلَى رَبِّهِ : سَاكِنٌ إلَيْهِ فَاتِرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ .
وَهَذَا مَعْنَى مُتَقَارِبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } يَعْنِي مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ ، كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَصِيدُ بِظُفْرِهِ : مِنْ [ سِبَاعِ ] الطَّيْرِ وَالْكِلَابِ .
وَالْحَوَايَا : وَاحِدُهَا حَاوِيَاءُ أَوْ حَوِيَّةٌ ، وَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : الْمَبَاعِرُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا خَزَائِنُ اللَّبَنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْأَمْعَاءُ الَّتِي عَلَيْهَا الشُّحُومُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحَ لَهُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّشْدِيدِ فِي التَّكْلِيفِ لِعَظِيمِ الْحُرْمِ ، وَزَوَالِ الْحَرَجِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ وَأُمَّتِهِ ] ، وَأَلْزَمَ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ دِينَ الْإِسْلَامِ بِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ؛ فَإِذَا ذَبَحُوا أَنْعَامَهُمْ فَأَكَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَرَكُوا مَا حَرَّمَ ، فَهَلْ يَحِلُّ لَنَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : هِيَ مُحَرَّمَةٌ [ عَلَيْهِمْ ] .
وَقَالَ فِي سَمَاعِ الْمَبْسُوطِ : هِيَ مُحَلَّلَةٌ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَكْرَهُهُ .
وَالصَّحِيحُ أَكْلُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِالْإِسْلَامِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ بَقِيَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ عِنْدَ الذَّكَاةِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا يُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَلَوْ ذَبَحُوا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ؛ فَقَالَ أَصْبَغُ : كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ .
وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ .
وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ مِنْهُمْ لَيْسَ بِذَكَاةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَنْبٍ ؛ لِأَنَّهُ ضَيِّقٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ السِّعَةِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْمَوْجِدَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِذَا شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ : رَضِيت بِفُلَانٍ فَإِذَا شَهِدَ أَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : ظَنَنْت أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَلْزَمُهُ مَا قَالَ .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ الْقَوْلَانِ .
وَمَشْهُورٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الرِّضَا بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ الْإِنْكَارُ ؛ إنَّمَا فِيهَا طَلَبُ الدَّلِيلِ وَاسْتِدْعَاءُ الْبُرْهَانِ عَلَى الدَّعْوَى ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَحَكَّمَتْ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : قُلْ لَهُمْ : هَاتُوا شُهَدَاءَكُمْ بِأَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَيْ حُجَّتَكُمْ حَتَّى نَسْمَعَهَا ، وَنَنْظُرَ فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ : { فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ } ؟ قُلْنَا : هَذَا تَحْذِيرٌ مِنْ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لِتَعْلَمَ أُمَّتُهُ الْمَعْنَى .
فَإِنْ قَالَ شُهَدَاؤُهُمْ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ فَلَا تَقُلْهُ مَعَهُمْ ؛ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ حَالُ الْوَلِيِّ مَعَ الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ الْوَصِيِّ فِي مَالٍ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ حَسَنًا حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ أَشُدَّهُ ، زَادَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَيُونُسَ رُشْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ أَشُدٌّ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْأَشُدُّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا ، وَعَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَثْبُتُ نَظَرًا وَلَا قِيَاسًا ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ نَقْلًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ يُثْبِتُهَا بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ ، وَلَكِنَّهُ سَكَنَ دَارَ الضَّرْبِ فَكَثُرَ عِنْدَهُ الْمُدَلِّسُ ، وَلَوْ سَكَنَ الْمَعْدِنُ كَمَا قَيَّضَ اللَّهُ لِمَالِكٍ لِمَا صَدَرَ عَنْهُ إلَّا إبْرِيزُ الدِّينِ وَإِكْسِيرُ الْمِلَّةِ كَمَا صَدَرَ عَنْ مَالِكٍ .
==============================================ج10.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ صَلَاتِي } الْآيَةَ : مَقَامُ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَدَرَجَةُ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ بِنَاءً عَنْ مُشَاهَدَةِ تَوْحِيدٍ وَمُعَايَنَةِ يَقِينٍ وَتَحْقِيقٍ ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْ الْإِنْسَانِ لِلَّهِ أَصْلٌ وَوَصْفٌ ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ ، وَاعْتِقَادٌ وَعَمَلٌ ، وَابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ ، وَتَوَقُّفٌ وَتَصَرُّفٌ ، وَتَقَدُّمٌ وَتَخَلُّفٌ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ ، لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ يُضَاهِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ صَلَاتَهُ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِهَا أَيْضًا : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك } .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ بِذَلِكَ ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَرَ مَالِكٌ هَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك .
وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ فِي خَاصَّتِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ ؛ وَكَانَ لَا يُرِيهِ لِلنَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَهُ .
وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَقُولُهَا فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي آخِرِهَا : وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَقُولُ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدٌ بِأَوَّلِهِمْ إلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : أَوَلَيْسَ إبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ أَجْوِبَةً ، أَظْهَرُهَا الْآنَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِحُّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا } .
وَعَارَضَهُمْ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ تَحَمُّلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ كَسْبَ الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ ، لَا كَسْبَ الْمَعُونَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ ؛ فَقَدْ يَتَعَاوَنُ الْمُسْلِمُونَ وَيَتَعَامَلُونَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْمُشَارَكَةِ ؛ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ بَاعَ لَهُ وَاشْتَرَى عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ فِي دِينَارٍ وَتَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُ ؛ نَصُّهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ إلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً مِنْ الْجَلَبِ فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ، وَجَاءَ بِالدِّينَارِ وَبِالشَّاةِ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ ؛ فَكَانَ لَا يَتَّجِرُ فِي سُوقٍ إلَّا رَبِحَ فِيهَا حَتَّى لَوْ اتَّجَرَ فِي التُّرَابِ لَرَبِحَ فِيهِ } .
قَالَ : وَلَقَدْ كُنْت أَخْرُجُ إلَى الْكُنَاسَةِ بِالْكُوفَةِ فَلَا أَرْجِعُ إلَّا وَقَدْ رَبِحْت رِبْحًا عَظِيمًا .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي صَرِيحِ الْحَدِيثِ وَتَلْخِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ ، فَانْظُرُوهُ تَجِدُوهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } لِلْوِزْرِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : الثِّقَلُ ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ، يُقَالُ وَزَرَهُ يَزِرُهُ إذَا حَمَلَ ثِقَلَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَوَضَعْنَا عَنْك
وِزْرَك } .
وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الذَّنْبُ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } يَعْنِي ذُنُوبَهُمْ { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } أَيْ : بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَحْمِلُونَ .
وَالْمَعْنَى لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ مُذْنِبَةٌ عُقُوبَةَ الْأُخْرَى ؛ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ كُلُّ نَفْسٍ مِنْهُمْ بِجَرِيرَتِهَا الَّتِي اكْتَسَبَتْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } .
وَقَدْ وَفَدَ أَبُو رِمْثَةَ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ التَّمِيمِيُّ مَعَ ابْنِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ .
وَهَذَا إنَّمَا بَيَّنَّهُ لَهُمْ رَدًّا عَلَى اعْتِقَادِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ الرَّجُلِ بِابْنِهِ وَبِأَبِيهِ وَبِجَرِيرَةِ حَلِيفِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَهَذَا حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَافِذٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ وَهُوَ أَلَّا يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِجُرْمِ أَحَدٍ ، بَيْدَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ بَعْضِ أَحْكَامٍ فِي مَصَالِحِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَحِمَايَةِ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ عَنْ الْعَذَابِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْمَرْءَ كَمَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ بِاكْتِسَابِ الْخَيْرِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ غَيْرَهُ بِالْأَمْرِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إلَيْهِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الصُّحْبَةِ ، وَثَمَرَةُ الْمُعَاشَرَةِ ، وَبَرَكَةُ الْمُخَالَطَةِ ، وَحُسْنُ الْمُجَاوَرَةِ ؛ فَإِنْ [ حَسُنَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ مُعَافًى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ ] قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ مُعَاقَبًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَعَلَيْهِ أَوَّلًا إصْلَاحُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ، ثُمَّ إصْلَاحُ خَلِيطِهِ وَجَارِهِ ، ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ بَعْدَهُ ، بِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَدُعَائِهِمْ وَحَمْلِهِمْ ؛ فَإِنْ فَعَلُوا ، وَإِلَّا اسْتَعَانَ
بِالْخَلِيفَةِ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَسْرًا ، وَمَتَى أَغْفَلَ الْخَلْقُ هَذَا فَسَدَتْ الْمَصَالِحُ ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ ، وَفَاتَ التَّرْقِيعُ ، وَانْتَشَرَ التَّدْمِيرُ ؛ وَلِذَلِكَ يَرْوُونَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَفَّلَ الْمُتَّهَمِينَ عَشَائِرَهُمْ ، وَذَلِكَ بِالْتِزَامِهِمْ كَفَّهُمْ أَوْ رَفْعَهُمْ إلَيْهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِمْ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى التَّوْفِيقَ بِرَحْمَتِهِ .
سُورَةُ الْأَعْرَافِ فِيهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْك فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ } نَهْيٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَكِنَّهُ لِنَفْيِ الْحَرَجِ .
وَعَجَبًا لَهُ مَعَ عَمَلٍ يَقَعُ فِي مِثْلِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَنْهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَتُوجَدُ ، وَيَأْمُرُ بِأَشْيَاءَ فَلَا تُوجَدُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ حَالِهِ ؛ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ } ، وَأُعِينَ عَلَى امْتِثَالِ النَّهْيِ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ لَهُ عَلَيْهِ ؛ كَمَا فَعَلَ بِهِ فِي سَائِرِ التَّكْلِيفَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَرَجُ : هُوَ الضِّيقُ .
وَقِيلَ : هُوَ الشَّكُّ .
وَقِيلَ : هُوَ التَّبَرُّمُ ؛ وَإِلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ ؛ فَإِنْ كَانَ هُوَ الشَّكُّ فَقَدْ أَنَارَ اللَّهُ فُؤَادَهُ بِالْيَقِينِ ، وَإِنْ كَانَ التَّبَرُّمُ فَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إلَيْهِ الدِّينَ ، وَإِنْ كَانَ الضِّيقُ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْعُلُومِ ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْمَعَارِفِ ، وَذَلِكَ مِمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَخَفَّفَ عَلَيْهِ ثِقَلَ الْعِبَادَةِ حَتَّى جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ يَقُولُ : { أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالٌ } .
وَمِنْ تَمَامِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ النَّشَاطُ إلَيْهَا وَالْخِفَّةُ إلَى فِعْلِهَا ، وَخُصُوصًا الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ ؛ فَهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ حَسْبَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ : أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ } .
وَلَيْسَ يَخْلُو أَحَدٌ عَنْ وُجُودِ الثِّقَلِ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ تَكْلِيفًا ، بَيْدَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْتَمِلُهُ
وَيَخْرُجُ بِالْفِعْلِ عَنْهُ ، وَالْمُنَافِقُ يُسْقِطُهُ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَالْعَاصِي إذَا أَسْقَطَهُ أَمُنَافِقٌ هُوَ ؟ قُلْنَا : لَا ، وَلَكِنَّهُ فَاعِلٌ فِعْلَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ } أَيْ فَعَلَ فِعْلَ الْكُفَّارِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ :
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ ، وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ ، وَاسْتَبِيحُوا مُبَاحَهُ ، وَارْجُوا وَعْدَهُ ، وَخَافُوا وَعِيدَهُ ، وَاقْتَضُوا حُكْمَهُ ، وَانْشُرُوا مِنْ عِلْمِهِ عِلْمَهُ ، وَاسْتَجْسُوا خَبَايَاهُ ، وَلِجُوا زَوَايَاهُ ، وَاسْتَثِيرُوا جَاثِمَهُ ؛ وَفُضُّوا خَاتَمَهُ ، وَأَلْحِقُوا بِهِ مُلَائِمَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : بِاتِّبَاعِ مَا يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ عَارَضَهُ إذَا وَضَّحَ مَسْلَكَهُ ؛ فَتَارَةً يَكُونُ نَاسِخًا لَهُ ، وَأُخْرَى خَاصًّا وَمُتَمِّمًا فِي حُكْمٍ عَلَى طُرُقِ مَوَارِدِهِ الْمَعْلُومَةِ ، بِشُرُوطِهَا الْمَحْصُورَةِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي نُزُولِهَا : قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً ، أُمِرُوا بِاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ : نَزَلَتْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا لَيْسَ يُدَافِعُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فَتَقُولُ : مَنْ تُعِيرُنِي تِطْوَافًا ؟ فَتَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُولُ : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ جَهْمٌ مِنْ الْجَهْمِ عَظِيمٌ ظِلُّهُ كَمْ مِنْ لَبِيبٍ عَقْلُهُ يُضِلُّهُ وَنَاظِرٍ يَنْظُرُ مَا يَمَلُّهُ فَنَزَلَتْ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنُ قُرْطٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً ، إلَّا الْحُمْسَ : قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهُمْ ، فَمَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَضَعَ ثِيَابَهُ وَطَافَ فِي ثَوْبٍ أَحْمَسِيٍّ ، فَيَحِلُّ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِيرُهُ مَا يَلْبَسُ مِنْ الْحُمْسِ فَإِنَّهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ وَيَطُوفُ عُرْيَانًا ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ } .
فَنُودِيَ بِهَا فِي الْمَوْسِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ : إنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ رَأَتْ رَأْيًا تَكِيدُ بِهِ الْعَرَبَ ، فَقَالُوا : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ لَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْبُلْدَانِ كَتَعْظِيمِ حَرَمِكُمْ ، فَتَزْهَدَ الْعَرَبُ ؛ فِي حَرَمِكُمْ إذَا رَأَوْكُمْ قَدْ
عَظَّمْتُمْ مِنْ الْبُلْدَانِ غَيْرَهُ كَتَعْظِيمِهِ ، فَعَظِّمُوا أَمْرَكُمْ فِي الْعَرَبِ ؛ فَإِنَّكُمْ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ دُونَ النَّاسِ ؛ فَوَضَعُوا لِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنْ قَالُوا : نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُعَظِّمَ غَيْرَهُ ، وَلَا نَخْرُجَ مِنْهُ ؛ فَكَانُوا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّهَا خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ ، وَكَانَتْ سُنَّةَ إبْرَاهِيمَ وَعَهْدًا مِنْ عَهْدِهِ ، ثُمَّ قَالُوا : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ أَنْ يَطُوفَ إلَّا فِي ثِيَابِنَا ، وَلَا يَأْكُلَ إذَا دَخَلَ أَرْضَنَا إلَّا مِنْ طَعَامِنَا ، وَلَا يَأْكُلَ الْأَقِطَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ بِالْأَدَمِ إلَّا الْحُمْسُ ، وَهُمْ قُرَيْشٌ ، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْعَرَبِ وَمَنْ كَانَ يَلِيهَا مِنْ حُلَفَائِهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ؛ فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْمَرْأَةُ يَأْتِيَانِ حَاجَّيْنِ ، حَتَّى إذَا أَتَيَا الْحَرَمَ وَضَعَا ثِيَابَهُمَا وَزَادَهُمَا ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَدْخُلَا مَكَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : فَإِنْ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ صَدِيقٌ مِنْ الْحُمْسِ اسْتَعَارَ مِنْ ثِيَابِهِ وَطَافَ بِهَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ مِنْهُمْ ، وَكَانَ لَهُ يَسَارٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْحُمْسِ ثِيَابَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ وَلَا يَسَارٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ كَانَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ، وَإِمَّا أَنْ يَتَكَرَّمَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا فَيَطُوفَ فِي ثِيَابِهِ ؛ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَمَسَّهُ ، وَلَمْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمَّى اللَّقَى قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ : كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُعِيرُهَا وَلَا كَانَ لَهَا يَسَارٌ تَسْتَأْجِرُ بِهِ [ خَلَعَتْ ] ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفْرَدًا ، ثُمَّ طَافَتْ فِيهِ ؛ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانَتْ جَمِيلَةً تَامَّةً ذَاتَ هَيْئَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ : الْيَوْمَ يَبْدُو
بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ فِيمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَوَضَعَ اللَّهُ مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي تَرْكِهِمْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، هَلْ هِيَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ ؟ فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فَقَالُوا : إنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ ؛ وَهُوَ أَشْهَرُ أَقْوَالِنَا .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ { أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ } ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا إسْلَامِيًّا فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الصَّلَاةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْعَوْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلِ : جَمِيعُ الْبَدَنِ ؛ فَيَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ ؛ قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ إنَّمَا الْخِلَافُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ ؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ ، وَالْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ؛ { لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جَرَى فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصِلُهَا بِأَفْخَاذِ أَصْحَابِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً مَا وَصَلَهَا بِهَا } .
قَالَ زَيْدٌ : { نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي } ، أَمَّا إنَّهُ يُكْرَهُ كَشْفُهَا فَإِنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ جَرْهَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { غَطِّ فَخِذَك ؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ } ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ " قَوْله تَعَالَى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ } وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى طَوَافِ الْعُرْيَانِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ ؛ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ .
وَاَلَّذِي يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ هُوَ الصَّلَاةُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَقَاصِدُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ .
وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً فِي الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ، لِيَكُونَ الْعُمُومُ شَامِلًا لِكُلِّ مَسْجِدٍ ، وَالسَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ ذَلِكَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ أَرْبَابُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ نِظَامُ الْكَلَامِ ، وَلَا كَيْفَ كَانَ وُرُودُهُ ، اجتزءوا بِوُرُودِ الْآيَةِ وَمَنْحَاهَا ، فَلَا مَطْمَعَ لِعَالِمٍ فِي أَنْ يَسْبِقَ شَأْوَهُمْ فِي تَفْسِيرٍ أَوْ تَقْدِيرٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قَالَ بَعْضُهُمْ : ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ الْوُرُودُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ ، تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، فَزَادَ النَّاسُ ، فَقَالُوا : " هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ لِلْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ بِالسَّتْرِ فِي الْمَسْجِدِ لِبَيْنِ الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : طَوَافٍ ، وَلَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ وَاعْتِكَافٍ ، وَلَمْ يَشْرُفْ لِأَجْلِهِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الصَّلَاةُ ؛ وَقَدْ أُلْزِمَ السَّتْرَ لَهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا .
وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ مَا زَادَ عَلَى الْعَوْرَةِ ، وَبَقِيَ مَا قَابَلَ الْعَوْرَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا مِنْ قَبْلُ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ
يَكُونَ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَيَجْتَمِعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ .
قُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ اجْتِمَاعًا مَشْرُوعًا ؛ بَلْ يَجُوزُ تَفَرُّقُهُمْ .
وَهَا هُنَا إنْ تَفَرَّقُوا فِي الْمَسَاجِدِ كَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْجَمَاعَةِ ، وَخَرْقًا لِلصُّفُوفِ ؛ إذْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الطَّوَافَ لَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قُلْنَا : إنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ فَسَقَطَ ثَوْبُ إمَامٍ فَانْكَشَفَ دُبُرُهُ ، وَهُوَ رَاكِعٌ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَغَطَّاهُ أَجْزَأَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ سَحْنُونٌ : وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَعَادَ .
وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ يُعِيدُ ، وَيُعِيدُونَ ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ .
فَهَذَا طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ النَّظَرِ .
وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ صَلَاتَهُمْ لَا تَبْطُلُ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدُوا شَرْطًا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنْ أَخَذَهُ مَكَانَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ ، فَصَحِيفَةٌ يَجِبُ مَحْوُهَا ، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ كَانَ إمَامًا فَلَا يُصَلِّي إلَّا بِرِدَائِهِ أَوْ شَيْءٍ يَجْعَلُهُ عَلَى مَنْكِبِهِ ، وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّهُ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ ؛ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قَالُوا : { صَلُّوا فِي النِّعَالِ } ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : هَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْعَوْرَةِ ، فَعَوْرَةُ الرَّجُلِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ، وَفِي الْمُصَنِّفِينَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } .
وَهَذَا فِي الْحُرَّةِ ؛ ثَبَتَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا } ، فَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهَا تُصَلِّي كَمَا تَمْشِي حَاسِرَةَ الرَّأْسِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَسْتُرُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلُ ، حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ بَطْنُهَا لَمْ يَضُرَّهَا .
وَقَالَ أَصْبَغُ : إنْ انْكَشَفَتْ فَخِذُهَا أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } الْإِسْرَافُ : تَعَدِّي الْحَدِّ ؛ فَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَدِّي الْحَلَالِ إلَى الْحَرَامِ .
وَقِيلَ : أَلَّا يَزِيدُوا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ : هُوَ حَرَامٌ .
وَقِيلَ : هُوَ مَكْرُوهٌ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ فَإِنَّ قَدْرَ الشِّبَعِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالطَّعْمَانِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ بِحِلَابِ سَبْعِ شِيَاهٍ ، فَشَرِبَهَا ثُمَّ آمَنَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَلْبِ شَاةٍ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ } ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ لَمَّا تَنَوَّرَ بِالتَّوْحِيدِ نَظَرَ إلَى الطَّعَامِ بِعَيْنِ التَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ ، فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ الْحَاجَةِ ، وَحِينَ كَانَ مُظْلِمًا بِالْكُفْرِ كَانَ أَكْلُهُ كَالْبَهِيمَةِ تَرْتَعُ حَتَّى تَثْلِطَ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ : إنَّ الْأَمْعَاءَ السَّبْعَةَ كِنَايَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ سَبْعَةٍ يَأْكُلُ بِهَا النَّهِمُ : يَأْكُلُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْخَبَرِ ، وَالنَّظَرِ ، وَالشَّمِّ ، وَاللَّمْسِ ، وَالذَّوْقِ ، وَيَزِيدُ اسْتِغْنَامًا .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { زِينَةَ اللَّهِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : سَتْرُ الْعَوْرَةِ ؛ إذْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً ؛ إذْ كَانَتْ لَا تَجِدُ مَنْ يُعِيرُهَا مِنْ الْحُمْسِ .
الثَّانِي : جَمَالُ الدُّنْيَا فِي ثِيَابِهَا وَحُسْنُ النَّظْرَةِ فِي مَلَابِسِهَا وَلَذَّاتِهَا .
الثَّالِثِ : جَمْعُ الثِّيَابِ عِنْدَ السِّعَةِ فِي الْحَالِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا .
جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، وَصَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ أَوْ رِدَاءٍ ، فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ ، فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ .
وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ .
وَالتُّبَّانُ : ثَوْبٌ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ فَسَّرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي كَذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ نُقِلَ الْحَدِيثُ ؛ فَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ ، فَكَثِيرًا مَا يُفَسِّرُ الْأَعْرَابِيُّونَ مِنْ لَحْنِ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَجِدُوهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ فِي قَوْلِهِ : { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } وَهِيَ : الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَلَوْلَا وُجُوبُ سَتْرِهَا مَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِاللِّبَاسِ الَّذِي يُوَارِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ فِي سَتْرِهَا لِقُبْحِ ظُهُورِهَا .
قُلْنَا : مَاذَا يُرِيدُونَ بِهَذَا الْقُبْحِ ؟ أَيُرِيدُونَ بِهِ قُبْحًا عَقْلًا ، فَنَحْنُ لَا نُقَبِّحُ بِالْعَقْلِ ، وَلَا نُحَسِّنُ ؛ وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ عِنْدَنَا مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ ، وَالْحَسَنُ ، مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالطَّيِّبَاتُ مِنْ الرِّزْقِ } قِيلَ : هِيَ الْحَلَالُ .
وَقِيلَ : هِيَ اللَّذَّاتُ ، وَكُلُّ لَذَّةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً فَإِنْ اسْتِدَامَتَهَا وَالِاسْتِرْسَالَ عَلَيْهَا مَكْرُوهٌ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } : يَعْنِي بِحَقِّهَا مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ لَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْعِمُ وَيَرْزُقُ ؛ فَإِنْ وَحَّدَهُ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ النِّعْمَةِ ، وَإِنْ كَفَرَ فَقَدْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ نَفْسِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا أَحَدَ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى مِنْ اللَّهِ ، يُعَاقِبُهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى " { خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يَعْنِي : أَنَّ الْكُفَّارَ يَشْرَكُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي اسْتِعْمَالِ الطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا .
فَإِذَا كَانَ فِي الْقِيَامَةِ خَلَصَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي النَّعِيمِ ، وَكَانَ لِلْكُفَّارِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ الْفَوَاحِشِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنَّ كُلَّ فَاحِشَةٍ ظَاهِرَةٍ لِلْأَعْيُنِ ، أَوْ ظَاهِرَةٍ بِالْأَدِلَّةِ ، كَمَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ أَوْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ ، أَوْ قَامَ الدَّلِيلُ الْجَلِيُّ بِهِ ، فَيَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الظَّاهِرَةِ .
وَالْبَاطِنَةُ كُلُّ مَا خَفِيَ عَنْ الْأَعْيُنِ ، وَيُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِتَارُ عَنْ الْخَلْقِ ؛ أَوْ خَفِيَ بِالدَّلِيلِ ؛ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنَّبِيذِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الصِّنْفَيْنِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيذَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ جَلِيٌّ فِي الدَّلِيلِ ، قَوِيٌّ فِي التَّأْوِيلِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا أَحَدَ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ } .
وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْإِثْمَ } : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّمِّ الْوَارِدِ فِي الْفِعْلِ ، أَوْ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ ؛ فَكُلُّ مَذْمُومٍ شَرْعًا أَوْ فِعْلٍ وَارِدٍ عَلَى الْوَعِيدِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ وَهُوَ حَدُّ الْمُحَرَّمِ وَحَقِيقَتُهُ .
وَأَمَّا الْبَغْيُ ، وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْبَغْيُ : فَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ .
وَوَجْهُ ذِكْرِهِمَا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي جُمْلَةِ الْفَوَاحِشِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَمْرِهِمَا بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي الِاسْمِ الْعَامِّ قَصْدَ الزَّجْرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } فَذَكَرَ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي الِاسْمِ الْعَامِّ عَلَى مَعْنَى الْحَثِّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } قَالَ قَوْمٌ : إنَّ الْإِثْمَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ } الْخَمْرَ ، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ : شَرِبْت الْإِثْمَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي كَذَاك الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : شَرِبْت الذَّنْبَ ، أَوْ شَرِبْت الْوِزْرَ ، لَكَانَ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يُوجِبْ قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ الْوِزْرُ وَالذَّنْبُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، كَذَلِكَ هَذَا .
وَاَلَّذِي أَوْجَبَ التَّكَلُّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْجَهْلِ بِاللُّغَةِ وَبِطَرِيقِ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَعَانِي .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَهْرُ ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ النَّفْلِيَّةِ السِّرُّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَتَطَرَّقُ إلَى النَّفْلِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالتَّظَاهُرِ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَالتَّفَاخُرِ عَلَى الْأَصْحَابِ بِالْأَعْمَالِ ، وَجُبِلَتْ قُلُوبُ الْخَلْقِ بِالْمَيْلِ إلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ ، وَقَدْ جَعَلَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ فِي الْعِبَادَاتِ ذِكْرًا جَهْرًا وَذِكْرًا سِرًّا ، بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ أَنْشَأَهَا بِهَا وَرَتَّبَهَا عَلَيْهَا ؛ وَذَلِكَ لِمَا عَلَيْهِ قُلُوبُ الْخَلْقِ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا الذِّكْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَانْقَسَمَ حَالُهُ إلَى سِرٍّ وَجَهْرٍ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَمْ يُشْرَعْ مِنْهُ شَيْءٌ جَهْرًا ؛ لَا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَلَا فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ ، وَلَا فِي حَالَةِ السُّجُودِ ؛ لَكِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ قَارِئِ الْفَاتِحَةِ : ( آمِينْ ) هَلْ يُسِرُّ بِهَا أَمْ يَجْهَرُ ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نُوحٌ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ؛ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْأَثَرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ : إنَّ إدْرِيسَ كَانَ قَبْلَهُ فَقَدْ وَهِمَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ وَهْمِهِ فِي اتِّبَاعِهِ صُحُفَ الْيَهُودِ ، وَكُتُبَ الإسرائليات الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ { فِي الْإِسْرَاءِ ، حِينَ لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَمَ وَإِدْرِيسَ ، فَقَالَ لَهُ آدَم : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
وَقَالَ لَهُ إدْرِيسُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ } .
وَلَوْ كَانَ إدْرِيسُ أَبًا لِنُوحٍ عَلَى صُلْبِ مُحَمَّدٍ لَقَالَ لَهُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
فَلَمَّا قَالَ لَهُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي أَبِيهِمْ نُوحٍ ، وَلَا كَلَامَ لِمُنْصِفٍ بَعْدَ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ نُوحًا سُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَاحَ عَلَى قَوْمِهِ ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ مَعَهُمْ ، وَالنَّوْحُ هُوَ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَكَانُوا مَوْتَى فِي أَدْيَانِهِمْ لِعَدَمِ إجَابَتِهِمْ دُعَاءَهُ لَهُمْ إلَى الْإِيمَانِ ، وَإِبَايَتِهِمْ عَنْ قَبُولِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ ؛ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الِاشْتِقَاقُ يُعَضِّدُهُ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَسْمَاءِ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً .
أَمَّا إنَّ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ ؛ وَهِيَ جَوَازُ اشْتِقَاقِ الْأَسْمَاءِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَكَسَّبُونَهَا ، إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ ، { وَهَذَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَنَّى الدَّوْسِيَّ مِنْ أَصْحَابِهِ بِهِرَّةٍ كَانَ يَكْتَسِبُ لُزُومَهَا مَعَهُ ، وَدَعَاهُ لِذَلِكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ } ، فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ مَدْحٍ فِي لُزُومِ الْهِرَّةِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ يَصْغَى لَهَا الْإِنَاءُ ، وَلَا تُفْسِدُ الْمَاءَ إذَا وَلَغَتْ فِيهِ ، وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ تَكُفُّ إذَايَةَ الْفَأْرِ ، وَمَا يُؤْذِي الْإِنْسَانَ مِنْ الْحَشَرَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الطُّوفَانُ الْمَاءُ ، وَالْجَرَادُ كَانَ يَأْكُلُ الْمَسَامِيرَ ، وَإِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ أَتَتْ الْبَيْتَ فِي جَرَيَانِهَا فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا .
وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ هَذَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُفَسِّرِينَ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ الطُّوفَانَ هُوَ الْمَوْتُ } .
وَحَقِيقَةُ الطُّوفَانِ وَهُوَ الثَّانِي أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ طَافَ ، أَوْ جَمْعٌ ، وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { فَطَافَ عَلَيْهَا } الْآيَةَ .
.
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْفَاحِشَةُ : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ ، وَهِيَ إتْيَانُ الرِّجَالِ بِاسْمِ الْفَاحِشَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا زِنًا ، كَمَا قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمَّا ارْتَكَبُوا هَذِهِ الْفَاحِشَةَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمْ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُعَزَّرُ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : يُحَدُّ حَدُّ الزَّانِي ، مُحْصَنًا بِجَزَائِهِ وَبِكْرًا بِجَزَائِهِ .
الثَّالِثُ : قَالَ مَالِكٌ : يُرْجَمُ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ ؛ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُعَزَّرُ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَزْنِ ، وَعُقُوبَةُ الزَّانِي مَعْلُومَةٌ ؛ فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ غَيْرَهَا وَجَبَ أَلَّا يُشَارِكَهَا فِي حَدِّهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ زِنًا فَنَحْنُ الْآنَ نُثْبِتُهُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَدًّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ ، فَيَقُولُ : قَدْ بَيَّنَّا مُسَاوَاتَهُ لِلزِّنَا فِي الِاسْمِ ، وَهِيَ الْفَاحِشَةُ ، وَهِيَ مُشَارَكَةٌ لَهُ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مُحَرَّمٌ شَرْعًا ، مُشْتَهًى طَبْعًا ؛ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مَعَهُ إيلَاجٌ وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمُشْتَهَى ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَامِلًا ؛ بَلْ هَذَا أُحْرَمُ وَأَفْحَشُ ؛ فَكَانَ بِالْعُقُوبَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا وَطْءٌ فِي فَرْجٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْلَالٌ وَلَا إحْصَانٌ ، وَلَا وُجُوبُ مَهْرٍ ، وَلَا ثُبُوتُ نَسَبٍ ؛ فَلَمْ
يَتَعَلَّقْ بِهِ حَدٌّ .
قُلْنَا : هَذَا بَيَانٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهِ لَا يُلْحِقُهُ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ ، إنَّمَا يُعَظِّمُ أَمْرَهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ تَعْظِيمًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِيهِ ، أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ ؛ أَلَا تَرَى إلَى عُقُوبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا أَعْظَمَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : عُقُوبَةُ اللَّهِ لَا حُجَّةَ فِيهَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ إنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى الْكُفْرِ .
الثَّانِي : أَنَّ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ دَخَلَ فِيهَا .
فَدَلَّ عَلَى خُرُوجِهَا عَنْ بَابِ الْحُدُودِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ : أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ عَاقَبَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ لِهَذَا غَلَطٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعَاصٍ فَأَخَذَهُمْ مِنْهَا بِهَذِهِ ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ : { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } .
قَالُوا لَهُ : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَنَفْعَلَنَّ بِك يَا لُوطُ ، فَفَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ ؛ لِسُكُوتِ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ وَالْجَمَاهِيرِ ؛ فَكَانَ مِنْهُمْ فَاعِلٌ ، وَكَانَ مِنْهُمْ رَاضٍ ؛ فَعُوقِبَ الْجَمِيعُ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى الْفَاعِلِينَ مُسْتَمِرًّا .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ قَدْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ } .
قُلْنَا : هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ إذَا سَقَطَ حَدِيثٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنْ يَسْقُطَ مَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْبَخْسُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ وَالتَّزْهِيدِ ، أَوْ الْمُخَادَعَةِ عَنْ الْقِيمَةِ ، أَوْ الِاحْتِيَالِ فِي التَّزَيُّدِ فِي الْكَيْلِ أَوْ النُّقْصَانِ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْأَكْلِ بِالْحَقِّ ، وَالتَّعَامُلِ بِالصِّدْقِ ، وَطَلَبِ التِّجَارَةِ بِذَلِكَ ، فَمَتَى خَرَجَ عَنْ يَدِ أَحَدٍ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ بِعِلْمِهِ لِأَخِيهِ فَقَدْ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُرْضِي اللَّهَ وَيَرْتَضِيهِ ؛ وَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَا غِنًى عَنْهُ فِي ارْتِفَاعِ الْأَسْوَاقِ وَانْخِفَاضِهَا عَنْهُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ جَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا جَرَى ذَلِكَ فِي بَيْعٍ كَانَ صَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَاهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَآخَرُونَ غَيْرُهُمْ : إنَّهُ لَا رَدَّ فِيهِ .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ كَانَ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ : إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ } .
وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ : { وَاشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلَاثًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا } .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ أَصَابَتْهُ مَأْمُومَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَثَّرَتْ فِي عَقْلِهِ ، فَكَانَ يَخْدَعُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَالِ ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ لِمَا أَصَابَهُ : { لَا خِلَابَةَ لَا خِلَابَةَ } .
فَالْجَوَابُ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ مِنْ حُكْمِهِ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ عَقْلِهِ لَمَا جَوَّزَ بَيْعَهُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَعْتُوهِ لَا يَجُوزُ بِخِيَارٍ ، وَلَا بِغَيْرِ خِيَارٍ ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يُصَرِّحَ عَنْ قَوْلِهِ ، حَتَّى يَقَعَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .
قَوْله تَعَالَى : { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } .
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلْبَ وَقَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ كَانَتْ عُقُوبَةً مُتَأَصِّلَةً عِنْدَ الْخَلْقِ تَلَقَّفُوهَا مِنْ شَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ فَحَرَّفُوهَا حَتَّى أَوْضَحَهَا اللَّهُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَجَعَلَهَا أَعْظَمَ الْعُقُوبَاتِ لِأَعْظَمِ الْإِجْرَامِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَثَبَتَ أَنَّهُ { قَالَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ لِأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ قَالُوا لَهُ : اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ .
فَقَالَ : هَذَا ، كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَكُمْ : { اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ؛ } فَحَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعَ الْبِدَعِ ، وَأَمَرَ بِإِحْيَاءِ السُّنَنِ ، وَحَثَّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا : إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ زَادَا فِي صِيَامِهِمْ بِعِلَّةٍ رَأَوْهَا ، وَجَعَلُوهُ أَكْثَرَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَعْرُوفِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ حَضَرَ مَعَهُ الْمَوْسِمَ فَصَلَّى مَعَهُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : رَأَيْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ يَفْعَلُهُ ، فَكَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُفْسِدًا لِعَقَائِد الْعَامَّةِ ، فَرَأَى حِفْظَ ذَلِكَ بِتَرْكِ يَسِيرٍ مِنْ السُّنَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَأَى قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَفَاءِ أَنْ يَصُومُوا ثَانِيَ عِيدِ الْفِطْرِ سِتَّةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ إتْمَامًا لِرَمَضَانَ ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَهَذِهِ الْأَيَّامُ مَتَى صِيمَتْ مُتَّصِلَةً كَانَ احْتِذَاءً لِفِعْلِ النَّصَارَى ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ هَذَا ، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَهُوَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَمَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَهِيَ بِشَهْرَيْنِ " وَذَلِكَ الدَّهْرُ .
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ لَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِكْرِ شَوَّالٍ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ ؛ لِوُجُوبِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ شَوَّالَ عَلَى مَعْنَى التَّمْثِيلِ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظَرِ فَاعْلَمُوهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَوَاعِيدِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَمَعْنًى قَدِيمٌ أَسَّسَهُ اللَّهُ فِي الْقَضَايَا وَحَكَمَ بِهِ لِلْأُمَمِ ، وَعَرَّفَهُمْ بِهِ مَقَادِيرَ التَّأَنِّي فِي الْأَعْمَالِ ، وَإِنَّ أَوَّلَ أَجَلٍ ضَرَبَهُ الْأَيَّامَ السِّتَّةَ الَّتِي مَدَّهَا لِجَمِيعِ الْخَلِيقَةِ فِيهَا ، وَقَدْ كَانَ قَادِرًا فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ إذَا أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونَ ؛ بَيْدَ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ الْخَلْقِ التَّأَنِّي وَتَقْسِيمَ الْأَوْقَاتِ عَلَى أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِيَكُونَ لِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتٌ .
وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ضَرَبَ الْأَجَلَ لِمَعْنًى يُحَاوِلُ فِيهِ تَحْصِيلَ الْمُؤَجَّلِ لِأَجَلِهِ ، فَجَاءَ الْأَجَلُ ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ زِيدَ فِيهِ تَبْصِرَةً وَمَعْذِرَةً ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، فَخَرَجَ لِوَعْدِ رَبِّهِ ، فَزَادَ اللَّهُ عَشْرًا تَتِمَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَأَبْطَأَ مُوسَى فِي هَذِهِ الْعَشْرِ عَلَى قَوْمِهِ ، فَمَا عَقَلُوا جَوَازَ التَّأَخُّرِ لِعُذْرٍ حَتَّى قَالُوا : إنَّ مُوسَى ضَلَّ أَوْ نَسِيَ ، وَنَكَثُوا عَهْدَهُ ، وَبَدَّلُوا بَعْدَهُ ، وَعَبَدُوا إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الزِّيَادَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ عَلَى الْأَجَلِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، كَمَا أَنَّ الْأَجَلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بَعْدَ النَّظَرِ إلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْرِ ؟ مِنْ وَقْتٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ ، فَيَكُونُ الْأَجَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ ؛ فَإِذَا قَدَّرَ الزِّيَادَةَ بِاجْتِهَادِهِ ،
فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ تَكُونَ [ الزِّيَادَةُ ] مِثْلَ ثُلُثِ الْمُدَّةِ السَّالِفَةِ ، كَمَا أَجَّلَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي الزِّيَادَةِ ثُلُثَ مَا ضَرَبَهُ لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ .
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ الْأَصْلَ فِي الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةِ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّرَبُّصِ بَعْدَهَا لِمَا يَطْرَأُ مِنْ الْعُذْرِ عَلَى الْبَشَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : التَّارِيخُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيَالِيِ دُونَ الْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ أَوَائِلُ الشُّهُورِ ، وَبِهَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ تُخْبِرُ عَنْ الْأَيَّامِ ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ { : صُمْنَا خَمْسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَالْعَجَمُ تُخَالِفُنَا ذَلِكَ فَتَحْسِبُ بِالْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهَا عَلَى الشَّمْسِ ، وَحِسَابُ الشَّمْسِ لِلْمَنَافِعِ ، وَحِسَابُ الْقَمَرِ لِلْمَنَاسِكِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : اتَّفَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً هِيَ ذُو الْقَعْدَة وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَكَانَ كَلَامُ اللَّهِ لِمُوسَى غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ فَدَى إسْمَاعِيلَ مِنْ الذَّبْحِ ، وَأَكْمَلَ لِمُحَمَّدٍ الْحَجَّ ، وَجَعَلَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ .
وَهَذَا إنْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فَالْأَيَّامُ الْعَشْرُ ذَاتُ فَضْلٍ يُبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْوَقْتُ مَعْنًى غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَالْمِيقَاتُ : هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يُقَدَّرُ بِعَمَلٍ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَك يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " الْقَوْلُ فِي الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ : قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْحَسَنَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ ، وَالْقَبِيحَ مَا خَالَفَهُ ، وَفِي الشَّرْعِ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ ، فَقِيلَ : كُلُّ مَا كَانَ أَرْفَقَ فَهُوَ أَحْسَنُ .
وَقِيلَ : كُلُّ مَا كَانَ أَحْوَطَ لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ أَحْسَنُ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ أَحْسَنَ مَا فِيهَا امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ : وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ فَقَالَ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ } .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْمُبَاحُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنِ فِي الشَّرِيعَةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَأَذِنَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْدَحُ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ ؛ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي السَّرَفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ إذَا قُلْنَا : إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ الَّتِي لَا تَرَى ذَلِكَ فَلَمْ تُدْخِلْهَا فِي أَحْكَامِهَا ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا هُنَا مِنْ التَّبَسُّطِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ .
وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا ذَكَرَهَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حُسْنِ الِاقْتِدَاءِ وَمِنْ سَيِّئِ الِاجْتِنَابِ ، وَإِذَا مَدَحَ قَوْمًا عَلَى فِعْلٍ فَهُوَ حَثٌّ عَلَيْهِ ، أَوْ ذَمَّهُمْ عَلَى آخَرَ فَهُوَ زَجْرٌ عَنْهُ ، وَكُلُّهُ يَدْخُلُ لَنَا فِي الِاهْتِدَاءِ بِالِاقْتِدَاءِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَانَ مُوسَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ غَضَبًا ؛ لَكِنَّهُ كَانَ سَرِيعَ الْفَيْئَةِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : كَانَ مُوسَى إذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَانُ مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ ، وَرَفَعَ شَعْرُ بَدَنِهِ جُبَّتَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ فِي الْقَلْبِ ، وَلِأَجْلِهِ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَضْطَجِعَ ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ غَضَبُهُ فَلْيَغْتَسِلْ ؟ } فَيُخْمِدُهَا اضْطِجَاعُهُ ، وَيُطْفِئُهَا اغْتِسَالُهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَ صَكَّهُ صَكَّةً فَفَقَأَ فِيهَا عَيْنَهُ ، فَرَجَعَ إلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ : أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ .
فَقَالَ : ارْجِعْ إلَيْهِ ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ .
قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْمَوْتُ .
قَالَ : فَالْآنَ } الْحَدِيثَ .
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ غَضَبِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِذَلِكَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ عِنْدَ رُؤْيَةِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَمَا أَوْقَعَ الْغَضَبَ هَاهُنَا ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَا مَعْنَى أَخْذِهِ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ ؟ قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : كَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ثُمَّ نُسِخَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ ضَمَّ أَخَاهُ إلَيْهِ لِيَعْلَمَ مَا لَدَيْهِ ، فَبَيَّنَ لَهُ أَخُوهُ أَنَّهُمْ
اسْتَضْعَفُوهُ ، وَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِمَنْ خَشِيَ الْقَتْلَ عِنْدَ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَضَبَ لَا يُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ ؛ فَإِنَّ مُوسَى لَمْ يُغَيِّرْ غَضَبُهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِ ؛ بَلْ اطَّرَدَتْ عَلَى مَجْرَاهَا ، مِنْ إلْقَاءِ لَوْحٍ ، وَعِتَابِ أَخٍ ، وَصَكِّ مَلَكٍ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْيَهُودِ نَزَلُوا الْمَدِينَةَ ، طَائِفَةُ خَيْبَرَ ، وَطَائِفَةُ فَدَكَ لَمَّا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُرُوجِهِ فِي أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ ، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ، فَأَخْلَفَهُمْ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : { لَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَسَأَلْته عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ : أَجَلْ ؛ وَاَللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيَّ إنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُك الْمُتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ ، حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا ، وَآذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ ، فَأَغْضَبَ
أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا ، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَنَحْنُ عِنْدَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ .
قَالَ : وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ .
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْت أَظْلَمُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي ؟ إنِّي قُلْت : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا ، فَقُلْتُمْ : كَذَبْت .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْت } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ } الْإِصْرُ ؛ هُوَ الثِّقَلُ ، وَكَانَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الشَّرَائِعِ تَكَالِيفُ كَثِيرَةٌ فِيهَا مَشَاقُّ عَظِيمَةٌ ، فَخَفَّفَ تِلْكَ الْمَشَاقَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْهَا مَشَقَّتَانِ عَظِيمَتَانِ : الْأُولَى فِي الْبَوْلِ .
كَانَ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْغُسْلِ بِالْمَاءِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ ، وَيَقُولُ : إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ إذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ { فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْت أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ، لَقَدْ رَأَيْتنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ؛ فَبَالَ ، فَانْتَبَذْت مِنْهُ ، فَأَشَارَ إلَيَّ فَجِئْت فَقُمْت عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ } .
وَمِنْ الْإِصْرِ الَّذِي وُضِعَ إحْلَالُ الْغَنَائِمِ ؛ وَكَانَتْ حَرَامًا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ .
وَمِنْهَا أَلَّا تُجَالَسَ الْحَائِضُ وَلَا تُؤَاكَلَ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ، ثُمَّ شَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا } فِي أَعْدَادٍ لِأَمْثَالِهَا .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } .
هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الشَّرِيعَةِ ، وَفِيهَا مَسَائِلُ أُصُولُهَا تِسْعٌ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَلَ الْيَهُودَ إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ عَنْ الْقَرْيَةِ الْبَحْرِيَّةِ الَّتِي اعْتَدَوْا فِيهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ بِاعْتِدَائِهِمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، لِيُعَرِّفَهُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِتَغْيِيرِ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، فَكَيْفَ بِتَغْيِيرِ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ } يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ ؛ فَعَبَّرَ بِهَا عَنْهُمْ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ وَسَبَبَ اجْتِمَاعِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } الْآيَةَ ، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدٍ } يَعْنِي أَهْلَ الْعَرْشِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُرِيدُ اسْتِبْشَارَهُمْ بِهِ .
وَكَمَا قَالَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ : { هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قِيلَ : كَانَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ أَيْلَةَ ، مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ .
وَقِيلَ : كَانَتْ طَبَرِيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الشَّامِ .
وَقِيلَ : مَدْيَنَ ؛ وَرَبُّك أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ مَسْخِهِمْ ، فَقِيلَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الصَّيْدَ يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ ابْتَلَاهُمْ بِأَنْ تَكُونَ الْحِيتَانُ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا أَيْ : رَافِعَةً رُءُوسَهَا فِي الْمَاءِ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ طَلَبُوا مِنْهَا حُوتًا وَاحِدًا لِلصَّيْدِ فَلَمْ يَجِدُوهُ ؛ فَصَوَّرَ عِنْدَهُمْ إبْلِيسُ أَنْ يَسُدُّوا أَفْوَاهَ الْخُلْجَانِ يَوْمَ السَّبْتِ حَتَّى إذَا أَمْسَوْا ، وَأَرَادَتْ الْحِيتَانُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى النَّهْرِ الْأَعْظَمِ وَإِلَى غَمْرَةِ الْبَحْرِ لَمْ تَجِدْ مَسْلَكًا ، فَيَأْخُذُونَهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ؛ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَمُسِخُوا .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقِصَّةِ عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ ، قَالَ : كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إلَى السَّبْتِ الْآخَرِ ، فَاِتَّخَذَ لِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ خَيْطًا وَوَتَدًا ، فَرَبَطُوا حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، حَتَّى إذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ : إنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ الْآخَرِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ ثُمَّ رَبَطَ حُوتَيْنِ ، فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ وَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدُوا رِيحَهُ ، فَجَاءُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ .
قَالُوا : وَمَا صَنَعْت ؟ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَصَابَهُمْ مِنْ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ ، فَغَدَا إلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُمْ
يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةً ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ مِنْهُمْ يَدْنُو فَيَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ .
قَالَ الْحَسَنُ : فَأَكَلُوا وَاَللَّهِ أَوْخَمَ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا قَوْمٌ ، وَعُوقِبُوا أَسْوَأَ عُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا وَأَشَدَّهَا عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ : وَاَللَّهِ لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَكْلِ الْحِيتَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا فَعَلُوا هَذَا نَهَاهُمْ كُبَرَاؤُهُمْ ، وَوَعَظَهُمْ أَحْبَارُهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى نَهْيِهِمْ لَهُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْوَعْظِ وَالنَّهْيِ عَدَمُ قَبُولِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ قُبِلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ بَعْضُهُمْ : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } ؟ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا ، { أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ لَهُمْ النَّاهُونَ : مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ ، أَيْ نَقُومُ بِفَرْضِنَا ؛ لِيَثْبُتَ عُذْرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أَيْ : تَرَكُوهُ عَنْ قَصْدٍ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَفْظٌ يَنْطَلِقُ عَلَى السَّاهِي وَالْعَامِدِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ جَهَالَةٍ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسِيَ وَالسَّاهِيَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِاللُّغَةِ ، وَقَصْدُهُمْ هَدْمُ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَحَقَّقْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } .
وَقُلْنَا : مَعْنَاهُ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ تَرَكَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا .
فَالسَّاهِي لَهُ حَالَةُ ذِكْرٍ ، وَالْعَامِدُ هُوَ أَبَدًا ذَاكِرٌ ؛ وَكُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْقَضَاءِ مَتَى حَضَرَهُ الذِّكْرُ دَائِمًا أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَبِهَذَا اسْتَقَامَ نِظَامُ الْكَلَامِ ، وَاسْتَقَرَّ حُكْمُ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ إثْبَاتِ الذَّرَائِعِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ، وَخَفِيَتْ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَعَ تَبَحُّرِهِمَا فِي الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ ظَاهِرِ الْجَوَازِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ ، كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ حِينَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّبْتِ ، فَسَكَرُوا الْأَنْهَارَ ، وَرَبَطُوا الْحِيتَانَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَدِلَّةَ الْمَسْأَلَةِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَبَسَطْنَاهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً وَدَلَالَةً مِنْ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الَّذِي فَعَلَتْ الْيَهُودُ لَمْ يَكُنْ تَوَسُّلًا إلَى الصَّيْدِ ؛ بَلْ كَانَ نَفْسَ الصَّيْدِ .
قُلْنَا : إنَّمَا حَقِيقَةُ الصَّيْدِ إخْرَاجُ الْحُوتِ مِنْ الْمَاءِ وَتَحْصِيلُهُ عِنْدَ الصَّائِدِ ، فَأَمَّا التَّحَيُّلُ عَلَيْهِ إلَى حِينِ الصَّيْدِ فَهُوَ سَبَبُ الصَّيْدِ ، لَا نَفْسُ الصَّيْدِ ، وَسَبَبُ الشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ ؛ إنَّمَا هُوَ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ ، وَيُتَوَسَّلُ بِهِ فِي تَحْصِيلِهِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ أَصْحَابُ السَّبْتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا هَلَكُوا بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : لَا نَصِيدُ ، بَلْ نَأْتِي بِسَبَبِ الصَّيْدِ ، وَلَيْسَ سَبَبُ الشَّيْءِ نَفْسَ الشَّيْءِ ، فَنَحْنُ لَا نَرْتَكِبُ عَيْنَ مَا نُهِينَا عَنْهُ ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ الْمُطْلَقِ فِي الشَّرِيعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَمْسُوخِ ؛ هَلْ يَنْسِلُ أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَنْسِلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ حِينَ { سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ ، فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الضَّبُّ مِنْهَا } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْفَأْرَ مُسِخَ ، أَلَا تَرَاهُ إذَا وُضِعَ لَهُ أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ يَشْرَبْهَا } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرَدَةً قَدْ رَجَمُوا قِرَدَةً .
وَنَصُّ الْحَدِيثِ : قَدْ رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرَدَةً قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ .
ثَبَتَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا .
وَثَبَتَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : قَدْ زَنَتْ .
وَسَقَطَ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَأَنَّ الْبَهَائِمَ بَقِيَتْ فِيهِمْ مَعَارِفُ الشَّرَائِعِ حَتَّى وَرِثُوهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ إلَى زَمَانِ عُمَرَ .
وَقُلْنَا : نَعَمْ ، كَذَلِكَ كَانَ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ غَيَّرُوا الرَّجْمَ ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَهُ فِي مُسُوخِهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ إبْلَاغًا فِي الْحُجَّةِ عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَغَيَّرُوهُ ، حَتَّى تَشْهَدَ عَلَيْهِمْ كُتُبُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ وَمُسُوخُهُمْ ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ، وَيُحْصِي مَا يُبَدِّلُونَ وَمَا يُغَيِّرُونَ ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، وَيَنْصُرَ نَبِيَّهُ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ { سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ } فَقَالَ عُمَرُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ خَلْق آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ ، فَقَالَ : خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ .
ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ ، فَقَالَ : خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ } وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ بِكَلَامٍ [ قَدْ ] بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
وَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَمَّا خَلَقَ آدَم مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُك .
فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ .
فَقَالَ : يَا رَبِّ ؛ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : رَجُلٌ
مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِك يُقَالُ لَهُ دَاوُد .
فَقَالَ : رَبِّ كَمْ جَعَلْت عُمُرَهُ ؟ قَالَ : سِتِّينَ سَنَةً .
قَالَ : أَيْ رَبِّ ، زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً .
فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَالَ : أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَك دَاوُد ؟ قَالَ : فَجَحَدَ آدَم ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ؛ وَنَسِيَ آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ؛ وَخَطِئَ آدَم ، فَأَخْطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ } .
خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى وَصَحَّحَهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، { فَمِنْ حِينَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ } وَفِي رِوَايَةٍ : { أَنَّهُ رَأَى فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالْمُبْتَلَى وَالصَّحِيحَ فَقَالَ لَهُ آدَم : يَا رَبِّ ، مَا هَذَا ؟ أَلَا سَوَّيْت بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَشْكُرَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : أَنَّهُ { أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ ، ثُمَّ أُعِيدُوا فِي صُلْبِهِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَالَ : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ .
فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ : تَرَكَّسْت تَرَكَّسْت .
فَقَالَ الرَّاوِي : يَقُولُ مَعَاذَ اللَّهِ ، لَا يُضِلُّ اللَّهُ أَحَدًا .
فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ اللَّهُ خَلَقَك ثُمَّ أَضَلَّك ، ثُمَّ يُمِيتُك ، ثُمَّ يُدْخِلُك النَّارَ ؛ وَاَللَّهِ لَوْلَا وَلْثٌ مِنْ عَهْدِك لَضَرَبْت عُنُقَك .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ نَثَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فِي كَفَّيْهِ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ ؛ قَالَ : فَتَفَرَّقَ النَّاسُ .
وَمَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي الْقَدَرِ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَابِضٌ عَلَى شَيْئَيْنِ فِي يَدَيْهِ ، فَفَتَحَ الْيَمِينَ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْدَادِهِمْ
وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْسَابِهِمْ ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُزَادُ فِيهِمْ أَحَدٌ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ ، وَقَدْ يَسْلُكُ السُّعَدَاءُ طَرِيقَ أَهْلِ الشَّقَاءِ حَتَّى يُقَالَ : هُمْ مِنْهُمْ .
هُمْ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تُدْرِكُ أَحَدَهُمْ سَعَادَتُهُ وَلَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ .
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَمَلُ بِخَوَاتِمِهِ ، الْعَمَلُ بِخَوَاتِمِهِ } وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ ، فَكَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ أَمْ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : فَرَغَ رَبُّكُمْ .
قَالُوا : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ؛ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ .
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ .
ثُمَّ قَرَأَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } } وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا .
وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا } .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَذَّبَ الْخَلْقُ وَهُمْ لَمْ يُذْنِبُوا ، أَوْ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ ، وَكَتَبَهُ عَلَيْهِمْ ، وَسَاقَهُمْ إلَيْهِ ؟ قُلْنَا : وَمِنْ أَيْنَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ أَعَقْلًا أَمْ شَرْعًا ؟ فَإِنْ قِيلَ : لِأَنَّ الرَّحِيمَ
الْحَكِيمَ مِنَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ .
قُلْنَا : لِأَنَّ فَوْقَهُ آمِرًا يَأْمُرُهُ وَنَاهِيًا يَنْهَاهُ ، وَرَبُّنَا لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ ، وَلَا تُحْمَلُ أَفْعَالُ الْإِلَهِ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ .
وَبِالْحَقِيقَةِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، وَالْخَلْقُ بِأَجْمَعِهِمْ لَهُ صَرَفَهُمْ كَيْفَ شَاءَ ، وَحَكَمَ فِيهِمْ كَيْفَ أَرَادَ ؛ وَهَذَا الَّذِي يَجِدُهُ الْآدَمِيُّ إنَّمَا تَبْعَثُ عَلَيْهِ رِقَّةُ الْجِبِلَّةِ ، وَشَفَقَةُ الْجِنْسِيَّةِ ، وَحُبُّ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ ، لِمَا يُتَوَقَّعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ ؟ وَالْبَارِي مُتَقَدِّسٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكُفَّارِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمَذْهَبُ شَيْخِ السُّنَّةِ ، وَإِلَيْهِ صَغَى الْقَاضِي فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِمَا أَنَّ الْكُفْرَ يَخْتَصُّ بِالْجَاحِدِ ، وَالْمُتَأَوِّلُ لَيْسَ بِكَافِرٍ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ كُفْرُ مَنْ أَنْكَرَ أُصُولَ الْإِيمَانِ ، فَمِنْ أَعْظَمِهَا مَوْقِعًا وَأَبْيَنِهَا مَنْصِفًا ، وَأَوْقَعِهَا مَوْضِعًا الْقَوْلُ بِالْقَدَرِ ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَقَدْ كَفَرَ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَكْفِيرِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَالصَّرِيحُ مِنْ أَقْوَالِ مَالِكٍ تَكْفِيرُهُمْ ، لَقَدْ سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْقَدَرِيَّةِ ، فَقَالَ : قَدْ قَالَ اللَّهُ : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ } .
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا : إنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ لَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِكُفَّارٍ ، أَوْ حَكَى فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ ؛ فَذَلِكَ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ بِالْأُصُولِ ، فَلَا يُنَاكَحُوا ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةُ دُفِنُوا كَمَا يُدْفَنُ الْكَلْبُ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيْنَ يُدْفَنُونَ ؟ قُلْنَا : لَا يُؤْذَى بِجِوَارِهِمْ مُسْلِمٌ .
وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ اسْتَتَابَهُمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قَتَلَهُمْ كُفْرًا .
.
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } هَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْآيِ الَّتِي جَمَعَتْ الْعَقَائِدَ وَالْأَعْمَالَ ، وَقَدْ كُنَّا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَجَالِسِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ أَزْمِنَةً كَثِيرَةً ، ثُمَّ أَنْعَمَ اللَّهُ بِأَنْ أَخْرَجْنَا نُكَتَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى " ، وَفِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الْأَسْمَاءُ } : حَقِيقَةُ الِاسْمِ كُلُّ لَفْظٍ جُعِلَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا ، فَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا فَلَيْسَ بِاسْمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ ، هَذَا قَوْلُ النُّحَاةِ .
أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الرَّئِيسُ الْأَجَلُّ الْمُعَظَّمُ فَخْرُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ لَفْظًا قَالَ : سَمِعْت الْأُسْتَاذَ الْمُعَظَّمَ عَبْدَ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيَّ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا الْحَسَنِ ابْنَ أُخْتِ أَبِي عَلِيٍّ يَقُولُ : سَمِعْت خَالِي أَبَا عَلِيٍّ يَقُولُ : كُنْت بِمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِحَلَبٍ ، وَبِالْحَضْرَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِيهِمْ ابْنُ خَالَوَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : أَحْفَظُ لِلسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْمًا .
فَتَبَسَّمَ أَبُو عَلِيٍّ ، وَقَالَ : مَا أَحْفَظُ لَهُ إلَّا اسْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ السَّيْفُ .
فَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : فَأَيْنَ الْمُهَنَّدُ ؟ وَأَيْنَ الصَّارِمُ ؟ وَأَيْنَ الرَّسُوبُ ؟ وَأَيْنَ الْمِخْذَمُ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ .
فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ : هَذِهِ صِفَاتٌ .
وَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ .
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا سِيبَوَيْهِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَانُونًا مِنْ الصِّنَاعَةِ فِي التَّصْرِيفِ وَالْجَمْعِ وَالتَّصْغِيرِ ، وَالْحَذْفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنِّسْبَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ؛ إذْ لَحَظَ ذَلِكَ فِي مَجَارِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ بِعَضُدٍ ، وَلَا تَرُدُّهُ بِقَصْدٍ ؛
فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا لِلْقَوْمِ أَوْ إقْرَارِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ سَخِيفٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمَغَارِبَةِ : عَدَدْت أَسْمَاءَ اللَّهِ فَوَجَدْتهَا ثَمَانِينَ ، وَجَعَلَ يُعَدِّدُ الصِّفَاتِ النَّحْوِيَّةَ ، وَيَا لَيْتَنِي أَدْرَكْته ؛ فَلَقَدْ كَانَتْ فِيهِ حُشَاشَةٌ لَوْ تَفَاوَضْت مَعَهُ فِي الْحَقَائِقِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قَبُولِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْهُ ؛ إنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ الطُّوسِيِّ أَنْ يَقُولَ : وَقَدْ عَدَّدَ بَعْضُ حُفَّاظِ الْمُغْرِبِ الْأَسْمَاءَ فَوَجَدَهَا ثَمَانِينَ حَسْبَمَا نَقَلَهُ إلَيْهِ طَرِيدٌ طَرِيفٌ ببورقة الْحُمَيْدِيِّ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ ، أَمَا إنَّهُ كَانَ فَصِيحًا ذَرِبَ الْقَوْلِ ، ذَرِبَ اللِّسَانِ فِي الِاسْتِرْسَالِ عَلَى الْكَلِمَاتِ الصَّائِبَةِ ، لَكِنَّ الْقَانُونَ كَانَ عَنْهُ نَائِيًا ، وَالْعَالَمُ عِنْدَنَا اسْمٌ ، كَزَيْدٍ اسْمٌ ، وَأَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ وَمَعْنَى مَعَهُ زَائِدٌ عَلَيْهِ ، وَاَلَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَعُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ حِينَ عَدَّدُوا الْأَسْمَاءَ ذَكَرُوا الْمُشْتَقَّ وَالْمُضَافَ وَالْمُطْلَقَ فِي مَسَاقٍ وَاحِدٍ إجْرَاءً عَلَى الْأَصْلِ ، وَنَبْذًا لِلْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : " قَوْله تَعَالَى { الْحُسْنَى } وَفِي وَصْفِهَا بِذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ ؛ فَكُلُّ مَعْنًى مُعَظَّمٍ يُسَمَّى بِهِ سُبْحَانَهُ .
الثَّانِي : مَا وُعِدَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ .
الثَّالِثُ : مَا مَالَتْ إلَيْهِ الْقُلُوبُ مِنْ الْكَرَمِ وَالرَّحْمَةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ حَسْبَهَا شَرَفُ الْعِلْمِ بِهَا ، فَإِنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ ، وَالْبَارِي أَشْرَفُ الْمَعْلُومَاتِ ؛ فَالْعِلْمُ بِأَسْمَائِهِ أَشْرَفُ الْعُلُومِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ فِي وَصْفِهِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ ؛ فَيَأْتِي بِكُلِّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ وَيُقَرِّرُهُ فِي نِصَابِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقْسِطِ حَقِيقَةَ الْحُسْنِ وَأَقْسَامَهُ ، وَمَنْ حَصَّلَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ نَالَ الْحُسْنَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ ، وَحَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِالتَّوْفِيقِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا الْمُسْلِمِينَ يَدْعُونَ " اللَّهَ " مَرَّةً ، وَ " الرَّحْمَنَ " أُخْرَى ، و " الْقَادِرَ " بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : أَيَنْهَانَا مُحَمَّدٌ عَنْ الْأَصْنَامِ وَهُوَ يَدْعُوا آلِهَةً كَثِيرَةً ؟ فَنَزَلَتْ : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } أَيْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ إلَهٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : مَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَضَافَهَا اللَّهُ ؟ : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا الَّتِي فِيهَا التَّعْظِيمُ وَالْإِكْبَارُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْأَسْمَاءُ التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةُ الْوَحْدَانِيَّةِ ، وَهِيَ سَبْعَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُجُودِ : الْعِلْمُ ، وَالْقُدْرَةُ ، وَالْإِرَادَةُ ، وَالسَّمْعُ ، وَالْبَصَرُ ، وَالْكَلَامُ ، وَالْحَيَاةُ .
تَقُولُ : الْقَادِرُ الْعَالِمُ الْمُرِيدُ الْحَيُّ الْمُتَكَلِّمُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، وَفِي تَرْتِيبِهَا تَقْرِيبٌ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَكُلُّ اسْمٍ لِلَّهِ فَإِلَى هَذِهِ الْأُصُولِ يَرْجِعُ ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ الَّتِي عَدَّدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ إلَى مَعْرِفَتِهَا سَبِيلٌ ؟ قُلْنَا : حَلَّقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا ، وَسَارُوا إلَيْهَا فَمِنْ جَائِرٍ وَقَاصِدٍ ، وَالْقَاصِدُ فِي الْأَكْثَرِ وَاقِفٌ دُونَ الْمَرَامِ ، وَالْجَائِرُ لَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ .
فَأَمَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَمْرِ فَمَا عَرَفْته إلَّا الْإسْفَرايِينِيّ وَالطُّوسِيُّ .
إلَّا أَنَّ الطُّوسِيَّ تَقَلْقَلَ فِيهَا فَتَزَلْزَلَ عَنْهَا ، وَأَمَّا الْإسْفَرايِينِيّ فَأَسْنَدَ طَرِيقَهُ وَوَضَّحَ تَحْقِيقَهُ .
وَاَلَّذِي أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ أَنْ تَطْلُبُوهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهَا مَخْبُوءَةٌ فِيهِمَا كَمَا خُبِئَتْ سَاعَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الشَّهْرِ رَغْبَةً ، وَالْكَبَائِرُ فِي الذُّنُوبِ رَهْبَةً ؛ لِتَعُمَّ الْعِبَادَاتُ الْيَوْمَ بِجَمِيعِهِ وَالشَّهْرَ بِكُلِّيَّتِهِ ، وَلِيَقَعَ الِاجْتِنَابُ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ .
وَكَذَلِكَ أُخْفِيَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ ، لِنَدْعُوَهُ بِجَمِيعِهَا ، فَنُصِيبُ الْعَدَدَ
الْمَوْعُودَ بِهِ فِيهَا ، فَأَمَّا تَعْدِيدُهَا بِالْقُرْآنِ فَقَدْ وَهَمَ فِيهِ إمَامَانِ : سُفْيَانُ ، وَابْنُ شَعْبَانَ ، وَقَدْ سُقْنَاهُ بِغَايَةِ الْبَيَانِ وَنَصُّهُ : سُورَةُ الْحَمْدِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : اللَّهُ ، الرَّبُّ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، مَالِكٌ .
سُورَةُ الْبَقَرَةِ فِيهَا ثَلَاثُونَ اسْمًا : مُحِيطٌ ، قَدِيرٌ ، عَلِيمٌ ، حَكِيمٌ ، ذُو الْفَضْلِ ، الْعَظِيمُ ، بَصِيرٌ ، وَاسِعٌ ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ ، سَمِيعٌ ، التَّوَّابُ ، الْعَزِيزُ ، رَءُوفٌ ، شَاكِرٌ ، إلَهٌ وَاحِدٌ ، غَفُورٌ ، شَدِيدُ الْعَذَابِ ، قَرِيبٌ ، شَدِيدُ الْعِقَابِ ، سَرِيعُ الْحِسَابِ ، حَلِيمٌ ، خَبِيرٌ ، حَيٌّ ، قَيُّومٌ ، عَلِيٌّ ، عَظِيمٌ ، وَلِيٌّ ، غَنِيٌّ ، حَمِيدٌ ، مَوْلَى .
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ فِيهَا عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ : عَزِيزٌ ، ذُو انْتِقَامٍ ، وَهَّابٌ ، قَائِمٌ بِالْقِسْطِ ، جَامِعُ النَّاسِ ، مَالِكُ الْمُلْكِ ، خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، شَهِيدٌ ، خَيْرُ النَّاصِرِينَ ، وَكِيلٌ .
سُورَةُ النِّسَاءِ فِيهَا سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ : الرَّقِيبُ ، الْحَسِيبُ ، كَثِيرُ الْعَفْوِ ، النَّصِيرُ ، مُقِيتٌ ، جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا .
سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِيهَا اسْمَانِ : عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، خَيْرُ الرَّازِقِينَ .
سُورَةُ الْأَنْعَامِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ اسْمًا : فَاطِرٌ ، قَاهِرٌ ، شَهِيدٌ ، شَفِيعٌ ، خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، الْحَقُّ ، أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ، الْقَادِرُ ، فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ، جَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا ، مُخْرِجُ الْحَيِّ مِنْ الْمَيِّتِ ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ، سَرِيعُ الْعِقَابِ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، اللَّطِيفُ ، الْحَكِيمُ .
سُورَةُ الْأَعْرَافِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ : خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، خَيْرُ الْغَافِرِينَ .
سُورَةُ بَرَاءَةٌ فِيهَا اسْمٌ : مُخْزِي الْكَافِرِينَ .
سُورَةُ هُودٍ فِيهَا سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ : أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، حَفِيظٌ ، مُجِيبٌ ، قَوِيٌّ ، مَجِيدٌ ، وَدُودٌ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ .
سُورَةُ يُوسُفَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُسْتَعَانُ ، الْقَاهِرُ ، الْحَافِظُ .
سُورَةُ الرَّعْدِ فِيهَا سِتَّةُ أَسْمَاءٍ : ذُو مَغْفِرَةٍ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الْكَبِيرُ ، الْمُتَعَالُ ، شَدِيدُ الْمِحَالِ ، الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ .
سُورَةُ الْحِجْرِ فِيهَا اسْمَانِ : الْوَارِثُ ، الْخَلَّاقُ .
سُورَةُ النَّحْلِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : كَفِيلٌ .
سُورَةُ الْكَهْفِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : مُقْتَدِرٌ ، ذُو الرَّحْمَةِ ، الْمَوْئِلُ .
سُورَةُ مَرْيَمَ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : وَهُوَ حَفِيٌّ .
سُورَةُ طَه فِيهَا اسْمَانِ : الْمَلِكُ ، خَيْرٌ وَأَبْقَى .
سُورَةُ اقْتَرَبَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْحَاسِبُ ، خَيْرُ الْوَارِثِينَ ، الْفَاعِلُ .
سُورَةُ الْحَجِّ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْمُكْرِمُ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا اسْمَانِ : أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ .
سُورَةُ النُّورِ فِيهَا اسْمَانِ : نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الْمُبِينُ .
سُورَةُ الْفُرْقَانِ فِيهَا اسْمٌ : الْهَادِي .
سُورَةُ النَّمْلِ : الْكَرِيمُ .
سُورَةُ الرُّومِ : مُحْيِي الْمَوْتَى .
سُورَةُ سَبَأٍ فِيهَا : الْفَتَّاحُ .
سُورَةُ فَاطِرٍ اسْمٌ وَاحِدٌ : شَكُورٌ .
سُورَةُ ص اسْمٌ وَاحِدٌ : الْغَفَّارُ .
سُورَةُ الزُّمَرِ فِيهَا اسْمَانِ : سَالِمٌ ، كَافٍ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : غَافِرُ الذَّنْبِ ، وَقَابِلُ التَّوْبِ ، ذُو الطَّوْلِ ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، ذُو الْعَرْشِ .
سُورَةُ فُصِّلَتْ : ذُو عِقَابٍ .
سُورَةُ الزُّخْرُفِ فِيهَا : الْمُبْرِمُ .
سُورَةُ الدُّخَان فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُنْذِرُ ، الْمُرْسِلُ ، الْمُنْتَقِمُ .
سُورَةُ قِ : أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .
سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُوسِعُ ، الْمَاهِدُ ، الرَّزَّاقُ ، ذُو الْقُوَّةِ ، الْمَتِينُ .
سُورَةُ وَالطُّورِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْبَرُّ .
سُورَةُ اقْتَرَبَ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْمَلِيكُ الْمُقْتَدِرُ .
سُورَةُ الرَّحْمَنِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْخَالِقُ ، الزَّارِعُ ، الْمُنْشِئُ .
سُورَةُ الْحَدِيدِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ : الْأَوَّلُ ، الْآخِرُ ، الظَّاهِرُ ،
الْبَاطِنُ .
سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ فِيهَا اسْمَانِ : رَابِعُ ثَلَاثَةٍ ، سَادِسُ خَمْسَةٍ .
سُورَةُ الْحَشْرِ فِيهَا ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ : الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ [ الْعَزِيزُ ] ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ .
سُورَةُ الْمَعَارِجِ فِيهَا : ذُو الْمَعَارِجِ .
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .
سُورَةُ سَبِّحْ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْأَعْلَى .
سُورَةُ الْقَلَمِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْأَكْرَمُ .
سُورَةُ التَّوْحِيدِ فِيهَا اسْمَانِ : أَحَدٌ ، صَمَدٌ .
وَقَدْ زَادَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِيهَا : شَيْءٌ ، مَوْجُودٌ ، كَائِنٌ ، ثَابِتٌ ، نَفْسٌ ، عَيْنٌ ، ذَاتٌ ، دَاعٍ ، مُسْتَجِيبٌ ، مُمْلِي ، قَائِمٌ ، مُتَكَلِّمٌ ، مُبْقٍ ، مُغْنٍ ، غَيُورٌ ، قَاضٍ ، مُقَدِّرٌ ، فَرْدٌ ، مُبْلٍ ، جَاعِلٌ ، مُوجِدٌ ، مُبْدِعٌ ، دَارِئٌ .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَمِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَلَى لَفْظِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَمِنْهَا مَا أُخِذَ مِنْ فِعْلٍ ، وَمِنْهَا مَا جَاءَ مُضَافًا فَذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنْ الْإِضَافَةِ ، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَاهُ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ ؛ فَهَذِهِ هِيَ الْأَسْمَاءُ الْمَعْدُودَةُ بِصِفَاتِهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ أَسْمَاءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَقَوْلِنَا : الطَّيِّبُ ، وَالسَّيِّدُ ، وَالطَّبِيبُ ؛ وَأَعْدَادٌ سِوَاهَا .
وَمَا مِنْهَا اسْمٌ إلَّا جَمِيعُهُ مُشْتَقٌّ ، حَتَّى إنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُشْتَقٌّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأَمَدِ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَدْ شَرَحْنَا مَعْنَى كُلِّ اسْمٍ فِي الْأَمَدِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ ؛ وَعَدَّدْنَاهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ ؛ فَانْتَهَتْ إلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ .
الْأَوَّلُ : اللَّهُ ؛ وَهُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلُّ اسْمٍ ، وَيُضَافُ إلَى تَفْسِيرِهِ كُلُّ مَعْنًى ، وَحَقِيقَتُهُ الْمُنْفَرِدُ فِي
ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَنْ نَظِيرٍ ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِلَهِيَّةِ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ اللَّهُ .
الثَّانِي : الْوَاحِدُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَاتٍ وَلَا ذَاتٍ وَلَا أَفْعَالٍ .
الثَّالِثُ : الْكَائِنُ ؛ وَهُوَ الْمَوْجُودُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ .
الرَّابِعُ : الْقَائِمُ ، إذَا ذَكَرْته مُطْلَقًا فَهُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِنْ ذَكَرْته مُضَافًا فَهُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْوُجُودِ فَمَا وَرَاءَهُ .
الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ : الْقَيُّومُ ، وَالْقَيَّامُ ، وَالْقَيِّمُ ، وَهُوَ الدَّائِمُ الْقَائِمُ عَلَى شَيْءٍ .
الثَّامِنُ : الْكَافِي ؛ مَنْ كَفَى إذَا قَامَ بِالْأَمْرِ ، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ مَا يَتَوَقَّعُ .
التَّاسِعُ : الْحَقُّ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ .
الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ : الْمَلِكُ ، الْمَالِكُ ، الْمَلِيكُ ، وَهُوَ الْحَاكِمُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقُدُّوسُ ، وَهُوَ الْمُطَهَّرُ عَنْ كُلِّ نُقْصَانٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : السَّلَامُ ؛ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ عَيْبٌ ، وَسَلِمَ الْخَلْقُ مِنْ ظُلْمِهِ وَغَبْنِهِ ، وَبِهِ زَادَ عَلَيْهِ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : الْعَزِيزُ : الَّذِي لَا يُغَالَبُ ؛ وَلَا يَكُونُ مَعَهُ غَالِبٌ .
السَّادِسَ عَشَرَ : الْجَبَّارُ : الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ الْأَتْبَاعِ ، وَلَا يَحْنُو عِنْدَ التَّعْذِيبِ ، وَلَا يَحْنَقُ عِنْدَ الْغَضَبِ .
السَّابِعَ عَشَرَ : الْمُتَكَبِّرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا مِقْدَارَ لِشَيْءٍ عِنْدَهُ .
الثَّامِنَ عَشَرَ : الْعَلِيُّ الَّذِي لَا مَكَانَ لَهُ .
التَّاسِعَ عَشَرَ : الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ مِقْدَارٌ .
الْمُوفِي عِشْرِينَ : الْعَظِيمُ : الَّذِي يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّحْدِيدُ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : الْجَلِيلُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ .
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : الْمَجِيدُ ؛ هُوَ الَّذِي لَا يُسَاوَى فِيمَا لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ .
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : الْجَمِيلُ ؛ هُوَ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ
: الْحَسِيبُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَيُحْصِي كُلَّ شَيْءٍ وَيَقُومُ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : الصَّمَدُ ؛ الَّذِي لَا يَجْرِي فِي الْوَهْمِ ، وَلَا يُقْصَدُ فِي الْمَطَالِبِ غَيْرُهُ .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : الْغَنِيُّ ؛ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ .
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ؛ لَا يَلْحَقُ مَرْتَبَتَهُ أَحَدٌ بِحَالٍ .
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : ذُو الطَّوْلِ يُقَالُ فِيهِ الْقَادِرُ وَالْغَنِيُّ وَالْمُنْعِمُ .
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : ذُو الْفَضْلِ ؛ وَهُوَ الْمُنْعِمُ يُؤْتِي مَنْ يَشَاءُ .
الْمُوفِي ثَلَاثِينَ : السَّيِّدُ : الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ .
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : الْكَرِيمُ ؛ وَهُوَ الَّذِي تَعُمُّ إرَادَتُهُ .
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : الطَّيِّبُ : الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْآفَاتِ .
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : الْأَوَّلُ ؛ الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لَهُ .
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : الْآخِرُ ؛ الَّذِي لَا انْتِهَاءَ لَهُ .
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : الْبَاقِي ؛ هُوَ الَّذِي لَا يَفْنَى .
وَهُوَ الْوَارِثُ ، وَهُوَ الدَّائِمُ ؛ وَهُمَا السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالسَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ .
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ : الظَّاهِرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُدْرَكُ بِالدَّلِيلِ .
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : الْبَاطِنُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ .
الْمُوفِي أَرْبَعِينَ : اللَّطِيفُ ، الْعَالِمُ بِالْخَبَايَا ، الْمُهْتَبِلُ بِالْعَطَايَا ، الْقَادِرُ ، وَالْمُقْتَدِرُ ، وَالْقَدِيرُ ، وَالْقَوِيُّ فَكَمُلَ بِهَا أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ .
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمُقِيتُ ، وَهُوَ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ، الْمُؤْتِي لِكُلِّ شَيْءٍ قُوَّتَهُ .
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمَتِينُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ ضَعْفٌ .
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمُحِيطُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ .
التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمُوفِي خَمْسِينَ : الْوَاسِعُ ، وَالْمُوسِعُ ، وَهُوَ الَّذِي عَمَّتْ قُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ وَعِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ بَصَرُهُ
وَسَمْعُهُ وَكَلَامُهُ .
الْعَلِيمُ ، وَالْعَالِمُ ، وَالْعَلَّامُ ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ اسْمًا .
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ ، وَالْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ : السَّمِيعُ ، وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَوْجُودٍ .
وَالْبَصِيرُ ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى كُلَّ مَوْجُودٍ ، وَيَعْلَمُ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ .
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ : الشَّهِيدُ ؛ الْحَاضِرُ مَعَ كُلِّ مَوْجُودٍ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ .
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ : الْخَبِيرُ : الْعَالِمُ بِالْخَبَايَا .
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ : الطَّبِيبُ ؛ وَهُوَ الْعَالِمُ بِالْمَنَافِعِ .
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ : الْمُحْصِي ، وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ .
الْمُوفِي سِتِّينَ : الْمُقَدِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ بِحِكْمَةٍ مُتَنَاسِبَةٍ .
الْحَادِي وَالسِّتُّونَ : الرَّقِيبُ : الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ .
الثَّانِي وَالسِّتُّونَ : الْقَرِيبُ بِالْعِلْمِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ .
الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ : الْحَيُّ .
الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ : الْمُرِيدُ .
الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ : الْحَكَمُ ، وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِي الدُّعَاءِ فِعْلًا ، تَقُولُ : يَا مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، صَرِّفْنِي بِطَاعَتِك ، وَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُخَاصِمُنِي فِيك .
السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالسَّابِعُ وَالسِّتُّونَ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ : الَّذِي يُرِيدُ الْخَيْرَ لِعِبَادِهِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ .
الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ : الْمُحِبُّ ، وَيَتَصَرَّفُ فِعْلًا قَالَ تَعَالَى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } .
وَكَذَلِكَ الْمُبْغِضُ ، فَاَلَّذِي يَرْجِعَانِ إلَيْهِ إرَادَةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُوَ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ .
الْمُوفِي سَبْعِينَ : الرِّضَا ؛ يَتَصَرَّفُ فِعْلًا ، وَهُوَ إرَادَةُ مَا يَكُونُ فَوْقَ الِاسْتِحْقَاقِ .
الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ : السَّخَطُ ، يَتَصَرَّفُ فِعْلًا .
وَهُوَ إرَادَةُ خِلَافِ الرِّضَا ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ : الْوَدُودُ ، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ
الْخَيْرَ مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَمَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ .
الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ : الْعَفُوُّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ تَسْهِيلَ الْأُمُورِ .
الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : الرَّءُوفُ ؛ وَهُوَ الْكَثِيرُ الرَّحْمَةِ .
الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ : عَدُوُّ الْكَافِرِينَ ، وَهُوَ الْبَعِيدُ بِالْعِقَابِ .
السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ : الْوَلِيُّ ، وَهُوَ الْقَرِيبُ بِالثَّوَابِ وَالنِّعَمِ .
السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : الصَّبُورُ : الَّذِي يُرِيدُ تَأْخِيرَ الْعِقَابِ .
الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ : الْحَلِيمُ ، الَّذِي يُرِيدُ إسْقَاطَ الْعِقَابِ .
التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ : الْمُعِزُّ ، وَهُوَ الَّذِي يُعِزُّ أَوْلِيَاءَهُ .
الْمُوفِي ثَمَانِينَ : الْحَفِيُّ ، وَهُوَ غَايَةُ الْبِرِّ .
الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ : الْوَلِيُّ ، وَهُوَ الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ .
الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ : خَيْرُ الْفَاصِلِينَ : الَّذِينَ يُمَيِّزُ الْمُخْتَلِفَاتِ بِقَوْلِهِ .
الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُبِينُ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ عِبَادُهُ بِكَلَامِهِ مُرَادَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ خَاصَّةً .
الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : الصَّادِقُ : مَنْ لَا يُوجَدُ خَبَرُهُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ .
الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ : الْهَادِي ؛ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ الْمَرَاشِدَ ، وَيُوَفِّقُ لَهَا .
السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ : الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْهَادِي .
السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْهُدَى .
الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُؤْمِنُ ، يُصَدِّقُ نَفْسَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَيُخَلِّصُهُمْ مِنْ الْعِقَابِ .
التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُهَيْمِنُ ، فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ يَرْجِعُ إلَى الرَّقِيبِ .
الْمُوفِي تِسْعِينَ : الْحَمِيدُ ، يُثْنِي عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ .
الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ : الشَّكُورُ ، وَهُوَ الَّذِي يُمْدَحُ عَلَى الْفِعْلِ خَاصَّةً .
الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ : غَيُورٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ سِوَاهُ .
الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ : الْحَكِيمُ ، مُحْكِمُ الْأَشْيَاءِ بِخَلْقِهَا عَلَى نِظَامٍ وَتَدْبِيرٍ .
الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ : التَّوَّابُ ،
الَّذِي يَرْجِعُ بِالْعَبْدِ مِنْ حَالِ الْمَعْصِيَةِ إلَى حَالِ الطَّاعَةِ .
الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ : الْفَتَّاحُ ، يَفْتَحُ غَلْقَ الْعُدْمِ بِالْوُجُودِ ، وَغَلْقَ الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ ، وَغَلْقَ الرِّزْقِ بِالْعَطَاءِ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ .
وَمِثْلُهُ الْحَكَمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } وَهُوَ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ .
السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ : الْقَاضِي ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ .
السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ : الْكَفِيلُ ، الْمُلْتَزِمُ لِثَوَابِ عِبَادِهِ وَرِزْقِهِمْ .
الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ : الْمُبْرِمُ ، هُوَ الَّذِي إذَا عَقَدَ لَمْ يَحِلَّ عَقْدَهُ .
التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ : الْمُنْذِرُ ، هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ بِكَلَامِهِ عِبَادُهُ وَعِيدَهُ .
الْمُوفِي مِائَةً : الْمُدَبِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الِانْتِهَاءَ قَبْلَ الِابْتِدَاءِ ، فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ .
الْمُمْتَحِنُ ، الْبَالِي ، الْمُبْلِي ، الْمُبْتَلِي ، هُوَ الَّذِي يُكَلِّفُ عِبَادَهُ الْوَظَائِفَ ؛ لِيَعْلَمَ مِنْ حَالِهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ مُشَاهَدَةَ مَا عَلِمَ غَيْبًا ، وَبِهَا تَمَّتْ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ .
الْخَامِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْفَاتِنُ ، وَهُوَ الْمُبْتَلِي ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِبَارِ .
السَّادِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الرَّبُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْقُلُ الْأَشْيَاءَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ ، وَيُبَدِّلُهُمْ بِصِفَةٍ بَعْدَ صِفَةٍ فِي طَرِيقِ النُّمُوِّ وَالْإِنْشَاءِ .
السَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْعَدْلُ ، وَهُوَ الَّذِي تَأْتِي أَفْعَالُهُ عَلَى مُقْتَضَى إرَادَتِهِ .
الثَّامِنُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْخَالِقُ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِدُ بَعْدَ الْعُدْمِ ، وَيُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْأَحْوَالِ .
التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْبَارِئُ ؛ مُنْشِئُ الْبَرِيَّةِ مِنْ الْبَرَى ، وَهُوَ التُّرَابُ .
الْعَاشِرُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُصَوِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي يُرَتِّبُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَغَايِرَاتٍ .
الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُبْدِئُ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِأَوَائِلِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ .
الثَّانِي عَشَرَ بَعْدَ
الْمِائَةِ : الْمُعِيدُ ، وَهُوَ الَّذِي يَرُدُّهَا ، بَعْدَ الْفَنَاءِ ، كَمَا كَانَتْ وُجُودًا وَصِفَةً وَوَقْتًا .
الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الَّذِي أَنْشَأَهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ وَقَبْلَ كُلِّ مُنْشِئٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُحْيِي ، وَيُقَابِلُهُ الْمُمِيتُ ، وَهُوَ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، يُحْيِي الْخَلْقَ بِالْوُجُودِ وَالْحَرَكَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى ، وَيُمِيتُهُمْ بِذَلِكَ إلَى سَائِرِ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِحْيَاءِ ، حَسْبَمَا رَتَّبْنَاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى .
السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْجَامِعُ ، وَهُوَ تَأْلِيفُ الْمُفْتَرِقِ .
السَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُعِزُّ ، وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُذِلُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ مِقْدَارَ أَوْلِيَائِهِ ، وَيَحُطُّ مِقْدَارَ أَعْدَائِهِ .
الثَّامِنَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُخْزِي الْكَافِرِينَ ؛ وَالْخِزْيُ هُوَ فِعْلُ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ .
التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْعَفُوُّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُسْقِطُ حَقَّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ .
الْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْقَهَّارُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعِبَادَ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْوَهَّابُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّعِ عِوَضٍ .
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الرَّزَّاقُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَهَبُ الْغِذَاءَ وَالِاكْتِسَاءَ مِنْ رِيَاشٍ وَمَعَاشٍ .
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : جَوَّادٌ ، وَهُوَ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْخَافِضُ ، الرَّافِعُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَحُطُّ دَرَجَةَ أَعْدَائِهِ ، وَيُعْلِي مَنَازِلَ أَوْلِيَائِهِ وَمَقَادِيرَهُمْ دُنْيَا وَآخِرَةً ؛ جَاهًا وَمَالًا ، عَمَلًا وَاعْتِقَادًا .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَصَرَّفُ عَبْدُهُ وَلَا يَنْبَسِطُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ ، وَفِي حَيِّزِ مَشِيئَتِهِ ؛ فَإِنْ خَلَقَ لَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعُمُومِ تَبَسَّطَتْ
عَلَى مَا خُلِقَتْ لَهُ ، وَإِنْ خَلَقَهَا عَلَى الْخُصُوصِ تَعَلَّقَتْ بِمَا خُلِقَتْ لَهُ وَقُدِّرَتْ بِهِ .
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُقَدِّمُ ، وَالْمُؤَخِّرُ ؛ وَذَلِكَ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْأَوْقَاتِ ، يَخْلُقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، بِحَسَبِ مَا عَلِمَهُ وَقَضَاهُ وَقَدَّرَهُ ؛ لَيْسَ لِأَحَدٍ ذَلِكَ إلَّا لَهُ .
الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُقْسِطُ : وَهُوَ الَّذِي تَجْرِي أَحْكَامُهُ عَلَى مُقْتَضَى إرَادَتِهِ .
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : النَّصِيرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُتَابِعُ آلَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيَكُفُّ عَنْهُمْ عَادِيَةَ أَعْدَائِهِ .
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الشَّافِي ؛ وَهُوَ الَّذِي يَهَبُ الصِّحَّةَ بَعْدَ الْمَرَضِ .
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ ؛ وَهُوَ اسْمٌ عَظِيمٌ ، مَعْنَاهُ مُصَرِّفُهَا أَسْرَعَ مِنْ مَرِّ الرِّيحِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ وَالْيَقِينِ وَالشَّكِّ ، وَالْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ .
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الضَّارُّ ، النَّافِعُ ؛ وَهُوَ خَالِقُ الْأَلَمِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ مُوَازَنَةٌ .
وَالنَّفْعُ هُوَ كُلُّ مَا لَا أَلَمَ فِيهِ ؛ وَهُوَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ ، فَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَا تَخْلُو مِنْهُمَا عَنْ الِاشْتِرَاكِ .
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : ذُو الْمَعَارِجِ يَعْنِي الَّذِي يُؤْتِي الْمَنَازِلَ ، وَيُصَرِّفُ الْأُمُورَ عَلَى الْمَرَاتِبِ ، وَيُنَزِّلُ الْمَأْمُورِينَ عَلَى الْمَقَادِيرِ .
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ؛ الْمَنَازِلُ لِلَّهِ يُؤْتِيهَا مَحْمُودَةً لِمَنْ يُحِبُّ ، وَمَذْمُومَةً لِمَنْ يُبْغِضُ .
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ .
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُتِمُّ نُورِهِ ؛ أَيْ يَدُومُ وَلَا يَنْقَطِعُ ، وَيَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى ، فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ بِالْإِيمَانِ ؛ وَبَيْنَ
أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَفِي الْجَنَّةِ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ .
الْمُوفِي أَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْوَكِيلُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُلْقِي إلَيْهِ الْخَلْقُ مَقَالِيدَهُمْ ، فَلَا يَقُومُ بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ .
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُسْتَعَانُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَطْلُبُ الْعَوْنَ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا مِنْهُ .
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمَعْبُودُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُتَذَلَّلُ إلَّا لَهُ .
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمَذْكُورُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَجْرِي لِسَانٌ إلَّا بِهِ ، وَلَا يَعْمُرُ خَاطِرٌ إلَّا بِذِكْرِهِ ، وَلَا يُرَى شَيْءٌ إلَّا وَهُوَ فِيهِ بِأَدِلَّتِهِ وَآثَارِ صَنْعَتِهِ .
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالسَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَمِائَةٌ : أَهْلُ التَّقْوَى ، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ؛ الَّذِي لَا يُتَّقَى سِوَاهُ ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُهُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَذَا مُنْتَهَى مَا حَضَرَ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ لِلتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ ؛ وَقَدْ بَقِيَ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ اسْمًا ضَمَّنَّاهَا كِتَابِ الْأَمَدِ " ، هَذِهِ أُصُولُهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَادْعُوهُ بِهَا } فَهَذَا هُوَ قِسْمُ الْعَمَلِ .
وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّلَبُ ؛ أَيْ اُطْلُبُوا مِنْهُ بِأَسْمَائِهِ ، فَيُطْلَبُ بِكُلِّ اسْمٍ مَا يَلِيقُ بِهِ ، تَقُولُ : يَا رَحِيمُ ارْحَمْنِي ، يَا حَكِيمُ اُحْكُمْ لِي ، يَا رَزَّاقُ اُرْزُقْنِي ، يَا هَادِي اهْدِنِي .
وَإِنْ دَعَوْت بِاسْمٍ عَامٍّ قُلْت : يَا مَالِكُ ارْحَمْنِي ، يَا عَزِيزُ اُحْكُمْ لِي ، يَا لَطِيفُ اُرْزُقْنِي .
وَإِنْ دَعَوْت بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ قُلْت : يَا اللَّهُ ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِكُلِّ اسْمٍ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ ، وَلَا تَقُلْ يَا رَزَّاقُ اهْدِنِي إلَّا أَنْ تُرِيدَ يَا رَازِقُ اُرْزُقْنِي الْهُدَى ، وَهَكَذَا رَتِّبْ دُعَاءَك عَلَى اعْتِقَادِك تَكُنْ مِنْ الْمُحْسِنِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } يُقَالُ : أَلْحَدَ وَلَحَدَ : إذَا مَالَ .
وَالْإِلْحَادُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : بِالزِّيَادَةِ فِيهَا ، وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا ، كَمَا يَفْعَلهُ الْجُهَّالُ الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ أَدْعِيَةً يُسَمُّونَ فِيهَا الْبَارِي بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ وَيَذْكُرُونَهُ بِمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ ؛ فَحَذَارِ مِنْهَا ، وَلَا يَدْعُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَّا بِمَا فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ ؛ وَهِيَ كِتَابُ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ؛ فَهَذِهِ الْكُتُبُ هِيَ بَدْءُ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّصَانِيفِ ؛ وَذَرُوا سِوَاهَا ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ : أَخْتَارُ دُعَاءَ كَذَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اخْتَارَ لَهُ ، وَأَرْسَلَ بِذَلِكَ إلَى الْخَلْقِ رَسُولَهُ .
.
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي آيَاتِهِ ، وَالِاعْتِبَارِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، أَرَادَ بِذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْيَقِينِ ، وَقَوْلًا فِي الْإِيمَانِ ، وَتَثْبِيتًا لِلْقُلُوبِ عَلَى التَّوْحِيدِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ؛ قَالَ : قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ : مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ قَالَتْ : كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ .
قِيلَ لَهُ : أَفَتَرَى الْفِكْرَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
هُوَ الْيَقِينُ .
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .
فَقَالَ : لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَادَةً ؛ إنَّمَا الْعِبَادَةُ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَالْفِكْرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : [ حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ ] : حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ هُنَا تَرْدِيدُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ بِالْخَبَرِ عَنْهُ .
وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً هُوَ مَا يَجْرِي فِي النَّفْسِ ، وَالْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ ، وَأَقَلُّ مَا يَحْضُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْعِلْمِ عِلْمَانِ اثْنَانِ : أَحَدُهُمَا نَسَقُ الْآخَرِ ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَطْلُوبَةٌ ، وَأَنَّ الْمُوَصِّلَ إلَيْهَا آكَدُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ ؛ وَآكَدُ مِنْ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَمَلَكُوتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ؛ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ ، وَهِيَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً ؛ وَأُمَّهَاتُهَا السَّمَوَاتُ ، فَتَرَى كَيْفَ بُنِيَتْ وَزُيِّنَتْ مِنْ غَيْرِ فُطُورٍ وَرُفِعَتْ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَخُولِفَ مِقْدَارُ كَوَاكِبِهَا ، وَنُصِبَتْ سَائِرَةً شَارِقَةً وَغَارِبَةً نَيِّرَةً ، وَمَمْحُوَّةً ؛ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ .
وَالْأَرْضَ فَانْظُرْ إلَيْهَا كَيْفَ وُضِعَتْ فِرَاشًا ، وَوُطِئَتْ مِهَادًا ، وَجُعِلَتْ كِفَاتًا ، وَأَنْبَتَتْ مَعَاشًا ، وَأُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ ، وَزُيِّنَتْ بِالنَّبَاتِ ، وَكُرِّمَتْ بِالْأَقْوَاتِ ، وَأُرْصِدَتْ لِتَصَرُّفِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَعَاشِهَا ؛ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ عِبْرَةٌ تَسْتَغْرِقُ الْفِكْرَةَ : وَالْحَيَوَانُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَالثَّانِي الْجَمَادَاتُ ؛ فَانْظُرْ فِي أَصْنَافِهَا ، وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا ، وَانْقِيَادِهَا وَشَرَسِهَا ، وَتَسْخِيرِهَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا ، زِينَةً وَقُوتًا ، وَتَقَلُّبًا فِي الْأَرْضِ .
وَالْبِحَارُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ عِبْرَةً ، وَأَدَلُّهَا عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ فِي سَعَتِهَا ، وَاخْتِلَافِ خَلْقِهَا ، وَتَسْيِيرِ الْفُلْكِ فِيهَا ، وَخُرُوجِ الرِّزْقِ مِنْهَا ، وَالِانْتِفَاعِ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ بِالْأَثْقَالِ الْوَئِيدَةِ بِهَا .
وَالْهَوَاءُ فَإِنَّهُ خَلْقٌ مَحْسُوسٌ بِهِ قِوَامُ الرُّوحِ فِي الْآدَمِيِّ وَحَيَوَانِ الْبَرِّ ،
كَمَا أَنَّ الْمَاءَ قِوَامٌ لِرُوحِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا فَارَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِوَامَهُ هَلَكَ ، وَانْظُرْ إلَى رُكُودِهِ ثُمَّ اضْطِرَابِهِ ، وَهُوَ بِالرِّيحِ .
وَالْإِنْسَانُ أَقْرَبُهَا إلَيْهَا نَظَرًا ، وَأَكْثَرُهَا إنْ بَحَثَ عِبْرًا ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَفْسِهِ مِنْ حِينِ كَوْنِهَا مَاءً دَافِقًا إلَى كَوْنِهِ خَلْقًا سَوِيًّا ، يُعَانُ بِالْأَغْذِيَةِ ، وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ ، وَيُحْفَظُ بِاللَّبَنِ حَتَّى يَكْتَسِبَ الْقُوَى ، وَيَبْلُغَ الْأَشُدَّ ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ قَالَ أَنَا وَأَنَا ، وَنَسِيَ حِينَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ، وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا .
وَهَذَا زَمَانٌ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا ، فَيَا وَيْحَه إنْ كَانَ مَحْسُورًا فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ، مُكَلَّفٌ مَخُوفٌ بِالْعَذَابِ إنْ قَصَّرَ ، مُرْجًى بِالثَّوَابِ إنْ ائْتَمَرَ ، فَيُقْبِلُ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ يَرَاهُ ، وَلَا يَخْشَى النَّاسَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْذَارٍ ، مَشْحُونٌ مِنْ أَوْضَارٍ ، صَائِرٌ إلَى جَنَّةٍ إنْ أَطَاعَ ، أَوْ إلَى نَارٍ .
وَلِذَلِكَ كَانَ شُيُوخُنَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ فِي الْأَبْيَاتِ الْحِكَمِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْعِلْمِيَّةَ : كَيْفَ يُزْهَى مَنْ رَجِيعُهُ أَبَدَ الدَّهْرِ ضَجِيعُهُ فَهُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَأَخُوهُ وَرَضِيعُهُ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْحَشِّ بِصُغْرٍ فَيُطِيعُهُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَيُّ الْعَمَلَيْنِ أَفْضَلُ : التَّفَكُّرُ أَمْ الصَّلَاةُ ؟ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ النَّاسُ ، فَصَغْوُ أَيْ مَيْلُ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْفِكْرَةَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّهَا تُثْمِرُ الْمَعْرِفَةَ ، وَهِيَ أَفْضَلُ الْمَقَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَصَغْوُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذِّكْرَ أَفْضَلُ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَثِّ وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا ، وَالْإِيعَازِ بِمَنَازِلِهَا وَثَوَابِهَا .
وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فَمَنْ كَانَ شَدِيدَ الْفِكْرِ ، قَوِيَّ النَّظَرِ ، مُسْتَمِرَّ الْمِرَرِ ، قَادِرًا عَلَى الْأَدِلَّةِ ، مُتَبَحِّرًا فِي الْمَعَارِفِ ، فَالْفِكْرُ لَهُ أَفْضَلُ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَالْأَعْمَالُ أَقْوَى لِنَفْسِهِ ، وَأَثْبَتُ لِعُودِهِ .
ثَبَتَ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ زَوْجِهِ مَيْمُونَةَ ، وَبَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُ فِي لَيْلَةٍ لَمْ تَكُنْ مَيْمُونَةُ تُصَلِّي فِيهَا ، فَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجُهُ فِي طُولِ الْوِسَادَةِ ، وَاضْطَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِهَا ؛ فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ؛ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وُضُوءًا خَفِيفًا ، ثُمَّ صَلَّى خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
} فَانْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى جَمْعِهِ بَيْنَ الْفِكْرَةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لِتَأْكِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَتَحْدِيدِهَا حَتَّى تَجَدَّدَتْ لَهُ حَيَاةٌ بِالْهَبِّ مِنْ النَّوْمِ ، ثُمَّ إقْبَالِهِ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَهَا ؛ فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا .
فَأَمَّا طَرِيقَةُ الصُّوفِيَّةِ فَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ مِنْهُمْ يَبْقَى
يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ شَهْرًا مُفَكِّرًا لَا يَفْتُرُ فَطَرِيقَةٌ بَعِيدَةٌ عَنْ الصَّوَابِ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِالشَّرْعِ وَلَا مُسْتَمِرَّةٍ عَلَى السُّنَنِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمَعْنِيِّ بِهَا : وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ { حَوَّاءُ الْأُمُّ الْأُولَى ، حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا ، فَلَمْ تَجِدْ لَهُ ثِقَلًا ، وَلَا قَطَعَ بِهَا عَنْ عَمَلٍ ، فَكُلَّمَا اسْتَمَرَّ بِهَا ثَقُلَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهَا : إنْ كُنْت تَعْلَمِينَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِك مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ جِسْمِك ؛ إنَّهُ لَيَخْرُجُ مِنْ أَنْفِك ، أَوْ مِنْ عَيْنِك ، أَوْ مِنْ فَمِك ، وَرُبَّمَا كَانَ بَهِيمَةً ؛ فَإِنْ خَرَجَ سَلِيمًا يُشْبِهُك تُطِيعِينَنِي فِيهِ ؟ قَالَتْ لَهُ : نَعَمْ .
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ ، فَقَالَ لَهَا : هُوَ صَاحِبُك الَّذِي أَخْرَجَك مِنْ الْجَنَّةِ .
فَلَمَّا وَلَدَتْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ سَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ بِإِشَارَةِ إبْلِيسَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ الْحَارِثَ ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } .
} وَذَلِكَ مَذْكُورٌ وَنَحْوُهُ فِي ضَعِيفِ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ كَثِيرٌ لَيْسَ لَهَا ثَبَاتٌ ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْبٌ ؛ فَإِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِنْ كَانَ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُورُ فَلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَمَا كَانَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقْبَلَا لَهُ نُصْحًا وَلَا يَسْمَعَا مِنْهُ قَوْلًا .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا جِنْسُ الْآدَمِيِّينَ ؛ فَإِنَّ حَالَهُمْ فِي الْحَمْلِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ إلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَإِذَا خَفَّ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ اسْتَمَرُّوا بِهِ ؛ فَإِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ
نَذَرُوا كُلَّ نَذْرٍ فِيهِ ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُمْ ذَلِكَ الْوَلَدُ جَعَلُوا فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ شُرَكَاءَ فِي تَسْمِيَتِهِ وَعَمَلِهِ ، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى الْأَصْنَامِ ، وَيَجْعَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ ، وَأَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَعُمُومُهَا الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مُتَنَاوَلَاتِهَا ، وَيَسْلَمُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ عَنْ النَّقْصِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجُهَّالِ الْبَشَرِ ، فَكَيْفَ بِسَادَتِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : أَوَّلُ الْحَمْلِ بِشْرٌ وَسُرُورٌ ، وَآخِرُهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ إنَّهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ يُعْطِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا وَلَا يَدْعُو الْمَرْءُ هَذَا الدُّعَاءَ إلَّا إذَا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ .
وَهَذِهِ الْحَالُ مُشَاهَدَةٌ فِي الْحَوَامِلِ ، وَلِأَجْلِ عِظَمِ الْأَمْرِ وَشِدَّةِ الْخَطْبِ جُعِلَ مَوْتُهَا شَهَادَةً ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سَوَاءٌ : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَذَكَرَ : الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ .
}
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ فَحَالُ الْحَامِلِ حَالُ الْمَرِيضِ فِي أَفْعَالِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ فِعْلَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَهَبُ أَوْ يُحَابِي فِي ثُلُثِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ حَالُ الطَّلْقِ ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا ؛ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَمْلَ عَادَةٌ وَأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَرَضِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ السَّلَامَةُ ، وَقَدْ يَمُوتُ مَنْ لَمْ يَمْرَضْ ، وَلَكِنْ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَالِ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إنْكَارَ مَرَضِ الْحَامِلِ عِنَادٌ ظَاهِرٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ الْمَحْبُوسَ فِي قَوَدٍ أَوْ قِصَاصٍ ، وَحَاضِرَ الزَّحْفِ .
وَأَنْكَرَهُ الْإِمَامَانِ الْمَذْكُورَانِ وَغَيْرُهُمَا ، فَإِذَا اسْتَوْعَبْت النَّظَرَ لِمَ تَرَتَّبَ فِي أَنَّ الْمَحْبُوسَ عَلَى الْقَتْلِ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الْمَرِيضِ ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ غَفْلَةٌ فِي النَّظَرِ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الْمَوْتِ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمَا ، كَمَا أَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ الْمَوْتِ ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } وَهِيَ : الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ السُّورَةِ ، وَذُكِرَتْ هَاهُنَا لِاقْتِضَاءِ الْقَوْلِ إيَّاهَا ، وَإِنَّمَا رَأَوْا أَسْبَابَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ رُوَيْشِدُ الطَّائِيُّ : يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئْكُمْ إنِّي أَنَا الْمَوْتُ وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَهِيَ : الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ السُّورَةِ اقْتَضَاهَا الْقَوْلُ هَاهُنَا : { إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْحَالَةَ الشَّدِيدَةَ إنَّمَا هِيَ الْمُبَارَزَةُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ ، وَتَدَانِي الْفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ الْعُظْمَى مِنْ بُلُوغِ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ ، وَمِنْ سُوءِ الظُّنُونِ بِاَللَّهِ ، وَمِنْ زَلْزَلَةِ الْقُلُوبِ وَاضْطِرَابِهَا ، هَلْ هَذِهِ الْحَالُ تُرَى عَلَى الْمَرِيضِ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَشُكُّ فِيهِ مُنْصِفٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا لِمَنْ ثَبَتَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَشَاهَدَ الرَّسُولَ وَآيَاتِهِ ، فَكَيْفَ بِنَا ؟ وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا خَبَرٌ مِنْ الْأَخْبَارِ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا الْأَحْبَارُ ، وَلَا قَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ إلَّا الْأَخْيَارُ ، وَهَذَا كُلُّهُ يُعَرِّفُكُمْ قَدْرَ مَالِكٍ عَلَى سَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي النَّظَرِ ، وَيُبَصِّرُكُمْ اسْتِدَادَهُ عَلَى سَوَاءِ الْفِكَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي رَاكِبِ الْبَحْرِ ؛ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَامِلِ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَامِلِ إذَا بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ .
وَابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَرْكَبْ الْبَحْرَ ، وَلَا رَأَى أَنَّهُمْ دُودٌ عَلَى عُودٍ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُوقِنَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ وَحْدَهُ لَا فَاعِلَ مَعَهُ ، وَأَنَّ الْأَسْبَابَ ضَعِيفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لِمُوقِنٍ بِهَا ، وَيَتَحَقَّقُ التَّوَكُّلُ وَالتَّفْوِيضُ فَلْيَرْكَبْ الْبَحْرَ ، وَلَوْ عَايَنَ ذَلِكَ سَبْعِينَ مِنْ الدَّهْرِ ، وَتَطْلُعُ لَهُ الشَّمْسُ فِي الْمَاءِ وَتَغْرُبُ فِيهِ ، وَيَتْبَعُهَا الْقَمَرُ كَذَلِكَ ، وَلَا يَسْمَعُ لِلْأَرْضِ خَبَرًا ، وَلَا تَصْفُو سَاعَةٌ مِنْ كَدَرٍ ، وَيَعْطَبُ فِي آخِرِ الْحَالِ ، كَانَ رَأْيُهُ كَرَأْيِ أَشْهَبَ ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُ الْمَقَالَ وَيُسَدِّدُ بِعِزَّتِهِ الْمَذْهَبَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي فِطْرِهَا وَفِدْيَتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
: الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْعَفْوِ : قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي الْإِطْلَاقِ وَالِاشْتِقَاقِ ، وَاخْتَلَفَ إيرَادُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْفَضْلُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ، نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ ؛ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الزَّكَاةُ ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ .
وَسَمَّاهَا عَفْوًا ؛ لِأَنَّهُ فَضْلُ الْمَالِ وَجُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَمْرٌ بِالِاحْتِمَالِ وَتَرْكِ الْغِلْظَةِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْقِتَالِ .
الرَّابِعُ : خُذْ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ؛ قَالَهُ ابْنَا الزُّبَيْرِ مَعًا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ جِبْرِيلُ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ ، فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَك } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْعُرْفُ : الْمَعْرُوفُ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ .
الثَّانِي : قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ الْمَحَاسِنِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { أَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُحْكَمٌ ، أُمِرَ بِاللِّينِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رَوَى { جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : رَكِبْت قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْت إلَى مَكَّةَ ، فَطَلَبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَخْت قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ ، فَدَلُّونِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ طَرَائِقُ حُمْرٌ ، فَقُلْت : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْك السَّلَامُ .
فَقُلْت : إنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ قَوْمٌ فِينَا الْجَفَاءُ فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا .
قَالَ : اُدْنُ مِنَّا .
فَدَنَوْت ، فَقَالَ : أَعِدْ عَلَيَّ .
فَأَعَدْت .
فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِك فِي إنَاءِ أَخِيك ، وَإِنْ أَحَدٌ سَبَّك بِمَا يَعْلَمُ مِنْك فَلَا تَسُبَّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَك أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا ، وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَك اللَّهُ .
فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَبَبْت بَعْدَهُ لَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا .
} الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِي يُدْنِيهِمْ عُمَرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْنَ أَخِي ؛ لَك وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَك .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْجَدُّ لِعُيَيْنَةَ ، فَأَذِنَ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : هِيهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَاَللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلَا تَحْكُمُ فِينَا بِالْعَدْلِ .
فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ :
الْعَفْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ : { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ ، وَاَللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا الْعَفْوُ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي مُتَنَاوَلَاتِهِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُذْ مَا خَفَّ وَسَهُلَ مِمَّا تُعْطَى ، فَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ التَّمْرَةَ وَالْقَبْضَةَ وَالْحَبَّةَ وَالدِّرْهَمَ وَالسَّمَلَ ، وَلَا يَلْمِزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَعِيبُهُ } : وَلَقَدْ كَانَ يُسْقِطُ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ : { مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ قَطُّ } .
وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ : فَقَدْ { كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى ، وَيَحْتَمِلُ الْجَفَاءَ ، حَتَّى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } .
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ النَّاسِ : فَهُوَ كَانَ أَقْدَرَ الْخَلْقِ عَلَيْهَا وَأَوْلَاهُمْ بِهَا ، فَإِنَّهُ كَانَ يَلْقَى كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ شَيْخٍ وَعَجُوزٍ ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَبِدَوِيٍّ وَحَضَرِيٍّ ، وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ ، وَلَقَدْ { كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُوقِفُهُ فِي السِّكَّةِ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، وَلَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِأَخٍ لِأَنَسٍ صَغِيرٍ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ } .
وَلَقَدْ { كَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِلُغَاتِهِمْ ، فَيَقُولُ لِمَنْ سَأَلَهُ أَمِنَ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ }
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ بِالْعُرْفِ : أَمَّا الْعُرْفُ : فَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمَعْرُوفُ مِنْ الدِّينِ الْمَعْلُومُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ الَّتِي أُمَّهَاتُهَا وَأُصُولُهَا الثَّلَاثُ الَّتِي يُقَالُ إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهَا : أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك ، فَلَا شَيْءَ أَفْضَلَ مِنْ صِلَةِ الْقَاطِعِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَمِ النَّفْسِ ، وَشَرَفِ الْحِلْمِ ، وَخُلُقِ الصَّبْرِ الَّذِي هُوَ مِفْتَاحُ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَفِي الْأَثَرِ : { لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا } .
وَقَالَ : { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ } .
وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا : بَلَى .
قَالَ : فَاجْمَعُوا حَطَبًا .
فَجَمَعُوا .
فَقَالَ : أَوْقِدُوا لِي نَارًا .
فَأَوْقَدُوهَا .
فَقَالَ : اُدْخُلُوهَا .
فَهَمُّوا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ : فَرَرْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ .
فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ } ، يُرِيدُ الَّذِي يَجُوزُ فِي الدِّينِ مَوْقِعُهُ وَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ : وَأَمَّا الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ ، عَامٌّ فِي كُلِّ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَهُمْ .
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ } .
وَقَالَتْ { أَسْمَاءُ : إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صِلِي أُمَّك } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ ، قَدْ تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَسَنَةٌ إلَّا أَوْضَحَتْهَا ، وَلَا فَضِيلَةٌ إلَّا شَرَحَتْهَا ، وَلَا أُكْرُومَةٌ إلَّا افْتَتَحَتْهَا ، وَأَخَذَتْ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ أَقْسَامَ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةَ .
فَقَوْلُهُ : { خُذْ الْعَفْوَ } تَوَلَّى بِالْبَيَانِ جَانِبَ اللِّينِ ، وَنَفْيَ الْحَرَجِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَالتَّكْلِيفِ .
وَقَوْلُهُ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ ؛ وَإِنَّهُمَا مَا عُرِفَ حُكْمُهُ ، وَاسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعُهُ ، وَاتَّفَقَتْ الْقُلُوبُ عَلَى عِلْمِهِ .
وَقَوْلُهُ : { وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } تَنَاوَلَ جَانِبَ الصَّفْحِ بِالصَّبْرِ الَّذِي بِهِ يَتَأَتَّى لِلْعَبْدِ كُلُّ مُرَادٍ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ شَرَحْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ لَكَانَ أَسْفَارًا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ ، فَقَرَأَ أُنَاسٌ مِنْ خَلْفِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ } ؛ فَسَكَتَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ : مَالِكٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جُهِرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي آنِفًا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ ، نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ : إنِّي أَقُولُ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
} وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : وَأَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إنِّي لَا أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إمَامِكُمْ .
قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إي وَاَللَّهِ .
قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا } .
وَقَدْ رَوَى النَّاسُ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ، أَعْظَمُهُمْ فِي ذَلِكَ اهْتِبَالًا
الدَّارَقُطْنِيُّ .
وَقَدْ جَمَعَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا ، وَكَانَ رَأْيُهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ، وَهِيَ إحْدَى رِوَايَاتِ مَالِكٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، غَيْرُ تَمَامٍ .
فَقُلْت : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ إنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، وَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِك ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَنِصْفُهَا لِي ، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اقْرَءُوا ، يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
يَقُولُ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .
يَقُولُ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
يَقُولُ الْعَبْدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .
فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ } .
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ .
} وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَقَرَأَ قَوْمٌ خَلْفَهُ ، فَقَالَ : مَا لَكُمْ لَا تَعْقِلُونَ ؟ { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .
وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ :
نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الصَّلَاةِ .
وَقِيلَ : كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ أَنَّ فَتًى كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَرَأَ فِيهِ النَّبِيُّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ فِيهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ؛ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ فِيهَا قَلِيلٌ ، وَالْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِهَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَرَأَ بِهَا ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا .
وَأَصَحُّ مِنْهُ قَوْلُ جَابِرٍ : لَا يُقْرَأُ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ خَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا } ؛ وَهَذَا نَصٌّ لَا مَطْعَنَ فِيهِ ، يُعَضِّدُهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، وَقَدْ غَمَزَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ قَدْ أَشَرْنَا إلَى بَعْضِهَا ، وَذَكَرْنَا نُبَذًا مِنْهَا ، وَالتَّرْجِيحُ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ فِيهَا .
وَاَلَّذِي نُرَجِّحُهُ وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ فِي الْإِسْرَارِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ .
وَأَمَّا الْجَهْرُ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حُكْمُ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } .
وَقَدْ عَضَّدَتْهُ السُّنَّةُ بِحَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : { قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا } .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : فِي التَّرْجِيحِ : إنَّ الْقِرَاءَةَ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا فَمَتَى يَقْرَأُ ؟ فَإِنْ قِيلَ : يَقْرَأُ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ .
قُلْنَا : السُّكُوتُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ فَكَيْفَ يُرَكَّبُ فَرْضٌ
عَلَى مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَجَدْنَا وَجْهًا لِلْقِرَاءَةِ مَعَ الْجَهْرِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْقَلْبِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ ، وَهَذَا نِظَامُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، وَحِفْظُ الْعِبَادَةِ ، وَمُرَاعَاةُ السُّنَّةِ ، وَعَمَلٌ بِالتَّرْجِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبَّك فِي نَفْسِك تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ } .
وَهِيَ : الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ فَقَوْلُهُ : { فِي نَفْسِك } يَعْنِي صَلَاةَ الْجَهْرِ .
وَقَوْلُهُ : { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ } يَعْنِي صَلَاةَ السِّرِّ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ فِيهِ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه قَلِيلًا بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّمَا خَرَجَتْ الْآيَةُ عَلَى سَبَبٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يُكْثِرُونَ اللَّغَطَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَيَمْنَعُونَ مِنْ اسْتِمَاعِ الْأَحْدَاثِ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِنْصَاتِ حَالَةَ أَدَاءِ الْوَحْيِ ، لِيَكُونَ عَلَى خِلَافِ حَالِ الْكُفَّارِ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ ؛ فَلَا يَنْفَعُ مُعْتَمَدُهُ .
الثَّانِي : أَنَّ سَبَبَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّعَلُّقِ بِظَاهِرِهِ إذَا كَانَ عَامًّا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ وَلَا لِلشَّافِعِيَّةِ كَلَامٌ يَنْفَعُ بَعْدَمَا رَجَّحْنَا بِهِ وَاحْتَجَجْنَا بِمَنْصُوصِهِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَمْهِيدًا يُسَكِّنُ كُلَّ جَأْشٍ نَافِرٍ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا وَمُنْتَظِمَةٌ مَعَ مَا سَبَقَهَا ؛ وَهِيَ إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا دَائِمُونَ ، وَعَلَيْهَا قَائِمُونَ ، وَبِهَا عَامِلُونَ ؛ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ فِيمَا أُمِرْت بِهِ وَكُلِّفْته .
وَهَذَا خِطَابُهُ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأُمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ أَوَّلُ سُجُودِ الْقُرْآنِ ، وَفِيهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً : الْأُولَى : هَذِهِ ، خَاتِمَةُ الْأَعْرَافِ .
الثَّانِيَةُ : فِي الرَّعْدِ : { وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } .
الثَّالِثَةُ : فِي النَّحْلِ : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
الرَّابِعَةُ : فِي بَنِي إسْرَائِيلَ : { وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } .
الْخَامِسَةُ : فِي مَرْيَمَ : { خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } .
السَّادِسَةُ : فِي أَوَّلِ الْحَجِّ : { يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } .
السَّابِعَةُ : فِي آخِرِ الْحَجِّ : { تُفْلِحُونَ } .
الثَّامِنَةُ : فِي الْفُرْقَانِ : { نُفُورًا } .
التَّاسِعَةُ : فِي النَّمْلِ : { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
الْعَاشِرَةُ : فِي تَنْزِيلُ : { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي ص : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } .
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِي حم : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : آخِرُ النَّجْمِ : { وَاعْبُدُوا } .
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي الِانْشِقَاقِ قَوْلُهُ : { لَا يَسْجُدُونَ } .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : خَاتِمَةُ الْقَلَمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ وَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي ، فَيَقُولُ : يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِيَ
النَّارُ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ ، فَيَسْجُدُ .
وَنَسْجُدُ مَعَهُ ، حَتَّى مَا يَجِدَ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ لِيَسْجُدَ فِيهِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَامَ الْحَجِّ سَجْدَةً ، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، مِنْهُمْ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى إنَّ الرَّاكِبَ يَسْجُدُ عَلَى ثَوْبِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ وَاجِبٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ عَوَّلَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ عَلَى الْوُجُوبِ .
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ } وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا إذَا قَرَأَهَا .
وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ الثَّابِتِ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ .
ثُمَّ قَرَأَ بِهَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكُمْ ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا ، إلَّا أَنْ نَشَاءَ .
وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِهِ فِي ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا حَمَلْنَا جَمِيعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ ، فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ } .
إخْبَارٌ عَنْ السُّجُودِ الْوَاجِبِ ؛ وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الطَّهَارَةُ ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ .
وَكَذَلِكَ التَّكْبِيرُ مِثْلُهُ ؛ فَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ ، وَكَذَلِكَ إذَا رَفَعَ كَبَّرَ } وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا هَلْ فِيهَا تَحْلِيلٌ بِالسَّلَامِ أَمْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ فِيهَا تَحْلِيلًا بِالسَّلَامِ ] لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَهَا تَكْبِيرٌ ، فَكَانَ فِيهَا سَلَامٌ ، كَصَلَاةِ
الْجِنَازَةِ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ قَوْلٌ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي صَلَاتِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؛ فَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهَا تُصَلَّى فِيهَا ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِيَةُ : لَا تُصَلَّى ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
مُتَعَلَّقُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ ، وَمُتَعَلَّقُ الْقَوْلِ الثَّانِي عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَوَاتِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ عَامٌّ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَالنَّهْيَ خَاصٌّ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ؛ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : سَجْدَةُ الْحَجِّ الثَّانِيَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ وَغَيْرُهُمَا : هِيَ عَزِيمَةٌ .
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا : إنَّهَا لَيْسَتْ سُجُودَ عَزِيمَةٍ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِيهَا وَهُوَ يَفْهَمُ الْأَمْرَ أَقْعَدَ ، وَبَيْنَ قَوْمٍ كَانُوا أَفْهَمَ وَأَسَدَّ ؛ فَبِهِمْ فَاقْتَدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْجَدُ فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَمَا يُعْلِنُونَ } عِنْدَ تَمَامِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُسْجَدُ عِنْدَ قَوْلِهِ : { الْعَلِيمُ } .
الَّذِي فِيهِ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَهُوَ أَقْوَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : سَجْدَةُ " ص " : عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَجْدَةُ شُكْرٍ ، وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَهَا .
} وَقَالَ مَالِكٌ : هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهِيَ عَزِيمَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ لَهُ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : ص ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ وَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا } الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : السُّجُودُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ قَوْلِهِ : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَمَوْضِعُ الْخُضُوعِ وَالْإِنَابَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَحُسْنَ مَآبٍ } لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ التَّوْبَةِ وَحُسْنِ الْمَآبَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ ؛ رَجَاءَ الِاهْتِدَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ وَالْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الِامْتِثَالِ ، كَمَا غُفِرَ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : السُّجُودُ فِي فُصِّلَتْ : عِنْدَ قَوْلِهِ : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } لِأَنَّهُ انْتِهَاءُ الْأَمْرِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ امْتِثَالِ مَنْ أُمِرَ عِنْدَ ذِكْرِ مَنْ اسْتَكْبَرَ ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ .
وَالْأَوَّلُ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَثِلُ الْأَمْرَ وَيَخْرُجُ عَمَّنْ اسْتَكْبَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : أَمَّا سَجْدَةُ " النَّجْمِ " : فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَرَأَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا } .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى الْعُلَمَاءُ الْأَئِمَّةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَالنَّجْمِ ، فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ ، فَرَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ ، وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا } .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ } ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ لَهُمْ : { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فَسَجَدَ فِيهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا وَفِي : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ } .
قُلْنَا : هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَصِحَّ إسْنَادُهُ ، وَلَوْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهِ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ فِي صَلَاةِ جَمَاعَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ : { الم تَنْزِيلُ } السَّجْدَةَ ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .
سُورَةُ الْأَنْفَالِ فِيهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي ثَلَاثُ آيَاتٍ : النَّفَلُ ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، وَالثُّلُثُ .
وَرَوَى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْت بِسَيْفٍ ؛ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، هَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ .
فَقَالَ : هَذَا لَيْسَ لَك وَلَا لِي فَقُلْت : عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لَا يُبْلِي بَلَائِي ، فَجَاءَنِي الرَّسُولُ فَقَالَ : إنَّك سَأَلْتنِي وَلَيْسَ لِي ، وَلَقَدْ صَارَ لِي وَهُوَ لَك } فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ صَحِيحٌ .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ { سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَرَجَا يَتَنَفَّلَانِ نَفْلًا ، فَوَجَدَا سَيْفًا مُلْقًى يُقَالُ كَانَ لِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، فَخَرَّا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : هُوَ لِي .
وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : هُوَ لِي ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَك ، رَأَيْنَاهُ جَمِيعًا وَخَرَرْنَا عَلَيْهِ جَمِيعًا .
فَقَالَ : لَا أُسَلِّمُهُ إلَيْك حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمَّا عَرَضَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ : لَيْسَ لَك يَا سَعْدُ وَلَا لِلْأَنْصَارِيِّ ، وَلَكِنَّهُ لِي ، فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } فَاتَّقِ اللَّهَ يَا سَعْدُ وَالْأَنْصَارِيُّ ، وَأَصْلِحَا ذَاتَ بَيْنِكُمَا ، وَأَطِيعَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
يَقُولُ أَسْلَمَ السَّيْفَ إلَيْهِ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : النَّفَلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، وَمِنْهَا نَفْلُ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى فَرْضِهَا ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَلَدِ ، وَالْغَنِيمَةُ نَافِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِيمَا أُحِلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى غَيْرِهَا ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ } .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ [ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَالَ : { فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا ، فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ : إنَّك مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا ، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ بِجَمْعِ الْغَنَائِمِ ، فَجَاءَتْ النَّارُ لِتَأْكُلَهَا ، فَلَمْ تَطْعَمْهَا .
فَقَالَ : إنْ فِيكُمْ غُلُولًا قَبَلِيًّا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُك ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : فِيكُمْ الْغُلُولُ ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ ، فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ، وَرَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا }
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : كَانَتْ بَدْرٌ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِشَهْرَيْنِ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عِدَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَقَالَ : كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ .
وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : { سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عِدَّةِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ : كَمْ يَطْعَمُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ فَقِيلَ لَهُ : يَوْمًا عَشْرًا وَيَوْمًا تِسْعَ جَزَائِرَ .
فَقَالَ : الْقَوْمُ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ } وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : { لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ .
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ .
ثُمَّ قَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : كَأَنَّك إيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ .
لَوْ أَتَيْت الْيَمَنَ لَسَلَلْنَا سُيُوفَنَا وَاتَّبَعْنَاك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَصَافَّكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْأَنْفَالُ ، الْغَنَائِمُ ، الْفَيْءُ .
فَالنَّفَلُ : الزِّيَادَةُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الْغَنِيمَةُ فَإِنَّهَا زِيَادَةُ الْحَلَالِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ .
وَالْغَنِيمَةُ : مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِقِتَالٍ .
وَالْفَيْءُ : مَا أُخِذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ
، وَهُوَ انْتِفَاعُ الْمُؤْمِنِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي مَحَلِّ الْأَنْفَالِ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَحَلُّهَا الْخُمُسُ .
الثَّانِي : مَحَلُّهَا مَا عَادَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَرْبٍ .
الثَّالِثُ : رَأْسُ الْغَنِيمَةِ حَسْبَمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ .
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : لَا آمُرُك وَلَا أَنْهَاك .
فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا إلَّا مُحَلِّلًا وَمُحَرِّمًا .
قَالَ الْقَاسِمُ : فَسُلِّطَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّفَلِ ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَرَسُ مِنْ النَّفَلِ ، وَالسِّلَاحُ مِنْ النَّفَلِ .
وَأَعَادَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَغْضَبَهُ .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتَدْرُونَ مَا مِثْلُ هَذَا ؟ مِثْلُ صَنِيعِ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاءُ عَلَى عَقِبَيْهِ أَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ ، س فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْك لِابْنِ عُمَرَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَعَطَاءٌ : هِيَ مَا شَذَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ : { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخُمُسِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ؛ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : لِمَنْ يُدْفَعُ هَذَا الْخُمُسُ ؟ لَمْ يَخْرُجْ مِنَّا .
فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ ، } كَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْإِمَامَ يُعْطِي مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ سَلَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .
فَأَمَّا هَذَا السُّؤَالُ هَاهُنَا فَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي نَفْلٌ عَلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا مِنْ الْحَلَالِ عَلَى الْأُمَمِ .
الْمَعْنَى : يَسْأَلُك أَصْحَابُك يَا مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي نَفَّلْتُكهَا .
قُلْ لَهُمْ : هِيَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَخْتَلِفُوا ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، لِئَلَّا يُرْفَعَ تَحْلِيلُهَا عَنْكُمْ
بِاخْتِلَافِكُمْ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا .
فَتَسَارَعَ إلَى ذَلِكَ الشُّبَّانُ ، وَثَبَتَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَيْهِمْ جَاءُوا يَطْلُبُونَ شَرْطَهُمْ ، فَقَالَ الشُّيُوخُ : لَا تَسْتَأْثِرُوا بِهِ عَلَيْنَا ، كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ ، لَوْ انْهَزَمْتُمْ لَانْحَزْتُمْ إلَيْنَا ، فَأَبَى الشُّبَّانُ وَقَالُوا : جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَنَا ، فَتَنَازَعُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } } .
وَرُوِيَ { أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ لَنَا ، حَرَسْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ لَنَا ، اتَّبَعْنَا أَعْدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : نَحْنُ أَوْلَى بِهَا ، أَخَذْنَاهَا ، فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } } وَرَوَى { أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَأَلْت عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ ، فَقَالَ : فِينَا أَصْحَابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا ، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَوَاءٍ ؛ أَيْ عَلَى السَّوَاءِ .
} الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : { فَسَلَّمُوا لِرَسُولِ اللَّهِ الْأَمْرَ فِيهَا ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّفَلُ مِنْ حَقِّ أَحَدٍ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ .
وَهُوَ الْخُمُسُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : خَرَجْنَا فِي سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ ، فَأَصَبْنَا إبِلًا ، فَقَسَّمْنَاهَا ،
فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا .
فَأَمَّا : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَهِيَ سَلَبُ الْقَتِيلِ : فَإِنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ لِغَنَاءٍ فِي الْمُعْطَى : أَوْ مَنْفَعَةٍ تُجْلَبُ ، أَوْ ائْتِلَافٍ يُرْغَبُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمَالِكِينَ .
فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ فَمُتَعَارِضَةٌ ، رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ } .
وَقَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَأَعْطَى السَّلَبَ لِأَبِي قَتَادَةَ بِمَا أَقَامَ مِنْ الشَّهَادَةِ ، وَقَضَى بِالسَّلَبِ أَجْمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَوْمَ ذِي قَرَدٍ } .
قُلْنَا : هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ .
وَهَلْ إعْطَاءُ ذَلِكَ لَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ حَقِّ النَّبِيِّ وَهُوَ الْخُمُسُ ؟ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةَ حَقٍّ عَلَى الْأَخْمَاسِ ، فَجَعَلَ خُمُسَهَا لِرَسُولِهِ ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا وَقُتِلُوا ، فَهُمْ فِيهَا شَرْعٌ سَوَاءٌ ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهَا بِهِ ؛ وَالِاشْتِرَاكُ فِي السَّبَبِ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْمُسَبَّبِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الْمُسَبِّبِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي السَّبَبِ ؛ هَذِهِ حِكْمَةُ الشَّرْعِ وَحُكْمُهُ ، وَقَضَاءُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ، وَعِلْمُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ ، فَمَنَعَهُ خَالِدٌ ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ ؛ فَأَخْبَرَ عَوْفٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِخَالِدٍ : مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ ؟ قَالَ : اسْتَكْثَرْته يَا
رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : ادْفَعْهُ إلَيْهِ .
فَلَقِيَ عَوْفٌ خَالِدًا فَجَرَّهُ بِرِدَائِهِ ، وَقَالَ : هَلْ أَنْجَزْت مَا ذَكَرْت لَك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتُغْضِبَ ، فَقَالَ : لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدٌ .
هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي إمْرَتِي } .
وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ حَقًّا لَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ فِي الْأَمْوَالِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ : مَا كَانَ النَّاسُ يُنَفِّلُونِ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَفَلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ .
وَلَمْ يَصِحَّ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : النَّفَلُ عَلَى قِسْمَيْنِ : جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ ، فَالْجَائِزُ بَعْدَ الْقِتَالِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ } .
وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يُقَالَ قَبْلَ الْقَتْلِ : " مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا " .
وَإِنَّمَا كُرِهَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ لِلْغَنِيمَةِ .
{ وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، وَيَحِقُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِنْ نَوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيمَةَ ؛ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُهُ الْمَغْنَمَ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } قَوْلُهُ : { لِلَّهِ } اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، وَابْتِدَاءٌ بِالْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ مَرْمَى ، الْكُلُّ لِلَّهِ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : ( وَالرَّسُولِ ) قِيلَ : أَرَادَ بِهِ مِلْكًا .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ وِلَايَةَ قَسَمٍ وَبَيَانَ حُكْمٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } وَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُمَلِّكَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفًا وَتَقْدِيمًا بِالْحَقِيقَةِ ، وَيَرُدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَضُّلًا عَلَى الْخَلِيقَةِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى { ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ مُقْبِلٌ مِنْ الشَّامِ نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ ، وَقَالَ : هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا الْأَمْوَالُ ، فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا فَانْتُدِبَ النَّاسُ ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ ، وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَلْقَى حَرْبًا ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنْ الرُّكْبَانِ ؛ تَخَوُّفًا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ اسْتَنْفَرَ لَك ، فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ ، وَبَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا يَسْتَنْفِرُهُمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ .
فَمَضَى ضَمْضَمٌ ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِخُرُوجِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ، وَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ امْضِ لِمَا أَمَرَك اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ سِرْت إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ يَعْنِي مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ لَجَالَدْنَا مَعَك مِنْ دُونِهِ .
ثُمَّ قَالَ الْأَنْصَارُ بَعْدُ : أَنْ امْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أُمِرْت ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك .
فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى الْتَقَى بِالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ ، فَمَنَعُوا الْمَاءَ ، وَالْتَقَوْا ، وَنَصَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ ، فَقَتَلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا كَانَ مَعَهُمْ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ : عَلَيْك بِالْعِيرِ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ .
فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي الْأَسْرَى : لَا يَصْلُحُ هَذَا .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَك إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَقَدْ أَعْطَاك مَا وَعَدَك .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقْت .
وَعَلِمَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ مِنْ تَحَدُّثِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ بَدْرٍ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ .
}
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَلَقَّى الْعِيرَ بِالْأَمْوَالِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّفْرِ لِلْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ حَلَالٌ ، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { إنَّ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُونَ مَنْ يُقَاتِلُ لِلْغَنِيمَةِ } يُرَادُ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَصْدَهُ وَحْدَهُ ، لَيْسَ لِلدِّينِ فِيهِ حَظٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } ، فَقَالَ مَالِكٌ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ : قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّهُمْ أَمْوَاتٌ ، أَفَيَسْمَعُونَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ قَالَ قَتَادَةُ : أَحْيَاهُمْ اللَّهُ لَهُ } .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ ، وَلَا فَنَاءَ صِرْفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبَدُّلُ حَالٍ ، وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ ، وَالرُّوحُ إنْ كَانَ جِسْمًا فَيَنْفَصِلُ بِذَاتِهِ عَنْ الْجَسَدِ ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا فَلَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ يَقُومُ بِهِ يُفَارِقُ الْجَسَدَ مَعَهُ ، وَلَعَلَّهُ عَجْبُ الذَّنَبِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ كُلَّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ } .
وَالرُّوحُ هِيَ السَّامِعَةُ الْوَاعِيَةُ الْعَالِمَةُ الْقَابِلَةُ ، إلَّا أَنَّ الْبَارِيَ لَا يَخْلُقُ الْإِدْرَاكَ إلَّا كَمَا يَشَاءُ ، فَلَا يَخْلُقُ إدْرَاكَ الْآخِرَةِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَخْلُقُ إدْرَاكَ الدُّنْيَا لِأَهْلِ الْآخِرَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَسْمَعَ أَهْلَ الْآخِرَةِ حَالَ أَهْلِ الدُّنْيَا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : { أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُ أَهْلُهُ ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ ، إذْ أَتَاهُ مَلَكَانِ } الْحَدِيثَ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ : أَتُكَلِّمُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقَالَ : مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ }
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ : خِيَارُنَا .
فَقَالَ جِبْرِيلُ : إنَّهُمْ كَذَلِكَ فِينَا } .
وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ شَرَفَ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ بِالذَّوَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْأَفْعَالِ ؛ وَلِلْمَلَائِكَةِ أَفْعَالُهَا الشَّرِيفَةُ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّسْبِيحِ الدَّائِمِ ، وَلَنَا نَحْنُ أَفْعَالُنَا بِلَا إخْلَاصٍ فِي الطَّاعَةِ .
وَتَتَفَاضَلُ الطَّاعَاتُ بِتَفْضِيلِ الشَّرْعِ لَهَا ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَأَنْجَزَ اللَّهُ لِرَسُولِ وَعْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، وَصَرَعَ صَنَادِيدَ الْمُشْرِكِينَ ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَشَفَى صَدْرَ رَسُولِهِ وَصُدُورَهُمْ مِنْ غَيْظِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ : عَرَفْت دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ كَخَطِّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ تَدَاوَلَهَا الرِّيَاحُ وَكُلُّ جَوْنٍ مِنْ الْوَسْمِيِّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ فَأَمْسَى رَبْعُهَا خَلِقًا وَأَمْسَتْ يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ فَدَعْ عَنْك التَّذَكُّرَ كُلَّ يَوْمٍ وَرَوِّ حَرَارَةَ الصَّدْرِ الْكَئِيبِ وَخَبِّرْ بِاَلَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ بِصِدْقٍ غَيْرَ أَخْبَارِ الْكَذُوبِ بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصِيبِ غَدَاةَ كَأَنَّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنَّا بِجَمْعٍ كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ أَمَامَ مُحَمَّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ وَكُلُّ مُجَرَّبٍ خَاظِي الْكُعُوبِ بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفُ وَازَرَتْهَا بَنُو النَّجَّارِ فِي الدِّينِ الصَّلِيبِ فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقًّا
وَأَمْرُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ فَمَا نَطَقُوا ، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا صَدَقْت ، وَكُنْت ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { زَحْفًا } : يَعْنِي مُتَدَانِينَ ، وَالتَّزَاحُفُ هُوَ التَّدَانِي وَالتَّقَارُبُ ، يَقُول : إذَا تَدَانَيْتُمْ وَتَعَايَنْتُمْ فَلَا تَفِرُّوا عَنْهُمْ ، وَلَا تُعْطُوهُمْ أَدْبَارَكُمْ ، حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الْجِهَادَ ، وَقَتْلَ الْكُفَّارِ ؛ لِعِنَادِهِمْ لِدِينِ اللَّهِ ، وَإِبَايَتِهِمْ عَنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
فَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي يَكُونُ هَذَا مَعَهُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ أَمْ عَامٌّ فِي الزُّحُوفِ كُلِّهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ؛ وَبِهِ قَالَ نَافِعٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، وَالضَّحَّاكُ .
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا شَذَّ مَنْ شَذَّ بِخُصُوصِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ بَدْرٍ ، وَلَيْسَ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ الزَّحْفِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْقِتَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ ، وَذَهَابِ الْيَوْمِ بِمَا فِيهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْكَبَائِرَ كَذَا .
وَعِنْدَ الْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ ، وَيُبَيِّنُ الْحُكْمَ ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى النُّكْتَةِ الَّتِي وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِيهَا لِمَنْ وَقَعَ بِاخْتِصَاصِهِ بِيَوْمِ بَدْرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَّا يَوْمُ بَدْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يُسْلِمُوهُ لِأَعْدَائِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تُطْرَفُ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْجُيُوشِ وَأَيَّامُ الْقِتَالِ فَلَهَا أَحْكَامٌ تُسْتَقْصَى فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْت إذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
هِيَ مِنْ تَوَابِعِ مَا تَقَدَّمَ وَرَوَابِطِهِ ؛ فَإِنَّ السُّورَةَ هِيَ سُورَةُ بَدْرٍ كُلِّهَا ، وَكُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ إلَّا سَبْعَ آيَاتٍ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِينَ كَفَرُوا } إلَى آخِرِ الْآيَاتِ السَّبْعِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا رَمَيْت إذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } ، هَذَا فِي حَصْبِ رَسُولِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ .
قَالَ مَالِكٌ ، وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ مَا قَالَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ .
وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ لَمَّا اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ آخِذًا بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ .
{ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثْيَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ ، فَاسْتَقْبَلَ بِهَا قُرَيْشًا ، فَقَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوهُ .
ثُمَّ نَفَخَهُمْ بِهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : شُدُّوا } فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ ، وَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : كَانَ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ رَمَى أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ الْحَرْبَةَ ، فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ ، فَرَجَعَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ إلَى أَصْحَابِهِ ثَقِيلًا ، فَحَفَظُوهُ حِينَ وَلَّوْا قَافِلِينَ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ بِالنَّاسِ لَقَتَلَتْهُمْ ، أَلَمْ يُقَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ .
وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَصَحُّ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ بَدْرِيَّةٌ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } .
هَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ شَافٍ وَإِيضَاحٌ كَافٍ فِي أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَمَلِ ، وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ : سَمِعْت وَأَطَعْت ، مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ قَوْلِهِ بِامْتِثَالِ فِعْلِهِ ؛ فَأَمَّا إذَا قَصَّرَ فِي الْأَوَامِرِ فَلَمْ يَأْتِهَا ، وَاعْتَمَدَ النَّوَاهِيَ بِاقْتِحَامِهَا فَأَيُّ سَمْعٍ عِنْدَهُ ؟ أَوْ أَيُّ طَاعَةٍ لَهُ ؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِيمَانَ ، وَيُسِرُّ الْكُفْرَ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ } الْآيَةَ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ ، فَالْخِبْرَةُ تَكْشِفُ التَّلْبِيسَ ، وَالْفِعْلُ يُظْهِرُ كَمَائِنَ النُّفُوسِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الِاسْتِجَابَةُ : هِيَ الْإِجَابَةُ ، وَقَدْ يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَقَدْ قَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمُشَاهَدَةِ وَالْأَجْسَامِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمَعَانِي وَالْقُلُوبِ بِالْإِفْهَامِ بِدُعَائِهِ إيَّاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ ، وَالْحَقِّ وَالْجِهَادِ ، وَالطَّاعَةِ وَالْأُلْفَةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ لِمَا يُحْيِيكُمْ فِي الْآخِرَةِ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أُبَيًّا وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمْ يُجِبْهُ أُبَيٌّ فَخَفَّفَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مَنَعَك إذْ دَعَوْتُك أَنْ تُجِيبَنِي ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْت أُصَلِّي .
قَالَ لَهُ : أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ : { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ } .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْفَرْضِ أَوْ الْقَوْلَ الْفَرْضَ إذَا أُتِيَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ بِالْإِجَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ النَّبِيِّ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَهَلْ تَبْقَى الصَّلَاةُ مَعَهَا أُمّ تَبْطُلُ ؟ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى .
وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَأْوِيلِ الْفِتْنَةِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْفِتْنَةُ : الْمَنَاكِيرُ ؛ نَهَى النَّاسَ أَنْ يُقِرُّوهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمْ الْعَذَابُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا فِتْنَةُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، كَمَا قَالَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ .
وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ الْفِتْنَةِ ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : { فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي جَارِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْبَلَاءُ الَّذِي يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا : أَنَّهَا فِتْنَةُ الْمَنَاكِيرِ بِالسُّكُوتِ عَلَيْهَا أَوْ التَّرَاضِي بِهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ ، وَهُوَ كَانَ دَاءَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكِرٍ فَعَلُوهُ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } .
أَنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَثَبَتَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَثُرَ الْخُبْثُ } .
وَقَالَ عُمَرُ : إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ ، وَلَكِنْ إذَا عَمِلَ الْمُنْكَرَ جِهَارًا اسْتَحَلُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
اكْتَسَبَتْ } .
وَقَالَ : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَبُّنَا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ رَهِينَةٌ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ كُلُّ عُقُوبَةٍ بِصَاحِبِ الذَّنْبِ ، بَيْدَ أَنَّ النَّاسَ إذَا تَظَاهَرُوا بِالْمُنْكَرِ فَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ فَكُلُّهُمْ عَاصٍ ، هَذَا بِفِعْلِهِ ، وَهَذَا بِرِضَاهُ بِهِ .
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ الرَّاضِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ ؛ فَانْتَظَمَ الذَّنْبُ بِالْعُقُوبَةِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ مَوْضِعَهُ ، وَهَذَا نَفِيسٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قُلْنَا : هِيَ آيَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَمَعْنَاهَا عَلَى النَّاسِ مُرْتَبِكٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ ، وَفِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
لُبَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : ( اتَّقُوا ) أَمْرٌ .
وَقَوْلُهُ : { لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا } نَهْيٌ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ جَوَابَ الْأَمْرِ ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ بِغَيْرِ جَوَابٍ ، فَيُشْكِلُ الْخِطَابُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : { لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا } نَهْيٌ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى فِعْلِ النَّهْيِ ، أَوْ جَوَابِ الْقَسَمِ .
وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ إشْكَالَ هَذِهِ الْآيَةِ حَدَثَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ؛ بَلْ هُوَ أَمْرٌ سَالِفٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَلِذَلِكَ قَرَأَهَا قَوْمٌ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً أَنْ تُصِيبَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
وَقَرَأَهَا آخَرُونَ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
وَهَكَذَا يُرْوَى فِيهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا قَرَأَهَا : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِتْنَةٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ : كُنَّا نَظُنُّهَا لِغَيْرِنَا فَإِذَا بِهَا قَدْ أَصَابَتْنَا .
وَكَذَلِكَ كَانَ يَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَأَمَّا
فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ ، وَلَا تَأْخُذُ بِالْعُقُوبَةِ سِوَاهُ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ .
فَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِالْإِعْرَابِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ وَقُلْنَا : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ أَمْرٌ ثُمَّ نَهْيٌ ، كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، كَمَا تَقُولُ : قُمْ غَدًا .
لَا تَتَكَلَّمْ الْيَوْمَ .
الثَّانِي : الْإِعْرَابُ اتَّقُوا فِتْنَةً إنْ لَمْ تَتَّقُوهَا أَصَابَتْكُمْ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ : ( اتَّقُوا فِتْنَةً ) لَيْسَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ ، فَيَصِحُّ أَنْ يَتَرَكَّبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
وَأَمَّا الثَّانِي ، وَهُوَ جَوَابُ الطَّبَرِيِّ ، فَلَا يُشْبِهُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ مَجَازَهُ : لَا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَلَمْ يُرِدْ كَذَلِكَ .
الثَّالِثُ : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ : هَذَا نَهْيٌ فِيهِ مَعْنَى جَوَابِ الْأَمْرِ ، كَمَا يُقَالُ : لَا تَزُلْ مِنْ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحَنَّكَ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ : { اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } .
وَهَذَا مُنْتَهَى الِاخْتِصَارِ وَقَدْ طَوَّلْنَاهُ فِي مَكَانِهِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي التَّقْوَى وَحَقِيقَتِهَا وَأَنَّهَا فَعْلَى ، مِنْ وَقَى يَقِي وِقَايَةً وَوَاقِيَةً ، أُبْدِلَتْ الْوَاوُ تَاءً لُغَةً ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ وِقَايَةً وَحِجَابًا ، وَلَهَا فِيهِ مَحَالُّ : الْمَحَلُّ الْأَوَّلُ : الْعَيْنُ : فَإِنَّهَا رَائِدُ الْقَلْبِ وَرَبِيئَتُهُ ، فَمَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَرْسَلَتْهُ إلَيْهِ ، فَهُوَ يَفْصِلُ مِنْهُ الْجَائِزَ مِمَّا لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا جَلَّلْتهَا بِحِجَابِ التَّقْوَى لَمْ تُرْسِلْ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَا يَجُوزُ ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْ شَغَبِ ذَلِكَ الْإِلْقَاءِ ؛ وَرُبَّمَا أَصَابَتْ هَذَا الْمَعْنَى الشُّعَرَاءُ كَقَوْلِهِمْ : وَأَنْتَ إذَا أَرْسَلْتَ طَرَفَكَ رَائِدًا لِقَلْبِك يَوْمًا أَسْلَمَتْك الْمَنَاظِرُ رَأَيْت الَّذِي لَا كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَخَذَ طَرَفًا مِنْ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ شَيْخَنَا عَطَاءً الْمَقْدِسِيَّ شَيْخَ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ اسْتَوْفَى الْمَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ أَنْشَدَنَاهُمَا : إذَا لُمْت عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ أَضَرَّتَا بِجِسْمِي وَقَلْبِي قَالَتَا لُمْ الْقَلْبَا فَإِنْ لُمْت قَلْبِي قَالَ عَيْنَاك جَرَّتَا عَلَيَّ الرَّزَايَا ثُمَّ لِي تَجْعَلُ الذَّنْبَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا .
أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ؛ فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ } .
الْمَحَلُّ الثَّانِي : الْأُذُنُ : وَهِيَ رَائِدٌ عَظِيمٌ فِي قَبِيلِ الْأَصْوَاتِ يُلْقِي إلَى الْقَلْبِ مِنْهَا مَا يُغَبِّيهِ ، وَقَدْ كَانَتْ الْبَوَاطِلُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقَائِقِ ،
فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ أَوَّلًا ، وَيُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِهِ ؛ وَإِذَا سَمِعَ الْقَوْلَ اتَّبَعَ أَحْسَنَهُ ، وَوَعَى أَسْلَمَهُ ، وَصَانَ عَنْ غَيْرِهِ أُذُنَهُ ، أَوْ قَذَفَهُ عَنْ قَلْبِهِ إنْ وَصَلَ إلَيْهِ .
الْمَحَلُّ الثَّالِثُ : اللِّسَانُ : وَفِيهِ نَيِّفٌ عَلَى عِشْرِينَ آفَةً وَخُصْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الصِّدْقُ ، وَبِهَا يَنْتَفِي عَنْهُ جَمِيعُ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ ، وَعَنْ بَدَنِهِ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ ، فَإِذَا حَجَبَهُ بِالصِّدْقِ فَقَدْ كَمُلَتْ لَهُ التَّقْوَى ، وَنَالَ الْمَرْتَبَةَ الْقُصْوَى .
الْمَحَلُّ الرَّابِعُ : الْيَدُ : وَهِيَ لِلْبَطْشِ وَالتَّنَاوُلِ ، وَفِيهَا مَعَاصٍ مِنْهَا : الْغَصْبُ ، وَالسَّرِقَةُ ، وَمُحَاوَلَةُ الزِّنَا ، وَالْإِذَايَةُ لِلْحَيَوَانِ وَالنَّاسِ ، وَحِجَابُهَا الْكَفُّ إلَّا عَمَّا أَرَادَ اللَّهُ .
الْمَحَلُّ الْخَامِسُ : الرِّجْلُ : وَهِيَ لِلْمَشْيِ إلَى مَا يَحِلُّ ، وَإِلَى مَا يَجِبُ ، وَحِجَابُهَا الْكَفُّ عَمَّا لَا يَجُوزُ .
الْمَحَلُّ السَّادِسُ : الْقَلْبُ : وَهُوَ الْبَحْرُ الْخِضَمُّ ، وَفِي الْقَلْبِ الْفَوَائِدُ الدِّينِيَّةُ ، وَالْآفَاتُ الْمُهْلِكَةُ ، وَالتَّقْوَى ، فِيهِ حِجَابٌ يَسْلُخُ الْآفَاتِ عَنْهُ ، وَشَحْنُهُ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ ؛ وَشَرْحُهُ بِالتَّوْحِيدِ ، وَخَلْعِ الْكِبْرِ وَالْعَجَبِ بِمَعْرِفَتِهِ بِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ ، وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَسَدِ ، وَالتَّحَفُّظِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ ، بِمُرَاعَاةِ غَيْرِ اللَّهِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَالرُّكُونِ إلَى الدُّنْيَا بِالْغَفْلَةِ عَنْ الْمَالِ .
فَإِذَا انْتَهَى الْعَبْدُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ مَهَّدَ لَهُ قَبُولَهُ مَكَانًا ، وَرَزَقَهُ فِيمَا يُرِيدُهُ مِنْ الْخَيْرِ إمْكَانًا ، وَجَعَلَ لَهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فُرْقَانًا ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قِسْمِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ : أَنْ يَمْتَثِلَ مَا أُمِرَ ، وَيَجْتَنِبَ كَيْفَ اسْتَطَاعَ مَا عَنْهُ نُهِيَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } قَالَ : مَخْرَجًا .
ثُمَّ قَرَأَ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } إلَى : { فَهُوَ حَسْبُهُ } .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } قَالَ : يَعْنِي مَخْرَجًا .
وَقَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْهَا فَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : يَجْعَلْ لَكُمْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا أَبْوَابُ الْعَمَلِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبَدَانِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ .
وَسَبَبَ نُزُولِهَا ، وَالْمُرَادَ بِهَا مَا رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَقَالَتْ : إنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ قَدْ طَالَ عَلَيْنَا ، فَمَاذَا تَرَوْنَ ؟ فَأَخَذُوا فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ الْقَوْلِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : نَرَى أَنْ يُقَيَّدَ وَيُحْبَسَ .
وَقَالَ آخَرُ : نَرَى أَنْ يُنْفَى وَيُخْرَجَ .
وَقَالَ آخَرُ : نَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ سَيْفًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، فَلَا يَقْدِرُ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى مُطَالَبَةِ الْقَبَائِلِ .
وَكَانَ الْقَائِلُ هَذَا أَبَا جَهْلٍ .
فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَجَاءَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَيَتَسَجَّى بِبُرْدِهِ الْحَضْرَمِيِّ .
وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ عَلَيْهِمْ ] حَتَّى وَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ، وَأَخَذَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ إلَى الْغَارِ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَظَرُوا إلَى عَلِيٍّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَقَدْ فَاتَهُمْ ، وَوَجَدُوا التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا ، تَحْتَ خِزْيٍ وَذِلَّةٍ ، فَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ بِذَلِكَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرِهِمْ بِمَا أَظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ نَوْمِ عَلِيٍّ عَلَى السَّرِيرِ كَأَنَّهُ النَّبِيُّ ، وَمِنْ وَضْعِ التُّرَابِ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَكْرٌ مِنْ فِعْلِهِ جَزَاءً عَلَى مَكْرِهِمْ ، وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَامَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءً لَهُ ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ مُؤْنِسًا لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ
لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ } .
وَهَذَا تَأْمِينُ يَقِينٍ ، وَيَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ أَنْ يَقُوا بِأَنْفُسِهِمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَهْلِكُوا أَجْمَعِينَ فِي نَجَاتِهِ ، فَلَنْ يُؤْمِنَ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ .
وَمَنْ وَقَى مُسْلِمًا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ .
وَذَلِكَ جَائِزٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوبُ مُدَافَعَةِ الْمُطَالِبِ وَالصَّائِلِ عَلَى أَخِيك الْمُسْلِمِ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ثَبَتَ عَنْ { ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ : حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلًا ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ : مَا يَبْكِيك يَا أَبَتَاهُ ؟ أَمَا بَشَّرَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَك رَسُولُ اللَّهِ بِكَذَا ؟ قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إنَّ أَفْضَلَ مَا بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَنِّي كُنْت عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدُّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ مِنِّي ، وَلَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْت مِنْهُ فَقَتَلْته ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْت مِنْ أَهْلِ النَّارِ .
فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْت النَّبِيَّ فَقُلْت : اُبْسُطْ يَمِينَك لِأُبَايِعَك ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ .
قَالَ : فَقَبَضْت يَدِي .
قَالَ : مَا لَك يَا عَمْرُو ؟ قَالَ : قُلْت : أَرَدْت أَنْ أَشْتَرِطَ .
قَالَ : تَشْتَرِطُ مَاذَا ؟ قُلْت : أَنْ يُغْفَرَ لِي .
قَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَمَا كُنْت أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إجْلَالًا لَهُ ، وَلَوْ سُئِلْت أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْت ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَوْ مِتُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ لَرَجَوْت أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ وُلِّينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ؛ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ ، وَلَا نَارٌ ؛ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا التَّفِل عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا ، ثُمَّ أُقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ ،
وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ لَطِيفَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَنَّ بِهَا عَلَى الْخَلِيقَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتَحِمُونَ الْكُفْرَ وَالْجَرَائِمَ ، وَيَرْتَكِبُونَ الْمَعَاصِيَ ، وَيَرْتَكِبُونَ الْمَآثِمَ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ مُؤَاخَذَتَهُمْ لَمَا اسْتَدْرَكُوا أَبَدًا تَوْبَةً ، وَلَا نَالَتْهُمْ مَغْفِرَةٌ ؛ فَيَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبُولَ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْإِنَابَةِ ، وَبَذَلَ الْمَغْفِرَةَ بِالْإِسْلَامِ ، وَهَدَمَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى دُخُولِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَأَدْعَى إلَى قَبُولِهِمْ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ ، وَتَأْلِيفًا عَلَى الْمِلَّةِ ، وَتَرْغِيبًا فِي الشَّرِيعَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ لَمَا أَنَابُوا وَلَا أَسْلَمُوا .
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، سَأَلَ : هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ ؟ فَجَاءَ عَالِمًا فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَا تَوْبَةَ لَك ، فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً .
ثُمَّ جَاءَ عَالِمًا آخَرَ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَسُدُّ عَلَيْك بَابَ التَّوْبَةِ ؟ ائْتِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ .
فَمَشَى إلَيْهَا ، فَحَضَرَهُ الْأَجَلُ فِي الطَّرِيقِ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ أَنْ قِيسُوا إلَى أَيِّ الْأَرْضَيْنِ هُوَ أَقْرَبُ ، أَرْضُهُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ ؟ فَأَلْفَوْهُ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِشِبْرٍ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَاسَمُوهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ دَنَا بِصَدْرِهِ .
} .
فَانْظُرُوا إلَى قَوْلِ الْعَالِمِ لَهُ : لَا تَوْبَةَ لَهُ .
فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَيْأَسَهُ قَتَلَهُ ؟ فِعْلُ الْيَائِسِ مِنْ الرَّحْمَةِ ؛ وَالتَّنْفِيرُ مَفْسَدَةٌ لِلْخَلِيقَةِ ، وَالتَّيْسِيرُ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ لَمْ يَقْتُلْ فَسَأَلَهُ : هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : لَا تَوْبَةَ لَهُ ؛ تَخْوِيفًا وَتَحْذِيرًا .
فَإِذَا
جَاءَهُ مَنْ قَتَلَ فَسَأَلَهُ : هَلْ لِقَاتِلٍ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ لَهُ : لَك تَوْبَةٌ ؛ تَيْسِيرًا وَتَأْلِيفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَنْ طَلَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَا طَلَاقَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ فَأَسْلَمَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ .
فَأَمَّا مَنْ افْتَرَى عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَ ، أَوْ سَرَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْفِرْيَةِ وَالسَّرِقَةِ ، وَلَوْ زَنَى وَأَسْلَمَ أَوْ اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً ثُمَّ أَسْلَمَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : إنَّمَا يَعْنِي عَزَّ وَجَلَّ مَا قَدْ مَضَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ أَوْ شَيْءٍ .
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ : { إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } ، وَقَوْلِهِ : { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } .
وَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْمَعْنَى فِي التَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ ، وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ ، وَأَصَابَ جِنَايَاتٍ ، وَأَتْلَفَ أَمْوَالًا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَلْزَمُهُ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ لِلَّهِ يَسْقُطُ ، وَمَا كَانَ لِلْآدَمِيِّ يَلْزَمُهُ ؛ وَقَالَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا .
وَدَلِيلُهُمْ عُمُومُ قَوْلِهِ : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ : { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ كُلِّهَا .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ حُقُوقُ اللَّهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ ، وَلَا حُقُوقِ اللَّهِ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ لَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَتَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، وَفِي ذَلِكَ تَمْهِيدٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدَّيْنُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْلَمُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .
يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ كُفْرٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ .
وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِنُزُولِ عِيسَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا .
قَالَ : فَبَادَرَنَا إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ ، وَاَللَّهُ يَقُولُ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } .
فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ ثَكِلَتْك أُمُّك ، إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً ، وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } قَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ .
فَأَمَّا الْأَحْكَامِيُّونَ ، فَقَالُوا : إنَّ الْغَنِيمَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ ، وَالْفَيْءُ : الْأَرْضُونَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَقِيلَ : إنَّ الْغَنِيمَةَ مَا أُخِذَ عَنْوَةً .
وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ عَلَى صُلْحٍ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَقِيلَ : إنَّ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَصَارَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْفَيْءَ فِي الْقُرَى ، وَذَكَرَ الْغَنِيمَةَ مُطْلَقًا ، فَفَصَّلَ الْفَرْقَ هَكَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَبَنَاهُ عَلَى الْعُرْفِ ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْطَلِقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْقَهْرِيَّةِ ، وَيَنْطَلِقُ الْفَيْءُ عُرْفًا عَلَى مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ .
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلْ الْفَيْءُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَمْوَالِ بِقَهْرٍ وَبِغَيْرِ قَهْرٍ .
وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ ، وَجَعَلَ الْأَمْوَالَ لَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى مَا يُرْضِيهِ ، وَرُبَّمَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْبَاطِلِ ، فَإِذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَقِّ فَقَدْ صَرَفَهَا عَنْ طَرِيقِ الْإِرَادَةِ إلَى طَرِيقِ الْأَمْرِ وَالْعِبَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا عَرَفْتُمْ أَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ فِيهَا بِحُكْمِهِ ، وَأَنْفَذَ فِيهَا سَابِقَ عِلْمِهِ ، فَجَعَلَ خُمُسَهَا لِلْخَمْسَةِ الْأَسْمَاءِ ، وَأَبْقَى سَائِرَهَا لِمَنْ غَنِمَهَا ؛ وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا ، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَى الْوَاجِبِ فِيهَا فَنَقُولُ : أَمَّا سَهْمُ اللَّهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ وَسَهْمَ الرَّسُولِ وَاحِدٌ ، وَقَوْلُهُ : { لِلَّهِ } اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، فَلِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْخَلْقُ أَجْمَعُ .
الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهَا عَلَى خَمْسَةٍ ، يَكُونُ أَرْبَعُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ شَهِدَهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ ، وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ } .
وَأَمَّا سَهْمُ الرَّسُولِ فَقِيلَ : هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : لِلَّهِ ، لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا لِلرَّسُولِ ، وَيُقَسِّمُ الْخُمُسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ : سَهْمٌ لِبَنِي هَاشِمٍ ، وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ سَهْمٌ ، وَلِلْيَتَامَى سَهْمٌ ، وَالْمَسَاكِينِ سَهْمٌ [ وَلِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ ] ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَقِيلَ : هُوَ لِلرَّسُولِ ، فَفِي كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : فَقِيلَ : لِقَرَابَتِهِ إرْثًا ، وَقِيلَ : لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ يَلْحَقُ بِالْأَسْهُمِ الْأَرْبَعِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَصْرُوفٌ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، وَقِيلَ : إنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَقِيلَ : هُمْ قُرَيْشٌ ، وَقِيلَ : بَنُو هَاشِمٍ [ وَقِيلَ بَنُو هَاشِمٍ ] وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقِيلَ : ذَهَبَ ذَلِكَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ لِقَرَابَةِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ .
وَقِيلَ : هُوَ لِلْإِمَامِ يَضَعُهُ
حَيْثُ يَشَاءُ .
وَأَمَّا سَهْمُ الْيَتَامَى فَإِنَّ الْيَتِيمَ مَنْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْصَافٍ : مَوْتُ الْأَبِ ، وَعَدَمُ الْبُلُوغِ ، وَوُجُودُ الْإِسْلَامِ أَصْلًا فِيهِ أَوْ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ ، وَحَاجَتُهُ إلَى الرَّفْدِ .
وَأَمَّا الْمِسْكِينُ فَهُوَ الْمُحْتَاجُ .
وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ مُحْتَاجًا ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعَالِيَةِ ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ مِلْكًا وَخَلْقًا ، وَهِيَ لِعِبَادِهِ رِزْقًا وَقِسْمًا .
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ مِمَّنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَمَلَّكَهُ .
وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَرْجِعُ لِقَرَابَتِهِ إرْثًا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرْسَلَتْ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { نَحْنُ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ دَعَاوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا .
أَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَأَصَحُّهَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ صَحِيحَةٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالتَّوْجِيهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُعْطِي الْإِمَامُ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ وَاحِدٌ .
وَرَوَى دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْقَرَابَةَ لَا لِلسَّلْمِ مِنْهُ إلَّا بِالْفَقْرِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ مَالِكٌ : وَبِهِ أَقُولُ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعْطِي الْقَرَابَةَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ : فَزَادَ الْفَقْرَ عَلَى النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ .
فَأَمَّا مَالِكٌ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْلُهُ : { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كُلُّهُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ ، فَأَصَابُوا فِي سُهْمَانِهِمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا } .
وَثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : { لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ سَبْيَ هَوَازِنَ وَفِيهِ الْخُمُسُ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أُنَاسًا فِي الْغَنِيمَةِ ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا ، أَوْ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ .
فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى ، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } .
وَفِي الصَّحِيحِ : { إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، بُعِثْت أَنْ أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ فَاَللَّهُ حَاكِمٌ ، وَالنَّبِيُّ قَاسِمٌ ، وَالْحَقُّ لِلْخَلْقِ } .
وَصَحَّ عَنْ { عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : { اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَا : وَاَللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ فَقَالَا لِي ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ : اذْهَبَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَكَلِّمَاهُ يُؤَمِّنْكُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ ، فَأَدِّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، بِشِرَاءٍ مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَفْعَلَا ، فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ .
فَابْتَدَأَهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا هَذَا إلَّا نَفَاسَةٌ مِنْك عَلَيْنَا ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ نِلْت صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْك .
فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ أَرْسِلُوهُمَا ، فَانْطَلَقَا ، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إلَى الْحُجْرَةِ ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ ثُمَّ دَخَلَ ، وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ : فَتَزَايَلْنَا الْكَلَامَ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ بِشِرَاءِ النَّاسِ ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ ، فَجِئْنَاك لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَنُؤَدِّيَ إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ .
قَالَ : فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ .
قَالَ : وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ يُزَالُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَلَّا تَكَلَّمَاهُ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ ؛ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، اُدْعُوَا لِي مَحْمِيَّةَ وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
قَالَ :
فَجَاءَاهُ .
فَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ : أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَك لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي لِي ، فَأَنْكَحَهُ .
وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ : أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ بِنْتَك يَعْنِي لِي ، فَأَنْكَحَنِي .
وَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ : أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ مَالِ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا .
} وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : { إنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَلَكِنْ اُنْظُرُوا إذَا أَخَذْت بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ ، هَلْ أُوثِرُ عَلَيْكُمْ أَحَدًا ؟ } وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرَّسُولِ ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ مِنْ الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ ، وَلَهُ سَهْمٌ كَسَائِرِ سِهَامِ الْغَانِمِينَ إذَا حَضَرَ الْغَنِيمَةَ ، وَلَهُ سَهْمُ الصَّفِيِّ يَصْطَفِي سَيْفًا أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً .
فَأَمَّا سَهْمُ الْقِتَالِ فَبِكَوْنِهِ أَشْرَفَ الْمُقَاتِلِينَ ، وَأَمَّا سَهْمُ الصَّفِيِّ فَمَنْصُوصٌ لَهُ فِي السِّيَرِ ، مِنْهُ ذُو الْفُقَّارِ ، وَصَفِيَّةُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا خُمُسُ الْخُمُسِ فَبِحَقِّ التَّقْسِيمِ فِي الْآيَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ بَيَّنَّا الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَشْرِيفًا لِهَذَا الْمُكْتَسَبِ ، وَأَمَّا رَسُولُهُ فَقَدْ قَالَ : { إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، وَاَللَّهُ الْمُعْطِي } .
وَقَالَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } وَقَدْ أَعْطَى جَمِيعَهُ وَبَعْضَهُ ، وَأَعْطَى مِنْهُ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي التَّقْسِيمِ ، وَرَدَّهُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِأَعْيَانِهِمْ تَارَةً أُخْرَى ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بَيَانُ مَصْرِفٍ وَمَحَلٍّ ، لَا بَيَانُ اسْتِحْقَاقٍ وَمِلْكٍ ؛ وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ .
وَأَمَّا الصَّفِيُّ فَحَقٌّ فِي حَيَاتِهِ ، وَقَدْ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ رَآهُ بَاقِيًا لِلْإِمَامِ ، فَجَعَلَهُ مَجْعَلَ سَهْمِ النَّبِيِّ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛
وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَرَوْنَ لِلرَّئِيسِ فِي الْغَنِيمَةِ مَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ فَكَانَ يَأْخُذُ بِغَيْرِ شَرْعٍ وَلَا دِينٍ الرُّبُعَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ؛ وَيَصْطَفِي مِنْهَا ، ثُمَّ يَتَحَكَّمُ بَعْدَ الصَّفِيِّ فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ ، وَكَانَ مَا شَذَّ مِنْهَا لَهُ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ خُرْثِيٍّ وَمَتَاعٍ ؛ فَأَحْكَمَ اللَّهُ الدَّيْنَ بِقَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } وَأَبْقَى سَهْمَ الصَّفِيِّ لِرَسُولِهِ ، وَأَسْقَطَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا أَوْ أَوْسَعُ مِنْهُ عِلْمًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ادَّعَى الْمُقَصِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُهُ : فِي كِفَايَةِ أَوْلَادِهِ وَنِسَائِهِ ، وَيَدَّخِرُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَ سَنَتِهِ ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ إلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ كُلَّهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
الثَّانِي : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : قَالَ : بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ عُمَرَ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا ، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَسَلَّمَا وَجَلَسَا ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا ، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ .
فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ : يَا أَمِيرَ ==============

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق