ج11.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
= الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنَهُمَا ، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ .
فَقَالَ عُمَرُ : يَا تُيَّدُ ، كَمْ أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ } يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ .
قَالَ الرَّهْطُ : قَدْ قَالَ ذَلِكَ .
فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاَللَّهِ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ .
قَالَ عُمَرُ : فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ : إنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ غَيْرَهُ ، قَالَ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } .
فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّهِ مَا اخْتَارَهَا دُونَكُمْ ، وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهَا ، وَبَثَّهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ ، فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ .
فَهَذَا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ فِيهِ : إنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ : { تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَصَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ } ؛ فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ إلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ .
وَأَمَّا خَيْبَرُ وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ ، وَقَالَ : هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ ، وَأَمْرُهَا إلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ .
فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَبَنِي النَّضِيرِ كَانَتْ لِقُوتِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ سَنَةً ، وَلِحُقُوقِهِ وَنَوَائِبِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ ، لَا خُمُسَ الْخُمُسِ الَّذِي ادَّعَاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ .
وَهَذَا نَصٌّ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { لِذِي الْقُرْبَى } ؛ فَنَظَرَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا قُرْبَى مِنْ قُرَيْشٍ ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } .
وَلَمَّا نَزَلَتْ : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } .
وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ .
وَقَالَ : { يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ؛ يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ؛ يَا بَنِي هَاشِمٍ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ ؛ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا } .
فَهَذِهِ قَرَابَاتُهُ الَّتِي دَعَا عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ حِينَ دُعِيَ إلَى أَنْ يَدْعُوَهُمْ ، لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَعْطَيْتَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكَتْنَا ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَقَالَ : { إنَّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ } .
أَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ " .
فَلِأَنَّ هَاشِمًا وَالْمُطَّلِبَ وَعَبْدَ شَمْسٍ بَنُو عَبْد مُنَافٍ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ } إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأُلْفَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعَبِ ، وَخَرَجَتْ عَنْهُمْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ إلَى الْمُبَايَنَةِ ، فَاتَّصَلَتْ الْقَرَابَةُ الْجَاهِلِيَّةُ بِالْمَوَدَّةِ ، فَانْتَظَمَا .
وَهَذَا يُعَضِّدُ أَنَّ بَيَانَ اللَّهِ
لِلْأَصْنَافِ بَيَانٌ لِلْمَصْرِفِ وَلَيْسَ بَيَانًا لِلْمُسْتَحِقِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ فَهِيَ مِلْكٌ لِلْغَانِمَيْنِ : مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْأَمَةِ ، بَيْدَ أَنَّ الْإِمَامَ إنْ رَأَى أَنْ يَمُنَّ عَلَى الْأَسْرَى بِالْإِطْلَاقِ فَعَلَ وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الْغَانِمِينَ فِيهِمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ الثَّنِيِّ لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ } ، وَلَهُ أَنْ يُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ ، وَيُبْطِلَ حَقَّ الْغَانِمِينَ بِالْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ؛ وَذَلِكَ بِحُكْمِ مَا يَرَى أَنَّهُ نَظَرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَصْلَحُ لَهُمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : أَطْلَقَ اللَّهُ الْقَوْلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمَيْنِ تَضْمِينًا ، وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَاضَلَ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ ، وَلِلْفَارِسِ سَهْمٌ الثَّالِثُ : يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ ، فَيُنَفِّذُ مَا رَأَى مِنْهُ .
وَقَدْ رُوِيَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثَيْنِ .
وَالصَّحِيحُ أَنْ يُعْطَى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ ، وَيُعْطَى لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَاحِدٌ ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْعَنَاءِ ، وَعِظَمِ الْمَنْفَعَةِ ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ التَّقْدِيرَ فِي الْغَنِيمَةِ بِقَدْرِ الْعَنَاءِ فِي أَخْذِهَا حِكْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَلَا يُفَاضِلُ بَيْنَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ بِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ غَنَاءً ، وَأَعْظَمُ مَنْفَعَةً ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُسْهِمَ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ فِي أَصْلِ الْغَنَاءِ وَالْمَنْفَعَةِ قَدْ رُوعِيَتْ ؛ فَأَمَّا زِيَادَتُهَا فَزِيَادَةُ تَفَاصِيلِهَا ، فَلَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهَا فِي الْمَآلِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ؛ فَلَا حَظَّ فِي الِاعْتِبَارِ لِذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَا حَقَّ فِي الْغَنَائِمِ لِلْحَشْوَةِ كَالْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الْجُيُوشَ لِلْمَعَاشِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا قِتَالًا ، وَلَا خَرَجُوا مُجَاهِدِينَ .
وَقِيلَ : يُسْهَمُ لَهُمْ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ } .
وَهَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَاءَ لِبَيَانِ خُرُوجِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ عَنْ الِاسْتِهَامِ ، وَأَنَّهَا لِمَنْ بَاشَرَهُ وَخَرَجَ إلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحْوَالَ الْمُقَاتِلِينَ وَأَهْلِ الْمَعَاشِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ مُتَمَيِّزَتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَالُهَا وَحُكْمُهَا ، فَقَالَ : { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا قَاتَلُوا لَمْ يَضُرَّهُمْ كَوْنُهُمْ عَلَى مَعَاشِهِمْ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ .
وَتَفْصِيلُ الْمَذْهَبِ : أَنَّ مَنْ قَاتَلَ أُسْهِمَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَجِيرًا لِلْخِدْمَةِ ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : لَا سَهْمَ لَهُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ قَاتَلَ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : الْعَبْدُ لَا سَهْمَ لَهُ : لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ خُوطِبَ بِالْقِتَالِ ، لِاسْتِغْرَاقِ بَدَنِهِ بِحُقُوقِ السَّيِّدِ .
فَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا سَهْمَ لَهُ : أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا لِلْبُلُوغِ مُطِيقًا لِلْقِتَالِ فَيُسْهَمُ لَهُ عِنْدَنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْهَمُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، فَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : { عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي } .
فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ : إنَّمَا ذَلِكَ حَدُّ الْبُلُوغِ .
وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ حَبِيبٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ فِي ذَلِكَ إلَى إطَاقَتِهِ لِلْقِتَالِ ، فَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهِ ، وَقَدْ أَمَرَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ مِنْ أَنْبَتَ ، وَيُخَلَّى مَنْ لَمْ يُنْبِتْ ؛ وَهَذِهِ مُرَاعَاةٌ لِإِطَاقَةِ الْقِتَالِ أَيْضًا لَا لِلْبُلُوغِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْكُفَّارِ وَلَا لِلنِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ ، وَخُوطِبَ بِهِ مَنْ يُقَاتِلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونَ مَنْ لَا يُقَاتِلُ .
فَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا سَهْمَ لَهَا فِيهِ ، وَإِنْ قَاتَلَتْ إلَّا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : { إنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَلَا يُسْهَمُ لَهُنَّ } ؛ فَإِنَّ الْقِتَالَ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِنَّ ، وَالسَّهْمُ لَمْ يُقْضَ بِهِ لَهُنَّ .
وَأَمَّا الْعَبِيدُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فَإِذَا خَرَجُوا لُصُوصًا ، وَأَخَذُوا مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ فَهُوَ لَهُمْ ، وَلَا يُخَمَّسُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ أَحَدٌ مِنْهُمْ .
وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُخَمَّسُ مَا يَنُوبُ الْعَبْدَ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُخَمَّسُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِتَالِ ، وَيُقَاتِلَ عَنْ الدِّينِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ .
فَأَمَّا إذَا كَانُوا فِي جُمْلَةِ الْجَيْشِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ لَا يُسْهَمَ لِعَبْدٍ وَلَا لِلْكَافِرِ يَكُونُ فِي الْجَيْشِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ .
زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي : وَلَا نَصِيبَ لَهُمْ .
الثَّالِثُ : قَالَ سَحْنُونٌ : إنْ قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنِيمَةِ دُونَهُمْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ إلَّا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ أُسْهِمَ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ مَعَ الْأَحْرَارِ .
الرَّابِعُ : قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : إذَا خَرَجَ الْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ مِنْ الْجَيْشِ وَغَنِمَ فَالْغَنِيمَةُ لِلْجَيْشِ دُونَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ حَضَرَ ، فَأَمَّا مَنْ غَابَ فَلَا شَيْءَ لَهُ .
وَالْمَغِيبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : إمَّا بِمَرَضٍ ، أَوْ بِضَلَالٍ ، أَوْ بِأَسْرٍ .
فَأَمَّا الْمَرِيضُ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأْيٌ ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا : إنْ مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أُسْهِمَ لَهُ ، وَإِنْ مَرِضَ بَعْدَ الْإِرَادَةِ وَقَبْلَ الْقِتَالِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ ذَلِكَ لَهُ .
وَاخْتُلِفَ فِي الضَّالِّ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ وَقَالَ أَشْهَبُ : يُسْهَمُ لِلْأَسِيرِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَدِيدِ .
وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا سَهْمَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ يُسْتَحَقُّ بِالْقِتَالِ ، فَمَنْ غَابَ خَابَ ، وَمَنْ حَضَرَ مَرِيضًا كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ .
وَأَمَّا الْغَائِبُ الْمُطْلَقُ فَلَمْ يُسْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ لِغَائِبٍ إلَّا يَوْمَ خَيْبَرَ ؛ قَسَمَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَابَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } ، وَقَسَمَ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُثْمَانَ لِبَقَائِهِ عَلَى ابْنَتِهِ ، وَقَسَمَ لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَطَلْحَةَ وَكَانَا غَائِبَيْنِ .
فَأَمَّا أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ فَكَانَ مِيعَادًا مِنْ اللَّهِ اخْتَصَّ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ .
وَأَمَّا عُثْمَانُ وَسَعِيدٌ وَطَلْحَةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَسْهَمَ لَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّهُ مَنْ بَقِيَ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، بَيْدَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَوَّازِ قَالَ : إذَا أَرْسَلَ الْإِمَامُ أَحَدًا فِي مَصْلَحَةِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ مَنْ غَنِمَ بِسَهْمِهِ ؛ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ .
وَقِيلَ عَنْهُ أَيْضًا : لَا شَيْءَ لَهُ ، وَهَذَا أَحْسَنُ ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْضَخُ لَهُ ، وَلَا يُعْطَى مِنْ الْغَنِيمَةِ لِعَدَمِ السَّبَبِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ عِنْدَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا لَبَابُ مَا فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ ، فَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ
إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا } ظَاهِرٌ فِي اللِّقَاءِ ، ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ بِالثَّبَاتِ ، مُجْمَلٌ فِي الْفِئَتَيْنِ الَّتِي تُلْقَى مِنَّا وَاَلَّتِي تَكُونُ مِنْ مُخَالِفِينَا ، بَيَّنَ هَذَا الْإِجْمَالَ الَّتِي بَعْدَهَا فِي تَعْدِيدِ الْمُقَاتِلِينَ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ هَاهُنَا بِالثَّبَاتِ عِنْدَ قِتَالِهِمْ ، كَمَا نَهَى فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا عَنْ الْفِرَارِ عَنْهُمْ ؛ فَالْتَقَى الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَلَى شَفَا مِنْ الْحُكْمِ بِالْوُقُوفِ لِلْعَدُوِّ وَالتَّجَلُّدِ لَهُ .
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْبَرَاءِ : أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا عُمَارَةَ ؟ قَالَ : لَا ، وَاَللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَكِنْ وَلَّى سَرَعَانٌ مِنْ النَّاسِ ، فَلَقِيَتْهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ عَلَى بَغْلَتِهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آخِذٌ بِلِجَامِهَا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ .
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ } .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : { لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَإِنَّ الْفِئَتَيْنِ لَمُوَلِّيَتَانِ ، وَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةُ رَجُلٍ } .
وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ } فِيهِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ : الْأَوَّلُ : اُذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ جَزَعِ قُلُوبِكُمْ ؛ فَإِنَّ ذِكْرَهُ يُثَبِّتُ .
الثَّانِي : اُثْبُتُوا بِقُلُوبِكُمْ وَاذْكُرُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَسْكُنُ عِنْدَ اللِّقَاءِ ، وَيَضْطَرِبُ اللِّسَانُ ؛ فَأَمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يَثْبُتَ الْقَلْبُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَيَثْبُتَ اللِّسَانُ عَلَى الذِّكْرِ .
الثَّالِثُ : اُذْكُرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ [ لَكُمْ ] فِي ابْتِيَاعِهِ أَنْفُسَكُمْ مِنْكُمْ وَمُثَامَنَتِهِ لَكُمْ .
وَكُلُّهَا مُرَادٌ ، وَأَقْوَاهَا وَأَوْسَطُهَا ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ ، وَنَفَاذِ الْقَرِيحَةِ ، وَاتِّقَادِ الْبَصِيرَةِ ، وَهِيَ الشُّجَاعَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي النَّاسِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ أَقْوَى مِنْ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَشْجَعَ الْخَلِيقَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُمْ عَزِيمَةً ، وَأَنْفَذَهُمْ قَرِيحَةً ، وَأَنْوَرَهُمْ بَصِيرَةً ، وَأَصْدَقَهُمْ فِرَاسَةً ، وَأَصَحَّهُمْ رَأْيًا ، وَأَثْبَتَهُمْ [ جَأْشًا ] ، وَأَصْفَاهُمْ إيمَانًا ، وَأَشْرَحَهُمْ صَدْرًا ، وَأَسْلَمَهُمْ قَلْبًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ظُهُورُ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَقَامَاتٍ سِتَّةٍ : الْمَقَامُ الْأَوَّلُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ ، وَلَمْ تَكُنْ مُصِيبَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا ، وَلَا تَكُونُ أَبَدًا عَنْهَا تَفَرَّعَتْ مَصَائِبُنَا ، وَمِنْ أَجْلِهَا فَسَدَتْ أَحْوَالُنَا ، فَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ ؛ فَأَمَّا عَلِيٌّ فَاسْتَخْفَى .
وَأَمَّا عُثْمَانُ فَبُهِتَ .
وَأَمَّا عُمَرُ فَاخْتَلَطَ ، وَقَالَ : " مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا وَاعَدَهُ اللَّهُ كَمَا وَاعَدَ مُوسَى ، وَلَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ أُنَاسٍ وَأَرْجُلَهُمْ " وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا بِمَنْزِلِهِ بِالسُّنْحِ ، فَجَاءَ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ مَيِّتٌ مُسَجًّى
بِثَوْبِهِ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَقَالَ : " بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْك فَقَدْ مُتَّهَا " .
وَخَرَجَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ " ثُمَّ قَرَأَ : { وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } .
الْمَقَامُ الثَّانِي : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ أَيْنَ يُدْفَنُ ؛ فَقَالَ الْقَوْمُ : يُدْفَنُ بِمَكَّةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بِالْمَدِينَةِ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا دُفِنَ قَطُّ نَبِيٌّ إلَّا حَيْثُ يَمُوتُ } .
الْمَقَامُ الثَّالِثُ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ فَاطِمَةُ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَقُولُ لَهُ : لَوْ مِتَّ أَلَمْ تَكُنْ ابْنَتُك تَرِثُك ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَتْ لَهُ : فَأَعْطِنِي مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ } .
فَتَذَكَّرَ ذَلِكَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ ، وَعَلِمَهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةَ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ ، وَأَقَرَّ بِهِ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ .
الْمَقَامُ الرَّابِعُ : لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّ الْعَرَبُ ، وَانْقَاضَ الْإِسْلَامُ ، وَتَزَلْزَلَتْ الْأَفْئِدَةُ ، وَمَاجَ النَّاسُ ؛ فَارْتَاعَ الصَّحَابَةُ ؛ فَقَالَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ لِأَبِي بَكْرٍ : خُذْ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ ، وَدَعْ الزَّكَاةَ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الدَّيْنُ ، وَيَسْكُنَ جَأْشُ الْمُسْلِمِينَ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : " وَاَللَّهِ
لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ " .
الْمَقَامُ الْخَامِسُ : قَالَتْ الصَّحَابَةُ لَهُ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ؛ أَبْقِ جَيْشَ أُسَامَةَ ؛ فَإِنَّ مَنْ حَوْلَك قَدْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ ، " وَاَللَّهِ لَوْ لَعِبْت الْكِلَابُ بِخَلَاخِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا رَدَدْت جَيْشًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
فَقَالُوا لَهُ : فَمَعَ مَنْ تُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ : وَحْدِي حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي .
الْمَقَامُ السَّادِسُ : وَهُوَ ضَنْكُ الْحَالِ وَمَأْزِقُ الِاخْتِلَالِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ اضْطَرَبَ الْأَمْرُ ، وَمَاجَ النَّاسُ ، وَمَرَجَ قَوْلُهُمْ ، وَتَشَوَّفُوا إلَى رَأْسٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَدْبِيرُهُمْ ، وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَلَهُمْ الْهِجْرَةُ ، وَفِيهِمْ الدَّوْحَةُ ، وَالْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ نُزُلٌ ، وَانْتَدَبَ الشَّيْطَانُ لِيَزِيغَ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ، فَسَوَّلَ لِلْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِدُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ الْأَمْرَ ؛ فَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ .
فَاجْتُمِعُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالُوا : نُرْسِلُ إلَيْهِمْ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : " لَا ، أَلَا نَأْتِيهِمْ فِي مَوْضِعِهِمْ " ، فَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ ، فَصَرَمَ وَتَقَدَّمَ وَاتَّبَعَتْهُ الْمُهَاجِرُونَ حَتَّى جَاءَ الْأَنْصَارَ فِي مَكَانِهِمْ ، وَتَقَاوَلُوا ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ فِي كَلَامِهَا : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَتَصَدَّرَ أَبُو بَكْرٍ بِحَقِّهِ ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مُقْتَضَى الدِّينِ وَوَفْقِهِ ، وَقَالَ : " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؛ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا رَهْطُ رَسُولِ اللَّهِ وَعِتْرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ ، وَأَصْلُ الْعَرَبِ ، وَقُطْبُ النَّاسِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ } .
وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِينَ حِينَ قَالَ : { لِلْفُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ } .
وَسَمَّاكُمْ الْمُفْلِحِينَ ، فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
وَأَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
وَقَالَ لَكُمْ النَّبِيُّ { سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ } .
وَقَالَ لَنَا فِي آخَرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا : { أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا أَنْ تَقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَتَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ؛ وَلَوْ كَانَ لَكُمْ فِي الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا رَأَيْتُمْ أَثَرَةً ، وَلَا وَصَّى بِكُمْ } .
فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ عِلْمِهِ ، وَوَعَوْهُ مِنْ قَوْلِهِ تَذَّكَّرُوا الْحَقَّ ؛ فَانْقَادُوا لَهُ ، وَالْتَزَمُوا حُكْمَهُ ؛ فَبَادَرَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ؛ اُمْدُدْ يَدَك أُبَايِعْك .
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَا سَمِعْت مِنْك تَهَّةً فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهَا ، أَتُبَايِعُنِي وَأَبُو بَكْرٍ فِيكُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اُمْدُدْ يَدَك أُبَايِعْك يَا أَبَا بَكْرٍ .
فَمَدَّ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَبَايَعَهُ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ ، وَصَارَ الْحَقُّ فِي نِصَابِهِ ، وَدَخَلَ الدِّينُ مِنْ بَابِهِ .
وَلَوْ هُدُوا لِهَذِهِ الْفِرْقَةِ الْأَدَبِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لَمَا كَانُوا عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ جَائِرِينَ وَبِحَقِيقَتِهِ جَاهِلِينَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ بِقِرَاءَةِ كُتُبٍ مِنْ الْأَدَبِ وَالتَّارِيخِ قَدْ تَوَلَّاهَا جُهَّالٌ وَضُلَّالٌ ، فَقَالُوا : فَعَلَ عَلِيٌّ .
وَقَالَ عَلِيٌّ ، وَلَا يَقَعُ عَلِيٌّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ إلَّا نُقْطَةً مِنْ بَحْرٍ ، أَوْ لُقَطَةً فِي قَفْرٍ ، لَقَدْ اسْتَقَامَ
الدِّينُ وَعَلِيٌّ عَنْهُ فِي حِجْرٍ ، وَقَدْ كَانَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَ رِجَالِهِ ، وَفَارِسًا مِنْ فُرْسَانِهِ ، وَوَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ ، وَقَرِيبًا مِنْ أَقْرِبَائِهِ ، فَلَمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِرَسُولِهِ ، وَانْفَرَدَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَقُمْ بِالْأَمْرِ وَلَا قَعَدَ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ قَضَاهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ ، وَقَدَّرَهُ بِالصِّدْقِ ، وَأَنْفَذَهُ بِالْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ ، وَمَا وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ أَحَدًا ثَبَتَ عَلَى الدَّيْنِ ، وَقَرَّرَ وُلَاتَهُ فِي الْأَقْطَارِ ، وَأَنْفَذَ الْجُيُوشَ إلَى الْأَمْصَارِ ، وَقَاتَلَ عَلَى الْحَقِّ ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ خَيْرِ الْخَلْقِ الصِّدِّيقُ ؛ فَمَهَّدَ الدَّيْنَ ، وَاسْتَتَبَّ بِهِ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ هِيَ الْعُمْدَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا النَّصْرُ ، وَيَظْهَرُ بِهَا الْحَقُّ ، وَيُسْلِمُ مَعَهَا الْقَلْبُ ، وَتَسْتَمِرُّ مَعَهَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ الْجَوَارِحُ ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَمَلُ الْمَرْءِ كُلُّهُ بِالطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ ، فَإِنَّمَا يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِأَعْدَادِهِمْ ، وَبِاعْتِقَادِهِمْ لَا بِأَمْدَادِهِمْ ؛ فَلَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ عَلَى قَوْمٍ كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمْ إلَّا الْغَلَّابِيّ .
وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا تُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ } .
إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الطَّاقَةَ فِي الطَّاعَةِ ، وَالْمِنَّةَ فِي الْهِدَايَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا } : وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْمَعْقُولِ وَالْمَشْرُوعِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْقُوَّةَ لِيُظْهِرَ بِهَا الْأَفْعَالَ ، وَقُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ وَاحِدَةٌ تَعُمُّ الْمَقْدُورَاتِ ، وَقُدَرُ الْخَلْقِ حَادِثَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَقْدُورَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا [ وَأَجْرَى اللَّهُ ] الْعَادَةَ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ إذَا كَثُرَتْ عَلَى رَأْيِ قَوْمٍ أَوْ بَقِيَتْ عَلَى رَأْيِ آخَرِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأُصُولِ ظَهَرَ الْمَقْدُورُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقُدْرَةِ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا فَقَلِيلًا ، وَكَذَلِكَ تَظْهَرُ الْمَفْعُولَاتُ بِحَسَبِ مَا يُلْقِي اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ ، فَإِذَا ائْتَلَفَتْ الْقُلُوبُ عَلَى الْأَمْرِ اسْتَتَبَّ وُجُودُهُ ، وَاسْتَمَرَّ مَرِيرُهُ ، وَإِذَا تَخَلْخَلَ الْقَلْبُ قَصُرَ عَنْ النَّظَرِ ، وَضَعُفَتْ الْحَوَاسُّ عَنْ الْقَبُولِ ، وَالِائْتِلَافُ طُمَأْنِينَةٌ لِلنَّفْسِ ، وَقُوَّةٌ لِلْقَلْبِ ، وَالِاخْتِلَافُ إضْعَافٌ لَهُ ؛ فَتُضَعَّفُ الْحَوَاسُّ ، فَتَقْعُدُ عَنْ الْمَطْلُوبِ ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، وَكَنَّى بِالرِّيحِ عَنْ اطِّرَادِ الْأَمْرِ وَمُضَائِهِ بِحُكْمِ اسْتِمْرَارِ الْقُوَّةِ فِيهِ وَالْعَزِيمَةِ عَلَيْهِ ، وَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ الَّذِي يَبْلُغُ الْعَبْدُ بِهِ إلَى كُلِّ أَمْرٍ مُتَعَذِّرٍ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ فِي أَنَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .
.
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } : يَعْنِي تُصَادِفُهُمْ وَتَلْقَاهُمْ ، يُقَالُ : ثَقِفْته أَثْقَفُهُ ثَقَفًا إذَا وَجَدْته ، وَفُلَانٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ أَيْ سَرِيعُ الْوُجُودِ لِمَا يُحَاوَلُ مِنْ الْقَوْلِ .
وَامْرَأَةٌ ثَقَافٌ .
هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَهُوَ عِنْدِي بِمَعْنَى الْحَبْسِ ، وَمِنْهُ رَجُلٌ ثَقِفٌ أَيْ يُقَيِّدُ الْأُمُورَ بِمَعْرِفَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } : أَيْ افْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنْ الْعُقُوبَةِ يَتَفَرَّقُ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ ، وَمِنْهُ شَرَدَ الْبَعِيرُ وَالدَّابَّةُ إذَا فَارَقَ صَاحِبَهُ وَمَأْلَفَهُ وَمَرْعَاهُ ، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ الَّتِي لِلْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى : مِنْ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْجِزْيَةِ وَالْقَتْلِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَيَأْتِي هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَذَا يُعْتَضَدُ بِالْآيَةِ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : نَزَلَتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ أَبْدَتْ مِنْ التَّحَزُّبِ مَعَ قُرَيْشٍ وَنَقْضِ الْعَهْدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنْ قِيلَ : كَيْفَ يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ مَعَ خَوْفِ الْخِيَانَةِ ، وَالْخَوْفُ ظَنٌّ لَا يَقِينَ مَعَهُ ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ يَقِينُ الْعَهْدِ بِظَنِّ الْخِيَانَةِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْخَوْفَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْيَقِينِ ، كَمَا يَأْتِي الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ ؛ كَقَوْلِهِ : { لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا ظَهَرَتْ آثَارُ الْخِيَانَةِ ، وَثَبَتَتْ دَلَائِلُهَا وَجَبَ نَبْذُ الْعَهْدِ ، لِئَلَّا يُوقِعَ التَّمَادِي عَلَيْهِ فِي الْهَلَكَةِ ، وَجَازَ إسْقَاطُ الْيَقِينِ هَاهُنَا بِالظَّنِّ لِلضَّرُورَةِ ، وَإِذَا كَانَ الْعَهْدُ قَدْ وَقَعَ فَهَذَا الشَّرْطُ عَادَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لَفْظًا ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } أَيْ عَلَى مَهْلٍ ؛ قَالَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ .
وَقِيلَ : عَلَى عَدْلٍ ، مَعْنَاهُ بِالتَّقَدُّمِ إلَيْهِمْ وَالْإِنْذَارِ لَهُمْ ، وَهَكَذَا يَجِبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ الْيَوْمَ فِي كِلَا وَجْهَيْ الْعَقْدِ أَوَّلًا ، وَالنَّبْذُ عَلَى السَّوَاءِ ثَانِيًا .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ لِلْأَعْدَاءِ بَعْدَ أَنْ أَكَّدَ فِي تَقَدُّمَةِ التَّقْوَى ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَاءَ لَهَزَمَهُمْ بِالْكَلَامِ ، وَالتَّفْلِ فِي الْوُجُوهِ ، وَحَفْنَةٍ مِنْ تُرَابٍ ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبْلِيَ بَعْضَ النَّاسِ بِبَعْضٍ ، بِعِلْمِهِ السَّابِقِ وَقَضَائِهِ النَّافِذِ ؛ فَأَمَرَ بِإِعْدَادِ الْقُوَى وَالْآلَةِ فِي فُنُونِ الْحَرْبِ الَّتِي تَكُونُ لَنَا عُدَّةً ، وَعَلَيْهِمْ قُوَّةً ، وَوَعَدَ عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى بِأَمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ الْعُلْيَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ؛ قَالَ : { قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } ؛ فَقَالَ : أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ } ثَلَاثًا .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، قَالَ : { مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ بِالسِّهَامِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ .
قَالَ : فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ نَرْمِي ، وَأَنْتَ مَعَهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ } .
زَادَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةٍ : { فَلَقَدْ رَمَوْا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ
ذَلِكَ ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَلَى السَّوَاءِ مَا نَضَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ { عَلِيٍّ قَالَ : مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يَفْدِي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ارْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ : صَانِعُهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، وَالرَّامِي بِهِ ، وَمُنْبِلُهُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَالْمُمِدُّ بِهِ ، فَارْمُوا وَارْكَبُوا ، وَلَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ، لَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ ثَلَاثٌ : تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ .
وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ كَفَرَهَا } .
وَقَدْ شَاهَدْت الْقِتَالَ مِرَارًا فَلَمْ أَرَ فِي الْآلَةِ أَنْجَعَ مِنْ السَّهْمِ ، وَلَا أَسْرَعَ مَنْفَعَةً مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } الرِّبَاطُ : هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حِرَاسَةً لِلثُّغُورِ أَوْ مُلَازَمَةً لِلْأَعْدَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُ فِي سُورَةِ آلَ عِمْرَانَ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ : { رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا الَّذِي يَمُوتُ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَأَمَّا رِبَاطُ الْخَيْلِ : فَهُوَ فَضْلٌ عَظِيمٌ وَمَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ .
فَأَمَّا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَهِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا فَهِيَ عَلَيْهِ سِتْرٌ ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ ، وَكَتَبَ لَهُ أَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٍ ، وَلَا يَقْطَعُ طِوَالَهَا فَتَسْتَنُّ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ { جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِأُصْبُعَيْهِ ؛ وَهُوَ يَقُولُ : الْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
وَثَبَتَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : { لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنْ الْخَيْلِ } .
خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : الْمُسْتَحَبُّ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ الْإِنَاثُ قَبْلَ الذُّكُورِ : قَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ، فَإِنَّ الْأُنْثَى بَطْنُهَا كَنْزٌ ، وَظَهْرُهَا عِزٌّ .
وَفَرَسُ جِبْرِيلَ أُنْثَى
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : يُسْتَحَبُّ مِنْ الْخَيْلِ مَا رَوَى أَبُو وَهْبٍ الْجُشَمِيُّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ } .
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَدْهَمُ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ الْأَرْثَمُ ، ثُمَّ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ طَلْقُ الْيَمِينِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمُ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : رَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنْ الْخَيْلِ .
وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ ، وَالدَّارِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } يَعْنِي تُخِيفُونَ بِذَلِكَ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَأَعْدَاءَكُمْ مِنْ الْيَهُودِ وَقُرَيْشٍ ، وَكُفَّارِ الْعَرَبِ .
{ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ } يَعْنِي فَارِسَ وَالرُّومَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَمَّا فَارِسُ فَنَطْحَةٌ أَوْ نَطْحَتَانِ ، ثُمَّ لَا فَارِسَ بَعْدَهَا .
وَأَمَّا الرُّومُ ذَوَاتُ الْقُرُونِ فَكُلَّمَا هَلَكَ قَرْنٌ خَلَفَهُ آخَرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } عَامٌّ فِي الْخَيْلِ كُلِّهَا وَأَجْوَدِهَا أَعْظَمِهَا أَجْرًا .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ اللَّهُ : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } فَأَرَى الْبَرَاذِينَ مِنْ الْخَيْلِ إذَا أَجَازَهَا الْوَالِي ، وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : السَّلْمُ : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَبِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ ، وَبِزِيَادَةِ الْأَلْفِ أَيْضًا : هُوَ الصُّلْحُ ، وَقَدْ يَكُونُ السَّلَامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } وَنَحْوِهِ .
الثَّانِي : إنْ دَعَوْك إلَى الصُّلْحِ فَأَجِبْهُمْ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَالسُّدِّيُّ .
الثَّالِثُ : إنْ جَنَحُوا إلَى الْإِسْلَامِ فَاجْنَحْ لَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : وَعَنَى بِهِ قُرَيْظَةَ ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ ، فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ شَيْءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } فَدَعْوَى ، فَإِنَّ شُرُوطَ النُّسَخِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنْ دَعَوْكَ إلَى الصُّلْحِ فَأَجِبْهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِيهِ ؛ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ } .
فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِزَّةٍ ، وَفِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ ، وَمَقَانِبَ عَدِيدَةٍ ، وَعُدَّةٍ شَدِيدَةٍ : فَلَا صُلْحَ حَتَّى تُطْعَنَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا ، وَتُضْرَبَ بِالْبِيضِ الرِّقَاقِ الْجَمَاجِمُ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ فِي الصُّلْحِ لِانْتِفَاعٍ يُجْلَبُ بِهِ ، أَوْ ضُرٍّ يَنْدَفِعُ بِسَبَبِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ إذَا احْتَاجُوا إلَيْهِ ، وَأَنْ يُجِيبُوا إذَا دُعُوا إلَيْهِ وَقَدْ صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شُرُوطٍ نَقَضُوهَا ، فَنَقَضَ صُلْحَهُمْ ، وَقَدْ وَادَعَ الضَّمْرِيُّ ، وَقَدْ صَالَحَ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ ، وَأَهْلَ نَجْرَانَ ،
وَقَدْ هَادَنَ قُرَيْشًا لِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ حَتَّى نَقَضُوا عَهْدَهُ ، وَمَا زَالَتْ الْخُلَفَاءُ وَالصَّحَابَةُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ الَّتِي شَرَعْنَاهَا سَالِكَةً ، وَبِالْوُجُوهِ الَّتِي شَرَحْنَاهَا عَامِلَةً .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : عَقْدُ الصُّلْحِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِهِمْ أَجْمَعِينَ : إذْ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ ، فَيَقُولَ : نَبَذْت إلَيْكُمْ عَهْدَكُمْ ، فَخُذُوا مِنِّي حِذْرَكُمْ ، وَهَذَا عِنْدِي إذَا كَانُوا هُمْ الَّذِينَ طَلَبُوهُ ؛ فَإِنْ طَلَبَهُ الْمُسْلِمُونَ لِمُدَّةٍ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ قَبْلَهَا إلَّا بِاتِّفَاقٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَقْدُ الصُّلْحِ بِمَالٍ يَبْذُلُونَهُ لِلْعَدُوِّ : وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مُوَادَعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَغَيْرِهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ تَمْرِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَامْضِ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ ، وَلَك فِيهِ هَوًى فَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّأْيَ وَالْمَكِيدَةَ ، فَأَعْلِمْنَا بِهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا هُوَ الرَّأْيُ وَالْمَكِيدَةُ ؛ لِأَنِّي رَأَيْت الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ بِقَوْسٍ وَاحِدَةٍ فَأَرَدْت أَنْ أَدْفَعَهَا عَنْكُمْ إلَى يَوْمٍ } .
فَقَالَ السَّعْدَانِ : إنَّا كُنَّا كُفَّارًا ، وَمَا طَمِعُوا مِنْهَا بِتَمْرَةٍ إلَّا بِشِرَاءٍ أَوْ بِقِرًى ، فَإِذَا أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِك فَلَا نُعْطِيهِمْ إلَّا السَّيْفَ ؛ وَشَقَّا الصَّحِيفَةَ الَّتِي كَانَتْ كُتِبَتْ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { حَرِّضْ } أَيْ أَكِّدْ الدُّعَاءَ ، وَوَاظِبْ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : حَارَضَ عَلَى الْأَمْرِ ، وَوَاظَبَ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَوَاصَبَ بِالصَّادِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ ، وَوَاكَبَ بِالْكَافِ : إذَا أَكَّدَ فِيهِ وَلَازَمَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقِتَالُ : هُوَ الصَّدُّ عَنْ الشَّيْءِ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ } .
قَالَ قَوْمٌ : كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ نُسِخَ ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَنَيِّفًا ، وَالْكُفَّارُ كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَنَيِّفًا ؛ فَكَانَ لِلْوَاحِدِ ثَلَاثَةٌ .
وَأَمَّا هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ ، وَهِيَ الْوَاحِدُ بِالْعَشَرَةِ فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَافُّوا الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهَا قَطُّ وَلَكِنَّ الْبَارِيَ فَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّكُمْ تَفْقَهُونَ مَا تُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الثَّوَابُ .
وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ .
ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ هَذَا ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَإِنْ كَانَتْ إلَى جَنْبِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } : أَمَّا التَّخْفِيفُ فَهُوَ حَطُّ الثِّقَلِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْآنِ ، وَإِنْ كَانَ الْبَارِي لَمْ يَزَلْ عَالِمًا لَيْسَ لِعِلْمِهِ أَوَّلُ ، وَلَكِنَّ وَجْهَهُ : أَنَّ الْبَارِيَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، وَهُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ ، وَهُوَ بِهِ عَالِمٌ ، إذَا كَانَ بِذَلِكَ الْعِلْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عَالِمُ الشَّهَادَةِ ، وَبَعْدَ الشَّيْءِ ، فَيَكُونُ بِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ الْعِلْمِ بَعْدَ عَدَمِهِ ، وَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا أَوَّلَ لَهُ بِالْمَعْلُومَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهَا ، وَعِلْمُهُ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَتَغَيَّرُ .
وَقَدْ ضَرَبْنَا لِذَلِكَ مِثَالًا يَسْتَرْوِحُ إلَيْهِ النَّاظِرُ ؛ وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَعْلَمُ الْيَوْمَ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ غَدًا ، ثُمَّ يَرَاهَا طَالِعَةً ، ثُمَّ يَرَاهَا غَارِبَةً ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عِلْمٌ مُجَدَّدٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا بَقَاءَ الْعِلْمِ الْأَوَّلِ لَكَانَ وَاحِدًا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، وَعِلْمُ الْبَارِي وَاجِبُ الْأَوَّلِيَّةِ ، وَاجِبُ الْبَقَاءِ ، يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ ؛ فَانْتَظَمَتْ الْمَسْأَلَةُ ، وَتَمَكَّنَتْ بِهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرِفَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَلَمَّا خَفَّفَ عَنَّا أَوْجَبَ عَلَى الرَّجُلِ الثَّبَاتَ لِرَجُلَيْنِ ، وَهَكَذَا مَا تَزَايَدَتْ النِّسْبَةُ الْوَاحِدَةُ بِاثْنَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِمَا ، وَيَتَقَدَّمَانِ إلَيْهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْذَرُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَيَهْجُمُ عَلَى الْوَاحِدِ فَيَطْعَنُهُ ، فَإِذَا قَتَلَهُ بَقِيَ وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ ، وَإِنْ اقْتَتَلَا فَقَدْ حَصَلَ دَمُ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ ، وَبَقِيَ الزَّائِدُ لَغْوًا ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الصَّبْرِ ، وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَلْقَى عَشَرَةً قَالَ : وَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى مُعَسْكَرِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى قِتَالِهِمْ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ مَعَهُمْ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : لَا يَقْتَحِمُ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَا الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إلْقَاءَ الْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا بُطْلَانَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } فَكَانَ كُلُّ رَجُلٍ بِاثْنَيْنِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ ، وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ ، فَلَمَّا كَثُرُوا قَالَ اللَّهُ : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } ، فَخَيَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ بَعْدَهُ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَجِيءَ بِالْأَسْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَوْمُك وَأَهْلُك ، فَاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ .
قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ كَذَّبُوك وَأَخْرَجُوك ، قَدِّمْهُمْ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اُنْظُرْ وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ فِيهِ ، ثُمَّ أَضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نَارًا .
فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : قَطَعْتَ رَحِمَك .
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُمْ ، ثُمَّ دَخَلَ ، فَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .
وَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ .
وَقَالَ نَاسٌ : يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ .
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَيُلِينُ قُلُوبَ قَوْمٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ اللِّينِ ، وَيَشُدُّ قُلُوبَ قَوْمٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنْ الْحِجَارَةِ ، وَإِنَّ مَثَلَك يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ : { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَمَثَلُ عِيسَى حِينَ قَالَ : { إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك } .
وَمَثَلُك يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ إذْ قَالَ : { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } .
وَمَثَلُ مُوسَى إذْ قَالَ : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتُمْ الْيَوْمَ عَالَةٌ فَلَا يَفْلِتَنَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ .
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إلَّا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ ، فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ .
فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْحِجَارَةُ مِنْ السَّمَاءِ مِنِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَّا سُهَيْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا عَنْ أَقْوَالِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ رَوَاحَةَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَمَّا أَسَرُوا الْأَسْرَى لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : مَا تَرَوْنَ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً ، فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قُلْت : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَتُمَكِّنَنِي مِنْ فُلَانٍ نَسِيبٍ بِأَحَالَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا .
فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْت .
فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ جِئْت ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُك ، فَإِنْ وَجَدْت بُكَاءً بَكَيْت وَإِلَّا تَبَاكَيْت .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ
أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } إلَى قَوْلِهِ : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا } فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا يَعْنِي الْفِدَاءَ ، وَاَللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يَعْنِي إعْزَازَ الدَّيْنِ وَأَهْلِهِ ، وَإِذْلَالَ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَقْرَبَ الْأُسَارَى فَيَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ ، أَوْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ الْفِدَاءَ ، وَيُقْتَلَ مِنْكُمْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِعِدَّتِهِمْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُكُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا الْأُسَارَى فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، أَوْ تَقْبَلُوا مِنْهُمْ الْفِدَاءَ ، وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِعِدَّتِهِمْ } .
فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ بَلْ نَأْخُذُ الْفِدَاءَ فَنَقْوَى عَلَى عَدُوِّنَا ، وَيُقْتَلُ مِنَّا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِعِدَّتِهِمْ ، فَفَعَلُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : كَانَ بِبَدْرٍ أُسَارَى مُشْرِكُونَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ مُشْرِكِينَ ، فَفَادَوْا وَرَجَعُوا ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَأَنَابُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا ، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا ، وَمِثْلُهُمْ أَسْرَى ، وَكَانَ الشُّهَدَاءُ قَلِيلًا .
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ : إنَّ الْقَتْلَى كَانُوا سَبْعِينَ وَالْأَسْرَى كَذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ
الْمُسَيِّبِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا } .
وَأَنْشُد أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطَّنِ مِنْهُمْ سَبْعُونَ عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ : وَكَانُوا مُشْرِكِينَ ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَأَقَامُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا ؛ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ رَوَوْا أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي مُسْلِمٌ .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ : إنَّ الْأَسْرَى قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنَّا بِك وَبِمَا جِئْت بِهِ وَلَنَنْصَحَنَّ لَك عَلَى قَوْمِنَا ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى } ، قَالَ الْعَبَّاسُ : اُفْتُدِيت بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ، وَقَدْ آتَانِي اللَّهُ أَرْبَعِينَ عَبْدًا ، وَإِنِّي لَأَرْجُو الْمَغْفِرَةَ .
وَهَذَا كُلُّهُ ضَعَّفَهُ مَالِكٌ ، وَاحْتَجَّ عَلَى إبْطَالِهِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ رُجُوعِهِمْ إلَى مَوْضِعِهِمْ ، وَزِيَادَةً عَلَيْهِ أَنَّهُمْ غَزَوْهُ يَوْمَ أُحُدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ بَعْضُهُمْ : يَدُلُّ قَوْلُهُ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } عَلَى تَكْلِيفِ الْجِهَادِ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ .
قُلْنَا : كَانَ الْجِهَادُ وَاجِبًا عَلَى أَنْبِيَاءٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَسْرَى وَلَا غَنِيمَةٌ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } مَا كَانَ لَك يَا مُحَمَّدُ أَنْ يَكُونَ لَك أَسْرَى حَتَّى يَغْلُظَ قَتْلُك فِي الْأَرْضِ ، وَتَثْبُتَ هَيْبَتُك فِي النُّفُوسِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ بَنَى دَارًا ، وَلَمْ يَسْكُنْهَا ، أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَبْنِ بِهَا ، أَوْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الرُّجُوعِ .
قَالَ : فَلَقِيَ الْعَدُوَّ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ ؛ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّهَا مَأْمُورَةٌ ، وَإِنِّي مَأْمُورٌ فَاحْبِسْهَا حَتَّى تَقْضِيَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَجَمَعُوا الْغَنَائِمَ فَلَمْ تَأْكُلْهَا النَّارُ } .
قَالَ : { وَكَانُوا إذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا نَارًا فَأَكَلَتْهَا ، فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ : إنَّكُمْ غَلَلْتُمْ فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ، فَبَايَعُوهُ فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ أَصْحَابَك قَدْ غَلُّوا فَأْتِنِي بِهِمْ فَلْيُبَايِعُونِي ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ ، فَقَالَ لَهُمَا : إنَّكُمَا قَدْ غَلَلْتُمَا ، فَقَالَا : أَجَلْ ، قَدْ غَلَلْنَا صُورَةَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَاءَا بِهَا ، فَطُرِحَتْ فِي الْغَنَائِمِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّارَ فَأَكَلَتْهَا } .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ أَطْعَمَنَا الْغَنَائِمَ رَحْمَةً رَحِمَنَا بِهَا ، وَتَخْفِيفًا خَفَّفَ عَنَّا لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَعْفِنَا } .
قَالَ الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَجْهَ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَفَائِدَةَ مَا فِيهَا مِنْ حِكْمَةٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ مِنْ أَفْضَلِ وُجُوهِ الْكَسْبِ ، وَهِيَ جِهَةُ الْقَهْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ ،
مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الْغَنَائِمِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ } إلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كِتَابِ اللَّهِ السَّابِقِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : سَبَقَ مِنْ اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ قَوْمًا حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ .
الثَّانِي : سَبَقَ مِنْهُ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ وَمُحَمَّدٌ فِيهِمْ .
الثَّالِثُ : سَبَقَ مِنْهُ إحْلَالُ الْغَنَائِمِ لَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ اسْتَعْجَلُوا قَبْلَ الْإِحْلَالِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُمْكِنٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ أَقْوَاهُ مَا سَبَقَ مِنْ إحْلَالِ الْغَنِيمَةِ ، وَقَدْ كَانُوا غَنِمُوا أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ حِينَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ فِي رَجَبٍ مَقْفَلَهُ مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ إلَى نَخْلَةٍ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فَيَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا ، فَمَضَى وَمَضَى أَصْحَابُهُ مَعَهُ ، حَتَّى نَزَلُوا بِنَخْلَةٍ ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَيْتًا وَأُدْمًا وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ ، فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ ؛ فَقُتِلَ عَمْرٌو ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالْأَسْرَى حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمْسَ الْغَنِيمَةِ ، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ؛ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الْخُمُسَ ، فَأَكَلُوا الْغَنِيمَةَ ، وَنَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضُ الْغَنِيمَةِ ، كَمَا كَانَ فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِنْ الْخُمُسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِلْغَانِمِينَ .
وَاَلَّذِي ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ أَكْلُهُمْ الْغَنِيمَةَ الَّتِي غَنِمُوا ، وَإِحْلَالُ مَا أَخَذَ لَهُمْ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاكِتٌ عَنْ ذَلِكَ مُجِيزٌ لَهُ ؛ فَكَانَ وَحْيًا بِسُكُوتِهِ وَإِمْضَائِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ } فِي إحْلَالِ الْغَنِيمَةِ لَعُذِّبْتُمْ بِمَا اقْتَحَمْتُمْ فِيهَا مِمَّا لَيْسَ لَكُمْ اقْتِحَامُهُ إلَّا بِشَرْعٍ ، فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا اقْتَحَمَ مَا يَعْتَقِدُهُ حَرَامًا مِمَّا هُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ حَلَالٌ إنَّهُ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ كَالصَّائِمِ إذَا قَالَ : هَذَا يَوْمُ نَوْبِي فَأُفْطِرُ الْآنَ .
أَوْ هَذَا يَوْمُ حَيْضِي فَأُفْطِرُ فَفَعَلَا ذَلِكَ .
وَكَأَنَّ النَّوْبَ وَالْحَيْضَ الْمُوجِبَانِ لِلْفِطْرِ ؛ فَفِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى .
وَلَنَا فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عُمْدَةٌ ؛ فَهُوَ أَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْمِ سَاقِطَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ، فَصَادَفَ الْهَتْكُ مَحَلًّا لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَصَدَ وَطْءَ امْرَأَةٍ قَدْ زُفَّتْ إلَيْهِ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجِهِ فَإِذَا هِيَ زَوْجُهُ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِأَنَّ طُرُوءَ الْإِبَاحَةِ لَا يَنْتَصِبُ عُذْرًا فِي عُقُوبَةِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ الْهَتْكِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عِلْمِنَا قَدْ اسْتَوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالتَّحْرِيمِ .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اخْتَلَفْنَا فِيهَا اخْتَلَفَ عِلْمُنَا وَعِلْمُ اللَّهِ ، فَكَانَ الْمُعَوَّلُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ فِي إسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ ، كَمَا قَالَ : { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { لَوْ نَزَلَتْ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ لَأَحْرَقَتْنَا إلَّا عُمَرَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنْ السَّمَاءِ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ إلَّا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، لِقَوْلِهِ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ كَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { لَوْ عُذِّبْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ يَا عُمَرُ مَا نَجَا غَيْرُك } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِثْخَانَ فِي الْقَتْلِ وَاجِبٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى إذَا قَوِيَ الْمُسْلِمُونَ جَازَ الْفِدَاءُ ؛ لِلْقُوَّةِ عَلَى الْعِدَّةِ لِقِتَالِهِمْ أَيْضًا ، فَإِنَّمَا يُرَاعَى الْأَنْظَرُ وَالْأَوْكَدُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قِيلَ : تَحَقَّقَ لَنَا مَعْصِيَتُهُمْ .
قُلْنَا : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إسْرَاعُهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْإِحْلَالِ .
الثَّانِي : اخْتِيَارُهُمْ الْفِدَاءَ قَبْلَ الْإِثْخَانِ فِي الْقَتْلِ .
الثَّالِثُ : قَوْلُهُ لَهُمْ : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } فَأُمِرُوا بِالْقَتْلِ فَاخْتَارُوا الْفِدَاءَ .
قُلْنَا : أَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُبَرِّرَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بَعْدَهُ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمُحْتَمَلٍ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَمُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعَهُمَا ؛ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْفِدَاءِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاوَرَهُمْ فِيهِ ؛ فَمَالُوا إلَى الْفِدَاءِ ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَاتَبَهُمْ عَلَى رَأْفَتِهِمْ بِالْكُفَّارِ مَعَ إغْلَاظِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَالْإِذَايَةِ وَالْإِخْرَاجِ ، وَإِلَى تَحْقِيقِ الْمَعْصِيَةِ إلَى تَأْخِيرِهِمْ الْقَتْلَ حَتَّى نَزَلَ الْعَفْوُ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَقَدْ اخْتَارَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَعَهُمْ ، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ذَنْبًا مِنْهُ قُلْنَا : كَذَلِكَ تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ ، فَقَالَ : إنَّهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيهِ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ، وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، إنَّمَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَقُّفٌ وَانْتِظَارٌ ، وَلَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ لِيَفُوتَ ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا الصَّنَادِيدَ ، وَأَثْخَنُوا فِي الْأَرْضِ ، فَانْتَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ ذَلِكَ كَافٍ فِيهِ أَمْ لَا ؟ وَهَذَا بَيِّنٌ عِنْدَ الْإِنْصَافِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَك فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَمَّا أَسَرَ مِنْ أُسَارَى الْمُشْرِكِينَ رُوِيَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُمْضُوا بِذَلِكَ عَزِيمَةً ، وَلَا اعْتَرَفُوا بِهِ اعْتِرَافًا جَازِمًا .
وَيُشْبِهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَقْرَبُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَبْعُدُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ تَكَلَّمَ الْكَافِرُ بِالْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ وَبِلِسَانِهِ ، وَلَمْ يُمْضِ بِهِ عَزِيمَةً لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا .
وَإِذَا وُجِدَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤْمِنِ كَانَ كَافِرًا إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْوَسْوَسَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْمَرْءُ عَلَى دَفْعِهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَفَا عَنْهَا وَأَسْقَطَهَا .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الْحَقِيقَةَ ؛ فَقَالَ : { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَك } أَيْ إنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ خِيَانَةً وَمَكْرًا { فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ } بِكُفْرِهِمْ وَمَكْرِهِمْ بِك وَقِتَالِهِمْ لَك ، فَأَمْكَنَك مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُمْ خَيْرًا وَيَعْلَمُهُ اللَّهُ فَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَيُعَوِّضُهُمْ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُمْ وَيَغْفِرُ لَهُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ وَمَكْرِهِمْ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { الَّذِينَ آمَنُوا } : هُمْ الَّذِينَ عَلِمُوا التَّوْحِيدَ ، وَصَدَّقُوا بِهِ ، وَأَمَّنُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ الْوَعِيدِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَهَاجَرُوا } : هُمْ الَّذِينَ تَرَكُوا أَوْطَانَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ إيثَارًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي إعْلَاءِ دِينِهِ ، وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِ ، وَلُزُومِ طَاعَتِهِ ، وَعُمُومِ دَعَوْتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَجَاهَدُوا } : أَيْ الْتَزَمُوا الْجَهْدَ ؛ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، بِتَعْرِيضِهَا لِلْإِذَايَةِ وَالنِّكَايَةِ وَالْقَتْلِ ، وَبِأَمْوَالِهِمْ بِإِهْلَاكِهَا فِيمَا يُرْضِي اللَّهَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا } : هُمْ الْأَنْصَارُ الَّذِي تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ، وَانْضَوَى إلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرُونَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي النُّصْرَةِ .
الثَّانِي : فِي الْمِيرَاثِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : جَعَلَ اللَّهَ الْمِيرَاثَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } قِيلَ : مِنْ النُّصْرَةِ لِبُعْدِ دَارِهِمْ .
وَقِيلَ : مِنْ الْمِيرَاثِ لِانْقِطَاعِ وَلَايَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : { وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ } : يُرِيدُ إنْ دَعَوْا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ عَوْنَكُمْ بِنَفِيرٍ أَوْ مَالٍ لِاسْتِنْقَاذِهِمْ ، فَأَعِينُوهُمْ ؛ فَذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَرْضٌ ، إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ، فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عَلَيْهِمْ [ يُرِيدُ ] حَتَّى يَتِمَّ الْعَهْدُ أَوْ يُنْبَذَ عَلَى سَوَاءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : أَمَّا قَوْلُهُ : { أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } : يَعْنِي فِي النُّصْرَةِ أَوْ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ ، فَلَا يُبَالَى بِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ الْمِيرَاثِ بِقَوْلِهِ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى عُصْبَةٍ ذَكَرٍ } .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } : فَإِنَّ ذَلِكَ عَامٌّ فِي النُّصْرَةِ وَالْمِيرَاثِ ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ عَلَى إيمَانِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُعْتَدًّا لَهُ بِهِ ، وَلَا مُثَابًا عَلَيْهِ حَتَّى يُهَاجِرَ .
ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِفَتْحِ مَكَّةَ وَالْمِيرَاثِ بِالْقَرَابَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَارِثُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ السَّلَامِ ؛ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْهِجْرَةِ بِالسَّنَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا أُسَرَاءَ مُسْتَضْعَفِينَ ؛ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ مَعَهُمْ قَائِمَةٌ ، وَالنُّصْرَةَ لَهُمْ وَاجِبَةٌ بِالْبَدَنِ بِأَلَّا يَبْقَى مِنَّا عَيْنٌ تَطْرِفُ حَتَّى نَخْرُجَ إلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ إنْ كَانَ عَدَدُنَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ، أَوْ نَبْذُلَ جَمِيعَ أَمْوَالِنَا فِي اسْتِخْرَاجِهِمْ ، حَتَّى لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ دِرْهَمٌ كَذَلِكَ .
قَالَ مَالِكٌ وَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ : فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَا حَلَّ بِالْخَلْقِ فِي تَرْكِهِمْ إخْوَانَهُمْ فِي أَسْرِ الْعَدُوِّ ، وَبِأَيْدِيهِمْ خَزَائِنُ الْأَمْوَالِ وَفُضُولُ الْأَحْوَالِ وَالْعُدَّةُ وَالْعَدَدُ ، وَالْقُوَّةُ وَالْجَلَدُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَطَعَ اللَّهُ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ ، وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ ، وَجَعَلَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ ، يَتَنَاصَرُونَ بِدِينِهِمْ ، وَيَتَعَامَلُونَ بِاعْتِقَادِهِمْ .
وَفِي الصَّحِيحِ : { مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَمِثْلِ الْجَسَدِ إذَا اشْتَكَى عُضْوٌ مِنْهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الْمِيرَاثِ ؛ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } .
وَقَالَ بَعْد هَذَا : { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ } : يَعْنِي بِضَعْفِ الْإِيمَانِ وَغَلَبَةِ الْكُفْرِ ؛ وَهَذِهِ هِيَ الْفِتْنَةُ وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ ، وَفِي هَذَا أَمْرٌ بِالْخُرُوجِ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِيمَانِ ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } .
رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَارِثَةَ : يَا حَارِثَةُ ، كَيْفَ أَصْبَحْت ؟ قَالَ : مُؤْمِنًا حَقًّا .
قَالَ : لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ ، فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ ؟ قَالَ : عَزَفَتْ نَفْسِي عَنْ الدُّنْيَا ؛ فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا ، وَكَأَنِّي نَاظِرٌ إلَى عَرْشِ رَبِّي .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَرَفْت فَالْزَمْ } .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا يُدْرِكُ أَحَدُكُمْ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي النَّارِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } إلَى قَوْلِهِ : كَرِيمٌ .
وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ حَقًّا ظَهَرَ ذَلِكَ فِي اسْتِقَامَةِ الْأَعْمَالِ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ .
وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ ، وَإِذَا كَانَ مَجَازًا قَصَّرَتْ الْجَوَارِحُ فِي الْأَعْمَالِ ؛ إذْ لَمْ تَبْلُغْ قُوَّتُهُ إلَيْهَا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { مِنْ بَعْدُ } : يَعْنِي مِنْ بَعْدِ مَا أَمَرْتُكُمْ بِالْمُوَالَاةِ ، هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ ، إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ مِنْ بَعْدِ الْإِيمَانِ الْأَوَّلِ وَالْهِجْرَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْهِجْرَةَ طَبَقَاتٌ : الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ ، وَبَعْدَهُمْ مَنْ هَاجَرَ فِي بُحْبُوحَةِ الْإِيمَانِ وَقَبْلَ الْفَتْحِ ، وَهُمْ طَبَقَاتٌ عِنْدَنَا وَدَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } : يَعْنِي فِي الْمُوَالَاةِ وَالْمِيرَاثِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ ؛ فَإِنْ تَوَلَّى قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ بِاعْتِقَادِهِ مَعَهُمْ ، وَالْتِزَامِهِ لَهُمْ ، وَعَمَلِهِ بِعَمَلِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذِهِ الْآيَةُ نَسْخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُوَالَاةِ بِالْهِجْرَةِ دُونَ الْقَرَابَةِ الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا هِجْرَةٌ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ عُمُومٌ فِي كُلِّ قَرِيبٍ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بِقَوْلِهِ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى عُصْبَةٍ ذَكَرٍ } ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ .
وَكِتَابُ اللَّهِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ ، فَتَجْرِي الْأَحْكَامُ عَلَى مَا سَطَّرَ فِيهِ مِنْ نَسْخٍ وَثُبُوتٍ وَإِمْضَاءٍ وَرَدٍّ .
سُورَةُ التَّوْبَةِ .
فِيهَا إحْدَى وَخَمْسُونَ آيَةً [ تَسْمِيَتُهَا ] : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَلِذَلِكَ قَلَّ فِيهَا الْمَنْسُوخُ ، وَلَهَا سِتَّةُ أَسْمَاءً : التَّوْبَةُ ، وَالْمُبَعْثِرَةُ ، وَالْمُقَشْقِشَةُ ، وَالْفَاضِحَةُ وَسُورَةُ الْبُحُوثِ ، وَسُورَةُ الْعَذَابِ .
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِسُورَةِ التَّوْبَةِ فَلِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِيهَا تَوْبَةَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا بِتَبُوكَ .
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِالْفَاضِحَةِ فَلِأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا : وَمِنْهُمْ ، وَمِنْهُمْ .
قَالَتْ الصَّحَابَةُ : حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا لَا تُبْقِي أَحَدًا .
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الْمُبَعْثِرَةُ فَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، يُقَالُ : بَعْثَرْت الْمَتَاعَ : إذَا جَعَلْت أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَقَلَبْت جَمِيعَهُ وَقَلَّبْتَهُ ، وَمِنْهُ : { وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } .
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الْمُقَشْقِشَةُ فَمِنْ الْجَمْعِ ، فَإِنَّهَا جَمَعَتْ أَوْصَافَ الْمُنَافِقِينَ ، وَكَشَفَتْ أَسْرَارَ الدِّينِ .
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا سُورَةَ الْبُحُوثِ فَمِنْ بَحَثَ : إذَا اخْتَبَرَ وَاسْتَقْصَى ، وَذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتْ أَيْضًا مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ وَالْبَحْثِ عَنْ أَسْرَارِهِمْ .
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا سُورَةَ الْعَذَابِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَا كَانُوا يَدْعُونَ سُورَةَ التَّوْبَةِ إلَّا الْمُبَعْثِرَةَ ، فَإِنَّهَا تُبَعْثِرُ أَخْبَارَ الْمُنَافِقِينَ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَا كُنَّا نَدْعُوهَا إلَّا الْمُقَشْقِشَةَ .
وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَثَلُ بَرَاءَةَ كَمَثَلِ الْمِرْوَدِ مَا يُدْرَى أَسْفَلُهُ مِنْ أَعْلَاهُ .
الْقَوْلُ فِي سُقُوطِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْهَا : وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ أَغْرَاضٌ جِمَاعُهَا أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : إنَّهُ لَمَّا سَقَطَ أَوَّلُهَا سَقَطَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَعَهُ .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُورَةَ " بَرَاءَةَ " كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ أَوْ قُرْبَهَا ، فَذَهَبَ مِنْهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُكْتَبْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
الثَّانِي : أَنَّ بَرَاءَةَ سُخْطٌ ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَحْمَةٌ ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا .
الثَّالِثُ : أَنَّ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بِرَفْعِ الْأَمَانِ ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَانٌ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا احْتِمَالَاتٌ ، مِنْهَا بَعِيدٌ وَمِنْهَا قَرِيبٌ ؛ وَأَبْعَدُهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مُفْتَتَحَةٌ بِذِكْرِ الْكُفَّارِ ؛ لِأَنَّ سُوَرًا كَثِيرَةً مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ اُفْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الْكُفَّارِ كَقَوْلِهِ : { الَّذِينَ كَفَرُوا } .
وَقَوْلِهِ : { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ } .
الرَّابِعُ : وَهُوَ الْأَصَحُّ مَا ثَبَتَ عَنْ يَزِيدَ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ : قُلْنَا لِعُثْمَانَ : مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إلَى الْأَنْفَالِ ، وَهِيَ مِنْ الْمَثَانِي وَإِلَى بَرَاءَةَ ، وَهِيَ مِنْ الْمِئِينِ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ ، فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ .
قَالَ عُثْمَانُ { : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَدْعُو بِبَعْضِ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ فَيَقُولُ : ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَتْ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَكَانَتْ قِصَّتُهَا
شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، فَظَنَنْت أَنَّهَا مِنْهَا ؛ فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْت بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : آخِرُ مَا نَزَلَ بَرَاءَةٌ { وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ بِشَيْءٍ } ؛ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ إلَى الْأَنْفَالِ ، وَكَانَتْ شَبِيهَةً بِهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أُعْطِيت السَّبْعَ الطِّوَالَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ ، وَأُعْطِيت الْمِئِينِ مَكَانَ الزَّبُورِ ، وَأُعْطِيت الْمَثَانِيَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ } .
نُكْتَةٌ أُصُولِيَّةٌ : فِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَأْلِيفَ الْقُرْآنِ كَانَ مُنَزَّلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّ تَأْلِيفَهُ مِنْ تَنْزِيلِهِ يُبَيِّنُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ ، وَيُمَيِّزُهُ لِكُتَّابِهِ ، وَيُرَتِّبُهُ عَلَى أَبْوَابِهِ ، إلَّا هَذِهِ السُّورَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ فِيهَا شَيْئًا ؛ لِيَتَبَيَّنَّ الْخَلْقُ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُحَاطُ بِعِلْمِهِ إلَّا بِمَا أَبْرَزَ مِنْهُ إلَى الْخَلْقِ ، وَأَوْضَحَهُ بِالْبَيَانِ .
وَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ فِي الدِّينِ ؛ أَلَا تَرَى إلَى عُثْمَانَ وَأَعْيَانِ الصَّحَابَةِ كَيْفَ لَجَئُوا إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ ، وَرَأَوْا أَنَّ قِصَّةَ " بَرَاءَةَ " شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ " الْأَنْفَالِ " فَأَلْحَقُوهَا بِهَا ؟ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ دُخُولَ الْقِيَاسِ فِي تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ فَمَا ظَنُّك بِسَائِرِ الْأَحْكَامِ .
وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ إحْدَى وَخَمْسُونَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { بَرَاءَةٌ } : أَيْ هَذِهِ الْآيَاتُ بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ يُقَالُ : بَرِئْت مِنْ الشَّيْءِ أَبْرَأُ بَرَاءَةً فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ : إذَا أَزَلْته عَنْ نَفْسِك ، وَقَطَعْت سَبَبَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنِك .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } : وَلَمْ يُعَاهِدْهُمْ إلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ الْآمِرَ وَالْحَاكِمَ ، وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ أَوْ أَحْكَمَهُ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْأُمَّةِ ، مَنْسُوبٌ إلَيْهِمْ ، مَحْسُوبٌ عَلَيْهِمْ ، يُؤَاخَذُونَ بِهِ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ تَحْصِيلَ الرِّضَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْجَمِيعِ مُتَعَذَّرٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اخْتِلَافُ الْآرَاءِ ، وَامْتِنَاعُ الِاتِّفَاقِ عَلَى مَذْهَبٍ وَاحِدٍ .
وَالثَّانِي : كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ الْمَانِعِ مِنْ تَحْصِيلِ رِضَا جَمِيعِهِمْ ، فَوَقَعَ الِاجْتِزَاءُ بِالْمُقَدَّمِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ ؛ فَإِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَمْرًا لَزِمَ الرَّعَايَا حُكْمُهُ ، فَإِذَا رَضُوا بِهِ كَانَ أَثْبَتَ لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ ، كَمَا نُسِبَ عَهْدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُسْلِمِينَ ، لِكَوْنِهِمْ بِهِ رَاضِينَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الْمُشْرِكِينَ } : وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُعَاهِدَ كَانَ مُشْرِكًا ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِنْ كَانُوا أَيْضًا مُشْرِكِينَ ؟ لِأَنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَخْصُوصًا بِالْعَرَبِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، وَكَانُوا عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ كَانَ أَجَلُ عَهْدِهِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ ، فَأَمْهَلَ الْكُلَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
وَقِيلَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ أُجِّلَ خَمْسِينَ لَيْلَةً : عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ } .
وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ عَهْدٌ دُونَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ : { إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
فَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ أُجِّلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَيُحِلُّ دَمَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِحْلَالِ لِدَمِهِ بِالْكُفْرِ الْمَوْجُودِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ أَيْضًا أَجَلًا لِمَنْ كَانَتْ مُدَّتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
وَيَكُونَ إسْقَاطُ الزِّيَادَةِ تَخْصِيصًا لِلْمُدَّةِ ، كَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ النِّسَاءَ مِنْ أَعْدَادِ مَنْ صُولِحَ عَلَيْهِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْإِمَامِ ، وَالتَّمَادِي عَلَى الْعَهْدِ ، أَوْ الرُّجُوعِ عَنْهُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } : أَيْ سِيرُوا ، وَهِيَ السِّيَاحَةُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ انْتَهَى إلَى قَرْيَةٍ خَرِبَتْ حُصُونُهَا ، وَجَفَّتْ أَنْهَارُهَا ، وَتَشَعَّبَ شَجَرُهَا ، فَنَادَى : يَا خَرِبُ ، أَيْنَ أَهْلُكِ ؟ فَنُودِيَ : يَا عِيسَى ، بَادُوا فَضَمَّتْهُمْ الْأَرْضُ ، وَعَادَتْ أَعْمَالُهُمْ قَلَائِدَ فِي رِقَابِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَجَدّ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُرِيدُ مَالِكٌ بِسِيَاحَتِهِ أَنَّهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ .
الْمَعْنَى : لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مَسِيرُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَاخْتَبِرُوا فِيهَا ، وَحَرِّرُوا أَعْمَالَكُمْ ، وَانْظُرُوا مَآلَكُمْ ، فَإِنْ دَخَلْتُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَكُمْ الْأَمَانُ وَالِاحْتِرَامُ ، وَإِنْ اسْتَمْرَرْتُمْ عَلَى الْكُفْرِ عُومِلْتُمْ بِمُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ مِنْ الْقَتْلِ وَالْإِسَارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ فِي أَذَانِهِ : وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلَى مُدَّتِهِ ؛ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ الْمَحْدُودَ لِمُدَّةٍ مَوْقُوفٌ عَلَى أَمَدِهِ ، وَأَنَّ الْعَهْدَ الْمُطْلَقَ ، أَوْ الَّذِي لَهُ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّ مُدَّتَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، إلَّا مَنْ لَمْ يَنْقُضْ ، فَإِنَّ عَهْدَهُ إلَى مُدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بِنَصِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الَّتِي قُدِّرَتْ لِلسِّيَاحَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا مِنْ شَوَّالٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ إلَى صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، أَوَّلُهَا يَوْمُ النَّحْرِ إلَى تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
وَذَلِكَ بِمُضِيِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ ، وَقِيلَ : هُوَ الثَّالِثُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ .
وَقِيلَ فِي الرَّابِعِ مِنْ يَوْمِ يَبْلُغُهُمْ الْعِلْمُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ؛ فَبِذَلِكَ كَانَ الْبَدْءُ وَإِلَيْهِ كَانَ الْمُنْتَهَى .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْأَذَانُ : هُوَ الْإِعْلَامُ لُغَةً مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، الْمَعْنَى بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَسُولِهِ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَيْ هَذِهِ بَرَاءَةٌ ، وَهَذَا إعْلَامٌ وَإِنْذَارٌ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } .
{ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِمِنًى فَقَالَ : { أَيُّهَا النَّاسُ أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ .
أَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : شَهْرٌ حَرَامٌ .
قَالَ : أَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : بَلَدٌ حَرَامٌ .
قَالَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ : { بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : ثُمَّ أَرْدَفَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَلِيٍّ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِبَرَاءَةَ .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ ، وَأَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ .
} وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْأَحْوَصِ ، حَدَّثَنَا
أَبِي أَنَّهُ { شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَذَكَّرَ ، وَوَعَظَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ ، أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ ؛ أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ ؟ قَالَ : فَقَالَ النَّاسُ : يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ ، لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ ، وَلَا وَلَدٌ عَلَى وَالِدِهِ ، إنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ ، فَلَيْسَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ مِنْ أَخِيهِ إلَّا مَا حَلَّ مِنْ نَفْسِهِ ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ، غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ ، أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَارٍ عِنْدَكُمْ ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا .
أَلَا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ .
أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ } .
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَرُوِيَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، فَقَالَ : يَوْمُ النَّحْرِ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، وَأَتْبَعَهُ عَلِيًّا ، فَبَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ إذْ سَمِعَ رُغَاءَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَصْوَاءِ ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَزِعًا يَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُنَادِيَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، فَانْطَلَقَا وَحَجَّا ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَنَادَى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ : ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَلَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ } .
وَكَانَ عَلِيٌّ يُنَادِي فَإِذَا أَعْيَا قَامَ أَبُو بَكْرٍ يُنَادِي بِهَا .
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ يَثِيعَ قَالَ : { سَأَلْت عَلِيًّا بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْت فِي الْحَجَّةِ ؟ قَالَ : بُعِثْت بِأَرْبَعٍ : أَلَّا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إلَى مُدَّتِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي فَدَعَا عَلِيًّا ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ؛ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : لَا نَشُكُّ
أَنَّ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ يَوْمُ النَّحْرِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي تُرْمَى فِيهِ الْجَمْرَةُ ، وَيُنْحَرُ فِيهِ الْهَدْيُ ، وَتُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ ، وَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي يَنْقَضِي فِيهِ الْحَجُّ ؛ مَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْحَجِّ وَهُوَ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ .
وَنَحْوَهُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، فَقَالَ : " هُوَ يَوْمٌ يُحْلَقُ فِيهِ الشَّعْرُ ، وَتُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ ، وَيُحَلُّ فِيهِ الْحَرَامُ ، وَتُوضَعُ فِيهِ النَّوَاصِي " .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : " إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ " وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ ، وَالْحَجُّ الْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ " .
قَالَ الْقَاضِي : إذَا نَظَرْنَا فِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَالْمُنَقَّحُ مِنْهَا أَنَّ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ الْحَجُّ ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ؛ لَكِنَّا إذَا بَحَثْنَا عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَلَا شَكَّ أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ ، مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا فِي يَوْمِهَا أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا فَلَا حَجَّ لَهُ ؛ بَيْدَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْثِ عَنْ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِالْأَذَانِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَلِثُبُوتِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ قَالَ يَوْمُ النَّحْرِ : { أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ، أَلَيْسَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ؟ } كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ : هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } .
وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ .
وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ أَبِي أَوْفَى عَلَى أَنَّهُ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ بِانْقِضَاءِ الْحَجِّ فِيهِ مِنْ النُّسُكِ ، وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } .
وَغَاصَ مَالِكٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، فَجَمَعَ بَيْنَ الدَّلَائِلِ ، وَقَالَ : إنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ الْحَجُّ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ إنَّمَا هُوَ فِي لَيْلَتِهِ ، وَفِي صَبِيحَتِهِ الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالنَّحْرُ وَالطَّوَافُ ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا إشْكَالٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " بَرَاءَةٌ " عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ بَعَثْت بِهِ إلَى أَبِي بَكْرٍ .
فَقَالَ : { إنَّهُ لَا يُؤَدِّي عَنِّي إلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .
ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا ، فَقَالَ لَهُ : اُخْرُجْ بِهَذِهِ الْقُصَّةِ مِنْ صَدْرِ بَرَاءَةَ ، وَأَذِنَّ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ إذَا اجْتَمَعُوا بِمِنًى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَهُوَ لَهُ إلَى مُدَّتِهِ .
فَخَرَجَ عَلِيٌّ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : أَمِيرٌ أَمْ مَأْمُورٌ ؟ قَالَ بَلْ مَأْمُورٌ .
ثُمَّ مَضَيَا ، فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ، وَالْعَرَبُ إذْ ذَاكَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ الْحَجِّ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِاَلَّذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ } .
وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ : إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ مَنْ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ ، وَمَنْ كَانَ يَقِفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَكَانَ النِّدَاءُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهِ أَوْلَى وَأَبْلَغَ فِي الْمُرَادِ .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الْمَعْنَى ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْوُقُوفُ كُلُّهُ بِعَرَفَةَ .
سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ مُحَمَّدَ بْنَ طَاهِرٍ الشَّهِيدَ يَقُولُ : سَمِعْت الْأُسْتَاذَ أَبَا الْمُظَفَّرِ طَاهِرَ بْنَ مُحَمَّدِ شَاهْ بُورٍ يَقُولُ : إنَّمَا أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا بِبَرَاءَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ تَضَمَّنَتْ نَقْضَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ سِيرَةُ الْعَرَبِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْعَقْدُ إلَّا الَّذِي عَقَدَهُ أَوْ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ أَلْسِنَةَ الْعَرَبِ بِالْحُجَّةِ ، وَأَنْ يُرْسِلَ ابْنَ عَمِّهِ الْهَاشِمِيِّ مِنْ بَيْتِهِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ ، حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ مُتَكَلِّمٌ .
وَهَذَا بَدِيعٌ فِي فَنِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ فِي التَّأْذِينِ : هَلْ كَانَ بِثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ تِسْعٍ إلَى قَوْلِهِ : { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } .
أَوْ إلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
وَهَذَا إنَّمَا نَشَأَ مِنْ رِوَايَاتٍ وَرَدَتْ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : وَلَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ .
وَفِيهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَأْذَيْنَهُ إنَّمَا كَانَ إلَى قَوْلِهِ : { غَفُورٌ رَحِيمٌ } وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ إنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ بِأَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْهَا مَا قَالَهُ فِي تَأْذِينِهِ ، وَمِنْهَا مَا زَادَ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مَنْ خَاسَ بِعَهْدِهِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، فَأَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فِي نَقْضِ عَهْدِ مَنْ خَاسَ ، وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ لِمَنْ بَقِيَ عَلَى عَهْدِهِ إلَى مُدَّتِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .
الْمَعْنَى : كَيْفَ يَبْقَى لَهُمْ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَهُمْ قَدْ نَقَضُوهُ ؛ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ قُرَيْشٌ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ؛ أَمَرَ أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ لَهُمْ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ؛ وَهَذَا وَهْمٌ ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ كَانَ عَهْدُهَا مَنْقُوضًا مِنْهُمْ وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ كَانَ الْفَتْحُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ عَاهَدَ مِنْ الْعَرَبِ كَخُزَاعَةَ وَبَنِي مُدْلِجٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوَفَّى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ } : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ الْمَعْلُومَةُ : رَجَبٌ الْفَرْدُ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا شَوَّالٌ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا تَمَامُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ عَهْدِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَاهَدُوا ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَسَاقِطٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَشْتَغِلَ بِهِ ، لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِهِ ، وَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقْوَالِ فَمُحْتَمَلَةٌ ، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْأَذَانُ ، وَبِهِ وَقَعَ الْإِعْلَامُ ، وَعَلَيْهِ تَرَتَّبَ حَلُّ الْعَقْدِ الْمُرْتَبِطِ إلَيْهِ ، وَبِنَاءُ الْأَجَلِ الْمُسَمَّى عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } : هَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِكُلِّ كَافِرٍ بِاَللَّهِ ، عَابِدٍ لِلْوَثَنِ فِي الْعُرْفِ ، وَلَكِنَّهُ عَامٌّ فِي الْحَقِيقَةِ لِكُلِّ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ، أَمَّا أَنَّهُ بِحُكْمِ قُوَّةِ اللَّفْظِ يَرْجِعُ تَنَاوُلُهُ إلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانَ الْعَهْدُ لَهُمْ وَفِي جِنْسِهِمْ ، وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرُهُمْ ، فَيُقْتَلُونَ بِوُجُودِ عِلَّةِ الْقَتْلِ ، وَهِيَ الْإِشْرَاكُ فِيهِمْ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْبَيَانُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } : عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ لَكِنَّ السُّنَّةَ خَصَّتْ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ ، وَرَاهِبٍ ، وَحُشْوَةٍ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَبَقِيَ تَحْتَ اللَّفْظِ مَنْ كَانَ مُحَارِبًا أَوْ مُسْتَعِدًّا لِلْحِرَابَةِ وَالْإِذَايَةِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ : اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحَارِبُونَكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } : هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ؛ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهُ يَخُصُّ مِنْهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِقَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .
وَقُرِئَ : وَلَا تَقْتُلُوهُمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
قُلْنَا : هَذَا خَبَرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا كَافِرٌ أَبَدًا ، لِأَنَّ الْقِتَالَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْكُفَّارِ ، فَأَمَّا كَافِرٌ يَأْوِي إلَيْهَا فَلَا تَعْصِمُهُ وَلَا قُرَّةَ عَيْنٍ ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْحَدِيثِ وَلَا لَفْظِهِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ } : دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِسَارِ فِيهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اغْتِيَالِهِمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ } الْآيَةَ إلَى : { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } لِمَا تَقَدَّمَ ، ( رَحِيمٌ ) بِخَلْقِهِ فِي إمْهَالِهِمْ ثُمَّ الْمَغْفِرَةُ لَهُمْ .
وَهَذَا مُبَيَّنٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .
فَانْتَظَمَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَاطَّرَدَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ } : دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى مَا كَانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعَلَّقَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ فِي قَوْلِهِ : لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ الْعِصْمَةَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ : { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } : وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ وَحَصْرِهِمْ وَمَنْعِهِمْ عَنْ التَّصَرُّفِ ، وَأَلَّا يَرْصُدَ لَهُمْ غِيلَةً ، وَلَا يَقْطَعَ عَلَى أَحَدٍ فَعَلَ ذَلِكَ سَبِيلُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { وَاحْصُرُوهُمْ } : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : امْنَعُوهُمْ عَنْ التَّصَرُّفِ إلَى بِلَادِكُمْ وَالدُّخُولِ إلَّا لِلْقَلِيلِ إلَيْكُمْ ، إلَّا أَنْ تَأْذَنُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَيَدْخُلُوا إلَيْكُمْ بِأَمَانٍ مِنْكُمْ ؛ فَإِنَّ الْمَحْبُوسَ تَحْتَ سُلْطَانِ الْإِذْنِ ، مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَبْسٌ وَلَا حَصْرٌ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقِيقَتُهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك } : مَعْنَاهُ سَأَلَ جِوَارَك ، أَيْ أَمَانَك وَذِمَامَك فَأَعْطِهِ إيَّاهُ لِيَسْمَعَ الْقُرْآنَ ؛ فَإِنْ قَبِلَ أَمْرًا فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَبَى فَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ : إذَا وُجِدَ الْحَرْبِيُّ فِي طَرِيقِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ ، وَالْآيَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَنْ يُرِيدُ سَمَاعَ الْقُرْآنِ وَالنَّظَرَ فِي الْإِسْلَامِ ؛ فَأَمَّا الْإِجَارَةُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هِيَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالنَّظَرُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِهِ مَنْفَعَةٌ ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ أَمِيرٍ أَوْ مَأْمُورٍ ؛ فَأَمَّا الْأَمِيرُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إجَارَتَهُ جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ لِلنَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ ، نَائِبٌ عَنْ الْجَمِيعِ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ رَعِيَّةً رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ } .
وَاَلَّذِي مِنْهُمْ غَيْرُ الْأَمِيرِ ، وَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ ، فَأَمَّا الْحُرُّ فَيَمْضِي أَمَانُهُ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ : يَنْظُرُ الْإِمَامُ فِيهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ جِوَارَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ أَمْضَاهُ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ ، وَتَوَعَّدَ بِالْقَتْلِ مَنْ رَدَّهُ ، فَقَالَ : " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِلْجِ إذَا اشْتَدَّ فِي الْحَبْلِ مُطَرَّسٌ فَإِذَا سَكَنَ إلَى قَوْلِهِ قَتَلَهُ ؛ فَإِنِّي لَا أُوتَى بِأَحَدٍ فَعَلَ
ذَلِكَ إلَّا ضَرَبْت عُنُقَهُ " .
وَأَمَّا الْعَبْدُ : فَلَهُ الْأَمَانُ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَمَانَ لَهُ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِعُلَمَائِنَا ، وَكَأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَأَى أَنَّ مَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ ، لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ .
وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ يَدْخُلُ فِيهِ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ ، وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ نَاقَضَ فَقَالَ : إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْقِتَالِ جَازَ أَمَانُهُ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلَبَ جَوَازَ الْأَمْنِ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ صَدَّهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَفَادَهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْآدَمِيَّةِ .
وَأَمَّا الصَّبِيُّ : فَعَدَمُ تَكْلِيفِهِ يُسْقِطُ قَوْلَهُ بِلَا كَلَامٍ ، إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالَتْ : إذَا أَطَاقَ الْقِتَالَ صَارَ فِي جُمْلَةِ الْجَيْشِ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ ؛ وَجَازَ أَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَدَخَلَ فِي الْفِئَةِ الْحَامِيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } : مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ يَسْمَعُ الْقُرْآنَ إلَّا وَهُوَ سَامِعٌ لِكَلَامِ اللَّهِ ، لَكِنْ بِوَاسِطَةِ اللُّغَاتِ وَبِدَلَالَةِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ ، وَكَذَلِكَ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ كُلُّ غَائِبٍ ، لَكِنَّ الْقُدُّوسَ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا لِكَلَامِهِ .
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُكَرِّمَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، كَمَا فَعَلَ بِمُوسَى وَمُحَمَّدٍ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } مُجَرَّدَ الْإِصْغَاءِ ، فَيَحْصُلَ الْعِلْمُ لَهُ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ فَهْمَ الْمَقْصُودِ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى النُّبُوَّةِ ، وَفَهْمِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنْ التَّكْلِيفِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَى الْعَرَبِ وَجْهُ الْإِعْجَازِ فِيهِ ، وَطَرِيقُ الدَّلَالَةُ عَلَى النُّبُوَّةِ ، لِكَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ أَسَالِيبِ فَصَاحَةِ الْعَرَبِ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ ، وَالْخُطَبِ وَالْأَرَاجِيزِ ، وَالسَّجْعِ وَالْأَمْثَالِ ، وَأَنْوَاعِ فَصْلِ الْخِطَابِ ؛ فَإِنْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ ، وَالْقَبُولَ لَهُ صَارَ مِنْ جُمْلَة الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ صُدَّ بِالطَّبْعِ ، وَمُنِعَ بِالْخَتْمِ ، وَحَقَّ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ الْقَوْلُ رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } : نَفَى اللَّهُ عَنْهُمْ الْعِلْمَ ؛ لِنَفْيِ فَائِدَتِهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِبْصَارِ ، وَقَدْ يَنْتَفِي الشَّيْءُ بِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ ؛ إذْ الشَّيْءُ إنَّمَا يُرَادُ لِمَقْصُودِهِ ، فَإِذَا عَدِمَ الْمَقْصُودَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ ، وَالْإِمْهَالِ لَهُمْ ، حَتَّى يَقَعَ الِاعْتِبَارُ أَنْ مَنَّ اللَّهُ بِالْهُدَى وَالِاسْتِبْصَارِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّاعِنَ فِي الدِّينِ كَافِرٌ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْسِبُ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ ، أَوْ يَعْتَرِضُ بِالِاسْتِخْفَافِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ الدِّينِ ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِحَّةِ أُصُولِهِ وَاسْتِقَامَةِ فُرُوعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي الدِّينِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ لِقَوْلِهِ : { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } إلَى : { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } فَأَمَرَ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ إذَا طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : نَكْثُهُمْ لِلْعَهْدِ .
وَالثَّانِي : طَعْنُهُمْ فِي الدِّينِ .
قُلْنَا : الطَّعْنُ فِي الدِّينِ نَكْثٌ لِلْعَهْدِ ، بَلْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنْ عَمِلُوا مَا يُخَالِفُ الْعَهْدَ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ .
فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّ ذِمِّيًّا نَخَسَ دَابَّةً عَلَيْهَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ ، فَرَمَحَتْ ، فَأَسْقَطَتْهَا ، فَانْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهَا ، فَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي الْمَوْضِعِ وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا حَارَبَ الذِّمِّيُّ نُقِضَ عَهْدُهُ ، وَكَانَ [ مَالُهُ وَوَلَدُهُ ] فَيْئًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : وَلَا يُؤْخَذُ وَلَدُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَقَضَ وَحْدَهُ .
وَقَالَ : أَمَّا مَالُهُ فَيُؤْخَذُ .
وَهَذَا تَعَارُضٌ لَا يُشْبِهُ مَنْصِبَ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ عَهْدَهُ هُوَ الَّذِي حَمَى وَلَده وَمَالَهُ ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهُ ذَهَبَ عَنْ وَلَدِهِ وَمَالِهِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : إذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ فَهُوَ عَلَى عَهْدِهِ ، وَلَا يَعُودُ الْحُرُّ فِي الرِّقِّ أَبَدًا .
وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْعَهْدَ مَعْنًى مَحْسُوسًا ، وَإِنَّمَا الْعَهْدُ حُكْمٌ اقْتَضَاهُ النَّظَرُ ، وَالْتَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَإِذَا نَقَضَهُ انْتَقَضَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ مِنْ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ، فَإِنَّهَا تُعْقَدُ ؛ فَتُرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ ؛ فَإِذَا نُقِضَتْ وَنُسِخَتْ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَعُمَّار الْمَسَاجِدِ بِالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَبَطَهَا بِهَا ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا بِمُلَازَمَتِهَا ، وَالنَّفْسُ تُطَمْئِنُ بِهَا وَتَسْكُنُ إلَيْهَا ، وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الصَّلَاحِ لَيْسَ فِي مَقَاطِعِ الشَّهَادَاتِ ، فَلَهَا وُجُوهٌ ، وَلِلْعَارِفِينَ بِهَا أَحْوَالٌ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ كُلُّ أَحَدٍ بِمِقْدَارِ حَالِهِ وَعَلَى مُقْتَضَى صِفَتِهِ ؛ فَمِنْهُمْ الذَّكِيُّ الْفَطِنُ الْمُحَصِّلُ لِمَا يَعْلَمُ اعْتِقَادًا وَإِخْبَارًا ، وَمِنْهُمْ الْمُغَفَّلُ ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ يَنْزِلُ عَلَى مَنْزِلَتِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى صِفَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا قُصِدَ بِهَا قُرَيْشٌ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْخَرُونَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ سُكَّانُ مَكَّةَ وَعُمَّارُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَيَرَوْنَ بِذَلِكَ فَضْلًا لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَنَفَى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ شَرْعًا وَفَضِيلَةً ، لَا حِسًّا وَوُجُودًا ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعِمَارَةَ لِبَيْتِ اللَّهِ لَا تَكُونُ بِالْكُفْرِ بِهِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ وَأَدَاءِ الطَّاعَةِ ؛ سَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّاشِيَّ يَقُولُ : كَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ يُسَمِّي الشَّيْخَ الْإِمَامَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ إمَامَ الشَّافِعِيَّةِ وَشَيْخَ الصُّوفِيَّةِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ حَمَامَةَ الْمَسْجِدِ ؛ لِمُلَازِمَتِهِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ بَيْتًا سِوَاهُ يُلَازِمُ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ ، وَيُوَاظِبُ الْقِرَاءَةَ وَالتَّدْرِيسَ حَتَّى صَارَ إمَامَ الطَّرِيقَتَيْنِ : الْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَفَى اللَّهُ الْمُوَالَاةَ بِالْكُفْرِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ خَاصَّةً ، وَلَا قُرْبَى أَقْرَبُ مِنْهَا ، كَمَا نَفَاهَا بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، بِقَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } ؛ لَيُبَيِّنَ أَنَّ الْقُرْبَ قُرْبُ الْأَدْيَانِ لَا قُرْبُ الدِّيَارِ وَالْأَبَدَانِ ، وَمِثْلُهُ تُنْشِدُ الصُّوفِيَّةُ : يَقُولُونَ لِي دَارُ الْأَحِبَّةِ قَدْ دَنَتْ وَأَنْتَ كَئِيبٌ إنَّ ذَا لَعَجِيبُ فَقُلْت وَمَا تُغْنِي دِيَارٌ قَرِيبَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقُلُوبِ قَرِيبُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْإِحْسَانُ بِالْهِبَةِ وَالصِّلَةِ مُسْتَثْنَى مِنْ الْوِلَايَةِ : لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ ؛ قَالَتْ { : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً ، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : صِلِي أُمَّكِ } .
وَتَمَامُهُ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } إمَّا بِالْمَآلِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ ، وَإِمَّا بِالْأَحْكَامِ فِي الْعَاجِلَةِ ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ أَيْ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْمَوْضِعِ الْمَوْضُوعِ فِيهِ كُفْرًا وَإِيمَانًا .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا } : هَذَا بَيَانُ فَضْلِ الْجِهَادِ ، وَإِشَارَةٌ إلَى رَاحَةِ النَّفْسِ وَعَلَاقَتِهَا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ .
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَيَانِ حَالِ مَنْ تَرَكَ الْهِجْرَةَ ، وَآثَرَ الْبَقَاءَ مَعَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ ثَلَاثَةَ مَقَاعِدَ : قَعَدَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ : أَتَذَرُ دِينَك وَدِينَ آبَائِك وَتُسْلِمَ .
فَخَالَفَهُ وَأَسْلَمَ .
وَقَعَدَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ لَهُ : أَتَذَرُ أَهْلَك وَمَالَك فَتُهَاجِرَ ، فَخَالَفَهُ ثُمَّ هَاجَرَ .
وَقَعَدَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْجِهَادِ ، فَقَالَ لَهُ : تُجَاهِدُ فَتُقْتَلُ ، وَتُنْكَحُ أَهْلُك ، وَيُقْسَمُ مَالُك ، فَخَالَفَهُ فَجَاهَدَ فَقَتَلَ .
فَحَقَّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْعَشِيرَةُ : الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَبْلُغُ عِقْدَ الْعَشَرَةِ ، فَمَا زَادَ .
وَمِنْهُ الْمُعَاشَرَةُ ، وَهِيَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْعَزْمِ الْكَثِيرِ .
وَقَوْلُهُ : { وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا } أَيْ اقْتَطَعْتُمُوهَا مِنْ غَيْرِهَا وَالْكَسَادُ : نُقْصَانُ الْقِيمَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ : لَا
يَتْبَعُنِي رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ، أَوْ بَنَى دَارًا وَلَمْ يَسْكُنْهَا .
} الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } : قَوْلُهُ : فَتَرَبَّصُوا صِيغَتُهُ الْأَمْرُ ، وَمَعْنَاهُ التَّهْدِيدُ ، وَأَمْرُ اللَّهِ الَّذِي يَأْتِي فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَعْنَى الْآيَةِ الْهِجْرَةُ ، وَيَكُونُ أَمْرُ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ الَّتِي تُنْزِلُ بِهِمْ الذُّلَّ وَالْخِزْيَ ، حَتَّى يَغْزُوَهُمْ الْعَدُوُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ ، وَيَسْلُبَهُمْ أَمْوَالَهُمْ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ { : لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبَضَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى عِنَانِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مُرْ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ انْهَزَمُوا فَنَضْرِبَ رِقَابَهُمْ .
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ؟ فَقِيلَ لَهُ : أَوَقَسَمَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَنْ خَرَجَ يُدَاوِي الْجَرْحَى ؟ فَقَالَ : مَا عَلِمْت أَنَّهُ أَسْهَمَ لِامْرَأَةٍ فِي مَغَازِيهِ } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : وَكَانَتْ حُنَيْنٌ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ لَنَا مَالِكٌ : حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِصَفْوَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : وَاَللَّهِ لَا نَرْتَدُّ أَبَدًا .
فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ : وَاَللَّهِ لَرَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ رَبٍّ مِنْ هَوَازِنَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْطَى صَفْوَانَ مَثْنَى مِئِينَ أَوْ ثَلَاثَ .
وَقَالَ صَفْوَانُ : لَقَدْ حَضَرْت حُنَيْنًا وَمَا أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ أَبْغَضُ إلَيَّ مِنْهُ ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الْخَلْقِ مِنْهُ .
وَكَانَ صَفْوَانُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ حِينَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَاهُ أَكَانَ مُسْلِمًا أَوْ مُشْرِكًا ؟ قَالَ : مَا سَمِعْت شَيْئًا ، وَمَا أَرَاهُ كَانَ إلَّا مُشْرِكًا .
وَلَقَدْ قَالَ : رَبٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ رَبٍّ مِنْ
هَوَازِنَ وَمَا هَذَا بِكَلَامِ مُسْلِمٍ .
وَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ قَوْلًا حِينَ قَالَ صَفْوَانُ : لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أُمَيَّةَ إذْ لَمْ يَرَ هَذَا الْأَسْوَدَ فَوْقَ الْكَعْبَةِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : كَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
قَالَ مَالِكٌ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ وَجْهَهُ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ بِالسُّقْيَا جَاءَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَكَانَ شَاعِرًا ، فَأَنْشُدهُ شِعْرَهُ لِيَعْلَم مَا عِنْدَهُ وَيَنْظُرَ مَا فِي نَفْسِهِ ، فَأَنْشَدَهُ : قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ إرْبٍ وَخَيْبَرَ ثُمَّ أَجَمَمْنَا السُّيُوفَا نُسَائِلُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُنَّ دَوْسًا أَوْ ثَقِيفَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْقَصِيدَةُ مَشْهُورَةٌ ، وَتَمَامُهَا : فَلَسْت لِحَاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا بِسَاحَةِ دَارِكُمْ مِنَّا أَلُوفَا وَتُنْتَزَعُ الْعُرُوشُ بِبَطْنِ وَجٍّ وَتُصْبِحُ دَارُكُمْ مِنَّا خُلُوفَا وَتَأْتِيكُمْ لَنَا سَرْعَانُ خَيْلٍ يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ لَهَا مِمَّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا بِأَيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَاتٌ يَزُرْنَ الْمُصْطَلَيْنَ بِهَا الْحُتُوفَا كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تُضْرَبْ كَتِيفَا تَخَالُ جَدِيَّةُ الْأَبْطَالِ فِيهَا غَدَاةَ الزَّحْفِ جَادِيًا مَدُوفَا أَجَدُّهُمْ أَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ مِنْ الْأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا فَخَبِّرْهُمْ بِأَنَّا قَدْ جَمَعْنَا عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنُّجْبَ الطُّرُوفَا وَأَنَّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بِزَحْفٍ يُحِيطُ بِسُورِ حِصْنِهِمْ صُفُوفَا رَئِيسُهُمْ النَّبِيُّ وَكَانَ صَلْبًا نَقِيَّ الثَّوْبِ مُصْطَبِرًا عَزُوفَا رَشِيدَ الْأَمْرِ ذَا حُكْمٍ وَعِلْمٍ وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا نُطِيعُ نَبِيَّنَا وَنُطِيعُ رَبًّا هُوَ الرَّحْمَنُ كَانَ بِنَا لَطِيفَا فَإِنْ يُلْقُوا إلَيْنَا السَّلْمَ نَقْبَلْ وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ وَلَا يَكُ أَمْرُنَا رَعْشًا ضَعِيفَا نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا إلَى الْإِسْلَامِ إذْعَانًا مَضِيفَا
نُجَاهِدُ لَا نُبَالِي مَا لَقِينَا أَأَهْلَكْنَا التِّلَادَ أَمْ الطَّرِيفَا وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحَلِيفَا أَتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاءً فَجَدَّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالْأُنُوفَا بِكُلِّ مُهَنَّدٍ لَيِّنٍ صَقِيلٍ نَسُوقُهُمْ بِهِ سَوْقًا عَنِيفَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى يَقُومَ الدِّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا وَنُنْسِي اللَّاتِي وَالْعُزَّى وَوُدَّ وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشُّنُوفَا فَأَمْسَوْا قَدْ أَقَرُّوا وَاطْمَأَنُّوا وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يُقْتَلْ خُسُوفَا فَأَجَابَهُ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، فَقَالَ : مَنْ كَانَ يَبْغِينَا يُرِيدُ قِتَالَنَا فَإِنَّا بِدَارِ مَعْلَمٍ لَا نَرِيمُهَا وَجَدْنَا بِهَا الْآبَاءَ مِنْ قَبْلِ مَا نَرَى وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا وَقَدْ جَرَّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فَأَخْبَرَهَا ذُو رَأْيِهَا وَحَلِيمُهَا وَقَدْ عَلِمَتْ أَنْ قَالَتْ الْحَقَّ أَنَّنَا إذَا مَا أَبَتْ صُعْرُ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا نُقَوِّمُهَا حَتَّى يَلِينَ شَرِيسُهَا وَيُعْرَفَ لِلْحَقِّ الْمُبِينِ ظَلُومُهَا عَلَيْنَا دِلَاصٌ مِنْ تُرَاثٍ مُحَرَّقٍ كَلَوْنِ السَّمَاءِ زِينَتُهَا نُجُومُهَا نُرَفِّعُهَا عَنَّا بِبِيضٍ صَوَارِمَ إذَا جُرِّرَتْ فِي غَمْرَةٍ لَا نَشِيمُهَا قَالُوا : فَلَمَّا سَمِعَتْ دَوْسٌ بِأَبْيَاتِ كَعْبٍ هَذِهِ بَادَرَتْ بِإِسْلَامِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَلْبُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا .
وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ نَفَلَ فِي بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ ، إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ نَفْلَ الْأَسْلَابِ وَغَيْرَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْخُمُسِ ، لَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخُمُسَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِرَأْيِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شَاءَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقْدَمُونَ لِلتِّجَارَةِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } الْآيَةَ .
رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَرَوَى غَيْرُهُ أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مَكَّةَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالُوا : كَيْفَ بِمَا نُصِيبُ مِنْهُمْ فِي التِّجَارَةِ فِي الْمِيرَةِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } .
فَأَغْنَاهُمْ اللَّهُ بِالْجِزْيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : نَادِ فِي أَذَانِك أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ } .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التِّلَاوَةُ بَعْدَ الْأَذَانِ ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي كَرَّمَهُ اللَّهُ وَكَرَّمَ دِينَهُ عَنْ أَنْ يُخَالِطَهُمْ مُشْرِكٌ .
وَقِيلَ : إذَا امْتَنَعَ دُخُولُ الْمُشْرِكِينَ مَكَّةَ لِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَلِمَ يَبْقَى النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ حِسِّيَّةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، أَمَرَ اللَّهَ بِإِبْعَادِهَا ، كَمَا أَمَرَ بِإِبْعَادِ الْبَدَنِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَدَثِ ، وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ شَرْعِيٌّ لَيْسَ بِعَيْنٍ حِسِّيَّةٍ .
وَقَدْ ذَهِلَتْ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ ؛ فَظَنُّوا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ أَمْرٌ حِسِّيٌّ ، تَعُمُّ زَوَالَ الْعَيْنِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَهُوَ إذَا
ظَهَرَتْ ، حِسِّيٌّ .
وَكَوْنُهَا بِعَيْنِهَا نَجِسَةً حُكْمِيٌّ ، وَبَقَاءُ الْمَحِلِّ نَجَسًا بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهَا حُكْمِيٌّ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْرَبُونَ مَسْجِدًا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ وَهِيَ النَّجَاسَةُ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ ، وَالْحُرْمَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَسْجِدِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا كَثِيرًا ؛ فَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ .
وَهَذَا جُمُودٌ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يُسْقِطُ هَذَا الظَّاهِرَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقُلْ : لَا يَقْرَبُ هَؤُلَاءِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ وَلَوْ قَالَ : لَا يَقْرَبْ الْمُشْرِكُونَ وَالْأَنْجَاسُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى التَّعْلِيلِ بِالشِّرْكِ أَوْ النَّجَاسَةِ ، أَوْ الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا ، بَلْ أَكَّدَ الْحَالُ بَيَانَ الْعِلَّةِ وَكَشَفَهَا ، فَقَالَ : { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } : يُرِيدُ وَلَا بُدَّ لِنَجَاسَتِهِمْ ، فَتَعَدَّتْ الْعِلَّةُ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ مُحْتَرَمٍ بِالْمَسْجِدِيَّةِ .
وَمِمَّا قَالَهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُشْرِكٌ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ عَلِمَ إسْلَامَهُ ، وَهَذَا وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَلَا يَضُرُّنَا ؛ لِأَنَّ عِلْمَ النَّبِيِّ بِإِسْلَامِهِ فِي الْمَآلِ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهِ فِي الْحَالِ .
، وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : الْعُمُومُ بِمَنْعِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَخْصُوصٌ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ .
وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ ، وَسَنَدٌ ضَعِيفٌ لَا يُخَصُّ بِمِثْلِهِ الْعُمُومَاتُ الْمُطْلَقَةُ ، فَكَيْفَ الْمُعَلَّلَةُ بِالْعِلَّةِ الْعَامَّةِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِجَمِيعِهَا ، وَهِيَ الشِّرْكُ ؟ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ
: هَذَا الْقَوْلُ وَالْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
فَأَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَلَا يَزِيدُ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِ ؛ إذْ قَدْ دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُشْرِكٌ عِنْدَ إقْبَالِهِ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ حِينَ خَشِيَ نَقْضَ الصُّلْحِ بِمَا أَحْدَثَهُ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَلَوْ صَحَّ فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ ظَاهِرٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ ثُمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَدُخُولَ أَبِي سُفْيَانَ فِيهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَصًّا ، وَمَنَعَ مِنْ دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ تَعْلِيلًا بِالنَّجَاسَةِ ، وَلِوُجُوبِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ كُلِّ نَجَسٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَدْخُلُ الْكَافِرُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِحَالٍ ، وَيَدْخُلُ غَيْرَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ لِلْحَاجَةِ ، كَمَا دَخَلَ ثُمَامَةُ وَأَبُو سُفْيَانَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ خَطَأٌ ، أَمَّا دُخُولُهُ لِلْحَاجَةِ فَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا دُخُولُهُمْ كَذَلِكَ مُطْلَقًا فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ تَعْلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَدْقِيقِهِ .
وَلَقَدْ كُنْت أَرَى بِدِمَشْقَ عَجَبًا ، كَانَ لِجَامِعِهَا بَابَانِ : بَابٌ شَرْقِيٌّ وَهُوَ بَابُ جَيْرُونَ ، وَبَابٌ غَرْبِيٌّ ، وَكَانَ النَّاسُ يَجْعَلُونَهُ طَرِيقًا يَمْشُونَ عَلَيْهَا نَهَارَهُمْ كُلَّهُ فِي حَوَائِجِهِمْ ، وَكَانَ الذِّمِّيُّ إذَا أَرَادَ الْمُرُورَ وَقَفَ عَلَى الْبَابِ حَتَّى يَمُرَّ بِهِ مُسْلِمٌ ، مُجْتَازٌ ، فَيَقُولَ لَهُ الذِّمِّيُّ : يَا مُسْلِمُ ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَمُرَّ مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، فَيَدْخُلُ مَعَهُ ، وَعَلَيْهِ
الْغِيَارُ عَلَامَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَإِذَا رَآهُ الْقَيِّمُ صَاحَ بِهِ : ارْجِعْ ، ارْجِعْ ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُسْلِمُ : أَنَا أَذِنْت لَهُ فَيَتْرُكُهُ الْقَيِّمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ سَنَةُ تِسْعٍ الَّتِي حَجَّ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ سَنَةُ عَشْرٍ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعْطِيهِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ .
وَإِنَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنْ يُقَالَ [ إنَّهُ ] سَنَةُ تِسْعٍ ، وَهُوَ الْعَامُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْأَذَانُ وَلَوْ دَخَلَ غُلَامُ رَجُلٍ دَارِهِ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ : لَا تَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ بَعْدَ يَوْمِك هَذَا لَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ .
فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّهْيَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّدَاءُ ، وَلَوْ تَنَاصَفَ النَّاسُ فِي الْحَقِّ ، وَأَمْسَكَ كُلُّ أَحَدٍ عَمَّا لَا يَعْلَمُ مَا وَقَعَ مِثْلُ هَذَا النِّزَاعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } : الْمَعْنَى : إنْ خِفْتُمْ الْفَقْرَ بِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكُمْ بِالتِّجَارَةِ الَّتِي كَانُوا يَجْلِبُونَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُ عَنْهَا ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْأَسْبَابِ فِي الرِّزْقِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ الرِّزْقُ مَقْدُورًا ، وَأَمْرُ اللَّهِ وَقَسْمُهُ لَهُ مَفْعُولًا ، وَلَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْأَسْبَابِ حِكْمَةً ؛ لِتَعْلَمَ الْقُلُوبُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْبَابِ مِنْ الْقُلُوبِ الَّتِي تَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ ، وَلَيْسَ يُنَافِي النَّظَرَ إلَى السَّبَبِ التَّوَكُّلُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسَخَّرٌ مَقْدُورٌ ؛ وَإِنَّمَا يُضَادُّ التَّوَكُّلَ النَّظَرُ إلَيْهِ بِذَاتِهِ ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ الَّذِي سَخَّرَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا } .
فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوَكُّلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُضَادُّهُ الْغُدُوُّ وَالرَّوَاحُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ ، لَكِنَّ شُيُوخَ الصُّوفِيَّةِ قَالُوا : إنَّمَا تَغْدُو وَتَرُوحُ فِي الطَّاعَةِ ، فَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي يَجْلِبُ الرِّزْقَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : قَوْلُهُ : { وَأْمُرْ أَهْلَك بِالصَّلَاةِ } .
وَالثَّانِي قَوْلُهُ : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } فَلَيْسَ يَنْزِلُ الرِّزْقُ مِنْ مَحِلِّهِ وَهُوَ السَّمَاءُ إلَّا مَا يَصْعَدُ إلَيْهَا وَهُوَ الذِّكْرُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَلَيْسَ بِالسَّعْيِ فِي جِهَاتِ الْأَرْضِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا رِزْقٌ .
وَالصَّحِيحُ مَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْأَسْبَابِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ الْحَرْثِ وَالتِّجَارَةِ وَالْغِرَاسَةِ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ تَعْمَلُهُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَالْعِمَارَةِ لِلْأَمْوَالِ ، وَغَرْسِ
الثِّمَارِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَضْرِبُ عَلَى الْكُفَّارِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، وَيَسْتَرْزِقُ مِنْ أَفْضَلِ وُجُوهِ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ الْأَغْنَامُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رَاضٍ عَنْهُمْ ، وَهَذِهِ كَانَتْ صِفَةَ الْخُلَفَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْهُمْ ؛ يَسْلُكُونَ هَذِهِ السَّبِيلَ فِي الِاكْتِسَابِ وَالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ .
أَمَا إنَّهُ لَقَدْ كَانَ قَوْمٌ يَقْعُدُونَ بِصُفَّةِ الْمَسْجِدِ مَا يَحْرُثُونَ وَلَا يَتَّجِرُونَ ، لَيْسَ لَهُمْ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ ، إنَّمَا هُمْ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ إذَا جَاءَتْ هَدِيَّةٌ أَكَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً خَصَّهُمْ بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُعَابٍ عَلَيْهِمْ ، لِإِقْبَالِهِمْ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَمُلَازَمَتِهِمْ لِلذِّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ ، فَصَارَتْ جَادَّتَيْنِ فِي الدَّيْن وَمَسْلَكَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَمَنْ آثَرَ مِنْهُمَا وَاحِدًا لَمْ يَخْرُج عَنْ سُنَنِهِ ، وَلَا اقْتَحَمَ مَكْرُوهًا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { مِنْ فَضْلِهِ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، وَعَلِمَ ؛ لِعُمُومِ فَضْلِهِ ، وَسَعَةِ رِزْقِهِ وَرَحْمَتِهِ .
الثَّانِي : بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ وَخِصْبِ الْأَرْضِ ، فَأَخْصَبَ تَبَالَةُ وَجُرَشُ ، فَحَمَلُوا إلَى مَكَّةَ الطَّعَامَ وَالْوَدَكَ ، وَأَسْلَمَ أَهْلُ نَجْدٍ وَصَنْعَاءَ .
الثَّالِثُ : بِالْجِزْيَةِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ وَيُرَادُ بِهِ جَمِيعُهَا ، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِيمَا يَجْلِبُونَ مِنْ التِّجَارَةِ وَالرِّزْقِ إلَيْكُمْ بِجَلْبِكُمْ أَنْتُمْ لَهَا وَاسْتِغْنَائِكُمْ عَنْهَا بِأَنْفُسِكُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ شَاءَ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِالِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَوَلَّى قِسْمَتَهُ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ : { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } : أَمْرٌ بِمُقَاتَلَةِ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ؛ فَإِنَّ كُلَّهُمْ قَدْ أَطْبَقَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ ، مِنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ .
وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ } .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ } .
وَالْكُفْرُ وَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مَذْكُورَةً فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِأَلْفَاظٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، فَإِنَّ اسْمَ الْكُفْرِ يَجْمَعُهَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } .
وَخَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فَقَالَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .
وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَالْغَايَةُ الْقُصْوَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } الْآيَةَ : نَصٌّ فِي تَحْقِيقِ الْكُفْرِ ، وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ : الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ أَصْلَانِ فِي تَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمَا فِي الدِّينِ ، وَهُمَا فِي وَضْعِ اللُّغَةِ مَعْلُومَانِ .
وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ لُغَةً أَوْ التَّأْمِينُ .
وَالْكُفْرُ هُوَ السِّتْرُ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ حِسًّا ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِنْكَارِ وَالْجَحْدِ مَعْنًى ، وَكِلَاهُمَا حَقِيقَةٌ ، أَوْ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى " وَغَيْرِهِ .
وَقَدْ قَالَ شَيْخُ السُّنَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لُغَةً ، وَقَدْ أَفَدْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُفْرَ الْمَعَانِي جُحُودُهَا وَإِنْكَارُهَا فَالشَّرْعُ لَمْ يُعَلِّقْ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى كُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ كُفْرٍ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى بَعْضِهَا ، وَهِيَ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } الْآيَةَ .
فَقَوْلُهُ : { لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } نَصٌّ فِي الْكُفْرِ بِذَاتِهِ يَقِينًا ، وَفِي الْكُفْرِ بِالصِّفَاتِ ظَاهِرًا : لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي لَهُ الصِّفَاتُ الْعُلَا وَالْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ؛ فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَقَوْلُهُ : { وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } نَصٌّ فِي صِفَاتِهِ ، فَإِنَّ الْيَوْمَ الْآخِرَ عَرَفْنَاهُ بِقُدْرَتِهِ وَبِكَلَامِهِ ؛ فَأَمَّا عِلْمُنَا لَهُ بِقُدْرَتِهِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَوْمِ الْآخِرِ .
وَأَمَّا عِلْمُنَا لَهُ بِالْكَلَامِ فَبِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ فَاعِلُهُ ، فَإِذَا أَنْكَرَ أَحَدٌ الْبَعْثَ فَقَدْ أَنْكَرَ الْقُدْرَةَ وَالْكَلَامَ ، وَكَفَرَ قَطْعًا بِغَيْرِ كَلَامٍ ، وَقَوْلُهُ : { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } نَصٌّ فِي أَفْعَالِهِ الَّتِي مِنْ أُمَّهَاتِهَا
إرْسَالُ الرُّسُلِ ، وَتَأْيِيدُهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ : صَدَقْتُمْ أَيُّهَا الرُّسُلُ ، فَإِذَا أَنْكَرَ أَحَدٌ الرُّسُلَ أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ عَنْهُ مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَالْأَوَامِرِ وَالنَّدْبِ ، فَهُوَ كَافِرٌ ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ لَهُ تَفْصِيلٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الَّتِي أَشَرْنَا ، بِهَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ ، وَالتَّفْسِيقِ وَالتَّخْطِئَةِ وَالتَّصْوِيبِ ؛ وَذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَالْجِهَةِ ، أَوْ الْخَوْضِ فِي إنْكَارِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالْحَيَاةِ ، فَهَذِهِ الْأُصُولُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا بِلَا إشْكَالٍ .
وَكَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ : إنَّ الْعِبَادَ يَخْلُقُونَ أَفْعَالَهُمْ ، وَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا لَا يُرِيدُهُ اللَّهُ ، وَإِنَّ نُفُوذَ الْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ عَلَى الْخَلْقِ بِالنَّارِ جَوْرٌ .
وَكَقَوْلِ الْمُشَبِّهَةِ : إنَّ الْبَارِيَ جِسْمٌ ، وَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِجِهَةٍ ، وَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمُحَالِ ، وَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ نَصَّ عَلَى كُلِّ حَادِثَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ .
وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ صُرَاحٌ ، وَبَعْدَ هَذَا تَفَاصِيلُ يَنْبَنِي عَلَيْهَا وَيُجَرُّ إلَيْهَا ، وَفِي التَّكْفِيرِ بِهَا تَدْقِيقٌ .
وَمِنْ أَعْظَمِ الْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ : وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الْإِخْبَارُ عَنْ النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ وَعَذَابَ النَّارِ مَعَانٍ ؛ كَالسُّرُورِ وَالْهَمِّ ، وَلَيْسَتْ صُوَرًا ، وَلَا فِيهَا أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ ، وَلَا وَطْءٌ وَلَا حَيَاةٌ ، وَلَا مُهْلٌ يُشْرَبُ ، وَلَا نَارٌ تَلَظَّى .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } إخْبَارٌ عَمَّا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ بِعُقُولِهَا فِي السَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ ، وَمَا يَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِهِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الزُّورِ ، وَعَمَّا كَانَتْ الرُّهْبَانُ تَفْعَلُهُ ، وَالْأَحْبَارُ مِنْ الْيَهُودِ تَبْتَدِعُهُ مِنْ تَحْرِيمِ
مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } إشَارَةً إلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الِاعْتِقَادِ لِلْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } : وَفِي ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ كَانُوا أُمِرُوا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَأُمِرُوا أَيْضًا بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِ ، وَكَانَ تَخْصِيصًا لِمَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ الْعَامُّ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } تَأْكِيدٌ لِلْحُجَّةِ ؛ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمَةٌ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ ، فَجَاءَهُمْ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَجْأَةً عَلَى جَهَالَةٍ .
فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَدْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ ، وَخُصُوصًا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِلَّتِهِ وَأُمَّتِهِ ؛ فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ تَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ ، وَعَظُمَتْ مِنْهُمْ الْجَرِيمَةُ ، فَنَبَّهَ عَلَى مَحِلِّهِمْ بِذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ تَخْصِيصَهُمْ بِالذِّكْرِ إنَّمَا كَانَ لِأَجَلٍ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .
وَاَلَّذِينَ يُخْتَصُّونَ بِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ صِنْفِ الْكُفَّارِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلَا دَانُوا بِدِينِ الْحَقِّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا جَزَاءٌ عَلَى الْكُفْرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنْ الْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ ، كَمَا تَقُولُ : جَزَى كَذَا عَنِّي يَجْزِي إذَا قَضَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَقْدِيرِهَا : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى الْوَرِقِ ، وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا .
وَكَذَلِكَ رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .
وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ ؛ مِنْ الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِعُمَرَ أُسْوَةٌ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لُجَيْمٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ : مَا بَالُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَعَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ ؟ قَالَ : إنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ : { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ } ، ثُمَّ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عُمَرُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الثَّرْوَةُ وَالْقِلَّةُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي مَحِلِّ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إذَا رَضِيَتْ الْأُمَمُ كُلُّهَا بِالْجِزْيَةِ قُبِلَتْ مِنْهُمْ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا تُقْبَلُ .
الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا تُقْبَلُ مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ ، وَتُقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَجْهُ مَنْ قَالَ : إنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ تَخْصِيصُ اللَّهِ بِالذِّكْرِ أَهْلَ الْكِتَابِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ الْأُمَمِ كُلِّهَا فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرًا .
ثُمَّ قَالَ : اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ ، اُغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا ، وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا .
وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ : اُدْعُهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ؛ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ ، وَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ
بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ } .
وَذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحِيحِ { أَنَّ عُمَرَ تَوَقَّفَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ ، حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ } .
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ أَسْلَمَ ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ ؛ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ إنْ لَمْ يُسْلِمْ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ .
وَالصَّحِيحُ قَبُولُهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ، وَفِي كُلِّ حَالٍ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْإِجَابَةِ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : [ مَحِلُّ الْجِزْيَةِ ] : وَمَحِلُّهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ دُونَ الْمَجَانِينِ ، وَهُمْ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ ، دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ لِذَلِكَ .
وَاخْتُلِفَ فِي الرُّهْبَانِ ؛ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ .
قَالَ مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : هَذَا إذَا لَمْ يَتَرَهَّبْ بَعْدَ فَرْضِهَا ، فَإِنْ فُرِضَتْ ، لَمْ يُسْقِطْهَا تَرَهُّبُهُ .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : وَسَتَجِدُ قَوْمًا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ ، فَذَرْهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَهِيجُوا ، وَلَمْ يَقْتُلُوا لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } : فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ : أَنْ يُعْطِيَهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ الثَّانِي : يُعْطُونَهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ يَمْشُونَ بِهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : يَعْنِي مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِ آخِذِهِ ، كَمَا تَقُولُ : كَلَّمَتْهُ فَمًا لِفَمٍ ، وَلَقِيَتْهُ كِفَّةً كِفَّةً ، وَأَعْطَيْته يَدًا عَنْ يَدٍ .
الرَّابِعُ : عَنْ قُوَّةٍ مِنْهُمْ .
الْخَامِسُ : عَنْ ظُهُورٍ .
السَّادِسُ : غَيْرَ مَحْمُودِينَ وَلَا مَدْعُوٍّ لَهُمْ .
السَّابِعُ : تُوجَأُ عُنُقُهُ .
الثَّامِنُ : عَنْ ذُلٍّ .
التَّاسِعُ : عَنْ غِنًى .
الْعَاشِرُ : عَنْ عَهْدٍ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : اعْتِرَافًا مِنْهُمْ أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : عَنْ قَهْرٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : عَنْ إنْعَامٍ بِقَبُولِهَا عَلَيْهِمْ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : مُبْتَدِئًا غَيْرَ مُكَافِئٍ .
قَالَ الْإِمَامُ : هَذِهِ الْأَقْوَالُ مِنْهَا مُتَدَاخِلَةٌ ، وَمِنْهَا مُتَنَافِرَةٌ ، وَتَرْجِعُ إلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُون الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْحَقِيقَةَ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْمَجَازَ .
فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ فَيَرْجِعُ إلَى مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِي دَفْعِهَا أَحَدًا .
وَأَمَّا جِهَةُ الْمَجَازِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيلَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقُوَّةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمِنَّةَ وَالْإِنْعَامَ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ فَلَيْسَ مِنْ قَوْلِهِ عَنْ يَدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ : عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : يَمْشُونَ بِهَا وَهُمْ كَارِهُونَ ، مِنْ الصَّغَارِ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ : وَلَا مَقْهُورِينَ يَعُودُ إلَى الصَّغَارِ وَالْيَدِ ، وَحَقِيقَةُ الصَّغَارِ تَقْلِيلُ الْكَثِيرِ مِنْ الْأَجْسَامِ ، أَوْ مِنْ الْمَعَانِي فِي
الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ ؛ فَقَالَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ : وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ بِسَبَبِ الْكُفْرِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَدَلًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ وَسُكْنَى الدَّارِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ : إنَّمَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ النُّصْرَةِ بِالْجِهَادِ .
وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سِرُّ اللَّهِ فِي الْمَسْأَلَةِ .
وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ [ بِأَنَّهَا ] وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ ، وَهُوَ جِنَايَةٌ ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسَبِّبُهَا عُقُوبَةً ؛ وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ ، وَهُمْ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ الْمُقَاتِلُونَ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ ، وَسُكْنَى الدَّارِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُعَاقَدَةِ وَالتَّرَاضِي ، وَلَا تَقِفُ الْعُقُوبَاتُ عَلَى الِاتِّفَاقِ وَالرِّضَا .
وَأَيْضًا فَإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، وَلَا تَخْتَلِفُ الْعُقُوبَاتُ بِذَلِكَ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً ، وَالْعُقُوبَاتُ تَجِبُ مُعَجَّلَةً ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهَا وَجَبَتْ بِالرِّضَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوهَا قَسْرًا .
وَأَمَّا إنْكَارُهُمْ اخْتِلَافَ الْعُقُوبَاتِ بِالْقِلَّةِ وَالْيَسَارِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ مِنْ الْإِنْكَارِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَبْعُدُ فِي الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ دُونَ الْمَالِيَّةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِالثُّيُوبَةِ ، وَالْبَكَارَةِ ، وَالْإِنْكَارِ ، فَكَمَا اخْتَلَفَتْ عُقُوبَةُ الْبَدَنِ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الْمُوجَبِ عَلَيْهِ لَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يَخْتَلِفَ عُقُوبَةُ الْمَالِ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الْمَالِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ .
وَأَمَّا تَأْجِيلُهَا فَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَرْبَةِ لَازِبٍ فِيهَا .
وَقَدْ
اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَفَائِدَتُهَا أَنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْقَتْلِ فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَتْ عَنْهُ لِسُقُوطِ الْقَتْلِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا دَيْنٌ اسْتَقَرَّ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُسْقِطُهُ الْإِسْلَامُ كَأُجْرَةِ الدَّارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ ، وَهُمَا قَوْلُهُ : { عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُؤَدَّى عُقُوبَةً وَهِيَ الْجِزْيَةُ ، وَبَيْنَ مَا يُؤَدَّى طُهْرَةً وَقُرْبَةً وَهِيَ الصَّدَقَةُ ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى } .
وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَةُ ، وَالْيَدُ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ " ؛ فَجَعَلَ يَدَ الْمُعْطِي فِي الصَّدَقَةِ عُلْيَا ، وَجَعَلَ يَدَ الْمُعْطِي فِي الْجِزْيَةِ صَاغِرَةً سُفْلَى ، وَيَدَ الْآخِذِ عُلْيَا ، ذَلِكَ بِأَنَّهُ الرَّافِعُ الْخَافِضُ ، يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْفِضُ مَنْ يَشَاءُ ، وَكُلُّ فِعْلٍ أَوْ حُكْمٍ يَرْجِعُ إلَى الْأَسْمَاءِ حَسْبَمَا مَهَّدْنَاهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى " .
فَإِنْ قِيلَ ؛ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا بَذَلَ الْجِزْيَةَ فَحَقَنَ دَمَهُ بِمَالٍ يَسِيرٍ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ بِاَللَّهِ ؛ هَلْ هَذَا إلَّا كَالرِّضَا بِهِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَا نَقُولُ : فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ مِنْ الْحِكْمَةِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِي أَخْذِهَا مَعُونَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَتَقْوِيَةً لَهُمْ ، وَرِزْقٌ حَلَالٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ لَيَئِسَ مِنْ الْفَلَاحِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَلَكَةُ ؛ فَإِذَا أَعْطَى الْجِزْيَةَ وَأُمْهِلَ لَعَلَّهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ الْحَقَّ ، وَيَرْجِعَ إلَى الصَّوَابِ ، لَا سِيَّمَا بِمُرَاقَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ ، وَالتَّدَرُّبِ بِسَمَاعِ مَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عَظِيمَ كُفْرِهِمْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إدْرَارِ رِزْقِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى مِنْ اللَّهِ ، يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ، وَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ } .
وَقَدْ بَيَّنَ عُلَمَاءُ خُرَاسَانَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ، فَقَالُوا : إنَّ الْعُقُوبَاتِ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : مَا فِيهِ هَلَكَةُ الْمُعَاقَبِ .
وَالثَّانِي : مَا يَعُودُ بِمَصْلَحَةٍ
عَلَيْهِ ، مِنْ زَجْرِهِ عَمَّا ارْتَكَبَ ، وَرَدِّهِ عَمَّا اعْتَقَدَ وَفَعَلَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي هَذَا مِنْ قَوْلِ رَبِّنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِ غَيْرِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْطِقُ بِهِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِعْظَامِ لَهُ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّنَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَحَدٌ ، فَإِذَا أَمْكَنَ مِنْ انْطِلَاقِ الْأَلْسِنَةِ بِهِ فَقَدْ أَذِنَ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُ ، عَلَى مَعْنَى إنْكَارِهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } : كُلُّ قَوْلِ أَحَدٍ إنَّمَا هُوَ بِفِيهِ ، وَلَكِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَا يَتَجَاوَزُ الْفَمَ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَحَرَّكَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بِاضْطِرَارٍ ، وَلَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ ، فَيَقِفُ حَيْثُ وُجِدَ ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ بِحَدٍّ ، بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ الصَّحِيحَةِ ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِمُ وَتَطَّرِدُ ، وَتُعَضِّدُهَا الْأَدِلَّةُ ، وَتَقُومُ عَلَيْهَا الْبَرَاهِينُ ، وَتَنْتَشِرُ بِالْحَقِّ ، وَتَظْهَرُ بِالْبَيَانِ وَالصِّدْقِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { يُضَاهِئُونَ } : يَعْنِي يُشَابِهُونَ .
وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : امْرَأَةٌ ضَهْيَاءُ لِلَّتِي لَا تَحِيضُ ، وَاَلَّتِي لَا ثَدْيَ لَهَا ، كَأَنَّهَا أَشْبَهَتْ الرِّجَالَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : الْأَوَّلُ : قَوْلُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ : اللَّاتَ ، وَالْعُزَّى ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى .
الثَّانِي : قَوْلُ الْكَفَرَةِ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ .
الثَّالِثُ : قَوْلُ أَسْلَافِهِمْ ، فَقَلَّدُوهُمْ فِي الْبَاطِلِ ، وَاتَّبَعُوهُمْ فِي الْكُفْرِ ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } وَفِي هَذَا ذَمُّ الِاتِّبَاعِ فِي الْبَاطِلِ .
قَوْله تَعَالَى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْحَبْرُ : هُوَ الَّذِي يُحْسِنُ الْقَوْلَ وَيُنَظِّمُهُ وَيُتْقِنُهُ ، وَمِنْهُ ثَوْبٌ مُحَبَّرٌ ، أَيْ جَمَعَ الزِّينَةَ .
وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا ، وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ ، فَقَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِحَمْلِ الْحِبْرِ وَهُوَ الْمِدَادُ وَالْكِتَابَةُ .
وَالرَّاهِبُ هُوَ مِنْ الرَّهْبَةِ : الَّذِي حَمَلَهُ خَوْفُ اللَّهِ عَلَى أَنْ يُخْلِصَ إلَيْهِ النِّيَّةَ دُونَ النَّاسِ ، وَيَجْعَلَ زِمَامَهُ لَهُ ، وَعَمَلَهُ مَعَهُ ، وَأُنْسَهُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَدِيُّ ؟ اطْرَحْ عَنْك هَذَا الْوَثَنَ .
وَسَمِعْته يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } .
قَالَ : أَمَا إنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ } .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } ؛ بَلْ يَجْعَلُونَ التَّحْرِيمَ لِغَيْرِهِ .
.
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَكْلُهَا بِالرُّشَا ، وَهِيَ كُلُّ هَدِيَّةٍ قُصِدَ بِهَا التَّوَصُّلُ إلَى بَاطِلٍ ، كَأَنَّهَا تُسَبِّبُ إلَيْهِ ؛ مِنْ الرِّشَاءِ ، وَهُوَ الْحَبْلُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لِلْحُكْمِ فَهُوَ سُحْتٌ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَنًا لِلْجَاهِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ } ، وَالرَّائِشَ ، وَهُوَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُمَا ، وَيَتَوَسَّطُ لِذَلِكَ مَعَهُمَا .
الثَّانِي : أَخْذُهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } : إنْ قِيلَ فِيهِ : يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْقَضَاءِ بِالْعَدْلِ ، أَوْ قِيلَ فِيهِ : إنَّ مَعْنَاهُ صَدُّهُمْ لِأَهْلِ دِينِهِمْ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَبْدِيلِهِمْ وَتَغْيِيرِهِمْ ، وَإِغْوَائِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ ، لَا يَدْفَعُهُ اللَّفْظُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } : الْكَنْزُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَالُ الْمَجْمُوعُ ، كَانَ فَوْقَ الْأَرْضِ أَوْ تَحْتَهَا ، يُقَالُ : كَنَزَهُ يَكْنِزُهُ إذَا جَمَعَهُ ، فَأَمَّا فِي الشَّرْعِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَنَحْنُ لَا نَقُولُ : إنَّ الشَّرْعَ غَيْرُ اللُّغَةِ ، وَإِنَّمَا نَقُولُ : إنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهَا تَصَرُّفَهَا فِي نَفْسِهَا بِتَخْصِيصِ بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا ، وَقَصْرِ بَعْضِ مُتَنَاوَلَاتِهَا لِلْأَسْمَاءِ ، كَالْقَارُورَةِ وَالدَّابَّةِ فِي بَعْضِ الْعَقَارِ وَالدَّوَابِّ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْ النَّقْدَيْنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ حُلِيًّا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا دَفِينًا .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا لَمْ تُؤَدَّ مِنْهُ الْحُقُوقُ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ مِنْهُمَا مَا لَمْ يُنْفَقْ وَيُهْلَكْ فِي ذَاتِ اللَّهِ .
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رَوَى ابْنُ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا لَمْ يُعْطِ مِنْهَا حَقَّهَا ، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا .
وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا لَمْ يُعْطِ مِنْهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا .
قَالَ : وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَيَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارُ ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ .
فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُ .
وَيَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ .
فَأَقُولُ : لَا أَمْلِكُ لَك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، قَدْ بَلَّغْتُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : حَتَّى ذَكَرَ الْإِبِلَ فَقَالَ : {
وَحَقُّهَا إطْرَاقُ فَحْلِهَا ، وَإِفْقَارُ ظَهْرِهَا ، وَحَلْبِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا } .
وَهَذَا مُحْتَمَلٌ لِكُلِّ جَامِعٍ فِي كُلِّ مُوطِنٍ بِكُلِّ حَالٍ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي : أَنَّ الْكَنْزَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ لُغَةً فِي النَّقْدَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ [ تَحْرِيمٌ ] ضُبِطَ غَيْرُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ : أَنَّ الْحُلِيَّ مَأْذُونٌ فِي اتِّخَاذِهِ وَلَا حَقَّ فِيهِ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الرَّابِعِ وَهُوَ الدَّفِينُ مَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي التَّمْرِ صَدَقَتُهُ ، و مَنْ دَفَنَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا أَوْ تِبْرًا أَوْ فِضَّةً لَا يَدْفَعُهَا بَعْدَهَا لِغَرِيمٍ ، وَلَا يُنْفِقُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْخَامِسِ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لَهُ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ ، فَلِمَا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْأَمْوَالِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ السَّادِسِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِهَا : { وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا ، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا } .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ السَّابِعِ أَنَّ الْحُقُوقَ أَكْثَرُ مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَالْمَسَاكِينُ لَا تَسْتَقِلُّ بِهِمْ الزَّكَاةُ ، وَرُبَّمَا حُبِسَتْ عَنْهُمْ ، فَكَنْزُ الْمَالِ دُونَ ذَلِكَ ذَنْبٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَذَهَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ .
وَخَالَفَهُ أَبُو ذَرٍّ وَغَيْرُهُ ، فَقَالَ : الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ :
مَرَرْت بِالرَّبَذَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ ، فَقُلْت لَهُ : مَا أَنْزَلَك مَنْزِلَك هَذَا ؟ قَالَ : كُنْت بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفْت أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ .
فَقُلْت : نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ [ رِيبَةٌ ] فِي ذَلِكَ .
فَكَتَبَ إلَى عُثْمَانَ يَشْكُونِي ، فَكَتَبَ إلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ أَقْدُمَ الْمَدِينَةَ .
فَقَدِمْتُهَا ، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُثْمَانَ .
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : حَتَّى آذَوْنِي .
فَقَالَ لِي عُثْمَانُ : إنْ شِئْت تَنَحَّيْت فَكُنْت قَرِيبًا ، فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْت وَأَطَعْت .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
وَذَهَبَ عُمَرُ إلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ؛ نَسَخَتْهَا : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } ؛ قَالَ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ : وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ ، وَجَلَاءِ الْحَقِّ : وَذَلِكَ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ مَدَارَكَ : الْمُدْرَكُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكُلَّ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَاهَا وَقُضِيَتْ بَقِيَ الْمَالُ مُطَهَّرًا ، كَمَا قَالَ عُمَرُ .
الْمُدْرَكُ الثَّانِي : أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } .
الْمُدْرَكُ الثَّالِثُ : تَخْلِيصُ الْحَقِّ مِنْ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، فَنَقُولُ : أَمَّا الْكَنْزُ فَهُوَ مَالٌ مَجْمُوعٌ ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَالٍ دِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقٌّ ، وَلَا حَقَّ لِلَّهِ سِوَى الزَّكَاةُ ؛ فَإِخْرَاجُهَا يُخْرِجُ الْمَالَ عَنْ وَصْفِ الْكَنْزِيَّةِ ، ثُمَّ إنَّ الْكَنْزَ لَا
يَكُونُ إلَّا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ أَوْ تِبْرِهَا ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لُغَةً .
ثُمَّ إنَّ الْحُلِيَّ لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ فَيُتَنَخَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُمَا ، أَوْ اُتُّخِذَتْ حُلِيًّا فَلَيْسَا بِكَنْزٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ } الْآيَةَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَنْزَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خَاصَّةً ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفَقَةِ الْوَاجِبُ لِقَوْلِهِ : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وَلَا يَتَوَجَّهُ الْعَذَابُ إلَّا عَلَى تَارِكِ الْوَاجِبِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُلِيَّ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قُلْنَا : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، أَصْلُهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ : لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ .
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْءٌ .
فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ : فَأَخَذَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي النَّقْدَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنْ قَصَدَ التَّمَلُّكَ لِمَا أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْعُرُوضِ ، وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ ، كَذَلِكَ قَصْدُ قَطْعِ النَّمَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِاِتِّخَاذِهِمَا حُلِيًّا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ ، فَإِنَّ مَا أَوْجَبَ مَا لَمْ يَجِبْ يَصْلُحُ لِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ ، وَتَخْصِيصِ مَا عَمَّ وَشَمَلَ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ كَنْزٌ ، وَعَزَوْهُ إلَى عَلِيٍّ .
وَلَيْسَ بِشَيْءٍ يُذْكَرُ ، لِبُطْلَانِهِ .
أَمَا إنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْأَكْثَرِينَ هُمْ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُفَرِّقُهَا } .
قَالَ أَبُو ذَرٍّ : الْأَكْثَرُونَ أَصْحَابُ عَشَرَةِ آلَافٍ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ مَالًا هُمْ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوَابًا ، إلَّا مَنْ فَرَّقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَهَذَا بَيَانٌ لِنُقْصَانِ الْمَرْتَبَةِ بِقِلَّةِ
الصَّدَقَةِ ، لَا لِوُجُوبِ التَّفْرِقَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ ، مَا عَدَا الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ ، يُبَيِّنُهُ مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قَالَ : { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أُنْزِلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ ؟ فَقَالَ : أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إيمَانِهِ } .
فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا جَوَابًا لِمَنْ عَلِمَ رَغْبَتَهُ فِي الْمَالِ فَرَدَّهُ إلَى مَنْفَعَةِ الْمَالِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَرَاغِ ، وَعَدَمِ الِاشْتِغَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ : أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فِي حَالَةٍ أَمْ أُخْرَى لِقَوْمٍ آخَرِينَ ؟ فَقَالَ : { خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقُطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا } : فَذَكَرَ ضَمِيرًا وَاحِدًا عَنْ مَذْكُورَيْنِ .
وَعَنْهُ جَوَابَانِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ } جَمَاعَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَنْزٌ ، فَمُرَجِّعُ قَوْلِهِ : " هَا " إلَى جَمَاعَةِ الْكُنُوزِ .
الثَّانِي : أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ الضَّمِيرَيْنِ يَكْفِي عَنْ الثَّانِي ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا } .
وَهُمَا شَيْئَانِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ وَالشَّعْرِ الْأَسْ وَدِ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونَا وَطَرِيقُ الْكَلَامِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ مَا لَمْ يُعَاصَيَا ، وَلَكِنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّمَا وَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ أَهْلُ الْكِتَابِ ، لِأَجْلِ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَرَجَعَ قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } إلَيْهِمْ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ وَخُصُوصَهُ لَا يُؤْثِرُ فِي آخَرَ الْكَلَامِ وَعُمُومِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُسْتَقِلًّا [ بِنَفْسِهِ ] .
الثَّانِي : أَنَّ هَذَا إنَّمَا كَانَ يَظْهَرُ لَوْ قَالَ : وَيَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ .
أَمَا وَقَدْ قَالَ : وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، فَقَدْ اسْتَأْنَفَ مَعْنًى آخَرَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ ، لَا وَصْفًا لِجُمْلَةٍ عَلَى وَصْفٍ لَهَا .
وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ : جَلَسْت إلَى مَلَأٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ ، حَتَّى قَامَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : " بَشِّرْ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ " .
ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إلَى سَارِيَةٍ ، وَجَلَسْت إلَيْهِ ، وَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ ، فَقُلْت لَهُ : لَا أَرَى الْقَوْمَ إلَّا قَدْ كَرِهُوا مَا قُلْت لَهُمْ .
قَالَ : إنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا قَالَ لِي خَلِيلِي .
قُلْت : مَنْ خَلِيلُك ؟ قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَبَا ذَرٍّ ؛ أَتُبْصِرُ أَحَدًا ؟ فَنَظَرْت إلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ ، وَأَنَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ .
قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ لِي : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ ، إلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ ،
إنَّمَا يَجْمَعُونَ لِلدُّنْيَا ، وَاَللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا ، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ } .
قَالَ الْقَاضِي : الْحَلَمَةُ : طَرَفُ الثَّدْيِ ، وَالنُّغْضُ ، بَارِزُ عَظْمِ الْكَتِفِ الْمُحَدَّدِ .
وَرِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ لِهَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحَةٌ ، وَتَأْوِيلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ حَمَلَهُ عَلَى كُلِّ جَامِعٍ لِلْمَالِ مُحْتَجِزٍ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ مَنْ احْتَجَنَهُ وَاكْتَنَزَهُ عَنْ الزَّكَاةِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ ، يُطَوِّفُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشَدْقَيْهِ يَقُولُ : أَنَا مَالُك ، أَنَا كَنْزُك .
ثُمَّ قَرَأَ : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُهُ : مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ ، يُرِيدُ أَوْ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ ، كَفَّكِ الْأَسِيرِ ، وَحَقِّ الْجَائِعِ ، وَالْعَطْشَانِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحُقُوقَ الْعَارِضَةَ كَالْحُقُوقِ الْأَصْلِيَّةِ .
وَقَوْلُهُ : مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا يَعْنِي حَيَّةً .
وَهَذَا تَمْثِيلُ حَقِيقَةٍ ؛ لِأَنَّ الشُّجَاعَ جِسْمٌ وَالْمَالَ جِسْمٌ ، فَتَغَيُّرُ الصِّفَاتِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَاحِدَةٌ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : يُؤْتَى بِالْمَوْتِ فَإِنَّ تِلْكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى .
وَإِنَّمَا خَصَّ الشُّجَاعَ ؛ لِأَنَّهُ الْعَدُوُّ الثَّانِي لِلْخَلْقِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِنَّ : { مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ } .
وَقَوْلُهُ : أَقْرَعُ ، يَعْنِي الَّذِي ابْيَضَّ رَأْسُهُ مِنْ السُّمِّ .
وَالزَّبِيبَتَانِ : زُبْدَتَانِ فِي شِدْقَيْ الْإِنْسَانِ إذَا غَضِبَ وَأَكْثَرَ مِنْ الْكَلَامِ ، قَالَتْ أُمُّ غَيْلَانَ بِنْتُ جَرِيرٍ : رُبَّمَا أَنْشَدْت أَبِي حَتَّى تَزَبَّبَ شَدْقَايَ .
ضَرَبَ مَثَلًا لِلشُّجَاعِ الَّذِي يَتَمَثَّلُ كَهَيْئَةِ الْمَالِ ، فَيَلْقَى صَاحِبَهُ غَضْبَانَ .
وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُمَا نُقْطَتَانِ سَوْدَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ .
وَقِيلَ : هُوَ الشُّجَاعُ الَّذِي كَثُرَ سُمُّهُ حَتَّى ظَهَرَ عَلَى شَدْقَيْهِ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّبِيبَتَيْنِ .
وَكَتَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ شُجَاعٌ بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الْعَيْنِ .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ كَتَبُوهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، وَقَرَءُوهُ مَنْصُوبًا لِئَلَّا يُشْكِلَ بِالْمَمْدُودِ ، وَكَذَلِكَ نُظَرَاؤُهُ .
وَاللِّهْزِمَةُ : الشَّدْقَانِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ .
وَقِيلَ : هُمَا فِي أَصْلِ الْحَنَكِ .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : { إنَّهُ يَمْثُلُ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا يَتَّبِعُهُ فَيَضْطَرُّهُ فَيُعْطِيهِ يَدَهُ فَيَقْضِمَهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ } .
فَأَمَّا حَبْسُهُ لِيَدِهِ فَلِأَنَّهُ شَحَّ بِالْمَالِ وَقَبَضَ بِهَا عَلَيْهِ ، وَأَمَّا أَخْذُهُ بِفَمِهِ فَلِأَنَّهُ أَكَلَهُ ، وَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ إلَى نُغْضِ كَتِفِهِ فَلِتَعْذِيبِ قَلْبِهِ وَبَاطِنِهِ حِينَ امْتَلَأَ بِالْفَرَحِ بِالْكَثْرَةِ فِي الْمَالِ وَالسُّرُورِ فِي الدُّنْيَا ؛ فَعُوقِبَ فِي الْآخِرَةِ بِالْهَمِّ وَالْعَذَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَمَنْ لَمْ يَكْنِزْ وَلَمْ يُنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلَيْسَ يَكُونُ هَذَا حُكْمَهُ ؟ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ الْكَنْزِ ؟ قُلْنَا : إذَا لَمْ يُنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَكْنِزْ ، وَلَكِنَّهُ بَذَّرَ مَالِهِ فِي السَّرَفِ وَالْمَعَاصِي فَهَذَا يَعْلَمُ أَنَّ يَكُونُ مِثْلَ هَذَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَفَقْرِ الصَّحَابَةِ ، وَفَرَاغِ خِزَانَةِ بَيْتِ الْمَالِ .
قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ قَدْ كَانَتْ شُرِعَتْ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَغْنِيَاءً ، وَبَعْضُهُمْ فُقَرَاءً ، وَقَدْ كَانَ الْفَقِيرُ مِنْهُمْ يَرْبِطُ بَطْنَهُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ الْجُوعِ ، وَبُيُوتُ الصَّحَابَةِ الْأَغْنِيَاءِ مَمْلُوءَةٌ مِنْ الرِّزْقِ ، يَشْبَعُ أُولَئِكَ ، وَيَجُوعُ هَؤُلَاءِ ، فَيَنْدُبَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الصَّدَقَةِ ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِي الْمُوَاسَاةِ ، وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْخُرُوجَ عَنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجَنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " مَنْ تَرَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ جُعِلَتْ صَفَائِحَ يُعَذَّبُ بِهَا صَاحِبُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ " .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : " وَاَللَّهِ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ رَجُلًا بِكَنْزٍ فَيَمَسُّ دِرْهَمٌ دِرْهَمًا ، وَلَا دِينَارٌ دِينَارًا ، وَلَكِنْ يُوَسِّعُ جِلْدَهُ حَتَّى يُوضَعُ كُلُّ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَلَى حِدَتِهِ " .
وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ وَعِنْدَهُ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ إلَّا جُعِلَ لَهُ بِكُلِّ قِيرَاطٍ صَفِيحَةٌ مِنْ نَارٍ فَيُكْوَى بِهَا مِنْ فَرْقِهِ إلَى قِدَمِهِ ، مَغْفُورٌ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مُعَذَّبٌ } .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهَا ، وَهِيَ بَعْدُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ ، فَمَاتَ فَوَجَدُوا لَهُ عِشْرِينَ أَلْفًا ، فَقَالَ النَّاسُ : كَنْزٌ .
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَعَلَّهُ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمَا أَدَّى زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ .
وَمِثْلُهُ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ يُوَسَّعُ جِلْدُهُ فَهَذَا إنَّمَا صَحَّ فِي الْكَافِرِ أَنَّهُ تَعْظُمُ جُثَّتُهُ زِيَادَةً فِي عَذَابِهِ ، وَيَغْلُظُ جِلْدُهُ ، وَيَكْبُرُ ضِرْسُهُ ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ .
فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ بِحَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا كُوِيَتْ جَبْهَتُهُ أَوَّلًا لَعَلَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَزْوِيهَا لِلسَّائِلِ كَرَاهِيَةً لِسُؤَالِهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : يَزِيدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ عَنِّي كَأَنَّمَا زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَلَيَّ الْمَحَاجِمَ فَلَا يَنْبَسِطْ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْك مَا انْزَوَى
وَلَا تَلْقَنِي إلَّا وَأَنْفُك رَاغِمُ ثُمَّ يَلْوِي عَنْ وَجْهِهِ ، وَيُعْطِيهِ جَنْبَهُ إذَا زَادَهُ فِي السُّؤَالِ ؛ فَإِنْ أَكْثَرَ عَلَيْهِ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ ؛ فَرَتَّبَ اللَّهُ الْعُقُوبَةَ عَلَى حَالِ الْمَعْصِيَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : " مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ طَوَّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَنْقُرُ رَأْسَهُ " .
فَلَعَلَّهُ إنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ الْكَيُّ مِنْ خَارِجٍ ، وَالنَّقْرُ مِنْ دَاخِلٍ .
وَقَالَتْ الصُّوفِيَّةُ : لَمَّا طَلَبُوا بِكَثْرَةِ الْمَالِ الْجَاهَ شَانَ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ ، وَلَمَّا طَوَوْا كَشْحًا عَنْ الْفَقِيرِ إذَا جَالَسَهُمْ كُوِيَتْ جَنُوبُهُمْ ، وَلَمَّا أَسْنَدُوا بِظُهُورِهِمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ ثِقَةً بِهَا وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا دُونَ اللَّهِ كُوِيَتْ ظُهُورُهُمْ ، هَذَا وَالْكُلُّ مَعْنًى صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إنْ كَانَ الْمُكْتَنِزُ كَافِرًا فَهَذِهِ بَعْضُ عُقُوبَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَهَذِهِ عُقُوبَتُهُ إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا عَظُمَ الْوَعِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ لِمَا فِي اخْتِلَافِ الْعِبَادِ مِنْ الشُّحِّ عَلَى الْمَالِ وَالْبُخْلِ بِهِ ؛ فَإِذَا خَافُوا مِنْ عَظِيمِ الْوَعِيدِ لَانُوا فِي أَدَاءِ الطَّاعَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } .
فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمُوا أَنَارَ اللَّهُ أَفْئِدَتَكُمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَزَيَّنَهَا بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَرَتَّبَ فِيهَا النُّورَ وَالظُّلْمَةَ ، وَرَكَّبَ عَلَيْهَا الْمَصَالِحَ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةَ ، وَأَحْكَمَ الشُّهُورَ وَالْأَعْوَامَ ، وَنَظَّمَ بِالْكُلِّ مِنْ ذَلِكَ مَا خَلَقَ مِنْ مَصْلَحَةٍ وَمَنْفَعَةٍ ، وَعِبَادَةٍ وَطَاعَةٍ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ النَّاسُ أَوَّلًا وَآخِرًا ، ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً ؛ فَقَالَ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } إلَى : الْأَلْبَابِ .
وَقَالَ : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً } إلَى : بِالْحَقِّ .
فَأَخَذَ كُلُّ فَرِيقٍ ذَلِكَ فَاضْطَرَبُوا فِي تَفْصِيلِهِ ، فَقَالَ الرُّومُ : السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَالشُّهُورُ مُخْتَلِفَةٌ ؛ شَهْرٌ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، وَشَهْرٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَشَهْرٌ وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا .
وَقَالَ الْفُرْسُ : الشُّهُورُ كُلُّهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، إلَّا شَهْرًا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ مِنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا .
وَقَالَتْ الْقِبْطُ بِقَوْلِهَا : إنَّ الشَّهْرَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَمُلَ الْعَامُ أَلْغَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ تُنْسِئَهَا بِزَعْمِهَا .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ رُبْعِ يَوْمٍ مَزِيدًا عَلَى الْعَامِ ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ مِنْهُ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ يَوْمٌ فَيُكْبَسُ أَيْ يُلْغَى ، وَيُزَادُ فِي الْعَدَدِ ، وَيُسْتَأْنَفُ الْعَامُ بَعْدَهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَصْدًا لِتَرْتِيبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : تَحْقِيقُ الْقَوْلِ : إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّنَةَ اثْنَيْ عَشَرَ
شَهْرًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْبُرُوجَ فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا ، وَرَتَّبَ فِيهَا سَيْرَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَجَعَلَ مَسِيرَ الْقَمَرِ ، وَقَطْعَهُ لَلْفَلَكِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَجَعَلَ سَيْرَ الشَّمْسِ فِيهَا ، وَقَطْعَهُ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَيَتَقَابَلَانِ فِي الِاسْتِعْلَاءِ فَيَعْلُو الْقَمَرُ إلَى الِاسْتِوَاءِ ، وَتَسْفُلُ الشَّمْسُ ، وَتَعْلُو الشَّمْسُ ، وَيَسْفُلُ الْقَمَرُ ، وَهَكَذَا عَلَى الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَفِي الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ، وَجَعَلَ عَدَدَ أَيَّامِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ رُبْعَ يَوْمٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَثَلَاثَمِائَةِ يَوْمٍ ، وَجَعَلَ أَيَّامَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ رُبْعَ يَوْمٍ وَخَمْسَةً وَسِتِّينَ يَوْمًا وَثَلَاثَمِائَةِ يَوْمٍ ؛ فَرَكَّبَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةً ، وَهِيَ إذَا قَالَ : لَا أُكَلِّمُهُ الشُّهُورَ ، فَلَا يُكَلِّمُهُ حَوْلًا مُجْرِمًا : كَامِلًا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ } .
وَقِيلَ : لَا يُكَلِّمُهُ أَبَدًا .
وَأَرَى إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُهُورٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ بِيَقِينِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ فُعُولٍ فِي جَمْعِ فَعْلٍ .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ سَنَةً مِنْ السَّنِينِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِقْدَارَ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْكَسْرِ فِي الزِّيَادَةِ فَيَلْغُونَ مِنْهُ شَهْرًا فِي سَنَةٍ ، وَقَصْدُهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَلَّا تَغَيَّرَ الشُّهُورُ عَنْ أَوْقَاتِهَا الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهَا فِي الْأَزْمِنَةِ الْأَرْبَعَةِ : الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَالْقَيْظِ وَالْخَرِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : مِمَّا ضَلَّ فِيهِ جُهَّالُ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ وَضَعُوا صَوْمَهُمْ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْأَهِلَّةِ حَتَّى يَخِفَّ تَارَةً وَيَثْقُلَ أُخْرَى ، حَتَّى يَعُمَّ الِابْتِلَاءُ الْجِهَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَيَخْتَلِفَ الْحَالُ فِيهِ عَلَى الْوَاحِدِ .
وَالنَّفْسُ كَثِيرًا مَا تَسْكُنُ إلَى ذَلِكَ أَوْ يَخْتَلِفُ فِيهِ
الْحَالُ عَلَى الْجَمَاعَةِ وَالْأَمَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { فِي كِتَابِ اللَّهِ } : يُرِيدُ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ .
فَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ؛ فَعَلِمَ اللَّهُ مَا يَكُونُ فِي الْأَزَلِ ، ثُمَّ كَتَبَهُ ، ثُمَّ خَلَقَهُ كَمَا عَلِمَ وَكَتَبَ } .
؛ فَانْتَظَمَ الْعِلْمُ وَالْكِتَابُ وَالْخَلْقُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { كِتَابِ اللَّهِ } ، كَمَا أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ مِنْ قَوْلِهِ : فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ : فِي ، لَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ عِدَّةَ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ حَالَ بَيْنَهُمَا ، وَلَكِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِلْخَبَرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ مَعْدُودَةً أَوْ مُؤَدَّاةً أَوْ مَكْتُوبَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ ، كَقَوْلِك : زَيْدٌ فِي الدَّارِ ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَلْجَئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } : وَهِيَ : رَجَبٌ الْفَرْدُ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ .
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ : ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ : ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ؛ وَرَجَبٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ } .
وَقَوْلُهُ : { حُرُمٌ } جَمْعُ حَرَامٍ ، كَأَنَّهُ يُوجِدُ احْتِرَامَهَا بِمَا مَنَعَ فِيهَا مِنْ الْقِتَالِ ، وَأَوْقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ لَهَا مِنْ التَّعْظِيمِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " رَجَبُ مُضَرَ " فَبِمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ بَعْضَ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، وَأَحْسِبُهُ مِنْ رَبِيعَةَ ، كَانُوا يُحَرِّمُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَيُسَمُّونَهُ رَجَبَ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْصِيصَهُ بِالْبَيَانِ بِاقْتِصَارِ مُضَرَ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ : { وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ } .
وَذَلِكَ كُلُّهُ بَيَانٌ لِتَحْقِيقِ الْحَالِ ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى رَفْعِ مَا كَانَ وَقَعَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَالِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا .
وَقِيلَ فِي الثَّانِي : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالظُّلْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا : أَحَدُهُمَا : لَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ بِتَحْلِيلِهِنَّ .
وَقِيلَ : بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ فِيهِنَّ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا عَظَّمَ شَيْئًا مِنْ جِهَةٍ صَارَتْ لَهُ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِذَا عَظَّمَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ أَوْ مِنْ جِهَاتٍ صَارَتْ حُرْمَتُهُ مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ جِهَاتِ التَّحْرِيمِ ، وَيَتَضَاعَفُ الْعِقَابُ بِالْعَمَلِ السُّوءِ فِيهَا ، كَمَا ضَاعَفَ الثَّوَابَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا ؛ فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْسَ كَمَنْ أَطَاعَهُ فِي شَهْرٍ حَلَالٍ فِي بَلَدٍ حَلَالٍ فِي بُقْعَةٍ حَلَالٍ .
وَكَذَلِكَ الْعِصْيَانُ وَالْعَذَابُ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالْحَالَيْنِ وَالصِّفَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ .
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } لِعِظَمِهِنَّ وَشَرَفِهِنَّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَإِنْ قِيلَ : و كَيْفَ جَعَلَ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ حَجْرٌ ، وَلَا لِعَمَلِهِ عِلَّةٌ ؛ بَلْ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ ، وَقَدْ يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ ، وَقَدْ يَخْفَى .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى اقْتِضَاءِ الشَّهَوَاتِ ، فَلَمَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَكَالِيفُ الْمُحَرَّمَاتِ جَعَلَ بَعْضَهَا أَغْلَظَ مِنْ بَعْضٍ ، لِيُعْتَادَ بِكَفِّهَا عَنْ الْأَخَفِّ ، الْكَفُّ عَنْ الْأَغْلَظِ ، وَيَجْعَلُ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ أَعْظَمَ حُرْمَةً مِنْ بَعْضٍ ؛ لِيُعْتَادَ فِي الْخَفِيفِ الِامْتِثَالُ ، فَيَسْهُلَ عَلَيْهِ فِي الْغَلِيظِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ [ الْحُرُمِ ] ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ وَآخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْرِيرِ شُهُورِ الْعَامِ ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ .
الثَّانِي : أَنَّ أَوَّلَهَا رَجَبٌ ، وَآخِرُهَا الْمُحَرَّمُ مَعْدُودَةً مِنْ عَامَيْنِ ؛ لِأَنَّ رَجَبًا لَهُ فَضْلُ الْإِفْرَادِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ أَوَّلَهَا ذُو الْقَعْدَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ التَّوَالِيَ دُونَ التَّقْطِيعِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْدَادِهَا : { ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ : ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ ؛ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ } .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } .
وَقَالَ هَاهُنَا : { قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } : يَعْنِي مُحِيطِينَ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَحَالَةٍ ، فَمَنَعَهُمْ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { كَافَّةً } : مَصْدَرُ حَالٍ ، وَوَزْنُهُ فَاعِلَةً ، وَهُوَ غَرِيبٌ فِي الْمَصَادِرِ ، كَالْعَافِيَةِ وَالْعَاقِبَةِ ، اُشْتُقَّ مِنْ كِفَّةِ الشَّيْءِ ، وَهُوَ حَرْفُهُ الَّذِي لَا يَبْقَى بَعْدَهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ ، وَمِثْلُهُ عَامَّةً وَخَاصَّةً ، وَلَا يُثَنَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُجْمَعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ مُؤْتَلِفِينَ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ ، فَرُدَّ ذَلِكَ إلَى الِاعْتِقَادِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } : يَعْنِي بِالنَّصْرِ وَعْدًا مَرْبُوطًا بِالتَّقْوَى ، فَإِنَّمَا تَنْصُرُونَ بِأَعْمَالِكُمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { النَّسِيءُ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّهُ الزِّيَادَةُ ، يُقَالُ : نَسَأَ يَنْسَأُ ، إذَا زَادَ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ التَّأْخِيرُ .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يُقَالُ أَنْسَأْت الشَّيْءَ إنْسَاءً ، وَنَسَاءَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ ، وَلَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ .
أَمَّا الطَّبَرِيُّ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ ، فَيُقَالُ : أَنْسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِك ، كَمَا تَقُولُ : زَادَ اللَّهُ فِي أَجَلِك ، وَتَقُولُ : أَنْسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِك أَيْ زَادَهُ مُدَّةً ، وَاكْتَفَى بِأَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ عَنْ الثَّانِي ، وَمَنَعَ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِغَيْرِ الْهَمْزِ ، وَرَدَّ عَلَى نَافِعٍ ، وَقَالَ : لَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْهَمْزِ إلَّا مِنْ النِّسْيَانِ ، كَمَا قَالَ : { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } .
وَاحْتَجَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ التَّأْخِيرُ بِنَقْلِ الْعَرَبِ لِهَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ أَوَائِلِهَا ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ عَنْهُمْ مَشْيَخَةُ الْعَرَبِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا ، أَيْ نُؤَخِّرْهَا ، مَهْمُوزَةٌ ، وَقَدْ تُخَفَّفُ الْهَمْزُ ، كَمَا يُقَالُ خَطِيَّةٌ وَخَطِيئَةٌ ، وَالصَّابِيُونَ وَالصَّابِئُونَ ، وَتَخْفِيفُ الْهَمْزِ أَصْلٌ ، وَنَقْلُ الْحَرَكَةِ أَصْلٌ ، وَالْبَدَلُ وَالْقَلْبُ أَصْلٌ كُلُّهُ لُغَوِيٌّ ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْفَى هَذَا عَلَى الطَّبَرِيِّ .
وَأَمَّا فَصْلُ التَّعَدِّي فَضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَعَدِّيَةَ بِالْوَجْهَيْنِ مِنْ وُجُوهِ حَرْفِ الْجَرِّ ، وَفِي تَعَدِّيهَا بِهِ ، وَعَدَمِهِ كَثِيرَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَيْفِيَّةُ النَّسِيءِ : ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيَّ كَانَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ ، فَيُنَادِي : أَلَا إنَّ أَبَا ثُمَامَةَ لَا يُعَابُ وَلَا يُجَابُ ، أَلَا وَإِنَّ صَفَرًا الْعَامَ الْأَوَّلَ حَلَالٌ ، فَنُحَرِّمُهُ عَامًا ، وَنُحِلُّهُ عَامًا ، وَكَانُوا مَعَ هَوَازِنَ وَغَطَفَانَ وَبَنِي سُلَيْمٍ .
وَفِي لَفْظَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إنَّا قَدَّمْنَا الْمُحَرَّمَ وَأَخَّرْنَا صَفَرًا ، ثُمَّ يَأْتِي الْعَامُ الثَّانِي فَيَقُولُ : إنَّا حَرَّمْنَا صَفَرًا وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّمَ ؛ فَهُوَ هَذَا التَّأْخِيرُ .
الثَّانِي : الزِّيَادَةُ ؛ قَالَ قَتَادَةُ : عَمَدَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ فَزَادُوا صَفَرًا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، فَكَانَ يَقُومُ قَائِمُهُمْ فِي الْمَوْسِمِ فَيَقُولُ : أَلَا إنَّ آلِهَتَكُمْ قَدْ حَرَّمَتْ الْعَامَ الْمُحَرَّمَ ، فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ الْعَامَ ، ثُمَّ يَقُومُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَقُولُ : أَلَا إنَّ آلِهَتَكُمْ قَدْ حَرَّمَتْ صَفَرًا فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ الْعَامَ ، وَيَقُولُونَ : الصَّفَرَانِ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَهُ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَهُ صَفَرَيْنِ ، فَلِذُلِّك قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَفَرَ } .
وَكَذَلِكَ رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ .
الثَّالِثُ : تَبْدِيلُ الْحَجِّ ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ آخَرَ : إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ .
قَالَ : حَجُّوا فِي ذِي الْحِجَّةِ عَامَيْنِ ، ثُمَّ حَجُّوا فِي الْمُحَرَّمِ عَامَيْنِ ، ثُمَّ حَجُّوا فِي صَفَرَ عَامَيْنِ ، فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ حَتَّى وَافَتْ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي خُطْبَتِهِ : { إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } .
رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، وَاللَّفْظُ لَهُ
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّهَا النَّاسُ ، اسْمَعُوا قَوْلِي ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، وَإِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ .
وَقَدْ بَلَّغْت ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ ، وَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ، قَضَى اللَّهُ أَنْ لَا رِبَا ، وَإِنَّ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ، وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمَ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ .
أَمَّا بَعْدُ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ ، وَلَكِنَّهُ إنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ ، فَاحْذَرُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى دِينِكُمْ ، وَإِنَّ النَّسِيءَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى قَوْلِهِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ .
وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ؛ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ .
} وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي أَوَّلِ مَنْ أَنْسَأَ : فِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ لُبَابُهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ حَيًّا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ، ثُمَّ مِنْ بَنِي فُقَيْمٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْقَلَمَّسُ ، وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ فُقَيْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، وَكَانَ مَلِكًا ، فَكَانَ يُحِلُّ الْمُحَرَّمَ عَامًا وَيُحَرِّمُهُ عَامًا ، فَكَانَ إذَا حَرَّمَهُ كَانَتْ ثَلَاثَةُ حُرُمٍ مُتَوَالِيَاتٌ ، وَهَذِهِ الْعِدَّةُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِي عَهْدِ إبْرَاهِيمَ ، فَإِذَا أَحَلَّهُ أَدْخَلَ مَكَانَهُ صَفَرًا ، لِيُوَاطِئَ الْعِدَّةَ ، يَقُولُ : قَدْ أَكْمَلْت الْأَرْبَعَةَ كَمَا كَانَتْ ؛ لِأَنِّي لَمْ أُحِلَّ شَهْرًا إلَّا حَرَّمْت مَكَانَهُ آخَرَ ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ كَذَلِكَ مِمَّنْ كَانَتْ تَدِينُ بِدِينِ الْقَلَمَّسِ ، فَكَانَ يَخْطُبُ بِعَرَفَةَ فَيَقُولُ : " اللَّهُمَّ إنِّي لَا أُعَابُ وَلَا أُجَابُ ، وَلَا مَرَدَّ لِمَا قَضَيْت ، اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ أَحْلَلْت دِمَاءَ الْمُحِلِّينَ مِنْ طَيِّئٍ وَخَثْعَمَ ، فَمَنْ لَقِيَهُمَا فَلْيَقْتُلْهُمَا " فَرَجَعَ النَّاسُ وَقَدْ أَخَذُوا بِقَوْلِهِ .
وَإِنَّمَا أَحَلَّ دِمَاءَ طَيِّئٍ وَخَثْعَمَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَحُجُّونَ مَعَ الْعَرَبِ ، وَلَا يُحَرِّمُونَ الْحُرُمَ ، وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَهَا ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يُحَرِّمُونَ الْحُرُمَ .
ثُمَّ كَانَ ابْنُهُ عَلَى النَّاسِ كَمَا كَانَ الْقَلَمَّسُ وَاسْمُهُ عَبَّادٌ ، ثُمَّ ابْنُهُ أَقْلَعُ ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَقْلَعَ بْنُ عَبَّادٍ ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ ، ثُمَّ ابْنُهُ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَحَجَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَجُنَادَةُ صَاحِبُ ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ، وَأَكْمَلَ الْحُرُمَ ثَلَاثَةً مُتَوَالِيَاتٍ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ .
وَفِي رِوَايَةٍ : الْعَرَبُ كَانَتْ إذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ فَحَرَّمَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ
شَيْئًا مِنْهَا لِغَنِيمَةٍ أَوْ لِغَارَةٍ أَحَلَّ الْمُحَرَّمَ وَحَرَّمَ مَكَانَهُ صَفَرًا ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَذْلٍ الطَّعَّانُ : لَقَدْ عَلِمَتْ مَعْدٌ أَنَّ قَوْمِي كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا فَأَيُّ النَّاسِ فَاتُونَا بِوِتْرٍ وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ تَعْلِك لِجَامَا أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعْدٍ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامًا وَقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ هَذَا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِنْسَاءَ كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ زِيَادَةً وَتَأْخِيرًا وَتَبْدِيلًا ، وَأَقَلُّهُ صِحَّةً الزِّيَادَةُ ، لِقَوْلِهِ : { لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْإِنْسَاءِ مَا كَانَ تَبْدِيلًا [ أَوْ تَأْخِيرًا ] ، وَأَقَلُّهُ الزِّيَادَةُ .
وَالْمُوَاطَأَةُ هِيَ الْمُوَافَقَةُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : وَاطَأْتُك عَلَى الْأَمْرِ ، أَيْ وَافَقْتُك عَلَيْهِ ، فَكَانُوا يَحْفَظُونَ عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعَةٌ ، لَكِنَّهُمْ يُبَدِّلُونَ وَيُؤَخِّرُونَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْمُوَاطَأَةَ عَلَى الْعِدَّةِ تَكْفِي ، وَإِنْ خَالَفَتْ فِي أَعْيَانِ الْأَشْهُرِ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَاءُ عِنْدَهُمْ بِالثَّلَاثَةِ الْأَوْجُهِ ، فَذَكَرَ اللَّهُ مِنْهَا الْوَجْهَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الزِّيَادَةَ ، وَعِظَمَ التَّبْدِيلِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْمُوَافَقَةُ فِي الْعَدَدِ ، فَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي وَجْهٍ أَزْيَدُ فِي الْكُفْرِ ، وَأَعْظَمُ فِي الْإِثْمِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } : قَدْ بَيَّنَّا الْكُفْرَ وَحَقِيقَتَهُ ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْإِنْكَارِ ، فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ كَافِرٌ ؛ وَلِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَالزِّيَادَةُ [ فِيهِ ] وَالنُّقْصَانُ مِنْهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ [ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي الْإِيمَانِ وَالنُّقْصَانُ مِنْهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ ] ، وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِمَا وَالْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَوْفًى ؛ لُبَابُهُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِي الْإِيمَانِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ الْمَعْرِفَةُ قَالَهُ شَيْخُ السَّنَةِ ، وَاخْتَارَهُ لِسَانُ الْأُمَّةِ فِي مَوَاضِعَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ التَّصْدِيقُ ؛ قَالَهُ لِسَانُ الْأُمَّةِ أَيْضًا .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ الِاعْتِقَادُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ .
فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ الْمَعْرِفَةُ مِنْهُمْ فَقَدْ خَالَفَ اللُّغَةَ ، وَتَجَوَّزَ ظَاهِرَهَا إلَى وَجْهٍ مِنْ التَّأْوِيلِ فِيهَا .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ التَّصْدِيقُ فَقَدْ وَافَقَ مُطْلَقَ اللُّغَةِ ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْأَمَانِ قَالَ النَّابِغَةُ : وَالْمُؤْمِنُ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُهَا رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغَيْلِ وَالسِّنْدِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الِاعْتِقَادُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ فَقَدْ جَمَعَ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا ، وَرَكَّبَ تَحْتَ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَاتٍ كَثِيرَةً ، وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ فِي جِهَةِ الْأُصُولِ وَلَا فِي جِهَةِ اللُّغَةِ ؛ أَمَّا فِي جِهَةِ اللُّغَةِ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ يُصَدِّقُ الْقَوْلَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالنَّفْسُ تُمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ } .
فَإِذَا عَلِمَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلْيَتَكَلَّمْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ
بِمَا عَلِمَ فَلْيَعْمَلْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ ، فَيَطَّرِدُ الْفِعْلُ وَالْقَوْلُ وَالْعِلْمُ ، فَيَقَعُ إيمَانًا لُغَوِيًّا شَرْعِيًّا ؛ أَمَّا لُغَةً فَلِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْفِعْلَ تَصْدِيقًا قَالَ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا } وَصِدْقُ الْوَعْدِ اتِّصَالُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَجَازٌ .
قُلْنَا : هَذِهِ حَقِيقَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ } .
وَعَلَى ضِدِّهِ جَاءَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ } .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الزِّيَادَةِ فِيهِمَا وَالنُّقْصَانِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْمَعْرِفَةُ أَوْ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَأَبْعَدَ الزِّيَادَةَ فِيهِ وَالنُّقْصَانَ ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ ؛ وَزَعَمُوا أَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْ النَّقْصَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَعْرَاضِ ، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْأَجْسَامِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْأَعْمَالُ فَتَصَوَّرَ فِيهَا الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ : هَلْ يَزِيدُ الْإِيمَانُ وَيَنْقُصُ ؟ فَقَالَ : يَزِيدُ ، وَلَمْ يَقُلْ يَنْقُصُ .
وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ عَلَيْهِ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ ، وَالْكُلُّ بَأْجٌ وَاحِدٌ وَحَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهَا عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا أَعْرَاضًا كَمَا بَيَّنَّا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَزِيدُ بِذَاتِهِ وَلَا يَنْقُصُ بِهَا ، وَإِنَّمَا لَهُ وُجُودٌ أَوَّلُ ، فَلِذَلِكَ الْوُجُودُ أَصْلٌ ، ثُمَّ إذَا انْضَافَ إلَيْهِ وُجُودٌ مِثْلُهُ وَأَمْثَالُهُ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهِ ، وَإِنْ عُدِمْت تِلْكَ الزِّيَادَةُ فَهُوَ النَّقْصُ ، وَإِنْ عُدِمَ الْوُجُودُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ لَمْ يَكُنْ
زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ ؛ وَقَدْرُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمُ أَوْ فِي الْحَرَكَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إذَا خَلَقَ عِلْمًا فَرْدًا ، وَخَلَقَ مَعَهُ مِثْلَهُ أَوْ أَمْثَالَهُ بِمَعْلُومَاتٍ مُقَدَّرَةٍ فَقَدْ زَادَ عِلْمُهُ ، فَإِنْ أَعْدَمَ اللَّهُ الْأَمْثَالَ فَقَدْ نَقَصَ أَيْ زَالَتْ الزِّيَادَةُ .
وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَقَ حَرَكَةً وَخَلَقَ مَعَهَا مِثْلَهَا أَوْ أَمْثَالَهَا ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ لِلْعَبْدِ الْعِلْمَ بِهِ مِنْ وَجْهٍ وَخَلَقَ لَهُ التَّصْدِيقَ بِهِ بِالْقَوْلِ النَّفْسِيِّ ، أَوْ الظَّاهِرِ ، وَخَلَقَ لَهُ الْهُدَى لِلْعَمَلِ بِهِ [ وَلَيْسَ الْعَمَلُ ] ، ثُمَّ خَلَقَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَمْثَالَهُ فَقَدْ زَادَ إيمَانُهُ .
وَبِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فُضِّلَ الْأَنْبِيَاءِ [ عَلَى ] الْخَلْقِ ، فَإِنَّهُمْ عَلِمُوهُ تَعَالَى مِنْ وُجُوهٍ أَكْثَرَ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي عَلِمَهُ الْخَلْقُ بِهَا ، فَمَنْ عَذِيرِي مِمَّنْ يَقُولُ : إنَّ الْأَعْمَالَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَلَا تَزِيدُ الْمَعْرِفَةُ وَلَا تَنْقُصُ ؛ لِأَنَّهَا عَرَضٌ ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ وَالْحَالَةُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ ؛ وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْإِيمَانِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، فَقَالَ : { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانًا } .
{ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } .
وَقَالَ : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا } .
وَقَالَ فِي جِهَةِ الْكُفَّارِ : { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ } .
فَأَطْلَق الزِّيَادَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ : وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ مَالِكًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ امْتَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ النَّقْصِ فِي الْإِيمَانِ لِوُجُوهٍ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، مِنْهَا : أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَنَاوَلُ إيمَانَ اللَّهِ وَإِيمَانَ الْعَبْدِ ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ إضَافَةُ النَّقْصِ إلَى مُطْلَقِ الْإِيمَانِ دَخَلَ فِي ذَلِكَ إيمَانُ اللَّهِ ، وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ لِاسْتِحَالَتِهِ فِيهِ عَقْلًا ، وَامْتِنَاعِهِ شَرَعَا .
وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إضَافَةُ ذَلِكَ إلَى إيمَانِ الْعَبْدِ عَلَى التَّخْصِيصِ
، بِأَنْ يَقُولَ : إيمَانُ الْخَلْقِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ .
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِيمَانَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي يَجِبُ مَدْحُهَا ، وَيَحْرُمُ ذَمُّهَا شَرْعًا ، وَالنَّقْصُ صِفَةُ ذَمٍّ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ فِيهِ ، وَيَحْرُمُ الذَّمُّ ، فَإِذَا تَحَرَّرَ لَكُمْ هَذَا وَيَسَّرَ اللَّهُ قَبُولَ أَفْئِدَتِكُمْ لَهُ فَإِنَّهُ مُقَلِّبُ الْأَفْئِدَةِ وَالْأَبْصَارِ .
.
فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى : وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : { إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } : بَيَانٌ لِمَا فَعَلَتْهُ الْعَرَبُ مِنْ جَمْعِهَا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ ، فَإِنَّهَا أَنْكَرَتْ وُجُودَ الْبَارِي ، فَقَالَتْ : وَمَا الرَّحْمَنُ ؟ فِي أَصَحِّ الْوُجُوهِ .
وَأَنْكَرَتْ الْبَعْثَ ، فَقَالَتْ : { مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } .
وَأَنْكَرَتْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ ، فَقَالَتْ : { أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ } .
وَزَعَمَتْ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إلَيْهَا ، فَابْتَدَعَتْ مِنْ ذَاتِهَا مُقْتَفِيَةً لِشَهَوَاتِهَا التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ ، ثُمَّ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنْ غَيَّرَتْ دَيْنَ اللَّهِ ، وَأَحَلَّتْ مَا حَرَّمَ ، وَحَرَّمَتْ مَا أَحَلَّ تَبْدِيلًا وَتَحْرِيفًا ، وَاَللَّهُ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا فَعَلَتْ مِنْ تَغْيِيرِ الدَّيْنِ وَتَبْدِيلِ الشَّرْعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } : أَيْ خَلَقَ لَهُمْ اعْتِقَادَ الْحُسْنِ فِيهَا ، وَهِيَ قَبِيحَةٌ ، فَنَظَرُوا فِيهَا بِالْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ ؛ لِطَمْسِ أَعْيُنِهِمْ وَفَسَادِ بَصَائِرَهُمْ ؛ وَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ فِي عَدَمِ الْهُدَى لِلْكَافِرِينَ .
.
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { مَا لَكُمْ } : مَا : حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ ، التَّقْدِيرُ : أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ عَنْ كَذَا ؟ كَمَا تَقُولُ مَا لَك عَنْ فُلَانٍ مُعْرِضًا .
وَنِظَامُهُ الصِّنَاعِيُّ مَا حَصَّلَ لَك مَانِعًا لِكَذَا أَوْ كَذَا .
وَكَذَا تَقُولُ : مَا لَك تَقُومُ وَتَقْعُدُ ؟ التَّقْدِيرُ : أَيُّ شَيْءٍ حَصَّلَ لَك مَانِعًا مِنْ الِاسْتِقْرَارِ ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } : يُقَالُ : نَفَرَ إذَا زَالَ عَنْ الشَّيْءِ .
وَتَصْرِيفُهُ نَفَرَ يَنْفِرُ نَفِيرًا ، وَنَفَرَتْ الدَّابَّةُ تَنْفِرُ نُفُورًا ، وَكَأَنَّ النُّفُورَ فِي الْإِبَايَةِ ، وَالنَّفِيرَ فِي الْإِقْبَالِ وَالسِّعَايَةِ .
وَقَدْ يُؤَلَّفَانِ عَلَى رَأْيِ مِنْ يَرَى تَأْلِيفَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ بِوَجْهٍ يَبْعُدُ تَارَةً وَيَقْرُبُ أُخْرَى ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ هَاهُنَا : زُولُوا عَنْ أَرْضِيكُمْ وَأَهْلِيكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
=========================================ج12
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَحَلِّ النَّفِيرِ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَزْوَةُ تَبُوكَ ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهَا فِي حَمَّارَةِ الْقَيْظِ ، وَطَيِّبِ الثِّمَارِ ، وَبَرْدِ الظِّلَالِ ؛ فَاسْتَوْلَى عَلَى النَّاسِ الْكَسَلُ ، وَغَلَبَهُمْ عَلَى الْمَيْلِ إلَيْهَا الْأَمَلُ ، فَتَقَاعَدُوا عَنْهُ ، وَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ ، فَوَبَّخَهُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ هَذَا ، وَعَابَ عَلَيْهِمْ الْإِيثَارَ لِلدُّنْيَا عَلَى ثَوَابِ الْآخِرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ { اثَّاقَلْتُمْ } : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : مَعْنَاهُ تَثَاقَلْتُمْ ، وَهَذَا تَوْبِيخٌ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ ، وَعِتَابٌ فِي التَّقَاعُدِ عَنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى الْخُرُوجِ .
وَنَحْوُ قَوْلِهِ : { مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } هُوَ قَوْلُهُ : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } الْمَعْنَى لَا تُقْبِلُوا عَلَى الْأَمْوَالِ إيثَارًا لَهَا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَلَا تَرْكَنُوا إلَى التِّجَارَةِ الْحَاضِرَةِ ، تَقْدِيمًا لَهَا عَلَى التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ الَّتِي تُنْجِيكُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ } : يَعْنِي بَدَلًا مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَرِدُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ نَثْرًا ، وَنَظْمًا ؛ قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ أَرَادَ لَيْتَ لَنَا بَدَلًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ .
وَالطَّهَيَانُ : عُودٌ يُنْصَبُ فِي سَاحَةِ الدَّارِ لِلْهَوَاءِ ، وَيُعَلَّقُ عَلَيْهِ إنَاءٌ لَيْلًا حَتَّى يَبْرُدَ .
عَاتَبَهُمْ عَلَى إيثَارِ الرَّاحَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الرَّاحَةِ فِي الْآخِرَةِ ؛ إذْ لَا تُنَالُ رَاحَةُ الْآخِرَةِ إلَّا بِنَصَبِ الدُّنْيَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَدْ طَافَتْ رَاكِبَةً : { أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ } .
وَهَذَا لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ قَلْبٍ مُوقِنٍ بِالْبَعْثِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ، وَوَعِيدٌ مُؤَكَّدٌ ، فِي تَرْكِ النَّفِيرِ : وَمِنْ مُحَقَّقَاتِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا وَرَدَ فَلَيْسَ فِي وُرُودِهِ أَكْثَرُ مِنْ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ ؛ فَأَمَّا الْعِقَابُ عِنْدَ التَّرْكِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَا يَقْتَضِيهِ الِاقْتِضَاءُ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعِقَابُ بِالْخَبَرِ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ : إنْ لَمْ تَفْعَلُ كَذَا عَذَّبْتُكَ بِكَذَا ، كَمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَوَجَبَ بِمُقْتَضَاهَا النَّفِيرُ لِلْجِهَادِ ، وَالْخُرُوجُ إلَى الْكُفَّارِ لِمُقَابَلَتِهِمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي نَوْعِ الْعَذَابِ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ حَبْسُ الْمَطَرِ عَنْهُمْ .
فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ ، وَإِلَّا فَالْعَذَابُ الْأَلِيمُ هُوَ الَّذِي فِي الدُّنْيَا بِاسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ ، وَبِالنَّارِ فِي الْآخِرَةِ ، وَزِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ اسْتِبْدَالُ غَيْرِكُمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : { إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : النَّصْرُ : هُوَ الْمَعُونَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } : وَلِلْعَرَبِ فِي ذَلِكَ لُغَتَانِ : تَقُولُ ثَانِيَ اثْنَيْنِ ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ، وَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ ، بِمَعْنَى أَحَدُهُمَا ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ .
وَتَقُولُ أَيْضًا : خَامِسُ أَرْبَعَةٍ ، أَيْ الَّذِي صَيَّرَهُمْ خَمْسَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا تَنْصُرُوهُ } : يَعْنِي يُعِينُوهُ بِالنَّفِيرِ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودِ الْمَلَائِكَةِ .
رَوَى أَصْبَغُ ، وَأَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : { ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ .
قَالَ : فَرَأَيْت مَالِكًا يَرْفَعُ بِأَبِي بَكْرٍ جِدًّا لِهَذِهِ الْآيَةِ .
قَالَ : وَكَانُوا فِي الْهِجْرَةِ أَرْبَعَةً ، مِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، وَرُقَيْطُ الدَّلِيلُ .
قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ : يُقَالُ أُرَيْقِطُ قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَحَقٌّ أَنْ يَرْفَعَ مَالِكٌ أَبَا بَكْرٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَفِيهَا عِدَّةُ فَضَائِلَ مُخْتَصَّةٍ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ، فَحَقَّقَ لَهُ تَعَالَى [ قَوْلَهُ لَهُ ] بِكَلَامِهِ ، وَوَصَفَ الصُّحْبَةَ فِي كِتَابِهِ مَتْلُوًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ : { يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهَا ؟ } وَهَذِهِ مَرْتَبَةٌ عُظْمَى ، وَفَضِيلَةٌ شَمَّاءُ ، لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ ثَالِثُ اثْنَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، كَمَا أَنَّهُ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } .
وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى وَبَنِي إسْرَائِيلَ : { كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ } .
قَالَ لَنَا أَبُو الْفَضَائِلِ الْمُعَدِّلُ : قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ قَالَ مُوسَى : { كَلًّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ } وَقَالَ فِي مُحَمَّدٍ وَصَاحِبِهِ : { لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } .
لَا جَرَمَ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَعَ مُوسَى وَحْدَهُ ارْتَدَّ أَصْحَابُهُ بَعْدَهُ ، فَرَجَعَ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ،
وَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ .
وَلَمَّا قَالَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ مَعَنَا ، بَقِيَ أَبُو بَكْرٍ مُهْتَدِيًا مُوَحِّدًا ، عَالِمًا عَازِمًا ، قَائِمًا بِالْأَمْرِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ اخْتِلَالٌ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى النَّبِيِّ .
الثَّانِي : عَلَى أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهُوَ الْأَقْوَى ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ خَافَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَوْمِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ؛ لِيَأْمَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَكَنَ جَأْشُهُ ، وَذَهَبَ رَوْعُهُ ، وَحَصَلَ لَهُ الْأَمْنُ ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ شَجَرَ ثُمَامِهِ ، وَأَلْهَمَ الْوَكْرَ هُنَالِكَ حَمَامَهُ ، وَأَرْسَلَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ بَيْتًا ، فَمَا أَضْعَفَ هَذِهِ الْجُنُودِ فِي ظَاهِرِ الْحِسِّ ؛ وَمَا أَقْوَاهَا فِي بَاطِنِ الْمَعْنَى .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعُمَرَ حِينَ تَغَامَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : { هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي ، إنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَالُوا كَذَبْت ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْت } .
وَمِنْهَا : أَنَّهُ جَعَلَ أَبَا بَكْرٍ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعَ ، فَقَالَ : { إلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ بِصَاحِبِهِ فِي الْغَارِ ، بِتَأْنِيسِهِ لَهُ ، وَحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ } [ وَوَفَائِهِ لَهُ ] بِوِقَايَتِهِ لَهُ [ بِنَفْسِهِ ] ، وَبِمُوَاسَاتِهِ بِمَالِهِ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ { أَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ ، فَوُزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَلْقِ فَرَجَحَهُمْ } ؛ وَبِهَذِهِ الْفَضَائِلِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاِتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا .
وَسَبَقَتْ لَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى النَّاسِ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ أَبُو بَكْرٍ .
وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ النُّورِ بَيَانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَهِيَ عُظْمَى فِي الْفِقْهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى { إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } : وَهُوَ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، فَارًّا عَنْ الْكَافِرِينَ بِإِلْجَائِهِمْ لَهُ إلَى ذَلِكَ حَتَّى فَعَلَهُ ؛ فَنُسِبَ الْفِعْلُ إلَيْهِمْ ، وَرُتِّبَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَيْهِمْ ، وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَتَوَعَّدَهُمْ ؛ فَلِهَذَا يُقْتَلُ الْمُكْرَهُ عَلَى الْقَتْلِ ، وَيَضْمَنُ الْمَالَ الْمُكْرِهُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ ؛ لِإِلْجَائِهِ الْقَاتِلَ وَالْمُتْلِفَ إلَى الْقَتْلِ وَالْإِتْلَافِ ، وَكَذَلِكَ شُهُودُ الزِّنَا الْمُزَوِّرُونَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَشُهُودُ الْقِصَاصِ إذَا شَهِدُوا بِالْقَتْلِ بَاطِلًا بِاخْتِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَائِنَا ؛ وَالْمَسْأَلَةُ عَسِيرَةُ الْمَأْخَذِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ نِسْبَةَ الْفِعْلِ إلَى الْمُكْرَهِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ تَعَلُّقُ الْإِثْمِ بِهِ مَعَ الْقَصْدِ إلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ .
فَأَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَالِّ وَالْأَسْبَابِ ، حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ ؛ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْفِرَارِ مِنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ ، وَتَرْكِ الصَّبْرِ عَلَى مَا يَنْزِلُ مِنْ بَلَاءِ اللَّهِ ، وَعَدَمِ الِاسْتِسْلَامِ الْمُؤَدِّي إلَى الْآلَامِ وَالْهُمُومِ ، وَأَلَّا يُلْقِيَ بِيَدِهِ إلَى الْعَدُوِّ ، تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكُمْ لَعَصَمَهُ مَعَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيرَةُ الْأُمَمِ ، حَكَمَ اللَّهُ بِهَا لِتَكُونَ قُدْرَةً لِلْخَلْقِ ، وَأُنْمُوذَجًا فِي الرِّفْقِ ، وَعَمَلًا بِالْأَسْبَابِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَتْ الْإِمَامِيَّةُ قَبَّحَهَا اللَّهُ : حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ مَعَ كَوْنِهِ مَعَ النَّبِيِّ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِهِ وَنَقْصِهِ وَضَعْفِ قَلْبِهِ وَحَيْرَتِهِ .
أَجَابَ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ قَوْلَهُ : لَا تَحْزَنْ ، لَيْسَ بِمُوجِبٍ بِظَاهِرِهِ وُجُودَ الْحُزْنِ ، إنَّمَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ ؛ فَإِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا .
فَقَالَ لَهُ : { لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } ؛ لِتَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الصِّدِّيقَ لَا يَنْقُصُهُ إضَافَةُ الْحُزْنِ إلَيْهِ ، كَمَا لَمْ تَنْقُصْ إبْرَاهِيمَ حِينَ قِيلَ عَنْهُ : { نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } .
وَلَمْ يَنْقُصْ مُوسَى قَوْلُهُ عَنْهُ : { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } .
وَهَذَانِ الْعَظِيمَانِ قَدْ وُجِدَتْ عِنْدَهُمْ التَّقِيَّةُ نَصًّا ، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَ الصِّدِّيقِ هَاهُنَا بِاحْتِمَالٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ حُزْنَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لِشَكٍّ وَحَيْرَةٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ ضَرَرٌ ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْصُومًا مِنْ الضَّرَرِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَعِيفَ الْقَلْبِ ، وَهُوَ لَمْ يَسْتَخْفِ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ ظَهَرَ وَقَامَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ بِقُوَّةِ يَقِينٍ ، وَوُفُورِ عِلْمٍ ، وَثُبُوتِ جَأْشٍ ، وَفَصْلٍ لِلْخُطْبَةِ الَّتِي تُعْيِي الْمُحْتَالِينَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُزُولِ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إلَى الرُّومِ ، وَكَانَتْ غَزْوَةً بَعِيدَةً فِي وَقْتٍ شَدِيدٍ مِنْ حَمَّارَةِ الْقَيْظِ ، وَعَدُوًّا كَثِيرًا ، اُسْتُنْفِرَ لَهَا النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { خِفَافًا وَثِقَالًا } : فِيهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ : شُبَّانٌ وَكُهُولٌ ، مَا سَمِعَ اللَّهِ عُذْرَ أَحَدٍ ؛ فَخَرَجَ إلَى الشَّامِ فَجَاهَدَ حَتَّى مَاتَ .
الثَّانِي : شُبَّانًا وَشِيبًا .
الثَّالِثُ : فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ .
الرَّابِعُ : فِي الْفَرَاغِ وَالشُّغْلِ .
الْخَامِسُ : مَعَ الْكَسَلِ وَالنَّشَاطِ .
السَّادِسُ : رِجَالًا وَرُكْبَانًا .
السَّابِعُ : صَاحِبُ صَنْعَةٍ وَمَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ .
الثَّامِنُ : جَبَانًا وَشُجَاعًا .
التَّاسِعُ : ذَا عِيَالٍ وَمَنْ لَا عِيَالَ لَهُ .
الْعَاشِرُ : الثَّقِيلُ : الْجَيْشُ كُلُّهُ ، وَالْخَفِيفُ : الْمُقَدَّمَةُ .
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا غَيْرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا بَقِيَ ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْآيَةِ ، لَكِنْ مِنْهُ مَا يَقْرُبُ ، وَمِنْهُ مَا يَبْعُدُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اُخْتُلِفَ فِي إحْكَامِ هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ نَسْخِهَا قَوْله عَلَى قَوْلَيْنِ بَيَّنَّاهُمَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ ، وَقَدْ تَكُونُ حَالَةٌ يَجِبُ فِيهَا نَفِيرُ الْكُلِّ إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ عَلَى الْأَعْيَانِ بِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ عَلَى قُطْرٍ مِنْ الْأَقْطَارِ ، أَوْ بِحُلُولِهِ بِالْعُقْرِ ؛ فَيَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الْجِهَادُ وَالْخُرُوجُ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ قَصَّرُوا عَصَوْا .
وَلَقَدْ نَزَلَ بِنَا الْعَدُوُّ قَصَمَهُ اللَّهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسمِائَةٍ ؛ فَجَاسَ دِيَارَنَا ، وَأَسَرَ جِيرَتَنَا ، وَتَوَسَّطَ بِلَادَنَا فِي عَدَدٍ هَالَ النَّاسُ عَدَدَهُ ، وَكَانَ كَثِيرًا ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا حَدَّدُوهُ ، فَقُلْت لِلْوَالِي وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ : هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ ، وَقَدْ حَصَلَ فِي الشَّرَكِ وَالشَّبَكَةِ ، فَلْتَكُنْ عِنْدَكُمْ بَرَكَةٌ ، وَلْتَظْهَرْ مِنْكُمْ إلَى نُصْرَةِ دَيْنِ اللَّهِ الْمُتَعَيِّنَةِ عَلَيْكُمْ حَرَكَةٌ ، فَلْيَخْرُجْ إلَيْهِ جَمِيعُ النَّاسِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْطَارِ فَيُحَاطُ بِهِ فَإِنَّهُ هَالِكٌ لَا مَحَالَةَ إنْ يَسَّرَكُمُ اللَّهُ لَهُ ؛ فَغَلَبَتْ الذُّنُوبُ ، وَوَجَفَتْ الْقُلُوبُ بِالْمَعَاصِي ، وَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ثَعْلَبًا يَأْوِي إلَى وِجَارِهِ ، وَإِنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ بِجَارِهِ ؛ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } .
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا لِغَلَبَةِ الْعَدُوِّ عَلَى الْحَوْزَةِ ، أَوْ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْأُسَارَى كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا ، وَوَجَبَ الْخُرُوجُ خِفَافًا وَثِقَالًا ، وَرُكْبَانًا وَرِجَالًا ، عَبِيدًا وَأَحْرَارًا ، مَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَمَنْ لَا أَبَ لَهُ ، حَتَّى يَظْهَرَ دَيْنُ اللَّهِ ، وَتُحْمَى الْبَيْضَةُ ، وَتُحْفَظَ الْحَوْزَةُ ، وَيُخْزَى الْعَدُوُّ
، وَيُسْتَنْقَذَ الْأَسْرَى .
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .
وَلَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ عَاهَدَ كُفَّارًا أَلَّا يَحْبِسُوا أَسِيرًا ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ جِهَتِهِ بِلَادُهُمْ ، فَمَرَّ عَلَى بَيْتٍ مُغْلَقٍ ، فَنَادَتْهُ امْرَأَةٌ : إنِّي أَسِيرَةٌ ، فَأَبْلِغْ صَاحِبَك خَبَرِي .
فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ ، اسْتَطْعَمَهُ عِنْدَهُ ، وَتَجَاذَبَا ذَيْلَ الْحَدِيثِ انْتَهَى الْخَبَرُ إلَى هَذِهِ الْمُعَذَّبَةِ ، فَأَلْقَاهُ إلَيْهِ ، فَمَا أَكْمَلَ حَدِيثَهُ حَتَّى قَامَ الْأَمِيرُ عَلَى قَدَمِهِ ، وَخَرَجَ غَازِيًا مِنْ فَوْرِهِ ، وَمَشَى إلَى الْبَلَدِ حَتَّى أَخْرَجَ الْأَسِيرَةَ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَوْضِعِ ، فَكَيْفَ بِنَا وَعِنْدَنَا عَهْدُ اللَّهِ أَلَّا نُسَلِّمَ إخْوَانَنَا إلَى الْأَعْدَاءِ ، وَنَنْعَمُ وَهُمْ فِي الشَّقَاءِ ، أَوْ نَمْلِكُ بِالْحُرِّيَّةِ وَهُمْ أَرِقَّاءُ .
يَالَلَّهِ ، وَلِهَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلْجُمْهُورِ ، وَالْمِنَّةَ بِصَلَاحِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْوَاحِدُ إذَا قَصَّرَ الْجَمِيعُ ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قُلْنَا : يُقَالُ لَهُ : وَأَيْنَ يَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ ؟ مَكَانَك أَيُّهَا الْوَاحِدُ لَا يُفْتَى وَمَالُك لَا يَكْفِي ، وَالْأَمْرُ لِلَّهِ فِيمَا يُرِيدُ مِنْ تَوْفِيقٍ ، أَوْ قَطْعٍ لِلطَّرِيقِ ، وَقَدْ هَمَّهُمْ الْخَاطِرُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَزَمْزَمَ اللِّسَانُ بِهَا مُدَّةً .
وَاَلَّذِي يُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ، وَيُطْفِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أُوَارَهَا أَنْ يَعْمِدَ مَنْ رَأَى تَقْصِيرَ الْخَلْقِ إلَى أَسِيرٍ وَاحِدٍ فَيَفْدِيَهُ ؛ فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ لَوْ اقْتَسَمُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ الْوَاحِدِ ، فَإِذَا فَدَى الْوَاحِدُ فَقَدْ أَدَّى فِي الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَيَغْزُو بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ ، وَإِلَّا جَهَّزَ غَازِيًا .
فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا ، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُك فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُك فِي الصَّدَقَاتِ } : أَيْ يَعِيبُك .
وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْعَيْبُ مُطْلَقًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْعَيْبُ بِالْغَيْبِ ، يُقَالُ : لَمَزَهُ يَلْمِزُهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَضَمِّهَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : { بُعِثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ ، وَقَالَ : تَأْلَفُهُمْ .
فَقَالَ رَجُلٌ : مَا عَدَلْت .
فَقَالَ : يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنْ الدَّيْنِ } .
هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَزَادَ غَيْرُهُ : { فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُك فِي الصَّدَقَاتِ } } .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ كَانُوا عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ ، وَكَانُوا مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : عَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ ، وَيَأْتِي تَمَامُ الْمَسْأَلَةِ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ ، إنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَأَحْكَامِهِ الْمَاضِيَةِ الْعَالِيَةِ ، خَصَّ بَعْضَ النَّاسِ بِالْأَمْوَالِ دُونَ الْبَعْضِ ، نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَجَعَلَ شُكْرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إخْرَاجَ سَهْمٍ يُؤَدُّونَهُ إلَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، نِيَابَةً عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَا ضَمِنَهُ بِفَضْلِهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } ؛ وَقَدَّرَ الصَّدَقَاتِ عَلَى حَسَبِ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ ، فَجَعَلَ فِي النَّقْدَيْنِ رُبْعَ الْعُشْرِ ، وَجَعَلَ فِي النَّبَاتِ الْعُشْرَ ، وَمَعَ تَكَاثُرِ الْمُؤْنَةِ نِصْفَ الْعُشْرِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي حَقِيقَةِ الصَّدَقَةِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ مُقَدَّرٌ مُعَيَّنٌ ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ مُقَدَّرٌ فَجَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ ؛ إذْ زَعَمَ أَنَّ التَّكْلِيفَ وَالِابْتِلَاءَ إنَّمَا هُوَ فِي نَقْصِ الْأَمْوَالِ ، وَذَهَلَ عَنْ التَّوْفِيَةِ لِحَقِّ التَّكْلِيفِ فِي تَعْيِينِ النَّاقِصِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُوَازِي التَّكْلِيفَ فِي قَدْرِ النَّاقِصِ ؛ فَإِنَّ الْمَالِكَ يُرِيدُ أَنْ يَبْقَى مِلْكُهُ بِحَالِهِ ، وَيَخْرُجَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ ، فَإِذَا مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ ، وَعَلِقَتْ بِهِ ، كَانَ التَّكْلِيفُ قَطْعَ تِلْكَ الْعَلَاقَةِ الَّتِي هِيَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ الْمَالِ ، فَوَجَبَ إخْرَاجُ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِعَيْنِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِالصَّدَقَةِ :
وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ .
قُلْنَا : قَدْ أَجَابَ عَنْهُ عُلَمَاؤُنَا بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ يُخَالِفُ الْأُصُولَ ، وَعِنْدَهُمْ إذَا خَالَفَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْأُصُولَ بَطَلَ فِي نَفْسِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّقْوِيمِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُعْطَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ : فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا عُرِفَتْ قِيمَتُهَا ، فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ الْقِيمَةِ إلَى التَّقْدِيرِ وَالتَّحْدِيدِ بِتَعَيُّنِ الشَّاتَيْنِ أَوْ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعِبَادَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا إنَّمَا جَوَّزَ فِي الْجِيرَانِ ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ السِّنِينَ ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى إجْزَائِهِ فِي الْأَصْلِ ، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ كِتَابَ عُمَرَ فِي الصَّدَقَةِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ وَعَمِلَ بِهِ فِي الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ أَوْلَى مِنْ كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الَّذِي لَمْ يَجِئْ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ .
وَلَعَلَّهُ كَانَ لِقَضِيَّةٍ فِي عَيْنٍ مَخْصُوصَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا صَدَقَةً : وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ فِي مُسَاوَاةِ الْفِعْلِ لِلْقَوْلِ ، وَالِاعْتِقَادِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا .
وَبِنَاءُ " صَدَقَ " يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وَعَضُدُهُ بِهِ ، وَمِنْهُ صَدَاقُ الْمَرْأَةِ ؛ أَيْ تَحْقِيقُ الْحِلِّ وَتَصْدِيقُهُ بِإِيجَابِ الْمَالِ وَالنِّكَاحِ عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ .
وَيُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِتَصْرِيفِ الْفِعْلِ ، يُقَالُ : صَدَّقَ فِي الْقَوْلِ صَدَاقًا وَتَصْدِيقًا ، وَتَصَدَّقَتْ بِالْمَالِ تَصَدُّقًا ، وَأَصْدَقَتْ الْمَرْأَةُ إصْدَاقًا .
وَأَرَادُوا بِاخْتِلَافِ الْفِعْلِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَى الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الْكُلِّ .
وَمُشَابَهَةُ الصِّدْقِ هَاهُنَا لِلصَّدَقَةِ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ مِنْ دِينِهِ أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ ، وَأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ هِيَ الْمَصِيرُ ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الدَّانِيَةَ قَنْطَرَةٌ إلَى الْأُخْرَى ، وَبَابٌ إلَى السُّوأَى أَوْ الْحُسْنَى عَمِلَ لَهَا ، وَقَدَّمَ مَا يَجِدُهُ فِيهَا ؛ فَإِنْ شَكَّ فِيهَا أَوْ تَكَاسَلَ عَنْهَا وَآثَرَ عَلَيْهَا بَخِلَ بِمَالِهِ ، وَاسْتَعَدَّ لِآمَالِهِ ، وَغَفَلَ عَنْ مَآلِهِ .
وَفِي كُتُبِ الذِّكْرِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { لِلْفُقَرَاءِ } : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَفَادَتْ هَذِهِ اللَّامُ [ فَقِيلَ ] لَامُ الْأَجَلِ ؛ كَقَوْلِك : هَذَا السَّرْجُ لِلدَّابَّةِ ، وَالْبَابُ لِلدَّارِ ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ هَذِهِ لَامُ التَّمْلِيكِ ؛ كَقَوْلِك : هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَى جَمِيعُهَا لِلْعَامِلَيْنِ عَلَيْهَا .
وَاعْتَمَدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَضَافَ الصَّدَقَةَ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ إلَى مُسْتَحِقٍّ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ الْمِلْكُ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيكِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُسْتَحِقِّينَ .
وَهَذَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَصْنَافٍ مُعَيَّنِينَ ، أَوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ } .
وَالصَّدَقَةُ مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي ذِكْرِ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قُرْآنًا وَسُنَّةً .
وَحَقَّقَ عُلَمَاؤُنَا الْمَعْنَى ، فَقَالُوا : إنَّ الْمُسْتَحِقَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَكِنَّهُ أُحَالَ بِحَقِّهِ لِمَنْ ضَمِنَ لَهُمْ رِزْقَهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } ؛ فَكَانَ كَمَا لَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : إنَّ لِي حَقًّا عَلَى خَالِدٍ يُمَاثِلُ حَقَّك يَا عَمْرُو أَوْ يُخَالِفُهُ ، فَخُذْهُ مِنْهُ مَكَانَ حَقِّك فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لِمَصْرِفِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ لَا لِلْمُسْتَحِقِّ ، وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ فِي جِهَةِ الْمَصْرِفِ وَالْمَحَلِّيَّةِ كَالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يُبْطِلُ بِالْكَافِرِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لَهُ الرِّزْقُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ الْحَقِّ ، ثُمَّ لَيْسَ بِمَصْرِفٍ لِلزَّكَاةِ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ كُنَّا نَقُولُ : إنَّهُ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إلَى الذِّمِّيِّ ، إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّصَ هَذَا الْعُمُومَ بِقَوْلِهِ : { أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ } ؛ فَخَصَّصْنَاهُ بِمَا خَصَّصَهُ بِهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ ، الْمُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ؛ وَمَا فَهِمَ الْمَقْصُودَ أَحَدٌ فَهْمَ الطَّبَرِيِّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الصَّدَقَةُ لِسَدِّ خُلَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِسَدِّ خُلَّةِ الْإِسْلَامِ ؛ وَذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ مَأْخَذِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ الْأَصْنَافِ وَتَعْدِيدِهِمْ .
وَاَلَّذِي جَعَلْنَاهُ فَصْلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّ الْأَمَةَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُعْطِيَ كُلُّ صِنْفٍ حَظَّهُ لَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُ ، فَكَذَلِكَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ مِثْلُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصَّدَائِيُّ : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْته ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ .
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، فَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُك حَقَّك } .
وَقَدْ قَالَ النَّخَعِيُّ : إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا قَسَّمَهُ عَلَى الْأَصْنَافِ ، وَإِلَّا وَضَعَهُ فِي صِنْفٍ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِي قِسْمٍ ، وَإِنْ قَسَّمَهُ الْإِمَامُ اسْتَوْعَبَ الْأَصْنَافَ ؛ وَذَلِكَ فِيمَا قَالُوا : إنَّهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَلْيَعُمَّهُمْ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَانَ قَسْمُهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ .
وَكَذَلِكَ إنْ قَسَّمَهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ ، فَيَبْحَثُ عَنْ النَّاسِ وَيُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُمْ ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْرِهِمْ .
وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيَتَحَرَّى مَوْضِعَ الْحُجَّةِ هُوَ الْأَقْوَى .
وَتَحْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ : أَنَّ
الْمُتَحَصِّلَ مِنْ أَصْنَافِ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ : وَهُمْ الْفُقَرَاءُ ، وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَسَائِرُ الْأَصْنَافِ دَاخِلَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْهَا .
فَأَمَّا الْعَامِلُونَ ، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَيَأْتِي بَيَانُ حَالِهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ بَيَانَ الْأَصْنَافِ مِنْ مُهِمَّاتِ الْأَحْكَامِ ، فَنَقُولُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَمَّا الْفَقِيرُ : فَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُحْتَاجُ الْمُتَعَفِّفُ ، وَالْمِسْكِينَ : الْفَقِيرُ السَّائِلُ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ شَعْبَانَ .
الثَّانِي : الْفَقِيرُ هُوَ الْمُحْتَاج الزَّمِنُ .
وَالْمِسْكِينُ هُوَ الْمُحْتَاجُ الصَّحِيحُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْفَقِيرَ الْمُحْتَاجُ ، وَالْمِسْكِينَ سَائِرُ النَّاسِ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ وَغَيْرُهُ .
الرَّابِعُ ، الْفَقِيرُ الْمُسْلِمُ ، وَالْمِسْكِينُ أَهْلُ الْكِتَابِ .
الْخَامِسُ : الْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ، وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
السَّادِسُ : عَكْسُهُ ؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ وَاحِدٌ ، ذَكَرَهُ لِلتَّأْكِيدِ .
الثَّامِنُ : الْفُقَرَاءُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَالْمَسَاكِينُ الْأَعْرَابُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } : وَهُمْ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ لِتَحْصِيلِهَا ، وَيُوَكَّلُونَ عَلَى جَمْعِهَا ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ بَدِيعَةٍ ، وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ فَالْقَائِمُ بِهِ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَةُ ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فَإِنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِهِمْ بِهِمْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، فَلَا جَرَمَ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا .
وَهَذَا أَصْلُ الْبَابِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ } .
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْعَامِلُ فِي الصَّدَقَةُ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا كِفَايَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ بِسَبَبِ الْعَمَلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَدَلًا عَنْ الْعَمَلِ ، حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لِلْهَاشِمِيِّ ، وَالْأُجْرَةُ تَحِلُّ لَهُ .
قُلْنَا : بَلْ هِيَ أُجْرَةٌ صَحِيحَةٌ ؛ وَإِنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الْهَاشِمِيُّ تَحَرِّيًا لِلْكَرَامَةِ وَتَبَاعُدًا عَنْ الذَّرِيعَة ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا أُجْرَةٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَلَكَهَا لَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ، وَلَيْسَ لَهُ وَصْفٌ يَأْخُذُ بِهِ مِنْهَا سِوَى الْخِدْمَةِ فِي جَمْعِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْعَامِلُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قِيلَ : هُوَ الثُّمُنُ بِقِسْمَةِ اللَّهِ لَهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَهَذَا تَعْلِيقٌ بِالِاسْتِحْقَاقِ الَّذِي سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ ، أَوْ بِالْمَحَلِّيَّةِ ، وَمَبْنِيٌّ عَلَيْهِ .
الثَّانِي : يُعْطَوْنَ قَدْرَ عَمَلِهِمْ مِنْ الْأُجْرَةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ هَذَا ، وَالْكَلَامُ عَلَى تَحْقِيقِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .
وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَدَاوُد بْنِ سَعِيدٍ ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ دَلِيلًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِسَهْمِهِمْ فِيهَا نَصًّا ، فَكَيْفَ يُخَلِّفُونَ عَنْهُ اسْتِقْرَاءً وَسَبْرًا .
وَالصَّحِيحُ الِاجْتِهَادُ فِي قَدْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ فِي تَعْدِيدِ الْأَصْنَافِ إنَّمَا كَانَ لِلْمَحَلِّ لَا لِلْمُسْتَحِقِّ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَنْ قَالَ : إنَّهُمْ مُسْلِمُونَ يُعْطَوْنَ لِضَعْفِ يَقِينِهِمْ [ حَتَّى يُقَوَّوْا ] ، مَثَّلَهُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُمْ كُفَّارُ مَثَّلَهُمْ بِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ .
وَمِنْ قَالَ : إنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَلَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ مَيْلٌ مَثَّلَهُمْ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ .
الثَّانِي : قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ : أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَرْبُوعٍ .
وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ .
وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى .
وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ .
وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
وَمِنْ بَنِي فَزَارَةَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ .
وَمِنْ بَنِي تَمِيمٍ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ .
وَمِنْ بَنِي نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ .
وَمِنْ بَنِي سُلَيْمٍ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ .
وَمِنْ ثَقِيفٍ الْعَلَاءُ بْنُ حَارِثَةَ .
الثَّالِثُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَأَبُو سُفْيَانَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ .
وَكَانَ صَفْوَانُ يَوْمَ الْعَطِيَّةِ مُشْرِكًا .
وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ .
الرَّابِعُ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ : الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ : أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ابْنُهُ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ كِلْدَةَ ؛ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَالْمُعَلَّى بْنُ
حَارِثَةَ الثَّقَفِيُّ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرٍو ، وَسَعْدُ بْنُ يَرْبُوعٍ ، وَعَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ ، وَطُلَيْقُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَخَالِدُ بْنُ أُسَيْدَ بْنِ أَبِي الْعَيْصِ ، وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَأَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَامِرٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَخَالِدُ بْنُ هِشَامٍ ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَالسَّائِبُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ ، وَمُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ ، وَعَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَنَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُرْوَةَ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنُ مَالِكٍ ، وَخَالِدُ بْنُ هَوْذَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ هَوْذَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ بْنُ عِقَالٍ ، وَقَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ ، وَهِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبٍ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَلَا شَكَّ فِيهِ وَلَا فِي ابْنِهِ .
وَأَمَّا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَعَظِيمُ الْقَدْرِ فِي الْإِسْلَامِ .
قَالَ مَالِكٌ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ .
قَالَ مَالِكٌ : وَبَلَغَنِي أَنْ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْرَجَ مَا كَانَ أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُؤَلَّفَةِ ، فَتَصَدَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ .
وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ فَهُوَ ابْن طَبِيبِ الْعَرَبِ وَكَانَ مِنْهُمْ .
وَلَا خَفَاءَ بِعُيَيْنَةَ وَلَا بِمَالِكِ بْنِ عَوْفٍ سَيِّدِ هَوَازِنَ .
وَأَمَّا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَرَجُلٌ عَظِيمٌ ، إنْ كَانَ مُؤَلَّفًا بِالْعَطِيَّةِ فَلَمْ يَمُتْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إلَّا ، وَهُوَ مُؤَلَّفٌ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْيَقِينِ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِرَسُولِهِ ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إلَى مَكَّةَ مَاجَ أَهْلُ مَكَّةَ ، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو خَطِيبًا ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنْ هَذَا الْأَمْرَ سَيَمْتَدُّ امْتِدَادَ الشَّمْسِ فِي طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا ، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حُبِسَ عَلَى بَابِ عُمَرَ ، فَأَذِنَ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَصُهَيْبٌ وَنَوْعُهُ .
فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ ، وَمَشْيَخَةُ قُرَيْشٍ : يَأْذَنُ لِلْعَبِيدِ وَيَذْرُنَا ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو : دُعِيتُمْ فَأَجَابُوا ، وَأَسْرَعُوا وَأَبْطَأْتُمْ ، أَمَا وَاَللَّهِ لَمَا سَبَقُوكُمْ بِهِ مِنْ الْفَضْلِ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الَّذِي تُنَافِسُونَ فِيهِ ؛ إلَى أَمْثَالِ هَذَا الْخَبَرِ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الْبَصِيرَةِ فِي الدِّينِ وَالْبَصَرِ .
وَأَمَّا حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَمَرَهُ ، إنَّمَا هُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَصَحَّ دَيْنُهُ وَيَقِينُهُ .
وَأَمَّا مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زَهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ فَأُمُّهُ رَقِيقَةُ بِنْتُ أَبِي صَيْفِيِّ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَالِدِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، حَسُنَ إسْلَامُهُ ، وَهُوَ الَّذِي نَصَبَ أَعْلَامَ الْحَرَمِ لِعُمَرَ مَعَ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، { وَهُوَ الَّذِي خَبَّأَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِثَّاءَ ، فَقَالَ : خَبَّأْت هَذَا لَك ، خَبَّأْت هَذَا لَك } .
وَأَمَّا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْجُمَحِيُّ فَلَيْسَ مِنْهُمْ ، مُسْلِمٌ حَنِيفِيٌّ ، أَمَا إنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ لِقَتْلِهِ بِمَا شَرَطَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَفْوَانَ ، فَأَسْلَمَ ، وَحَدِيثُهُ طَوِيلٌ .
وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو فَلَا أَعْرِفُ .
وَأَمَّا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فَكَانَ فِي أَوَّلٍ أَمْرِهِ كَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ؛ وَهِيَ شَنْشَنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ ، وَمَنْ يُشْبِهُ أَخَاهُ فَلَمْ يَظْلِمْ .
حَسُنَ إسْلَامُهُ ، وَكَانَ بِالْمِسْكِ خِتَامُهُ .
وَأَمَّا سَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعٍ فَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِالصِّرْمِ ، مَخْزُومِيٌّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّنَا أَكْبَرُ ؟ قَالَ : أَنَا أَقْدَمُ مِنْك ، وَأَنْتَ أَكْبَرُ وَخَيْرٌ مِنِّي } ، وَلَمْ أَعْلَمْ تَأْلِيفَهُ .
وَأَمَّا عَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ فَلَمْ أَعْرِفْهُ .
وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ فَكَبِيرُ قَوْمِهِ ، حَسُنَ إسْلَامُهُ ، وَخَبَرُهُ مَشْهُورٌ .
وَأَمَّا طُلَيْقُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَابْنُهُ حَكِيمٌ ؛ فَهُوَ وَابْنُهُ مَذْكُورَانِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ .
وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ أُسَيْدَ بْنِ أَبِي الْعَيْصِ بْنِ أُمَيَّةَ فَلَا أَعْرِفُ قِصَّتَهُ .
{ وَأَمَّا شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ فَكَانَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ عَرَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَخَذَهُ أَفْكَلُ ، فَمَسَحَ صَدْرَهُ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ } .
وَأَمَّا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ الْعَبْدَرِيُّ فَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَاسْمُهُ حَبَّةُ ؛ لَا أَعْرِفُهُ .
وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرٍ فَلَا أَعْرِفُهُ ، أَمَا إنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، وَلَسْت أُحَصِّلُ .
وَأَمَّا زُهَيْرُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَخَالِدُ بْنُ هِشَامٍ فَلَا أَعْرِفُهُمَا .
وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ فَهُوَ أَخُو خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ .
وَأَمَّا سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ فَلَا أَعْرِفُهُ .
وَأَمَّا أَبُو السَّائِبِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَلَسْت أَعْلَمُ .
وَأَمَّا أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ ، وَاسْمُهُ عَامِرٌ ، فَلَا أَعْرِفُهُ مِنْهُمْ ، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ فِي الصَّحِيحِ : { وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .
وَقَالَ فِيهِ : { وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ بِشَرٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ } وَرَبُّك أَعْلَمُ .
وَأَمَّا أُحَيْحَةُ فَهُوَ أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ لَا أَعْرِفُ .
وَأَمَّا نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فَلَا أَعْرِفُهُ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ فَهُوَ مِنْهُمْ وَأُسَيْدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَحَسُنَ الْإِسْلَامُ عِنْدَهُمَا .
وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ هَوْذَةَ فَهُوَ وَالِدُ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ مُبَايِعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ ، مِنْ بَنِي أَنْفِ النَّاقَةِ ، غَيْرُ مَمْدُوحٍ .
وَالْحُطَيْئَةُ لَا أَعْرِفُ ، وَكَذَلِكَ أَخُوهُ حَرْمَلَةُ .
وَأَمَّا الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَمَشْهُورٌ فِيهِمْ .
وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلِبِيُّ فَلَا أَعْلَمُهُ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو فَلَا أَعْرِفُهُ .
وَقَدْ عُدَّ فِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُّ ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ .
اسْتِدْرَاكٌ : وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ؛ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ، وَقَدْ ائْتَمَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ وَقِرَاءَتِهِ وَخَلْطِهِ بِنَفْسِهِ ، وَأَمَّا حَالُهُ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَأَشْهُرُ مِنْ هَذَا وَأَظْهَرُ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَصْنَافَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ ؛ فَمِنْهُمْ ضَعِيفُ الْإِيمَانِ قَوِيُّ بِالْأَدِلَّةِ وَالْعَطَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ جَمِيعُهُمْ كَافِرًا ؛ فَحَصِّلُوا هَذَا فَإِنَّهُ مُهِمٌّ فِي الْقِصَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُمْ زَائِلُونَ ؛ قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، وَأَخَذَ بِهِ مَالِكٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُمْ بَاقُونَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رُبَّمَا احْتَاجَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ قَطَعَهُمْ عُمَرُ لِمَا رَأَى مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي : أَنَّهُ إنْ قَوِيَ الْإِسْلَامُ زَالُوا ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ أُعْطُوا سَهْمَهُمْ ، كَمَا كَانَ يُعْطِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ الصَّحِيحَ قَدْ رُوِيَ فِيهِ : { بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا قُلْنَا بِزَوَالِهِمْ فَإِنَّ سَهْمَهُمْ سَيَعُودُ إلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا ، أَوْ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَصْلِ الْخِلَافِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يُعْطَى نِصْفُ سَهْمِهِمْ لِعُمَّارِ الْمَسَاجِدِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ مَحَلٌّ لَا مُسْتَحَقُّونَ ؛ إذْ لَوْ كَانُوا مُسْتَحَقِّينَ لَسَقَطَ سَهْمُهُمْ بِسُقُوطِهِ عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى غَيْرِهِمْ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَرْجِعْ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { وَفِي الرِّقَابِ } : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ الْمُكَاتَبُونَ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْعِتْقُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْتَاعَ الْإِمَامُ رَقِيقًا فَيُعْتِقَهُمْ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
وَعَنْ مَالِكٍ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهَا : أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مُكَاتِبًا ، وَلَا فِي آخِرِ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ ، وَلَوْ خَرَجَ بِهِ حُرًّا .
وَقَدْ قَالَ مَرَّةً : فَلِمَنْ يَكُونُ الْوَلَاءُ ؟ وَقَالَ آخِرًا : مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ ، وَمَا بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ فَعَلُوا ذَلِكَ .
الثَّانِيَةُ : رَوَى عَنْهُ مُطَرِّفٌ أَنَّهُ يُعْطَى الْمُكَاتَبُونَ .
الثَّالِثَةُ : قَالَ : يَشْتَرِي مِنْ زَكَاتِهِ رَقَبَةً فَيُعْتِقُهَا ، يَكُونُ وَلَاؤُهَا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .
الرَّابِعَةُ : قَالَ مَالِكٌ : لَا آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَشْتَرِيَ رَقَبَةً مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَيُعْتِقُهَا .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شِرَاءُ الرِّقَابِ وَعِتْقُهَا ، كَذَلِكَ هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَيْثُ ذَكَرَ الرَّقَبَةَ فِي كِتَابِهِ إنَّمَا هُوَ الْعِتْقُ ، وَلَوْ أَرَادَ الْمُكَاتَبِينَ لَذَكَرَهُمْ بِاسْمِهِمْ الْأَخَصِّ ، فَلَمَّا عَدْلَ إلَى الرَّقَبَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْعِتْقَ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةٍ الْغَارِمِينَ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الرِّقَابِ ، وَرُبَّمَا دَخَلَ فِي الْمُكَاتَبِ بِالْعُمُومِ ، وَلَكِنْ فِي آخِرِ نَجْمٍ يُعْتَقُ بِهِ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مُعْطِي الصَّدَقَةِ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْ الرِّقِّ ، وَفَكِّهِ مِنْ حَبْسِ الْمِلْكِ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَلَا يَتَأَتَّى عَنْ الْوَلَاءِ ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ تَخْلِيصُ الْمُكَاتَبِ مِنْ الرِّقِّ ، وَفَكُّهُ مِنْ حَبْسِ الْمِلْكِ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَوْ اشْتَرَى الْإِمَامُ مِنْ رَجُلٍ أَبَاهُ وَأَخَذَ الْمَالَ لِيُعْتِقَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ [ فِيهِ ] قَوْلُ مَالِكٍ ؛ فَمَنَعَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَأَجَازَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ } ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلثَّمَنِ مُقَابِلٌ يُوَازِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَكِّ الْأُسَارَى مِنْهَا ؛ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يَجُوزُ ذَلِكَ .
وَإِذَا كَانَ فَكُّ الْمُسْلِمِ عَنْ رَقِّ الْمُسْلِمِ عِبَادَةً وَجَائِزًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي فَكِّ الْمُسْلِمِ عَنْ رَقِّ الْكَافِرِ وَذُلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا قُلْنَا : إنَّهُ يُعَانُ مِنْهَا الْمُكَاتَبُ ، فَهَلْ نُعْتِقُ مِنْهَا بَعْضَ رَقَبَةٍ يَنْبَنِي عَلَيْهَا ؟ فَإِذَا كَانَ نِصْفَ عَبْدٍ أَوْ عَشَرَةً يَكُونُ فِيهِ فَكُّهُ عَنْ الرِّقِّ بِمَا قَدْ سَبَقَ مِنْ عِتْقِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ؛ ذَكَرَهُ مُطَرِّفٌ ، وَكَذَلِكَ أَقُولُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتَقَيْنِ كَالشَّرِيكَيْنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، فَإِنَّ فِيهِ تَفْرِيعًا كَثِيرًا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى { وَالْغَارِمِينَ } : وَهُمْ الَّذِينَ رَكِبَهُمْ الدَّيْنُ ، وَلَا وَفَاءَ عِنْدَهُمْ [ بِهِ ] ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
اللَّهُمَّ إلَّا مَنْ ادَّانَ فِي سَفَاهَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى مِنْهَا ، نَعَمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَتُوبَ ، فَإِنَّهُ إنْ أَخَذَهَا قَبْلَ التَّوْبَةِ عَادَ إلَى سَفَاهَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَكْبَرَ مِنْهَا ، وَالدُّيُونُ وَأَصْنَافُهَا كَثِيرَةٌ .
وَتَفْصِيلُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا قُضِيَ مِنْهَا دَيْنُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغَارِمِينَ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَا يُقْضَى .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : { مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } ؛ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عُصْبَتُهُ مَنْ كَانُوا ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } : قَالَ مَالِكٌ : سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ هَاهُنَا الْغَزْوُ مِنْ جُمْلَةِ سَبِيلِ اللَّهِ ، إلَّا مَا يُؤْثَرُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ فَإِنَّهُمَا قَالَا : إنَّهُ الْحَجُّ .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْحَجَّ مِنْ جُمْلَةِ السُّبُلِ مَعَ الْغَزْوِ ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ بِرٍّ ، فَأُعْطِيَ مِنْهُ بِاسْمِ السَّبِيلِ ، وَهَذَا يُحِلُّ عَقْدَ الْبَابِ ، وَيَخْرُمُ قَانُونَ الشَّرِيعَةِ ، وَيَنْثُرُ سِلْكَ النَّظَرِ ، وَمَا جَاءَ قَطُّ بِإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ فِي الْحَجِّ أَثَرٌ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَيُعْطَى مِنْهَا الْفَقِيرُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَيُعْطَى الْغَنِيُّ عِنْدَ مَالِكٍ بِوَصْفِ سَبِيلٍ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ أَوْ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي يُؤْثَرُ عَنْهُ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ : غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعْطَى الْغَازِي [ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ] إلَّا إذَا كَانَ فَقِيرًا ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلَا نَسْخَ فِي الْقُرْآنِ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا فِي الْخَمْسِ فِي قَوْلِهِ : { وَلِذِي الْقُرْبَى } ؛ فَشَرَطَ فِي قَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَقْرَ ؛ وَحِينَئِذٍ يُعْطَوْنَ مِنْ الْخُمُسِ .
وَهَذَا كُلُّهُ ضَعِيفٌ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ ، وَكَفِّ الْعَدُوِّ عَنْ الْحَوْزَةِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ مِنْ سَبِيلِ الْغَزْوِ وَمَنْفَعَتِهِ .
{ وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
الصَّدَقَةِ مِائَةَ نَاقَةٍ فِي نَازِلَةِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ إطْفَاءً لِلثَّائِرَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى { وَابْنِ السَّبِيلِ } : يُرِيدُ الَّذِي انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَسْبَابُ فِي سَفَرِهِ ، وَغَابَ عَنْ بَلَدِهِ وَمُسْتَقَرِّ مَالِهِ وَحَالِهِ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْهَا .
قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ : إذَا وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ فَلَا يُعْطَى .
وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُدْخِلَ تَحْتَ مِنَّةُ أَحَدٍ ، وَقَدْ وَجَدَ مِنَّةَ اللَّهِ وَنِعْمَتَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَقَالَ : أَنَا فَقِيرٌ ، أَوْ مِسْكِينٌ ، أَوْ غَارِمٌ ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ ابْنُ السَّبِيلِ ، هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، أَمْ يُقَالُ لَهُ : أَثْبِتْ مَا تَقُولُ ؟ فَأَمَّا الدَّيْنُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ .
وَأَمَّا سَائِرُ الصِّفَاتُ فَظَاهِرُ الْحَالِ يَشْهَدُ لَهَا وَيُكْتَفَى بِهِ فِيهَا .
ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَيْهِ قَوْمٌ ذَوُو حَاجَةٍ مُجْتَابِي النِّمَارِ ، فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ } .
وَفِي حَدِيثٍ : أَبْرَصُ وَأَقْرَعُ وَأَعْمَى قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ : { إنَّا عَلَى مَا تَرَى } .
فَاكْتَفَى بِظَاهِرِ الْحَالِ .
وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ يُكْتَفَى بِغُرْبَتِهِ ، وَظَاهِرِ حَالَتِهِ ، وَكَوْنُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعْلُومٌ بِفِعْلِهِ لِذَلِكَ وَرُكُونِهِ فِيهِ .
وَإِنْ قَالَ : أَنَا مُكَاتَبٌ أَثْبَتَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ حَتَّى يُثْبِتَ الْحُرِّيَّةَ أَوْ سَبَبَهَا .
وَإِنْ ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى الْفَقْرِ عِيَالًا ، فَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ : يَكْشِفُ عَنْ ذَلِكَ إنْ قَدَرَ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبْرَصَ وَأَعْمَى وَأَقْرَعَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبِيلٍ أَسْأَلُك بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُ إثْبَاتَ السَّفَرِ ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ ؛ فَصَارَ هَذَا أَصْلًا فِي دَعْوَى كُلِّ شَيْءٍ غَائِبٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا قُلْنَا : إنَّ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ مُسْتَحِقُّونَ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ أَحَدٍ حَقَّهُ وَهُوَ الثُّمُنُ ، وَلَا مَسْأَلَةَ مَعَنَا .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْإِمَامَ يَجْتَهِدُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِأَيِّ صِنْفٍ يَبْدَأُ .
فَأَمَّا الْعَامِلُونَ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ أُجْرَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَلَا كَلَامَ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ أُجْرَتَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ فَبِهِمْ نَبْدَأُ ، فَنُعْطِيهِمْ الثُّمُنَ عَلَى قَوْلٍ ، وَقَدْرَ أُجْرَتِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الشَّرْعِ ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ بِأَنْ يُعْطَى كُلُّ أَجِيرٍ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ مَأْثُورُ اللَّفْظِ صَحِيحُ الْمَعْنَى .
فَإِنْ أَخَذَ الْعَامِلُ حَقَّهُ فَلَا يَبْقَى صِنْفٌ يُتَرَجَّحُ فِيهِ إلَّا صِنْفَيْنِ ؛ هُمَا سَبِيلُ اللَّهِ وَالْفُقَرَاءُ ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ إنْ قُلْنَا : إنَّ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَانِ ، فَأَمَّا سَبِيلُ اللَّهِ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْفَقْرِ فَإِنَّ الْفَقْرَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إلَى مَالِ الصَّدَقَةِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ نَازِلَةٍ .
وَأَمَّا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ صِنْفَانِ ، وَلَا نُبَالِي بِمَا قَالَ النَّاسُ فِيهِمَا ، وَهَا أَنَا ذَا أُرِيحُكُمْ مِنْهُ بِعَوْنِ اللَّهِ ؛ فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْفَقِيرَ مَنْ لَهُ شَيْءٌ وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ بِعَكْسِهِ ، فَإِنَّ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى مَنْ لَهُ شَيْءٌ ، فَهَذَا الْمَعْنَى سَاقِطٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ .
وَأَمَّا إنْ قُلْنَا : إنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ ، وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ فَاَلَّذِي لَا يَسْأَلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ أَقْرَبُ إلَى التَّفَطُّنِ وَالْغِنَى ، وَالْعِلْمُ بِهِ مِمَّنْ لَا يَسْأَلُ ، وَلَا يَفْطِنُ لَهُ فَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ .
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الزَّمِنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَأَنَّ الْمُحْتَاجَ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ ، وَأَنَّ
الْمُسْلِمَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكِتَابِيِّ .
وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْهِجْرَةِ وَالتَّقَرُّبِ بِذَهَابِ زَمَانِهِمَا ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ بِالْمَعْرِفَةِ وَكَفَانَا الْمَئُونَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذِهِ الْأَوْصَافُ الَّتِي ذَكَرْنَا شَأْنَهَا فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي قَدَّمْنَا بَيَانَهَا إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا فِيمَنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَصَدِّقِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقَرَابَةُ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ .
فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبِ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِمْ بِهِ } .
يَعْنِي بِحُلِيِّهَا الَّذِي أَرَادَتْ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ .
وَفِي حَدِيثِ بِئْرِ حَاءٍ : { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَةَ : أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ } ، فَجَعَلَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ ، وَبَنِي عَمِّهِ .
وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي كُلِّ أُمٍّ وَبِنْتٍ مِنْ الْحَدِيثِ .
وَأَمَّا صَدَقَةُ الْفَرْضِ فَإِنْ أَعْطَى الْإِمَامُ صَدَقَةَ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَزَوْجِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ جَمِيعِهِمْ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ .
وَأَمَّا إنْ تَنَاوَلَ هُوَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهَا بِحَالٍ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ [ فِي ذَلِكَ ] بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَرْضًا .
وَأَمَّا إنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ .
قَالَ مَالِكٌ : خَوْفَ الْمَحْمَدَةِ .
وَقَالَ مُطَرِّفٌ : رَأَيْت مَالِكًا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ لِأَقَارِبِهِ .
وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَهُوَ إمَامٌ عَظِيمٌ : قَالَ مَالِكٌ : أَفْضَلُ مَنْ وَضَعْت فِيهِ زَكَاتَك قَرَابَتُك الَّذِينَ لَا تَعُولُ .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوْجَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : لَك أَجْرَانِ : أَجْرُ الْقَرَابَةِ ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ } .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي إعْطَاءِ الزَّكَاةِ لِلزَّوْجَيْنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ مَنْعِ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ .
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ كَانَ يَسْتَعِينُ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا بِمَا يُعْطِيهِ فَلَا يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَيَصْرِفُ مَا يَأْخُذُ مِنْهَا مِنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ بِحَالٍ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِحَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : ذَلِكَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .
قُلْنَا : صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ هَاهُنَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ عَوْدِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَوْ كَانَتْ مُرَاعَاةً لَاسْتَوَى فِيهِ التَّطَوُّعُ وَالْفَرْضُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا كَانَ الْفَقِيرُ قَوِيًّا ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ : يُعْطَى ، يَعْنِي لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : لَا يُجْزِيهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ غَيْرِهِ ، وَزَادَ فِيهِ : { إلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ } .
وَقَالَ : هَذَا غَرِيبٌ ، وَالْحَدِيثُ الْمُطْلَقُ دُونَ زِيَادَةٍ لَا يُرْكَنُ إلَيْهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِيهَا لِلْفُقَرَاءِ الْأَصِحَّاءِ ، وَوُقُوفُهَا عَلَى الزَّمْنَى بَاطِلٌ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ بِالِاتِّبَاعِ ، وَأَقْوَى مِنْهُ فِي الِارْتِبَاطِ وَالِانْتِزَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : مَنْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنْ الزَّكَاةِ ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا تَارَةً : مَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ تُؤْخَذُ مِنْهُ فَلَا تُدْفَعُ إلَيْهِ .
وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي : يَأْخُذُ مِنْهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا } .
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ كِفَايَةٌ تُغْنِيهِ فَهُوَ الْغَنِيُّ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ ، وَمَنْ زَادَ عَلَى النِّصَابِ ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لِمُؤْنَتِهِ وَلَا سَدَادٌ لِخُلَّتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيِّ فَيَأْخُذُ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ، هَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ نِصَابًا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ زَكَاتَانِ : نَقْدٌ ، وَحَرْثٌ ، أَخَذَ مَا يُبَلِّغُهُ إلَى الْأُخْرَى .
وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنْ يُعْطَى نِصَابًا ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ زَكَاتَانِ وَأَكْثَرُ ، فَإِنَّ الْغَرَضَ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ ، حَتَّى يَصِيرَ غَنِيًّا ، فَإِذَا أَخَذَ تِلْكَ فَإِنْ حَضَرَتْ زَكَاةٌ أُخْرَى وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ أَخَذَهَا غَيْرُهُ ، وَإِلَّا عَادَ عَلَيْهِ الْعَطَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : لَا تُصْرَفُ الصَّدَقَةُ إلَى آلِ مُحَمَّدٍ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ } .
وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ جِدًّا ، وَقَدْ أَفَضْنَا فِيهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نُفِيضَ فِيهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ وَاحِدٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لَمْ يَفْتَرِقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إسْلَامٍ } .
قَالُوا : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُمْ الْخُمُسَ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ : آلُ مُحَمَّدٍ عَشِيرَتُهُ الْأَقْرَبُونَ : بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَآلُ هَاشِمٍ ، وَآلُ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَآلُ قُصَيٍّ ، وَآلُ غَالِبٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَتْ : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ } نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : { يَا آلَ قُصَيٍّ ، يَا آلَ غَالِبٍ ، يَا آلَ عَبْدِ مَنَافٍ ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ، اعْمَلُوا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ ؛ فَإِنِّي لَسْت أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا } .
فَبَيَّنَ بِمُنَادَاتِهِ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا : نَحْنُ هُمْ .
يَعْنِي آلَ مُحَمَّدٍ خَاصَّةً ، وَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا .
فَأَمَّا مَوَالِيهِمْ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ لَا فِي التَّطَوُّعِ ، وَإِنَّمَا هُمْ بَنُو هَاشِمٍ أَنْفُسُهُمْ .
قِيلَ لَهُ يَعْنِي مَالِكًا : فَمَوَالِيهِ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا الْمَوَالِي ؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ مِنْ ذَلِكَ
فَاحْتَجَجْت عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ } ، فَقَالَ : وَقَدْ قَالَ : { ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ } .
قَالَ أَصْبَغُ : وَذَلِكَ فِي الْبِرِّ وَالْحُرْمَةِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .
قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : مَوَالِيهِمْ مِنْهُمْ لَا تَحِلُّ لَهُمْ [ الصَّدَقَةُ ] .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ : لَا يُعْطَى آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ التَّطَوُّعِ .
وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَسَخَ إنَّمَا قُرِنَ بِالْفَرْضِ خَاصَّةً .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ : اصْحَبْنِي ، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا ؛ فَقَالَ : حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ فَأَسْأَلَهُ .
فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ قَبُولُهُ ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ جَوَابَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ عَلَى التَّنْزِيهِ مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْدُمُ وَيُطْعِمُ ، فَكَرِهَ لَهُ تَرْكَ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يُذَمَّ ، وَأَخْذَهُ لِمَالٍ هُوَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، فَكَسْبُ غَيْرِهِ أَوْلَى مِنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : بَعَثَنِي أَبِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إبِلٍ أَعْطَاهَا إيَّاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ .
قُلْنَا : لَمْ يَصِحَّ .
وَجَوَابُهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ الْعَبَّاسِ ، فَرَدَّ إلَيْهِ مَا اسْتَسْلَفَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَأَكَلَهَا بِالْعِوَضِ .
وَقَدْ رَوَيْنَا ذَلِكَ مُفَسَّرًا مُسْتَوْفًى فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ صَرْفُ صَدَقَةِ بَنِي هَاشِمٍ إلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَيَأْكُلُونَ مِنْ أَوْسَاخِهِمْ ؟ هَذَا جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ
الْعِلَّةِ وَجِهَةِ الْكَرَامَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ } : مُقَابَلَةُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ ، وَهِيَ جُمْلَةُ الصَّدَقَةِ بِجُمْلَةِ الْمَصْرِفِ لَهَا ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ حِينَ أَرْسَلَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ : { قُلْ لَهُمْ : إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ } فَاخْتُصَّ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِزَكَاةِ بَلَدِهِ ؛ فَهَلْ يَجُوزُ نَقْلُهَا أَمْ لَا ؟ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا تُنْقَلُ ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ إنْ نَقَلَ بَعْضَهَا لِضَرُورَةٍ رَأَيْتُهُ صَوَابًا .
الثَّانِي : يَجُوزُ نَقْلُهَا ، وَقَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا .
الثَّالِثُ : يُقَسَّمُ فِي الْمَوْضِعِ سَهْمُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ ، وَيُنْقَلُ سَائِرُ السِّهَامِ ، بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ .
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إذَا نَزَلَتْ وَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ فَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : { بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَرَكْبٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالُوا : يَظُنُّ هَذَا أَنَّهُ يَفْتَحُ قُصُورَ الشَّامِ وَحُصُونَهَا ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَقَوْلِهِمْ ، فَدَعَاهُمْ ، فَقَالَ : قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ فَحَلَفُوا : مَا كُنَّا إلَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، فَكَانَ مِمَّنْ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَفَا عَنْهُ يَقُولُ : أَسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ ، وَتَجِثُّ الْقُلُوبُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ وَفَاتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك ، لَا يَقُلْ أَحَدٌ أَنَا غَسَّلْت ، أَنَا كَفَّنْت ، أَنَا دَفَنْت .
قَالَ : فَأُصِيبُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَقَدْ وُجِدَ غَيْرُهُ } .
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَشْتَدُّ قُدَّامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحِجَارَةُ تَنْكُبُهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ؟ لَا تَعْتَذِرُوا } .
وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَزَلَ فِيمَا كَانَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا أَوْ هَزْلًا ، وَهُوَ كَيْفَمَا كَانَ كُفْرٌ ؛ فَإِنَّ الْهَزْلَ بِالْكُفْرِ كُفْرٌ ، لَا خُلْفَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ ، فَإِنَّ التَّحْقِيقَ أَخُو الْحَقِّ وَالْعِلْمِ ، وَالْهَزْلَ أَخُو الْبَاطِلِ وَالْجَهْلِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : نَظَرُوا إلَى قَوْلِهِ : { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ } .
فَإِنْ كَانَ الْهَزْلُ فِي سَائِرٍ الْأَحْكَامِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقَاوِيلَ ، جِمَاعُهَا ثَلَاثَةٌ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : لَا يَلْزَمُ الْهَزْلُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَلْزَمُ .
فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : يَلْزَمُ نِكَاحُ الْهَازِلِ .
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : لَا يَلْزَمُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ : يُفْسَخُ قَبْلُ وَبَعْدُ .
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي بَيْعِ الْهَازِلِ قَوْلَانِ ؛ وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَائِنَا فِيهِ الْقَوْلَانِ .
قَالَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِنَا : إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْهَزْلِ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ لَمْ يَلْزَمْ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا غَلَبَ الْجَدُّ الْهَزْلَ .
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَيَلْزَمُ هَزْلُهُ ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْرِيمِ وَالْقُرْبَةِ ، فَيَغْلِبُ اللُّزُومُ فِيهِ عَلَى الْإِسْقَاطِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : [ الْمُجَاهَدَةُ ] : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : جَاهِدْهُمْ بِيَدِك ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِك ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَطِّبْ فِي وُجُوهِهِمْ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَاهِدْ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ .
الثَّالِثُ : قَالَ الْحَسَنُ : جَاهِدْ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ ، وَالْمُنَافِقِينَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ .
وَاخْتَارَهُ قَتَادَةُ ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مَنْ يُصِيبُ الْحُدُودَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ مَا تَقَدَّمَ ، فَأَشْكَلَ ذَلِكَ وَاسْتَبْهَمَ ، وَلَا أَدْرِي صِحَّةَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي السَّنَدِ .
أَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ بِالسَّيْفِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ ، حَسَبَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَكَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ يُعْرِضُ عَنْهُمْ ، وَيَكْتَفِي بِظَاهِرِ إسْلَامِهِمْ ، وَيَسْمَعُ أَخْبَارَهُمْ فَيُلْغِيهَا بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَانْتِظَارِ الْفَيْئَةِ إلَى الْحَقِّ بِهِمْ ، وَإِبْقَاءً عَلَى قَوْمِهِمْ ، لِئَلَّا تَثُورَ نُفُوسُهُمْ عِنْدَ قَتْلِهِمْ ، وَحَذَرًا مِنْ سُوءِ الشُّنْعَةِ فِي أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ؛ فَكَانَ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَقْبَلُ ظَاهِرَ إيمَانِهِمْ ، وَبَادِئَ صَلَاتِهِمْ ، وَغَزْوَهُمْ ، وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ ، وَتَارَةً كَانَ يَبْسُطُ لَهُمْ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ ، وَأُخْرَى كَانَ يُظْهِرُ التَّغْيِيرَ عَلَيْهِمْ .
وَأَمَّا إقَامَةُ الْحُجَّةِ بِاللِّسَانِ فَكَانَتْ دَائِمَةً ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ جِهَادَ الْمُنَافِقِينَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِمْ لِأَنَّ أَكْثَرَ إصَابَةِ الْحُدُودِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ
دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ الْعَاصِي بِمُنَافِقٍ ، إنَّمَا الْمُنَافِقُ بِمَا يَكُونُ فِي قَلْبِهِ مِنْ النِّفَاقِ كَامِنًا ، لَا بِمَا تَتَلَبَّسُ بِهِ الْجَوَارِحُ ظَاهِرًا ، وَأَخْبَارُ الْمَحْدُودِينَ يَشْهَدُ مَسَاقُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } : الْغِلْظَةُ نَقِيضُ الرَّأْفَةِ ، وَهِيَ شِدَّةُ الْقَلْبِ وَقُوَّتُهُ عَلَى إحْلَالِ الْأَمْرِ بِصَاحِبِهِ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي اللِّسَانِ .
؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ } .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ قَوْلُ الْجُلَاسِ بْنِ سُوَيْد : إنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَلَنَحْنُ شَرٌّ مِنْ الْحُمْرِ .
ثُمَّ إنَّهُ حَلَفَ مَا قَالَ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ حِينَ قَالَ : { لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ } ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ جَمَاعَةُ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا ذَلِكَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِعُمُومِ الْقَوْلِ ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِيهِمْ ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمْ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ بِكُلِّ مَا يُنَاقِضُ التَّصْدِيقَ وَالْمَعْرِفَةَ ، وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَذَلِكَ لِسَعَةِ الْحِلِّ وَضِيقِ الْعَقْدِ ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ يَقَعُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ ، وَلَيْسَ يَقَعُ النِّكَاحُ إلَّا بِاللَّفْظِ الْمَخْصُوصِ مَعَ الْقَوْلِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ } : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَوْبَةِ الْكَافِرِ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ الزِّنْدِيقَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُقْبَلُ .
وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ مَالِكٌ : إنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ لَا تُعْرَفُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ ، وَلَا يُعْلَمُ إيمَانُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ .
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْآنَ ، وَفِي كُلِّ حِينٍ ، يَقُولُ : أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَهُوَ يُضْمِرُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ ، فَإِذَا عَثَرْنَا عَلَيْهِ وَقَالَ : تُبْت لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ .
وَقَبُولُ التَّوْبَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَوْبَةٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْحَالَةُ الْمَاضِيَةُ بِنَقِيضِهَا فِي الْآتِيَةِ .
وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّهُ إذَا جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْثَرَ عَلَيْهِ قَبِلْنَا تَوْبَتَهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِعُمُومٍ ، فَتَتَنَاوَلُ كُلَّ حَالَةٍ ؛ وَإِنَّمَا تَقْتَضِي الْقَبُولَ الْمُطْلَقَةَ فَيَكْفِي فِي تَحْقِيقِ الْمَعْنَى لِلَّفْظِ وُجُودُهُ مِنْ جِهَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ اُخْتُلِفَ فِي شَأْنِ نُزُولِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَوْلًى لِعُمَرَ قَتَلَ حَمِيمًا لِثَعْلَبَةَ ، فَوَعَدَ إنْ وَصَلَ إلَى الدِّيَةِ أَنْ يُخْرِجَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إلَيْهِ الدِّيَةُ لَمْ يَفْعَلْ .
الثَّانِي : أَنَّ ثَعْلَبَةَ كَانَ لَهُ مَالٌ بِالشَّامِ فَنَذَرَ إنْ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يَفْعَلْ .
الثَّالِثُ : وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ أَنَّ { ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيَّ الْمَذْكُورَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا أَتَصَدَّقُ مِنْهُ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْحَك يَا ثَعْلَبَةُ ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ .
ثُمَّ عَاوَدَ ثَانِيَةً ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِثْلَ نَبِيِّ اللَّهِ ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ شِئْت أَنْ تَصِيرَ مَعِي الْجِبَالُ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَصَارَتْ .
فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَئِنْ دَعَوْت اللَّهَ فَرَزَقَنِي لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ .
فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّخَذَ غَنَمًا فَنَمَتْ كَمَا يَنْمُو الدُّودُ ، فَضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَدِينَةُ ، فَتَنَحَّى عَنْهَا ، وَنَزَلَ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَتِهَا ، حَتَّى جَعَلَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي جَمَاعَةٍ ، وَيَتْرُكُ مَا سِوَاهُمَا ، ثُمَّ نَمَتْ وَكَثُرَتْ حَتَّى تَرَكَ الصَّلَوَاتِ إلَّا الْجُمُعَةَ ، وَهِيَ تَنْمُو حَتَّى تَرَكَ الْجُمُعَةَ ،
وَطَفِقَ يَلْقَى الرُّكْبَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ الْأَخْبَارِ ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، فَأُخْبِرَ بِكَثْرَةِ غَنَمِهِ وَبِمَا صَارَ إلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَنَزَلَتْ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } .
وَنَزَلَتْ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ : رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَمُرَّا بِثَعْلَبَةَ وَبِرَجُلٍ آخَرَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، يَأْخُذَانِ مِنْهُمَا صَدَقَاتِهِمَا ، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا ثَعْلَبَةَ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ إلَّا جِزْيَةٌ ، مَا هَذِهِ إلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ انْطَلِقَا حَتَّى تَفْرُغَا وَعُودَا .
وَسَمِعَ بِهِمَا السُّلَمِيُّ ، فَعَمَدَ إلَى خِيَارِ إبِلِهِ ، فَعَزَلَهَا لِلصَّدَقَةِ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُمَا بِهَا ، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا : مَا يَجِبُ عَلَيْك هَذَا ، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نَأْخُذَ مِنْك هَذَا .
قَالَ : بَلْ فَخُذُوهُ .
فَإِنَّ نَفْسِي بِذَلِكَ طَيِّبَةٌ ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ ، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ صَدَقَاتِهِمَا رَجَعَا حَتَّى مَرَّا بِثَعْلَبَةَ ، فَقَالَ : أَرُونِي كِتَابَكُمَا وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ لَهُمَا كِتَابًا فِي حُدُودِ الصَّدَقَةِ ، وَمَا يَأْخُذَانِ مِنْ النَّاسِ فَأَعْطَيَاهُ الْكِتَابَ ، فَنَظَرَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ إلَّا أُخْتُ الْجِزْيَةِ ، فَانْطَلِقَا عَنِّي حَتَّى أَرَى رَأْيِي .
فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُمَا قَالَ : يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا ، وَدَعَا لِلسُّلَمِيِّ بِالْبَرَكَةِ ، فَأَخْبَرَاهُ بِاَلَّذِي صَنَعَ ثَعْلَبَةُ ، وَاَلَّذِي صَنَعَ السُّلَمِيُّ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ } الْآيَةَ ؛ وَعِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ أَقَارِبِ ثَعْلَبَةَ ، فَخَرَجَ حَتَّى
أَتَاهُ ، فَقَالَ : وَيْحَك يَا ثَعْلَبَةُ ، قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك كَذَا وَكَذَا فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ أَنْ يَقْبَلَ صَدَقَتَهُ مِنْهُ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْك صَدَقَتَك فَقَامَ يَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَمَرْتُك فَلَمْ تُطِعْنِي فَرَجَعَ ثَعْلَبَةُ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَى إلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا ، ثُمَّ أَتَى إلَى عُثْمَانَ بَعْدَ عُمَرَ فَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ } .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ } : قِيلَ : إنَّهُ عَاهَدَ بِقَلْبِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ } إلَى قَوْلِهِ : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } وَهَذَا اسْتِنْبَاطٌ ضَعِيفٌ ، وَاسْتِدْلَالٌ عَلَيْهِ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَاهَدَ اللَّهَ بِلِسَانِهِ ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ بِقَلْبِهِ الْعَهْدَ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَاهَدَ اللَّهَ بِهِمَا جَمِيعًا ، ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِخَوَاتِيمِهَا ، وَالْأَيَّامَ بِعَوَاقِبِهَا .
وَلَفْظُ الْيَمِينِ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ يَمِينٌ إلَّا مُجَرَّدُ الِارْتِبَاطِ وَالِالْتِزَامِ ، أَمَّا أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّامَ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَتَى بِلَامَيْنِ : اللَّامُ الْوَاحِدَةُ الْأُولَى لَامُ الْقَسَمِ بِلَا كَلَامٍ ، وَالثَّانِيَةُ لَامُ الْجَوَابِ ، وَكِلَاهُمَا لِلتَّأْكِيدِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا لَامَا الْقَسَمِ ، وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَكَيْفَمَا كَانَ الْأَمْرُ بِيَمِينٍ أَوْ بِالْتِزَامٍ مُجَرَّدٍ عَنْ الْيَمِينِ ، أَوْ بِنِيَّةٍ ، فَإِنَّهُ عَهْدٌ .
وَكَذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْعَهْدَ وَالطَّلَاقَ وَكُلَّ حُكْمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمَرْءُ وَلَا يَفْتَقِرُ فِي عَقْدِهِ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْهُ مَا يَلْتَزِمُهُ بِقَصْدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُ أَحَدًا حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَلْفِظَ بِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ سُئِلَ : إذَا نَوَى رَجُلٌ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ بِلِسَانِهِ ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ يَلْزَمُهُ ، كَمَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ ، وَكَافِرًا بِقَلْبِهِ .
وَهَذَا أَصْلٌ بَدِيعٌ ، وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ فِيهِ إلَى غَيْرِهِ فِي الْتِزَامِهِ ، فَانْعَقَدَ عَلَيْهِ
بِنِيَّةٍ .
أَصْلُهُ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ أَحْسَنَ بَيَانٍ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى هَذَا الْغَرَضِ قَبْلَ هَذَا بِمِرْمَاةٍ مِنْ النَّظَرِ تُصِيبُهُ ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ وَيُقَوِّيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إنْ كَانَ نَذْرًا فَالْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ .
وَإِنْ كَانَتْ يَمِينًا فَلَيْسَ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ بِاتِّفَاقٍ ، بَيْدِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ [ إنْ كَانَ نَذَرَ الرَّجُلُ أَوْ ] إنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الزَّكَاةِ ، فَسَأَلَ اللَّهَ مَالًا يَلْتَزِمُ فِيهِ مَا أَلْزَمَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ ، وَيُؤَدِّي مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَلَمَّا آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ تَرَكَ مَا الْتَزَمَ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي أَصْلِ الدِّينِ لَوْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ، لَكِنَّ التَّعَاطِيَ بِطَلَبِ الْمَالِ لِأَدَاءِ الْحُقُوقِ هُوَ الَّذِي أَوْرَطَهُ ، إذْ كَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ ، أَوْ كَانَ بِنِيَّةٍ لَكِنْ سَبَقَتْ فِيهِ الْبِدَايَةُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ فِيهَا الشَّقَاوَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إنْ كَانَ هَذَا الْمُعَاهِدُ عَارِفًا بِاَللَّهِ فَيَفْهَمُ وَجْهَ الْمُعَاهَدَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ بِاَللَّهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مُعَاهَدَةُ اللَّهِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ .
قُلْنَا : إنْ كَانَ وَقْتَ الْمُعَاهَدَةِ عَارِفًا بِاَللَّهِ ، ثُمَّ أَذْهَبَ الْمَعْرِفَةَ سُوءُ الْخَاتِمَةِ فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ الْمُعَاهَدَةِ مُنَافِقًا يُظْهِرُ الْإِيمَانَ وَيُسِرُّ الْكُفْرَ فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْكُفَّارَ يَعْرِفُونَ اللَّهَ فَالْمُعَاهَدَةُ مَفْهُومَةٌ ، وَإِنَّ قُلْنَا : لَا يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْمُعَاهَدَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا مُعَاقَدَةٌ بِعَزِيمَةٍ مُحَقَّقَةٍ بِذِكْرِ اللَّهِ ، فَإِنْ عَاهَدَ اللَّهَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُعَاقَدَةِ فَخَاصٌّ مِنْ خَوَاصِّ أَوْصَافِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ رَبُّهُ فَيَنْعَقِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ ، وَيَنْفُذُ عَلَيْهِ عِقَابُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الذِّكْرِ اللَّازِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { بَخِلُوا بِهِ } : اُخْتُلِفَ فِيهِ ؛ فَقِيلَ : الْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ، وَالشُّحُّ مَنْعُ الْمُسْتَحَبِّ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ } إلَى : { الْقِيَامَةِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ } .
وَقِيلَ : هُمَا وَاحِدٌ .
وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْقَوْلِ ، وَمَا حَكَيْنَاهُ هَاهُنَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِيهَا ، وَظَوَاهِرُ الْقُرْآنِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ } : النِّفَاقُ فِي الْقَلْبِ هُوَ الْكُفْرُ ، وَإِذَا كَانَ فِي الْأَعْمَالِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ وَالْأُصُولِ ، وَفِيهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إذَا ائْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ } .
رَوَتْهُ الصِّحَاحُ وَالْأَئِمَّةُ ، وَتَبَايَنَ النَّاسُ فِيهِ حَزْقًا ، وَتَفَرَّقُوا فِرَقًا ، بِسَبَبِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ بِالْجَوَارِحِ لَا تَكُونُ كُفْرًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَلَا فِي دَلِيلِ التَّحْقِيقِ .
وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ صَحَّ نِفَاقُهُ وَخَلَصَ ، وَإِذَا كَانَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ مِنْ النِّفَاقِ خَصْلَةٌ ، وَخَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ نِفَاقٌ ، وَعُقْدَةٌ مِنْ الْكُفْرِ كُفْرٌ ، وَعَلَيْهِ يَشْهَدُ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَالَ فِيهِ مِنْ نَكْثِهِ لِعَهْدِهِ ، وَغَدْرِهِ الْمُوجِبِ لَهُ حُكْمَ النِّفَاقِ ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُ ، وَيَعْهَدُ بِعَهْدٍ لَا يَعْتَقِدُ الْوَفَاءَ بِهِ ، وَيَنْتَظِرُ الْأَمَانَةَ لِلْخِيَانَةِ فِيهَا .
وَتَعَلَّقُوا فِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَدِيثٍ خَرَّجَهُ الْبَزَّارُ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : { دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مِنْ خِلَالِ الْمُنَافِقِينَ ثَلَاثٌ : إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ .
فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَقِيلَيْنِ ، فَلَقِيَهُمَا عَلِيٌّ فَقَالَ لَهُمَا : مَالِي أَرَاكُمَا ثَقِيلَيْنِ ؟ قَالَا : حَدِيثًا سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ خِلَالِ الْمُنَافِقِينَ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ
، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ .
فَقَالَ عَلِيٌّ : أَفَلَا سَأَلْتُمَاهُ ؟ فَقَالَا : هِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : لَكِنِّي سَأَسْأَلُهُ .
فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَهُمَا ثَقِيلَانِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا قَالَا : فَقَالَ : قَدْ حَدَّثْتَهُمَا ، وَلَمْ أَضَعْهُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُونَهُ ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقَ إذَا حَدَّثَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يَكْذِبُ ، وَإِذَا وَعَدَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يَخْلُفُ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّهُ يَخُونُ } .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ضَعْفُ سَنَدِهِ .
وَالثَّانِي أَنَّ الدَّلِيلَ الْوَاضِحَ قَدْ قَامَ عَلَى أَنَّ مُتَعَمِّدَ هَذِهِ الْخِصَالِ لَا يَكُونُ كَافِرًا ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَافِرًا بِاعْتِقَادٍ يَعُودُ إلَى الْجَهْلِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ أَوْ التَّكْذِيبِ لَهُ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنَّمَا ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمُنَافِقِينَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ .
أَفَادَنِي أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى : { أَنَّ مُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ قَالَ خَرَجْت زَمَانَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ ، فَلَمَّا كُنْت بِالرَّيِّ أُخْبِرْت أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ بِهَا مُخْتَفٍ مِنْ الْحَجَّاجِ ، فَدَخَلْت عَلَيْهِ ، فَإِذَا هُوَ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ وُدِّهِ .
قَالَ : فَجَلَسْت حَتَّى تَفَرَّقُوا .
ثُمَّ قُلْت : إنَّ لِي وَاَللَّهِ مَسْأَلَةً قَدْ أَفْسَدَتْ عَلَيَّ عَيْشِي .
فَفَزِعَ سَعِيدٌ ، ثُمَّ قَالَ : هَاتِ .
فَقُلْت : بَلَغَنَا أَنَّ الْحَسَنَ وَمَكْحُولًا وَهُمَا مَنْ قَدْ عَلِمْت فِي فَضْلِهِمَا وَفِقْهِهِمَا فِيمَا يَرْوِيَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ : إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ .
وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ ثُلُثُ النِّفَاقِ .
وَظَنَنْت أَنِّي لَا أَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ
بَعْضِهِنَّ ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .
قَالَ : فَضَحِكَ سَعِيدٌ ، وَقَالَ : هَمَّنِي وَاَللَّهِ مِنْ الْحَدِيثِ مِثْلُ الَّذِي أَهَمَّكَ .
فَأَتَيْت ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ فَقَصَصْت عَلَيْهِمَا مَا قَصَصْتَ عَلَيَّ ، فَضَحِكَا وَقَالَا : هَمَّنَا وَاَللَّهِ مِنْ الْحَدِيثِ مِثْلُ الَّذِي أَهَمَّكَ .
فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك قَدْ قُلْت : ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ : مَنْ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فَفِيهِ ثُلُثُ النِّفَاقِ ، فَظَنَنَّا أَنَّا لَمْ نَسْلَمْ مِنْهُنَّ أَوْ مِنْ بَعْضِهِنَّ وَلَنْ يَسْلَمَ مِنْهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .
قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَا لَكُمْ وَلَهُنَّ ؟ إنَّمَا خَصَصْت بِهِ الْمُنَافِقِينَ ، كَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
أَمَّا قَوْلِي : إذَا حَدَّثَ كَذَبَ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ } لَا يَرَوْنَ نُبُوَّتَكَ فِي قُلُوبِهِمْ ، أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا : لَا .
قَالَ : فَلَا عَلَيْكُمْ ، أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآءُ .
وَأَمَّا قَوْلِي : إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ } إلَى : يَكْذِبُونَ .
أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : فَقُلْنَا : لَا ، وَاَللَّهِ لَوْ عَاهَدْنَا اللَّهَ عَلَى شَيْءٍ لَوَفَّيْنَا بِعَهْدِهِ .
قَالَ : فَلَا عَلَيْكُمْ ، أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآءُ .
وَأَمَّا قَوْلِي : إذَا ائْتُمِنَ خَانَ ، فَذَلِكَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ } إلَى : { جَهُولًا } .
فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُؤْتَمَنٌ عَلَى دِينِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَيَصُومُ وَيُصَلِّي فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَالْمُنَافِقُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَلَانِيَةِ ،
أَفَأَنْتُمْ كَذَلِكَ ؟ قُلْنَا : لَا .
قَالَ : فَلَا عَلَيْكُمْ ، أَنْتُمْ مِنْ ذَلِكَ بُرَآءُ .
قَالَ : ثُمَّ خَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ فَقَضَيْت مَنَاسِكِي ، ثُمَّ مَرَرْت بِالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، فَقُلْت لَهُ : حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْك .
قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قُلْت : مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ .
قَالَ : فَحَدَّثَنِي بِالْحَدِيثِ .
قَالَ : فَقُلْت : أَعْنَدَك فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : لَا .
قُلْت : أَلَا أُحَدِّثُك حَدِيثًا حَدَّثَنِي بِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فَحَدَّثْته بِهِ ، فَتَعَجَّبَ مِنْهُ ، وَقَالَ : إنْ لَقِينَا سَعِيدًا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ ، وَإِلَّا قَبِلْنَاك .
} قَالَ الْقَاضِي : هَذَا حَدِيثٌ مَجْهُولُ الْإِسْنَادِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَفِيهِ نَحْوٌ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ تَخْصِيصُهُ مِنْ عُمُومِهِ ، وَتَحْقِيقُهُ بِصِفَتِهِ ، أَمَّا قَوْلُهُ : { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ } الْآيَةَ ، فَإِنَّهُ كَذِبٌ فِي الِاعْتِقَادِ ، وَهُوَ كُفْرٌ مَحْضٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ } فَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي نَتَكَلَّمُ فِيهَا الْآنَ ، وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَصْحَبَهَا الِاعْتِقَادُ ، بِخِلَافِ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَهْدِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةِ الْوَفَاءِ حِينَ الْعَهْدِ ، وَطَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْصِيلِ الْمَالِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } .
وَقَوْلُهُ فِيهِ : إنَّ الْمُؤْمِنَ يُصَلِّي فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ كَذَلِكَ ، فَقَدْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالْغُسْلَ تَكَاسُلًا إذَا أَسَرَّ ، وَيَفْعَلُهَا رِيَاءً إذَا جَهَرَ وَلَا يُكَذِّبُ بِهِمَا ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ مِثْلُهُ ، وَلَا يَكُونُ مُنَافِقًا بِذَلِكَ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْمُنَافِقَ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ ، وَالْعَاصِي مَنْ آثَرَ الرَّاحَةَ ، وَتَثَاقَلَ فِي الْعِبَادَةِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هَذَا فِيمَنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالَ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَوْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ
الْمَعَاصِي مَا كَانَ بِهَا كَافِرًا مَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الِاعْتِقَادِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النِّفَاقَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْلَمُ مِنْهُ هَذَا ، كَمَا كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُهُ مِنْهُ النَّبِيُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَتْلُ دُونَ تَأْخِيرٍ ، فَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ فِي زَمَانِنَا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ } .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ أُخُوَّةَ يُوسُفَ عَاهَدُوا أَبَاهُمْ فَأَخْلَفُوهُ ، وَحَدَّثُوهُ فَكَذَّبُوهُ ، وَائْتَمَنَهُمْ عَلَيْهِ فَخَانُوهُ ، وَمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
تَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ عَالِمٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ قَالَ : النِّفَاقُ نِفَاقَانِ : نِفَاقُ الْكَذِبِ ، وَنِفَاقُ الْعَمَلِ ، فَأَمَّا نِفَاقُ الْكَذِبِ فَكَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا نِفَاقُ الْعَمَلِ فَلَا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى النِّفَاقِ .
عَبَّرَ عَنْهُ بِجَزَائِهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَ جَزَاءَهُ .
وَعَلَى ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ أُنَبِّئُكُمْ أَنِّي كُنْت بِمَجْلِسِ الْوَزِيرِ الْعَادِلِ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ حُمَيْرٍ عَلَى رُتْبَةِ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ " تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْمِلَّةِ " ، فَقَرَأَ الْقَارِئُ : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ } وَكُنْت فِي الصَّفِّ الثَّانِي مِنْ الْحَلْقَةِ ، فَظَهَرَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ إمَامُ الْحَنْبَلِيَّةِ بِهَا ، وَكَانَ مُعْتَزِلِيَّ الْأُصُولِ ، فَلَمَّا سَمِعْت الْآيَةَ قُلْت لِصَاحِبٍ لِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَى يَسَارِي : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَقُولُ : " لَقِيت فُلَانًا " إلَّا إذَا رَأَتْهُ .
فَصَرَفَ وَجْهَهُ أَبُو الْوَفَاءِ الْمَذْكُورُ إلَيْنَا مُسْرِعًا ، وَقَالَ : تَنْتَصِرُ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ فِي أَنَّ [ اللَّهَ ] لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ ، فَقَدْ قَالَ : { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } .
وَعِنْدَك أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ شَرَحْنَا وَجْهَ الْآيَتَيْنِ فِي الْمُشْكِلَيْنِ ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ : فَأَعْقَبَهُمْ هُوَ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ، فَيَحْتَمِلُ عَوْدُ ضَمِيرِ " يَلْقَوْنَهُ " إلَى ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَعْقَبَهُمْ الْمُقَدَّرُ بِقَوْلِنَا هُوَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى النِّفَاقِ مَجَازًا عَلَى تَقْدِيرِ الْجَزَاءِ كَمَا بَيَّنَّاهُ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى { بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } : يُرِيدُ بِهِ تَحْرِيمَ مُخَالَفَةِ الْعَهْدِ وَنَكْثِ الْعَهْدِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ حَالُهُ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : لَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ حَشَمَهُ وَوَلَدَهُ ، فَقَالَ : إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ، وَإِنَّا قَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَبَيْعَةِ رَسُولِهِ ؛ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ غَدْرًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ عَلَى بَيْعَةِ اللَّهِ وَبَيْعَةِ رَسُولِهِ ، ثُمَّ يُنْصَبُ لَهُ الْقِتَالُ ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْكُمْ خَلَعَهُ ، وَلَا بَايَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إلَّا كَانَتْ الْفَيْصَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ .
وَقَالَ ابْنُ خَيَّاطٍ : إنَّ بَيْعَةَ عَبْدِ اللَّهِ لِيَزِيدَ كَانَتْ كُرْهًا ، وَأَيْنَ يَزِيدُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَكِنْ رَأَى بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ التَّسْلِيمَ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالْفِرَارَ عَنْ التَّعَرُّضِ لِفِتْنَةٍ فِيهَا مِنْ ذَهَابِ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ مَا لَا يَفِي بِخَلْعِ يَزِيدَ .
وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْأَمْرَ يَعُودُ بَعْدَهُ فِي نِصَابِهِ ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ؟ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فَتَفَهَّمُوهُ وَالْتَزِمُوهُ تَرْشُدُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ قَالَ : إنْ مَلَكْت كَذَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ، أَوْ عَلَيَّ صَدَقَةٌ ، إنَّهُ يَلْزَمُهُ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْعِتْقِ ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : إنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الطَّلَاقِ .
وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ، وَلَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } .
وَسَرَدَ أَصْحَابُهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهَا ، فَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالْمَعَانِي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنَا .
وَقَدْ حَقَّقْنَا الْمَسْأَلَةَ بِطُرُقِهَا فِي كِتَابِ التَّخْلِيصِ .
وَأَمَّا أَحْمَدُ فَزَعَمَ أَنَّ الْعِتْقَ قُرْبَةٌ ، وَهِيَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِالنَّذْرِ ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَحَلِّهِ ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ كَانَ الطَّلَاقُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ يَنْعَقِدُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ إذَا صَادَفَ مَحَلًّا ، وَرَبَطَهُ بِمِلْكٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَإِنَّ الْقَوْلَ يَنْعَقِدُ وَيَصِحُّ وَيَلْزَمُ ، وَإِذَا دَخَلَتْ الدَّارَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْقَوْلِ السَّابِقِ لَهُ ، اللَّازِمُ الْمُنْعَقِدُ ، الْمُضَافُ إلَى مَحَلٍّ صَحِيحٍ تَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ ، وَهِيَ الزَّوْجَةُ ؛ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا : إذَا تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِذَا مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّصَرُّفَ إلَى مَحَلِّهِ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ وُقُوعُهُ فِيهِ ؛ فَيَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ
حُرٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } : حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ ، وَصَرَّحَ بِنِفَاقِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَاتُهُمْ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْإِيمَانِ شَرْطٌ لِقَبُولِ الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلْمِهِ بِسَرِيرَتِهِ ، وَاطِّلَاعِهِ عَلَى بُنَيَّاتِ صَدْرِهِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : سَبَبُ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُصَنَّفَاتِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالَ : { سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ تَحَوَّلْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي صَدْرِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْقَائِلِ كَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يُعَدِّدُ عَلَيْهِ آثَامَهُ قَالَ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ ، حَتَّى إذَا أَكْثَرْت عَلَيْهِ قَالَ : أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ ، إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت ، قَدْ قِيلَ لِي : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } .
لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْت .
قَالَ : ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ، وَمَشَى مَعَهُ ، فَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ قَالَ : فَعَجِبْت لِي وَلِجَرَاءَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ } إلَى آخَرِ الْآيَتَيْنِ .
قَالَ : فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ عَلَى مُنَافِقٍ ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ } .
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ أَبُوهُ ، فَقَالَ : أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنْهُ فِيهِ ، وَصَلِّ عَلَيْهِ ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ .
فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ ، وَقَالَ : إذَا فَرَغْتُمْ فَآذِنُونِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ :
أَلَيْسَ قَدْ نَهَى اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ؟ فَقَالَ : أَنَا بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ .
فَصَلَّى عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ : { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } هَلْ هُوَ إيَاسٌ أَوْ تَخْيِيرٌ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ إيَاسٌ بِدَلِيلِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ قَالَ : { فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ مُبَالَغَةً ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَوْ سَأَلْتنِي مِائَةَ مَرَّةٍ مَا أَجَبْتُك .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ } وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعِينَ ، وَحَيْثُ تُوجَدُ الْعِلَّةُ يُوجَدُ الْحُكْمُ .
وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ تَخْيِيرٌ مِنْ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : { إنِّي خُيِّرْت فَاخْتَرْت ؛ قَدْ قِيلَ لِي : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنَّ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْت عَلَى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْت } .
وَهَذَا أَقْوَى ؛ لِأَنَّ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّخْيِيرِ ، وَتِلْكَ اسْتِنْبَاطَاتٌ ، وَالنَّصُّ الصَّرِيحُ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ قَالَ : { فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } فَهَذَا فِي السَّبْعِينَ ، وَلَيْسَ مَا وَرَاءَ السَّبْعِينَ كَالسَّبْعِينَ ، لَا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ ؛ أَمَّا مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ فَإِنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ لَا يَكُونُ فِي الْأَسْمَاءِ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الصِّفَاتِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَرَدَدْنَاهُ عَلَى الدَّقَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي يَجْعَلُهُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَهُوَ خَطَأٌ صِرَاحٌ وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ دَلِيلِ الْخِطَابِ فَظَاهِرٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّقَ عَلَى اسْمٍ عَلَمٍ بَقِيَ غَيْرُهُ خَالِيًا عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ ، فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَأَمَّا
قَوْلُهُمْ : إنَّهَا مُبَالَغَةٌ فَدَعْوَى .
وَلَعَلَّهُ تَقْدِيرٌ لِمَعْنَى ، حَتَّى لَقَدْ قَالَ [ فِي ] ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّ التَّعْدِيلَ فِي الْخَمْسَةِ ؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ الْعَقْدِ ، وَزِيَادَةُ الْوَاحِدَةِ أَدْنَى الْمُبَالَغَةِ ، وَزِيَادَةُ الِاثْنَيْنِ لِأَقْصَى الْمُبَالَغَةِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْأَسَدُ سَبْعًا ، عِبَارَةٌ عَنْ غَايَةِ الْقُوَّةِ ، وَفِي الْأَمْثَالِ : أَخَذَهُ أَخْذَةَ سَبْعَةٍ أَيْ : غَايَةَ الْأَخْذِ ، عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ ؛ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الِاثْنَيْنِ أَوْسَطُ الْمُبَالَغَةِ ، وَالثَّلَاثَةُ نِهَايَتُهَا ، وَذَلِكَ فِي الثَّمَانِيَةِ ، وَمِنْهُ يُقَالُ فِي الْمَثَلِ لِمَنْ بَالَغَ فِي عِوَضِ السِّلْعَةِ : أَثَمَنْتَ .
أَيْ : بَلَغْتَ الْغَايَةَ فِي الثَّمَنِ ، وَهَذِهِ التَّحَكُّمَاتُ لَا قُوَّةَ فِيهَا ، وَالِاشْتِقَاقَاتُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مُلِحَّةٌ ، فَإِذَا عَضَّدَهَا الدَّلِيلُ كَانَتْ صَحِيحَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ عَلَّلَهُ بِالْكُفْرِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بَعْدَ السَّبْعِينَ ، وَالْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ .
قُلْنَا : أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ بَعْدَ السَّبْعِينَ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا الْحُكْمُ مِنْ عَدَمِ الْمَغْفِرَةِ إنَّمَا كَانَ مُعَلَّقًا بِالسَّبْعِينَ ، وَالزِّيَادَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَإِنَّمَا عُلِمَ عَدَمُ الْمَغْفِرَةِ فِي الْكَافِرِ بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْت لَهُمْ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي إعْطَاءِ الْقَمِيصِ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ إذْ طَلَبَ الْقَمِيصَ كَانَ عَلَى النَّبِيِّ قَمِيصَانِ قَالَ : أَعْطِهِ الَّذِي يَلِي جِلْدَك } .
وَقَالُوا : { إنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً عَلَى إعْطَائِهِ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ لِلْعَبَّاسِ ، فَإِنَّهُ لَمَا أُسِرَ وَاسْتُلِبَ ثَوْبُهُ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ ، فَأَشْفَقَ ، وَطَلَبَ لَهُ قَمِيصًا ، فَمَا وَجَدَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ قَمِيصًا يُقَادِرُهُ إلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي طُولِ الْقَامَةِ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْطَائِهِ الْقَمِيصَ أَنْ تَرْتَفِعَ الْيَدُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا ، حَتَّى لَا يَلْقَاهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَهُ عِنْدَهُ يَدٌ يُكَافِئُهُ بِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ } الْآيَةَ : نَصٌّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْكُفَّارِ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ : إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } فَنَهَى اللَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ كُلِّهَا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَفْظًا ، وَبِاتِّفَاقِهِمْ مَعْنًى .
فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ فَقَدْ اتَّفَقُوا فِي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى ، وَلَيْسَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ضِدًّا مَخْصُوصًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِينَ ؛ بَلْ كُلُّ طَاعَةٍ ضِدٌّ لَهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَخْصِيصُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ سَائِرِ الْأَضْدَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِ أَبِي اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ خُيِّرَ فَاخْتَارَ .
الثَّانِي : مَا رُوِيَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِوَلَدِهِ ، وَعَوْنًا لَهُ عَلَى صِحَّةِ إيمَانِهِ ، إينَاسًا لَهُ وَتَأْلِيفًا لِقَوْمِهِ ؛ فَقَدْ رُوِيَ { أَنَّهُ لَمَا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْلَمَ مِنْ الْخَزْرَجِ أَلْفُ رَجُلٍ } .
الثَّالِثُ : مَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ ، فَقَالَ : قَدْ كُنْت أَسْمَعُ قَوْلَك ، فَامْنُنْ عَلَيَّ الْيَوْمَ ، وَكَفِّنِّي بِقَمِيصِك ، وَصَلِّ عَلَيَّ .
فَكَفَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِقَمِيصِهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ صَلَاةٍ هِيَ ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَمْ يُخَادِعْ إنْسَانًا قَطُّ .
قَالَ عِكْرِمَةُ : غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَلِمَةً حَسَنَةً قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنَّا مَنَعْنَا مُحَمَّدًا أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ، وَإِنَّا نَأْذَنُ لَك .
فَقَالَ : لَا ، لِي فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
} قَالَ الْقَاضِي : وَاتِّبَاعُ الْقُرْآنِ أَوْلَى فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ } الْآيَةَ .
فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِالْكُفْرِ وَالْمَوْتِ عَلَى الْفِسْقِ .
وَهَذَا عُمُومٌ فِي الَّذِي نَزَلَتْ الْآيَةُ بِسَبَبِهِ ، وَفِي كُلِّ مُنَافِقٍ مِثْلِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : نَزَلَتْ فِي الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ .
الثَّانِي : نَزَلَتْ فِي بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْرَقِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .
الرَّابِعُ : نَزَلَتْ فِي سَبْعَةٍ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ .
الْخَامِسُ : فِي أَبِي مُوسَى ، وَأَصْحَابِهِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ .
ثَبَتَ أَنَّ { أَبَا مُوسَى قَالَ : أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ ، فَأَبَى أَنْ يَحْمِلَنَا ، فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَلَّا يَحْمِلَنَا ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ النَّبِيُّ أَنْ أَتَى بِنَهْبِ إبِلٍ ، فَأَمَرَ لَنَا بِخَمْسِ ذَوْدٍ ، فَلَمَّا قَبَضْنَاهَا قُلْنَا : تَغَفَّلْنَا النَّبِيَّ يَمِينَهُ ، لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّكَ حَلَفْت أَلَّا تَحْمِلَنَا ، وَقَدْ حَمَّلْتَنَا .
قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمَعْنَى : إنَّ اللَّهَ لَمَا اسْتَنْفَرَهُمْ لِغَزْوِ الرُّومِ ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْخُرُوجِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَادَرَ الْمُخْلِصُونَ ، وَتَوَقَّفَ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُتَثَاقِلُونَ ، وَجَعَلُوا يَسْتَأْذِنُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّخَلُّفِ ، وَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ بِأَعْذَارٍ مِنْهَا كُفْرٌ ، كَقَوْلِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ : ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي بِبَنَاتِ بَنِي الْأَصْفَرِ ؛ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهُنَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا } .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : { لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ } .
وَقَالَ فِي أَهْلِ الْعُذْرِ الصَّحِيحِ : { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى } إلَى : { مِنْ سَبِيلٍ } .
وَهُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي حَالِهِمْ ، وَكَشَفُوا عَنْ عُذْرِهِمْ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الَّتِي بَيَّنَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : { وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } .
فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : صِنْفٌ مُعَذَّرٌ ، وَهُوَ الْمُقَصِّرُ .
وَصِنْفٌ ذُو عُذْرٍ .
وَصِنْفٌ لَمْ يَعْتَذِرْ بِعُذْرِهِ ، وَلَا أَظْهَرَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ ، بَلْ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، يُقَالُ : عُذِّرَ الرَّجُلُ بِتَشْدِيدِ الذَّالِ : إذَا قَصَّرَ ، وَأَعْذَرَ إذَا أَبَانَ عَنْ عُذْرِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَدْخُلُ عَلَى صَاحِبِهِ .
وَقَدْ قُرِئَ الْمُعْذِرُونَ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، وَتَخْفِيفِ الذَّالِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ ؛ لَكِنْ يَكْشِفُ الْمَعْنَى فِيهِ حَقِيقَةُ الْحَالِ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } وَهُمْ الَّذِينَ أَبْدَوْا عَنْ عُذْرٍ صَحِيحٍ ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عُذْرِهِمْ فِيمَا لَمْ يَبْدُ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ مِنْ حَالِهِمْ .
وَالْعَجَبُ مِنْ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ يَقُولُ : إنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ :
وَأَنَّهُمْ مَذْمُومُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ جَاءُوا لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ، وَلَوْ كَانُوا مِنْ الضُّعَفَاءِ أَوْ الْمَرْضَى لَمْ يَحْتَاجُوا أَنْ يَسْتَأْذِنُوا ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعْلِمُهُ بِحَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا فَالْعِيَانُ شَاهِدٌ لِنَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْئِيٍّ مِثْلَ عَجْزِ الْبَدَنِ وَقِلَّةِ الْمَالِ ، فَاَللَّهُ شَهِيدٌ بِهِ ، وَهُوَ أَعْدَلُ الشَّاهِدِينَ ، يُلْقِي الْيَقِينَ عَلَى رَسُولِهِ بِصِدْقِ عُذْرِ الْمُعْتَذِرِينَ إلَيْهِ ، وَيَخْلُقُ لَهُ الْقَبُولَ فِي قَلْبِهِ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } : يُرِيدُ مِنْ طَرِيقٍ إلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ فِي نَفْسِهِ ، وَالْحَسَنُ مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ الشَّرْعُ ، وَالْقَبِيحُ مَا نَهَى عَنْهُ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ هَاهُنَا وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذَا عُمُومٌ مُمَهَّدٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، أَصْلٌ فِي رَفْعِ الْعِقَابِ وَالْعِتَابِ عَنْ كُلِّ مُحْسِنٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْتَصُّ مِنْ قَاطِعِ يَدِهِ فَيُفْضِي ذَلِكَ بِالسِّرَايَةِ إلَى إتْلَافِ نَفْسِهِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا دِيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي اقْتِصَاصِهِ مِنْ الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .
وَكَذَلِكَ إذَا صَالَ فَحَلَّ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ لِمَالِكِهِ قِيمَتُهُ ، وَكَذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا .
وَقَدْ أَوْمَأْنَا إلَى ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَرَّرْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } : أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى قَبُولِ عُذْرِ الْمُعْتَذِرِ بِالْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ عَنْ التَّخَلُّفِ فِي الْجِهَادِ إذَا ظَهَرَ مِنْ حَالِهِ صِدْقُ الرَّغْبَةِ ، مَعَ دَعْوَى الْمُعْجِزَةِ ، كَإِفَاضَةِ الْعَيْنِ ، وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ ؛ لِقَوْلِهِ : { تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ } الْآيَةَ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْخُرُوجُ فِي الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ تَعْوِيلًا عَلَى النَّفَقَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ ، حَاشَا مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا دُونَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ : إنَّ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَادَةً لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَخَرَجَ عَلَى الْعَادَةِ ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ يَتَوَجَّهُ الْفَرْضُ عَلَيْهِ تَوَجُّهَهُ عَلَيْهِ ، وَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِلُ التَّرْدِيدَ ؛ فَالْأَوَّلُ كَمَنْ يَمُرُّ عَلَى دَارٍ قَدْ عَلَا فِيهَا النَّعْيُ ، وَخُمِشَتْ فِيهَا الْخُدُود ، وَحُلِقَتْ الشُّعُورُ ، وَسَلَقَتْ الْأَصْوَاتُ ، وَخُرِقَتْ الْجُيُوبُ ، وَنَادَوْا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ بِالثُّبُورِ ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَكَدُمُوعِ الْأَيْتَامِ عَلَى أَبْوَابِ الْحُكَّامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } وَهُمْ الْكَاذِبُونَ ، وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهَا قَرَائِنُ يُسْتَدَلُّ بِهَا فِي الْغَالِبِ ، وَتَنْبَنِي عَلَيْهَا الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَحْوَالِ وَغَالِبِهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى { يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ هَاهُنَا ، وَنَزَلَتْ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ هَذَا بِآيَاتٍ ، فَأَمَّا هَذِهِ الَّتِي أَعْقَبَتْ ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ فَمَعْنَاهَا التَّهْدِيدُ ، وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ هَذَا فَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ ، وَتَقْدِيرُهَا : اعْمَلُوا بِمَا يُرْضِي اللَّهَ ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّفَاقَ مَوْضِعُ تَرْهِيبٍ ، وَالْإِيمَانُ مَحَلُّ تَرْغِيبٍ ، فَقُوبِلَ أَهْلُ كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ الْخِطَابِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ ، كَمَا قِيلَ لِلْكُفَّارِ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ، عَلَى مَعْنَى التَّهْدِيدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } : الْبَارِي رَاءٍ مَرْئِيٌّ ، يَرَى الْخَلْقَ ، وَيَرَوْنَهُ ، فَأَمَّا رُؤْيَتَهُمْ لَهُ فَفِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ ، وَمِنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ ، وَأَمَّا رُؤْيَتُهُ لِلْخَلْقِ فَدَائِمَةٌ ، فَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ وَيَرَى .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ : إنَّهُ يَعْلَمُ وَلَا يَرَى ، وَمَتَى أُخْبِرَ عَنْهُ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْعِلْمِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهُ رَاءٍ بِرُؤْيَةٍ ، كَمَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، وَخَبَرُهُ صَادِقٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَائِيًا لَكَانَ مَئُوفًا ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا كَانَ مَئُوفًا ، وَهُوَ الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ ، وَهَذِهِ الْعُمْدَةُ الْعَقْلِيَّةُ لِعُلَمَائِنَا ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ صِفَتِهِ ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَعْتِهِ ، فَلَزِمَنَا اعْتِقَادُهُ وَالْإِخْبَارُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ } : ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبَالِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُسْتَقْبَلَةٌ ، وَالْبَارِي يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ ، وَيَرَاهُ إذَا عَمِلَ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ، وَالرُّؤْيَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمَوْجُودِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، { عَنْ جِبْرِيلَ : مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ؛ فَإِنَّك إنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : قَوْلُهُ : { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ } : مَعْنَاهُ يَجْعَلُهُ فِي الظُّهُورِ مَحَلَّ مَا يَرَى .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْآيَةِ : أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ : ابْنَ آدَمَ ، اعْمَلْ وَأَغْلِقْ عَلَيْك سَبْعِينَ بَابًا ، يُخْرِجْ اللَّهُ عَمَلَكَ إلَى النَّاسِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ ،
وَالْإِمَامُ مَالِكٌ ، إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ النَّاسِ ، فَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يَسَّرَهُ ، كَمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يُظْهِرهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْثِرُ الْحُجُبَ فِي رُؤْيَتِهِ ، وَلَا تَمْنَعُ الْأَجْسَامَ عَنْ إدْرَاكِهِ .
وَفِي الْأَثَرِ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّهَ فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا ، وَلَا كُوَّةَ لَأَخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ إلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ ، وَاَللَّهُ يُطْلِعُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا فِي قُلُوبِ إخْوَانِهِمْ مِنْ خَيْرٍ فَيُحِبُّونَهُ ، أَوْ شَرٍّ فَيَبْغَضُونَهُ } .
وَقَالَ اللَّهُ : { إذَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي آتَيْته أُهَرْوِلُ ، وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ : { إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى فِي السَّمَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؛ إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ : يَا مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ ؛ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ ؛ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا أَرَاهُ فِي الْبُغْضِ إلَّا مِثْلَ ذَلِكَ } .
إيضَاحٌ مُشْكِلٍ : قَوْلُهُ : " إذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْت مِنْهُ ذِرَاعًا مَثَلٌ ؛ لِأَنَّ الْبَارِئَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْقُرْبُ بِالْمِسَاحَةِ ؛ وَإِنَّمَا قُرْبُهُ بِالْعِلْمِ وَالْإِحَاطَةِ لِلْجَمِيعِ ، وَبِالرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ لِمَنْ أَرَادَ ثَوَابَهُ .
وَقَوْلُهُ أَيْضًا : أَتَيْته أُهَرْوِلُ مِثْلُهُ فِي التَّمْثِيلِ ، وَالْإِشَارَةُ بِهِ إلَى أَنَّ الثَّوَابَ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْعَمَلِ ، فَضَرَبَ زِيَادَةَ الْأَفْعَالِ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْمُجَازَاةِ عَلَى الْبَعْضِ مَثَلًا فِي زِيَادَةِ ثَوَابِهِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : لَا يَزَالُ
الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْعَمَلِ تُوجِبُ مُوَاظَبَةَ الثَّوَابِ ، وَتُطَهِّرُ الْمُوَاظَبَةُ الْأَعْضَاءَ عَنْ الْمَعَاصِي ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْجَوَارِحُ لِلَّهِ خَالِصَةً ؛ فَعَبَّرَ بِنَفْسِهِ تَعَالَى عَنْهَا تَشْرِيفًا لَهَا حِينَ خَلَصَتْ مِنْ الْمَعَاصِي .
وَمِثْلُهُ النُّزُولُ ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إفَاضَةِ الْخَيْرِ وَنَشْرِ الرَّحْمَةِ .
.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فِي الْمُنَافِقِينَ فَهِيَ عَلَى رَسْمِ التَّهْدِيدِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَعْتَقِدُونَ الْكُفْرَ ، وَيُظْهِرُونَ أَعْمَالَ الْإِيمَانِ كَأَنَّهَا أَعْمَالُ بِرٍّ ، وَهِيَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ بِغَيْرِ اعْتِقَادٍ وَلَا نِيَّةٍ ، فَاَللَّهُ يَرَاهَا كَذَلِكَ ، وَيُطْلِعُ عَلَيْهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَمَّا اطِّلَاعُ رَسُولِهِ فَبِعَيْنَيْهِ ، وَأَمَّا اطِّلَاعُ الْمُؤْمِنِينَ فَبِالْعَلَامَاتِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاعْتِقَادِ ، وَذَلِكَ كَمَا قَالَ : مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ .
وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ وَيَعْلَمُهُ ، فَيَعْلَمُهُ رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَنَرُدُّ الْعِلْمَيْنِ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَنَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ وَمَوَاقِعِهَا .
أَمَّا الْمُنَافِقُ فَنَقْدَمُ إلَى عَمَلِهِ فَنَجْعَلُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الَّذِي خَلَطَ فِي أَعْمَالِهِ طَاعَةً بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ يُوَازِنُ بِهَا فِي الْكِفَّتَيْنِ ، فَمَا رَجَحَ مِنْهَا عَلَى مِقْدَارِ عَمَلِهِ فِيهَا أَظْهَرَهُ عَلَيْهَا ، وَحَكَمَ بِهِ لَهَا .
وَالْمَرْءُ يَكُونُ فِي مَوْطِنَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَوْطِنُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ قَبْضِ الرُّوحِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنَّهُ وَقْتُ كَشْفِ الْغِطَاءِ ، وَسَلَامَةِ الْبَصَرِ عَنْ الْعَمَى ، فَيُقَالُ لَهُ : { فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك فَبَصَرُك الْيَوْمَ حَدِيدٌ } .
فَانْظُرْ إلَى مَا كُنْت غَافِلًا عَنْهُ ، أَوْ بِهِ مُتَهَاوِنًا .
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْوَزْنِ ، وَتَطَايُرِ الصُّحُفِ وَالْأَنْبَاءِ ، حِينَئِذٍ يَكُونُ بِإِظْهَارِ الْجَزَاءِ ، وَشَرْحِ صِفَةِ الْأَنْبَاءِ وَمَوَاطِنِهِ فِي كِتَابِ الذِّكْرِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي قَوْله تَعَالَى { الْأَعْرَابُ } : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ لِسَبِيلِ الْعِلْمِ تَسْلُكُونَهَا ، وَصَرَفَكُمْ عَنْ الْجَهَالَاتِ تَرْتَكِبُونَهَا أَنَّ بِنَاءَ " عَرَبٍ " يَنْطَلِقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ لَا تَنْتَظِمُ فِي مَسَاقٍ وَاحِدٍ ، وَعَلَى رَأْيِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَبْنِيَةَ تَنْظُرُ إلَى الْمَعَانِي مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجِدُهُ الطَّالِبُ لَهُ ، وَقَدْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَعْدَمُهُ وَيَنْقَطِعُ لَهُ .
وَهَذَا الْبِنَاءُ مِمَّا لَمْ يَتَّفِقْ لِي رَبْطُ مَعَانِيهِ بِهِ .
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْأَعْرَابِ فِي الْقُرْآنِ هَاهُنَا ، وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ ذِكْرُ الْعَرَبِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ؛ وَلُغَةُ الْعَرَبِ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَرَبِ ، وَالْعَرَبُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ ، فَإِذَا صَغَّرُوهُ أَسْقَطُوا الْهَاءَ فَقَالُوا : عُرَيْبٌ .
وَيُقَالُ : عَرَبٌ وَعُرْبٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ ، وَبِضَمِّ الْفَاءِ وَبِإِسْكَانِ الْعَيْنِ .
وَالْعَارِبَةُ وَالْعَرْبَاءُ ؛ وَهُمْ أَوَائِلُهُمْ ، أَوْ قَبَائِلُ مِنْهُمْ ، يُقَالُ إنَّهُمْ سَبْعٌ ، سَمَّاهُمْ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ .
وَيُقَالُ الْأَعْرَابُ وَالْأَعَارِيبُ .
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْأَعْرَابِيُّ لَزِيَمُ الْبَادِيَةِ ، وَالْعَرَبِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْعَرَبِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ قَدْ تَكُونُ نِسْبَةَ جِنْسٍ كَالْأَعْرَابِيِّ ، وَقَدْ تَكُونُ نِسْبَةَ لِسَانٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَعَاجِمِ إذَا تَعَلَّمَهَا .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّ الْأَعْرَابَ جَمْعٌ ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَهُ فِي الْوَاحِدِ أَمْثَالٌ مِنْهَا : فُعْلٌ وَفَعْلٌ وَفِعْلٌ وَفَعَلٌ ، كَقُفْلٍ وَأَقْفَالٍ ، وَفَلْسٍ وَأَفْلَاسٍ ، وَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ ، وَجَمَلٍ وَأَجْمَالٍ ، وَلَمْ أَجِدْ عَرَبًا بِكَسْرِ الْفَاءِ إلَّا فِي نَوْعٍ مِنْ النَّبَاتِ لَا يَسْتَجِيبُ مَعَ سَائِرِ
الْأَبْنِيَةِ ، وَيَا لَيْتَ شَعْرِي ، مَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْرَابِيُّ مَنْسُوبًا إلَى الْأَعْرَابِ ، وَالْعَرَبِيُّ مَنْسُوبًا إلَى الْعَرَبِ ، وَيَكُونُ الْأَعْرَابُ هُمْ الْعَرَبَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا سَلْمَانُ ؛ لَا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَك .
قَالَ : وَكَيْفَ أَبْغُضُك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : تَبْغُضُ الْعَرَبَ } .
وَقَالَ : { مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي } .
وَقَالَ : { مِنْ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ الْعَرَبِ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَفُرُّنَّ مِنْ الدَّجَّالِ حَتَّى تَلْحَقُوا بِالْجِبَالِ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : هُمْ قَلِيلٌ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { سَامٌ أَبُو الْعَرَبِ ، وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ ، وَحَامٌ أَبُو الْحَبَشِ } .
وَمِنْ غَرِيبِ هَذَا الِاسْمِ أَنَّ بِنَاءَهُ فِي التَّرْكِيبِ لِلتَّعْمِيمِ بِنَاءَ الْحُرُوفِ فِي الْمَخَارِجِ عَلَى التَّرْتِيبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَهِيَ فَائِدَةُ الْقَوْلِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، فَكَانَ مِمَّا عَلَّمَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبُ وَالْأَعْرَابُ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا نُبَالِي كَيْفَ كَانَتْ كَيْفِيَّةُ التَّعَلُّمِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَادِمَةِ قَبْلَنَا ، وَقَبْلَ فَسَادِ اللُّغَةِ ، فَكَانَ هَذَا اسْمَ اللِّسَانِ ، وَاسْمَ الْقَبِيلَةِ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا سَيِّدَهَا ، بَلْ سَيِّدَ الْأُمَمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَى اللَّهُ لَهَا اسْمًا شَرِيفًا ، وَهُوَ نَبِيٌّ ، رَسُولٌ إلَى سَائِرِ أَسْمَائِهِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ وَالْقَبَسِ وَغَيْرِهِ ، وَأَعْطَى مَنْ آثَرَ دِينَهُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ اسْمًا أَشْرَفَ مِنْ " عَرَبٍ " وَمِنْ " قُرَشٍ " وَهُوَ " هَجَرَ " فَقَالَ : الْمُهَاجِرُونَ ، وَأَعْطَى مَنْ آوَى وَنَاضَلَ اسْمًا أَشْرَفَ مِنْ الَّذِي كَانَ وَهُوَ " نَصْرٌ " فَقَالَ : الْأَنْصَارُ ، وَعَمَّهُمْ بِاسْمٍ كَرِيمٍ شَرِيفِ الْمَوْضِعِ وَالْمَقْطَعِ ، وَهُوَ
" صَحْبٌ " فَقَالَ : أَصْحَابِي ، وَأَعْطَى مَنْ لَمْ يَرَهُ حَظًّا فِي التَّشْرِيفِ بِاسْمٍ عَامٍّ يَدْخُلُونَ بِهِ فِي الْحُرْمَةِ ، وَهِيَ الْأُخُوَّةُ ، فَقَالَ : { وَدَدْتُ أَنِّي رَأَيْت إخْوَانَنَا .
قُلْنَا : أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدُ } فَمَنْ دَخَلَ فِي الْهِجْرَةِ أَوْ تَرَسَّمَ بِالنُّصْرَةِ فَقَدْ كَمُلَ لَهُ شَرَفُ الصُّحْبَةِ ، وَمَنْ بَقِيَ عَلَى رَسْمِهِ الْأَوَّلِ بَقِيَ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْأَوَّلُ ، وَهُمْ الْأَعْرَابُ .
وَلِذَلِكَ قِيلَ { لَمَّا صَارَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فِي الرَّعِيَّةِ قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ : يَا سَلَمَةُ ، تَعَرَّبْت ، ارْتَدَدْت عَلَى عَقِبَيْك .
فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي التَّعْرِيبِ ، } وَبَعْدَ هَذَا فَاعْلَمُوا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضًا أَنْ يَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونَ مَعَهُ ، حَتَّى تَتَضَاعَفَ النُّصْرَةُ ، وَتَنْفَسِحَ الدَّوْحَةُ ، وَتَحْتَمِيَ الْبَيْضَةُ ، وَيَسْمَعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَهُمْ ، وَيَتَعَلَّمُوا شَرِيعَتَهُمْ حَتَّى يُبَلِّغُوهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ } ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ ، فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ ، وَبَقِيَ فِي إبِلِهِ وَمَاشِيَتِهِ ، وَآثَرَ مَسْقَطَ رَأْسِهِ ، فَقَدْ غَابَ عَنْ هَذِهِ الْحُظُوظِ ، وَخَابَ عَنْ سَهْمِ الشَّرَفِ ، وَكَانَ مَنْ صَارَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ صَارَ إلَيْهِ مُؤَهَّلًا لِحَمْلِ الشَّرِيعَةِ وَتَبْلِيغِهَا ، مُتَشَرِّفًا بِمَا تَقَلَّدَ مِنْ عُهْدَتِهَا ، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ فِي مَوْضِعِهِ خَائِبًا مِنْ هَذَا الْحَظِّ مُنْحَطًّا عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ .
وَاَلَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُشَاهِدُونَ آيَاتِهِ ، وَيُطَالِعُونَ غُرَّتَهُ الْبَهِيَّةِ ، كَانَ الشَّكُّ يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ ، وَالنِّفَاقُ يَتَسَرَّبُ إلَى قُلُوبِهِمْ ، فَكَيْفَ
بِمَنْ غَابَ عَنْهُ ، فَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ : { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعَلَى إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مَغْرَمًا لَا مَغْنَمًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْلَمُ لَهُ اعْتِقَادُهُ ؛ فَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ وَسِيلَةً إلَى اللَّهِ ، وَقُرْبَةً وَرَغْبَةً فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِضَاهُ عَنْهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ] تَكْمِلَةٌ : مِنْ خَوَاصِّ هَؤُلَاءِ الْخَوَاصِّ وِسَادَةِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .
وَهِيَ الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ، وَفِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَحْقِيقِ السَّبْقِ : وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي الصِّفَةِ ، أَوْ فِي الزَّمَانِ ، أَوْ فِي الْمَكَانِ ، فَالصِّفَةُ الْإِيمَانُ ، وَالزَّمَنُ لِمَنْ حَصَلَ فِي أَوَانٍ قَبْلَ أَوَانٍ ، وَالْمَكَانُ مَنْ تَبَوَّأَ دَارَ النُّصْرَةِ ، وَاِتَّخَذَهُ بَدَلًا عَنْ مَوْضِعِ الْهِجْرَةِ ، وَهُمْ عَلَى ثَمَانِي مَرَاتِبَ : الْأُولَى : أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَعْدٌ ، وَبِلَالٌ ، وَغَيْرُهُمْ .
الثَّانِيَةُ : دَارُ النَّدْوَةِ .
الثَّالِثَةُ : مُهَاجِرَةُ أَصْحَابِ الْحَبَشَةِ ، كَعُثْمَانَ ، وَالزُّبَيْرِ .
الرَّابِعَةُ : أَصْحَابُ الْعَقَبَتَيْنِ ، وَهُمْ الْأَنْصَارُ .
الْخَامِسَةُ : قَوْمٌ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِقُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ .
السَّادِسَةُ : مَنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ .
السَّابِعَةُ : أَهْلُ بَدْرٍ .
الثَّامِنَةُ : أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَبِهِمْ انْقَطَعَتْ الْأَوَّلِيَّةُ .
وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الثَّامِنَةَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، وَاخْتَارَ فِي تَفْسِيرِهَا ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ مَنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ : { وَالْأَنْصَارِ } : بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ، فَيَكُونُونَ أَيْضًا فِيهَا عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهُمْ الْعُقْبِيُّونَ ، وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ الْبَدْرِيُّونَ ، وَمِنْهُمْ الرِّضْوَانِيَّةُ ، وَيَكُونُ الْوَقْفُ فِيهِمَا وَاحِدًا .
وَقُرِئَ : وَالْأَنْصَارُ بِرَفْعِ الرَّاءِ ، عَطْفًا عَلَى " وَالسَّابِقُونَ " وَيُعْزَى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ ، وَاخْتَارَهُ يَعْقُوبُ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ أَوْ خَفْضِهَا فَفِي الْأَنْصَارِ سَابِقٌ وَمُصَلٍّ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ وَاحِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَوَّلُ السَّابِقِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ { قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اتَّبَعَك عَلَى هَذَا الْأَمْرِ ؟ قَالَ : حُرٌّ وَعَبْدٌ } .
وَبِهَذَا احْتَجَّ شَيْخُ السُّنَّةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْجُبَّائِيُّ فِي مَجْلِسِ ابْنِ وَرْقَاءَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ حِينَ ادَّعَى أَنَّ عَلِيًّا أَوَّلُهُمْ إسْلَامًا وَكَانَا شِيعِيِّينَ .
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ حَسَّانَ أَنْشَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَضْرَتِهِمْ : إذَا تَذَكَّرْت شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاك أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَالَ لَهُ : إنَّمَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَعْدِيٍّ عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إسْلَامًا ؟ قَالَ : أَبُو بَكْرٍ ، أَوَ مَا سَمِعْت قَوْلَ حَسَّانَ : إذَا تَذَكَّرْت شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاك أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَهَذَا خَبَرٌ اُشْتُهِرَ وَانْتَشَرَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَوَّلُ مَنْ صَلَّى أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِأَبْيَاتِ حَسَّانَ ، وَذَكَرَهَا ثَلَاثَةً ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا فَضْلَ أَبِي بَكْرٍ وَسَبْقَهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ غَامَرَهُ
: { دَعُوا لِي صَاحِبِي ، فَإِنِّي بُعِثْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً ، فَقَالُوا : كَذَبْت ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْت } ، وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، مِنْهُمْ الزُّبَيْرُ ، وَطَلْحَةُ ، وَسَعْدٌ ، وَعُثْمَانُ ، وَأَهْلُ الْعَقَبَتَيْنِ ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِمَةِ إسْلَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، لَا عَنْ سَلْمَانَ ، وَلَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ { الَّذِينَ } بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ نَعْتًا لِلْأَنْصَارِ ، فَرَاجَعَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَسَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، فَصَدَّقَ زَيْدًا فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ ، وَثَبَتَتْ الْوَاوُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّابِعِينَ ؛ فَقِيلَ : هُمْ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ ؛ كَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَمَنْ دَانَاهُمْ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ؛ وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ شَكَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَالِدٍ : دَعُوا لِي أَصْحَابِي ، فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } .
خَرَّجَهُ الْبَرْقَانِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلَا عَايَنُوا مُعْجِزَاتِهِ ؛ وَلَكِنَّهُمْ سَمِعُوا خَبَرَهُ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ اسْمٌ مَخْصُوصٌ بِالْقَرْنِ الثَّانِي ، فَيُقَالُ صَحَابِيٌّ وَتَابِعِيٌّ بِهَذِهِ الْخُطَّةِ ، لِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَكَفَانَا أَنْ اتَّقَيْنَا اللَّهَ ، وَاهْتَدَيْنَا بِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَاقْتَفَيْنَا آثَارَهُ ، وَاسْمُ الْأُخُوَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا تِبْيَانًا لَنَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ ، وَبُيِّنَتْ الْخُطَطُ فَإِنَّ السَّابِقَ إلَى كُلِّ خَيْرٍ ، وَالْمُتَقَدِّمَ إلَى الطَّاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُصَلِّي فِيهَا وَالتَّالِي بِهَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } .
وَلَكِنْ مَنْ سَبَقَ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مَرْتَبَةً ، وَأَوْفَى أَجْرًا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّابِقِ مِنْ الْفَضْلِ إلَّا اقْتِدَاءُ التَّالِي بِهِ ، وَاهْتِدَاؤُهُ بِهَدْيِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ عَمَلِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَمِثْلُ ثَوَابِ مَنْ اتَّبَعَهُ مُقْتَدِيًا بِهِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا } .
وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا عَنْهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّبْقَ يَكُونُ بِالصِّفَاتِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، وَأَفْضَلُ هَذِهِ الْوُجُوهِ سَبْقُ الصِّفَاتِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ .
فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ ، فَالْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ .
} فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ أَنَّ مَنْ سَبَقَنَا مِنْ الْأُمَمِ بِالزَّمَانِ فَجِئْنَا بَعْدَهُمْ سَبَقْنَاهُمْ بِالْإِيمَانِ ، وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالِانْقِيَادِ إلَيْهِ ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِهِ ، وَالرِّضَا بِتَكْلِيفِهِ ، وَالِاحْتِمَالِ لِوَظَائِفِهِ ، لَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَخْتَارُ مَعَهُ ، وَلَا نُبَدِّلُ بِالرَّأْيِ شَرِيعَتَهُ ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ .
وَذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لِمَا قَضَاهُ ، وَبِتَيْسِيرِهِ لِمَا يَرْضَاهُ ، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : لَمَّا ذَمَّ اللَّهُ الْأَعْرَابَ بِنَقْصِهِمْ وَحَطَّهُمْ عَنْ الْمَرْتَبَةِ الْكَامِلَةِ لِسِوَاهُمْ تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ : أَوَّلُهَا : أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ ، حَسْبَمَا يَأْتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
ثَانِيهَا : أَنَّ إمَامَتَهُمْ بِأَهْلِ الْحَضَرِ مَمْنُوعَةٌ لِجَهْلِهِمْ بِالسُّنَّةِ وَتَرْكِهِمْ لِلْجُمُعَةِ .
ثَالِثُهَا : إسْقَاطُ شَهَادَةِ الْبَادِيَةِ عَنْ الْحَضَارَةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ ؛ فَقِيلَ : لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ ، وَمَنْزِلَةٌ شَرِيفَةٌ ، وَوِلَايَةٌ كَرِيمَةٌ ، فَإِنَّهَا قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ ، وَتَنْفِيذُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الصِّفَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا نُقْصَانَ صِفَتِهِ فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ .
وَقِيلَ : إنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيقِ التُّهْمَةِ إذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ بِحُقُوقِ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ ، وَتِلْكَ رِيبَةٌ ؛ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْحَضَرِيُّونَ ، فَعَدَمُ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ وَوُجُودُهَا عِنْدَ الْبَدْوِيِّينَ رِيبَةٌ تَقْتَضِي التُّهْمَةَ ، وَتُوجِبُ الرَّدَّ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ شَهَادَتَهُمْ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ كَالْجِرَاحِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَكُونُ فِي الْحَضَرِ مَاضِيَةٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْحَضَرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي كُلَّ تُهْمَةٍ ؛ أَلَا تَرَاهُ يَقْبَلُ شَهَادَةَ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَ اسْتِيفَاءَهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَك سَكَنٌ لَهُمْ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { خُذْ } : هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ سِوَاهُ ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا سُقُوطُهَا بِسُقُوطِهِ ، وَزَوَالُ تَكْلِيفِهَا بِمَوْتِهِ ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ مَانِعُو الزَّكَاةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَقَالُوا عَلَيْهِ : إنَّهُ كَانَ يُعْطِينَا عِوَضًا عَنْهَا التَّطْهِيرَ ، وَالتَّزْكِيَةَ لَنَا ، وَالصَّلَاةَ عَلَيْنَا ، وَقَدْ عَدِمْنَاهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَنَظَمَ فِي ذَلِكَ شَاعِرُهُمْ فَقَالَ : أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ الَّذِي سَأَلُوكُمْ فَمَنَعْتُمْ لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنْ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ كِرَامٌ عَلَى الضَّرَّاءِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَهَذَا صِنْفٌ مِنْ الْقَائِمِينَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ، وَغَيْرُهُمْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ ، وَأَنْكَرَ النُّبُوَّةَ ، وَسَاعَدَ مُسَيْلِمَةَ ، وَأَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ .
وَفِي هَذَا الصِّنْفِ الَّذِي أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ ، وَأَنْكَرَ الزَّكَاةَ وَقَعَتْ الشُّبْهَةُ لِعُمَرَ حِينَ خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِهِمْ ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِقَبُولِ الصَّلَاةِ مِنْهُمْ وَتَرْكِ الزَّكَاةِ ، حَتَّى يَتَعَهَّدَ الْأَمْرَ ، وَيَظْهَرَ حِزْبُ اللَّهِ ، وَتَسْكُنَ سَوْرَةُ الْخِلَافِ ؛ فَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْحَقِّ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ فِي الْمَالِ ، وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ .
قَالَ عُمَرُ : فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ ، فَعَرَفْت أَنَّهُ
الْحَقُّ .
وَبِهَذَا اعْتَرَضَتْ الرَّافِضَةُ عَلَى الصِّدِّيقِ ، فَقَالُوا : عَجِلَ فِي أَمْرِهِ ، وَنَبَذَ السِّيَاسَةَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَأَرَاقَ الدِّمَاءَ .
قُلْنَا : بَلْ جَعَلَ كِتَابَ اللَّهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَهَدْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، وَالْقُرْآنَ يَسْتَنِيرُ بِهِ ، وَالسِّيَاسَةَ تُمَهِّدُ سُبُلَهَا فَإِنَّهُ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ .
وَصَدَقَ الصِّدِّيقُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } ؛ فَشَرْطُهُمَا ، وَحَقَّقَ الْعِصْمَةَ بِهِمَا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ حِينَ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إلَّا بِحَقِّهَا } .
وَالزَّكَاةُ حَقُّ الْمَالِ ، فَالصَّلَاةُ تَحْقِنُ الدَّمَ ، وَالزَّكَاةُ تَعْصِمُ الْمَالَ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } .
وَأَمَّا السِّيَاسَةُ فَمَا عَدَاهَا فَإِنَّهُ لَوْ سَاهَلَهُمْ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ لَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ ، وَتَمَكَّنَتْ فِي الْقُلُوبِ بِدْعَتُهُمْ ، وَعَسُرَ إلَى الطَّاعَةِ صَرْفُهُمْ ، فَعَاجَلَ بِالدَّوَاءِ قَبْلَ اسْتِفْحَالِ الدَّاءِ .
فَأَمَّا إرَاقَتُهُ لِلدِّمَاءِ فَبِالْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَصَمَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ يَا مَعْشَرَ الرَّافِضَةِ فِي تَوْطِيدِ الْإِسْلَامِ وَتَمْهِيدِ الدِّينِ آكَدُ مِنْ إرَاقَتِهَا فِي طَلَبِ الْخِلَافَةِ ، وَكُلٌّ عِنْدَنَا حَقٌّ ، وَعَلَيْكُمْ فِي إبْطَالِ كَلَامِكُمْ ، وَضِيقِ مَرَامِكُمْ خَنْقٌ .
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَلْتَحِقُ غَيْرُهُ
فِيهِ بِهِ ، فَهَذَا كَلَامُ جَاهِلٍ بِالْقُرْآنِ غَافِلٍ عَنْ مَأْخَذِ الشَّرِيعَةِ ، مُتَلَاعِبٍ بِالدِّينِ ، مُتَهَافَتٍ فِي النَّظَرِ ؛ فَإِنَّ الْخِطَابَ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يُرِدْ بَابًا وَاحِدًا ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَتْ مَوَارِدُهُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا فِي غَرَضِنَا هَذِهِ ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : خِطَابٌ تَوَجَّهَ إلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، كَقَوْلِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } وَكَقَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } وَنَحْوِهِ .
الثَّانِي : خِطَابٌ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك } .
وَكَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْأَحْزَابِ : { خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } ؛ فَهَذَانِ مِمَّا أُفْرِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا ، وَلَا يُشْرِكُهُ فِيهِمَا أَحَدٌ لَفْظًا وَمَعْنًى ، لِمَا وَقَعَ الْقَوْلُ بِهِ كَذَلِكَ .
الثَّالِثُ : خِطَابٌ خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا وَيُشْرِكُهُ فِيهِ جَمِيعُ الْأُمَّةِ مَعْنَى وَفَعَلَا ، كَقَوْلِهِ : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } .
وَكَقَوْلِهِ : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } وَكَقَوْلِهِ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } .
فَكُلُّ مَنْ دَلَكَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مُخَاطَبٌ بِالِاسْتِعَاذَةِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ خَافَ يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ .
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآمِرُ بِهَا ، وَالدَّاعِي إلَيْهَا ، وَهُمْ الْمُعْطُونَ لَهَا ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَاءَ قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } وَ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .
وَقَدْ قِيلَ لَهُ : { فَإِنْ كُنْت فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِك } .
وَمَا كَانَ لِيَشُكَّ ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ مَنْ شَكَّ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي وَقْتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } : الْأَصْلُ فِي فِعْلِ كُلِّ إمَامٍ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ بِالْبَرَكَةِ ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ " عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَتَاهُ رَجُلًا بِصَدَقَتِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَجَاءَهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } فَإِنَّهُ مِنْ صِفَةِ الصَّدَقَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : تُزَكِّيهِمْ .
يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ سَبَبًا فِي طَهَارَتِهِمْ وَتَنْمِيَتِهِمْ .
وَأَهْلُ الصِّنَاعَةِ يَرَوْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَالَغُوا فَقَالُوا : إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ تُطَهِّرْهُمْ بِجَزْمِ الرَّاءِ ، لِيَكُونَ جَوَابَ الْأَمْرِ ، وَاَلَّذِي نَرَاهُ أَنَّ كَوْنَهُ صِفَةً أَبْلُغُ فِي نَعْتِ الصَّدَقَةِ ، وَأَقْطَعُ لِشَغَبِ الْمُخَالِفِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ الْمَجَازِ بِمَنْزِلَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّ صَلَاتَك سَكَنٌ لَهُمْ } : يَعْنِي : دُعَاءَك .
وَقَدْ تَكُونُ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ فِي الْأَظْهَرِ مِنْ مَعَانِيهَا ؛ قَالَ الْأَعْشَى : تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ يَمَّمْت مُرْتَحِلًا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجِعَا وَالسَّكَنُ : مَا تَسْكُنُ إلَيْهِ النُّفُوسُ ، وَتَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : وَقَارٌ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا ؛ فَقِيلَ : هِيَ الْفَرْضُ ، أَمَرَ اللَّهُ بِهَا هَاهُنَا أَمْرًا مُجْمَلًا لَمْ يُبَيِّنْ فِيهَا الْمِقْدَارَ ، وَلَا الْمَحَلَّ ، وَلَا النِّصَابَ ، وَلَا الْحَوْلَ ؛ وَبَيَّنَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ الْمَحَلَّ وَحْدَهُ ، وَوَكَّلَ بَيَانَ سَائِرِ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَتَّبَ الشَّرِيعَةَ بِالْحِكْمَةِ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ ؛ مِنْهَا مَا يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ كَالْحَجِّ ، وَمِنْهَا مَا يَجِبُ مَرَّةً فِي الْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ ، وَمِنْهَا مَا يَجِبُ كُلَّ يَوْمٍ كَالصَّلَاةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا التَّطَوُّعُ .
قِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ تِيبَ عَلَيْهِمْ فَرَأَوْا أَنَّ مِنْ تَوْبَتِهِمْ أَنْ يَتَصَدَّقُوا ؛ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذِهِ الْأَوَامِرِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { أَتَى أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ حِينَ أُطْلِقُوا ، وَتِيبَ عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالِهِمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا ، وَاسْتَغْفِرْ لَنَا .
فَقَالَ : مَا أُمِرْت أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } } وَكَانَ ذَلِكَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ .
وَأَبُو لُبَابَةَ مِمَّنْ فَرَّطَ فِي قُرَيْظَةَ ، وَفِي تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَحِينَ تِيبَ عَلَيْهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي ، وَأَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْت فِيهَا الذَّنْبَ .
{ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجْزِيك الثُّلُثُ } .
وَكَذَلِكَ { قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِك ، فَهُوَ خَيْرٌ لَك } .
قَالَ : فَإِنِّي أَمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ ، وَلَا نَعْلَمُ هَلْ
هُوَ بِقَدْرِ ثُلُثِ مَالِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَعْنَى الصَّدَقَةِ مُحْتَمَلَةٌ .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا صَدَقَةُ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مَا بَعْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
نَزَلَتْ فِي شَأْنِ { أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ؛ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصَابَهُ الذَّنْبُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أُجَاوِرُك ، وَأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي .
فَقَالَ : يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ ، نَحْوَهُ .
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : { ارْتَبَطَ أَبُو لُبَابَةَ إلَى جِذْعٍ مِنْ جُذُوعِ الْمَسْجِدِ بِسِلْسِلَةٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، فَكَانَتْ ابْنَتُهُ تَأْتِيهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَتَحِلُّهُ فَيَتَوَضَّأُ ، وَهِيَ الْأُسْطُوَانُ الْمُخْلَقُ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِهَا يُدْعَى أُسْطُوَانُ التَّوْبَةِ ، وَمِنْهَا حَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا لُبَابَةَ حِينَ نَزَلَتْ تَوْبَتُهُ } ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَبْرِ أُسْطُوَانٌ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : الْجِدَارُ مِنْ الْمَشْرِقِ فِي حَدِّ الْقَنَادِيلِ الَّتِي بَيْنَ الْأَسَاطِينِ الَّتِي فِي وَصْفِهَا أُسْطُوَانُ التَّوْبَةِ وَبَيْنَ الْأَسَاطِينِ الَّتِي تَلِي الْقَبْرَ .
وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَالِكٍ ، وَجَمَعَ الرِّوَايَاتِ نَصٌّ عَنْ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إذَا تَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَجْزَأَهُ إخْرَاجُ الثُّلُثِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ الْكُلِّ ، وَتَعَلَّقَ مَالِكٌ بِقِصَّةِ أَبِي لُبَابَةَ فِي أَنَّ رَدَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْجَمِيعِ إلَى الثُّلُثِ ، وَهَذَا كَانَ قَوِيًّا لَوْلَا أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِك مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ .
وَقَدْ نَاقَضَ عُلَمَاؤُنَا ؛ فَقَالُوا : إنَّهُ إذَا كَانَ مَالُهُ مُعَيَّنًا دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ضَيْعَةً فَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهَا مَضَى ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ بِالْكُلِّ ، فَتَخَمَّشَ وَجْهُ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَمْ يَتَبَلَّجْ مِنْهُ وَضَحٌ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَالْحَقُّ يُعَوِّدُ صَدَقَةَ الْكُلِّ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
هَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْآخِذُ لِلصَّدَقَاتِ ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ، وَالنَّبِيُّ وَاسِطَةٌ ، فَإِنْ تُوُفِّيَ فَعَامِلُهُ هُوَ الْوَاسِطَةُ ، وَاَللَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ كَمَا قَالَتْ الْمُرْتَدَّةُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ الصَّدَقَةَ لَتَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ السَّائِلِ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ ، وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } .
وَكَنَّى بِكَفِّ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَبُولِ ؛ إذْ كُلُّ قَابِلٍ لِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ بِكَفِّهِ ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ فِيهِ ، كَمَا كَنَّى بِنَفْسِهِ عَنْ الْمَرِيضِ تَعَطُّفَا عَلَيْهِ بِقَوْلِ : " يَقُولُ اللَّهُ عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي " حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلَّا الْحُسْنَى وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُنَافِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ فِي آيَاتٍ جُمْلَةٍ ، ثُمَّ طَبَّقَهُمْ طَبَقَاتٍ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، فَقَالَ : { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا } .
وَقَالَ : { وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا } .
{ وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ } ؛ وَهَذَا مَدْحٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الْفَاضِلُ مِنْ النَّاقِصِ وَالْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ } .
وَقَالَ : { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } أَيْ اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ وَتَحَقَّقُوا بِهِ .
وَقَالَ : وَآخَرُونَ يَعْنِي عَلَى التَّوَسُّطِ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، ثُمَّ قَالَ : { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ } وَهُمْ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةٍ ، مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ ، وَكَعْبٌ ، وَمُرَارَةُ ، وَهِلَالٌ ، جَعَلَهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَرَجَّأَهُمْ بِالتَّوْبَةِ ، مُشِيرًا إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } .
أَسْقَطَ ابْنُ عَامِرٍ وَنَافِعٌ مِنْهُمَا الْوَاوَ ، كَأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَزَادَ غَيْرُهُمَا الْوَاوَ ، كَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ صِنْفًا آخَرَ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ إسْقَاطَ الْوَاوِ تَجْعَلُهُ مُبْتَدَأً ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هُوَ لِمَا تَقَدَّمَ وَصْفٌ ، وَلَنْ يَحْتَاجَ إلَى إضْمَارٍ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ : رُوِيَ { أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ كُلُّهُمْ يَنْتَمُونَ إلَى الْأَنْصَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بَنَوْا مَسْجِدًا ضِرَارًا بِمَسْجِدِ قُبَاءَ ، وَجَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خَارِجٌ إلَى تَبُوكَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ، وَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتُصَلِّيَ فِيهِ لَنَا .
فَقَالَ النَّبِيُّ : إنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَشُغْلٍ ، وَلَوْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ .
فَلَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ رَاجِعًا مِنْ سَفَرِهِ أَرْسَلَ قَوْمًا لِهَدْمِهِ ، فَهُدِمَ وَأُحْرِقَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { ضِرَارًا } : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : ضِرَارًا بِالْمَسْجِدِ ، وَلَيْسَ لِلْمَسْجِدِ ضِرَارٌ ، إنَّمَا هُوَ ضِرَارٌ لِأَهْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَكُفْرًا } : لَمَّا اتَّخَذُوا الْمَسْجِدَ ضِرَارًا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِمَسْجِدِ قُبَاءَ وَلَا لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرُوا بِهَذَا الِاعْتِقَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } : يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً وَاحِدَةً فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا شَمْلَهُمْ فِي الطَّاعَةِ ، وَيَنْفَرِدُوا عَنْهُمْ لِلْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَكْثَرَ وَالْغَرَضَ الْأَظْهَرَ مِنْ وَضْعِ الْجَمَاعَةِ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ ، وَالْكَلِمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَعَقْدُ الذِّمَامِ وَالْحُرْمَةُ بِفِعْلِ الدِّيَانَةِ ، حَتَّى يَقَعَ الْأُنْسُ بِالْمُخَالَطَةِ ؛ وَتَصْفُوَ الْقُلُوبُ مِنْ وَضَرِ الْأَحْقَادِ وَالْحَسَادَةِ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَفَطَّنَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ : " إنَّهُ لَا تُصَلِّي جَمَاعَتَانِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ، وَلَا بِإِمَامَيْنِ ، وَلَا بِإِمَامٍ وَاحِدٍ " خِلَافًا لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ تَشْتِيتًا لِلْكَلِمَةِ ، وَإِبْطَالًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ ، وَذَرِيعَةً إلَى أَنْ نَقُولَ : مَنْ أَرَادَ الِانْفِرَادَ عَنْ الْجَمَاعَةِ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، فَيُقِيمُ جَمَاعَتَهُ ، وَيُقِيمُ إمَامَتَهُ ؛ فَيَقَعُ الْخِلَافُ ، وَيَبْطُلُ النِّظَامُ ، وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُهُ مَعَهُمْ ، وَهُوَ أَثْبَتُ قَدَمًا مِنْهُمْ فِي الْحِكْمَةِ ، وَأَعْلَمُ بِمَقَاطِعِ الشَّرِيعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } : يُقَالُ : أَرْصَدْتُ كَذَا لِكَذَا إذَا أَعْدَدْتَهُ مُرْتَقِبًا لَهُ ، وَالْخَبَرُ بِهَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ ، سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ ، كَانَ قَدْ حَزَّبَ الْأَحْزَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، فَلَمَّا خَذَلَهُ اللَّهُ لَحِقَ بِالرُّومِ يَطْلُبُ النَّصْرَ مِنْ مَلِكِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَبَ إلَى أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ ، يَأْمُرُهُمْ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ ، لِيُصَلِّيَ فِيهِ إذَا رَجَعَ ، وَأَنْ يَسْتَعِدُّوا قُوَّةً وَسِلَاحًا ؛ وَلِيَكُونَ فِيهِ اجْتِمَاعُهُمْ لِلطَّعْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، فَأَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى أَمْرِهِمْ ، وَأَرْسَلَ لِهَدْمِهِ وَحَرْقَهُ ، وَنَهَاهُ عَنْ دُخُولِهِ ، فَقَالَ وَهِيَ :
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { أَبَدًا } : ظَرْفُ زَمَانٍ ، وَظُرُوفُ الزَّمَانِ عَلَى قِسْمَيْنِ : ظَرْفٌ مُقَدَّرٌ كَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَظَرْفٌ مُبْهَمٌ عَلَى لُغَتِهِمْ ، وَمُطْلَقٌ عَلَى لُغَتِنَا ؛ كَالْحِينِ وَالْوَقْتِ .
وَالْأَبَدُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ، وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُشْكِلَيْنِ وَشَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَمُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ ، بَيْدَ أَنَّا نُشِيرُ فِيهِ هَاهُنَا إلَى نُكْتَةٍ مِنْ تِلْكَ الْجُمَلِ ، وَهِيَ أَنَّ " أَبَدًا " وَإِنْ كَانَ ظَرْفًا مُبْهَمًا لَا عُمُومَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِالنَّهْيِ أَفَادَ الْعُمُومَ ، لَا مِنْ جِهَةِ مُقْتَضَاهُ ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : لَا تَقُمْ فِيهِ لَكَفَى فِي الِانْكِفَافِ الْمُطْلَقِ ، فَإِذَا قَالَ " أَبَدًا " فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَقُمْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ ، وَلَا فِي حِينٍ مِنْ الْأَحْيَانِ ، وَقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ أَهْلُ اللِّسَانِ ، وَقَضَى بِهِ فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ ، فَقَالُوا : لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى } : اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ ؛ يُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ .
وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } وَمَسْجِدُ قُبَاءَ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أُسِّسَ بِالْمَدِينَةِ .
وَقِيلَ : هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَشْهَبُ عَنْهُ قَالَ مَالِكٌ : الْمَسْجِدُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذْ كَانَ يَقُومُ رَسُولُ اللَّهِ وَيَأْتِيهِ أُولَئِكَ مِنْ هُنَالِكَ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِمًا } هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَعَ مَالِكٌ بِاسْتِوَاءِ اللَّفْظَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ فِيهِ .
وَقَالَ فِي هَذَا قَائِمًا ؛ فَكَانَا وَاحِدًا ، وَهَذِهِ نَزْعَةٌ غَرِيبَةٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { تَمَارَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ؛ فَقَالَ رَجُلٌ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ ؛ وَقَالَ آخَرُ : هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ مَسْجِدِي هَذَا } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَجَزَمَ مُسْلِمٌ أَيْضًا بِمِثْلِهِ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَقَوْلُهُ : { فِيهِ فِيهِ } : ضَمِيرَانِ يَرْجِعَانِ إلَى مُضْمَرٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ نِزَاعٍ ، وَضَمِيرُ الظَّرْفِ الَّذِي يَقْتَضِي الرِّجَالَ الْمُتَطَهِّرِينَ هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ ؛ فَذَلِكَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى ، وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ .
وَالدَّلِيلُ
عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ الرِّجَالِ الْمُتَطَهِّرِينَ هُوَ ضَمِيرُ مَسْجِدِ قُبَاءَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } .
قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ .
وَقَالَ قَتَادَةُ { : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ قُبَاءَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطَّهُورِ ؛ فَمَا تَصْنَعُونَ ؟ فَقَالُوا : إنَّا نَغْسِلُ أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ } .
قُلْنَا : هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الطَّهَارَةِ الْمُثْنَى بِهَا عَلَى أَقْوَالٍ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا نَحْنُ فِيهِ ، كَالتَّطَهُّرِ بِالتَّوْبَةِ مِنْ وَطْءِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ وَشَبَهِهِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ مُبْتَدَأِ تَأْسِيسِهِ أَيْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ، وَلَا وُضِعَ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ مِنْهُ إلَّا عَلَى اعْتِقَادِ التَّقْوَى .
وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَتَطَهَّرُونَ ، وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُمْلَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَحْتَاطُونَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالنَّظَافَةِ ، فَيَمْسَحُونَ مِنْ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْحِجَارَةِ تَنْظِيفًا لِأَعْضَائِهِمْ ، وَيَغْتَسِلُونَ بِالْمَاءِ تَمَامًا لِعِبَادَتِهِمْ ، وَكَمَالًا لِطَاعَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذَا ثَنَاءٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ أَحَبَّ الطَّهَارَةَ ، وَآثَرَ النَّظَافَةَ ، وَهِيَ مُرُوءَةٌ آدَمِيَّةٌ ، وَوَظِيفَةٌ شَرْعِيَّةٌ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : " مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ " .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْمَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ، فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ الْحِجَارَةَ تَخْفِيفًا ، وَالْمَاءَ تَطْهِيرًا } ، وَاللَّازِمُ فِي نَجَاسَةِ الْمَخْرَجِ التَّخْفِيفُ ، وَفِي نَجَاسَةِ سَائِرِ الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ التَّطْهِيرُ ؛ وَتِلْكَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ فِي حَالَتَيْ وُجُودِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ .
وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يُسْتَجْمَرُ بِالْأَحْجَارِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ .
وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ فَلِعُلَمَائِنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : فَقَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ : يَجِبُ غَسْلُهَا بِالْمَاءِ فِي حَالَتَيْ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْهُ : ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَفْصِيلِ الْحَالَيْنِ جَمِيعًا .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : يَجِبُ فِي حَالَةِ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ ؛ وَهِيَ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْوُجُوبِ الْمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى { وَثِيَابَك فَطَهِّرْ } ؛ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِطَهَارَةِ ثِيَابِهِ حَتَّى إنْ أَتَتْهُ الْعِبَادَةُ وَجَدْته عَلَى حَالَةٍ مُهَيَّأَةٍ لِأَدَائِهَا .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إنَّ الثِّيَابَ كِنَايَةٌ ، وَذَلِكَ دَعْوَى لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا .
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى سُقُوطِ طَهَارَتِهَا بِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَغُسِلَ بِالْمَاءِ ؛ فَإِنَّ الْحَجَرَ لَا يُزِيلُهُ .
قُلْنَا : هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ أَمَرَ بِهَا ، وَعَفَا عَمَّا
وَرَاءَهَا .
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ حَالِ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ فَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بُرْهَانُهُ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّ رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : بَنَى أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقَالَ : إنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ كَثِيرَةً وَجَبَتْ إزَالَتُهَا ، وَإِذَا كَانَتْ قَلِيلَةً لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ يَعْنِي كِبَارَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ عَلَى قَدْرِ اسْتِدَارَةِ الدِّينَارِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْرَبَةِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا ؛ ؛ فَلَا يُقْبَلُ هَذَا التَّقْدِيرُ مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذَا الَّذِي خُفِّفَ عَنْهُ فِي الْمَسْرَبَةِ رُخْصَةٌ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ : فَلَا تُرَدُّ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَحَقُّ } : هُوَ أَفْعَلُ مِنْ الْحَقِّ ، وَأَفْعَلُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ ، لِأَحَدِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ ، فَيُحَلَّى بِأَفْعَلَ ، وَأَحَدُ الْمَسْجِدَيْنِ وَهُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ بَاطِلٌ لَا حَظَّ لِلْحَقِّ فِيهِ ، وَلَكِنْ خَرَجَ هَذَا عَلَى اعْتِقَادِ بَانِيهِ أَنَّهُ حَقٌّ ، وَاعْتِقَادُ أَهْلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قُبَاءَ أَنَّهُ حَقٌّ ، فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْحَقِّ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ ، لَكِنَّ أَحَدَ الِاعْتِقَادَيْنِ بَاطِلٌ عِنْدَ اللَّهِ ، وَالْآخَرُ حَقٌّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، وَهُوَ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا } : يَعْنِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ .
وَلَا خَيْرَ فِي مَقَرِّ النَّارِ وَلَا مَقِيلِهَا ، وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى اعْتِقَادِ كُلِّ فِرْقَةٍ أَنَّهَا عَلَى خَيْرٍ ، وَأَنَّ مَصِيرَهَا إلَيْهِ ؛ إذْ كُلُّ حِزْبٍ فِي قَضَاءِ اللَّهِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ، حَتَّى يَتَمَيَّزَ بِالدَّلِيلِ لِمَنْ عُضِّدَ بِالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا ، أَوْ بِالْعِيَانِ لِمَنْ ضَلَّ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا :
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ : قَوْله تَعَالَى { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
وَهِيَ الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ .
وَمَعْنَاهُ : أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى اعْتِقَادِ تَقْوَى حَقِيقَةٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ؟ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ بِهِ التَّقْوَى ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ : الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ ، فَإِنَّ الْخَلَّ حُلْوٌ ، كَمَا أَنَّ الْعَسَلَ حُلْوٌ ؛ وَكُلُّ شَيْءٍ مُلَائِمٌ فَهُوَ حُلْوٌ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ : احْلَوْلَى الْعِشْقُ ، أَيْ كَانَ حُلْوًا ، لِكَوْنِهِ إمَّا عَلَى مُقْتَضَى اللَّذَّةِ أَوْ مُوَافَقَةِ الْأُمْنِيَةِ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُقَدِّمُ الْخَلَّ عَلَى الْعَسَلِ ، مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ وَمُضَافًا إلَى غَيْرِهِ بِمُضَافٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } : قِيلَ : إنَّهُ حَقِيقَةٌ ، { وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَهُدِمَ رُئِيَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ مِنْهُ } ، مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِ : حَتَّى رُئِيَ الدُّخَانُ فِي زَمَانِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ .
وَقِيلَ : هَذَا مَجَازٌ ، الْمَعْنَى أَنَّ مَآلَهُ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ ، فَكَأَنَّهُ انْهَارَ إلَيْهِ ، وَهَوَى فِيهِ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّارَ تَحْتُ ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقُ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَا رَأَيْت الدُّخَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ جَابِرٌ رَافِعًا لِلْإِشْكَالِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ اُبْتُدِئَ بِنِيَّةِ تَقْوَى اللَّهِ ، وَالْقَصْدِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ، فَهُوَ الَّذِي يَبْقَى ، وَيَسْعَدُ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَيَصْعَدُ إلَى اللَّهِ وَيُرْفَعُ إلَيْهِ ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك ذُو
الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّك } .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِطْ لِرَبِّك وَلِنَفْسِك مَا شِئْت .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ .
قَالَ : فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : الْجَنَّةُ .
قَالَ : رَبِحَ الْبَيْعُ .
قَالَ : لَا نُقِيلُ وَلَا نَسْتَقِيلُ فَنَزَلَتْ : { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ } } .
وَهَذَا مِمَّا لَا يُوجَدُ صَحِيحًا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، وَذَهَبَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : تَكَلَّمُوا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، وَأَوْجِزُوا ؛ فَإِنَّ عَلَيْنَا عُيُونًا قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَخَطَبَ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ خُطْبَةً مَا خَطَبَ الْمُرْدُ وَلَا الشِّيبُ مِثْلَهَا قَطُّ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اشْتَرِطْ لِرَبِّك ، وَاشْتَرِطْ لِنَفْسِك ، وَاشْتَرِطْ لِأَصْحَابِك .
قَالَ : أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ، وَأَشْتَرِطُ
لِأَصْحَابِي الْمُوَاسَاةَ فِي ذَاتِ أَيْدِيكُمْ .
قَالُوا : هَذَا لَك ، فَمَا لَنَا ؟ قَالَ : الْجَنَّةُ .
قَالَ : اُبْسُطْ يَدَك } .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ مُعَامَلَةِ السَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ لِلسَّيِّدِ ، لَكِنْ إذَا مَلَكَهُ وَعَامَلَهُ فِيمَا جُعِلَ إلَيْهِ وَتَاجَرَهُ بِمَا مَلَّكَهُ مِنْ مِلْكِهِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لِلَّهِ ، وَالْعِبَادُ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِلَّهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِإِتْلَافِهَا فِي طَاعَتِهِ ، وَإِهْلَاكِهَا فِي مَرْضَاتِهِ ، وَأَعْطَاهُمْ الْجَنَّةَ عِوَضًا عَنْهَا إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِيهَا .
وَهُوَ عِوَضٌ عَظِيمٌ ، لَا يُدَانِيهِ مُعَوَّضٌ وَلَا يُقَاسُ بِهِ ؛ وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ : " ثَامِنَهُمْ وَاَللَّهِ وَأَغْلَى الثَّمَنَ " ، يُرِيدُ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُتَاجَرَةِ ، وَلَمْ يَأْتِ الرِّبْحُ عَلَى مِقْدَارِ الشِّرَاءِ ؛ بَلْ زَادَ عَلَيْهِ وَأَرْبَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَمَا اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْبَالِغِينَ الْمُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ اشْتَرَى مِنْ الْأَطْفَالِ ، فَآلَمَهُمْ وَأَسْقَمَهُمْ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ لِلْبَالِغِينَ ، وَالثَّوَابِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْكَافِلَيْنِ فِيمَا يَنَالُهُمْ مِنْ الْهَمِّ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ التَّرْبِيَةِ وَالْكَفَالَةِ ؛ وَهَذَا بَدِيعٌ فِي بَابِهِ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ ؛ فَإِنَّ الْبَالِغَ يَمْشِي إلَى الْقَتْلِ مُخْتَارًا ، وَالطِّفْلَ يَنَالُهُ الْأَلَمُ اقْتِسَارًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ } : إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْجِهَادَ وَمُحَارَبَةَ الْأَعْدَاءِ إنَّمَا أَصْلُهُ مِنْ عَهْدِ مُوسَى ، فَسُبْحَانَ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ : { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } : الْعَهْدُ يَتَضَمَّنُ الْوَفَاءَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ وَفَاءِ الْبَارِي تَعَالَى بِالْكُلِّ ، فَأَمَّا وَعْدُهُ فَلِلْجَمِيعِ ، وَأَمَّا وَعِيدُهُ فَمَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْمُذْنِبِينَ وَبِبَعْضِ الذُّنُوبِ ، وَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَيَنْفُذُ كَذَلِكَ .
وَقَدْ فَاتَ عُلَمَاءَنَا هَذَا الْمِقْدَارُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { التَّائِبُونَ } : الرَّاجِعُونَ عَنْ الْحَالَةِ الْمَذْمُومَةِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَى الْحَالَةِ الْمَحْمُودَةِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ .
وَالْعَابِدُونَ : هُمْ الَّذِينَ قَصَدُوا بِطَاعَتِهِمْ وَجْهَهُ .
وَالْحَامِدُونَ : هُمْ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ ، وَالْمُصَرِّفُونَ نِعْمَتَهُ فِي طَاعَتِهِ .
وَالسَّائِحُونَ : هُمْ الصَّائِمُونَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ ، حَتَّى فَسَدَ الزَّمَانُ فَصَارَتْ السِّيَاحَةُ الْخُرُوجَ مِنْ الْأَرْضِ عَنْ الْخَلْقِ ، لِعُمُومِ الْفَسَادِ وَغَلَبَةِ الْحَرَامِ ، وَظُهُورِ الْمُنْكَرِ ، وَلَوْ وَسِعَتْنِي الْأَرْضُ لَخَرَجْت فِيهَا ، لَكِنَّ الْفَسَادَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا ، فَفِي كُلِّ وَادٍ بَنُو نَحْسٍ ، فَعَلَيْك بِخُوَيْصَةِ نَفْسِك وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ .
الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ هُمْ الْقَائِمُونَ بِالْفَرْضِ مِنْ الصَّلَاةِ ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ ، الْمُغَيِّرُونَ لِلشِّرْكِ فَمَا دُونَهُ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَالْآمِرُونَ بِالْإِيمَانِ فَمَا دُونَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ شُرُوطِهِ .
الْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ : خَاتِمَةُ الْبَيَانِ وَعُمُومُ الِاشْتِمَالِ لِكُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ .
وَقَوْلُهُ : { وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } بِثَوَابِي إذَا كَانُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، ثُمَّ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي طَاعَتِي لِلْقَتْلِ ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سِلْعَةً مَرْغُوبًا فِيهَا تَمْتَدُّ إلَيْهَا الْأَطْمَاعُ ، وَتَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ التِّجَارَاتِ وَالْمَتَاعِ ، فَأَمَّا نَفْسٌ لَا تَكُونُ هَكَذَا ، وَلَا تَتَحَلَّى بِهَذِهِ الْحِلَى فَلَا يُبْذَلُ فِيهَا فَلْسٌ ، فَكَيْفَ الْجَنَّةُ ؟ لَكِنَّ مَنْ مَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُبَشَّرٌ عَلَى قَدْرِهِ بِعَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ ، وَمَنْ اسْتَوْفَى هَذِهِ الصِّفَاتِ فَلَهُ الْفَوْزُ قَطْعًا ، وَمَنْ خَلَطَ فَلَا يَقْنَطْ وَلَا يَأْمَنْ ، وَلْيُمْسِ تَائِبًا ، وَيُصْبِحْ تَائِبًا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَائِلًا لِلتَّوْبَةِ ، فَإِنَّ سُؤَالَهَا دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ ، حَتَّى يَمُنَّ اللَّهُ بِحُصُولِهَا .
فَهَذِهِ سَبْعُ مَسَائِلَ تَمَامُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِي
الْآيَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : الْأُولَى : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ : يَا عَمِّ ؛ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ .
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ : أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَك مَا لَمْ أُنْهَ عَنْك .
فَنَزَلَتْ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } وَنَزَلَتْ : { إنَّك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت } } .
الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اسْتَغْفَرَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ، وَهُوَ مُشْرِكٌ ، فَلَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لِأَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَنْهَانِي عَنْهُ رَبِّي .
فَقَالَ أَصْحَابُهُ : لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبَائِنَا كَمَا اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ لِعَمِّهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } إلَى : { تَبَرَّأَ مِنْهُ } } .
الثَّالِثَةُ : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَتَى مَكَّةَ أَتَى رَضْمًا مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ رَسْمًا أَوْ قَبْرًا ، فَجَلَسَ إلَيْهِ ، ثُمَّ قَامَ مُسْتَغْفِرًا .
فَقَالَ : إنِّي اسْتَأْذَنْت رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي ، فَأَذِنَ لِي
، وَاسْتَأْذَنْته فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فَمَا رُئِيَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَئِذٍ } .
وَرُوِيَ { أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِهَا حَتَّى سَخِنَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ رَجَاءَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَيَسْتَغْفِرَ لَهَا ، حَتَّى نَزَلَتْ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ } إلَى قَوْلِهِ : { تَبَرَّأَ مِنْهُ } } .
الرَّابِعَةُ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ مِنْ آبَائِنَا مَنْ كَانَ يُحْسِنُ الْجِوَارَ ، وَيَصِلُ الْأَرْحَامَ ، أَفَلَا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ } } .
الْخَامِسَةُ : رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { سَمِعْت رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ ، فَقُلْت : تَسْتَغْفِرُ لَهُمَا ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ ؟ فَقَالَ : أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ، فَذَكَرْته لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ } } .
وَهَذِهِ أَضْعَفُ الرِّوَايَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } : دَلِيلٌ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ صَحِيحَةً ، فَنَهَى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ .
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةَ وَيُخْبَرُ بِهِ عَمَّا فَعَلَ النَّبِيُّ ، وَيُنْهَى الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهُ ، تَأْكِيدًا لِلْخَبَرِ ؛ وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ مُحْتَمَلَاتٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : مَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّرَ أَلَّا تَكُونَ ؛ وَأَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ ، وَسُؤَالِ مَا قَدَّرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ هُنَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَسَرُوا رُبَاعِيَّتَهُ ، وَشَجُّوا وَجْهَهُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
فَسَأَلَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ .
قُلْنَا : عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ ، وَجَاءَ النَّهْيُ بَعْدَهُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُؤَالًا فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ عِنْدَهُمْ ، لَا لِسُؤَالِ إسْقَاطِ حُقُوقِ اللَّهِ ، وَلِلْمَرْءِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَطْلُبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ، مَرْجُوٌّ إيمَانُهُمْ ، يُمْكِنُ تَأَلُّفُهُمْ بِالْقَوْلِ الْجَمِيلِ ، وَتَرْغِيبُهُمْ فِي الدِّينِ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ .
فَأَمَّا مَنْ مَاتَ فَقَدْ انْقَطَعَ مِنْهُ الرَّجَاءُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَطْلُبَ لَهُمْ الْمَغْفِرَةَ فِي الدُّنْيَا بِرَفْعِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُمْ حَتَّى إلَى الْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } : بَيَانٌ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُوجِبَةَ لِلشَّفَقَةِ جِبِلَّةً ، وَلِلصِّلَةِ مُرُوءَةً تَمْنَعُ مِنْ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذَا إنْ صَحَّ الْخَبَرُ ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ : { اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ : { سَأَسْتَغْفِرُ لَك رَبِّي إنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأَبِي طَالِبٍ ، إمَّا اعْتِقَادًا ، وَإِمَّا نُطْقًا بِذَلِكَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ؟ فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّ اسْتِغْفَارَ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ كَانَ عَنْ وَعْدٍ قَبْلَ تَبَيُّنِ الْكُفْرِ مِنْهُ ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ الْكُفْرَ مِنْهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، فَكَيْفَ تَسْتَغْفِرُ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لِعَمِّك ، وَقَدْ شَاهَدْت مَوْتَهُ كَافِرًا ؟ :
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : وَظَاهِرُ حَالِ الْمَرْءِ عِنْدَ الْمَوْتِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فِي الْبَاطِنِ ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ حُكِمَ لَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ حُكِمَ لَهُ بِالْكُفْرِ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ بِبَاطِنِ حَالِهِ ، بَيْدَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَلْ نَفَعْت عَمَّك بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُك وَيَحْمِيك ؟ قَالَ : سَأَلْت رَبِّي لَهُ ، فَجَعَلَهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ تَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ } .
وَهَذِهِ شَفَاعَةٌ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ ، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ الثَّانِيَةُ ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ يَعْنِي بِمَوْتِهِ كَافِرًا تَبَرَّأَ مِنْهُ .
وَقِيلَ : تَبَيَّنَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ : مَا كُنْت لِأَمْتَنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَمَةٍ حَبَشِيَّةٍ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا ، فَإِنِّي رَأَيْت اللَّهَ لَمْ يَحْجُبْ الصَّلَاةَ إلَّا عَنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } .
وَصَدَقَ عَطَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَغْفِرَةَ جَائِزَةٌ لِكُلِّ مُذْنِبٍ ؛ فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ حَسَنَةٌ ؛ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الصَّلَاةَ عَلَى الْعُصَاةِ ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ؛ فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ .
.
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى النَّبِيِّ رَدُّهُ مِنْ حَالَةِ الْغَفْلَةِ إلَى حَالَةِ الذِّكْرِ ، وَتَوْبَةُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ رُجُوعُهُمْ مِنْ حَالَةِ الْمَعْصِيَةِ إلَى حَالَةِ الطَّاعَةِ ، وَانْتِقَالُهُمْ مِنْ حَالَةِ الْكَسَلِ إلَى حَالَةِ النَّشَاطِ ، وَخُرُوجُهُمْ عَنْ صِفَةِ الْإِقَامَةِ وَالْقُعُودِ إلَى حَالَةِ السَّفَرِ وَالْجِهَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَتَوْبَةُ اللَّهِ تَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : دُعَاؤُهُ إلَى التَّوْبَةِ ، يُقَالُ : تَابَ اللَّهُ عَلَى فُلَانٍ ، أَيْ دَعَاهُ ، وَيُقَالُ : تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ : يَسَّرَهُ لِلتَّوْبَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ خَبَرًا ، وَقَدْ يَكُونُ دُعَاءً .
وَيُقَالُ : تَابَ عَلَيْهِ : ثَبَّتَهُ عَلَيْهَا ، وَيُقَالُ : تَابَ عَلَيْهِ : قَبِلَ تَوْبَتَهُ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ جَمَعَ لِهَؤُلَاءِ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَيَفْتَرِقُ فِي سَائِرِ النَّاسِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ إلَى التَّوْبَةِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ وَلَا يُيَسِّرُهَا لَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُوهُ إلَيْهَا وَيُيَسِّرُهَا وَلَا يُدِيمُهَا ، فَإِنْ دَامَتْ إلَى الْمَوْتِ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } : يَعْنِي جَيْشَ تَبُوكَ ؛ خَرَجَ النَّاسُ إلَيْهَا فِي جَهْدٍ وَحَرٍّ وَرِجْلَةٍ وَعُرْيٍ وَحَفَاءٍ ، حَتَّى لَقَدْ رُوِيَ فِي قَوْلِهِ : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } .
{ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلَهُمْ قُلْت لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } أَنَّهُمْ طَلَبُوا نِعَالًا .
وَفِي الْحَدِيثِ : { لَا يَزَالُ الرَّجُلُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ } : أَمَّا هَذَا فَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ فِيهِ مَدْخَلٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ ، أَمَّا أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ يَدْخُلُ فِي التَّوْبَةِ مِنْ إذْنِهِ لِلْمُنَافِقِينَ فِي التَّخَلُّفِ فَعَذَرَهُ اللَّهُ فِي إذْنِهِ لَهُمْ ، وَتَابَ عَلَيْهِ وَعَذَرَهُ ، وَبَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِينَ صَوَابَ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ : { لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا } إلَى : { الْفِتْنَةَ } .
وَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيِّ فَكَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِبَقَائِهِمْ بَعْدَهُ ، كَأَبِي حَثْمَةَ وَغَيْرِهِ ، بِإِرَادَتِهِمْ الرُّجُوعَ مِنْ الطَّرِيقِ حِينَ أَصَابَهُمْ الْجَهْدُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ الْعَطَشُ ، حَتَّى نَحَرُوا إبِلَهُمْ ، وَعَصَرُوا كُرُوشَهَا ، فَاسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ، فَنَزَلَ الْمَطَرُ ؛ وَلِهَذَا جَازَ لِلْإِمَامِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ اعْتَذَرَ إلَيْهِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَالِ ، وَرِفْقًا بِالْخَلْقِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ ، وَبَرَدَ الظِّلَالُ ، وَخَرَجَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ ، وَهِيَ الْعُسْرَةُ الَّتِي افْتَضَحَ فِيهَا النَّاسُ ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ تَخَلَّفَ ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَآخَرُ مِنْ بَنِي وَاقِدٍ .
وَخَرَجَ رَجُلٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْقِي وَدِيًّا لَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ لَك بِسَقْيِ وَدِيِّك هَذَا ، فَقَالَ : الْغَزْوُ خَيْرٌ مِنْ الْوَدِيِّ ، فَرَجَعَ ، وَقَدْ أَصْلَحَ اللَّهُ وَدِيَّهُ ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ هَجَرُوا كَعْبًا وَصَاحِبَيْهِ ، وَلَمْ يَعْتَذِرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَذَرَ غَيْرُهُمْ .
قَالَ : فَأَقَامَ كَعْبٌ وَصَاحِبَاهُ لَمْ يُكَلِّمْهُمْ أَحَدٌ ، وَكَانَ كَعْبٌ يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْحَائِطِ ، فَيَقُولُ لَهُ : أَنْشُدُك اللَّهَ ، أَتَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فَيَقُولُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ : كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ .
كَمَا تَقَدَّمَ .
{ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مَقْفِلَهُ مِنْ تَبُوكَ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ جَاءَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ، وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلًا ، فَقَبِلَ النَّبِيُّ ظَاهِرَ حَالِهِمْ ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ ، إلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ ، فَإِنَّهُمْ صَدَقُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
{ قَالَ كَعْبٌ فِي حَدِيثِهِ : حَتَّى جِئْت
فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَتَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ، ثُمَّ قَالَ لِي : تَعَالَ فَجِئْت أَمْشِي حَتَّى جَلَسْت بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقُلْت لَهُ : وَاَللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ .
فَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ ، فَقُمْ ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيك .
قَالَ كَعْبٌ : وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةَ ، مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ ، قَالَ : فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ ، أَوْ قَالَ : تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي نَفْسِي ، وَالْأَرْضُ حَتَّى مَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي كُنْت أَعْرِفُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتُهُمْ وَلَا الْأَرْضُ بِالْأَرْضِ الَّتِي كُنْت أَعْرِفُ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ : وَصَلَّيْت الصُّبْحَ صَبِيحَةَ خَمْسِينَ لَيْلَةً ، وَأَنَا كَمَا قَالَ اللَّهُ : { حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } .
إذَا صَارِخٌ يَصْرُخُ أَوْفَى عَلَى ظَهْرِ جَبَلِ سَلْعٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَبْشِرْ يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ، أَبْشِرْ ، فَخَرَرْت سَاجِدًا } وَسَاقَ الْحَدِيثَ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَ الْمُذْنِبَ بِتَحْرِيمِ كَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ أَدَبًا لَهُ ، وَهَكَذَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَعَلَى تَحْرِيمِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَالْحَدِيثُ مُطَوَّلٌ ، وَفِيهِ فِقْهٌ كَثِيرٌ قَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَيْكُمْ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا وَإِيَّاكُمْ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ الصَّادِقِينَ : وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ الَّذِينَ اسْتَوَتْ ظَوَاهِرُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى { الْمُتَّقُونَ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ الْمُهَاجِرُونَ ؛ وَقَدْ رُوِيَ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْأَنْصَارِ يَوْمَ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ : إنَّ اللَّهَ سَمَّانَا الصَّادِقِينَ ؛ فَقَالَ : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } إلَى قَوْله تَعَالَى { هُمْ الصَّادِقُونَ } ثُمَّ سَمَّاكُمْ الْمُفْلِحِينَ ، فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ } .
وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
الرَّابِعُ : أَنَّ الصَّادِقِينَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ ، وَالْمُخَاطَبُونَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
الْخَامِسُ : الصَّادِقُونَ هُمْ الْمُوفُونَ بِمَا عَاهَدُوا ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } .
السَّادِسُ : هُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ؛ أَوْ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ، وَهُوَ السَّابِعُ .
الثَّامِنُ : هُمْ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْغَايَةُ الَّتِي إلَيْهَا الْمُنْتَهَى فِي هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَبِهَا يَرْتَفِعُ النِّفَاقُ فِي الْعَقِيدَةِ ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِ ، وَصَاحِبُهَا يُقَالُ لَهُ صِدِّيقٌ ، وَهِيَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَمَنْ دُونَهُمَا عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَأَزْمَانِهِمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالثَّانِي : فَهُوَ مُعْظَمُ الصِّدْقِ ، وَمَنْ أَتَى الْمُعَظَّمَ فَيُوشِكُ أَنْ يَتْبَعَهُ الْأَقَلُّ ، وَهُوَ مَعْنَى
الْخَامِسِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ ذِكْرُهُ .
وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ : فَهُوَ الَّذِي يَعُمُّ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الرَّابِعُ : فَصَحِيحٌ وَهُوَ بَعْضُهُ أَيْضًا ، وَيَكُونُ الْمُخَاطَبُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ .
وَالسَّادِسُ : تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ .
وَالسَّابِعُ : يَكُونُ الْمُخَاطَبُ الثَّمَانِينَ رَجُلًا الَّذِينَ تَخَلَّفُوا وَاعْتَذَرُوا وَكَذَبُوا ، أُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مَعَ الثَّلَاثَةِ الصَّادِقِينَ ؛ وَيَدْخُلُ هَذَا فِي جُمْلَةِ الصِّدْقِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ } : قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ التَّقْوَى ، وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا فِيهَا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اخْتَلَقُوا الْكَذِبَ .
وَالثَّانِي : فِي تَرْكِ الْجِهَادِ ، وَهُمَا بَعْضُ التَّقْوَى ، وَالصَّحِيحُ عُمُومُهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَاذِبِ وَلَا شَهَادَتُهُ .
قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَاذِبِ فِي حَدِيثِ النَّاسِ وَإِنْ صَدَقَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يُقْبَلُ حَدِيثُهُ ، وَالْقَبُولُ فِيهِ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَوِلَايَةٌ لَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ كَرُمَتْ خِصَالُهُ ، وَلَا خَصْلَةَ هِيَ أَشَرُّ مِنْ الْكَذِبِ ، فَهِيَ تَعْزِلُ الْوِلَايَاتِ ، وَتُبْطِلُ الشَّهَادَاتِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ } : أَيْ مَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُمْ لَمْ يُسْتَنْفَرُوا ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّفِيرُ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِنْفَارُ فِي كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالْعِتَابِ لِقُرْبِهِمْ وَجِوَارِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ } : دَلِيلٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُسْتَحَقُّ بِالْإِدْرَابِ وَالْكَوْنِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ ؛ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمُهُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إنَّمَا كَتَبَ لَهُ بِالْآخِرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ السَّهْمَ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ } : يَعْنِي كُتِبَ لَهُمْ ثَوَابُهُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُجَاهِدِ : إنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وَأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ ، وَرَعْيَهَا حَسَنَاتٌ ، وَقَدْ زَادَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ .
فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِعَيْنِهَا : { إنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا قَطَعْتُمْ شِعْبًا إلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ ، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ } ؛ فَأَعْطَى لِلْمَعْذُورِ مِنْ الْأَجْرِ مَا أَعْطَى لِلْقَوِيِّ الْعَامِلِ بِفَضْلِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ غَيْرَ مُضَاعَفٍ ، وَيُضَاعَفُ لِلْعَامِلِ الْمُبَاشِرِ .
وَهَذَا تَحَكُّمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَتَضْيِيقٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
وَلِذَلِكَ قَدْ رَابَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ ، فَقَالَ أَنْتُمْ تُعْطَوْنَ الثَّوَابَ مُضَاعَفًا قَطْعًا ، وَنَحْنُ لَا نَقْطَعُ بِالتَّضْعِيفِ فِي مَوْضِعٍ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مِقْدَارِ النِّيَّاتِ ، وَهُوَ أَمْرٌ مُغَيَّبٌ ، وَاَلَّذِي يَقْطَعُ بِهِ أَنَّ هُنَالِكَ تَضْعِيفًا ، وَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ وَصْفُ الْعَامِلِينَ الْمُجَاهِدِينَ ، وَحَالُ الْقَاعِدِينَ التَّائِبِينَ ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُتَخَلِّفِينَ الْمُعْتَذِرِينَ بِالْبَاطِلِ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ : ذَكَرُوا فِي بِشْرٍ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ ، فَقَالَ : { يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ } .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ جِمَاعُهَا أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَرْسَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ ، فَلَمَّا نَزَلَ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجَعَ أُولَئِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهُمْ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَقَالَ : هَلَّا جَاءَ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ عَلَى التَّعْلِيمِ الْبَعْضُ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَعْنَاهُ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا جَمِيعًا ، وَيَتْرُكُوا نَبِيَّهُمْ ، وَلَكِنْ يَخْرُجُ بَعْضُهُمْ ، وَيَبْقَى الْبَعْضُ فِيمَا يَنْزِلُ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيَجْرِي مِنْ الْعِلْمِ وَالْأَحْكَامِ ، يُعَلِّمُهُ الْمُتَخَلِّفَ لِلسَّارِي عِنْدَ رُجُوعِهِ ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ ، وَلَكِنْ لَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُضَرَ بِالسِّنِينَ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ ، فَكَانَتْ الْقَبِيلَةُ مِنْهُمْ تُقْبِلُ بِأَسْرِهَا حَتَّى يَحُلُّوا بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْجَهْدِ ، وَيَعْتَلُّوا بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ كَاذِبُونَ ، فَضَيَّقُوا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْهَدُوهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ يُخْبِرُ رَسُولَهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ ، فَرَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَشَائِرِهِمْ ، وَحَذَّرَ قَوْمَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ } .
الرَّابِعُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْهَا : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْرِيرِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا نَسْخُ بَعْضِ هَذِهِ لِبَعْضٍ فَيَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ
التَّارِيخِ فِيهَا .
وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَنَسْخُ الِاسْتِنْفَارِ الْعَامِّ ؛ لِأَنَّهُ الطَّارِئُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْزُو فِي فِئَامٍ مِنْ النَّاسِ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ قَطُّ جَمِيعَ النَّاسِ ، إلَّا فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخُرُوجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لَا يَلْزَمُ الْأَعْيَانَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يَقْتَضِي ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْحَثَّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالنَّدْبَ إلَيْهِ دُونَ الْإِلْزَامِ وَالْوُجُوبِ ، وَاسْتِحْبَابَ الرِّحْلَةِ فِيهِ وَفَضْلَهَا .
فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ ؛ وَإِنَّمَا لَزِمَ طَلَبُ الْعِلْمِ بِأَدِلَّتِهِ ؛ فَأَمَّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ فَبِأَوَامِرِ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ .
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الرَّسُولِ فَلِوُجُوبِ الْأَمْرِ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ ، وَلَا يَصِحُّ التَّصْدِيقُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ .
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْوَظَائِفِ فَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ ثَبَتَ وُجُوبُ الْعِلْمِ بِهِ لِاسْتِحَالَةِ أَدَائِهَا إلَّا بِعِلْمٍ ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْمَزِيدَ عَلَى الْوَظَائِفِ مِمَّا فِيهِ الْقِيَامُ بِوَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ كَتَحْصِينِ الْحُقُوقِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ ، وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَنَحْوِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ؛ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَهُ جَمِيعُ النَّاسِ ، فَتَضِيعَ أَحْوَالُهُمْ وَأَحْوَالُ سِوَاهُمْ ، وَيَنْقُصَ أَوْ يَبْطُلَ مَعَاشُهُمْ ، فَتَعَيَّنَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْبَعْضُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُيَسِّرُ اللَّهُ الْعِبَادَ لَهُ ، وَيُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ بِسَابِقِ قُدْرَتِهِ وَكَلِمَتِهِ ، وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الطَّائِفَةُ : فِي اللُّغَةِ : الْجَمَاعَةُ .
قِيلَ : وَيَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَى نَفْسِ طَائِفَةٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ ، فَإِنَّ الْهَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا هِيَ لِلْكَثْرَةِ ، كَمَا يُقَالُ رَاوِيَةٌ ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي بِغَيْرِهِ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا جَمَاعَةٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَقْلًا وَالْآخَرُ لُغَةً : أَمَّا الْعَقْلُ : فَلِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ لَا يَتَحَصَّلُ بِوَاحِدٍ فِي الْغَالِبِ .
وَأَمَّا اللُّغَةُ : فَلِقَوْلِهِ : { لِيَتَفَقَّهُوا } { وَلِيُنْذِرُوا } ؛ فَجَاءَ بِضَمِيرِ الْجَمَاعَةِ .
وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ، وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ قَبْلَهُ ، يَرَوْنَ أَنَّ الطَّائِفَةَ هَاهُنَا وَاحِدٌ .
وَيَعْتَضِدُونَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ .
وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّائِفَةَ تَنْطَلِقُ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ خَبَرَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ أَوْ الْأَشْخَاصِ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ مُقَابِلَهُ وَهُوَ التَّوَاتُرُ لَا يَنْحَصِرُ بِعَدَدٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَهَذِهِ إشَارَتُهُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } .
قَدْ قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِأَوَامِرَ مُتَعَدِّدَةٍ مُخْتَلِفَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ ، فَقَالَ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } .
وَقَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } .
وَقَالَ : { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً } .
وَقَالَ : { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ } .
وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ مُنَاسِبٌ ، وَالْمَقْصُودُ قِتَالُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ ، وَقِتَالُ الْكُفَّارِ أَيْنَمَا وُجِدُوا ، وَقِتَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ، وَهُمْ الرُّومُ ، وَبَعْضُ الْحُبْشَانِ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَكَيَّفُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بِالِابْتِدَاءِ مِمَّنْ يَلِي ، فَيُقَاتِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مَنْ يَلِيهِ ، وَيَتَّفِقُ أَنْ يَبْدَأَ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ بِالْأَهَمِّ مِمَّنْ يَلِيهِمْ ، أَوْ الَّذِينَ يُتَيَقَّنُ الظَّفَرُ بِهِمْ .
وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ بِمَنْ نَبْدَأُ بِالرُّومِ أَوْ بِالدَّيْلَمِ ؟ فَقَالَ : بِالرُّومِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ : " اُتْرُكُوا الرَّابِضِينَ مَا تَرَكُوكُمْ " يَعْنِي الرُّومَ وَالْحَبَشَ .
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ ، وَبُدَاءَتُهُ بِالرُّومِ قَبْلَ الدَّيْلَمِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ؛ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ وَآكَدُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ إلَيْنَا أَقْرَبُ ، أَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ بِلَادَ الْأَنْبِيَاءِ فِي بِلَادِهِمْ أَكْثَرُ ، فَاسْتِنْقَاذُهَا مِنْهُمْ أَوْجَبُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } .
قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ ، وَاسْتِيفَاؤُهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ خَمْسِينَ قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : إذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيهَا فَضِيحَتُهُمْ ، أَوْ فَضِيحَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ جَعَلَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، يَقُولُ : هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ إذَا تَكَلَّمْتُمْ بِهَذَا فَيَنْقُلُهُ إلَى مُحَمَّدٍ ؟ وَذَلِكَ جَهْلٌ مِنْهُمْ بِنُبُوَّتِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ غَيْبِهِ .
الثَّانِي : إذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ نَظَرَ الرُّعْبِ ، وَأَرَادُوا الْقِيَامَ عَنْهُ ، لِئَلَّا يَسْمَعُوا ذَلِكَ ، يَقُولُونَ : هَلْ يَرَاكُمْ إذَا انْصَرَفْتُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَنْصَرِفُونَ ، صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ انْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَلَكِنْ قُولُوا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ .
وَهَذَا كَلَامٌ فِيهِ نَظَرٌ ، وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ ، فَإِنَّ نِظَامَ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدٌ انْصَرَفْنَا مِنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ قَوْمًا قِيلَ فِيهِمْ : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَقُولًا فِيهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ .
وَقَدْ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْبُسْتِيُّ الْوَاعِظُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ ، يَقُولُ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ ، فَقَالَ الْمُنْذِرُ بِهَا : انْصَرِفُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ فَقَالَ : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ انْصَرِفُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي قَوْمٍ ذَمَّهُمْ : { ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وَلَكِنْ قُولُوا : انْقَلِبُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي قَوْمٍ مَدَحَهُمْ : { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } : إخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ صَارِفُ الْقُلُوبِ وَمُصَرِّفُهَا وَقَالِبُهَا وَمُقَلِّبُهَا رَدًّا عَلَى الْقَدَرِيَّةِ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ قُلُوبَ الْخَلْقِ بِأَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحَهُمْ بِحُكْمِهِمْ ، يَتَصَرَّفُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ ، وَيَحْكُمُونَ بِإِرَادَتِهِمْ ، وَاخْتِيَارِهِمْ ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَشْهَبُ : مَا أَبْيَنَ هَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ : { لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } .
وقَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ : { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ } .
فَهَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا وَلَا يَرْجِعُ وَلَا يُزَالُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي ثُبُوتِهَا : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّافِضَةَ كَادَتْ الْإِسْلَامَ بِآيَاتٍ وَحُرُوفٍ نَسَبَتْهَا إلَى الْقُرْآنِ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّهَا مِنْ الْبُهْتَانِ الَّذِي نَزَغَ بِهِ الشَّيْطَانُ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ نَقَلُوهَا وَأَظْهَرُوهَا حِينَ كَتَمْنَاهَا نَحْنُ ، وَقَالُوا : إنَّ الْوَاحِدَ يَكْفِي فِي نَقْلِ الْآيَةِ وَالْحُرُوفِ كَمَا فَعَلْتُمْ ، فَإِنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ آيَةً بِقَوْلِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } ؛ وَقَوْلُهُ : { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } .
قُلْنَا : إنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَقْلِ التَّوَاتُرِ ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِنَقْلِ الْآحَادِ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشَّاهِدَةُ بِصِدْقِهِ ، الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ ، فَأَبْقَاهَا اللَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَتَوَلَّى حِفْظَهَا بِفَضْلِهِ ، حَتَّى لَا يُزَادَ فِيهَا وَلَا يُنْقَصَ مِنْهَا .
وَالْمُعْجِزَاتُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُعَايَنَةً إنْ كَانَتْ فِعْلًا ، وَإِمَّا أَنْ تَثْبُتَ تَوَاتُرًا إنْ كَانَتْ قَوْلًا ، لِيَقَعَ الْعِلْمُ بِهَا ، أَوْ تُنْقَلَ صُورَةُ الْفِعْلِ فِيهَا أَيْضًا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى يَقَعَ الْعِلْمُ بِهَا ، كَأَنَّ السَّامِعَ لَهَا قَدْ شَاهَدَهَا ، حَتَّى تَنْبَنِيَ الرِّسَالَةُ عَلَى أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ ، بِخِلَافِ السُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ يُعْمَلُ فِيهَا عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا مَعْنًى أَكْثَرُ مِنْ التَّعَبُّدِ .
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْسِلُ كُتُبَهُ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَيَأْمُرُ الْوَاحِدَ أَيْضًا بِتَبْلِيغِ كَلَامِهِ ، وَيَبْعَثُ
=============================================ج13.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْأُمَرَاءَ إلَى الْبِلَادِ وَعَلَى السَّرَايَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ وَقَفَ فِيهَا عَلَى التَّوَاتُرِ لَمَا حَصَلَ عِلْمٌ ، وَلَا تَمَّ حُكْمٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِيمَا رُوِيَ فِيهَا : ثَبَتَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : أَرْسَلَ إلَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ ، فَقَالَ : إنَّ الْقِتَالَ قَدْ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا ، فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ عُمَرُ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ عُمَرَ ، وَرَأَيْت فِيهِ الَّذِي رَأَى .
قَالَ زَيْدٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّك شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُك ، قَدْ كُنْت تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ، فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ .
قَالَ : فَوَاَللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ .
قُلْت : كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ وَاَللَّهِ خَيْرٌ .
فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ .
فَتَتَبَّعْت الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْعُسُبِ ، وَذَكَرَ كَلِمَةً مُشْكِلَةً تَرَكْنَاهَا .
قَالَ زَيْدٌ : فَوَجَدْت آخِرَ بَرَاءَةٍ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } إلَى : الْعَظِيمِ انْتَهَى الْحَدِيثُ .
فَبَقِيَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا بَعْدَهُ عُمَرُ ، ثُمَّ صَارَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ قَدِمَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلَى عُثْمَانَ ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَرَأَى حُذَيْفَةُ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْقُرْآنِ ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ :
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ ، كَمَا اخْتَلَفَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى .
فَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إلَيْنَا بِالصُّحُفِ فَنَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، ثُمَّ نَرُدُّهَا إلَيْكِ .
فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ إلَى عُثْمَانَ بِالصُّحُفِ ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنْ انْسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ .
وَقَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ : إذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ ، حَتَّى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ بَعَثَ عُثْمَانُ إلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوا .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ : فَقَدْت آيَةً مِنْ سُورَةٍ كُنْت أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا : { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } فَالْتَمَسْتهَا فَوَجَدْتهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ ، فَأَلْحَقْتهَا فِي سُورَتِهَا .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَاخْتَلَفُوا يَوْمَئِذٍ فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ ، فَقَالَ الْقُرَشِيُّونَ : التَّابُوتُ .
وَقَالَ زَيْدٌ التَّابُوهُ .
فَرُفِعَ اخْتِلَافُهُمْ إلَى عُثْمَانَ فَقَالَ : اُكْتُبُوهُ التَّابُوتُ .
فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ ، وَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ ، وَيَتَوَلَّاهَا رَجُلٌ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْت وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ .
وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ، اُكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي
عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَالْقُوا اللَّهَ بِالْمَصَاحِفِ .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ تَبَيَّنَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي بَرَاءَةٍ ، وَآيَةُ الْأَحْزَابِ لَمْ تَثْبُتْ بِوَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنْسِيَّةً ، فَلَمَّا ذَكَرَهَا مَنْ ذَكَرَهَا أَوْ تَذَكَّرَهَا مَنْ تَذَكَّرَهَا عَرَفَهَا الْخَلْقُ ، كَالرَّجُلِ تَنْسَاهُ ، فَإِذَا رَأَيْت وَجْهَهُ عَرَفْته ، أَوْ تَنْسَى اسْمَهُ وَتَرَاهُ ، وَلَا يَجْتَمِعُ لَك الْعَيْنُ وَالِاسْمُ ، فَإِذَا انْتَسَبَ عَرَفْته .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مِنْ غَرِيبِ الْمَعَانِي أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الطَّيِّبِ سَيْفَ السُّنَّةِ وَلِسَانَ الْأُمَّةِ تَكَلَّمَ بِجَهَالَاتٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، لَا تُشْبِهُ مَنْصِبَهُ ، فَانْتَصَبْنَا لَهَا لِنُوقِفَكُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهَا : أَوَّلُهَا : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ ، وَذَكَرَ اخْتِلَافَ رِوَايَاتٍ فِيهِ ، مِنْهَا صَحِيحَةٌ وَمِنْهَا بَاطِلَةٌ ، فَأَمَّا الرِّوَايَاتُ الْبَاطِلَةُ فَلَا نَشْتَغِلُ بِهَا ، وَأَمَّا الصَّحِيحَةُ فَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ : رُوِيَ أَنَّ هَذَا جَرَى فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ جَرَى فِي عَهْدِ عُثْمَانَ ، وَبَيْنَ التَّارِيخَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُدَّةِ ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ هَذَا كَانَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ نَقُولَ : كَانَ هَذَا فِي عَهْدِ عُثْمَانَ ؛ وَلَوْ اخْتَلَفَ تَارِيخُ الْحَدِيثِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ لَوَجَبَ رَدُّهُ ، فَكَيْفَ أَنْ يَخْتَلِفَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمُدَّتَيْنِ الطَّوِيلَتَيْنِ ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : يُقَالُ لِلسَّيْفِ هَذِهِ كَهْمَةٌ مِنْ طُولِ الضِّرَابِ ، هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَخَفْ وَجْهُ الْحَقِّ فِيهِ ، إنَّمَا
جَمَعَ زَيْدٌ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا لِأَبِي بَكْرٍ فِي زَمَانِهِ ، وَالثَّانِيَةُ لِعُثْمَانَ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ هَذَا فِي مَرَّتَيْنِ لِسَبَبَيْنِ وَلِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ : فَكَانَ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْقُرْآنُ بِذَهَابِ الْقُرَّاءِ ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ : { يَذْهَبُ الْعِلْمُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ } ، فَلَمَّا تَحَصَّلَ مَكْتُوبًا صَارَ عُدَّةً لِمَا يُتَوَقَّعُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا جَمْعُهُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ فَكَانَ لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَجُمِعَ فِي الْمَصَاحِفِ لِيُرْسَلَ إلَى الْآفَاقِ ، حَتَّى يُرْفَعَ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .
ثَانِيهَا : قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ : مِنْ اضْطِرَابِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ زَيْدًا تَارَةً قَالَ : وَجَدْت هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ السَّاقِطَةَ ، وَتَارَةً لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَتَارَةً ذَكَرَ قِصَّةَ بَرَاءَةٍ ، وَتَارَةً قِصَّةَ الْأَحْزَابِ أَيْضًا بِعَيْنِهَا .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُقَالُ لِلِّسَانِ : هَذِهِ عَثْرَةٌ ، وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّاوِي حَدِيثٌ مُفَصَّلٌ يَذْكُرُ جَمِيعَهُ مَرَّةً ، وَيَذْكُرُ أَكْثَرَهُ أُخْرَى ، وَيَذْكُرُ أَقَلَّهُ ثَالِثَةً ؟ ثَالِثُهَا : قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مَوْضُوعًا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : إنَّ زَيْدًا وَجَدَ الضَّائِعَ مِنْ الْقُرْآنِ عِنْدَ رَجُلَيْنِ .
وَهَذَا بَعِيدٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ وَكَلَ حِفْظَ مَا سَقَطَ وَذَهَبَ عَنْ الْأَجِلَّةِ الْأَمَاثِلِ مِنْ الْقُرْآنِ بِرَجُلَيْنِ : خُزَيْمَةَ ، وَأَبِي خُزَيْمَةَ .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى الرَّجُلُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَذْكُرَهُ لَهُ آخَرُ ، فَيَعُودَ عِلْمُهُ إلَيْهِ .
وَلَيْسَ فِي نِسْيَانِ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ لَهُ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ اسْتِحَالَةٌ عَقْلًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَا شَرْعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ حِفْظَهُ ، وَمِنْ حِفْظِهِ الْبَدِيعِ أَنْ تَذْهَبَ مِنْهُ آيَةٌ أَوْ سُورَةٌ
إلَّا عَنْ وَاحِدٍ ، فَيَذْكُرَهَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ ، فَيَتَذَكَّرَهَا الْجَمِيعُ ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَدِيعِ حِفْظِ اللَّهِ لَهَا .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، فَكَيْفَ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْوَضْعَ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْعَدْلُ عَنْ الْعَدْلِ ، وَتَدَّعِي فِيهِ الِاضْطِرَابَ ، وَهُوَ فِي سِلْكِ الصَّوَابِ مُنْتَظِمٌ ، وَتَقُولُ أُخْرَى : إنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ ، وَمَا الَّذِي تَضَمَّنَ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ أَوْ الْجَهَالَةِ حَتَّى يُعَابَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ .
وَأَمَّا مَا ذَكَرْته فِي مُعَارَضَتِهِ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ أَوْ عَنْ رَأْيٍ فَهُوَ الْمُضْطَرِبُ الْمَوْضُوعُ الَّذِي لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ بِالضِّعَافِ وَالثِّقَاتُ بِالْمَوْضُوعَاتِ ؟ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ؟ قُلْنَا : هَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِالرِّوَايَةِ ، وَقَدْ عَدِمَتْ ، لَا هَمَّ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ وُجُوهًا ، أَجْوَدُهَا خَمْسَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً ، وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ لِلْحَاجَةِ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ، وَأَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي مِثْلِهَا بِقَوْلِهِ : { يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } ؛ فَهَذَا اقْتِدَاءٌ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ تَحْقِيقَ قَوْلِ اللَّهِ : { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ؛ فَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا ، وَأَخْبَرَنَا أَنْ يَحْفَظَهُ بَعْدَ نُزُولِهِ ، وَمِنْ حِفْظِهِ تَيْسِيرُ الصَّحَابَةِ لِجَمْعِهِ ، وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَضَبْطِهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْتُبُهُ كَتَبَتُهُ بِإِمْلَائِهِ إيَّاهُ عَلَيْهِمْ ، وَهَلْ يَخْفَى عَلَى مُتَصَوِّرٍ مَعْنًى صَحِيحًا فِي قَلْبِهِ
أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى كَتْبِهِ وَضَبْطِهِ بِالتَّقْيِيدِ فِي الصُّحُفِ ، وَلَوْ كَانَ مَا ضَمِنَهُ اللَّهُ مِنْ حِفْظِهِ لَا عَمَلَ لِلْأُمَّةِ فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إخْبَارِ اللَّهِ لَهُ بِضَمَانِ حِفْظِهِ ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّ حِفْظَهُ مِنْ اللَّهِ بِحِفْظِنَا وَتَيْسِيرَهُ ذَلِكَ لَنَا وَتَعْلِيمَهُ لِكِتَابَتِهِ وَضَبْطِهِ فِي الصُّحُفِ بَيْنَنَا .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ } ؛ وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ بَيْنَ الْأُمَّةِ مَكْتُوبٌ مُسْتَصْحَبٌ فِي الْأَسْفَارِ ، هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْوُجُوهِ عِنْدَ النُّظَّارِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَأَمَّا كِتَابَةُ عُثْمَانَ لِلْمَصَاحِفِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَى الْكُوفَةِ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَاتِ ، فَأَرَادَ ضَبْطَ الْأَمْرِ لِئَلَّا يَنْتَشِرَ إلَى حَدِّ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْقُرْآنِ ، كَمَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كُتُبِهِمْ ، وَكَانَ جَمْعُ أَبِي بَكْرٍ لَهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ أَصْلُهُ ؛ فَكَانَا أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِسَبَبَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ .
وَقَدْ كَانَ { وَقْعُ مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ ، فَاحْتَمَلَ عُمَرُ هِشَامًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْلًا ، حَتَّى قَرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَرَأَ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَصَوَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُلَّ ، وَأَنْبَأَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ ، إذْ الْكُلُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، بِأَمْرِهِ نَزَلَ ، وَبِفَضْلِهِ تَوَسَّعَ فِي حُرُوفِهِ حَتَّى جَعَلَهَا سَبْعَةً } ، فَاخْتَارَ عُثْمَانُ وَالصَّحَابَةُ مِنْ تِلْكَ الْحُرُوفِ مَا رَأَوْهُ ظَاهِرًا مَشْهُورًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مَذْكُورًا ، وَجَمَعُوهُ فِي مَصَاحِفَ ،
وَجُعِلَتْ أُمَّهَاتٍ فِي الْبُلْدَانِ تَرْجِعُ إلَيْهَا بَنَاتُ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَأَمَّا حَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْكَارُهُ عَلَى زَيْدٍ أَنْ يَتَوَلَّى كَتْبَ الْمَصَاحِفِ ، وَهُوَ أَقْدَمُ قِرَاءَةً .
قُلْنَا : يَا مَعْشَرَ الطَّالِبِينَ لِلْعِلْمِ ، مَا نَقَمَ قَطُّ عَلَى عُثْمَانَ شَيْءٌ إلَّا خَرَجَ مِنْهُ كَالشِّهَابِ ، وَأَنْبَأَ أَنَّهُ أَتَاهُ بِعِلْمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُقْسِطِ ، وَعِنْدَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا قَالَ وَبَلَغَ عُثْمَانُ : قَالَ عُثْمَانُ : مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْخِلَافِ وَالشُّبْهَةِ ، وَيَغْضَبُ عَلَيَّ أَنْ لَمْ أُوَلِّهِ نَسْخَ الْقُرْآنِ ، وَقَدَّمْت زَيْدًا عَلَيْهِ ، فَهَلَّا غَضِبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حِينَ قَدَّمَا زَيْدًا لِكِتَابَتِهِ وَتَرَكَاهُ ، إنَّمَا اتَّبَعْت أَنَا أَمْرَهُمَا ، فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا حَسَّنَ قَوْلَ عُثْمَانَ وَعَابَ ابْنَ مَسْعُودٍ .
وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا ، وَقَدْ أَبَى اللَّهُ أَنْ يُبْقِيَ لِابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ أَثَرًا ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَرَاجَعَ أَصْحَابَهُ فِي الِاتِّبَاعِ لِمُصْحَفِ عُثْمَانَ وَالْقِرَاءَةِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ بَعْدَ رَبْطِ الْأَمْرِ بِالثَّبَاتِ وَضَبْطِ الْقُرْآنِ بِالتَّقْيِيدِ .
قُلْنَا : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِلتَّوْسِعَةِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهَا ، وَرَحِمَ بِهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَأَقْرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، وَأَخَذَ كُلُّ صَاحِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَرْفًا أَوْ جُمْلَةً مِنْهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ تَارَةً فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ ، وَتَارَةً فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْقِرَاءَةِ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ الْيَوْمَ ، وَلَكِنَّ الصَّحَابَةَ ضَبَطَتْ الْأَمْرَ إلَى حَدٍّ يُقَيَّدُ مَكْتُوبًا ، وَخَرَجَ مَا بَعْدَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا حَتَّى أَنَّ مَا تَحْتَمِلُهُ الْحُرُوفُ الْمُقَيَّدَةُ فِي الْقُرْآنِ قَدْ خَرَجَ أَكْثَرُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ، وَقَدْ انْحَصَرَ الْأَمْرُ إلَى مَا نَقَلَهُ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ بِالْأَمْصَارِ الْخَمْسَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أَرْسَلَ ثَلَاثَةَ مَصَاحِفَ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ احْتَبَسَ مُصْحَفًا ، وَأَرْسَلَ إلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْيَمَنِ ثَلَاثَةَ مَصَاحِفَ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ أَرْسَلَ أَرْبَعَةً إلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَتْ سَبْعَةَ مَصَاحِفَ ، فَبَعَثَ مُصْحَفًا إلَى مَكَّةَ ، وَإِلَى الْكُوفَةِ آخَرَ ، وَمُصْحَفًا إلَى الْبَصْرَةِ ، وَمُصْحَفًا إلَى الشَّامِ ، وَمُصْحَفًا إلَى الْيَمَنِ ، وَمُصْحَفًا إلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَمُصْحَفًا عِنْدَهُ .
فَأَمَّا مُصْحَفُ الْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُمَا خَبَرٌ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الْمَصَاحِفُ إنَّمَا كَانَتْ تَذْكِرَةً لِئَلَّا يَضِيعَ الْقُرْآنُ ، فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَإِنَّمَا أُخِذَتْ بِالرِّوَايَةِ لَا مِنْ الْمَصَاحِفِ ، أَمَّا إنَّهُمْ كَانُوا إذَا اخْتَلَفُوا رَجَعُوا إلَيْهَا فَمَا كَانَ فِيهَا عَوَّلُوا عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الْمَصَاحِفُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَثْبَتَتْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ ،
وَأَسْقَطَتْهُ فِي الْبَعْضِ ، لِيُحْفَظَ الْقُرْآنُ عَلَى الْأُمَّةِ ، وَتَجْتَمِعَ أَشْتَاتُ الرِّوَايَةِ ، وَيَتَبَيَّنَ وَجْهُ الرُّخْصَةِ وَالتَّوْسِعَةِ ، فَانْتَهَتْ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إلَى أَرْبَعِينَ حَرْفًا فِي هَذِهِ الْمَصَاحِفِ ، وَقَدْ زِيدَتْ عَلَيْهَا أَحْرُفٌ يَسِيرَةٌ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ الْمَشْهُورِينَ تُرِكَتْ ؛ فَهَذَا مُنْتَهَى الْحَاضِرِ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ الْفَنُّ الَّذِي تَصَدَّيْنَا لَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا ثَبَتَتْ الْقِرَاءَاتُ ، وَتَقَيَّدَتْ الْحُرُوفُ فَلَيْسَ يَلْزَمُ أَحَدًا أَنْ يَقْرَأَ بِقِرَاءَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، كَنَافِعٍ مِثْلًا ، أَوْ عَاصِمٍ ؛ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ فَيَتْلُو حُرُوفَهَا عَلَى ثَلَاثِ قِرَاءَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ قُرْآنٌ ، وَلَا يَلْزَمُ جَمْعُهُ ؛ إذْ لَمْ يُنَظِّمْهُ الْبَارِي لِرَسُولِهِ ، وَلَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَبُّدِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الْخَلْقَ بِالدَّلِيلِ أَلَّا يَتَعَدَّوْا الثَّابِتَ إلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ ، فَأَمَّا تَعْيِينُ الثَّابِتِ فِي التِّلَاوَةِ فَمُسْتَرْسِلٌ عَلَى الثَّابِتِ كُلِّهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ يُونُسَ فِيهَا مِنْ الْآيَاتِ سِتٌّ .
الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبَرَّ هُوَ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ ، وَالْبَحْرَ هُوَ الْمَاءُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْبَرَّ الْفَيَافِي ، وَالْبَحْرَ الْأَمْصَارُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحَسَبِ مَا يَرْتَبِطُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ مُقَدَّمٍ لَهُ أَوْ بَعْدَهُ ، كَقَوْلِهِ هَاهُنَا : { حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } .
فَهَذَا نَصٌّ بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرِ غَمْرَةُ الْمَاءِ ، وَقَرِينَتُهَا الْمُبَيِّنَةُ لَهَا قَوْلُهُ : حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ، وَقَوْلُهُ : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } ، فَقَوْلُهُ : { مِنْ الْفُلْكِ } هُوَ لِلْبَحْرِ ، وَقَوْلُهُ : ( " الْأَنْعَامِ " ) هُوَ لِلْبَرِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قُرِئَ { يُسَيِّرُكُمْ } بِالْيَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَنَنْشُرُكُمْ بِالنُّونِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَأَرَادَ الْيَحْصُبِيُّ يَبْسُطُكُمْ بَرًّا وَبَحْرًا ، وَأَرَادَ غَيْرَهُ مِنْ السَّيْرِ ، وَهُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ طَرِيقَيْنِ : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ : إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ قَالَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ، فَنَامَ عِنْدَهَا ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقَالَتْ لَهُ : مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ .
قَالَتْ : فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ .
فَدَعَا لَهَا ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا يُضْحِكُك ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى .
قَالَتْ ، فَقُلْت : اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ .
قَالَ : أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ } الْحَدِيثَ .
فَفِي هَذَا كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ بِهِ وَسَطَ الْأَرْضِ ، فَانْفَلَقَتْ ، وَجَعَلَ الْخَلْقَ فِي الْعُدْوَتَيْنِ ، وَقَسَّمَ الْمَنَافِعَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ ، وَلَا يُوصَلُ إلَى جَلْبِهَا إلَّا بِشَقِّ الْبَحْرِ [ لَهَا ] ، فَسَهَّلَ اللَّهُ سَبِيلَهُ بِالْفُلْكِ ، وَعَلَّمَهَا نُوحًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِرَاثَةً فِي الْعَالَمِينَ بِمَا أَرَاهُ جِبْرِيلُ ، وَقَالَ لَهُ : صَوِّرْهَا عَلَى جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ ، فَالسَّفِينَةُ طَائِرٌ مَقْلُوبٌ ، وَالْمَاءُ فِي اسْتِفَالِهِ لِلسَّفِينَةِ نَظِيرُ الْهَوَاءِ فِي
اعْتِلَائِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَمَّا الْقُرْآنُ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ [ اللَّذَانِ جَلَبْنَاهُمَا فَيَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ مُطْلَقًا .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهِ فِي الْغَزْوِ ، وَهِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ أَجَازَهَا مَعَ ] مَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ ، وَلَكِنَّ الْغَالِبَ مِنْهُ السَّلَامَةُ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ لَا حَاصِرَ لَهُمْ ، وَاَلَّذِينَ يَهْلِكُونَ فِيهِ مَحْصُورُونَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهَا : يَرْكَبُونَ ظَهْرَهُ عَلَى الْفُلْكِ رُكُوبَ الْمُلُوكِ الْأَسِرَّةَ عَلَى الْأَرْضِ .
الثَّانِي : يَرْكَبُونَ الْفُلْكَ لِسَعَةِ الْحَالِ وَالْمِلْكِ كَأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمُلْكِ .
وَيُعَارِضُ هَذَا قَوْله تَعَالَى : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ بِالْمُلْكِ وَوَصَفَ اللَّهَ هَؤُلَاءِ بِالْمَسْكَنَةِ .
وَمِنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَرَّ قَوْمٌ فَقَالُوا : إنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَّاكِينَ بِتَشْدِيدِ السِّينِ .
وَقَالَ قَوْمٌ إنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالْمَسْكَنَةِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ فِي الْبَحْرِ وَضَعْفِ الْحِيلَةِ فِيهِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ عِيَانًا فَلْيَرْكَبْ الْبَحْرَ .
وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَسْكَنَتَهُمْ كَانَتْ لِوَجْهَيْنِ : : أَحَدُهُمَا : لِدُخُولِهِمْ الْبَحْرَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ وَلَا مِلْكٌ إلَّا السَّفِينَةُ ، وَهُمْ لَا يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ بِالْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ ، وَالْعَزْمِ وَالشِّدَّةِ ، يَقْصِدُونَ الْغَلَبَةَ ، وَهَذِهِ حَالَةٌ لِلْمُلْكِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْمُسْلِمِينَ ، لِمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ ، إذْ لَمْ يَرَهُ إلَّا
لِضَرُورَةٍ كَمَا رَكِبَهُ الْمُهَاجِرُونَ إلَى الْحَبَشَةِ لِلضَّرُورَةِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الْفِرَارِ مِنْ نِكَايَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَمَّا الْآخِرُ فَلِنَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكَوْنِ مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا حَصَلَ الْمَرْءُ فِي ارْتِجَاجِ الْبَحْرِ وَغَلَبَتِهِ وَعَصْفِهِ وَتَعَابُسِ أَمْوَاجِهِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
قَوْله تَعَالَى : { دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : تَفْسِيرُ التَّحِيَّةِ : وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْمُلْكُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْبَقَاءُ قَالَ الْمُعَمَّرُ : أَبَنِيَّ إنْ أَهْلَكَ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ لَكُمْ بَنِيَّهْ وَتَرَكْتُكُمْ أَوْلَادَ سَادَاتٍ زِنَادُكُمْ وَرِيَّهُ وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّهْ يَعْنِي الْبَقَاءَ .
الثَّالِثُ : [ أَنَّهَا ] السَّلَامُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَلَكَ يَأْتِيهِمْ بِمَا يَشْتَهُونَ فَيَقُولُ لَهُمْ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَيْ سَلِمْتُمْ ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَكَلُوهُ قَالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى تَحِيَّتِهِمْ تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ كَمَا بَيَّنَّا : { أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ إلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَهُمْ فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا لَهُ : وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَذِهِ تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَبَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ هَاهُنَا أَنَّهَا تَحِيَّتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، فَهِيَ تَحِيَّةٌ مَوْضُوعَةٌ مِنْ ابْتِدَاءِ الْخِلْقَةِ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ } ؛ أَيْ هَذَا السَّلَامُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ تَتَقَابَلُونَ بِهِ .
وَالْقَوْلَانِ مُحْتَمَلَانِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ { الْحَقِّ } وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي كِتَابِ " الْأَمَدِ الْأَقْصَى " فِي تَسْمِيَةِ الْبَارِي تَعَالَى بِهِ .
وَلُبَابُهُ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُجُودُ ، وَالْوُجُودُ عَلَى قِسْمَيْنِ : وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ ، وَوُجُودٌ شَرْعِيٌّ .
فَأَمَّا الْوُجُودُ الْحَقِيقِيُّ فَلَيْسَ إلَّا لِلَّهِ وَصِفَاتِهِ ، وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُك الْحَقُّ ، وَوَعْدُك الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُك حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ } .
فَأَمَّا اللَّهُ وَصِفَاتُهُ فَوُجُودُهَا [ هُوَ ] حَقٌّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهَا عَدَمٌ ، وَلَا يَعْقُبُهَا فَنَاءٌ .
وَأَمَّا لِقَاءُ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ سَبَقَهُ عَدَمٌ ، وَيَعْقُبُهُ مِثْلُهُ .
وَأَمَّا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَهُمَا حَقَّانِ ، سَبَقَهُمَا عَدَمٌ ، وَلَا يَعْقُبُهَا فَنَاءٌ ، لَكِنَّ مَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ أَعْرَاضٌ .
وَأَمَّا الْوُجُودُ الشَّرْعِيُّ فَهُوَ الَّذِي يُحَسِّنُهُ الشَّرْعُ ، وَهُوَ وَاجِبٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَاطِلِ : وَهُوَ ضِدُّ الْحَقِّ ، وَالضِّدُّ رُبَّمَا أَظْهَرَ حَقِيقَةَ الضِّدِّ ، فَإِذَا قُلْنَا : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً ، فَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ ، وَعَنْهُ عَبَّرَ الَّذِي يَقُولُ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ وَإِنْ قُلْنَا : [ إنَّ ] الْحَقَّ هُوَ الْحَسَنُ شَرْعًا فَالْبَاطِلُ هُوَ الْقَبِيحُ شَرْعًا ، وَمُقَابَلَةُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ عُرِفَ لُغَةً وَشَرْعًا ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } .
كَمَا أَنَّ مُقَابَلَةَ الْحَقِّ بِالضَّلَالِ عُرِفَ أَيْضًا لُغَةً وَشَرْعًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } ،
وَقَدْ بَيَّنَ حَقِيقَةَ الْحَقِّ .
فَأَمَّا حَقِيقَةُ الضَّلَالِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَهُوَ الذَّهَابُ عَنْ الْحَقِّ ، أُخِذَ مِنْ ضَلَالِ الطَّرِيقِ ، وَهُوَ الْعُدُولُ عَنْ سَمْتِ الْقَصْدِ ، وَخُصَّ فِي الشَّرْعِ بِالْعِبَارَةِ عَنْ الْعُدُولِ عَنْ السَّدَادِ فِي الِاعْتِقَادِ دُونَ الْأَعْمَالِ .
وَمِنْ غَرِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَقِّ إذَا قَابَلَهُ غَفْلَةً ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِعَدَمِهِ جَهْلٌ أَوْ شَكٌّ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ : { وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى } .
الَّذِي حَقَّقَهُ قَوْلُهُ : { مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } ؟ فَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ مِنْ الضَّلَالِ .
وَرَوَى يُونُسُ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ : سُئِلَ يَعْنِي مَالِكًا عَنْ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ قَالَ : لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَاللَّعِبُ كُلُّهُ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِذِي الْعَقْلِ أَنْ تَنْهَاهُ اللِّحْيَةُ وَالشَّيْبُ عَنْ الْبَاطِلِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَسْلَمَ فِي شَيْءٍ : أَمَا تَنْهَاك لِحْيَتُك هَذِهِ ؟ قَالَ أَسْلَمُ : فَمَكَثْت زَمَانًا وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهَا سَتَنْهَانِي .
فَقِيلَ لِمَالِكٍ لِمَا كَانَ عُمَرُ لَا يَزَالُ يَقُولُ فَيَكُونُ .
فَقَالَ : نَعَمْ [ فِي رَأْيِي ] .
وَرَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَلْعَبُ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي بَيْتِهِ .
فَقَالَ مَالِكٌ : مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّعِبُ ؛ يَقُولُ اللَّهُ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } ، وَهَذَا مِنْ الْبَاطِلِ .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خِدَاشٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ قَالَ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْجُهَنِيُّ ؛ قَالَ : قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : أَدْعُو الرَّجُلَ لِعَبَثِي .
فَقَالَ مَالِكٌ : أَذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ ؟ قُلْت : لَا .
قَالَ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذَا مُنْتَهَى مَا تَحَصَّلَ لِي مِنْ أَلْفَاظِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَالِفِينَ ، فَقَالَ : ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ اللَّهِ هُوَ الضَّلَالُ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهَا : { فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } فَهَذَا فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ يَعْنِي لَيْسَ فِي الْأَعْمَالِ .
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فَقَالَ : إنَّ
الْكُفْرَ تَغْطِيَةُ الْحَقِّ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْحَقِّ يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى .
هَذَا مُنْتَهَى السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَبَاحَ وَحَرَّمَ ، فَالْحَرَامُ ضَلَالٌ ، وَالْمُبَاحُ هُدًى ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُبَاحُ حَقًّا كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فَالشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمُبَاحِ ، فَلَا يَكُونُ مِنْ الضَّلَالِ ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَبَاحَ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ ضَالٌّ ، وَإِنْ كَانَ الشِّطْرَنْجُ خَارِجًا مِنْ الْمُبَاحِ فَيَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ ، فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهِ ، وَأَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُخَالِفُ النَّرْدَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إكْدَادَ الْفَهْمِ ، وَاسْتِعْمَالَ الْقَرِيحَةِ ، وَالنَّرْدُ قِمَارٌ غَرَرٌ لَا يَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ لَهُ فِيهِ ، كَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الثَّابِتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ } يُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ الشِّطْرَنْجِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يَشْغَلُ عَنْ ذَكَرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَالْفَهْمُ يُكَدُّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ تَفَاضَلَا فِيهِ .
وَأَمَّا لَعِبُ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ بِالْأَرْبَعِ عَشَرَةَ فَالْمُمْتَنِعُ لَا تَفْتَرِقُ فِيهِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ لِلرَّجُلِ وَلَا الْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْعَبَ مَعَهَا بِالنَّرْدَشِيرِ لِعُمُومِ النَّهْيِ فِيهِ ، وَالْأَرْبَعَ عَشَرَةَ قِمَارٌ مِثْلُهُ .
وَأَمَّا الْغِنَاءُ فَإِنَّهُ مِنْ اللَّهْوِ الْمُهَيِّجِ لِلْقُلُوبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ .
أَمَّا إنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ [ دَلِيلًا عَلَى ] إبَاحَتِهِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ حَادِيَتَانِ مِنْ
حَادِيَاتِ الْأَنْصَارِ ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ بِهِ يَوْمَ بُعَاثٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ } فَلَوْ كَانَ الْغِنَاءُ حَرَامًا مَا كَانَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ .
وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِظَاهِرِ الْحَالِ ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَضْلِ الرُّخْصَةِ وَالرِّفْقِ بِالْخَلِيقَةِ فِي إجْمَامِ الْقُلُوبِ ؛ إذْ لَيْسَ جَمِيعُهَا يَحْمِلُ الْجِدَّ دَائِمًا .
وَتَعْلِيلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ دَوَامِهِ ، وَرُخْصَتِهِ فِي الْأَسْبَابِ كَالْعِيدِ ، وَالْعُرْسِ ، وَقُدُومِ الْغَائِبِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تُؤَلِّفُ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِينَ وَالْمُفْتَرِقَاتِ عَادَةً .
وَكُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي التَّحْرِيمِ أَوْ آيَةٍ تُتْلَى فِيهِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ سَنَدًا ، بَاطِلٌ مُعْتَقَدًا ، خَبَرًا وَتَأْوِيلًا ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي الْغِنَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَفِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ ابْنِ وَدِيعَةَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } .
وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لَا يَكُونَانِ عَقْلًا وَلَا تَشَهِّيًا ؛ وَإِنَّمَا الْمُحَرِّمُ وَالْمُحَلِّلُ هُوَ اللَّهُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا بُشْرَى اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ وَعْدِهِ الْكَرِيمِ ، فِي قَوْلِهِ : { وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } ، { وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا } وَقَوْلِهِ : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ } وَنَظَائِرِهِ .
الثَّانِي : مَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
قَالَ : " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ " .
قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ : سَأَلْت أَبَا الدَّرْدَاءِ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } فَقَالَ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ عَنْهَا ؛ { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ عَنْهَا ؛ فَقَالَ : مَا سَأَلَنِي أَحَدٌ عَنْهَا غَيْرُك مُنْذُ أُنْزِلَتْ ؛ فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ } .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَطَلْحَةَ ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْهَا طَرِيقٌ وَلَكِنَّهَا حِسَانٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَابِ : { الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } .
وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ بَدِيعٌ ، قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَسَيَأْتِي جُمْلَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي الْقِبْلَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِهَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِبْلَةَ فِي الصَّلَاةِ كَانَتْ شَرْعًا لِمُوسَى فِي صَلَاتِهِ وَلِقَوْمِهِ ، وَلَمْ تَخْلُ الصَّلَاةُ قَطُّ عَنْ شَرْطِ الطَّهَارَتَيْنِ ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي التَّكْلِيفِ ، وَأَوْقَرُ لِلْعِبَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قِيلَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } : يَعْنِي : بَيْتَ الْمَقْدِسِ أُمِرُوا أَنْ يَسْتَقْبِلُوهَا حَيْثُمَا كَانُوا ، وَقَدْ كَانَتْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ قِبْلَةً ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ دُونَ بِيَعِكُمْ إذَا كُنْتُمْ خَائِفِينَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ دِينِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ إلَّا فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ مَا دَامُوا عَلَى أَمْنٍ ، فَإِذَا خَافُوا فَقَدْ أَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ دَعْوَى .
[ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ] .
سُورَةُ هُودٍ فِيهَا ثَمَانِي آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } بَيَانٌ لِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُعْطَى إلَّا عَلَى وَجْهِ قَصْدِهِ ، وَبِحُكْمِ مَا يَنْعَقِدُ ضَمِيرُهُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا يُعْطَى ثَوَابَ عَمَلِهِ فِيهَا ، وَلَا يُبْخَسُ مِنْهُ شَيْئًا .
وَاخْتُلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ التَّوْفِيَةِ ؛ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ صِحَّةُ بَدَنِهِ أَوْ إدْرَارُ رِزْقِهِ .
وَقِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي فِي حم عسق : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ } الْآيَةُ قَيَّدَهَا وَفَسَّرَهَا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ سُبْحَانَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ } إلَى : { مَحْظُورًا } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْوِي وَيُرِيدُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُرِيدُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَقِيلَ : إنَّهُ الْكَافِرُ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ حُكْمُهُ الْأَفْضَلُ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ فِي الْكَفَرَةِ ، وَفِي أَهْلِ الرِّيَاءِ .
قَالَ الْقَاضِي : هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يَنْوِي غَيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِهِ ، كَانَ مَعَهُ أَصْلُ إيمَانٍ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَالَ اللَّهُ : إنِّي لَا أَقْبَلُ عَمَلًا أُشْرِكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي ، أَنَا أَغْنَى الْأَغْنِيَاءِ عَنْ الشِّرْكِ } .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
نَزَلَ إلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ ، فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ : أَلَمْ أُعَلِّمْك مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَبِّ .
قَالَ : فَمَاذَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت ؟ قَالَ : كُنْت أَقُومُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ .
فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَذَبْتَ ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْتَ ، وَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ : بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ ؛ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ .
وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَوَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْك حَتَّى لَمْ أَدَعَكَ تَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى يَا رَبِّ .
فَيَقُولُ : فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُك ؟ قَالَ : كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : كَذَبْت ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْت : بَلْ أَرَدْت أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَادٌ ، فَقَدْ قِيلَ لَك ذَلِكَ .
وَيُؤْتَى بِاَلَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : فِيمَا ذَا قُتِلْت ؟ فَيَقُولُ : أُمِرْت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِك فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ .
فَيَقُولُ اللَّهُ : كَذَبْت ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ : كَذَبْت ، وَيَقُولُ اللَّهُ : بَلْ أَرَدْت أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ .
ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أَيْ فِي الدُّنْيَا ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مُرَادِ الْآيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ أَشْرَسَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ مَلَئُوا الْأَرْضَ حَتَّى مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ ، فَمَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْزِلُوا إلَى هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْزِلُوا مَعَ هَؤُلَاءِ ، فَلَبِثَ نُوحُ يَغْرِسُ الشَّجَرَ مِائَةَ عَامٍ لِعَمَلِ السَّفِينَةِ ، ثُمَّ جَمَعَهَا يَيْبَسُهَا مِائَةَ عَامٍ ، وَقَوْمُهُ يَسْخَرُونَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَوْهُ يَصْنَعُ ذَلِكَ ، حَتَّى كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِيهِمْ مَا كَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } وَذَلِكَ نَصٌّ فِي ذِكْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَعَلَى كُلِّ أَمْرٍ وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ : { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ } .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ ، حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّهُ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ مَعَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالنِّيَّةِ ، وَمِنْ أَشَدِّهِ فِي النَّدْبِ ذِكْرُ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ ، وَمِنْ الْوُجُوبِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَعْدِيدِ مَوَاضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ : { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ مَنْ فِي الْأَصْلَابِ وَالْأَرْحَامِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْحَى اللَّهُ إلَى نُوحٍ { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَاصْنَعْ الْفُلْكَ } .
قَالَ : يَا رَبُّ ، مَا أَنَا بِنَجَّارٍ قَالَ : بَلَى ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي ؛ فَأَخَذَ الْقَدُومَ ، فَجَعَلَتْ يَدُهُ لَا تُخْطِئُ ، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ بِهِ فَيَقُولُونَ : هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَدْ صَارَ نَجَّارًا ، فَعَمِلَهَا فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنْ { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } ، فَحَمَلَ فِيهَا ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْمَاءَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَفَتَحَ الْأَرْضَ ، وَلَجَأَ ابْنُ نُوحٍ إلَى جَبَلٍ ، فَعَلَا الْمَاءُ عَلَى الْجَبَلِ سَبْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ } يَعْنِي عَنْهُ إلَى قَوْلِهِ : { مِنْ الْجَاهِلِينَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا سَأَلَ نُوحٌ رَبَّهُ لِأَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ : { احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ } إلَى : { وَأَهْلَكَ } وَتَرَكَ نُوحٌ قَوْلَهُ : إلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ اسْتِثْنَاءً عَائِدًا إلَى قَوْلِهِ : مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، وَحَمَلَهُ الرَّجَاءُ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ إلَى الْكُلِّ ، وَأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ ، كَمَا سَبَقَ عَلَى بَعْضٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَأَنَّ الَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ ابْنُهُ تَسْلِيَةً لِلْخَلْقِ فِي فَسَادِ أَبْنَائِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا صَالِحِينَ ، وَنَشَأَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الِابْنَ مِنْ الْأَهْلِ اسْمًا وَلُغَةً ، وَمِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ } .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ : الِاسْتِعْمَارُ طَلَبُ الْعِمَارَةِ ، وَالطَّلَبُ الْمُطْلَقُ مِنْ اللَّهِ عَلَى الْوُجُوبِ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : تَأْتِي كَلِمَةُ اسْتَفْعَلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ ، مِنْهَا اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى طَلَبَ الْفِعْلَ ، كَقَوْلِهِ : اسْتَحْمَلْت فُلَانًا أَيْ طَلَبْت مِنْهُ حُمْلَانًا .
وَمِنْهَا اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى اعْتَقَدَ ، كَقَوْلِهِمْ : اسْتَسْهَلْت هَذَا الْأَمْرَ ، أَيْ اعْتَقَدْته سَهْلًا ، أَوْ وَجَدْته سَهْلًا ، وَاسْتَعْظَمْته أَيْ اعْتَقَدْته عَظِيمًا .
وَمِنْهَا اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَصَبْت الْفِعْلَ ، كَقَوْلِك : اسْتَجْدَتْهُ ، أَيْ أَصَبْته جَيِّدًا ، وَقَدْ يَكُونُ طَلَبْته جَيِّدًا .
وَمِنْهَا بِمَعْنَى فَعَلَ ، كَقَوْلِهِ ، قَرَّ فِي الْمَكَانِ وَاسْتَقَرَّ .
وَقَالُوا : إنَّ قَوْلَهُ يَسْتَهْزِئُونَ ، وَيَسْتَحْسِرُونَ مِنْهُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : " اسْتَعْمَرَكُمْ " : خَلَقَكُمْ لِعِمَارَتِهَا عَلَى مَعْنَى اسْتَجْدَتْهُ وَاسْتَسْهَلْته ، أَيْ أَصَبْته جَيِّدًا وَسَهْلًا ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ فِي الْخَالِقِ ، فَتَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ خُلِقَ ؛ لِأَنَّهُ الْفَائِدَةُ ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الشَّيْءِ بِفَائِدَتِهِ مَجَازًا ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأُصُولِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ ضِمَارَتَهَا ؛ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ ، أَمَّا إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ اسْتَدْعَى عِمَارَتَهَا فَإِنَّهُ جَاءَ بِلَفْظِ اسْتَفْعَلَ ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ الْفِعْلِ بِالْقَوْلِ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ إذَا كَانَ أَمْرٌ ، أَوْ طَلَبَ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى رَغْبَةً ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ .
قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ إعْرَابَ الْآيَةِ ، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ : إنَّهُ عَمِلَ فِي " سَلَامٍ " الْأَوَّلِ الْقَوْلُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : قَالُوا قَوْلًا وَسَلَّمُوا سَلَامًا .
وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَاهُ سَلَامًا .
قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ : إنَّ نَصْبَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَظْهَرُ وُجُوهِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَمِلَ فِيهِ الْقَوْلُ كَانَ عَلَى مَعْنَى السَّلَامِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَمَلُ لَفْظِهِ ، كَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَى الْمَعْنَى ، كَمَا تَقُولُ : قُلْت حَقًّا ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِالْحَاءِ وَالْقَافِ ، وَإِنَّمَا قُلْت قَوْلًا مَعْنَاهُ حَقٌّ ، وَهُمْ إنَّمَا تَكَلَّمُوا بِسَلَامٍ ، وَلِذَا أَجَابَهُمْ بِالسَّلَامِ ، وَعَلَى هَذَا جَرَى قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ .
قَالَ : فَإِنَّهُ يَقُولُ أَمْرِي سَلَامٌ ، أَجَابَهُمْ عَلَى الْمَعْنَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا قَوْلُهُ : { قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ } .
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَلَائِكَةِ هِيَ تَحِيَّةُ بَنِي آدَمَ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : الصَّحِيحُ أَنَّ " سَلَامًا " هَاهُنَا مَعْنَى كَلَامِهِمْ لَا لَفْظُهُ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قَوْلِهِ : { وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } ، وَلَوْ كَانَ لَفْظُ كَلَامِهِمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ذِكْرَ اللَّفْظِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ ذِكْرَ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ سَلَامٍ .
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَرَادَ ذِكْرَ اللَّفْظِ قَالَ بِعَيْنِهِ ، فَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ الْمَلَائِكَةِ : { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ } .
{ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } ، وَأَبْدَعُ مِنْهُ فِي الدَّلَالَةِ أَنَّهُ قَالَ : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إلْ يَاسِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْلُهُ : { قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ يُرَدُّ بِمِثْلِهِ ، كَمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِي قَالَ : كُنْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَيُرَدُّ كَمَا يُقَالُ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذَا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ هَاهُنَا سَلَامٌ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } .
قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ نُزُلًا وَضِيَافَةً ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ .
وَفِي الإسرائليات أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ وَحْدَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ طَعَامُهُ أَرْسَلَ يَطْلُبُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهُ ؛ فَلَقِيَ يَوْمًا رَجُلًا فَلَمَّا جَلَسَ مَعَهُ عَلَى الطَّعَامِ قَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ : سَمِّ اللَّهَ .
قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : لَا أَدْرِي مَا اللَّهُ ؛ قَالَ لَهُ : فَاخْرُجْ عَنْ طَعَامِي .
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ : يَقُولُ [ اللَّهُ ] : إنَّهُ يَرْزُقُهُ عَلَى كُفْرِهِ مَدَى عُمُرِهِ ، وَأَنْتَ بَخِلْت عَلَيْهِ بِلُقْمَةٍ ، فَخَرَجَ إبْرَاهِيمُ مُسْرِعًا فَرَدَّهُ ، فَقَالَ : [ ارْجِعْ قَالَ ] : لَا أَرْجِعُ ؛ تُخْرِجُنِي ثُمَّ تَرُدُّنِي لِغَيْرِ مَعْنًى ، فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ ، فَقَالَ : هَذَا رَبٌّ كَرِيمٌ .
آمَنْت .
وَدَخَلَ وَسَمَّى اللَّهَ ، وَأَكَلَ مُؤْمِنًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ وَاجِبَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ [ أَنَّهُ قَالَ ] : { ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ [ صَحِيحٌ ] خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ .
وَذَهَبَ عُلَمَاءُ الْفِقْهِ إلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ لَا تَجِبُ ؛ إنَّمَا هِيَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ } ؛ وَالْكَرَامَةُ مِنْ خَصَائِصِ النَّدْبِ دُونَ الْوُجُوبِ .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : إنَّ هَذَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَثْبُتْ وَالنَّاسِخَ لَمْ يَرِدْ .
أَمَّا إنَّهُ قَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { نَزَلْنَا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَفْنَاهُمْ ، فَأَبَوْا ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ ، فَقَالُوا : يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ ؛ إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ ، وَقَدْ سَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنِّي وَاَللَّهِ أَرْقِي ، وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا ، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعَلًا .
فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ ، فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَكَأَنَّمَا أُنْشِطُ مِنْ عِقَالٍ ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ .
قَالَ : فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : اقْسِمُوا ، وَقَالَ
الَّذِي رَقَى : لَا تَفْعَلُوا ، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ ، فَنَنْظُرَ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ .
فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ ثُمَّ قَالَ : اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا .
فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
فَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَاسْتَضَفْنَاهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الضِّيَافَةَ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَلَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَبَوْا وَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَلَكِنَّ الضِّيَافَةَ حَقِيقَةً فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْقُرَى حَيْثُ لَا طَعَامَ وَلَا مَأْوَى ، بِخِلَافِ الْحَوَاضِرِ ، فَإِنَّهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمَأْوِيَّاتِ وَالْأَقْوَاتِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الضَّيْفَ كَرِيمٌ ، وَالضِّيَافَةَ كَرَامَةٌ ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَهِيَ فَرِيضَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } قَالَ كُبَرَاءُ النَّحْوِيِّينَ : فَمَا لَبِثَ حَتَّى جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ، وَأَعْجَبُ لَهُمْ كَيْفَ اسْتَجَازُوا ذَلِكَ مَعَ سِعَةِ مَعْرِفَتِهِمْ .
وَقَالَ غَيْرُهُمْ مَا قَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذِكْرَهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَحَقَّقْنَا [ أَنَّ مَوْضِعَ ] " أَنْ جَاءَ " مَنْصُوبٌ عَلَى حُكْمِ الْمَفْعُولِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مُبَادَرَةُ إبْرَاهِيمَ بِالنُّزُولِ حِينَ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَضْيَافٌ مَشْكُورَةٌ مِنْ اللَّهِ مَتْلُوَّةٌ مِنْ كَلَامِهِ فِي الثَّنَاءِ بِهَا عَلَيْهِ ، تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي إنْزَالِهِ فِيهِ حِينَ قَالَ فِي مَوْضِعِ : فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ .
وَفِي آخَرَ : فَجَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ أَيْ مَشْوِيٍّ ، وَوَصَفَهُ بِالطِّيبَيْنِ : طِيبِ السِّمَنِ ، وَطِيبِ الْعَمَلِ بِالْإِشْوَاءِ ، وَهُوَ أَطْيَبُ لِلْمُحَاوَلَةِ فِي تَنَاوُلِهِ ؛ فَكَانَ لِإِبْرَاهِيمَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ : الضِّيَافَةُ ، وَالْمُبَادَرَةُ بِهَا جَيِّدًا لِسِمَنٍ فِيهَا وَصْفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : كَانَتْ ضِيَافَةٌ قَلِيلَةٌ فَشَكَرَهَا الْحَبِيبُ مِنْ الْحَبِيبِ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ بِالظَّنِّ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَبِالْقِيَاسِ فِي مَوْضِعِ النَّقْلِ ، مِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّهُ قَلِيلٌ ؟ بَلْ قَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا ثَلَاثَةً : جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ ، وَعِجْلٌ لِثَلَاثَةٍ عَظِيمٌ ، فَمَا هَذَا التَّفْسِيرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ ؟ هَذَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ هُوَ التَّفْسِيرُ الْمَذْمُومُ ، فَاجْتَنِبُوهُ فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : السُّنَّةُ إذَا قُدِّمَ لِلضَّيْفِ الطَّعَامُ أَنْ يُبَادِرَ الْمُقَدَّمُ إلَيْهِ بِالْأَكْلِ مِنْهُ ، فَإِنَّ كَرَامَةَ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ الْمُبَادَرَةُ بِالْقَبُولِ ، فَلَمَّا قَبَضَ الْمَلَائِكَةُ أَيْدِيَهُمْ نَكِرَهُمْ إبْرَاهِيمُ ؛ ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ الْعَادَةِ ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُمْ مَكْرُوهٌ يَقْصِدُونَهُ .
وَقَدْ كَانَ مِنْ الْجَائِزِ كَمَا يَسَّرَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنْ يَتَشَكَّلُوا فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّ جَسَدًا وَهَيْئَةً أَنْ يُيَسِّرَ لَهُمْ أَكْلَ الطَّعَامِ ، إلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْعُلَمَاءِ ، أَرْسَلَهُمْ فِي صِفَةِ الْآدَمِيِّينَ ، وَتَكَلَّفَ إبْرَاهِيمُ الضِّيَافَةَ حَتَّى إذَا رَأَى التَّوَقُّفَ ، وَخَافَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى فَجْأَةً ، وَأَكْمَلُ الْمُبَشِّرَاتِ مَا جَاءَ فَجْأَةً وَلَمْ يَظُنَّهُ الْمَسْرُورُ حِسَابًا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَانَ شُعَيْبٌ كَثِيرُ الصَّلَوَاتِ مُوَاظِبًا لِلْعِبَادَةِ ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ عَيَّرُوهُ بِمَا رَأَوْهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الطَّاعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ } : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ .
وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ ؛ وَكَسْرُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ ؛ لِأَنَّهَا الْوَاسِطَةُ فِي تَقْدِيرِ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ وَالسَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَةِ كَمِّيَّةِ الْأَمْوَالِ وَتَنْزِيلِهَا فِي الْمُعَارَضَاتِ ، حَتَّى عَبَّرَ عَنْهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنْ يَقُولُوا إنَّهَا الْقَاضِي بَيْنَ الْأَمْوَالِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَقَادِيرِ أَوْ جَهْلِهَا ، وَإِنَّ مَنْ حَبَسَهَا وَلَمْ يَصْرِفْهَا فَكَأَنَّهُ حَبَسَ الْقَاضِيَ وَحَجَبَهُ عَنْ النَّاسِ ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ إذَا كَانَتْ صِحَاحًا قَامَ مَعْنَاهَا ، وَظَهَرَتْ فَائِدَتُهَا ، فَإِذَا كُسِرَتْ صَارَتْ سِلْعَةً ، وَبَطَلَتْ الْفَائِدَةُ فِيهَا ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ ؛ فَلِأَجْلِهِ حُرِّمَ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِهِ .
وَمِثْلُهَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : { وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا } .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ } قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : كَانُوا يَكْسِرُونَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ ، وَالْمَعَاصِي تَتَدَاعَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَصْبَغُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدٍ بْنِ جُنَادَةَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْعُتَقِيِّ : مَنْ كَسَرَهَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ اعْتَذَرَ بِالْجَهَالَةِ لَمْ يُعْذَرْ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعِ عُذْرٍ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، فَلِأَنَّهُ أَتَى كَبِيرَةً ؛ وَالْكَبَائِرُ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ دُونَ الصَّغَائِرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا
يُقْبَلُ عُذْرُهُ بِالْجَهَالَةِ فِي هَذَا فَلِأَنَّهُ أَمْرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ .
وَإِنَّمَا يُقْبَلُ الْعُذْرُ إذَا ظَهَرَ الصِّدْقُ فِيهِ أَوْ خَفِيَ وَجْهُ الصِّدْقِ فِيهِ ، وَكَانَ اللَّهُ أَعْلَمَ بِهِ مِنْ الْعَبْدِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً وَفَسَادًا يَرُدُّ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ .
اُخْتُلِفَ فِي عُقُوبَتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : [ الْأَوَّلُ ] : قَالَ مَالِكٌ : يُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ هَكَذَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِلْعُقُوبَةِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَنَحْوُهُ عَنْ سُفْيَانَ : إنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ قَدْ جُلِدَ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : رَجُلٌ كَانَ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ .
قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : هَذَا مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يُنْكِرْ جَلْدَهُ .
الثَّالِثُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التُّجِيبِيُّ : كُنْت عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاعِدًا ، وَهُوَ إذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ ، فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ ، فَأَمَرَ فَطِيفَ بِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ : هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَقْطَعُ الدَّرَاهِمَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَقْطَعَ يَدَك إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَقَدْ تَقَدَّمْت فِي ذَلِكَ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا أَدَبُهُ بِالسَّوْطِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ ، وَأَمَّا حَلْقُهُ فَقَدْ فَعَلَهُ عُمَرُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ كُنْت أَيَّامَ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَضْرِبُ وَأَحْلِقُ ؛ وَإِنَّمَا كُنْت أَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ يُرَبِّي شَعْرَهُ عَوْنًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَطَرِيقًا إلَى التَّجَمُّلِ بِهِ فِي الْفُسُوقِ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ طَرِيقَةٍ لِلْمَعْصِيَةِ أَنْ يَقْطَعَ إذَا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي الْبَدَنِ .
وَأَمَّا قَطْعُ يَدِهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عُمَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ فَصْلِ السَّرِقَةِ ،
وَذَلِكَ أَنَّ قَرْضَ الدَّرَاهِمِ غَيْرُ كَسْرِهَا ، فَإِنَّ الْكَسْرَ إفْسَادُ الْوَصْفِ وَالْقَرْضَ تَنْقِيصُ الْقَدْرِ ، فَهُوَ أَخْذُ مَالٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِفَاءِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَيْسَ مِنْ حِرْزٍ ، وَالْحِرْزُ أَصْلٌ فِي الْقَطْعِ .
قُلْنَا : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَأَى أَنَّ تَهْيِئَتَهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا حِرْزٌ لَهَا ، وَحِرْزُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ .
وَقَدْ أَنْفَذَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَقَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي قَطْعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمَالِكِيَّةُ : إنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ خَوَاتِيمُ اللَّهِ عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ وَلَوْ قُطِعَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مَنْ كَسَرَ خَاتَمًا لِلَّهِ لَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، إذْ مَنْ كَسَرَ خَاتَمَ سُلْطَانٍ عَلَيْهِ اسْمُهُ أُدِّبَ ، وَخَاتَمُ اللَّهِ تُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ ، فَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْعُقُوبَةِ .
وَأَرَى الْقَطْعَ فِي قَرْضِهَا دُونَ كَسْرِهَا ، وَقَدْ كُنْت أَفْعَلُ ذَلِكَ أَيَّامَ تَوْلِيَتِي الْحُكْمَ ، إلَّا أَنِّي كُنْت مَحْفُوفًا بِالْجُهَّالِ ، لَمْ أُجِبْ بِسَبَبِ الْمَقَالِ لِلْحِسْدَةِ الضُّلَّالِ ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ يَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَلْيَفْعَلْهُ احْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى .
قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الرُّكُونُ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ النَّقَلَةِ لِلتَّفْسِيرِ ، وَحَقِيقَتُهُ الِاسْتِنَادُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قِيلَ فِي الظَّالِمِينَ إنَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ .
وَقِيلَ : إنَّهُمْ الْمُؤْمِنُونَ ، وَأَنْكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ ، وَقَالُوا : أَمَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذُنُوبِهِمْ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالَحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ ، وَلَا يُرْكَنُ إلَيْهِ فِيهَا .
وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَصْحَبَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَفِعْلُ ذَلِكَ كُفْرٌ ؛ وَلَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَفِعْلُ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ قَالَ اللَّهُ فِي الْأَوَّلِ : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْآيَةُ إنْ كَانَتْ فِي الْكُفَّارِ فَهِيَ عَامَّةٌ فِيهِمْ وَفِي الْعُصَاةِ ، وَذَلِكَ عَلَى نَحْوٍ مِنْ قَوْلِهِ : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا } .
وَقَدْ قَالَ حَكِيمٌ : عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ مُقْتَدٍ وَالصُّحْبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ مَوَدَّةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ عَنْ ضَرُورَةٍ وَتَقِيَّةٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ عَلَى الْمَعْنَى ، وَصُحْبَةُ الظَّالِمِ عَلَى التَّقِيَّةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ النَّهْيِ لِحَالِ الِاضْطِرَارِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ ، وَإِنِّي أَصَبْت مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا ، وَهَا أَنَا فَاقْضِ فِي بِمَا قَضَيْت .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَقَدْ سَتَرَك اللَّهُ لَوْ سَتَرْت عَلَى نَفْسِك .
فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَأُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ } .
فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَدَعَاهُ فَتَلَا عَلَيْهِ : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ } .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : هَذَا لَهُ خَاصَّةً .
فَقَالَ : بَلْ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً } .
وَهَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : و أَقِمْ الصَّلَاةَ هَذِهِ الْآيَةُ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الصَّلَاةِ وَهِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ سَبْعُ آيَاتٍ مُتَضَمِّنَةٍ ذِكْرَ الصَّلَاةِ هَذِهِ هِيَ الْآيَةُ الْأُولَى .
الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } .
الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } إلَى : { تَرْضَى } .
الرَّابِعَةُ : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } إلَى : { السُّجُودِ } .
الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ } إلَى : { تُظْهِرُونَ } .
السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّك بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنْ اللَّيْلِ } .
وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ بَعْضِ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَهَذِهِ الْآيَاتُ السِّتُّ هِيَ الْمُسْتَوْفِيَةُ لِجَمِيعِهَا ، وَكُلُّ آيَةٍ مِنْهَا تَأْتِي مَشْرُوحَةً فِي مَكَانِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ صَلَاةَ الْغَدَاةِ وَصَلَاةَ الْعَشِيِّ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ .
الثَّالِثُ : تَضَمَّنَتْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ .
وَاخْتَلَفُوا فِي صَلَاةِ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ اخْتِلَافًا لَا يُؤَثِّرُ ، فَتَرَكْنَا اسْتِيفَاءَهُ ، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ طَرَفَيْ النَّهَارِ الظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ ، وَكَذَلِكَ أَفْرَدُوا بِالِاخْتِلَافِ زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ ، فَمِنْ قَائِلٍ : إنَّهَا الْعَتَمَةُ ، وَمِنْ قَائِلٍ : إنَّهَا الْمَغْرِبُ وَالْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّهَا تَضَمَّنَتْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، فَلَا يَضُرُّ الْخِلَافُ فِي تَفْصِيلِ تَأْوِيلِهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالزُّلَفِ ، فَإِذَا أَرَدْنَا سُلُوكَ سَبِيلِ التَّحْقِيقِ قُلْنَا : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ طَرَفَيْ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ فَقَدْ أَخْرَجَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ عَنْهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الصُّبْحُ وَالظُّهْرُ فَقَدْ أَسْقَطَ الْعَصْرَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْعَصْرُ وَالصُّبْحُ فَقَدْ أَسْقَطَ الظُّهْرَ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّهَارِ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ ، وَبَاقِيهَا فِي اللَّيْلِ ، فَزُلَفُ اللَّيْلِ ثَلَاثٌ : فِي ابْتِدَائِهِ ، وَهِيَ الْمَغْرِبُ ، وَفِي اعْتِدَالِ فَحْمَتِهِ ، وَهِيَ الْعِشَاءُ ، وَعِنْدَ انْتِهَائِهِ وَهِيَ الصُّبْحُ .
وَأَمَّا طَرَفَا النَّهَارِ فَهُمَا الدُّلُوكُ وَالزَّوَالُ وَهُوَ طَرَفُهُ الْأَوَّلُ ، وَالدُّلُوكُ الْغُرُوبُ ، وَهُوَ طَرَفُهُ الثَّانِي .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ } .
وَالْعَجَبُ مِنْ الطَّبَرِيِّ الَّذِي يَقُولُ : إنَّ
طَرَفَيْ النَّهَارِ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ وَهُمَا طَرَفَا اللَّيْلِ ، فَقَلَبَ الْقَوْسَ رَكْوَةً ، وَحَادَ مِنْ الْبُرْجَاسِ غَلْوَةً .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الطَّرَفَ الْآخَرَ الْمَغْرِبُ ، وَلَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ ، وَإِنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ أَنْجَبُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
وَقَدْ قَرَنَهَا [ بِهَا ] فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ : إنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ اسْتِغْرَاقُ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَاتِ نَفْلًا وَفَرْضًا .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ لَا وَاجِبًا فَإِنَّمَا خَمْسُ صَلَوَاتٍ ، وَلَا نَفْلًا فَإِنَّ الْأَوْرَادَ مَعْلُومَةٌ ، وَأَوْقَاتُ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا مَحْصُورَةٌ ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَوْقَاتِ يَسْتَرْسِلُ عَلَيْهِ النَّدْبُ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْعُمُومِ ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ بَشَرٍ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ ، فَأَذَّنَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا } .
قَالَ عُرْوَةُ : أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا } .
وَقَالَ مَالِكٌ : أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ : { أَقِمْ الصَّلَاةَ } .
فَعَلَى قَوْلِ عُرْوَةَ يَعْنِي عُثْمَانَ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ كِتْمَانَ الْعِلْمِ لَمَا ذَكَرْته .
وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ [ يَعْنِي عُثْمَانَ ] : لَوْلَا أَنَّ مَعْنَى مَا أَذْكُرُهُ لَكُمْ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا ذَكَرْته لِئَلَّا تَتَّهِمُونِي .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، هِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ : هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ أَوَّلُ الْآيَةِ فِي ذِكْرِ الصَّلَاةِ ، فَعَلَيْهِ يَرْجِعُ آخِرُهَا ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْمَقْتَلَةُ } .
وَرُوِيَ : { مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } .
وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالْآيَةِ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ : أَشَهِدْت مَعَنَا الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : اذْهَبْ فَإِنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَا فَعَلْت } وَرُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ لَهُ : قُمْ فَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ } ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي مَعْنَى الْأُمَّةِ : وَقَدْ قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهَا ، وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ مَعْنًى ، وَهِيَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ يَعْنِي جَمَاعَةً وَاحِدَةً عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ .
كَمَا يُقَالُ : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أَيْ : جَمَاعَةٌ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ قَتَادَةُ : مَعْنَاهُ لَوْ شَاءَ رَبُّك لَجَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ مُسْلِمِينَ .
وَقِيلَ مَعْنَاهُ : لَجَعَلَهُمْ كُفَّارًا أَجْمَعِينَ .
وَهَذِهِ آيَةٌ لَا يُؤْمِنُ بِهَا إلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ .
وَالْأُولَى عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنِيُّ هَاهُنَا بِالْآيَةِ الْمُسْلِمِينَ ، تَقْدِيرُهَا : لَوْ شَاءَ رَبُّك لَجَعَلَ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ مُسْلِمِينَ ، وَلَكِنَّهُ قَسَّمَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ بِحِكْمَتِهِ وَسَابِقِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } قِيلَ : يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ وَمَجُوسِيٌّ ، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْأَدْيَانِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : يَعْنِي الِاخْتِلَافَ فِي الرِّزْقِ : غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ .
وَهَذَا بَعِيدٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآيَةُ لِبَيَانِ الْأَدْيَانِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهَا ، وَإِخْبَارِ اللَّهِ عَنْ حُكْمِهِ عَلَيْهَا ، وَرَحْمَةِ مَنْ يَرْحَمُ مِنْهَا ، فَرَجَعَ وَصْفُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ إلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ ، وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ ، إلَّا وَاحِدَةً .
قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : بِالْهِدَايَةِ إلَى الْحَنِيفِيَّةِ .
الثَّانِي : بِالْهِدَايَةِ إلَى الْحَقِّ .
الثَّالِثُ : بِالطَّاعَةِ .
الرَّابِعُ : إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّك ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَكُلُّهَا اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ لَا انْقِطَاعَ فِيهِ لِانْتِظَامِ الْمَعْنَى مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ .
الثَّانِي : لِلرَّحْمَةِ خَلَقَهُمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِيَخْتَلِفُوا ، فَيَرْحَمُ مَنْ يَرْحَمُ ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يُعَذِّبُ ، كَمَا قَالَ : { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } .
وَقَالَ : { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } .
وَاعْجَبُوا مِمَّنْ يَسْمَعُ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } ، وَيَتَوَقَّفُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَكُونُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لِلْفَسَادِ ، وَهَلْ يَكُونُ الْفَسَادُ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ إلَّا بِالِاخْتِلَافِ .
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ : { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } لِلِاخْتِلَافِ ، فَقَالَ لِي : لِيَكُونَ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ .
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَهِمَ الْآيَةَ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ قَرَأَ : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قَالَ : خَلَقَ أَهْلَ رَحْمَتِهِ ، لِئَلَّا يَخْتَلِفُوا .
وَنَحْوُهُ عَنْ طَاوُسٍ ، وَمَا اخْتَرْنَاهُ ، وَأَخْبَرَنَا بِهِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَلَا تَرَوْنَ إلَى خَاتِمَةِ الْآيَةِ حِينَ قَالَ : { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّك } ، وَهِيَ : [ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ] .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيُّ أَنَّ أَهْلَ النَّارِ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : { يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِآدَمَ : ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ .
قَالَ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلنَّارِ وَوَاحِدٌ إلَى الْجَنَّةِ } ؛ فَلِهَذَا خَلَقَهُمْ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
سُورَةُ يُوسُفَ فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ آيَةً .
: الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاك عَلَى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَك كَيْدًا إنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ الرُّؤْيَا : وَهِيَ حَالَةٌ شَرِيفَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ لِلْخَلْقِ بُشْرَى كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ الْمُبَشِّرَاتِ إلَّا الرُّؤْيَا } ، وَحَكَمَ بِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ؛ فَأَنْكَرَتْهَا الْمُعْتَزِلَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ فِي شَيْءٍ .
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَمُ عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْآرَاءِ وَالنِّحَلِ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حَقِيقَتِهَا ؛ فَقَالَ الْقَاضِي ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : إنَّهَا أَوْهَامٌ وَخَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ : هِيَ إدْرَاكٌ حَقِيقَةً ، وَحَمَلَ الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذُ ذَلِكَ عَلَى رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ يَطِيرُ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَفِي الْمَشْرِقِ وَهُوَ فِي الْمَغْرِبِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إدْرَاكًا حَقِيقَةً .
وَعَوَّلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا إدْرَاكٌ فِي أَجْزَاءٍ لَمْ تَحِلَّهَا الْآفَةُ ، وَمِنْ بَعْدِ عَهْدِهِ بِالنَّوْمِ اسْتَغْرَقَتْ الْآفَةُ أَجْزَاءَهُ ، وَتَقِلُّ الْآفَةُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ .
وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ لَهُ عِلْمًا نَاشِئًا ، وَيَخْلُقُ لَهُ الَّذِي يَرَاهُ لِيَصِحَّ الْإِدْرَاكُ ، فَإِذَا رَأَى شَخْصًا وَهُوَ فِي طَرَفِ الْعَالَمِ فَالْمَوْجُودُ كَأَنَّهُ عِنْدَهُ ، وَلَا يَرَى فِي الْمَنَامِ إلَّا مَا يَصِحُّ إدْرَاكُهُ فِي الْيَقَظَةِ ، وَلِذَلِكَ لَا نَرَى شَخْصًا قَائِمًا قَاعِدًا فِي الْمَنَامِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا يَرَى الْجَائِزَاتِ الْخَارِقَةَ لِلْعَادَاتِ ، أَوْ الْأَشْيَاءَ الْمُعْتَادَاتِ ، وَإِذَا رَأَى نَفْسَهُ يَطِيرُ أَوْ يَقْطَعُ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ فَإِنَّمَا رَأَى غَيْرَهُ عَلَى مِثَالِهِ ، وَظَنِّهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى
قَوْلِ الْقَاضِي الْأُسْتَاذِ أَبِي بَكْرٍ : إنَّهَا أَوْهَامٌ ، وَيَتَّفِقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] : { مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي } ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَرَ الذَّاتَ النَّبَوِيَّةَ وَلَا الْعَيْنَ الْمُرْسَلَةَ إلَى الْخَلْقِ ، وَإِنَّمَا رَأَى مِثَالًا صَادِقًا فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ ، وَالْخَبَرِ بِهِ ؛ إذْ قَدْ يَرَاهُ شَيْخًا أَشْمَطَ ، وَيَرَاهُ شَابًّا أَمْرَدَ ، وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا زَائِدًا ، فَقَالَ : { مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ } أَيْ لَمْ يَكُنْ تَخْيِيلًا وَلَا تَلْبِيسًا وَلَا شَيْطَانًا ؛ وَلَكِنَّ الْمَلِكَ يَضْرِبُ الْأَمْثِلَةَ عَلَى أَنْوَاعٍ ، بِحَسَبِ مَا يَرَى مِنْ التَّشْبِيهِ بَيْنَ الْمِثَالِ وَالْمُمَثَّلِ بِهِ ؛ إذْ لَا يَتَكَلَّمُ مَعَ النَّائِمِ إلَّا بِالرَّمْزِ وَالْإِيمَاءِ فِي الْغَالِبِ ، وَرُبَّمَا خَاطَبَهُ بِالصَّرِيحِ الْبَيِّنِ ، وَذَلِكَ نَادِرٌ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَأَيْت سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ تَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَهْيَعَةَ ، فَأَوَّلْتُهَا الْحُمَّى ، وَرَأَيْت سَيْفِي قَدْ انْقَطَعَ صَدْرُهُ وَبَقَرًا تُنْحَرُ ، فَأَوَّلْتُهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي يُقْتَلُ ، وَالْبَقَرُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ ، وَرَأَيْت فِي يَدِي سِوَارَيْنِ فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي } ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ضُرِبَتْ لَهُ بِهِ الْأَمْثَالُ .
وَمِنْهَا مَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ أَوَّلًا ، وَمِنْهَا مَا لَا يَظْهَرُ [ مَعْنَاهُ ] إلَّا بَعْدَ الْفِكْرِ .
وَقَدْ رَأَى النَّائِمُ فِي زَمَانِ يُوسُفَ بَقَرًا فَأَوَّلَهَا يُوسُفُ السِّنِينَ ، وَرَأَى أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَأَوَّلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَبَوَيْهِ ، وَأَوَّلَ الْكَوَاكِبَ الْأَحَدَ عَشَرَ إخْوَتَهُ الْأَحَدَ عَشَرَ ، وَفَهِمَ يَعْقُوبُ مَزِيَّةَ حَالِهِ ، وَظُهُورَ خِلَالِهِ
؛ فَخَافَ عَلَيْهِ حَسَدَ الْإِخْوَةِ الَّذِي ابْتَدَأَهُ ابْنَا آدَمَ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْكِتْمَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ فِي وَقْتِ رُؤْيَاهُ صَغِيرًا ، وَالصَّغِيرُ لَا حُكْمَ لِفِعْلِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِرُؤْيَاهُ حُكْمٌ ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
الْأَوَّلُ : أَنَّ الصَّغِيرَ يَكُونُ الْفِعْلُ مِنْهُ بِالْقَصْدِ ، فَيُنْسَبُ إلَى التَّقْصِيرِ ، الرُّؤْيَا لَا قَصْدَ فِيهَا ، فَلَا يُنْسَبُ تَقْصِيرٌ إلَيْهَا .
الثَّانِي : أَنَّ الرُّؤْيَا إدْرَاكٌ حَقِيقَةً كَمَا بَيَّنَّاهُ ، فَيَكُونُ مِنْ الصَّغِيرِ كَمَا يَكُونُ مِنْهُ الْإِدْرَاكُ الْحَقِيقِيُّ فِي الْيَقِظَةِ ، وَإِذَا أَخْبَرَ عَمَّا رَأَى صُدِّقَ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ عَمَّا رَأَى فِي الْمَنَامِ تَأَوَّلَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ خَبَرَهُ يُقْبَلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ، مِنْهَا الِاسْتِئْذَانُ فَكَذَلِكَ فِي الرُّؤْيَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إخْوَتِك فَيَكِيدُوا لَك كَيْدًا } حُكْمٌ بِالْعَادَةِ مِنْ الْحَسَادَةِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْقَرَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَالْحُكْمُ بِالْعَادَةِ أَصْلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدُ .
وَقِيلَ : إنَّ يَعْقُوبَ قَدْ كَانَ فَهِمَ مِنْ إخْوَةِ يُوسُفَ حَسَدًا لَهُ بِمَا رَأَوْا مِنْ شَغَفِ أَبِيهِ بِهِ ؛ فَلِذَلِكَ حَذَّرَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ يَعْقُوبَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا ؟ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ لِابْنِهِ عَنْ ذِكْرِهَا ، وَخَوْفَهُ عَلَى إخْوَتِهِ مِنْ الْكَيْدِ لَهُ مِنْ أَجْلِهَا عُلِمَ بِأَنَّهَا تَقْتَضِي ظُهُورَهُ عَلَيْهِمْ وَتَقَدُّمَهُ فِيهِمْ ، وَلَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ يَعْقُوبُ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ خَيْرًا مِنْهُ ، وَالْأَخَ لَا يَوَدُّ ذَلِكَ لِأَخِيهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَا أَبَانَا إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بُكَاءَ الْمَرْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَقَالِهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا ، وَمِنْ الْخَلْقِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الدَّمْعَ الْمَصْنُوعَ لَا يَخْفَى ، كَمَا قَالَ حَكِيمٌ : إذَا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ فِي خُدُودٍ تَبَيَّنَ مَنْ بَكَى مِمَّنْ تَبَاكَى وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ مُشْتَبِهٌ ، وَأَنَّ مِنْ الْخَلْقِ فِي الْأَكْثَرِ مَنْ يَقْدِرُ مِنْ التَّطَبُّعِ عَلَى مَا يُشْبِهُ الطَّبْعَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ شِرْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَخَصْلَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَعَوْنٌ عَلَى الْحَرْبِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ وَبِخَيْلِهِ ؛ فَرُوِيَ { أَنَّهُ سَابَقَ عَائِشَةَ فَسَبَقَهَا ، فَلَمَّا كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَهَا فَسَبَقَتْهُ ، فَقَالَ لَهَا : هَذِهِ بِتِلْكَ } .
وَرُوِيَ { أَنَّهُ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنْيَةَ الْوَدَاعِ ، وَسَابَقَ الْخَيْلَ الَّتِي لَا تُضْمَرُ مِنْ الثَّنْيَةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ سَابَقَ بِهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْعَضْبَاءِ وَغَيْرِهَا ، فَسَبَقَتْ الْعَضْبَاءُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ } .
وَفِي ذَلِكَ فِي الْفَوَائِدِ رِيَاضَةُ النَّفْسِ وَالدَّوَابِّ ، وَتَدْرِيبُ الْأَعْضَاءِ عَلَى التَّصَرُّفِ ، وَلَا مُسَابَقَةَ إلَّا بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ خَاصَّةً الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يَجُوزُ الِاسْتِبَاقُ مِنْ غَيْرِ سَبَقٍ يُجْعَلُ ، وَيَجُوزُ بِسَبَقٍ ، فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقِينَ سَبَقًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ الْآخَرُ إنْ سَبَقَ ، وَإِنْ سَبَقَ هُوَ أَخَذَهُ الَّذِي يَلِيهِ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ مَالِكٌ .
وَرَوَى ابْنُ مَزِيدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مَنْ حَضَرَ ، فَذَلِكَ أَيْضًا جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ الْخَارِجُ إنْ سَبَقَ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : كَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَجَوَّزَهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ ، وَلَا دَلِيلَ يُحَرِّمُهُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُحَلَّلٌ ، عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ أَخَذَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ سَبَقَ لَمْ
يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ جَازَ ، جَوَّزَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَمَنَعَهُ فِي الْآخَرِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ أَحَدٍ بِحَالِ فَرَسِ صَاحِبِهِ ، بَلْ يَجُوزُ عَلَى الْجَهَالَةِ وَلَهُمَا حُكْمُ الْقَدَرِ ، وَمَسَائِلُ السِّبَاقِ فِي الْفُرُوعِ مُسْتَوْفَاةٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةً عَلَى صِدْقِهِمْ ، فَرُوِيَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَامَةً تُعَارِضُهُمَا ؛ وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ فِي التَّلْبِيبِ ؛ وَالْعَلَامَاتُ إذَا تَعَارَضَتْ تَعَيَّنَ التَّرْجِيحُ ، فَيُقْضَى بِجَانِبِ الرُّجْحَانِ ، وَهِيَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ لِوُجُوهٍ تَضَمَّنَهَا الْقُرْآنُ ، مِنْهَا طَلَبُهُمْ إيَّاهُ شَفَقَةً ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِمْ مَا يُنَاسِبُهَا ، فَيَشْهَدُ بِصِدْقِهَا ، بَلْ كَانَ سَبَقَ ضِدُّهَا ، وَهِيَ تَبَرُّمُهُمْ بِهِ .
وَمِنْهَا أَنَّ الدَّمَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ فِي الْقَمِيصِ مَوْضُوعًا ، وَلَا يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ ، وَهُوَ لَابِسٌ لِلْقَمِيصِ وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ مِنْ تَخْرِيقٍ ، وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ [ وَالْعَلَامَاتِ ] وَتَعَارُضَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقَضَاءُ بِالتُّهْمَةِ إذَا ظَهَرَتْ كَمَا قَالَ يَعْقُوبُ : { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } .
وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِالتُّهْمَةِ ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ [ فِي التَّأْثِيرِ فِي ] أَعْيَانِ التُّهَمِ حَسْبَمَا يَأْتِي مَنْثُورًا فِي الْمَسَائِلِ الْأَحْكَامِيَّةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَلِذَلِكَ قَالُوا لَهُ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } أَيْ تُهْمَتُكَ لَنَا بِعِظَمِ مَحَبَّتِكَ تُبْطِلُ عِنْدَك صِدْقَنَا ؛ وَهَذَا كُلُّهُ تَخْيِيلٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَ فِي قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلَاثُ آيَاتٍ : جَاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، وَقُدَّ مِنْ دُبُرٍ ، وَأُلْقِيَ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ فَارْتَدَّ بَصِيرًا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ قَالَ : طُرِحَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَهُوَ غُلَامٌ ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ } وَلَا يُلْتَقَطُ الْكَبِيرُ .
وَقَوْلُهُ : { وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ } وَذَلِكَ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِالصِّغَارِ ؛ فَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ غُلَامٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } قِيلَ : الضَّمِيرُ فِي ( " أَسَرُّوهُ " ) يَرْجِعُ إلَى الْمُلْتَقِطِينَ .
وَقِيلَ : يَرْجِعُ إلَى الْإِخْوَةِ ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِخْوَةِ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُمْ كَتَمُوا أُخُوَّتَهُ ، وَأَظْهَرُوا مَمْلُوكِيَّتَهُ ، وَقَطَعُوهُ عَنْ الْقَرَابَةِ إلَى الرِّقِّ .
وَإِنْ عَادَ الضَّمِيرُ إلَى الْمُلْتَقِطِينَ كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُمْ أَخْفَوْهُ عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، وَبَاعُوهُ دُونَ عِلْمِهِمْ بِضَاعَةً اقْتَطَعُوهَا عَنْهُمْ ، وَجَحَدُوهَا مِنْهُمْ ؛ وَسَاعَدَ يُوسُفُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ تَحْتَ التَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ .
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ ، وَقَرَأَ : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : إنْ نَوَى رِقَّهُ فَهُوَ مَمْلُوكٌ ، وَإِنْ نَوَى الْحِسْبَةَ فِيهِ فَهُوَ حُرٌّ .
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ قَالَ : كُنْت عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَحَدَّثَهُ سُنَيْنٌ أَبُو جَمِيلَةَ قَالَ : وَجَدْت مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ، فَأَخَذْته فَانْطَلَقَ عَرِيفِي ، فَذَكَرَهُ لِعُمَرَ ، فَدَعَانِي عُمَرُ وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلًا قَالَ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبُؤْسًا .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَثَلٌ كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَضْرِبُونَهُ .
قَالَ عَرِيفِي : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِهِ .
فَقَالَ لِي : عَلَامَ أَخَذْت هَذَا ؟ قُلْت : وَجَدْته نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ ، فَأَحْبَبْت أَنْ يَأْجُرَنِي اللَّهُ .
قَالَ : هُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لَك وَرَضَاعَتُهُ عَلَيْنَا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : يُقَالُ : شَرَيْت بِمَعْنَى بِعْت ، وَشَرَيْت بِمَعْنَى اشْتَرَيْت لُغَةً .
وَالْبَخْسُ : النَّاقِصُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَقِيلَ فِي بَخْسٍ : إنَّهُ بِمَعْنَى حَرَامٍ ، وَلَا وَجْهَ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْإِشَارَةُ فِيهِ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ ثَمَنَهُ بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ إخْوَتَهُ إنْ كَانُوا بَاعُوهُ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمْ مَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمْ مَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ خُلُوِّ وَجْهِ أَبِيهِمْ عَنْهُ .
وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ بَاعُوهُ هُمْ الْوَارِدَةُ فَإِنَّهُمْ أَخْفَوْهُ مُقْتَطَعًا ، أَوْ قَالُوا لِأَصْحَابِهِمْ : أَرْسِلْ مَعَنَا بِضَاعَةً ، فَرَأَوْا أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطَوْا عَنْهُ ثَمَنًا ، وَأَنَّ مَا أَخَذُوهُ فِيهِ رِبْحٌ كُلُّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ } إخْوَتُهُ أَوْ الْوَارِدَةُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ أَمْرُهُ عَبِيطًا لَا عِنْدَ الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّ مَقْصِدَهُمْ زَوَالُ عَيْنِهِ لَا مَالِهِ ، وَلَا عِنْدَ الْوَارِدَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا اشْتِرَاكَ أَصْحَابِهِمْ مَعَهُمْ ، وَرَأَوْا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ ثَمَنِهِ فِي الِانْفِرَادِ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } : وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَثْمَانَ كَانَتْ تَجْرِي عِنْدَهُمْ عَدَدًا لَا وَزْنًا ، وَأَصْلُ النَّقْدَيْنِ الْوَزْنُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ؛ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .
وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهَا إلَّا الْمِقْدَارُ ؛ فَأَمَّا عَيْنُهَا فَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، وَلَكِنْ جَرَى فِيهَا الْعَدَدُ تَخْفِيفًا عَنْ الْخَلْقِ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُعَامَلَةِ ، فَيَشُقُّ الْوَزْنُ ، حَتَّى لَوْ ضُرِبَتْ مَثَاقِيلُ وَدَرَاهِمُ لَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَدَدًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نُقْصَانٌ [ وَلَا رُجْحَانَ ] ؛ لِأَنَّ خَاتَمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي التَّقْدِيرِ حَتَّى يَنْقُصَ وَزْنُهَا مَنْ نَقَصَ ، وَيَفُضَّ خَاتَمَ اللَّهِ مَنْ فَضَّ ؛ فَيَعُودُ الْأَمْرُ إلَى الْوَزْنِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ كَسْرُهَا أَوْ قَرْضُهَا مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ، حِينَ كَانَ حُكْمُ جَرَيَانِهَا الْعَدَدُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إنَّمَا كَانَ أَصْلُ اللَّقِيطِ الْحُرِّيَّةَ ، لِغَلَبَةِ الْأَحْرَارِ عَلَى الْعَبِيدِ ، فَيُقْضَى بِالْغَالِبِ ، كَمَا حُكِمَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَخْذًا بِالْغَالِبِ .
فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فِيهَا نَصَارَى وَمُسْلِمُونَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُحْكَمُ بِالْأَغْلَبِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ قُضِيَ لِلَّقِيطِ بِالْإِسْلَامِ ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ الَّذِي يَعْلُو وَلَا يُعْلَى [ عَلَيْهِ ] .
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْلَى وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمَسَائِلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } هَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ التَّبَنِّي كَانَ أَمْرًا مُعْتَادًا عِنْدَ الْأُمَمِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ : عَزِيزُ مِصْرَ ، حِينَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } إلَخْ .
الثَّانِي : بِنْتُ شُعَيْبٍ فِي فِرَاسَةِ مُوسَى حِينَ قَالَتْ : { إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } .
الثَّالِثُ : أَبُو بَكْرٍ حِينَ وَلَّى عُمَرَ قَالَ : أَقُولُ لِرَبِّي وَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عَجَبًا لِلْمُفَسِّرِينَ فِي اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَلْبِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَالْفِرَاسَةُ هِيَ عِلْمٌ غَرِيبٌ ، حَدُّهُ وَحَقِيقَتُهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ الِاسْتِدْلَال بِالْخَلْقِ عَلَى الْخَلْقِ فِيمَا لَا يَتَعَدَّى الْمُتَفَطِّنُونَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَغِ وَالْأَغْرَاضِ ، فَأَمَّا أَمْرُ الْعَزِيزِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فِرَاسَةً ؛ لَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ .
وَأَمَّا بِنْتُ شُعَيْبٍ فَكَانَتْ مَعَهَا الْعَلَامَةُ الْبَيِّنَةُ .
أَمَّا الْقُوَّةُ فَعَلَامَتُهَا رَفْعُ الْحَجَرِ الثَّقِيلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَرْفَعَهُ ، وَأَمَّا الْأَمَانَةُ فَبِقَوْلِهِ لَهَا وَكَانَ يَوْمًا رِيَاحًا : امْشِي خَلْفِي لِئَلَّا تَصِفَكِ الرِّيحُ بِضَمِّ ثَوْبَكِ لَكِ ، وَأَنَا عِبْرَانِيٌّ لَا أَنْظُرُ فِي أَدْبَارِ النِّسَاءِ .
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فِي وِلَايَةِ عُمَرَ فَبِالتَّجْرِبَةِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصُّحْبَةِ [ وَطُولِهَا ] ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْهُ ، مِنْ
الْعِلْمِ وَالْمُنَّةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْفِرَاسَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { أَشُدَّهُ } فِي لُغَتِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ ، كَالْإِصْرِ وَالْأَشَرِّ .
الثَّانِي : أَنَّ وَاحِدَهُ شِدَّةٌ كَنِعْمَةٍ وَأَنْعُمٍ ؛ قَالَهُ سِيبَوَيْهِ .
الثَّالِثُ : وَاحِدُهُ شَدَّ ، كَقَوْلِك قَدَّ وَأَقَدَّ .
الرَّابِعُ : قَالَ يُونُسُ : وَاحِدُهُ شَدَّ ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ .
الْخَامِسُ : أَشُدُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالشِّينِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَقْدِيرِهِ : وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْحُلُمِ إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً ، أُمَّهَاتُهَا خَمْسٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مِنْ الْحُلُمُ ؛ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَمَالِكٌ .
الثَّانِي : قَالَ الزَّجَّاجُ : هُوَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا إلَى أَرْبَعِينَ ؛ وَهُوَ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ ، إلَّا أَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْحُلُمَ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عِشْرُونَ سَنَةً ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الرَّابِعُ : إنَّهُ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ أَرْبَعُونَ ؛ يُرْوَى عَنْ جَمَاعَةٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُلُمَ إلَى خَمْسِينَ سَنَةً ؛ فَإِنَّ مِنْ الْحُلُمِ يَشْتَدُّ الْآدَمِيُّ إلَى خَمْسِينَ ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الْقَهْقَرَى قَالَ الشَّاعِرُ : أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي وَتَجْرِيبِي مُدَارَاةُ الشُّؤُونِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } : الْحُكْمُ هُوَ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعْنَى تَرْتِيبِ " حُكْمٍ " .
وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، وَمَا قَبْلَهُ فِي زَمَانِ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ فِيهِ مَعْدُومٌ إلَّا فِي النَّادِرِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : قِيلَ لَهُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ : أَلَا تَذْهَبُ تَلْعَبُ ؟ قَالَ : مَا خُلِقْت لِلَّعِبِ .
وَهَذَا إنَّمَا بَيَّنَ اللَّهُ بِهِ حَالَ يُوسُفَ مِنْ حِينِ بُلُوغِهِ بِأَنَّهُ آتَاهُ الْعِلْمَ ، وَآتَاهُ الْعَمَلَ بِمَا عَلِمَ ؛ وَخَبَرُ اللَّهِ صَادِقٌ ، وَوَصْفُهُ صَحِيحٌ ، وَكَلَامُهُ حَقٌّ ، فَقَدْ عَمِلَ يُوسُفُ بِمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ تَحْرِيمِ الزِّنَا وَتَحْرِيمِ خِيَانَةِ السَّيِّدِ أَوْ الْجَارِ أَوْ الْأَجْنَبِيِّ فِي أَهْلِهِ ، فَمَا تَعَرَّضَ لِامْرَأَةِ الْعَزِيزِ ، وَلَا أَنَابَ إلَى الْمُرَاوَدَةِ [ بِحُكْمِ الْمُرَاوَدَةِ ] ؛ بَلْ أَدْبَرَ عَنْهَا ، وَفَرَّ مِنْهَا ؛ حِكْمَةٌ خُصَّ بِهَا ، وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى مَا عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ؛ وَهَذَا يَطْمِسُ وُجُوهَ الْجَهَلَةِ مِنْ النَّاسِ وَالْغَفَلَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي نِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ ، وَأَقَلُّ مَا اقْتَحَمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ هَتَكَ السَّرَاوِيلَ ، وَهَمَّ بِالْفَتْكِ فِيمَا رَأَوْهُ مِنْ تَأْوِيلٍ ، وَحَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْت عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ، بَلْ أُبَرِّئُهُ مِمَّا بَرَّأَهُ مِنْهُ ، فَقَالَ : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الَّذِينَ اسْتَخْلَصْنَاهُمْ .
وَالْفَحْشَاءُ هِيَ الزِّنَا وَالسُّوءُ هُوَ الْمُرَاوَدَةُ وَالْمُغَازَلَةُ ، فَمَا أَلَمَّ بِشَيْءٍ وَلَا أَتَى بِفَاحِشَةٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } .
قُلْنَا : قَدْ تَقَصَّيْنَا عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ شَرْحِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ [ سُبْحَانَهُ ] مَا
أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى فِي جَانِبِ الْقِصَّةِ فِعْلًا بِجَارِحَةٍ ، وَإِنَّمَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْهَمُّ ، وَهُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ ، فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ، وَيَقُولُونَ : فَعَلَ ، وَفَعَلَ ؟ وَاَللَّهُ إنَّمَا قَالَ : هَمَّ بِهَا ، لَا أَقَالَهُمْ وَلَا أَقَاتَهُمْ اللَّهُ وَلَا عَالَهُمْ .
كَانَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ ، وَأَيُّ إمَامٍ ، يُعْرَفُ بِابْنِ عَطَاءٍ ، تَكَلَّمَ يَوْمًا عَلَى يُوسُفَ وَأَخْبَارِهِ حَتَّى ذَكَرَ تَبْرِئَتَهُ مِنْ مَكْرُوهِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ آخِرِ مَجْلِسِهِ وَهُوَ مَشْحُونٌ بِالْخَلِيقَةِ مَنْ كَانَ طَائِفَةً ، فَقَالَ لَهُ : يَا سَيِّدِي ، فَإِذَنْ يُوسُفُ هَمَّ وَمَا تَمَّ .
فَقَالَ : نَعَمْ ؛ لِأَنَّ الْعِنَايَةَ مِنْ ثَمَّ .
فَانْظُرْ إلَى حَلَاوَةِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ ، وَانْظُرْ إلَى فِطْنَةِ الْعَامِّيِّ فِي سُؤَالِهِ ، وَجَوَابِ الْعَالِمِ فِي اخْتِصَارِهِ ، وَاسْتِيفَائِهِ .
وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ الصُّوفِيَّةِ : إنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ : { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ إبَّانَ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ لِتَكُونَ لَهُ سَبَبًا لِلْعِصْمَةِ
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنْ الصَّادِقِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُفِيدُ الْإِعْلَامَ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، وَيَتَفَرَّدُ بِعِلْمِهَا الشَّاهِدُ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى أَخْبَرَ عَنْ عِلْمِ مَا كَانَ عَنْهُ الْقَوْمُ غَافِلِينَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَمِيصَ جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ أَنَّهُ إذَا جُذِبَ مِنْ خَلْفِهِ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ ، وَإِذَا جُذِبَ مِنْ قُدَّامَ تَمَزَّقَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ ، وَلَا يُجْذَبُ الْقَمِيصُ مِنْ خَلْفِ اللَّابِسِ إلَّا إذَا كَانَ مُدْبِرًا ، وَهَذَا فِي الْأَغْلَبِ ، وَإِلَّا فَقَدْ يَتَمَزَّقُ [ الْقَمِيصُ بِالْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ ] إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ ضَعِيفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فِي هَذَا الشَّاهِدِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : الشَّاهِدُ هُوَ الْقَمِيصُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عَمِّهَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيزِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ .
فَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ الْقَمِيصُ فَكَانَ يَصِحُّ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ حَالِهِ بِتَقْدِيرِ مَقَالِهِ ؛ فَإِنَّ لِسَانَ الْحَالِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِ الْمَقَالِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَقَدْ تُضِيفُ الْعَرَبُ الْكَلَامَ إلَى الْجَمَادَاتِ بِمَا تُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الصِّفَاتِ ، وَمِنْ أَجْلَاهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : قَالَ الْحَائِطُ لِلْوَتَدِ : لِمَ تَشُقُّنِي .
قَالَ : سَلْ مَنْ يَدُقُّنِي ، مَا تَرَكَنِي وَرَأْيِي هَذَا الَّذِي وَرَائِي ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ : { مِنْ أَهْلِهَا } فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا أَوْ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْعَزِيزِ ، فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ ؛
لَكِنَّ قَوْلَهُ : { مِنْ أَهْلِهَا } يُعْطِي اخْتِصَاصًا مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ الَّذِي يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَرْبَعَةٌ : " عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ، " وَنَقَصَهُمْ اثْنَانِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الَّذِي { ذَكَرَ النَّبِيُّ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ أَنَّهُمْ لَمَّا حُفِرَتْ لَهُمْ الْأَرْضُ ، وَرُمِيَ فِيهَا بِالْحَطَبِ وَأُوقِدَتْ النَّارُ عَلَيْهَا ، وَعُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا أَوْ يَكْفُرُوا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
فَوَقَفَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ ، وَكَانَ فِي ذِرَاعِهَا صَبِيٌّ فَقَالَ لَهَا : يَا أُمَّهْ ، إنَّك عَلَى الْحَقِّ .
} وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَالثَّانِي : مَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُرْضِعُ صَبِيًّا فِي حِجْرِهَا ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ لَهُ شَارَةٌ وَحَوْلَهُ حَفَدَةٌ ، فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذَا ، فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلنِي مِثْلَهُ ، وَمَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ : سَرَقْت وَلَمْ تَسْرِقْ وَزَنَيْت وَلَمْ تَزْنِ .
فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهَا ، فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا .
وَأَوْحَى إلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَأَنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ فَعَلَتْ وَهِيَ لَمْ تَفْعَلْ .
هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ .
فَاَلَّذِي صَحَّ فِيمَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ أَرْبَعَةٌ : صَاحِبُ الْأُخْدُودِ ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَهَذَا الصَّبِيُّ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي حِجْرِ الْمَرْأَةِ بِالرَّدِّ عَلَى أُمِّهِ فِيمَا اخْتَارَتْهُ وَكَرِهَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ بَعْضُ [ الْعُلَمَاءِ ] الْمُفَسِّرِينَ : لَوْ كَانَ هَذَا الْمُشَاهِدُ طِفْلًا لَكَانَ فِي كَلَامِهِ فِي الْمَهْدِ وَشَهَادَتِهِ آيَةٌ لِيُوسُفَ ، وَلَمْ يُحْتَجْ إلَى ثَوْبٍ وَلَا إلَى غَيْرِهِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصَّبِيُّ
يَتَكَلَّمُ فِي الْمَهْدِ مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ الَّذِي كَانُوا عَنْهُ غَافِلِينَ ، وَكَانَتْ آيَةً ، كَمَا قَالَ : تَبَيَّنَتْ بِهَا بَرَاءَةُ يُوسُفَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ : مِنْ جِهَةِ نُطْقِ الصَّبِيِّ ، وَمِنْ جِهَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَخْذِ الْقَمِيصِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِقْبَالُ مِنْ دَعْوَاهَا ، وَالْإِدْبَارُ مِنْ صِدْقِ يُوسُفَ ؛ وَهَذَا أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِنَا .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ .
: أَحَدُهُمَا : أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْعَادَاتِ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرَائِعُ .
أَمَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ وُجُودُ الْمَصَالِحِ فَيَكُونَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ ، فَإِذَا وُجِدَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا .
وَقَدْ اسْتَدَلَّ يَعْقُوبُ بِالْعَلَامَةِ ، فَرَوَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لَمَّا ادَّعَوْا أَكْلَ الذِّئْبِ [ لَهُ ] قَالَ : أَرُونِي الْقَمِيصَ .
فَلَمَّا رَآهُ سَلِيمًا قَالَ : لَقَدْ كَانَ هَذَا الذِّئْبُ حَلِيمًا .
وَهَكَذَا فَاطَّرَدَتْ الْعَادَةُ وَالْعَلَامَةُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُنَاقِضٍ لِقَوْلِهِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .
وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا هِيَ الْبَيَانُ ، وَدَرَجَاتُ الْبَيَانِ تَخْتَلِفُ بِعَلَامَةٍ تَارَةً ، وَبِأَمَارَةٍ أُخْرَى ؛ وَبِشَاهِدٍ أَيْضًا ، وَبِشَاهِدَيْنِ ثُمَّ بِأَرْبَعٍ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أُكْرِهَ يُوسُفُ عَلَى الْفَاحِشَةِ بِالسِّجْنِ ، وَأَقَامَ فِيهِ سَبْعَةَ أَعْوَامٍ ، وَمَا رَضِيَ بِذَلِكَ لِعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ وَشَرِيفِ قَدْرِهِ ، وَلَوْ أُكْرِهَ رَجُلٌ بِالسِّجْنِ عَلَى الزِّنَا مَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، فَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فَادِحًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ إثْمُ الزِّنَا وَحْدَهُ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ عَلَى عَبْدِهِ الْعَذَابَيْنِ ، وَلَا يَصْرِفُهُ بَيْنَ الْبَلَاءَيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ ، وَصَبَرَ يُوسُفُ عَلَى السِّجْنِ ، وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْكَيْدِ فَقَالَ : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ } الْآيَتَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { أَحَبُّ } بِنَاءُ أَفْعَلَ فِي التَّفْضِيلِ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الشَّيْءِ ، وَلِأَحَدِهِمَا الْمَزِيدُ فِي الْمُشْتَرَكِ فِيهِ عَلَى الْآخَرِ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَدْعُوُّ إلَيْهِ حَبِيبًا إلَى يُوسُفَ ، وَلَكِنَّهُ كَنَحْوِ الْقَوْلِ : الْجَنَّةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ النَّارِ ، وَالْعَافِيَةُ أَحَبُّ إلَى [ قَلْبِي ] مِنْ الْبَلَاءِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِنَا .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّ الْفَتَيَيْنِ لَمَّا صَحِبَاهُ فِي السِّجْنِ وَكَلَّمَاهُ ، وَرَأَيَا فَضْلَهُ وَأَدَبَهُ وَفَهْمَهُ سَأَلَاهُ عَنْ الَّذِي قَالَا إنَّهُمَا رَأَيَاهُ مِنْ أَمْرِ الْخَمْرِ وَالْخُبْزِ ، فَأَعْرَضَ يُوسُفُ عَنْهُمَا ، وَأَخَذَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ مَعَهُمَا ، فَقَالَ لَهُمَا : { لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلَّا نَبَّأَتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ عَلَّمَهُ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ : { وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ } يَعْنِي مَا يَكُونُ سَبَبًا لِظُهُورِ بَرَاءَتِهِ وَمَنْزِلَتِهِ ، وَقَدْ كَانَ أَطْلَعَهُ مِنْ الْغُيُوبِ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ الْبَوَاطِنِ ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ الْمَلِكُ إذَا أَرَادَ إهْلَاكَ أَحَدٍ أَرْسَلَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا ، فَلَمَّا سَأَلَاهُ عَمَّا رَأَيَا فِي الْمَنَامِ مِنْ أَمْرِ الطَّعَامِ أَعْلَمَهُمَا أَنَّهُ يُخْبِرُهُمَا بِحَالِ كُلِّ طَعَامٍ يَأْتِيهِمَا فِي الْيَقِظَةِ وَالْمَنَامِ ، وَأَقْبَلَ يُبَيِّنُ لَهُمَا حَالَ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ مِنْ قَبْلِهِ كَذَلِكَ ، وَنَصَبَ لَهُمَا الْأَدِلَّةَ ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى تَأْوِيلِ مَا رَأَيَا ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمَا بِالتَّأْوِيلِ نَدِمَا عَلَى مَا فَعَلَا ، وَقَالَا : كَذَبْنَا .
فَقَالَ لَهُمَا يُوسُفُ : { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } .
فَإِنْ قِيلَ : وَمَنْ كَذَبَ فِي رُؤْيَا فَفَسَّرَهَا الْعَابِرُ لَهُ ، أَيَلْزَمُهُ حُكْمُهَا ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ فِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ .
وَقَدْ قَالَ : إنَّهُ يَكُونُ كَذَا وَيَقَعُ كَذَا ، فَأَوْجَدَ اللَّهُ مَا أَخْبَرَ كَمَا قَالَ ؛ تَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا مَخْرَجُ كَلَامِ يُوسُفَ فِي أَنَّهُ يَكُونُ كَذَا إنْ كَانَا رَأَيَاهُ .
قُلْنَا : ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ وَلَكِنْ الْفَتَيَانِ أَرَادَا اخْتِبَارَهُ بِذَلِكَ ، فَحَقَّقَ اللَّهُ قَوْلَهُ [ آيَةَ ] ، وَقَابَلَ الْهَزْلَ بِالْجَدِّ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ : إنِّي رَأَيْت كَأَنِّي أَعْشَبْت ، ثُمَّ أَجْدَبْت ، ثُمَّ أَعْشَبْت ، ثُمَّ أَجْدَبْت .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْتَ رَجُلٌ تُؤْمِنُ ، ثُمَّ تَكْفُرُ ، ثُمَّ تُؤْمِنُ ، ثُمَّ تَكْفُرُ ، ثُمَّ تَمُوتُ كَافِرًا .
فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : مَا رَأَيْت شَيْئًا .
فَقَالَ عُمَرُ : قَدْ قُضِيَ لَك مَا قُضِيَ لِصَاحِبِ يُوسُفَ .
قُلْنَا : لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ مُحَدَّثًا ، وَكَانَ إذَا ظَنَّ ظَنًّا كَانَ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ وَقَعَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي أَخْبَارِهِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ ؛ مِنْهَا : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ : أَظُنُّك كَاهِنًا ، فَكَانَ كَمَا ظَنَّ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَمِنْهَا : أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ اسْمِهِ ، فَقَالَ لَهُ أَسْمَاءَ فِيهَا النَّارُ كُلُّهَا ، فَقَالَ لَهُ : أَدْرِكْ أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا ؛ فَكَانَ كَمَا قَالَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَاهُنَا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ : وَهِيَ أَنَّ يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ قَالَ لَهُمَا { قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَنْهُ : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك } فَكَيْفَ يَقُولُ قُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ يَجْعَلُ نَجَاتَهُ ظَنًّا ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ النَّاسُ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : قَالُوا : إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الرُّؤْيَا لَيْسَ بِقَطْعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النَّاسِ ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُمْ حَقٌّ كَيْفَمَا وَقَعَ .
الثَّانِي : إنَّ ظَنَّ هَاهُنَا بِمَعْنَى أَيْقَنَ وَعَلِمَ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ لُغَةً .
الْحَادِيَةَ عَشْرَة : قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الضَّمِيرِ مِنْ قَوْلِهِ : { فَأَنْسَاهُ } هَلْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ أَمْ عَلَى الْفَتَى ؟ فَقِيلَ : هُوَ عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ ، أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ ، وَذَكَرَ الْمَلِكَ ؛ فَعُوقِبَ بِطُولِ اللُّبْثِ فِي السِّجْنِ ، وَكَانَتْ كَلِمَتُهُ كَقَوْلِ لُوطٍ : { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً } .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } .
وَقِيلَ : هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْفَتَى نَسِيَ تَذْكِرَةَ الْمَلِكِ ، فَدَامَ طُولُ مُكْثِ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : [ فَإِنْ قِيلَ : ] إنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى يُوسُفَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُضَافَ نِسْيَانُهُ إلَى الشَّيْطَانِ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ سُلْطَانٌ ؟ قُلْنَا : أَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا عِصْمَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ عَنْهُ إلَّا فِي [ وَجْهٍ وَاحِدٍ هُوَ ] جِهَةُ الْخَبَرِ عَنْ الْإِبْلَاغِ فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ نِسْيَانًا وَذِكْرًا ، وَإِذَا وَقَعَ مِنْهُمْ النِّسْيَانُ حَيْثُ يَجُوزُ وُقُوعُهُ فَإِنَّهُ يُنْسَبُ إلَى الشَّيْطَانِ إطْلَاقًا ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ ، أَوْ يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا نَحْنُ ذَلِكَ فِيهِمْ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا تَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالْمَخْلُوقِ دَامَ مُكْثُهُ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرُّومِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْبِضْعُ مِنْ ثَلَاثٍ إلَى عَشْرٍ ، وَعَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ سَبْعَ سِنِينَ ، وَهِيَ مُدَّةُ بَلَاءِ أَيُّوبَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِيهَا جَوَازُ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ ، وَإِنْ كَانَ الْيَقِينُ حَاصِلًا ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِيَدِ مُسَبِّبِهَا ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَهَا سِلْسِلَةً ، وَرَكَّبَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ فَتَحْرِيكُهَا سُنَّةٌ ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى الْمُنْتَهَى يَقِينٌ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ نِسْبَةُ مَا جَرَى مِنْ النِّسْيَانِ إلَى الشَّيْطَانِ ، كَمَا جَرَى لِمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لِقَاءِ الْخِضْرِ .
وَهَذَا بَيِّنٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { عِنْدَ رَبِّك } أَطْلَقَ هَاهُنَا عَلَى السَّيِّدِ اسْمَ الرَّبِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَبَّهُ يُرَبِّهِ إذَا دَبَّرَهُ بِوُجُوهِ التَّغْذِيَةِ ، وَحَفِظَ عَلَيْهِ مَرَاتِبَ التَّنْمِيَةِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ؛ لِيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي ، وَلَا يَقُلْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَائِزًا فِي شَرْعِ يُوسُفَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الْمَلِكُ إنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيهَا صِحَّةُ رُؤْيَا الْكَافِرِ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَتْ بِمُؤْمِنٍ ، فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ آيَةً لِنَبِيٍّ ، وَمُعْجِزَةً لِرَسُولٍ ، وَتَصْدِيقًا لِمُصْطَفًى لِلتَّبْلِيغِ ، وَحُجَّةً لِلْوَاسِطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعِبَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالُوا : أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ يَعْنِي : أَخْلَاطًا مَجْمُوعَةً ، وَاحِدُهَا ضِغْثٌ : وَهُوَ مَجْمُوعٌ مِنْ حَشِيشٍ أَوْ حَطَبٍ .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
وَقَدْ رُوِيَ : { الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ } .
وَقَدْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَحِيحِ الْكَلَامِ ، وَلَا قَطْعِ تَفْسِيرِ الرُّؤْيَا إذْ لَمْ يَأْتِهَا مِنْ بَابِهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا أَخْطَأَ فِي تَفْسِيرِ الرُّؤْيَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا مِنْ التَّفْسِيرِ ، فَعَيَّنَ بِتَأْوِيلِهِ أَحَدَهَا جَازَ ، وَمَنْ تَكَلَّمَ بِجَهْلٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَصَابَ .
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تَتَحَدَّثْ بِهَا ، فَإِذَا تَحَدَّثْت بِهَا سَقَطَتْ ، وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إلَّا حَبِيبًا أَوْ لَبِيبًا } .
وَهَذَا مَعْنَى الرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ ، فَإِنَّهُ إذَا تَحَدَّثَ بِهَا فَفُسِّرَتْ نَفَذَ حُكْمُهَا إذَا كَانَ بِحَقٍّ عَنْ عِلْمٍ ، لَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُ الْمَلِكِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا تَفْسِيرًا ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَمْحُوهَا عَنْ صَدْرِ الْمَلِكِ حَتَّى لَا تَشْغَلَ لَهُ بَالًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } .
يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُونَ بِمَكَانِك ، فَيَظْهَرُ عِنْدَهُمْ فَضْلُك حَتَّى يَكُونَ سَبَبَ خَلَاصِك ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعِلْمُ عَلَى بَابِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا ، وَيُسَمَّى عِلْمًا ، وَإِنْ كَانَ ظَنًّا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كُلُّ ظَنٍّ شَرْعِيٍّ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ } .
وَهَذَا عَامٌ لَمْ يَقَعْ السُّؤَالُ عَنْهُ ، فَقِيلَ ، إنَّ اللَّهَ زَادَهُ عِلْمًا عَلَى مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ إظْهَارًا لِفَضْلِهِ وَإِعْلَامًا بِمَكَانِهِ مِنْ الْعِلْمِ ، وَمَعْرِفَتِهِ .
وَقِيلَ : أَدْرَكَ ذَلِكَ بِدَقَائِقَ مِنْ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا لَا تَرْتَقِي إلَيْهَا دَرَجَتُنَا .
وَهَذَا صَحِيحٌ مُحْتَمَلٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إلَى رَبِّك } ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ .
وَلَوْ لَبِثْت فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْت الدَّاعِيَ } وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ : { يَرْحَمُ اللَّهُ يُوسُفَ ، لَوْ كُنْت أَنَا الْمَحْبُوسُ ، ثُمَّ أُرْسِلَ إلَيَّ لَخَرَجْت سَرِيعًا ، إنْ كَانَ لَحَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَقَدْ عَجِبْت مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ، حِينَ سُئِلَ عَنْ الْبَقَرَاتِ ، وَلَوْ كُنْت مَكَانَهُ لَمَا أَخْبَرْتهمْ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي .
لَقَدْ عَجِبْت مِنْهُ حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ ، لَوْ كُنْت مَكَانَهُ لَبَادَرْتهمْ الْبَابَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا لَمْ يُرِدْ يُوسُفُ الْخُرُوجَ [ مِنْ السِّجْنِ ] حَتَّى تَظْهَرَ بَرَاءَتُهُ ، لِئَلَّا يَنْظُرَ إلَيْهِ الْمَلِكُ بِعَيْنِ الْخَائِنِ ، فَيَسْقُطَ فِي عَيْنِهِ ، أَوْ يَعْتَقِدَ لَهُ حِقْدًا ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ سِجْنَهُ كَانَ جَوْرًا مَحْضًا ، وَظُلْمًا صَرِيحًا ، وَانْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى عَظِيمِ حِلْمِهِ ، وَوُفُورِ أَدَبِهِ ، كَيْفَ قَالَ : مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ، فَذَكَرَ النِّسَاءَ جُمْلَةً ، لِيُدْخِلَ فِيهِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ مَدْخَلَ الْعُمُومِ بِالتَّلْوِيحِ ، وَلَا يَقَعَ عَلَيْهَا تَصْرِيحٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ [ وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ] قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الْمَلِكُ لِيُوسُفَ : { إنَّك الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } أَيْ مُتَمَكِّنٌ مِمَّا أَرَدْت ، أَمِينٌ عَلَى مَا ائْتُمِنْتَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٌ ، أَمَّا أَمَانَتُهُ فَلِمَا ظَهَرَ مِنْ بَرَاءَتِهِ ، وَأَمَّا مَكَانَتُهُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَتْ عِفَّتُهُ وَنَزَاهَتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ } كَيْفَ سَأَلَ الْإِمَارَةَ وَطَلَبَ الْوِلَايَةَ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَمُرَةَ : { لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ، وَإِنَّك إنْ سَأَلَتْهَا وُكِلْت إلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْهَا أُعِنْت عَلَيْهَا } .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّا لَا نُوَلِّي عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ؟ } .
وَعَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : إنِّي حَسِيبٌ كَرِيمٌ ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ } .
وَلَا قَالَ : إنِّي مَلِيحٌ جَمِيلٌ ، إنَّمَا قَالَ : إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، سَأَلَهَا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ لَا بِالْحَسَبِ وَالْجَمَالِ .
الثَّانِي : سَأَلَ ذَلِكَ لِيُوَصِّلَ إلَى الْفُقَرَاءِ حُظُوظَهُمْ لَا لَحَظِّ نَفْسِهِ .
الثَّالِثُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ، فَأَرَادَ التَّعْرِيفَ بِنَفْسِهِ ، وَصَارَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } الرَّابِعُ : أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فَرْضًا مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ غَيْرُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : كَيْفَ اسْتَجَازَ أَنْ يَقْبَلَهَا بِتَوْلِيَةِ كَافِرٍ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ نَبِيٌّ ؟ قُلْنَا : لَمْ يَكُنْ سُؤَالَ وِلَايَةٍ ؛ إنَّمَا كَانَ سُؤَالَ تَخَلٍّ وَتَرْكٍ ، لِيَنْتَقِلَ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَمَكَّنَهُ مِنْهَا بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ وَالْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ وَالسُّلْطَانِ وَالْقَهْرِ ، لَكِنَّ اللَّهَ أَجْرَى سُنَّتَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ ، فَبَعْضُهُمْ عَامَلَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالْقَهْرِ [ وَالسُّلْطَانِ ] وَالِاسْتِعْلَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ عَامَلَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ بِالسِّيَاسَةِ وَالِابْتِلَاءِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، وَهِيَ الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إنْ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي أَمْرِهِ لَهُمْ بِالتَّفَرُّقِ : وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ تُقَاةُ الْعَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ أَنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ مَوْجُودٌ ، وَعِنْدَ جَمِيعِ الْمُتَشَرِّعِينَ مَعْلُومٌ ، وَالْبَارِئُ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ الْخَالِقُ ، لَا فَاعِلَ بِالْحَقِيقَةِ وَلَا خَالِقَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .
فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ مِنْ الْفَلَكِ إلَى الذَّرَّةِ ، وَلَا مِنْ دَوَرَانِهِ إلَى حَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ ، وَمُصَرَّفَةٌ بِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ ، فَكُلُّ مَا تَرَى بِعَيْنِك أَوْ تَتَوَهَّمُهُ بِقَلْبِك فَهُوَ صُنْعُ اللَّهِ وَخَلْقُهُ ، إذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ .
وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَ الْكُلَّ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، وَلَكِنَّهُ سَبَّبَ الْأَسْبَابَ ، وَرَكَّبَ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ؛ فَالْجَاهِلُ إذَا رَأَى مَوْجُودًا بَعْدَ مَوْجُودٍ ، أَوْ مَوْجُودًا مُرْتَبِطًا فِي الْعِيَانِ بِمَوْجُودٍ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ إلَى الرَّابِطَةِ مَنْسُوبٌ ، وَعَلَيْهَا فِي الْفِعْلِ مَحْسُوبٌ ، وَحَاشَ لِلَّهِ ، بَلْ الْكُلُّ لَهُ ، وَالتَّدْبِيرُ تَدْبِيرُهُ ، وَالِارْتِبَاطُ تَقْدِيرُهُ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ .
وَمِنْ أَبْدَعِ مَا خَلَقَ النَّفْسُ ؛ رَكَّبَهَا فِي الْجِسْمِ ، وَجَعَلَهَا مَعْلُومَةً لِلْعَبْدِ ضَرُورَةً ، مَجْهُولَةَ الْكَيْفِيَّةِ ، إنْ جَاءَ يُنْكِرُهَا لَمْ يَقْدِرْ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ تَأْثِيرِهَا عَلَى الْبَدَنِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَعْرِفَةَ بِهَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ
لَا يَعْلَمُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَنْسُبُهَا ، وَلَا عَلَى أَيْ مَعْنًى يَقِيسُهَا ، وَضَعَهَا اللَّهُ الْمُدَبِّرُ فِي الْبَدَنِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ لِيُمَيِّزَ الْإِيمَانَ بِهِ ؛ إذْ يُعْلَمُ بِأَفْعَالِهِ ضَرُورَةً ، وَلَا يُوصَلُ إلَى كَيْفِيَّتِهِ لِعَدَمِهَا فِيهِ ، وَاسْتِحَالَتِهَا عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ .
وَلَهَا آثَارٌ يَخْلُقُهَا الْبَارِي فِي الشَّيْءِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ ، مِنْهَا الْعَيْنُ وَهُوَ مَعْنًى يَحْدُثُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ فِي الْمُعَيَّنِ ، إذَا أَعْجَبَتْ مَنْظَرَتُهُ الْعَائِنَ فَيَلْفِظُ بِهِ ، إمَّا إلَى عُرُوِّ أَلَمٍ فِي الْمُعَيَّنِ ، وَإِمَّا إلَى الْفَنَاءِ ، بِحَسَبِ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى نُهِيَ الْعَائِنُ عَنْ التَّلَفُّظِ بِالْإِعْجَابِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ لَمْ يَضُرَّ اعْتِقَادُهُ عَادَةً ، وَكَمَا أَنَفَذَ الْبَارِي مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَخْلُقَ فِي بَدَنِ الْمُعَيَّنِ أَلَمًا أَوْ فِنَاءً ، فَكَذَلِكَ سَبَقَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ أَسْقَطَ قَوْلُهُ بِالْبَرَكَةِ قَوْلَهُ بِالْإِعْجَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ سَقَطَ حُكْمُهُ بِالِاغْتِسَالِ .
وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ ، وَاعْتَقَدُوهُ مِنْ أَكَاذِيبِ النَّقَلَةِ ، وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِمَا سَطَّرُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ الْكَوْنَ وَالْفَسَادَ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعِ ، فَإِذَا شَذَّ شَيْءٌ قَالُوا : هَذِهِ خَاصَّةٌ خَرَجَتْ مِنْ مَجْرَى الطَّبِيعَةِ لَا يُعْرَفُ لَهَا سَبَبٌ ، وَجَمَعُوا مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ؛ فَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الرُّوَاةُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ خَوَاصُّ شَرْعِيَّةٌ بِحِكَمٍ إلَهِيَّةٍ ، يَشْهَدُ لِصِدْقِهَا وُجُودُهَا كَمَا وُصِفَتْ ؛ فَإِنَّا نَرَى الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ امْتَنَعَ ضَرَرُهُ ، وَإِنْ اغْتَسَلَ شُفِيَ مَعِينُهُ ، وَهَذَا بَالِغٌ فِي فَنِّهِ ، فَلْيُنْظَرْ عَلَى التَّمَامِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ؛ وَهَذِهِ النُّبْذَةُ تَكْفِي فِي هَذِهِ الْعَارِضَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } قَالُوا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى التَّفَرُّقِ مَخَافَةَ الْعَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ ، إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَأْنَسُ بِهِ النُّفُوسُ ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُلُوبُ ؛ إذْ خُلِقَتْ مُلَاحِظَةً لِلْأَسْبَابِ .
وَيَفْتَرِقُ اعْتِقَادُ الْخَلْقِ ؛ فَمَنْ لَحَظَ الْأَسْبَابَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَسْبَابٌ فِي الْعَادَةِ لَا تَفْعَلُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَاتٌ ؛ فَهُوَ الْمُوَحِّدُ ، وَمَنْ نَسَبَهُ إلَيْهَا فِعْلًا وَاعْتَقَدَهَا مُدَبَّرَةً فَهُوَ الْجَاهِلُ أَوْ الْمُلْحِدُ .
.
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } الْآيَةُ فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إنَّمَا جَعَلَ السِّقَايَةَ حِيلَةً فِي الظَّاهِرِ لِأَخْذِ الْأَخِ مِنْهُمْ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَهُ ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ [ وَلَمْ يَمْنَعْ الْحِيلَةَ ] ، وَاَللَّهُ قَادِرٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، حَكِيمٌ فِي تَفْصِيلِ الْحَالَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَيْفَ رَضِيَ يُوسُفُ أَنْ يَنْسِبَ إلَيْهِمْ السَّرِقَةَ وَلَمْ يَفْعَلُوهَا ؟ قِيلَ : عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ وَبَاعُوهُ ، فَاسْتَحَقُّوا هَذَا الِاسْمَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ أَيَّتُهَا الْعِيرُ حَالُكُمْ حَالُ السُّرَّاقِ .
الْمَعْنَى : إنَّ شَيْئًا لِغَيْرِكُمْ صَارَ عِنْدَكُمْ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَلِكِ وَلَا عِلْمِهِ .
الثَّالِثُ : وَهُوَ التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا كَانَ حِيلَةً لِاجْتِمَاعِ شَمْلِهِ بِأَخِيهِ وَفَصْلِهِ عَنْهُ إلَيْهِ ، وَهُوَ ضَرَرٌ دَفَعَهُ بِأَقَلَّ مِنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَكَيْفَ اسْتَجَازَ يُوسُفُ الْحَيْلُولَةَ بَيْنَ أَخِيهِ وَأَبِيهِ فَيَزِيدُهُ حُزْنًا عَلَى حُزْنٍ وَكَرْبًا عَلَى كَرْبٍ .
قُلْنَا : إذَا اسْتَوَى الْكَرْبُ جَاءَ الْفَرْجُ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِإِذْنٍ مِنْ اللَّهِ فَلَا اعْتِرَاضَ فِيهِ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : وَذَلِكَ أَنَّ الْحُزْنَ كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَى يَعْقُوبَ غَلَبَةً لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا فَقْدُ أَخِيهِ كُلَّ التَّأْثِيرِ ، أَوَ لَا تَرَاهُ لَمَّا فَقَدَ أَخَاهُ قَالَ : يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا نَصٌّ فِي جَوَازِ الْكَفَالَةِ .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ : لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْكَفَالَةِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَ فِيهَا كَفَالَةُ إنْسَانٍ عَنْ إنْسَانٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ الْتَزَمَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَضَمِنَ عَنْهَا ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لُغَةً لَازِمٌ شَرْعًا ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَسْت بِآمِرٍ فِيهَا بِسِلْمٍ وَلَكِنِّي عَلَى نَفْسِي زَعِيمُ وَقَالَ الْآخَرُ : وَإِنِّي زَعِيمٌ إنْ رَجَعْت مُمَلَّكًا بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الْغُرَانِقَ أَزْوَرَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ صَحِيحُ [ بَيْدَ أَنَّ الزَّعَامَةَ ] فِيهِ نَصٌّ ، فَإِذَا قَالَ : أَنَا زَعِيمٌ فَمَعْنَاهُ أَنِّي مُلْتَزَمٌ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : أَلْتَزِمُهُ عَنْ نَفْسِي أَوْ الْتَزَمْت عَنْ غَيْرِي ؟
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا ؛ وَأَمَّا كُلُّ حَقٍّ لَا يَقُومُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ كَالْحُدُودِ فَلَا كَفَالَةَ فِيهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَتُرَكَّبُ عَلَى هَذِهِ مَسْأَلَةٌ .
وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا قَالَ : أَنَا زَعِيمٌ لَك بِوَجْهِ فُلَانٍ .
قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ ؛ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَجِدُهُ أَمْ لَا ؟ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالزَّعَامَةِ تَنْزِيلُ الزَّعِيمِ مَقَامَ الْأَصْلِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ حُضُورِ الْأَصْلِ أَدَاءُ الْمَالِ ، فَكَذَلِكَ الزَّعِيمُ .
وَمَسَائِلُ الضَّمَانِ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ نَصٌّ فِي الزَّعَامَةِ فَمَعْنَاهَا نَصٌّ فِي الْجَعَالَةِ ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْإِجَارَةِ ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَعَالَةِ وَالْإِجَارَةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، وَالْجَعَالَةُ يَتَقَدَّرُ فِيهَا الْجُعَلُ وَالْعَمَلُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ .
وَدَلِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الْبَيْعَ وَالِابْتِيَاعَ فِي الْأَمْوَالِ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَبَدُّلِ الْأَحْوَالِ ، فَلَمَّا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ شَرَعَ لَهَا سَبِيلَ الْبَيْعِ وَبَيَّنَ أَحْكَامَهُ ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَنَافِعُ كَالْأَمْوَالِ فِي حَاجَةٍ إلَى اسْتِيفَائِهَا ؛ إذْ لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ فِي جَمِيعِ أَغْرَاضِهِ نَصَبَ اللَّهُ الْإِجَارَةَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ بِالْأَعْوَاضِ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ الْأَغْرَاضِ ، وَأَنْكَرَهَا الْأَصَمُّ ، وَهُوَ عَنْ الشَّرِيعَةِ أَصَمُّ ؛ فَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِجَارَةَ ، وَفَعَلَهَا الصَّحَابَةُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ بِالزَّمَانِ ، كَقَوْلِهِ : تَخْدُمُنِي الْيَوْمَ .
وَقَدْ يَقُولُ : تَخِيطُ لِي هَذَا الثَّوْبَ ؛ فَيُقَدَّرُ الْعَمَلُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ ، كَقَوْلِهِ : مَنْ جَاءَنِي بِضَالَّتِي أَوْ جَلَبَ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ كَذَا ، فَأَحَدُ الْعِوَضَيْنِ لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ ، وَالْعِوَضُ الْآخَرُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ ، فَإِنَّ مَا يَسْقُطُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَعَدَّى سُقُوطُهُ إلَى مَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَا مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ ، وَهُوَ عَمَلٌ لَا يَتَقَدَّرُ ، وَقَدْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَالْجَعَالَةُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّتْهُمَا الشَّرِيعَةُ ، وَنَفَتْ عَنْهُمَا الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي حَقِيقَةِ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ : إنَّ الْمُنَادِيَ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا ، إنَّمَا كَانَ نَائِبًا عَنْ يُوسُفَ وَرَسُولًا لَهُ ، فَشَرَطَ حِمْلَ الْبَعِيرِ عَلَى يُوسُفَ لِمَنْ جَاءَ بِالصُّوَاعِ وَتَحَمَّلَ هُوَ بِهِ عَنْ يُوسُفَ ، فَصَارَتْ فِيهِ ثَلَاثُ فَوَائِدَ : الْأَوَّلُ : الْجَعَالَةُ ، وَهُوَ عَقْدٌ يَتَقَدَّرُ فِيهِ الثَّمَنُ وَلَا يَتَقَدَّرُ فِيهِ الثَّمَنُ .
الثَّانِيَةُ : الْكَفَالَةُ ، وَهِيَ هَاهُنَا مُضَافَةٌ إلَى سَبَبٍ مُوجَبٍ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسَائِلِ ؛ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ فِعْلُ نَبِيٍّ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا شَرْعًا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْكَفَالَةِ ؛ فَجَوَّزَهَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ مُحَالَةً عَلَى سَبَبِ وُجُوبٍ ؛ كَقَوْلِهِ : مَا كَانَ لَك عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ ، أَوْ إذَا أَهَلَّ الْهِلَالُ فَلَكَ عَلَيَّ عَنْهُ كَذَا ، بِخِلَافِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ مَحْضٍ ، كَقَوْلِهِ : إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ عَلَى جَوَازِهَا ، مُحَالَةً عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ .
الثَّالِثَةُ : جَهَالَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هِيَ جَائِزَةٌ ، وَتَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا مَعَ جَهَالَةِ الشَّيْءِ الْمَضْمُونِ أَوْ كِلَيْهِمَا .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْمَكْفُولِ لَهُ ، وَادَّعَى أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ مِنْ الْآيَةِ خَاصَّةً .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْجُعَلِ ، وَهِيَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ تَعَلُّقٌ فِي مَذْهَبٍ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنَّ مَعْرِفَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمَضْمُونِ لَهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا ؛ أَمَّا مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلِيُعْلَمَ هَلْ هُوَ أَهْلٌ
لِلْإِحْسَانِ أَمْ لَا ؟ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ فَلِيُعْلَمَ هَلْ يَصْلُحُ لِلْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا ؟ الثَّانِي : أَنَّهُ افْتَقَرَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعَهُ خَاصَّةً .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِمَا ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ضَمِنَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ عَنْ الْمَضْمُونِ لَهُ وَلَا عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ } .
وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي جَهَالَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ ، وَحَمْلُ جَهَالَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ أَخَفُّ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَمَّا قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ : { تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } .
قَالَ أَصْحَابُ يُوسُفَ : { فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ } ؟ فَقَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ : { جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ } قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْمَعْنَى جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ، عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، التَّقْدِيرُ جَزَاؤُهُ اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ، أَوْ أَخْذُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : التَّقْدِيرُ جَزَاءُ السَّارِقِ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ، وَيَكُونُ جَزَاؤُهُ الْأَوَّلُ الِابْتِدَاءَ ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ الْخَبَرَ ، الْمَعْنَى مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ هُوَ ، وَكَرَّرَهُ تَأْكِيدًا لِلْبَيَانِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْكَلَامِ بِالتَّفْسِيرِ : وَذَلِكَ أَنَّ دِينَ الْمَلِكِ كَانَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ السَّارِقِ مِثْلَيْ السَّرِقَةِ ، وَكَانَ دِينُ يَعْقُوبَ أَنْ يُسْتَرَقَّ السَّارِقُ ، فَأَخَذَ يُوسُفُ إخْوَتَهُ بِمَا فِي دِينِ يَعْقُوبَ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ وَتَسْلِيمِهِمْ فِيهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَمَّةَ يُوسُفَ بِنْتَ إِسْحَاقَ ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ يَعْقُوبَ ، صَارَتْ إلَيْهَا مِنْطَقَةُ إِسْحَاقَ لِسِنِّهَا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَهَا بِالسِّنِّ ، وَكَانَ مَنْ سَرَقَهَا اسْتُمْلِكَ ،
وَكَانَتْ عَمَّةُ يُوسُفَ قَدْ حَضَنَتْهُ وَأَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ قَالَ لَهَا يَعْقُوبُ : سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ ؛ فَلَسْت أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ عَيْنِي سَاعَةً .
قَالَتْ لَهُ : دَعْهُ عِنْدِي أَيَّامًا أَنْظُرُ إلَيْهِ فَلَعَلِّي أَتَسَلَّى عَنْهُ .
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا يَعْقُوبُ عَمَدَتْ إلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ فَحَزَّمَتْهَا عَلَى يُوسُفَ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَقَدْ فَقَدْت مِنْطَقَةَ إِسْحَاقَ ، فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا ، وَمَنْ أَصَابَهَا .
فَالْتُمِسَتْ ، ثُمَّ قَالَتْ : اكْشِفُوا أَهْلَ الْبَيْتِ ، فَكَشَفُوا فَوُجِدَتْ مَعَ يُوسُفَ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ إنَّهُ لِي سَلَمٌ أَصْنَعُ فِيهِ مَا شِئْت .
ثُمَّ أَتَاهَا يَعْقُوبُ ، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ لَهَا : أَنْتِ وَذَاكَ ، إنْ كَانَ فَعَلَ فَهُوَ سَلَمٌ لَك ، فَأَمْسَكَتْهُ حَتَّى مَاتَتْ ، فَبِذَلِكَ عَيَّرَهُ إخْوَتُهُ فِي قَوْلِهِمْ { إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَرَابَةَ شِجْنَةٌ وَالصَّحَابَةُ شِجْنَةٌ .
وَمِنْ هَاهُنَا تَعَلَّمَ يُوسُفُ وَضْعَ السِّقَايَةِ فِي رَحْلِ أَخِيهِ كَمَا عَمِلَتْ عَمَّتُهُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ } إذْ كَانَ لَا يَرَى اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، فَكَيْفَ الْتِزَامُ الْإِخْوَةِ لِدِينِ يَعْقُوبَ بِالِاسْتِرْقَاقِ ، فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِهِ .
وَالْكَيْدُ وَالْمَكْرُ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي يُخَالِفُ فِيهِ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ ، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ؛ فَيَتَأَوَّلُهُ أَحَدُ الْمُتَخَاطِبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ وَالْآخَرُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الشَّرَائِعِ ؛ إذْ كَانَ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ اسْتِرْقَاقُ السَّارِقِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَا نَعْلَمُ مَا نَفَذَ بِهِ الْحُكْمُ فِي شَرْعِ يَعْقُوبَ هَلْ كَانَ مَخْصُوصًا بِعَيْنٍ مَسْرُوقَةٍ دُونَ عَيْنٍ أَمْ عَامًّا فِي كُلِّ عَيْنٍ ؟ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْغَرَضِ ، مُوَضِّحٌ لِلْمَقْصُودِ ، فَافْهَمُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } فِيهِ جَوَازُ التَّوَصُّلِ إلَى الْأَغْرَاضِ بِالْحِيَلِ ؛ إذَا لَمْ تُخَالِفْ شَرِيعَةً وَلَا هَدَمَتْ أَصْلًا ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ الْحِيَلَ ، وَإِنْ خَالَفَتْ الْأُصُولَ ، وَخَرَمَتْ التَّحْلِيلَ ؛ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْفِهْرِيِّ وَغَيْرَهُ يَقُولُ : كَانَ شَيْخُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الدَّامَغَانِيُّ صَاحِبَ عَشْرَاتِ آلَافٍ مِنْ الْمَالِ ، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الْحَوْلِ دَعَا بَنِيهِ فَقَالَ لَهُمْ : قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي ، وَهَذَا مَالٌ لَا أَحْتَاجُهُ ، فَهُوَ لَكُمْ .
ثُمَّ يُخْرِجُهُ ، وَيَحْتَمِلُهُ الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ إلَى دُورِ بَنِيهِ ، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الْحَوْلِ ، وَدَعَا بَنِيهِ لِأَمْرٍ قَالُوا : يَا أَبَانَا ؛ إنَّمَا أَمَلُنَا حَيَاتُك ، وَأَمَّا الْمَالُ فَأَيُّ رَغْبَةٍ لَنَا فِيهِ مَا دُمْت حَيًّا ، أَنْتَ وَمَالُك لَنَا ، فَخُذْهُ إلَيْك .
وَيَسِيرُ الرِّجَالُ بِهِ حَتَّى يَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَرُدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ يُرِيدُ بِتَبْدِيلِ الْمِلْكِ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِ ، وَهَذَا خَطْبٌ عَظِيمٌ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ صَنَّفَ الْبُخَارِيُّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِهِ كِتَابًا مَقْصُودًا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْحِيلَةِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى الْمُبَاحِ وَاسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا وَهْمٌ عَظِيمٌ .
وَقَوْلُهُ : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ } قِيلَ فِيهِ : كَمَا مَكَّنَّا لِيُوسُفَ مِلْكَ نَفْسِهِ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ مَكَّنَّا لَهُ مِلْكَ الْأَرْضِ عَنْ الْعَزِيزِ أَوْ مِثْلَهُ مِمَّا لَا يُشْبِهُ مَا ذَكَرَهُ .
قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَمِثْلُهُ : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
قَالَ الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ هَذَا حِيلَةً ؛ إنَّمَا هُوَ حَمْلٌ لِلْيَمِينِ عَلَى الْأَلْفَاظِ أَوْ عَلَى الْمَقَاصِدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي عَامِلِ خَيْبَرَ [ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : نَصُّ هَذَا الْحَدِيثِ ] { أَنَّ عَامِلَ خَيْبَرَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ قَالَ : لَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنَّا نَبِيعُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ مِنْ تَمْرِ الْجَمْعِ .
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا ، وَكَذَلِكَ الْبُسْرُ } خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ .
وَمَقْصُودُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ جَمْعًا وَيَبْتَاعَ جَنِيبًا مِنْ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْجَمْعَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ .
قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ ، لِئَلَّا يَكُونَ جَنِيبًا بِجَمْعٍ وَالدَّرَاهِمُ رِبًا ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : جَرِيرَةٌ بِجَرِيرَةٍ وَالدَّرَاهِمُ رِبًا .
قَالَ الشَّفْعَوِيُّ : وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدَ : { خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .
قَالَ الْقَاضِي : { قَالَتْ هِنْدُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مَسِيكٌ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .
قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .
وَهَذَا مِنْ بَابِ الْفَتْوَى وَتَسْلِيطِ الْمُفْتِي لِلْمُسْتَفْتِي عَلَى حُكْمِ الدَّعْوَى ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ ، وَرَبُّهُ أَعْلَمُ مِنْ الْكُلِّ بِكَذِبِهِ أَوْ صِدْقِهِ ، وَلَا حِيلَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا .
وَعَجَبًا لِمَنْ يَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ ، وَيَتَمَيَّزُ فِي الْفِرَقِ بِالزَّعَامَةِ ، وَيَأْتِي بِهَذَا السَّفْسَافِ مِنْ الْمَقَالِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَزَادَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَعَارِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَرْبِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْغَرَضِ عَلَى خَطٍّ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ هَذَا الْمَقْصِدِ فِي دَائِرَةِ الْأُفُقِ ، فَكَيْفَ فِي مِقْدَارٍ مِنْ التَّقَابُلِ أَصْغَرَ مِنْ نَفَقٍ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { ارْجِعُوا إلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الشَّهَادَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالْعِلْمِ عَقْلًا وَشَرْعًا ، فَلَا تُسْمَعُ إلَّا مِمَّنْ عَلِمَ ، وَلَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْهُ .
وَمَرَاتِبُ الْعِلْمِ فِي طُرُقِهِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَكِنَّهُ يَعُودُ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ ، فَإِذَا نَسِيَ الشَّهَادَةَ فَذُكِّرَ بِهَا وَتَذَكَّرَهَا أَدَّاهَا ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا لَمْ يُؤَدِّهَا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ قَالُوا : يُؤَدِّيهَا وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْهَا مَا عَلِمَ وَهُوَ خَطُّهُ ، وَيَتْرُكَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَلْيُنْظَرْ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ شَهَادَةً لَا يَحْتَمِلُهَا عُمْرُهُ وَلَا حَالُهُ رُدَّتْ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى بَاطِنًا مَا كَذَّبَهُ الْعِيَانُ ظَاهِرًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : شَهَادَةُ الْمُرُورِ : وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : مَرَرْت بِفُلَانٍ فَسَمِعْته ، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْقَوْلَ شَهِدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ .
وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يُشْهِدَاهُ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ الِاسْتِيعَابِ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَهُوَ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْمَطْلُوبُ ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْعِلْمِ ، وَكَانَ خَيْرَ الشُّهَدَاءِ إذَا أَعْلَمَ الْمَشْهُودَ لَهُ ، وَشَرَّ الشُّهَدَاءِ إذَا كَتَمَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا إذَا جَلَسَ رَجُلَانِ لِلْمُحَاسَبَةِ ، فَأَبْرَزَ الْحِسَابُ بَيْنَهُمَا ذِكْرًا هَلْ يَشْهَدُ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ ، وَقَدْ كُلِّفَ ذَلِكَ وَأُجْلِسَ لَهُ ؟ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ عِلْمُهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا أَجْلَسَ رَجُلٌ شَاهِدِينَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّرَهُ فَاسْتَوْعَبَا كَلَامَهُ ، فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَقَرَّ إلَّا بِأَمْرِ كَذَا يَذْكُرُهُ ؛ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا يَشْهَدُ بِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : حَدَّثَ مَالِكٌ عَنْ حُزْنِ يَعْقُوبَ أَنَّهُ حُزْنُ سَبْعِينَ ثَكْلَى .
قِيلَ : فَمَا أُعْطِيَ ؟ قَالَ : أَجْرَ سَبْعِينَ شَهِيدًا .
قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يُوسُفُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : مَا انْتَقَمْت لِنَفْسِي مِنْ شَيْءٍ أَتَى إلَيَّ ، فَذَلِكَ زَادِي الْيَوْمَ مِنْ الدُّنْيَا ، وَإِنَّ عَمَلِي لَاحِقٌ بِعَمَلِ آبَائِي ، فَأَلْحِقُوا قَبْرِي بِقُبُورِهِمْ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُرِيدُ مَالِكٌ بِالْكَلَامِ الثَّانِي قَوْلَ يُوسُفَ لِإِخْوَتِهِ : { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } أَيْ : لَا تَبْكِيتَ وَلَا مُؤَاخَذَةَ لَكُمْ بِمَا فَعَلْتُمْ ؛ لِأَنَّ شِفَاءَ الْغَيْظِ وَالْجَزَاءَ بِالذَّنْبِ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا لَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ يُوسُفَ : مَا انْتَقَمْت لِنَفْسِي مِنْ شَيْءٍ أَتَى إلَيَّ ، فَذَلِكَ زَادِي الْيَوْمَ مِنْ الدُّنْيَا ، وَإِنْ عَمَلِي لَاحِقٌ بِعَمَلِ آبَائِي أَيْ فِي الصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ ، وَهُوَ فِعْلُ أَهْلِ النُّبُوَّةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : " أَلْحِقُوا قَبْرِي بِقُبُورِ آبَائِي " شَاهَدْنَاهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ ، وَجَاوَزْنَا فِيهِ [ أَعْوَامًا وَأَيَّامًا آمَنِينَ فِي نِعَمٍ فَاكِهِينَ ، وَعَلَى الدَّرْسِ وَالْمُنَاظَرَةِ مُتَقَابِلِينَ ، وَهُوَ فِي قَرْيَةِ جَيْرُونَ الَّتِي كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى سِتَّةُ فَرَاسِخَ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَيْتُ رَامَةَ مُتَعَبَّدُ [ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ، الْمُشْرِقُ عَلَى مَدَائِنِ لُوطٍ ، وَفِي وَسَطِ الْقَرْيَةِ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ مِنْ حِجَارَةٍ عِظَامٍ سُوَرًا عَظِيمًا ، فِي دَاخِلِهِ مَسْجِدٌ ، فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ إِسْحَاقُ ، وَيَلِيهِ فِي الْجَانِبِ الْمَذْكُورِ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ، وَيَلِيه فِي الطَّرَفِ الْجَوَّانِيِّ مِنْ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ يَعْقُوبُ عَلَى نِسْبَةٍ مُتَمَاثِلَةٍ .
وَفِيمَا يُقَابِلُهَا مِنْ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ قُبُورُ أَزْوَاجِهِمْ عَلَى الِاعْتِدَالِ ، عَلَى كُلِّ قَبْرٍ حَجَرٌ عَظِيمٌ وَاحِدٌ لَهُ الطُّولُ وَالْعَرْضُ وَالْعُمْقُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ .
وَفِي الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنْهُ خَارِجَ هَذَا الْحَرَمِ قَبْرُ يُوسُفَ مُنْتَبَذًا ، كَانَ لَهُ قَيِّمٌ طُرْطُوشِيٌّ زَمِنٌ ، وَلَهُ أُمٌّ تَنُوبُ عَنْهُ ، وَهَيْئَةُ قَبْرِ يُوسُفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَهَيْئَةِ قُبُورِهِمْ .
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ فِي مَوْضِعِ قَبْرِهِ لِأَجْلِ ذِكْرِ مَالِكٍ لَهُ ، فَلَمْ يَذْكُرْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَشْبَهَ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : كَانَ يَعْقُوبُ حَزِينًا فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَّاهَا ، وَلَكِنَّ حُزْنَهُ كَانَ فِي قَلْبِهِ جِبِلَّةً ، وَلَمْ يَكْتَسِبْ لِسَانُهُ قَوْلًا قَلِقًا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِهِ فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ : { تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا ، وَإِنَّا بِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ } .
وَقَالَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِهَذَا وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ ، أَوْ يَرْحَمُ } .
وَهُوَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ ، سُبْحَانَهُ ، حِينَ عَلِمَ عَجْزَ الْخَلْقِ عَنْ الصَّبْرِ ؛ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الدَّمْعِ وَالْحُزْنِ ، وَلَمْ يُؤَاخِذْهُمْ بِهِ ، وَخَطَمَ الْفَمَ بِالزِّمَامِ عَنْ سُوءِ الْكَلَامِ ، فَنَهَى عَمَّا نَهَى ، وَأَمَرَ بِالتَّسْلِيمِ وَالرِّضَا لِنَافِذِ الْقَضَاءِ ، وَخَاصَّةً عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى .
وَأَحْسَنُ الْكَلَامِ فِي الشَّكْوَى سُؤَالُ الْمَوْلَى زَوَالَ الْبَلْوَى ، وَذَلِكَ قَوْلُ يَعْقُوبَ : { إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } مِنْ جَمِيلِ صُنْعِهِ وَغَرِيبِ لُطْفِهِ وَعَائِدَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي الْبِضَاعَةِ : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنَى الْبِضَاعَةِ فِي الْبِضْعِ آنِفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { مُزْجَاةٍ } : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَعْنِي قَلِيلَةً ، إمَّا لِأَنَّهُ مَتَاعُ الْبَادِيَةِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ لِلْمُلُوكِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا سَعَةَ فِيهِ ، إنَّمَا يُدَافَعُ بِهِ الْمَعِيشَةُ ، مِنْ قَوْلِك : فُلَانٌ يُزْجِي كَذَا ، أَيْ : يَدْفَعُ قَالَ الشَّاعِرُ : الْوَاهِبُ الْمِائَةَ الْهِجَانَ وَعَبْدَهَا عُوذًا تُزَجِّي خَلْفَهَا أَطْفَالَهَا يَعْنِي تَدْفَعُ .
الثَّانِي : قَالَ مَالِكٌ : مُزْجَاةٌ تَجُوزُ فِي كُلِّ مَكَان ، فَهِيَ الْمُزْجَاةُ رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ .
وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ جَبَذَ وَجَذَبَ ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ فِيهِ .
وَقَدْ فَسَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الْبُطْمُ وَالصَّنَوْبَرُ ، وَالْبُطْمُ هُوَ الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } الْمَعْنَى جِئْنَا بِقَدْرِنَا ، فَأَعْطِنَا بِقَدْرِك ، تَضَاءَلُوا بِالْحَاجَةِ ، وَتَمَسْكَنُوا بِفَادِحَةِ الْمُصِيبَةِ فِي الْأَخَوَيْنِ ، وَمَا صَارَ إلَيْهِ أَمْرُ الْأَبِ بَعْدَهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ : قَالُوا لِيُوسُفَ : فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ، فَكَانَ يُوسُفُ هُوَ الَّذِي يَكِيلُ ، إشَارَةً إلَى أَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ حَقِّ الْمُشْتَرِي مِنْ حَقِّهِ ، إلَّا أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مُعَيَّنًا صُبْرَةً أَوْ مَا لَا حَقَّ تَوْفِيَةٍ فِيهِ ، فَقَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ فَمَا جَرَى عَلَى الْمَبِيعِ فَهُوَ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أُجْرَةُ الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَأُجْرَةُ النَّقْدِ عَلَى الْمُبْتَاعِ ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ لِدَرَاهِمِهِ يَقُولُ : إنَّهَا طَيِّبَةٌ فَأَنْتَ الَّذِي تَدَّعِي الرَّدَاءَةَ فَانْظُرْ لِنَفْسِك ، فَإِنْ خَرَجَ فِيهَا رَدِيءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى الدَّافِعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ بِضَاعَتَهُمْ غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ قَالُوا : اجْعَلْهَا حِبَاءً إنْ لَمْ تَكُنْ شِرَاءً .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : طَلَبُوا مِنْهُ وَفَاءَ الْكَيْلِ وَالصَّدَقَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكُلُّ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ هِبَةً يَتْبَعُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَلَا يُلْحَقُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَطْلُبُوا الصَّدَقَةَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ خَمْسَةُ أَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : لَا يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءٌ ، وَآمَنَا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ أَنْبِيَاءَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَالُهُمْ مَعَ الصَّدَقَةِ فِي شَرْعِهِمْ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ .
الرَّابِعُ : مَعْنَى تَصَدَّقْ سَامِحْ ، لَا أَصْلُ الصَّدَقَةِ .
الْخَامِسُ : قِيلَ : تَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِأَخِينَا .
وَبِالْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرِينَ أَقُولُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ ، وَهَكَذَا كَانَ سَلَامُهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ فِي شَرْعِنَا ذَلِكَ ، وَجَعَلَ الْكَلَامَ بَدَلًا عَنْ الِانْحِنَاءِ وَالْقِيَامِ .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ كَفَّرَتْ أَعْضَاؤُهُ اللِّسَانَ ، تَقُولُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، فَإِنَّك إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا } .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُ فِي الْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ ؟ قُلْنَا : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللِّسَانَ يَكْفِي فِي السَّلَامِ ، وَأَمَّا حَرَكَةُ الْبَدَنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُشْرَعْ فِي السَّلَامِ ، لَا تَحْرِيكُ يَدٍ [ وَلَا قَدَمٍ ] وَلَا قِيَامُ بَدَنٍ .
الثَّانِي : أَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ ، وَابْتِدَاؤُهُ سُنَّةٌ فِي مَشْهُورِ الْأَقْوَالِ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ الْقِيَامُ لِلرَّجُلِ الْكَبِيرِ بُدَاءَةً إذَا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ، كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ لِجُلَسَائِهِ حِينَ جَاءَ سَعْدٌ : قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ } ؛ فَإِنْ أَثَّرَ فِيهِ لَمْ يَجُزْ عَوْنُهُ عَلَى ذَلِكَ ، لِمَا رُوِيَ : { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِشَارَةُ بِالْإِصْبَعِ إذَا بَعُدَ عَنْك لِتُعَيِّنَ لَهُ أَوْ بِهِ وَقْتَ السَّلَامِ ، فَإِنْ كَانَ دَانِيًا فَلَا بَأْسَ بِالْمُصَافَحَةِ ، فَقَدْ { صَافَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرًا ، حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ } ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ كَرِهَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا أَمْرًا عَامًّا فِي الدِّينِ ، وَلَا شَائِعًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مَنْقُولًا نَقْلَ السَّلَامِ ؛ وَلَوْ كَانَ مِنْهُ لَاسْتَوَى مَعَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
سُورَةُ الرَّعْدِ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } تَمَدُّحٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ ، وَالْإِحَاطَةِ بِالْبَاطِنِ الَّذِي يَخْفَى عَلَى الْخَلْقِ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ .
وَأَهْلُ الطِّبِّ يَقُولُونَ : إذَا ظَهَرَ النَّفْخُ فِي ثَدْيِ الْحَامِلِ الْأَيْمَنِ فَالْحَمْلُ ذَكَرٌ ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَالْحَمْلُ أُنْثَى ، وَإِذَا كَانَ الثِّقَلُ لِلْمَرْأَةِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَالْحَمْلُ ذَكَرٌ ، وَإِنْ وَجَدَتْ الثِّقَلَ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَالْوَلَدُ أُنْثَى ؛ فَإِنْ قَطَعُوا بِذَلِكَ فَهُوَ كُفْرٌ ، وَإِنْ قَالُوا : إنَّهَا تَجْرِبَةٌ وَجَدْنَاهَا تُرِكُوا وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي التَّمَدُّحِ ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ يَجُوزُ انْكِسَارُهَا وَالْعِلْمُ لَا يَجُوزُ تَبَدُّلُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ } وَقَدْ تَبَايَنَ النَّاسُ فِيهَا فِرَقًا ، أَظْهَرُهَا تِسْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَمَا تَزِيدُ عَلَيْهَا ، كَقَوْلِهِ : { مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّانِي : مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ : مَا تُسْقِطُ ، وَمَا تَزْدَادُ ، يَعْنِي عَلَيْهِ إلَى التِّسْعَةِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : إذَا حَاضَتْ الْحَامِلُ نَقَصَ الْوَلَدُ فَذَلِكَ غَيْضُهُ ، وَإِذَا لَمْ تَحِضْ ثَمَّ فَتِلْكَ عَلَى النُّقْصَانِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
الرَّابِعُ : مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ فَتِلْكَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَمَا تَزْدَادُ فَتِلْكَ لِعَامَيْنِ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ .
الْخَامِسُ : مَا تَزْدَادُ لِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ؛ قَالَهُ اللَّيْثُ .
السَّادِسُ : مَا تَزْدَادُ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
السَّابِعُ : قَالَ مَالِكٌ فِي مَشْهُورِ قَوْلِهِ : إلَى خَمْسِ سِنِينَ .
الثَّامِنُ : إلَى سِتِّ سِنِينَ ، وَسَبْعِ سِنِينَ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
التَّاسِعُ : لَا حَدَّ لَهُ ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ ، وَأَكْثَرَ مِنْهَا ؛ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : نَقَلَ بَعْضُ الْمُتَسَاهِلِينَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، وَهَذَا مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ قَطُّ إلَّا هَالِكِيٌّ : وَهُمْ الطَّبَائِعِيُّونَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ مُدَبِّرَ الْحَمْلِ فِي الرَّحِمِ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ تَأْخُذُهُ شَهْرًا شَهْرًا ، وَيَكُونُ الشَّهْرُ الرَّابِعُ مِنْهَا لِلشَّمْسِ ، وَلِذَلِكَ يَتَحَرَّكُ وَيَضْطَرِبُ ، وَإِذَا كَمُلَ التَّدَاوُلُ فِي السَّبْعَةِ الْأَشْهُرِ بَيْنَ السَّبْعَةِ الْكَوَاكِبِ عَادَ فِي الشَّهْرِ الثَّامِنِ إلَى زُحَلَ فَيُبْقِلُهُ بِبَرْدِهِ .
فَيَا لَيْتَنِي تَمَكَّنْت مِنْ مُنَاظَرَتِهِمْ أَوْ مُقَاتَلَتِهِمْ .
مَا بَالُ الْمَرْجِعِ بَعْدَ تَمَامِ الدَّوْرِ يَكُونُ إلَى زُحَلَ دُونَ غَيْرِهِ ؟ اللَّهُ أَخْبَرَكُمْ [ بِهَذَا ] أَمْ
عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ؟ وَإِذَا جَازَ أَنْ يَعُودَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ التَّدْبِيرِ إلَى ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ ، أَوْ يَعُودَ إلَى جَمِيعِهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ؟ مَا هَذَا التَّحَكُّمُ بِالظُّنُونِ الْبَاطِلَةِ عَلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ ؟ [ فَمَنْ ] نَصِيرِي مِنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ ، وَعَذِيرِي مِنْ الْمِسْكَيْنِ الَّذِي تَصَوَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، وَيَا لِلَّهِ وَيَا لِضَيَاعِ الْعِلْمِ بَيْنَ الْعَالَمِ فِي هَذِهِ الْأَقْطَارِ الْغَارِبَةِ مَطْلَعًا ، الْعَازِبَةِ مَقْطَعًا ،
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : إنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ تَمَاسُكَ الْحَيْضِ عَلَامَةٌ عَلَى شَغْلِ الرَّحِمِ ، وَاسْتِرْسَالَهُ عَلَامَةٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ؛ فَمُحَالٌ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الشَّغْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْبَرَاءَةِ لَوْ اجْتَمَعَا ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ : وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ فِي الدَّمِ وَالْحَيْضِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَمْلِ ، وَمَا تَزْدَادُ بَعْدَ غَيْضِهَا مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الرَّحِمِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الدَّمَ عَلَامَةٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ لَا مِنْ حَيْثُ الْقَطْعِ ؛ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا ، بِخِلَافِ وَضْعِ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ بَرَاءَةٌ لِلرَّحِمِ قَطْعًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الشَّغْلِ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَمْلِ وَمَا تَزْدَادُ بَعْدَ غَيْضِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ فِي الرَّحِمِ .
فَإِنَّا نَقُولُ : إنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ غَيْضٍ وَازْدِيَادٍ وَسَيَلَانٍ وَتَوَقُّفٍ ، وَإِذَا سَالَ الدَّمُ عَلَى عَادَتِهِ بِصِفَتِهِ مَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ حُكْمِهِ ؟ وَلَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْ هَذَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إذَا وُجِدَ الْفِعْلُ ، فِي الْآدَمِيِّ مَعَ خَلْقِ الْإِرَادَةِ فِيهِ كَانَ طَوْعًا ، وَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ مَعَ عَدَمِ الْإِرَادَةِ كَانَ كَرْهًا ، وَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِهَا عَلَى أَقْوَالٍ ، جُمْهُورُهَا أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : الْمُؤْمِنُ يَسْجُدُ طَوْعًا ، وَالْكَافِرُ يَسْجُدُ خَوْفَ السَّيْفِ ؛ فَالْأَوَّلُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ آمَنَ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ لَعْثَمَةٍ .
وَالثَّانِي : الْكَافِرُ يَسْجُدُ لِلَّهِ ، إذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ يَسْجُدُ لِلَّهِ كَرْهًا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلَّا إيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ } يُرِيدُ عَنْهُ وَعَبَدْتُمْ غَيْرَهُ .
الثَّالِثُ : قَالَ الصُّوفِيَّةُ : الْمُخْلِصُ يَسْجُدُ لِلَّهِ مَحَبَّةً ، وَغَيْرُهُ يَسْجُدُ لِابْتِغَاءِ عِوَضٍ ، أَوْ لِكَشْفِ مِحْنَةٍ ، فَهُوَ يَسْجُدُ كَرْهًا .
الرَّابِعُ : الْخَلْقُ كُلُّهُمْ سَاجِدٌ ، إلَّا أَنَّهُ مَنْ سَجَدَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ طَوْعٌ ، وَمَنْ سَجَدَ بِحَالِهِ فَهُوَ كَرْهٌ ؛ إذْ الْأَحْوَالُ تَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ ذِي الْحَالِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا مَنْ سَجَدَ لِدَفْعِ شَرٍّ فَذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا بِالطَّاعَةِ ، وَوَعَدَنَا بِالثَّوَابِ عَلَيْهَا ، وَنَهَانَا عَنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَأَوْعَدَ بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا حَالُ التَّكْلِيفِ ، فَلَا يَتَكَلَّفُ فِيهَا تَعْلِيلًا إلَّا نَاقِصُ الْفِطْرَةِ قَاصِرُ الْعِلْمِ ؛ وَغَرَضُ الصُّوفِيَّةِ سَاقِطٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، فَمَا عَبَدَ اللَّهَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَا وَلِيٌّ مُكَمَّلٌ إلَّا طَلَبَ النَّجَاةَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي الْعَهْدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقَوْلُ فِي الْوَفَاءِ بِهِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَعْدِيدِ عُهُودِ اللَّهِ ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ ، مُسْتَمِرَّةُ [ الْمَدَدِ وَ ] الْأَمَدِ .
أَعْظَمُهَا عَهْدًا ، وَأَوْكَدُهَا عَقْدًا مَا كَانَ فِي صُلْبِ آدَمَ عَلَى الْإِيمَانِ .
الثَّانِي : مَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الثَّالِثُ : مَا رَبَطَهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، فَإِنَّهَا أَلْزَمَتْ عُهُودًا ، وَرَبَطَتْ عُقُودًا ، وَوَظَّفَتْ تَكْلِيفًا ، وَذَلِكَ يَتَعَدَّدُ بِعَدَدِ الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، مِنْهَا الْوَفَاءُ بِالْعِرْفَانِ ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الْإِحْسَانِ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنَّك إلَّا تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ .
وَمِنْهَا الِانْكِفَافُ عَنْ الْعِصْيَانِ ، وَأَقَلُّهُ دَرَجَةً اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَوَاثِيقِ فِي الذِّكْرِ أَلَا تَسْأَلَ سِوَاهُ ، فَقَدْ كَانَ أَبُو حَمْزَةَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ سَمِعَ { أَنَّ نَاسًا بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَسْأَلُوا أَحَدًا شَيْئًا ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا وَقَعَ سَوْطُهُ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا رَفْعَهُ إلَيْهِ } ، فَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ : رَبِّ ، إنَّ هَؤُلَاءِ عَاهَدُوا نَبِيَّك إذْ رَأَوْهُ ، وَأَنَا أُعَاهِدُك أَلَّا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا .
قَالَ : فَخَرَجَ حَاجًّا مِنْ الشَّامِ يُرِيدُ مَكَّةَ ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ بِاللَّيْلِ إذْ بَقِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ لِعُذْرٍ ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ ، فَبِينَا هُوَ يَمْشِي إلَيْهِمْ إذْ سَقَطَ فِي بِئْرٍ عَلَى حَاشِيَةِ الطَّرِيقِ ، فَلَمَّا حَصَلَ فِي قَعْرِهِ قَالَ : أَسْتَغِيثُ ؛ لَعَلَّ أَحَدًا يَسْمَعُنِي فَيُخْرِجُنِي ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ الَّذِي عَاهَدْته يَرَانِي وَيَسْمَعُنِي ، وَاَللَّهِ
لَا تَكَلَّمْت بِحَرْفٍ لِبَشَرٍ ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا إذْ مَرَّ بِتِلْكَ الْبِئْرِ نَفَرٌ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلَى حَاشِيَةِ الطَّرِيقِ قَالُوا : إنَّهُ لَيَنْبَغِي سَدُّ هَذِهِ الْبِئْرِ ، ثُمَّ قَطَعُوا خَشَبًا ، وَنَصَبُوهَا عَلَى فَمِ الْبِئْرِ وَغَطَّوْهَا بِالتُّرَابِ .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو حَمْزَةَ قَالَ : هَذِهِ مَهْلَكَةٌ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ : أَلَيْسَ الَّذِي عَاهَدْت يَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَسَكَتَ وَتَوَكَّلَ ، ثُمَّ اسْتَنَدَ فِي قَعْرِ الْبِئْرِ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِهِ ، فَإِذَا بِالتُّرَابِ يَقَعُ عَلَيْهِ ، وَالْخَشَبُ يُرْفَعُ عَنْهُ ، وَسَمِعَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ : هَاتِ يَدَك .
قَالَ : فَأَعْطَيْته يَدِي ، فَأَقَلَّنِي فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ إلَى فَمِ الْبِئْرِ ، فَخَرَجْت وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ، ثُمَّ سَمِعْت هَاتِفًا يَقُولُ : كَيْفَ رَأَيْت ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ ؟ وَأَنْشَدَ : نَهَانِي حَيَائِي مِنْك أَنْ أَكْتُمَ الْهَوَى وَأَغْنَيْتنِي بِالْعِلْمِ مِنْك عَنْ الْكَشْفِ تَلَطَّفْت فِي أَمْرِي فَأَبْدَيْتَ شَاهِدِي إلَى غَائِبِي وَاللُّطْفُ يُدْرَكُ بِاللُّطْفِ تَرَاءَيْت لِي بِالْعِلْمِ حَتَّى كَأَنَّمَا تُخَبِّرُنِي بِالْغَيْبِ أَنَّك فِي كَفِّي أَرَانِي وَبِي مِنْ هَيْبَتِي لَك وَحْشَةٌ فَتُؤْنِسُنِي بِاللُّطْفِ مِنْك وَبِالْعَطْفِ وَتُحْيِي مُحِبًّا أَنْتَ فِي الْحُبِّ حَتْفُهُ وَذَا عَجَبٍ كَوْنُ الْحَيَاةِ مَعَ الْحَتْفِ فَهَذَا رَجُلٌ عَاهَدَ اللَّهَ ، فَوَجَدَ الْوَفَاءَ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ؛ فَبِهِ فَاقْتَدُوا تَهْتَدُوا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { أُكُلُهَا دَائِمٌ } بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي الْأُكُلِ يَعْنِي بِهِ الْمَأْكُولَ لَا الْفِعْلَ .
وَصَفَ اللَّهُ طَعَامَ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ وَلَا مَمْنُوعٍ ، وَطَعَامُ الدُّنْيَا يَنْقَطِعُ وَيُمْنَعُ فَيَمْتَنِعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ نُوحٍ : سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : " لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ ثِمَارٍ مَا يُشْبِهُ ثِمَارَ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْزُ " لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { أُكُلُهَا دَائِمٌ } وَأَنْتَ تَجِدُ الْمَوْزَ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ رُمَّانُ بَغْدَادَ ، شَاهَدْت الْمُحَوَّلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى نَهْرِ عِيسَى وَفِي شَجَرِ الرُّمَّانِ حَبُّ الْعَامَيْنِ يَجْتَمِعُ تَقْطَعُ مِنْهُ مَتَى شِئْت صَيْفًا وَشِتَاءً ، وَقَيْظًا وَخَرِيفًا ، إلَّا أَنَّ الْحَبَّةَ الَّتِي بَقِيَتْ فِي الشَّجَرَةِ عَامًا لَا تَفْلِقُهَا إلَّا بِالْقَدُومِ مِنْ شِدَّةِ الْقِشْرِ ، فَإِذَا انْفَلَقَتْ ظَهَرَ تَحْتَهُ حَبُّ الرُّمَّانِ أَجْمَلَ مَا كَانَ وَأَيْنَعَهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فِيهَا الِاكْتِفَاءُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، وَهُوَ خَيْرُ الشَّاهِدِينَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنِّي الْحَقَّ فِي الدَّعْوَى وَالصِّدْقَ فِي التَّبْلِيغُ فَسَيَنْصُرُنِي ، فَلَا جَرَمَ صَدَّقَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ ، وَنَصَرَهُ بِالدَّلَالَاتِ ، وَأَكْرَمَهُ بِالظُّهُورِ فِي الْعَوَاقِبِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } ؟ قِيلَ : هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ مَقْطُوعٌ عَنْهُ فِي الْمَعْنَى .
التَّقْدِيرُ : وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِي بِصِدْقِي ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ مُجَاهِدٌ : إنَّ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ : { قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا } ، فَلَوْ كَانَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُوَ اللَّهُ لَكَانَ تَكْرَارًا مَحْضًا خَارِجًا عَنْ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَجَزَالَةِ اللَّفْظِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ فِي : الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ : اُخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْدَ ذِكْرِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ آمَنَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ قُرِئَ : وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ " مِنْ " وَرَفْعِ الْعَيْنِ مِنْ " عُلِمَ " .
وَقُرِئَ بِخَفْضِ الْمِيمِ مِنْ " مِنْ " وَبَاقِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ .
الرَّابِعُ : الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَدَبُّرِ مَا مَضَى : أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمْ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْيَهُودِ ، كَابْنِ سَلَامٍ ، وَابْنِ يَامِينَ .
وَمِنْ النَّصَارَى ، كَسَلْمَانَ ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ بِالْكِتَابِ
التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَوَّلَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَعْلَمُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ أَعْلَمُ مِنْهُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِي ذِكْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ؛ أَوْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا } .
وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدِينَةُ عِلْمٍ وَأَبْوَابُهَا أَصْحَابُهَا ؛ وَمِنْهُمْ الْبَابُ الْمُنْفَسِحُ ، وَمِنْهُمْ الْمُتَوَسِّطُ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ فِي الْعُلُومِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ فَصَدَقَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَعْلَمُ الْكِتَابَ ، وَيُدْرِك وَجْهَ إعْجَازِهِ ؛ يَشْهَدُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّدْقِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَعَوَّلَ عَلَى حَدِيثٍ خَرَّجَهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ قَتْلُ عُثْمَانَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : مَا جَاءَ بِك ؟ قَالَ : جِئْت فِي نَصْرِك .
قَالَ : اُخْرُجْ إلَى النَّاسِ ، فَاطْرُدْهُمْ عَنِّي ، فَإِنَّك خَارِجًا خَيْرٌ لِي مِنْك دَاخِلًا .
فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّهُ كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فُلَانٌ ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ ، وَنَزَلَتْ فِي آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَنَزَلَتْ فِي : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ } الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا ، وَنَزَلَتْ فِي : { قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } .
إنَّ لِلَّهِ سَيْفًا مَغْمُودًا عَنْكُمْ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ جَاوَرَتْكُمْ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا الَّذِي نَزَلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
اللَّهَ اللَّهَ فِي هَذَا الرَّجُلِ أَنْ تَقْتُلُوهُ ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَتُطْرَدَنَّ جِيرَانُكُمْ الْمَلَائِكَةُ ،
وَلَيُسَلَّنَّ سَيْفُ اللَّهِ الْمَغْمُودُ عَنْكُمْ ، فَلَا يُغْمَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
قَالُوا : اُقْتُلُوا الْيَهُودِيَّ ، وَاقْتُلُوا عُثْمَانَ .
وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ تَنْزِلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ سَبَبًا ، وَتَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ لَفْظًا ؛ وَيُعَضِّدُهُ مِنْ النِّظَامِ أَنَّ قَوْلَهُ : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِهِ قُرَيْشًا ؛ فَاَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ إلَى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالْكِتَابِ أَقْرَبُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَذَا قَوْلُ الْمُتَجَادِلِينَ : كَفَى بِفُلَانٍ بَيْنَنَا شَهِيدًا فَيَرْضَيَانِ بِهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ ، وَيَزِيدُ هَذَا عَلَيْهِ ظُهُورُ هَذَا الْحَقِّ يَقِينًا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ نَصْرًا مُبِينًا ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَعْرِفُهُ حَقًّا ، وَيَشْهَدُ بِهِ تَصْدِيقًا وَصِدْقًا .
وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
سُورَةُ إبْرَاهِيمَ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : مَعْنَى ذَكِّرْهُمْ قُلْ لَهُمْ قَوْلًا يَتَذَكَّرُونَ بِهِ أَيَّامَ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي أَيَّامِ اللَّهِ قَوْلَانِ " : أَحَدُهُمَا : نِعَمُهُ .
الثَّانِي : نِقَمُهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَاؤُهُ الْحَسَنُ ، وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ .
وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِي مِنْ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ رَجُلٌ إذَا صَفَا لَهُ يَوْمٌ [ وَاحِدٌ ] جَعَلَ جَوْزًا فِي قِدْرٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ عُمْرِهِ أَخْرَجَ الْقِدْرَ وَفَضَّ الْخَتْمَ ، وَعَدَّ الْجَوْزَ ، فَيَرَى أَنَّ أَيَّامَهُ بِعَدَدِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوَعْظِ ، الْمُرَقِّقِ لِلْقُلُوبِ ، الْمُقَوِّي لِلْيَقِينِ ؛ فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ، وَأَيَّامُ اللَّهِ نَعْمَاؤُهُ وَبَلَاؤُهُ } ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْخَضِرِ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا فِيهِ الْغَايَةَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ سَنَدًا وَمَتْنًا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَاهُ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا ، إلَّا أَنْ تَعُودُوا فِي مِلَّتِنَا ، وَهُوَ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ، فَإِنَّ ( أَوْ ) عَلَى بَابِهَا مِنْ التَّخْيِيرِ .
خَيَّرَ الْكُفَّارُ الرُّسُلَ بَيْنَ أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ أَوْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ ؛ وَهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ وَعِبَادِهِ .
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ } .
وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ فِي { حَدِيثِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُك قَوْمُك .
قَالَ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ لَهُ وَرَقَةُ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْت بِهِ إلَّا عُودِيَ وَأُخْرِجَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِيهِ إكْرَاهُ الرُّسُلِ بِالْخُرُوجِ عَنْ أَرْضِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شِدَّةُ ذَلِكَ وَوَقْعُهُ مِنْ النُّفُوسِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ } فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْإِكْرَاهِ الْمُبِيحَةِ لِلْمَحْظُورِ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ فِي رُسُلِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ؛ فَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، فَقَالَ : { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ } .
وَأَخْبَرَ هُنَا عَنْ عُمُومِ الْأَمْرِ ، فَقَالَ : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .
فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ نُزُولِهَا عَلَى مَعْنَاهَا : رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِنَاعٍ مِنْ رُطَبٍ ، فَقَالَ : مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ الْآيَةَ قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ، مَثَلُهَا كَمِثْلِ الْمُسْلِمِ ، خَبِّرُونِي مَا هِيَ } الْحَدِيثَ ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هِيَ النَّخْلَةُ } ، فَذَكَرَ خِصَالًا فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، وَمِنْهَا أَنَّهَا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ الْحِينِ : وَفِيهِ عَشَرَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ سَاعَةٌ أَقَلُّ الزَّمَانِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ غُدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ شَهْرَانِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ سَنَةٌ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ سَبْعَةُ أَعْوَامٍ .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً .
التَّاسِعُ : أَنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهُ مَجْهُولٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ : اعْلَمُوا أَفَادَكُمْ اللَّهُ الْعِرْفَانَ أَنَّا قَدْ أَحْكَمْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ مَلْجَئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ ؛ وَنَحْنُ الْآنَ نُشِيرُ إلَى مَا يُغْنِي فِي ذَلِكَ الْغَرَضِ ، وَيُشْرِفُ بِكُمْ عَلَى مَقْصُودِ الْفَتْوَى الْمُفْتَرَضِ ، فَنَقُولُ : إنَّ الْحِينَ ظَرْفُ زَمَانٍ ، وَهُوَ مُبْهَمٌ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ ، وَلَا تَعْيِينَ فِي الْمُفَسِّرِ لَهُ ، وَهَذَا مُقَرَّرٌ لُغَةً ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ عُلَمَاءِ اللِّسَانِ ، وَإِنَّمَا يُفَسِّرُهُ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ سَاعَةً لَحْظِيَّةً ، وَيَحْتَمِلُ يَوْمَ السَّاعَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ حَالَ الْعَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .
وَلِأَجْلِ إبْهَامِهِ عُلِّقَ الْوَعِيدُ بِهِ ، لِيَغْلِبَ الْخَوْفُ ، لِاسْتِغْرَاقِ مُدَّةِ الْعَذَابِ نِهَايَةَ الْأَبَدِ فِيهِ ، فَيَكُفَّ عَنْ الذَّنْبِ ، أَوْ يَرْجُوَ لِاقْتِضَاءِ الْوَعِيدِ أَقَلَّ مُدَّةِ احْتِمَالِهِ ؛ فَيَغْلِبَ الرَّجَاءُ ، وَلَا يَقَعُ الْيَأْسُ عَنْ الْمَغْفِرَةِ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ الذَّنْبِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ : إنَّ الْحِينَ غُدْوَةٌ وَعَشِيَّةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } ، وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ نَزَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ ثَمُودَ : { وَفِي ثَمُودَ إذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ } .
وَتَعَلَّقَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ بِبَقَاءِ الثَّمَرِ فِي النَّخْلِ .
وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِأَنَّهُ مُدَّةُ الثَّمَرِ مِنْ حِينِ الِابْتِدَاءِ إلَى حِينِ الْجَنْيِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى حِينٍ } .
وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً بِأَخْبَارٍ إسْرَائِيلِيَّةٍ وَرَدَتْ فِي مُدَّةِ بَقَاءِ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ بِاخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ وَمِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ ، وَقَوِيٌّ وَضَعِيفٌ ؛ وَأَظْهَرُهَا اللَّحْظَةُ ؛ لِأَنَّهُ
اللُّغَةُ وَالْمَجْهُولُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ عَلَى التَّعْيِينِ ، وَالشَّهْرَانِ وَالسِّتَّةُ أَشْهُرٍ وَالسَّنَةُ [ لِأَنَّهَا ] كُلُّهَا تَخْرُجُ مِنْ ذِكْرِ الْحِينِ فِي ذِكْرِ النَّخْلَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ حِينًا فَلْيَصُمْ سَنَةً .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } .
وَرَوَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الْحِينُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ الثَّمَرَةِ إلَى الثَّمَرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } .
وَمِنْ الْحِينِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ قَوْلُهُ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : الْحِينُ الَّذِي يُعْرَفُ قَوْلُهُ : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } فَهَذَا سَنَةٌ ، وَالْحِينُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ قَوْلُهُ : { وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ } ، فَهَذَا حِينٌ لَا يُعْرَفُ .
وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : إنَّ الْحِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ حِينِ تَطْلُعُ الثَّمَرَةُ إلَى أَنْ تُرْطِبَ ، وَمِنْ حِينِ تُرْطِبُ إلَى أَنْ تَطْلُعَ .
وَالْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } .
وَمِنْ الْحِينِ الْمَجْهُولِ قَوْلُهُ : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } .
قَالَ الْقَاضِي : الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ فِي الصَّحِيحِ سَنَةٌ ، وَاخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَتَبَايَنَ الْعُلَمَاءُ وَالْأَصْحَابُ مِنْ كُلِّ بَابٍ عَلَى حَالِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ .
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحِينَ الْمَجْهُولَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ ، وَالْحِينُ الْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ ، وَيَرْتَبِطُ بِهِ التَّكْلِيفُ ، وَأَكْثَرُ الْمَعْلُومِ سَنَةٌ .
وَمَالِكٌ يَرَى فِي الْأَيْمَانِ وَالْأَحْكَامِ أَعَمَّ الْأَسْمَاءِ وَالْأَزْمِنَةِ ، وَأَكْثَرَهَا اسْتِظْهَارًا .
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى الْأَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ تَوَسَّطَ ، فَقَالَ : سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ قِيَاسًا ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ؛ وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الْمَعْنَى بَعْدَ مَعْرِفَةِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً ، وَهُوَ أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْثِلَةِ ؛ وَنَحْنُ نَضْرِبُ فِي ذَلِكَ الْأَمْثِلَةَ مَا نُبَيِّنُ بِهِ الْمَقْصُودَ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْثِلَةٍ : الْمِثَالُ الْأَوَّلُ : فَنَقُولُ : إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ حِينًا فَيَحْتَمِلُ رَكْعَةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ النَّافِلَةِ ، وَرَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَلُّ النَّافِلَةِ فَيَتَقَدَّرُ الزَّمَانُ بِقَدْرِ الْفِعْلِ .
الْمِثَالُ الثَّانِي : إذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ حِينًا فَيَحْتَمِلُ يَوْمًا لَا أَقَلَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِعْيَارُ الصَّوْمِ [ الشَّرْعِيِّ ] ؛ إذْ هِيَ عِبَادَةٌ تَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ ، لَا بِالْأَفْعَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ فَلَا يَحُدُّهُ إلَّا الْوَقْتُ ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ ، فَإِنَّهُ يَحُدُّ نَفْسَهُ .
وَيَحْتَمِلُ الدَّهْرَ ، وَيَحْتَمِلُ سَنَةً ، فَرَأَى الشَّافِعِيُّ يَوْمًا أَخْذًا بِالْأَقَلِّ ، وَأَلْزَمَ مَالِكٌ الدَّهْرَ ؛ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ ، وَتَرَكَهُ مَالِكٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا مِنْ أَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : عَلَيَّ صَوْمُ الدَّهْرِ لَزِمَهُ وَتَوَسَّطَ ، فَقَالَ سَنَةً ، فَإِنَّهُ عَدْلٌ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ ، وَبُيِّنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي ذِكْرِ النَّخْلَةِ ، وَيُعَارِضُهُ أَنَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بُيِّنَ أَيْضًا ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ بِالْأَكْثَرِ فِي ذِكْرِ النَّخْلَةِ .
الْمِثَالُ الثَّالِثُ : إذَا حَلَفَ أَلَّا يَدْخُلَ الدَّارَ حِينًا : وَهِيَ مُتَرَكِّبَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا فِي تَحْدِيدِ الْحِينِ ، لَكِنَّهُ يَلْحَقُ الصَّلَاةَ فِي احْتِمَالِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، وَيَحْتَمِلُ سَائِرَ الْوُجُوهِ .
وَالْمُعَوَّلُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا عَلَى الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ وَلَا بِسَاطُ حَالٍ ؛ فَيُرَكَّبُ الْبِرّ وَالْحِنْثُ عَلَى النِّيَّةِ
أَوَّلًا ، وَعَلَى السَّبَبِ ثَانِيًا ، وَعَلَى الْبِسَاطِ ثَالِثًا ، وَعَلَى اللُّغَةِ رَابِعًا ، وَعَلَى الْعُرْفِ خَامِسًا ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ اللُّغَةِ عِنْدَنَا ؛ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مُحَقَّقًا فِي سُورَةِ " ص " وَغَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِهَا : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ : أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أُمُّ إسْمَاعِيلَ ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَجَرَّتْ الذَّيْلَ أُمُّ إسْمَاعِيلَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا فَرَّتْ هَاجَرُ مِنْ سَارَةَ أَرْخَتْ ذَيْلَهَا لِتُعَفِّي أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمئِذٍ أَحَدٌ ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ ، فَوَضَعَهَا هُنَالِكَ ، وَوَضَعَ عِنْدَهَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ، ثُمَّ قَفَلَ إبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا ، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ : يَا إبْرَاهِيمُ ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلَا شَيْءٌ ؟ قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا ، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا ، فَقَالَتْ لَهُ : آللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَتْ : إذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا اللَّهُ .
ثُمَّ رَجَعَتْ .
فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتِ ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : { رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } حَتَّى بَلَغَ : { يَشْكُرُونَ } وَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا ، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوَّى ، أَوْ قَالَ : يَتَلَبَّطُ ؛ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ
اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا ، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا ، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا ، حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةُ ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا ، فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ : صَهٍ ، تُرِيدُ نَفْسَهَا ، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا .
فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ ، إنْ كَانَ عِنْدَك غُوَاثٌ ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تَخُوضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا : هَكَذَا ، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بِقَدْرِ مَا تَغْرِفُ } .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إسْمَاعِيلَ ، لَوْ تَرَكَتْ مَاءَ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا } .
قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا ، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ : لَا تَخَافِي الضَّيْعَةَ ؛ فَإِنْ هَاهُنَا بَيْتُ اللَّهِ يَبْنِيه هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ .
وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلَ مَكَّةَ ، فَرَأَوْا طَائِرَ عَائِفًا ، فَقَالُوا : إنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ ، فَأَقْبَلُوا .
قَالَ : وَأُمُّ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ ، فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ
لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ .
قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَلِفَتْ ذَلِكَ أُمُّ إسْمَاعِيلَ ، وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إلَى أَهْلَيْهِمْ ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ ، وَشَبَّ الْغُلَامُ ، وَتَعْلَمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ أَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً فِيهِمْ } .
وَمَاتَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ ، فَجَاءَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ إسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ ، فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا ، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ فَقَالَتْ : نَحْنُ بَشَرٌ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ ، وَشَكَتْ إلَيْهِ .
فَقَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُك فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ ، وَقَوْلِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ .
فَلَمَّا جَاءَ إسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَتْ : جَاءَنَا شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، فَسَأَلْنَا عَنْك ، فَأَخْبَرْته ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ .
قَالَ : فَهَلْ أَوْصَاك بِشَيْءٍ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك السَّلَامَ ، وَيَقُولُ لَك : غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِك .
قَالَ : ذَاكَ أَبِي ، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَك .
الْحَقِي بِأَهْلِك .
فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى ، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ ، فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا .
قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ ، فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ ، فَقَالَ : مَا طَعَامُكُمْ قَالَتْ : اللَّحْمُ .
قَالَ : فَمَا شَرَابُكُمْ ؟ قَالَتْ : الْمَاءُ .
قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ .
{ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ
فِيهِ } .
قَالَ : فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ .
قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُك فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ وَمُرِيهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بَابِهِ .
فَلَمَّا جَاءَ إسْمَاعِيلُ قَالَ : هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ؛ أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ ، فَسَأَلَنِي عَنْك فَأَخْبَرْته ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا ؟ فَأَخْبَرْته أَنَّا بِخَيْرٍ .
قَالَ : فَأَوْصَاك بِشَيْءٍ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ؛ هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ ، وَيَأْمُرُك أَنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بَابِك .
قَالَ : ذَلِكَ أَبِي ، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَك .
ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ .
فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إلَيْهِ ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ وَالْوَالِدُ بِالْوَلَدِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إسْمَاعِيلُ ، إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ .
قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَك رَبُّك .
قَالَ : وَتُعِينُنِي .
قَالَ : وَأُعِينُك .
قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا .
قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي ، حَتَّى إذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَبْنِي ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ؛ وَهُمَا يَقُولَانِ : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
قَالَ : فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى تَدَوَّرَ حَوْلَ الْبَيْتِ ، وَهُمَا يَقُولَانِ : { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى { رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ فِي طَرْحِ عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ بِأَرْضٍ مَضْيَعَةٍ اتِّكَالًا عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ إبْرَاهِيمَ ، كَمَا تَقُولُ الْغُلَاةُ مِنْ الصُّوفِيَّةِ فِي حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ ؛ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ ؛ لِقَوْلِهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : آللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَمَّا كَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ أَرَادَ تَأْسِيسَ الْحَالِ وَتَمْهِيدَ الْمَقَامِ ، وَخَطَّ الْمَوْضِعَ لِلْبَيْتِ الْمُحَرَّمِ وَالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ ، أَرْسَلَ الْمَلَكَ فَبَحَثَ بِالْمَاءِ ، وَأَقَامَهُ مَقَامَ الْغِذَاءِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ تِلْكَ الْحَالِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ } .
وَقَدْ اجْتَزَأَ بِهِ أَبُو ذَرٍّ لَيَالِيَ أَقَامَ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ لِقَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَمِعَ مِنْهُ قَالَ : حَتَّى سَمِنْت وَتَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي ، وَكَانَ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى السُّؤَالِ وَلَا يُمْكِنُهُ الظُّهُورُ وَلَا التَّكَشُّفُ ، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ عَنْ الْغِذَاءِ ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِيهِ إلَى يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ ، وَسَلِمَتْ طَوِيَّتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مُكَذِّبًا وَلَا شَرِبَهُ مُجَرِّبًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَوَكِّلِينَ ، وَهُوَ يَفْضَحُ الْمُجَرِّبِينَ .
وَلَقَدْ كُنْت بِمَكَّةَ مُقِيمًا فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَكُنْت أَشْرَبُ مَاءَ زَمْزَمَ كَثِيرًا ، وَكُلَّمَا شَرِبْته نَوَيْت بِهِ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ لِي بَرَكَتَهُ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي يَسَّرَهُ لِي مِنْ الْعِلْمِ ، وَنَسِيت أَنْ أَشْرَبَهُ لِلْعَمَلِ ؛ وَيَا لَيْتَنِي شَرِبْته لَهُمَا ، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهِمَا ، وَلَمْ يُقَدَّرْ
؛ فَكَانَ صَغْوِي إلَى الْعِلْمِ أَكْثَرَ مِنْهُ إلَى الْعَمَلِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْحِفْظَ وَالتَّوْفِيقَ بِرَحْمَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ } : خَصَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الدِّينِ لِفَضْلِهَا فِيهِ وَمَكَانِهَا مِنْهُ ، وَهِيَ عَهْدُ اللَّهِ عِنْدَ الْعِبَادِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { عِنْدَ بَيْتِك الْمُحَرَّمِ } قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي تَحْرِيمِ مَكَّةَ ، وَفَائِدَةُ حُرْمَتِهَا ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حِكْمَةٍ ، وَتَحْرِيمُهَا كَانَ بِالْعِلْمِ ، وَكَانَ بِقَوْلِهِ مُخْبِرًا عَنْهُ ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ قَدِيمٌ لَا أَوَّلَ لَهُ ، وَحَرَّمَهَا بِالْكِتَابِ حِينَ خَلَقَ الْقَلَمَ ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ الثَّالِثُ ، وَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا كَتَبَ أَنَّ مَكَّةَ بَيْتٌ مُحَرَّمُ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ ؛ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ لَيْسَ عَلَيْهِ جِدَارٌ مُحِيطٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ وَسَّعَ عُمَرُ الْمَسْجِدَ ، وَاشْتَرَى دُورًا فَهَدَمَهَا فِيهِ ، وَهَدَمَ عَلَى النَّاسِ مَا قَرُبَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، حَتَّى أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا ، وَوَضَعَ الْأَثْمَانَ حَتَّى أَخَذُوهَا بَعْدُ ، ثُمَّ أَحَاطَ عَلَيْهِ بِجِدَارٍ قَصِيرٍ دُونَ الْقَامَةِ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا وَلِيَ وَسَّعَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَاشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ ، وَأَبَى آخَرُونَ أَنْ يَبِيعُوا ، فَهَدَمَ عَلَيْهِمْ ، فَصَيَّحُوا فَأَمَرَ بِهِمْ إلَى الْحَبْسِ حَتَّى كَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدَ ، وَوُجِدَ فِي الْمَقَامِ كِتَابٌ ، فَجَعَلُوا يُخْرِجُونَهُ لِكُلِّ مَنْ أَتَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَعْلَمُونَهُ ، حَتَّى أَتَاهُمْ حَبْرٌ مِنْ الْيَمَنِ ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا فِيهِ : أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ صُغْتُهَا يَوْمَ صُغْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَبَارَكْت لِأَهْلِهَا فِي اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحِلُّهَا أَهْلُهَا ، وَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا خَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ ، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ .
سُورَةُ الْحِجْرِ فِيهَا عَشْرُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { لَوَاقِحَ } وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : تُلْقِحُ الشَّجَرَ وَالسَّحَابَ ، وَجُمِعَتْ عَلَى حَذْفِ الزَّائِدِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى النَّسَبِ ، أَيْ ذَاتُ لَقْحٍ وَلِقَاحٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ { لَوَاقِحَ } جَمْعُ لَاقِحٍ ، أَيْ حَامِلٍ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ السَّحَابَ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْجَنُوبِ لَاقِحٌ وَحَامِلٌ ، وَلِلشِّمَالِ حَائِلٌ وَعَقِيمٌ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : { حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا } مَعْنَاهُ : حَمَلَتْ .
وَأَقْوَى الْوَجْهِ فِيهِ النِّسْبَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّفْظُ لِأَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } ، فَلِقَاحُ الْقَمْحِ عِنْدِي أَنْ يُحَبِّبَ وَيُسَنْبِلَ ، وَلَا أَدْرِي مَا يَيْبَسُ فِي أَكْمَامِهِ ، وَلَكِنْ يُحَبِّبُ حَتَّى يَكُونَ لَوْ يَبِسَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ فَسَادًا لَا خَيْرَ فِيهِ ، وَلِقَاحُ الشَّجَرِ كُلِّهَا أَنْ يُثْمِرَ الشَّجَرُ وَيَسْقُطَ مِنْهُ مَا يَسْقُطُ ، وَيَثْبُتَ مَا يَثْبُتُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَنْ تَوَرَّدَ الشَّجَرُ .
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : إنَّمَا عَوَّلَ مَالِكٌ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ عَلَى تَشْبِيهِ لِقَاحِ الشَّجَرِ بِلِقَاحِ الْحَمْلِ ، وَأَنَّ الْوَلَدَ إذَا عُقِدَ وَخُلِقَ وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ تَحَبُّبِ الثَّمَرِ وَسَنْبَلَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمٍ تَشْتَرِك فِيهِ كُلُّ حَامِلَةٍ ، وَهُوَ اللِّقَاحُ ، وَعَلَيْهِ جَاءَ الْحَدِيثُ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَتْ امْرَأَةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْت قَطُّ مِثْلَهَا .
قَالَ : فَكَانَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَلَّوْا تَقَدَّمُوا ، وَبَعْضُهُمْ يَسْتَأْخِرُ ، فَإِذَا سَجَدُوا نَظَرُوا إلَيْهَا مِنْ تَحْتِ أَيْدِيهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي شَرْحِ الْمُرَادِ بِهَا : فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْخَلْقِ إلَى الْيَوْمِ ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بَعْدُ ؛ بَيَانًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : مَنْ مَاتَ ، وَمَنْ بَقِيَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : الْمُسْتَقْدِمِينَ [ مِنْ ] سَائِرِ الْأُمَمِ ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْحَسَنُ : مَعْنَاهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ فِي الْمَعْصِيَةِ .
الْخَامِسُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهُ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ بِهَا حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ؛ وَكُلُّ هَذَا مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ ، وَبِمَا كَانَ [ وَبِمَا ] يَكُونُ وَبِمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [ كَانَ ] يَكُونُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً ، وَعَلَى فَضْلِ الْمُبَادَرَةِ إلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَيْهَا عَامَّةً ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى فَضْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الصَّلَاةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ } .
فَإِذَا جَاءَ الرَّجُلُ الْمَسْجِدَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَنَزَلَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، فَقَدْ حَازَ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ فِي الْفَضْلِ : أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَالصَّفَّ الْأَوَّلِ ، وَمُجَاوَرَةَ الْإِمَامِ .
فَإِنْ جَاءَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَنَزَلَ فِي الصَّفِّ الْآخَرِ أَوْ فِيمَا نَزَلَ عَنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ حَازَ فَضْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَفَاتَهُ فَضْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالْمُجَاوَرَةِ .
فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ الزَّوَالِ وَنَزَلَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ دُونَ مَا يَلِي الْإِمَامَ فَقَدْ حَازَ فَضْلَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَفَضْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَفَاتَهُ مُجَاوَرَةُ الْإِمَامِ ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ .
وَمُجَاوِرَةُ الْإِمَامِ لَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } .
فَمَا يَلِي الْإِمَامَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، فَإِنْ نَزَلَهَا غَيْرُهُ أُخِّرَ لَهُ وَتَقَدَّمَ هُوَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ بِأَمْرِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ، كَالْمِحْرَابِ هُوَ مَوْضِعُ الْإِمَامِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَكَمَا تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى فَضْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَذَلِكَ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْقِتَالِ ؛ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، وَبَيْعَ النَّفْسِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوَازِنُهُ عَمَلٌ فَالتَّقَدُّمُ إلَيْهِ أَفْضَلُ .
وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا خَفَاءَ بِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَقَدَّمُ فِي الْحَرْبِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ .
قَالَ الْبَرَاءُ : { كُنَّا إذَا حَمِيَ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ } .
قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا فِيهِ بَلَاغٌ لِلطَّلَبَةِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيه ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَوَّلِ مِنْ الْكَلَامِ تَعَلُّقَ الْأَوَّلِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ ، لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِيهِ .
وَبَيَانُهُ الْآنَ عَلَى اخْتِصَارٍ لَكُمْ أَنَّا لَوْ عَلَّقْنَاهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا عَلَّقْنَاهُ بِمَا يَلِيه لَكَانَ ذَلِكَ تَنَاقُضًا وَصَارَ الْكَلَامُ نَفْيًا لِمَا أُثْبِتَ ، وَإِثْبَاتًا لِمَا نُفِيَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ إثْبَاتًا فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ نَفْيٌ ؛ ثُمَّ إنْ اسْتَثْنَى مِنْ النَّفْيِ فَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى بِهِ إثْبَاتٌ ، فَيَصِيرُ هَذَا الْمُسْتَثْنَى الْآخَرُ مَنْفِيًّا بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ مُثْبَتًا بِالثَّانِي ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ، وَبَسْطُهُ وَإِيضَاحُهُ فِي الْأُصُولِ ، فَأَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } إلَّا آلَ لُوطٍ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ ، إلَّا امْرَأَتَهُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ آلِهِ ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْفِقْهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ : عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا وَاحِدًا ، فَثَبَتَ الْإِقْرَارُ بِثَمَانِيَةٍ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُطَلِّقِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً ، فَتَكُونُ اثْنَتَيْنِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فَأَغْنَى عَنْ الْإِطْنَابِ فِيهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } .
لَمَّا تَدَاعَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ إلَى لُوطٍ حِينَ رَأَوْا وَسَمِعُوا بِجَمَالِ أَضْيَافِهِ ، وَحُسْنِ شَارَتِهِمْ ؛ قَصْدًا لِلْفَاحِشَةِ فِيهِمْ ، تَحَرَّمَ لَهُمْ لُوطٌ بِالضِّيَافَةِ ، وَسَأَلَهُمْ تَرْكَ الْفَضِيحَةِ ، وَإِتْيَانَ الْمُرَاعَاةِ ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ : { أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ الْعَالَمِينَ } قَالَ لَهُمْ لُوطٌ : إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَضَاءَ الشَّهْوَةِ فَهَؤُلَاءِ بَنَاتِي إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ .
وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَنْ يَعْرِضُوا بَنَاتِهِمْ عَلَى الْفَاحِشَةِ فِدَاءً لِفَاحِشَةٍ أُخْرَى ؛ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ هَؤُلَاءِ بَنَاتِ أُمَّتِي ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُ أُمَّتِهِ ، وَبَنَاتُهُمْ بَنَاتُهُ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالتَّزْوِيجِ الشَّرْعِيِّ ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى النِّكَاحِ الْجَائِزِ كَسْرًا لِسَوْرَةِ الْغُلْمَةِ ، وَإِطْفَاءً لِنَارِ الشَّهْوَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِأَجْمَعِهِمْ : أَقْسَمَ اللَّهُ هُنَا بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ ، أَنَّ قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وَفِي حَيْرَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ .
قَالُوا : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " مَا خَلَقَ اللَّهُ وَمَا ذَرَأَ وَلَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ، وَمَا سَمِعْت اللَّهَ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ " .
وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ ، وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَخْرَجَهُمْ عَنْ ذِكْرِ لُوطٍ إلَى ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ، وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ أَنْ يُقْسِمَ اللَّهُ بِحَيَاةِ لُوطٍ ، وَيَبْلُغَ بِهِ مِنْ التَّشْرِيفِ مَا شَاءَ ؛ فَكُلُّ مَا يُعْطِي اللَّهُ لِلُوطٍ مِنْ فَضْلٍ وَيُؤْتِيه مِنْ شَرَفٍ فَلِمُحَمَّدٍ ضِعْفَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ .
أَوَلَا تَرَاهُ قَدْ أَعْطَى لِإِبْرَاهِيمَ الْخُلَّةَ ، وَلِمُوسَى التَّكْلِيمَ ، وَأَعْطَى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ، فَإِذَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِحَيَاةِ لُوطٍ فَحَيَاةُ مُحَمَّدٍ أَرْفَعُ ، وَلَا يُخْرَجُ مِنْ كَلَامٍ إلَى كَلَامٍ آخَرَ غَيْرِهِ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لَعَمْرُك إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ } أَرَادَ بِهِ الْحَيَاةَ وَالْعَيْشَ ، يُقَالُ : عُمْرٌ وَعَمْرٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ ، وَقَالُوا : إنَّ أَصْلَهَا الضَّمُّ ، وَلَكِنَّهَا فُتِحَتْ فِي الْقَسَمِ خَاصَّةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ ؛ وَالِاسْتِعْمَالُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ ، فَأَمَّا الْقَسَمُ فَهُوَ بَعْضُ الِاسْتِعْمَالِ ؛ فَلِذَلِكَ صَارَا لُغَتَيْنِ .
فَتَدَبَّرُوا هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنْ أَقْسَمَ بِالنَّبِيِّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ .
وَقَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَيْسَ لِخَلْقِهِ أَنْ يُقْسِمُوا إلَّا بِهِ لِقَوْلِهِ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت } .
فَإِنْ أَقْسَمَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ آثِمٌ ، أَوْ قَدْ أَتَى مَكْرُوهًا عَلَى قَدْرِ دَرَجَاتِ الْقَسَمِ وَحَالِهِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُؤَنَّثِينَ مِنْهُمْ يُقْسِمُونَ بِحَيَاتِك وَبِعَيْشِك ، وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الذِّكْرِ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ أَقْسَمَ بِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَذَلِكَ بَيَانٌ لِشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ وَشَرَفِ الْمَكَانَةِ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سِوَاهُ ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ لَكِنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَطَعَهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، وَرَدَّ الْقَسَمَ إلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي [ الْأُصُولِ وَفِي ] مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي التَّوَسُّمِ : وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنْ الْوَسْمِ ، وَهُوَ الْعَلَامَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَطْلُوبٍ غَيْرِهَا .
قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي تَوَسَّمْت فِيك الْخَيْرَ نَافِلَةً وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقُ الْبَصَرِ وَفِي الْفِرَاسَةِ أَيْضًا ، يُقَالُ : تَفَرَّسْت وَتَوَسَّمْت .
وَحَقِيقَتُهَا الِاسْتِدْلَال بِالْخَلْقِ عَلَى الْخُلُقِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِجُودَةِ الْقَرِيحَةِ ، وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ ، وَصَفَاءِ الْفِكْرِ .
يُحْكَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ كَانَا جَالِسِينَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، وَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَرَاهُ نَجَّارًا ، وَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ حَدَّادًا ، فَتَبَادَرَ مَنْ حَضَرَ إلَى الرَّجُلِ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : كُنْت نَجَّارًا ، وَأَنَا الْآنَ حَدَّادٌ ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ ، فَزَعَمَتْ الصُّوفِيَّةُ أَنَّهَا كَرَامَةٌ .
وَقَالَ غَيْرُهُمْ : بَلْ هِيَ اسْتِدْلَالٌ بِالْعَلَامَةِ ، وَمِنْ الْعَلَامَاتِ ظَاهِرٌ يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ ، بِأَوَّلِ نَظَرٍ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ فَلَا يَبْدُو لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا يُدْرَكُ بِبَادِئِ النَّظَرِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ } وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
=============================================ج14..
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَهُّمَ وَالتَّفَرُّسَ مِنْ مَدَارِكِ الْمَعَانِي وَمَعَالِمِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ مَوْسُومٌ وَلَا مُتَفَرَّسٌ .
وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّامِيُّ الْمَالِكِيُّ بِبَغْدَادَ أَيَّامَ كَوْنِي بِالشَّامِ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَامِ جَرْيًا عَلَى طَرِيقَةِ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَيَّامَ كَانَ قَاضِيهَا ، وَلِشَيْخِنَا فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ جُزْءٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ ، كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ ، وَأَعْطَانِيهِ ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ مَدَارَك الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا ، مُدْرَكَةٌ قَطْعًا ، وَلَيْسَتْ الْفِرَاسَةُ مِنْهَا .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْحِجْرِ وَتَفْسِيرِهِ : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا دِيَارُ ثَمُودَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ وَادٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كُلُّ بِنَاءٍ بَنَيْته وَحَظَرْت عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ : { وَحِجْرًا مَحْجُورًا } وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَهُنَا دِيَارُ ثَمُودَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَلَّا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ، وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا ، فَقَالُوا : قَدْ عَجَنَّا وَاسْتَقَيْنَا .
فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ وَيُهْرِيقُوا الْمَاءَ .
} وَعَنْهُ فِيهِ أَيْضًا { أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضَ ثَمُودَ الْحِجْرَ ، وَاسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا ، وَاعْتَجَنُوا بِهِ ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا ، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ ، إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ } .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : { لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِجْرَ قَالَ : لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ ، فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ ، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا ، وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا ، فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَخْمَدَتْ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ ، إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْهُمْ كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَقِيلَ : مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَبُو رِغَالٍ .
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَرْقِ مَاءِ دِيَارِ ثَمُودَ ، وَإِلْقَاءِ مَا عُجِنَ وَحِيسَ بِهِ } .
لِأَجْلِ أَنَّهُ مَاءُ سُخْطٍ ، فَلَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فِرَارًا مِنْ سَخَطِ اللَّهِ .
وَقَالَ : { اعْلِفُوهُ الْإِبِلَ } ؛ فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يَجُوزُ أَنْ يَعْلِفَهُ الْإِبِلُ وَالْبَهَائِمُ ؛ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا ، وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَسَلِ النَّجِسِ إنَّهُ تُعْلَفُهُ النَّحْلُ .
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا دَارُ سُخْطٍ وَبُقْعَةُ غَضَبٍ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَدْخُلُوهَا إلَّا بَاكِينَ } .
وَرُوِيَ { أَنَّهُ تَقَنَّعَ بِرِدَائِهِ ، وَأَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَصَارَتْ هَذِهِ بُقْعَةً مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا ، وَجُعِلَ تُرَابُهَا طَهُورًا } ؛ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا ، وَلَا الْوُضُوءُ مِنْ مَائِهَا ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهَا .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَهُوَ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ : الْمَزْبَلَةُ ، وَالْمَجْزَرَةُ ، وَالْمَقْبَرَةُ ، وَالْحَمَّامُ ، وَالطَّرِيقُ ، وَظَهْرُ الْكَعْبَةِ ، وَأَعْطَانُ الْإِبِلِ } .
وَذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا مِنْهَا جُمْلَةً ، وَجِمَاعُهَا هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ .
التَّاسِعُ : الْبُقْعَةُ النَّجِسَةُ .
الْعَاشِرُ : الْبُقْعَةُ الْمَغْصُوبَةُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : أَمَامَك جِدَارٌ عَلَيْهِ نَجَسٌ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : الْكَنِيسَةُ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْبِيعَةُ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : بَيْتٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : الْأَرْضُ الْمُعْوَجَّةُ .
السَّادِسَ عَشَرَ : مَوْضِعٌ تَسْتَقْبِلُ فِيهِ نَائِمًا أَوْ وَجْهَ رَجُلٍ .
السَّابِعَ عَشَرَ : الْحِيطَانُ .
وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ هَذَا مَا مُنِعَ لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْ لِغَلَبَتِهَا ، وَمِنْهُ مَا مُنِعَ مِنْهُ عِبَادَةً .
فَمَا مُنِعَ مِنْهُ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ إنْ فُرِشَ فِيهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ كَالْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ فِيهَا أَوْ إلَيْهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَذَكَرَ أَبُو مُصْعَبٍ عَنْهُ الْكَرَاهِيَةَ ، وَفَرَّقَ عُلَمَاؤُنَا بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ ، لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ إلَّا أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهَا مَاءٌ كَثِيرٌ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَقْبَرَةِ يَتَأَكَّدُ إذَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ وَأَنَّهَا دَارُ عَذَابٍ كَالْحِجْرِ
.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا يُصَلَّى إلَيْهَا } .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } يُحَذِّرُ مِمَّا صَنَعُوا .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ : لَا يُصَلَّى فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ، وَإِنْ فَرَشَ ثَوْبًا ، كَأَنَّهُ رَأَى لَهَا عِلَّتَيْنِ : الِاسْتِقْذَارَ بِهَا وَقِفَارَهَا ، فَتُفْسِدُ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلَّى عَلَى بِسَاطٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ .
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ الصَّلَاةَ إلَى قِبْلَةٍ فِيهَا تَمَاثِيلُ ، وَفِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا تُجْزِئُ .
وَذَلِكَ عِنْدِي بِخِلَافِ الْأَرْضِ ؛ فَإِنَّ الدَّارَ لَا تُدْخَلُ إلَّا بِإِذْنٍ ، وَالْأَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ مِلْكًا فَإِنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ فِيهَا قَائِمَةٌ لَا يُبْطِلُهَا الْمِلْكُ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ : { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ } .
قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } .
قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ أَمَرَ أَنْ يَصْفَحَ عَنْهُمْ صَفْحًا جَمِيلًا ، وَيُعْرِضَ عَنْهُمْ إعْرَاضًا حَسَنًا ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ السَّبْعِ : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ السَّبْعَ قِيلَ : هِيَ [ أَوَّلُ ] السُّوَرِ الطِّوَالِ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَبَرَاءَةُ تَتِمَّةُ الْأَنْفَالِ .
وَقِيلَ : السَّابِعَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا يُونُسُ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْحَمْدُ ، سَبْعُ آيَاتٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا الْأَمْرُ ، وَالنَّهْيُ ، وَالْبُشْرَى ، وَالنِّذَارَةُ ، وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ ، وَإِعْدَادُ النِّعَمِ ، وَنَبَأُ الْأُمَمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمَثَانِي : وَفِيهَا [ أَرْبَعَةُ ] أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : هِيَ السَّبْعُ الطِّوَالُ بِنَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِيهَا الْمَعَانِي .
الثَّانِي : أَنَّهَا آيَاتُ الْفَاتِحَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ ، كَمَا قَالَ : { مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } الرَّابِعُ : أَنَّهَا الْقُرْآنُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ { وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : هُوَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ .
الثَّانِي : هُوَ الْحَوَامِيمُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْفَاتِحَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَسْطُورِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّبْعُ مِنْ السُّوَرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْآيَاتِ ؛ لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَشَفَ قِنَاعَ الْإِشْكَالِ ، وَأَوْضَحَ شُعَاعَ الْبَيَانِ ، فَفِي الصَّحِيحِ عِنْدَ كُلِّ فَرِيقٍ وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ أَنَّهَا أُمُّ الْكِتَابِ ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : { هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ
الَّذِي أُوتِيت } .
وَبَعْدَ هَذَا فَالسَّبْعُ الْمَثَانِي كَثِيرٌ ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ ، وَالنَّصُّ قَاطِعٌ بِالْمُرَادِ ، قَاطِعٌ بِمَنْ أَرَادَ التَّكْلِيفَ وَالْعِنَادَ ، وَبَعْدَ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَفْسِيرَ .
وَلَيْسَ لِلْمُتَعَرِّضِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا النَّكِيرُ .
وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ لَوْلَا تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُحَرِّرَ فِي ذَلِكَ مَقَالًا وَجِيزًا ، وَأُسْبِكَ مِنْ سَنَامِ الْمَعَارِفِ إبْرِيزًا ، إلَّا أَنَّ الْجَوْهَرَ الْأَغْلَى مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى وَأَعْلَى ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَهَا فِي أَوَّلِ سُورَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، إذْ هِيَ الْأُولَى مِنْهُ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ مِنْ هَهُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَك لِلْمُؤْمِنِينَ } .
الْمَعْنَى : قَدْ أَعْطَيْنَاك الْآخِرَةَ ، فَلَا تَنْظُرْ إلَى الدُّنْيَا ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاك الْعِلْمَ فَلَا تَتَشَاغَلْ بِالشَّهَوَاتِ ، وَقَدْ مَنَحْنَاك لَذَّةَ الْقَلْبِ فَلَا تَنْظُرْ إلَى لَذَّةِ الْبَدَنِ ، وَقَدْ أَعْطَيْنَاك الْقُرْآنَ فَتَغَنَّ بِهِ ، فَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ أَيْ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَأَى بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ حَتَّى يَطْمَحَ بِبَصَرِهِ إلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا ، وَعِنْدَهُ مَعَارِفُ الْمَوْلَى ، حَيِيَ بِالْبَاقِي ، فَغَنِيَ عَنْ الْفَانِي .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ ثَلَاثٌ : الطِّيبُ ، وَالنِّسَاءُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِالنِّسَاءِ جِبِلَّةَ الْآدَمِيَّةِ وَتَشَوُّفَ الْخِلْقَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ ، وَيُحَافِظُ عَلَى الطِّيبِ مَنْفَعَةً خَاصِّيَّةً وَعَامِّيَّةً ، وَلَا يَقَرُّ لَهُ عَيْنٌ إلَّا فِي الصَّلَاةِ لَدَى مُنَاجَاةِ الْمَوْلَى ، وَيَرَى أَنَّ مُنَاجَاةَ الْمَوْلَى أَجْدَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّهْبَانِيَّةُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا كَانَ فِي دِينِ عِيسَى ؛ وَإِنَّمَا شَرَعَ اللَّهُ لَهُ وَلَنَا بِحِكْمَتِهِ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً خَالِصَةً عَنْ الْحَرَجِ خَفِيفَةً عَنْ الْإِصْرِ ، نَأْخُذُ مِنْ الْآدَمِيَّةِ وَشَهَوَاتِهَا بِحَظٍّ وَافِرٍ ، وَنَرْجِعُ إلَى اللَّهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، إنْ شُغِلَ بَدَنُهُ بِاللَّذَّاتِ عَكَفَ قَلْبُهُ عَلَى الْمَعَارِفِ ، وَرَأَى الْيَوْمَ عُلَمَاءُ الْقُرَّاءِ وَالْمُخْلِصُونَ مِنْ الْفُضَلَاءِ أَنَّ الِانْكِفَافَ عَنْ اللَّذَّاتِ ، وَالْخُلُوصَ لِرَبِّ السَّمَوَاتِ الْيَوْمَ أَوْلَى ، لِمَا غَلَبَ عَلَى الدُّنْيَا مِنْ الْحَرَامِ ، وَاضْطُرَّ إلَيْهِ
الْعَبْدُ فِي الْمَعَاشِ مِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ لَا تَجُوزُ مُخَالَطَتُهُ ، وَمُصَانَعَةُ مَنْ تَحْرُمُ مُصَانَعَتُهُ ، وَحِمَايَةُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ ، وَصِيَانَةُ الْمَالِ بِتَبَدُّلِ الطَّاعَةِ بَدَلًا عَنْهُ ؛ فَكَانَتْ الْعُزْلَةُ أَفْضَلُ ، وَالْفِرَارُ عَنْ النَّاسِ أَصْوَبُ لِلْعَبْدِ وَأَعْدَلُ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بِهِ الْوَعْدُ الَّذِي لَا خُلْفَ لَهُ مِنْ الصَّادِقِ ؛ { يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْتُمْ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَاتِحَةِ : { هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ } ، فَتَكُونُ الْفَاتِحَةُ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ .
قُلْنَا : الْمُرَادُ بِالْمَثَانِي الْقُرْآنُ كُلُّهُ ، فَالْمَعْنَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي مِمَّا ثَنَّى بَعْضُ آيِهِ بَعْضًا ، وَيَكُونُ الْمَثَانِي جَمْعُ مُثَنَّاةٍ ، وَتَكُونُ آيُ الْقُرْآنِ مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا تَلَا بَعْضًا بِفُصُولٍ بَيْنَهَا ، فَيُعْرَفُ انْقِضَاءُ الْآيَةِ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ { مَثَانِيَ } ؛ لِأَنَّ الْمَعَانِيَ كُرِّرَتْ فِيهِ وَالْقَصَصَ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ اسْتَثْنَاهَا لِمُحَمَّدٍ دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَلِأُمَّتِهِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : التَّسْبِيحُ : هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالتَّعْظِيمِ ، بِالْقَلْبِ اعْتِقَادًا ، وَبِاللِّسَانِ قَوْلًا .
وَالْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا الصَّلَاةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعْلَمُ ضِيقَ صَدْرِك بِمَا تَسْمَعُهُ مِنْ تَكْذِيبِك وَرَدِّ قَوْلِك ، وَيَنَالُهُ أَصْحَابُك مِنْ إذَايَةِ أَعْدَائِك ؛ فَافْزَعْ إلَى الصَّلَاةِ ، فَهِيَ غَايَةُ التَّسْبِيحِ وَنِهَايَةُ التَّقْدِيسِ ، { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصَّلَاةِ } ، وَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : { وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } ، أَيْ مِنْ الْمُصَلِّينَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنَّ دِعَامَةَ الْقُرْبَةِ فِي الصَّلَاةِ حَالَ السُّجُودِ .
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَهُنَا الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ نَفْسِهِ ، فَيَرَى هَذَا الْمَوْضِعَ مَحَلَّ سُجُودٍ فِي الْقُرْآنِ .
وَقَدْ شَاهَدْت الْإِمَامَ بِمِحْرَابِ زَكَرِيَّا مِنْ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ طُهْره اللَّهُ يَسْجُدُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لَهُ فِي تَرَاوِيحَ رَمَضَانَ ، وَسَجَدْت مَعَهُ فِيهَا ، وَلَمْ يَرَهُ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَاعْبُدْ رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك الْيَقِينُ } : أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ إذَا قَصَّرَ عِبَادُهُ فِي خِدْمَتِهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ طِبُّ عِلَّتِهِ ، وَهِيَ كَمَا قَدَّمْنَا أَشْرَفُ الْخِصَالِ ، وَالتَّسَمِّي بِهَا أَشْرَفُ الْخُطَطِ .
قَالَ شُيُوخُ الْمَعَانِي : أَلَا تَرَيْ كَيْفَ سَمَّى اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ عِنْدَ أَفْضَلِ مَنَازِلِهِ ، وَهِيَ الْإِسْرَاءُ ، فَقَالَ : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وَلَمْ يَقُلْ نَبِيِّهِ وَلَا رَسُولِهِ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّفْظِ حَيْثُ يَقُولُ : يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا
فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْيَقِينُ : الْمَوْتُ ، فَأَمَرَهُ بِاسْتِمْرَارِ الْعِبَادَةِ أَبَدًا ، وَذَلِكَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ، وَكَانَ هَذَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ أَبَدًا ، لِاحْتِمَالِ لَفْظَةِ الْأَبَدِ لِلَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِجَمِيعِ الْأَبَدِ ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ : وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيًّا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ الْمَوْتَ { أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الْمُهَاجِرِينَ قُرْعَةً ، فَصَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قَالَتْ : فَأَنْزَلْنَاهُ مَعَ أَبْنَائِنَا ، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْك أَبَا السَّائِبِ ، فَشَهَادَتِي عَلَيْك ، لَقَدْ أَكْرَمَك اللَّهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ ؟ قُلْت : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَهْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ } .
الْحَدِيثَ .
وَيَتَرَكَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا ، وَقَالَ : نَوَيْت يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ .
وَلَوْ قَالَ : طَلَّقْتهَا حَيَاتَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ النَّحْلِ وَتُسَمَّى سُورَةُ النِّعَمِ فِيهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : " الْأَنْعَامَ " : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } : يَعْنِي مِنْ الْبَرْدِ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ وَالْأَشْعَارِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } فَامْتَنَّ هَهُنَا بِالدِّفْءِ ، وَامْتَنَّ هُنَاكَ بِالظِّلِّ ، إنْ كَانَ لَاصِقًا بِالْبَدَنِ ثَوْبًا أَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا بِنَاءً .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : دِفْؤُهَا نَسْلُهَا ؛ فَرَبُّك أَعْلَمُ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : " مَنَافِعُ " : يَعْنِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْبَانِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ سِوَاهَا مِنْ الْمَنَافِعِ ، فَقَالَ : وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ .
وَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَ اخْتِصَاصِهِ بِاللَّبَنِ ، وَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى لِبَاسِ الصُّوفِ ، فَهُوَ أَوْلَى ذَلِكَ وَأَوْلَاهُ ، فَإِنَّهُ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ وَلِبَاسُ الصَّالِحِينَ ، وَشَارَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَاخْتِيَارُ الزُّهَّادِ وَالْعَارِفِينَ ، وَهُوَ يُلْبَسُ لِينًا وَخَشِنًا ، وَجَيِّدًا وَمُقَارِبًا وَرَدِيئًا ، وَإِلَيْهِ نَسَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ الصُّوفِيَّ ؛ لِأَنَّهُ لِبَاسُهُمْ فِي الْغَالِبِ ، فَالْيَاءُ لِلنَّسَبِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْنِيثِ ، وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِهِمْ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ : تَشَاجَرَ النَّاسُ فِي الصُّوفِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَظَنُّوهُ مُشْتَقًّا مِنْ الصُّوفِ وَلَسْت أَنْحَلُ هَذَا الِاسْمَ غَيْرَ فَتًى صَافَى فَصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصُّوفِيّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } : فَأَبَاحَ لَنَا أَكْلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ
بِشُرُوطِهِ وَأَوْصَافِهِ ، وَكَانَ وَجْهُ الِامْتِنَانِ بِهَا أُنْسُهَا ، كَمَا امْتَنَّ بِالْوَحْشِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِيَادِ ، فَالْأَوَّلُ نِعْمَةٌ هَنِيَّةٌ ، وَالصَّيْدُ مُتْعَةٌ شَهِيَّةٌ ، وَنَصْبَةٌ نَصِيَّةٌ ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ فِيهَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } : كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } وَالْجَمَالُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَتَرْكِيبِ الْخِلْقَةِ ، وَيَكُونُ فِي الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ ، وَيَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ .
فَأَمَّا جَمَالُ الْخِلْقَةِ فَهُوَ أَمْرٌ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ ، فَيُلْقِيهِ إلَى الْقَلْبِ مُتَلَائِمًا ، فَتَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِوَجْهِ ذَلِكَ وَلَا بِسَبَبِهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ .
وَأَمَّا جَمَالُ الْأَخْلَاقِ فَبِكَوْنِهَا عَلَى الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْعَدْلِ وَالْعِفَّةِ ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ ، وَإِرَادَةِ الْخَيْرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ .
وَأَمَّا جَمَالُ الْأَفْعَالِ فَهُوَ وُجُودُهَا مُلَائِمَةً لِصَالِحِ الْخَلْقِ ، وَقَاضِيَةً بِجَلْبِ الْمَنَافِعِ إلَيْهِمْ ، وَصَرْفِ الشَّرِّ عَنْهُمْ .
وَجَمَالُ الْأَنْعَامِ وَالدَّوَابِّ مِنْ جَمَالِ الْخِلْقَةِ مَحْسُوبٌ ، وَهُوَ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ ، مُوَافِقٌ لِلْبَصَائِرِ ، وَمِنْ جَمَالِهَا كَثْرَتُهَا .
فَإِذَا وَرَدَتْ الْإِبِلُ عَلَى الذُّرَى سَامِيَةَ الذُّرَى هَجْمَاتٍ هِجَانًا تَوَافَرَ حُسْنُهَا ، وَعَظُمَ شَأْنُهَا ، وَتَعَلَّقَتْ الْقُلُوبُ بِهَا .
إذَا رَأَيْت الْبَقَرَ نِعَاجًا تَرِدُ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا ، تَقَرُّ بِقَرِيرِهَا ، مَعَهَا صُلُّغُهَا وَأَتَابِعُهَا ، فَقَدْ انْتَظَمَ جَمَالُهَا وَانْتِفَاعُهَا .
وَإِذَا رَأَيْت الْغَنَمَ فِيهَا السَّالِغُ وَالسَّخْلَةُ ، وَالْغَرِيضُ وَالسَّدِيسُ صُوفُهَا أَهْدَلُ ، وَضَرْعُهَا مُنْجَدِلٌ ، وَظَهْرُهَا مُنْسَجِفٌ ، إذَا صَعِدَتْ ثَنِيَّةً مَرَعَتْ ، وَإِذَا أَسْهَلَتْ عَنْ رَبْوَةٍ طَمَرَتْ ، تَقُومُ بِالْكِسَاءِ ، وَتَقَرُّ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ، وَتَمْلَأُ الْحِوَاءَ سَمْنًا وَأَقِطًا ، بَلْهَ الْبَيْتِ ، حَتَّى يَسْمَعَ الْحَدِيثَ عَنْهَا كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَقَدْ قَطَعْت عَنْك لَعَلَّ وَلَيْتَ .
وَإِذَا رَأَيْت الْخَيْلَ نَزَائِعَ يَعَابِيبَ ، كَأَنَّهَا فِي الْبَيْدَاءِ أَهَاضِيبَ ، وَفِي الْهَيْجَاءِ يَعَاسِيبَ ، رُءُوسُهَا عَوَالٍ ، وَأَثْمَانُهَا غَوَالٍ ، لَيِّنَةَ الشَّكِيرِ ، وَشَدِيدَةَ الشَّخِيرِ ، تَصُومُ وَإِنْ رَعَتْ ، وَتَفِيضُ إذَا سَعَتْ ، فَقَدْ مَتَّعَتْ الْأَحْوَالَ وَأَمْتَعَتْ .
وَإِذَا رَأَيْت الْبِغَالَ كَأَنَّهَا الْأَفْدَانُ بِأَكْفَالٍ كَالصَّوَى ، وَأَعْنَاقٍ كَأَعْنَاقِ الظِّبَا ، وَمَشْيٍ كَمَشْيِ الْقَطَا أَوْ الدَّبَى فَقَدْ بَلَغْت فِيهَا الْمُنَى .
وَلَيْسَ فِي الْحَمِيرِ زِينَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ الْخِدْمَةِ مَصُونَةً ، وَلَكِنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا مَضْمُونَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا الْجَمَالُ وَالتَّزَيُّنُ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِعِبَادِهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ خَرَّجَهُ الْبَرْقَانِيُّ وَغَيْرُهُ : { الْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا ، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ ، وَالْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
وَإِنَّمَا جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِزَّ فِي الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا اللِّبَاسَ وَالْأَكْلَ وَاللَّبَنَ وَالْحَمْلَ وَالْغَزْوَ ، وَإِنْ نَقَصَهَا الْكَرُّ وَالْفَرُّ .
وَجَعَلَ الْبَرَكَةَ فِي الْغَنَمِ لِمَا فِيهَا مِنْ اللِّبَاسِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ ، فَإِنَّهَا تَلِدُ فِي الْعَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، إلَى مَا يَتْبَعُهَا مِنْ السَّكِينَةِ ، وَتَحْمِلُ صَاحِبَهَا عَلَيْهِ مِنْ خَفْضِ الْجَنَاحِ ، وَلِينِ الْجَانِبِ ، بِخِلَافِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْإِبِلِ .
وَقَرَنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَيْرَ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ بَقِيَّةَ الدَّهْرِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ الْمُسْتَفَادَةِ لِلْكَسْبِ وَالْمَعَاشِ ، وَمَا تُوَصِّلُ إلَيْهِ مِنْ قَهْرِ الْأَعْدَاءِ ، وَغَلَبَةِ الْكُفَّارِ ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } ؛ ذَلِكَ فِي الْمَوَاشِي تَرُوحُ إلَى الْمَرْعَى
وَتَسْرَحُ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَنْعَامِ عُمُومًا ، وَخَصَّ الْإِبِلَ هَهُنَا بِالذِّكْرِ فِي حَمْلِ الْأَثْقَالِ ، تَنْبِيهًا عَلَى مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْعَامِ ؛ فَإِنَّ الْغَنَمَ لِلسَّرْحِ وَالذَّبْحِ ، وَالْبَقَرَ لِلْحَرْثِ ، وَالْإِبِلَ لِلْحَمْلِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمٍ عَدَا عَلَيْهَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً ، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ الذِّئْبُ ، وَقَالَ : مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي وَبَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا ، فَالْتَفَتَتْ إلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ ، فَقَالَتْ : إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ .
فَقَالَ النَّاسُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : آمَنْت بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَمَا هُمَا ثَمَّ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِيهِ جَوَازُ السَّفَرِ بِالدَّوَابِّ عَلَيْهَا الْأَثْقَالُ الثِّقَالُ ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ فِي الْحَمْلِ ، مَعَ الرِّفْقِ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُولِ لِلرَّاحَةِ .
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَالْإِرَاحَةِ لَهَا ، وَمُرَاعَاةِ التَّفَقُّدِ لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا ، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ : عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ : { إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ ، فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنَقْيِهَا ، وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ } .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ اللَّهُ الْأَنْعَامَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ ، فَسَاقَ فِيهَا وُجُوهًا مِنْ الْمَتَاعِ ، وَأَنْوَاعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَسَاقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ، فَكَشَفَ قِنَاعَهَا ، وَبَيَّنَ أَنْتِفَاعَهَا ، وَذَلِكَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ ، كَمَا بَيَّنَ فِي تِلْكَ الْمُتَقَدِّمَةِ : الدِّفْءَ وَاللَّبَنَ وَالْأَكْلَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } فَجَعَلَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا لِلْأَكْلِ وَنَحْوِهِ عَنْ أَشْهَبَ ، فَفَهِمَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجْهَ إيرَادِ النِّعَمِ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، فَاقْتَصَرَتْ كُلُّ مَنْفَعَةٍ عَلَى وَجْهِ مَنْفَعَتِهَا الَّتِي عَيَّنَ اللَّهُ لَهُ ، وَرَتَّبَهَا فِيهِ ، فَأَمَّا الْخَيْلُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّهَا تُؤْكَلُ ، وَعُمْدَتُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ : { نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ } .
وَرُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ ، وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ } .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ جَابِرٍ حِكَايَةَ حَالٍ ، وَقَضِيَّةً فِي عَيْنٍ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا ذَبَحُوا لِضَرُورَةٍ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِقَضَايَا الْأَحْوَالِ الْمُحْتَمَلَةِ ، وَأَمَّا الْحُمُرُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنَّمَا حُرِّمَتْ شَرْعًا .
الثَّانِي : أَنَّهَا حُرِّمَتْ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ جُوَالَ الْقَرْيَةِ ، أَيْ تَأْكُلُ الْجُلَّةَ ، وَهِيَ النَّجَاسَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا كَانَتْ حُمُولَةَ الْقَوْمِ ؛ وَلِذَلِكَ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أُكِلَتْ الْحُمُرُ ، فَنِيَتْ الْحُمُرُ ؛ فَحَرَّمَهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا حُرِّمَتْ ؛ لِأَنَّهَا أُفْنِيَتْ قَبْلَ الْقَسَمِ ، فَمَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَكْلِهَا ، حَتَّى تُقْسَمَ .
وَأَمَّا الْبِغَالُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنَّهَا تَلْحَقُ الْحَمِيرَ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ .
فَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّ الْخَيْلَ لَا تُؤْكَلُ فَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ عَيْنَيْنِ لَا يُؤْكَلَانِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تُؤْكَلُ الْخَيْلُ فَإِنَّهَا عَيْنٌ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَبَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ ؛ فَغَلَبَ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا يَلْزَمُ فِي الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، وَحَقَّقْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيَنْضَافُ إلَيْهِ فِي آيَاتِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا ، وَقَدْ حَرَّرْنَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ أَنَّ مَدَارَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الْمَطْعُومَاتِ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ ، وَخَبَرٍ وَاحِدٍ .
الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : آيَةُ الْأَنْعَامِ قَوْلُهُ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } .
الرَّابِعُ الْخَبَرُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ } .
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَحَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } .
وَقَوْلُهُ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، فَإِنْ عَوَّلْنَا عَلَيْهَا فَالْكُلُّ سِوَاهَا مُبَاحٌ ، وَإِنْ رَأَيْنَا إلْحَاقَ غَيْرِهَا بِهَا حَسْبَمَا يَتَرَتَّبُ فِي الْأَدِلَّةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ } .
ثُمَّ جَاءَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا حَتَّى انْتَهَتْ أَسْبَابُ إبَاحَةِ الدَّمِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إلَى عَشَرَةِ أَسْبَابٍ ، فَالْحَالُ فِي ذَلِكَ مُتَرَدِّدَةٌ وَلِأَجْلِهِ اخْتَارَ الْمُتَوَسِّطُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي هَذِهِ الْحُرُمَاتِ ، تَوَسُّطًا بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ؛ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ ، وَإِشْكَالِ مَأْخَذِ الْفَتْوَى فِيهَا .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : الثَّعْلَبُ وَالضَّبُعُ حَلَالٌ ، وَهُوَ قَدْ عَوَّلَ عَلَى قَوْلِهِ : { أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ } ، وَلَكِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الضَّبُعَ يَخْرُجُ عَنْهُ بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ جَابِرٌ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَحَلَالٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَفِيهَا إذَا أَتْلَفَهَا الْمُحْرِمُ كَبْشٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : هِيَ صَيْدٌ ، وَفِيهَا كَبْشٌ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا زَعَمَ لَوْ صَحَّ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ سَنَدُهُ ، وَلَوْ عَوَّلْنَا عَلَيْهِ لَمَا خَصَّصْنَا التَّحْلِيلَ مِنْ جُمْلَةِ السِّبَاعِ بِالضَّبُعِ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : إنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْلِيلِ ، وَأَنَّ الْكُلَّ قَدْ خَرَجَ عَنْ التَّحْرِيمِ ، وَانْحَصَرَتْ الْمُحَرَّمَاتُ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ ، وَهَذِهِ الْمُعَارَضَاتُ هِيَ الَّتِي أَوْجَبَتْ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ ، فَانْظُرُوهَا وَاسْبُرُوهَا ، وَمَا ظَهَرَ هُوَ الَّذِي يَتَقَرَّرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : ذَكَرَ اللَّهُ الْأَنْعَامَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فِي مَسَاقِ النَّعَمِ ذِكْرًا وَاحِدًا ، وَذَكَرَ لِكُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مَنْفَعَةً حَسْبَمَا سَرَدْنَاهُ لَكُمْ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخَيْلِ مِنْهَا ؛ هَلْ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ مَالِكِهَا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : لَا زَكَاةَ فِيهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِيهَا الزَّكَاةُ مُنْتَزَعًا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ } الْحَدِيثَ .
قَالَ فِيهِ : { وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا } .
وَاحْتَجُّوا بِأَثَرٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ } .
وَعَوَّلَ أَصْحَابُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عَلَى أَنَّ الْخَيْلَ جِنْسٌ يُسَامُ ، وَيُبْتَغَى نَسْلُهُ فِي غَالِبِ الْبُلْدَانِ " فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ كَالْأَنْعَامِ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ } ، فَنَفَى الصَّدَقَةَ عَنْ الْعَبْدِ وَالْفَرَسِ نَفْيًا وَاحِدًا ، وَسَاقَهُمَا مَسَاقًا وَاحِدًا ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ، إلَّا أَنَّ فِي الرَّقِيقِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ } .
وَقَدْ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى عُمَرَ : إنِّي وَجَدْت أَمْوَالَ أَهْلِ الشَّامِ الرَّقِيقَ وَالْخَيْلَ .
فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ دَعْهُمَا ، ثُمَّ اسْتَشَارَ عُثْمَانَ ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ عُمَرُ .
وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ جَمَعُوا صَدَقَةَ خُيُولِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَأَتَوْا بِهَا عُمَرَ ، فَاسْتَشَارَ عَلِيًّا فَقَالَ : لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إلَّا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً بَاقِيَةً بَعْدَك .
فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ
اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا } فَيَعْنِي بِهِ الْحِمْلَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ وَالْخَلَاصِ مِنْ الْحِسَابِ .
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ { فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ } فَيَرْوِيهِ غَوْرَكٌ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .
جَوَابٌ آخَرُ " قَدْ نَاقَضُوا فَقَالُوا : إنَّ الصَّدَقَةَ فِي إنَاثِهَا لَا فِي ذُكُورِهَا .
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ فَضْلٌ بَيْنَهُمَا ، وَنَقِيسُ الْإِنَاثَ عَلَى الذُّكُورِ فِي نَفْيِ الصَّدَقَةِ ؟ فَإِنَّهُ حَيَوَانٌ يُقْتَنَى لِنَسْلِهِ لَا لِدَرِّهِ ، لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ذُكُورِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِي إنَاثِهِ ، كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } : فَسَمَّى الْحُوتَ لَحْمًا ، وَأَنْوَاعُ اللَّحْمِ أَرْبَعَةٌ : لُحُومُ الْأَنْعَامِ ، وَلُحُومُ الْوَحْشِ ، وَلُحُومُ الطَّيْرِ ، وَلُحُومُ الْحُوتِ .
وَيَعُمُّهَا اسْمُ اللَّحْمِ ، وَيَخُصُّهَا أَنْوَاعُهُ ، وَفِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ تَتَشَابَهُ ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَحْنَثُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ لُحُومِ الْأَنْعَامِ دُونَ الْوَحْشِ وَغَيْرِهِ ، مُرَاعَاةً لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ فِي الْبِلَادِ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ بِتَنِّيسَ أَوْ بِالْفَرَمَا لَا يَرَى لَحْمًا إلَّا الْحُوتَ ، وَالْأَنْعَامُ قَلِيلَةٌ فِيهَا ، فَعُرْفُهَا عَكْسُ عُرْفِ بَغْدَادَ ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْحُوتِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى لُحُومِ الْأَنْعَامِ ، وَإِذَا أَجْرَيْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْأَسْبَابِ فَسَبَبُ الْيَمِينِ يُدْخِلُ فِيهَا مَا لَا يَجْرِي عَلَى الْعُرْفِ ، وَيُخْرِجُهُ مِنْهَا ، وَالنِّيَّةُ تَقْضِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ : أَشْتَرِي لَحْمًا وَحِيتَانًا فَلَا يُعَدُّ تَكْرَارًا ، وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ مَا قَالَهُ أَشْهَبُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } : يَعْنِي بِهِ اللُّؤْلُؤَ وَالْمَرْجَانَ ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } .
وَهَذَا امْتِنَانٌ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الرِّجَالِ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَسَ حُلِيًّا فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا أَنَّهُ يَحْنَثُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ اللُّؤْلُؤُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ .
وَلَمْ أَرَ لِعُلَمَائِنَا فِيهَا نَصًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّهُ حَانِثٌ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ مُجَاهِدٌ : مِنْ النُّجُومِ مَا يَكُونُ عَلَامَاتٍ ، وَمِنْهَا مَا يَهْتَدُونَ بِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثِ خِصَالٍ : جَعَلَهَا اللَّهُ زِينَةً لِلسَّمَاءِ ، وَجَعَلَهَا يَهْتَدُونَ بِهَا ، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ .
فَمَنْ تَعَاطَى مِنْهَا غَيْرَ ذَلِكَ سَفَّهَ رَأْيَهُ ، وَأَخْطَأَ حَظُّهُ ، وَأَضَاعَ نَفْسَهُ ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ تَحْقِيقَ ذَلِكَ وَتِبْيَانَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَبِالنَّجْمِ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْجِنْسِ .
وَالْمُرَادُ بِهِ جَمْعُ النُّجُومِ [ وَلَا يَهْتَدِي بِهَا إلَّا الْعَارِفُ ] .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الثُّرَيَّا .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَدْيُ وَالْفَرْقَدَانِ .
فَأَمَّا جَمِيعُ النُّجُومِ فَلَا يَهْتَدِي بِهَا إلَّا الْعَارِفُ بِمَطَالِعِهَا وَمَغَارِبِهَا ، وَالْمَفْرِقُ بَيْنَ الْجَنُوبِيِّ وَالشَّمَالِيِّ مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ قَلِيلٌ فِي الْآخِرِينَ .
وَأَمَّا الثُّرَيَّا فَلَا يَهْتَدِي بِهَا إلَّا مَنْ يَهْتَدِي بِجَمِيعِ النُّجُومِ ، وَإِنَّمَا الْهَدْيُ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْجَدْيِ وَالْفَرْقَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ النُّجُومِ الْمُنْحَصِرَةِ الْمَطْلَعِ ، الظَّاهِرَةِ السَّمْتِ ، الثَّابِتَةِ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّهَا تَدُورُ عَلَى الْقُطْبِ الثَّابِتِ دَوَرَانًا مُحَصَّلًا ، فَهِيَ أَبَدًا هَدْيُ الْخَلْقِ فِي الْبَرِّ إذَا عَمِيَتْ الطُّرُقُ ، وَفِي الْبَحْرِ عِنْدَ مَجْرَى السُّفُنِ ، وَعَلَى الْقِبْلَةِ إذَا جَهِلَ السَّمْتَ ، وَذَلِكَ عَلَى الْجُمْلَةِ بِأَنْ تَجْعَلَ الْقُطْبَ عَلَى ظَهْرِ مَنْكِبِك الْأَيْسَرِ ، فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ سَمْتُ الْجِهَةِ ، وَتَحْدِيدُهَا فِي الْإِبْصَارِ أَنَّك إذَا نَظَرْت الشَّمْسَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ كَانُونَ الْأَوَّلِ طَالِعَةً فَاجْعَلْ بَيْنَ وَجْهِك وَبَيْنَهَا فِي التَّقْدِيرِ
ذِرَاعًا ، وَتَكُونُ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ ، سَالِكًا إلَى التَّحْقِيقِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا يُهْتَدَى بِهَا فِي الْأَنْوَاءِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَ الْمَنَازِلَ ، وَنَزَّلَ فِيهَا الْكَوَاكِبَ ، وَرَتَّبَ لَهَا مَطَالِعَ وَمَغَارِبَ ، وَرَبَطَ بِهَا عَادَةً نُزُولَ الْغَيْثِ ، وَبِهَذَا عَرَفَتْ الْعَرَبُ أَنْوَاءَهَا ، وَتَنَظَّرَتْ سُقْيَاهَا ، وَأَضَافَتْ كَثْرَةَ السُّقْيَا إلَى بَعْضٍ ، وَقِلَّتَهَا إلَى آخَرَ .
وَيُرْوَى فِي الْأَثَرِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ : كَمْ بَقِيَ لِنَوْءِ الثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ لَهُ : إنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : إنَّهَا تَدُورُ فِي الْأُفُقِ سَبْعًا ، ثُمَّ يُدِرُّ اللَّهُ الْغَيْثَ ، فَمَا جَاءَتْ السَّبْعُ حَتَّى غِيثَ النَّاسُ .
وَفِي الْمُوَطَّإِ : إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ .
وَمِنْ الْبِلَادِ مَا يَكُونُ مَطَرُهَا بِالصِّبَا ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَطَرُهَا بِالْجَنُوبِ ، وَيَزْعُمُ أَهْلُهَا أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَدُورُ عَلَى الْبَحْرِ ، فَإِذَا جَرَّتْ الرِّيحُ ذَيْلَهَا عَلَى الْبَحْرِ أَلْقَحَتْ السَّحَابَ مِنْهُ ، وَإِذَا جَرَّتْ ذَيْلَهَا عَلَى الْبَيْدَاءِ جَاءَتْ سَحَابًا عَقِيمًا ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّا لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّ رَبَّنَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْشِئَ الْمَاءَ فِي السَّحَابِ إنْشَاءً ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُسَيِّبَ لَهُ مَاءَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَيُصَعِّدَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسْتَفِلًا ، وَيَحْلَوْلِي بِتَدْبِيرِهِ ، وَقَدْ كَانَ مِلْحًا ، وَيُنَزِّلَهُ إلَيْنَا فُرَاتًا عَذْبًا ؛ وَلَكِنَّ تَعْيِينَ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَا يَكُونُ بِنَظَرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ لِذَلِكَ أَثَرٌ ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ ، فَنَحْنُ نَقُولُ : هُوَ جَائِزٌ ، وَلَوْ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ لَكَانَ وَاجِبًا .
الثَّانِي : أَنَّ الشَّمَالَ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ الْمَجَرَّةُ ؛ لِأَنَّهَا تَمْخَرُ السَّحَابَ ، وَلَا تُمْطِرُ مَعَهَا ، وَقَدْ تَأْتِي
بَحْرِيَّةً وَبَرِّيَّةً ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ ؛ وَأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ عَنْ الْآثَارِ الْعُلْوِيَّةِ إلَّا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ ، لَا الْعُقُولُ الأرسطاليسية .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ : { قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ } .
قُلْنَا : إنَّمَا خَرَجَ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَأْثِيرِ الْكَوَاكِبِ لِجَاهِلِيَّتِهَا .
وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَهَا وَقْتًا وَمَحَلًّا وَعَلَامَةً يُنْشِئُهُ اللَّهُ فِيهَا وَيُدَبِّرُهُ عَلَيْهَا فَلَيْسَ مِنْ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَعْنَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ } : فَجَاءَ الضَّمِيرُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ عَائِدًا عَلَى جَمْعِ مُؤَنَّثٍ .
وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَبُ تُخْبِرُ عَنْ الْأَنْعَامِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَمَا أَرَاهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ إلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَنْصِبَهُ ، وَلَا يَلِيقُ بِإِدْرَاكِهِ .
الثَّانِي : قَالَ الْكِسَائِيُّ : مَعْنَاهُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ مَا ذَكَرْنَا ، وَهَذَا تَقْدِيرٌ بَعِيدٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
الثَّالِثُ : قَالَ الْفَرَّاءُ : الْأَنْعَامُ وَالنِّعَمُ وَاحِدٌ ، وَالنَّعَمُ مُذَكَّرٌ ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْعَرَبُ : هَذَا نَعَمٌ وَارِدٌ ، فَرُجِعَ إلَى لَفْظِ النَّعَمِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْأَنْعَامِ ، وَهَذَا تَرْكِيبٌ طَوِيلٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْكِسَائِيُّ أَيْضًا : إنَّمَا يُرِيدُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ بَعْضِهِ ، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِ أَيُّهَا كَانَ لَهُ لَبَنٌ مِنْهَا .
الْخَامِسُ : أَنَّ التَّذْكِيرَ إنَّمَا جِيءَ بِهِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ عَلَى ذِكْرِ النَّعَمِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلذَّكَرِ مَنْسُوبٌ ؛ وَلِذَلِكَ قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْفَحْلِ حِينَ { أَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَدِيثِ أَفْلَحَ أَخِي أَبِي الْقُعَيْسِ ؛ فَقَالَتْ : إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ .
فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك } .
بَيَانٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْمَرْأَةِ سَقْيٌ ، وَلِلرَّجُلِ إلْقَاحٌ ، فَجَرَى الِاشْتِرَاكُ بَيْنَهُمَا فِيهِ .
وَقَدْ
بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
السَّادِسُ : قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ : إنَّمَا يَرْجِعُ التَّذْكِيرُ إلَى مَعْنَى الْجَمْعِ ، وَالتَّأْنِيثُ إلَى مَعْنَى الْجَمَاعَةِ ، فَذَكَّرَ فِي آيَةِ النَّحْلِ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ ، وَأَنَّثَ فِي آيَةِ الْمُؤْمِنِ بِاعْتِبَارِ تَأْنِيثِ لَفْظِ الْجَمَاعَةِ ، وَيَنْتَظِمُ الْمَعْنَى بِهَذَا التَّأْوِيلِ انْتِظَامًا حَسَنًا .
وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ أَكْثَرُ فِي الْقُرْآنِ وَاللُّغَةُ مِنْ رَمْلِ يَبْرِينَ وَمَهَا فِلَسْطِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : نَبَّهَ اللَّهُ عَلَى عَظِيمِ الْقُدْرَةِ بِخُرُوجِ اللَّبَنِ خَالِصًا مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ بَيْنَ حُمْرَةِ الدَّمِ وَقَذَارَةِ الْفَرْثِ ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا وِعَاءٌ وَاحِدٌ ، وَجَرَى الْكُلُّ فِي سَبِيلٍ مُتَّحِدَةٍ ، فَإِذَا نَظَرْت إلَى لَوْنِهِ وَجَدْته أَبْيَضَ نَاصِعًا خَالِصًا مِنْ شَائِبَةِ الْجَارِ ، وَإِذَا شَرِبْته وَجَدْته سَائِغًا عَنْ بَشَاعَةِ الْفَرْثِ ، يُرِيدُ لَذِيذًا ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ سَائِغًا ، أَيْ لَا يُغَصُّ بِهِ ، وَإِنَّهُ لِصِفَتِهِ ، وَلَكِنَّ التَّنْبِيهَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى اللَّذَّةِ وَطِيبِ الْمَطْعَمِ ، مَعَ كَرَاهِيَةِ الْجَارِ الَّذِي انْفَصَلَ عَنْهُ فِي الْكَرِشِ ، وَهُوَ الْفَرْثُ الْقَذِرُ .
وَهَذِهِ قُدْرَةٌ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِلْقَائِمِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْمَصْلَحَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّرِينَ بِصُورَةِ الْمُصَنِّفِينَ الْمُتَسَوِّرِينَ فِي عُلُومِ الدِّينِ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْمَنِيَّ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْمَخْرَجِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ ، وَهَذَا اللَّهُ يَقُولُ فِي اللَّبَنِ : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ، فَكَمَا يَخْرُجُ اللَّبَنُ مِنْ بَيْنِ الْفَرْثِ وَالدَّمِ سَائِغًا خَالِصًا طَاهِرًا ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ الْمَنِيُّ عَلَى مَخْرَجِ الْبَوْلِ طَاهِرًا .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ أُصُولِ الْفِقْهِ صِفَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُفْتِي فِي الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبِطِ لَهَا مِنْ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ مَوْجُودَةً فِي هَذَا الْقَائِلِ مَا نَطَقَ بِمِثْلِ هَذَا ، فَإِنَّ اللَّبَنَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنْهُ مَجِيءَ النِّعْمَةِ وَالْمِنَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْقُدْرَةِ ، لِيَكُونَ عِبْرَةً ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ وَصْفَ الْخُلُوصِ وَاللَّذَّةِ وَالطَّهَارَةِ ، وَأَيْنَ الْمَنِيُّ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى يَكُونَ مُلْحَقًا بِهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَيْهِ ؛ إنَّ هَذَا لَجَهْلٌ عَظِيمٌ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ قَوْمٌ : الْمَعْنَى : وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ مَا تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ شَيْءٌ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ، وَدَلَّ عَلَى حَذْفِهِ قَوْلُهُ : { مِنْهُ } فَلِذَلِكَ سَاغَ حَذْفُهُ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { سَكَرًا } : فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ خُمُورُ الْأَعَاجِمِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْخَلُّ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ أَيْضًا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الطَّعْمُ الَّذِي يُعْرَفُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ مَا يَسُدُّ الْجُوعَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ سَكَرْتُ النَّهْرَ ، إذَا سَدَدْته .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الرِّزْقُ الْحَسَنُ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ النَّبِيذُ وَالْخَلُّ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْأَوَّلُ ، يَقُولُ : تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ، فَجَعَلَ لَهُ اسْمَيْنِ ، وَهُوَ وَاحِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَمَّا هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ فَأَسَدُّهَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ السَّكَرَ الْخَمْرُ ، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ بَعْدَهَا مِنْ هَذِهِ الثَّمَرَاتِ .
وَيُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اعْتِدَاءً مِنْكُمْ ، وَمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اتِّفَاقًا أَوْ قَصْدًا إلَى مَنْفَعَةِ أَنْفُسِكُمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ مَدَنِيٌّ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } مَا يُسْكِرُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ ، وَخَلًّا ، وَهُوَ الرِّزْقُ الْحَسَنُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَقَعُ الِامْتِنَانُ إلَّا بِمُحَلَّلٍ لَا بِمُحَرَّمٍ ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ
دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ مَا دُونَ الْمُسْكِرِ مِنْ النَّبِيذِ ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى السُّكْرِ لَمْ يَجُزْ ؛ قَالَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعَضَّدُوا رَأْيَهُمْ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ لِعَيْنِهَا وَالسُّكْرَ مِنْ غَيْرِهَا } .
وَبِمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ فَيَشْرَبُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ سَقَاهُ الْخَدَمَ إذَا تَغَيَّرَ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا سَقَاهُ إيَّاهُمْ .
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ : قَدْ عَارَضَ عُلَمَاؤُنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِمِثْلِهَا ، فَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَجَوَّدَهُ ، وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } .
وَرُوِيَ : { فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ } .
وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا ، وَإِنَّ مِنْ الشَّعِيرِ خَمْرًا ، وَإِنَّ مِنْ التَّمْرِ خَمْرًا ، وَإِنْ مِنْ الزَّبِيبِ خَمْرًا ، وَإِنَّ مِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ شَرْعٌ مُتَّبَعٌ ، وَإِنْ كَانَ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اللُّغَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِيهَا ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ نَطَقَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا بَيْنَ أَظْهُرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يَقُمْ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ .
جَوَابٌ آخَرُ : أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ اللَّهَ
امْتَنَّ ، وَلَا يَكُونُ امْتِنَانُهُ وَتَعْدِيدُهُ إلَّا بِمَا أَحَلَّ فَصَحِيحٌ ؛ بَيْدَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدُ .
فَإِنْ قَبْلُ : كَيْفَ يُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ هَهُنَا ، وَيَنْسَخُ هَذَا الْحُكْمَ ، وَهُوَ خَبَرٌ ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ .
قُلْنَا : هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرِيعَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَتَهُ قَبْلُ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْخَبَرَ إذَا كَانَ عَنْ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ ، أَوْ كَانَ عَنْ الْفَضْلِ الْمُعْطَى ثَوَابًا فَهُوَ أَيْضًا لَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ فَالْأَحْكَامُ تَتَبَدَّلُ وَتُنْسَخُ جَاءَتْ بِخَبَرٍ أَوْ بِأَمْرٍ ، وَلَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى تَكْذِيبٍ فِي الْخَبَرِ أَوْ الشَّرْعِ الَّذِي كَانَ مُخْبَرًا عَنْهُ قَدْ زَالَ بِغَيْرِهِ .
وَإِذَا فَهِمْتُمْ هَذَا خَرَجْتُمْ عَنْ الصِّنْفِ الْغَبِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
يَعْنِي أَنَّهُمْ جَهِلُوا أَنَّ الرَّبَّ يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ ، وَيُكَلِّفُ مَا يَشَاءُ ، وَيَرْفَعُ مِنْ ذَلِكَ بِعَدْلِهِ مَا يَشَاءُ ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : وَأَمَّا مَا عَضَّدُوهُ بِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فَالْأَوَّلُ ضَعِيفٌ ، وَالثَّانِي فِي سَقْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ لِلْخَدَمِ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ مَا كَانَ يَسْقِيهِ لِلْخَدَمِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْكِرٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْقِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرُ الرَّائِحَةِ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَهَ الْخَلْقِ فِي خَبِيثِ الرَّائِحَةِ ، وَلِذَلِكَ تَحَيَّلَ عَلَيْهِ أَزْوَاجُهُ فِي عَسَلِ زَيْنَبَ ، فَإِنَّهُنَّ قُلْنَ لَهُ : إنَّا نَجِدُ مِنْك رِيحَ مَغَافِيرَ يَعْنِي رِيحًا نُنْكِرُهُ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ
فِي كُتُبِ الْخِلَافِ أَثَرًا وَنَظَرًا ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } : وَإِذَا قِيلَ : إنَّ ثَمَرَاتِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا تُتَّخَذُ مِنْهُ رِزْقٌ حَسَنٌ وَسَكَرٌ .
قُلْنَا : هَذِهِ الْحُبُوبُ وَسَائِرُ الثَّمَرَاتِ وَإِنْ وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهَا ، وَكَانَتْ لَهَا وُجُوهٌ يُنْتَفَعُ مِنْهَا ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْخَلَّ ، وَهُوَ أَجَلُّ مَنْفَعَةٍ فِي الْعَالَمِ ، فَإِنَّهُ دَوَاءٌ وَغِذَاءٌ ، فَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ مَحَلَّ هَاتَيْنِ الثَّمَرَتَيْنِ شَيْءٌ خُصَّا بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِمَا .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْحَى رَبُّك إلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَكُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا الْإِلْهَامُ ، وَهُوَ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ ، وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } .
وَمِنْ ذَلِكَ الْبَهَائِمُ وَمَا يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا مِنْ دَرْكِ مَنَافِعِهَا ، وَاجْتِنَابِ مَضَارِّهَا ، وَتَدْبِيرِ مَعَاشِهَا .
وَمِنْ عَجِيبِ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي النَّحْلِ أَنْ أَلْهَمَهَا لِاِتِّخَاذِ بُيُوتِهَا مُسَدَّسَةً ؛ فَبِذَلِكَ اتَّصَلَتْ حَتَّى صَارَتْ كَالْقِطْعَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْكَالَ مِنْ الْمُثَلَّثِ إلَى الْمُعَشَّرِ إذَا جُمِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَى أَمْثَالِهِ لَمْ يَتَّصِلْ ، وَجَاءَتْ بَيْنَهُمَا فُرَجٌ إلَّا الشَّكْلَ الْمُسَدَّسَ فَإِنَّهُ إذَا جُمِعَ إلَى أَمْثَالِهِ التَّسْدِيسُ ، يَحْمِي بَعْضُهَا بَعْضًا عِنْدَ الِاتِّصَالِ .
وَجُعِلَتْ كُلُّ بَيْتٍ عَلَى قَدْرِهَا ، فَإِذَا تَشَكَّلَ عِنْدَ حَرَكَةِ النَّحْلَةِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ ، وَمَلَأَتْهُ عَسَلًا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَذْلِيلِهِ ، إنْ تُرِكَتْ عَسَّلَتْ ، وَإِنْ حُمِلَتْ اتَّبَعَتْ ، وَهِيَ ذَاتُ جَنَاحٍ ، وَلَكِنَّ الْقَابِضَ الْبَاسِطَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَهَا وَدَبَّرَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ } : يَعْنِي : الْعَسَلَ ، عَدَّدَهَا اللَّهُ فِي نِعَمِهِ ، وَذَكَرَ شَرَابَهُ مُمْتَنًّا بِهِ ، وَسَمَّاهُ شَرَابًا وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا ؛ لِأَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْأَشْرِبَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَصْرِيفِهِ فِي الْأَطْعِمَةِ ، وَلِأَنَّهُ
مَائِعٌ ، وَذَلِكَ بِالشَّرَابِيَّةِ أَخَصُّ كَمَا أَنَّ الْجَامِدَ أَخَصُّ بِالطَّعَامِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } : يُرِيدُ أَنْوَاعَهُ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَصْفَرِ ، وَالْجَامِدِ وَالسَّائِلِ ؛ وَالْأُمُّ وَاحِدَةٌ ، وَالْأَوْلَادُ مُخْتَلِفُونَ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوَّعَتْهُ بِحَسَبِ تَنْوِيعِ الْغِذَاءِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ عَلَى صِفَتِهِ ، وَلَا يَجِيءُ إلَّا مِنْ جِنْسِهِ ، وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ بَعْضُ التَّأْثِيرِ فِيهِ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ ؛ وَيُغَيِّرُهُ اللَّهُ ، لِتَتَبَيَّنَ قُدْرَتُهُ فِي التَّصْرِيفِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } : وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ ، أَوْ لَذْعَةِ نَارٍ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ { رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ .
فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا .
ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا .
ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : اسْقِهِ عَسَلًا ثُمَّ أَتَاهُ ، فَقَالَ : فَعَلْت ، فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إلَّا اسْتِطْلَاقًا .
فَقَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك ، اسْقِهِ عَسَلًا ، فَسَقَاهُ فَبَرِئَ } .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْكُو قُرْحَةً وَلَا شَيْئًا إلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا حَتَّى الدُّمَّلَ إذَا خَرَجَ عَلَيْهِ طَلَاهُ بِعَسَلٍ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ : { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } .
وَرُوِيَ أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ مَرِضَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نُعَالِجُك ، قَالَ : ائْتُونِي بِمَاءِ سَمَاءٍ ، فَإِنَّ اللَّهُ يَقُولُ : { وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا } وَأْتُونِي بِعَسَلٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } .
وَأْتُونِي بِزَيْتٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ } فَجَاءُوهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، فَخَلَطَهُ جَمِيعًا ثُمَّ شَرِبَهُ فَبَرِئَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ : إنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ : " فِيهِ " يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ ، أَيْ الْقُرْآنُ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ .
وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ ، مَا أَرَاهُ يَصِحُّ عَنْهُمْ ؛ وَلَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحَّ عَقْلًا ؛ فَإِنَّ مَسَاقَ الْكَلَامِ كُلِّهِ لِلْعَسَلِ ، لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْرٌ ؛ وَكَيْفَ يَرْجِعُ ضَمِيرٌ فِي كَلَامٍ
إلَى مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ كُلَّهُ مِنْهُ ؟ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى مَسَاقُ الْكَلَامِ وَمَنْحَى الْقَوْلِ ، وَقَدْ حَسَمَ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ ذَا الْإِشْكَالِ ، وَأَزَاحَ وَجْهَ الِاحْتِمَالِ حِينَ أَمَرَ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ بِشُرْبِ الْعَسَلِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْعَسَلَ لَمَّا سَقَاهُ إيَّاهُ مَا زَادَهُ إلَّا اسْتِطْلَاقًا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَوْدِ الشُّرْبِ لَهُ ، وَقَالَ لَهُ : { صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } : اُخْتُلِفَ فِي مَحْمَلِهِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ ، كَمَا سُقْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَعَوْفٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ بِالتَّدْبِيرِ ؛ إذْ يُخْلَطُ الْخَلُّ بِالْعَسَلِ وَيَطْبُخُ ، فَيَأْتِي شَرَابًا يَنْفَعُ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ كُلِّ دَاءٍ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى مَدْحِ عُمُومِ مَنْفَعَةِ السَّكَنْجَبِينِ فِي كُلِّ مَرَضٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ لَفْظٍ عَامٍّ حُمِلَ عَلَى مَقْصِدٍ خَاصٍّ ؛ فَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ ، وَلُغَةُ الْعَرَبِ يَأْتِي فِيهَا الْعَامُّ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْخَاصِّ ، وَالْخَاصُّ بِمَعْنَى الْعَامِّ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ : وَتَرَاكِ أَمْكِنَةٌ إذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَالْمُرَادُ كُلُّ النُّفُوسِ ؛ إذْ لَا تَخْلُو نَفْسٌ مِنْ ارْتِبَاطِ الْحِمَامِ لَهَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى نِيَّةِ كُلِّ أَحَدٍ ، فَمَنْ قَوِيَتْ نِيَّتُهُ ، وَصَحَّ يَقِينُهُ فَفَعَلَ فِعْلَ عَوْفٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَدَهُ كَذَلِكَ ، وَمَنْ ضَعُفَتْ نِيَّتُهُ وَغَلَبَتْهُ عَلَى الدِّينِ عَادَتُهُ أَخَذَهُ مَفْهُومًا عَلَى قَوْلِ الْأَطِبَّاءِ ، وَالْكُلُّ مِنْ حُكْمِ الْفَعَّالِ لِمَا يَشَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَسَلَ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا مُقْتَاتًا ، وَلَكِنَّهُ كَمَا رُوِيَ فِي ذِكْرِ النَّحْلِ ذُبَابُ غَيْثٍ ، وَكَمَا جَاءَ فِي الْعَنْبَرِ أَنَّهُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ ، فَأَحَدُهُمَا يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ ، وَالْآخَرُ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ ، وَكِلَاهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ الزَّكَاةَ بِمَا خَصَّهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُقْتَاتَةِ ، وَالْأَعْيَانِ النَّامِيَةِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْهَا فِي مَوَاضِعِهَا فَلْيُقَفْ عِنْدَهَا .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَبِي ، وَهُوَ بِمِنًى ، أَلَّا يَأْخُذَ مِنْ الْعَسَلِ وَلَا مِنْ الْخَيْلِ صَدَقَةً .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْعَسَلَ طَعَامٌ يَخْرُجُ مِنْ حَيَوَانٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَاللَّبَنِ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ عَيْنٌ زَكَاتِيَّةٌ ، وَقَدْ قَضَى حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ وَحَازَ الِاسْتِيفَاءَ لِمَنَافِعِهَا ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي أَصْلِهِ ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِاللَّبَنِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْعَسَلِ ، مُحْتَجًّا بِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرَ } .
وَالْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي ذُبَابٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { قَدِمْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اجْعَلْ لِقَوْمِي مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْمَلَنِي عَلَيْهِمْ } ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَالَ : فَكَلَّمْت قَوْمِي فِي الْعَسَلِ ، فَقُلْت لَهُمْ : زَكُّوهُ ، فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي ثَمَرَةٍ لَا تُزَكَّى .
قَالُوا : كَمْ ؟ فَقُلْت : الْعُشْرُ .
فَأَخَذْت مِنْهُمْ الْعُشْرَ ، فَأَتَيْت عُمَرَ فَأَخْبَرْته ، فَقَبَضَهُ ،
وَبَاعَهُ ، وَجَعَلَهُ فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ .
فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَانَ بِطَوَاعِيَتِهِمْ صَدَقَةً نَافِلَةً ، وَلَيْسَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا نَحْنُ فِي فَرْضِ أَصْلِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } : يَعْنِي مِنْ جِنْسِكُمْ ، يَعْنِي مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، رَدًّا عَلَى الْعَرَبِ الَّتِي كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ الْجِنَّ وَتُبَاضِعُهَا ، حَتَّى رَوَتْ أَنَّ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ غُولًا ، وَكَانَ يَخْبَؤُهَا عَنْ الْبَرْقِ ، لِئَلَّا تَرَاهُ فَتَنْفِرَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لَمَحَ الْبَرْقَ وَعَايَنَتْهُ السِّعْلَاةُ فَقَالَتْ : عَمْرُو ، وَنَفَرَتْ فَلَمْ يَرَهَا أَبَدًا ، وَهَذَا مِنْ أَكَاذِيبِهَا ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ ، رَدًّا عَلَى الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ الْجِنِّ ، وَيُحِيلُونَ طَعَامَهُمْ وَنِكَاحَهُمْ .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ قَوْلَهُ : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { أَزْوَاجًا } : زَوْجُ الْمَرْأَةِ هِيَ ثَانِيَتُهُ ، فَإِنَّهُ فَرْدٌ ، فَإِذَا انْضَافَتْ إلَيْهِ كَانَا زَوْجَيْنِ ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهَا فِي الْوُجُودِ ، وَقِوَامُهَا فِي الْمَعَاشِ ، وَأَمِيرُهَا فِي التَّصَرُّفِ ، وَعَاقِلُهَا فِي النِّكَاحِ ، وَمُطْلِقُهَا مِنْ قَيْدِهِ ، وَعَاقِلُ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ عَنْهَا فِيهِ ، وَوَاحِدٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ يَكْفِي لِلْأَصَالَةِ ، فَكَيْفَ بِجَمِيعِهَا ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً } : وُجُودُ الْبَنِينَ يَكُونُ مِنْهُمَا مَعًا ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَخَلُّقُ الْمَوْلُودِ فِيهَا ، وَوُجُودُهُ ذَا رُوحٍ وَصُورَةٍ بِهَا ، وَانْفِصَالُهُ كَذَلِكَ عَنْهَا ، أُضِيفَ إلَيْهَا ، وَلِأَجْلِهِ تَبِعَهَا فِي الرِّقِّ
وَالْحُرِّيَّةِ ، وَصَارَ مِثْلَهَا فِي الْمَالِيَّةِ .
سَمِعْت إمَامَ الْحَنَابِلَةِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ يَقُولُ : إنَّمَا تَبِعَ الْوَلَدُ الْأُمَّ فِي الْمَالِيَّةِ ، وَصَارَ بِحُكْمِهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ الْأَبِ نُطْفَةً لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَلَا مَالِيَّةَ فِيهِ ، وَلَا مَنْفَعَةَ مَثْبُوتَةَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا اكْتَسَبَ مَا اكْتَسَبَ بِهَا وَمِنْهَا ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ تَبِعَهَا ، كَمَا لَوْ أَكَلَ رَجُلٌ تَمْرًا فِي أَرْضِ رَجُلٍ ، فَسَقَطَتْ مِنْهُ نَوَاةٌ فِي الْأَرْضِ مِنْ يَدِ الْآكِلِ ، فَصَارَتْ نَخْلَةً ، فَإِنَّهَا مِلْكُ صَاحِبِ الْأَرْضِ دُونَ الْآكِلِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهَا انْفَصَلَتْ مِنْ الْآكِلِ وَلَا قِيمَةَ لَهَا ؛ وَهَذِهِ مِنْ الْبَدَائِعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : { وَحَفَدَةً } : وَفِيهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ الْأَخْتَانُ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْأَصْهَارُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الْخَتَنُ الزَّوْجُ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ .
وَالصِّهْرُ مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ مِنْ الرِّجَالِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا ضِدُّ ذَلِكَ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ .
الْخَامِسُ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْخَتَنُ مَنْ كَانَ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ، وَالْأَصْهَارُ مِنْهُمَا جَمِيعًا .
السَّادِسُ : الْحَفَدَةُ : أَعْوَانُ الرَّجُلِ وَخَدَمِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعَانَك فَقَدْ حَفَدَك ؛ وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ .
السَّابِعُ : حَفَدَةُ الرَّجُلِ أَعْوَانُهُ مِنْ وَلَدِهِ .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ وَلَدُ الرَّجُلِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَذِهِ الْأَقْوَالُ كَمَا سَرَدْنَاهَا إمَّا أُخِذَتْ عَنْ لُغَةٍ ، وَإِمَّا عَنْ تَنْظِيرٍ ، وَإِمَّا عَنْ اشْتِقَاقٍ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } ؛ فَالنَّسَبُ مَا دَارَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ .
وَالصِّهْرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِمَا ،
وَيُقَالُ أَخْتَانُ الْمَرْأَةِ وَأَصْهَارُ الرَّجُلِ عُرْفًا وَلُغَةً ، وَيُقَالُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ : الْحَفِيدُ ، وَيُقَالُ : حَفِيدُهُ يَحْفِدُهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا خَدَمَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الدُّعَاءِ : وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ .
فَالظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ قَوْلِهِ : { بَنِينَ } أَوْلَادُ الرَّجُلِ مِنْ صُلْبِهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : { حَفَدَةً } أَوْلَادُ وَلَدِهِ .
وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ اللَّفْظِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا .
وَنَقُولُ : تَقْدِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا : وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ، وَمِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ ، وَمِنْ الْبَنِينَ حَفَدَةً .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ : وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، فَيَكُونُ الْبَنُونَ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَالْحَفَدَةُ مِنْ الْكُلِّ مِنْ زَوْجٍ وَابْنٍ ، يُرِيدُ بِهِ خُدَّامًا يَعْنِي أَنَّ الْأَزْوَاجَ وَالْبَنِينَ يَخْدُمُونَ الرَّجُلَ بِحَقِّ قِوَامِيَّتِهِ وَأُبُوَّتِهِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَخْدُمُ الرَّجُلُ زَوْجَهُ فِيمَا خَفَّ مِنْ الْخِدْمَةِ وَيُعِينُهَا .
وَقَدْ قَالُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يَخْدُمُهَا .
وَقَالُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يُنْفِقُ عَلَى خَادِمٍ وَاحِدَةٍ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ عَلَى قَدْرِ الثَّرْوَةِ وَالْمَنْزِلَةِ ؛ وَهَذَا أَمْرٌ دَائِرٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ؛ فَإِنَّ نِسَاءَ الْأَعْرَابِ وَسُكَّانَ الْبَادِيَةِ يَخْدُمْنَ أَزْوَاجَهُنَّ حَتَّى فِي اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ وَسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ .
وَنِسَاءَ الْحَوَاضِرِ يَخْدُمُ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ زَوْجَهُ فِيمَا خَفَّ وَيُعِينُهَا .
وَأَمَّا أَهْلُ الثَّرْوَةِ فَيَخْدُمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَيَتَرَفَّهْنَ مَعَهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ مَنْصِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا مُشْكِلًا شَرَطَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ أَنَّهَا مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا ، فَالْتَزَمَ إخْدَامَهَا ؛ فَيُنَفِّذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَتَنْقَطِعُ الدَّعْوَى
فِيهِ .
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِي الْآيَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَسَأَلْته عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : { بَنِينَ وَحَفَدَةً } مَا الْحَفَدَةُ ؟ قَالَ : الْخَدَمُ وَالْأَعْوَانُ فِي رَأْيٍ .
وَيُرْوَى أَنَّ الْحَفَدَةَ الْبَنَاتُ يَخْدُمْنَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمَنَازِلِ .
وَيُرْوَى أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : { وَحَفَدَةً } قَالَ : هُمْ الْأَعْوَانُ ؛ مَنْ أَعَانَك فَقَدْ حَفَدَك .
قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَتَقُولُهُ .
أَمَا سَمِعْت قَوْلَ الشَّاعِرِ : حَفَدَ الْوَلَائِدُ حَوْلَهُنَّ وَأُلْقِيَتْ بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الْأَجْمَالِ وَتَصْرِيفُ الْفِعْلِ حَفَدَ يَحْفِدُ كَمَا قَدَّمْنَا حَفْدًا وَحُفُودًا وَحَفَدَانًا .
وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ : إنَّ الْحَفَدَةَ عِنْدَ الْعَرَبِ الْخَدَمُ ، وَكَفَى بِمَالِكٍ فَصَاحَةً ، وَهُوَ مَحْضُ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُمْ الْخَدَمُ .
وَبِقَوْلِ الْخَلِيلِ ، وَهُوَ ثِقَةٌ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْعَرَبِ ؛ فَخَرَجَتْ خِدْمَةُ الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ مِنْ الْقُرْآنِ بِأَبْدَعَ بَيَانٍ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ { أَبَا أُسَيْدٍ السَّاعِدِيَّ دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْسِهِ ، فَكَانَتْ امْرَأَتُهُ خَادِمَهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَهِيَ الْعَرُوسُ ، فَقَالَ : أَوَتَدْرُونَ مَا أَنَقَعْت لِرَسُولِ اللَّهِ ؟ أَنَقَعْت لَهُ تَمَرَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي تَوْرٍ } .
وَكَذَلِكَ رُوِيَ { عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ } .
وَهَذَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ : وَيُعِينُهَا .
وَفِي أَخْلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { كَانَ يَخْصِفُ النَّعْلَ ، وَيَقُمُّ الْبَيْتَ ، وَيَخِيطُ الثَّوْبَ } .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ ، وَكَانَ يَوْمَ بَنِي
قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ عَلَيْهِ إكَافٌ مِنْ لِيفٍ } .
وَقَالَ { عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ قِيلَ لَهَا : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَعْمَلُ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ : كَانَ بَشَرًا مِنْ الْبَشَرِ ، يُفَلِّي ثَوْبَهُ ، وَيَحْلِبُ شَاتَهُ ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ } .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : حَتَّى فِي وُضُوئِهِ ؛ فَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ فِي لَيْلَةٍ كَانَتْ لَا تُصَلِّي فِيهَا ، فَأَوَى رَسُولُ اللَّهِ إلَى فِرَاشِهِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قَامَ فَخَرَجَ إلَى الْحُجْرَةِ فَقَلَّبَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَجْهَهُ ، ثُمَّ قَالَ : نَامَتْ الْعُيُونُ ، وَغَارَتْ النُّجُومُ ، وَاَللَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ ثُمَّ عَمَدَ إلَى قِرْبَةٍ فِي جَانِبِ الْحُجْرَةِ فَحَلَّ شِنَاقَهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ } .
خَرَّجَهُ ابْنُ حَمَّادٍ الْحَافِظُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ التَّقَصِّي وَغَيْرِهِ .
وَمِنْ أَفْضَلِ مَا يَخْدُمُ الْمَرْءُ فِيهِ نَفْسَهُ الْعِبَادَاتُ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهَا كُلِّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَعَمَلُ شُرُوطِهَا وَأَسْبَابِهَا كُلِّهَا مِنْهُ ؛ فَذَلِكَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ إذَا أَمْكَنَ .
وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ : { سَأَلْت عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ } .
وَمِنْ الرُّوَاةِ مَنْ قَالَ : إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ قَالَ الْإِمَامُ يَعْنِي الْإِقَامَةَ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ فِي قَوْلٍ ، وَلِلْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ فِي [ قَوْلٍ ] آخَرَ ، مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ هُوَ الْكَافِرُ ، وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا هُوَ الْمُؤْمِنُ ، آتَاهُمَا اللَّهُ مَالًا كَثِيرًا وَرِزْقًا وَاسِعًا ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَبَخِلَ بِهِ وَأَمْسَكَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَقَلَّبَ بِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ يَمِينًا وَشِمَالًا هَكَذَا وَهَكَذَا سِرًّا وَجِهَارًا .
وَأَمَّا الْمَعْنَى عَلَى ضَرْبِ الْمَثَلِ لِلْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ هُوَ الصَّبِيُّ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لِغِرَارَتِهِ وَجَهَالَتِهِ ، كَمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } .
وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } لِلَّهِ .
وَقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ بَيَّنَّاهُ فِي قَانُونِ التَّأْوِيلِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ فِيهِ ، وَقَالَ : { فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ } [ يَعْنِي لَا تَضْرِبُوا ] أَنْتُمْ الْأَمْثَالَ لِلَّهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَيُرِيدُ ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا تَقُولُونَ وَمَا تُرِيدُونَ ، إلَّا إذَا عَلِمْتُمْ وَأَذِنَ لَكُمْ فِي الْقَوْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } : إثْبَاتٌ فِي نَكِرَةٍ ، فَلَيْسَ يَقْتَضِي الشُّمُولَ ، وَلَا يُعْطِي الْعُمُومَ ؛ وَإِنَّمَا يُفِيدُ وَاحِدًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ يَقْدِرُ بِأَنْ يُقْدِرَهُ مَوْلَاهُ ، فَيَنْقَسِمُ حَالُ الْعَبِيدِ الْمَمَالِيكِ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يَكُونُ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ لَا يَقْدِرُ .
الثَّانِي : أَنْ يَقْدِرَ بِأَنْ تُوضَعَ لَهُ الْقُدْرَةُ ، وَيُمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقْدِرُ وَإِنْ أُقْدِرَ وَلَا يَمْلِكُ وَإِنْ مُلِّكَ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .
وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، فَلَا يَمْلِكُ .
أَصْلُهُ الْبَهِيمَةُ قَالَ أَهْلُ خُرَاسَانَ : وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ تُنَافِي الْمَالِكِيَّةَ ؛ فَإِنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ تَقْتَضِي الْحَجْرَ وَالْمَنْعَ ، وَالْمَالِكِيَّةَ تَقْتَضِي الْإِذْنَ وَالْإِطْلَاقَ ؛ فَلَمَّا تَنَاقَضَا لَمْ يَجْتَمِعَا .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْحَيَاةَ وَالْآدَمِيَّةَ عِلَّةُ الْمِلْكِ ، فَهُوَ آدَمِيٌّ حَيٌّ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ كَالْحُرِّ ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ الرِّقُّ عُقُوبَةً ، فَصَارَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ حَقُّ الْحَجْرِ ، وَذِمَّتُهُ خَالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَفَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ فِي الْمَالِكِيَّةِ بِعِلَّةِ الْحَيَاةِ وَالْآدَمِيَّةِ وَبَقَاءِ ذِمَّتِهِ خَالِيَةً عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } ، فَأَضَافَ الْمَالَ إلَى الْعَبْدِ ، وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ ، وَجَعَلَهُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ إضَافَةُ مَحَلٍّ ، كَمَا يُقَالُ سَرْجُ الدَّابَّةِ وَبَابُ الدَّارِ ، فَيُضَافُ ذَلِكَ إلَيْهَا ، إضَافَةَ مَحَلٍّ لَا إضَافَةَ تَمْلِيكٍ .
قُلْنَا : إنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ إضَافَةُ مَحَلٍّ ؛ لِأَنَّ
الدَّابَّةَ وَالدَّارَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْمِلْكُ وَلَا يَصِحُّ لَهُمَا التَّمْلِيكُ ؛ بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ آدَمِيٌّ حَيٌّ ، فَصَحَّ أَنْ يَمْلِكَ وَيُمَلَّكَ ، وَجَازَ أَنْ يَقْدِرَ وَيُقْدَرَ .
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لِرَأْيِهِمْ الْمُفْسِدُ لِكَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي النِّكَاحِ جَازَ ، فَنَقُولُ : مَنْ مَلَكَ الْأَبْضَاعَ مَلَكَ الْمَتَاعَ كَالْحُرِّ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبُضْعَ أَشْرَفُ مِنْ الْمَالِ ، فَإِذَا مَلَكَ الْبُضْعَ بِالْإِذْنِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَمْلِكَ الْمَالَ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي الْحُرْمَةِ بِالْإِذْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا جَازَ لَهُ النِّكَاحُ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يَشْتَهِي طَبْعًا ؛ فَلَوْ مَنَعْنَاهُ اسْتِيفَاءَ شَهْوَتِهِ الْجِبِلِّيَّةِ لَأَضْرَرْنَا بِهِ ، وَلَوْ سَلَّطْنَاهُ عَلَى اقْتِضَائِهَا بِصِفَةِ الْبَهَائِمِ ، لَعَطَّلْنَا التَّكْلِيفَ ؛ فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى الْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ لَهُ ؛ إذْ لَا يَصِحُّ الِانْتِفَاعُ بِالْبُضْعِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، بِخِلَافِ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ يُسْتَبَاحُ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ بِالْأَكْلِ وَاللِّبَاسِ وَالرُّكُوبِ ، وَيَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ دُونَ التَّمْلِيكِ ، وَهَذِهِ عُمْدَتُهُمْ .
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهَا عُلَمَاؤُنَا بِأَجْوِبَةٍ كَثِيرَةٍ ؛ عُمْدَتُهَا أَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تُبِيحُ الْفُرُوجَ ، وَإِنَّمَا إبَاحَتُهَا فِي الْأَصْلِ طَلَبًا لِلنَّسْلِ بِتَكْثِيرِ الْخَلْقِ ، وَتَنْفِيذًا لِلْوَعْدِ ؛ فَبِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وُضِعَتْ إبَاحَتُهَا ، وَشُرِعَ النِّكَاحُ لِاسْتِبْقَائِهَا .
فَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا أُبِيحَتْ ضَرُورَةً غَلَطٌ .
وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ النِّكَاحَ لَوْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ بِالضَّرُورَةِ لَتَقَدَّرَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا نِكَاحُ وَاحِدَةٍ .
فَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهَا رُبَّمَا لَا تَعْصِمُهُ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّكُمْ أَنْ تُبَلِّغُوهُ إلَى أَرْبَعٍ ، كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ اسْتَدْلَلْنَا بِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا جَرَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، لَا بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ .
وَأَمَّا
قَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَمْلُوكِيَّةَ تُنَاقِضُ الْمَالِكِيَّةَ عَلَى مَا بَسَطُوهُ ، فَلَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُنَاقِضُهَا إذَا تَقَابَلَتَا بِالْبُدَاءَةِ .
فَأَمَّا إذْ كَانَ الْحَجْرُ طَارِئًا بِالرِّقِّ ، وَكَانَ الْأَصْلُ بِالْحَيَاةِ وَالْآدَمِيَّةِ الْإِطْلَاقُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْفَعَ الْمَالِكُ لِلْحَجْرِ حُكْمَهُ بِالْإِذْنِ ، كَمَا يَرْتَفِعُ فِي النِّكَاحِ .
وَلَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْ هَذَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بُيُوتِكُمْ } : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ لِسُلُوكِ سَبِيلِ الْمَعَارِفِ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك فَهُوَ سَقْفٌ ، وَكُلَّ مَا أَقَلَّك فَهُوَ أَرْضٌ ، وَكُلَّ مَا سَتَرَك مِنْ جِهَاتِك الْأَرْبَعِ فَهُوَ جِدَارٌ ، فَإِذَا انْتَظَمَتْ وَاتَّصَلَتْ فَهُوَ بَيْتٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { سَكَنًا } : يَعْنِي مَحَلًّا تَسْكُنُونَ فِيهِ ، وَتَهْدَأُ جَوَارِحُكُمْ عَنْ الْحَرَكَةِ ، وَقَدْ تَتَحَرَّكُ فِيهِ ، وَتَسْكُنُ فِي غَيْرِهِ ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ خَرَجَ فِيهِ عَلَى غَالِبِ الْحَالِ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَرَكَةَ تَكُونُ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْبَيْتِ ، فَإِذَا عَادَ الْمَرْءُ إلَيْهِ سَكَنَ .
وَبِهَذَا سُمِّيَتْ مَسَاكِنُ لِوُجُودِ السُّكُونِ فِيهَا فِي الْأَغْلَبِ ، وَعُدَّ هَذَا فِي جُمْلَةِ النِّعَمِ ، فَإِنَّهُ لَوْ خُلِقَ الْعَبْدُ مُضْطَرِبًا أَبَدًا كَالْأَفْلَاكِ لَكَانَ ذَلِكَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ ، وَلَوْ خُلِقَ سَاكِنًا كَالْأَرْضِ لَكَانَ كَمَا خُلِقَ وَأَرَادَ ، وَلَكِنَّهُ أَوْجَدَهُ خَلْقًا يَتَصَرَّفُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَيَخْتَلِفُ حَالُهُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، وَرَدَّدَهُ بَيْنَ كَيْفَ وَأَيْنَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا } : يَعْنِي جُلُودَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، فَإِنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْهَا بُيُوتًا ، وَهِيَ الْأَخْبِيَةُ ، فَتُضْرَبُ فَيُسْكَنُ فِيهَا ، وَيَكُونُ بُنْيَانًا عَالِيهَا وَنَوَاحِيهَا ، وَهَذَا أَمْرٌ انْتَشَرَ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ ، وَعَرِيَتْ عَنْهُ بِلَادُنَا ، فَلَا تُضْرَبُ الْأَخْبِيَةُ إلَّا مِنْ الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ .
وَقَدْ { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبَّةً مِنْ أَدَمٍ } ، وَنَاهِيَك بِأَدِيمِ
الطَّائِفِ غَلَاءً فِي الْقِيمَةِ ، وَاعْتِلَاءً فِي الصِّفَةِ ، وَحُسْنًا فِي الْبَشَرَةِ .
وَلَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَفًا وَلَا رَآهُ سَرَفًا ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ ، وَأَذِنَ فِيهِ مِنْ مَتَاعِهِ ، وَظَهَرَتْ وُجُوهُ مَنْفَعَتِهِ فِي الِاكْتِنَانِ وَالِاسْتِظْلَالِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْهُ جِنْسُ الْإِنْسَانِ .
وَمِنْ غَرِيبِ مَا جَرَى أَنِّي زُرْت بَعْضَ الْمُتَزَهِّدِينَ مِنْ الْغَافِلِينَ مَعَ بَعْضِ رِجَالِ الْمُحَدِّثِينَ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي خِبَاءِ كَتَّانٍ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ صَاحِبِي الْمُحَدِّثُ أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ ضَيْفًا ، وَقَالَ : إنَّ هَذَا مَوْضِعٌ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرُّ ، وَالْبَيْتُ أَرْفَقُ بِك ، وَأَطْيَبُ لِنَفْسِي فِيك .
فَقَالَ لَهُ : هَذَا الْخِبَاءُ لَنَا كَثِيرٌ ، وَكَانَ فِي صِنْفِهَا مِنْ الْحَقِيرِ .
فَقُلْت لَهُ : لَيْسَ كَمَا زَعَمْت ، قَدْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَئِيسُ الزُّهَّادِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ طَائِفِيٍّ يُسَافِرُ مَعَهَا ، وَيَسْتَظِلُّ بِهَا ، فَبَهَتَ وَرَأَيْته عَلَى مَنْزِلَةٍ مِنْ الْعِيِّ ، فَتَرَكْته مَعَ صَاحِبِي ، وَخَرَجْت عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } : أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالِانْتِفَاعِ بِصُوفِ الْغَنَمِ ، وَوَبَرِ الْإِبِلِ ، وَشَعْرِ الْمَعْزِ ، كَمَا أَذِنَ فِي الْأَعْظَمِ ، وَهُوَ ذَبْحُهَا وَأَكْلُ لُحُومِهَا .
كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ لَنَا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ الِانْتِفَاعِ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { أَثَاثًا } : هُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ آلَةٍ ، وَيَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي تَصْرِيفِ مَنَافِعِهِ مِنْ حَاجَةٍ ، وَمِنْهُ أَثَاثُ الْبَيْتِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الْكَثْرَةِ ، يُقَالُ : أَثَّ النَّبْتُ يَئِثُّ ، إذَا كَثُرَ ، وَكَذَلِكَ الشَّعْرُ يُقَالُ : شَعْرٌ أَثِيثٌ ، إذَا كَانَ كَثِيرًا مُلْتَفًّا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَتَاعًا } : وَهُوَ كُلُّ مَا
انْتَفَعَ بِهِ الْمَرْءُ فِي مَصَالِحِهِ ، وَصَرَفَهُ فِي حَوَائِجِهِ ، يُقَالُ : تَمَتَّعَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ إذَا نَالَ لَذَّتَهُ ، وَبِبَدَنِهِ إذَا وَجَدَ صِحَّتَهُ ، وَبِأَهْلِهِ إذَا أَصَابَ حَاجَتَهُ ، وَبِبَنِيهِ إذَا ظَهَرَ بِنُصْرَتِهِمْ ، وَبِجِيرَتِهِ إذَا رَأَى مَنْفَعَتَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إلَى حِينٍ } : وَاخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ : إلَى أَنْ يَفْنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِاسْتِعْمَالِ .
وَقِيلَ : إلَى حِينِ الْمَوْتِ .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ التَّأْوِيلِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ ، وَالشَّعْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهَا إذْ الْمَوْتُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى يَحِلُّ بَعْدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ ، وَلَمْ تَكُنْ الْحَيَاةُ فِي الصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ فَيَخْلُفُهَا الْمَوْتُ فِيهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَحْرُمُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتَةِ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ يَحِلُّ بِبَعْضِهَا .
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْمَيْتَةَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِالْحَقِيقَةِ إلَى مَا فِيهِ حَيَاةٌ ، فَنَحْنُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا نَعْدِلُ عَنْهَا إلَى سِوَاهَا .
وَقَدْ تَعَلَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ بِأَنَّ الْمَوْتَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ الصُّوفَ وَالْوَبَرَ وَالشَّعْرَ ، وَلَكِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْجُثَّةِ تَتَعَدَّى إلَى هَذِهِ الْأَجْزَاءِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَرْشِ ، وَتَتْبَعُهَا فِي حُكْمِ الْإِحْرَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ وَالتَّنْجِيسُ .
وَتَحْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ : حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَجْزَاءِ مِنْ الْجُمْلَةِ ، أَصْلُهُ سَائِرُ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهَذَا لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ مَعَنَا ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ ، فَلَئِنْ شَهِدَ لَهُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى اتِّبَاعِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ لِلْجُمْلَةِ فَلْيَشْهَدَنَّ لَنَا بِانْفِصَالِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْحُكْمُ الْأَكْبَرُ ، وَهِيَ إبَانَتُهَا عَنْ الْجُثَّةِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَإِزَالَتُهَا مِنْهَا ، وَهُوَ دَلِيلٌ
يُعَضِّدُنَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَجْزَاءُ تَابِعَةً فِي الْجُمْلَةِ لَتَنَجَّسَتْ بِإِبَانَتِهَا عَنْهَا ، كَأَجْزَاءِ الْأَعْضَاءِ ؛ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَحْكَامُ وَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْحَقِيقَةِ ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَعَلَّقُوا بِهَا لَا حُجَّةَ فِيهَا ؛ أَمَّا الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقَانِ بِاللَّذَّةِ ، وَهِيَ فِي الشَّعْرِ كَمَا تَكُونُ فِي الْبَدَنِ .
وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِلْقَاءِ التَّفَثِ ، وَإِذْهَابِ الزِّينَةِ ، وَالشَّعْرِ مِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ .
وَأَمَّا الْأَرْشُ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِبْطَالِ الْجَمَالِ تَارَةً وَإِبْطَالِ الْمَنْفَعَةِ أُخْرَى ، وَالْجَمَالُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا مَوْجُودَانِ فِي الشَّعْرِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ وَالتَّنْجِيسِ ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ ، وَلَيْسَ لِلصُّوفِ وَلَا لِلْوَبَرِ وَلَا لِلشَّعْرِ مَدْخَلٌ بِحَالٍ .
وَقَدْ عَوَّلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إمَامُ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةِ ، يُنَمَّى بِنَمَائِهِ ، فَيَنْجُسُ بِمَوْتِهِ ، كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ .
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ النَّمَاءَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الْحَيَاةِ ؛ فَإِنَّ النَّبَاتَ يُنَمَّى وَلَيْسَ بِحَيٍّ ، وَإِذَا عَوَّلُوا عَلَى النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْحَيَوَانِ عَوَّلْنَا عَلَى الْإِبَانَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِحْسَاسِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَيَاةِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَأَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَتَحَصَّلُ الْعِلْمُ لَكُمْ ، وَيَخْلُصُ مِنْ الْأَشْكَالِ عِنْدَكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } : وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُطْنَ وَلَا الْكَتَّانَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، وَإِنَّمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَخُوطِبُوا فِيمَا عَرَفُوا بِمَا فَهِمُوا ، وَمَا قَامَ مَقَامَ هَذِهِ وَنَابَ مَنَابَهَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالنِّعْمَةِ مَدْخَلَهَا ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ } ؛ فَخَاطَبَهُمْ بِالْبَرَدِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ نُزُولَهُ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِهِمْ ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعًا فِي التَّطْهِيرِ فَقَالَ : { اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ ، وَنَقِّنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا ، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ الدَّنِسُ بِالْمَاءِ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : عَدَّدَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ نِعَمِهِ مَا شَرَحَ فِيهَا ، فَمِنْهَا الظِّلَالُ تَقِي مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ الَّذِي لَا تَحْتَمِلُهُ الْأَبْدَانُ ، وَلَا يَبْقَى مَعَهُ ، وَلَا دُونَهُ الْإِنْسَانُ ، مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ وَغَمَامٍ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْجِبَالُ ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : خَلَقَهَا اللَّهُ عُدَّةً لِلْخَلْقِ ، يَأْوُونَ إلَيْهَا ، وَيَتَحَصَّنُونَ بِهَا ، وَيَعْتَزِلُونَ الْخَلْقَ فِيهَا ، فَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَبَّدُ بِغَارِ حِرَاءٍ ، وَيَمْكُثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ خَرَجَ مُهَاجِرًا إلَى رَبِّهِ ، هَارِبًا مِنْ قَوْمِهِ ، فَارًّا بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَاسْتَحْصَنَ بِغَارِ ثَوْرٍ ، وَأَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ مَعَ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ أَمْضَى هِجْرَتَهُ ، وَأَنْفَذَ عَزْمَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ هِجْرَتِهِ } .
وَقَدْ قِيلَ : أَرَادَ بِهِ السَّهْلَ وَالْجِبَالَ ، وَلَكِنَّهُ حَذَفَ أَحَدَهُمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي وَكَمَا قَالَ فِي الْحَرِّ بَعْدَ هَذَا : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ } أَرَادَ وَالْبَرْدَ ، فَحُذِفَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ } : وَالسِّرْبَالُ : كُلُّ مَا سَتَرَ بِاللِّبَاسِ مِنْ ثَوْبٍ مِنْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ .
وَهَذِهِ نِعْمَةٌ أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ خَلَقَهُ عَارِيًّا ، ثُمَّ جَعَلَهُ بِنِعْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَاسِيًا ؛ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ سَرَابِيلُهَا جُلُودُهَا أَوْ مَا يَكُونُ مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ عَلَيْهَا ؛ فَشَرَّفَ الْآدَمِيَّ بِأَنْ كُسِيَ مِنْ أَجْزَاءٍ سِوَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } : يَعْنِي دُرُوعَ الْحَرْبِ ؛ مَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى الْعِبَادِ عُدَّةً لِلْجِهَادِ ، وَعَوْنًا عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَعَلَّمَهَا ، كَمَا عَلَّمَ صَنْعَةَ غَيْرِهَا ، وَلَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ظَاهَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بَيْنَ دِرْعَيْنِ ، تُقَاةَ الْجِرَاحَةِ ، وَإِنْ كَانَ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ ، كَمَا يَعُدُّ السَّيْفَ وَالرُّمْحَ وَالسَّهْمَ لِلْقَتْلِ بِهَا لِغَيْرِهِ ، وَالْمُدَافَعَةِ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ ، ثُمَّ يُنْفِذُ اللَّهُ مَا شَاءَ مِنْ حُكْمِهِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ يَسْتَقْتِلَ مَعَ الْأَعْدَاءِ ، وَلَا بِأَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْحُتُوفِ ، وَلَكِنَّهُ يُقَاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةَ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ، وَيَأْخُذُ حِذْرَهُ ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ، وَيُعْطِيه اللَّهُ بَعْدُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ } بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى [ قِرَاءَةِ ] مَنْ قَرَأَهَا كَذَلِكَ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالضَّمِّ فَمَعْنَاهُ لَعَلَّكُمْ تَنْقَادُونَ إلَى طَاعَتِهِ شُكْرًا عَلَى نِعْمَتِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " قَوْله تَعَالَى : " بِالْعَدْلِ " : وَهُوَ مَعَ الْعَالَمِ ، وَحَقِيقَتُهُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ طَرَفَيْ النَّقِيضِ ، وَضِدُّهُ الْجَوْرُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَارِيَ خَلَقَ الْعَالَمَ مُخْتَلِفًا مُتَضَادًّا مُتَقَابِلًا مُزْدَوِجًا ، وَجَعَلَ الْعَدْلَ فِي اطِّرَادِ الْأُمُورِ بَيْنَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ جَارِيًا فِيهِ عَلَى الْوَسَطِ فِي كُلِّ مَعْنًى ، فَالْعَدْلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ إيثَارُ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ ، وَتَقْدِيمُ رِضَاهُ عَلَى هَوَاهُ ، وَالِاجْتِنَابُ لِلزَّوَاجِرِ ، وَالِامْتِثَالُ لِلْأَوَامِرِ .
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَمَنْعُهَا عَمَّا فِيهِ هَلَاكُهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى } وَعُزُوبُ الْأَطْمَاعِ عَنْ الِاتِّبَاعِ ، وَلُزُومُ الْقَنَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَمَعْنًى .
وَأَمَّا الْعَدْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فَفِي بَذْلِ النَّصِيحَةِ ، وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِك لَهُمْ بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَلَا يَكُونُ مِنْك إلَى أَحَدٍ مَسَاءَةٌ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ ، لَا فِي سِرٍّ وَلَا فِي عَلَنٍ ، حَتَّى بِالْهَمِّ وَالْعَزْمِ ، وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُصِيبُك مِنْهُمْ مِنْ الْبَلْوَى ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِك وَتَرْكُ الْأَذَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْإِحْسَانُ : وَهُوَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ : فَأَمَّا فِي الْعِلْمِ فَبِأَنْ تَعْرِفَ حُدُوثَ نَفْسِك وَنَقْصَهَا ، وَوُجُوبَ الْأَوَّلِيَّةِ لِخَالِقِهَا وَكَمَالِهِ .
وَأَمَّا الْإِحْسَانُ فِي الْعَمَلِ فَالْحَسَنُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، حَتَّى إنَّ الطَّائِرَ فِي سِجْنِك ، وَالسِّنَّوْرَ فِي دَارِك ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقَصِّرَ فِي تَعَهُّدِهِ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ النَّارَ فِي
هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا لَا هِيَ سَقَتْهَا وَلَا أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ } .
وَيُقَالُ : الْإِحْسَانُ أَلَّا تَتْرُكَ لِأَحَدٍ حَقًّا ، وَلَا تَسْتَوْفِيَ مَا لَك .
وَقَدْ { قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك } .
وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا تَعْتَقِدُهُ الصُّوفِيَّةُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَالْيَقِينُ بِأَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْك ؛ فَلَيْسَ مِنْ الْأَدَبِ أَنْ تَعْصِيَ مَوْلَاك بِحَيْثُ يَرَاك .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } : يَعْنِي : فِي صِلَةِ الرَّحِمِ ، وَإِيفَاءِ الْحُقُوقِ ؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْعَدْلُ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ .
وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ إيتَاءُ حُقُوقِ الْخَلْقِ إلَيْهِمْ .
وَإِنَّمَا خَصَّ ذَوِي الْقُرْبَى ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ أَوْكَدُ ، وَصِلَتَهُمْ أَوْجَبُ ، لِتَأْكِيدِ حَقِّ الرَّحِمِ الَّتِي اشْتَقَّ اللَّهُ اسْمَهَا مِنْ اسْمِهِ ، وَجَعَلَ صِلَتَهَا مِنْ صِلَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْفَحْشَاءُ : وَذَلِكَ كُلُّ قَبِيحٍ ، مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَغَايَتُهُ الزِّنَا ؛ وَالْمُنْكَرُ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ ؛ وَالْبَغْيُ هُوَ الْكِبْرُ وَالظُّلْمُ وَالْحَسَدُ وَالتَّعَدِّي ، وَحَقِيقَتُهُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ ، مِنْ بَغَى الْجُرْحُ .
فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هَذِهِ أَجْمَعُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِخَيْرٍ يُمْتَثَلُ وَشَرٍّ يُجْتَنَبُ ، وَأَرَادَ مَا قَالَ قَتَادَةُ : إنَّهُ لَيْسَ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ إلَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَلَا مِنْ خُلُقٍ سَيِّئٍ كَانُوا يَتَعَايَرُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَنْ يُرِيدَ الْخَيْرَ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ ؛ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَيَزْدَادُ إيمَانًا ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَيَتَبَدَّلُ إسْلَامًا ، وَمُوَالَاةُ الْخَلْقِ بِالْبِشْرِ وَالسِّيَاسَةِ .
وَلِهَذَا يُرْوَى أَنَّ عِيسَى عَرَضَ لَهُ كَلْبٌ أَوْ خِنْزِيرٌ فَقَالَ لَهُ :
اذْهَبْ بِسَلَامٍ ، إشَارَةً إلَى تَرْكِ الْإِذَايَةِ حَتَّى فِي الْحَيَوَانِيَّةِ الْمُؤْذِيَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي ذِكْرِ الْعَهْدِ وَالْوَفَاءِ بِهِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَالرَّعْدِ شَرْحُهُ وَأَشَرْنَا إلَيْهِ حَيْثُ وَقَعَ ذِكْرُهُ بِمَا أَمْكَنَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : أَمَّا التَّوْكِيدُ فَهُوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِرَارًا ، يُرَدِّدُ فِيهِ الْأَيْمَانَ يَمِينًا بَعْدَ يَمِينٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ، يَحْلِفُ بِذَلِكَ مِرَارًا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : كَفَّارَةُ ذَلِكَ وَاحِدَةٌ [ إنَّمَا عَلَيْهِ ] مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : هِيَ فِي الْعُهُودِ ، وَالْعَهْدُ يَمِينٌ ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَهْدَ لَا يُكَفِّرُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ ، يُقَالُ : هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ } .
وَأَمَّا الْيَمِينُ فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ مُخَلِّصَةً مِنْهَا ، وَحَالَّةُ مَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : التَّوْكِيدُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَرَّرَةِ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنْ حَلَفَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَأَوْضَحْنَا صِحَّةَ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ ، وَضَعْفَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إنْ كَرَّرَ الْيَمِينَ مِرَارًا أَوْ كَثَّرَهَا أَعْدَادًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّوْحِيدِ ، أَوْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ مَعَ التَّوْحِيدِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ قَصَدَ التَّوْكِيدَ مَعَ تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : تَكُونُ يَمِينَيْنِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : تَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَفَّارَتَيْنِ .
وَتَعَلَّقَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا تَثْنِيَةُ يَمِينٍ ، فَتَثْنِيَةُ الْكَفَّارَةِ أَصْلٌ ، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَهَا بِذَلِكَ .
وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَصَدَ الْكَفَّارَةَ فَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْكَفَّارَةَ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى تَثْنِيَةِ الْيَمِينِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى كَفَّارَتَيْنِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَوْ شَيْئَيْنِ ، فَإِنَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً تُجْزِيهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : انْتَهَى الْعِيُّ بِقَوْمٍ إلَى أَنْ قَالُوا : إنَّ الْقَارِئَ إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حِينَئِذٍ يَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : إذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَعَوَّذَ بِاَللَّهِ ، وَتَأَوَّلُوا ظَاهِرَ " إذَا قَرَأْت " عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَدْت ، كَمَا قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } مَعْنَاهُ ، إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ ، وَكَقَوْلِهِ : إذَا أَكَلْت فَسَمِّ اللَّهَ ؛ مَعْنَاهُ : إذَا أَرَدْت الْأَكْلَ .
وَحَقِيقَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ " فَعَلَ " يَحْتَمِلُ ابْتَدَأَ الْفِعْلَ ، وَيَحْتَمِلُ تَمَادِيهِ فِي الْفِعْلِ ، وَيَحْتَمِلُ تَمَامَهُ لِلْفِعْلِ .
وَحَقِيقَتُهُ تَمَامُ الْفِعْلِ وَفَرَاغُهُ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ قَوْمٍ أَنَّ حَقِيقَتَهُ كَانَ فِي الْفِعْلِ ، وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمَاضِي هُوَ فَعَلَ ، كَمَا أَنَّ بِنَاءَ الْحَالِ هُوَ يَفْعَلُ ، وَهُوَ بِنَاءُ الْمُسْتَقْبَلِ بِعَيْنِهِ .
وَيُخَلِّصُهُ لِلْحَالِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِك الْآنَ ، وَيُخَلِّصُهُ لِلِاسْتِقْبَالِ قَوْلُك سَيَفْعَلُ ، هَذَا مُنْتَهَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ .
وَإِذَا قُلْنَا : قَرَأَ ، بِمَعْنَى أَرَادَ ، كَانَ مَجَازًا ، وَوَجَدْنَا مُسْتَعْمَلًا ، وَلَهُ مِثَالٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَمَا الْفَائِدَةُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَقْتَ الْقِرَاءَةِ ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قُلْنَا : فَائِدَتُهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ؛ وَلَيْسَ لِلشَّرْعِيَّاتِ فَائِدَةٌ إلَّا الْقِيَامُ بِحَقِّ الْوَفَاءِ فِي امْتِثَالِهَا أَمْرًا ، أَوْ اجْتِنَابِهَا نَهْيًا .
وَقَدْ قِيلَ : فَائِدَتُهَا الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّتِهِ } يَعْنِي فِي تِلَاوَتِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا
ذَلِكَ فِي جُزْءِ تَنْبِيهِ الْغَبِيِّ عَلَى مِقْدَارِ النَّبِيِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ ، ثُمَّ يَقُولُ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، وَتَبَارَكَ اسْمُك ، وَتَعَالَى جَدُّك ، وَلَا إلَهَ غَيْرُك ، ثُمَّ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، ثَلَاثًا .
ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، ثَلَاثًا ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ } ، ثُمَّ يَقْرَأُ .
هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، وَاللَّفْظُ لَهُ .
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ } ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَرَى الْقِرَاءَةَ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ بِمُطْلَقِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَتَعَوَّذُ فِي الْفَرِيضَةِ ، وَيَتَعَوَّذُ فِي النَّافِلَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي قِيَامِ رَمَضَانَ .
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ : " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ إسْكَاتَةً فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إسْكَاتُك بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ فِيهِ ؟ قَالَ : أَقُولُ : اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ، كَمَا بَاعَدْت بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ } .
وَمَا أَحَقَّنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ ، لَوْلَا غَلَبَةُ الْعَامَّةِ عَلَى الْحَقِّ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ بِمَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ الْعَمَلِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَك أَنَّ
أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يُفْعَلُ سِرًّا ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ جَهْرًا .
وَمِنْ أَغْرَبِ مَا وَجَدْنَاهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } الْآيَةَ قَالَ : ذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ لِمَنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ ، وَلَا يُعَضِّدُهُ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْآيَةِ ، وَحَقِيقَتَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ لَكَانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ دَعْوَى عَرِيضَةً لَا تُشْبِهُ أُصُولَ مَالِكٍ ، وَلَا فَهْمَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسِرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضٍ مِنْ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ كَبِيرَةٌ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَهَا إيمَانٌ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ، وَالْكَافِرُ أَوْ الْمُرْتَدُّ هُوَ الَّذِي جَرَى بِالْكُفْرِ لِسَانُهُ ، مُخْبِرًا عَمَّا انْشَرَحَ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ صَدْرُهُ ، فَعَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ الْغَضَبُ ، وَلَهُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ، إلَّا مَنْ أُكْرِهَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَذَكَرَ اسْتِثْنَاءَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ عَنْ إكْرَاهٍ ، وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَى ذَلِكَ قَلْبَهُ ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْحُكْمِ ، مَعْذُورٌ فِي الدُّنْيَا ، مَغْفُورٌ فِي الْأُخْرَى .
وَالْمُكْرَهُ : هُوَ الَّذِي لَمْ يُخَلَّ وَتَصْرِيفَ إرَادَتِهِ فِي مُتَعَلِّقَاتِهَا الْمُحْتَمِلَةِ لَهَا ، فَهُوَ مُخْتَارٌ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ بَقِيَ لَهُ فِي مَجَالِ إرَادَتِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَهُوَ مُكْرَهٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ حُذِفَ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِرَادَةِ مَا كَانَ تَصَرُّفُهَا يَجْرِي عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِكْرَاهِ ، وَسَبَبُ حَذْفِهَا قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ ؛ فَالْقَوْلُ هُوَ التَّهْدِيدُ ، وَالْفِعْلُ هُوَ أَخْذُ الْمَالِ ، أَوْ الضَّرْبُ ، أَوْ السَّجْنُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّهْدِيدِ ، هَلْ هُوَ إكْرَاهٌ أَمْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إكْرَاهٌ ؛ فَإِنَّ الْقَادِرَ الظَّالِمَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ : إنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك ، أَوْ ضَرَبْتُك ، أَوْ أَخَذْت مَالَك ، أَوْ سَجَنْتُك ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْمِيهِ إلَّا اللَّهَ ، فَلَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْفِعْلِ ، وَيُسْقِطَ عَنْهُ الْإِثْمَ فِي
الْجُمْلَةِ ، إلَّا فِي الْقَتْلِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ ؛ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الْبَلَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَاخْتُلِفَ فِي الزِّنَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ ، فَإِنَّهُ أَلْزَمَهُ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا شَهْوَةٌ خُلُقِيَّةٌ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهَا إكْرَاهٌ ، وَلَكِنَّهُ غَفَلَ عَنْ السَّبَبِ فِي بَاعِثِ الشَّهْوَةِ ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ .
وَإِنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى شَهْوَةٍ بَعَثَ عَلَيْهَا سَبَبٌ اخْتِيَارِيٌّ ، فَقَاسَ الشَّيْءَ عَلَى ضِدِّهِ ، فَلَمْ يَحِلَّ بِصَوَابٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَأَمَّا الْكُفْرُ بِاَللَّهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَلْفِظَ بِلِسَانِهِ ، وَقَلْبُهُ مُنْشَرِحٌ بِالْإِيمَانِ ، فَإِنْ سَاعَدَ قَلْبُهُ فِي الْكُفْرِ لِسَانَهُ كَانَ آثِمًا كَافِرًا ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا سُلْطَانَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ ، وَإِنَّمَا سُلْطَتُهُ عَلَى الظَّاهِرِ ؛ بَلْ قَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ إذَا تَلَفَّظَ بِالْكُفْرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ إلَّا جَرَيَانَ الْمَعَارِيضِ ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ كَافِرًا أَيْضًا .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ الْمَعَارِيضَ أَيْضًا لَا سُلْطَانَ لِلْإِكْرَاهِ عَلَيْهَا ، مِثَالُهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : اُكْفُرْ بِاَللَّهِ ، فَيَقُولُ : أَنَا كَافِرٌ بِاَللَّهِ ، يُرِيدُ بِاللَّاهِي ، وَيَحْذِفُ الْيَاءَ كَمَا تُحْذَفُ مِنْ الْغَازِي وَالْقَاضِي وَالرَّامِي ، فَيُقَالُ : الْغَازِ وَالْقَاضِ ذَرَّةً .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ لَهُ : اُكْفُرْ بِالنَّبِيِّ ، فَيَقُولُ : هُوَ كَافِرٌ بِالنَّبِيِّ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِالنَّبِيِّ الْمَكَانَ الْمُرْتَفِعَ مِنْ الْأَرْضِ .
فَإِنْ قِيلَ لَهُ : اُكْفُرْ بِالنَّبِيءِ مَهْمُوزًا ، يَقُولُ : أَنَا كَافِرٌ بِالنَّبِيءِ بِالْهَمْزِ ، وَيُرِيدُ بِهِ الْمُخَبِّرَ أَيَّ مُخَبِّرٍ كَانَ ، أَوْ
يُرِيدُ بِهِ النَّبِيءَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ : فَأَصْبَحَ رَتْمًا دُقَاقَ الْحَصَى مَكَانَ النَّبِيءِ مِنْ الْكَاثِبِ وَلِذَلِكَ يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ زَمَنِ فِتْنَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ دُعِيَ إلَى أَنْ يَقُولَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ يُعَدِّدُهُنَّ بِيَدِهِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَخْلُوقَةٌ ، يَقْصِدُ هُوَ بِقَلْبِهِ أَصَابِعَهُ الَّتِي عَدَّدَ بِهَا ، وَفَهِمَ الَّذِي أَكْرَهَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْكُتُبَ الْأَرْبَعَةَ الْمُنَزَّلَةَ مِنْ اللَّهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ، فَخَلَصَ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَضُرَّهُ فَهْمُ الَّذِي أَكْرَهَهُ .
وَلَمَّا كَانَ هَذَا أَمْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ ، مَشْهُورًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَلَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُ اللُّغَةِ وَرَئِيسُهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ كِتَابَ الْمَلَاحِنِ لِلْمُكْرَهِينَ ، فَجَاءَ بِبِدَعٍ فِي الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ رَكَّبَ عَلَيْهِ الْمُفْجِعَ الْكَابِتَ ، فَجَمَعَ فِي ذَلِكَ مَجْمُوعًا وَافِرًا حَسَنًا ، اسْتَوْلَى فِيهِ عَلَى الْأَمَدِ ، وَقَرْطَسَ الْغَرَضَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ بِقَبِيحٍ لِعَيْنِهِ وَذَاتِهِ ؛ إذْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسَّنَهُ الْإِكْرَاهُ ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَقْبُحُ لِذَوَاتِهَا وَلَا تَحْسُنُ لِذَوَاتِهَا ؛ وَإِنَّمَا تَقْبُحُ وَتَحْسُنُ بِالشَّرْعِ ؛ فَالْقَبِيحُ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ ، وَالْحَسَنُ مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ الْوَاقِعَ اعْتِدَاءً يُمَاثِلُ الْقَتْلَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا فِي الصُّورَةِ وَالصِّفَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْغَافِلَ عَنْ سَبَبِهِمَا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الْإِيلَاجُ فِي الْفَرْجِ عَنْ نِكَاحٍ ، يُمَاثِلُ الْإِيلَاجَ عَنْ سِفَاحٍ فِي اللَّذَّاتِ وَالْحَرَكَاتِ ، إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِذْنُ ؛ وَكَذَلِكَ الْكُفْرُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ الْإِكْرَاهِ يُمَاثِلُ الصَّادِرَ عَنْ الِاخْتِيَارِ ؛ وَلَكِنْ فَرَّقَ
بَيْنَهُمَا إذْنُ الشَّرْعِ فِي أَحَدِهِمَا وَحَجْرُهُ فِي الْآخَرِ ، وَقَدْ أَحْكَمْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إنَّ الْكُفْرَ وَإِنْ كَانَ بِالْإِكْرَاهِ جَائِزًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ وَلَمْ يُفْتَتَنْ حَتَّى قُتِلَ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ آثَارُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَطُولُ سَرْدُهَا ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِذْنُ وَخَصَّهُ مِنْ اللَّهِ رِفْقًا بِالْخَلْقِ ، وَإِبْقَاءً عَلَيْهِمْ ، وَلِمَا فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ السَّمَاحَةِ ، وَنَفْيِ الْحَرَجِ ، وَوَضْعِ الْإِصْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَدْ آنَ الْآنَ أَنْ نَذْكُرَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْمَكِّيَّةِ ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَأُمِّهِ سُمَيَّةَ ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَقَوْمٍ أَسْلَمُوا ، فَفَتَنَهُمْ الْمُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ ، فَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَافْتُتِنَ بَعْضُهُمْ ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَلَاءِ وَلَمْ يَصْبِرْ بَعْضٌ ، فَقُتِلَتْ سُمَيَّةُ ، وَافْتُتِنَ عَمَّارٌ فِي ظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ ، وَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الثَّانِيَةُ : قَالَ عِكْرِمَةُ : نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يُمْكِنُهُمْ الْخُرُوجُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَخْرَجَهُمْ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُمْ كُرْهًا فَقُتِلُوا .
قَالَ : وَفِيهِمْ نَزَلَتْ : { إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } .
الثَّالِثَةُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ سَبْعَةٌ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَخَبَّابٌ وَعَمَّارٌ ، وَصُهَيْبٌ ، وَسُمَيَّةُ ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ ، وَأَوْقَفُوكُمْ فِي الشَّمْسِ ، فَبَلَغَ مِنْهُمْ الْجَهْدُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ ، مِنْ حَرِّ الْحَدِيدِ وَالشَّمْسِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعِشَاءِ أَتَاهُمْ أَبُو جَهْلٍ ، وَمَعَهُ حَرْبَةٌ فَجَعَلَ يَشْتُمُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ ، ثُمَّ أَتَى سُمَيَّةَ فَطَعَنَ بِالْحَرْبَةِ فِي قُبُلِهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ فَمِهَا ، فَهِيَ أَوَّلُ شَهِيدٍ اُسْتُشْهِدَ فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ : مَا سَأَلُوهُمْ إلَّا
بِلَالًا ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ ، فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك ، وَهُوَ يَقُولُ : أَحَدٌ أَحَدٌ ، حَتَّى مَلُّوهُ ، ثُمَّ كَتَّفُوهُ ، وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا مِنْ لِيفٍ ، وَدَفَعُوهُ إلَى صِبْيَانِهِمْ يَلْعَبُونَ بِهِ بَيْنَ أَخْشَبَيْ مَكَّةَ ، حَتَّى مَلُّوهُ وَتَرَكُوهُ ، فَقَالَ عَمَّارٌ : كُلُّنَا قَدْ تَكَلَّمَ بِاَلَّذِي قَالُوا لَهُ ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَدَارَكَنَا ، غَيْرَ بِلَالٍ ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ ، فَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ ، حَتَّى تَرَكُوهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَؤُلَاءِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا سَمَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُفْرِ بِهِ ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ ، عِنْدَ الْإِكْرَاهِ ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ بِهِ ، حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ ، فَإِذَا وَقَعَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ ، وَلَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ جَاءَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ : { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .
وَالْخَبَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلَ : مِنْهَا : قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي حَدِّ الزِّنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَمِنْهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدَمْ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّضَا ، وَلَيْسَ وُجُودُهُ بِشَرْطٍ فِي الطَّلَاقِ كَالْهَازِلِ .
وَهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ إلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ ، رَاضٍ بِهِ وَالْمُكْرَهُ غَيْرُ رَاضٍ بِهِ ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْقَتْلِ إذَا قَتَلَ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ ظُلْمًا اسْتِبْقَاءً لِنَفْسِهِ ، فَقُتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ الْجَمَاعَةُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَحْنُونٌ : لَا يُقْتَلُ ، وَهِيَ عَثْرَةٌ مِنْ سَحْنُونٍ وَقَعَ فِيهَا بِأَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّذِي تَلَقَّفَهَا عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْعِرَاقِ ، وَأَلْقَاهَا إلَيْهِ ، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِيَ نَفْسَهُ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : { الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَثْلَمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا ، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ : تَكُفَّهُ عَنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُك إيَّاهُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مِنْ غَرِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ عُلَمَاءَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ ، هَلْ يَقَعُ بِهِ أَمْ لَا ؟ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عِرَاقِيَّةٌ سَرَتْ لَنَا مِنْهُمْ ، لَا كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَلَا كَانُوا هُمْ ، وَأَيُّ فَرْقٍ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْيَمِينِ فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ وَبَيْنَ الْحِنْثِ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَرَاجِعُوا بَصَائِرَكُمْ ، وَلَا تَغْتَرُّوا بِذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا وَصْمَةٌ فِي الدِّرَايَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى إسْلَامِ أَهْلِهِ لِمَا لَا يَحِلُّ أَسْلَمَهَا ، وَلَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ دُونَهَا ، وَلَا احْتَمَلَ إذَايَةً فِي تَخْلِيصِهَا .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَيُّوبَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ حَاجِبٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَنْبَأَنَا شُعَيْبُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاجَرَ إبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ ، وَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ ، أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إلَيَّ بِهَا ، فَقَامَ إلَيْهَا ، فَقَامَتْ تَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ، فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْت آمَنْت بِك وَبِرَسُولِك فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ عِنْدَ الْإِبَايَةِ مِنْ الِانْقِيَادِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ شَرْعًا تَنْفُذُ مَعَهُ الْأَحْكَامُ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي رَدِّ شَيْءٍ مِنْهَا .
وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ دَلِيلَ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : { بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : انْطَلِقُوا إلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ ، حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمَدَارِسِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا .
فَقَالُوا لَهُ : قَدْ بَلَّغْت يَا أَبَا الْقَاسِمِ .
فَقَالَ : ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ ، فَقَالُوا : قَدْ بَلَّغْت يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، وَمِنْ حُكْمِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمَلِهِ نَظَائِرُ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى بَيْعِ الْمُضْطَرِّ أَحْكَامٌ ، بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي قِرَاءَتِهَا : قَرَأَهَا الْجَمَاعَةُ الْكَذِبَ بِنَصْبِ الْكَافِ ؛ وَخَفْضِ الذَّالِ ، وَنَصْبِ الْبَاءِ .
وَقَرَأَهَا الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ ، إلَّا أَنَّ الْبَاءَ مَخْفُوضَةٌ ، وَقَرَأَهَا قَوْمٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَالذَّالِ .
فَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى يَكُونُ فِيهَا الْكَذِبُ عَلَى الْإِتْبَاعِ لِمَوْضِعِ مَا يَقُولُونَ .
وَمَنْ رَفَعَ الْكَافَ وَالذَّالَ جَعَلَهُ نَعَتَا لِلْأَلْسِنَةِ .
وَمَنْ نَصَبَ الْكَافَ وَالْبَاءَ جَعَلَهُ مَفْعُولَ قَوْلِهِ : تَقُولُوا ، وَهُوَ بَيِّنٌ كُلُّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَى الْآيَةِ : لَا تَصِفُوا الْأَعْيَانَ بِأَنَّهَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِكُمْ ؛ إنَّمَا الْمُحَرِّمُ الْمُحَلِّلُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ .
وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : أَنَّ الْمَيْتَةَ حَلَالٌ ، وَعَلَى الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا ، وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ؛ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ بِضَلَالِهِمْ ، وَاعْتِدَاءً ، وَإِنْ أَمْهَلَهُمْ الْبَارِي فِي الدُّنْيَا فَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ لِي مَالِكٌ : لَمْ يَكُنْ مِنْ فُتْيَا الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُولُوا : هَذَا حَرَامٌ وَهَذَا حَلَالٌ ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ : إنَّا نَكْرَهُ هَذَا ، وَلَمْ أَكُنْ لِأَصْنَعَ هَذَا ، فَكَانَ النَّاسُ يُطِيعُونَ ذَلِكَ ، وَيَرْضَوْنَ بِهِ .
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَرِّحَ بِهَذَا فِي عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْهُ ، وَمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ يَقُولُ : إنِّي أَكْرَهُ كَذَا ، وَكَذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ يَفْعَلُ ؛ اقْتِدَاءً بِمِنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَنَّهَا حَرَامٌ وَتَكُونُ ثَلَاثًا .
قُلْنَا : سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَنَقُولُ هَاهُنَا : إنَّ الرَّجُلَ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ، فَأَلْزَمَهُ مَالِكٌ مَا الْتَزَمَ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَقْوَى ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ : إنَّهَا حَرَامٌ أَفْتَى بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ ، وَقَدْ يَتَقَوَّى الدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْد الْمُجْتَهِدِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عِنْدَنَا ، كَمَا يَقُولُ : إنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فِي غَيْرِ الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ الَّتِي وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي الرِّبَا ، وَهِيَ الذَّهَبُ ، وَالْفِضَّةُ ، وَالْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ ، وَالْمِلْحُ ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ مَالِكٌ ، فَذَلِكَ حَرَامٌ لَا يَصْلُحُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ ، وَفِيمَا خَالَفَ الْمَصَالِحَ ، وَخَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الْمَقَاصِدِ ، لِقُوَّةِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ، كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ .
فَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ بِهَذَا إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ الْأُمَّةَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ ، وَإِنَّ الْقَانِتَ هُوَ الْمُطِيعُ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا .
فَقُلْت فِي نَفْسِي : غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إنَّمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : إنَّ إبْرَاهِيمُ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا .
فَقَالَ : أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ الْقَانِتُ ؟ قُلْت : اللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْخَيْرَ .
وَالْقَانِتُ لِلَّهِ : الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْخَيْرَ ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَنِيفُ : الْمُخْلِصُ ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ قَائِمًا لِلَّهِ بِحَقِّهِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا ، آتَاهُ اللَّهُ رُشْدَهُ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ، فَنَصَحَ لَهُ ، وَكَسَّرَ الْأَصْنَامَ ، وَبَايَنَ قَوْمَهُ بِالْعَدَاوَةِ ، وَدَعَا إلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلَّا يَبْعَثَ نَبِيًّا بَعْدَهُ إلَّا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلَّا يُسَافِرَ فِي الْأَرْضِ ، فَتَخْطُرُ سَارَةُ بِقَلْبِهِ إلَّا هَتَكَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الْحِجَابَ ، فَيَرَاهَا ، وَكَانَ أَوَّلَ مِنْ اخْتَتَنَ ، وَأَقَامَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ ، وَضَحَّى ، وَعَمِلَ بِالسُّنَنِ نَحْوَ قَصِّ الْأَظْفَارِ ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ ، وَأَعْطَاهُ اللَّهُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ فِي الدُّنْيَا ، فَاتَّفَقَتْ الْأُمَمُ
عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْقُصْ مَا أُعْطِيَ فِي الدُّنْيَا مِنْ حَظِّهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأُوحِيَ إلَى مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ، وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .
فَعَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ ، وَيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ ، فَيَكُونَ فِي دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَى الْمِلَّةِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّك لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمُرَادُ بِاَلَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، أَيْ فُرِضَ تَعْظِيمُ يَوْمِ السَّبْتِ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ؛ هُوَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ فَرَغَ مِنْ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ سَبَّتَ يَوْمَ السَّبْتِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْأَحَدِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ ، فَاخْتَلَفُوا فِي تَعْظِيمِ غَيْرِ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ تَعْظِيمُهُ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَحَلُّوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَا الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْظِيمِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ اسْتَحَلَّهُ بَعْضُهُمْ ، وَحَرَّمَهُ آخَرُونَ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانُوا يَطْلُبُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَخْطَئُوهُ ، وَأَخَذُوا السَّبْتَ ، فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ .
وَقِيلَ فِي الْقَوْلِ الرَّابِعِ : إنَّهُمْ أُلْزِمُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدًا ، فَخَالَفُوا وَقَالُوا : نُرِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَغَ فِيهِ مِنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ .
الْخَامِسُ : رُوِيَ أَنَّ عِيسَى أَمَرَ النَّصَارَى أَنْ يَتَّخِذُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدًا ، فَقَالُوا : لَا يَكُونُ عِيدُنَا إلَّا بَعْدَ عِيدِ الْيَهُودِ ، فَجَعَلُوهُ الْأَحَدَ .
وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ : تَفَرَّغُوا إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ تَعْبُدُونَهُ ، وَلَا تَعْمَلُونَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ؛ فَاخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَأَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْجُمُعَةِ ، فَأَبَوْا إلَّا السَّبْتَ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الَّذِي يُفَصِّلُ هَذَا الْقَوْلَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ ، الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ } .
فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَهَذَا الْيَوْمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ } ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِمْ ، فَاخْتَارَ كُلُّ أَحَدٍ مَا ظَهَرَ إلَيْهِ ، وَأَلْزَمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ عَرْضٍ ، فَالْتَزَمْنَاهُ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : { فَسَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ } .
وَهَذَا مُجْمَلٌ ، فَسَّرَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رُوِيَ أَنَّ الْيَهُودَ حِينَ اخْتَارُوا يَوْمَ السَّبْتِ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ الْخِلْقَةَ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَأَتَمَّهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَنَحْنُ نَتْرُكُ الْعَمَلَ يَوْمَ السَّبْتِ .
فَأَكْذَبَهُمْ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } الْآيَةَ .
فَلَمَّا تَرَكُوا الْعَمَلَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ بِالْتِزَامِهِمْ ، وَابْتَدَعُوهُ بِرَأْيِهِمْ الْفَاسِدِ ، وَاخْتِيَارِهِمْ الْفَائِلِ ، كَانَ مِنْهُمْ مَنْ رَعَاهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَرَمَهُ فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَى الْجَمِيعِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَاخْتَارَ اللَّهُ لَنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقِبَلِنَا خِيرَةَ رَبِّنَا لَنَا ، وَالْتَزَمْنَا مِنْ غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ مَا أَلْزَمَنَا ، وَعَرَفْنَا مِقْدَارَ فَضْلِهِ ، فَقَالَ لَنَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَم ، و فِيهِ أُهْبِطَ ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ مَاتَ ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ إلَى حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ ، شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ ، إلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ } فِي حَدِيثٍ طَوِيل هَذَا أَكْثَرُهُ .
وَجَمَعَ لَنَا فِيهِ الْوَجْهَيْنِ : فَضْلَ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ ، وَجَوَازَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا ، وَخَشِيَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا جَرَى لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا مِنْ التَّنَطُّعِ فِي يَوْمِهِمْ الَّذِي اخْتَارُوهُ ، فَمَنَعْنَا مِنْ صِيَامِهِ ، فَقَالَ : { لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ } .
وَعَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَرَأَى مَالِكٍ أَنَّ صَوْمَهُ جَائِزٌ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ .
وَقَالَ : إنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِهِ كَانَ يَصُومُهُ ، وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ .
وَنَهْيُ النَّبِيِّ عَنْ تَخْصِيصِهِ أَشْبَهُ بِحَالِ الْعَالِمِ الْيَوْمَ فَإِنَّهُمْ يَخْتَرِعُونَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُلْحِقُهُمْ بِمَنْ تَقَدَّمَ ، وَيَسْلُكُونَ بِهِ سُنَّتَهُمْ ؛ وَذَلِكَ مَذْمُومٌ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ الصِّيَامَ ، وَشَرَعَ فِيهِ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ؛ فَوَجَبَ الِاقْتِفَاءُ لِسُنَّتِهِ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا أَبَانَ مِنْ شِرْعَتِهِ ، وَالْفِرَارُ عَنْ الرَّهْبَانِيَّةِ الْمُبْتَدَعَةِ ، و الْخَشْيَةُ مِنْ الْبَاطِلِ الْمَذْمُومِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { فِيهِ خُلِقَ آدَم } يَعْنِي : جَمَعَ فِيهِ خَلْقَهُ ، وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، وَهَذَا فَضْلٌ بَيِّنٌ .
وَقَوْلُهُ : { فِيهِ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ } يَخْفَى وَجْهُ الْفَضْلِ فِيهِ ؛ وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ أَشَارُوا إلَى أَنَّ وَجْهَ التَّفْضِيلِ فِيهِ أَنَّهُ تِيبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَهَبَطَ إلَى الْأَرْضِ لِوَعْدِ رَبِّهِ ، حِينَ قَالَ : { إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } .
فَلَمَّا سَبَقَ الْوَعْدُ بِهِ حَقَّقَهُ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَنَفَاذُ الْوَعْدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ ، وَفَضْلٌ عَظِيمٌ ، وَوَجْهُ الْفَضْلِ فِي مَوْتِهِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِلِقَائِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقْتًا لِلِقَائِهِ .
قُلْنَا : يَكُونُ هَذَا أَيْضًا فَضْلًا ، يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَيَبْقَى لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَضْلُهُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ لَهُ زَائِدًا عَلَى سَائِرِ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ ؛ وَمَنْ شَارِكْ شَيْئًا فِي وَجْهٍ ، وَسَاوَاهُ فِيهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَهُ فِي وُجُوهٍ أُخَرَ سِوَاهُ .
وَأَمَّا وَجْهُ تَفْضِيلِهِ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ فِيهِ فَلِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ ، فَجَعَلَ قُدُومَهُ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ ، وَتَكُونُ فَاتِحَتُهُ فِي أَكْرَمِ أَوْقَاتِ سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَمِنْ فَضْلِهِ اسْتِشْعَارُ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَتَشَوُّقُهَا إلَيْهِ ؛ لِمَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ ؛
إذْ هُوَ وَقْتُ فَنَائِهَا ، وَحِينِ اقْتِصَاصِهَا وَجَزَائِهَا ، حَاشَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ اللَّذَيْنِ رُكِّبَتْ فِيهِمَا الْغَفْلَةُ الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا الْآدَمِيُّ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، وَهُمَا رُكْنَا التَّكْلِيفِ ، وَمَعْنَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، و فَائِدَةُ جَرَيَانِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَتَمَامُ الْفَضْلِ ، وَوَجْهُ الشَّرَفِ تِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْشُرُ الْبَارِّي فِيهَا رَحْمَتَهُ ، وَيَفِيضُ فِي الْخَلْقِ نَيْلُهُ ، وَيَظْهَرُ فِيهَا كَرْمُهُ ؛ فَلَا يَبْقَى دَاعٍ إلَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ ، وَلَا كَرَامَةٌ إلَّا وَيُؤْتِيهَا ، وَلَا رَحْمَةٌ إلَّا يَبُثُّهَا لِمَنْ تَأَهَّبَ لَهَا ، وَاسْتَشْعَرَ بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ غَافِلًا عَنْهَا .
وَلَمَّا كَانَ وَقْتًا مَخْصُوصًا بِالْفَضْلِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ قَرَنَهُ اللَّهُ بِأَفْضَلِ الْحَالَاتِ لِلْعَبْدِ ، وَهِيَ حَالَةُ الصَّلَاةِ ، فَلَا عِبَادَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَلَا حَالَةَ أَخَصُّ بِالْعَبْدِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهَا عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ ؛ إذْ مِنْهُمْ قَائِمٌ لَا يَبْرَحُ عَنْ قِيَامِهِ وَرَاكِعٌ لَا يَرْفَعُ عَنْ رُكُوعِهِ ، وَسَاجِدٌ لَا يَتَفَصَّى مِنْ سُجُودِهِ ، فَجَمَعَ اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ فِي عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَامَ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ ، يَقُولُ : يَا مَلَائِكَتِي ، اُنْظُرُوا عَبْدِي ، رُوحُهُ عِنْدِي ، وَبَدَنُهُ فِي طَاعَتِي } .
وَصَارَتْ هَذِهِ السَّاعَةُ فِي الْأَيَّامِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيَالِي فِي مَعْنَى الْإِبْهَامِ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ فِي أَنَّ إبْهَامَهَا أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ مِنْ تَعْيِينِهَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا لَوْ عُلِمَتْ وَهَتَكُوا حُرْمَتَهَا مَا أُمْهِلُوا ، وَإِذَا أُبْهِمَتْ عَلَيْهِمْ عَمَّ عَمَلُهُمْ الْيَوْمَ كُلَّهُ وَالشَّهْرَ كُلَّهُ ، كَمَا أُبْهِمَتْ الْكَبَائِرُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ ، وَهُوَ جَانِبُ السَّيِّئَاتِ ، لِيَجْتَنِبَ الْعَبْدُ الذُّنُوبَ كُلَّهَا ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَخْلَصُ لَهُ ،
فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ تَحْصِيلَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَلْيَقُمْ الْحَوْلَ عَلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَوْ الشَّهْرَ كُلَّهُ عَلَى رَأْيِ آخَرِينَ ، أَوْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ عَلَى رَأْيِ كُلِّ أَحَدٍ .
وَلَقَدْ كُنْت فِي الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ، وَكَانَ بِهَا مُتَعَبِّدٌ يَتَرَصَّدُ سَاعَةَ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا خَلَا بِرَبِّهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الضُّحَى ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ خَلَا بِرَبِّهِ مِنْ الضُّحَى إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّالِثَةِ خَلَا بِرَبِّهِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى الْعَصْرِ ، ثُمَّ انْقَلَبَ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الرَّابِعَةِ خَلَا بِرَبِّهِ مِنْ الْعَصْرِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، فَتَحْصُلُ لَهُ السَّاعَةُ فِي أَرْبَعِ جُمَعٍ ، فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ .
وَقَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ : هَذَا لَا يَصِحُّ لَهُ ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ تَكُونَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَرْصُدُهَا مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْعَصْرِ تَكُونُ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ ، وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي تَكُونُ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ يَتَرَصَّدُهَا هُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الضُّحَى ؛ إذْ يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَى سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ ؛ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ انْتِقَالُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي لَيَالِيِ الشَّهْرِ ؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي كُلِّ عَامٍ فِي لَيْلَةٍ ، لَا تَكُونُ فِيهَا فِي الْعَامِ الْآخَرِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَبَ لَهُمْ عَلَيْهَا عَلَامَةً مَرَّةً ، فَوَجَدُوا تِلْكَ الْعَلَامَةَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَسَأَلَهُ آخَرُ مَتَى يَنْزِلُ : فَإِنَّهُ شَاسِعُ الدَّارِ ؟ فَقَالَ لَهُ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُعَلِّمَ عَلَامَةً فَلَا يَصْدُقُ ، وَمَا كَانَ أَيْضًا لِيَسْأَلهُ سَائِلٌ ضَعِيفٌ لَا يُمْكِنُهُ مُلَازَمَتُهُ عَنْ أَفْضَلِ
وَقْتٍ يَنْزِلُ إلَيْهِ فِيهِ ، وَأَكْرَمِ لَيْلَةٍ يَأْتِيه فِيهَا ، لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهُ ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى النَّاقِصِ عَنْ غَيْرِهِ ، الْمَحْطُوطِ عَنْ سِوَاهُ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ تَحْصِيلَ السَّاعَةِ عَمَرَ الْيَوْمَ كُلَّهُ بِالْعِبَادَةِ ، أَوْ تَحْصِيلَ اللَّيْلَةِ قَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ فِي جَمِيعِ لَيَالِيِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا خَرَجَ إلَى الْوُضُوءِ ، أَوْ اشْتَغَلَ بِالْأَكْلِ ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ دَاعٍ وَلَا سَائِلٍ ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ ؟ قُلْنَا : إذَا كَانَ وَقْتُهُ كُلُّهُ مَعْمُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ ، فَجَاءَتْ وَقْتَ الْوُضُوءِ أَوْ الْأَكْلِ أُعْطِيَ طَلِبَتَهُ ، وَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ ، وَلَمْ يُحَاسَبْ مِنْ أَوْقَاتِهِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، عَلَى أَنِّي قَدْ رَأَيْت مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : إذَا تَوَضَّأَ أَوْ أَكَلَ ، فَاشْتَغَلَ بِذَلِكَ بَدَنُهُ وَلِسَانُهُ ، فَلِيُقْبِلْ عَلَى الطَّاعَةِ بِقَلْبِهِ ، حَتَّى يَلْقَى تِلْكَ السَّاعَةَ مُتَعَبِّدًا بِقَلْبِهِ .
وَهَذَا حَسَنُ ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ لَازِمٍ ؛ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِلْعِبَادَةِ ، مَا عَدَّا أَوْقَاتِ الْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ ، فَيُعْفَى عَنْهُ فِيهَا ، وَيُعْطَى عِنْدَهَا كُلَّ مَا سَأَلَ فِي غَيْرِهَا بِلُطْفِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ ، وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ لَهُمْ ، وَعُمُومِ فَضْلِهِ ، لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا قَدْ كَشَفَ الْغِطَاءَ عَنْ هَذَا الْخَفَاءِ ، فَقَالَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ { سُئِلَ عَنْ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : هِيَ مِنْ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ } .
وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصٌّ فِي أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا يَصِحُّ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ ، أَصْلُهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : { أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا ، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ ، فِيهِمْ حَمْزَةُ ، فَمَثَّلُوا بِهِمْ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } الْآيَةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُفُّوا عَنْ الْقَوْمِ إلَّا أَرْبَعَةً } .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ ، فَنَظَرَ إلَى شَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ كَانَ أَوْجَعَ مِنْهُ لِقَلْبِهِ ، وَنَظَرَ إلَيْهِ قَدْ مُثِّلَ بِهِ ، فَقَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْك ، فَإِنَّك كُنْت مَا عَرَفْتُك فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ ، وَلَوْلَا حُزْنُ مَنْ بَعْدَك عَلَيْك لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَك ، حَتَّى تُحْشَرَ مِنْ أَفْرَادٍ شَتَّى أَمَا وَاَللَّهِ مَعَ ذَلِكَ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ .
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِخَوَاتِيمِ النَّحْلِ : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } الْآيَاتِ ؛ فَصَبَرَ النَّبِيُّ ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَمْ يُمَثِّلْ بِأَحَدٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْجَزَاءُ عَلَى الْمُثْلَةِ عُقُوبَةٌ ؛ فَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَيْسَ بِعُقُوبَةٍ ، وَلَكِنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا ، كَمَا قَالَ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } وَكَمَا قَالَ : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } ؛ وَعَادَةُ الْعَرَبِ هَكَذَا فِي الِازْدِوَاجِ ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى حُكْمِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ التَّمَاثُلِ فِي الْقِصَاصِ ، فَمَنْ قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ مِنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ عُودٍ اُمْتُثِلَ فِيهِ مَا فَعَلَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } : إشَارَةٌ إلَى فَضْلِ الْعَفْوِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
سُورَةُ الْإِسْرَاءِ فِيهَا عِشْرُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي { سُبْحَانَ } : وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ؛ قَالَهُ سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلُ .
وَمَنَعَهُ عِنْدَهُمَا مِنْ الصَّرْفِ كَوْنُهُ مَعْرِفَةً فِي آخِرِهِ زَائِدَانِ .
وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ يَصْرِفُهُ وَيُصَرِّفُهُ .
الثَّانِي : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ مَنْصُوبٌ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا كَلِمَةٌ رَضِيَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، و مَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ بَرَاءَةُ اللَّهِ مِنْ السُّوءِ ، وَتَنْزِيهُ اللَّهِ مِنْهُ قَالَ الشَّاعِرُ : أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَصْدَرٌ فَلِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَصَادِرِ ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي عَلَى فُعْلَانَ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ اسْمٌ وُضِعَ لِلْمَصْدَرِ فَلِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبَّحَ .
و أَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِأَنَّهُ مُنَادًى فَإِنَّهُ يُنَادَى فِيهِ بِالْمَعْرِفَةِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ ، وَهُوَ كَلَامٌ جُمِعَ فِيهِ بَيْنَ دَعْوَى فَارِغَةٍ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ لَا يَعْصِمُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ : هَلْ هُوَ اسْمٌ أَوْ مَصْدَرٌ ؟ وَمَا زَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُجْرِي فِي الْمَنْقُولِ طَلْقَهُ حَتَّى إذَا جَاءَ الْمَعْقُولُ عَقَلَهُ الْعِيُّ وَأَغْلَقَهُ .
وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَرَفَةَ جُزْءًا قَرَأْنَاهُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِيهِ عَنْ التَّقْصِيرِ سَلَامٌ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِيهِ يَكْفِي ، فَلْيَأْخُذْ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْكُمْ وَيَكْتَفِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { أَسْرَى بِعَبْدِهِ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ كَانَ لِلنَّبِيِّ اسْمٌ أَشْرَفَ مِنْهُ لَسَمَّاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَلِيَّةِ بِهِ ، وَفِي مَعْنَاهُ تُنْشِدُ الصُّوفِيَّةُ : يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ يَعْرِفُهَا السَّامِعُ وَالرَّائِي لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي وَقَالَ الْأُسْتَاذُ جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ : لَمَّا رَفَعَهُ إلَى حَضْرَتِهِ السَّنِيَّةِ ، وَأَرْقَاهُ فَوْقَ الْكَوَاكِبِ الْعُلْوِيَّةِ ، أَلْزَمهُ اسْمَ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ ، تَوَاضُعًا لِلْإِلَهِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَضَى اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ وَحُكْمُهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّاسُ ، هَلْ أُسْرِيَ بِجَسَدِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بِرُوحِهِ ؟ وَلَوْ لَا مَشِيئَةُ رَبِّنَا السَّابِقَةُ بِالِاخْتِلَافِ لَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ أَبَيْنَ عِنْدَ الْإِنْصَافِ ؛ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ لِذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُلْحِدًا يُنْكِرُ الْقُدْرَةَ ، وَيَرَى أَنَّ الثَّقِيلَ لَا يَصْعَدُ عُلُوًّا ، وَطَبْعُهُ اسْتِفَالٌ فَمَا بَالُهُ يَتَكَلَّمُ مَعَنَا فِي هَذَا الْفَرْعِ ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِلْأَصْلِ ؛ وَهُوَ وُجُودُ الْإِلَهِ وَقُدْرَتُهُ ، وَأَنَّهُ يُصَرِّفُ الْأَشْيَاءَ بِالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ ، لَا بِالطَّبِيعَةِ .
وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرُ مِنْ أَغْبِيَاءِ الْمِلَّةِ يُقِرُّ مَعَنَا بِالْإِلَهِيَّةِ وَالْعِلْمِ ، وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّصْرِيفِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّقْدِيرِ ، فَيُقَالُ لَهُ : وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ ارْتِقَاءِ النَّبِيِّ فِي الْهَوَاءِ بِقُدْرَةِ خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ؟ فَإِنْ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ .
قُلْنَا لَهُ : قَدْ وَرَدَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ عَلَى لِسَانِ كُلِّ فَرِيقٍ ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ ؛ قَالَ أَنَسٌ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي ، وَأَنَا بِمَكَّةَ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ ، فَفَرَجَ صَدْرِي ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ، ثُمَّ أَطْبَقَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ : افْتَحْ .
قَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ .
قَالَ : هَلْ مَعَك أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مُحَمَّدٌ .
فَقَالَ : أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ ، إذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ،
وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
قُلْت : يَا جِبْرِيلُ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا آدَم ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ ، وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ بَكَى .
ثُمَّ عَرَجَ بِي إلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا : افْتَحْ ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الْأَوَّلُ ، فَفَتَحَ .
قَالَ أَنَسٌ : فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاءِ آدَمَ ، وَإِدْرِيسَ ، وَمُوسَى ، وَعِيسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ .
} وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا ، وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ .
قَالَ أَنَسٌ : { فَلَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جِبْرِيلَ بِإِدْرِيسَ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ، وَالْأَخِ الصَّالِحِ .
فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا إدْرِيسُ .
ثُمَّ مَرَرْت بِمُوسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ .
قُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : مُوسَى .
ثُمَّ مَرَرْت بِعِيسَى ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ .
قُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عِيسَى .
ثُمَّ مَرَرْت بِإِبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
قُلْت : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : إبْرَاهِيمُ } .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْت لَمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ } .
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً ، فَرَجَعْت بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْت بِمُوسَى ، فَقَالَ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِك ؟ قُلْت : فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً .
قَالَ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك ؛ فَإِنَّ أُمَّتَك لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ،
فَرَاجَعَنِي ، فَرَجَعْت ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْت إلَى مُوسَى ، قُلْت : وَضَعَ شَطْرَهَا .
فَقَالَ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك ، فَإِنَّ أُمَّتَك لَا تُطِيقُ ذَلِكَ .
فَرَجَعْت ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا ، فَرَجَعْت إلَيْهِ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك فَإِنَّ أُمَّتَك لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، فَرَاجَعْته ، فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ .
فَرَجَعْت إلَى مُوسَى ، فَقَالَ : ارْجِعْ إلَى رَبِّك ، فَقُلْت : قَدْ اسْتَحْيَيْت مِنْ رَبِّي .
قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ، ثُمَّ أُدْخِلْت الْجَنَّةَ ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ .
} وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ بِطُولِهِ ، إلَى أَنْ قَالَ : { ثُمَّ اسْتَيْقَظْت ، وَأَنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .
قُلْنَا : عَنْهُ أَجْوِبَةٌ ؛ مِنْهَا : أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ رَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ أَنَسٍ ، وَكَانَ تَغَيَّرَ بِآخِرَةٍ فَيُعَوَّلُ عَلَى رِوَايَاتِ الْجَمِيعِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْرَاءَ رُؤْيَا مَنَامٍ ، وَطَّدَهُ اللَّهُ بِهَا ، ثُمَّ أَرَاهُ إيَّاهَا رُؤْيَا عَيْنٍ ، كَمَا فَعَلَ بِهِ حِينَ أَرَادَ مُشَافَهَتَهُ بِالْوَحْيِ ؛ { أَرْسَلَ إلَيْهِ الْمَلَكَ فِي الْمَنَامِ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك ، وَقَالَ لَهُ : اقْرَأْ .
فَقَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَغَطَّهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ ، فَقَالَ : اقْرَأْ .
قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ } إلَى آخَرِ الْحَدِيثِ .
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمَلَكُ فِي الْيَقِظَةِ بِمِثْلِ مَا أَرَادَهُ فِي الْمَنَامِ .
وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ أَرَاهُ اللَّهُ فِي الْمَنَامِ مَا أَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ تَوْطِيدًا وَتَثْبِيتًا لِنَفْسِهِ ، حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ الْحَالُ فَجْأَةً ، فَتُقَاسِي نَفْسُهُ
الْكَرِيمَةَ مِنْهَا شِدَّةً ، لِعَجْزِ الْقُوَى الْآدَمِيَّةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْهَيْئَةِ الْمَلَكِيَّةِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ } ؛ وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ مَا اُفْتُتِنَ بِهَا أَحَدٌ ، وَلَا أَنْكَرَهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَبْعَدُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ يَخْتَرِقُ السَّمَوَاتِ ، وَيَجْلِسُ عَلَى الْكُرْسِيِّ ، وَيُكَلِّمُهُ الرَّبُّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ فَرْضُ الصَّلَاةِ ؛ وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةَ الْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } ، وَيَتَنَفَّلُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ أَعْدَادَهَا وَصِفَاتِهَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ، وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ عِنْدَمَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ غَرُبَتْ الشَّمْسُ ، وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ عِنْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ ، وَصَلَّى بِي الصُّبْحَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ .
ثُمَّ صَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ غَرُبَتْ الشَّمْسُ لِوَقْتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَصَلَّى بِي الصُّبْحَ وَقَائِلٌ يَقُولُ : أَطْلَعَتْ الشَّمْسُ ؟ لَمْ تَطْلُعْ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا وَقْتُك ، وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَك ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ } .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَبَيَّنَّا مَا فِيهِ مِنْ عُلُومٍ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ حَدِيثٍ وَطُرُقِهِ ، وَلُغَةٍ وَتَصْرِيفِهَا ، وَتَوْحِيدٍ وَعَقْلِيَّاتٍ ، وَعِبَادَاتٍ وَآدَابٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيمَا نَيَّفَ عَلَى ثَلَاثِينَ وَرَقَةً ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ ، فَفِيهِ الشِّفَاءُ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { أَمَرْنَا } : فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَاتِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ : الْقِرَاءَةُ الْأُولَى : أَمَرْنَا بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ .
الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ : بِتَشْدِيدِهَا .
الْقِرَاءَةُ الثَّالِثَةُ : آمَرْنَا بِمَدٍّ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ .
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى : فَهِيَ الْمَشْهُورَةُ ، وَمَعْنَاهُ أَمَرْنَاهُمْ بِالْعَدْلِ ، فَخَالَفُوا ، فَفَسَقُوا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، فَهَلَكُوا بِالْكَلِمَةِ السَّابِقَةِ الْحَاقَّةِ عَلَيْهِمْ .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ : فَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَأَبِي عَمْرٍو ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، وَمَعْنَاهُ كَثَّرْنَاهُمْ ، وَالْكَثْرَةُ إلَى التَّخْلِيطِ أَقْرَبُ عَادَةً .
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْمَدِّ فِي الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ فَهِيَ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ ، وَالْأَعْرَجِ ، وَخَارِجَةَ عَنْ نَافِعٍ .
وَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْكَثْرَةُ ؛ فَإِنَّ أَفْعَلَ وَفَعَّلَ يُنْظَرَانِ فِي التَّصْرِيفِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْإِمَارَةِ ، أَيْ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ ، فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ جَعْلِهِمْ وُلَاةً فَيَلْزَمُهُمْ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، فَيُقَصِّرُونَ فِيهِ فَيَهْلِكُونَ .
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ دَارًا وَعِيَالًا وَخَادِمًا فَهُوَ مَلَكٌ وَأَمِيرٌ ، فَإِذَا صَلُحَتْ أَحْوَالُهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا وَآثَرُوهَا عَلَى الْآخِرَةِ فَهَلَكُوا ، وَمِنْهُ الْأَثَرُ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ وَمُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ } : أَيْ كَثِيرَةُ النَّتَاجِ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ : { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا } .
أَيْ عَظِيمًا .
وَالْقَوْلُ فِيهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مُتَقَارِبٌ مُتَدَاخِلٌ ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَا يُغْنِي عَنْ
إعَادَتِهِ .
وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ هَذَا الْفِسْقُ وَأَعْظَمُهُ فِي الْمُخَالَفَةِ الْكُفْرُ أَوْ الْبِدْعَةُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي نَظِيرِهِ : { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّك إذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } .
فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ عَصَوْا وَكَفَرُوا ، وَهَذِهِ صِفَةُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ ، وَأَخْبَارِ مَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } .
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَنْ أَرَادَ غَيْرَ اللَّهِ فَهُوَ مُتَوَعَّدٌ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ آيَةَ الشُّورَى مُطْلَقَةٌ فِي أَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا يُؤْتِيهِ اللَّهُ مِنْهَا ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ فِي أَنَّهُ إنَّمَا يُؤْتَى حَقَّهُ فِي الدُّنْيَا مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ ذَلِكَ .
وَلَيْسَ الْوَعْدُ بِذَلِكَ عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا يُعْطَى لِكُلِّ مُرِيدٍ ، لِقَوْلِهِ : { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا } الْآيَةَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَقَضَى رَبُّك أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبْرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَقَضَى } .
قَدْ بَيَّنَّا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ بِجَمِيعِ وُجُوهِهَا ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ مِنْ مَعَانِيهَا خَلَقَ ، وَمِنْهَا أَمَرَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا هَاهُنَا إلَّا أَمَرَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ مُخَالَفَتِهِ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ خِلَافِ مَا خَلَقَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ الْخَالِقُ ؛ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِعِبَادَتِهِ ، وَبِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِعِبَادَتِهِ ، كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ ، وَلِهَذَا قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ : وَوَصَّى رَبُّك .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ } .
وَعَنْ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : { الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ } .
وَمِنْ الْبِرِّ إلَيْهِمَا ، وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا أَلَا نَتَعَرَّضَ لِسَبِّهِمَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } .
حَتَّى إنَّهُ يَبَرُّهُ وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا إذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ قَالَ اللَّه : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَك الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا } : خَصَّ حَالَةَ الْكِبَرِ ؛ لِأَنَّهَا بِطُولِ الْمَدَى تُوجِبُ الِاسْتِثْقَالَ عَادَةً ، وَيَحْصُلُ الْمَلَلُ ، وَيَكْثُرُ الضَّجَرُ ، فَيَظْهَرُ غَضَبُهُ عَلَى أَبَوَيْهِ ، وَتَنْتَفِخُ لَهُمَا أَوْدَاجُهُ ، وَيَسْتَطِيلُ عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّةِ ، وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ .
وَأَقَلُّ الْمَكْرُوهِ أَنْ يُؤَفِّفَ لَهُمَا ؛ وَهُوَ مَا يُظْهِرُهُ بِتَنَفُّسِهِ الْمُرَدَّدِ مِنْ الضَّجَرِ .
وَأَمَرَ بِأَنْ يُقَابِلَهُمَا بِالْقَوْلِ الْمَوْصُوفِ بِالْكَرَامَةِ ، وَهُوَ السَّالِمُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ مِنْ عُيُوبِ الْقَوْلِ الْمُتَجَرِّدِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ مِنْ مَكْرُوهِ الْأَحَادِيثِ .
ثُمَّ قَالَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ } : الْمَعْنَى تَذَلَّلْ لَهُمَا تَذْلِيلَ الرَّعِيَّةِ لِلْأَمِيرِ ، وَالْعَبِيدِ لِلسَّادَةِ ؛ وَضَرَبَ خَفْضَ الْجَنَاحِ وَنَصْبَهُ مَثَلًا لِجَنَاحِ الطَّائِرِ حِينَ يَنْتَصِبُ بِجَنَاحِهِ لِوَلَدِهِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْإِقْبَالِ .
وَالذُّلُّ هُوَ اللِّينُ وَالْهَوْنُ فِي الشَّيْءِ ، ثُمَّ قَالَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } : مَعْنَاهُ : اُدْعُ لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا بِأَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ يَرْحَمُهُمَا كَمَا رَحِمَاك ، وَتَرَفَّقْ بِهِمَا كَمَا رَفَقَا بِك ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُجْزِي الْوَالِدَ عَنْ الْوَلَدِ ؛ إذْ لَا يَسْتَطِيعُ الْوَلَدُ كِفَاءً عَلَى نِعْمَةِ وَالِدِهِ أَبَدًا .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ } ، مَعْنَاهُ يُخَلِّصُهُ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ كَمَا خَلَّصَهُ مِنْ أَسْرِ الصِّغَرِ .
وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا وَلِيَاهُ صَغِيرًا جَاهِلًا مُحْتَاجًا ، فَآثَرَاهُ عَلَى
أَنْفُسِهِمَا ، وَسَهِرَا لَيْلَهُمَا وَأَنَامَاهُ ، وَجَاعَا وَأَشْبَعَاهُ ، وَتَعَرَّيَا وَكَسَوَاهُ ، فَلَا يُجْزِيهِمَا إلَّا أَنْ يَبْلُغَا مِنْ الْكِبَرِ إلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ مِنْ الصِّغَرِ ، فَيَلِي مِنْهُمَا مَا وَلِيَا مِنْهُ ، وَيَكُونُ لَهُمَا حِينَئِذٍ عَلَيْهِ فَضْلُ التَّقَدُّمِ بِالنِّعْمَةِ عَلَى الْمُكَافِئِ عَلَيْهَا .
وَقَدْ أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ الْأَجَلُّ الْخَطِيبُ نَسِيبُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاضِي ذُو الشَّرَفَيْنِ أَبُو الْحُسَيْنِ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِيُّ بِدِمَشْقَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الشِّيرَازِيِّ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، سَمِعْتُهُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ، وَكَانَ حَافِظًا ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَيْدَةَ الضَّبِّيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ بِأَصْبَهَانَ قِرَاءَةً ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الْحَافِظُ الطَّبَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْبَرْدَعِيُّ بِمِصْرَ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عُبَيْدُ بْنُ خَلَصَةَ بِمَعَرَّةِ النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ : فَأْتِنِي بِأَبِيك .
فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُقْرِئُك السَّلَامَ ، وَيَقُولُ لَك : إذَا جَاءَك الشَّيْخُ فَاسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قَالَهُ فِي نَفْسِهِ ، مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَالُ ابْنِك يَشْكُوك ؟ أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ ؟ فَقَالَ : سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ أُنْفِقُهُ إلَّا عَلَى إحْدَى
عَمَّاتِهِ أَوْ خَالَاتِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِي ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إيهٍ دَعْنَا مِنْ هَذَا ، أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْته فِي نَفْسِك مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاك .
فَقَالَ الشَّيْخُ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَزِيدُنَا بِك يَقِينًا ، لَقَدْ قُلْت فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، فَقَالَ : قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ .
قَالَ : قُلْت : غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُك يَافِعًا تَعِلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْك وَتَنْهَلُ إذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْك بِالسَّقَمِ لَمْ أَبِتْ لِسُقْمِكَ إلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَك بِاَلَّذِي طُرِقْت بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تَهْمُلُ تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْك وَإِنَّهَا لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلٌ فَلَمَّا بَلَغْت السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي إلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيك أُؤَمِّلُ جَعَلْت جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ فَلَيْتَك إذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي فَعَلْت كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ قَالَ : فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَلَابِيبِ ابْنِهِ ، وَقَالَ : أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .
قَالَ سُلَيْمَانُ : لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ بِهَذَا التَّمَامِ وَالشِّعْرِ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ بْنُ خَلَصَةَ .
وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ فِي دَارِنَا بالمُعْتَمِدِيَّةِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنِ غَالِبٍ الْحَافِظِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا سُوَيْد بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ شُجَاعِ بْنِ قَيْسِ بْنِ هِشَامٍ السَّكُونِيِّ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ ، فَأَوَوْا إلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : يَا هَؤُلَاءِ ، لَا يُنْجِيكُمْ إلَّا الصِّدْقُ ، فَلْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ : فَقَالَ أَحَدُهُمْ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ ، عَمِلَ لِي عَلَى فَرْقِ أُرْزٍ ، فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ ، فَزَرَعْته ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْت مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقِ بَقَرًا ، ثُمَّ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ ، فَقُلْت لَهُ : اعْمِدْ إلَى تِلْكَ الْبَقَرِ ، فَسُقْهَا فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقِ فَسَاقَهَا .
فَإِنْ كُنْت فَعَلْت ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِك فَفَرِّجْ عَنَّا ، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ .
فَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ، وَكَانَتْ لِي غَنَمٌ ، وَكُنْت آتِيهِمَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي ، فَأَبْطَأْت عَنْهُمَا ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأَتَيْتهمَا وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ ، وَكُنْت لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ رَقْدَتِهِمَا ، وَكَرِهْت أَنْ أَرْجِعَ فَيَسْتَيْقِظَا لِشُرْبِهِمَا ، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُهُمَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَقَامَا فَشَرِبَا ، فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِك فَفَرِّجْ عَنَّا ، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ ، حَتَّى نَظَرُوا إلَى السَّمَاءِ .
فَقَالَ الْآخَرُ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ ، وَإِنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ عَلَيَّ إلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَطَلَبْتهَا حَتَّى قَدَرْت عَلَيْهَا ، فَجِئْت بِهَا فَدَفَعْتهَا إلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا ، فَلَمَّا قَعَدْت بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ لِي : اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إلَّا بِحَقِّهِ .
فَقُمْت عَنْهَا ، وَتَرَكْت لَهَا الْمِائَةَ دِينَارٍ فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي تَرَكْت ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِك فَافْرِجْ عَنَّا ، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَخَرَجُوا يَمْشُونَ }
.
وَمِنْ تَمَامِ بِرِّ الْأَبَوَيْنِ صِلَةُ أَهْلِ وُدِّهِمَا ، لِمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ } .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ } .
خَرَّجَهُمَا التِّرْمِذِيُّ .
وَلِذَلِكَ عَدَلَ عُقُوقُهُمَا الْإِشْرَاكَ فِي الْإِثْمِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِرَّهُمَا قَرِينُ الْإِيمَانِ فِي الْأَجْرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ الْأَجَلُّ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاشِيُّ بِهَا قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِهِ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ ، عَنْ أُسَيْدَ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي أُسَيْدَ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا قَالَ : { كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ وَالِدِيَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا ، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا بَعْدَهُمَا ، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَك إلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا ، فَهَذَا الَّذِي بَقِيَ عَلَيْك } .
وَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْدِي لِصَدَائِقِ خَدِيجَةَ بِرًّا بِهَا وَوَفَاءً لَهَا } ، وَهِيَ زَوْجَةٌ ، فَمَا ظَنُّك بِالْأَبَوَيْنِ .
وَقَدْ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْفِهْرِيُّ فِي الْمُذَاكَرَةِ أَنَّ الْبَرَامِكَةَ لَمَّا اُحْتُبِسُوا أَجْنَبَ الْأَبُ ، فَاحْتَاجَ إلَى غُسْلٍ ، فَقَامَ ابْنُهُ بِالْإِنَاءِ عَلَى السِّرَاجِ لَيْلَةً حَتَّى دَفِيءَ وَاغْتَسَلَ بِهِ ، وَنَسْأَلُ
اللَّهَ التَّوْفِيقَ لَنَا وَلَكُمْ بِرَحْمَتِهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي حَقِّ ذَوِي الْقُرْبَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَكَّدَ اللَّهُ هَاهُنَا حَقَّهُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ خُصُوصًا مِنْ الْقَرَابَةِ ، ثُمَّ ثَنَّى التَّوْصِيَةَ بِذِي الْقُرْبَى عُمُومًا ، وَأَمَرَ بِتَوْصِيلِ حَقِّهِ إلَيْهِ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ وَأَدَاءِ حَقٍّ مِنْ مِيرَاثٍ وَسِوَاهُ فَلَا يُبَدَّلُ فِيهِ ، وَلَا يُغَيَّرُ عَنْ جِهَتِهِ بِتَوْلِيجِ وَصِيَّةٍ ، أَوْ سِوَى ذَلِكَ مِنْ الدَّخْلِ .
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُخُولًا مُتَقَدِّمًا ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْآيَةَ لِلْقَرَابَةِ الْأَدْنَيْنَ الْمُخْتَصِّينَ بِالرَّجُلِ ، فَأَمَّا قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَبَانَ اللَّهُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ حَقَّهُمْ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ هِيَ أَجْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هُدَاهُ لَنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } : وَلَهُمْ حَقَّانِ : أَحَدُهُمَا : أَدَاءُ الزَّكَاةِ .
وَالثَّانِي : الْحَقُّ الْمُفْتَرَضُ مِنْ الْحَاجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الزَّكَاةِ ، أَوْ فَنَائِهَا ، أَوْ تَقْصِيرِهَا مِنْ عُمُومِ الْمُحْتَاجِينَ ، وَأَخْذِ السُّلْطَانِ دُونَهُمْ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، فَانْظُرُوا فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : التَّبْذِيرُ هُوَ مَنْعُهُ مِنْ حَقِّهِ ، وَوَضْعُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ، وَهُوَ أَيْضًا تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ } .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وَهُوَ الْإِسْرَافُ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ : { إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } وَذَلِكَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَنْ أَنْفَقَ فِي الشَّهَوَاتِ ، هَلْ هُوَ مُبَذِّرٌ أَمْ لَا ؟ قُلْنَا : مَنْ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الشَّهَوَاتِ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَاتِ ، وَعَرَّضَهُ بِذَلِكَ لَلنَّفَادِ فَهُوَ مُبَذِّر .
وَمَنْ أَنْفَقَ رِبْحَ مَالِهِ فِي شَهَوَاتِهِ ، أَوْ غَلَّتَهُ ، وَحَفِظَ الْأَصْلَ أَوْ الرَّقَبَةَ ، فَلَيْسَ بِمُبَذِّرٍ .
وَمَنْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا فِي حَرَامٍ فَهُوَ مُبَذِّرٌ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَةِ دِرْهَمٍ فِي الْحَرَامِ ، وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِبَذْلِهِ فِي الشَّهَوَاتِ ، إلَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ النَّفَادُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ } الْآيَةَ : أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْآبَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَطَاءِ ، وَالْقُدْرَةِ ، فَإِنْ كَانَ عَجْزٌ عَنْ ذَلِكَ جَازَ الْإِعْرَاضُ ، حَتَّى يَرْحَمَ اللَّهُ بِمَا يُعَادُ عَلَيْهِمْ بِهِ ؛ فَاجْعَلْ بَدَلَ الْعَطَاءِ قَوْلًا فِيهِ يُسْرٌ .
وَقِيلَ : إنَّمَا أَمَرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ عِنْدَ خَوْفِ نَفَقَتِهِمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ ، فَيَنْتَظِرُ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي { خَبَّابٍ ، وَبِلَالٍ ، وَعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمْ ، مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؟ كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ ، فَيُعْرِضُ عَنْهُمْ ؛ إذْ لَا يَجِدُ مَا يُعْطِيهِمْ ، فَأُمِرَ أَنْ يُحْسِنَ لَهُمْ الْقَوْلَ إلَى أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَا يُعْطِيهِمْ } ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّك تَرْجُوهَا } .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِك وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَلَا تَجْعَلْ يَدَك مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِك } هَذَا مَجَازٌ ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْبَخِيلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى إخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَضَرَبَ لَهُ مَثَلًا الْغُلَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِ الْيَدَيْنِ ، وَقَدْ ضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا آخَرَ ، فَقَالَ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إلَى تَرَاقِيِهِمَا ، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ وَوَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى يَخْفَى بَنَانُهُ ، وَيَعْفُوَ أَثَرُهُ .
وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إلَّا لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا .
فَهُوَ يُوَسِّعُ وَلَا يَتَّسِعُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } ضَرَبَ بَسْطَ الْيَدِ مَثَلًا لِذَهَابِ الْمَالِ ، فَإِنَّ قَبْضَ الْكَفِّ يَحْبِسُ مَا فِيهَا ، وَبَسْطَهَا يُذْهِبُ مَا فِيهَا ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ : { إلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ } .
فِي أَحَدِ وَجْهَيْ تَأْوِيلِهِ ، كَأَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى التَّوَسُّطِ فِي الْمَنْعِ وَالدَّفْعِ ، كَمَا قَالَ : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } فَيُؤَوَّلُ مَعْنَى الْكَلَامِ إلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ : الْأَوَّلُ : لَا يَمْتَنِعُ عَنْ نَفَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ ، وَلَا يُنْفِقُ فِي الشَّرِّ .
الثَّانِي : لَا يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ ، وَلَا يَتَجَاوَزُ الْوَاجِبَ ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ مَنْ يَسْأَلُ ، فَلَا يَجِدُ عَطَاءً .
الثَّالِثُ : لَا تُمْسِكْ كُلَّ مَالِك ، وَلَا تُعْطِ جَمِيعَهُ ، فَتَبْقَى مَلُومًا فِي جِهَاتِ الْمَنْعِ الثَّلَاثِ ، مَحْسُورًا ، أَيْ مُنْكَشِفًا فِي جِهَةِ الْبَسْطِ وَالْعَطَاءِ لِلْكُلِّ أَوْ لِسَائِرِ وُجُوهِ
الْعَطَاءِ الْمَذْمُومَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ ، وَكَثِيرًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ سَيِّدَهُمْ وَوَاسِطَتَهُمْ إلَى رَبِّهِمْ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُمْ ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ ، فَاخْتَارَ الْفَقْرَ ، يَجُوعُ يَوْمًا ، وَيَشْبَعُ يَوْمًا ، وَيَشُدُّ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ الْجُوعِ حَجَرَيْنِ ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ صَبَّارًا ، وَكَانَ يَأْخُذُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّضِيرَ وَفَدَكَ وَخَيْبَرَ ، ثُمَّ يَصْرِفُ مَا بَقِيَ فِي الْحَاجَاتِ ، حَتَّى يَأْتِيَ أَثْنَاءَ الْحَوْلِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَالِ وَالْجَلَالِ ، وَشَرَفِ الْمَنْزِلَةِ ، وَقُوَّةِ النَّفْسِ عَلَى الْوَظَائِفِ ، وَعَظِيمِ الْعَزْمِ عَلَى الْمَقَاصِدِ ، فَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَالْخِطَابُ عَلَيْهِمْ وَارِدٌ ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَمَا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ مُتَوَجِّهٌ ، إلَّا أَفْرَادًا خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ بِكَمَالِ صِفَاتِهِمْ ، وَعَظِيمِ أَنْفُسِهِمْ ، مِنْهُمْ { أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، خَرَجَ عَنْ جَمِيعِ مَالِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِبَلَهُ مِنْهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ } ؛ وَأَشَارَ عَلَيَّ أَبِي لُبَابَةَ وَكَعْبٍ بِالثُّلُثِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِمْ ؛ لِنَقْصِهِمْ عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فِي أَحْوَالِهِمْ ؛ وَأَعْيَانٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، كَانُوا عَلَى هَذَا ، فَأَجْرَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَائْتَمَرُوا بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَاصْطَبِرُوا عَلَى بَلَائِهِ ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ قُلُوبُهُمْ بِدُنْيَا ، وَلَا ارْتَبَطَتْ أَبْدَانُهُمْ بِمَالٍ مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ لِثِقَتِهِمْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ فِي الرِّزْقِ ، وَعُزُوبِ أَنْفُسِهِمْ عَنْ التَّعَلُّقِ بِغَضَارَةِ الدُّنْيَا .
وَقَدْ كَانَ فِي أَشْيَاخِي مَنْ ارْتَقَى إلَى هَذِهِ
الْمَنْزِلَةِ فَمَا ادَّخَرَ قَطُّ شَيْئًا لِغَدٍ ، وَلَا نَظَرَ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِهِ إلَى أَحَدٍ ، وَلَا رَبَطَ عَلَى الدُّنْيَا بِيَدٍ ، وَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ، وَهُوَ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك .
قَالَ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك } .
وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَحَدِيثٌ صَحِيحٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَتْلَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ ؛ إذْ فِيهِ إذَايَةُ الْجِنْسِ ، وَإِيثَارُ النَّفْسِ ، وَتَعَاطِي الْوَحْدَةِ الَّتِي لَا قِوَامَ لِلْعَالَمِ بِهَا ، وَتَخَلُّقُ الْجِنْسِيَّةِ بِأَخْلَاقِ السَّبُعِيَّةِ ، وَإِذَا كَانَتْ مَعَ قُوَّةِ الْأَسْبَابِ فِي جَارٍ أَوْ قَرِيبٍ ، وَالْوَلَدُ أَلْصَقُ الْقَرَابَةِ ، وَأَعْظَمُ الْحُرْمَةِ ، فَيَتَضَاعَفُ الْإِثْمُ بِتَضَاعُفِ الْهَتْكِ لِلْحُرْمَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَكَانَ مَوْرِدُ هَذَا النَّهْيِ فِي الْمَقْصِدِ الْأَكْبَرِ أَهْلَ الْمَوْءُودَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَ قَتْلَ الْإِنَاثِ مَخَافَةَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ ، وَعَدَمَ النُّصْرَةِ مِنْهُنَّ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ مِنْ قَتْلِ وَلَدِهِ إمَّا خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ ؛ لَكِنَّ هَذَا أَقْوَى فِيهَا .
وَقَدْ قَدَّمَنَا بَيَانَ الْقَوْلِ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } .
الْخَاءُ وَالطَّاءُ وَالْهَمْزَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْقَصْدِ ، وَبِعَدَمِ الْقَصْدِ ، تَقُولُ : خَطِئْت إذَا تَعَمَّدْت ، وَأَخْطَأْت إذَا تَعَمَّدْت وَجْهًا وَأَصَبْت غَيْرَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْخَطَأُ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ ، وَهُوَ مَعْنًى مُتَرَدِّدٌ كَمَا بَيَّنَّا ، لِقَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً }
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ } : الْمَعْنَى لِلْقَرِيبِ مِنْهُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَلِيِّ ، وَهُوَ الْقُرْبُ عَلَى مَا حَقَقْنَاهُ فِي " كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى " وَالْقُرْبُ فِي الْمَعَانِي لَيْسَ بِالْمَسَافَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالصِّفَاتِ ، وَالصِّفَةُ الَّتِي بِهَا كَانَ قَرِيبًا هِيَ النَّسَبُ الَّذِي هُوَ الْبَعْضِيَّةُ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَعْضِيَّةِ فَهُوَ وَلِيٌّ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ الْوَارِثُ مُطْلَقًا ، فَكُلُّ مَنْ وَرِثَهُ فَهُوَ وَلِيُّهُ .
وَعَلَى ذَلِكَ وَرَدَ لَفْظُ الْوِلَايَةِ فِي الْقُرْآنِ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ رَدْعًا عَنْ الْإِتْلَافِ ، وَحَيَاةً لِلْبَاقِينَ ؛ وَظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِجَمِيعِ النَّاسِ ، كَالْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرِ عَنْ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا ، حَتَّى لَا يَخْتَصَّ بِهَا مُسْتَحِقٌّ ، بَيْدَ أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْقِصَاصَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ ، وَجَعَلَهُ لِلْأَوْلِيَاءِ الْوَارِثِينَ ، لِيَتَحَقَّقَ فِيهِ الْعَفْوُ الَّذِي نُدِبَ إلَيْهِ فِي بَابِ الْقَتْلِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ عَفَوَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ ، لِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَقُدْرَتِهِ النَّافِذَةِ ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ } .
وَكَانَتْ هَذِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ خَاصِّيَّةً أُعْطِيَتْهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ ، تَفَضُّلًا وَتَفْضِيلًا ، وَحِكْمَةً وَتَفْصِيلًا ، فَخُصَّ بِذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ ، لِيُتَصَوَّرَ الْعَفْوُ ، أَوْ الِاسْتِيفَاءُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحُزْنِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ
الثَّانِيَةُ : فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي دُخُولِ النِّسَاءِ فِي الدَّمِ ، فَإِذَا قَالَ بِدُخُولِهِنَّ فِيهِ ، فَلِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَإِذَا قَالَ بِخُرُوجِهِنَّ عَنْهُ فَلِأَنَّ طَلَبَ الْقِصَاصِ مَبْنَاهُ عَلَى النَّصْرِ وَالْحِمَايَةِ ، وَلَيْسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِلَيْهِ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : { إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } .
فَإِذَا قُلْنَا بِدُخُولِهِنَّ فِيهِ ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَفِي أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ دُخُولُهُنَّ ؟ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : فِي الْقَوَدِ دُونَ الْعَفْوِ .
وَوَجْهُهُ أَنَّ الْغَرَضَ اسْتِبْقَاؤُهُ لِحُصُولِ الْحَيَاةِ ، وَالتَّشَفِّي مِنْ عَدَمِ النَّصِيرِ ، وَعَظِيمِ الْحُزْنِ عَلَى الْفَقِيدِ ؛ وَالنِّسَاءُ بِذَلِكَ أَخَصُّ .
وَالثَّانِيَةُ : أَنَّ دُخُولَهُنَّ فِي الْعَفْوِ دُونَ الْقَوَدِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْإِسْقَاطِ الَّذِي يُغَلَّبُ فِي الْحُدُودِ ؛ فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ وَجَدْنَا الْإِسْقَاطَ ، وَإِنْ ضَعُفَ أَمْضَيْنَاهُ .
انْتِصَافٌ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي أَنَّهُ احْتَجَّ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْآيَةِ بِوُجُوهٍ رَكِيكَةٍ ، مِنْهَا : أَنَّ الْوَلِيَّ فِي ظَاهِرِهِ عَلَى التَّذْكِيرِ وَهُوَ وَاحِدٌ ؛ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ بِمَعْنَى الْجِنْسِ اسْتَوَى الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِيهِ .
قَالَ الْقَاضِي : لَمْ يُنْصِفْ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ كَلَامَ إسْمَاعِيلَ ، وَاسْتَرَكَّهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ، فَالرَّكِيكُ هُوَ قَوْلُهُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ ؛ وَتَمَامُ قَوْلِ إسْمَاعِيلَ هُوَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الْوَلِيَّ هَاهُنَا عَلَى التَّذْكِيرِ ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجِنْسِ ، كَمَا قَالَ : { إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ وَاحِدًا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةً ، وَلَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي جُمْلَةِ الْأَوْلِيَاءِ ، كَمَا دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ النَّاسِ حِينَ قَالَ : { إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } ؛ لِأَنَّهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الرَّجُلِ
سَوَاءٌ ؛ إذْ كَانَ الْخَيْرُ وَعَمَلُ الصَّالِحَاتِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَخُصُّهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَالْوَلِيُّ يَكُونُ وَلِيًّا لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ كُلَّهَا .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : قَالَ إسْمَاعِيلُ : الْمَرْأَةُ لَا تَسْتَحِقُّ كُلَّ الْقِصَاصِ ، و الْقِصَاصُ لَا بَعْضَ لَهُ ؛ فَلَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ إخْرَاجُ الزَّوْجِ مِنْ الْوِلَايَةِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : تَبَصَّرْ أَيُّهَا الطَّبَرِيُّ مَا قَالَهُ إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ : إنَّمَا لَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْوِلَايَةَ كُلَّهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِكَامِلَةٍ ، لَا فِي شَهَادَةٍ وَلَا فِي تَعْصِيبٍ ؛ فَكَيْفَ تَضْعُفُ عَنْ الْكَمَالِ فِي أَضْعَفِ الْأَحْكَامِ ، وَيَثْبُتُ الْقِصَاصُ لَهَا عَلَى الْكَمَالِ ، أَيْنَ يَا طَبَرِيُّ تَحْقِيقُ شَيْخِك إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ، وَأَمَّا احْتِجَاجُك بِالزَّوْجِ فَهُوَ الرَّكِيكُ مِنْ الْقَوْلِ ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : قَالَ إسْمَاعِيلُ : الْمَقْصُودُ مِنْ الْقِصَاصِ تَقْلِيلُ الْقَتْلِ ، وَالْمَقْصُودُ بِكَثْرَةِ الْقَتْلِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجْرِيَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : إمَّا أَنَّ فَكَّيْك ضَعُفَا عَنْ لَوْكِ مَا قَالَهُ إسْمَاعِيلُ ، وَإِمَّا تَعَامَيْت عَمْدًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَالِاعْتِدَاءَ إنَّمَا شَأْنُهُ الْغَوَائِلُ وَالشَّحْنَاءُ ، وَهِيَ بَيْنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَلَا يَقْتُلُ عَلَى الْغَائِلَةِ امْرَأَةً إلَّا دَنِيءُ الْهِمَّةِ ، وَيُعَيَّرُ بِهِ بَقِيَّةَ الدَّهْرِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْغَالِبِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، فَوَقَعَ الْقَوْلُ بِجَزَاءِ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْقِصَاصُ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ إذْ خُرُوجُ الْكَلَامِ عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ هِيَ الْفَصَاحَةُ الْعَرَبِيَّةُ ، وَالْقَوَاعِدُ الدِّينِيَّةُ .
وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ شَيْخُك إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، فَجَعَلَهُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَرَدَّ إلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ
مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ؛ فَكَيْف ذُهِلْت عَنْهُ ، وَأَنْتَ تَحْكِيهِ وَتُعَوِّلُ فِي تَصَانِيفِك عَلَيْهِ ،
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { سُلْطَانًا } فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : السُّلْطَانُ أَمْرُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : السُّلْطَانُ الْحُجَّةُ .
الثَّالِثُ : قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ : السُّلْطَانُ إنْ شَاءَ عَفَا ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ ، و إنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ ؛ قَالَهُ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ .
الرَّابِعُ : السُّلْطَانُ طَلَبُهُ حَتَّى يُدْفَعَ إلَيْهِ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَظْهَرَ مِنْ بَعْضٍ ، أَمَّا طَلَبُهُ حَتَّى يُدْفَعَ إلَيْهِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ الْحَقِّ ، وَآخِرُهُ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ .
وَأَمْرُ اللَّهِ هُوَ حُجَّةُ الْخَلْقِ لِعِبَادِهِ ، وَعَلَيْهِمْ ، وَالِاسْتِيفَاءُ هُوَ الْمُنْتَهَى ، وَقَدْ تَدَاخَلَتْ ، وَتَقَارَبَتْ ، وَأَوْضَحُهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ : إنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ .
ثُمَّ إنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ نَصًّا ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ : الْقَتْلُ خَاصَّةً .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْهُ : الْخِيرَةُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالدِّيَةِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، و قَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ الْحَسَنُ : لَا يَقْتُلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ الثَّانِي : قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَقْتُلُ بَدَلَ وَلِيِّهِ اثْنَيْنِ ، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ .
الثَّالِثُ : لَا يُمَثِّلُ بِالْقَاتِلِ ؛ قَالَهُ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ ، وَكُلُّهُ مُرَادٌ ؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } : يَعْنِي مُعَانًا .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَمْ مِنْ وَلِيٍّ مَخْذُولٍ لَا يَصِلُ إلَى حَقِّهِ .
قُلْنَا : الْمَعُونَةُ تَكُونُ بِظُهُورِ الْحُجَّةِ تَارَةً ، وَبِاسْتِيفَائِهَا أُخْرَى ، وَبِمَجْمُوعِهِمَا ثَالِثَةً ، فَأَيُّهَا كَانَ فَهُوَ نَصْرٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
، وَحِكْمَتُهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ وَفِي إفْرَادِ النَّوْعَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فِي مَوَاضِعَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَقَوْلُهُ : { إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } : يَعْنِي الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ لِلْيَتِيمِ ، وَذَلِكَ بِكُلِّ وَجْهٍ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ لِلْيَتِيمِ ، لَا لِلْمُتَصَرِّفِ فِيهِ ، كَقَوْلِ عَائِشَةَ : اتَّجَرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ ، وَقَدْ فَسَّرَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ الْحَسَنَ فِيهِ يَعْنِي التِّجَارَةَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } يَعْنِي قُوَّتَهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْأَشُدِّ فِي سُورَةِ يُوسُفَ ، وَسَرَدْنَا الْأَقْوَالَ فِيهِ ، وَالْأَشُدُّ كَمَا قُلْنَا فِي الْقُوَّةِ ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْبَدَنِ .
وَقَدْ تَكُونُ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّجْرِبَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْوَجْهَيْنِ ؛ فَإِنَّ الْأَشُدَّ هَاهُنَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً ، وَجَاءَ بَيَانُ الْيَتِيمِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُقَيَّدًا قَالَ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاَللَّهِ حَسِيبًا } فَجَمَعَ بَيْنَ قُوَّةِ الْبَدَنِ بِبُلُوغِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ تَمْكِينَ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ وَبَعْدَ حُصُولِ قُوَّةِ الْبَدَنِ لَأَذْهَبَهُ فِي شَهَوَاتِهِ ، وَبَقِيَ صُعْلُوكًا لَا مَالَ لَهُ .
وَخَصَّ
الْيَتِيمَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي هَذَا الذِّكْرِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهُ ، وَافْتِقَادِ الْآبَاءِ لِبَنِيهِمْ ، فَكَانَ الْإِهْمَالُ لِفَقِيدِ الْأَبِ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } يَعْنِي مَسْئُولًا عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْعَهْدِ فِي مَوَاضِعَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ } يُرِيدُ أَعْطُوهُ بِالْوَفَاءِ ، وَهُوَ التَّمَامُ ، لَا بَخْسَ فِيهِ ، بِالْقِسْطِ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } يَعْنِي الْمِيزَانَ الْعَدْلَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ الْقَبَّانُ يَعْنِي بِهِ مَا قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } وَقَالَ : { وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ } لَا بِزِيَادَةٍ وَلَا بِنُقْصَانٍ .
وَمِنْ نَوَادِرِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ مَا أَنْبَأَنَا عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاعِظُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إذَا أَمْسَكْت عَلَّاقَةَ الْمِيزَانِ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ ، وَارْتَفَعَتْ سَائِرُ الْأَصَابِعِ كَانَ تَشَكُّلِهَا مَقْرُوءًا بِقَوْلِك اللَّهُ ، فَكَأَنَّهَا إشَارَةُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ فِي تَسْيِيرِ الْوَزْنِ كَذَلِكَ إلَى أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْك ، فَاعْدِلْ فِي وَزْنِك .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } : أَيْ عَاقِبَةً .
مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَدْلَ وَالْوَفَاءَ فِي الْكَيْلِ أَفْضَلُ لِلتَّاجِرِ وَأَكْرَمُ لِلْبَائِعِ مِنْ طَلَبِ الْحِيلَةِ فِي الزِّيَادَةِ لِنَفْسِهِ ، وَالنُّقْصَانِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَحْسَنُ عَاقِبَةٍ ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَر وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : " لَا تَقْفُ " : تَقُولُ الْعَرَبُ : قَفَوْته أَقْفُوهُ ، وَقَفْته أَقُوفُهُ ، وَقَفَّيْته : إذَا اتَّبَعْت أَثَرَهُ ، وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ ؛ وَمِنْهُ اسْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُقَفَّى ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَخْيَرُهُمْ .
وَمِنْهُ الْقَائِفُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَّبِعُ أَثَرَ الشَّبَهِ ، يُقَالُ قَافَ الْقَائِفُ يَقُوفُ ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : وَلَا تَقُفْ ، مِثْلَ تَقُلْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ : لِلنَّاسِ فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا تَسْمَعُ وَلَا تَرَ مَا لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ وَلَا رُؤْيَتُهُ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَتَّبِعُ مَا لَا تَعْلَمُ وَلَا يَعْنِيَك .
الثَّالِثُ : قَالَ قَتَادَةُ : لَا تَقُلْ رَأَيْت مَا لَمْ أَرَ ، وَلَا سَمِعْت مَا لَمْ أَسْمَعْ .
الرَّابِعُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ : هُوَ شَهَادَةُ الزُّورِ .
الْخَامِسُ : قِيلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَعْنَاهُ لَا تَقْفُ لَا تَقُلْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ؛ وَبَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مُرْتَبِطَةً ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مَا لَا يَحِلُّ ، وَلَا يَقُولَ بَاطِلًا ، فَكَيْفُ أَعْظَمُهُ وَهُوَ الزُّورُ .
وَيَرْجِعُ الْخَامِسُ إلَى الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ الْمُفْتِيَ بِالتَّقْلِيدِ إذَا خَالَفَ نَصَّ الرِّوَايَةِ فِي نَصِّ النَّازِلَةِ عَمَّنْ قَلَّدَهُ أَنَّهُ مَذْمُومٌ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَقِيسُ وَيَجْتَهِدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا الِاجْتِهَادُ فِي قَوْلِ اللَّهِ وَقَوْلِ الرَّسُولِ ، لَا فِي قَوْلِ بَشَرٍ
بَعْدَهُمَا .
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَخْرُجُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتَ تَقُولُهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَبْلَك .
قُلْنَا : نَعَمْ ؛ نَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ فِي تَفْرِيعِ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْتِزَامِ الْمَذْهَبِ بِالتَّخْرِيجِ ، لَا عَلَى أَنَّهَا فَتْوَى نَازِلَةٌ تَعْمَلُ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ ، حَتَّى إذَا جَاءَ سَائِلٌ عُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَصْلِيِّ ؛ لَا عَلَى التَّخْرِيجِ الْمَذْهَبِيِّ ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ الْجَوَابُ كَذَا فَاعْمَلْ عَلَيْهِ .
وَمِنْهَا قَوْلُ النَّاسِ : هَلْ الْحَوْضُ قَبْلَ الْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ أَوْ الْمِيزَانُ قَبْلَهُمَا أَمْ الْحَوْضُ ؟ فَهَذَا قَفْوُ مَا لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ ، وَلَا بِنَظَرِ السَّمْعِ ، وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ ، فَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ .
وَمِثْلُهُ : كَيْفَ كِفَّةُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؟ كَيْفَ يُعْطَى كِتَابَهُ ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ } : يُسْأَلُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَيُسْأَلُ الْفُؤَادُ عَمَّا افْتَكَرَ وَاعْتَقَدَ ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ عَمَّا رَأَى مِنْ ذَلِكَ أَوْ سَمِعَ ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُنْكِرُ ، فَتَنْطِقُ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ ، فَإِذَا شَهِدَتْ اسْتَوْجَبَتْ الْخُلُودَ الدَّائِمَ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ أَمْرٌ صَحِيحٌ ، فَهُوَ مِثَالٌ رَابِعٌ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَةِ تَقْوِيمِ الْفَتْوَى عَلَى أَهْلِ الدَّعْوَى .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا } .
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { مَرَحًا } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مُتَكَبِّرًا .
الثَّانِي : بَطِرًا .
الثَّالِثُ : شَدِيدُ الْفَرَحِ .
الرَّابِعُ : النَّشَاطُ .
فَإِذَا تَتَبَّعْت هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَجَدْتهَا مُتَقَارِبَةً ، وَلَكِنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ قِسْمَيْنِ مُخْتَلِفِينَ : أَحَدُهُمَا مَذْمُومٌ ، وَالْآخَرُ مَحْمُودٌ ؛ فَالتَّكَبُّرُ وَالْبَطَرُ مَذْمُومَانِ ، وَالْفَرَحُ وَالنَّشَاطُ مَحْمُودَانِ ؛ وَلِذَلِكَ يُوصَفُ اللَّهُ بِالْفَرَحِ ، فَفِي الْحَدِيثِ : { لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ مِنْ رَجُلٍ } الْحَدِيثَ " وَالْكَسَلُ مَذْمُومٌ شَرْعًا ، وَالنَّشَاطُ ضِدُّهُ .
وَقَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ مَحْمُودًا ، وَذَلِكَ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ وَعَلَى الظَّلَمَةِ .
وَحَقِيقَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ الْآنَ أَنَّ الْفَرَحَ إذَا كَانَ بَدَنِيًّا وَصِفَاتٍ لَيْسَ لَهَا فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ ، أَوْ كَانَ النَّشَاطُ إلَى مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَا يَكُونُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا نِيَّةٌ دِينِيَّةٌ لِلْمُتَّصِفِ بِهِمَا ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ هَاهُنَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي : الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ : { إنَّك لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ } : يَعْنِي لَنْ تَتَوَلَّجَ بَاطِنَهَا ، فَتَعْلَمَ مَا فِيهَا ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يُرِيدُ لَنْ تُسَاوِيَ الْجِبَالَ بِطَوْلِك ، وَلَا بِطُولِك ، وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلُ مَا أَمَامَك ؛ وَأَيُّ فَضْلٍ لَك فِي ذَلِكَ ؟ وَالْمُسَاوَاةُ فِيهِ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ .
وَيُرْوَى أَنَّ سَبَأً دَوَّخَ الْأَرْضَ بِأَجْنَادِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، سَهْلًا وَجَبَلًا ، وَقَتَلَ وَأَسَرَ وَبِهِ سُمِّيَ سَبَأٌ وَدَانَ لَهُ الْخَلْقُ ، فَلَمَّا
قَالَ ذَلِكَ انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إنِّي لَمَّا نِلْت مَا لَمْ يَنَلْ أَحَدٌ رَأَيْت الِابْتِدَاءَ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ ؛ فَلَمْ أَرَ أَوْقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ إذَا أَشْرَقَتْ ، فَسَجَدُوا لَهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ عِبَادَةِ الشَّمْسِ ، فَهَذِهِ عَاقِبَةُ الْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْمَرَحِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا } : قُرِئَ { سَيِّئُهُ } بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَبِالْهَاءِ ، وَبِنَصَبِ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ ، فَمَنْ قَرَأَهُ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ أَرَادَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ فِيهِ حُسْنٌ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَفِيهِ سَيِّئٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَرَجَعَ الْوَصْفُ بِالسُّوءِ إلَى السِّيءِ مِنْهُ .
وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْهَمْزَةِ الْمَنْصُوبَةِ وَالتَّاءِ رَجَعَ إلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ مَكْرُوهًا ، وَالْكَرَاهِيَةُ عِنْدَكُمْ إرَادَةُ عَدَمِ الشَّيْءِ ، فَكَيْفَ يُوجَدُ مَا أَرَادَ اللَّهُ عَدَمَهُ ؟ .
قُلْنَا : قَدْ أَجَبْنَا عَنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْمُشْكَلَيْنِ ، بِبَسْطٍ .
بَيَانُهُ عَلَى الْإِيجَازِ ؛ أَنَّ مَعْنَى مَكْرُوهًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَمُرَادًا مَأْمُورٌ بِهِ ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } ؛ أَيْ يَأْمُرُ بِالْيُسْرِ ، وَلَا يَأْمُرُ بِالْعُسْرِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَيْضًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا شَرْعًا ، أَيْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَإِنْ أَرَادَ وُجُودَهُ ، كَقَوْلِهِ : { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } ؛ مَعْنَاهُ دِينًا لَا وُجُودًا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مِنْ عَبْدِهِ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إلَيْك رَبُّك مِنْ الْحِكْمَةِ } : قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ
الْحِكْمَةِ هَاهُنَا ، وَفِي كُتُبِنَا ، وَفَسَّرْنَا وُجُوهَهَا وَمَوَارِدَهَا : وَلُبَابُهَا هَاهُنَا أَنَّهَا الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ .
وَأَعْظَمُهَا قَدْرًا وَأَشْرَفُهَا مَأْمُورًا مَا بَدَأَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، أُمَّهَاتُهَا سِتَّةٌ : الْأَوَّلُ : دَلَالَتُهَا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ الْعُلَا و أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى .
الثَّانِي : تَذْكِرَتُهَا لِلتَّسْبِيحِ بِهَا .
الثَّالِثُ : كُلُّ شَيْءٍ لَهُ يُسَبِّحُ : لَمْحُ الْبَرْقِ ، وَصَرِيفُ الرَّعْدِ ، وَصَرِيرُ الْبَابِ ، وَخَرِيرُ الْمَاءِ .
الرَّابِعُ : قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ : كُلُّ ذِي رُوحٍ يُسَبِّحُ .
الْخَامِسُ : قَالَ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُ : الطَّعَامُ يُسَبِّحُ .
السَّادِسُ : قَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ ، مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ : كُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لَا يَعْلَمُهُ الْآدَمِيُّونَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اعْلَمُوا نَوَّرَ اللَّهُ بَصَائِرَكُمْ بِعِرْفَانِهِ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَثُرَ الْخَوْضُ فِيهَا بَيْنَ النَّاسِ .
وَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى أَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ ؛ وَتَرْتِيبُ الْقَوْلِ هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَمَادَاتِ فَضْلًا عَنْ الْبَهَائِمِ تَسْبِيحٌ بِكَلَامٍ ، وَإِنْ لَمْ نَفْقَهْهُ نَحْنُ عَنْهَا ؛ إذْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ قِيَامِ الْكَلَامِ بِالْمَحَلِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هَيْئَةٌ آدَمِيَّةٌ ، وَلَا وُجُودُ بَلَّةٍ وَلَا رُطُوبَةٍ ، وَإِنَّمَا تَكْفِي لَهُ الْجَوْهَرِيَّةُ أَوْ الْجِسْمِيَّةُ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَإِخْوَتِهِمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْهَيْئَةَ الْآدَمِيَّةَ وَالْبَلَّةَ وَالرُّطُوبَةَ شَرْطًا فِي الْكَلَامِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ بِأَدِلَّتِهِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ فِي مَوْضِعِهِ ، وَبِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْآدَمِيِّينَ عَرَضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِمْ ، وَلَيْسَ يَفْتَقِرُ الْعَرَضُ
إلَّا لِوُجُودِ جَوْهَرٍ أَوْ جِسْمٍ يَقُومُ بِهِ خَاصَّةً ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّمَا هِيَ عَادَةٌ ، وَلِلْبَارِي تَعَالَى نَقْضُ الْعَادَةِ وَخَرْقُهَا بِمَا شَاءَ مِنْ قُدْرَتِهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَبَرِّيَّتِهِ .
وَلِهَذَا حَنَّ الْجِذْعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَّحَ الْحَصَى فِي كَفِّهِ وَكَفِّ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ بِمَكَّةَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ ، وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ تَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامَ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ كُلُّهُ هَيْئَةٌ ، وَلَا وُجِدَتْ لَهُ رُطُوبَةٌ وَلَا بَلَّةٌ ، وَعَلَى إنْكَارِ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَإِبْطَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ حَامَتْ بِمَا ابْتَدَعَتْهُ مِنْ الْمَقَالَاتِ ، فَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْخَالِقِ ظَاهِرَةٌ ، وَتَذْكِرَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بَيِّنَةٌ .
وَهَذَا وَإِنْ سُمِّيَ تَسْبِيحًا فَذَلِكَ شَائِعٌ لُغَةً ، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ ، فَتَقُولُ : يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى .
وَكَمَا قَالَتْ : قِفْ بِالدِّيَارِ فَقُلْ : يَا دِيَارُ مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَك ، وَجَنَى ثِمَارَك ، وَأَجْرَى أَنْهَارَك ، فَإِنْ لَمْ تُجِبْك جُؤَارًا أَجَابَتْك اعْتِبَارًا ؛ وَكَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ عَنْ شَجَرَةٍ : رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلَالِ سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمْ وَكَذَاك الدَّهْرُ حَالًا بَعْدَ حَالِ وَذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْبَدِيعِ فِي الْفَصَاحَةِ ، وَالْغَايَةِ فِي الْبَلَاغَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ تَسْبِيحَ الْبَرْقِ لَمَعَانُهُ ، وَالرَّعْدِ هَدِيرُهُ ، وَالْمَاءِ خَرِيرُهُ ، وَالْبَابِ صَرِيرُهُ ، فَنَوْعٌ مِنْ الدَّلَالَةِ ، وَوَجْهٌ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِالْمَجَازِ ظَاهِرٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ كُلَّ ذِي رُوحٍ يُسَبِّحُ بِنَفْسِهِ وَصُورَتُهُ ، فَمِثْلُهُ فِي الدَّلَالَةِ وَفِي الْمَجَازِ فِي التَّسْمِيَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا :
إنَّ الطَّعَامَ يُسَبِّحُ الْتَحَقَ بِالْجَمَادِ فِي الْمَعْنَى وَالْعِبَارَةُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَسْبِيحًا رَبُّنَا بِهِ أَعْلَمُ ، لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ ؛ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لَمْ نَكْذِبْ ، وَلَمْ نَغْلَطْ ، وَلَا رَكِبْنَا مُحَالًا فِي الْعَقْلِ ؛ وَنَقُولُ : إنَّهَا تُسَبِّحُ دَلَالَةً وَتَذْكِرَةً وَهَيْئَةً وَمَقَالَةً ، وَنَحْنُ لَا نَفَقُهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَلَا نَعْلَمُ ، إنَّمَا يَعْلَمُهُ مَنْ خَلَقَهُ ، كَمَا قَالَ : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ : { شَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ : يَا رَبِّ ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا } هَلْ هُوَ بِكَلَامٍ ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ : امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطْنِي وَالْكُلُّ جَاءَ مِنْ عِنْدِنَا ، وَرَبُّنَا عَلَيْهِ قَادِرٌ .
وَأَكْمَلُ التَّسْبِيحِ تَسْبِيحُ الْمَلَائِكَةِ وَالْآدَمِيِّينَ وَالْجِنِّ فَإِنَّهُ تَسْبِيحٌ مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ كَلَامٌ مَعْقُولٌ ، مَفْهُومٌ لِلْجَمِيعِ بِعِبَارَةٍ مُخْلَصَةٍ ، وَطَاعَةٍ مُسَلَّمَةٍ ، وَأَجَلُّهَا مَا اقْتَرَنَ بِالْقَوْلِ فِيهَا فِعْلٌ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ مَجْمُوعُهُمَا ، وَهِيَ صَلَاةُ الْآدَمِيِّينَ ؛ وَذَلِكَ غَايَةُ التَّسْبِيحِ وَبِهِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ سُبْحَةً .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } : قُلْنَا : أَمَّا الْكُفَّارُ الْمُنْكِرُونَ لِلصَّانِعِ فَلَا يَفْقَهُونَ مِنْ وُجُوهِ التَّسْبِيحِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَيْئًا كَالْفَلَاسِفَةِ ، فَإِنَّهُمْ جَهِلُوا دَلَالَتَهَا عَلَى الصَّانِعِ ، فَهُمْ لِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ أَجْهَلُ .
وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ الدَّلَالَةَ وَفَاتَهُ مَا وَرَاءَهَا فَهُوَ يَفْقَهُ وَجْهًا وَيَخْفَى عَلَيْهِ آخَرُ ، فَتَكُونُ الْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ الْفَلَاسِفَةِ ، وَتَكُونُ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا وَرَاءَهُمْ ، مِمَّنْ أَدْرَكَ شَيْئًا مِنْ تَسْبِيحِهِمْ ؛ لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } فَجَعَلَ تَصْرِيفَ
الظِّلِّ ذُلًّا ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّجُودِ ، وَهِيَ غَايَةُ الْمَذَلَّةِ لِمَنْ لَهُ بِالْحَقِيقَةِ وَحْدَهُ الْعِزَّةُ ، وَهَذَا تَوْقِيفٌ نَفِيسٌ لِلْمَعْرِفَةِ ؛ فَإِذَا انْتَهَيْتُمْ إلَيْهِ عَارِفِينَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِنَا فَقِفُوا عِنْدَهُ ، فَلَيْسَ وَرَاءَهُ مَزِيدٌ ، إلَّا فِي تَفْصِيلِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ ؛ وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَفْزِزْ مِنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إلَّا غُرُورًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَاسْتَفْزِزْ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : اسْتَخِفَّهُمْ .
الثَّانِي : اسْتَجْهِلْهُمْ .
وَلَا يُخَفُّ إلَّا مَنْ يَجْهَلُ ؛ فَالْجَهْلُ تَفْسِيرٌ مَجَازِيٌّ ، وَالْخِفَّةُ تَفْسِيرٌ حَقِيقِيٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { بِصَوْتِك } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : بِدُعَائِك .
الثَّانِي : بِالْغِنَاءِ وَالْمِزْمَارِ .
الثَّالِثُ : كُلُّ دَاعٍ دَعَاهُ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ؟ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْحَقِيقَةُ ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَهُمَا مُجَازَانِ ، إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ مَجَازٌ خَاصٌّ ، وَالثَّالِثُ مَجَازٌ عَامٌّ .
وَقَدْ { دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ بَيْتَ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ ، فَقَالَ : أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ } .
فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ الْغِنَاءِ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ ؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبَاحَ قَدْ يَسْتَدْرِجُ بِهِ الشَّيْطَانُ إلَى الْمَعْصِيَةِ أَكْثَرَ وَأَقْرَبَ إلَى الِاسْتِدْرَاجِ إلَيْهَا بِالْوَاجِبِ ، فَيَكُونُ إذَا تَجَرَّدَ مُبَاحًا ، وَيَكُونُ عِنْدَ الدَّوَامِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَعَاصِي حَرَامًا ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { نُهِيت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ فَذَكَرَ الْغِنَاءَ وَالنَّوْحَ } .
وَقَدَّمْنَا شَرْحَ ذَلِكَ كُلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } : وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَآمُرَنَّهُمْ
فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } .
وَهَذَا تَفْسِيرُ أَنَّ صَوْتَهُ أَمْرُهُ بِالْبَاطِلِ ، وَدُعَاؤُهُ إلَيْهِ عَلَى الْعُمُومِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَدِينُهُ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضِ الْأَمْوَالِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَبَعْضِ الْأَوْلَادِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا شَرَحْنَاهُ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ : { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } ؛ وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلَّهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .
قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ رُكُوبَ الْبَحْرِ جَائِزٌ عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِطْلَاقِ ، وَقَسَّمْنَا وُجُوهَ رُكُوبِهِ فِي مَقَاصِدِ الْخَلْقِ بِهِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ جُمْلَتِهِ التِّجَارَةَ وَجَلْبَ الْمَنَافِعِ مِنْ بَعْضِ الْبِلَادِ إلَى بَعْضٍ ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } يَعْنِي التِّجَارَةَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .
وَقَالَ : { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } .
وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ التِّجَارَةُ ؛ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ ؛ وَكَذَلِكَ يَدُلُّ : الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } عَلَى جَوَازِ رُكُوبِهِ أَيْضًا ، وَهِيَ الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا تَفْسِيرَهَا فِي اسْمِ الْكَرِيمِ مِنْ كِتَابِ " الْأَمَدِ الْأَقْصَى " فَلْيُطْلَبْ ذَلِكَ فِيهِ .
===============================================ج15.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ } : أَيْ اجْعَلْهَا قَائِمَةً ، أَيْ دَائِمَةً .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : زَالَتْ عِنْدَ كَبِدِ السَّمَاءِ ؛ قَالَهُ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّ الدُّلُوكَ هُوَ الْغُرُوبُ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَلِيٌّ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { غَسَقِ اللَّيْلِ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إقْبَالُ ظُلْمَتِهِ .
الثَّانِي : اجْتِمَاعُ ظُلْمَتِهِ .
الثَّالِثُ : مَغِيبُ الشَّفَقِ .
وَقَدْ قَيَّدْت عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدُّلُوكَ إنَّمَا سُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ إذَا نَظَرَ إلَى الشَّمْسِ فِيهِ ، أَمَّا فِي الزَّوَالِ فَلِكَثْرَةِ شُعَاعِهَا ، وَأَمَّا فِي الْغُرُوبِ فَلِيَتَبَيَّنَهَا ، وَهَذَا لَوْ نُقِلَ عَنْ الْعَرَبِ لَكَانَ قَوِيًّا ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ حَتَّى يُقَالَ دَلَكْت بَرَاحِ كَقَوْلِهِ قَطَامِ وَجَذَامِ ، وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : دُلُوكُ الشَّمْسِ مَيْلُهَا .
وَغَسَقُ اللَّيْلِ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَظُلْمَتُهُ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالنَّاسُ يَتَمَارَوْنَ فِي الشَّمْسِ لَمْ تَغِبْ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : نَرَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغِبْ .
قَالَ : هَذَا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَقْتُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ قَرَأَ : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } ؛ قَالَ : وَهَذَا دُلُوكُ الشَّمْسِ ، وَهَذَا غَسَقُ اللَّيْلِ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ : أَنَّ الدُّلُوكَ هُوَ الْمَيْلُ ، وَلَهُ أَوَّلٌ عِنْدَنَا وَهُوَ الزَّوَالُ ، وَآخِرٌ وَهُوَ الْغُرُوبُ ، وَكَذَلِكَ الْغَسَقُ هُوَ الظُّلْمَةُ ، وَلَهَا ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ ، فَابْتِدَاؤُهَا عِنْدَ دُخُولِ اللَّيْلِ ، وَانْتِهَاؤُهَا عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ الْآيَةَ تَضَمَّنَتْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، فَقَوْلُهُ : دُلُوكِ الشَّمْسِ يَتَنَاوَلُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَقَوْلُهُ : { غَسَقِ اللَّيْلِ } اقْتَضَى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَقَوْلُهُ : { قُرْآنَ الْفَجْرَ } اقْتَضَى صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَسَمَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ قُرْآنًا لِيُبَيِّنَ أَنَّ رُكْنَ الصَّلَاةِ وَمَقْصُودَهَا الْأَكْبَرُ
الذِّكْرُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } ؛ مَعْنَاهُ صَلُّوا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَطْوَلُ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةً ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، يَقُولُ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي } .
{ وَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ : اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَمَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } ، مَعْنَاهُ صَلُّوا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهِيَ أَطْوَلُ الصَّلَوَاتِ قِرَاءَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { الْفَجْرِ } : يَعْنِي سَيَلَانَ الضَّوْءِ ، وَجَرَيَانَ النُّورِ فِي الْأُفُقِ ، مِنْ فَجَرَ الْمَاءُ وَهُوَ ظُهُورُهُ وَسَيَلَانُهُ ، فَيَكُونُ كَثِيرًا ، وَمِنْ هَذَا الْفَجْرُ وَهُوَ كَثْرَةُ الْمَاءِ وَهُوَ ابْتِدَاءُ النَّهَارِ وَأَوَّلُ الْيَوْمِ وَالْوَقْتُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ ؛ وَتَجُوزُ فِيهِ صَلَاةُ الصُّبْحِ فِعْلًا وَتَجِبُ إلْزَامًا فِي الذِّمَّةِ وَحَتْمًا ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ فِعْلُهَا نَدْبًا ، حَسْبَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ فِيهَا مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى صَلَاتِهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَنَازِلِ ، لَا بِالطَّالِعِ مِنْهَا ، وَلَا بِالْغَارِبِ ، وَلَا بِالْمُتَوَسِّطِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ ؛ لِأَنَّك إذَا تَرَاءَيْت الطَّالِعَ أَوْ الْغَارِبَ فَتَرَاءَى الْفَجْرُ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْأَصْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْبَدَلِ ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ بَيِّنَةً لِيَتَسَاوَى فِي دَرْكِهَا الْعَامِّيُّ وَالْخَاصِّيُّ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ نَصَبَهَا بَيِّنَةً لِلْأَبْصَارِ ، ظَاهِرَةً دُونَ اسْتِبْصَارٍ ، فَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّبَهَا خُفْيَةً ؛ فَذَلِكَ عَكْسُ الشَّرِيعَةِ ، وَخَلْطُ التَّكْلِيفِ وَتَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } : يَعْنِي مَشْهُودًا بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وَالْكَاتِبِينَ .
ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ قَالَ : { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ .
ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ } .
وَبِهَذَا فُضِّلَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَيُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرُ ، فَيَكُونَانِ جَمِيعًا أَفْضَلَ الصَّلَوَاتِ ، وَيَتَمَيَّزُ عَلَيْهَا الصُّبْحُ بِزِيَادَةِ فَضْلٍ حَتَّى تَكُونَ الْوُسْطَى ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ يَتَمَادَى وَقْتُهَا مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَلَّقَ وُجُوبَهَا عَلَى الدُّلُوكِ ، وَهَذَا دُلُوكٌ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي تَفْصِيلٍ ، وَأَشَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : وَقْتُ الْمَغْرِبِ يَكُونُ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ ؛ لِأَنَّهُ غَسَقٌ كُلُّهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قَرَأَهُ طُولَ عُمُرِهِ ، وَأَمْلَاهُ حَيَاتَهُ .
وَمِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا فِيهَا ، وَأَشَرْنَا إلَيْهَا فِي كُتُبِنَا عِنْدَ جَرَيَانِهَا أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُعَلَّقَةَ بِالْأَسْمَاءِ ، هَلْ تَتَعَلَّقُ بِأَوَائِلِهَا أَمْ بِآخِرِهَا ؟ فَيَرْتَبِطُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ ، وَجَرَى الْخِلَافُ فِي مَسَائِلِ مَالِكٍ عَلَى وَجْهٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ عِنْدَهُ .
وَالْأَقْوَى فِي النَّظَرِ أَنْ يَرْتَبِطَ الْحُكْمُ بِأَوَائِلِهَا ، لِئَلَّا يَعُودَ ذِكْرُهَا لَغْوًا ، فَإِذَا ارْتَبَطَ بِأَوَائِلِهَا جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ النَّظَرُ فِي تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ إلَى الْآخِرِ أَمْ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى مَا يُعْطِيه الدَّلِيلُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِ الصَّلَاةِ بِالزَّوَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الدُّلُوكِ .
وَكُنَّا نُعَلِّقُهَا بِالْجَمِيعِ ، إلَّا أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَدْ أَخَذَتْ مِنْهَا وَقْتَهَا ، مِنْ كَوْنِ ظِلِّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ؛ فَانْقَطَعَ حُكْمُ الظُّهْرِ لِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَبَقِيَ النَّظَرُ فِي اشْتِرَاكِهِمَا مَعًا ، بِدَلِيلٍ آخَرَ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ طُولٌ .
وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَأَمْرُهَا أَبْيَنُ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الدُّلُوكِ ، وَهُوَ الْغُرُوبُ ، وَلَيْسَ بَعْدَهَا صَلَاةٌ تُقْطَعُ بِهَا ، وَتَأْخُذُ الْوَقْتَ مِنْهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ ، فَهَلْ يَتَمَادَى وَقْتُهَا إلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ، أَمْ يَتَعَلَّقُ
بِالْأَوَّلِ خَاصَّةً ؟ وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ هَذَا كُلَّهُ ، فَقَالَ : { وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعِشَاءِ } .
وَقَالَ أَيْضًا فِيهِ : { وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ } ؛ فَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِبَيَانِ مُبَلِّغِ الشَّرِيعَةِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَتَهَجَّدْ بِهِ } : يَعْنِي اسْهَرْ بِهِ .
وَالْهُجُودُ : النَّوْمُ ، وَالتَّهَجُّدُ تَفَعُّلٌ ، وَهُوَ لِاكْتِسَابِ الْفِعْلِ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَصْلِ ، وَقَدْ يَأْتِي لِنَفْيِهِ فِي حُرُوفٍ مَعْدُودَةٍ ، جِمَاعُهَا سَبْعَةٌ : تَهَجَّدَ : نَفَى الْهُجُودَ ، تَخَوَّفَ : نَفَى الْخَوْفَ ، تَحَنَّثَ : نَفَى الْحِنْثَ ، تَنَجَّسَ : أَلْقَى النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ .
تَحَرَّجَ ، نَفَى الْحَرَجَ ، تَأَثَّمَ : نَفَى الْإِثْمَ ، تَعَذَّرَ : نَفَى الْعُذْرَ .
تَقَذَّرَ : نَفَى الْقَذَرَ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ : تَجَزَّعَ : نَفَى الْجَزَعَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { نَافِلَةً لَك } : وَالنَّفَلُ هُوَ الزِّيَادَةُ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ؛ وَفِي وَجْهِ الزِّيَادَةِ هَاهُنَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى فَرْضِهِ خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : { نَافِلَةً لَك } ؛ أَيْ زِيَادَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ شَيْئًا ؛ إذْ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ فَاسِدٌ ؛ إذْ نَفْلُهُ وَفَرْضُهُ لَا يُصَادِفُ ذَنْبًا ، و لَا صَلَاةُ اللَّيْلِ وَلَا صَلَاةُ النَّهَارِ تُكَفِّرَانِ خَطِيئَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي حَدِّهِ وُجُودًا ، مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ مُؤَاخَذَةً لَوْ كَانَ لِفَضْلِ الْمَغْفِرَةِ مِنْ اللَّهِ عَلَيْهِ .
وَمِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامُ اللَّيْلِ ، { وَكَانَ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ " الْأَحْزَابِ " وَفِي سُورَةِ " الْمُزَّمِّلِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي صِفَةِ هَذَا التَّهَجُّدِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ النَّوْمُ ، ثُمَّ الصَّلَاةُ ، ثُمَّ النَّوْمُ ، ثُمَّ الصَّلَاةُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الصَّلَاةُ بَعْدَ النَّوْمِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ .
وَهَذَا دَعَاوَى مِنْ التَّابِعِينَ فِيهَا ، وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا عَوَّلُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ وَيُصَلِّي ، وَيَنَامُ وَيُصَلِّي ، فَعَوَّلُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ كَانَ امْتِثَالًا لِهَذَا الْأَمْرِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي وَجْهِ كَوْنِ قِيَامِ اللَّيْلِ سَبَبًا لِلْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْبَارِئَ يَجْعَلُ مَا شَاءَ مِنْ فِعْلِهِ سَبَبًا لِفَضْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ ، أَوْ بِمَعْرِفَةِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ .
الثَّانِي : أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ فِيهِ الْخَلْوَةُ مَعَ الْبَارِئِ وَالْمُنَاجَاةُ دُونَ النَّاسِ ؛ فَيُعْطَى الْخَلْوَةَ بِهِ وَمُنَاجَاتُهُ فِي الْقِيَامَةِ ، فَيَكُونُ مَقَامًا مَحْمُودًا ، وَيَتَفَاضَلُ
فِيهِ الْخَلْقُ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ ؛ فَأَجَلُّهُمْ فِيهِ دَرَجَةً مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يُعْطَى مِنْ الْمَحَامِدِ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ ، وَيَشْفَعُ وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا } .
قَدْ أَطَلْنَا النَّفَسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ وَشَرْحِ الصَّحِيحِ بِمَا يَقِفُ بِكُمْ فِيهَا عَلَى الْمَعْرِفَةِ ، فَأَمَّا الْآنَ فَخُذُوا نَبْذَةً تُشْرِفُ بِكُمْ عَلَى الْغَرَضِ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ { ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ قَالَ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إذْ مَرَّ الْيَهُودُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ .
فَقَالَ : مَا رَابَكُمْ إلَيْهِ ؟ لَا يَسْتَقْبِلْنَكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ .
قَالُوا : سَلُوهُ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَعَلِمْت أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ ، فَقُمْت مَقَامِي ، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ : يَسْأَلُونَكَ عَنْ " الرُّوحِ " الْآيَةَ } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَمْ يَأْتِهِ فِي ذَلِكَ جَوَابٌ ، وَقَدْ قَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ : إنَّ الْيَهُودَ قَالُوا : سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَهُوَ نَبِيٌّ ، فَسَأَلُوهُ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ الْخَلْقِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ ، وَلَا يُفِيضُونَ مَعَهُمْ فِي الْمُشْكِلَاتِ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ فِي الْبَيِّنِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْقُولَاتِ ، وَالرُّوحُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَجْسَامِ ، فَأَحْيَاهَا بِهِ ، وَعَلِمَهَا وَأَقْدَرَهَا ، وَبَنَى عَلَيْهَا الصِّفَاتِ الشَّرِيفَةَ ، وَالْأَخْلَاقَ الْكَرِيمَةَ ، وَقَابَلَهَا بِأَضْدَادِهَا لِنُقْصَانِ الْآدَمِيَّةِ ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ إنْكَارَهَا لَمْ يَقْدِرْ لِظُهُورِ آثَارِهَا ، وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَتَهَا وَهِيَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ لَمْ يَسْتَطِعْ ؟ ؛ لِأَنَّهُ قَصُرَ عَنْهَا وَقَصُرَ بِهِ دُونَهَا .
وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهُ سُبْحَانَهُ رَكَّبَ ذَلِكَ فِيهِ عِبْرَةً ، كَمَا قَالَ : { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } لِيَرَى أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى لَا يُقْدَرُ عَلَى جَحْدِهِ لِظُهُورِ آيَاتِهِ فِي أَفْعَالِهِ : فَفِي كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ وَلَا يُحِيطُ بِهِ لِكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ ، فَإِذَا وَقَفَ مُتَفَكِّرًا فِي هَذَا نَادَاهُ الِاعْتِبَارُ : لَا تَرْتَبْ ، فَفِيك مِنْ ذَلِكَ آثَارٌ ، اُنْظُرْ إلَى مَوْجُودٍ فِي إهَابِك لَا تَقْدِرُ عَلَى إنْكَارِهِ لِظُهُورِ آثَارِهِ ، وَلَا تُحِيطُ بِمِقْدَارِهِ ، لِقُصُورِك عَنْهُ فَيَأْخُذُهُ الدَّلِيلُ ، وَتَقُومُ لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأَظُنُّك يَا مُوسَى مَسْحُورًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ الْآيَاتِ : وَفِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ يَدُهُ ، وَعَصَاهُ ، وَلِسَانُهُ ، وَالْبَحْرُ ، وَالطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، وَالْبَحْرُ ، وَعَصَاهُ ، وَالطَّمْسَةُ ، وَالْحَجَرُ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا الطَّمْسَةُ قَالَ قَوْلُهُ : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } .
قَالَ : فَدَعَا عُمَرُ بِخَرِيطَةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أُصِيبَتْ بِمِصْرَ ، فَإِذَا فِيهَا الْجَوْزَةُ وَالْبَيْضَةُ وَالْعَدَسَةُ ، مُسِخَتْ حِجَارَةً كَانَتْ مِنْ أَمْوَالِ فِرْعَوْنَ بِمِصْرَ .
الثَّالِثُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ هِيَ : الْحَجَرُ ، وَالْعَصَا ، وَالْيَدُ ، و الطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، وَالطَّوْدُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الطُّوفَانُ : الْمَاءُ .
الرَّابِعُ : رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ هِيَ : الطُّوفَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، وَالضَّفَادِعُ ، وَالدَّمُ ، وَالْعَصَا ، وَالْيَدُ ، وَالْبَحْرُ و الْجَبَلُ ، فِي أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ .
الْخَامِسُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ أَنْ { يَهُودِيَّيْنِ سَأَلَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التِّسْعِ الْآيَاتِ ؛ فَقَالَ : هِيَ أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَسْرِقُوا ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ ، وَلَا تَسْخَرُوا ، وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَاتِ ، وَلَا تُوَلَّوْا الْأَدْبَارَ عِنْدَ الزَّحْفِ ، وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً يَهُودُ أَلَّا تَعْتَدُوا فِي
السَّبْتِ .
فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ .
فَقَالَ : وَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي ؟ فَقَالَا : إنَّ دَاوُد دَعَا أَلَّا يَزَالَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ ، وَإِنَّا نَخَافُ إنْ اتَّبَعْنَاك أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الَّذِي جَرَى مِنْ الْأَحْكَامِ هَاهُنَا ذِكْرُ الْعَصَا ، وَسَنَسْتَوْفِي الْقَوْلَ فِيهَا فِي سُورَةِ " طَهَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ اُدْعُوا اللَّهَ أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّلَاةَ هُنَا الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآنَ ، وَمَنْ أَنْزَلَ وَمَنْ جَاءَ بِهِ ؛ فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك } فَيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ { وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } حَتَّى لَا يَسْمَعَكَ أَصْحَابُك الْآيَةَ } .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ ؛ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا ، رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ .
الثَّالِثُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : قِيلَ لِمُحَمَّدٍ : لَا تُحْسِنْ صَلَاتَك فِي الْعَلَانِيَةِ مُرَاءَاةً ، وَلَا تُسِيئُهَا فِي الْمُخَافَتَةِ .
الرَّابِعُ : رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ لِأَمْرٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ فِي عَدَدِ خَزَنَةِ النَّارِ : { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا ، وَجَعَلُوا إذَا سَمِعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ ، فَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ اسْتَرَقَ السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرَقًا مِنْهُمْ ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِعُ ] ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ ، وَإِنْ خَفَضَ صَوْتَهُ يَظُنُّ الَّذِي يَسْمَعُ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مِنْ قِرَاءَتِهِ شَيْئًا وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا مِنْهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْمَعُ مِنْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك فَيَتَفَرَّقُوا عَنْك ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا فَلَا يَسْمَعُهَا مَنْ يَسْتَرِقُ
السَّمْعَ ، رَجَاءَ أَنْ يَرْعَوِيَ إلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ الْوَسْنَانُ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُخَافِتُ ، وَعُمَرُ يَجْهَرُ ، فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أُسْمِعُ مَنْ أُنَاجِي .
وَقِيلَ لِعُمَرَ فِيهِ ، فَقَالَ : أُوقِظُ الْوَسْنَانَ ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ ، وَأَذْكُرُ الرَّحْمَنَ .
فَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ : ارْفَعْ قَلِيلًا .
وَقِيلَ لِعُمَرَ : اخْفِضْ قَلِيلًا ، وَذَكَرَ هَذَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : عَبَّرَ اللَّهُ هَاهُنَا بِالصَّلَاةِ عَنْ الْقِرَاءَةِ ، كَمَا عَبَّرْ بِالْقِرَاءَةِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُرْتَبِطٌ بِالْآخَرِ ؛ الصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَائِهَا ، فَيُعَبَّرُ بِالْجُزْءِ عَنْ الْجُمْلَةِ وَبِالْجُمْلَةِ عَنْ الْجُزْءِ ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْمَجَازِ وَهُوَ كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَتَبُّعِ الْأَسْبَابِ بِالتَّنْقِيحِ : أَمَّا رِوَايَاتُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَصَحُّهَا الْأَوَّلُ وَأَمَّا رِوَايَةُ عَائِشَةَ فَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَسِيرٍ ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ ، وَلَا غَائِبًا ، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا ؛ إنَّهُ بَيْنَكُمْ و بَيْنَ رُءُوسِ رِحَالِكُمْ } .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنْ صَحَّ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ و الْمُرَادُ أُمَّتُهُ ، إذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَيُشْبِهُ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي الدُّعَاءِ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْجَهْرِ ، حَتَّى يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْقَارِئِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّمَادِي عَلَيْهِ ، فَأَخَذَ بِالْوَسَطِ مِنْ
الْجَهْرِ الْمُتْعِبِ وَالْإِسْرَارِ الْمُخَافِتِ .
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ فِيهَا قَوْلًا سَادِسًا ؛ وَهُوَ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك بِالنَّهَارِ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا بِاللَّيْلِ ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا سَنَّهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَأَوْعَزَ بِهَا إلَيْكُمْ .
سُورَةُ الْكَهْفِ فِيهَا عِشْرُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } .
قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ } فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أَبَدًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ } هَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ ، وَهُوَ عَقْدُ نِيَابَةٍ أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَقِيَامِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ ، إذْ يَعْجَزُ كُلُّ أَحَدٍ عَنْ تَنَاوُلِ أُمُورِهِ إلَّا بِمَعُونَةٍ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ يَتَرَفَّهُ فَيَسْتَنِيبُ مَنْ يُرِيحُهُ ، حَتَّى جَازَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ ؛ لُطْفًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، وَرِفْقًا بِضَعَفَةِ الْخَلِيقَةِ ، ذَكَرَهَا اللَّهُ كَمَا تَرَوْنَ ، وَبَيَّنَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَسْمَعُونَ ، وَهُوَ أَقْوَى آيَةٍ فِي الْغَرَضِ .
وَقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وَبِقَوْلِهِ : { اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا } .
وَآيَةُ الْقَمِيصِ ضَعِيفَةٌ ، وَآيَةُ الْعَامِلِينَ حَسَنَةٌ .
وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْت لَهُ : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ ، فَقَالَ : ائْتِ وَكِيلِي ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا ، فَإِنْ ابْتَغَى مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ } .
وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرَ بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ عَلَى عَقْدِ نِكَاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ ، وَوَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ عَلَى نِكَاحِ مَيْمُونَةَ فِي
إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَوَكَّلَ حَكِيمَ بْنُ حِزَامٍ عَلَى شِرَاءِ شَاةٍ ، وَالْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ حَقٍّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، تَحْرِيرُهُ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِثَالًا : الْأَوَّلُ : الطَّهَارَةُ : وَهِيَ عِبَادَةٌ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا فِي صَبِّ الْمَاءِ خَاصَّةً عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى عَرْكِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَضِّئُ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ .
الثَّانِي : النَّجَاسَةُ .
الثَّالِثُ : الصَّلَاةُ : وَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا بِحَالٍ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّيهَا الْمُكَلَّفُ ، وَلَوْ بِأَشْفَارِ عَيْنَيْهِ إشَارَةً ، إلَّا فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ .
الرَّابِعُ : الزَّكَاةُ : وَتَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَخْذِهَا وَإِعْطَائِهَا .
الْخَامِسُ : الصِّيَامُ : وَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ بِحَالٍ ، إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْلَةٍ مِنْ السَّلَفِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
السَّادِسُ الِاعْتِكَافُ وَهُوَ مِثْلُهُ .
السَّابِعُ : الْحَجُّ .
الثَّامِنُ : الْبَيْعُ : وَهِيَ الْمُعَاوَضَةُ وَأَنْوَاعُهَا .
التَّاسِعُ : الرَّهْنُ .
الْعَاشِرُ : الْحَجْرُ : يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ الْحَاكِمُ مَنْ يَحْجُرُ وَيُنَفِّذُ سَائِرَ الْأَحْكَامِ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَوَالَةُ ، وَالضَّمَانُ ، وَالشَّرِكَةُ ، وَالْإِقْرَارُ ، وَالصُّلْحُ ، وَالْعَارِيَّةُ ؛ فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ مِثَالًا .
وَأَمَّا الْغَصْبُ : فَإِنْ وَكَّلَ فِيهِ كَانَ الْغَاصِبُ الْوَكِيلَ دُونَ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ فِعْلُهُ لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ الشُّفْعَةُ ، وَالْقَرْضُ ، وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي اللُّقَطَةِ .
وَأَمَّا قَسْمُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ فَتَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ .
وَالنِّكَاحُ وَأَحْكَامُهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ ، كَالطَّلَاقِ .
وَالْإِيلَاءُ يَمِينٌ لَا وَكَالَةَ فِيهِ .
وَأَمَّا اللِّعَانُ : فَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِيهِ بِحَالٍ .
وَأَمَّا الظِّهَارُ : فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ
، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ .
وَالْخِيَانَاتُ : لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ مِنْ أَنَّهَا بَاطِلٌ وَظُلْمٌ ، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَائِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الدِّيَةِ ، وَلَا وَكَالَةَ فِي الْقَسَامَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ .
وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الزَّكَاةِ ، وَفِي الْعِتْقِ وَتَوَابِعِهِ إلَّا فِي الِاسْتِيلَادِ ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِثَالًا ، تَكُونُ دُسْتُورًا لِغَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا إلَّا يَسِيرُ فَرْعٍ لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الطَّعَامِ الْمُشْتَرَكِ وَأَكْلِهِ عَلَى الْإِشَاعَةِ .
وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَالُوهُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَعْطَاهُ وَرِقَهُ مُفْرَدًا ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ اشْتِرَاكٌ ، وَلَا مُعَوِّلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا عَلَى حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ تَمْرًا ، فَقَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِقْرَانِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ } .
الثَّانِي : حَدِيثُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ { وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُمْ وَفَقَدُوا الزَّادَ ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، فَجُمِعَتْ ، فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا } .
وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ فِي الظُّهُورِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ يُعْطِيهِمْ كَفَافًا مِنْ ذَلِكَ الْقُوتِ ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَيْهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَحَادِيثَ ذَلِكَ وَمَسَائِلَهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ نُكْتَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْوَكَالَةَ فِيهَا إنَّمَا كَانَتْ مَعَ التَّقِيَّةِ وَخَوْفِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِمْ أَحَدٌ لَمَّا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ ، وَجَوَازُ تَوْكِيلِ ذِي الْعُذْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .
وَكَانَ سَحْنُونٌ قَدْ تَلَقَّفَهُ عَنْ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ ، فَحَكَمَ بِهِ أَيَّامَ قَضَائِهِ .
وَلَعَلَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الظُّلْمِ وَالْجَبَرُوتِ ؛ إنْصَافًا مِنْهُمْ ، وَإِرْذَالًا بِهِمْ .
وَهُوَ الْحَقُّ ، فَإِنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ ، وَلَا تَكُونُ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي ذَلِكَ قَائِمٌ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا ، فَجَازَتْ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ ؛ أَصْلُهُ دَفْعُ الدَّيْنِ .
وَمُعَوِّلُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحُقُوقَ تَخْتَلِفُ ، وَالنَّاسُ فِي الْأَخْلَاقِ يَتَفَاوَتُونَ ، فَرُبَّمَا أَضَرَّ الْوَكِيلُ بِالْآخَرِ .
قُلْنَا : وَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا فَيَنْظُرُ لِنَفْسِهِ فِيمَنْ يُقَاوِمُ خَصْمَهُ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ ، فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ جَوَازُ النِّيَابَةِ فِي الْإِطْلَاقِ ، وَلِلْوَكَالَةِ مَسَائِلُ يَأْتِي فِي أَبْوَابِهَا ذِكْرُ فُرُوعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا } قِيلَ : أَرَادَ أَكْثَرَ .
وَقِيلَ : أَرَادَ أَطْهَرَ ، يَعْنِي أَزْكَى وَأَحَلَّ ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَبْعِدَ طَلَبَهُ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ النَّهَامَةِ ، وَإِنَّمَا مَحْمَلُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مُرَادًا فَمَعْنَاهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ رِزْقَهُمْ كَانَ مِنْ عَدَدِهِمْ ، فَاحْتَاجُوا إلَى وَضْعٍ فِي الْمَطْعُومِ لِيَقُومَ بِهِمْ .
وَالْمَعْنَى الْآخَرُ مِنْ طَلَبِ الطَّهَارَةِ بَيِّنٌ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاَللَّهِ مَا أَرَانَا إلَّا قَدْ أُعْذِرْنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَصْبَحْت ، ثُمَّ صَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي صَلَاتِهِ ، لَقَدْ أَخَذْت صَخْرَةً ، ثُمَّ رَضَخْت رَأْسَهُ فَاسْتَرَحْنَا مِنْهُ ، فَامْنَعُونِي عِنْدَ ذَلِكَ ، أَوْ أَسْلِمُونِي .
قَالُوا : يَا أَبَا الْحَكَمِ ، وَاَللَّهِ لَا نُسْلِمُك أَبَدًا .
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ غَدَا إلَى مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ ، وَغَدَا أَبُو جَهْلٍ مَعَهُ حَجَرٌ ، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ بِذَلِكَ الْحَجَرِ ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَفِعًا لَوْنُهُ ، كَادَتْ رُوحُهُ تُفَارِقُهُ ، فَقَامَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ سَمِعَ مَا قَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، قَالُوا : يَا أَبَا الْحَكَمِ ، مَالَك ؟ فَوَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْت مُجِدًّا فِي أَمْرِك ، ثُمَّ رَجَعْت بِأَسْوَإِ هَيْئَةٍ رَجَعَ بِهَا رَجُلٌ ، وَمَا رَأَيْنَا دُونَ مُحَمَّدٍ شَيْئًا يَمْنَعُهُ مِنْك .
فَقَالَ : وَيْلَكُمْ ، وَاَللَّهِ لَعَرَضَ دُونَهُ لِي فَحْلٌ مِنْ الْإِبِلِ ، مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتِهِ وَأَنْيَابِهِ وَقَصَرَتِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ ، يَخْطِرُ دُونَهُ ، لَوْ دَنَوْت لَأَكَلَنِي .
فَلِمَا قَالَهَا أَبُو جَهْلٍ قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ أَمْرٌ مَا أَرَاكُمْ اُبْتُلِيتُمْ بِهِ قَبْلَهُ ، قُلْتُمْ لِمُحَمَّدٍ : شَاعِرٌ ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ .
وَقُلْتُمْ : كَاهِنٌ ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ .
وَقُلْتُمْ سَاحِرٌ ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ .
وَقُلْتُمْ : مَجْنُونٌ ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ .
وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ : أَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا ، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً ، وَخَيْرَكُمْ جِوَارًا ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ السِّنِّ مَا بَلَغَ ، فَأَبْصِرُوا بَصَرَكُمْ ، وَانْتَبِهُوا لِأَمْرِكُمْ .
فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : هَلْ أَنْتَ يَا نَضْرُ خَارِجٌ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِيَثْرِبَ ، وَنَبْعَثُ مَعَك رَجُلًا ؛ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ فِيهِ ، تَسْأَلُهُمْ ، ثُمَّ تَأْتِينَا عَنْهُمْ بِمَا يَقُولُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَخَرَجُوا ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَقَدِمَا عَلَى أَحْبَارِ الْيَهُودِ ، فَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَدْعُوهُمْ إلَيْهِ ، وَخِلَافَهُمْ إيَّاهُ ، فَقَالُوا لَهُمَا : سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ ، نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ : سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ مَضَوْا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ خَبَرٌ وَنَبَأٌ ، وَحَدِيثٌ مُعْجِبٌ ، وَأَخْبَرُوهُمْ خَبَرَهُمْ .
وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مِنْ الْبِلَادِ مَا لَمْ يَبْلُغْ غَيْرُهُ مِنْ مَشَارِقِهَا وَمَغَارِبِهَا يُقَالُ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ ، وَأَخْبَرُوهُمْ خَبَرَهُ .
وَسَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ مَا هُوَ ؟ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ فَالرَّجُلُ نَبِيٌّ فَاتَّبِعُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ كَذَّابٌ ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ .
فَقَدِمَ النَّضْرُ وَعُقْبَةُ عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةُ ، فَقَالَا : قَدْ أَتَيْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ، أَمَرَتْنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ أُمُورٍ ، فَإِنْ أَخْبَرَنَا بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، فَاتَّبِعُوهُ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَالرَّجُلُ كَذَّابٌ .
فَمَشَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ؛ أَخْبِرْنَا عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ ، نَسْأَلُك عَنْهَا ، فَإِنْ أَخْبَرْتنَا عَنْهَا فَأَنْتَ نَبِيٌّ .
أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ مَضَوْا فِي
الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ، كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ مُعْجِبٌ ، وَعَنْ رَجُلٍ طَوَافٍ بَلَغَ مِنْ الْبِلَادِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُ ، وَعَنْ الرُّوحِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَدًا أُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ } وَلَمْ يَسْتَثْنِ ، فَمَكَثَ عَنْهُ جِبْرِيلُ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، مَا يَأْتِيهِ ، وَلَا يَرَاهُ حَتَّى أَرْجَفَ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ ، قَالُوا : إنَّ مُحَمَّدًا وَعَدَنَا أَنْ يُخْبِرَنَا عَمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ غَدًا ، فَهَذِهِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، فَكَبُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُبْثُ جِبْرِيلُ عَنْهُ ، ثُمَّ جَاءَهُ بِسُورَةِ الْكَهْفِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَقَدْ احْتَبَسْت عَنِّي يَا جِبْرِيلُ حَتَّى سُؤْت ظَنًّا } فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّك } .
ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ .
فَنَزَلَ فِي أَمْرِ الْفِتْيَةِ : { أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ } إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ .
فَقَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْ وَصْفِهِمْ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ خَبَرُهُمْ : { فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا } .
يَقُولُ لَا مُنَازَعَةَ ، وَلَا تَبْلُغْ بِهِمْ فِيهَا جَهْدَ الْخُصُومَةِ ، وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ، لَا الْيَهُودُ الَّذِينَ أَمَرُوهُمْ أَنْ يَسْأَلُوك ، وَلَا الَّذِينَ سَأَلُوا مِنْ قُرَيْشٍ ، يَقُولُ : قَدْ قَصَصْنَا عَلَيْك خَبَرَهُمْ عَلَى حَقِّهِ وَصِدْقِهِ .
وَنَزَلَ فِي قَوْلِهِ : أُخْبِرُكُمْ بِهِ غَدًا قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ أَيُخْبِرُهُمْ عَمَّا يَسْأَلُونَك عَنْهُ ؟ أَمْ يَتْرُكُهُمْ ؟ { وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا نَسِيت } الْآيَةَ .
وَجَاءَهُ : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الرُّوحِ } الْآيَةَ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ نَادَاهُمْ الرُّوحُ جِبْرِيلُ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَبَلَغَنَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ أَحْبَارُ يَهُودَ : بَلَغَنَا يَا مُحَمَّدُ أَنَّ فِيمَا تَلَوْت
حِينَ سَأَلَك قَوْمُك عَنْ الرُّوحِ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا ، فَإِيَّانَا أَرَدْت بِهَا أَمْ قَوْمَك ؟ فَقَالَ : كُلًّا أُرِيدُكُمْ بِهَا } .
قَالُوا : أَوَلَيْسَ فِيمَا تَتْلُو : إنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : { بَلَى ، وَالتَّوْرَاةُ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ ، وَهِيَ عِنْدَكُمْ كَثِيرٌ مُجْزِئٌ } فَيَذْكُرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ نَزَلْنَ عِنْدَ ذَلِكَ : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ } إلَى آخِرِ الْآيَاتِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ .
وَهُوَ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا تَأْدِيبٌ مِنْ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ، أَمَرَهُ فِيهِ أَنْ يُعَلِّقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إذْ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ وَمِنْ نَفِيسِ اعْتِقَادِهِمْ ( مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ) لَا جَرَمَ فَلَقَدْ تَأَدَّبَ نَبِيُّنَا بِأَدَبِ اللَّهِ حِينَ عَلَّقَ الْمَشِيئَةَ بِالْكَائِنِ لَا مَحَالَةَ ، فَقَالَ يَوْمًا وَقَدْ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ : { السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَالَهُ الْمَرْءُ كَمَا يَلْزَمُهُ فِي الِاعْتِقَادِ ، فَهَلْ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً فِي الْيَمِينِ أَمْ لَا ؟ قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : يَكُونُ اسْتِثْنَاءً .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَأُسَامَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَالِكٍ .
إنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } .
إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ ذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ دَلِيلًا ؛ لِأَنَّ رَبْطَ الْمَشِيئَةِ ، وَذِكْرَهَا قَوْلًا مِنْ الْعَبْدِ لِفِعْلِ الْعَبْدِ ، فَقَالَ لِعَبْدِهِ : لَا تَقُلْ إنِّي فَاعِلٌ شَيْئًا فِيمَا تَسْتَقْبِلُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ قَوْمٍ : إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ .
وَتَقْدِيرُهُ عِنْد آخَرِينَ : إلَّا أَنْ تَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ ، وَهَذَا عَزْمٌ مِنْ اللَّهِ لِعَبْدِهِ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ قَوْلًا وَعَقْدًا فِي مَشِيئَةِ رَبِّهِ ، فَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ؛ وَقَوْلُ ذَلِكَ أَجْدَرُ فِي
قَضَاءِ الْأَمْرِ ، وَدَرْكِ الْحَاجَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد : لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَمْ يَقُلْ ، فَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
فَهَذَا بَيَانُ الثُّنْيَا فِي الْيَمِينِ ، وَأَنَّهَا حَالَةٌ لِعَقْدِ الْأَيْمَانِ ، وَأَصْلٌ فِي سُقُوطِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّهُ عِنْدَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ : { وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا نَسِيت } .
وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا نَسِيت بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ ، مَتَى ذَكَرْتَ ، وَلَوْ إلَى سَنَةٍ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالْحَسَنُ .
الثَّانِي : قَالَ عِكْرِمَةُ : مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا غَضِبْت .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا نَسِيت بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَيَرْفَعُ عَنْهُ ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ الْحَرَجَ ، وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ .
وَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا انْتَفَى الْحَرَجُ وَالْكَفَّارَةُ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا نَسِيت بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك إذَا غَضِبْتَ بِالْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ التَّثَبُّتُ عِنْدَ الْغَضَبِ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ عَجَلَةٍ ، وَمَزَلَّةُ قَدَمٍ ، وَالْمَرْءُ يُؤَاخَذُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ فَمُهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَمَنْ رَوَاهُ بِالْعَيْنِ وَالصَّادِ
الْمُهْمَلَتَيْنِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ أُمَّتُهُ ، لِاسْتِحَالَةِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ شَرْعًا بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ الصَّادِقِ فِي تَنْزِيهِهِمْ عَنْهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ رَبَّك بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ لِيَرْتَفِعَ عَنْك الْحَرَجُ دُونَ الْكَفَّارَةِ فَهُوَ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ إرَادَةُ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَرْفَعُ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَدَتْ فِي الْيَمِينِ بِهِ خَاصَّةً لَا تَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ نَافِعٌ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ تَنْعَقِدُ مُطْلَقَةً ، فَإِذَا قَرَنَ بِهَا ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا انْعِقَادَهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ .
وَمُعَوِّلُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِوُقُوعِ الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يَشَاءُ ، فَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَقَدْ كَانَ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ الْمَشِيئَةِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْفِعْلِ عَلَامَةٌ عَلَيْهَا ، وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي } الْآيَةَ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَمْرٌ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى التَّبَرُّكِ أَوْ التَّأْدِيبِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ مِيعَادِكُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ قُرْبٍ ، وَقَدْ فَاتَ الْأَجَلُ ؟ قُلْنَا : الْقُرْبُ هُوَ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ بَعُدَ ، وَالْبُعْدُ مَا لَمْ يُرِدْ اللَّهُ وَقْتَهُ وَإِنْ قَرُبَ الثَّالِثُ : الْمَعْنَى إنَّكُمْ طَلَبْتُمْ مِنِّي آيَاتٍ دَالَّةً عَلَى نُبُوَّتِي ، فَأَخْبَرْتُكُمْ ، فَلَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ، فَعَسَى أَنْ يُعْطِيَنِي اللَّهُ مَا هُوَ أَقْرَبُ لِإِجَابَتِكُمْ مِمَّا سَأَلْتُمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ قَوْمٌ : أَيُّ فَائِدَةٍ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ حَقِيقٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ ، وَكُلُّ أَحَدٍ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .
قُلْنَا : عَنْهُ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ تَعَبُّدٌ مِنْ اللَّهِ ، فَامْتِثَالُهُ وَاجِبٌ ، لِالْتِزَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، وَانْقِيَادِهِ إلَيْهِ ، وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ اشْتَمَلَ عَقْدُهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ مَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَاتَّصَلَ بِكَلَامِهِ فِي ضَمِيرِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي كَلَامِهِ بِلِسَانِهِ ، حَتَّى يَنْتَظِمَ اللِّسَانُ وَالْقَلْبُ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، فَتَعَيَّنَ الْإِجْهَارُ بِهِ ، لِيُمَيَّزَ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ فِيهِ التَّنْبِيهَ عَلَى مَا يَطْرَأُ فِي الْعَوَاقِبِ بِدَفْعٍ أَوْ تَأَتٍّ ، وَرَفْعَ الْإِيهَامِ الْمُتَوَقَّعِ بِقَطْعِ الْعَقْلِ الْمُطْلَقِ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
وَهَذِهِ كَانَتْ فَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ دَخَلَتْ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ رُخْصَةً ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ الِالْتِزَامَاتِ عَلَى الْأَصْلِ ؛ وَلِهَذَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ .
وَلَوْ قَالَهَا فِي الطَّلَاقِ لَمْ تَلْزَمْ ؛ لِأَنَّهُ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ الْعَقْدَ الْمُلْتَزَمَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ فَلْيَرْفَعْهُ فِي الْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَتْ رُخْصَةً فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِهَا فَلَا يُقَاسُ عَلَى الرُّخَصِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ حُجْزَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَالْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَدَّبَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَبْطِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، تَقَدَّسَ تَعَالَى ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَجَاءَ الْغَدُ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهِ كَذِبٌ ، وَالتَّأْخِيرُ مَعْصِيَةٌ مِنْ الْغَنِيِّ الْقَادِرِ ، وَلَوْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يَشَأْ التَّأْخِيرَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ ، وَهُوَ لَا يَشَاءُ الْمَعَاصِيَ ، كَمَا يَقُولُونَ ، إذَنْ كَانَ يَكُونُ الْحَالِفُ كَاذِبًا حَانِثًا .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك إنْ عِشْت غَدًا ، فَعَاشَ فَلَمْ يُعْطِهِ كَانَ حَانِثًا كَاذِبًا .
وَعِنْدَ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لِإِعْطَاءِ هَذَا الْحَالِفِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ أَمْرُهُ ، وَقَدْ عُلِمَ حُصُولُ أَمْرِهِ بِذَلِكَ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءُ الْحَالِفِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْمَعْلُومِ حُصُولُهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَالِفِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ حُصُولُهُ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ حَقَّك إنْ أَمَرَنِي اللَّهُ غَدًا بِذَلِكَ .
وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، بَيْدَ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَالُوا : إنَّ اللَّهَ أَرَادَ إعْطَاءَ حَقِّ هَذَا إرَادَةً مُتَقَدِّمَةً لِلْأَمْرِ بِهِ ، وَبِذَلِكَ صَارَ الْأَمْرُ أَمْرًا ، وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَالْحَالِفُ كَاذِبٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، حَانِثٌ .
وَقَدْ زَعَمَ الْبَغْدَادِيُّونَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ هِيَ تَقِيَّةُ الْعَبْدِ إلَى غَدٍ وَتَأْخِيرُهُ لَهُ ، وَرَفْعُ الْعَوَائِقِ عَنْهُ .
وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَوَجَبَ إذَا أَصْبَحَ الْحَالِفُ حَيًّا بَاقِيًا سَالِمًا مِنْ الْعَوَائِقِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا حَانِثًا إذَا لَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ .
وَقَدْ قَالُوا : إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحِنْثُ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛
رُخْصَةً مِنْ الشَّرْعِ .
قُلْنَا : حَكَمَ الشَّرْعُ بِسُقُوطِ الْحَرَجِ وَالْحِنْثِ عَنْهُ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبَقَائِهِ عَلَيْهِ إذَا قَالَ : إنْ أَبْقَانِي اللَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَيِّنٌ مَعْنًى ، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ لَفْظًا ؛ إذْ لَوْ كَانَ مَعْنًى وَاحِدًا لَمَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إلْجَائِي إلَيْهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ أَلْجَأَهُ إلَيْهِ لَمْ يُتَصَوَّرْ التَّكْلِيفُ فِيهِ بِالْإِلْزَامِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ عِنْدَهُمْ مُحَالٌ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ بِحَالٍ .
وَقَدْ بَسَطْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ مَالِكٌ : الْكَهْفُ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّومِ .
وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ غَزْوَةَ الْمَضِيقِ نَحْوَ الرُّومِ ، فَمَرَرْنَا بِالْكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أَصْحَابُ الْكَهْفِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ .
وَاسْمُ الْجَبَلِ الَّذِي فِيهِ الْكَهْفُ بنجلوس .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْكَهْفُ الْغَارُ فِي الْوَادِي ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّ الْكَهْفَ فِي نَاحِيَةِ الشَّامِ عَلَى قُرْبٍ مِنْ وَادِي مُوسَى ، يَنْزِلُهُ الْحُجَّاجُ إذَا سَارُوا إلَى مَكَّةَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ : " أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ " .
ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ بَابَ " حَدِيثُ الْغَارِ " وَذَكَرَ عَلَيْهِ خَبَرَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمْ الْمَطَرُ إلَى غَارٍ ، وَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : " { وَاَللَّهِ لَا يُنْجِيكُمْ إلَّا الصِّدْقُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْلِهِ : { قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } هِيَ الْحُجَّةُ : لِأَنَّ قَوْلَهُ : { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ } مِنْ كَلَامِهِمْ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا قَبْلُ سُكْنَى الْجِبَالِ وَدُخُولَ الْغِيرَانِ لِلْعُزْلَةِ عَنْ الْخَلْقِ وَالِانْفِرَادِ بِالْخَالِقِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ الظَّالِمِ : وَهِيَ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ فِي الْخَلِيقَةِ .
وَقَدْ شَرَحْنَاهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْك مَالًا وَوَلَدًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الذِّكْرُ مَشْرُوعٌ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى النَّدْبِ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ كُلَّ أَحْيَانِهِ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا ، فَقُضِيَ بَيْنَهَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا } .
وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ إذَا دَخَلَ أَحَدُنَا مَنْزِلَهُ أَوْ مَسْجِدَهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ : { وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ } أَيْ مَنْزِلَك قُلْت : { مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ } .
قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ مَالِكٌ : يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ لِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ : رَأَيْت عَلَى بَابِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَكْتُوبًا { مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ } .
وَرُوِيَ أَنَّ مَنْ قَالَ أَرْبَعًا أَمِنَ مِنْ أَرْبَعٍ ، مَنْ قَالَ هَذِهِ أَمِنَ مِنْ هَذَا ، وَمَنْ قَالَ : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَمِنَ مِنْ كَيْدِ النَّاسِ لَهُ قَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } .
وَمَنْ قَالَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَكْرِ .
قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْعَبْدِ الصَّالِحِ أَنَّهُ قَالَ : { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } .
وَمَنْ قَالَ : { لَا إلَهَ
إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } ، أَمِنَ مِنْ الْغَمِّ ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ إلَّا رَضِيَ بِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَا عَدَا اللَّهَ وَصِفَاتِهِ الْعُلَا لَهُ أَوَّلٌ ، فَإِنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مَا عَدَا نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعَذَابَ أَهْلِ النَّارِ لَهُ آخِرٌ ، وَكُلُّ مَا لَا آخِرَ لَهُ فَهُوَ الْبَاقِي حَقِيقَةً .
وَلَكِنَّ الْبَاقِيَ بِالْحَقِّ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ .
فَأَمَّا نَعِيمُ الْجَنَّةِ فَأُصُولٌ مُذْ خُلِقَتْ لَمْ تَفْنَ وَلَا تَفْنَى بِخَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَفُرُوعٌ وَهِيَ النِّعَمُ ، هِيَ أَعْرَاضٌ إنَّمَا تُوصَفُ بِالْبَقَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ أَمْثَالَهَا يَتَجَدَّدُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ وَغَيْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا } فَهَذَا فَنَاءٌ وَتَجْدِيدٌ ، فَيَجْعَلُهُ بَقَاءً مَجَازًا بِالْإِضَافَةِ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَفْنَى فَلَا يَعُودُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَالْأَعْمَالُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ الْخَلْقِ مِنْ حَسَنٍ وَقَبِيحٍ لَا بَقَاءَ لَهَا ، وَلَا تَجَدُّدَ بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ، فَهِيَ بَاقِيَاتٌ صَالِحَاتٌ وَطَالِحَاتٌ ، حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْأَعْمَالُ أَسْبَابًا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَكَانَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ دَائِمَيْنِ لَا يَنْقَطِعَانِ ، وَبَاقِيَيْنِ لَا يَفْنَيَانِ ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ ، وُصِفَتْ الْأَعْمَالُ بِالْبَقَاءِ ، حَمْلًا مَجَازِيًّا عَلَيْهَا ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ وَجْهِ تَسْمِيَةِ الْمَجَازِ .
وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِسَبَبِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ ، أَوْ تَسْمِيَتُهُ بِفَائِدَتِهِ
الْمَقْصُودَةِ بِهِ ، فَنَدَبَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا خَيْرُ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ ، وَعَمَلٍ وَحَالٍ فِي الْمَآلِ ، فَقَالَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّك ثَوَابًا مِنْ الْمَالِ وَالْبَنِينَ ، وَخَيْرٌ أَمَلًا فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ إرَادَتَهُ ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَكُونَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ ، وَهُوَ الَّذِي وَعَدَ بِالثَّوَابِ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ عَيَّنُوا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا ، وَرَوَوْا فِيهِ أَحَادِيثَ ، وَاخْتَارُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْوَاعًا يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا ، وَيَطُولُ إيرَادُهَا ، أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : رَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ قَوْلُ الْعَبْدِ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ } .
الثَّانِي : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلَهُ .
الثَّالِثُ : مِثْلُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ؛ وَبِهِ أَقُولُ ، وَإِلَيْهِ أَمِيلُ ، وَلَيْسَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَمَّا أَنَّ فَضْلَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالْحَوْقَلَةِ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحِ كَثِيرٌ ، وَلَا مِثْلَ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي ذَلِكَ بِحِسَابٍ وَلَا تَقْدِيرٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } .
وَهِيَ آيَةٌ سَيَرْتَبِطُ بِهَا غَيْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ الْخَضِرِ كُلُّهُ ، وَذَلِكَ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَرْدِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ بِغَايَةِ الْإِيعَابِ ، وَشَرَحْنَا مَسَائِلَهُ ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَنَحْنُ الْآنَ هَاهُنَا لَا نَعْدُو مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَاتِ عَلَى التَّقْرِيبِ الْمُوجِزِ الْمُوعِبِ فِيهَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ .
فَأَمَّا حَدِيثُهُ فَهُوَ مَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَيْسَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ ، فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، سَمِعْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ .
فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إلَيْهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْك .
قَالَ مُوسَى : أَيْ رَبِّ ، فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ : احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَثَمَّ هُوَ ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، فَجَعَلَ مُوسَى حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، فَانْطَلَقَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانِ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ ، فَرَقَدَ مُوسَى وَفَتَاهُ ، فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمِكْتَلِ ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ قَالَ : وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ ، حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ ، وَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا ، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ .
فَلَمَّا أَصْبَحَ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ : {
آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } .
قَالَ : وَلَمْ يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ .
قَالَ : { قَالَ أَرَأَيْتَ إذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } .
قَالَ : فَكَانَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا .
قَالَ سُفْيَانُ : يَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ ، وَلَا يُصِيبُ مَاؤُهَا مَيِّتًا إلَّا عَاشَ .
قَالَ : وَكَانَ الْحُوتُ قَدْ أَكَلَ مِنْهُ ، فَلَمَّا قَطَرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ .
قَالَ : فَقَصَّا آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ ، فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إنِّي بِأَرْضِك السَّلَامِ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى .
قَالَ : مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : يَا مُوسَى ، إنَّك عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ .
فَقَالَ مُوسَى : { أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا } .
قَالَ لَهُ الْخَضِرُ : { فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَك مِنْهُ ذِكْرًا } قَالَ : نَعَمْ .
فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ ، فَحَمَلُوهَا بِغَيْرِ نَوْلٍ ، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى .
قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْت إلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ، لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إمْرًا .
قَالَ : { أَلَمْ أَقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } .
ثُمَّ خَرَجَا مِنْ السَّفِينَةِ ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إذَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَأَخَذَ
الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ ، فَقَتَلَهُ .
قَالَ لَهُ مُوسَى : { أَقَتَلْت نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا } .
قَالَ : وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى : { إنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا أَنَّهُ صَبَرَ حَتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا } قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأُولَى كَانَتْ مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا .
قَالَ : وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ، ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ ، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ : مَا عِلْمِي وَعِلْمُك فِي عِلْمِ اللَّهِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ الْبَحْرِ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا .
وَكَانَ يَقْرَأُ : وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ أُبَيٌّ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا } .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ ؛ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ يَخْدُمُهُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ .
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ
فَتَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْفَتَى ، وَهُوَ الْعَبْدُ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ } وَقَالَ : { تُرَاوِدُ فَتَاهَا } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي ، وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي } .
فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ عَبْدٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ .
وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ ، فَالْوَقْفُ فِيهِ أَسْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِيهِ الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَقَدْ رَحَلَتْ الصَّحَابَةُ فِيهِ وَأُذِنَ لَهُمْ فِي التَّرَحُّلِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَضْلًا عَنْ الدِّينِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ : { فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } .
جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى النِّسْيَانَ سَبَبًا لِلزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ فِي الْمَسِيرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ كَتَبَ لَهُ لِقَاءَهُ ، وَكَتَبَ الزِّيَادَةَ فِي السَّيْرِ عَلَى مَوْضِعِ اللِّقَاءِ ، فَنَفَذَ الْكُلُّ ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْخَلْقِ فِي مَعَانِي الدِّينِ ، وَهُوَ عَفْوٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ مِنْ الْآيَةِ التَّاسِعَةِ : قَوْله تَعَالَى : { قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا } بَيَّنَ ذَلِكَ جَوَازَ الِاسْتِخْدَامِ لِلْأَصْحَابِ أَوْ الْعَبِيدِ فِي أُمُورِ الْمَعَاشِ وَحَاجَةِ الْمَنَافِعِ ، لِفَضْلِ الْمَنْزِلَةِ ، أَوْ لِحَقِّ السَّيِّدِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ مِنْ الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْسَانِيهِ إلَّا الشَّيْطَانُ } : نَسِيَهُ يُوشَعُ ، وَنَسِيَهُ أَيْضًا مُوسَى ، وَنِسْبَةُ الْفَتَى نِسْيَانَهُ إلَى الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ .
وَلَا يُنْسَبُ نِسْيَانُ الْأَنْبِيَاءِ إلَى الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا نِسْيَانُهُمْ أُسْوَةٌ لِلْخَلْقِ وَسُنَّةٌ فِيهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَصَارَ الْمَاءُ عَلَى الْحُوتِ مِثْلَ الطَّاقِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِمُوسَى ، وَلَوْلَاهُ مَا عَلِمَ أَيْنَ فَقَدَ الْحُوتَ ، وَلَا وَجَدَ إلَى لِقَاءِ الْمَطْلُوبِ سَبِيلًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مِنْ الْآيَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ } : وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعَالِمِ ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْمَرَاتِبُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ مِنْ الْآيَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّك لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا } .
حَكَمَ عَلَيْهِ بِعَادَةِ الْخَلْقِ فِي عَدَمِ الصَّبْرِ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ الِاعْتِيَادِ ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِالْعَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ مِنْ الْآيَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَك أَمْرًا } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : اسْتَثْنَى فِي التَّصَبُّرِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ ، فَلَا جَرَمَ وَجَّهَ مَا اسْتَثْنَى فِيهِ ، فَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرِقَ السَّفِينَةَ أَوْ يَقْتُلَ الْغُلَامَ لَمْ يَقْبِضْ يَدَهُ ، وَلَا نَازَعَهُ ، وَخَالَفَهُ فِي الْأَمْرِ ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ ، وَسَأَلَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْآيَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } .
ذَكَرَ أَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْآيَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ سَأَلْتُك عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي } .
فَهَذَا شَرْطٌ ، وَهُوَ لَازِمٌ ، وَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا الْتَزَمَهُ الْأَنْبِيَاءُ ، أَوْ اُلْتُزِمَ لِلْأَنْبِيَاءِ ، فَهَذَا أَصْلٌ مِنْ الْقَوْلِ بِالشُّرُوطِ وَارْتِبَاطِ الْأَحْكَامِ بِهَا ، وَهُوَ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } هَذَا يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الِاعْتِذَارِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مُطْلَقًا ، وَبِقِيَامِ الْحُجَّةِ مِنْ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بِالْقَطْعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : صَبَرَ مُوسَى عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ الْقَتْلَ ، وَلَمْ يَغْتَرَّ لَمَّا كَانَ أَعْلَمَهُ مِنْ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا لَيْسَ عِنْدَهُ ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا صَبَرَ عَلَى حَالٍ ظَاهِرُهَا الْمُحَالُ ، وَكَانَ هُوَ أَعْلَمُ بِبَاطِنِهَا فِي الْمَآلِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْآيَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَانْطَلَقَا حَتَّى إذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا } .
وَصَلَا إلَى الْقَرْيَةِ مُحْتَاجَيْنِ إلَى الطَّعَامِ ، فَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً ، فَأَبَوْا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا سُؤَالٌ ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ فِي الشَّرْعِ ، وَمَنَازِلَ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
وَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ هُوَ سُؤَالُ الضِّيَافَةِ ، وَهِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ هُنَالِكَ ، وَسُؤَالُهَا جَائِزٌ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِقَوْمٍ فَاسْتَضَافُوهُمْ ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ ، فَسَأَلُوهُمْ : هَلْ مِنْ رَاقٍ ، فَجَعَلُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ .
.
الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ .
وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَوَّزَ الْكُلَّ ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى حِينَ سَقَى لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ أَجْوَعَ مِنْهُ حِينَ أَتَى الْقَرْيَةَ مَعَ الْخَضِرِ ، وَلَمْ يَسْأَلْ قُوتًا ؛ بَلْ سَقَى ابْتِدَاءً ، وَفِي الْقَرْيَةِ سَأَلَا الْقُوتَ ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ انْفِصَالَاتٌ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا أَنَّ مُوسَى كَانَ فِي حَدِيثِ مَدْيَنَ مُنْفَرِدًا ، وَفِي قِصَّةِ الْقَرْيَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ .
وَقِيلَ : كَانَ هَذَا سَفَرَ تَأْدِيبٍ فَوُكِلَ إلَى تَكْلِيفِ الْمَشَقَّةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَفَرَ هِجْرَةٍ فَوُكِلَ إلَى الْعَوْنِ وَالْقُوَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْآيَةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْت أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } .
فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، وَفَرَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ حَتَّى قَرَءُوهَا لِمَسَّاكِينَ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِنْ الِاسْتِمْسَاكِ ، وَهَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا نَسَبَهُمْ إلَى الْمَسْكَنَةِ لِأَجْلِ ضَعْفِ الْقُوَّةِ ، بَلْ عَدَمِهَا فِي الْبَحْرِ ، وَافْتِقَارِ الْعَبْدِ إلَى الْمَوْلَى كَسْبًا وَخَلْقًا .
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ فَلْيَرْكَبْ الْبَحْرَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْآيَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّك أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : الْخَرْجُ : الْجَزَاءُ وَالْأُجْرَةُ ، وَكَانَ مَلِكًا يَنْظُرُ فِي أُمُورِهِمْ ، وَيَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ جَزَاءً فِي أَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ مَا يَجِدُونَهُ مِنْ عَادِيَةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَعَلَى الْمَلِكِ فَرْضُ أَنْ يَقُومَ بِحِمَايَةِ الْخَلْقِ فِي حِفْظِ بَيْضَتِهِمْ ، وَسَدِّ فُرْجَتِهِمْ ، وَإِصْلَاحِ ثَغْرِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي تَفِيءُ عَلَيْهِمْ ، وَحُقُوقِهِمْ الَّتِي يَجْمَعُهَا خَزَنَتُهُمْ تَحْتَ يَدِهِ وَنَظَرِهِ ، حَتَّى لَوْ أَكْلَتهَا الْحُقُوقُ ، وَأَنْفَدَتْهَا الْمُؤَنُ ، وَاسْتَوْفَتْهَا الْعَوَارِضُ ، لَكَانَ عَلَيْهِمْ جَبْرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَعَلَيْهِ حُسْنُ النَّظَرِ لَهُمْ ، وَذَلِكَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ : الْأَوَّلُ : أَلَّا يَسْتَأْثِرَ بِشَيْءٍ عَلَيْهِمْ .
الثَّانِي : أَنْ يَبْدَأَ بِأَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ فَيُعِينُهُمْ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُسَوِّيَ فِي الْعَطَاءِ بَيْنَهُمْ عَلَى مِقْدَارِ مَنَازِلِهِمْ ، فَإِذَا فَنِيَتْ بَعْدَ هَذَا ذَخَائِرُ الْخِزَانَةِ وَبَقِيَتْ صِفْرًا فَأَطْلَعَتْ الْحَوَادِثُ أَمْرًا بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ قَبْلَ أَمْوَالِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ فَأَمْوَالُهُمْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى تَقْدِيرٍ ، وَتُصْرَفُ بِأَحْسَنِ تَدْبِيرٍ .
فَهَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَالَ قَالَ : لَسْت أَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَحْتَاجُ إلَيْكُمْ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ، أَيْ اخْدِمُوا بِأَنْفُسِكُمْ مَعِي ، فَإِنَّ الْأَمْوَالَ عِنْدِي وَالرِّجَالَ عِنْدَكُمْ ؛ وَرَأَى أَنَّ الْأَمْوَالَ لَا تُغْنِي دُونَهُمْ ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَخَذُوهَا أُجْرَةً نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَعَادَ عَلَيْهِمْ بِالْأَخْذِ ، فَكَانَ التَّطَوُّعُ بِخِدْمَةِ الْأَبْدَانِ أَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ الْفَيْءِ وَالْخَرَاجِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ شَرْحِ الْحَدِيثِ بَيَانًا شَافِيًا ،
وَهَذَا الْقَدْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَتَمَامُهُ هُنَالِكَ .
وَضَبْطُ الْأَمْرِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَخْذُ مَالِ أَحَدٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَعْرِضُ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ الْمَالُ جَهْرًا لَا سِرًّا ، وَيُنْفَقُ بِالْعَدْلِ لَا بِالِاسْتِئْثَارِ ، وَبِرَأْيِ الْجَمَاعَةِ لَا بِالِاسْتِبْدَادِ بِالرَّأْيِ .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ : أَجَابَ اللَّهُ عَمَّا وَقَعَ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } .
لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ ، وَأَلْحَقُوا بِهِمْ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ ، وَيَرْجِعُونَ فِي الْجُمْلَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : الصِّنْفُ الْأَوَّلُ : الْكُفَّارُ بِاَللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَالتَّكْلِيفِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ زَيَّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ، إنْفَاذًا لِمَشِيئَتِهِ ، وَحُكْمًا بِقَضَائِهِ ، وَتَصْدِيقًا لِكَلَامِهِ .
الصِّنْفُ الثَّانِي : أَهْلُ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الدَّلِيلِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } كَأَهْلِ حَرُورَاءَ وَالنَّهْرَوَانِ ، وَمَنْ عَمَل بِعَمَلِهِمْ الْيَوْمَ ، وَشَغَبَ الْآنَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَشْغِيبَ أُولَئِكَ حِينَئِذٍ ، فَهُمْ مِثْلُهُمْ وَشَرٌّ مِنْهُمْ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمًا ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إلَّا أَخْبَرْته ، فَقَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ صُبَيْغُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : مَا الذَّارِيَاتُ ذَرْوًا ؟ قَالَ عَلِيٌّ : الرِّيَاحُ .
قَالَ : مَا الْحَامِلَاتُ وِقْرًا ؟ قَالَ : السَّحَابُ .
قَالَ : فَمَا الْجَارِيَاتُ يُسْرًا ؟ قَالَ : السُّفُنُ .
قَالَ : فَمَا الْمُقَسِّمَاتُ أَمْرًا ؟ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ .
قَالَ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } قَالَ : ارْقَ إلَيَّ أُخْبِرْك .
قَالَ : فَرَقَى إلَيْهِ دَرَجَتَيْنِ قَالَ : فَتَنَاوَلَهُ
بِعَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِهَا .
ثُمَّ قَالَ : أَنْتَ وَأَصْحَابُك .
وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا نُبْذَةً مِنْهُ ، وَتَمَامُهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الصِّنْفُ الثَّالِثُ : الَّذِينَ أَفْسَدُوا أَعْمَالَهُمْ بِالرِّيَاءِ وَضَيَّعُوا أَحْوَالَهُمْ بِالْإِعْجَابِ ، وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ ، وَيَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ كَثِيرٌ ، وَهُمْ الَّذِينَ أَفْنَوْا زَمَانَهُمْ النَّفِيسَ فِي طَلَبِ الْخَسِيسِ .
كَانَ شَيْخُنَا الطُّوسِيُّ الْأَكْبَرُ يَقُولُ : لَا يَذْهَبُ بِكُمْ الزَّمَانُ فِي مُصَاوَلَةِ الْأَقْرَانِ وَمُوَاصَلَةِ الْإِخْوَانِ .
وَقَدْ خَتَمَ الْبَارِي الْبَيَانَ ، وَخَتَمَ الْبُرْهَانَ بِقَوْلِهِ : { قُلْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } .
سُورَةُ مَرْيَمَ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ : الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّك عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ : { اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } .
وَقَدْ رَوَى سَعْدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ ، وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي } وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ ، فَأَمَّا دُعَاءُ زَكَرِيَّا فَإِنَّمَا كَانَ خَفِيًّا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ لَيْلًا .
وَالثَّانِي : لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي دُعَائِهِ أَحْوَالًا تَفْتَقِرُ إلَى الْإِخْفَاءِ ، كَقَوْلِهِ : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي .
وَهَذَا مِمَّا يُكْتَمُ وَلَا يُجْهَرُ بِهِ ، وَقَدْ أَسَرَّ مَالِكٌ الْقُنُوتَ ، وَجَهَرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَالْجَهْرُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهِ جَهْرًا حَسْبَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك وَلِيًّا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لِلْمَوْلَى ثَمَانِيَةَ مَعَانٍ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَالْحَدِيثِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا الْوَارِثُ ، وَابْنُ الْعَمِّ .
وَلَمْ يَخَفْ زَكَرِيَّا إرْثَ الْمَالِ ، وَلَا رَجَاهُ مِنْ الْوَلَدِ ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ إرْثَ النُّبُوَّةِ ، وَعَلَيْهَا خَافَ أَنْ تَخْرُجَ عَنْ عَقِبِهِ ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ } .
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ : { إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا عِلْمًا } .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَجَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فِي الْوَلَدِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ دَعَاهُ لِإِظْهَارِ دِينِهِ ، وَإِحْيَاءِ نُبُوَّتِهِ ، وَمُضَاعَفَةِ أَجْرِهِ ، فِي وَلَدٍ صَالِحٍ نَبِيٍّ بَعْدَهُ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ لِلدُّنْيَا .
الثَّانِي : لِأَنَّ رَبَّهُ كَانَ قَدْ عَوَّدَهُ الْإِجَابَةَ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } .
وَهَذِهِ وَسِيلَةٌ حَسَنَةٌ أَنْ يَتَشَفَّعَ إلَيْهِ بِنِعَمِهِ ، وَيَسْتَدِرَّ فَضْلَهُ بِفَضْلِهِ .
يُرْوَى أَنَّ حَاتِمَ الْجَوَادَ لَقِيَهُ رَجُلٌ ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ حَاتِمٌ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الَّذِي أَحْسَنْت إلَيْهِ عَامَ أَوَّلٍ .
قَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ تَشَفَّعَ إلَيْنَا بِنَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ وَالْحُكْمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ ، وَأَوْضَحْنَا وُجُوهَهَا ومُتَصَرَّفاتِها ومُتَعَلَّقاتِها كُلَّهَا .
وَأَجَلُّهَا مَرْتَبَةُ النُّبُوَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِالْحُكْمِ هَاهُنَا : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْوَحْيُ .
وَالثَّانِي : النُّبُوَّةُ .
وَالثَّالِثُ : الْمَعْرِفَةُ وَالْعَمَلُ بِهَا .
وَهَذَا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ يَفْتَقِرُ إلَى تَحْقِيقٍ ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْوَحْيُ فَجَائِزٌ أَنْ يُوحِيَ اللَّهُ إلَى الصَّغِيرِ ، وَيُكَاشِفَهُ بِمَلَائِكَتِهِ وَأَمْرِهِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْمُكَاشَفَةُ نُبُوَّةً غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ رِفْعَةً وَمَهْمُوزَةً إخْبَارًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى الْخَلْقِ كَامِلَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ مُؤَيَّدًا بِالْمُعْجِزَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ خَبَرٌ ، وَلَا كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ .
وَقَوْلُ عِيسَى : { إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } .
إخْبَارٌ عَمَّا وَجَبَ لَهُ حُصُولُهُ ، لَا عَمَّا حَصَلَ بَعْدُ .
وَأَمَّا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } .
قَالَ عِيسَى : أُوصِيكُمْ بِالْحِكْمَةِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ ، وَالِاتِّبَاعُ لَهَا ، وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ وَالْعَمَلُ بِهِ ، وَقَالَ : وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّك تَجِدُ الرَّجُلَ عَاقِلًا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا ذَا بَصَرٍ فِيهَا ، وَتَجِدُ آخَرَ ضَعِيفًا فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ عَالِمًا بِأَمْرِ دِينِهِ بَصِيرًا بِهِ ، يُؤْتِيهِ اللَّهُ إيَّاهُ ، وَيَحْرِمُهُ هَذَا ، فَالْحِكْمَةُ الْفِقْهُ فِي دِينِ اللَّهِ .
وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } قَالَ : الْمَعْرِفَةُ وَالْعَمَلُ بِهِ .
انْتَهَى قَوْلُ مَالِكٍ .
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ أَنَّهُ قِيلَ
لِيَحْيَى ، وَهُوَ صَغِيرٌ : أَلَا تَذْهَبُ نَلْعَبُ ؟ قَالَ : مَا خُلِقْت لِلَّعِبِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { هُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { هُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } أَمْرٌ بِتَكَلُّفِ الْكَسْبِ فِي الرِّزْقِ ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ غَيْرِ تَكَسُّبٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَ قَلْبُهَا فَارِغًا لِلَّهِ ، فَفَرَّغَ اللَّهُ جَارِحَتَهَا عَنْ النَّصَبِ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ عِيسَى ، وَتَعَلَّقَ قَلْبُهَا بِحُبِّهِ ، وَكَّلَهَا اللَّهُ إلَى كَسْبِهَا ، وَرَدَّهَا إلَى الْعَادَةِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ ، وَفِي مَعْنَاهُ أَنْشَدُوا : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ إلَيْك فَهُزِّي الْجِذْعَ يَسَّاقَطْ الرُّطَبْ وَلَوْ شَاءَ أَحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهَا إلَيْهَا وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ وَقَدْ كَانَ حُبُّ اللَّهِ أَوْلَى بِرِزْقِهَا كَمَا كَانَ حُبُّ الْخَلْقِ أَدْعَى إلَى النَّصَبْ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي صِفَةِ الْجِذْعِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ لِنَخْلَةٍ خَضْرَاءَ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ زَمَانَ الشِّتَاءِ ، فَصَارَ وُجُودُ التَّمْرِ فِي غَيْرِ إبَّانِهِ آيَةً .
الثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ جِذْعًا يَابِسًا فَهَزَّتْهُ ، فَاخْضَرَّ وَأَوْرَقَ وَأَثْمَرَ فِي لَحْظَةٍ .
وَدَخَلْتُ بَيْتَ لَحْمٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، فَرَأَيْت فِي مُتَعَبَّدِهِمْ غَارًا عَلَيْهِ جِذْعٌ يَابِسٌ كَانَ رُهْبَانُهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ جِذْعُ مَرْيَمَ بِإِجْمَاعٍ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ دَخَلَتْ بَيْتَ لَحْمٍ قَبْلَ اسْتِيلَاءِ الرُّومِ عَلَيْهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَرَأَيْت الْغَارَ فِي الْمُتَعَبَّدِ خَالِيًا مِنْ الْجِذْعِ .
فَسَأَلَتْ الرُّهْبَانَ بِهِ ، فَقَالُوا : نَخَرَ وَتَسَاقَطَ ، مَعَ أَنَّ الْخَلْقَ كَانُوا يَقْطَعُونَهُ اسْتِشْفَاءً حَتَّى فُقِدَ
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ : رُطَبًا جَنِيًّا .
الْجَنِيُّ : مَا طَابَ مِنْ غَيْرِ نَقْشٍ وَلَا إفْسَادٍ ، وَالنَّقْشُ أَنْ يُنْقَشَ فِي أَسْفَلِ الْبُسْرَةِ حَتَّى تُرَطَّبَ ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ يَعْنِي مَالِكٌ أَنَّ هَذَا تَعْجِيلٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ رِقَّتِهِ ، وَإِفْسَادٌ لِجَنَاهُ ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَلَوْ فَعَلَهُ فَاعِلٌ مَا كَانَ ذَلِكَ مُجَوِّزًا لِبَيْعِهِ ، وَلَا حُكْمًا بِطِيبِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : لَقَدْ كَادَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْنَا السَّاعَةَ بِقَوْلِهِمْ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } .
وَصَدَقَ ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ عَظِيمٌ سَبَقَ الْقَضَاءَ وَالْقَدْرَ ، وَلَوْلَا أَنَّ الْبَارِئَ لَا يَضَعُهُ كُفْرُ الْكَافِرِ ، وَلَا يَرْفَعُهُ إيمَانُ الْمُؤْمِنِ ، وَلَا يَزِيدُ هَذَا فِي مُلْكِهِ ، كَمَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِ ، مَا جَرَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ ، وَلَكِنَّهُ الْقُدُّوسُ الْحَكِيمُ الْحَلِيمُ ، فَلَمْ يُبَالِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ ابْنَهُ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْوَلَدِيَّةَ وَالْعَبْدِيَّةَ فِي طَرَفَيْ تَقَابُلٍ ، فَنَفَى إحْدَاهُمَا ، وَأَثْبَتَ الْأُخْرَى ، وَلَوْ اجْتَمَعَتَا لَمَا كَانَ لِهَذَا الْقَوْلِ فَائِدَةٌ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهَا ، وَالتَّبَرِّي مِنْهَا ؛ وَلِهَذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَمَةَ الرَّجُلِ إذَا حَمَلَتْ فَإِنَّ وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا حُرٌّ لَا رِقَّ فِيهِ بِحَالٍ ، وَمَا جَرَى فِي أُمِّهِ مَوْضُوعٌ عَنْهُ ، وَلَوْ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ ، فَلَا خِلَافَ فِي الْوَلَدِ ، وَبِهِ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ .
وَإِذَا اشْتَرَى الْحُرُّ أَبَاهُ وَابْنَهُ عَتَقَا عَلَيْهِ ، حِينَ يَتِمُّ الشِّرَاءُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ } .
فَهَذَا نَصٌّ .
وَالْأَوَّلُ دَلِيلٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ ابْنَهُ مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عَلَيْهِ فَالِابْنُ بِعَدَمِ مِلْكِ الْأَبِ أَوْلَى مَعَ قُصُورِهِ عَنْهُ ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ ، فَإِذَا أَزَالَ مِلْكَ الْغَيْرِ بِالشِّرَاءِ إلَيْهِ تَبْطُلُ عَنْهُ ، وَعَتَقَ ، وَالْتَحَقَ بِالْأَوَّلِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْرِيعٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْضِعُهُ شَرْحُ الْحَدِيثِ ، وَمَسَائِلُ الْفِقْهِ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهَا .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ : إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ .
ثُمَّ يُنَادِي مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ : إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ ؛ فَتُحِبُّهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا } .
وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا فَذَكَرَ مِثْلَهُ } .
وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَحَادِيثُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَعْرَضْنَا عَنْهَا لِضَعْفِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ : { اتَّقِ اللَّهَ يُحِبَّك النَّاسُ ، وَإِنْ كَرِهُوك } ، فَقَالَ : هَذَا حَقٌّ ، وَقَرَأَ : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } الْآيَةَ .
وَقَرَأَ مَالِكٌ : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْك مَحَبَّةً مِنِّي } .
وَهَذَا يُبَيِّنُ سَبَبَ حُبِّ اللَّهِ ، وَخَلْقَهُ الْمَحَبَّةَ فِي الْخَلْقِ ؛ وَذَلِكَ نَصٌّ فِي قَوْلِهِ : { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الشَّرِيعَةِ مِنْ اجْتِنَابِ النَّهْيِ .
سُورَةُ طَهَ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنِّي أَنَا رَبُّك فَاخْلَعْ نَعْلَيْك إنَّك بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طَوًى } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي خَلْعِ النَّعْلَيْنِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا أَنْبَأَنَا أَبُو زَيْدٍ الْحِمْيَرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، أَنْبَأَنَا عَمِّي عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا عَمِّي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَانَتْ نَعْلَا مُوسَى مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ } .
وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يَوْمَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ ، وَكِسَاءُ صُوفٍ ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ ، وَكُمَّةُ صُوفٍ ، وَنَعْلَانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ مُذَكًّى .
وَرَوَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ بِمِثْلِهِ مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الثَّانِي : قَالَ مُجَاهِدٌ : قَالَ لَهُ رَبُّهُ : اخْلَعْ نَعْلَيْك ، أَفِضْ بِقَدَمَيْك إلَى بَرَكَةِ الْوَادِي .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ : إنْ قُلْنَا : إنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ كَانَ لِيَنَالَ بَرَكَةَ التَّقْدِيسِ فَمَا أَجْدَرَهُ بِالصِّحَّةِ ، فَقَدْ اسْتَحَقَّ التَّنْزِيهَ عَنْ النَّعْلِ ، وَاسْتَحَقَّ الْوَاطِئُ التَّبَرُّكَ بِالْمُبَاشَرَةِ ، كَمَا لَا تُدْخَلُ الْكَعْبَةَ بِنَعْلَيْنِ ، وَكَمَا كَانَ مَالِكٌ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً بِالْمَدِينَةِ ، بِرًّا بِتُرْبَتِهَا الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى الْأَعْظُمِ الشَّرِيفَةِ ، وَالْجُثَّةِ الْكَرِيمَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ ، فَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ
مُوسَى أُمِرَ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ ، وَكَانَ أَوَّلُ تَعَبُّدٍ أُحْدِثَ إلَيْهِ ، كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى حَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُدْبَغْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، لِمُطْلَقِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ } وَلَمْ يَذْكُرْ دِبَاغًا .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُدْبَغُ فَيُنْتَفَعُ بِهِ مَدْبُوغًا ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ } قَالَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ : { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ قِرْبَةٍ مَدْبُوغَةٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ ، حَتَّى صَارَتْ شَنًّا } قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَهُوَ الرَّابِعُ ، وَوَرَاءَ هَذِهِ تَفْصِيلٌ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَعْلَا مُوسَى لَمْ تُدْبَغَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَا دُبِغَتَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِ إذْنٌ فِي اسْتِعْمَالِهَا .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَمْ تُدْبَغْ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ فِي الْبَابِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : { لِذِكْرِي } وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَقِمْ الصَّلَاةَ ، لَأَنْ تَذْكُرَنِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي لَك بِالْمَدْحِ .
الثَّالِثُ : أَقِمْ الصَّلَاةَ إذَا ذَكَرْتنِي .
وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَرُوِيَتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَقِمْ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرِ ، وَقُرِئَ : لِلذِّكْرَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الذِّكْرَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الضَّمِيرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى الْفَاعِلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : أَقِمْ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرَى ، وَلِذِكْرِي ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لِلذِّكْرَى إذَا ذَكَّرْتُك بِهَا ، وَلِتَذْكُرَنِي فِيهَا ، وَلِذِكْرِي لَك بِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : الذِّكْرُ مَصْدَرٌ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَلَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ .
قُلْنَا : بَلْ يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ ، كَمَا تَقُولُ : عَجِبْت مِنْ ضَرْبِي زَيْدًا ، إذَا كَانَ الضَّرْبُ الْوَاقِعُ بِهِ عَامًّا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرْبِ ، فَيَكُونُ الْعُمُومُ فِي كَيْفِيَّاتِ الضَّرْبِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ ، وَالْإِثْبَاتُ فِي النَّكِرَةِ الَّتِي لَا تَعُمُّ مَا يَتَنَاوَلُ الْأَشْخَاصَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ ذَاكِرٍ إذَا ذَكَرَ ، سَوَاءٌ كَانَ الذِّكْرُ دَائِمًا ، كَالتَّارِكِ لَهَا عَنْ عِلْمٍ ، أَوْ كَانَ الذِّكْرُ طَارِئًا ، كَالتَّارِكِ لَهَا عَنْ غَفْلَةٍ ، وَكُلُّ نَاسٍ تَارِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدٍ وَبِغَيْرِ قَصْدٍ ، فَمَتَى كَانَ الذِّكْرُ وَجَبَ الْفِعْلُ دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا .
فَافْهَمُوا هَذِهِ النُّكْتَةَ تُرِيحُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ شَغَبِ الْمُبْتَدِعَةِ ، فَمَا زَالُوا يُزَهِّدُونَ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى قَالُوا : إنَّ مَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ، وَنَسَبُوا ذَلِكَ إلَى مَالِكٍ .
وَحَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ذِهْنَهُ أَحَدُّ ، وَسَعْيَهُ فِي حِيَاطَةِ الدِّينِ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ ، إنَّمَا قَالَ : إنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا لَا يَقْضِي أَبَدًا .
كَمَا قَالَ فِي الْأَثَرِ : { مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ } إشَارَةً إلَى أَنَّ مَا مَضَى لَا يَعُودُ ، لَكِنْ مَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَوْفِيَةِ التَّكْلِيفِ حَقَّهُ بِإِقَامَةِ الْقَضَاءِ مَقَامَ الْأَدَاءِ ، وَإِتْبَاعِهِ بِالتَّوْبَةِ ، وَيَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَتْ الْمُتَزَهِّدَةُ : مَعْنَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } أَيْ : لَا تَذْكُرْ فِيهَا غَيْرِي ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَاعْبُدْنِي ، أَيْ لِي تَذَلَّلْ ، وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِمُجَرَّدِ ذِكْرِي ، تَحَرَّمَ عَنْ الدُّنْيَا ، وَأَخْلِصْ لِلْأُخْرَى ، وَاعْمُرْ لِسَانَك وَقَلْبَك بِذِكْرِ الْمَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ هُوَ الْأَوْلَى ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ كُتِبَ لَهُ مِنْهَا بِمِقْدَارِ ذَلِكَ فِيهَا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْهَا لَمَّا كَانَ أَضْمَرَ مِنْ الْآيَةِ لَهُ فِيهَا ، حَتَّى إذَا رَجَعَ عَلَيْهَا ، وَتَحَقَّقَ حَالَهَا ، وَكُسِيَتْ تِلْكَ الْحُلَّةَ الثُّعْبَانِيَّةَ بِمَرْأًى مِنْهُ لِابْتِدَائِهَا كَانَ تَبْدِيلُهَا مَعَ الذِّكْرِ أَوْقَعَ فِي الْقَلْبِ وَأَيْسَرَ لَهُ مِنْ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا ، فَيَرَاهَا بِحُلَّةِ الثُّعْبَانِيَّةِ مَكْسُوَّةً ، فَيَظُنُّ أَنَّمَا عَيَّنَ أُخْرَى سِوَاهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { قَالَ هِيَ عَصَايَ } قَالَ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ : الْجَوَابُ الْمُطْلَقُ أَنْ يَقُولَ هِيَ عَصًا ، وَلَا يُضِيفُ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ أَفْرَدَ عَنْهَا بِصِفَةِ الْحَيَّةِ ، فَبَقِيَ وَحْدَهُ لِلَّهِ ، كَمَا يُحِبُّ ، حَتَّى لَا يَكُونَ مَعَهُ إلَّا اللَّهُ ، يَقُولُ اللَّهُ : أَنْتَ عَبْدِي ، وَيَقُولُ مُوسَى : أَنْتَ رَبِّي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَجَابَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ أَرْبَعَةَ مَعَانٍ ، وَكَانَ يَكْفِي وَاحِدٌ قَالَ : الْإِضَافَةُ ، وَالتَّوَكُّؤُ ، وَالْهَشُّ ، وَالْمَآرِبُ الْمُطْلَقَةُ ، وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَابِ السُّؤَالِ بِأَكْثَرَ مِنْ مُقْتَضَى ظَاهِرِهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ طَهُورِ مَاءِ الْبَحْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْهَشُّ : هُوَ أَنْ يَضَعَ الْمِحْجَنَ فِي أَصْلِ الْغُصْنِ وَيُحَرِّكَهُ فَيَسْقُطُ مِنْهُ مَا سَقَطَ ، وَيَثْبُتُ مَا ثَبَتَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَاعٍ يَعْضِدُ شَجَرَةً فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : هُشُّوا وَارْعَوْا } ،
وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاقْتِصَادِ فِي الِاقْتِيَاتِ ، فَإِنَّهُ إذَا عَضَّدَ الشَّجَرَةَ الْيَوْمَ لَمْ يَجِدْ فِيهَا غَدًا شَيْئًا وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ يَخْلُفُهُ ، فَإِذَا هَشَّ وَرَعَى أَخَذَ وَأَبْقَى ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ، فَلْيَأْخُذْ وَلْيَدْعُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ كَثِيرًا فَلْيَأْخُذْهُ كَيْفَ شَاءَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ .
تَعَرَّضَ قَوْمٌ لِتَعْدِيدِ مَنَافِعِ الْعَصَا ، كَأَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ قَوْلَ مُوسَى { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعِلْمِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ الْعَصَا فِي حَاجَةٍ عَرَضَتْ ؛ أَمَّا إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إجْمَاعًا وَهُوَ الْخُطْبَةُ ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِاخْتِلَافٍ وَهُوَ التَّوَكُّؤُ عَلَيْهَا فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ هُنَا وَسِوَاهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالَا رَبَّنَا إنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذِكْرَ قَاضِيَيْنِ وَأَمِيرَيْنِ ، وَالرِّسَالَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا تَبْلِيغٌ عَنْ اللَّهِ ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أَنْ يُشَرِّعَ إلَّا بِوَحْيٍ جَازَ أَنْ يَحْكُمَا مَعًا ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ النَّبِيُّ لَمْ يَحْكُمْ إلَّا أَحَدُهُمَا ، وَهَذَا يَتِمُّ بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي جَوَازِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِاللِّينِ لِمَنْ مَعَهُ الْقُوَّةُ ، وَضُمِنَتْ لَهُ الْعِصْمَةُ ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَهُمَا : قَوْلَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ، وَلَا تَخَافَا إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى .
فَفِي الإسرائليات أَنَّ مُوسَى أَقَامَ عَلَى بَابِ فِرْعَوْنَ سَنَةً لَا يَجِدُ رَسُولًا يُبَلِّغُ كَلَامًا ، حَتَّى لَقِيَهُ حِينَ خَرَجَ فَجَرَى لَهُ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي سِيرَتِهِمْ مَعَ الظَّالِمِينَ .
وَرَبُّك أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي مِثْلِهَا مِنْ أَحْكَامٍ ؛ بَيْدَ أَنَّهُ كُنَّا فِي الْإِمْلَاءِ الْأَوَّلِ قَدْ وَعَدْنَا فِي قَوْلِهِمْ : إنَّهُ أَكَلَهَا نَاسِيًا بِبَيَانِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَهَا نَحْنُ بِقُوَّةِ اللَّهِ نَنْتَقِضُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَعْدِ ، فَنَقُولُ : كَمَا قَالَ فِي تَنْزِيهِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِمَنْزِلَتِهِمْ مِمَّا يَنْسِبُ الْجَهَلَةُ إلَيْهِمْ مِنْ وُقُوعِهِمْ فِي الذُّنُوبِ عَمْدًا مِنْهُمْ إلَيْهَا ، وَاقْتِحَامًا لَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا ، وَحَاشَ لِلَّهِ ، فَإِنَّ الْأَوْسَاطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ بِالنَّبِيِّينَ ، وَلَكِنَّ الْبَارِئَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحُكْمِهِ النَّافِذِ ، وَقَضَائِهِ السَّابِقِ ، أَسْلَمَ آدَمَ إلَى الْمُخَالَفَةِ ، فَوَقَعَ فِيهَا مُتَعَمِّدًا نَاسِيًا ، فَقِيلَ فِي تَعَمُّدِهِ : { وَعَصَى آدَم رَبَّهُ } .
وَقِيلَ فِي بَيَانِ عُذْرِهِ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ } .
وَنَظِيرُهُ مِنْ التَّمْثِيلَاتِ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ لَا يَدْخُلُ دَارًا أَبَدًا ، فَيَدْخُلَهَا مُتَعَمِّدًا نَاسِيًا لِيَمِينِهِ ، أَوْ مُخْطِئًا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَهُوَ عَامِدٌ نَاسٍ ، وَمُتَعَلِّقُ الْعَمْدِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ النِّسْيَانِ ، وَجَازَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي عَبْدِهِ : عَصَى تَحْقِيرًا وَتَعْذِيبًا ، وَيَعُودَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ فَيَقُولَ : نَسِيَ تَنْزِيهًا ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَنْ آدَمَ ، إلَّا إذَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ قَوْلِ اللَّهِ عَنْهُ ، أَوْ قَوْلِ نَبِيِّهِ .
وَأَمَّا أَنْ نَبْتَدِئَ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِنَا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَنَا فِي آبَائِنَا الْأَدْنَيْنَ إلَيْنَا ، الْمُمَاثِلَيْنِ لَنَا ، فَكَيْفَ بِأَبِينَا الْأَقْدَمِ الْأَعْظَمِ ، النَّبِيِّ الْمُقَدَّمِ ، الَّذِي عَذَرَهُ اللَّهُ ، وَتَابَ عَلَيْهِ ، وَغَفَرَ لَهُ .
وَوَجْهُ الْخَطَأِ فِي قِصَّةِ آدَمَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، وَلَكِنَّ وُجُوهَ الِاحْتِمَالَاتِ تَتَصَرَّفُ ، وَالْمُدْرَكُ
مِنْهَا عِنْدَنَا أَنْ يُذْهَلَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ ، كَمَا ضَرَبْنَا الْمَثَلَ فِي دُخُولِ الدَّارِ .
الثَّانِي : أَنْ يُذْهَلَ عَنْ جِنْسٍ مَنْهِيٍّ مِنْهُ ، وَيَعْتَقِدَهُ فِي عَيْنِهِ ؛ إذْ قَالَ اللَّهُ لَهُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الْجَزْمِ الشَّرْعِيِّ لِمَعْنًى مُغَيَّبٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ } .
قُلْنَا : قَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ مِنْ الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِكُمَا ، كَمَا قَالَ : { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي نَسِيَ مِنْ تَحْذِيرِ اللَّهِ لَهُ ، أَوْ تَأْوِيلُهُ فِي تَنْزِيلِهِ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ كَيْفَ دَارَ الْحَدِيثُ .
وَالتَّعْيِينُ يَفْتَقِرُ إلَى تَأْوِيلِهِ ، وَكَذَلِكَ قُلْنَا إنَّ النَّاسِيَ فِي الْحِنْثِ مَعْذُورٌ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّك تَرْضَى } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آنَاءِ } وَزْنُهُ أَفْعَالٌ ، وَاحِدُهَا إنْيٌ مِثْلُ عَدْلٍ ، وَإِنًى مِثْلُ عِنَبٍ فِي السَّالِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى هَاهُنَا : { سَبِّحْ } ، صَلِّ ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ التَّسْبِيحِ وَأَشْرَفُهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ ذَلِكَ بَيَانٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ أَمْ لِصَلَاةِ النَّفْلِ ؟ فَقِيلَ : قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَعْنِي الصُّبْحَ .
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي الْعَصْرَ .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا } .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا : { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ } يَعْنِي سَاعَاتِهِ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ قِيَامَ اللَّيْلِ كُلِّهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَفِي الثَّانِي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى : { حِينَ تُمْسُونَ } فِي الْفَرْضِ ، وَعَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا } ، عَلَى حَدِّ قَوْلِنَا فِي أَنَّهُ النَّفَلُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } : يَعْنِي فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ صَلَاةَ الظُّهْرِ .
وَقِيلَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ؛ لِأَنَّهَا فِي الطَّرَفِ الثَّانِي .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ مِنْ طَرَفِ اللَّيْلِ ، لَا مِنْ طَرَفِ النَّهَارِ .
وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي بِعْنِي بِهِ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَعَلَّكَ تَرْضَى } : هُوَ مُجْمَلُ قَوْلِهِ الْمُفَسِّرِ : { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } ، وَيُمَاثِلُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } .
سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ ، وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّا فِي ثَلَاثٍ : قَوْلُهُ : إنِّي سَقِيمٌ ، وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمًا ، وَقَوْلُهُ لِسَارَةَ : أُخْتِي ؛ وقَوْله تَعَالَى : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } } .
وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ : ثِنْتَيْنِ مِنْهَا فِي ذَاتِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ : { إنِّي سَقِيمٌ } وَقَوْلُهُ : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } وَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ : إنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : أُخْتِي .
فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ : يَا سَارَةُ ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَك ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْته أَنَّك أُخْتِي ، فَلَا تَكْذِبِينَنِي .
فَأَرْسَلَ إلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ ، فَأُخِذَ ، فَقَالَ : اُدْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّك ، فَدَعَتْ اللَّهَ ، فَأُطْلِقَ .
ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ .
فَقَالَ : اُدْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّك ، فَأُطْلِقَ ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ : لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ ، إنَّمَا أَتَيْتنِي بِشَيْطَانٍ ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ظَاهِرِ الْمَقْصُودِ بِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هَذَا تَعْرِيضٌ ، وَفِي التَّعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ؛ فَشَرَطَ النُّطْقَ
فِي الْفِعْلِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ : لِأَنَّهُ عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ ، وَهُمْ كَمَا قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، لِيَقُولُوا إنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ، فَيَقُولُ لَهُمْ : فَلِمَ تَعْبُدُونَ ؟ فَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ .
وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَرْضُ الْبَاطِلِ مَعَ الْخَصْمِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْحُجَّةِ وَأَقْطَعُ لِلشُّبْهَةِ ، كَمَا قَالَ لِقَوْمِهِ : هَذَا رَبِّي ، عَلَى مَعْنَى الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى إذَا أَفَلَ مِنْهُمْ تَبَيَّنَ حُدُوثُهُ ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِهِ إلَهًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : هَذَا رَبِّي ، هَذِهِ أُخْتِي ، وَإِنِّي سَقِيمٌ ، وَبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ : هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَارِيضَ وَحَسَنَاتٍ ، وَحُجَجًا فِي الْحَقِّ ، وَدَلَالَاتٍ ، لَكِنَّهَا أَثَّرَتْ فِي الرُّتْبَةِ ، وَخَفَّضَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ الْمَنْزِلَةِ ، وَاسْتَحْيَا مِنْهَا قَائِلُهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَلِيقُ بِمَرْتَبَتِهِ فِي النُّبُوَّةِ وَالْخِلَّةِ أَنْ يَصْدَعَ بِالْحَقِّ ، وَيُصَرِّحَ بِالْأَمْرِ فَيَكُونُ مَا كَانَ ، وَلَكِنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فَقَبِلَ الرُّخْصَةَ ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ الْقِصَّةِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ : { إنَّمَا اُتُّخِذْت خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ } يَعْنِي بِشَرْطِ أَنْ تُتَّبَعَ عَثَرَاتِي ، وَتُخْتَبَرَ أَحْوَالِي ، وَالْخِلَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ : { لِيَغْفِرَ لَك اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ } ، وَلِذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ فِي أَمْثَالِهَا : ابْغِنِي مِنْ وَرَائِي ، أَيْ اخْتَبِرْ حَالِي .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ نُكْتَةٌ عُظْمَى تَقْصِمُ الظَّهْرَ ، وَهِيَ أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : { لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ : ثِنْتَيْنِ مِنْهَا مَاحَلَ بِهِمَا عَنْ دِينِ اللَّهِ } وَهِيَ قَوْلُهُ : إنِّي سَقِيمٌ ، وَبَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، وَلَمْ يَعُدَّ قَوْلَهُ : هَذِهِ أُخْتِي فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَ بِهَا مَكْرُوهًا ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ فِيهَا حَظٌّ مِنْ صِيَانَةِ فِرَاشِهِ ، وَحِمَايَةِ أَهْلِهِ ، لَمْ يَجْعَلْ فِي جَنْبِ اللَّهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ فِي ذَاتِ اللَّهِ إلَّا الْعَمَلَ الْخَالِصَ مِنْ شَوَائِبِ الْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، أَوْ الْمَعَانِي الَّتِي تَرْجِعُ إلَى النَّفْسِ ، حَتَّى إذَا خَلَصَتْ لِلدِّينِ كَانَتْ لِلَّهِ ، كَمَا قَالَ : { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } وَهَذَا لَوْ صَدَرَ مِنَّا لَكَانَ لِلَّهِ ، وَلَكِنَّ مَنْزِلَةَ إبْرَاهِيمَ اقْتَضَتْ هَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ وَالنَّسَائِيُّ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ } .
فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } لَمْ يُرِدْ إذْ جَمَعَهُمَا فِي الْقَوْلِ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، فَإِنَّ حَاكِمَيْنِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَإِنَّمَا حَكَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادٍ بِحُكْمٍ ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ هُوَ الْفَاهِمُ لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي دُسْتُورٍ فِي قَصَصِ الْقُرْآنِ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لِرَسُولِهِ مَا جَرَى مِنْ الْأُمَمِ وَعَلَيْهَا ، وَأَقْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَفْعَالَهَا ، فَأَحْسَنَ الْقَصَصَ وَهُوَ أَصْدَقُهُ ؛ فَإِنَّ الإسرائليات ذَكَرُوهَا مُبَدَّلَةً وَبِزِيَادَةٍ بَاطِلَةٍ مَوْصُولَةٍ ، أَوْ بِنُقْصَانٍ مُحَرَّفٍ لِلْمَقْصِدِ مَنْقُولَةٍ ، وَمَا نُقِلَ مِنْ حَدِيثِ نَفْشِ الْغَنَمِ ، وَقَضَاءِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ فِيهَا ، اُنْظُرُوا إلَيْهِ ، فَمَا وَافَقَ مِنْهُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَمَا لَمْ يَرِدْ لَهُ فِيهِ ذِكْرٌ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، رَبُّك أَعْلَمُ بِهِ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي ذِكْرِ وَصْفِ مَا قَضَاهُ النَّبِيَّانِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فِيهِ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ زَرْعًا وَقَعَتْ فِيهِ الْغَنَمُ لَيْلًا ، قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ كَرْمًا نَبَتَتْ عَنَاقِيدُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّفْشَ رَعْيُ اللَّيْلِ ، وَالْهَمَلَ رَعْيُ النَّهَارِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي ذِكْرِ وَصْفِ قَضَائِهِمَا : أَمَّا حُكْمُ دَاوُد فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ قَضَى لِصَاحِبِ الْحَرْثِ بِالْغَنَمِ .
وَأَمَّا حُكْمُ سُلَيْمَانَ فَإِنَّهُ قَضَى بِأَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ عَلَّه يَغْتَلُّهَا ، وَيُدْفَعَ الْحَرْثُ إلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ لِيَقُومَ بِعِمَارَتِهِ ، فَإِذَا عَادَ فِي السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ إلَى مِثْلِ حَالَتِهِ رُدَّ إلَى كُلِّ أَحَدٍ مَالُهُ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، فَرَجَعَ دَاوُد إلَى حُكْمِ سُلَيْمَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي صِفَةِ حُكْمِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا : رَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَحَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ { أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطًا ، فَأَفْسَدَتْ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا بِالنَّهَارِ ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظُهَا بِاللَّيْلِ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي هَذِهِ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِ الْقَاضِي عَمَّا حَكَمَ بِهِ ، إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ فِي غَيْرِهِ ، وَهَكَذَا فِي رِسَالَةِ عُمَرَ إلَى أَبِي مُوسَى : فَأَمَّا أَنْ يَنْظُرَ قَاضٍ فِيمَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَدَاعَى إلَى مَا لَا آخِرَ لَهُ ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عُظْمَى مِنْ جِهَةِ نَقْضِ الْأَحْكَامِ ، وَتَبْدِيلِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ ، وَعَدَمِ ضَبْطِ قَوَانِينِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ إلَى نَقْضِ مَا رَآهُ الْآخَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : إنَّ دَاوُد لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ الْحُكْمَ ، وَظَهَرَ لَهُ مَا قَالَ غَيْرُهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَمْ يَكُنْ حُكْمًا ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فُتْيَا ، فَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَاوُد كَانَ فُتْيَا فَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ النَّبِيُّ ، وَفُتْيَاهُ حُكْمٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ الْآخَرُ : إنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ الْحُكْمَ فَظَهَرَ لَهُ مَا قَالَ غَيْرُهُ .
فَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : { إذْ يَحْكُمَانِ } ، فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ قَدْ حَكَمَ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّ الْفُتْيَا حُكْمٌ ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَفْظًا ، وَفِي بَعْضِ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ قَوْلُهُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ قَوْلُ غَيْرِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ اللَّهَ أَوْحَى أَنَّ الْحُكْمَ حُكْمُ سُلَيْمَانَ ، فَعَلَى هَذَا كَانَ الْقَضَاءُ مِنْ اللَّهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ .
وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَجُوزُ لَهُمْ الْحُكْمُ بِالِاجْتِهَادِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ التَّمْحِيصِ أَنَّ اجْتِهَادَهُمْ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، فَلَا إحَالَةَ فِي أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا عُدِمَ النَّصُّ ، وَهُمْ لَا يَعْدَمُونَهُ ، لِأَجْلِ نُزُولِ الْمَلَكِ .
قُلْنَا : إذَا لَمْ يَنْزِلْ الْمَلَكُ فَقَدْ عَدِمُوا النَّصَّ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّهُ عِنْدَنَا دَلِيلٌ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ دَلِيلٌ مَعَ وُجُودِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ، لَكِنَّ الْمَوَاشِيَ جَاءَ فِيهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ } .
فَحَكَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِعْلَ الْبَهَائِمِ هَدَرٌ ، وَهَذَا عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ سَنَدًا وَمَتْنًا ، وَحَدِيثُ نَاقَةِ الْبَرَاءِ خَاصٌّ ، وَمَا قَضَى بِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانُ غَيْرُ مَعْلُومٍ عَلَى التَّعْيِينِ مِمَّنْ يَقْطَعُ بِصِدْقِهِ ، فَتَعَيَّنَ أَنْ نَعْتَنِيَ بِشَرْعِنَا ، فَنَقُولَ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْعَامَّ يَقْضِي عَلَيْهِ الْخَاصُّ ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاقَةِ الْبَرَاءِ بِأَنَّ حِفْظَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَرْبَابِهَا ؟ لِمَا عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي حِفْظِهَا بِالنَّهَارِ ، وَبِأَنَّ حِفْظَ الْكُلِّ بِاللَّيْلِ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ شَاقٌّ عَلَى أَرْبَابِهَا ، فَجَرَى الْحُكْمُ عَلَى الْأَوْفَقِ وَالْأَسْمَحِ بِمُقْتَضَى الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ، وَمَجْرَى الْمَصْلَحَةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوْفَقَ لِلْفَرِيقَيْنِ ، وَأَسْهَلَ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَأَحْفَظَ لِلْمَالِكَيْنِ .
وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ؛ لِمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّينَ الْمُتَقَدِّمِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ فِي صِفَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي فِيمَا أَصَابَتْ بِالنَّهَارِ وَقَالَ اللَّيْثُ : يَضْمَنُ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِهَا ضَمَانٌ .
وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَعْنَى حَدِيثِ { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } وَهَذَا يَنْفِي الضَّمَانَ كُلَّهُ ، وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَوَجَبَ تَخْصِيصُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِحَدِيثِ الْعَجْمَاءِ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا بِقَضَاءِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ نَصٌّ ، فَنَقُولُ : إنَّهُ يُعَارِضُ هَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَيُفْتَقَرُ حِينَئِذٍ إلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَالتَّرْجِيحِ فِيهِ ، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا وَقْفَ بِنَاءِ النَّصِّ عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا قُلْنَا : إنَّ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي يَضْمَنُونَ مَا أَفْسَدَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قِيمَةَ الزَّرْعِ عَلَى رَجَاءِ أَنْ يَتِمَّ أَوْ لَا يَتِمَّ قَالَ عَنْهُ مُطَرِّفٌ ، وَلَا يَسْتَأْنِي بِالزَّرْعِ أَنْ يَنْبُتَ أَوْ لَا يَنْبُتَ كَمَا يَفْعَلُ فِي سِنِّ الصَّغِيرِ .
وَقَالَ عِيسَى ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : قِيمَتُهُ لَوْ حَلَّ بَيْعُهُ .
وَقَالَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ نَافِعٍ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ : وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ .
وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهُ ، فَيُقَوَّمُ كَذَلِكَ لَوْ تَمَّ أَوْ لَمْ يَتِمَّ ، كَمَا يُقَوَّمُ كُلُّ مُتْلَفٍ عَلَى صِفَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي ذَلِكَ فَعَلَى أَرْبَابِهَا قِيمَةُ مَا أَفْسَدَتْ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا .
وَقَالَ اللَّيْثُ : تَسْقُطُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْقِيمَةِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي ، وَلَيْسَتْ عَلَى الْمَوَاشِي ، وَتُخَالِفُ هَذَا جِنَايَةُ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهَا عَلَيْهِ ، فَيَحْمِلُ
السَّيِّدُ مِنْهَا إنْ أَرَادَ فِدَاءَهُ قِيمَتَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَوْ لَمْ يُقْضَ فِي الْمُفْسِدِ بِشَيْءٍ حَتَّى نَبَتَ أَوْ انْجَبَرَ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مَنْفَعَةُ رَعْيٍ أَوْ شَيْءٍ ضَمِنَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَلَا ضَمَانَ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ .
وَقَالَ أَصْبَغُ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ قَدْ تَحَقَّقَ ، وَالْجَبْرُ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمَدِينَةِ : لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي أَنْ يُخْرِجُوا مَوَاشِيَهُمْ إلَى قُرَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ ذُوَّادٍ ، فَرَكَّبَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا أَنَّ الْبُقْعَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ بُقْعَةَ زَرْعِ أَوْ بُقْعَةَ سَرْحٍ ، فَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةَ زَرْعٍ فَلَا تَدْخُلُهَا مَاشِيَةٌ إلَّا مَاشِيَةً تُحْتَاجُ فِي الزَّرْعِ ، وَعَلَى أَرْبَابِهَا حِفْظُهَا ، وَمَا أَفْسَدَتْ [ فَصَاحِبُهَا ] ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةَ سَرْحٍ فَعَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ الَّذِي يَحْرُثُهُ فِيهَا حِفْظُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَشْهَبُ ، وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ : سَوَاءٌ كَانَتْ الثِّمَارُ وَالزُّرُوعُ مُحْظَرًا عَلَيْهَا أَوْ بِغَيْرِ حِظَارٍ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِالْحِظَارِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَخْتَلِفُ .
وَهَذَا أَصْوَبُ ، فَإِنَّ الْعَجْمَاءَ لَا يَرُدُّهَا حِظَارٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : الْمَوَاشِي عَلَى قِسْمَيْنِ ضَوَارِي ، وَحَرِيسَةٌ ، وَعَلَيْهَا قَسَّمَهَا مَالِكٌ ، فَالضَّوَارِي هِيَ الْمُعْتَادَةُ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : تُغَرَّبُ وَتُبَاعُ فِي بَلَدٍ لَا زَرْعَ فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ .
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ رَبُّهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ الَّتِي ضَرِيَتْ إفْسَادَ الزَّرْعِ : تُغَرَّبُ وَتُبَاعُ .
وَأَمَّا مَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَا يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ بِإِخْرَاجِهِ ، هَذَا بَيِّنٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَصْبَغُ : النَّحْلُ ، وَالْحَمَامُ ، وَالْإِوَزُّ ، وَالدَّجَاجُ ، كَالْمَاشِيَةِ ، لَا يُمْنَعُ صَاحِبُهَا مِنْ اتِّخَاذِهَا ، وَإِنْ أَضَرَّتْ ، وَعَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ حِفْظُ زُرُوعِهِمْ .
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ مُكِّنَ مِنْهُ ، وَأَمَّا انْتِفَاعُهُ بِمَا يَتَّخِذُهُ بِإِضْرَارِهِ بِأَحَدٍ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَهَذِهِ الضَّوَارِي عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا إلَّا بَعْدَ التَّقَدُّمِ .
وَأَرَى الضَّمَانَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ التَّقَدُّمِ ، إذَا كَانَتْ ضَوَارِيَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ الْحَسَنُ : لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَرَأَيْت الْقُضَاةَ قَدْ هَلَكُوا ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى سُلَيْمَانَ بِصَوَابِهِ ، وَعَذَرَ دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ إذَا اخْتَلَفُوا ، هَلْ الْحَقُّ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، أَمْ جَمِيعُ أَقْوَالِهِمْ حَقٌّ ؟ وَاَلَّذِي نَرَاهُ أَنَّ جَمِيعَهَا حَقٌّ لِقَوْلِهِ : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّمْحِيصِ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
سُورَةُ الْحَجِّ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ } يَعْنِي آدَمَ ، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } يَعْنِي وَلَدَهُ ، وَهُوَ الْمَنِيُّ سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ ، وَهُوَ الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } يَعْنِي قِطْعَةً صَغِيرَةً مِنْ دَمٍ .
{ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ } يَعْنِي ثُمَّ مِنْ جُزْءٍ مُخَثَّرٍ يُشْبِهُ اللُّقْمَةَ الَّتِي مُضِغَتْ .
وَقَوْلُهُ : { مُخَلَّقَةٍ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : صَارَتْ خَلْقًا ، وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مَا قَذَفَتْهُ الرَّحِمُ نُطْفَةً ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
الثَّانِي : تَامَّةُ الْخَلْقِ ، وَغَيْرُ تَامَّةِ الْخَلْقِ قَالَ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : مَعْنَاهُ مُصَوَّرَةٌ وَغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ كَالسَّقْطِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الرَّابِعُ : يُرِيدُ تَامَّةَ الشُّهُورِ ، وَغَيْرَ تَامَّةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْغَرَضِ ، وَنَحْنُ الْآنَ نُفِيضُ فِيهِ بِمَا إذَا اتَّصَلَ بِمَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ كَانَ بَيَانًا لِلْمَسْأَلَةِ وَعِرْفَانًا ، فَنَقُولُ : فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَالٌ عَنْ السَّلَفِ : فَأَمَّا الرِّوَايَاتُ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَهَا وَنُعِيدُ مِنْهَا هَاهُنَا الرِّوَايَةَ الْأُولَى : رَوَى يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ عَامِرٍ عَنْ
عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوه ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النُّطْفَةَ إذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَخَذَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ؟ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ مَا الْأَجَلُ ؟ مَا الْأَثَرُ ؟ وَبِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ؟ قَالَ دَاوُد : وَشُكِّلَتْ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ ، فَيُقَالُ لَهُ : انْطَلِقْ إلَى أُمِّ الْكِتَابِ ، فَإِنَّك تَجِدُ فِيهَا قِصَّةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ ، فَيَنْطَلِقُ فَيَجِدُ قِصَّتَهَا فِي أُمِّ الْكِتَابِ تَتَخَلَّقُ فَتَأْكُلُ رِزْقَهَا ، وَتَطَأُ أَثَرَهَا ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهَا قُبِضَتْ فَدُفِنَتْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُدِّرَ لَهَا ، ثُمَّ قَرَأَ عَامِرٌ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } .
الثَّانِيَةُ : مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ دَاوُد بِمِثْلِهِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إذَا اسْتَقَرَّتْ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ أَدَارَهَا مَلَكٌ بِكَفِّهِ ، وَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ ؟ قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ قَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَلَّقَةً قَالَ : أَيْ رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ مَا الرِّزْقُ ؟ مَا الْأَثَرُ ؟ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ؟ وَآثَارُ السَّلَفِ أَرْبَعَةٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ عَامِرٌ فِي النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ : فَإِذَا انْتَكَسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ كَانَتْ نَسَمَةً مُخَلَّقَةً ، وَإِذَا قَذَفَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ .
الثَّانِي : قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ : السَّقْطُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ .
الثَّالِثُ : قَالَ قَتَادَةُ : تَامَّةٌ وَغَيْرُ تَامَّةٍ .
الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْمُخَلَّقَةُ الَّتِي خَلَقَ فِيهَا الرَّأْسَ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ .
وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ الَّتِي لَمْ يَخْلُقْ فِيهَا شَيْئًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : إنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّقْطِ ، وَيَقُولُ : سَمُّوهُمْ وَاغْسِلُوهُمْ ، وَكَفِّنُوهُمْ وَحَنِّطُوهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ بِالْإِسْلَامِ صَغِيرَكُمْ وَكَبِيرَكُمْ ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ : { إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } ، لَمْ يَسْتَتِمَّ سَائِرُ خَلْقِهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلْقًا تَامًّا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا رَجَعْنَا إلَى أَصْلِ الِاشْتِقَاقِ فَإِنَّ النُّطْفَةَ وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ مُخَلَّقَةٌ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ خَلْقُ اللَّهِ ، وَإِذَا رَجَعْنَا إلَى التَّصْوِيرِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى الْخِلْقَةِ كَمَا قَالَ : ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَذَلِكَ مَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : إنَّهَا الَّتِي صُوِّرَتْ بِرَأْسٍ وَيَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ ، وَبَيْنَهَا حَالَاتٌ .
فَأَمَّا النُّطْفَةُ فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ يَقِينًا ، وَأَمَّا إنْ تَلَوَّنَتْ فَقَدْ تَخَلَّقَتْ فِي رَحِمِ الْأُمِّ بِالتَّلْوِينِ ، وَتَخَلَّقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّخْثِيرِ ؛ فَإِنَّهُ إنْشَاءٌ بَعْدَ إنْشَاءٍ .
وَيَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّ مَعَ التَّخْثِيرِ يَظْهَرُ التَّخْطِيطُ وَمِثَالُ التَّصْوِيرِ ، فَلِذَلِكَ شَكَّ مَالِكٌ فِيهِ ، وَقَالَ : وَمِنْ رَأْيِي مَنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ سَقْطٌ فَهُوَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ ، وَشَرْحُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلَ مَا جَاءَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ عَلَى الْمُخَلَّقِ وَغَيْرِ الْمُخَلَّقِ ، وَعَلَى التَّامِّ وَالنَّاقِصِ .
وَلَعَلَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَرَادَ السَّقْطَ مَا تَبَيَّنَ خَلْقُهُ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خَلْقُهُ فَلَا وُجُودَ لَهُ ، وَالِاسْمُ فِيهِ دُونَ مَوْجُودٍ يُسَمَّى وَبِمَاذَا تَكُونُ الْوَلَدُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ هُنَالِكَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا بِعِزَّتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عِدَّةَ
الْمَرْأَةِ تَنْقَضِي بِالسَّقْطِ الْمَوْضُوعِ ، ذَكَرَهُ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَمْلٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ، وَكَذَلِكَ قَالَ : لَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَا يَرْتَبِطُ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَلَّقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } ، فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَلْقٌ ، كَمَا أَنَّهُ حَمْلٌ .
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِمُضْغَةٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَنْبِيهًا عَلَى الْقُدْرَةِ .
قُلْنَا : فَأَيْنَ الْمَقْدُورُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ ؟ هَلْ هُوَ تَصْرِيفُ الْوَلَدِ بَيْنَ الْأَحْوَالِ ، وَنَقْلِهِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ ؟ فَذَكَرَ أَنَّ أَصْلَهُ النُّطْفَةُ ، ثُمَّ تَتَدَاوَلُهُ الصِّفَاتُ ، فَيَكُونُ خَلْقًا وَحَمْلًا .
قَالَ الْمُعْتَرِضُ : وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ } مَا يُسَمَّى وَلَدًا .
قُلْنَا : بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُسَمَّى حَمْلًا وَخَلْقًا لِشَغْلِ الرَّحِمِ ؛ فَإِذَا سَقَطَ بَرِئَتْ الرَّحِمُ مِنْ شُغْلِهَا .
قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَرِثُ أَبَاهُ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُودِهِ خَلْقًا ، وَكَوْنِهِ وَلَدًا وَحَمْلًا .
قَالَ الْمُعْتَرِضُ : لَا حُجَّةَ فِي الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ كَوْنِهِ نُطْفَةً .
قُلْنَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْقًا مَوْجُودًا ، وَلَا وَلَدًا مَحْسُوبًا مَا أُسْنِدَ مِيرَاثُهُ إلَى حَالٍ وَلَا قُضِيَ لَهُ بِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ عَامَ سِتٍّ ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ دُخُولِ الْبَيْتِ ، وَمَنَعُوهُ ، فَقَاضَاهُمْ عَلَى الْعَامِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَقَضَى عُمْرَتَهُ فِي مَكَانِهِ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَسْجِدَ نَفْسَهُ ، دُونَ الْحَرَمِ ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَنْهُ ، فَنَزَلَ خَارِجًا مِنْهُ فِي الْحِلِّ ، وَعَيَّرَهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ : { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ، فَصِفَةُ الْحَرَامِ تَقْتَضِي الْحَرَمَ كُلَّهُ ، ؛ لِأَنَّهُ بِصِفَتِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، وَآخِذٌ بِجَزَاءٍ عَظِيمٍ مِنْ التَّكْرِمَةِ وَالتَّعْظِيمِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ } ، وَكَانَ الْحَرَمُ مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ حَرِيمُهُ ، وَحَرِيمُ الدَّارِ مِنْ الدَّارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ } يُرِيدُ خَلَقْنَاهُ لَهُمْ ، وَسَمَّيْنَاهُ ، وَوَضَعْنَاهُ شَرْعًا وَدِينًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَعْلِ وَتَصَرُّفَاتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { سَوَاءً الْعَاكِفُ } .
يَعْنِي الْمُقِيمَ ، وَكَذَلِكَ اسْمُهُ فِي اللُّغَة .
وَالْبَادِي : يُرِيدُ
الطَّارِئَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } فَقَالَ لِي مَالِكٌ : السَّعَةُ وَالْأَمْنُ وَالْحَقُّ .
قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ كَانَتْ الْفَسَاطِيطُ تُضْرَبُ فِي الدُّورِ يَنْزِلُهَا النَّاسُ .
وَالْبَادِي أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِمْ .
ثُمَّ قَالَ : { وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ } قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَوَاءٌ فِي الْحَقِّ وَالسَّعَةِ ، وَالْبَادِي أَهْلُ الْبَادِيَةِ ، وَمَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ كَانَتْ تُضْرَبُ الْفَسَاطِيطُ فِي الدُّورِ ، وَلَقَدْ سَمِعْت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْزِعُ أَبْوَابَ مَكَّةَ إذَا قَدِمَ النَّاسُ .
قَالَ : وَالْحَجُّ كُلُّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ التَّسْوِيَةُ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي دُورِهِ وَمَنَازِلِهِ ، لَيْسَ الْمُقِيمُ فِيهَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الطَّارِئِ عَلَيْهَا .
هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا فِي الْحَقِّ سَوَاءٌ وَالْحُرْمَةُ وَالنُّسُكُ .
وَالصَّحِيحُ عُمُومُ التَّسْوِيَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ فِي الْمَوْسِمِ بِقَلْعِ أَبْوَابِ دُورِ مَكَّةَ حَتَّى يَدْخُلَهَا الَّذِي يَقْدُمُ ، فَيَنْزِلُ حَيْثُ شَاءَ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ دُورَ مَكَّةَ [ هَلْ هِيَ ] مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا أَمْ هِيَ لِلنَّاسِ ؟ الثَّانِي : يَنْبَنِي عَلَيْهِ هَذَا الْأَصْلُ ، وَهُوَ أَنَّ مَكَّةَ هَلْ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ رَوَى عَلْقَمَةُ بْنُ نَضْلَةَ قَالَ : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا نَرَى رِبَاعَ مَكَّةَ إلَّا السَّوَائِبَ ، مَنْ احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْقَوْلَ فِي رِبَاعِ مَكَّةَ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي الْآنَ
فِيهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ عَنْوَةً ، لَكِنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَسُمُّوا الطُّلَقَاءَ ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى : مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَتَرَكَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى أَحْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ عَلَيْهِمْ } ، وَلَكِنَّ النَّاسَ إذَا كَثُرُوا وَارِدِينَ عَلَيْهِمْ شَارَكُوهُمْ بِحُكْمِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ .
وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ نَهَى أَنْ تُغْلَقَ مَكَّةُ زَمَنَ الْحَاجِّ ، وَأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْزِلُونَ مِنْهَا حَيْثُ وَجَدُوا فَارِغًا ، حَتَّى كَانُوا يَضْرِبُونَ الْفَسَاطِيطَ فِي جَوْفِ الدُّورِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي دُخُولِ الْبَاءِ هَاهُنَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا زَائِدَةٌ ، كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْلِهِ : { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْلَ الشَّاعِرِ : نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَصْحَابُ الْفَلَجْ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجْ أَرَادَ وَنَرْجُو الْفَرَجَ .
وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَبِيلِ الْعَرَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْمَعْنَى عَلَى الْفِعْلِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْحَرْفِ .
فَيُقَالُ الْمَعْنَى : وَمَنْ يُهِمُّ فِيهِ بِمِيلٍ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَيْلُ ظُلْمًا ؛ لِأَنَّ الْإِلْحَادَ هُوَ الْمَيْلُ فِي اللُّغَةِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي عُرْفِ الشَّرِيعَةِ مَيْلًا مَذْمُومًا ، فَرَفَعَ اللَّهُ الْإِشْكَالَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيْلَ بِالظُّلْمِ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ، وَالظُّلْمُ فِي الْحَقِيقَةِ لُغَةً وَشَرْعًا وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالذُّنُوبِ الْمُطْلَقَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَنَفْسِهِ ، وَبِالذُّنُوبِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى الْخَلْقِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ .
وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَهُ فُسْطَاطَانِ : أَحَدُهُمَا فِي الْحِلِّ ، وَالْآخَرُ فِي الْحَرَمِ ؛ فَكَانَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحَرَمِ ، وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ لِبَعْضِ شَأْنِهِ دَخَلَ فُسْطَاطَ الْحِلِّ ، صِيَانَةً لِلْحَرَمِ عَنْ قَوْلِهِمْ : كَلًّا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ، حِينَ عَظَّمَ اللَّهُ الذَّنْبَ فِيهِ ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْجِنَايَاتِ تُعَظَّمُ عَلَى قَدْرِ عِظَمِ الزَّمَانِ ، كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَعَلَى قَدْرِ عِظَمِ الْمَكَانِ ، كَالْبَلَدِ الْحَرَامِ ، فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ مَعْصِيَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا بِنَفْسِ الْمُخَالَفَةِ ، وَالثَّانِيَةُ بِإِسْقَاطِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، أَوْ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فَإِنْ أَشْرَكَ فِيهِ أَحَدٌ فَقَدْ أَعْظَمَ الذَّنْبَ ، وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ أَعْظَمَ الذَّنْبَ ، وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ مُتَأَوِّلًا فَقَدْ أَعْظَمَ الذَّنْبَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ
مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ فِيهَا بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ الْعَدَوِيُّ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْعَاصِي ، وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ : { ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثُك قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ ، وَوَعَاهُ قَلْبِي ، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ : حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا ، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } .
فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ : مَا قَالَ لَك عَمْرٌو ؟ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ مِنْك بِذَلِكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ .
وَهَذَا مِنْ احْتِجَاجِ عَمْرٍو بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ قَائِمًا بِالْحَقِّ ، عَادِلًا فِي الْحَرَمِ ، دَاعِيًا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالُوا مَعْنَاهُ وَطَّأْنَا وَمَهَّدْنَا .
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ؛ إنَّمَا الْمَبَاءَةُ الْمَنْزِلُ ، وَبَوَّأْنَا فَعَّلْنَا مِنْهُ فَالْمَعْنَى وَإِذْ نَزَّلْنَا بِتَشْدِيدِ الزَّايِ لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ، أَيْ عَرَّفْنَاهُ بِهِ مَنْزِلًا ، وَلِذَلِكَ دَخَلَتْ اللَّامُ فِيهِ ، فَخَفِيَ الْأَمْرُ عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا حَتَّى قَالَ : إنَّ اللَّامَ هَاهُنَا زَائِدَةٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ النَّاسُ : جَعَلَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَامَةً رِيحًا هَبَّتْ حَتَّى كَشَفَتْ أَسَاسَ آدَمَ فِي الْبَيْتِ .
وَقِيلَ : نَصَبَ لَهُ ظِلًّا عَلَى قَدْرِ الْبَيْتِ ، فَقَدَّرَهُ بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَطَّهُ لَهُ جِبْرِيلُ .
وَهَذِهِ الْجُمَلُ لَا تَتَخَصَّصُ إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ صَحِيحٍ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ إبْرَاهِيمَ وَمَا كَانَ مِنْهُ مَعَ هَاجَرَ وَابْنِهَا ، وَكَيْف عَادَ ، وَكَيْف بَنَى ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَيُّ الْمَسْجِدِ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ الْأَوَّلَ ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ .
قُلْت : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى .
قُلْت : كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ سَنَةً .
ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ } ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هَاهُنَا وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَطَهِّرْ بَيْتِي } يَعْنِي لَا تَقْرَبْهُ بِمَعْصِيَةٍ وَلَا نَجَاسَةٍ وَلَا قَذَارَةٍ ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى شَاءَ اللَّهُ فَعُبِدَ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَأُشْرِكَ فِيهِ بِهِ ، وَلُطِّخَ بِالدِّمَاءِ النَّجِسَةِ ، وَمُلِئَ مِنْ الْأَقْذَارِ الْمُنْتِنَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَأَذِّنْ } تَقَدَّمَ بَيَانُ { أَذِّنْ } فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ مَعْنَاهُ أَعْلِمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ إبْرَاهِيمَ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ، وَذَلِكَ نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ النِّدَاءِ كَيْف وَقَعَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أُمِرَ بِهِ فِي جُمْلَةِ شَرَائِعِ الدِّينِ ، الصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ ، حَسْبَمَا تَمَهَّدَتْ بِهِ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي أَسَّسَهَا لِسَانُهُ ، وَأَوْضَحَهَا بِبَيَانِهِ ، وَخَتَمَهَا مُبَلَّغَةً تَامَّةً بِمُحَمَّدٍ فِي زَمَانِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَرْقَى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَيُنَادِي : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا ، فَلَمْ تَبْقَ نَفْسٌ إلَّا أَبْلَغَ اللَّهُ نِدَاءَ إبْرَاهِيمَ إلَيْهَا ، فَمَنْ لَبَّى حِينَئِذٍ حَجَّ ، وَمَنْ سَكَتَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ ، وَرَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ مُقْتَدِرٌ ، فَإِنْ صَحَّ بِهِ الْأَثَرُ اسْتَمَرَّ عَقِيدَةً وَاسْتَقَرَّ ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ يَكْفِي فِي الْمَعْنَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : لَا يُفْتَرَضُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ ، وَهِيَ الِاسْتِطَاعَةُ ، حَسْبَمَا تُفَسَّرُ فِي حَدِيثِ الْجَوْزِيِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عُمْرَانِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ ، بَيْدَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ حَالَ الْحَاجِّ فِي فَرْضِ الْإِجَابَةِ مُنْقَسِمَةٌ إلَى رَاجِلٍ وَرَاكِبٍ ، وَلَيْسَ عَنْ هَذَا لِأَحَدٍ مَذْهَبٌ ، وَلَا بَعْدَهُ فِي الدَّلِيلِ مَطْلَبٌ ، حَسْبَمَا هِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ ، فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَنَا صِفَةُ الْمُسْتَطِيعِ ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِبَدَنِهِ ، فَإِذَا قَدَرَ يَمْشِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَةُ ، وَإِذَا عَجَزَ وَوَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَتَحَقَّقَ الْوَعْدُ بِالْوَجْهَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ } يَعْنِي الَّتِي انْضَمَّ جَنْبَاهَا مِنْ الْهُزَالِ حَتَّى أَكَلَتْهَا الْفَيَافِي ، وَرَعَتْهَا الْمَفَازَاتُ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مِنْهَا أَوَانَ انْفِصَالِهِ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى بَدَنٍ ، فَإِنَّ حَرْبَ الْبَيْدَاءِ وَمُعَالَجَةَ الْأَعْدَاءِ رَدَّهَا هِلَالًا ، فَوَصَفَهَا اللَّهُ بِالْمَآلِ الَّذِي انْتَهَتْ عَلَيْهِ إلَى مَكَّةَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { يَأْتِينَ } رَدَّ الضَّمِيرَ إلَى الْإِبِلِ تَكْرِمَةً لَهَا ؛ لِقَصْدِهَا الْحَجَّ مَعَ أَرْبَابِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } فِي خَيْلِ الْجِهَادِ تَكْرِمَةً لَهَا حِينَ سَعَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { عَمِيقٍ } يَعْنِي بَعِيدٌ ، وَبِنَاءُ " عَمُقَ " لِلْبُعْدِ قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ قَفْرًا : وَقَاتِمُ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُحْتَرَقِ يُرِيدُ بِالْأَعْمَاقِ الْأَبْعَادَ تَرَى عَلَيْهَا قَتَامًا يُخْتَرَقُ مِنْهَا جَوًّا خَاوِيًا ، وَتَمْشِي فِيهِ كَأَنَّك وَإِنْ كُنْت مُصْعِدًا هَاوٍ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ بِئْرٌ عَمِيقَةٌ ، أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ حَجَّتَيْنِ ، وَحَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ثَالِثَةً } ، وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ حَجَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ وَدَعْوَتِهِ ، وَإِنَّمَا حَجَّ عَلَى دِينِهِ وَمِلَّتِهِ تَنَفُّلًا بِالْعِبَادَةِ ، وَاسْتِكْثَارًا مِنْ الطَّاعَةِ ، فَلَمَّا جَاءَهُ فَرْضُ الْحَجِّ بَعْدَ تَمَلُّكِهِ لِمَكَّةَ وَارْتِفَاعِ الْعَوَائِقِ ، وَتَطْهِيرِ الْبَيْتِ ، وَتَقْدِيسِ الْحَرَمِ ، قَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ حَجَّهُمْ ، ثُمَّ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي ، وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ تَأْخِيرِهِ إلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ قَبْلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ : لَمَّا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ رِجَالًا عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ حَجَّ الرَّاجِلِ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الرَّاكِبِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّهَا لَحَوْجَاءُ فِي نَفْسِي أَنْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا ، لِأَنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ : { يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } فَبَدَأَ بِأَهْلِ الرِّجْلَةِ .
وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ وَعِيسَى حَجَّا مَاشِيَيْنِ ، وَإِنَّمَا { حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا وَلَمْ يَحُجَّ مَاشِيًا } ؛ لِأَنَّهُ إنْ اقْتَدَى بِهِ أَهْلُ مِلَّتِهِ لَمْ يَقْدِرُوا ، وَإِنْ قَصَّرُوا عَنْهُ تَحَسَّرُوا ، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا .
وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ طَافَ رَاكِبًا لِيَرَى النَّاسُ هَيْئَةَ الطَّوَافِ .
قَوْله تَعَالَى : { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ لَامُ الْمَقْصُودِ وَالْفَائِدَةُ الَّتِي يَنْسَاقُ الْحَدِيثُ لَهَا وَتُنَسَّقُ عَلَيْهِ ، وَأَجَلُّهَا قَوْلُهُ : { لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } .
وَقَدْ تَتَّصِلُ بِالْفِعْلِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ؛ وَتَتَّصِلُ بِالْحَرْفِ ، كَقَوْلِهِ { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا مَوْرِدَهَا فِي مَلْجَئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ { مَنَافِعَ } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمَنَاسِكُ .
الثَّانِي : الْمَغْفِرَةُ .
الثَّالِثُ : التِّجَارَةُ .
الرَّابِعُ : مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ نُسُكٍ وَتِجَارَةٍ وَمَغْفِرَةٍ وَمَنْفَعَةٍ دُنْيَا وَآخِرَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ عُمُومُ قَوْلِ : { مَنَافِعَ } فَكُلُّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ ، وَهَذَا يُعَضِّدُهُ مَا فِي الْبَقَرَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } وَذَلِكَ هُوَ التِّجَارَةُ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .
وَبِالْأَوَّلِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمَعْلُومَاتِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ النَّحْرِ ؛ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ .
وَقَالَ : هُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ .
وَمِثْلَهُ رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَكَرِ اسْمِ اللَّهِ هَاهُنَا الْكِنَايَةُ عَنْ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَكُلُوا } قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ ، وَجَرَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ الْهَدْيِ ، وَحَقِيقَتُهُ تَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } : فَأَمَّا الْفَقِيرُ فَهُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى نَعْتِ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ .
وَأَمَّا الْبَائِسُ فَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ الْبُؤْسُ ، وَهُوَ ضَرَرُ الْمَرَضِ أَوْ ضَرَرُ الْحَاجَةِ .
: قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي ذِكْرِ التَّفَثِ : قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : هَذِهِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ عَرَبِيَّةٌ لَمْ يَجِدْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِيهَا شِعْرًا ، وَلَا أَحَاطُوا بِهَا خَبَرًا ، وَتَكَلَّمَ السَّلَفُ عَلَيْهَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : التَّفَثُ حَلْقُ الشَّعْرِ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ ، وَمَا أَتْبَعَ ذَلِكَ مِمَّا يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَنَاسِكُ الْحَجِّ ؛ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : حَلْقُ الرَّأْسِ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الرَّابِعُ : رَمْيُ الْجِمَارِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الْخَامِسُ : إزَالَةُ قَشَفِ الْإِحْرَامِ ، مِنْ تَقْلِيمِ أَظْفَارٍ ، وَأَخْذِ شَعْرٍ ، وَغُسْلٍ ، وَاسْتِعْمَالِ طِيبٍ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ .
فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فَلَوْ صَحَّ عَنْهُمَا لَكَانَ حُجَّةً ، لِشَرَفِ الصُّحْبَةِ وَالْإِحَاطَةِ بِاللُّغَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ إنَّهُ حَلْقُ الرَّأْسِ فَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ إنَّهُ رَمْيُ الْجِمَارِ فَمِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ تَتَبَّعْت التَّفَثَ لُغَةً فَرَأَيْت أَبَا عُبَيْدَةَ مَعْمَرَ بْنَ الْمُثَنَّى قَدْ قَالَ : إنَّهُ قَصُّ الْأَظْفَارِ ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ ، وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ، إلَّا النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَجِيءَ فِيهِ بِشِعْرٍ يُحْتَجُّ بِهِ .
وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ : التَّفَثُ هُوَ الرَّمْيُ ، وَالْحَلْقُ ، وَالتَّقْصِيرُ ، وَالذَّبْحُ ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ .
وَذَكَرَ الزَّجَّاجُ وَالْفَرَّاءُ نَحْوَهُ ، وَلَا أُرَاهُ أَخَذَهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ قُطْرُبٌ : تَفِثَ الرَّجُلُ إذَا كَثُرَ وَسَخُهُ ، وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ : حَفُّوا رُءُوسَهُمْ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا وَلَمْ يَسُلُّوا لَهُمْ قَمْلًا وَصِئْبَانًا وَإِذَا انْتَهَيْتُمْ إلَى هَذَا الْمَقَامِ ظَهَرَ لَكُمْ أَنَّ مَا
ذُكِرَ أَشَارَ إلَيْهِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ، وَمَا ذَكَرَهُ قُطْرُبٌ هُوَ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي التَّفَثِ ، وَهَذِهِ صُورَةُ قَضَاءِ التَّفَثِ لُغَةً .
وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِذَا نَحَرَ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ هَدْيَهُ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، وَأَزَالَ وَسَخَهُ ، وَتَطَهَّرَ وَتَنَقَّى ، وَلَبِسَ الثِّيَابَ ، فَيَقْضِي تَفَثَهُ وَأَمَّا وَفَاءُ نَذْرِهِ ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنَّ النَّذْرَ كُلُّ مَا لَزِمَ الْإِنْسَانَ أَوْ الْتَزَمَهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بُكَيْر : إنَّهُ رَمْيُ الْجِمَارِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ هُوَ الْعَقْلُ ، فَهُوَ رَمْيُ الْجِمَارِ ، لِأَجَلِ النَّذْرِ يَعْنِي بِالْعَقْلِ الدِّيَةَ .
وَالْأَوَّلُ أَقْوَى : لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِرَمْيِ الْجِمَارِ ، وَبِنَحْرِ الْهَدْيِ ، وَيَجْتَنِبُ الْوَطْءَ وَالطِّيبَ ، حَتَّى تَقَعَ الزِّيَارَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } هَذَا هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ ، وَهُوَ رُكْنُ الْحَجِّ بِاتِّفَاقٍ ، وَبِهِ يَتِمُّ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَعْمَالِهِ وَنِهَايَةُ أَرْكَانِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } : وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالْعَتِيقِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ عَتُقَ أَيْ قَدُمَ ؛ إذْ هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَتَقَ ، أَيْ خَلُصَ مِنْ الْجَبَابِرَةِ عَنْ الْهَوَانِ إلَى انْقِضَاءِ الزَّمَانِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ .
قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَامُ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْحُرُمَاتُ : امْتِثَالُ مَا أَمَرَ بِهِ ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ ، فَإِنَّ لِهَذَا حُرْمَةَ الْمُبَادَرَةِ إلَى الِامْتِثَالِ ، وَلِذَلِكَ حُرْمَةُ الِانْكِفَافِ وَالِانْزِجَارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَامُ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ } وَصَفَ اللَّهُ الْأَوْثَانَ بِأَنَّهَا رِجْسٌ ، وَالرِّجْسُ النَّجِسُ ، وَهِيَ نَجِسَةٌ حُكْمًا ، وَالنَّجَاسَةُ لَيْسَتْ وَصْفًا ذَاتِيًّا لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّهَا لَا تُزَالُ إلَّا بِالْإِيمَانِ كَمَا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ فِي الْأَعْضَاءِ إلَّا بِالْمَاءِ ، إذْ الْمَنْعَانِ مُتَمَاثِلَانِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ لَيْسَا بِجِنْسَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } وَهُوَ الْكَذِبُ .
وَلَهُ مُتَعَلِّقَاتٌ ، أَعْظَمُهَا عُقُوبَةُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي ذَاتِهِ ، أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ ، وَهُوَ الشِّرْكُ .
وَيُلْحَقُ بِهِ الْكَذِبُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى اللَّهِ ؛ إذْ بِكَلَامِهِ يَتَكَلَّمُ .
الْمُتَعَلِّقُ الثَّانِي : الشَّهَادَةُ .
وَهُوَ تَصْوِيرُ الْبَاطِلِ بِصُورَةِ الْحَقِّ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ ؛ { وَلِهَذَا عَظَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهَا ، فَذَكَرَ الْكَبَائِرَ ، فَقَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ } ، ثُمَّ قَالَ : { وَقَوْلُ الزُّورِ ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ .
فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ } .
وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ : { عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } } .
ثُمَّ تَتَفَاوَتُ مُتَعَلِّقَاتُ الْكَذِبِ بِحَسَبِ عِظَمِ ضَرَرِهِ وَقِلَّتِهِ .
قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { شَعَائِرَ اللَّهِ } : وَاحِدُهَا شَعِيرَةٌ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا الْمَعَالِمُ .
وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا فَعِيلَةٌ ، مِنْ شَعَرَتْ ، بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ .
وَشَعَرْتُ : دَرَيْتُ ، وَتَفَطَّنْتُ ، وَعَلِمْتُ ، وَتَحَقَّقْتُ ؛ كُلَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْأَصْلِ ، وَتَتَبَايَنُ الْمُتَعَلِّقَاتُ فِي الْعُرْفِ ، هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً .
فَأَمَّا الْمُرَادُ بِهَا فِي الشَّرْعِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا عَرَفَةُ ، وَالْمُزْدَلِفَةُ ، وَالصَّفَا ، وَالْمَرْوَةُ ، وَمَحَلُّ الشَّعَائِرِ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَتَعْظِيمُهُ اسْتِيفَاؤُهَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْبُدْنُ ، وَتَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ وَكُتُبُهُ ، وَتَعْظِيمُهَا الْتِزَامُهَا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا جَمِيعُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } يُرِيدُ فَإِنَّ حَالَةَ التَّعْظِيمِ إذَا كَسَتْ الْعَبْدَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَأَصْلُهُ تُقَاةُ الْقَلْبِ بِصَلَاحِ السِّرِّ وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْظِيمَ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ لِتَعْظِيمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَفْعَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا التِّجَارَةُ ؛ وَيَكُونُ الْأَجَلُ عَلَى هَذَا الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَنَافِعَ الثَّوَابُ ، وَالْأَجَلَ يَوْمُ الدِّينِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَنَافِعَ الرُّكُوبُ ، وَالدُّرُّ وَالنَّسْلُ ، وَالْأَكْلُ ؛ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهَا الْبُدْنُ ، وَالْأَجَلَ إيجَابُ الْهَدْيِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا الْبُدْنُ ، وَتَدُلُّ عَلَى غَيْرِهَا إمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمُمَاثَلَةِ ، وَإِمَّا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } : يُرِيدُ أَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، وَهُوَ الطَّوَافُ ؛ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ : إنَّ الْحَجَّ كُلَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، يَعْنِي أَنَّ شَعَائِرَ الْحَجِّ كُلَّهَا تَنْتَهِي إلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : تَنْتَهِي إلَى مَكَّةَ ، هَذَا عُمُومٌ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْبَيْتِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِلْغَائِهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ إلَى الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَهَذَا إنَّمَا بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الشَّعَائِرَ هِيَ الْبُدْنُ ، وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الشَّعَائِرِ مَعَ عُمُومِهَا .
قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قُرِئَ مَنْسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا ، وَبَابُ مَفْعَلُ فِي اللُّغَةِ يَخْتَلِفُ حَالُ دَلَالَتِهِ بِاخْتِلَافِ حَالِ فِعْلِهِ ؛ فَإِذَا كَانَ مَكْسُورَ الْعَيْنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَاسْمُ الْمَكَانِ مِنْهُ مَفْعَلُ ، وَالْمَصْدَرُ مَفْتُوحُ الْعَيْنِ ، وَاسْمُ الزَّمَانِ مِنْهُ كَاسْمِ الْمَكَانِ ، قَالُوا : أَتَتْ النَّاقَةُ عَلَى مَضْرِبِهَا وَمَحْلَبِهَا .
وَمَا كَانَ الْعَيْنُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْهُ مَفْتُوحًا فَالْمَصْدَرُ وَالْمَكَانُ مَفْتُوحَانِ ، كَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ ، وَيَأْتِي لِغَيْرِهِ كَالْمَكْبَرِ مِنْ كَبُرَ يَكْبُرُ ، وَمَا كَانَ عَلَى فَعَلَ يَفْعُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فَبِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ عَلَى يَفْعَلُ مَفْتُوحًا ، لَمْ يَقُولُوا فِيهِ مَفْعَلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ .
وَقَدْ جَاءَ الْمَصْدَرُ مَكْسُورًا فِي هَذَا الْبَابِ ، قَالُوا مَطْلِعَ الشَّمْسِ ، وَالْحِجَازِيُّونَ يَفْتَحُونَهُ ، وَقَدْ كَسَرُوا اسْمَ الْمَكَانِ أَيْضًا ، فَقَالُوا : الْمَنْبِتُ لِمَوْضِعِهِ ، وَالْمَطْلِعُ لِمَوْضِعِهِ ، فَعَلَى هَذَا قُلْ : مَنْسَكًا وَمَنْسِكًا بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، فَقِيلَ : مَعْنَى مَنْسَكًا حَجًّا .
قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَقِيلَ : ذَبْحًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَقِيلَ : عِيدًا قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ نَسَكْت ، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : تَعَبَّدْت ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } خُصَّ فِي الْحَجِّ عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ .
الثَّانِي : قَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّسِيكَةِ ، وَالنَّسِيكَةُ : الْمُخَلَّصَةُ مِنْ الْخَبَثِ ، وَيُقَالُ لِلذَّبْحِ نُسُكٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذْبَحُ لِغَيْرِهِ .
وَادَّعَى ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ مَعْنَى نَسَكْت ذَهَبْت ، وَكُلُّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبًا فَقَدْ نَسَكَ .
وَلَا يَرْجِعُ إلَّا إلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَلَمَّا رَأَى قَوْمٌ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَتَكَرَّرُ قَالَ : إنَّ نَسَكْت بِمَعْنَى تَعَهَّدْت .
وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ مِنْ أَنَّهُ الْعِيدُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْمَنَاسِكِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } يَعْنِي يَذْبَحُونَهَا لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي هَدْيٍ أَوْ ضَحِيَّةٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الْبُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْبَدَانَةِ وَهِيَ السِّمَنُ ، يُقَالُ : بَدُنَ الرَّجُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ : إذَا سَمِنَ ، وَبَدَّنَ بِتَشْدِيدِهَا : إذَا كَبِرَ وَأَسَنَّ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا بِصِفَتِهَا لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهَا ، وَتَعْيِينِ الْأَفْضَلِ مِنْهَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ مَا اُخْتِيرَ لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَعَطَاءٍ أَنَّ الْبَقَرَةَ يُقَالُ لَهَا بَدَنَةٌ وَحَكَى ابْنُ شَجَرَةَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْغَنَمِ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَالْبُدْنُ هِيَ الْإِبِلُ .
وَالْهَدْيُ عَامٌّ فِي الْإِبِلِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْغَنَمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهَا بَعْضُ الشَّعَائِرِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } يَعْنِي مَنْفَعَةَ اللِّبَاسِ وَالْمَعَاشِ وَالرُّكُوبِ وَالْأَجْرِ ، فَأَمَّا الْأَجْرُ فَهُوَ خَيْرٌ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ خَيْرٌ إذَا قَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } : فِيهَا ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ : صَوَافَّ بِفَاءٍ مُطْلَقَةٍ ، قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ .
صَوَافِنَ بِنُونٍ ، قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ .
صَوَافِّي بِيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتِهَا ، قِرَاءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
فَأَمَّا قَوْلُ صَوَافَّ فَمِنْ صَفَّ يَصُفُّ إذَا كَانَتْ جُمْلَةً ؛ مِنْ مَقَامٍ أَوْ قُعُودٍ ، أَوْ مُشَاةٍ ، بَعْضُهَا إلَى جَانِبِ بَعْضٍ عَلَى الِاسْتِوَاءِ ، وَيَكُونُ مَعْنَاهَا هَاهُنَا صَفَّتْ قَوَائِمَهَا فِي حَالِ نَحْرِهَا ، أَوْ صَفَّتْ أَيْدِيَهَا قَالَ مُجَاهِدٌ .
وَأَمَّا صَوَافِنُ فَالصَّافِنُ هُوَ الْقَائِمُ .
وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يَثْنِي إحْدَى رِجْلَيْهِ .
وَأَمَّا صَوَافِّي فَهُوَ جَمْعُ صَافِيَةٍ ، وَهِيَ الَّتِي أَخْلَصَتْ لِلَّهِ نِيَّةً وَجَلَالًا ، وَإِشْعَارًا وَتَقْلِيدًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا إشْعَارَ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ ؛ وَكَأَنَّهُ لَا خَبَرَ عِنْدَهُ لِلسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَعَاضِدَةِ ، فَهِيَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ وَمَعَهُ وَالْخُلَفَاءُ لِلْإِشْعَارِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ } يَعْنِي انْحَرُوهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ اسْمٌ صَارَ كِنَايَةً عَنْ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ وَأَصْلٌ مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي كَيْفِيَّةِ نَحْرِ الْهَدْيِ : وَفِيهِ أَقْوَالٌ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الصَّوَافِّ ، فَقَالَ : يُقَيِّدُهَا ثُمَّ يَصُفُّهَا .
وَقَالَ لِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ : فَيَنْحَرُهَا قَائِمَةً ، وَلَا يَعْقِلُهَا ، إلَّا أَنْ يَضْعُفَ إنْسَانٌ فَيَتَخَوَّفَ أَنْ تَتَفَلَّتَ بَدَنَتُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْحَرَهَا مَعْقُولَةً ، وَإِنْ كَانَ يَقْوَى عَلَيْهَا فَلْيَنْحَرْهَا قَائِمَةً مَصْفُوفَةً يَدَاهَا بِالْقُيُودِ .
قَالَ : وَسَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْبَدَنَةِ تُنْحَرُ وَهِيَ قَائِمَةٌ هَلْ تُعَرْقَبُ ؟ قَالَ : مَا أُحِبُّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ يَضْعُفُ عَنْهَا ، فَلَا يَقْوَى عَلَيْهَا ، فَيَخَافُ أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْهُ ، فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُعَرْقِبَهَا ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِلْعُلَمَاءِ : الْأَوَّلُ : يُقِيمُهَا .
الثَّانِي : يُقَيِّدُهَا أَوْ يَعْقِلُهَا .
الثَّالِثُ : يُعَرْقِبُهَا .
وَزَادَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّجُلِ وَضَعْفِهِ .
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلُهُ .
وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : فِي نَحْرِهَا مُقَيَّدَةً : فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ فَنَحَرَهَا قَالَ : " ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ " .
الثَّانِي : فِي نَحْرِهَا قَائِمَةً : فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا } .
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْحَرْبَةَ بِيَدِهِ فِي عُنْفُوَانِ أَيْدِهِ فَيَنْحَرُ بِهَا فِي صَدْرِهَا وَيُخْرِجُهَا عَلَى سَنَامِهَا ، فَلَمَّا أَسَنَّ كَانَ يَنْحَرُهَا بَارِكَةً لِضَعْفِهِ ، وَيُمْسِكُ مَعَهُ رَجُلٌ الْحَرْبَةَ ، وَآخَرُ بِخِطَامِهَا .
وَالْعَقْلُ بَعْضُ تَقْيِيدٍ ، وَالْعَرْقَبَةُ تَعْذِيبٌ لَا أَرَاهُ إلَّا لَوْ نَدَّ ، فَلَا بَأْسَ بِعَرْقَبَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا } يَعْنِي
سَقَطَتْ عَلَى جُنُوبِهَا ، يُرِيدُ مَيِّتَةً ، كَنَّى عَنْ الْمَوْتِ بِالسُّقُوطِ عَلَى الْجَنْبِ ، كَمَا كَنَّى عَنْ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ بِذَكَرِ اسْمِ اللَّهِ ، وَالْكِنَايَاتُ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ قَالَ الشَّاعِرُ : لِمُعَفَّرٍ قَهْدٌ يُنَازِعُ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَوَاسِبُ مَا يُمَنَّ طَعَامُهَا وَقَالَ آخَرُ : فَتَرَكْنَهُ جَزْرَ السِّبَاعَ يَنُشْنَهُ مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأْسِهِ وَالْمِعْصَمِ فِي مَعْنَاهُ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِنْهَا } وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا ، فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ ، أُصُولُهَا ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِحَالٍ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبِ بِحُكْمِ الْإِحْرَامِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ الْوَاجِبِ كُلِّهِ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : جَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَفِدْيَةُ الْأَذَى ، وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ .
وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ مِنْ مَالِهِ ، فَكَيْفَ يَأْكُلُ مِنْهُ ؟ وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ الْتَحَقَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ .
وَتَعَلَّقَ مَالِكٌ بِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمَسَاكِينِ بِقَوْلِهِ : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ } ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ ، وَقَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ } ، وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ مُصَرَّحٌ بِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْهَدَايَا فَهُوَ عَلَى أَصْلِ قَوْله تَعَالَى : { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْأَكْلِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بُدْنَهُ ، وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ ، فَطَبَخَهَا وَأَكَلَ مِنْهَا ، وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا ، وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ وَاجِبًا ، وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ } .
وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَكْلِ لَأَجْلِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَرَى أَنْ تَأْكُلَ مِنْ
نُسُكِهَا ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ ، فَلَا جَرَمَ كَذَلِكَ شُرِعَ وَبَلَّغَ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ حِينَ أَهْدَى وَأَحْرَمَ .
وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ .
فَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَظْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ قَوْله تَعَالَى { فَكُلُوا } ، { وَأَطْعِمُوا } عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ أَبِي ثَعْلَبَةَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ قَالَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَكْلَ مُسْتَحَبٌّ ، وَالْإِطْعَامَ وَاجِبٌ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ صَرِيحُ قَوْلِ مَالِكٍ ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا وَاجِبَانِ فَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَفِيهِ غَرِيبَةٌ مِنْ الْفِقْهِ لَمْ تَقَعْ لِي ، مُذْ قَرَأْت الْعِلْمَ ، لَهَا نَظِيرٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : إنَّهُمَا جَمِيعًا يُتْرَكَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ لَمْ يُتَصَوَّرْ شَرْعًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ إلَّا إتْلَافُهَا ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِحْبَابُهُمَا مَعًا ؛ وَإِنَّمَا يُقَالُ أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْبَدَلِ ، أَوْ يُقَالُ الْأَكْلُ مُسْتَحَبٌّ ، وَالْإِطْعَامُ وَاجِبٌ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ .
وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ الْأَكْلَ وَاجِبٌ ، وَقَدْ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا بِأَمْثِلَةٍ وَرَدَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ أَمْرٌ بِدَلِيلٍ لَا يَسْقُطُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، فَفِيهِ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا وَقَعَ فِي الْمَدِينَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ جَهْلٌ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : يَأْكُلُ مِنْهُ .
وَقَالَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا : إنَّهُ إذَا أَكَلَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ فِدْيَةِ الْأَذَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَحَلَّتَهُ غَرِمَ .
وَمَاذَا يَغْرَمُ ؟ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَضْمَنُ الْهَدْيَ كُلَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ .
الثَّانِي : لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا غُرْمُ قَدْرِ مَا أَكَلَ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ، لَا شَيْءَ غَيْرُهُ .
وَكَذَا لَوْ نَذَرَ هَدْيَ الْمَسَاكِينِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ مَحِلَّهُ لَا يَغْرَمُ إلَّا مَا أَكَلَ ، خِلَافًا لِلْمُدَوِّنَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدِي مَا ذَكَرْته لَكُمْ ، إذْ النَّحْرُ قَدْ وَقَعَ ، وَالتَّعَدِّي إنَّمَا هُوَ فِي اللَّحْمِ ، فَيَغْرَمُ بِقَدْرِ مَا تَعَدَّى فِيهِ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا يَغْرَمُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ اللَّحْمِ .
وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ : إنَّهُ يَغْرَمُهُ طَعَامًا .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْهَدْيِ كُلِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ عِبَادَةً ، وَلَيْسَ حُكْمُ التَّعَدِّي حُكْمَ الْعِبَادَةِ ، فَأَمَّا إذَا عَطِبَ الْوَاجِبُ كُلُّهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَلِيَأْكُلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَعَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ لَمْ يَأْكُلْ ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَسْرَعَ بِهِ لِيَأْكُلَهُ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : الْقَانِعَ : وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : الْمُعْتَرَّ : وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ : الْقَانِعُ الْفَقِيرُ ، وَالْمُعْتَرُّ الزَّائِرُ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَعُقْبَةُ : السَّائِلُ ، وَقَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
الثَّالِثُ : الْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيك ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْقَانِعُ الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الرَّابِعُ : الْقَانِعُ الَّذِي يَرْضَى بِالْقَلِيلِ .
وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَمُرُّ بِك وَلَا يُبَايِتُكَ ؛ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ .
الْخَامِسُ : الَّذِي يَقْنَعُ هُوَ الْمُتَعَفِّفُ ، وَالْمُعْتَرُّ السَّائِلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : هَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ ، فَأَمَّا الْقَانِعُ فَفِعْلُهُ قَنَعَ يَقْنَعُ ، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا الَّذِي يَرْضَى بِمَا عِنْدَهُ .
وَالثَّانِي : الَّذِي يُذَلُّ ، وَكِلَاهُمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْفَقِيرِ ، فَإِنَّهُ ذَلِيلٌ .
فَإِنْ وَقَفَ عِنْدَ رِزْقِهِ فَهُوَ قَانِعٌ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَهُوَ مُلْحِفٌ .
وَأَمَّا الْمُعْتَرُّ وَالْمُعْتَرِي فَهُمَا مُتَقَارِبَانِ مَعْنًى ، مَعَ افْتِرَاقِهِمَا اشْتِقَاقًا ، فَالْمُعْتَرُّ مُضَاعَفٌ ، وَالْمُعْتَرِي مُعْتَلُّ اللَّامِ ، وَمِنْ النَّادِرِ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَوْنُهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ : وَشَيْبَةُ فِيهِمْ وَالْوَلِيدُ وَمِنْهُمْ أُمَيَّةُ مَأْوَى الْمُعْتَرِينَ وَذِي الرَّحَلِ يُرِيدُ بِالْمُعْتَرِينَ مَنْ يُقِيمُ لِلزِّيَارَةِ ، وَذُو الرَّحْلِ مَنْ يَمُرُّ بِك فَتُضَيِّفُهُ .
وَقَالَ زُهَيْرٌ : عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمْ وَعِنْدَ الْمُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ وَالْبَذْلُ وَيُعَضِّدُ هَذَا قَوْله تَعَالَى : { إنْ نَقُولُ إلَّا اعْتَرَاك بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } يُرِيدُ نَزَلَ بِك ؛ فَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُعْتَلِّ .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْمُضَاعَفِ ، فَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ : يُعْطِي ذَخَائِرَ مَالِهِ مُعَتَّرَهُ قَبْلَ السُّؤَالِ وَقَالَ الْكُمَيْتُ : أَيَا خَيْرَ مَنْ يَأْتِهِ الطَّارِقُو نَ إمَّا
عِيَادًا وَإِمَّا اعْتِرَارًا وَقَالَ آخَرُ : لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقُنُوعِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ : وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ كَتَقَارُبِ مَعْنَى الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ .
وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْأَكْلِ وَإِطْعَامِ الْفَقِيرِ .
وَالْفَقِيرُ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُلَازِمٌ لَك ، وَمَارٌّ بِك ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِي إطْعَامِ الْكُلِّ مِنْهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ حَالِهِمَا ، وَمِنْ هَاهُنَا وَهِمَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ ، فَقَالَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إنَّ الْقَانِعَ هُوَ جَارُك الْغَنِيُّ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ وَجْهٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْهَدْيَ يُقَسَّمُ أَثْلَاثًا : قِسْمٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْقَانِعُ ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْمُعْتَرُّ ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْآكِلُ ، وَقِسْمٌ يَأْخُذُهُ الْقَانِعُ وَالْمُعْتَرُّ ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَيْسَ عِنْدَنَا فِي الضَّحَايَا قِسْمٌ مَعْلُومٌ مَوْصُوفٌ .
قَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ : بَلَغَنِي عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ شَيْءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا ، وَهُوَ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ : قِسْمَتُهَا أَثْلَاثًا .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيُجَزَّأَ أَثْلَاثًا ؛ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ لَيْسَ بِأَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ : { ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ ثُمَّ قَالَ لِي : أَصْلِحْ لَحْمَهَا ، فَمَا زَالَ يَأْكُلُ مِنْهُ ، حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ صَدَقَةً } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ } مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ ؛ فَإِنَّ النَّيْلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَارِئِ سُبْحَانَهُ ، وَلَكِنْ عَبَّرَ بِهِ تَعْبِيرًا مَجَازِيًّا عَنْ الْقَبُولِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا نَالَ الْإِنْسَانَ مُوَافِقٌ أَوْ مُخَالِفٌ ؛ فَإِنْ نَالَهُ مُوَافِقٌ قَبِلَهُ ، أَوْ مُخَالِفٌ كَرِهَهُ ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْأَفْعَالِ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً بِالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ إذْ لَا يُخْتَلَفُ فِي حَقِّهِ إلَّا بِمُقْتَضَى نَهْيِهِ وَأَمْرِهِ ، وَإِنَّمَا مَرَاتِبُهَا الْإِخْلَاصُ فِيهَا وَالتَّقْوَى مِنْهَا .
وَلِذَلِكَ قَالَ : لَنْ يَصِلَ إلَى اللَّهِ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا ، وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ ، فَيَقْبَلُهُ وَيَرْفَعُهُ إلَيْهِ وَيَسْمَعُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } امْتَنَّ عَلَيْنَا سُبْحَانَهُ بِتَذْلِيلِهَا لَنَا وَتَمْكِينِنَا مِنْ تَصْرِيفِهَا ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنَّا أَبْدَانًا ، وَأَقْوَى أَعْضَاءً ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْأُمُورَ لَيْسَتْ عَلَى مَا تَظْهَرُ إلَى الْعَبْدِ مِنْ التَّدْبِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ مَا يُدَبِّرُهَا الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ ، فَيَغْلِبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ ، لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ الْغَالِبَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى اسْمَهُ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا فَقَالَ : { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } ، وَذَكَرَ هَاهُنَا التَّكْبِيرَ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْمَعُ بَيْنَهَا إذَا نَحَرَ هَدْيَهُ ، فَيَقُولُ : " بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " .
وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : التَّسْمِيَةُ
عِنْدَ الذَّبْحِ وَالتَّكْبِيرُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ بَدَلًا مِنْ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ أَفْقَهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَة عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : سَبَبُ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ ، إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، لَيَهْلِكُنَّ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَعَرَفْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ } ؛ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
الثَّانِي : قَالَ مُجَاهِدٌ : الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ ، نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُهَاجِرِينَ ، وَكَانُوا يُمْنَعُونَ ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِي قِتَالِهِمْ ، وَهِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ .
الثَّالِثُ : قَالَ الضَّحَّاكُ : اسْتَأْذَنَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ ، فَقِيلَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فَلَمَّا هَاجَرَ نَزَلَتْ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } ، وَهَذَا نَاسِخٌ لِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إعْرَاضٍ وَتَرْكٍ وَصَفْحٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قِسْمِ النَّسْخِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَى { أُذِنَ } أُبِيحَ ، فَإِنَّهُ لَفْظٌ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِإِبَاحَةِ كُلِّ مَمْنُوعٍ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ قَبْلَ الشَّرْعِ ، لَا إبَاحَةً وَلَا حَظْرًا إلَّا مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ ، وَبَيَّنَهُ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ بَعَثَ رَسُولَهُ وَدَعَا قَوْمَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَصَرَّفُوا إلَّا بِأَمْرٍ ، وَلَا فَعَلُوا إلَّا بِإِذْنٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُجَّةِ دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللَّهِ دُعَاءً دَائِمًا عَشَرَةَ أَعْوَامٍ ، لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَوَفَاءً بِوَعْدِهِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ بِفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } ، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ فِي الطُّغْيَانِ ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ ، وَحِينَ أَعْذَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ إلَى الْخَلْقِ ، وَأَبَوْا عَنْ الصِّدْقِ أَمَرَ رَسُولَهُ بِالْقِتَالِ ، لِيَسْتَخْرِجَ الْإِقْرَارَ بِالْحَقِّ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قُرِئَ يُقَاتِلُونَ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا ، فَإِنْ كَسَرْت التَّاءَ كَانَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الْمَأْذُونِ لَهُمْ ، وَإِنْ فَتَحْتَهَا كَانَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ ، وَإِنَّ الْإِذْنَ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَفِي فَتْحِ التَّاءِ بَيَانُ سَبَبِ الْقِتَالِ ، وَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ يَتَعَمَّدُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْإِذَايَةِ ، وَيُعَامِلُونَهُمْ بِالنِّكَايَةِ : لَقَدْ خَنَقَهُ الْمُشْرِكُونَ حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ تَذْهَبُ ، فَتَدَارَكَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ } وَقَدْ بَلَغَ بِأَصْحَابِهِ إلَى الْمَوْتِ ؛ فَقَدْ قَتَلَ أَبُو جَهْلٍ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ .
وَقَدْ عُذِّبَ بِلَالٌ ، وَمَا بَعْدَ هَذَا إلَّا الِانْتِصَارُ بِالْقِتَالِ .
وَالْأَقْوَى عِنْدِي قِرَاءَةُ كَسْرِ التَّاءِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وُقُوعِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَمَّا فَعَلُوا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَخْرَجَ الْبُعُوثَ ، ثُمَّ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، حَتَّى أَظْهَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } .
.
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الدِّمَاءُ } ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى ، وَالصَّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ [ مُدَّةَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ ، لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ، وَوَفَاءً بِوَعْدِهِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ بِفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } فَاسْتَمَرَّ الطُّغْيَانُ وَمَا اسْتَدَلُّوا بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ ] .
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَنَفَوْهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ ، فَهُمْ بَيْنَ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ ، وَمُعَذِّبٍ ، وَبَيْنَ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ مُغَرَّبٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى ، فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ ، وَرَدُّوا أَمْرَهُ وَكَرَامَتَهُ ، وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ، وَعَذَّبُوا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ ، وَصَدَّقَ نَبِيَّهُ ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ ، أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي الْقِتَالِ وَالِامْتِنَاعِ وَالِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ ؛ فَكَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ بِالْحَرْبِ وَإِحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } إلَى قَوْلِهِ : ( " الْأُمُورِ " ) .
أَيْ إنَّمَا أَحْلَلْت لَهُمْ الْقِتَالَ ؛ لِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
النَّاسِ إلَّا أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ، وَأَنَّهُمْ إذَا ظَهَرُوا أَقَامُوا الصَّلَاةَ .
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ .
وَعَنْ هَذَا عَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزَّاهِدِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى ، أَنْبَأَنَا الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ ، حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ ، حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ } دَلِيلٌ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ الْمَوْجُودِ مِنْ الْمُلْجَأِ الْمُكْرَهِ إلَى الَّذِي أَلْجَأَهُ وَأَكْرَهَهُ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ فِعْلِهِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ يَلْزَمُهُ الْغُرْمُ ، وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ عَلَى قَتْلِ الْغَيْرِ يَلْزَمُهُ الْقَتْلُ .
وَرُوِيَ فِي مُخْتَصَرِ الطَّبَرِيِّ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنُوهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ ، إذْ آذَوْهُ بِمَكَّةَ غِيلَةً ، فَنَزَلَتْ : { إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ أَطْلَقَ قِتَالَهُمْ ، وَهَذَا إنْ كَانَ صَحِيحًا فَقَدْ نَسَخَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَتَلَهُ مَعَ أَصْحَابِهِ غِيلَةً } .
وَكَذَلِكَ { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا إلَى أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ ، فَقَتَلُوهُ غِيلَةً } .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ ، أَظْهَرُهَا وَمَا فِيهَا ظَاهِرٌ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ فِي نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ قَوْمِهِ ، كَثِيرٌ أَهْلُهُ ، فَتَمَنَّى يَوْمَئِذٍ أَلَّا يَأْتِيَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْءٌ فَيَنْفِرُوا عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } فَقَرَأَ حَتَّى إذَا بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ : { أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } .
أَلْقَى الشَّيْطَانُ كَلِمَتَيْنِ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا ، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى .
فَتَكَلَّمَ بِهَا ، ثُمَّ مَضَى بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ كُلِّهَا ، ثُمَّ سَجَدَ فِي آخَرِ السُّورَةِ ، وَسَجَدَ الْقَوْمُ جَمِيعًا مَعَهُ ، وَرَفَعَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ تُرَابًا إلَى جَبْهَتِهِ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ، فَلَمَّا أَمْسَى أَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ : مَا جِئْتُك بِهَاتَيْنِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاِتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَك عَلَيْنَا نَصِيرًا } فَمَا زَالَ مَغْمُومًا مَهْمُومًا
حَتَّى نَزَلَتْ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } .
} وَفِي رِوَايَةٍ { أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ : لَقَدْ تَلَوْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى النَّاسِ شَيْئًا لَمْ آتِك بِهِ ، فَحَزِنَ وَخَافَ خَوْفًا شَدِيدًا ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ رَسُولٌ وَلَا نَبِيٌّ تَمَنَّى كَمَا تَمَنَّى ، وَأَحَبَّ كَمَا أَحَبَّ ، إلَّا وَالشَّيْطَانُ قَدْ أَلْقَى فِي أُمْنِيَّتِهِ كَمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اعْلَمُوا أَنَارَ اللَّهُ أَفْئِدَتكُمْ بِنُورِ هُدَاهُ ، وَيَسَّرَ لَكُمْ مَقْصِدَ التَّوْحِيدِ وَمَغْزَاهُ أَنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْآيَةِ فِي فَصْلِ تَنْبِيهِ الْغَبِيِّ عَلَى مِقْدَارِ النَّبِيِّ بِمَا نَرْجُو بِهِ عِنْدَ اللَّهِ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ، فِي مَقَامِ الزُّلْفَى ، وَنَحْنُ الْآنَ نَجْلُو بِتِلْكَ الْفُصُولِ الْغَمَاءَ ، وَنُرَقِّيكُمْ بِهَا عَنْ حَضِيضِ الدَّهْمَاءِ ، إلَى بِقَاعِ الْعُلَمَاءِ فِي عَشْرِ مَقَامَاتٍ : الْمَقَامُ الْأَوَّلُ : أَنَّ النَّبِيَّ إذَا أَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ الْمَلَكُ بِوَحْيِهِ ، فَإِنَّهُ يَخْلُقُ لَهُ الْعِلْمَ بِهِ ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِهِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَحَّتْ الرِّسَالَةُ ، وَلَا تَبَيَّنَتْ النُّبُوَّةُ ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْعِلْمَ بِهِ تَمَيَّزَ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَثَبَتَ الْيَقِينُ ، وَاسْتَقَامَ سَبِيلُ الدِّينِ ، وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ إذَا شَافَهَهُ الْمَلَكُ بِالْوَحْيِ لَا يَدْرِي أَمَلُك هُوَ أَمْ إنْسَانٌ ، أَمْ صُورَةٌ مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ الْأَجْنَاسِ أَلْقَتْ عَلَيْهِ كَلَامًا ، وَبَلَّغَتْ إلَيْهِ قَوْلًا لَمْ يَصِحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَلَا ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ ، فَهَذِهِ سَبِيلٌ مُتَيَقَّنَةٌ ، وَحَالَةٌ مُتَحَقِّقَةٌ ، لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْقُولِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ فِيهَا ، وَلَوْ جَازَ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِيهَا ، أَوْ يَتَشَبَّهَ بِهَا مَا أَمِنَاهُ عَلَى آيَةٍ ، وَلَا عَرَفْنَا مِنْهُ بَاطِلًا مِنْ حَقِيقَةٍ ؛ فَارْتَفَعَ بِهَذَا الْفَصْلِ اللَّبْسُ ، وَصَحَّ الْيَقِينُ فِي النَّفْسِ .
.
الْمَقَامُ الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَ رَسُولَهُ مِنْ الْكُفْرِ ، وَآمَنَهُ مِنْ الشِّرْكِ ، وَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِيهِ ، وَإِطْبَاقِهِمْ عَلَيْهِ ؛ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ ، أَوْ يَشُكَّ فِيهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ ؛ بَلْ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَعَاصِي فِي الْأَفْعَالِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْكُفْرِ فِي الِاعْتِقَادِ ؛ بَلْ هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْ ذَلِكَ فِعْلًا وَاعْتِقَادًا .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ بِأَوْضَحِ دَلِيلٍ .
الْمَقَامُ الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَرَّفَ رَسُولَهُ بِنَفْسِهِ ، وَبَصَّرَهُ بِأَدِلَّتِهِ ، وَأَرَاهُ مَلَكُوتَ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ ، وَعَرَّفَهُ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ إخْوَتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا نَعْرِفُهُ الْيَوْمَ ، وَنَحْنُ حُثَالَةُ أُمَّتِهِ ؛ وَمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مِمَّنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ ، غَيْرَ عَارِفٍ بِنَبِيِّهِ وَلَا بِرَبِّهِ .
الْمَقَامُ الرَّابِعُ : تَأَمَّلُوا فَتَحَ اللَّهُ أَغْلَاقَ النَّظَرِ عَنْكُمْ إلَى قَوْلِ الرُّوَاةُ الَّذِينَ هُمْ بِجَهْلِهِمْ أَعْدَاءٌ عَلَى الْإِسْلَامِ ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِعَدَاوَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَلَسَ مَعَ قُرَيْشٍ تَمَنَّى أَلَّا يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ وَحْيٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ لِمَنْ مَعَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آثَرَ وَصْلَ قَوْمِهِ عَلَى وَصْلِ رَبِّهِ ، وَأَرَادَ أَلَا يَقْطَعَ أُنْسَهُ بِهِمْ بِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مِنْ الْوَحْيِ الَّذِي كَانَ حَيَاةَ جَسَدِهِ وَقَلْبِهِ ، وَأُنْسَ وَحْشَتِهِ ، وَغَايَةَ أُمْنِيَّتِهِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ؛ فَإِذَا جَاءَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ فَيُؤْثِرُ عَلَى هَذَا مُجَالَسَةَ الْأَعْدَاءِ .
الْمَقَامُ الْخَامِسُ : أَنَّ قَوْلَ الشَّيْطَانِ تِلْكَ الْغَرَانِقَةُ الْعُلَا ، وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا تُرْتَجَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَهُ مِنْهُ ؛ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالْمَلَكِ ، وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ بِالْكُفْرِ ، حَتَّى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا .
وَأَنَا مِنْ أَدْنَى الْمُؤْمِنِينَ مَنْزِلَةً ، وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً بِمَا وَفَّقَنِي اللَّهُ لَهُ ، وَآتَانِي مِنْ عِلْمِهِ ، لَا يَخْفَى عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ لَا يَجُوزُ وُرُودُهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَلَوْ قَالَهُ أَحَدٌ لَكُمْ لَتَبَادَرَ الْكُلُّ إلَيْهِ قَبْلَ التَّفْكِيرِ بِالْإِنْكَارِ وَالرَّدْعِ ، وَالتَّثْرِيبِ وَالتَّشْنِيعِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَجْهَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَ الْقَوْلِ ، وَيَخْفَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ، وَلَا يَتَفَطَّنُ لِصِفَةِ الْأَصْنَامِ بِأَنَّهَا الْغَرَانِقَةُ الْعُلَا ، وَأَنَّ شَفَاعَتَهَا تُرْتَجَى .
وَقَدْ عَلِمَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ ، وَلَا تَنْطِقُ وَلَا تَضُرُّ ، وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَنْصُرُ وَلَا تَشْفَعُ ، بِهَذَا كَانَ يَأْتِيه جِبْرِيلُ الصَّبَاحُ وَالْمَسَاءُ ، وَعَلَيْهِ انْبَنَى التَّوْحِيدُ ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَنْقُولِ ، فَكَيْفَ يَخْفَى هَذَا عَلَى الرَّسُولِ ؟ ثُمَّ لَمْ يَكْفِ هَذَا حَتَّى قَالُوا : إنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُعَارِضَهُ فِيمَا أَلْقَى إلَيْهِ الْوَحْيُ كَرَّرَهَا عَلَيْهِ جَاهِلًا بِهَا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ، وَقَالَ لَهُ : مَا جِئْتُك بِهَذِهِ .
فَحَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَك عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } ، فَيَا لِلَّهِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ وَالْعَالَمِينَ مِنْ شَيْخٍ فَاسِدٍ وَسُوسٍ هَامِدٍ ، لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَافِيَةً لِمَا زَعَمُوا ، مُبْطِلَةً لِمَا رَوَوْا وَتَقَوَّلُوا ، وَهُوَ : الْمَقَامُ السَّادِسُ : وَذَلِكَ أَنَّ
قَوْلَ الْعَرَبِيِّ : كَادَ يَكُونُ كَذَا : مَعْنَاهُ قَارَبَ وَلَمْ يَكُنْ ؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ قَارَبُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ ، وَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ ، ثُمَّ قَالَ : لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ .
وَهُوَ : الْمَقَامُ السَّابِعُ : وَلَمْ يَفْتَرِ ، وَلَوْ فَتَنُوك وَافْتَرَيْت لَاتَّخَذُوك خَلِيلًا ، فَلَمْ تُفْتَتَنْ وَلَا افْتَرَيْت ، وَلَا عَدُّوك خَلِيلًا .
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك وَهُوَ :
الْمَقَامُ الثَّامِنُ : { لَقَدْ كِدْت تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } ؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ ثَبَّتَهُ ، وَقَرَّرَ التَّوْحِيدَ وَالْمَعْرِفَةَ فِي قَلْبِهِ ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ سُرَادِقَ الْعِصْمَةِ ، وَآوَاهُ فِي كَنَفِ الْحُرْمَةِ .
وَلَوْ وَكَّلَهُ إلَى نَفْسِهِ ، وَرَفَعَ عَنْهُ ظِلَّ عِصْمَتِهِ لَحْظَةً لَأَلْمَمَت بِمَا رَامُوهُ ، وَلَكِنَّا أَمَرْنَا عَلَيْك بِالْمُحَافَظَةِ ، وَأَشْرَقْنَا بِنُورِ الْهِدَايَةِ فُؤَادَك ، فَاسْتَبْصِرْ وَأَزِحْ عَنْك الْبَاطِلَ ، وَادْحَرْ .
فَهَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ فِي عِصْمَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا نُسِبَ إلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَتَأَوَّلُهَا أَحَدٌ ؟ عَدُّوا عَمَّا نُسِبَ مِنْ الْبَاطِلِ إلَيْهِ .
الْمَقَامُ التَّاسِعُ : قَوْلُهُ : فَمَا زَالَ مَهْمُومًا حَتَّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ } الْآيَةَ .
فَأَمَّا غَمُّهُ وَحُزْنُهُ فَبِأَنْ تَمَكَّنَ الشَّيْطَانُ مِمَّا تَمَكَّنَ ، مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ ؛ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعِزُّ عَلَيْهِ أَنْ يَنَالَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ تَأْثِيرُهُ .
الْمَقَامُ الْعَاشِرُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي غَرَضِنَا ، دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِنَا ، أَصْلٌ فِي بَرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَنَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلَّا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أَمْنِيَّتِهِ } فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ فِي رُسُلِهِ وَسِيرَتِهِ فِي أَنْبِيَائِهِ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا عَنْ اللَّهِ قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، كَمَا يَفْعَلُ سَائِرُ الْمَعَاصِي ، كَمَا تَقُولُ : أَلْقَيْت فِي الدَّارِ كَذَا ، وَأَلْقَيْت فِي الْعِكْمِ كَذَا ، وَأَلْقَيْت فِي الْكِيسِ كَذَا .
فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ زَادَ فِي الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَرَأَ تَلَا قُرْآنًا مُقَطَّعًا ، وَسَكَتَ فِي مَقَاطِعِ الْآيِ سُكُوتًا مُحَصَّلًا ، وَكَذَلِكَ كَانَ حَدِيثُهُ مُتَرَسِّلًا مُتَأَنِّيًا ، فَيَتَّبِعُ الشَّيْطَانُ تِلْكَ السَّكَتَاتِ الَّتِي بَيْنَ قَوْلِهِ : { وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى } وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى : { أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى } ، فَقَالَ يُحَاكِي صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنَّهُنَّ الْغَرَانِقَةُ الْعُلَا ، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى .
فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لِقِلَّةِ الْبَصِيرَةِ وَفَسَادِ السَّرِيرَةِ فَتَلَوْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَسَبُوهَا بِجَهْلِهِمْ إلَيْهِ ، حَتَّى سَجَدُوا مَعَهُ اعْتِقَادًا أَنَّهُ مَعَهُمْ ، وَعَلِمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَرْفُضُونَ غَيْرَهُ ، وَتُجِيبُ قُلُوبُهُمْ إلَى الْحَقِّ ، وَتَنْفِرُ عَنْ الْبَاطِلِ ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ مِنْ اللَّهِ وَمِحْنَةٌ .
فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إلَّا غَايَةُ الْبَيَانِ بِصِيَانَةِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْرَارِ وَالْإِعْلَانِ عَنْ الشَّكِّ وَالْكُفْرَانِ .
وَقَدْ أَوْعَدْنَا إلَيْكُمْ تَوْصِيَةً أَنْ تَجْعَلُوا الْقُرْآنَ إمَامَكُمْ ، وَحُرُوفَهُ أَمَامَكُمْ ، فَلَا تَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَا لَيْسَ فِيهَا ، وَلَا تَرْبِطُوا فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَمَا هُدِيَ لِهَذَا إلَّا الطَّبَرِيُّ بِجَلَالَةِ قَدْرِهِ ، وَصَفَاءِ فِكْرِهِ ، وَسَعَةِ بَاعِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ وَذِرَاعِهِ فِي النَّظَرِ ؛ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْغَرَضِ ، وَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَرْمَى فَقَرْطَسَ بَعْدَمَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ كُلِّهَا بَاطِلَةٌ ، لَا أَصْلَ لَهَا ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَمَا رَوَاهَا أَحَدٌ وَلَا سَطَرَهَا ، وَلَكِنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ .
.
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
حَمَلَهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُنَا لَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ ، فَسَجَدُوهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سُجُودُ الصَّلَاةِ ، فَقَصَرُوهُ عَلَيْهِ .
وَرَأَى عُمَرُ أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ .
وَإِنِّي لَأَسْجُدُ بِهَا وَأَرَاهَا كَذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ ، فَسَجَدَ فِيهَا السَّجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَسْجُدُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ أَكْثَرَ الْخَلْقِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُدْوَةً .
رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ { قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا لَا يَقْرَأْهُمَا } ، رَوَاهُ وَهْبُ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُسَرِّحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاَللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْحَرَجُ هُوَ الضِّيقُ ، وَمِنْهُ الْحَرَجَةُ ، وَهِيَ الشَّجَرَاتُ الْمُلْتَفَّةُ لَا تَسْلُكُ ؛ لِالْتِفَافِ شَجَرَاتِهَا ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ التَّفْسِيرُ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
رُوِيَ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ جَاءَ فِي نَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَسَأَلَهُ عَنْ الْحَرَجِ ، فَقَالَ : أَوَ لَسْتُمْ الْعَرَبَ ؟ فَسَأَلُوهُ ثَلَاثًا .
كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : أَوَ لَسْتُمْ الْعَرَبَ ، ثُمَّ قَالَ : اُدْعُ لِي رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَقَالَ لَهُ : مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ ؟ قَالَ : الْحَرَجَةُ مِنْ الشَّجَرَةِ : مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَلِكَ الْحَرَجُ ، وَلَا مَخْرَجَ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَحَلِّ النَّفْي : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } قَالَ : هَذَا فِي تَقْدِيمِ الْأَهِلَّةِ وَتَأْخِيرهَا بِالْفِطْرِ ، وَالْأَضْحَى ، وَفِي الصَّوْمِ .
وَثَبَتَ صَحِيحًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تَقُولُ : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، إنَّمَا ذَلِكَ سَعَةُ الْإِسْلَامِ : مَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : أُحِلَّ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ .
وَقَدْ كَانَتْ الشَّدَائِدُ وَالْعَزَائِمُ فِي الْأُمَمِ ، فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ مَا
لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَهَا فِي حُرْمَةِ نَبِيِّهَا ، وَرَحْمَةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا } .
فَأَعْظَمُ حَرَجٍ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا نُبْدِي فِي أَنْفُسِنَا وَنُخْفِيهِ ، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ إصْرٍ وُضِعَ ، كَمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا .
وَمِنْهَا التَّوْبَةُ بِالنَّدَمِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبِلِ ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ .
وَقِيلَ لِمَنْ قَبْلَنَا : { فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وَلَوْ ذَهَبْت إلَى تَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ لَطَالَ الْمَرَامُ .
وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُنَا تَعَالَى إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ أَيْضًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ .
قَالَ : اذْبَحْ ، وَلَا حَرَجَ .
فَجَاءَ آخَرُ ، فَقَالَ : لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ .
فَمَا سُئِلَ يَوْمَهُ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ : افْعَلْ وَلَا حَرَجَ } .
فَأَعْجَبُ لِمَنْ يَقُولُ : إنَّ الدَّمَ عَلَى مَنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ : وَلَا حَرَجَ ، وَلَقَدْ نَزَلَتْ بِي هَذِهِ النَّازِلَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ ، كَانَ مَعِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ، فَلَمَّا رَمَيْت جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، وَانْصَرَفْت إلَى النَّحْرِ جَاءَ الْمُزَيِّنُ وَحَضَرَ الْهَدْيَ ، فَقَالَ أَصْحَابِي : نَنْحَرُ وَنَحْلِقُ ، فَحَلَقْت ، وَلَمْ أَشْعُرْ قَبْلَ النَّحْرِ ، وَمَا تَذَكَّرْت إلَّا وَجُلُّ شَعْرِي قَدْ ذَهَبَ بِالْمُوسَى ، فَقُلْت : دَمٌ عَلَى دَمٍ ، لَا يَلْزَمُ ، وَرَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاطَ لِارْتِفَاعِ الْخِلَافِ .
وَالْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلُ ، فَهُوَ الْمَعْقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا بِالْحَظْرِ ، وَالْآخَرُ بِالْإِبَاحَةِ ، فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ مَالَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ ، وَقَالَ : يُقَدَّمُ دَلِيلُ الْحَظْرِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَدَّمُ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَقَاصِدُ مَالِكٍ ، إلَّا فِي بَابِ الرِّبَا ، فَيُقَدَّمُ دَلِيلُ الْحَظْرِ ، وَذَلِكَ مِنْ فِقْهِهِ الْعَظِيمِ .
وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى زِيَادَةِ رُكْنٍ فِي الْعِبَادَةِ ، أَوْ شَرْطٍ ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إسْقَاطِهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيهِ ؛ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَقَضَى بِزِيَادَةِ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِالْخِفَّةِ ، وَقَالَ بِدَلِيلِ الْإِسْقَاطِ ، وَلَمْ يُعَوِّلْ مَالِكٌ هَاهُنَا عَلَى أَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ : كَانَ بِزِيَادَةٍ أَوْ بِإِسْقَاطٍ ، وَرَأْيُهُ هُوَ الَّذِي نَرَاهُ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، فَهُنَالِكَ يُنْظَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ الْحَرَجُ فِي نَازِلَةٍ عَامًّا فِي النَّاسِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ، وَإِذَا كَانَ خَاصًّا لَمْ يُعْتَبَرْ عِنْدَنَا ، وَفِي بَعْضِ أُصُولِ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارُهُ ، وَذَلِكَ يُعْرَضُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَمِنْهُ خُذُوهُ بِعَوْنِ اللَّهِ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا ، فَلَبِثْنَا سَاعَةً ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا ، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا ، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا ، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا ، وَارْضِنَا وَارْضَ عَنَّا ثُمَّ قَالَ : أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ .
ثُمَّ قَالَ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو عِيسَى وَقَطَعَهُ .
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي السَّمَاءِ إذَا صَلَّى ، فَنَزَلَتْ آيَةٌ } .
قَالَ مُحَمَّدٌ : إنْ لَمْ تَكُنْ { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } فَلَا أَدْرِي أَيَّةَ آيَةٍ هِيَ ؟ قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ مَظْنُونٌ ، فَمَقْصُودُهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ، فَسُقْنَاهُ عَلَى حَالِهِ لَكُمْ حَتَّى نَكُونَ فِي مَعْرِفَتِهِ سَوَاءً مَعَكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هُوَ الْخُضُوعُ ، وَهُوَ الْإِخْبَاتُ ، وَالِاسْتِكَانَةُ ، وَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ ، أَوْ مُتَلَازِمَةٌ ؛ { وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : خَضَعَ لَك سَوَادِي ، وَآمَنَ بِك فُؤَادِي } .
وَحَقِيقَتُهُ السُّكُونُ عَلَى حَالَةِ الْإِقْبَالِ الَّتِي تَأَهَّبَ لَهَا وَاحْتَرَمَ بِهَا بِالسِّرِّ فِي الضَّمِيرِ ، وَبِالْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ ؛ فَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ خَاشِعًا خَاضِعًا } ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْتَفِتُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ حَفِيدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ .
قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ لِعُرْوَةِ : لَوْ رَأَيْت قِيَامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَعْنِي أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ لَقُلْت : غُصْنٌ تَصْفِقُهُ الرِّيَاحُ ، وَحِجَارَةُ الْمَنْجَنِيقِ تَقَعُ هَاهُنَا ، وَرَضْفٌ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا قَامَ يُصَلِّي كَأَنَّهُ عُودٌ مِنْ الْخُشُوعِ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ مُرْخِيًا ثِيَابَهُ .
فَجَاءَ حَجَرُ الْخَذَّافِ ، فَذَهَبَ بِطَائِفَةٍ مِنْ ثَوْبِهِ ، فَمَا الْتَفَتَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إذَا صَلَّى لَا يَتَحَرَّكُ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إنَّهُ يَضَعُ بَصَرَهُ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالصُّوفِيَّةُ بِأَسْرِهِمْ ، فَإِنَّهُ أَحْضَرُ لِقَلْبِهِ ، وَأَجْمَعُ لِفِكْرِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : إنَّمَا يَنْظُرُ أَمَامَهُ ، فَإِنَّهُ إنْ حَنَى رَأْسَهُ ذَهَبَ بَعْضُ الْقِيَامِ الْمَنْقُوضِ عَلَيْهِ فِي الرَّأْسِ ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ مِنْهُ ، وَإِنْ أَقَامَ رَأْسَهُ وَتَكَلَّفَ النَّظَرَ بِبَصَرِهِ إلَى الْأَرْضِ فَتِلْكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ وَحَرَجٌ ، يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ؛ وَإِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْجِهَةَ بِبَصَائِرِنَا
وَأَبْصَارِنَا ، أَمَّا إنَّهُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مَتَى قَدَرَ وَكَيْفَ قَدَرَ ، وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ فِي الصَّلَاةِ إلَى السَّمَاءِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْجِهَةَ الْكَعْبِيَّةَ ، فَإِذَا رَفَعَ بَصَرَهُ فَهُوَ إعْرَاضٌ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا ، حَتَّى { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا حِينَ رَأَوْا عَامَّةَ الْخَلْقِ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ سَالِمَةٌ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطْفِ هَاهُنَا أَخْذُهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ حِينَ يَمُرُّ بِآيَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَهُوَ مُعْرِضٌ ، وَذَلِكَ أَشَدُّ الْخَطْفِ ، وَمِنْ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ بِرَفْعِ الْحَرَجِ الْإِذْنُ فِي أَنْ يَلْحَظَ يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي بِبَصَرِهِ وَرَأْسِهِ دُونَ بَدَنِهِ ، أَذِنَ الشَّرْعُ فِيهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَمِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْمَحُ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يَلْتَفِتُ } .
وَرَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إذَا صَلَّى لَمْ يَقُلْ هَكَذَا وَهَكَذَا .
فَقَالَ : لَكِنَّا نَقُولُ هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَنَكُونُ مِثْلَ النَّاسِ ؛ إشَارَةً مِنْ ابْنِ عُمَرَ إلَى أَنَّهُ تَكْلِيفٌ يَخْرُجُ إلَى الْحَرَجِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قَالَ : الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ : لَا يَعْرِفُ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ ، وَلَا مَنْ عَلَى يَسَارِهِ .
صَلَّيْت الْمَغْرِبَ لَيْلَةً مَا بَيْنَ بَابِ الْأَخْضَرِ ، وَبَابِ حِطَّةٍ مِنْ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ ، وَمَعَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَغْرِبِيِّ الزَّاهِدُ ، فَلَمَّا
سَلَّمْنَا تَمَارَى رَجُلَانِ كَانَا عَنْ يَمِينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ ؛ وَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِلْآخَرِ : أَسَأْت صَلَاتَك ، وَنَقَرْت نَقْرَ الْغُرَابِ .
وَالْآخَرُ يَقُولُ لَهُ : كَذَبْت ؛ بَلْ أَحْسَنْت وَأَجْمَلْت .
فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزَّاهِدِ : أَلَمْ يَكُنْ إلَى جَانِبِك ؛ فَكَيْفَ رَأَيْته يُصَلِّي ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا عِلْمَ لِي بِهِ ، كُنْت مُشْتَغِلًا بِنَفْسِي وَصَلَاتِي عَنْ النَّاسِ وَصَلَاتِهِمْ .
فَخَجِلَ الرَّجُلُ وَأُعْجِبَ الْحَاضِرُونَ بِالْقَوْلِ .
وَصَدَقَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزَّاهِدُ ؛ لَوْ كَانَ لِصَلَاتِهِ قَدْرٌ ، أَوْ لَهُ بِهَا شُغْلٌ وَإِقْبَالٌ بِالْكُلِّيَّةِ لَمَا عَلِمَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ فَضْلًا عَنْ مَعْرِفَتِهِ كَيْفِيَّةَ صَلَاتِهِ ، وَإِلَّا فَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَسَاءَ صَلَاتَهُ فِي حَذْفِ صِفَاتِهَا ، وَاخْتِصَارِ أَرْكَانِهَا ، وَهَذَا أَسَاءَ صَلَاتَهُ فِي الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ هَذَا ، حَتَّى ذَهَبَ حِفْظُ صَلَاتِهِ وَخُشُوعُهَا .
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَك : " اللَّهُ أَكْبَرُ " يُحَرِّمُ عَلَيْك الْأَفْعَالَ بِالْجِوَارِ ، وَالْكَلَامَ بِاللِّسَانِ ؛ وَنِيَّةَ الصَّلَاةِ تُحَرِّمُ عَلَيْك الْخَوَاطِرَ بِالْقَلْبِ ، وَالِاسْتِرْسَالَ عَنْ الْأَفْكَارِ ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ ضَبْطَ الشَّرِّ مِنْ السِّرِّ يَفُوتُ طَوْقَ الْبَشَرِ سَمَحَ فِيهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانًا لَهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
===================================================ج16.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : مِنْ غَرِيبِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْعَشْرِ هِيَ عَامَّةٌ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، كَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ مُحْتَمَلَةٌ لَهُمْ ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِيهِمْ ، إلَّا قَوْلَهُ : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِلرِّجَالِ خَاصَّةً دُونَ النِّسَاءِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ، وَلَا إبَاحَةَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْفَرْجِ ؛ وَإِنَّمَا عُرِفَ حِفْظُ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا مِنْ أَدِلَّةٍ أُخَرَ ، كَآيَاتِ الْإِحْصَانِ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : سَمِعْت حَرْمَلَةَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ ، فَتَلَا هَذِهِ : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } .
وَهَذَا ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْنُونَ عَنْ الذَّكَرِ بِعُمَيْرَةَ ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ : إذَا حَلَلْت بِوَادٍ لَا أَنِيسَ بِهِ فَاجْلِدْ عُمَيْرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجٌ وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ الِاسْتِمْنَاءَ ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْمَنِيِّ .
وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى وَرَعِهِ يُجَوِّزُهُ ، وَيَحْتَجُّ بِأَنَّهُ إخْرَاجُ فَضْلَةٍ مِنْ الْبَدَنِ ؛ فَجَازَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، أَصْلُهُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ .
وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدَانَ اللَّهُ إلَّا بِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهُ كَالْفَاعِلِ بِنَفْسِهِ ، وَهِيَ مَعْصِيَةٌ أَحْدَثَهَا الشَّيْطَانُ وَأَجْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى صَارَتْ قِيلَةً ، وَيَا لَيْتَهَا لَمْ تُقَلْ ، وَلَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهَا لَكَانَ ذُو الْمُرُوءَةِ يُعْرِضُ عَنْهَا
لِدَنَاءَتِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا خَيْرٌ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ .
قُلْنَا : نِكَاحُ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ أَيْضًا ، وَلَكِنَّ الِاسْتِمْنَاءَ ضَعِيفٌ فِي الدَّلِيلِ عَارٌ بِالرَّجُلِ الدَّنِيءِ ، فَكَيْفَ بِالرَّجُلِ الْكَبِيرِ ،
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ قَوْمٌ : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الْفَرْجَ إلَّا بِالنِّكَاحِ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَالْمُتَمَتِّعَةُ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ، وَهَذَا يَضْعُفُ .
فَإِنَّا لَوْ قُلْنَا : إنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ جَائِزٌ فَهِيَ زَوْجَةٌ إلَى أَجَلٍ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْآيَةِ ، وَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِ حِفْظِ الْفَرْجِ وَتَحْرِيمِهِ مِنْ سَبَبِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا ، وَهِيَ الثَّالِثَةُ : { فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } .
فَسُمِّيَ مَنْ نَكَحَ مَا لَا يَحِلُّ عَادِيًا ، وَأُوجِبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعُدْوَانِهِ ، وَاللَّائِطُ عَادٍ قُرْآنًا وَلُغَةً ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } فَوَجَبَ أَنْ نُقِيمَ الْحَدَّ عَلَيْهِ ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } .
قَدْ قَدَّمْنَا وُجُوبَ حِفْظِ الْأَمَانَةِ وَالْعَهْدِ ، وَبَيَّنَّا قِيَامَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، فَأَدِّ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ فِيك فَلَا تَنْقُضْهُ فِيهِ ، وَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ عِنْدَك فَلَا تَكْفُرْ بِهِ عِنْدَهُ ، وَمَنْ غَدَرَ بِك فَلَا تَغْدِرْ بِهِ .
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِيمَا سَلَف فِي مَوَاضِعَ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهَا ؛ وَلْيُجْمَعْ فِي الْقَلْبِ مِنْهَا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ } .
قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي حِفْظِ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا ، وَبَيَّنَّا الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا بِإِدَامَةِ أَفْعَالِهَا فِي أَوْقَاتِهَا مَتَى تَكَرَّرَتْ مَفْرُوضَاتُهَا ، فَاعْلَمُوهُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَمِمَّا امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ الْمَاءُ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ وَنَمَاءُ الْحَيَوَانِ .
وَالْمَاءُ الْمُنَزَّلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلَهُ فِيهَا مُخْزُونَا لِسُقْيَا النَّاسِ ، يَجِدُونَهُ [ عُدَّةً ] عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَهُوَ مَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ ، وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْآبَارِ .
وَالْقِسْمُ الْآخَرُ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ } الْآيَةَ ، أَهُوَ فِي الْخَرِيفِ فِيمَا بَلَغَك ، قَالَ : لَا وَاَللَّهِ ؛ بَلْ هَذَا فِي الْخَرِيفِ وَالشِّتَاءِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْزِلُ مَاؤُهُ مِنْ السَّمَاءِ إذَا شَاءَ ، ثُمَّ هُوَ عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرٌ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُحْتَمَلٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ، فَأَسْكَنَهُ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ يُنَزِّلُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، فَيَكُونُ مِنْهُ غِذَاءٌ ، وَمِنْهُ اخْتِزَانٌ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ مَالِكٌ : هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا يَعْنِي قَوْلَهُ : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا } ، وَقَوْلَهُ : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } يَعْنِي الْمَطَرَ ، { وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } يَعْنِي النَّبَاتَ .
وَهَذَا يَكُونُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ : { إنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ مَطَرٍ فِي عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ ، وَإِنَّهُ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءٌ إلَّا
بِحِفْظِ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِهِ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ مَاءِ الطُّوفَانِ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْمَلَكُ } ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ } لِأَنَّ الْمَاءَيْنِ الْتَقَيَا عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ بِالْإِقْلَاعِ ، فَلَمْ تَمْتَصَّ الْأَرْضُ مِنْ قَطْرِهِ ، وَأَمَرَ الْأَرْضَ بِابْتِلَاعِ مَا خَرَجَ مِنْهَا فَقَطْ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَك وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَمْ تَشْرَبْ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ قَطْرَةً .
نُكْتَةٌ أُصُولِيَّةٌ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : قَوْلُهُ : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ ذَاتُ الْمَطَرِ ؛ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ فِي كُلِّ عَامٍ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا مِنْ إنْزَالِ الْمَطَرِ مِنْهَا .
وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا تَرُدُّ مَا أَخَذَتْ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْمَاءِ ؛ إذْ السَّحَابُ يَسْتَقِي مِنْ الْبَحْرِ ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ الْهُذَلِيِّ : شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٌ لَهُنَّ نَئِيجُ يَعْنِي السَّحَابَ ، وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ طَوِيلَةٌ ، وَهِيَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ جَائِزَةٌ ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ ، وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ أَثَرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } : يَعْنِي لَقَادِرُونَ عَلَى إذْهَابِ الْمَاءِ الَّذِي أَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ، فَيَهْلَكُ النَّاسُ بِالْعَطَشِ ، وَتَهْلَكُ مَوَاشِيهِمْ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } وَقَدْ قَالَ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَهَذَا عَامٌّ فِي مَاءِ الْمَطَرِ وَالْمَاءِ الْمُخْتَزَنِ فِي أَرْضٍ ، فَصَارَتْ إحْدَى الْآيَتَيْنِ عَامَّةً وَهِيَ آيَةُ الطَّهُورِ .
وَالْآيَةُ
الْأُخْرَى خَاصَّةً وَهِيَ مَاءُ الْقَدْرِ الْمُسْكَنِ فِي الْأَرْضِ ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ مَنْ قَالَ : إنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاءِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } ، وَهَذَا نَصٌّ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ : سَيْحُونَ ، وَهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ وَجَيْحُونَ ، وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ ، وَدِجْلَةَ ، وَالْفُرَاتِ ، وَهُمَا نَهَرَا الْعِرَاقِ ، وَالنِّيلَ وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ فِي أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا ، فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ ، وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلَ فِيهَا مَعَايِشَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ } ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ } فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ ، وَهَذِهِ الْأَنْهَارَ الْخَمْسَةَ ؛ فَيَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السَّمَاءِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } .
وَهَذَا جَائِزٌ فِي الْقُدْرَةِ إنْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ .
[ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَيْحُونُ وَجَيْحُونُ وَالْفُرَاتُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ } .
وَهَذَا تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } يَعْنِي بِهِ نَهْرًا يَجْرِي ، وَعَيْنًا تَسِيلُ ، وَمَاءً رَاكِدًا فِي جَوْفِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ] .
وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ رَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، وَذَكَرَ مَا أَنْشَأَ مِنْ الْمَاءِ وَمِنْ النَّبَاتِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : ( رَبْوَةٍ ) فِيهَا خَمْسُ لُغَاتٍ : كَسْرُ الرَّاءِ ، وَفَتْحُهَا ، وَضَمُّهَا ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ ، وَيُقَالُ رِبَاوَةٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا ، وَلَمْ أُقَيِّدْ غَيْرَهُ فِيمَا وَجَدْته الْآنَ عِنْدِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الرَّبْوَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الرَّمْلَةُ ؛ وَهِيَ فِلَسْطِينُ ؛ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ .
الثَّانِي : قَالَ قَتَادَةُ : هِيَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا دِمَشْقُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا مِصْرُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَلَيْسَ الرُّبَا إلَّا بِمِصْرَ ، وَالْمَاءُ يُرْسَلُ فَيَكُونُ الرُّبَا عَلَيْهَا الْقُرَى ، وَلَوْلَا ذَلِكَ غَرِقَتْ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَقْوَالُ مِنْهَا مَا تُفَسَّرُ لُغَةً ، وَمِنْهَا مَا تُفَسَّرُ نَقْلًا ؛ فَأَمَّا الَّتِي تُفَسَّرُ لُغَةً فَكُلُّ أَحَدٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةُ الْمَدْرَكِ بَيْنَ الْخَلْقِ .
وَأَمَّا مَا يُفَسَّرُ مِنْهَا نَقْلًا فَمُفْتَقِرٌ إلَى سَنَدٍ صَحِيحٍ يَبْلُغُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُ تَبْقَى هَاهُنَا نُكْتَةٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَقَلَ النَّاسُ تَوَاتُرًا أَنَّ هَذَا مَوْضِعُ كَذَا ، أَوْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ جَرَى كَذَا ، أَوْ وَقَعَ لَزِمَ قَبُولُهُ ، وَالْعِلْمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِيمَانُ ، وَخَبَرَ الْآحَادِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُخْبِرِ بِهِ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ ، وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ بِمَنْزِلَةِ الْعِيَانِ ، وَقَدْ
بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَاَلَّذِي شَاهَدْت عَلَيْهِ النَّاسَ ، وَرَأَيْتهمْ يُعَيِّنُونَهَا تَعْيِينَ تَوَاتُرٍ دِمَشْقَ ، فَفِي سَفْحِ الْجَبَلِ فِي غَرْبِيِّ دِمَشْقَ مَائِلًا إلَى جَوْفِهَا مَوْضِعٌ مُرْتَفِعٌ تَتَشَقَّقُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ ، وَفِيهَا الْفَوَاكِهُ الْبَدِيعَةُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ، وَقَدْ اُتُّخِذَ بِهَا مَسْجِدٌ يُقْصَدُ إلَيْهِ ، وَيُتَعَبَّدُ فِيهِ ، أَمَّا أَنَّهُ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَوْلِدَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِبَيْتِ لَحْمٍ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَفِيهِ رَأَيْت الْجِذْعَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا خَرَجَتْ بِابْنِهَا اخْتَلَفَتْ الرُّوَاةُ ، هَلْ أَخَذَتْ بِهِ غَرْبًا إلَى مِصْرَ ؟ أَمْ أَخَذَتْ بِهِ شَرْقًا إلَى دِمَشْقَ ؟ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَرْضٌ مُنْبَسِطَةٌ وَبَاحَةٌ وَاسِعَةٌ .
الثَّانِي : ذَاتُ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ مِنْ قُوتٍ وَمَاءٍ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ .
وَقَوْلُهُ : { وَمَعِينٍ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَعِينٍ } يُرِيدُ بِهِ الْمَاءَ ، وَهُوَ مَفْعَلُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، وَيُقَالُ : مَعَنَ الْمَاءُ وَأَمْعَنَ إذَا سَالَ ، فَيَكُونُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ .
قَالَ عُبَيْدٌ : وَاهِيَةٌ أَوْ مَعِينٌ مُمْعِنٌ أَوْ هَضْبَةٌ دُونَهَا لُهُوبُ وَفِيهَا أَقْوَالُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } .
قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الطَّيِّبِ ، وَتَفْسِيرُهُ بِالْحَلَالِ ؛ وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَمْرِيِّ عَنْهُ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : وَعَلَيْكُمْ مِنْ الْمَطَاعِمِ بِمَا طَابَ مِنْهَا .
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا } .
ثُمَّ قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } .
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ : يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، مَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ ، } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى فِي دَاوُد : { وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ } .
وَرَوَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجُعِلَتْ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي } .
فَجَعَلَ اللَّهُ رِزْقَ مُحَمَّدٍ فِي كَسْبِهِ لِفَضْلِهِ ، وَخَصَّ لَهُ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ ، وَهُوَ أَخْذُ الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ ، لِشَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الَّذِينَ يُطِيعُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ .
الثَّانِي : الَّذِينَ يَعْصِمُونَ ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ يُعَذَّبُوا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : { وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } قَالَتْ عَائِشَةُ : أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَيَسْرِقُونَ ؟ قَالَ : لَا ، يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ أَوْ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ .
} وَقَدْ رَوَى عَطَاءٌ قَالَ : دَخَلْت مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَ لَهَا : كَيْفَ كَانُوا يَقْرَءُونَ ، { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } ؟ قَالَتْ : يَأْتُونَ مَا أَتَوْا ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهَا قَالَ لِي عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ : لَأَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَتْ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ يَعْنِي بِقَوْلِهَا : يَأْتُونَ مَا أَتَوْا مِنْ الْمَجِيءِ أَيْ يَأْتُونَ الذُّنُوبَ وَهُمْ خَائِفُونَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : عَوَّلُوا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ ، وَلَا تَتَعَلَّقُوا بِأَعْضَاءِ الْكَسِيرِ ، إنَّمَا كَانَ الْقَوْمُ إذَا غَلَبَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ الْإِخْلَاصُ وَالْقُرْبُ خَافُوا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْمُتَّقِينَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِمْ مَقَامُ الرَّجَاءِ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَيْهِمْ مَقَامُ الْخَوْفِ ؛ فَهَذِهِ الْآيَةُ تَشْهَدُ بِفَضْلِ غَلَبَةِ مَقَامِ الْخَوْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَاَلَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَاَلَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } .
وَكَانَ { النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ مَقَامُ الْخَوْفِ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ مَادًّا يَدَيْهِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : كَفَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ مُنْجِزٌ لَك مَا وَعَدَك ، حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ ، مُغَلِّبًا جَانِبَ الرَّجَاءِ فِي نُفُوذِ الْوَعْدِ .
} قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ يُحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَى اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ يَأْتُونَ وَيُؤْتُونَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : { يُؤْتُونَ } يُعْطِي الْأَمْرَيْنِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : آتَيْت مِنْ نَفْسِي الْقَبُولَ ، وَآتَيْت مِنْهَا الْإِنَابَةَ ، تُرِيدُ أَعْطَيْت الْقِيَادَ مِنْ نَفْسِي يَعْنِي إذَا أَطَاعَ وَأَعْطَيْت الْعِنَادَ مِنْ نَفْسِي يَعْنِي إذَا عَصَى ، فَمَعْنَاهُ يُؤْتُونَ مَا أَتَوْا مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مِنْ مَعْصِيَةٍ ، وَلَكِنْ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُؤْتِي الطَّاعَةَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِالْخَشْيَةِ لِرَبِّهِمْ ، وَالْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ الشِّرْكِ ، وَخَوْفِهِمْ عَدَمَ الْقَبُولِ
مِنْهُمْ عِنْدَ لِقَائِهِ لَهُمْ ، فَلَا جَرَمَ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى الْعِصْيَانِ مُتَمَادِيًا فِي الْخِلَافِ مُسْتَمِرًّا ، فَكَيْفَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ أَوْ بِالْخَشْيَةِ لِرَبِّهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهِ .
أَمَّا إنَّ الَّذِي يَأْتِي الْمَعْصِيَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : الَّذِي يَأْتِيهَا وَيَخَافُ الْعَذَابَ فَهَذَا هُوَ الْمُذْنِبُ .
وَاَلَّذِي يَأْتِيهَا آمِنًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ غَلَبَةِ الرَّجَاءِ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَغْرُورُ ، وَالْمَغْرُورُ فِي حِزْبِ الشَّيْطَانِ .
وَإِنْ أَتَاهَا شَاكًّا فِي الْعَذَابِ فَهُوَ مُلْحِدٌ لَا مَغْفِرَةَ لَهُ .
وَلِأَجْلِ إشْكَالِ قَوْلِهِ : { يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } قَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِهِ إنْفَاقَ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ إلَيْهِ صَلَاحِيَةُ لَفْظِ الْعَطَاءِ إلَّا فِي الْمَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْعَطَاءِ يَنْطَلِقُ فِي كُلِّ مَعْنًى : مَالٍ وَغَيْرِهِ ، وَفِي كُلِّ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ ، وَاتَّضَحَتْ الْآيَةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ؛ مِنْ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، هُوَ الْأَفْضَلُ ، وَمَدْحُ الْبَارِي أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى صِفَةِ الْفَضْلِ فِي الْمَمْدُوحِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَقَدِّمَةٍ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذَّمِّ أَهْلُ الْحَرَمِ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ، أَيْ بِالْحَرَمِ ، يُرِيدُ يَتَعَاطَوْنَ بِهِ الْكِبْرَ وَيَدَّعُونَ ، حَتَّى كَانُوا يَرَوْنَ النَّاسَ يَتَخَطَّفُونَ مِنْ حَوْلِهِمْ ، وَهُمْ آمِنُونَ .
وَمِنْ الْكِبْرِ كُفْرٌ ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ عَلَى اللَّهِ ، وَعَلَى رَسُولِهِ ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِسْقٌ ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْكُفَّارِ إيمَانٌ ؛ فَلَيْسَ الْكِبْرُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ حُكْمُهُ بِحُكْمِ مُتَعَلَّقِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { سَامِرًا } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : حَلْقًا حَلْقًا ، وَأَصْلُهُ التَّحَلُّقُ بِاللَّيْلِ لِلسَّمَرِ ، وَكَنَّى بِقَوْلِهِ : سَامِرًا عَنْ الْجَمَاعَةِ ، كَمَا يُقَالُ : بَاقِرٌ وَجَامِلٌ لِجَمَاعَةِ الْبَقَرِ وَالْجِمَالِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْمَثَلِ : لَا أُكَلِّمُهُ السَّمَرَ وَالْقَمَرَ يَعْنِي فِي قَوْلِهِمْ : اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : السَّمَرُ ظِلُّ الْقَمَرِ .
وَحَقِيقَتُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمَا : ابْنَا سَمِيرٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ جِبِلَّةٌ ، وَفِي اللَّيْلِ عَادَةٌ ، فَانْتَظَمَا ، وَعُبِّرَ عَنْهُمَا بِهِ ، وَقَدْ قَرَأَهُ أَبُو رَجَاءٍ سُمَّارًا جَمْعُ سَامِرٍ .
وَقَدْ قَالَ الطَّبَرِيُّ : إنَّمَا وَحَدّ سَامِرًا ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ الْوَقْتِ يَعْنِي وَالْوَقْتُ وَاحِدٌ ، وَإِذَا خَرَجَ الْكَلَامُ عَنْ الْفَاعِلِ أَوْ الْفِعْلِ إلَى الْوَقْتِ وُحِّدَ لِيَدُلَّ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ بَابِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { تَهْجُرُونَ } : قُرِئَ بِرَفْعِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، وَبِنَصَبِ التَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ ؛ فَالْأَوَّلُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْجَرَ إذَا نَطَقَ بِالْفُحْشِ .
وَالثَّانِي مِنْ هَجَرَ إذَا هَذَى ، وَمَعْنَاهُ تَتَكَلَّمُونَ بِهَوَسٍ ، وَلَا يَضُرُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ؛ إنَّمَا ضَرَرُهُ نَازِلٌ بِكُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ " هَجَرَ " فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .
وَلِذَلِكَ فَسَّرَهَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ : مُسْتَكْبِرِينَ بِحَرَمِي ، تَهْجُرُونَ نَبِيِّ وَزَادَ قَتَادَةُ أَنَّ سَامِرَ الْحَرَمِ آمِنٌ ، لَا يَخَافُ بَيَاتًا ، فَعَظَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ السَّمَرَ فِي الْأَمْنِ وَإِفْنَاءَهُ فِي سَبِّ الرَّسُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إنَّمَا كُرِهَ السَّمَرُ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ } يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ ذَمَّ قَوْمًا بِأَنَّهُمْ يَسْمُرُونَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ ،
إمَّا فِي هَذَيَانٍ ، وَإِمَّا فِي إذَايَةٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَغَيْرِهِ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا } يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ؛ أَمَّا الْكَرَاهِيَةُ لِلنَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ فَلِئَلَّا يُعَرِّضَهَا لِلْفَوَاتِ .
وَكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ فِيهَا : " فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ " .
وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ السَّمَرِ بَعْدَهَا ؛ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ كَفَّرَتْ خَطَايَاهُ ، لِيَنَامَ عَلَى سَلَامَةٍ ، وَقَدْ خَتَمَ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ الْكَاتِبُ صَحِيفَتَهُ بِالْعِبَادَةِ ، فَيَمْلَؤُهَا بِالْهَوَسِ ، وَيَجْعَلُ خَاتَمَهَا الْبَاطِلَ أَوْ اللَّغْوَ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّمَا يُكْرَهُ السَّمَرُ بَعْدَهَا لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكُمْ وَالسَّمَرَ بَعْدَ هَدْأَةِ الرِّجْلِ ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَبُثُّ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ ، أَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ ، وَخَمِّرُوا الْآنِيَةَ ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ } .
وَكَانَ عُمَرُ يَجْدِبُ السَّمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، أَيْ يَعِيبُهُ ، وَيَطُوفُ بِالْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَيَقُولُ : " الْحَقُوا بِرِحَالِكُمْ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَكُمْ صَلَاةً فِي بُيُوتِكُمْ " وَقَدْ كَانَ يَضْرِب عَلَى السَّمَرِ حِينَئِذٍ وَيَقُولُ : " أَسَمَرًا أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَنَوْمًا آخِرَهُ ، أَرِيحُوا كِتَابَكُمْ " ، حَتَّى إنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ قَرَضَ بَيْتَ شِعْرٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يُصْبِحَ " وَأَسْنَدَهُ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : بَابُ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَذَكَرَ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ : انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ ، وَرَاثَ عَلَيْنَا ، حَتَّى جَاءَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ
قِيَامِهِ ، فَقَالَ : دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ .
ثُمَّ قَالَ : قَالَ أَنَسٌ : انْتَظَرْنَا النَّبِيَّ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى إذَا كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ، ثُمَّ خَطَبَنَا ، فَقَالَ : { أَلَا إنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا ، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ } .
قَالَ الْحَسَنُ : " وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ فِي خَيْرِ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ " .
ثُمَّ قَالَ : " بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ " : وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ ، وَإِنَّ النَّبِيَّ قَالَ : { مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ } ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ ، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ بِعَشْرَةٍ .
قَالَ : فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ، وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ : وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ ، فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ .
قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِك ؟ قَالَ : أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ ، قَالَتْ : أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ .
قَالَ : فَذَهَبْت أَنَا فَاخْتَبَأْتُ .
وَقَالَ : يَا غُنْثَرُ ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ ، وَقَالَ : " كُلُوا ، لَا هَنِيئًا ، وَاَللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا .
وَاَيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا " .
قَالَ : وَشَبِعُوا ، وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَنَظَرَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ .
فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ ، مَا هَذَا قَالَتْ : لَا ، وَقُرَّةِ عَيْنِي ، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ مِرَارٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ ، ثُمَّ
أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ، ثُمَّ حَمَلَهَا إلَى النَّبِيِّ ، فَأَصْبَحْت عِنْدَهُ ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ ، فَمَضَى الْأَجَلُ ، فَفَرَّقْنَا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ ، أَوْ كَمَا قَالَ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ السَّمَرِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ هَجْرِ الْقَوْلِ أَوْ لَغْوِهِ ، أَوْ لِأَجْلِ خَوْفِ فَوْتِ قِيَامِ اللَّيْلِ .
فَإِذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ هَذَا أَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَةٌ أَوْ غَرَضٌ شَرْعِيٌّ فَلَا حَرَجَ فِيهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَنْزَعِ الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخَذٌ آخَرُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : ادْفَعْ بِالْإِغْضَاءِ وَالصَّفْحِ إسَاءَةَ الْمُسِيءِ .
الثَّانِي : ادْفَعْ الْمُنْكَرَ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .
الثَّالِثُ : ادْفَعْ سَيِّئَتَك بِالْحَسَنَةِ بَعْدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى : { ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ خَاصَّةٌ فِي الْعَفْوِ ، وَاَلَّتِي شَرَحْنَا الْكَلَامَ فِيهَا هَاهُنَا عَامَّةٌ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ حَسْبَمَا سَطَّرْنَاهُ آنِفًا ، وَهِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي الْكُفَّارِ بِالِانْتِقَامِ مِنْهُمْ ، بَاقِيَةٌ فِي الْمُؤْمِنِينَ عَلَى عُمُومِهَا ، فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : ادْفَعْ سَيِّئَتَك بِالْحَسَنَةِ بَعْدَهَا فَيُشِيرُ إلَى الْغَفْلَةِ وَحَسَنَتُهَا الذِّكْرُ ، كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيّ : أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً .
وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي لَأَتُوبُ إلَى اللَّهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ } وَقَالَتْ الصُّوفِيَّةُ : إنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ ادْفَعْ حَظَّ الدُّنْيَا إذَا زَحَمَ حَظَّ الْآخِرَةِ بِحَظِّ الْآخِرَةِ وَحْدَهَا .
قَالَ لِي شِيحُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ : مَتَى اجْتَمَعَ لَك أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا لِلدُّنْيَا وَالْآخَرُ لِلَّهِ فَقَدِّمْ مَا لِلَّهِ فَإِنَّهُمَا يَحْصُلَانِ لَك جَمِيعًا .
وَإِنْ قَدَّمْت الدُّنْيَا رُبَّمَا فَاتَا مَعًا ، وَرُبَّمَا حَصَلَ حَظُّ الدُّنْيَا وَلَمْ يُبَارَكْ لَك فِيهِ .
وَلَقَدْ جَرَّبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ دَفْعُ الْجَفَاءِ ، لَا جَرَمَ ، كَذَلِكَ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .
وَفِقْهُ الْآيَةِ : اُسْلُكْ مَسْلَكَ الْكِرَامِ ، وَلَا تَلْحَظْ جَانِبَ الْمُكَافَأَةِ ، ادْفَعْ
بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا تَسْلُكْ مَسْلَكَ الْمُبَايَعَةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ : سَلِّمْ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْكَ ، وَتَكْثُرُ الْأَمْثِلَةُ ، وَالْقَصْدُ مَفْهُومٌ ، فَاسْلُكُوهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِلشَّيْطَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْهُ ، كَمَا كَانَ يَسْتَغْفِرُ بَعْدَ إعْلَامِهِ بِالْمَغْفِرَةِ لَهُ ، تَحْقِيقًا لِلْمَوْعِدِ ، أَوْ تَأْكِيدًا لِلشَّرْطِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمْرُهُ [ لَنَا ] بِالِاسْتِعَاذَةِ عَامٌّ ، فَلَا جَرَمَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ ، حَتَّى عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، فَيَقُولُ : { أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ } .
سُورَةُ النُّورِ فِيهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { سُورَةٌ } : يَعْنِي مُنَزَّلَةً وَمُرَتَّبَةٌ ؛ أَلَمْ تَرَوْا قَوْلَ الشَّاعِرِ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مُلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ وَعَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَى رَفْعِهَا ، وَقَرَأَهَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ ؛ وَهُوَ بَيِّنٌ ، فَأَمَّا الرَّفْعُ فَقَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : إنَّهَا عَلَى خَبَرِ الِابْتِدَاءِ ، التَّقْدِيرُ هَذِهِ سُورَةٌ ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنَّكِرَةِ قَبِيحٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ أَنَّهُ فَصِيحٌ مَلِيحٌ ، وَجِئْنَا فِيهِ بِالْمِثَالِ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { فَرَضْنَاهَا } : يُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا ، فَمَنْ خَفَّفَ فَمَعْنَاهُ أَوْجَبْنَاهَا مُعَيَّنَةً مُقَدَّرَةً ، كَمَا قَالَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
وَمَنْ شَدَّدَ فَمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهَيْنِ : إمَّا عَلَى مَعْنَى وَضَعْنَاهَا فَرَائِضَ فَرَائِضَ ، أَوْ فَرْضًا فَرْضًا ، كَمَا تَقُولُ : نَزَّلْت فُلَانًا ، أَيْ قَدَّرْت لَهُ الْمَنَازِلَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِم : " فَنَزَّلَنِي زَيْدٌ " أَيْ رَتَّبَ لِي مَنَازِلَ كَثِيرَةً .
الثَّانِي : عَلَى مَعْنَى التَّكْثِيرِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } فِيهَا حِجَجٌ وَتَوْحِيدٌ ، وَفِيهَا دَلَائِلُ الْأَحْكَامِ ، وَالْكُلُّ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ : حِجَجُ الْعُقُولِ تُرْشِدُ إلَى مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ ، وَدَلَائِلُ الْأَحْكَامِ تُرْشِدُ إلَى وَجْهِ الْحَقِّ ، وَتَرْفَعُ غُمَّةَ الْجَهْلِ ؛ وَهَذَا هُوَ شَرَفِ السُّورَةِ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا وَقَعَ التَّحَدِّي بِهِ فِي سَبِيلِ الْمُعْجِزَةِ ، فَيَكُونُ شَرَفًا لِلنَّبِيِّ فِي الْوِلَايَةِ ، شَرَفًا لَنَا فِي الْهِدَايَةِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { الزَّانِيَةُ } قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حَدِّ الزِّنَا ، وَحَقِيقَتُهُ ، وَأَنَّهُ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ شَرْعًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ ، كَانَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ ، فِي ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاسْمِ اللُّغَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ كَانَ بِأَنَّ اللِّوَاطَ فِي مَعْنَى الزِّنَا فَحَسَنٌ أَيْضًا ، وَلَا مُبَالَاةَ كَيْفَ يُرَدُّ الْأَمْرُ عَلَيْكُمْ ، فَقَدْ أَحْكَمْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَحَقَقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِأَدِلَّتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ فِيهِمَا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ إعْرَابًا وَقِرَاءَةً وَمَعْنًى ، كِفَّةً كِفَّةً ؛ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } فَذَكَرَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فِيهِ ، وَالزَّانِي كَانَ يَكْفِي عَنْهُ .
قُلْنَا : هَذَا تَأْكِيدٌ لِلْبَيَانِ ، كَمَا قَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فِي الزِّنَا لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْوَاطِئُ وَالْمَرْأَةُ مَحَلُّ ذِكْرِهِمَا دَفْعًا لِهَذَا الْإِشْكَالِ الَّذِي أَوْقَع جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى قَالُوا : لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : جَامَعْت أَهْلِي فِي رَمَضَانَ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَفِّرْ " .
وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِمُجَامِعَةٍ وَلَا وَاطِئَةٍ ، وَهَذَا تَقْصِيرٌ عَظِيمٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَأَنَّهَا تَتَّصِفُ بِالْوَطْءِ ، فَكَيْفَ بِالْجِمَاعِ الَّذِي هُوَ مُفَاعَلَةٌ ، هَذَا مَا لَا يَخْفَى عَلَى لَبِيبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } فَبَدَأَ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ الرَّجُلِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : ذَلِكَ لِفَائِدَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّ الزِّنَا فِي الْمَرْأَةِ أَعَرُّ لِأَجْلِ الْحَمْلِ ، فَصَدَّرَ بِهَا لِعِظَمِ حَالِهَا فِي الْفَاحِشَةِ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ الشَّهْوَةَ فِي الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ ، فَصَدَّرَ بِهَا تَغْلِيظًا لِرَدْعِ شَهْوَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَكَّبَ فِيهَا حَيَاءً ، وَلَكِنَّهَا إذَا زَنَتْ ذَهَبَ الْحَيَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا } جَعَلَ اللَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ حَدَّ الزِّنَا قِسْمَيْنِ : رَجْمًا عَلَى الثَّيِّبِ ، وَجَلْدًا عَلَى الْبِكْرِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا } عَامٌّ فِي كُلِّ زَانٍ ، ثُمَّ شَرَحَتْ السُّنَّةُ حَالَ الثَّيِّبِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ } .
فَقَالَ سُنَّةً ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْجَلْدَ قُرْآنًا ، وَبَقِيَ الرَّجْمُ عَلَى حَالِهِ فِي الثَّيِّبِ ، وَالتَّغْرِيبُ فِي الْبِكْرِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَذَا الْأَمْرِ بِالْجَلْدِ الْإِمَامُ ، وَمَنْ نَابَ عَنْهُ ، وَزَادَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : السَّادَةُ فِي الْعَبِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي كُلِّ جَلْدٍ وَقَطْعٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ : فِي الْجَلْدِ خَاصَّةً دُونَ الْقَطْعِ ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : { لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } فَتُسْقِطُوا الْحَدَّ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : { لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } فَتُخَفِّفُوا الْحَدَّ ؛ وَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَحْمِلَ أَحَدًا رَأْفَةٌ عَلَى زَانٍ بِأَنْ يُسْقِطَ الْحَدَّ أَوْ يُخَفِّفَهُ عَنْهُ .
وَصِفَةُ الضَّرْبِ أَنْ يَكُونَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ ، وَضَرْبًا بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ ، وَتَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحُدُودُ كُلُّهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا سَوَاءٌ بَيْنَ الْحُدُودِ ، ضَرْبُ الزَّانِي أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الْقَذْفِ ، وَضَرْبُ الْقَذْفِ أَشَدُّ مِنْ ضَرْبِ الشُّرْبِ ، وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا صُورَةَ الذَّنْبِ ، فَرَكَّبُوا عَلَيْهِ صِفَةَ الْعُقُوبَةِ ، وَالشُّرْبُ أَخَفُّ مِنْ الْقَذْفِ ، وَالْقَذْفُ أَخَفُّ مِنْ الزِّنَا ؛ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ وَقَرَنُوهُ بِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أَصَابَ حَدًّا ، وَأُتِيَ بِسَوْطٍ شَدِيدٍ ، فَقَالَ : دُونَ هَذَا .
وَأُتِيَ بِسَوْطٍ دُونَهُ ، فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا } .
وَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ الْحَدَّ ، فَقَالَ لَهُ : " لَا تَرْفَعْ إبِطَكَ " .
وَعَنْهُ : أَنَّهُ اخْتَارَ سَوْطًا بَيْنَ السَّوْطَيْنِ .
وَيُفَرَّقُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ فِي ظَهْرِهِ ، وَتُجْتَنَبُ مَقَاتِلُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَهَذَا مَا لَمْ يَتَتَابَعْ النَّاسُ فِي الشَّرِّ ، وَلَا احْلَوْلَتْ لَهُمْ الْمَعَاصِي ، حَتَّى يَتَّخِذُوهَا ضَرَاوَةً ، وَيَعْطِفُ النَّاسُ عَلَيْهِمْ بِالْهَوَادَةِ ، فَلَا يَتَنَاهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ؛ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الشِّدَّةُ ، وَيَزِيدُ الْحَدُّ ، لِأَجْلِ زِيَادَةِ الذَّنْبِ .
وَقَدْ أُتِيَ عُمَرُ بِسَكْرَانٍ فِي رَمَضَانَ ، فَضَرَبَهُ مِائَةً : ثَمَانِينَ حَدُّ الْخَمْرِ ، وَعِشْرِينَ لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ ؛ فَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ تَتَرَكَّبَ الْعُقُوبَاتُ عَلَى تَغْلِيظِ الْجِنَايَاتِ ، وَهَتْكِ الْحُرُمَاتِ .
وَقَدْ لَعِبَ رَجُلٌ بِصَبِيٍّ ،
فَضَرَبَهُ الْوَالِي ثَلَاثَمِائَةِ سَوْطٍ ، فَلَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ مَالِكًا حِينَ بَلَغَهُ ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَانَنَا هَذَا بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِالْمَعَاصِي ، وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَنَاكِرِ ، وَبَيْعِ الْحُدُودِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَبِيدِ لَهَا فِي مَنْصِبِ الْقُضَاةِ ؟ ؛ لَمَاتَ كَمِدًا ، وَلَمْ يُجَالِسْ أَحَدًا ؛ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } .
وَفِقْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ الْمَحْدُودَ ، وَمَنْ شَهِدَهُ وَحَضَرَهُ يَتَّعِظُ بِهِ وَيَزْدَجِرُ لِأَجْلِهِ ، وَيَشِيعُ حَدِيثُهُ ؛ فَيَعْتَبِرُ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ الطَّائِفَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : وَاحِدٌ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ ؛ قَالَ إبْرَاهِيمُ .
الثَّانِي : رَجُلَانِ فَصَاعِدًا ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ .
الثَّالِثُ : ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا ؛ قَالَهُ قَوْمٌ .
الرَّابِعُ : أَرْبَعَةٌ فَصَاعِدًا ؛ قَالَ عِكْرِمَةُ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ عَشْرَةٌ .
وَحَقِيقَةُ الطَّائِفَةِ فِي الِاشْتِقَاقِ فَاعِلَةٌ مِنْ طَافَ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } .
وَذَلِكَ يَصِحُّ فِي الْوَاحِدِ .
وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، إلَّا أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ هَاهُنَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّشْدِيدِ وَالْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ .
وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَى أَنْ تَكُونَ أَرْبَعَةً نَزَعَ بِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدِ شُهُودِهِ .
وَالصَّحِيحُ سُقُوطُ الْعَدَدِ ، وَاعْتِبَارُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بِهِمْ التَّشْدِيدُ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي وَجْهِ نُزُولِهَا : فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : { أَنَّهَا نَزَلَتْ مَخْصُوصَةً فِي رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مَهْزُولٍ ، كَانَتْ مِنْ بَغَايَا الزَّانِيَاتِ ، وَشَرَطَتْ لَهُ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ } ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَمُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ ، وَكَانَ رَجُلًا يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ قَالَ : وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقُ ، وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ ، وَأَنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلًا مِنْ أَسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ قَالَ : فَجِئْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ .
قَالَ : فَجَاءَتْ عَنَاقُ فَأَبْصَرْت سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيَّ عَرَفَتْنِي ، فَقَالَتْ : مَرْثَدٌ ، فَقُلْت : مَرْثَدٌ ، فَقَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا .
هَلُمَّ ، فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ ، فَقُلْت : يَا عَنَاقُ ؛ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا قَالَتْ : يَا أَهْلَ الْخِيَامِ ؛ هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ ، فَتَبِعَنِي ثَمَانِيَةٌ ، وَسَلَكْت الْخَنْدَمَةَ ، فَانْتَهَيْت إلَى غَارٍ ، فَدَخَلْت فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي ، فَبَالُوا فَتَطَايَرَ بَوْلُهُمْ عَلَى رَأْسِي ، وَعَمَّاهُمْ اللَّهُ عَنِّي .
قَالَ : ثُمَّ رَجَعُوا ، وَرَجَعْت إلَى صَاحِبِي فَحَمَلْتُهُ ، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا ، حَتَّى انْتَهَيْت إلَى الْإِذْخِرِ ، فَفَكَكْت عَنْهُ كَبْلَهُ ، فَجَعَلْت أَحْمِلَهُ ، وَيُعِينُنِي ، حَتَّى قَدِمْت الْمَدِينَةَ ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْكِحُ عَنَاقًا ، فَأَمْسَكَ
رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا مَرْثَدُ ، الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَلَا تَنْكِحْهَا } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ ، وَكَانُوا قَوْمًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِالْمَدِينَةِ مَسَاكِنُ وَلَا عَشَائِرُ ، فَنَزَلُوا صُفَّةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ رَجُلٍ يَلْتَمِسُونَ الرِّزْقَ بِالنَّهَارِ ، وَيَأْوُونَ إلَى الصُّفَّةِ بِاللَّيْلِ ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بَغَايَا مُتَعَالِنَاتٌ بِالْفُجُورِ ، مَخَاصِيبُ بِالْكِسْوَةِ وَالطَّعَامِ ، فَهَمَّ أَهْلُ الصُّفَّةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ ، فَيَأْوُوا إلَى مَسَاكِنِهِنَّ ، وَيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ؛ قَالَهُ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ .
وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَزَادَ : أَنَّهُنَّ كُنَّ يُدْعَيْنَ الْجَهَنَّمِيَّاتُ ، نِسْبَةً إلَى جَهَنَّمَ .
الرَّابِعُ : مَعْنَاهُ الزَّانِي لَا يَزْنِي إلَّا بِزَانِيَةٍ ، وَالزَّانِيَةُ لَا تَزْنِي إلَّا بِزَانٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَحْدُودَةً ، وَلَا يَنْكِحُ الزَّانِيَةَ الْمَحْدُودَةَ إلَّا زَانٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ وَغَيْرهمَا .
السَّادِسُ : أَنَّهُ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ عَلَى الْعَفِيفِ ، وَالْعَفِيفِ عَلَى الزَّانِيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْقُرْآنِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ صِيغَةُ الْخَبَرِ ، وَهُوَ عَلَى مَعْنَاهُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَشَرَحْنَاهُ ، رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْخَبَرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ الزَّانِيَ لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً .
وَنَحْنُ نَرَى الزَّانِيَ يَنْكِحُ الْعَفِيفَةَ .
وَقَالَ أَيْضًا : وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ، وَنَحْنُ نَرَى الزَّانِيَةَ يَنْكِحُهَا الْعَفِيفُ ، فَكَيْفَ يُوجَدُ خِلَافُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ ؟ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ ، وَقَوْلُهُ حَقٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ مُخْبِرُهُ بِخِلَافِ خَبَرِهِ ؛ وَلِهَذَا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا مَآخِذَ مُتَبَايِنَةً ، وَلَمْ أَسْمَعْ لِمَالِكٍ فِيهَا كَلَامًا .
وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا زَنَى بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ نَكَحَهَا أَنَّهُمَا زَانِيَانِ ، مَا عَاشَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " أَوَّلُهُ سِفَاحٌ وَآخِرُهُ نِكَاحٌ " .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مِثْلَهُ .
وَقَالَ : " هَذَا مِثْلُ رَجُلٍ سَرَقَ ثَمَرَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا " ، وَأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَرَأَى أَنَّهُ لَا يَنْكِحُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ مَاءَ الزِّنَا وَإِنْ كَانَ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، فَمَاءُ النِّكَاحِ لَهُ حُرْمَةٌ ، وَمِنْ حُرْمَتِهِ أَلَّا يُصَبَّ عَلَى مَاءِ السِّفَاحِ ، فَيُخْلَطُ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ ، وَيُمْزَجُ مَاءُ الْمَهَانَةِ بِمَاءِ الْعِزَّةِ ؛ فَكَانَ نَظَرُ مَالِكٍ أَشَدَّ مِنْ نَظَرِ سَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْبَغَايَا فَظَاهِرٌ فِي الرِّوَايَةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الزَّانِيَ الْمَحْدُودَ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ زِنَاهُ لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً مَحْدُودَةً ، فَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَأَسْنَدَهُ قَوْمٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا مَعْنًى لَا يَصِحُّ نَظَرًا كَمَا لَمْ يَثْبُتْ نَقْلًا .
وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُوقَفَ نِكَاحُ مَنْ حُدَّ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى نِكَاحِ مَنْ حُدَّ مِنْ النِّسَاءِ ؛ فَبِأَيِّ أَثَرٍ يَكُونُ ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَيِّ أَصْلٍ يُقَاسُ مِنْ الشَّرِيعَةِ ؟ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ ، أَوْ الْعَقْدُ ؟ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَطْءُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ زِنًا إلَّا بِزَانِيَةٍ ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّ الْوَطْأَيْنِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ زِنًا مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ وَطْءَ الزِّنَا لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٍ ، وَهَذَا يُؤْثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ ؟ وَكَذَلِكَ هُوَ .
قُلْنَا : عَلِمْنَاهُ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، فَهُوَ أَحَدُ أَدِلَّتِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا بَالِغٌ زَنَى بِصَبِيَّةٍ أَوْ عَاقِلٌ بِمَجْنُونَةٍ ، أَوْ مُسْتَيْقِظٌ بِنَائِمَةٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ زِنًا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ زِنًا ، فَهَذَا زَانٍ يَنْكِحُ غَيْرَ زَانِيَةٍ ، فَيَخْرُجُ الْمُرَادُ عَنْ بَابِهِ الَّذِي تَقَدَّمَ .
قُلْنَا : هُوَ زِنًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ ، وَالْآخَرُ ثَبَتَ فِيهِ الْحَدُّ ، وَإِنْ أَرَدْنَا بِهِ الْعَقْدَ كَانَ مَعْنَاهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الزَّانِيَةَ زَانٍ ، أَوْ يَتَزَوَّجَ زَانٍ الزَّانِيَةَ ، وَتَزْوِيجُ الزَّانِيَةِ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَرَحِمُهَا مَشْغُولٌ بِالْمَاءِ الْفَاسِدِ .
الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ قَدْ اُسْتُبْرِئَتْ .
فَإِنْ كَانَ رَحِمُهَا مَشْغُولًا بِالْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ زِنًا ، لَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ .
وَأَمَّا إنْ اُسْتُبْرِئَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ إجْمَاعًا .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْمَسْجِدِ إذْ جَاءَ رَجُلٌ فَلَاثَ عَلَيْهِ لَوْثًا مِنْ كَلَامٍ وَهُوَ دَهِشٌ ، فَقَالَ لِعُمَرَ : " قُمْ فَانْظُرْ فِي شَأْنِهِ ، فَإِنَّ لَهُ شَأْنًا " .
فَقَامَ إلَيْهِ عُمَرُ ، فَقَالَ : " إنَّ ضَيْفًا ضَافَهُ فَزَنَى بِابْنَتِهِ " فَضَرَبَ عُمَرُ فِي صَدْرِهِ .
وَقَالَ : " قَبَّحَكَ اللَّهُ ، أَلَا سَتَرْتَ عَلَى ابْنَتِكَ " ، فَأَمَرَ بِهِمَا أَبُو بَكْرٍ فَضُرِبَا الْحَدَّ ، ثُمَّ زَوَّجَ أَحَدَهُمَا الْآخَرَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُغَرَّبَا حَوْلًا .
وَقَدْ رَوَى
نَافِعٌ أَنَّ رَجُلًا اسْتَكْرَهَ جَارِيَةً فَافْتَضَّهَا ، فَجَلَدَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَجْلِدْهَا ، وَنَفَاهُ سَنَةً ، ثُمَّ جَاءَ فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا بَعْد ذَلِكَ ، وَجَلَدَهُ عُمَرُ وَنَفَى أَحَدَهُمَا إلَى خَيْبَرَ ، وَالْآخَرُ إلَى فَدَكَ .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا فَجَرَ بِامْرَأَةٍ وَهُمَا بِكْرَانِ ، فَجَلَدَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَنَفَاهُمَا ، ثُمَّ زَوَّجَهُ إيَّاهَا مِنْ بَعْدِ الْحَوْلِ .
وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَشْبَهُ بِالنَّظَرِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوَاجُ بَعْدَ تَمَامِ التَّغْرِيبِ وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ، وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ .
قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصٌ عَامٌّ وَبَيَانٌ لِمُحْتَمَلٍ ، كَمَا تَقْتَضِيهِ الْأَلْفَاظُ وَتَوْجِيهٌ لِأُصُولٍ ، مَنْ فَسَّرَ النِّكَاحَ بِالْوَطْءِ أَوْ بِالْعَقْدِ وَتَرْكِيبُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ } .
يُرِيدُ يَشْتُمُونَ .
وَاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ الرَّمْيِ ، لِأَنَّهُ إذَايَةٌ بِالْقَوْلِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ الْقَذْفُ .
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ ، وَقَالَ أَبُو كَبْشَةَ : وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ وَقَالَ : رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوَى رَمَانِي الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ } مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ مَوْضِعَ رَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَالزَّانِيَةِ وَالزَّانِي سَوَاءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { الْمُحْصَنَاتِ } قَدْ بَيَّنَّا الْإِحْصَانَ وَأَقْسَامَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعِفَّةِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْعِفَّةُ هَاهُنَا .
وَشُرُوطُ الْقَذْفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تِسْعَةٌ : شَرْطَانِ فِي الْقَاذِفِ ، وَشَرْطَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ ، وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ .
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ فِي الْقَاذِفِ : فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ .
وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فِي الشَّيْءِ الْمَقْذُوفِ مِنْهُ : فَهُوَ أَنْ يَقْذِفَهُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْحَدُّ ، وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ ، أَوْ يَنْفِيهِ مِنْ أَبِيهِ ، دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي .
وَأَمَّا الْخَمْسُ الَّتِي فِي الْمَقْذُوفِ فَهِيَ : الْعَقْلُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي رُمِيَ بِهَا كَانَ عَفِيفًا عَنْ غَيْرِهَا أَوْ لَا .
فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فِي الْقَاذِفِ ؛ فَلِأَنَّهُمَا أَصْلَا التَّكْلِيفِ ؛ إذْ التَّكْلِيفُ سَاقِطٌ دُونَهُمَا ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُمَا فِي الْمَقْذُوفِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَعَانِي الْإِحْصَانِ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ الْإِذَايَةِ بِالْمَعَرَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ ، وَلَا مَعَرَّةَ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ ؛ إذْ لَا يُوصَفُ الْوَطْءُ فِيهِمَا وَلَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ زِنًا .
وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِسْلَامِ فِيهِ ؛ فَلِأَنَّهُ مِنْ مَعَانِي الْإِحْصَانِ وَأَشْرَفِهَا ، كَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلِأَنَّ عِرْضَ الْكَافِرَ لَا حُرْمَةَ لَهُ يَهْتِكُهَا الْقَذْفُ ، كَالْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِ ؛ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ .
وَأَمَّا شَرَفُ الْعِفَّةِ ؛ فَلِأَنَّ الْمَعَرَّةَ لَاحِقَةٌ بِهِ ، وَالْحُرْمَةُ ذَاهِبَةٌ ، وَهِيَ مُرَادَةٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا .
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهَا لِأَجْلِ نُقْصَانِ عِرْضِ الْعَبْدِ عَنْ عِرْضِ الْحُرِّ ، بِدَلِيلِ نُقْصَانِ حُرْمَةِ دَمِهِ عَنْ دَمِهِ ؛ وَلِذَلِكَ
لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُرَادُ بِالرَّمْيِ هَاهُنَا التَّعْبِيرُ بِالزِّنَا خَاصَّةً ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك } وَالنُّكْتَةُ الْبَدِيعَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } ، وَاَلَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى أَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ هُوَ الزِّنَا ؛ وَهَذَا قَاطِعٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { يَرْمُونَ } اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا وَذَنْبًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ ؛ فَإِنَّ عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ ، فَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ قَذْفٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِقَذْفٍ .
وَمَالِكٌ أَسَدُّ طَرِيقَةٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ سَامِعُهُ الْحَدَّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا ، كَالتَّصْرِيحِ .
وَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْفَهْمِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ : { إنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } وَقَالَ فِي أَبِي جَهْلٍ : { ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } وَهَذَا ظَاهِرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قَالَ لَهُ : يَا مَنْ وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فِيهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى فِعْلٍ لَا يُعَدُّ زِنًا إجْمَاعًا .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَصْوَبُ مِنْ جِهَةِ التَّعْرِيضِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا رَمَى صَبِيَّةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا عِنْدَ مَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِقَذْفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا ؛ إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا .
وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ تَعْيِيرٌ تَامٌّ بِوَطْءٍ كَامِلٍ ، فَكَانَ قَذْفًا .
وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ مُشْكِلَةٌ ، لَكِنْ مَالِكٌ غَلَّبَ حِمَايَةَ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ ، وَغَيْرُهُ رَاعَى حِمَايَةَ طُهْرِ الْقَاذِفِ .
وَحِمَايَةُ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ كَشَفَ سِتْرَهُ بِطَرْفِ لِسَانِهِ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } كَثَّرَ اللَّهُ عَدَدَ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ رَغْبَةً فِي السَّتْرِ عَلَى الْخَلْقِ ، وَحَقَّقَ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى رَبَطَ أَنْ يَقُولَ : رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؛ أَيْ الْمِرْوَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ قَبْلُ .
فَلَوْ قَالُوا : رَأَيْنَاهُ يَزْنِي بِهَا الزِّنَا الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَكُونُونَ قَذَفَةً .
وَقَالَ غَيْرُهُ : إذَا كَانُوا فُقَهَاءَ وَالْقَاضِي فَقِيهًا كَانَتْ شَهَادَةً .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ تَعَبُّدٌ ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ تَعَبُّدٌ ، وَصِفَتُهَا تَعَبُّدٌ ، فَلَا يُبَدَّلَ شَيْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِهِ ، حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّ مِنْ شَرْطِ أَدَاءِ الشُّهُودِ لِلشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ افْتَرَقُوا لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ تَعَبُّدٌ ، وَرَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ وَاجْتِمَاعِهَا ؛ وَهُوَ أَقْوَى .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ : { الْمُحْصَنَاتِ } قِيلَ : هُوَ وَصْفٌ لِلنِّسَاءِ ، وَلَحِقَ بِهِنَّ الرِّجَالُ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إلْحَاقِ الرِّجَالِ بِهِنَّ ؛ فَقِيلَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِنَّ ؛ كَمَا أُلْحِقَ ذُكُورُ الْعَبِيدِ بِإِمَائِهِمْ فِي تَشْطِيرِ الْحَدِّ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِ السُّنَّةِ ، وَمَذْهَبُ لِسَانِ الْأُمَّةِ .
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ قَبْلَ النَّظَرِ إلَى عِلَّتِهِ ، وَجُعِلَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إلْحَاقُ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي قَوْلِهِ : " مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ [ فَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ ] قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ " .
فَهَذَا إذَا سَمِعَهُ كُلُّ أَحَدٍ عَلِمَ أَنَّ الْأَمَةَ كَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { الْمُحْصَنَاتِ } الْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ .
وَهَذَا كَلَامُ مَنْ جَهِلَ الْقِيَاسَ وَفَائِدَتَهُ ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ .
وَالصَّحِيحُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمَا ، مِنْ أَنَّهُ قِيَاسٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ رَمَوْا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَا جَرَمَ جَلَدَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي سَائِرِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { فَاجْلِدُوهُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَدٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ كَالزِّنَا ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ : فِي حَدِّ الْقَذْفِ شَائِبَتَانِ ؛ شَائِبَةُ حَقِّ اللَّهِ وَهِيَ الْمُغَلَّبَةُ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ : شَائِبَةُ حَقِّ الْعَبْدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةُ .
وَلِهَذَا الشَّوْبِ اضْطَرَبَ فِيهِ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ ، أَصْلُهُ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهَيْنِ ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ فَكَانَ كَالزِّنَا .
قُلْنَا : يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ ، فَلَا يَنْكِحُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَتَيْنِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنَا ، وَعِنْدَهُمْ هُوَ حَثُّ الْآدَمِيِّ ، فَيَبْطُلُ مَا قَالُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : أَنَّهُ لَا يُقِيمُهُ الْإِمَامُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ .
وَلَعَلَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ ذَلِكَ إذَا سَمِعَهُ الْإِمَامُ بِمَحْضَرِ عُدُولِ الشُّهُودِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَظْهَرَ .
وَلَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُجَّةِ الْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَا أَحَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عِنْدِي إثْبَاتَ مَا نُسِبَ إلَيْهِ ، فَإِنْ ادَّعَى سَجَنَهُ ، وَلَمْ يُحَدَّ بِحَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُحَدُّ الْعَبْدُ ثَمَانِينَ بِعُمُومِ الْآيَةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُ حَدٌّ فَلْيَتَشَطَّرْ بِالرِّقِّ ، كَحَدِّ الزِّنَا ، وَخَصُّوا الْأَمَةَ بِالْقِيَاسِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } عَلَّقَ اللَّهُ عَلَى الْقَذْفِ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ : الْحَدَّ ، وَرَدَّ الشَّهَادَةِ ، وَالتَّفْسِيقَ ؛ تَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ ، وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ ، وَقُوَّةً فِي الرَّدْعِ عَنْهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : رَدُّ الشَّهَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِّ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : بَلْ رَدُّهَا مِنْ عِلَّةِ الْفِسْقِ ، فَإِذَا زَالَ بِالتَّوْبَةِ زَالَ رَدُّ الشَّهَادَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الْفِسْقَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْحَدِّ وَبَعْدَ التَّوْبَةِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهَا مِنْ جُمْهُورِ النَّاسِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا قَذَفَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ، لَا قَبْلَ الْحَدِّ وَلَا بَعْدَهُ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ شُرَيْحٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْحَدِّ ، وَلَا تُقْبَلُ بَعْدَهُ ؛ وَإِنْ تَابَ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ الْحَدِّ ، وَلَا تُقْبَلُ قَبْلَهُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةٌ .
وَقَدْ حَقَقْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَأَوْضَحْنَا سَبِيلَ النَّحْوِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْمُلْجِئَةِ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَجْعَلُ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِّ ، وَيَرَى أَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وِلَايَةٌ قَدْ زَالَتْ بِالْقَذْفِ ، وَجُعِلَتْ الْعُقُوبَةُ فِيهَا فِي مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، وَهِيَ اللِّسَانُ تَغْلِيظًا لِأَمْرِهَا .
وَقُلْنَا نَحْنُ : إنَّهَا حُكْمٌ عِلَّتُهُ الْفِسْقُ ، فَإِذَا زَالَتْ الْعِلَّةُ وَهِيَ الْفِسْقُ بِالتَّوْبَةِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَعَاصِي .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ كَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ ؛ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ : تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ ، فَيَقُولُ :
أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنَى بِفُلَانَةَ .
وَنَصُّ الْحَادِثَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يُبَاغِي أَبَا بَكْرَةَ وَيُنَافِرُهُ ، وَكَانَا بِالْبَصْرَةِ مُتَجَاوِرَيْنِ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ ، وَكَانَا فِي مَشْرُبَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ فِي دَارَيْهِمَا ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كُوَّةٌ تُقَابِلُ الْأُخْرَى ، فَاجْتَمَعَ إلَى أَبِي بَكْرَةَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي مَشْرُبَتِهِ ، فَهَبَّتْ رِيحٌ ، فَفَتَحَتْ بَابَ الْكُوَّةِ فَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ لِيَصْفِقَهُ ، فَبَصَرَ بِالْمُغِيرَةِ وَقَدْ فَتَحَتْ الرِّيحُ بَابَ الْكُوَّةِ فِي مَشْرُبَتِهِ وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيْ امْرَأَةٍ قَدْ تَوَسَّطَهَا ، فَقَالَ لِلنَّفَرِ : قُومُوا فَانْظُرُوا ، ثُمَّ اشْهَدُوا ؛ فَقَامُوا فَنَظَرُوا ، فَقَالُوا : وَمَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ هَذِهِ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ الْأَرْقَمِ .
وَكَانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ غَاشِيَةً لِلْمُغِيرَةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْأَشْرَافِ ، وَكَانَ بَعْضُ النِّسَاءِ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِهَا ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى الصَّلَاةِ حَالَ أَبُو بَكْرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : لَا تُصَلِّ بِنَا ، فَكَتَبُوا إلَى عُمَرَ بِذَلِكَ ، فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى وَاسْتَعْمَلَهُ ، وَقَالَ لَهُ : إنِّي أَبْعَثُكَ إلَى أَرْضٍ قَدْ بَاضَ فِيهَا الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ ؛ فَالْزَمْ مَا تَعْرِفُ ، وَلَا تُبَدَّلْ فَيُبَدِّلُ اللَّهُ بِك .
فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَعِنِّي بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ؛ فَإِنِّي وَجَدْتُهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ كَالْمِلْحِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إلَّا بِهِ .
قَالَ : فَاسْتَعِنْ بِمَنْ أَحْبَبْت .
فَاسْتَعَانَ بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ .
ثُمَّ خَرَجَ أَبُو مُوسَى ، حَتَّى أَنَاخَ بِالْبَصْرَةِ ، وَبَلَغَ الْمُغِيرَةَ إقْبَالُهُ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا جَاءَ أَبُو مُوسَى
زَائِرًا وَلَا تَاجِرًا ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ أَمِيرًا .
ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مُوسَى فَدَفَعَ إلَى الْمُغِيرَةِ كِتَابَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ : أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ ، فَبَعَثْت أَبَا مُوسَى أَمِيرًا ؛ فَسَلِّمْ إلَيْهِ مَا فِي يَدَيْك ، وَالْعَجَلَ .
فَأَهْدَى الْمُغِيرَةُ لِأَبِي مُوسَى وَلِيدَةً مِنْ وَلِيدَاتِ الطَّائِفِ تُدْعَى عَقِيلَةُ ، وَقَالَ لَهُ : إنِّي قَدْ رَضِيتهَا لَك .
وَكَانَتْ فَارِهَةً .
وَارْتَحَلَ الْمُغِيرَةُ وَأَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعُ بْنُ كَلَدَةَ ، وَزِيَادٌ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُغِيرَةِ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِعُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ سَلْ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدِ كَيْف رَأَوْنِي مُسْتَقْبِلَهُمْ أَوْ مُسْتَدْبِرَهُمْ ، وَكَيْف رَأَوْا الْمَرْأَةَ ، وَهَلْ عَرَفُوهَا ، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِيَّ فَكَيْفَ لَمْ أَسْتَتِرْ ، أَوْ مُسْتَدْبِرِيَّ فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَلُّوا النَّظَرَ إلَيَّ عَلَى امْرَأَتِي ، وَاَللَّهِ مَا أَتَيْت إلَّا زَوْجَتِي ، وَكَانَتْ تُشْبِهُهَا .
فَبَدَأَ بِأَبِي بَكْرَةَ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ بَيْنَ رِجْلَيْ أُمِّ جَمِيلٍ ، وَهُوَ يُدْخِلُهُ وَيُخْرِجُهُ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ .
قَالَ : وَكَيْفَ رَأَيْتَهُمَا ؟ قَالَ : مُسْتَدْبِرُهُمَا .
قَالَ : وَكَيْفَ اسْتَثْبَتَّ رَأْسَهَا ؟ قَالَ : تَحَامَلْتُ حَتَّى رَأَيْتُهَا .
ثُمَّ دَعَا بِشِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ ، فَشَهِدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَشَهِدَ نَافِعٌ بِمِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ ؛ وَلَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِمْ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : رَأَيْته جَالِسًا بَيْنَ رِجْلَيْ امْرَأَةٍ .
فَرَأَيْت قَدَمَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ تَخْفِقَانِ ، وَاسْتَيْنِ مَكْشُوفَيْنِ ، وَسَمِعْت حَفَزَانًا شَدِيدًا .
قَالَ : هَلْ رَأَيْت كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَهَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُشَبِّهُهَا .
قَالَ لَهُ : تَنَحَّ .
وَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَجُلِدُوا الْحَدَّ ، وَقَرَأَ : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ }
.
قَالَ الْمُغِيرَةُ : اشْفِنِي مِنْ الْأَعْبُدِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَقَالَ لَهُ : اُسْكُتْ ، أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَك ، أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ .
وَرَدَّ عُمَرُ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ : تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ ، فَيَأْبَى حَتَّى كَتَبَ عَهْدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ : هَذَا مَا عَهِدَ بِهِ أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ زَنَى بِجَارِيَةِ بَنِي فُلَانٍ .
وَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ حِينَ لَمْ يَفْضَحْ الْمُغِيرَةَ .
وَرُوِيَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَمَّا أَدَّوْا الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ، وَتَقَدَّمَ زِيَادٌ آخِرُهُمْ قَالَ لَهُ عُمَرُ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ : إنِّي لَأَرَاك حَسَنَ الْوَجْهِ .
وَإِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ مَا قَالَ .
وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلُ ظُهُورِ زِيَادٍ ، فَلَيْتَهُ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَا زَادَ ، وَلَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ حَتَّى خَتَمَ الْحَالَ بِغَايَةِ الْفَسَادِ .
وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ قَضَاءً ظَاهِرًا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْقَذَفَةِ ، إذَا لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُمْ ؛ وَفِي قَبُولِهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْأُصُولِ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } ، وَقَالُوا : إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ، مَا عَدَا إقَامَةِ الْحَدِّ ، فَإِنَّهُ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ .
وَالصَّحِيحُ رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ لُغَةً وَشَرِيعَةً ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ
عَظِيمٌ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وَهَذِهِ الْآيَةُ أُخْتُهَا وَنَظِيرَتُهَا فِي الْمَقْصُودِ .
وَأَمَّا قَبُولُ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحَدِّ ؛ فَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَحَالُهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْكَذِبِ السَّالِبِ لِلْعَدَالَةِ ، وَبَيْنَ الصِّدْقِ الْمُصَحِّحِ لَهَا ، فَلَا يَسْقُطُ يَقِينٌ لَهُ بِمُحْتَمَلِ مَقَالِهِ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ ضَعْفُ مَقَالَةِ شُرَيْحٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } الْآيَةَ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي الزَّوْجَاتِ وَغَيْرِهِنَّ ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الْخَلْقِ فِي التَّكَلُّمِ بِحَالِ الزَّوْجَاتِ جَعَلَ لَهُمْ مَخْلَصًا مِنْ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ ، عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .
قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : أَهَكَذَا نَزَلَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ لَوْ أَتَيْت لَكَاعِ وَقَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ لِي أَنْ أُهَيِّجَهُ وَأُخْرِجَهُ حَتَّى آتِي بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَوَاَللَّهِ مَا كُنْت لِآتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؛ أَمَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ ؟ قَالُوا : لَا تَلُمْهُ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ غَيُورٌ ، مَا تَزَوَّجَ فِينَا قَطُّ إلَّا عَذْرَاءَ ، وَلَا طَلَّقَ امْرَأَةً قَطُّ فَاجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا .
قَالَ سَعْدٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ بِأَبِي وَأُمِّي ، وَاَللَّهِ لَأَعْرِفُ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ ، وَأَنَّهَا الْحَقُّ .
فَوَاَللَّهِ مَا لَبِثُوا إلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ حَدِيقَةٍ لَهُ ، فَرَأَى بِعَيْنِهِ وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ ، فَأَمْسَكَ حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي جِئْت أَهْلِي عِشَاءً ، فَرَأَيْت رَجُلًا مَعَ أَهْلِي ، رَأَيْت بِعَيْنِي وَسَمِعْت بِأُذُنِي .
فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَا أَتَاهُ ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ جِدًّا ، حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ، فَقَالَ هِلَالٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي أَرَى الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِك مِمَّا أَتَيْتُك بِهِ ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَصَادِقٌ ؛ وَإِنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فَرَجًا .
فَقَالُوا : اُبْتُلِينَا بِمَا قَالَ سَعْدٌ ، أَيُجْلَدُ هِلَالٌ ، وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ؟ فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ بِضَرْبِهِ ، وَإِنَّهُ لَكَذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } الْآيَاتِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْشِرْ يَا هِلَالُ ، إنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَك فَرَجًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلُوا إلَيْهِمَا فَلَمَّا اجْتَمَعَا قِيلَ لَهَا فَكَذَّبَتْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا لَكَاذِبٌ ، فَهَلْ فِيكُمَا تَائِبٌ فَقَالَ هِلَالٌ : لَقَدْ صَدَقْت ، وَمَا قُلْت إلَّا حَقًّا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا .
قِيلَ لِهِلَالٍ : اشْهَدْ ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .
فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ : يَا هِلَالُ ؛ اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ وَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعُقُوبَةَ .
فَقَالَ هِلَالٌ : وَاَللَّهِ مَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَشَهِدَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .
ثُمَّ قِيلَ لَهَا : تَشْهَدِي ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ .
ثُمَّ قِيلَ لَهَا عِنْدَ الْخَامِسَةِ : اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ النَّاسِ ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْك الْعَذَابَ ، فَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَتْ
: وَاَللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي ، فَشَهِدَتْ الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ .
فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَضَى أَنَّ الْوَلَدَ لَهَا ، وَلَا يُدْعَى لِأَبِيهِ ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا .
} وَفِي رِوَايَةٍ : { قِيلَ لِهِلَالٍ : إنْ قَذَفْت امْرَأَتَك جُلِدْت ثَمَانِينَ .
قَالَ : اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ ذَلِكَ } وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي قَدْ رَأَيْت حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ ، وَسَمِعْتُ حَتَّى اسْتَثْبَتُّ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : { إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ ؛ فَجَاءَتْ بِهِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ ، فَكَانَ بَعْدُ أَمِيرًا بِمِصْرَ ، لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ ، وَقِيلَ : لَا يُدْرَى مَنْ أَبُوهُ .
} وَفِي رِوَايَةٍ : { إنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَلَا أَحْسَبُ عُوَيْمِرًا إلَّا صَدَقَ ، وَإِنَّ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ لَا أَحْسَبُ عُوَيْمِرًا إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي يُصَدِّقُ عُوَيْمِرًا .
} وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَهْلٍ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ قَضَى اللَّهُ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِك ، فَتَلَاعَنَا ثُمَّ فَارَقَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، فَكَانَتْ السُّنَّةُ بَعْدَهَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَنْكَرَهُ ، فَكَانَ ابْنَهَا يُدْعَى إلَى أُمِّهِ .
ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ أَنَّ ابْنَهَا يَرِثُهَا وَتَرِثُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } عَامٌّ فِي كُلِّ رَمْيٍ سَوَاءٌ قَالَ : زَنَتْ ، أَوْ رَأَيْتهَا تَزْنِي ، أَوْ هَذَا الْوَلَدُ لَيْسَ مِنِّي ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُبَيِّنُ الْحُكْمِ فِيهَا .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي اقْتِصَارِ اللِّعَانِ عَلَى دَعْوَى الرُّؤْيَةِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، كَمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ أَيْضًا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ؛ هَلْ يَصِفُ الرُّؤْيَةَ صِفَةَ الشُّهُودِ أَمْ يَكْفِي ذِكْرُهَا مُطْلَقًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ الزَّجْرُ عَنْ دَعْوَاهَا حَتَّى إذَا رَهِبَ ذِكْرَهَا وَخَافَ مِنْ تَحْقِيقِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ عِيَانَهُ كَفَّ عَنْ اللِّعَانِ ؛ فَوَقَعَتْ السُّتْرَةُ ، وَتَخَلَّصَ مِنْهَا بِالطَّلَاقِ إنْ شَاءَ ؛ وَلِذَلِكَ شَرَطْنَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ كَيْفِيَّةَ الرُّؤْيَةِ ، كَمَا يَذْكُرُهَا الشُّهُودُ تَغْلِيظًا .
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَكْفِي لِإِيجَابِ اللِّعَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، فَلْتُعَوِّلُوا عَلَيْهِ ، لَا سِيَّمَا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، فَلَاعِنِ بَيْنَهُمَا } وَلَمْ يُكَلِّفْهُ ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ .
أَمَا إنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي : { رَأَيْت بِعَيْنَيَّ وَسَمِعْتُ بِأُذُنَيَّ } ، كَمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : إذَا أَتَيْت لَكَاعِ وَقَدْ تَفَخَّذَهَا رَجُلٌ ، وَكَذَلِكَ إذَا نَفَى الْحَمْلَ فَإِنَّهُ يَلْتَعِنُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الرُّؤْيَةِ ، إذْ قَدْ ظَهَرَتْ ثَمَرَةُ الْفِعْلِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ عَدَمِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بِعِدَّةٍ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، هَلْ يَكُونُ بِحَيْضَةٍ أَوْ بِثَلَاثٍ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي ؛ لِأَنَّ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ لَهُ مِنْ الشُّغْلِ تَقَعُ بِهَا ، كَمَا فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ ، وَإِنَّمَا رَاعَيْنَا الثَّلَاثَ حِيَضٍ فِي
الْعِدَّةِ لِحُكْمٍ آخَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَزْوَاجَهُمْ } عَامٌّ فِي كُلِّ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ كَانَا أَوْ عَبْدَيْنِ ، مُؤْمِنَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ ، فَاسِقَيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ ؛ لِعُمُومِ الظَّاهِرِ ، وَوُجُودِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ ، وَتَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ فِيهِ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُكَلَّفَيْنِ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ، وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَمِينٌ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا نُكْتَتُهُ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } ، فَسَمَّاهَا أَيْمَانًا .
وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْفَاسِقَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا يَلْتَعِنَانِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ .
فَإِنْ قِيلَ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ شَهَادَةٌ قَوْلُهُ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ } فَجَاءَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بِهَا ، وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهُ رَدَّدَهَا خَمْسًا ، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينًا مَا رُدِّدَتْ ، وَالْحِكْمَةُ فِي تَرْدِيدِهَا قِيَامُهَا فِي الْأَعْدَادِ مَقَامَ عَدَدِ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا .
قُلْنَا : أَمَّا ذِكْرُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَلَا يَقْتَضِي لَهَا حُكْمَهَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَرَبِ جَارِيَةٌ بِأَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ ، وَأَحْلِفُ بِاَللَّهِ ، فِي مَعْرِضِ الْأَيْمَانِ دُونَ الشَّهَادَةِ .
وَأَمَّا تَكْرَارُهَا فَيَبْطُلُ بِيَمِينِ الْقَسَامَةِ فَإِنَّهَا تَكَرَّرَتْ ، وَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ إجْمَاعًا .
وَالْحِكْمَةُ فِي تَكْرَارِهَا التَّغْلِيظُ فِي الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ عَلَى فَاعِلِهَا ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهَا فَيَقَعُ السَّتْرُ فِي الْفُرُوجِ وَالْحَقْنُ فِي الدَّمِ ، وَالْفَيْصَلُ فِي أَنَّهُ يَمِينٌ ، لَا شَهَادَةٌ أَنَّ الزَّوْجَ يَحْلِفُ لِنَفْسِهِ فِي إثْبَاتِ دَعْوَاهَا ، وَتَخْلِيصُهُ عَنْ الْعَذَابِ ؛ وَكَيْف
يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ شَاهِدًا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ حُكْمًا عَلَى غَيْرِهِ ؟ هَذَا بَعِيدٌ فِي الْأَصْلِ مَعْدُومٌ فِي النَّظَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رَاعَى أَبُو حَنِيفَةَ عُمُومَ الْآيَةِ ، فَقَالَ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ وَنَسِيَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } ، وَهَذَا رَمَاهَا وَهِيَ مُحْصَنَةٌ غَيْرُ زَوْجَةٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ اللِّعَانُ فِي قَذْفٍ يَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ ، وَهَذَا قَذْفٌ لَا يَلْحَقُ فِيهِ نَسَبٌ ، فَلَا يُوجِبُ لِعَانًا ، كَمَا لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا قَذَفَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ نُظِرَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ هُنَالِكَ نَسَبٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَهُ ، أَوْ حَمْلٌ مُتَبَرَّأٌ مِنْهُ لَاعَنَ ، وَإِلَّا لَمْ يُلَاعِنْ .
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَا يُلَاعِنُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ فِي الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ .
وَهَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ تَقَدَّمَ ، وَهُوَ يُرِيدُ الِانْتِفَاءَ مِنْ النَّسَبِ ، وَتَبْرِئَتَهُ مِنْ وَلَدٍ يَلْحَقُ بِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ اللِّعَانِ .
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ حَمْلٌ يُرْجَى ، وَلَا نَسَبٌ يَخَافُ تَعَلُّقَهُ لَمْ يَكُنْ لِلِّعَانِ فَائِدَةٌ ؛ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ ، وَكَانَ قَذْفًا مُطْلَقًا دَاخِلًا تَحْتَ قَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَبَطَلَ مَا قَالَ الْبَتِّيُّ لِظُهُورِ فَسَادِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا انْتَفَى مِنْ الْحَمْلِ كَمَا قَدَّمْنَا ، وَوَقَعَ ذَلِكَ بِشُرُوطِهِ لَاعَنَ قَبْلَ الْوَضْعِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَضَعَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رِيحًا أَوْ دَاءً مِنْ الْأَدْوَاءِ .
وَدَلِيلُنَا النَّصُّ الصَّرِيحُ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ قَبْلَ الْوَضْعِ .
وَقَالَ : { إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِأَبِيهِ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِفُلَانٍ } فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتهَا } .
فَإِنْ قِيلَ : عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْلَهَا ؛ فَذَلِكَ حُكْمٌ بِاللِّعَانِ ، وَالْحَاكِمُ مِنَّا لَا يَعْلَمُ أَحَمْلٌ هُوَ أَمْ رِيحٌ ؟ قُلْنَا : إذَا جَرَتْ أَحْكَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَضَايَا لَمْ تُحْمَلْ عَلَى الْإِطْلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ ؛ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ لَمْ تُبْنَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ؛ وَإِنَّمَا الْبِنَاءُ فِيهَا عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ الْقُضَاةُ كُلُّهُمْ .
وَقَدْ أَعْرَبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ } .
فَأَحَالَ عَلَى الظَّوَاهِرِ ؛ وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا قَذَفَ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ لِزَوْجِهِ لَاعَنَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُلَاعِنُ ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ اللِّوَاطَ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ .
وَهَذَا فَاسِدٌ ، لِأَنَّ الرَّمْيَ بِهِ فِيهِ مَعَرَّةٌ ، وَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُتَقَدِّمِ مِنْ قَوْلِنَا وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وُجُوبَ الْحَدِّ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : مِنْ غَرِيبِ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَأُمَّهَا بِالزِّنَا إنَّهُ إنْ حُدَّ لِلْأُمِّ سَقَطَ حَدُّ الْبِنْتِ ، وَإِنْ لَاعَنَ لِلْبِنْتِ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الْأُمِّ .
وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ ، وَمَا رَأَيْت لَهُمْ فِيهِ شَيْئًا يُحْكَى ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ جِدًّا ، فَإِنَّهُ خَصَّ عُمُومَ الْآيَةِ فِي الْبَيْتِ وَهِيَ زَوْجَةٌ بِحَدِّ الْأُمِّ مِنْ غَيْرِ أَثَرٍ وَلَا أَصْلٍ قَاسَهُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : يُلَاعِنُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، كَمَا يُلَاعِنُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِالْفَاسِدِ مِنْهُ ، كَالنَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ ، وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ مَوْضُوعٌ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَتَطْهِيرِ الْفِرَاشِ ، وَالزَّوْجَةُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا ، وَيُلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ ، فَجَرَى اللِّعَانُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فَائِدَةُ لِعَانِ الزَّوْجِ دَرْءُ الْحَدِّ عَنْهُ ، وَنَفْيُ النَّسَبِ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ } .
فَلَوْ جَاءَ بِالْبَيِّنَةِ لَدَرَأْت الْحَدَّ عَنْهُ ، فَقَدْ قَامَ اللِّعَانُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ لَمْ يَلْتَعِنْ الزَّوْجُ لَمْ يُحَدَّ ، وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ ، وَتَارَةً يُجْعَلُ اللِّعَانُ شَهَادَةً ، وَتَارَةً يُجْعَلُ حَدًّا .
وَلَوْ كَانَ حَدًّا مَا حُبِسَ عَلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُؤْخَذُ قَسْرًا مِنْ صَاحِبِهِ ؛ فَإِذَا لَاعَنَ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْحَدِّ ، وَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ يَتَنَازَعَانِ ، فَلَوْ كَانَ اللِّعَانُ شَهَادَةً لَكَانَ تَحْقِيقًا لِلزِّنَا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَدَّمْنَا لِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك } .
ثُمَّ يُقَالُ لَهَا : اعْتَرِفِي فَتُحَدِّي أَوْ بَرِّئِي نَفْسَك ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ } ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْعَذَابُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْحَبْسُ .
فَيُقَالُ لَهُ : وَلِمَ تُحْبَسُ ، وَلِمَ يَجِبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ شَيْءٌ عِنْدَك ؟ ثُمَّ قُلْت : اللِّعَانُ حَدٌّ فَكَيْفَ وَجَبَ عَلَيْهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ حَدٌّ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ } ، وَهُوَ الْحَدُّ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي الْحَدَّ ؛ فَسَمَّاهُ عَذَابًا هَاهُنَا ؛ وَهُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ ؛ لِاتِّحَادِ الْمَقْصَدِ فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : اللِّعَانُ يَمِينٌ أَوْ شَهَادَةٌ مِنْ الزَّوْجِ ؟ وَأَيُّمَا كَانَ فَلَا يُوجِبُ حَدًّا عَلَى الْمَرْأَةِ .
قُلْنَا : أُقِيمَ مَقَامَ الشَّهَادَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْلُصُ بِهِ الزَّوْجُ مِنْ الْحَدِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : الْبُدَاءَةُ فِي اللِّعَانِ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ : وَهُوَ الزَّوْجُ ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ ، لِأَنَّهُ عَكَسَ مَا رَتَّبَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِيهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَرُدُّهُ إلَيْهِ ، وَلَا مَعْنًى يَقْوَى بِهِ ؛ بَلْ الْمَعْنَى لَنَا ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَدَأَتْ بِالْيَمِينِ فَتَنْفِي مَا لَمْ يَثْبُتْ ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي قَذْفِهِ ، وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُلَاعِنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ لَا لِعَانَ عِنْدَهُ عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا قَذَفَهَا بِرَجُلٍ سَمَّاهُ كَشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ أَسْقَطَ اللِّعَانُ عَنْهُ حَدَّ الْقَذْفِ لِزَوْجَتِهِ وَحُدَّ لِشَرِيكٍ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُحَدُّ لَهُ إذَا لَاعَنَ زَوْجَتَهُ .
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَدَّ فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ وَالزَّوْجَةِ مُطْلَقَيْنِ ، ثُمَّ خَصَّ الزَّوْجَةَ بِالْخَلَاصِ بِاللِّعَانِ ، وَبَقِيَ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى مُطْلَقِ الْآيَةِ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحُدَّ هِلَالًا لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ .
قُلْنَا : لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهُ ، وَحَدُّ الْقَذْفِ لَا يُقِيمُهُ الْإِمَامُ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ إجْمَاعًا .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ قَالَتْ أَحْبَارُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الزَّانِي بِزَوْجِهِ لِيَعُرَّهُ كَمَا عَرَّهُ ، وَأَيُّ مَعَرَّةٍ فِيهِ ، وَخَبَرُهُ عَنْهُ لَا يُقْبَلُ ، وَحُكْمُهُ فِيهِ لَا يَنْفُذُ ، إنَّمَا الْمَعَرَّةُ كُلُّهَا بِالزَّوْجِ ؛ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ ، فَإِنَّ قَذْفَهُ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُهُ لِعُمُومِ الْقُرْآنِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ .
فَاَلَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي ، وَخَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا نَزَلَ الْحِجَابُ ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي ، وَأُنْزَلُ فِيهِ ، فَسِرْنَا حَتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ ، وَقَفَلَ ، وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ ، فَقُمْت حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ ، فَمَشَيْت حَتَّى جَاوَزْت الْجَيْشَ .
فَلَمَّا قَضَيْت شَأْنِي أَقْبَلْت إلَى رَحْلِي ، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ ، فَالْتَمَسْت عِقْدِي ، وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي ، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي ، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْت رَكِبْت ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ .
وَكَانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا ، لَمْ يُثْقِلُهُنَّ
اللَّحْمُ ، إنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ ، وَكُنْت جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا فَوَجَدْت عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ ، فَجِئْت مَنَازِلَهُمْ ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ .
فَأَمَمْت مَنْزِلِي الَّذِي كُنْت بِهِ ، وَظَنَنْت أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَنِي ، فَيَرْجِعُونَ إلَيَّ .
فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْت .
وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطِّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ ، فَادَّلَجَ ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي ؛ فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ نَائِمٍ ، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي ، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ ، فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ ، حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْت وَجْهِي بِجِلْبَابِي ، وَوَاللَّهِ مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً ، وَمَا سَمِعْت مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا ، فَرَكِبْتهَا ، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ .
وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الْإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ .
فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَاشْتَكَيْت حِينَ قَدِمْت شَهْرًا ، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَرَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْت أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي .
إنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : كَيْفَ تِيكُمْ ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرِيبُنِي مِنْهُ ، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ ، حَتَّى خَرَجْت بَعْدَمَا نَقِهْتُ ، فَخَرَجْت مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا ، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلَى لَيْلٍ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا ، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ
الْغَائِطِ ، فَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا .
فَانْطَلَقْت أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ ، وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ ، خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ، فَأَقْبَلْت أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي ، وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا ، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا ، فَقَالَتْ : تَعِسَ مِسْطَحٌ ، فَقُلْت لَهَا : بِئْسَ مَا قُلْت ، أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا ، قَالَتْ : أَيْ هَنْتَاهُ ، أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ ، قَالَتْ : قُلْت لَهَا : وَمَا قَالَ ؟ قَالَتْ : فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ .
قَالَتْ : فَازْدَدْت مَرَضًا عَلَى مَرَضِي .
قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعْت إلَى بَيْتِي ، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : كَيْفَ تِيكُمْ ، فَقُلْت : أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا .
قَالَتْ : فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْت أَبَوَيَّ ، فَقُلْت لِأُمِّي : يَا أُمَّتَاهُ ، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ قَالَتْ : يَا بُنَيَّةُ ؛ هَوِّنِي عَلَيْك ، فَوَاَللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا ، وَلَهَا ضَرَائِرُ ، إلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا .
قَالَتْ : فَقُلْت : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا ، فَبَكَيْت تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْت لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، حَتَّى أَصْبَحْت أَبْكِي ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ ، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ .
فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَلَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ .
وَبِاَلَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْوُدِّ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْلُك ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا .
وَأَمَّا
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْك وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا ، كَثِيرٌ وَاسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقُك .
قَالَتْ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ ، فَقَالَ : يَا بَرِيرَةُ ، هَلْ رَأَيْت مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُك ؟ قَالَتْ بَرِيرَةُ : لَا وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، إنْ رَأَيْت عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا ، فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ .
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ؛ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي ؟ فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت مِنْ أَهْلِي إلَّا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي .
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَا أَعْذِرُكُمْ مِنْهُ ، إنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْت عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَك .
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ فِينَا قَبْلَ ذَلِكَ صَالِحًا ، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ : كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ .
فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَهُوَ ابْنُ عَمٍّ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ : كَذَبْت وَاَللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ ، تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ .
فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا ، وَسَكَتَ .
قَالَتْ : فَمَكَثْت يَوْمِي ذَلِكَ ، لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ،
وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ .
فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي ، وَقَدْ مَكَثْت لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ، يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي .
قَالَتْ : فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي ، وَأَنَا أَبْكِي ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَذِنْتُ لَهَا ، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي .
قَالَتْ : فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ .
ثُمَّ جَلَسَ .
قَالَتْ : وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ قَبْلَهَا .
وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي شَأْنِي .
قَالَتْ : فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ .
ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْت بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُك اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْت أَلْمَمْت بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
قَالَتْ : فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أَحُسُّ مِنْهُ قَطْرَةً .
فَقُلْت لِأَبِي : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا قَالَ .
قَالَ : فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَتْ : فَقُلْت لِأُمِّي : أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْت ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ : إنِّي وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْت أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ .
فَلَئِنْ قُلْت لَكُمْ : إنِّي بَرِيئَةٌ ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي ؛ وَلَئِنْ اعْتَرَفْت لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ ، لَتُصَدِّقُونَنِي .
وَاَللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } .
قَالَتْ : ثُمَّ تَحَوَّلْتُ
فَاضْطَجَعْت عَلَى فِرَاشِي .
قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ سَيُبَرِّئُنِي بِبَرَاءَتِي .
وَلَكِنْ ، وَاَللَّهِ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي قُرْآنٌ يُتْلَى ، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِي بِآيَةٍ تُتْلَى ، وَلَكِنِّي كُنْت أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا فِي النَّوْمِ يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا .
قَالَتْ : فَوَاَللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَانَهُ ، وَمَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ ، حَتَّى إنَّهُ لِيَتَحَدَّرَ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ ، وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ عَلَيْهِ .
فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا : أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ .
قَالَتْ أُمِّي : قُومِي إلَيْهِ .
فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ ، وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ : { إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلِّهَا .
فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ : وَاَللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى وَاَللَّهِ ؛ إنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي ؛ فَرَجَعَ إلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا .
قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ
أَمْرِي ؛ قَالَ : يَا زَيْنَبُ ، مَاذَا عَلِمْت ؟ وَمَاذَا رَأَيْت ؟ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي ، وَمَا عَلِمْت إلَّا خَيْرًا } .
قَالَتْ : وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا ، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِفْكِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ حَقِيقَةَ الْخَيْرِ ، وَأَنَّهُ مَا زَادَ نَفْعُهُ عَلَى ضُرِّهِ .
وَحَقِيقَةُ الشَّرِّ مَا زَادَ ضُرُّهُ عَلَى نَفْعِهِ ، وَأَنَّ خَيْرًا لَا شَرَّ فِيهِ هُوَ الْجَنَّةُ ، وَشَرًّا لَا خَيْرَ فِيهِ هُوَ جَهَنَّمُ ؛ وَلِهَذَا صَارَ الْبَلَاءُ النَّازِلُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ خَيْرًا ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مِنْ الْأَلَمِ قَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا ، وَخَيْرُهُ وَهُوَ الثَّوَابُ كَثِيرٌ فِي الْآخِرَةِ ؛ فَنَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَائِشَةَ وَمَنْ مَاثَلَهَا مِمَّنْ نَالَهُ هَمٌّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ شَرٌّ ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ عَلَى مَا وَضَعَ اللَّهُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ ، وَرُجْحَانِ النَّفْعِ فِي جَانِبِ الْخَيْرِ ، وَرُجْحَانِ الضُّرِّ فِي جَانِبِ الشَّرِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ } : هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي كُلِّ ذَنْبٍ أَنَّهُ لَا تَحْمِلُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا مَا اكْتَسَبَتْ مِنْ الْإِثْمِ ، وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَّا مَا اكْتَسَبَتْ ، إلَّا أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ وَكَانَ يَرْمِيهِ وَيُشِيعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
فِي صَحِيحِ حَدِيثِ الْإِفْكِ : إنَّ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ [ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَذَابٌ عَظِيمٌ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْعَمَى .
الثَّانِي : أَنَّهُ عَذَابُ جَهَنَّمَ .
الثَّالِثُ : الْحَدُّ .
فَأَمَّا الْعَمَى فَهُوَ الَّذِي أَصَابَ حَسَّانَ ، وَأَمَّا عَذَابُ جَهَنَّمَ فَلِمَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَأَمَّا عَذَابُ الْحَدِّ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ فِي الْإِفْكِ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً : مِسْطَحًا ، وَحَسَّانَ ، وَحَمْنَةَ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمَعْنَى ظَنَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ خَيْرًا ، وَجَعَلَ الْغَيْرَ مَقَامَ النَّفْسِ ، لِذِمَامِ الْإِيمَانِ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أَيْ لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا أَصْلٌ فِي أَنَّ دَرَجَةَ الْإِيمَانِ الَّتِي حَازَهَا الْإِنْسَانُ ، وَمَنْزِلَةَ الصَّلَاحِ الَّتِي حَلَّهَا الْمَرْءُ ، وَلُبْسَةَ الْعَفَافِ الَّتِي تَسَتَّرَ بِهَا الْمُسْلِمُ لَا يُزِيلُهَا عَنْهُ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ ، وَإِنْ شَاعَ ، إذَا كَانَ أَصْلُهُ فَاسِدًا أَوْ مَجْهُولًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ } أَيْ كَذِبٌ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ بَاطِنٍ مِمَّنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ ، وَذَلِكَ أَكْذَبُ الْأَخْبَارِ وَشَرُّ الْأَقْوَالِ حَيْثُ اُسْتُطِيلَ بِهِ الْعِرْضُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَمَقْرُونٌ فِي تَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ بِالْمُهُجَاتِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا رَدٌّ إلَى الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ، وَإِحَالَةٌ عَلَى الْآيَةِ السَّابِقَةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ بِالْكَذِبِ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهَدَاءِ عَلَى مَا زَعَمَ مِنْ الِافْتِرَاءِ ، حَتَّى يُخْرِجَهُ إلَى الظَّاهِرِ مِنْ حَدِّ الْبَاطِنِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ حُكْمُ الْمُفْتَرِي فِي الْإِثْمِ وَحَالُهُ فِي الْحَدِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } وَهَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْقَذْفِ الظَّاهِرِ مَا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ صِدْقٌ ، وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ فِي الظَّاهِرِ بِحُكْمِ الْكَاذِبِ ، وَيُجْلَدُ الْحَدَّ .
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { عِنْدَ اللَّهِ } يُرِيدُ فِي حُكْمِهِ ، لَا فِي عِلْمِهِ ، وَهُوَ إنَّمَا رَتَّبَ الْحُدُودَ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي شَرَعَهُ فِي الدُّنْيَا ، لَا مُقْتَضَى عِلْمِهِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ الْآخِرَةِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ : قَوْله تَعَالَى : ( لِمِثْلِهِ ) يَعْنِي فِي عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ إلَى نَظِيرِ الْقَوْلِ فِي الْمَقُولِ عَنْهُ بِعَيْنِهِ ، أَوْ فِيمَنْ كَانَ فِي مَرْتَبَتِهِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إذَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِرْضِهِ وَأَهْلِهِ ، وَذَلِكَ كُفْرٌ مِنْ فَاعِلِهِ .
قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أُدِّبَ ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ ، وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : مَنْ سَبَّ عَائِشَةَ أُدِّبَ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فِي عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ : { لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ } .
وَلَوْ كَانَ سَلْبُ الْإِيمَانِ فِي سَبِّ عَائِشَةَ حَقِيقَةً لَكَانَ سَلْبُهُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ } حَقِيقَةً .
قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا زَعَمْتُمْ ؛ إنَّ أَهْلَ الْإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِالْفَاحِشَةِ ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ ، وَمَنْ كَذَّبَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ .
فَهَذَا طَرِيقُ قَوْلِ مَالِكٍ .
وَهِيَ سَبِيلٌ لَائِحَةٌ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَبَّ عَائِشَةَ بِغَيْرِ مَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ لَكَانَ جَزَاؤُهُ الْأَدَبَ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } يَعْنِي يُرِيدُ ذَلِكَ وَيَفْعَلُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِعْلُ الْقَلْبِ ، وَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَظْهَرَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فَاسِدَةً يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ ، كَمَا بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ لَهُ عُقُوبَةٌ فِي الْحُدُودِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا أَشَاعَهَا فَقَدْ بَيَّنَّا مَا لَهُ مِنْ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا .
وَقَدْ رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ : جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا فَدَخَلَ فَشَبَّبَ ، وَقَالَ : حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ قَالَتْ لَهُ : لَكِنَّكَ لَسْت كَذَلِكَ قُلْت : تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْك ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ : { وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قَالَتْ ، وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى .
وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيَّنْت لَهُ أَنَّ الْعَمَى مِنْ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي قُورِضَ بِهِ ، وَذَكَرَ ذِمَامَهُ فِي مُنَافَحَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهَا رَعَتْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَالَ فِيهَا .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِهَا : فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَلَّا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ } يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ .
{ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يَعْنِي مِسْطَحًا إلَى قَوْلِهِ : { غَفُورٌ رَحِيمٌ } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : بَلَى وَاَللَّهِ يَا رَبَّنَا ، إنَّا لَنُحِبُّ أَنْ يُغْفَرَ لَنَا ، وَعَادَ لِمَا كَانَ يَصْنَعُ لَهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً لَا يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ مِسْطَحًا بَعْدَ قَوْلِهِ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِيمَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : عَجِبْت لِقَوْمٍ يَتَكَلَّفُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ حَلَفَ أَلَّا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ ؛ فَمَنْ لِلْمُتَكَلِّفِ لَنَا تَكَلَّفَ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْهُزْءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَحْرُمُ ، أَوْ لَا تَحْرُمُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَتَحْقِيقُهُ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَهِيَ حَسَنَةٌ أَنَّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحِنْثَ إذَا رَآهُ خَيْرًا أَوْلَى مِنْ الْبِرِّ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصَّصَ النَّاسَ بِالْمَنَازِلِ ، وَسَتَرَهُمْ فِيهَا عَنْ الْأَبْصَارِ ، وَمَلَّكَهُمْ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَحَجَزَ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ خَارِجٍ أَوْ يَلِجُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَرْبَابِهَا ؛ لِئَلَّا يَهْتِكُوا أَسْتَارَهُمْ ، وَيَبْلُوَا فِي أَخْبَارِهِمْ .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : { اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ حُجْرَةٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ مِدْرًى يَحُكُّ بِهَا رَأْسَهُ ، فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُ لَطَعَنْت بِهِ فِي عَيْنِك ، إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ } .
وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِيهَا : { فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعَنَهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ بَيْتٍ ، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً فِي أَبْيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } مَدَّ اللَّهُ التَّحْرِيمَ فِي دُخُولِ بَيْتٍ لَيْسَ هُوَ بَيْتُك إلَى غَايَةٍ هِيَ الِاسْتِئْنَاسُ .
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَاهُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَيَقُولُ : أَخْطَأَ الْكَاتِبُ .
الثَّانِي : حَتَّى تُؤْنِسُوا أَهْلَ الْبَيْتِ بِالتَّنَحْنُحِ ، فَيَعْلَمُوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ .
الثَّالِثُ : حَتَّى تَعْلَمُوا أَفِيهَا مِنْ تَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؛ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَمَّا قَوْلُهُ أَنْ تَسْتَأْنِسُوا بِمَعْنَى تَسْتَأْذِنُوا فَلَا مَانِعَ فِي أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ ، وَلَيْسَ فِيهِ خَطَأٌ مِنْ كَاتِبٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ الْخَطَأُ إلَى كِتَابٍ تَوَلَّى اللَّهُ حِفْظَهُ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى صِحَّتِهِ ؛ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى رَاوِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَوَجْهُ التَّعْبِيرِ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ بِالِاسْتِئْنَاسِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِعْلَامِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ التَّنَحْنُحُ فَهِيَ زِيَادَةٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا .
وَأَشْبَهُ مَا فِيهِ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنَيَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ مُقَيَّدَيْنِ .
وَهَذَا هُوَ حُكْمُ اللُّغَةِ فِي جَعْلِ مَعْنًى لِكُلِّ لَفْظٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ : وَهُوَ بِالسَّلَامِ ، وَصِفَتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كُنْت فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ إذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ قَالَ : اسْتَأْذَنْت عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، فَرَجَعْت .
قَالَ : مَا مَنَعَك ؟ قُلْت : اسْتَأْذَنْت ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْت وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ } .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بَيِّنَةً .
أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : وَاَللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَك إلَّا أَصْغَرُنَا .
فَكُنْت أَصْغَرَهُمْ .
فَقُمْت مَعَهُ ، فَأَخْبَرْت عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .
وَحِكْمَةُ التَّعْدَادِ فِي الِاسْتِئْذَانِ أَنَّ الْأُولَى اسْتِعْلَامٌ ، وَالثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ ، وَالثَّالِثَةُ إعْذَارٌ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ هُوَ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : { وَتُسَلِّمُوا } تَفْسِيرًا لِلِاسْتِئْذَانِ .
وَقَدْ اخْتَرْنَا قَوْلَ ابْنِ قُتَيْبَةَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : الِاسْتِئْذَانُ فَرْضٌ ، وَالسَّلَامُ مُسْتَحَبٌّ .
وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّسْلِيمَ كَيْفِيَّةٌ فِي الْإِذْنِ .
رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : أَأَلِجُ فَأَذِنَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ .
قَالَ زَيْدٌ : فَلَمَّا قَضَيْت حَاجَتِي أَقْبَلَ عَلَيَّ ابْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ : مَالَكَ وَاسْتِئْذَانِ الْعَرَبِ ، إذَا اسْتَأْذَنْت فَقُلْ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا رُدَّ عَلَيْك السَّلَامُ فَقُلْ : أَأَدْخُلُ ؛ فَإِنْ أَذِنَ لَك فَادْخُلْ .
فَعَلَّمَهُ سُنَّةَ السَّلَامِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ { أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَدْخُلُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ : قُمْ فَعَلِّمْ هَذَا كَيْفَ يَسْتَأْذِنُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ .
فَسَمِعَهَا الرَّجُلُ فَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { سَأَلْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ، اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ فِيهِمَا : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فَقَالَ : حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ .
قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَ اعْتِزَالَ النَّبِيِّ فِي الْمَشْرُبَةِ قَالَ : فَأَتَيْت غُلَامًا أَسْوَدَ فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ .
فَدَخَلَ الْغُلَامُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ .
فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُك لَهُ ، فَصَمَتَ .
فَرَجَعْت فَجَلَسْت إلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَرَجَعْت إلَى الْغُلَامِ ، فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ .
قَالَ : فَوَلَّيْت مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي ، فَقَالَ : اُدْخُلْ ، فَقَدْ أَذِنَ لَك .
فَدَخَلْت فَسَلَّمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَطْلَقْت نِسَاءَك ؛ فَرَفَعَ إلَيَّ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : لَا .
فَقُلْت : اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَوْ رَأَيْتنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ؛ فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَغَضِبَتْ يَوْمًا عَلَيَّ امْرَأَتِي فَطَفِقَتْ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعَنِي فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ ، فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا حَتَّى اللَّيْلِ .
فَقُلْت : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ، وَخَسِرَ ، أَتَأْمَنُ إحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ .
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ حَفْصَةُ ،
فَقُلْت : لَا يَغْرُرْك أَنْ كَانَتْ جَارِيَتُك هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك .
فَتَبَسَّمَ أُخْرَى .
فَقُلْت : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : نَعَمْ فَجَلَسْت فَرَفَعْت رَأْسِي فِي الْبَيْتِ ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إلَّا أَهَبَةً ثَلَاثَةً ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
} قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ مِنْ مَرَّتَيْنِ ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ الثَّالِثَةَ .
فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ كَمَالَ التَّعْدَادِ حَقُّ الَّذِي يَسْتَأْذِنُ إنْ أَرَادَ اسْتِقْصَاءَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَذَا مِنْ الْأُنْسِ وَالتَّبَسُّطِ ، لَا مِنْ الْإِعْلَامِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ وَقَعَتْ الْعَيْنُ عَلَى الْعَيْنِ فَالسَّلَامُ قَدْ تَعَيَّنَ ، وَلَا تُعَدُّ رُؤْيَتُك لَهُ إذْنًا لَك فِي دُخُولِك عَلَيْهِ ؛ فَإِذَا قَضَيْت حَقَّ السَّلَامِ لِأَنَّك الْوَارِدُ حِينَئِذٍ تَقُولُ : أَدْخُلُ ؟ فَإِنْ أَذِنَ لَك فَادْخُلْ وَإِلَّا رَجَعْت .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : هَذَا كُلُّهُ فِي بَيْتٍ لَيْسَ لَك ؛ فَإِمَّا بَيْتُك الَّذِي تَسْكُنُهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَهْلُك فَلَا إذْنَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَعَك أُمُّك أَوْ أُخْتُك فَقَالُوا تَنَحْنَحْ وَاضْرِبْ بِرِجْلَيْك حَتَّى تَنْتَبِهَ لِدُخُولِك ، لِأَنَّ الْأَهْلَ لَا حِشْمَةَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا .
وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأُخْتُ فَقَدْ تَكُونُ عَلَى حَالَةٍ لَا [ تُحِبُّ أَنْ ] تَرَاهَا فِيهَا .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : وَيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلَى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا .
وَقَدْ رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : إنِّي أَخْدُمُهَا .
قَالَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا .
قَالَ : فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا قَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا } .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَسْتَأْذِنُ عَلَى أَخَوَاتِي وَهُنَّ فِي حُجْرَتِي مَعِي فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَرَدَدْت عَلَيْهِ لِيُرَخِّصَ لِي فَأَبَى .
قَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قُلْت : لَا قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ؛ فَرَاجَعَتْهُ ، فَقَالَ : أَتُحِبُّ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا .
} وَقَالَ طَاوُسٌ : مَا مِنْ امْرَأَةٍ أَكْرَهُ إلَيَّ أَنْ أَرَى عَوْرَتَهَا مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ ، ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الطَّبَرِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هَذَا الْإِذْنُ فِي دُخُولِهِ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ بَيْتَ نَفْسِهِ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِيَقُلْ : السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ .
وَالصَّحِيحُ تَرْكُ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا تِبْيَانٌ مِنْ اللَّهِ لِإِشْكَالٍ يَلُوحُ فِي الْخَاطِرِ ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ إلَى مَنْزِلٍ لَا يَجِدُ فِيهِ أَحَدًا ، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ : إذَا كَانَتْ الْمَنَازِلُ خَالِيَةً فَلَا إذْنَ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مُحْتَجَبٌ ، فَيُقَالُ لَهُ : إنَّ الْإِذْنَ يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : الدُّخُولُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ .
وَالثَّانِي : كَشْفُ الْبَيْتِ وَإِطْلَاعُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ أَحَدٌ مُحْتَجِبٌ فَالْبَيْتُ مَحْجُوبٌ لِمَا فِيهِ ، وَبِمَا فِيهِ ، إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ } .
يَعْنِي حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَيَأْذَنَ ، أَوْ يَتَقَدَّمَ لَهُ بِالْإِذْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا } .
هَذَا مُرْتَبِطٌ بِالْآيَةِ قَبْلَهَا ؛ التَّقْدِيرُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ، فَإِنْ أُذِنَ لَكُمْ فَادْخُلُوا ، وَإِلَّا فَارْجِعُوا ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو مُوسَى مَعَ عُمَرَ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ تَسْطِيرُهُ وَإِيرَادُهُ .
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا يَأْذَنُ لَكُمْ فَلَا تَدْخُلُوا حَتَّى تَجِدُوا إذْنًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَغْلَقَهُ بِالتَّحْرِيمِ لِلدُّخُولِ حَتَّى يَفْتَحَهُ الْإِذْنُ مِنْ رَبِّهِ ؛ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْبَابَ ، وَيُحَاوَلَ الْإِذْنَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى الْبَيْتِ لَا فِي إقْبَالِهِ وَلَا فِي انْقِلَابِهِ .
فَقَدْ رَوَى عُلَمَاؤُنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ مَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنْ قَاعَةِ بَيْتٍ فَقَدْ فَسَقَ " .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدٌ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْتَأْذَنِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ : اُدْخُلْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحْقِرُ فِيهِ .
رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ جَاءَ دَارًا لَهَا بَابَانِ قَالَ : أَدْخُلْ ؟ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ : اُدْخُلْ بِسَلَامٍ .
قَالَ لَهُ : وَمَا يُدْرِيك أَنِّي أَدْخُلُ بِسَلَامٍ ؛ ثُمَّ انْصَرَفَ كَرَاهِيَةَ مَا زَادَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَالَ : اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ عَالِمٌ بِذَلِكَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، وَاَلَّذِي زَادَ فِي الْإِذْنِ بِسَلَامٍ زَادَ مَا لَمْ يَسْمَعْ ، وَقَالَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَضَمِنَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِذْنَ شَرْطٌ فِي دُخُولِ الْمَنْزِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرُ .
وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّغِيرِ لَغْوًا فِي الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلَكِنَّ الْإِذْنَ فِي الْمَنَازِلِ مُرَخَّصٌ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دُونَ الْبُلُوغِ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مَعَ أَبْنَائِهِمْ ، وَغِلْمَانِهِمْ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْبُيُوتِ : أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْخَانَاتُ وَالْخَانَكَاتُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا دَكَاكِينُ التُّجَّارِ ؛ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ .
الثَّالِثُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ مَنَازِلُ الْأَسْفَارِ وَمُنَاجَاةُ الرِّجَالِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا الْخَرَابَاتُ الْعَاطِلَةُ ؛ قَالَ قَتَادَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ } فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا أَمْوَالُ التُّجَّارِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْمَنَافِعُ كُلُّهَا .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْخَلَاءُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهَا الْخَانَاتُ وَهِيَ الْفَنَادِقُ ، وَالْخَانَكَاتُ وَهِيَ الْمَدَارِسُ لِلطَّلَبَةِ ، فَإِنَّمَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ السُّكَّانِ فِيهَا وَالْعَامِلِينَ بِهَا فَلَا يَصِحُّ الْمَنْعُ ؛ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِذْنُ .
وَكَذَلِكَ دَكَاكِينُ التُّجَّارِ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : لَا إذْنَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَهَا جَاءُوا بِبُيُوعِهِمْ ، وَجَعَلُوهَا فِيهَا ، وَقَالُوا لِلنَّاسِ هَلُمَّ .
فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَلَّا يَدْخُلَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِغَيْرِ إذْنٍ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُمْ فَلَا دُخُولَ فِيهِ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ الْمَتَاعَ بِأَنَّهُ جَمِيعُ الِانْتِفَاعِ فَقَدْ طَبَّقَ الْمُفَصَّلَ ، وَجَاءَ بِالْفَيْصَلِ ، وَبَيَّنَ أَنَّ دُخُولَ الدَّاخِلِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ لِمَا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، فَالطَّالِبُ يَدْخُلُ فِي الْخَانَكَاتِ لِلْعِلْمِ ، وَالسَّاكِنُ يَدْخُلُ فِي الْخَانِ لِلْمَنْزِلِ فِيهِ ، أَوْ لِطَلَبِ مَنْ نَزَلَ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَالزَّبُونُ يَدْخُلُ لِدُكَّانِ الِابْتِيَاعِ ، وَالْحَاقِنُ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ لِلْحَاجَةِ ،
وَكُلٌّ يُؤْتَى عَلَى وَجْهِهِ مِنْ بَابِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ بِاسْمِهَا الظَّاهِرِ وَلِمَنْفَعَتِهَا الْبَادِيَةِ وَنِيَّتُهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا أَبْدَى ، وَبِمَا كَتَمَ ، يُجَازِيهِ عَلَيْهِ وَبِمَا يُظْهِرُهُ مِنْهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { يَغُضُّوا } يَعْنِي يَكُفُّوا عَنْ الِاسْتِرْسَالِ قَالَ الشَّاعِرُ : فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّك مِنْ نُمَيْرٍ فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابًا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } فَأَدْخَلَ حَرْفَ { مِنْ } الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ ، وَذَكَرَ { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } مُطْلَقًا .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ غَضَّ الْأَبْصَارِ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ غَضَّهَا عَنْ الْحَلَالِ لَا يَلْزَمُ ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ غَضُّهَا عَنْ الْحَرَامِ ؛ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّبْعِيضِ فِي غَضِّ الْأَبْصَارِ ، فَقَالَ : مِنْ أَبْصَارِهِمْ .
الثَّانِي : أَنَّ مِنْ نَظَرِ الْعَيْنِ مَا لَا يَحْرُمُ ، وَهُوَ النَّظْرَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا مُحَرَّمٌ ، وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْفَرْجِ شَيْءٌ مَا يُحَلَّلُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مِنْ النَّظَرِ مَا يَحْرُمُ ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَجَانِبِ ؛ وَمِنْهُ مَا يُحَلَّلُ ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَاتِ وَذَوِي الْمَحَارِمِ ، بِخِلَافِ الْفَرْجِ ، فَإِنَّ سَتْرَهُ وَاجِبٌ فِي الْمَلَأِ وَالْخَلْوَةِ ؛ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ ؛ قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ : احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجِك ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك .
فَقَالَ : الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : إنْ اسْتَطَعْت أَلَّا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ .
قُلْت : فَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا ؟ قَالَ : اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ } .
{ وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَالَهَا مَعَهُ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ ، وَلَا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ
: { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } يَعْنِي بِهِ الْعِفَّةَ ، وَهُوَ اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا حِفْظُهَا عَنْ الْأَبْصَارِ ، حَتَّى لَا يَرَاهَا أَحَدٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وُجُوبُ سَتْرِهَا وَشَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ ، وَإِيضَاحُهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } : يُرِيدُ أَطْهَرُ عَلَى مَعَانِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ كَانَ أَطْهَرَ لَهُ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَأَنْمَى لِأَعْمَالِهِ فِي الطَّاعَةِ ؛ وَلِذَلِكَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : يَا عَلِيُّ ، إنَّ لَك كَنْزًا فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّك ذُو قَرْنَيْهَا ، فَلَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ ؛ فَإِنَّ الْأُولَى لَك وَالثَّانِيَةَ لَيْسَتْ لَك } وَهُوَ أَيْضًا أَفْرَغُ لِبَالِهِ وَأَصْلَحُ لِأَحْوَالِهِ .
وَقَدْ أَنْشَدَ أَرْبَابُ الزُّهْدِ : وَأَنْتَ إذَا أَرْسَلْت طَرْفَكَ رَائِدًا لِقَلْبِك يَوْمًا أَتْعَبَتْك الْمَنَاظِرُ رَأَيْت الَّذِي لَا كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ وَقَالُوا : مَنْ أَرْسَلَ طَرْفَهُ أَدْنَى حَتْفَهُ ، وَمَنْ غَضَّ الْبَصَرَ كَفَّهُ عَنْ التَّطَلُّعِ إلَى الْمُبَاحَاتِ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَجَمَالِهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى } يُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَفِي الإسرائليات أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ ، فَتَطَأْطَأَ إلَى الْأَرْضِ ، فَأَخَذَ عُودًا فَفَقَأَ بِهِ عَيْنَهُ الَّتِي نَظَرَ بِهَا إلَى الْمَرْأَةِ ، وَهِيَ مِنْ خَيْرِ عَيْنٍ تُحْشَرُ .
وَتَحْكِي الصُّوفِيَّةُ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَمْشِي عَلَى طَرِيقٍ ، فَاتَّبَعَهَا رَجُلٌ حَتَّى انْتَهَتْ إلَى بَابِ دَارِهَا ، فَالْتَفَتَتْ إلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ : يَا هَذَا ؛ مَا لَك تَتْبَعُنِي ؟ فَقَالَ لَهَا :
أَعْجَبَتْنِي عَيْنَاكِ .
فَقَالَتْ : الْبَثْ قَلِيلًا ، فَدَخَلَتْ دَارَهَا ، ثُمَّ فَقَأَتْ عَيْنَيْهَا فِي سُكُرُّجَةٍ ، وَأَخْرَجَتْهُمَا إلَيْهِ ، وَقَالَتْ لَهُ : خُذْ مَا أَعْجَبَك ، فَمَا كُنْت لِأَحْبِسَ عِنْدِي مَا يَفْتِنُ النَّاسَ مِنِّي .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } قَوْلٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، حَسَبَ كُلِّ خِطَابٍ عَامٍّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَخُصُّ الْإِنَاثَ بِالْخِطَابِ عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ { أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَرَى كُلَّ شَيْءٍ لِلرِّجَالِ وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلَتْ : { إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ أَكَّدَهُ بِالتَّكْرَارِ ؛ وَخَصَّ النِّسَاءَ فِيهِ بِالذِّكْرِ عَلَى الرِّجَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } وَذَلِكَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مَا لَا يَحِلُّ شَرْعًا يُسَمَّى زِنًا .
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ إذَا كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ ، وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ ؛ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ ، وَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ ؛ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ؛ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ } .
وَكَمَا لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى الرَّجُلِ ، فَإِنَّ عَلَاقَتَهُ بِهَا كَعَلَاقَتِهَا بِهِ ، وَقَصْدُهُ مِنْهَا كَقَصْدِهَا مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَتْ { أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كُنْت أَنَا وَعَائِشَةُ وَفِي رِوَايَةٍ وَمَيْمُونَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَقَالَ لَنَا : احْتَجِبْنَ مِنْهُ ؟ فَقُلْنَا : أَوَلَيْسَ أَعْمَى ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا } .
فَإِنْ قِيلَ : يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ فِي شَأْنِ الْعِدَّةِ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، فَقَالَ لَهَا : تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي ، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ } .
قُلْنَا : قَدْ أَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الشَّرْحِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، وَسَتَرَوْنَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ انْتِقَالَهَا مِنْ بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ إلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَوْلَى بِهَا مِنْ بَقَائِهَا فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، إذْ كَانَتْ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ يَكْثُرُ الدَّاخِلُ فِيهِ وَالرَّائِي لَهَا ، وَفِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ ، وَكَانَ
إمْسَاكُ بَصَرِهَا عَنْهُ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى ؛ فَرَخَّصَ لَهَا فِي ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } : الزِّينَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ : خِلْقِيَّةٌ ، وَمُكْتَسَبَةٌ .
فَالْخِلْقِيَّةُ وَجْهُهَا فَإِنَّهُ أَصْلُ الزِّينَةِ وَجَمَالُ الْخِلْقَةِ ، وَمَعْنَى الْحَيَوَانِيَّةِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِعِ وَطُرُقِ الْعُلُومِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِ مَحَالِّهَا فِي الرَّأْسِ ، وَوَضْعِهَا وَاحِدًا مَعَ آخَرَ عَلَى التَّدْبِيرِ الْبَدِيعِ .
وَأَمَّا الزِّينَةُ الْمُكْتَسَبَةُ فَهِيَ مَا تُحَاوِلُهُ الْمَرْأَةُ فِي تَحْسِينِ خَلْقِهَا بِالتَّصَنُّعِ : كَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ وَالْخِضَابِ .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } يَعْنِي الثِّيَابَ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : يَأْخُذْنَ زِينَتَهُنَّ أَحْسَنَ مَا تَرَى وَإِذَا عَطِلْنَ فَهُنَّ خَيْرُ عَوَاطِلِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } اعْلَمُوا عَرَّفَكُمْ اللَّهُ الْحَقَائِقَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَابِلَةِ الَّتِي يَقْتَضِي أَحَدُهَا الْآخَرَ ، وَهُوَ الْبَاطِنُ هَاهُنَا ، كَالْأَوَّلِ مَعَ الْآخَرِ ، وَالْقَدِيمِ مَعَ الْحَدِيثِ ، فَلَمَّا وَصَفَ الزِّينَةَ بِأَنَّ مِنْهَا ظَاهِرًا دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ بَاطِنًا .
وَاخْتُلِفَ فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الثِّيَابُ يَعْنِي أَنَّهَا يَظْهَرُ مِنْهَا ثِيَابُهَا خَاصَّةً ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
الثَّانِي : الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ .
وَهُوَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي بِمَعْنًى ، لِأَنَّ الْكُحْلَ وَالْخَاتَمَ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَرَى الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ هِيَ الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ يَقُولُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كُحْلٌ أَوْ خَاتَمٌ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الْكُحْلُ وَالْخَاتَمُ وَجَبَ سَتْرُهَا ، وَكَانَتْ مِنْ الْبَاطِنَةِ .
فَأَمَّا الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ فَالْقُرْطُ وَالْقِلَادَةُ وَالدُّمْلُجِ وَالْخَلْخَالِ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
عَنْ مَالِكٍ : الْخِضَابُ لَيْسَ مِنْ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السِّوَارِ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : هِيَ مِنْ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْيَدَيْنِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ مِنْ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْكَفَّيْنِ ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الذِّرَاعِ .
وَأَمَّا الْخِضَابُ فَهُوَ مِنْ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ إذَا كَانَ فِي الْقَدَمَيْنِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ هِيَ الَّتِي فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَإِنَّهَا الَّتِي تَظْهَرُ فِي الصَّلَاةِ .
وَفِي الْإِحْرَامِ عِبَادَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَظْهَرُ عَادَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } : الْجَيْبُ : هُوَ الطَّوْقُ وَالْخِمَارُ : هِيَ الْمِقْنَعَةُ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : رَحِمَ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ لَمَّا نَزَلَ : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ وَفِي رِوَايَةٍ فِيهِ أَيْضًا : شَقَقْنَ أُزُرَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ، كَأَنَّهُ مَنْ كَانَ لَهَا مِرْطٌ شَقَّتْ مِرْطَهَا ، وَمَنْ كَانَتْ لَهَا إزَارٌ شَقَّتْ إزَارَهَا .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ بِمَا فِيهِ ، وَيُوَضِّحُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ } أَيْ لَا تُعْرَفُ فُلَانَةُ مِنْ فُلَانَةَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } حَرَّمَ اللَّهُ إظْهَارَ الزِّينَةِ ، كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ مَحِلًّا : الْمُسْتَثْنَى الْأَوَّلُ : الْبُعُولَةُ : وَالْبَعْلُ : هُوَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ { قَوْلُ النَّبِيِّ حِينَ ذَكَرَ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ : حَتَّى تَلِدَ الْأَمَةُ بَعْلَهَا } يَعْنِي سَيِّدَهَا ؛ إشَارَةً إلَى كَثْرَةِ السَّرَارِي بِكَثْرَةِ الْفُتُوحَاتِ ، فَيَأْتِي الْأَوْلَادُ مِنْ الْإِمَاءِ ، فَتَعْتِقُ كُلُّ أُمٍّ بِوَلَدِهَا ، فَكَأَنَّهُ سَيِّدُهَا الَّذِي مَنَّ عَلَيْهَا بِالْعِتْقِ ؛ إذْ كَانَ الْعِتْقُ حَاصِلًا لَهَا مِنْ سَبَبِهِ ، فَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ مِمَّنْ يَرَى الزِّينَةَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ الزِّينَةِ ؛ إذْ كُلُّ مَحِلٍّ مِنْ بَدَنِهَا حَلَالٌ لَهُ لَذَّةً وَنَظَرًا ؛ وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ التَّلَذُّذُ فَالنَّظَرُ أَوْلَى .
وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ { لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي ذِكْرِ حَالِهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا رَأَى ذَلِكَ مِنِّي } .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْأَدَبِ ؛ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ مِنْ عُلَمَائِنَا : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْحَسَهُ بِلِسَانِهِ .
الْمُسْتَثْنَى الثَّانِي : أَوْ آبَائِهِنَّ : وَلَا خِلَافَ أَنَّ غَيْرَ الزَّوْجِ لَا يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ فِي اللَّذَّةِ .
وَكَذَلِكَ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَلْحَقُ غَيْرُ الزَّوْجِ بِالزَّوْجِ فِي النَّظَرِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ شُورِكَ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِ الْعَطْفِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَلَكِنْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمْ السُّنَّةُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَبْدُو لِلْأَبِ مِنْ الزِّينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الرَّأْسُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : أَنَّ الَّذِي تُبْدِي الْقُرْطَ وَالْقِلَادَةَ وَالسِّوَارَ ، فَأَمَّا خَلْخَالُهَا وَشَعْرُهَا فَلَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهَا خِمَارٌ وَمِقْنَعَةٌ ، فَتَكْشِفُ الْمِقْنَعَةَ لَهُ .
وَهِيَ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ؛ إذْ الزِّينَةُ الْبَاطِنَةُ يَجُوزُ لِلْأَبِ النَّظَرُ إلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ فِي الْخُلْطَةِ ، وَلِأَجْلِ الْمَحْرَمِيَّةِ الَّتِي مَهَّدَتْ الشَّرِيعَةُ ؛ إذْ لَا يَقْتَرِنُ بِهَا النَّظَرُ شَهْوَةً ، لِتَعَذُّرِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُتَعَبَّدِ بِهِ وَالْبَعْضِيَّةِ الْقَائِمَةِ مَعَهُ .
الْمُسْتَثْنَى الثَّالِثُ : أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ : قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ خَتَنَتِهِ ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ : لَا أَرَاهَا مِنْهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ الْحَمْوَ هُوَ الْمَوْتُ } يَعْنِي لَا بُدَّ مِنْهُ ، كَمَا لَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ ، وَلِأَنَّهَا بِنْتُهُ ، فَنَزَلَتْ مِنْهُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ .
وَالْأَخْتَانُ وَالْأَصْهَارُ وَالْأَحْمَاءُ مِمَّا كَثُرَ فِيهِمْ الْقَوْلُ ؛ وَجُلُّهُ أَنَّ الْخَتَنَ الصِّهْرُ .
وَقِيلَ : مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ .
الْمُسْتَثْنَى الرَّابِعُ : الْأَبْنَاءُ : قَالَ إبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى شَعْرِ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَكُرِهَ لِلْبَاقِينَ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الِابْنَ وَالْأَبَ أَحَقُّ الْأَجَانِبِ مِنْ جِهَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ .
الْمُسْتَثْنَى الْخَامِسُ : أَبْنَاءُ الْبُعُولَةِ : وَهُمْ يَنْزِلُونَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ فِي جَوَازِ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ ، لِنُزُولِهِمْ مَنْزِلَةَ الْأَبْنَاءِ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ .
الْمُسْتَثْنَى السَّادِسُ : الْإِخْوَةُ : وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يَدْخُلَانِ عَلَى أُخْتِهِمَا أُمِّ كُلْثُومٍ وَهِيَ تَمْتَشِطُ ؛ وَذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي .
الْمُسْتَثْنَى السَّابِعُ : أَبْنَاءُ الْإِخْوَةِ ، وَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ : رَوَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَا تُغَطِّي رَأْسَهَا مِنْهُ وَلَا مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ : مِنْ حَمْزَةَ أَخِيهَا ، وَلَا مِنْ جَعْفَرٍ ، وَلَا عَلِيِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخِيهَا ، وَلَا مِنْ الزُّبَيْرِ ابْنِهَا ، وَلَا مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ابْنِ بِنْتِ أُخْتهَا أُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزٍ ، وَأُمُّهَا الْبَيْضَاءُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ ، وَلَا مِنْ أَبِي سَبْرَةَ بْنِ أَبِي رُهْمٍ ابْنَيْ أُخْتِهَا بَرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَا مِنْ طُلَيْبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ ، وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَلَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي أَحْمَدَ الشَّاعِرِ وَاسْمُهُ عُبَيْدُ ابْنَيْ جَحْشٍ ، أُمُّهُمَا أُمَيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
الْمُسْتَثْنَى الثَّامِنُ : بَنُو الْأَخَوَاتِ : وَلَمَّا لَحِقُوا فِي الْمَحْرَمِيَّةِ بِمَنْ تَقَدَّمَ لَحِقُوا بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ .
الْمُسْتَثْنَى التَّاسِعُ : قَوْلُهُ : { أَوْ نِسَائِهِنَّ } : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَمِيعُ النِّسَاءِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ .
فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمُسْلِمَةُ مُبْدِيَةً لَهُنَّ زِينَتَهَا وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ مَعَهُنَّ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَامْنَعْ ذَلِكَ ، وَحُلْ دُونَهُ .
ثُمَّ إنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَامَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامَ مُمْتَثِلًا ، فَقَالَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ دَخَلَتْ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ وَلَا سَقَمٍ تُرِيدُ الْبَيَاضَ لِزَوْجِهَا فَسَوَّدَ اللَّهُ وَجْهَهَا يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهُ " .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِجَمِيعِ النِّسَاءِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ بِالضَّمِيرِ لِلِاتِّبَاعِ ، فَإِنَّهَا آيَةُ الضَّمَائِرِ ؛ إذْ فِيهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ضَمِيرًا لَمْ يَرَوْا فِي الْقُرْآنِ لَهَا نَظِيرًا ، فَجَاءَ هَذَا لِلِاتِّبَاعِ .
الْمُسْتَثْنَى الْعَاشِرُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } : حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا ؛ وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ فِيمَا سَمِعْت مِنْ شَيْخِنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ تَنَاقُضَ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ، فَلَوْ مَلَكَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ لَقَالَ لَهَا : اُخْرُجِي وَأَطِيعِي زَوْجَك ، وَقَالَتْ هِيَ لَهُ : اُسْكُتْ وَأَطِعْ سَيِّدَتَكَ .
وَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَقِمْ ، وَقَالَ الْآخَرُ : ارْحَلْ .
وَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَنْفِقْ بِالرِّقِّ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَنْفِقْ بِالزَّوْجِيَّةِ .
فَيَعُودُ الطَّالِبُ مَطْلُوبًا وَالْآخَرُ مَأْمُورًا ، فَحَسَمَ اللَّهُ الْعِلَّةَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ .
وَفِيمَا يُرْوَى فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْعَبْدَ كَالْأَجْنَبِيِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَذَوِي الْمَحَارِمِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قَالَ مَالِكٌ : أَكْرَهُ أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ ، وَلِلَّهِ دَرُّهُ ، إنَّهَا لَيْسَتْ كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ .
قَالَا : قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْجَارِيَةِ حُرًّا فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يَمْلِكُ بَقِيَّتَهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرَ شَعْرِهَا ، كَمَا يَنْظُرُ غَيْرُهُ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَمَعَهَا الْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا .
وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْغُلَامِ حُرًّا فَلَا يَرَى شَعْرَ مَنْ يَمْلِكُ بَقِيَّتَهُ ، وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا لَا تَمْلِكُهُ لَمْ يَنْظُرْ شَعْرَهَا وَصَدْرَهَا .
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ خُصْيَانُ الْعَبِيدِ إلَى شُعُورِ النِّسَاءِ ، فَأَمَّا الْأَحْرَارَ فَلَا ، وَذَلِكَ فِي الْوَغْدِ مِنْهُمْ ، فَأَمَّا مَنْ لَهُ الْمَنْظَرَةُ فَلَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ لِلْوَغْدِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ سَيِّدَتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِذِي الْمَنْظَرَةِ .
وَقَالَ فِي الْخَصِيِّ خَادِمُ الرَّجُلِ فِي مَنْزِلِهِ ، يَرَى فَخِذَهُ مُنْكَشِفَةً : إنَّهُ خَفِيفٌ .
وَقَالَ فِي جَارِيَةِ الْمَرْأَةِ : لَا يَنْبَغِي أَنْ تَرَى فَخِذَ زَوْجِهَا
يَنْكَشِفُ عَنْهَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } ، فَامْرَأَتُهُ فِي هَذَا كَغَيْرِهَا .
وَنَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النِّسَاءَ أَنْ يَلْبَسْنَ الْقَبَاطِيَّ ، وَقَالَ : " إنْ كَانَتْ لَا تَشِفُّ فَإِنَّهَا تَصِفُ " .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُرِيدُ الْخُصُورَ وَالْأَرْدَافَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يُحَدِّثُ أَنَّ عَائِشَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا رَجُلٌ أَعْمَى ، وَأَنَّهَا احْتَجَبَتْ مِنْهُ ؛ فَقِيلَ لَهَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إنَّهُ أَعْمَى لَا يَنْظُرُ إلَيْك .
قَالَتْ : " وَلَكِنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ " .
قَالَ أَشْهَبُ : سُئِلَ مَالِكٌ أَتُلْقِي الْمَرْأَةُ خِمَارَهَا بَيْنَ يَدَيْ الْخَصِيِّ ؟ وَهَلْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهَا أَوْ لِغَيْرِهَا ؛ فَأَمَّا الْحُرُّ فَلَا ، وَإِنْ كَانَ فَحْلًا كَبِيرًا وَغْدًا ، تَمْلِكُهُ لَا هَيْئَةَ لَهُ وَلَا مَنْظَرَةَ فَلْيَنْظُرْ إلَى شَعْرِهَا .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَمْلُوكُ إلَى مَوْلَاتِهِ " .
قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ بِوَاسِعٍ أَنْ تَدْخُلَ جَارِيَةُ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلَدِ عَلَى الرَّجُلِ الْمِرْحَاضَ ؛ قَالَ اللَّهُ : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : يَنْظُرُ الْغُلَامُ الْوَغْدُ إلَى شَعْرِ سَيِّدَتِهِ وَلَا أُحِبُّهُ لِغُلَامِ الزَّوْجِ .
وَأَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ غُلَامَ الْمَرْأَةِ فِي ذَوِي مَحَارِمِهَا يَحِلُّ مِنْهَا مَا يَحِلُّ لِذِي الْمَحْرَمِ .
وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْقِيَاسِ .
وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الِاحْتِيَاطِ أَعْجَبُ إلَيَّ .
فَرْعٌ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَعَ عَبْدِهَا وَإِنْ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا ؛ إذْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ فِي السَّفَرِ فَيَحِلُّ لَهَا تَزَوُّجُهُ .
وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ عِتْقَهُ بِيَدِهَا ؛ فَلَا يُتَّفَقُ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ بِمَوْضِعٍ يَتَأَتَّى
فِيهِ مَا ذَكَرْنَا .
الْمُسْتَثْنَى الْحَادِيَ عَشَرَ : قَوْلُهُ : { أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ } : فِيهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الصَّغِيرُ ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْعِنِّينُ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْأَبْلَهُ الْمَعْتُوهُ لَا يَدْرِي النِّسَاءَ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْمَجْبُوبُ لِفَقْدِ إرْبِهِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ الْهَرَمُ ، لِعَجْزِ إرْبِهِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ الْأَحْمَقُ الَّذِي لَا يَشْتَهِي الْمَرْأَةَ ، وَلَا يَغَارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ .
قَالَهُ قَتَادَةُ .
السَّابِعُ : أَنَّ الَّذِي لَا يَهُمُّهُ إلَّا بَطْنُهُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ خَادِمُ الْقَوْمِ لِلْمَعَاشِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ الصَّغِيرُ فَلَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَفْرَدَهُ اللَّهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } .
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ ؛ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ آلَةٌ ، وَمِنْهُمْ الْمَجْبُوبُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ آلَةٌ ، وَاَلَّذِي لَهُ آلَةٌ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ الْعِنِّينُ الَّذِي لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ ، وَمِنْهُمْ الَّذِي لَا قَلْبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا عَلَاقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ .
فَأَمَّا الْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ فَلَا كَلَامَ فِيهِمَا .
وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمَا مِمَّنْ لَا قَلْبَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ اجْتِمَاعٌ لِضَرُورَةِ حَالِهِ ؛ لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ رَخَّصَتْ فِي ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ إلَيْهِ ، وَلِقَصْدِ نَفْيِ الْحَرَجِ بِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا هِيتٌ الْمُخَنَّثُ ، فَقَالَ لِأَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ عِنْدَهَا : يَا عَبْدَ اللَّهِ ؛ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الطَّائِفَ غَدًا فَإِنِّي
أَدُلُّكَ عَلَى بَادِنَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ يَعْنِي زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَإِنَّهَا تُنِيفُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَتُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَأَنَّهُ الْأُقْحُوَانُ ، وَبَيْنَ رِجْلَيْهَا كَالْإِنَاءِ الْمَكْفُوءِ ، إنْ جَلَسَتْ تَبَنَّتْ ، وَإِنْ قَامَتْ تَثَنَّتْ ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ : بَيْنَ شُكُولِ النِّسَاءِ خِلْقَتُهَا قَصْدٌ فَلَا جَبْلَةٌ وَلَا قَضَفُ تَغْتَرِقُ الطَّرْفَ وَهْيَ لَاهِيَةٌ كَأَنَّمَا شَفَّ وَجْهَهَا نُزْفُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَرَى هَذَا يَعْرِفُ مَا هَاهُنَا ، لَا يَدْخُلْ عَلَيْكُنَّ } فَحَجَبَهُ .
الْمُسْتَثْنَى الثَّانِيَ عَشَرَ : قَوْلُهُ : { أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } : وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ سَتْرِ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَالْآخَرُ : يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي ، وَقَدْ تَشْتَهِي هِيَ أَيْضًا ؛ فَإِنْ رَاهَقَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَالِغِ فِي وُجُوبِ السَّتْرِ وَلُزُومِ الْحَجَبَةِ .
وَبَقِيَ هَاهُنَا الْمُسْتَثْنَى الثَّالِثَ عَشَرَ ، وَهُوَ الشَّيْخُ الَّذِي سَقَطَتْ شَهْوَتُهُ .
وَفِيهِ قَوْلَانِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الصَّبِيِّ .
وَالصَّحِيحُ بَقَاءُ الْحُرْمَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ ، وَكَأَنَّهُمْ ظَنُّوهَا رَجُلًا أَوْ ظَنُّوهُ امْرَأَةً ، وَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَرْأَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَظَرًا وَلَذَّةً ، ثُمَّ اسْتَثْنَى اللَّذَّةَ لِلزَّوْجِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى الزِّينَةَ : ظَاهِرُ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ شَخْصًا الْعَبْدُ مِنْهُمْ ، فَمَا لَنَا وَلِغَيْرِ ذَلِكَ ؟ هَذَا نَظَرٌ فَاسِدٌ ، وَاجْتِهَادٌ عَنْ السَّدَادِ مُتَبَاعِدٌ .
وَقَدْ أَوَّلَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلَهُ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } عَلَى الْإِمَاءِ دُونَ الْعَبِيدِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلَى الْعَبِيدِ ، ثُمَّ يُلْحَقُونَ بِالنِّسَاءِ ؟ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } .
قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَضْرِبُ بِرِجْلَيْهَا لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةَ خَلْخَالَيْهَا ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَرَحًا بِحُلِيِّهِنَّ فَهُوَ مَكْرُوهٌ .
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَرُّجًا وَتَعَرُّضًا لِلرِّجَالِ فَهُوَ حَرَامٌ .
وَكَذَلِكَ مَنْ صَرَّ بِنَعْلِهِ مِنْ الرِّجَالِ ، إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عُجْبًا حَرُمَ ، فَإِنَّ الْعُجْبَ كَبِيرَةٌ ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَبَرُّجًا لَمْ يَجُزْ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { الْأَيَامَى مِنْكُمْ } وَالْأَيِّمُ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا الَّتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا .
الثَّانِي : أَنَّهَا الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ { : نَهَى عَنْ الْأَيْمَةِ } .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي وَإِنْ كُنْت أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ وَفِي الْحَدِيثَ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } ؛ وَهِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا بَعْدَ زَوْجِهَا .
وَفِي لَفْظٍ : { الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِالْخِطَابِ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْكِحُوا } فَقِيلَ : هُمْ الْأَزْوَاجُ .
وَقِيلَ : هُمْ الْأَوْلِيَاءُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ سَيِّدٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ الْأَوْلِيَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : أَنْكِحُوا .
بِالْهَمْزَةِ ، وَلَوْ أَرَادَ الْأَزْوَاجَ لَقَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ ، وَكَانَتْ الْأَلِفُ لِلْوَصْلِ ، وَإِنْ كَانَ بِالْهَمْزَةِ فِي الْأَزْوَاجِ لَهُ وَجْهٌ فَالظَّاهِرُ أَوْلَى ، فَلَا يُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَنْكِحُوا } : لَفْظُهُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَرْءِ مِنْ خَوْفِهِ الْعَنَتَ ، وَعَدَمِ صَبْرِهِ ، وَمِنْ قُوَّتِهِ عَلَى الصَّبْرِ ، وَزَوَالِ خَشْيَةِ الْعَنَتِ عَنْهُ .
وَإِذَا خَافَ الْهَلَاكَ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا أَوْ فِيهِمَا فَالنِّكَاحُ حَتْمٌ .
وَإِنْ لَمْ يَخْشَ شَيْئًا وَكَانَتْ الْحَالُ مُطْلَقَةً ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : النِّكَاحُ مُبَاحٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : هُوَ مُسْتَحَبٌّ .
وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ قَضَاءُ لَذَّةٍ ، فَكَانَ مُبَاحًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ الصَّحِيحِ .
وَفِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ : الْأَوَّلُ : قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : { جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .
قَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ، وَلَا أُفْطِرُ .
وَقَالَ الْآخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا .
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ؛ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } .
الثَّانِي : قَالَ عُرْوَةُ : سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِهِ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } إلَى قَوْلِهِ : { أَلَّا تَعْدِلُوا } .
قَالَتْ : يَا بْنَ أُخْتِي ، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا ، فَيَرْغَبُ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا ، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا الصَّدَاقَ ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } وَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَأَنْكِحُوا إمَاءَكُمْ .
وَتَقْرِيرُهَا : وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ .
الثَّانِي : وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِنْكَاحِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ، كَمَا أَمَرَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى ، وَذَلِكَ بِيَدِ السَّادَةِ فِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ، كَمَا هُوَ فِي الْأَحْرَارِ بِيَدِ الْأَوْلِيَاءِ ، إلَّا مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ ، وَائْتَمَرَ أَمْرَهُ ، وَأَبْصَرَ رُشْدَهُ .
أَمَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ مُكَلَّفٌ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ كَامِلٌ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيَّةِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَمْلُوكِيَّةُ فِيمَا كَانَ حَظًّا لِلسَّيِّدِ مِنْ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَلَهُ حَقُّ الْمَمْلُوكِيَّةِ فِي بُضْعِ الْأَمَةِ لِيَسْتَوْفِيَهُ وَيَمْلِكَهُ .
فَأَمَّا بُضْعُ الْعَبْدِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا تُبَاحُ السَّيِّدَةُ لِعَبْدِهَا ؛ هَذِهِ عُمْدَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ .
وَلِعُلَمَائِنَا النُّكْتَةُ الْعُظْمَى فِي أَنَّ مَالِكِيَّةَ الْعَبْدِ اسْتَغْرَقَتْهَا مَالِكِيَّةُ السَّيِّدِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهِ إجْمَاعًا .
وَالنِّكَاحُ وَبَابُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَمَصْلَحَةُ الْعَبْدِ مَوْكُولَةٌ إلَى السَّيِّدِ ، هُوَ يَرَاهَا وَيُقِيمُهَا لِلْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ زَوَّجَ الْأَمَةَ بِمِلْكِهِ لِرَقَبَتِهَا ، لَا بِاسْتِيفَائِهِ لِبُضْعِهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بُضْعَ امْرَأَتِهِ وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُهَا ، وَيَمْلِكُ بُضْعَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ أَمَةً ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَوْفِيهِ .
وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ كَالْمَالِكِيَّةِ فِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ .
وَالْمَصْلَحَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِ السَّيِّدِ اسْتِيفَاؤُهَا وَإِقَامَتُهَا وَالنَّظَرُ
إلَيْهَا ، وَمِنْهَا وَمِنْ عَدِّهِمْ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِمِلْكِ عَقْدِهِ .
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ نَظَرًا فِي الْمَصْلَحَةِ ، فَإِنْ أَسْقَطَهَا الْعَبْدُ فَقَدْ أَسْقَطَ خَالِصَ حَقِّهِ الَّذِي لَهُ ، وَقَدْ نَرَى الثَّيِّبَ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، وَلَا يُمْلَكُ عَلَيْهَا النِّكَاحُ ، وَيُمْلَكُ النِّكَاحُ عَلَى السَّفِيهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْلَكُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ ، وَيُمْلَكُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ ، وَلَا يَمْلِكُ هُوَ الْإِقَالَةَ وَلَا الْفَسْخَ ، وَلَا الْعِتْقَ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَيْنَيْنِ غَيْرُ مَطْلَعِ الْآخَرِ ، فَافْتَرَقَا .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ أَرَادَ الْمَمْلُوكَيْنِ لَقَالَ مِنْ عَبِيدِكُمْ .
قُلْنَا عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ : ( وَإِمَائِكُمْ ) ، وَلَوْ أَرَادَ النَّاسَ لَمَا جَاءَ بِالْهَمْزَةِ .
كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلِذَلِكَ قَرَأَهَا الْحَسَنُ مِنْ عَبِيدِكُمْ ، وَلِيُبَيَّنَ الْإِشْكَالُ وَيُرْفَعَ اللَّبْسُ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَوْ قَدَّرْنَاهُ كَمَا زَعَمُوا لَكَانَ عَامًّا ، وَكُنَّا نَحْكُمُ بِعُمُومِهِ فِيمَنْ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، كَمَا حَكَمْنَا بِعُمُومِهِ فِيمَنْ كَانَتْ أَمَةً لِلَّهِ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِتَمْلِيكِهِ إيَّاهَا لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } .
وَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يُغْنِيهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ بِالنِّكَاحِ ، كَقَوْلِهِ : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } يَعْنِي النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِهِ .
الثَّانِي : يُغْنِيهِمْ بِالْمَالِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : عَجِبْت لِمَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْبَاءَةِ ، وَاَللَّهُ يَقُولُ : { إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ } .
فَإِنْ قُلْنَا : قَدْ نَجِدُ النَّاكِحَ لَا يَسْتَغْنِي .
قُلْنَا : عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُغْنِيهِ بِإِيتَاءِ الْمَالِ ، وَقَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ .
الثَّانِي : يُغْنِيهِ عَنْ الْبَاءَةِ بِالْعِفَّةِ .
الثَّالِثُ : يُغْنِيهِ بِغِنَى النَّفْسِ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ عَلَى الدَّوَامِ ؛ بَلْ لَوْ كَانَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ لَصَدَقَ الْوَعْدُ .
وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ عُلَمَائِنَا يَقُولُ : إنَّ هَذَا عَلَى الْخُصُوصِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ .
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ : " النَّاكِحُ مُعَانٌ ، وَالْمُكَاتَبُ مُعَانٌ ، وَبَاغِي الرَّجْعَةِ مُعَانٌ " .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ وَرَدَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَنَاوَلَتْ مُخْتَلِفَاتِ الْأَحْكَامِ ؛ مِنْهَا وَاجِبٌ ، وَمِنْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَمِنْهَا فِي الْبَالِغِ ، وَمِنْهَا فِي الصَّغِيرِ ، وَمِنْهَا فِي الثَّيِّبِ ، وَمِنْهَا فِي الْبِكْرِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْخِطَابِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ؛ وَأَقْرَبُ مِنْهُ الْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا آنِفًا فِي قَوْلِهِ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } إلَى آخِرِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ
يَخْتَلِفُ فِي بَابِهِ ، وَالْخِطَابُ مُشْتَرَكٌ فِيهِمْ ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ فِي التَّعَلُّقِ بِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَزْوِيجِ الْفَقِيرِ ، وَلَا يَقُولَنَّ كَيْفَ أَتَزَوَّجُ وَلَيْسَ لِي مَالٌ ؟ فَإِنَّ رِزْقَهُ وَرِزْقَ عِيَالِهِ عَلَى اللَّهِ ، { وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْهُوبَةَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا إزَارٌ وَاحِدٌ } ، وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ هَذَا فَسْخُ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَيْهِ دَخَلَتْ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْيَسَارِ ، فَخَرَجَ مُعْسِرًا ، أَوْ طَرَأَ الْإِعْسَارُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا خِطَابٌ لِبَعْضِ مَنْ تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ الْأُولَى مِمَّنْ يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ ، فَيَتَعَفَّفُ ، وَيَتَوَقَّفُ ، أَوْ يَقْدُمُ عَلَى النِّكَاحِ ، وَلَا يَتَخَلَّفُ .
وَأَمَّا مَنْ زِمَامُهُ بِيَدِ سِوَاهُ يَقُودُهُ إلَى مَا يَرَاهُ ، فَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَدْخَلٌ كَالْمَحْجُورِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالْأَمَةِ وَالْعَبْدِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنْ كَانَ النِّكَاحُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مُخْتَلَفًا فِيهِ مَا بَيْنَ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ فَالِاسْتِعْفَافُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ إمْسَاكٌ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ ؛ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَاجِبٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ بَيْنَ الْعِفَّةِ وَالنِّكَاحِ دَرَجَةً دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا مُحَرَّمٌ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مِلْكُ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ بِنَصٍّ آخَرَ مُبَاحٌ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ، فَجَاءَتْ فِيهِ زِيَادَةُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ بِآيَةٍ فِي آيَةٍ ، وَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ الِاسْتِمْنَاءُ رَدًّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْهُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ لِنَسْخِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا } يَعْنِي يَقْدِرُونَ ، وَعَبَّرَ عَنْ الْقُدْرَةِ بِالْوُجُودِ ، وَعَنْ عَدَمِهَا بِعَدَمِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً }
حَرْفًا بِحَرْفٍ فَخُذْهُ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : بِالْقُدْرَةِ عَلَى النِّكَاحِ .
الثَّانِي : بِالرَّغْبَةِ عَنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ يَسْتَعِفُّ بِالصَّوْمِ ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ؛ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ } .
وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ لِانْتِظَامِ الْقُرْآنِ فِيهِ وَالْحَدِيثِ ، وَاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ } يَعْنِي يَطْلُبُونَ الْكِتَابَ ، يُرِيدُ الْمُكَاتَبَةَ عَلَى مَالٍ يَدْفَعُونَهُ إلَى سَادَاتِهِمْ ، فَافْعَلُوا ذَلِكَ لَهُمْ ، فَذَكَرَ اللَّهُ طَلَبَ الْعَبْدِ لِلْمُكَاتَبَةِ ، وَأَمَرَ السَّيِّدَ بِهَا حِينَئِذٍ ؛ وَهِيَ حَالَتَانِ : الْأُولَى : أَنْ يَطْلُبَهَا الْعَبْدُ ، وَيُجِيبَهُ السَّيِّدُ ؛ فَهَذَا مُطْلَقُ الْآيَةِ وَظَاهِرُهَا .
الثَّانِيَةُ : أَنْ يَطْلُبَهَا الْعَبْدُ ؛ وَيَأْبَاهَا السَّيِّدُ ؛ وَفِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : لِعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى السَّيِّدِ .
وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ أَوْجَبَهَا بِمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى { فَكَاتِبُوهُمْ } .
وَافْعَلْ بِمُطْلَقِهِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَأْتِيَ الدَّلِيلُ بِغَيْرِهِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا نُسَلِّمُهَا لَهُمْ ، بَلْ نَقُولُ إنَّ لَفْظَ " افْعَلْ " لِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ ، وَالْوُجُوبُ يَكُونُ بِتَعَلُّقِ الذَّمِّ بِتَرْكِهِ ، وَالِاقْتِضَاءُ يَسْتَقِلُّ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ ، فَأَيْنَ دَلِيلُ الْوُجُوبِ ؟ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي لَا مُزَعْزِعَ لَهُ .
أَمَّا إنَّ مِنْ عُلَمَائِنَا الْمُتَمَرِّسِينَ بِالْفِقْهِ سَلَّمُوا أَنَّ مُطْلَقَ " افْعَلْ " عَلَى الْوُجُوبِ ، وَادَّعَوْا أَنَّ الدَّلِيلَ هَاهُنَا قَدْ قَامَ عَلَى سُقُوطِ الْوُجُوبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكِتَابَةَ إذَا طَلَبَهَا الْعَبْدُ فَفِيهَا إخْرَاجُ مِلْكِ السَّيِّدِ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ ، بَلْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا تَقْتَضِي أَلَّا يَخْرُجَ أَحَدٌ عَنْ يَدِهِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ .
وَمَا جَاءَ بِخِلَافِ الْأُصُولِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عِنْدَنَا أَوْ الْحَدِيثَ إذَا جَاءَ بِخِلَافِ الْأُصُولِ فَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، وَيُرْجَعُ إلَيْهِ فِي بَابِهِ ، وَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ
الْمَضَرَّاتِ مِنْ كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَفِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ مِنْ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ .
الثَّانِي : قَالُوا : إنَّمَا يَكُونُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إذَا تَعَرَّى عَنْ قَرِينَةٍ ، وَهَاهُنَا قَرِينَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطِ عِلْمِ الْخَيْرِ فِيهِ ، فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ عَلَى أَمْرٍ بَاطِنٍ ، وَهُوَ عِلْمُ السَّيِّدِ بِالْخَيْرِ فِيهِ .
وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ، كَاتِبْنِي ، فَقَالَ السَّيِّدُ : لَمْ أَعْلَمْ فِيك خَيْرًا ، وَهُوَ أَمْرٌ بَاطِنٌ ؛ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَيْهِ ، وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي بَابِهِ .
الثَّالِثُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَالُ الْعَبْدِ وَأَكْسَابُهُ مِلْكُ السَّيِّدِ ، وَرَقَبَتُهُ مِلْكٌ لَهُ ؛ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : خُذْ كَسْبِي وَخَلِّصْ رَقَبَتِي فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَفْوِيتِ مِلْكِهِ عَنْهُ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَعْتِقْنِي .
وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ ، وَهُوَ كَلَامٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ عَلَى مُثْبِتِي الِاجْتِهَادِ ؛ وَمَنْ رَدَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْقُدْرَةُ عَلَى السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ ؛ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْوَفَاءُ وَالصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي .
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ الْمَالُ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ بِحُسْنِ السَّعْيِ وَالِاكْتِسَابِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُنَجَّمٌ يَجْتَمِعُ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ فَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَعْنًى هُوَ مَشْرُوطٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ وَفِعْلٍ ، فَلَا تَخْتَصُّ هَذِهِ الْكِتَابَةَ بِاشْتِرَاطِهِ وَحْدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مَالِ قَاطَعَهُ عَلَيْهِ نُجُومًا ، فَإِنْ جَعَلَهُ حَالًّا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا بِاخْتِلَافِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ الْكِتَابَةَ مُؤَجَّلَةٌ ، كَمَا وَرَدَ بِهَا الْأَثَرُ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ حِينَ كَاتَبَتْ أَهْلَهَا عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ .
وَكَمَا فَعَلَتْ الصَّحَابَةُ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ كِتَابَةً ؛ لِأَنَّهَا تُكْتَبُ وَيُشْهَدُ عَلَيْهَا ، فَقَدْ اسْتَوْثَقَ الِاسْمُ وَالْأَثَرُ وَعَضَّدَهُ الْمَعْنَى ؛ فَإِنَّ الْمَالَ إنْ جَعَلَهُ حَالًّا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَبْدِ ، أَوْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ شَيْءٌ ؛ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا قَطَعَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مَالُ مُقَاطَعَةٍ وَعَقْدُ مُقَاطَعَةٍ ، لَا عَقْدُ كِتَابَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَبْدِ مَالٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ مَا يُكَاتِبُهُ عَلَيْهِ حَالًّا ؛ لِأَنَّهُ أَجَلٌ مَجْهُولٌ فَيَدْخُلُهُ الْغَرَرُ ، وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ ؛ وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الْغَرَرِ ، وَمِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا جُعِلَ الْأَجَلُ رِفْقًا بِالْعَبْدِ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرْتَفِقَ وَإِلَّا تَرَكَ حَقَّهُ .
قُلْنَا : كُلُّ حَقٍّ هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ وَتَرْكٌ صِرْفٌ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَكُلُّ حَقٍّ يُتْرَكُ فِي عَقْدٍ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْغَرَرِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا .
وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَمَنْ أَرَادَهُ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَالُ الزَّكَاةِ ؛ قَالَ إبْرَاهِيمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَدَّرَهُ عَلِيٌّ بِرُبُعِ الْكِتَابَةِ ، وَقَدَّرَهُ غَيْرُهُ بِنَجْمٍ مِنْ نُجُومِهَا .
وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ فَإِنَّهُ يُنَفِّذُهُ فِي تَرِكَتِهِ ، وَيَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ .
وَاحْتَجَّ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } ، وَبِقَوْلِ عَلِيٍّ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ ، وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ عُمْدَةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعُلَمَائِنَا .
وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَلَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حِينَ قَالَ : إنَّ الْإِيتَاءَ وَاجِبٌ يَقُولُ : إنَّ الْكِتَابَةَ وَاجِبَةٌ لَكَانَ تَرْكِيبًا حَسَنًا ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : إنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُ وَالْإِيتَاءُ يَجِبُ ؛ فَجَعَلَ الْأَصْلَ غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَالْفَرْعَ وَاجِبًا ؛ وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ ؛ فَصَارَتْ دَعْوَى مَحْضَةً .
فَإِنْ قِيلَ : يَكُونُ ذَلِكَ كَالنِّكَاحِ لَا يَجِبُ ، فَإِذَا انْعَقَدَ وَجَبَتْ أَحْكَامُهُ ، مِنْهَا الْمُتْعَةُ .
قُلْنَا : عِنْدَنَا لَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ ؛ فَلَا مَعْنَى لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي التَّعَلُّقِ بِهَا .
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِيتَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكَانَ الْمَالُ فِي أَصْلِ الْكِتَابَةِ مَجْهُولًا ، وَالْعَقْدُ بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ شَرَعَهُ ، وَقَدْ عَضَّدَهُ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } .
وَمَالُ اللَّهِ هُوَ الزَّكَاةُ ، وَالْفَيْءُ ، وَلَيْسَ بِمَالٍ أَوْجَبَ حَقًّا فِي عَقْدٍ ، وَإِنْ كَانَ الْعِبَادُ وَأَمْوَالُهُمْ لِلَّهِ ، وَلَكِنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ إنَّمَا يَنْطَلِقُ
عَلَى الزَّكَاةِ وَالْفَيْءِ .
فَإِنْ قِيلَ : يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا : إنَّهُ مَالُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، وَقَصَدَ بِهِ الْقُرْبَةَ إلَيْهِ .
قُلْنَا : هَذَا مَجَازٌ ، لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا الْمَجَازَ حَقِيقَةً ، وَيَعْدِلُونَ بِاللَّفْظِ عَنْ طَرِيقِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَفْعَلُونَ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ؟ قُلْنَا : سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ الْحُجَّةَ إلَّا فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمُعْجِزَةِ ، عَلَى أَنَّ الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ أَنَّ عُمَرَ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ هُوَ جَدُّ مَيْمُونِ بْنِ جَابَانَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : كَمْ تَعْرِضُ ؟ فَقَالَ عَبْدُهُ : أَعْرِضُ مِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ .
قَالَ : فَمَا اسْتَزَادَنِي ، وَكَاتَبَنِي عَلَيْهَا ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَجِّلَ لِي مِنْ مَالِهِ طَائِفَةً ، فَأَرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : إنِّي كَاتَبْت غُلَامِي ، فَأَرَدْت أَنْ أُعَجِّلَ لَهُ طَائِفَةً مِنْ مَالِي ، فَأَرْسِلِي إلَيَّ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى أَنْ يَأْتِيَنَا بِشَيْءٍ ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا إلَيْهِ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَمِينِهِ ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } فَخُذْهَا ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهَا .
قَالَ : فَبَارَكَ اللَّهُ لِي فِيهَا ؛ عَتَقْت مِنْهَا ، وَأَصَبْت خَيْرًا كَثِيرًا .
وَقَالَ عَلِيٌّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } قَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ .
وَكَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَوَضَعَ عَنْهُ رُبُعَهَا ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَفِعْلُهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا النَّدْبَ ، وَلَيْسَ فِيهِ عَلَى الْوُجُوبِ دَلِيلٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ كَاتَبَ غَيْرَهُ ، وَحَلَفَ أَلَّا يَحُطَّهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فِي أَيِّ وَقْتٍ يُؤْتَى ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ وَسَأَلْته عَمَّا يُتْرَكُ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ كِتَابَتِهِ الَّتِي يُكَاتِبُ عَلَيْهَا : مَتَى يُتْرَكُ ؛ وَكَيْفَ يُكْتَبُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : يُكْتَبُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ كَاتَبَ عَلَى كَذَا ، وَقَدْ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ أَجْرِ كِتَابَتِهِ كَذَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
الرَّابِعُ : يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ أَوَّلِهَا ؛ قَالَهُ عُمَرُ وَفَعَلَهُ .
وَالْأَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِهَا ، لِيَسْتَفِيدَ بِذَلِكَ بَرَاءَتَهُ مِمَّا عَلَيْهِ ، وَحُصُولَ الْعِتْقِ لَهُ ، وَالْإِسْقَاطُ أَبَدًا إنَّمَا يَكُونُ فِي أُخْرَيَاتِ الدُّيُونِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ فِي عَامَيْنِ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ يَقُولُ : فَإِذَا أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ ؛ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَا يَقْتَضِيهِ وَالْحَالُ يَشْهَدُ لَهُ ، فَإِنْ ذَكَرَهُ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ تَرَكَهُ فَهُوَ مَعْلُومٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : كَانَتْ جَارِيَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقَالُ لَهَا مُسَيْكَةُ فَأَكْرَههَا عَلَى الْبِغَاءِ ، فَقَالَتْ لَهُ : لَئِنْ كَانَ هَذَا خَيْرًا لَقَدْ اسْتَكْثَرْت مِنْهُ وَرُوِيَ لَقَدْ اسْتَنْكَرْت مِنْهُ وَإِنْ كَانَ شَرًّا لَقَدْ بَانَ لِي أَنْ أَدَعَهُ .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا مُعَاذَةُ ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَكَانَ عِنْدَهُ ، وَكَانَ الْقُرَشِيُّ يُرِيدُ الْجَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهَا ، وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ تَمْتَنِعُ مِنْهُ لِإِسْلَامِهَا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَضْرِبُهَا عَلَى امْتِنَاعِهَا مِنْ الْقُرَشِيِّ ، رَجَاءَ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ ، فَيَطْلُبَ فِدَاءَ وَلَدِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
وَكَذَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : وَقَعَ فِي مُطْلَقِ هَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيُ عَنْ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا إنْ أَرَادَتْ الْمُكْرَهَةُ الْإِحْصَانَ ، وَلَا يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ بِحَالٍ ، فَتَعَلَّقَ بَعْضُ الْغَافِلِينَ بِشَيْءٍ مِنْ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَذَكَرُوهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ الْحَقَائِقِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ إرَادَةَ التَّحَصُّنِ مِنْ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الْإِكْرَاهَ ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ رَاغِبَةً فِي الزِّنَا لَمْ يُتَصَوَّرْ إكْرَاهٌ ، فَحَصِّلُوهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الْإِكْرَاهِ فِيمَا سَبَقَ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ فِي الزِّنَا ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَائِنَا ، وَهُوَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ ، وَلَا يَنْهَى اللَّهُ إلَّا عَنْ مُتَصَوَّرٍ ، وَلَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُسْقِطُ حُكْمَ التَّكْلِيفِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ الزَّانِيَ يَنْتَشِرُ وَيَشْتَهِي إذَا اتَّصَلَ بِالْمَرْأَةِ طَبْعًا .
قُلْنَا : الْإِلْجَاءُ إلَى ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَسْقَطَ حُكْمَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ } ، فَإِنَّ مِنْ الْبَغَايَا مَنْ كَانَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ الْبَغْيِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ جَرَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ رَوَى مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ } قَالَ : كَانُوا يَأْمُرُونَ وَلَائِدَهُمْ فَيُبَاغِينَ فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ فَيُصِبْنَ ، فَيَأْتِينَهُمْ بِكَسْبِهِنَّ .
وَكَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ جَارِيَةً ، وَكَانَتْ تُبَاغِي ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، وَحَلَفَتْ أَلَّا تَفْعَلَهُ ، فَانْطَلَقَتْ فَبَاغَتَ بِبُرْدٍ أَخْضَرَ ، فَأَتَتْهُمْ بِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ " مَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } هَذِهِ الْمَغْفِرَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْمُكْرَهِ لَا لِلَّذِي أَكْرَهَ عَلَيْهِ وَأَلْجَأَ الْمُكْرَهَ الْمُضْطَرَّ إلَيْهِ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهٍ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
وَالْمَغْفِرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُكْرَهِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ فِي الْمَيْتَةِ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
هَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ ، وَفِي قَانُونِ التَّأْوِيلِ ، وَأَوْضَحْنَا الْمُرَادَ مِنْهَا عَلَى أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ ؛ وَهَذَا الْحَرْفُ مِنْهَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَحْكَامِيِّينَ ، فَرَأَيْنَا أَلَّا نُخْلِيَ هَذَا الْمُخْتَصَرَ مِنْهُ .
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَجَرِ الشَّرْقِ دُونَ الْغَرْبِ ، وَلَا مِنْ شَجَرِ الْغَرْبِ دُونَ الشَّرْقِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ كَانَ أَدْنَى زَيْتًا ، وَأَضْعَفَ ضَوْءًا .
وَلَكِنَّهَا مَا بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ ، كَالشَّامِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ قَالَ : هُوَ الشَّامُ ، الشَّرْقُ مِنْ هَاهُنَا وَالْغَرْبُ مِنْ هَاهُنَا ، وَرَأَيْتُهُ لِابْنِ شَجَرَةَ أَحَدِ حُذَّاقِ الْمُفَسِّرِينَ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْقِيَّةٍ تُسْتَرُ عَنْ الشَّمْسِ عِنْدَ الْغُرُوبِ ، وَلَا بِغَرْبِيَّةٍ تُسْتَرُ عَنْ الشَّمْسِ وَقْتَ الطُّلُوعِ ؛ بَلْ هِيَ بَارِزَةٌ ؛ وَذَلِكَ أَحْسَنُ لِزَيْتِهَا أَيْضًا ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا وَسَطُ الشَّجَرِ ، لَا تَنَالُهَا الشَّمْسُ إذَا طَلَعَتْ وَلَا إذَا غَرَبَتْ ، وَذَلِكَ أَجْوَدُ لِزَيْتِهَا : قَالَهُ عَطِيَّةُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا لَيْسَ فِي شَجَرِ الشَّرْقِ وَلَا فِي شَجَرِ الْغَرْبِ مِثْلُهَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ لَا مِنْ الدُّنْيَا قَالَهُ الْحَسَنُ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، لَيْسَتْ بِنَصْرَانِيَّةٍ تُصَلِّي إلَى
الشَّرْقِ ، وَلَا يَهُودِيَّةٍ تُصَلِّي إلَى الْغَرْبِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُحَقِّقِينَ الَّذِينَ يُنْزِلُونَ التَّفْسِيرَ مَنَازِلَهُ ، وَيَضَعُونَ التَّأْوِيلَ مَوَاضِعَهُ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، أَنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَضْرِبَ لِنُورِهِ الْمُعَظَّمَ مَثَلًا تَنْبِيهًا لِخَلْقِهِ إلَّا بِبَعْضِ خَلْقِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَلْقَ بِقُصُورِهِمْ لَا يَفْهَمُونَ إلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَرَفَ اللَّهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، وَأَنْوَرُ الْمَصَابِيحِ فِي الدُّنْيَا مِصْبَاحٌ يُوقَدُ مِنْ دُهْنِ الزَّيْتُونِ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مُفْرَدَةً قَدْ تَبَاعَدَ عَنْهَا الشَّجَرُ فَخَلَصَتْ مِنْ الْكُلِّ ، وَأَخَذَتْهَا الشَّمْسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، فَذَلِكَ أَصْفَى لِنُورِهَا ، وَأَطْيَبُ لِزَيْتِهَا ، وَأَنْضَرُ لِأَغْصَانِهَا ، وَذَلِكَ مَعْنَى بَرَكَةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي فَهِمَهَا النَّاسُ حَتَّى اسْتَعْمَلُوهَا فِي أَشْعَارِهِمْ ، فَقَالُوا : بُورِكَ الْمَيْتُ الْغَرِيبُ كَمَا بُورِكَ نَضْرُ الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُونِ وَقَدْ رَأَيْت فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى زَيْتُونَةً كَانَتْ بَيْنَ مِحْرَابِ زَكَرِيَّا وَبَيْنَ بَابِ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ الَّذِي يَقُولُونَ : إنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ يَعْنِي الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى ، وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ بِشَرْقِيِّهِ دُونَ السُّوَرِ ، وَادِي جَهَنَّمَ ، وَفَوْقَهُ أَرْضُ الْمَحْشَرِ الَّتِي تُسَمَّى بِالسَّاهِرَةِ ، فَكَانُوا يَقُولُونَ : إنَّهَا الشَّجَرَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَرَبُّك أَعْلَمُ .
وَمِنْ غَرِيبِ الْأَثَرِ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِنَا الْفُقَهَاءِ قَالَ : إنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَلِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ ، فَالْمِشْكَاةُ هِيَ الْكُوَّةُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ ، فَشَبَّهَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِالْكُوَّةِ فِيهَا الْقِنْدِيلُ ، وَهُوَ الزُّجَاجَةُ ، وَشَبَّهَ عَبْدُ اللَّهِ
بِالْقِنْدِيلِ وَهُوَ الزُّجَاجَةُ ، وَمُحَمَّدٌ كَالْمِصْبَاحِ يَعْنِي مِنْ أَصْلَابِهِمَا ، وَكَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَهُوَ الْمُشْتَرَى ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ يَعْنِي إرْثَ النُّبُوَّةِ ، مِنْ إبْرَاهِيمَ ، وَهُوَ الشَّجَرُ الْمُبَارَكَةُ ، يَعْنِي حَنِيفَةً لَا شَرْقِيَّةً وَلَا غَرْبِيَّةً ، لَا يَهُودِيَّةً وَلَا نَصْرَانِيَّةً ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ، وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ .
يَقُولُ : يَكَادُ إبْرَاهِيمُ يَتَكَلَّمُ بِالْوَحْيِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ ، نُورٌ عَلَى نُورٍ إبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُحَمَّدٌ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا كُلُّهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي التَّمْثِيلِ أَنْ يَتَوَسَّعَ الْمَرْءُ فِيهِ ، وَلَكِنْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي شَرَّعْنَاهَا فِي قَانُونِ التَّأْوِيلِ لَا عَلَى الِاسْتِرْسَالِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُخْرِجُ الْأَمْرَ عَنْ بَابِهِ ، وَيَحْمِلُ عَلَى اللَّفْظِ مَا لَا يُطِيقُهُ ، فَمَنْ أَرَادَ الْخِبْرَةَ بِهِ وَالشِّفَاءَ مِنْ دَائِهِ فَلْيَنْظُرْ هُنَالِكَ .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اُخْتُلِفَ فِي الْبُيُوتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْمَسَاجِدُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَمَاعَةٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا سَائِرُ الْبُيُوتِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : ( تُرْفَعُ ) : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : تُبْنَى ، كَمَا قَالَ : { وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } .
قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : تُطَهَّرُ مِنْ الْأَنْجَاسِ وَالْأَقْذَارِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَطَهِّرْ بَيْتِي } .
الثَّالِثُ : أَنْ تُعَظَّمَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهَا تُبْنَى فَهُوَ مُتَمَعِّنٌ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلُ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا تُطَهَّرُ مِنْ الْأَقْذَارِ وَالْأَنْجَاسِ فَذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَسْجِدَ لِيَنْزَوِيَ مِنْ النَّجَاسَةِ كَمَا تَنْزَوِي الْجِلْدَةُ مِنْ النَّارِ } .
وَهَذَا فِي النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ ، فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهَا ؟ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا تُرْفَعُ فَالرَّفْعُ حِسًّا كَالْبِنَاءِ ، وَحُكْمًا كَالتَّطْهِيرِ وَالتَّنْظِيفِ ، وَكَمَا تَطْهُرُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا مُطَهَّرَةٌ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، لِقَوْلِهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا الْمَسَاجِدُ كُلُّهَا ، ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ لِنُورِهِ بِالزَّيْتِ الَّذِي يَتَوَقَّدُ مِنْهُ الْمِصْبَاحُ فِي الْبُقْعَةِ الْمُكَرَّمَةِ ، وَهِيَ الْمَسَاجِدُ ، تَتْمِيمًا لِتَشْرِيفِ الْمَثَلِ بِالْمَثَلِ وَجَلَالِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ الْمَسَاجِدِ جُمَلًا
عَظِيمَةً تَرْبُو عَلَى الْمَأْمُولِ فِيهِ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ كَانَ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ يَدْعُوهُ إلَى [ التَّحَاكُمِ عِنْدَ ] النَّبِيِّ ، وَكَانَ الْمُنَافِقُ يَدْعُوهُ إلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، وَقَالَ : إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنَا ، وَكَانَ الْمُنَافِقُ إذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَقُّ دَعَا إلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ، وَإِذَا كَانَ لَهُ الْحَقُّ دَعَاهُ إلَيْهِ لِيَسْتَوْفِيَهُ لَهُ ؛ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إذَا كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُعَاهِدِ وَالْمُسْلِمِ أَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا حَقَّ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ فَذَلِكَ إلَيْهِمَا ، فَإِذَا جَاءَ قَاضِي الْإِسْلَامِ فَإِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُسْتَوْفًى ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ الدَّعْوَى إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَمَّ مَنْ دُعِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فَلَمْ يُجِبْ بِأَقْبَحَ الْمَذَمَّةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ حَدَّ الْوَاجِبِ مَا ذُمَّ تَارِكُهُ شَرْعًا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو الْأَشْعَثِ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ دُعِيَ إلَى حَاكِمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ ، وَلَا حَقَّ لَهُ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَهُوَ ظَالِمٌ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا حَقَّ لَهُ فَلَا يَصِحُّ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } يَعْنِي غَايَةَ أَيْمَانِهِمْ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجِهَادِ ثُمَّ يَعْتَذِرُونَ ، فَإِذَا عُوتِبُوا قَالُوا : لَوْ أَمَرْتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَخَرَجْنَا ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَا تُقْسِمُوا ، ثُمَّ قَالَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ } وَفِيهَا ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ : الْأَوَّلُ : طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أَمْثَلُ .
الثَّانِي : طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَكُمْ فِيهَا الْكَذِبُ ، أَيْ هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ قَوْلًا ، بَاطِلَةٌ قَطْعًا ؛ لَا يَفْعَلُونَهَا إلَّا إذَا أَمَرْتَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُؤْمَرُوا مَا فَعَلُوا .
الثَّالِثُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : مَعْنَى قَوْلِهِ : طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ يَعْنِي لَيْسَتْ لَكُمْ طَاعَةٌ .
وَقَدْ قُرِئَتْ " طَاعَةً " بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَيَكُونُ قَوْلُ طَاعَةٍ مَنْصُوبَةً ابْتِدَاءَ كَلَامٍ ، وَيَرْجِعُ الْمَعْنَى فِيهِ إلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ ، إلَّا أَنَّ الْإِعْرَابَ يَخْتَلِفُ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفُنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَا إلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَتَضْيِيقِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَمَا يَلْقَوْنَ مِنْ الْأَذَى ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِالْوَعْدِ الْجَمِيلِ لَهُمْ ، فَأَنْجَزَهُ اللَّهُ ، وَمَلَّكَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ ، وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ .
وَرَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ قَالَ : { مَكَثَ النَّبِيُّ عَشْرَ سِنِينَ خَائِفًا يَدْعُو اللَّهَ سِرًّا وَجَهْرًا ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَمَكَثَ بِهَا وَأَصْحَابُهُ خَائِفِينَ يُصْبِحُونَ فِي السِّلَاحِ وَيُمْسُونَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَا يَأْتِي عَلَيْنَا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ، وَنَضَعُ عَنَّا السِّلَاحَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا لَا تَعْبُرُونَ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ مِنْ الْمَلَأِ الْعَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ بِيَدِهِ حَدِيدَةٌ } ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ مَالِكٌ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلَى آخِرِهَا .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الْآيَةُ وَعْدُ حَقٍّ وَقَوْلُ صِدْقٍ ، يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُمْ أَحَدٌ فِي الْفَضِيلَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، فَأُولَئِكَ مَقْطُوعٌ بِإِمَامَتِهِمْ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ .
وَصَدَقَ وَعْدُ اللَّهِ فِيهِمْ ، وَكَانُوا عَلَى الدِّينِ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ؛ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لَهُمْ ، وَقَامُوا بِسِيَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَذَبُّوا عَنْ حَوْزَةِ الدِّينِ ، فَنَفَذَ الْوَعْدُ فِيهِمْ ، وَصَدَقَ الْكَلَامُ فِيهِمْ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْوَعْدُ بِهِمْ يُنْجَزُ ، وَفِيهِمْ نَفَذَ ، وَعَلَيْهِمْ وَرَدَ فَفِيمَنْ يَكُونُ إذَنْ ؟ وَلَيْسَ بَعْدَهُمْ مِثْلُهُمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا ، وَلَا يَكُونُ فِيمَا بَعْدَهُ .
قَامَ أَبُو بَكْرٍ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ ، وَاتِّفَاقِ الْخَلْقِ ، وَوَاضِحِ الْحُجَّةِ ، وَبُرْهَانِ الدِّينِ ، وَأَدِلَّةِ الْيَقِينِ ، فَبَايَعَهُ الصَّحَابَةُ ، ثُمَّ اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَلَزِمَتْ الْخِلَافَةُ ، وَوَجَبَتْ النِّيَابَةُ ، وَتَعَيَّنَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ ، ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى ، فَصَارَتْ لِعُثْمَانَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ ، وَالتَّبْجِيلِ الصَّرِيحِ ، وَالْمَسَاقِ الْفَسِيحِ ؛ جَعَلَ الثَّلَاثَةَ أَمْرَهُمْ إلَى ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَفْسَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إلَى مَنْ اخْتَارَهُ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ، فَاخْتَارَ عُثْمَانَ ، وَمَا عَدَلَ عَنْ الْخِيَارِ ، وَقَدَّمَهُ وَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَلَى عَلِيٍّ .
ثُمَّ قُتِلَ عُثْمَانُ مَظْلُومًا فِي نَفْسِهِ ، مَظْلُومًا جَمِيعُ الْخَلْقِ فِيهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا عَلِيٌّ أَخْذًا بِالْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ ، وَانْتِقَالًا مِنْ الْأَوَّلِ إلَى الْأَوَّلِ ، فَلَا إشْكَالَ لِمَنْ جَنَفَ عَنْ الْمُحَالِ أَنَّ التَّنْزِيلَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
ثُمَّ كَمُلَتْ لِحَالِ أَبِي بَكْرٍ فَاتِحَةً وَخَاتِمَةً .
ثُمَّ كَمُلَتْ لِعُمَرَ ، وَكُسِرَ الْبَابُ ، فَاخْتَلَطَ الْخُشَارُ بِاللُّبَابِ ، وَانْجَرَّتْ الْحَالُ مَعَ عُثْمَانَ وَاضِحَةً لِلْعُقَلَاءِ ، مُعْتَرَضًا عَلَيْهَا مِنْ الْحَمْقَى ، ثُمَّ نَفَذَ
الْقَدَرُ بِقَتْلِهِ إيثَارًا لِلْخَلْقِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ، ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ أَحْسَنَ قِيَامٍ لَوْ سَاعَدَهُ النَّقْضُ وَالْإِبْرَامُ ، وَلَكِنَّهُ وَجَدَ الْأُمُورَ نَشْرًا ، وَمَا رَامَ رَتْقَ خَصْمٍ إلَّا انْفَتَقَ عَلَيْهِ خَصْمٌ ، وَلَا حَاوَلَ طَيَّ مُنْتَشِرٍ إلَّا عَارَضَهُ عَلَيْهِ أَشِرُ ، وَنُسِبَتْ إلَيْهِ أُمُورٌ هُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ بَرَاءَةَ الشَّمْسِ مِنْ الدَّنَسِ ، وَالْمَاءِ مِنْ الْقَبَسِ ، وَطَالَبَهُ الْأَجَلُ حَتَّى غَلَبَهُ ، فَانْقَطَعَتْ الْخِلَافَةُ ، وَصَارَتْ الدُّنْيَا مِلْكًا تَارَةً لِمَنْ غَلَبَ ، وَأُخْرَى لِمَنْ خَلَبَ ، حَتَّى انْتَهَى الْوَعْدُ الصَّادِقُ ابْتِدَاؤُهُ وَانْتِهَاؤُهُ .
أَمَّا الِابْتِدَاءُ فَهَذِهِ الْآيَةُ ، وَأَمَّا الِانْتِهَاءُ فَبِحَدِيثِ سَفِينَةَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ حَمْدَانَ عَنْ سَفِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهَ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ } .
قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ لِي سَفِينَةُ : أَمْسِكْ عَلَيْك ، أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ ، وَعُمَرُ عَشْرًا ، وَعُثْمَانُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، وَعَلِيٌّ كَذَا .
قَالَ سَعِيدٌ : قُلْت لِسَفِينَةَ : إنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً .
قَالَ : كَذَبْت اسْتَاءَهُ بَنُو الزَّرْقَاءِ يَعْنِي بَنِي مَرْوَانَ زَادَ فِي رِوَايَةٍ : اُعْدُدْ ؛ أَبُو بَكْرٍ كَذَا ، وَعُمَرُ كَذَا ، وَعُثْمَانُ كَذَا ، وَعَلِيٌّ كَذَا ، وَالْحَسَنُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثُونَ سَنَةً .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ رَجُلًا قَامَ إلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَمَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ .
فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، رَحِمَك اللَّهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ : { إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ } .
وَنَزَلَتْ : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .
} يَمْلِكُهَا بَعْدَك بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ .
قَالَ الْقَاسِمُ رَاوِي
الْحَدِيثِ : فَعَدَدْنَاهَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ ، لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ أَجْلَسَ الْحَسَنَ فِي حِجْرِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَقَالَ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الْوَعْدُ يَصِحُّ لَكُمْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَحْدَهُ ، فَأَمَّا عُمَرُ فَأَيُّ أَمْنٍ مَعَهُ ، وَقَدْ قُتِلَ غِيلَةً .
وَعُثْمَانُ قَدْ قُتِلَ غَلَبَةً ، وَعَلِيٌّ قَدْ نُوزِعَ بِالْجَنْبَةِ وَالْجَلَبَةِ .
قُلْنَا : هَذَا كَلَامٌ جَاهِلٍ غَبِيٍّ أَوْ مُتَهَاوِنٍ ، يَكِنُّ عَلَى نِفَاقٍ خَفِيٍّ ، أَمَّا عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَجَاءَهُمَا أَجَلُهُمَا ، وَمَاتَا مَيْتَتِهُمَا الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمَا ، وَلَيْسَ فِي ضِمْنِ الْأَمْنِ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَوْتِ بِأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ .
وَأَمَّا عَلِيٌّ فَلَمْ يَكُنْ نِزَالُهُ فِي الْحَرْبِ مُذْهِبًا لِلْأَمْنِ ، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْأَمْنِ رَفْعُ الْحَرْبِ ، إنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ مِلْكُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، وَسَلَامَتُهُ عَنْ الْغَلَبَةِ الْمَشْحُونَةِ بِالذِّلَّةِ ، كَمَا كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ بِمَكَّةَ ، فَأَمَّا بَعْدَمَا صَارُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَقَدْ آلُوا إلَى الْأَمْنِ وَالْعِزَّةِ .
فِي الصَّحِيحِ عَنْ { خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَقُلْنَا لَهُ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ، أَلَا تَدْعُو اللَّه لَنَا ؟ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيَمْشُطُهُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمٍ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاَللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلَى حَضْرَمَوْتَ ، لَا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ .
وَلَكِنَّكُمْ
تَسْتَعْجِلُونَ } .
وَحَقِيقَةُ الْحَالِ أَنَّهُمْ كَانُوا مَقْهُورِينَ فَصَارُوا قَاهِرِينَ ، وَكَانُوا مَطْلُوبِينَ فَعَادُوا طَالِبِينَ ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْأَمْنِ وَالْعِزِّ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ قَوْمٌ : إنَّ هَذَا وَعْدٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ فِي مِلْكِ الْأَرْضِ كُلِّهَا تَحْتَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ ، فَأُرِيت مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا } .
قُلْنَا لَهُمْ : هَذَا وَعْدٌ عَامٌّ فِي النُّبُوَّةِ وَالْخِلَافَةِ ، وَإِقَامَةِ الدَّعْوَةِ ، وَعُمُومِ الشَّرِيعَةِ ، بِنَفَاذِ الْوَعْدِ فِي كُلِّ أَحَدٍ بِقَدْرِهِ وَعَلَى حَالٍ ، حَتَّى فِي الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ ؛ وَلَيْسَ لِلْخِلَافِ مَحَلٌّ تَنْفُذُ فِيهِ هَذِهِ الْمَوْعِدَةُ الْكَرِيمَةُ إلَّا مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { لِيَسْتَخْلِفُنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا أَرْضُ مَكَّةَ ، وُعِدَتْ الصَّحَابَةُ أَنْ يَسْتَخْلِفُوا فِيهَا الْكُفَّارَ .
الثَّانِي : أَنَّهَا بِلَادُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ أَرْضَ مَكَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ } يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ .
وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا : { يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا } .
مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ آيَةٌ خَاصَّةٌ ، وَاَلَّتِي قَبْلَهَا عَامَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَعَمَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } ، ثُمَّ خَصَّ هَاهُنَا فَقَالَ : { لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فَخَصَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ الْمُسْتَأْذِنِينَ ، وَهُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآيَة قَبْلَهَا ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا تَنَاوَلَ الْقَوْلُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ عُمُومًا ، وَخَصَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ ، وَهِيَ الْمُفَسَّرَةُ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْلِهِ : { مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ الذُّكْرَانُ وَالْإِنَاثُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْعَبْدُ دُونَ الْأَمَةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُنَّ الْإِنَاثُ ؛ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَلْ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : هِيَ مُحْكَمَةٌ يَعْنِي فِي الرِّجَالِ خَاصَّةً .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ ذَهَبَ حُكْمُهَا ؛ رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالُوا : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا ، فَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ ؛ قَوْلِ اللَّهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَقَرَءُوهَا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { عَلَى بَعْضٍ } ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ .
وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ ، فَجَاءَهُمْ اللَّهُ بِالسُّتُورِ ، وَالْخَيْرِ ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا بِمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ أَنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ ، وَمِنْ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِنَاظِرٍ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ؟
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْحُجْبَةَ وَاقِعَةٌ مِنْ الْخَلْقِ شَرْعًا ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ حَتَّى يَخْلُصَ بِهِ الْمَحْجُورُ مِنْ الْمُطْلَقِ ، وَالْمَحْظُورُ مِنْ الْمُبَاحِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } .
ثُمَّ قَالَ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ ، فَاسْتَثْنَى مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ مِنْ الْمَحْجُورِ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فِي مِلْكِ الْيَمِينِ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ الثَّلَاثَةَ ؛ فَالْعَبْدُ إذَا كَانَ وَغْدًا ، أَوْ ذَا مَنْظَرَةٍ ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْحُجْبَةِ عَلَى صِفَةٍ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ الثَّلَاثَةَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا عَبْدٌ كَيْفَمَا كَانَ وَلَا أَمَةٌ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } : فَذَكَرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَعِنْدَ الظَّهِيرَةِ ، وَهِيَ الْقَائِلَةُ ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَهِيَ أَوْقَاتُ الْخَلْوَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهِ التَّصَرُّفُ بِخِلَافِ اللَّيْلِ كُلِّهِ ، فَإِنَّهُ وَقْتُ خَلْوَةٍ ، وَلَكِنْ لَا تَصَرُّفَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُسْتَغْرِقٌ بِنَوْمِهِ ، وَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ أَوْقَاتُ خَلْوَةٍ وَتَصَرُّفٍ ، فَنُهُوا عَنْ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنِ لِئَلَّا يُصَادِفُوا مَنْظَرَةً مَكْرُوهَةً .
وَفِي الصَّحِيحِ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي كَذَا وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : لَا أَدْخُلُ } .
وَعَنْ عَائِشَةَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ آخِرَهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ ، فَإِنْ كَانَتْ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ ، وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَفِي الْآثَارِ التَّفْسِيرِيَّةِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ إلَى عُمَرَ غُلَامًا مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُدْلِجٌ فِي الظَّهِيرَةِ ، فَدَخَلَ عَلَى عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَأَيْقَظَهُ بِسُرْعَةٍ ، فَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ ؛ فَنَظَرَ إلَيْهِ الْغُلَامُ ؛ فَحَزِنَ لَهَا عُمَرُ فَقَالَ : وَدِدْت أَنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ نَهَى عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ إلَّا بِإِذْنِنَا .
ثُمَّ انْطَلَقَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : { صَلَاةِ الْعِشَاءِ } الَّتِي يَدْعُوهَا النَّاسُ الْعَتَمَةَ : وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ } .
قَالَ : وَالْأَعْرَابُ تَقُولُ الْعِشَاءَ ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْعِشَاءَ الْعَتَمَةِ ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا } .
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ } .
وَقَالَ أَنَسٌ : { أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ } .
وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : { أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَتَمَةِ } .
وَقَوْلُ أَنَسٍ فِي الْبُخَارِيِّ : " الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ يَدُلُّ عَلَى الْعِشَاءِ الْأُولَى " .
وَفِي الْحَدِيثِ : { لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْعِشَاءِ يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ } ؛ لِأَنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِحِلَابِ الْإِبِلِ .
وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ لَا يُعْلَمُ مِنْهَا الْأَوَّلُ مِنْ الْآخِرِ بِالتَّارِيخِ ، لَكِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ بِذَاتِهِ يُبَيِّنُ وَقْتَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَسْمِيَةِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عِشَاءً ، وَعَنْ تَسْمِيَةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ عَتَمَةً ثَابِتٌ ؛ فَلَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَمَّنْ عَدَاهُمْ .
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : مَنْ قَالَ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ فَقَدْ أَثِمَ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : { وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ } فَاَللَّهُ سَمَّاهَا صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، فَأَحَبَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُسَمَّى بِمَا سَمَّاهَا بِهِ اللَّهُ ، وَيُعَلِّمُهَا الْإِنْسَانُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ ، وَلَا يَقُلْ عَتَمَةً إلَّا عِنْدَ خِطَابِ مَنْ لَا يَفْهَمُ ، وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ : وَكَانَ لَا
===============================================ج17.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مِنْ لَطِيفٍ يُؤَرِّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ } : الْعَوْرَةُ كُلُّ شَيْءٍ لَا مَانِعَ دُونَهُ .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أَيْ سَهْلَةُ الْمَدْخَلِ ، لَا مَانِعَ دُونَهَا ، فَبَيَّنَ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْإِذْنِ ، وَهِيَ الْخَلْوَةُ فِي حَالِ الْعَوْرَةِ ، فَتَعَيَّنَ امْتِثَالُهُ ، وَتَعَذَّرَ نَسْخُهُ ، ثُمَّ رُفِعَ الْجُنَاحُ بَعْدَهُنَّ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ الْمَيْلُ بِالْعِتَابِ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى الْفَاعِلِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : ثُمَّ بَيَّنَ الْعِلَّةَ الْأَصْلِيَّةَ وَالْحَالَةَ الْأَهْلِيَّةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } : أَيْ مُتَرَدِّدُونَ عَلَيْكُمْ فِي الْخِدْمَةِ ، وَمَا لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُ مِنْهُمْ ؛ فَسَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ ذَلِكَ ، وَزَالَ الْمَانِعُ ، { كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِرَّةِ حِينَ أَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ : إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوْ الطَّوَّافَاتِ } .
وَذَلِكَ مُسْقِطٌ لِحُكْمِ سُؤْرِهَا فِي مُبَاشَرَتِهَا النَّجَاسَةَ وَحَمْلِهَا أَبَدًا عَلَى الطَّهَارَةِ ، إلَّا أَنْ يَرَى فِي فَمِهَا أَذًى .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَقَوْلُهُ : { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } يُرِيدُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الْمُخَالَطَةِ وَالْمُلَابَسَةِ ؛ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِئْذَانُ لَهُمْ عَلَيْكُمْ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِمْ ، كَمَا ارْتَفَعَ الْجُنَاحُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ، مِنْهُمْ لَكُمْ ، وَمِنْكُمْ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ } الْمَعْنَى يُبَيِّنُ اللَّهُ الْآيَاتِ الدَّالَّهَ عَلَى الْمُعْجِزَةِ وَالتَّوْحِيدِ ، كَمَا يُبَيِّنُ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى الْأَحْكَامِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مَا يَدُلُّ الشَّرْعُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ بِأَوْضَحِ بَيَانٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ مَعَ أَهْلِهِ وَفَخِذُهُ مُنْكَشِفَةٌ وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ { وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَنَّهُ قَالَ : جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا وَفَخِذِي مُنْكَشِفَةٌ ، فَقَالَ : خَمِّرْ عَلَيْك ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ ، وَقَدْ غَطَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ دُخُولِ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُنْكَشِفَةً مِنْ جِهَتِهِ الَّتِي جَلَسَ مِنْهَا } .
وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ : { إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ } .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَرْهَدًا لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَرِيضًا ، وَلَيْسَ الْفَخِذُ عَوْرَةً .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : هَذِهِ الْآيَةُ مُبَيِّنَةٌ قَوْلَهُ : { أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } ، فَكَانَ الطِّفْلُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْحُجْبَةِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَوْرَةِ ؛ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ الطِّفْلَ إذَا ظَهَرَ عَلَى الْعَوْرَةِ ، وَهُوَ بِالْبُلُوغِ ، يَسْتَأْذِنُ ، وَقَدْ كَانَ قَوْلُهُ : { أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } كَافِيًا لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى طِفْلٌ بِصِفَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ ، وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى الْحَجْرِ ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ زِيَادَةَ بَيَانٍ ؛ لِإِبَانَةِ اللَّهِ فِي أَحْكَامِهِ وَإِيضَاحِ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { الْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ } : جَمْعُ قَاعِدٍ بِغَيْرِ هَاءٍ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَاعِدَةِ مِنْ الْجُلُوسِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ .
وَهُنَّ اللَّوَاتِي قَعَدْنَ عَنْ الْحَيْضِ وَعَنْ الْوَلَدِ ، فَلَيْسَ فِيهِنَّ رَغْبَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ الْقَلْبُ فِي نِكَاحٍ ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ بِخِلَافِ الشَّبَابِ مِنْهُنَّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : جِلْبَابَهُنَّ ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَعْنِي بِهِ الرِّدَاءَ أَوْ الْمِقْنَعَةَ الَّتِي فَوْقَ الْخِمَارِ تَضَعُهُ عَنْهَا إذَا سَتَرَهَا مَا بَعْدَهُ مِنْ الثِّيَابِ .
وَالثَّانِي : تَضَعُ خِمَارَهَا ، وَذَلِكَ فِي بَيْتِهَا ، وَمِنْ وَرَاءِ سِتْرِهَا مِنْ ثَوْبِ أَوْ جِدَارٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ يَعْنِي وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : غَيْرُ مُظْهِرَاتٍ لِمَا يُتَطَلَّعُ إلَيْهِ مِنْهُنَّ ، وَلَا مُتَعَرِّضَاتٍ بِالتَّزْيِينِ لِلنَّظَرِ إلَيْهِنَّ ، وَإِنْ كُنَّ لَيْسَ بِمَحَلِّ ذَلِكَ مِنْهُنَّ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْقَوَاعِدَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِنَّ لِانْصِرَافِ النُّفُوسِ عَنْهُنَّ ، وَلَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بِالتَّسَتُّرِ الْكَامِلِ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِ الْمُبَاحِ لَهُنَّ مِنْ وَضْعِ الثِّيَابِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مِنْ التَّبَرُّجِ أَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ ثَوْبًا رَقِيقًا يَصِفُهَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { رُبَّ نِسَاءٍ كَاسِيَاتٍ عَارِيَّاتٍ ، مَائِلَاتٍ مُمِيلَاتٍ ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا } .
وَإِنَّمَا جَعَلَهُنَّ كَاسِيَاتٍ ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ عَلَيْهِنَّ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُنَّ بِعَارِيَّاتٍ لِأَنَّ الثَّوْبَ إذَا رَقَّ يَكْشِفُهُنَّ ؛ وَذَلِكَ حَرَامٌ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ إذَا دُعُوا إلَى طَعَامٍ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَ هَؤُلَاءِ مِنْ طَعَامٍ وَاحِدٍ ، وَيَقُولُونَ : الْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ طَيِّبَ الطَّعَامِ ، وَالْأَعْرَجُ لَا يَسْتَطِيعُ الزِّحَامَ عِنْدَ الطَّعَامِ ، وَالْمَرِيضُ يَضْعُفُ عَنْ مُشَارَكَةِ الصَّحِيحِ فِي الطَّعَامِ ، وَكَانُوا يَعْزِلُونَ طَعَامَهُمْ مُفْرَدًا ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ أَفْضَلُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ، وَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنْهُمْ فِي مُؤَاكَلَتِهِمْ ؛ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّ أَهْلَ الزَّمَانَةِ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ أَهَالِيِهِمْ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ كَانُوا إذَا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنُونَ فِي الْجِهَادِ وَضَعُوا مَفَاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلَّةِ مِمَّنْ يَتَخَلَّفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عِنْدَ الْأَعْمَى ، وَالْأَعْرَجِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَعِنْدَ أَقَارِبِهِمْ ، وَكَانُوا يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ
بُيُوتِهِمْ إذَا احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ ، فَكَانُوا يَتَّقُونَهُ وَيَقُولُونَ : نَخْشَى أَلَّا تَكُونَ نُفُوسُهُمْ بِذَلِكَ طَيِّبَةً ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ يَحِلُّهُ لَهُمْ .
الرَّابِعُ : أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ } .
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَالطَّعَامُ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَمْوَالِ ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ ، فَكَفَّ النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } وَهُوَ الرَّجُلُ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ بِضَيْعَتِهِ .
الْخَامِسُ : مَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّمْنَى فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ قَائِدُهُ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ كَانَتْ الْبُيُوتُ لَا أَبْوَابَ لَهَا وَالسُّتُورُ مُرْخَاةٌ ، وَالْبَيْتُ يُدْخَلُ ، فَرُبَّمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَحَدٌ ، وَالْبُيُوتُ الْيَوْمَ فِيهَا أَهْلُهَا ، فَإِذَا خَرَجُوا أَغْلَقُوهَا .
السَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَوَازِ مُبَايَعَةِ الزَّمْنَى ، وَمُعَامَلَتِهِمْ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ .
الثَّامِنُ : قَالَ الْحَسَنُ : قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } : نَفْيٌ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ .
وقَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ : { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } يَعْنِي وَلَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَ مُخَاطَبٌ وَغَيْرُ مُخَاطَبٍ غَلَبَ الْمُخَاطَبُ لِيَنْتَظِمَ الْكَلَامُ .
وَكَانَ الْمَعْنَى يُرَادُ بِهِ جَمِيعُ مَنْ ذُكِرَ : مِنْ الْأَعْمَى ، وَالْأَعْرَجِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَأَصْحَابِ الْبُيُوتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بُيُوتِكُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : الْأَوَّلُ : يَعْنِي مِنْ أَمْوَالِ عِيَالِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي بَيْتِهِ .
الثَّانِي : مِنْ بُيُوتِ أَوْلَادِكُمْ ، وَنُسِبَتْ أَوْلَادُهُمْ إلَيْهِمْ لِمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ : { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .
وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ بُيُوتَ الْأَبْنَاءِ حِينَ ذَكَرَ بُيُوتَ الْآبَاءِ وَالْأَقَارِبِ ، لِدُخُولِهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْأَنْفُسِ ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبُيُوتُ الَّتِي أَهْلُوهَا وَسَاكِنُوهَا خَدَمَةٌ لِأَصْحَابِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ } فَأَبَاحَ الْأَكْلَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ فِي الْأَكْلِ إذَا كَانَ الطَّعَامُ مَبْذُولًا .
فَإِنْ كَانَ مُحْرَزًا دُونَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزُوا إلَى الِادِّخَارِ ، وَلَا إلَى مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ عَنْهُمْ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُمْ ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ عَنَى بِهِ وَكِيلَ الرَّجُلِ عَلَى ضَيْعَتِهِ ، وَخَازِنَهُ عَلَى مَالِهِ ؛ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا هُوَ قَيِّمٌ عَلَيْهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَنْزِلَ الرَّجُلِ نَفْسِهِ ، يَأْكُلُ مِمَّا ادَّخَرَهُ فِيهِ ، وَهَذَا
قَوْلُ قَتَادَةَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَكْلَ السَّيِّدِ مِنْ مَنْزِلِ عَبْدِهِ وَمَالِهِ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ؛ حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ صَدِيقِكُمْ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَأْكُلَ مِنْ بَيْتِ صَدِيقِهِ فِي وَلِيمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ حَاضِرًا غَيْرَ مُحْرَزٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَالْأَصْدِقَاءُ أَكْثَرُ مِنْ الْآبَاءِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَهَنَّمِيِّينَ لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ ، وَإِنَّمَا قَالُوا : { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي تَنْقِيحِ مَعَانِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسَائِلِ السَّبْعَةِ : وَذَلِكَ يَكُونُ بِنَظْمِ التَّأْوِيلِ فِي الْأَقْوَالِ عَلَى سَرْدٍ ، فَيَتَبَيَّنُ الْمَعْنَى الْمُسْتَقِيمُ مِنْ غَيْرِهِ .
أَمَّا إنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْحَسَنِ مِنْ أَنَّ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ الزَّمْنَى مَقْطُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الْأَوَّلِ : إنَّ الْأَنْصَارَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَأْكُلُوا مَعَهُمْ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ الْمَعْنَى : لَيْسَ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ حَرَجٌ ، فَأَمَّا أَنْ يَتَحَرَّجَ غَيْرُهُمْ مِنْهُمْ ، وَيَنْفِي الْحَرَجَ عَنْهُمْ فَهُوَ قَلْبٌ لِلْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قُلْ وَلَا رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فِي نَقْلٍ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَإِنَّهُ كَلَامٌ يَنْتَظِمُ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنْ أَصْحَابِ الزَّمَانَةِ وَعَمَّنْ سِوَاهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ فَهُوَ كَلَامٌ مُنْتَظِمٌ ، وَلَكِنْ بَقِيَ وَجْهُ الْفَائِدَةِ فِي تَخْصِيصِ أَهْلِ الزَّمَانَةِ بِالذِّكْرِ ، مَعَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا } يَكْفِي فِي تَخْصِيصِهِمْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُمْ بِضَرَارَتِهِمْ أَحَقُّ مِنْ الْأَصِحَّاءِ بِالْمُوَاسَاةِ وَالْمُشَارَكَةِ .
وَأَمَّا رِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَهُوَ أَيْضًا كَلَامٌ مُنْتَظِمٌ ، لِأَجْلِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُمْ فِي الْجِهَادِ ، وَبَقَاءِ أَمْوَالِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ ، لَكِنْ قَوْلُهُ : { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ } قَدْ اقْتَضَاهُ وَأَفَادَهُ ، فَأَيُّ مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ ، فَكَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ بَعِيدٌ جِدًّا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } فَيَنْتَظِمُ مَعْنًى ، لَكِنْ ذِكْرُ الزَّمَانَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ وَلَا مُنْتَظِمٍ مَعَهُ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْخَامِسُ فِي أَكْلِ الْأَصِحَّاءِ مَعَ الزَّمْنَى فَذَلِكَ مَدْخُولٌ بِمَا دَخَلَ بِهِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، مِنْ أَنَّ نِظَامَ الْكَلَامِ فِي نَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ النَّاسِ فِي الزَّمْنَى عَنْ الزَّمْنَى فِيهِمْ .
وَأَمَّا السَّادِسُ فَحَسَنٌ جِدًّا ، وَكَذَلِكَ السَّابِعُ مِثْلُهُ لَوْ عَضَّدَتْهُ صِحَّةُ النَّقْلِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ اللَّهَ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنْ الْأَعْمَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْبَصَرُ ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ الْمَشْيُ ، وَمَا يَتَعَذَّرُ مِنْ الْأَفْعَالِ مَعَ وُجُودِ الْحَرَجِ ، وَعَنْ الْمَرِيضِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي يُؤَثِّرُ الْمَرَضُ فِي إسْقَاطِهِ كَالصَّوْمِ ، وَشُرُوطِ الصَّلَاةِ ، وَأَرْكَانِهَا ، وَالْجِهَادِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ مُبَيِّنًا : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ حَرَجٌ فِي أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ ، وَتَفْسِيرٌ مُفِيدٌ ، لَا يُفْتَقَرُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ إلَى نَقْلٍ ، وَيُعَضِّدُهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ ؛ فَأَمَّا الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْأَزْوَاجِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِلزَّوْجَةِ فِيمَا لَيْسَ بِمَحْجُوبٍ عَنْهَا ، وَلَا مُحْرَزٍ مِنْهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ ، وَلِلزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ } .
وَأَمَّا مَا كَانَ مُحْرَزًا
عَنْهَا فَلَا سَبِيلَ لَهَا إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ زَوْجِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ ، لَكِنْ الزَّوْجَةُ أَبْسَطُ ، لِمَا لَهَا مِنْ حَقِّ النَّفَقَةِ ، وَلِمَا يَلْزَمُهَا مِنْ خِدْمَةِ الْمَنْفَعَةِ .
وَأَمَّا بَيْتُ الِابْنِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَبَيْتِ الْمَرْءِ نَفْسِهِ ، لَكِنْ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ ، فَلَا يَتَبَسَّطُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ فِي هَتْكِ حِرْزٍ وَأَخْذِ مَالٍ ؛ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ مُسْتَرْسِلًا فِيمَا لَمْ يَقَعْ فِيهِ حِيَازَةٌ ، وَلَكِنْ بِالْمَعْرُوفِ دُونَ فَسَادٍ وَلَا اسْتِغْنَامٍ وَأَمَّا بَيْتُ الْأَبِ لِلِابْنِ فَمِثْلُهُ ، وَلَكِنْ تَبَسُّطُ الِابْنِ أَقَلُّ مِنْ تَبَسُّطِ الْأَبِ ، كَمَا كَانَ تَبَسُّطُ الزَّوْجِ أَقَلَّ مِنْ تَبَسُّطِ الزَّوْجَةِ .
وَأَمَّا بُيُوتُ سَائِرِ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْآيَةِ فَلَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .
وَأَمَّا بَيْتٌ مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ فَهُوَ الْوَكِيلُ قَالَ النَّبِيُّ : { الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ } .
وَلَا بُدَّ لِلْخَازِنِ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَخْزُنُ إجْمَاعًا ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ ، فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْخَزْنِ حَرُمَ الْأَكْلُ .
وَأَمَّا مَالُ الْعَبْدِ فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ : ( بُيُوتِكُمْ ) لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مَنْزِلُ الرَّجُلِ نَفْسِهِ فَخَطَأٌ مَحْضٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ أَفَادَهُ قَوْلُهُ : ( بُيُوتِكُمْ ) ، كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ بَيْتَ الِابْنِ يَدْخُلُ فِيهِ ؛ فَبَيْتُ الْعَبْدِ أَوْلَى وَأَحْرَى بِإِجْمَاعٍ .
وَأَمَّا بَيْتُ الصَّدِيقِ ، فَإِنَّهُ إذَا اسْتَحْكَمَتْ الْأُخُوَّةُ جَرَى التَّبَسُّطُ عَادَةً ، وَفِي الْمَثَلِ : أَيُّهُمْ أَحَبُّ إلَيْك أَخُوكَ أَمْ صَدِيقُكَ ؟ قَالَ : أَخِي إذَا كَانَ صَدِيقِي .
قَالَ لَنَا الْإِمَامُ الْعَادِلُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَوْقٍ قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ إمَامُ الصُّوفِيَّةِ فِي وَقْتِهِ : عَزِيزٌ مِنْ يَصْدُقُ فِي الصَّدَاقَةِ ،
فَيَكُونُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَا يَكُونُ فِي الْوَجْهِ كَالْمِرْآةِ وَمِنْ وَرَائِك كَالْمِقْرَاضِ ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا قُلْت : مَنْ لِي بِمَنْ يَثِقُ الْفُؤَادُ بِوُدِّهِ وَإِذَا تَرَحَّلَ لَمْ يَزِغْ عَنْ عَهْدِهِ يَا بُؤْسَ نَفْسِي مِنْ أَخٍ لِي بَاذِلٍ حُسْنَ الْوَفَاءِ بِقُرْبِهِ لَا بُعْدِهِ يُولِي الصَّفَاءَ بِنُطْقِهِ لَا خُلْقِهِ وَيَدُسُّ صَابًا فِي حَلَاوَةِ شَهْدِهِ فَلِسَانُهُ يُبْدِي جَوَاهِرَ عِقْدِهِ وَجَنَانُهُ تُغْلِي مَرَاجِلَ حِقْدِهِ لَاهُمَّ إنِّي لَا أُطِيقُ فِرَاسَةً بِك أَسْتَعِيذُ مِنْ الْحَسُودِ وَكَيْدِهِ
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فِي تَمَامِ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بَنِي كِنَانَةَ ؛ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُقِيمُ عَلَى الْجُوعِ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُؤَاكِلُهُ ، وَكَانَتْ هَذِهِ السِّيرَةُ مَوْرُوثَةً [ عِنْدَهُمْ ] عَنْ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مَعَ غَيْرِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ الْعَرَبِ كَانُوا إذَا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ تَحَرَّجُوا عَنْ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ حَتَّى يَأْكُلُوا مَعَهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا ، وَيَقُولُ الرَّجُلُ : آكُلُ وَحْدِي .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُسَافِرِينَ يَخْلِطُونَ أَزْوِدَتَهُمْ ، فَلَا يَأْكُلُ حَتَّى يَأْتِيَ الْآخَرُ ، فَأُبِيحَ ذَلِكَ لَهُمْ .
وَهَذَا الْقَوْلُ تَضَمَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَ الْآخَرِ ، وَلِلْجَمَاعَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُمْ لَا يَنْضَبِطُ ، فَقَدْ يَأْكُلُ الرَّجُلُ قَلِيلًا وَالْآخَرُ كَثِيرًا ، وَقَدْ يَأْكُلُ الْبَصِيرُ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْكُلُ الْأَعْمَى ، فَنَفَى اللَّهُ الْحَرَجَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَبَاحَ لِلْجَمِيعِ الِاشْتِرَاكَ فِي الْأَكْلِ عَلَى الْمَعْهُودِ ، مَا لَمْ يَكُنْ قَصْدًا إلَى الزِّيَادَةِ ، عَلَى مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ } .
وَهَذَا هُوَ النِّهْدُ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْقَوْمُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُشْتَرًى مِنْهُمْ ، أَوْ كَانَ بِخَلْطِهِمْ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ طَعَامَ ضِيَافَةٍ أَوْ وَلِيمَةٍ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ؛ لَا سِيَّمَا وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ طَعَامَ الضِّيَافَةِ وَالْوَلِيمَةِ يَأْكُلُهُ الْحَاضِرُونَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ
عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ تَجُزْ التَّغْدِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَنَا فِي طَعَامِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي النِّهْدِ حَدِيثَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَمْعِ الْأَزْوَادِ ، وَكَانَ يُغَدِّيهِمْ كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَةً تَمْرَةً .
وَحَدِيثَ عُمَرَ فِي نَحْرِ الْإِبِلِ وَمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَادَ الْجَيْشِ ، وَبَرَّكَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ احْتَثَى كُلُّ أَحَدٍ فِي مِزْوَدِهِ وَوِعَائِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْوِيَةٍ ، حَتَّى فَرَغُوا ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْخُرُوجِ ، يُقَالُ : نَهَدَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ ، وَنَهَدَ الْقَوْمُ لِغَزْوِهِمْ ، وَنَهَدَ الْجَمَاعَةُ : إذَا أَخْرَجُوا طَعَامًا أَوْ مَالًا ، ثُمَّ جَمَعُوهُ ، وَأَكَلُوا أَوْ أَنْفَقُوا مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } فِي الْبُيُوتِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا الْبُيُوتُ كُلُّهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا الْمَسَاجِدُ .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ، لِعُمُومِ الْقَوْلِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : سَلِّمُوا عَلَى أَهَالِيكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : إذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ غَيْرِكُمْ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
[ الثَّالِثُ : إذَا دَخَلْتُمْ الْمَسَاجِدَ فَسَلِّمُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ ضَيْفِكُمْ ] .
الرَّابِعُ : إذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَارِغَةً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، قُولُوا : السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فِي الْمُخْتَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } فَنَصَّ عَلَى بُيُوتِ الْغَيْرِ ، ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أَيْ لِيُسَلِّمَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ الْحُكْمَ فِي بُيُوتِ الْغَيْرِ ، لِيَدْخُلَ تَحْتَ هَذَا الْعُمُومِ كُلُّ بَيْتٍ ، كَانَ لِلْغَيْرِ أَوْ لِنَفْسِهِ ، وَقَالَ : { عَلَى أَنْفُسِكُمْ } لِيَتَنَاوَلَ اللَّفْظُ سَلَامَ الْمَرْءِ عَلَى عَيْنِهِ ، وَلِيَأْخُذَ الْمَعْنَى سَلَامَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا دَخَلَ بَيْتًا لِغَيْرِهِ اسْتَأْذَنَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا لِنَفْسِهِ سَلَّمَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
وَهَذَا إذَا كَانَ فَارِغًا ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَخَدَمُهُ فَلْيَقُلْ : " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " فَإِنَّهُمْ أَهْلٌ لِلتَّحِيَّةِ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا فَلْيَقُلْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ } .
وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ عُمَرَ الْبَيْتَ الْفَارِغَ .
وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ إذَا كَانَ الْبَيْتُ فَارِغًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّلَامُ
فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْمَلَكَ فَالْمَلَائِكَةُ لَا تُفَارِقُ الْعَبْدَ بِحَالٍ ، أَمَّا إنَّهُ إذَا دَخَلْت بَيْتَكَ يُسْتَحَبُّ لَك ذِكْرُ اللَّهِ بِمَا قَدْ شَرَحْنَاهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ بِأَنْ يَقُولَ : { مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ } .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ الَّذِي شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ ، وَأَوْضَحْنَا مَجْرَاهُ ، وَمِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ سَلَامَ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ النِّسَاءُ يُسَلِّمْنَ عَلَى الرِّجَالِ ، وَلَا يُسَلِّمُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ .
وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّهَا خُلْطَةٌ وَتَعَرُّضٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُتَجَالَّةً ؛ إذْ الْخُلْطَةُ لَا تَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْمُنْتَهَى .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ : وَالْمُرَادُ بِمَا فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَمْرَ الْجَامِعَ الْجُمُعَةُ ، وَالْعِيدَانِ ، وَالِاسْتِسْقَاءُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ الْخُلْطَةُ ؛ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كُلُّ طَاعَةٍ لِلَّهِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْجِهَادُ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنَّمَا كَانَتْ فِي حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
وَاَلَّذِي بَيَّنَ ذَلِكَ أَمْرَانِ صَحِيحَانِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا : فَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتَلَوَّذُونَ ، وَيَخْرُجُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ ، وَيَتْرُكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ بِأَلَّا يَخْرُجَ [ أَحَدٌ ] حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ إيمَانُهُ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } فَأَيُّ إذْنٍ فِي الْحَدَثِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ خِيَارٌ فِي مَنْعِهِ وَلَا إبْقَائِهِ ، وَقَدْ قَالَ : { فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ } فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْحَرْبِ الَّتِي يُؤْثَرُ فِيهَا التَّفَرُّقُ أَمَّا إنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ
بِقُوَّةِ مَعْنَاهَا عَلَى أَنَّ مَنْ حَضَرَ جَمَاعَةً لَا يَخْرُجُ إلَّا لِعُذْرٍ بَيِّنٍ أَوْ بِإِذْنٍ قَائِمٍ مِنْ مَالِكِ الْجَمَاعَةِ وَمُقَدِّمِهَا ؛ وَبِذَلِكَ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ كَانَ لِغَرَضٍ ، فَمَا لَمْ يَتِمَّ الْغَرَضُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّفَرُّقِ أَصْلٌ ، وَإِذَا كَمُلَ الْغَرَضُ جَازَ التَّفَرُّقُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا اسْتَأْذَنُوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْت مِنْهُمْ } فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَذِنَ لَهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ ضَرُورَةً لِلْمُسْتَأْذِنِ ، وَلَمْ يَرَ فِيهِ مَضَرَّةً عَلَى الْجَمَاعَةِ ، أَذِنَ بِنَظَرٍ ، أَوْ مَنَعَ بِنَظَرٍ .
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ الرَّجُلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذَا رَعَفَ أَوْ أَحْدَثَ يَجْعَلُ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ ، وَيُشِيرُ إلَى الْإِمَامِ فَيُشِيرُ لَهُ الْإِمَامُ بِيَدِهِ أَنْ اُخْرُجْ .
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانُوا يَسْتَأْذِنُونَ الْإِمَامَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ قَالَ زِيَادٌ : مَنْ جَعَلَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ فَلْيَخْرُجْ دُونَ إذْنٍ .
وَقَدْ كَانَ هَذَا بِالْمَدِينَةِ ، حَتَّى إنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ رَعَفَ يَوْمًا فِي الْجُمُعَةِ فَاسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، إذْ لَا إذْنَ فِيهِ ، وَلَا خِيرَةَ وَلَا مَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ صَاحِبُهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ ، فَيَخْرُجُ إذَا شَاءَ ، وَيَجْلِسُ إذَا شَاءَ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ } فِيهِ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ ، وَهِيَ أَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ يُضَافُ إلَى الْمَفْعُولِ ، كَمَا يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ ، تَقُولُ : أَعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ عَمْرُو ، عَلَى الْأَوَّلِ ، كَمَا تَقُولُ : كَرِهْت ضَرْبَ زَيْدٍ عَمْرًا ، عَلَى الثَّانِي .
وَقَدْ جَهِلَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ هَذَا الْمِقْدَارَ ، فَعَقَدَ فَصْلًا فِي تَرْغِيبِ النَّاسِ فِي الدُّعَاءِ قَالَ فِيهِ : فَاهْتَبِلُوا بِالدُّعَاءِ ، وَابْتَهِلُوا بِرَفْعِ أَيْدِيكُمْ إلَى السَّمَاءِ ، وَتَضَرَّعُوا إلَى مَالِكِ أَزِمَّةِ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } وَأَرَادَ لَوْلَا سُؤَالُكُمْ إيَّاهُ ، وَطَلَبُكُمْ مِنْهُ ، وَرَأَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَى فَاعِلٍ .
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَى الْمَفْعُولِ .
وَالْمَعْنَى قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْكُفَّارِ : مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ إلَيْكُمْ ، وَتَبْيِينِ الْأَدِلَّةِ لَكُمْ ، فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ عَذَابُكُمْ لِزَامًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْإِضَافَةِ هَاهُنَا إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ ، وَيَكُونُ لِذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ : أَحَدُهَا : لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ بَيْنَكُمْ ، فَإِنَّ إجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ ، وَلَيْسَتْ إجَابَتُكُمْ وَاجِبَةً .
يَعْنِي عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إجَابَةُ الْخَلْقِ بِقَرَائِنَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ الدَّاعِي .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ وُجُوبِ إجَابَةِ دُعَاءِ الرَّسُولِ فِي
سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ احْذَرُوا أَنْ تَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْعُوَ عَلَيْكُمْ ، وَلَيْسَ دُعَاؤُهُ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُ مُجَابَةٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي عَاهَدْت رَبِّي عَهْدًا ، قُلْت : اللَّهُمَّ إنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ لَعَنْتُهُ أَوْ سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ صَلَاةً عَلَيْهِ وَرَحْمَةً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
الْمَعْنَى الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تُسَوُّوا بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَكُمْ فِي الدَّعْوَةِ ، كُلُّ أَحَدٍ يُدْعَى بِاسْمِهِ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُدْعَى بِخُطَّتِهِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ غَفِيرًا : إنَّ الْخَلِيفَةَ يُدْعَى بِهَا ، وَالْأَمِيرَ وَالْمُعَلِّمَ ، وَيُوَفَّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حَظُّهُ مِنْ الْخُطَّةِ ، فَيُدْعَى بِهَا قَصْدَ الْكَرَامَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } بِهَذِهِ الْآيَةِ احْتَجَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَمْرَ صَرِيحٌ فِي الِاقْتِضَاءِ ، وَالْوُجُوبُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَوَجُّهِ اللَّوْمِ وَالذَّمِّ ، فَالْأَمْرُ مُقْتَضٍ ، وَاللَّوْمُ وَالذَّمُّ خَاتَمٌ ، وَذِكْرُ الْعِقَابِ بِالثَّأْرِ مُكَبَّرٌ ، يُعَدُّ بِهِ الْفِعْلُ فِي جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ ، فَلْيُنْظَرْ تَحْقِيقُهُ هُنَالِكَ .
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّ الْأَمْرَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْبَيَانِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُخَالَفَةُ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ حَرَامًا ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ وَالْفِعْلُ نَدْبًا كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ مَكْرُوهَةً ، وَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَدِلَّةِ ، وَيَنْسَاقُ بِمُقْتَضَى الْأَحْوَالِ وَالْأَسْبَابِ الْقَاضِيَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي قَوْلِهِ : { أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْكُفْرُ .
الثَّانِي : الْعُقُوبَةُ .
الثَّالِثُ : بَلِيَّةٌ يَظْهَرُ بِهَا مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ النِّفَاقِ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ صَحِيحَةٌ كُلُّهَا ، وَلَكِنَّ مُتَعَلِّقَاتِهَا مُخْتَلِفَةٌ ، فَهُنَالِكَ مُخَالَفَةٌ تُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَائِدِ ، وَهُنَالِكَ مُخَالَفَةٌ هِيَ مَعْصِيَةٌ ، وَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْمُلْحِدِينَ ، وَرَتَّبْنَا مَنَازِلَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَمَسَاقَهُ وَمُتَعَلَّقَهُ بِدَلِيلِهِ .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَزْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَتِيقِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَيْوَةَ ، حَدَّثَنَا جُرْهُمِيُّ بْنُ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ : سَمِعْت الزُّبَيْرَ بْنَ بَكَّارٍ يَقُولُ : سَمِعْت سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : سَمِعْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مِنْ أَيْنَ أُحْرِمُ ؟ قَالَ : مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ .
فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ .
قَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْقَبْرِ .
قَالَ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك الْفِتْنَةَ .
قَالَ : وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي هَذَا ؟ إنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا .
قَالَ : وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَرَى أَنَّك سَبَقْت إلَى فَضِيلَةٍ قَصَّرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {
افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، كُلُّهَا فِي النَّارِ ، إلَّا وَاحِدَةً .
قِيلَ : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي } .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلْعِصْمَةِ بِالطَّاعَةِ وَالْمُتَابَعَةِ فِي الْأُلْفَةِ ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
سُورَةُ الْفُرْقَانِ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : عَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلِهِ الطَّعَامَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مَلَكًا ، وَعَيَّرُوهُ بِالْمَشْيِ فِي السُّوقِ ، فَأَجَابَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إلَّا إنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ } ، فَلَا تَرْتَبْ بِذَلِكَ وَلَا تَغْتَمَّ بِهِ ، فَإِنَّهَا شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا ، وَحُجَّةٌ قَاهِرٌ لَك خَارُهَا .
وَهَذَا إنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِيهِ عِنَادُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ الْمُعْجِزَةُ ، وَوَضَحَتْ فِي صِدْقِهِ الدَّلَالَةُ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ ، حَتَّى سَأَلُوهُ آيَاتٍ أُخَرَ سِوَاهَا وَأَلْفُ آيَةٍ كَآيَةٍ عِنْدَ الْمُكَذِّبِ بِهَا ، وَأَوْقَعَهُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ جَهْلُهُمْ حِينَ رَأَوْا الْأَكَاسِرَةَ وَالْقَيَاصِرَةَ وَالْمُلُوكَ الْجَبَابِرَةَ يَتَرَفَّعُونَ عَنْ الْأَسْوَاقِ أَنْكَرُوا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، وَاعْتَقَدُوهُ مَلِكًا يَتَصَرَّفُ بِالْقَهْرِ وَالْجَبْرِ ، وَجَهِلُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى النَّهْيِ وَالْأَمْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي سُوقِ عُكَاظٍ وَمَجَنَّةِ الْعَامَّةِ ، وَكَانَ أَيْضًا يَدْخُلُ الْخَلَصَةَ بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ قَالُوا : هَذَا مَلِكٌ يَطْلُبُ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْنَا ، فَمَا لَهُ يُخَالِفُ سِيرَةَ الْمُلُوكِ فِي دُخُولِ الْأَسْوَاقِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُهَا لِحَاجَتِهِ ، أَوْ لِتَذْكِرَةِ الْخَلْقِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَدَعْوَتِهِ ، وَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي مُجْتَمَعِهِمْ ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُرْجِعَ إلَى الْحَقِّ بِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا كَثُرَ الْبَاطِلُ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَظَهَرَتْ فِيهَا الْمَنَاكِرُ ، كَرِهَ عُلَمَاؤُنَا دُخُولَهَا لِأَرْبَابِ الْفَضْلِ ، وَالْمُهْتَدَى بِهِمْ فِي الدِّينِ ، تَنْزِيهًا لَهُمْ عَنْ الْبِقَاعِ الَّتِي يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا .
وَفِي الْآثَارِ : { مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ } إنْبَاءً بِأَنَّهُ وَحْدَهُ عِنْدَ صَخَبِ الْخَلْقِ وَرَغْبِهِمْ فِي الْمَالِ ، أَقْبَلَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، لَمْ يَقْصِدْ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ سِوَاهُ ، لِيَعْمُرَهَا بِالطَّاعَةِ إنْ غُمِرَتْ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَلِيُحَلِّيَهَا بِالذِّكْرِ إنْ عُطِّلَتْ بِالْغَفْلَةِ ، وَلِيُعَلِّمَ الْجَهَلَةَ ، وَيُذَكِّرَ النَّاسِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَّا أَكْلُ الطَّعَامِ فَضَرُورَةُ الْخَلْقِ ، لَا عَارَ وَلَا دَرَكَ فِيهَا .
وَأَمَّا الْأَسْوَاقُ فَسَمِعْت مَشْيَخَةَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَا يَدْخُلُ إلَّا سُوقَ الْكُتُبِ وَالسِّلَاحِ .
وَعِنْدِي أَنَّهُ يَدْخُلُ كُلَّ سُوقٍ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَلَا يَأْكُلُ فِيهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إسْقَاطٌ لِلْمُرُوءَةِ وَهَدْمٌ لِلْحِشْمَةِ .
وَمِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، لَكِنْ رَوَيْنَاهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ وَلَا وَصْفَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا } .
يَعْنِي سَتْرًا لِلْخَلْقِ ، يَقُومُ مَقَامَ اللِّبَاسِ فِي سَتْرِ الْبَدَنِ ، وَيُرْبَى عَلَيْهِ بِعُمُومِهِ وَسَعَتِهِ .
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْغَفَلَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا فِي الظَّلَّامِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِبَاسٌ ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا فِي بَيْتِهِ إذَا أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ .
وَالسِّتْرُ فِي الصَّلَاةِ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا ، لَيْسَتْ لِأَجْلِ نَظَرِ النَّاسِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطْنَابِ فِي هَذَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا قَوْلَهُ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً } فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ { مَاءً طَهُورًا } فَوَصَفَ الْمَاءَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى وَصْفِهِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بِمَعْنَى مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ ؟ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ سِوَاهُمَا .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ بِمَعْنَى طَاهِرٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } يَعْنِي طَاهِرًا ، إذَا لَا تَكْلِيفَ فِي الْجَنَّةِ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : خَلِيلَيَّ هَلْ فِي نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ أُدَاوِي بِهَا قَلْبِي عَلَيَّ فُجُورُ إلَى رَجَحِ الْأَكْفَالِ هِيفٍ خُصُورُهَا عِذَابِ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَلَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُطَهِّرُ .
وَتَقُولُ الْعَرَبُ : رَجُلٌ نَئُومٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُنِيمٌ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } .
وَقَالَ : { لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } ، فَبَيَّنَ أَنَّ وَصْفَ { طَهُورًا } يُفِيدُ التَّطْهِيرَ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } .
وَأَرَادُوا مُطَهَّرَةً بِالتَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يُرِدْ طَاهِرَةً بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ طَاهِرَةً .
وَقَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ } ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَى الطَّهُورِ الْمُطَهَّرَ لَمَا كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِهِمْ .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ لُغَةً وَشَرِيعَةً عَلَى أَنَّ وَصْفَ " طَهُورٍ " مُخْتَصٌّ بِالْمَاءِ ، وَلَا يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ الْمَائِعَاتِ ، وَهِيَ
طَاهِرَةٌ ، فَكَانَ اقْتِصَارُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْمَاءِ أَدَلَّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهَّرُ .
فَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ بِوَصْفِ اللَّهِ لِشَرَابِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ ، وَالْجَنَّةُ لَا تَكْلِيفَ فِيهَا ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصِّفَةِ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ وَصْفَ شَرَابِ الْجَنَّةِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يُفِيدُ التَّطْهِيرَ عَنْ أَوْضَارِ الذُّنُوبِ ، وَعَنْ خَسَائِسِ الصِّفَاتِ ، كَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ ، فَإِذَا شَرِبُوا هَذَا الشَّرَابَ طَهَّرَهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَحْضِ الذُّنُوبِ ، وَأَوْضَارِ الِاعْتِقَادَاتِ الذَّمِيمَةِ ، فَجَاءُوا اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ، وَدَخَلُوا الْجَنَّةَ بِصِفَةِ التَّسْلِيمِ .
وَقِيلَ لَهُمْ حِينَئِذٍ : { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } ، كَمَا حَكَمَ فِي الدُّنْيَا بِزَوَالِ حُكْمِ الْحَدَثِ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ ، وَهَذِهِ حِكْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا ، وَتِلْكَ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ فِي الْأُخْرَى .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ : رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ ، وَهُوَ لَا يُطَهِّرُ ، فَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِ الرِّيقِ بِالطَّهُورِيَّةِ ، أَرَادَ أَنَّهُ لِعُذُوبَتِهِ ، وَتَعَلُّقِهِ بِالْقُلُوبِ ، وَطِيبِهِ فِي النُّفُوسِ ، وَسُكُونِ غَلِيلِ الْحُبِّ بِرَشْفِهِ ، كَأَنَّهُ الْمَاءُ الطَّهُورُ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالْمَجَازَاتِ الشِّعْرِيَّةِ ، فَإِنَّ الشُّعَرَاءَ يَتَجَاوَزُونَ فِي الِاسْتِغْرَاقِ حَدَّ الصِّدْقِ إلَى الْكَذِبِ ، وَيَسْتَرْسِلُونَ فِي الْقَوْلِ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ ذَلِكَ إلَى الْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَرُبَّمَا وَقَعُوا فِي الْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ : لَوْ لَمْ تُلَامِسْ صَفْحَةُ الْأَرْضِ رِجْلَهَا لَمَا كُنْت أَدْرِي عِلَّةً لِلتَّيَمُّمِ وَهَذَا كُفْرٌ صُرَاحٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ
اللَّهُ : هَذَا مُنْتَهَى لُبَابِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ ، إلَّا أَنِّي تَأَمَّلْتُهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَرَبِيَّةِ فَوَجَدْتُ فِيهَا مَطْلَعًا شَرِيفًا ، وَهُوَ أَنَّ بِنَاءَ " فَعُولٍ " لِلْمُبَالَغَةِ ، إلَّا أَنَّ الْمُبَالَغَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمَانِهَا وَقَدْ تَكُونُ فِي الْفِعْلِ الْقَاصِرِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : نَئُومُ الضُّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ فَوَصَفَهُ الْأَوَّلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الضَّرْبِ ، وَهُوَ فِعْلٌ يَتَعَدَّى ، وَوَصَفَهَا الثَّانِي بِالْمُبَالَغَةِ فِي النَّوْمِ ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ طَهُورِيَّةُ الْمَاءِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحُسْنِ نَظَافَةً ، وَمِنْ الشَّرْعِ طَهَارَةً ، كَقَوْلِهِ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ } .
وَقَدْ يَأْتِي بِنَاءُ " فَعُولٍ " لِوَجْهٍ آخَرَ ، لَيْسَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ، وَهُوَ الْعِبَارَةُ بِهِ عَنْ آلَةِ الْفِعْلِ لَا عَنْ الْفِعْلِ ، كَقَوْلِنَا : وَقُودٌ وَسَحُورٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ " فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَطَبِ وَعَنْ الطَّعَامِ الْمُتَسَحَّرِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ وَصْفُ الْمَاءِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يَكُونُ بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْضًا خَبَرًا عَنْ الْآلَةِ الَّتِي يُتَطَهَّرُ بِهَا .
فَإِذْ ضَمَمْت الْفَاءَ فِي الْوُقُودِ وَالسُّحُورِ وَالطُّهُورِ عَادَ إلَى الْفِعْلِ ، وَكَانَ خَبَرًا عَنْهُ ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اسْمَ الْفَعُولِ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَكُونُ بِنَاءً لِلْمُبَالَغَةِ ، وَيَكُونُ خَبَرًا عَنْ الْآلَةِ ، وَهَذَا الَّذِي خَطَرَ بِبَالِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَلَكِنْ قَصُرَتْ أَشْدَاقُهَا عَنْ لَوْكِهِ ، وَبَعْدَ هَذَا يَقِفُ الْبَيَانُ بِهِ عَنْ الْمُبَالَغَةِ ، أَوْ عَنْ الْآلَةِ عَلَى الدَّلِيلِ ، مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } .
وَيُحْتَمَلُ الْعِبَارَةُ بِهِ عَنْ الْآلَةِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِعُلَمَائِنَا .
لَكِنْ يَبْقَى قَوْلُهُ { لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } نَصًّا فِي أَنَّ فِعْلَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا أَوْجَبَ الْخِلَافَ فِيهَا مَا صَارَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : حِينَ قَالُوا : إنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَعْضَاءِ انْتَقَلَ إلَى الْمَاءِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا حِينَئِذٍ : إنَّ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ عَلَى رَسْمِ بِنَاءِ الْمُبَالَغَةِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَإِنَّمَا تَنْبَنِي مَسْأَلَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْآلَةَ إذَا أُدِّيَ بِهَا فَرْضٌ ، هَلْ يُؤَدَّى بِهَا فَرْضٌ آخَرُ أَمْ لَا ؟ فَمَنَعَ ذَلِكَ الْمُخَالِفَ قِيَاسًا عَلَى الرَّقَبَةِ ، إنَّهُ إذَا أُدِّيَ بِهَا فَرْضُ عِتْقٍ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي أَدَاءِ فَرْضٍ آخَرَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ الْقَوْلِ ، فَإِنَّ الْعِتْقَ إذَا أَتَى عَلَى الرِّقِّ أَتْلَفَهُ ، فَلَا يَبْقَى مَحَلٌّ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ بِعِتْقٍ آخَرَ .
وَنَظِيرُهُ مِنْ الْمَاءِ مَا تَلِفَ عَلَى الْأَعْضَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ آخَرُ لِتَلَفِ عَيْنِهِ حِسًّا ، كَمَا تَلِفَ الرِّقُّ فِي الرَّقَبَةِ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ حُكْمًا ، وَهَذَا نَفِيسٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ ، فَتَوَضَّأَ فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ ، فَأَفَقْت } .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْفَاضِلَ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ طَاهِرٌ ، لَا عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، كَمَا تَوَهَّمَهُ عُلَمَاؤُنَا ، وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } وَكَانَ الْمَاءُ مَعْلُومًا بِصِفَةِ طَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَوْنِهِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا خِلَافَ فِي طَهُورِيَّتِهِ ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ إلَى غَيْرِهِ بِتَغَيُّرِ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ وَصْفُ الطَّهُورِيَّةِ .
وَالْمُخَالِطُ لِلْمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : ضَرْبٌ يُوَافِقُهُ فِي صِفَتَيْهِ جَمِيعًا : وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ لَمْ يَسْلُبْهُ وَصْفًا مِنْهُمَا ، لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ فِيهِمَا ، وَهُوَ التُّرَابُ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي إحْدَى صِفَتَيْهِ ، وَهِيَ الطَّهَارَةُ ، وَلَا يُوَافِقُهُ فِي صِفَتِهِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ التَّطْهِيرُ ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ سَلَبَهُ مَا خَالَفَهُ فِيهِ ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ ، دُونَ مَا وَافَقَهُ ، وَهِيَ الطَّهَارَةُ ، كَمَاءِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ .
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مُخَالَفَتُهُ فِي الصِّفَتَيْنِ جَمِيعًا : وَهِيَ الطَّهَارَةُ وَالتَّطْهِيرُ ، فَإِذَا خَالَطَهُ فَغَيْرُهُ سَلَبَهُ الصِّفَتَيْنِ جَمِيعًا ، لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِيهِمَا ، وَهُوَ النَّجَسُ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَكُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ أَفْسَدَتْهُ كُلَّهُ ، كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا ، إذَا تَحَقَّقَتْ عُمُومُ النَّجَاسَةِ فِيهِ .
وَوَجْهُ تَحَقُّقِهَا عِنْدَهُ أَنْ تَقَعَ مَثَلًا نُقْطَةُ بَوْلٍ فِي بِرْكَةِ مَاءٍ ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِرْكَةُ يَتَحَرَّكُ طَرَفَاهَا بِتَحْرِيكِ أَحَدِهِمَا فَالْكُلُّ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَانَتْ حَرَكَةُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لَا تُحَرِّكُ الْآخَرَ لَمْ يُنَجَّسْ وَالْمِصْرِيُّونَ ، كَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ ، يَقُولُونَ : إنَّ قَلِيلَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ .
وَفِي الْمَجْمُوعَةِ نَحْوُهُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، وَرَوَاهُ عَنْ الْوَلِيدِ
بْنِ كَثِيرٍ ، حُسْنَ ظَنٍّ بِهِ ، وَهُوَ مَطْعُونٌ فِيهِ .
وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ رَامَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى إمَامَتِهِ أَنْ يُصَحِّحَ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، وَاغْتَصَّ بِجُرَيْعَةِ الذَّقَنِ فِيهَا ، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ ، حَسْبَمَا مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
كَمَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا أَيْضًا فِي مَذْهَبِهِمْ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَا يُطْرَحُ فِيهَا مِنْ الْجِيَفِ وَالنَّتِنِ ، وَمَا يُنْجِي النَّاسُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ } .
وَهَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا قَدَمَ لَهُ فِي الصِّحَّةِ ، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ .
وَقَدْ فَاوَضْت الطُّوسِيَّ الْأَكْبَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِرَارًا ، فَقَالَ : إنَّ أَخْلَصَ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ ، إذْ لَا حَدِيثَ فِي الْبَابِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } ، وَهُوَ مَا دَامَ بِصِفَاتِهِ ، فَإِذَا تَغَيَّرَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا خَرَجَ عَنْ الِاسْمِ بِخُرُوجِهِ عَنْ الصِّفَةِ " وَلِذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَجِدْ الْبُخَارِيُّ إمَامُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِي الْبَابِ خَبَرًا صَحِيحًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ قَالَ : " بَابُ إذَا تَغَيَّرَ وَصْفُ الْمَاءِ " وَأَدْخَلَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ : { مَا مِنْ أَحَدٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ } .
فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدَّمَ بِحَالِهِ ، وَعَلَيْهِ رَائِحَةُ الْمِسْكِ ، وَلَمْ تُخْرِجْهُ الرَّائِحَةُ عَنْ صِفَةِ الدَّمَوِيَّةِ .
وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا
تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِرِيحِ جِيفَةٍ عَلَى طَرَفَيْهِ وَسَاحِلِهِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ ، وَلَوْ تَغَيَّرَ بِهَا وَقَدْ وَقَعَتْ فِيهِ لَكَانَ ذَلِكَ تَنْجِيسَهُ لَهُ لِلْمُخَالَطَةِ ، وَالْأُولَى مُجَاوَرَةٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ثُمَّ تَرَكَّبَ عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَهِيَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ بِقَرَارِهِ كَزِرْنِيخٍ أَوْ جِيرٍ يَجْرِي عَلَيْهِ ، أَوْ تَغَيَّرَ بِطُحْلُبٍ أَوْ بِوَرَقِ شَجَرٍ يَنْبُتُ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ ، لِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ يَعْنِي إذَا وَجَدَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ اسْتَعْمَلَهُ ؛ لِأَنَّ مَا يُغْلَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فِي بَابِ التَّكْلِيفِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّوَقِّي مِنْهُ ، فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا .
وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُوعَ عَنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ ، وَلَا يُمْكِنُ بَشَرًا الِاحْتِرَازُ مِنْهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي عَدَالَتِهِ ، وَلَمَّا كَانَتْ الْكَبَائِرُ يُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْهَا وَالِاحْتِرَازُ عَنْهَا قَدَحَتْ فِي الْعَدَالَةِ وَالْأَمَانَةِ ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا كَانَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مُمْكِنًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَلَمَّا كَانَ الْعَمَلُ الْيَسِيرُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ كَالِالْتِفَاتِ بِالرَّأْسِ وَحْدَهُ وَالْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْأَقْدَامِ ، وَتَحْرِيكِ الْأَجْفَانِ ، وَتَقْلِيبِ الْيَدِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ .
وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ فِي بَابِ التَّكْلِيفِ كُلِّهِ ، فَعَلَيْهِ خَرَجَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ عَنْ تَغَيُّرِهِ بِمَا لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا وَصَفَ اللَّهُ الْمَاءَ بِأَنَّهُ طَهُورٌ ، وَامْتَنَّ بِإِنْزَالِهِ مِنْ السَّمَاءِ لِيُطَهِّرَنَا بِهِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ : { حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ } ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْحَقْ غَيْرُ الْمَاءِ بِالْمَاءِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْطَالِ فَائِدَةِ الِامْتِنَانِ .
وَالثَّانِي : لِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ ، فَلَا يُزِيلُ النَّجَسَ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ : إنَّ كُلَّ مَائِعٍ طَاهِرٍ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ ، وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَدْفَعُهَا عَنْ غَيْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْقَلِيلَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الزَّيْتِ الْكَثِيرِ لَمْ يُنَجَّسْ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ .
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا " لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ { سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ } .
وَقَوْلُهُ : { إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُفْسِدُ الْمَائِعَ ؛ لِأَنَّهُ عُمُومٌ سُئِلَ عَنْهُ ، فَخَصَّ أَحَدَ صِنْفَيْهِ بِالْجَوَازِ ، وَبَقِيَ الْآخَرُ عَلَى الْمَنْعِ .
وَلَيْسَ هَذَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَهَذِهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ تَفْهَمُونَهَا ، فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ كِتَابٍ ، وَلَيْسَتْ النَّجَاسَةُ مَعْنًى مَحْسُوسًا ، حَتَّى يُقَالَ : كُلَّمَا أَزَالَهَا فَقَدْ قَامَ بِهِ الْفَرْضُ ، وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ الْمَاءَ ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ ، إذْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَحِقَ بِهِ لَأَسْقَطَهُ ، وَالْفَرْعُ إذَا عَادَ إلْحَاقُهُ بِالْأَصْلِ
بِالْإِسْقَاطِ سَقَطَ فِي نَفْسِهِ .
وَقَدْ كَانَ تَاجُ السُّنَّةِ ذُو الْعِزِّ بْنُ الْمُرْتَضَى الدَّبُوسِيُّ يُسَمِّيهِ فَرْخَ زِنَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ الْمَاءَ إذَا فَضَلَتْ لِلْجُنُبِ مِنْهُ فَضْلَةٌ أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِهَا ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ { مَيْمُونَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : أَجْنَبْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ ، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا .
فَقُلْت : إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ .
فَقَالَ : إنَّ الْمَاءَ لَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ } أَوْ : { إنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ } .
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا مُطَهَّرًا عَلَى أَصْلِهِ فَوَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَسَدَ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَلَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ حَقِيقَتَهُ ، وَأَنَّ الْإِنَاءَ يُغْسَلُ عِبَادَةً ، لَا لِنَجَاسَةٍ بِدَلِيلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْغَسْلَ مَعْدُودٌ بِسَبْعٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ جَعَلَ لِلتُّرَابِ فِيهَا مَدْخَلًا ، وَلَوْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ لَمَا كَانَ لِلتُّرَابِ فِيهَا مَدْخَلٌ ، كَالْبَوْلِ ، عَكْسُهُ الْوُضُوءُ لَمَّا كَانَ عِبَادَةً دَخَلَ التُّرَابُ مَعَ الْمَاءِ .
وَرَأَى مَالِكٌ طَرْحَ الْمَاءِ تَقَذُّرًا لَا تَنَجُّسًا ، أَوْ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْخِلَافِ ؛ أَوْ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَأْكُلُ الْأَقْذَارَ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَيَكُونُ مِنْ الطَّوَّافِينَ أَوْ الطَّوَّافَاتِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ فِي الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا وَلَغَتْ السِّبَاعُ فِي الْمَاءِ : كُلُّ حَيَوَانٍ عِنْدَ مَالِكٍ طَاهِرُ الْعَيْنِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَلَكِنْ تَحَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ أَسْآرَ السِّبَاعِ مَكْرُوهَةٌ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكَلْبِ ، مِنْ أَنَّهَا تُصِيبُ النَّجَاسَاتِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَلَا مِنْ الطَّوَّافَاتِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَسْآرُ السِّبَاعِ نَجِسَةٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حِيَاضٍ تَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَفِي رِوَايَةٍ : وَالْكِلَابُ فَقَالَ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ غَيْرَ شَرَابٍ وَطَهُورٍ } .
وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ وَعَمْرًا وَقَفَا عَلَى حَوْضٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، هَلْ تَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، لَا تُخْبِرْنَا ، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا .
وَهَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ كَانَ كَثِيرًا ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا لَكَانَ لِلْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ قَدَّمْنَاهُ قَبْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَعَ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : لَوْ أَنِّي سَقَيْتُكُنَّ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَكَرِهْتُنَّ ذَلِكَ .
وَقَدْ وَاَللَّهِ سَقَيْت مِنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ .
وَهَذَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَاءَهَا كَانَ كَثِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَحَائِضُ النِّسَاءِ ، وَعَذِرَاتُ النَّاسِ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : سَأَلْت قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا ، قُلْت : مَا أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا ؟ قَالَ : إلَى الْعَانَةِ .
قُلْت : فَإِذَا نَقَصَ مَاؤُهَا ؟ قَالَ : إلَى الْعَوْرَةِ قَالَ أَبُو دَاوُد : فَقَدَّرْتهَا بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ .
وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إلَيْهَا : هَلْ
غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَا .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَأَيْت مَاءَهَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ جِدًّا .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَغَيَّرَ مَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ السَّبَخَةِ ، فَمَاؤُهَا يَكُونُ قَرَارَهَا .
وَبُضَاعَةُ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَلَهَا يَقُولُ أَبُو أُسَيْدَ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيُّ : نَحْنُ حَمَيْنَا عَنْ بُضَاعَةَ كُلِّهَا وَنَحْنُ بَنَيْنَا مَعْرِضًا هُوَ مُشْرِفُ فَأَصْبَحَ مَعْمُورًا طَوِيلًا قَذَالُهُ وَتَخْرَبُ آطَامٌ بِهَا وَتَقَصَّفُ
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ أَنَّ وُرُودَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ كَوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .
فَمَنَعَ مِنْ وُرُودِ الْيَدِ عَلَى الْمَاءِ ، وَأَمَرَ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا أَصْلٌ بَدِيعٌ فِي الْبَابِ ، وَلَوْلَا وُرُودُهُ عَلَى النَّجَاسَةِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لَمَا طَهُرَتْ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ : { صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ } .
رُوِيَ { أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَبَايَعَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَامَ فَفَشَجَ يَعْنِي فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ ، فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَعَجَّلَ النَّاسُ إلَيْهِ ؟ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُزْرِمُوهُ ثُمَّ دَعَا بِهِ ، فَقَالَ أَلَسْت بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟ قَالَ : بَلَى .
قَالَ : فَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ بُلْت فِي مَسْجِدِنَا ؟ قَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا ظَنَنْت إلَّا أَنَّهُ صَعِيدٌ مِنْ الصُّعُدَاتِ ، فَبُلْت فِيهِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَى بَوْلِهِ } .
وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِحَفْرِ مَوْضِعِ بَوْلِهِ ، وَطَرْحِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : رَأَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدَّلْوَ يَكْفِي لِبَوْلِ الرَّجُلِ فِي إزَالَةِ عَيْنِهِ وَطَهَارَةِ مَوْضِعِهِ ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ ؛ لِأَنَّ الدَّلْوَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَعَلَّقَ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، وَجَعَلَهُ تَقْدِيرًا ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ سَاقِطٌ ، إذْ لَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ لَعَلَّقَهُ عَلَى مَعْلُومٍ ، كَمَا عُلِمَ الصَّاعُ وَالْوَسْقُ ، حَتَّى كَانَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ شَرْعًا ، الْمُقَدَّرُ بِهِ صَحِيحًا .
وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي صَبِّ الْمَاءِ ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا زَالَتْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } تَوَقَّفَ جَمَاعَةٌ فِي مَاءِ الْبَحْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَزَّلٍ مِنْ السَّمَاءِ ، حَتَّى رَوَوْا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَمْرٍو مَعًا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ نَارٍ ، وَلِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ .
وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ حُكْمَهُ حِينَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا يُنْسَبُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ عَلَى نَارٍ ، وَالنَّارَ عَلَى مَاءٍ ، وَالْمَاءَ عَلَى نَارٍ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ ، وَسَبْعَةَ أَنْوَارٍ .
وَأَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ رَاوِي حَدِيثِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ فِي الْبَحْرِ : " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ " .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، فَقَالَ : إنَّمَا هُمَا بَحْرَانِ ، فَلَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدٍ الْجَارِمِيِّ قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَعَنْ مَاءِ الْبَحْرِ ، فَلَمْ يَرَيَا بِذَلِكَ بَأْسًا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّك قَدِيرًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي النَّسَبِ : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَرْجِ الْمَاءِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عَلَى وَجْهِ الشَّرْعِ .
فَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ كَانَ خَلْقًا مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَكُنْ نَسَبًا مُحَقَّقًا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبِنْتٍ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِعُلَمَائِنَا ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الدِّينِ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَصِهْرًا } أَمَّا النَّسَبُ فَهُوَ مَا بَيْنَ الْوَطْأَيْنِ مَوْجُودًا ، وَأَمَّا الصِّهْرُ فَهُوَ مَا بَيْنَ وَشَائِجِ الْوَاطِئَيْنِ مَعًا ، الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَهُمْ الْأَحْمَاءُ وَالْأَخْتَانُ .
وَالصِّهْرُ يَجْمَعُهُمَا لَفْظًا وَاشْتِقَاقًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَسَبٌ شَرْعًا فَلَا صِهْرَ شَرْعًا ، فَلَا يُحَرِّمُ الزِّنَا بِبِنْتٍ أُمًّا ، وَلَا بِأُمٍّ بِنْتًا ، وَمَا يُحَرَّمُ مِنْ الْحَلَالِ لَا يُحَرَّمُ مِنْ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ امْتَنَّ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَرَفَعَ قَدْرَهُمَا ، وَعَلَّقَ الْأَحْكَامَ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ عَلَيْهِمَا ، فَلَا يَلْحَقُ الْبَاطِلُ بِهِمَا وَلَا يُسَاوِيهِمَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الزِّنَا يُحَرِّمُ الْمُصَاهَرَةَ ، وَهَذَا كِتَابُهُ الْمُوَطَّأُ الَّذِي كَتَبَهُ بِخَطِّهِ ، وَأَمْلَاهُ عَلَى طَلَبَتِهِ ، وَقَرَأَهُ مِنْ صَبْوَتِهِ إلَى مَشْيَخَتِهِ لَمْ يُغَيِّرْ فِيهِ ذَلِكَ ، وَلَا قَالَ فِيهِ قَوْلًا آخَرَ .
وَاكْتُبُوا عَنِّي هَكَذَا .
وَابْنُ الْقَاسِمِ الَّذِي يُحَرِّمُ الْمُصَاهَرَةَ بِالزِّنَا قُرِئَ ضِدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْمُوَطَّأِ ، فَلَا يُتْرَكُ الظَّاهِرُ لِلْبَاطِنِ ، وَلَا الْقَوْلُ الْمَرْوِيُّ مِنْ أَلْفٍ لِلْمَرْوِيِّ مِنْ وَاحِدٍ ، وَآحَادٍ ، وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي التَّوَكُّلِ : وَهُوَ تَفَعُّلٌ مِنْ الْوَكَالَةِ ، أَيْ اتَّخِذْهُ وَكِيلًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ ، وَهُوَ إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْغَيْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَصْلُ هَذَا عِلْمُ الْعَبْدِ بِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كُلَّهَا مِنْ اللَّهِ ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الْإِيجَادِ سِوَاهُ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مُرَادٌ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ بِيَدِ الَّذِي لَا يَكُونُ إلَّا مَا أَرَادَ ، جَعَلَ لَهُ أَصْلَ التَّوَكُّلِ ، وَهَذَا فَرْضُ عَيْنٍ ، وَبِهِ يَصِحُّ الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ التَّوَكُّلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يَتَرَكَّبُ عَلَى هَذَا مِنْ سُكُونِ الْقَلْبِ ، وَزَوَالِ الِانْزِعَاجِ وَالِاضْطِرَابِ ، أَحْوَالٌ تَلْحَقُ بِالتَّوَكُّلِ فِي كَمَالِهِ ، وَلِهَذِهِ الْأَحْوَالِ أَقْسَامٌ ، وَلِكُلِّ قِسْمٍ اسْمٌ : الْحَالَةُ الْأُولَى : أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَا فِي يَدِهِ ، لَا يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ ، وَاسْمُهُ الْقَنَاعَةُ .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكْتَسِبَ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي يَدِهِ ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ التَّوَكُّلَ عِنْدَنَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ ، كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْك ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ لَا تَزِيدُ عَلَى مَا فِي الْيَدِ وَلَا تَدَّخِرُ لِغَدٍ .
قُلْنَا : إنَّمَا الِاحْتِجَاجُ بِالْغُدُوِّ ، وَالرَّوَاحُ الِاعْتِمَالُ فِي الطَّلَبِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : تَغْدُو فِي الطَّاعَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَأْمُرْ أَهْلَك بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُك رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُك وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } .
قُلْنَا : إنَّمَا أَرَادَ بِالْغُدُوِّ الِاغْتِدَاءَ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ ،
فَأَمَّا الْإِقْبَالُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ ، وَهُوَ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وَيَتْرُكَ طَلَبَ الْعَادَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ لَهُ .
وَعَلَى هَذَا كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ ، وَهَذَا حَالَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْخَلْقِ ، وَبَعْدَ هَذَا مَقَامَاتٌ فِي التَّفْوِيضِ وَالِاسْتِسْلَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ الْخِلْفَةِ : وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ جَعَلَ أَحَدَهُمَا مُخَالِفًا لِلْآخَرِ ، يَتَضَادَّانِ ، وَيَتَعَارَضَانِ وَضْعًا وَوَقْتًا ، وَبِذَلِكَ نُمَيِّزُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا مَضَى وَاحِدٌ جَاءَ آخَرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : بِهَا الْعِيسُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمٍ الثَّالِثُ : مَعْنَى خِلْفَةٍ : مَا فَاتَ فِي هَذَا خَلَفَهُ فِي هَذَا .
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَا مِنْ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ ، فَيُصَلِّي مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ ، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ } .
سَمِعْت ذَا الشَّهِيدَ الْأَكْبَرَ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ حَيًّا ، وَبِذَلِكَ كَمَالُهُ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ آفَةَ النَّوْمِ ، وَضَرُورَةَ الْحَدَثِ ، وَنُقْصَانَ الْخِلْقَةِ ، إذْ الْكَمَالُ لِلْأَوَّلِ الْخَالِقِ ، فَمَا أَمْكَنَ الرَّجُلُ مِنْ دَفْعِ النَّوْمِ بِقِلَّةِ الْأَكْلِ وَالسَّهَرِ فِي الطَّاعَةِ فَلْيَفْعَلْ .
وَمِنْ الْغَبْنِ الْعَظِيمِ أَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ سِتِّينَ سَنَةً يَنَامُ لَيْلَهَا ، فَيَذْهَبُ النِّصْفُ مِنْ عُمْرِهِ لَغْوًا ، وَيَنَامُ نَحْوَ سُدُسِ النَّهَارِ رَاحَةً ، فَيَذْهَبُ ثُلُثَاهُ ، وَيَبْقَى لَهُ مِنْ الْعُمْرِ عِشْرُونَ سَنَةً .
وَمِنْ الْجَهَالَةِ وَالسَّفَاهَةِ أَنْ يُتْلِفَ الرَّجُلُ ثُلُثَيْ عُمْرِهِ فِي لَذَّةٍ فَانِيَةٍ ، وَلَا يُتْلِفُ عُمْرَهُ بِسَهَرِهِ فِي لَذَّةٍ بَاقِيَةٍ عِنْدَ الْغَنِيِّ الْوَفِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِعَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } : فَيَعْمَلُ وَيَشْكُرُ قَدْرَ النِّعْمَةِ فِي دَلَالَةِ التَّضَادِّ عَلَى الَّذِي لَا ضِدَّ لَهُ ، وَفِي دَلَالَةِ الْمُعَاقَبَةِ عَلَى الَّذِي يُعْدَمُ فَيَعْقُبُهُ غَيْرُهُ ، وَعَلَى الْفُسْحَةِ فِي قَضَاءِ الْفَائِتِ مِنْ الْعَمَلِ لِتَحْصِيلِ الْمَوْعُودِ مِنْ الثَّوَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَفَاضَلُ بِأَنْفُسِهَا ، فَإِنَّ الْجَوَاهِرَ وَالْأَعْرَاضَ مِنْ حَيْثُ الْوُجُودِ مُتَمَاثِلَةٌ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّفَاضُلُ بِالصِّفَاتِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيُّ الْوَقْتَيْنِ أَفْضَلُ ، اللَّيْلُ أَمْ النَّهَارُ ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ فَضِيلَةَ النَّهَارِ عَلَيْهِ ، وَفِي الصَّوْمِ غُنْيَةً فِي الدَّلَالَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { هَوْنًا } الْهَوْنُ : هُوَ الرِّفْقُ وَالسُّكُونُ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ ، لَا بِالْمَرِحِ وَالْكِبْرِ ، وَالرِّيَاءِ وَالْمَكْرِ ، وَفِي مَعْنَاهُ قُلْت : تَوَاضَعْت فِي الْعَلْيَاءِ وَالْأَصْلُ كَابِرٌ وَحُزْت نِصَابَ السَّبْقِ بِالْهَوْنِ فِي الْأَمْرِ سُكُونٌ فَلَا خُبْثَ السَّرِيرَةِ أَصْلُهُ وَجُلُّ سُكُونِ النَّاسِ مِنْ عِظَمِ الْمَكْرِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ فِي الْإِيضَاعِ } .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُسْرِعُ جِبِلَّةً لَا تَكَلُّفًا .
وَالْقَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ وَحُسْنُ الصَّمْتِ مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ .
وَقَدْ قِيلَ : مَعْنَاهُ يَمْشُونَ رِفْقًا مِنْ ضَعْفِ الْبَدَنِ ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ ، وَأَنْحَلَتْهُمْ الْخَشْيَةُ ، حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُمْ الْفِرَاخُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } اُخْتُلِفَ فِي الْجَاهِلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ الْكُفَّارُ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ السُّفَهَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { سَلَامًا } فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بِمَعْنَى حَسَنٍ وَسَدَادٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَوْلُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ .
قَالَ سِيبَوَيْهِ : لَمْ يُؤْمَرْ الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ : [ تَسَلُّمُنَا مِنْكُمْ ] وَلَا خَيْرَ بَيْنَنَا وَلَا شَرَّ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ ، بَلْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ وَالْهَجْرِ الْجَمِيلِ ، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ الْأُمَمِ فِي دِينِهِمْ التَّسْلِيمُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ .
وَفِي الإسرائليات : إنَّ عِيسَى مَرَّ بِهِ خِنْزِيرٌ فَقَالَ
لَهُ : اذْهَبْ بِسَلَامٍ حِينَ لَمْ يَقُلْ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ السَّلَامُ .
فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَتَلِينُ جَوَانِبُهُمْ بِهِ ؟ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِفُ عَلَى أَنْدِيَتِهِمْ وَيُحَيِّيهِمْ وَيُدَانِيهِمْ وَلَا يُدَاهِنُهُمْ .
فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ : { قَالُوا سَلَامًا } الْمَصْدَرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ التَّحِيَّةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ كُلَّهُ فِي سُورَةِ هُودٍ .
وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ السَّفِيهَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إذَا جَفَاك يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لَهُ سَلَامٌ عَلَيْك .
وَهَلْ وُضِعَ السَّلَامُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَّا عَلَى مَعْنَى السَّلَامَةِ وَالتَّوَادِّ ؟ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ : سَلِمْت مِنِّي ، فَأَسْلَمُ مِنْك .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : { لَمْ يُسْرِفُوا } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَمْ يُنْفِقُوا فِي مَعْصِيَةٍ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : لَمْ يُنْفِقُوا كَثِيرًا قَالَهُ إبْرَاهِيمُ .
الثَّالِثُ : لَمْ يَتَمَتَّعُوا لِلنَّعِيمِ ، إذَا أَكَلُوا لِلْقُوَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَلَبِسُوا لِلسُّتْرَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ صِحَاحٌ ، فَالنَّفَقَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ حَرَامٌ ، فَالْأَكْلُ وَاللُّبْسُ لِلَّذَّةِ جَائِزٌ ، وَلِلتَّقْوَى وَالسَّتْرِ أَفْضَلُ ، فَمَدَحَ اللَّهُ مَنْ أَتَى الْأَفْضَلَ ، وَإِنْ كَانَ مَا تَحْتَهُ مُبَاحًا .
وَإِذَا أَكْثَرَ رُبَّمَا افْتَقَرَ ، فَالتَّمَسُّكُ بِبَعْضِ الْمَالِ أَوْلَى ، كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ وَلِكَعْبٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَمْ يَقْتُرُوا } فِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : لَمْ يَمْنَعُوا وَاجِبًا .
الثَّانِي : لَمْ يَمْنَعُوا عَنْ طَاعَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَوَامًا } يَعْنِي عَدْلًا ؛ وَهُوَ أَنْ يُنْفِقَ الْوَاجِبَ ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحَلَالِ فِي غَيْرِ دَوَامٍ عَلَى اسْتِيفَاءِ اللَّذَّاتِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { يَشْهَدُونَ الزُّورَ } فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الشِّرْكُ .
الثَّانِي : الْكَذِبُ .
الثَّالِثُ : أَعْيَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ .
الرَّابِعُ : الْغِنَاءُ .
الْخَامِسُ : لَعِبٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّى بِالزُّورِ ؛ قَالَ عِكْرِمَةُ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ الْمَجْلِسُ الَّذِي يُشْتَمُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجْلِسٌ يُشْتَمُ فِيهِ النَّبِيُّ فَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ الشِّرْكُ ؛ لِأَنَّ شَتْمَ النَّبِيِّ شِرْكٌ ، وَالْجُلُوسُ مَعَ مَنْ يَشْتُمُهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ وَلَا قَتْلٍ لَهُ شِرْكٌ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْكَذِبُ فَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إلَى الْكَذِبِ يَرْجِعُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَعْيَادُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّ فِصْحَ النَّصَارَى وَسَبْتَ الْيَهُودِ يُذْكَرُ فِيهِ الْكُفْرُ ؛ فَمُشَاهَدَتُهُ كُفْرٌ ، إلَّا لِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الدِّينِيَّةِ ، أَوْ عَلَى جَهْلٍ مِنْ الْمُشَاهِدِ لَهُ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْغِنَاءُ فَلَيْسَ يَنْتَهِي إلَى هَذَا الْحَدِّ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَقُلْنَا : إنَّ مِنْهُ مُبَاحًا وَمِنْهُ مَحْظُورًا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَعِبٌ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ قِمَارٌ أَوْ جَهَالَةٌ أَوْ أَمْرٌ يَعُودُ إلَى الْكُفْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } قَدْ بَيَّنَّا اللَّغْوَ ، وَأَنَّهُ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ؛ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ مَضَرَّةٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا فَقَدْ تَأَكَّدَ أَمْرُهُ فِي التَّحْرِيمِ ؛ وَذَلِكَ بِحَسْبِ تِلْكَ الْمَضَرَّةِ فِي اعْتِقَادٍ أَوْ فِعْلٍ ، وَيَتَرَكَّبُ اللَّغْوُ عَلَى الزُّورِ ؛ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْنَى زَائِدٌ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } فَهَذَا مُحَرَّمٌ بِلَا كَلَامٍ .
ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ } يَعْنِي الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ تَكَرَّمُوا عَنْهُ ، حَتَّى قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : إنَّهُ ذِكْرُ الرَّفَثِ ، وَيَكُونُ لَغْوًا مُجَرَّدًا إذَا كَانَ فِي الْحَلَالِ ، وَيَكُونُ زُورًا مُحَرَّمًا إذَا كَانَ فِي الْحَرَامِ ، وَإِنْ احْتَاجَ أَحَدٌ إلَى ذِكْرِ الْفَرْجِ أَوْ النِّكَاحِ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ جَازَ ذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي اعْتَرَفَ عِنْدَهُ بِالزِّنَا : { نِكْتَهَا } ؟ لَا تَكْنِي ، لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ فِي تَقْدِيرِ الْفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَعْنِي الَّذِينَ إذَا قَرَءُوا الْقُرْآنَ قَرَءُوهُ بِقُلُوبِهِمْ قِرَاءَةَ فَهْمٍ وَتَثَبُّتٍ ، وَلَمْ يَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ ؛ فَإِنَّ الْمُرُورَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ فَهْمٍ وَلَا تَثَبُّتٍ صَمَمٌ وَعَمًى عَنْ مُعَايَنَةِ وَعِيدِهِ وَوَعْدِهِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ مَنْ سَمِعَ رَجُلًا وَهُوَ يُصَلِّي يَقْرَأُ سَجْدَةً فَسَجَدَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَلْيَسْجُدْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ إلَّا لِلْقَارِئِ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ذَكَرَهَا مَالِكٌ ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَلَا الْقُرْآنَ ، وَقَرَأَ السَّجْدَةَ ؛ فَإِنْ كَانَ الَّذِي جَلَسَ مَعَهُ جَلَسَ إلَيْهِ لِيَسْمَعَهُ فَلْيَسْجُدْ مَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ السَّمَاعَ مَعَهُ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ .
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ إذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ الَّذِي لَا يُصَلِّي مَعَهُ .
وَهَذَا أَبْعَدُ مِنْهُ .
وَقِيلَ : مَعْنَى الْآيَةِ فِي الَّذِينَ لَا يَعْتَبِرُونَ اعْتِبَارَ الْإِيمَانِ ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِالْقُرْآنِ ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرَادَ بِهِ ، إلَّا أَنَّهُ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُهُمْ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ اعْتِقَادِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { قُرَّةَ أَعْيُنٍ } مَعْنَاهُ أَنَّ النُّفُوسَ تَتَمَنَّى ، وَالْعُيُونَ تَمْتَدُّ إلَى مَا تَرَى مِنْ الْأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ ، حَتَّى إذَا كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ اجْتَمَعَتْ لَهُ فِيهَا أَمَانِيُّهُ مِنْ جَمَالٍ وَعِفَّةٍ وَنَظَرٍ وَحَوْطَةٍ ، أَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ ذُرِّيَّتُهُ مُحَافِظِينَ عَلَى الطَّاعَةِ ، مُعَاوِنِينَ لَهُ عَلَى وَظَائِفِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى زَوْجِ أَحَدٍ ، وَلَا إلَى وَلَدِهِ ، فَتَسْكُنُ عَيْنُهُ عَنْ الْمُلَاحَظَةِ ، وَتَزُولُ نَفْسُهُ عَنْ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِهَا ؛ فَذَلِكَ حِينَ قُرَّةِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ النَّفْسِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا } مَعْنَاهُ قُدْوَةٌ .
كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ " .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : " إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِكُمْ " .
وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتَدُوا بِمَنْ قَبْلَهُمْ فَاقْتَدَى بِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ .
وَكَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ يَقُولُ : الْإِمَامَةُ بِالدُّعَاءِ ، لَا بِالدَّعْوَى يَعْنِي بِتَوْفِيقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَيْسِيرِهِ وَهِبَتِهِ ، لَا بِمَا يَدَّعِيهِ كُلُّ أَحَدٍ لِنَفْسِهِ ، وَيَرَى فِيهَا مَا لَيْسَ لَهُ وِلَايَةٌ .
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاك الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : خَرَجَ مَعَ مُوسَى رَجُلَانِ مِنْ التُّجَّارِ إلَى الْبَحْرِ ، فَلَمَّا أَتَيَا إلَيْهِ قَالَا لَهُ : بِمَ أَمَرَك اللَّهُ ؟ قَالَ : أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَايَ هَذِهِ فَيَجِفُّ .
فَقَالَا لَهُ : افْعَلْ مَا أَمَرَك بِهِ رَبُّك ، فَلَنْ يُخْلِفَك .
ثُمَّ أَلْقَيَا أَنْفُسَهُمَا فِي الْبَحْرِ تَصْدِيقًا لَهُ ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ الْبَحْرُ حَتَّى دَخَلَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ ، ثُمَّ ارْتَدَّ كَمَا كَانَ .
وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِلْبَحْرِ : انْفَلِقْ .
قَالَ : لَقَدْ اسْتَكْبَرْت يَا مُوسَى ، مَا انْفَرَقْت لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَم ، فَأَنْفَلِقَ لَك .
فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاك الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ .
فَصَارَ لِمُوسَى وَأَصْحَابِهِ الْبَحْرُ طَرِيقًا يَابِسًا .
فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى ، وَتَكَامَلَ آخِرُ أَصْحَابِ فِرْعَوْنَ ، انْصَبَّ عَلَيْهِمْ الْبَحْرُ ، وَغَرِقَ فِرْعَوْنُ .
فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مُوسَى : مَا غَرِقَ فِرْعَوْنُ .
فَنُبِذَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، حَتَّى نَظَرُوا إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ مَالِكٌ : دَعَا مُوسَى فِرْعَوْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّ السَّحَرَةَ آمَنُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَذْكُرُ مِنْ أَخْبَارِ الإسرائليات مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ ، أَوْ وَافَقَ السُّنَّةَ أَوْ الْحِكْمَةَ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهَا الشَّرَائِعُ ؛ وَعَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ عَوَّلَ فِي جَامِعِ الْمُوَطَّأِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } : قَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ صَالِحًا ؛ وَيُرَى فِي عَمَلِ الصَّالِحِينَ ، إذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَهُوَ الثَّنَاءُ الصَّالِحُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ : { وَأَلْقَيْت عَلَيْك مَحَبَّةً مِنِّي } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } يَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ مِنْ بَعْدِهِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ؛ فَقُبِلَتْ الدَّعْوَةُ وَلَمْ تَزَلْ النُّبُوَّةُ فِيهِمْ إلَى مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَقِيلَ : إنَّ الْمَطْلُوبَ اتِّفَاقُ الْمِلَلِ كُلِّهَا عَلَيْهِ [ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ] ، فَلَا أُمَّةٌ إلَّا تَقُولُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ ، وَتَدَّعِيهِ ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَطَعَ وِلَايَةَ الْأُمَمِ كُلِّهَا إلَّا وِلَايَتَنَا ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ شُيُوخِ الزُّهْدِ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُكْسِبُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا مَاتَ الْمَرْءُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ ، أَوْ عِلْمٌ عَلَّمَهُ ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : إنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ ، وَكَذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا يُكْتَبُ لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْخَمْسَةُ صَحِيحٌ أَثَرُهَا ؛ وَمَسْأَلَةُ الرِّبَاطِ حَسَنٌ سَنَدُهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ سَلِيمٌ مِنْ الشِّرْكِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ سَلِيمٌ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ .
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا بَنِيَّ ؛ لَا تَكُونُوا لَعَّانِينَ ، فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَلْعَنْ شَيْئًا قَطُّ .
قَالَ اللَّهُ : { إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } وَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ لَدِيغٌ ، أَحْرَقَتْهُ الْمَخَاوِفُ ، وَلَدَغَتْهُ الْخَشْيَةُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّ مَعْنَاهُ إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ مِنْ الشِّرْكِ ؛ فَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْهَا .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَلْبُ سَلِيمًا إذَا كَانَ حَقُودًا حَسُودًا ، مُعْجَبًا مُتَكَبِّرًا ، وَقَدْ شَرَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِرَحْمَتِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : فِي نُزُولِهَا خَبَرٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْأُمَمِ ، وَوَعْظٌ مِنْ اللَّهِ لَنَا فِي مُجَانَبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِهِ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : قَالَ نَافِعٌ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ : { وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } قَالَ : يَعْنِي بِهِ السَّوْطَ وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ ؛ وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ مُوسَى : { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِاَلَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ إنْ تُرِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ } .
وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَسُلَّ عَلَيْهِ سَيْفًا ، وَلَا طَعَنَهُ بِرُمْحٍ ؛ وَإِنَّمَا وَكَزَهُ ، فَكَانَتْ مَيْتَتُهُ فِي وَكْزَتِهِ .
وَالْبَطْشُ يَكُونُ بِالْيَدِ ، وَأَقَلُّهُ الْوَكْزُ وَالدَّفْعُ ، وَيَلِيهِ السَّوْطُ وَالْعَصَا ، وَيَلِيهِ الْحَدِيدُ ؛ وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ إلَّا بِحَقٍّ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي نُزُولِهَا : وَذَاكَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَحَرٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعِدَ الصَّفَا ، ثُمَّ نَادَى : يَا صَبَاحَاهُ وَكَانَتْ دَعْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا دَعَاهَا الرَّجُلُ اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ عَشِيرَتُهُ ، فَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا ، فَعَمَّ وَخَصَّ ، فَقَالَ : { أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصْبِحُكُمْ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْك كَذِبًا .
قَالَ : فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } .
قَالَ : { يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ : يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ لُؤَيٍّ : يَا آلَ قُصَيٍّ ، يَا آلَ عَبْدِ شَمْسٍ ؛ يَا آلَ عَبْدِ مَنَافٍ ، يَا آلَ هَاشِمٍ ؛ يَا آلَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا صَفِيَّةُ أُمَّ الزُّبَيْرِ ؛ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ؛ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ؛ إنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا .
يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، يَا صَفِيَّةُ ، يَا فَاطِمَةُ ؛ سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوْلِيَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُتَّقُونَ ، فَإِنْ تَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَرَابَتِكُمْ فَذَلِكَ ، وَإِيَّايَ لَا يَأْتِي النَّاسُ بِالْأَعْمَالِ ، وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى أَعْنَاقِكُمْ ؛ فَأَصُدُّ بِوَجْهِي عَنْكُمْ ، فَتَقُولُونَ : يَا مُحَمَّدُ ، فَأَقُولُ : هَكَذَا وَصَرَفَ وَجْهَهُ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ؛ غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا } .
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : أَلِهَذَا جَمَعْتنَا ، تَبًّا لَك سَائِرَ الْيَوْمِ .
فَنَزَلَتْ : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [ الْمَسَدُ : ] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ آلَ أَبِي طَالِبٍ لَيْسُوا إلَيَّ بِأَوْلِيَاءٍ ، وَإِنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ ، قَالَ : وَكَانَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بَيَاضٌ يَعْنِي بَعْدَ قَوْلِهِ " إلَيَّ " وَقَدْ بَيَّنَهُ أَبُو دَاوُد فِي جَمْعِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ شُعْبَةَ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ ، فَقَالَ : { آلُ أَبِي طَالِبٍ لَيْسُوا إلَيَّ بِأَوْلِيَاءٍ ، إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : { لَا يَتَّكِلُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ ؛ لَا أَحِلُّ إلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَلَا أُحَرِّمُ إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ، اعْمَلَا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا } .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَالشُّعَرَاءُ } الشِّعْرُ نَوْعٌ مِنْ الْكَلَامِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : حَسَنُهُ كَحَسَنِ الْكَلَامِ ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ يَعْنِي أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ يُكْرَهُ لِذَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِمُتَضَمَّنَاتِهِ .
وَقَدْ كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ عَظِيمَ الْمَوْقِعِ حَتَّى قَالَ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ : وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْرِ الَّذِي كَانَ يُرَدُّ بِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ : { إنَّهُ لَأَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ النَّبْلِ } .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَنْبَأَنَا الْبَرْمَكِيُّ وَالْقَزْوِينِيُّ الزَّاهِدُ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حَيْوَةَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْغَنَوِيُّ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زَحْرِ بْنِ حِصْنٍ عَنْ جَدِّهِ حُمَيْدِ بْنِ مُنْهِبٍ قَالَ : { سَمِعْت جَدِّي خُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ يَقُولُ : هَاجَرْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ ، فَسَمِعْت الْعَبَّاسَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَك .
فَقَالَ : قُلْ ، لَا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاك .
فَقَالَ الْعَبَّاسُ مُمْتَدِحًا : مِنْ قَبْلِهَا طِبْت فِي الظِّلَالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ ثُمَّ هَبَطْت الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقُ بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ أَلْجَمَ نَسْرًا وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلَى رَحِمٍ إذَا مَضَى عَالَمٌ بَدَا طَبَقُ حَتَّى اسْتَوَى
بَيْنَك الْمُهَيْمِنُ مِنْ خِنْدِفٍ عَلْيَاءَ تَحْتَهَا النُّطْقُ وَأَنْتَ لَمَّا بُعِثْت أَشْرَقَتْ الْأَرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِك الْأُفُقُ فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضِّيَاءِ وَفِي النُّورِ وَسُبُلِ الرَّشَادِ نَخْتَرِقُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاك } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ } : يَعْنِي الْجَاهِلُونَ ، مِنْ الْغَيِّ ، وَقَدْ يَكُونُ الْجَهْلُ فِي الْعَقِيدَةِ ، فَيَكُونُ شِرْكًا ، وَيُرَادُ بِهِ الْكُفَّارُ وَالشَّيَاطِينُ .
وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ سَفَاهَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } : يَعْنِي يَمْشُونَ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَحْصِيلٍ ، وَضَرَبَ الْأَوْدِيَةَ فِي السَّيْرِ مَثَلًا لِصُنُوفِ الْكَلَامِ فِي الشِّعْرِ ، لِجَرَيَانِ تِلْكَ سَيْلًا ، وَسَيْرِ هَؤُلَاءِ قَوْلًا ، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : فَسَارَ مَسِيرَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَهَبَّ هُبُوبَ الرِّيحِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } : يَعْنِي مَا يَذْكُرُونَهُ فِي شِعْرِهِمْ مِنْ الْكَذِبِ فِي الْمَدْحِ وَالتَّفَاخُرِ ، وَالْغَزَلِ وَالشَّجَاعَةِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ فِي صِفَةِ السَّيْفِ : تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْت بِهِ بَعْدَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْهَادِي فَهَذَا تَجَاوُزُ بَارِدٍ وَتَحَامُقُ جَاهِلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رُوِيَ أَنَّ { عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، وَكَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ، وَحَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ } وَقَالُوا : هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } يَعْنِي ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا فِي كَلَامِهِمْ ، وَانْتَصَرُوا فِي رَدِّ الْمُشْرِكِينَ عَنْ هِجَائِهِمْ ، } .
كَقَوْلِ حَسَّانَ فِي أَبِي سُفْيَانَ : وَإِنَّ سَنَامَ الْمَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ بَنُو بِنْتِ مَخْزُومٍ وَوَالِدُك الْعَبْدُ وَمَا وَلَدَتْ أَفْنَاءُ زُهْرَةَ مِنْكُمْ كَرِيمًا وَلَا يَقْرُبْ عَجَائِزَك الْمَجْدُ وَلَسْت كَعَبَّاسٍ وَلَا كَابْنِ أُمِّهِ وَلَكِنْ هَجِينٌ لَيْسَ يُورَى لَهُ زَنْدٌ وَإِنَّ امْرَأً كَانَتْ سُمَيَّةُ أُمَّهُ وَسَمْرَاءُ مَغْلُوبٌ إذَا بَلَغَ الْجَهْدُ وَأَنْتَ امْرُؤٌ قَدْ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ كَمَا نِيطَ خَلْفَ الرَّاكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ .
{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ يَقُولُ : خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ فَقَالَ عُمَرُ : يَا بْنَ رَوَاحَةَ ؛ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ الشِّعْرَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ : نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : مِنْ الْمَذْمُومِ فِي الشِّعْرِ التَّكَلُّمُ مِنْ الْبَاطِلِ بِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَرْءُ ؛ رَغْبَةً فِي تَسْلِيَةِ النَّفْسِ ، وَتَحْسِينِ الْقَوْلِ .
رُوِيَ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ نَضْلَةَ
كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : أَلَا هَلْ أَتَى الْحَسْنَاءَ أَنَّ خَلِيلَهَا بِمَيْسَانَ يُسْقَى فِي زُجَاجٍ وَحَنْتَمِ إذَا شِئْت غَنَّتْنِي دَهَاقِينُ قَرْيَةٍ وَرَقَّاصَةٌ تَجْذُو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ فَإِنْ كُنْت نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلِّمِ لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ تَنَادُمُنَا بِالْجَوْسَقِ الْمُتَهَدِّمِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ يَسُوءُنِي ذَلِكَ .
فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَا فَعَلْت شَيْئًا مِمَّا قُلْت ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فَضْلَةً مِنْ الْقَوْلِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَمَّا عُذْرُك فَقَدْ دَرَأَ عَنْك الْحَدَّ ، وَلَكِنْ لَا تَعْمَلْ لِي عَمَلًا أَبَدًا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَقَدْ كَشَفَ الْخَلِيفَةُ الْعَدْلُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَقِيقَةَ أَحْوَالِ الشُّعَرَاءِ ، وَكَشَفَ سَرَائِرَهُمْ ، وَانْتَحَى مَعَايِبَهُمْ فِي أَشْعَارِهِمْ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفَدَتْ إلَيْهِ الشُّعَرَاءُ ، كَمَا كَانَتْ تَفِدُ إلَى الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالدُّخُولِ ، حَتَّى قَدِمَ عُدَيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَكَانَتْ لَهُ مَكَانَةٌ فَتَعَرَّضَ لَهُ جَرِيرٌ ، فَقَالَ : يَأَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ هَذَا زَمَانُك إنِّي قَدْ خَلَا زَمَنِي أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إنْ كُنْت لَاقِيَهُ أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالْمَصْفُودِ فِي قَرَنِ وَحْشُ الْمَكَانَةِ مِنْ أَهْلِي وَمِنْ وَلَدِي نَائِي الْمَحَلَّةِ عَنْ دَارِي وَعَنْ وَطَنِي فَقَالَ : نَعَمْ ، أَبَا حَزْرَةَ وَنُعْمَى عَيْنٍ .
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى عُمَرَ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إنَّ الشُّعَرَاءَ بِبَابِك ، وَأَقْوَالُهُمْ بَاقِيَةٌ ، وَسِهَامُهُمْ مَسْمُومَةٌ .
فَقَالَ عُمَرُ : مَا لِي
وَلِلشُّعَرَاءِ ، قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مُدِحَ وَأَعْطَى ، وَفِيهِ أُسْوَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .
قَالَ : وَمَنْ مَدَحَهُ ؟ قَالَ : عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فَكَسَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ .
قَالَ : نَعَمْ ، فَأَنْشَدَهُ : رَأَيْتُك يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا نَشَرْت كِتَابًا جَاءَ بِالْحَقِّ مُعْلِمَا سَنَنْت لَنَا فِيهِ الْهُدَى بَعْدَ جَوْرِنَا عَنْ الْحَقِّ لَمَّا أَصْبَحَ الْحَقُّ مُظْلِمَا فَمَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي النَّبِيَّ مُحَمَّدًا وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا قَدْ تَكَلَّمَا تَعَالَى عُلُوًّا فَوْقَ عَرْشِ إلَهِنَا وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَى وَأَعْظَمَا قَالَ : صَدَقْت ، فَمَنْ بِالْبَابِ مِنْهُمْ ؟ قَالَ : ابْنُ عَمِّك عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ .
قَالَ : لَا قَرَّبَ اللَّهُ قَرَابَتَهُ ، وَلَا حَيَّا وَجْهَهُ ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ : أَلَا لَيْتَ أَنِّي يَوْمَ بَانُوا بِمَيْتَتِي شَمَمْت الَّذِي مَا بَيْنَ عَيْنَيْك وَالْفَمِ وَلَيْتَ طَهُورِي كَانَ رِيقَك كُلَّهُ وَلَيْتَ حَنُوطِي مِنْ مُشَاشِك وَالدَّمِ وَيَا لَيْتَ سَلْمَى فِي الْقُبُورِ ضَجِيعَتِي هُنَالِكَ أَوْ فِي جَنَّةٍ أَوْ جَهَنَّمِ فَلَيْتَ عَدُوَّ اللَّهِ تَمَنَّى لِقَاءَهَا فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا ؛ وَاَللَّهِ لَا دَخَلَ عَلَيَّ أَبَدًا .
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْعُذْرِيُّ .
قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ : أَلَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَمِيعًا وَإِنْ نَمُتْ يُوَافِي لَدَى الْمَوْتَى ضَرِيحِي ضَرِيحُهَا فَمَا أَنَا فِي طُولِ الْحَيَاةِ بِرَاغِبٍ إذَا قِيلَ قَدْ سَوِّي عَلَيْهَا صَفِيحُهَا أَظَلُّ نَهَارِي لَا أَرَاهَا وَيَلْتَقِي مَعَ اللَّيْلِ رُوحِي فِي الْمَنَامِ وَرُوحُهَا اُعْزُبْ بِهِ ، فَلَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا .
فَمَنْ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : كُثَيِّرُ عَزَّةَ .
قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقُولُ : رُهْبَانُ مَدْيَنَ وَاَلَّذِينَ عَهِدْتهمْ يَبْكُونَ مِنْ حَذَرِ الْعَذَابِ قُعُودَا لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْت كَلَامَهَا خَرُّوا لِعَزَّةِ رُكَّعًا وَسُجُودَا اُعْزُبْ بِهِ .
فَمَنْ
بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : الْأَحْوَصُ الْأَنْصَارِيُّ .
قَالَ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَارِيَةً لَهُ حَتَّى هَرَبَتْ مِنْهُ قَالَ : اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِهَا يَفِرُّ مِنِّي بِهَا وَأَتَّبِعُ اُعْزُبْ بِهِ .
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قَالَ : هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ الْفَرَزْدَقُ .
قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ يَفْخَرُ بِالزِّنَا : هُمَا دَلَّيَانِي مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً كَمَا انْقَضَّ بَازٍ أَقْتَمُ الرِّيشِ كَاسِرُهْ فَلَمَّا اسْتَوَتْ رِجْلَايَ فِي الْأَرْضِ قَالَتَا أَحَيٌّ يُرَجَّى أَمْ قَتِيلٌ نُحَاذِرُهْ فَقُلْت ارْفَعُوا الْأَمْرَاسَ لَا يَشْعُرُوا بِنَا وَوَلَّيْت فِي أَعْقَابِ لَيْلٍ أُبَادِرُهْ اُعْزُبْ بِهِ .
فَوَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا .
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : الْأَخْطَلُ التَّغْلِبِيُّ .
قَالَ : هُوَ الْقَائِلُ : فَلَسْت بِصَائِمٍ رَمَضَانَ عُمْرِي وَلَسْت بِآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِيّ وَلَسْت بِزَاجِرٍ عِيسًا رَكُوبًا إلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ لِلنَّجَاحِ وَلَسْت بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ يَدْعُو قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شَمُولًا وَأَسْجُدُ عِنْدَ مُنْبَلَجِ الصَّبَاحِ اُعْزُبْ بِهِ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئَ بِسَاطِي .
فَمَنْ بِالْبَابِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْت ؟ قُلْت : جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيُّ قَالَ : أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلَ : لَوْلَا مُرَاقَبَةُ الْعُيُونِ أَرَيْتنَا مُقَلَ الْمَهَا وَسَوَالِفَ الْآرَامِ ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الْأَيَّامِ طَرَقَتْك صَائِدَةُ الْقُلُوبِ وَلَيْسَ ذَا حِينَ الزِّيَارَةِ فَارْجِعِي بِسَلَامِ فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهَذَا ، فَأْذَنْ لَهُ فَخَرَجْت إلَيْهِ ، فَقُلْت : اُدْخُلْ أَبَا حَزْرَةَ ، فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ : إنَّ الَّذِي بَعَثَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا جَعَلَ الْخِلَافَةَ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَسِعَ الْبَرِيَّةَ عَدْلُهُ وَوَفَاؤُهُ حَتَّى ارْعَوى وَأَقَامَ مَيْلَ الْمَائِلِ إنِّي لَأَرْجُو مِنْك خَيْرًا عَاجِلًا وَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ
الْعَاجِلِ فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ يَا جَرِيرُ ، وَلَا تَقُلْ إلَّا حَقًّا ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ : كَمْ بِالْيَمَامَةِ مِنْ شَعْثَاءَ أَرْمَلَةٍ وَمِنْ يَتِيمٍ ضَعِيفِ الصَّوْتِ وَالنَّظَرِ مِمَّنْ يَعُدُّك تَكْفِي فَقْدَ وَالِدِهِ كَالْفَرْخِ فِي الْعُشِّ لَمْ يَدْرُجْ وَلَمْ يَطِرْ إنَّا لَنَرْجُو إذَا مَا الْغَيْثُ أَخْلَفَنَا مِنْ الْخَلِيفَةِ مَا نَرْجُو مِنْ الْمَطَرِ أَتَى الْخِلَافَةَ إذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ النَّطْرُونِيُّ الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْت حَاجَتَهَا فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ فَقَالَ : يَا جَرِيرُ لَقَدْ وُلِّيت هَذَا الْأَمْرَ ، وَمَا أَمْلِكُ إلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَمِائَةٌ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ ، وَمِائَةٌ أَخَذَتْهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ ، يَا غُلَامُ ، أَعْطِهِ الْمِائَةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : وَاَللَّهِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّهَا لَأَحَبُّ مَالٍ كَسَبْتُهُ إلَيَّ .
ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ لَهُ الشُّعَرَاءُ : مَا وَرَاءَك ؟ قَالَ : مَا يَسُوءُكُمْ ، خَرَجْت مِنْ عِنْدِ أَمِيرٍ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ ، وَيَمْنَعُ الشُّعَرَاءَ ، وَإِنِّي عَنْهُ لَرَاضٍ ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : رَأَيْت رُقَى الشَّيْطَانِ لَا تَسْتَفِزُّهُ وَقَدْ كَانَ شَيْطَانِي مِنْ الْجِنِّ رَاقِيَا وَلَمَّا وَلِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَفَدَ إلَيْهِ نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ : حَكَيْت لَنَا الْفَارُوقَ لَمَّا وَلِيتَنَا وَعُثْمَانَ وَالصِّدِّيقَ فَارْتَاحَ مُعْدِمُ وَسَوَّيْت بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحَقِّ فَاسْتَوَوْا فَعَادَ صَبَاحًا حَالِكُ اللَّوْنِ مُظْلِمُ أَتَاك أَبُو لَيْلَى يَجُوبُ بِهِ الدُّجَى دُجَى اللَّيْلِ جَوَّابُ الْفَلَاةِ عَثَمْثَمُ لِتَجْبُرَ مِنَّا جَانِبًا دَعْدَعَتْ بِهِ صُرُوفُ اللَّيَالِيِ وَالزَّمَانُ الْمُصَمِّمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ : هَوِّنْ عَلَيْك أَبَا لَيْلَى ، فَالشِّعْرُ أَدْنَى وَسَائِلُكَ عِنْدَنَا ، أَمَّا صَفْوَةُ مَالِنَا فَلِآلِ الزُّبَيْرِ ، وَأَمَّا عَفْوَتُهُ فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ وَتَمِيمًا شَغَلَاهَا عَنْك ، وَلَكِنْ لَك فِي مَالِ اللَّهِ سَهْمَانِ
: سَهْمٌ بِرُؤْيَتِك رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهْمٌ بِشَرِكَتِك أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي فَيْئِهِمْ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ ، وَدَخَلَ دَارَ الْمَغْنَمِ فَأَعْطَاهُ قَلَائِصَ سَبْعًا ، وَجَمَلًا رَحِيلًا ، وَأَوْقَرَ لَهُ الرِّكَابَ بُرًّا وَتَمْرًا ، فَجَعَلَ النَّابِغَةُ يَسْتَعْجِلُ ، وَيَأْكُلُ الْحَبَّ صِرْفًا .
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : وَيْحَ أَبِي لَيْلَى ، لَقَدْ بَلَغَ بِهِ الْجَهْدُ ، فَقَالَ النَّابِغَةُ : أَشْهَدُ ، لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : مَا وَلِيَتْ ؟ ؟ قُرَيْشٌ فَعَدَلَتْ ، وَلَا اُسْتُرْحِمَتْ فَرُحِمَتْ ، وَحَدَّثَتْ فَصَدَقَتْ ، وَوَعَدَتْ فَأَنْجَزَتْ ، فَأَنَا وَالنَّبِيُّونَ فُرَّاطُ الْقَاصِفِينَ } .
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : فَكَأَنَّ الْفَارِطَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إلَى الْمَاءِ يُصْلِحُ الرِّشَاءَ وَالدِّلَاءَ .
وَالْقَاصِفُ : الَّذِي يَتَقَدَّمُ لِشِرَاءِ الطَّعَامِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِيهِ : أَمَّا الِاسْتِعَارَاتُ وَالتَّشْبِيهَاتُ فَمَأْذُونٌ فِيهَا وَإِنْ اسْتَغْرَقَتْ الْحَدَّ ، وَتَجَاوَزَتْ الْمُعْتَادَ ، فَبِذَلِكَ يَضْرِبُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالرُّؤْيَا الْمَثَلَ ، وَقَدْ أَنْشَدَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إذْ رَحَلُوا إلَّا أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّهُ مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ فَجَاءَ فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ مِنْ الِاسْتِعَارَاتِ وَالتَّشْبِيهَاتِ بِكُلِّ بَدِيعٍ .
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ وَلَا يُنْكِرُ ، حَتَّى فِي تَشْبِيهِ رِيقَهَا بِالرَّاحِ .
وَقَدْ كَانَتْ حَرُمَتْ قَبْلَ إنْشَادِهِ لِهَذِهِ الْقَصِيدَةِ ، وَلَكِنَّ تَحْرِيمَهَا لَمْ يَمْنَعْ عِنْدَهُمْ طِيبَهَا ؛ بَلْ تَرَكُوهَا عَلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالِاسْتِحْسَانِ لَهَا ؛ فَكَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأُجُورِهِمْ ، وَمِنْ النَّاسِ قَلِيلٌ مَنْ يَتْرُكُهَا اسْتِقْذَارًا لَهَا ، وَإِنَّهَا
لَأَهْلٌ لِذَلِكَ عِنْدِي ، وَإِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ النَّاسِ فِي تَلَذُّذِهِمْ بِهَا وَاسْتِطَابَتِهِمْ لَهَا ، و وَاَللَّهِ مَا هِيَ إلَّا قَذِرَةٌ بَشِعَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَاَللَّهُ يَعْصِمُ مِنْ الْمَعَاصِي بِعِزَّتِهِ .
وَبِالْجُمْلَةِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْعَبْدِ الشِّعْرُ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ قَوْلَهُ وَزَمَانَهُ ، فَذَلِكَ مَذْمُومٌ شَرْعًا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا } .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَلَا مَعْبُودَ إلَّا إيَّاهُ .
سُورَةُ النَّمْلِ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ } .
وَأَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، إنَّمَا وَرَّثُوا عِلْمًا } .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُد } قُلْنَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَرَادَ بِالْإِرْثِ هَاهُنَا نُزُولَهُ مَنْزِلَتَهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ ، وَكَانَ لِدَاوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَخَصَّ سُلَيْمَانَ بِالذِّكْرِ ، وَلَوْ كَانَتْ وِرَاثَةَ مَالٍ لَانْقَسَمَتْ عَلَى الْعَدَدِ ، فَخَصَّهُ بِمَا كَانَ لِدَاوُدَ ، وَزَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي مَنْطِقِ الطَّيْرِ ، وَهُوَ صَوْتٌ تَتَفَاهَمُ بِهِ فِي مَعَانِيهَا عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِخِلَافِ مَنْطِقِنَا ، فَإِنَّهُ عَلَى صِيَغٍ مُخْتَلِفَةٍ ، نَفْهَمُ بِهِ مَعَانِيَهَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَفِي الْمُوَاضَعَاتِ غَرَائِبُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْتَ الْبُوقِ تُفْهَمُ مِنْهُ أَفْعَالٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ حَلٍّ وَتَرْحَالٍ ، وَنُزُولٍ وَانْتِقَالٍ ، وَبَسْطٍ وَرَبْطٍ ، وَتَفْرِيقٍ وَجَمْعٍ ، وَإِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ ، بِحَسْبِ الْمُوَاضَعَةِ وَالِاصْطِلَاحِ .
وَقَدْ كَانَ صَاحِبُنَا مُمَوَّسٌ الدُّرَيْدِيُّ يَقْرَأُ مَعَنَا بِبَغْدَادَ ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ كَلَامُهُمْ حُرُوفُ الشَّفَتَيْنِ ، لَيْسَ لِحُرُوفِ الْحَلْقِ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ .
فَجَعَلَ اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ مُعْجِزَةَ فَهْمِ كَلَامِ الطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ الطَّيْرَ لِأَجْلِ سَوْقِ قِصَّةِ الْهُدْهُدِ بَعْدَهَا .
أَلَا تَرَاهُ كَيْفَ ذَكَرَ قِصَّةَ النَّمْلِ مَعَهَا ، وَلَيْسَتْ مِنْ الطَّيْرِ .
وَلَا خِلَافَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ كُلَّهَا لَهَا أَفْهَامٌ وَعُقُولٌ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْحَمَامُ أَعْقَلُ الطَّيْرِ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِيِّينَ : اُنْظُرُوا إلَى النَّمْلَةِ كَيْفَ تُقَسِّمُ كُلَّ حَبَّةٍ تَدَّخِرُهَا نِصْفَيْنِ لِئَلَّا يَنْبُتَ الْحَبُّ ، إلَّا حَبَّ الْكُزْبَرَةِ فَإِنَّهَا تُقَسِّمُ الْحَبَّةَ مِنْهُ عَلَى أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّهَا إذَا قُسِّمَتْ بِنِصْفَيْنِ تَنْبُتُ ، وَإِذَا قُسِّمَتْ بِأَرْبَعَةِ أَنْصَافٍ لَمْ تَنْبُتْ .
وَهَذِهِ مِنْ غَوَامِضِ الْعُلُومِ عِنْدَنَا ، وَأَدْرَكَتْهَا النَّمْلُ بِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهَا .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمُظَفَّرِ شَاهْ نُورٍ الْإسْفَرايِينِيّ : وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُدْرِكَ الْبَهَائِمُ حُدُوثَ الْعَالَمِ ، وَخَلْقَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَوَحْدَانِيَّةَ الْإِلَهِ ، وَلَكِنَّا لَا نَفْهَمُ عَنْهُمْ ، وَلَا تَفْهَمُ عَنَّا ، أَمَّا أَنَّا نَطْلُبُهَا وَهِيَ تَفِرُّ مِنَّا فَبِحُكْمِ الْجِنْسِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ
الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى قَصْرٍ بِالْعِرَاقِ ، فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ : خَرَجْنَا مِنْ قُرَى إصْطَخْرِ إلَى الْقَصْرِ فَقُلْنَاهُ فَمَنْ سَالَ عَنْ الْقَصْرِ فَمَبْنِيًّا وَجَدْنَاهُ وَعَلَى الْقَصْرِ نَسْرٌ ، فَنَادَاهُ سُلَيْمَانُ ، فَأَقْبَلَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : مُذْ كَمْ أَنْتَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : مُذْ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ .
وَوَجَدْت الْقَصْرَ عَلَى هَيْئَتِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : قَرَأْت بِمَدِينَةِ السَّلَامِ عَلَى أَبِي بَكْرِ النَّجِيبِ بْنِ الْأَسْعَدِ قَالَ : أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَتُّوحٍ الرُّصَافِيُّ ، أَنْبَأَنَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرِّفَاعِيُّ ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِأَصْبَهَانَ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَّابِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْإِفْرِيقِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد يَرْكَبُ الرِّيحَ مِنْ إصْطَخْرَ فَيَتَغَدَّى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَتَعَشَّى بِإِصْطَخْرِ .
فَقَالَ : إنَّ ابْنَ حَبِيبٍ أَدْرَكَ مَالِكًا ، وَمَا أَرَاهُ وَلَا هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا مَقْطُوعًا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَرَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ ، فَأَمَرَ بِجِهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { يُوزَعُونَ } يَعْنِي يَمْنَعُونَ وَيَدْفَعُونَ ، وَيَرُدُّ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى يُلْهَمُونَ مِنْ قَوْلِهِ : { أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك } أَيْ أَلْهِمْنِي .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْأُولَى ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ رُدَّنِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَشْهَبُ قَالَ : قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : قَالَ عُثْمَانُ : مَا يَزَعُ النَّاسَ السُّلْطَانُ أَكْثَرَ مِمَّا يَزَعُهُمْ الْقُرْآنُ .
قَالَ مَالِكٌ : يَعْنِي يَكُفُّهُمْ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِثْلُهُ ، وَزَادَ ثُمَّ تَلَا مَالِكٌ : { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أَيْ يُكَفُّونَ .
وَقَدْ جَهِلَ قَوْمٌ الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ السُّلْطَانِ تَرْدَعُ النَّاسَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرْدَعُهُمْ حُدُودُ الْقُرْآنِ .
وَهَذَا جَهْلٌ بِاَللَّهِ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَوَضْعِهِ لِخَلْقِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَا وَضَعَ الْحُدُودَ إلَّا مَصْلَحَةً عَامَّةً كَافَّةً قَائِمَةً بِقِوَامِ الْحَقِّ ، لَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا وَلَا نُقْصَانَ مَعَهَا ، وَلَا يَصْلُحُ سِوَاهَا ، وَلَكِنَّ الظَّلَمَةَ خَاسُوا بِهَا ، وَقَصَّرُوا عَنْهَا ، وَأَتَوْا مَا أَتَوْا بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنْهَا ، وَلَمْ يَقْصِدُوا وَجْهَ اللَّهِ فِي الْقَضَاءِ بِهَا ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرْتَدِعْ الْخَلْقُ بِهَا .
وَلَوْ حَكَمُوا بِالْعَدْلِ ؛ وَأَخْلِصُوا النِّيَّةَ ، لَاسْتَقَامَتْ الْأُمُورُ ، وَصَلُحَ الْجُمْهُورُ ؛ وَقَدْ شَاهَدْتُمْ مِنَّا إقَامَةَ الْعَدْلِ وَالْقَضَاءَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بِالْحَقِّ ، وَالْكَفَّ لِلنَّاسِ بِالْقِسْطِ ، وَانْتَشَرَتْ الْأَمَنَةُ ، وَعَظُمَتْ الْمَنَعَةُ ، وَاتَّصَلَتْ فِي الْبَيْضَةِ الْهُدْنَةُ ، حَتَّى غَلَبَ قَضَاءُ اللَّهِ بِفَسَادِ الْحَسَدَةِ ، وَاسْتِيلَاءِ الظَّلَمَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى { حَتَّى إذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَأَيْت بَعْضَ الْبَصْرِيِّينَ قَدْ قَالَ : إنَّ النَّمْلَةَ كَانَ لَهَا جَنَاحَانِ ، فَصَارَتْ فِي جُمْلَةِ الطَّيْرِ ، وَلِذَلِكَ فَهِمَ مَنْطِقَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ؛ وَهَذَا نُقْصَانٌ عَظِيمٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ فِي ذِكْرِ الطَّيْرِ خُصُوصًا دُونَ سَائِرِ الْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ ، وَمَا لَا يَعْقِلُ .
وَقَدْ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْهَمُ كَلَامَ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ ، وَيُخْلَقُ لَهُ فِيهِ الْقَوْلُ مِنْ النَّبَاتِ ؛ فَكَانَ كُلُّ نَبَاتٍ يَقُولُ لَهُ : أَنَا شَجَرَةُ كَذَا ، أَنْفَعُ مِنْ كَذَا ، وَأَضُرُّ مِنْ كَذَا ، وَفَائِدَتِي كَذَا ، فَمَا ظَنُّك بِالْحَيَوَانِ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } فَانْظُرْ إلَى فَهْمِهَا بِأَنَّ جُنْدَ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُؤْذِي نَمْلَةً مَعَ الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ ، وَالْعِلْمِ بِهِ ، تَقِيَّةً لِسُلَيْمَانَ ؛ لِأَنَّ مِنْهُمْ التَّقِيَّ وَالْفَاجِرَ ، وَالْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ ؛ إذْ كَانَ فِيهِمْ الشَّيَاطِينُ .
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ جَيْشِ مُحَمَّدٍ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَفِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ مِنْ كِتَابِ " أَنْوَارِ الْفَجْرِ " .
وَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ إلَى أَنْ يَقُولُوا : إنَّ مَعْنَاهُ : وَالنَّمْلُ لَا يَشْعُرُونَ ، فَخَرَجَ مِنْ خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ إلَى خِطَابِ الْغَائِبِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ إلَّا إبْطَالَ الْمُعْجِزَةِ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّقْوِيمِ .
كَمَا انْتَهَى الْإِفْرَاطُ بِقَوْمٍ إلَى أَنْ يَقُولُوا : إنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّمْلَةِ لَهُ أَنْ قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ أَرَى لَك مُلْكًا عَظِيمًا ، فَمَا أَعْظَمُ جُنْدِك ؟ قَالَ لَهَا : تَسْخِيرُ الرِّيحِ .
قَالَتْ لَهُ : إنَّ اللَّهَ أَعْلَمَك أَنَّ كُلَّ مَا أَنْتَ فِيهِ فِي الدُّنْيَا رِيحٌ .
وَمَا أَحْسَنُ الِاقْتِصَادَ ، وَأَضْبَطُ السَّدَادَ لِلْأُمُورِ وَالِانْتِقَادَ ،
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِك فِي عِبَادِك الصَّالِحِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَوْلُ فِي التَّبَسُّمِ : وَهُوَ أَوَّلُ الضَّحِكِ ، وَآخِرُهُ بُدُوُّ النَّوَاجِذِ ؛ وَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ الْقَهْقَهَةِ ، وَجُلُّ ضَحِكِ الْأَنْبِيَاءِ التَّبَسُّمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مِنْ الضَّحِكِ مَكْرُوهٌ ، لِقَوْلِهِ : { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَانَ لَا يَضْحَكُ ؛ اهْتِمَامًا بِنَفْسِهِ وَفَسَادِ حَالِهِ فِي اعْتِقَادِهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا طَائِعًا .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَضْحَكُ ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ فِي الْكُفَّارِ : { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ النِّفَاقِ يَعْنِي ضَحِكَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ تَهْدِيدٌ لَا أَمْرٌ بِالضَّحِكِ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رِفَاعَةُ طَلَّقَهَا فَبَتَّ طَلَاقَهَا ، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَاَللَّهِ مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ الْهُدْبَةُ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبَابِهَا ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَخَالِدٌ جَالِسَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي : يَا أَبَا بَكْرٍ ، اُنْظُرْ مَا تَجْهَرُ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّبَسُّمِ .
ثُمَّ قَالَ : لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ .
} الْحَدِيثَ .
{ وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ
قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ عَلَى صَوْتِهِ ؛ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ ، فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ .
فَقَالَ : أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَقَالَ : عَجِبْت مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي ، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَك تَبَادَرْنَ الْحِجَابَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ بِالطَّائِفِ قَالَ : إنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَفْتَحَهَا .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاغْدُوَا عَلَى الْقِتَالِ .
قَالَ : فَغَدَوْا ، فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا ، وَكَثُرَتْ الْجِرَاحَاتُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ : فَسَكَتُوا .
قَالَ : فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ { : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَكْت ، وَأَهْلَكْت ، وَقَعْت عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ .
قَالَ : اعْتِقْ رَقَبَةً .
قَالَ : لَيْسَ لِي مَالٌ .
قَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ .
قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قَالَ : لَا أَجِدُ .
قَالَ : فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ بِعَرَقِ تَمْرٍ .
وَالْعَرَقُ : الْمِكْتَلُ .
فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ : أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي ، وَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا .
فَضَحِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ .
قَالَ : فَأَنْتُمْ إذًا } .
وَلَمَّا سَأَلَهُ النَّاسُ الْمَطَرَ فَأُمْطِرُوا ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الصَّحْوَ ضَحِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ قِيلَ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكَ سُلَيْمَانُ ؟ قُلْنَا :
فِيهِ أَقْوَالٌ : أَصَحُّهَا أَنَّهُ ضَحِكَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي تَسْخِيرِ الْجَيْشِ وَعَظِيمِ الطَّاعَةِ ، حَتَّى لَا يَكُونَ اعْتِدَاءً .
وَلِذَلِكَ قَالَ : { أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } وَهُوَ حَقِيقَةُ الشُّكْرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ تَفَقُّدِهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تُظِلُّ سُلَيْمَانُ مِنْ الشَّمْسِ حَتَّى تَصِيرَ عَلَيْهِ صَافَّاتٍ ، كَالْغَمَامَةِ ، فَطَارَ الْهُدْهُدُ عَنْ مَوْضِعِهِ ، فَأَصَابَتْ الشَّمْسُ سُلَيْمَانَ ، فَتَفَقَّدَهُ حِينَئِذٍ .
الثَّانِي : أَنَّ الْهُدْهُدَ كَانَ يَرَى تَحْتَ الْأَرْضِ الْمَاءَ ، فَكَانَ يَنْزِلُ بِجَيْشِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْهُدْهُدِ : اُنْظُرْ بُعْدَ الْمَاءِ مِنْ قُرْبِهِ ، فَيُشِيرُ لَهُ إلَى بِقْعَةٍ ، فَيَأْمُرُ الْجِنَّ فَتَسْلُخُ الْأَرْضَ سَلْخَ الْأَدِيمِ ، حَتَّى تَبْلُغَ الْمَاءَ ، فَيَسْتَقِي وَيَسْقِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ سُلَيْمَانُ : مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ .
وَلَمْ يَقُلْ : مَا لِلْهُدْهُدِ لَا أَرَاهُ ، قَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّهِيدُ : قَالَ لَنَا جَمَالُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الصُّوفِيَّةِ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ : إنَّمَا قَالَ : [ مَالِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ] ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ حَالَ نَفْسِهِ ؟ إذْ عَلِمَ أَنَّهُ أُوتِيَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ ، وَسُخِّرَ لَهُ الْخَلْقُ ، فَقَدْ لَزِمَهُ حَقُّ الشُّكْرِ بِإِقَامَةِ الطَّاعَةِ وَإِدَامَةِ الْعَمَلِ .
فَلَمَّا فَقَدَ نِعْمَةَ الْهُدْهُدِ تَوَقَّعَ أَنْ يَكُونَ قَصَّرَ فِي حَقِّ الشُّكْرِ ، فَلِأَجْلِهِ سُلِبَهَا ، فَجَعَلَ يَتَفَقَّدُ نَفْسَهُ ، فَقَالَ : مَالِي ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ إذَا فَقَدُوا آمَالَهُمْ تَفَقَّدُوا أَعْمَالَهُمْ .
هَذَا فِي الْآدَابِ ، فَكَيْفَ بِنَا الْيَوْمَ ، وَنَحْنُ نُقَصِّرُ فِي الْفَرَائِضِ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يَدُلُّ مِنْ سَلِيمَانِ عَلَى تَفَقُّدِهِ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمْ ، فَانْظُرُوا إلَى الْهُدْهُدِ وَإِلَى صِغَرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْهُ حَالُهُ ، فَكَيْفَ بِعَظَائِمِ الْمُلْكِ ؟ وَيَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى سِيرَتِهِ قَالَ : " لَوْ
أَنَّ سَخْلَةً بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ أَخَذَهَا الذِّئْبُ لَيُسْأَلُ عَنْهَا عُمَرُ ، فَمَا ظَنُّك بِوَالٍ تَذْهَبُ عَلَى يَدَيْهِ الْبُلْدَانُ ، وَتَضِيعُ الرَّعِيَّةُ ، وَتَضِيعُ الرُّعْيَانُ ، الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ سَمِعَهُ يَذْكُرُ شَأْنَ الْهُدْهُدِ هَذَا : قِفْ يَا وَقَّافٍ .
كَيْفَ يَرَى الْمَاءَ تَحْتَ الْأَرْضِ ، وَلَا يَرَى الْحَبَّةَ فِي الْفَخِّ .
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بَدِيهَةً : إذَا نَزَلَ الْقَدَرُ عَشِيَ الْبَصَرُ .
وَلَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إلَّا عَالِمُ الْقُرْآنِ وَقَدْ أَنْشَدَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التِّنِّيسِيُّ الْوَاعِظُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى : إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا بِامْرِئٍ وَكَانَ ذَا عَقْلٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرْ وَحِيلَةٍ يَعْمَلُهَا فِي دَفْعِ مَا يَأْتِي بِهِ مَكْرُوهُ أَسْبَابِ الْقَدَرْ غَطَّى عَلَيْهِ سَمْعَهُ وَعَقْلَهُ وَسَلَّهُ مِنْ ذِهْنِهِ سَلَّ الشَّعَرْ حَتَّى إذَا أَنْفَذَ فِيهِ حُكْمَهُ رَدَّ عَلَيْهِ عَقْلَهُ لِيَعْتَبِرْ
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّيْرَ كَانُوا مُكَلَّفِينَ ؛ إذْ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ فِعْلٍ إلَّا مَنْ كُلِّفَ ذَلِكَ الْفِعْلَ ، وَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى جَهْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ مِنْ سُلَيْمَانَ اسْتِدْلَالًا بِالْأَمَارَاتِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلطَّيْرِ عَقْلٌ ، وَلَا كَانَ لِلْبَهَائِمِ عِلْمٌ ، وَلَا أُوتِيَ سُلَيْمَانُ عِلْمَ مَنْطِقِ الطَّيْرِ .
وَقَاتَلَهُمْ اللَّهُ ، مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْخَلْقِ فَضْلًا عَنْ الْخَالِقِ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَانَ الْهُدْهُدُ صَغِيرَ الْجُرْمِ ، وَوُعِدَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ لِعَظِيمِ الْجُرْمِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ عَلَى قَدْرِ الذَّنْبِ ، لَا عَلَى قَدْرِ الْجَسَدِ ، أَمَّا إنَّهُ يُرْفَقُ بِالْمَحْدُودِ فِي الزَّمَانِ وَالصِّفَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَحْكَامِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ يَقُولُ لِلْكَبِيرِ ، وَالْمُتَعَلِّمُ لِلْعَالِمِ : عِنْدِي مَا لَيْسَ عِنْدَك ، إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ وَتَيَقَّنَهُ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي آدَابِ الْعِلْمِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هِيَ بِلْقِيسُ بِنْتُ شُرَحْبِيلَ مَلِكَةُ سَبَأٍ ، وَأُمُّهَا جِنِّيَّةٌ بِنْتُ أَرْبَعِينَ مَلِكًا .
وَهَذَا أَمْرٌ تُنْكِرُهُ الْمُلْحِدَةُ .
وَيَقُولُونَ : إنَّ الْجِنَّ لَا يَأْكُلُونَ ، وَلَا يَلِدُونَ وَكَذَبُوا لَعَنَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ .
ذَلِكَ صَحِيحٌ وَنِكَاحُهُمْ مَعَ الْإِنْسِ جَائِزٌ عَقْلًا .
فَإِنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِلَّا بَقَيْنَا عَلَى أَصْلِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ فِي سَبَأٍ : هُوَ رَجُلٌ وُلِدَ لَهُ عَشْرَةُ أَوْلَادٍ ، وَكَانَ لَهُمْ خَبَرٌ فَسَمَّى الْبَلَدَ بِاسْمِ الْقَبِيلَةِ } ، أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ الْقَبِيلَةِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى الْبَلَدَ بِاسْمِ الْقَبِيلَةِ .
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيِّ ، قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا أُقَاتِلُ مَنْ أَدْبَرَ مِنْ قَوْمِي بِمَنْ أَقْبَلَ مِنْهُمْ ، فَأَذِنَ لِي فِي قِتَالِهِمْ وَأَمَرَنِي .
فَلَمَّا خَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ سَأَلَ عَنِّي مَا فَعَلَ الْقَطِيفِيُّ ؟ فَأَخْبَرَ بِأَنِّي قَدْ سِرْت .
قَالَ : فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَرَدَّنِي ، فَأَتَيْته ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : اُدْعُ الْقَوْمَ ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ مِنْهُ ، وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَلَا تَعْجَلْ حَتَّى أُحْدِثَ لَك .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي سَبَأٍ مَا أَنْزَلَ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا سَبَأٌ ؟ أَرْضٌ أَوْ امْرَأَةٌ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنْ الْعَرَبِ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ ، وَتَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ ؟ فَأَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْمُ وَجُذَامُ وَغَسَّانُ وَعَامِلَةُ .
وَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْدُ ، وَالْأَشْعَرِيُّونَ ، وَحِمْيَرُ ، وَكِنْدَةُ ، وَمِذْحَجُ ، وَأَنْمَارٌ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَمَا أَنْمَارُ ؟ قَالَ : الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبُجَيْلَةُ } .
وَرُوِيَ فِي هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ آخَرُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ كِسْرَى لَمَّا مَاتَ وَلَّى قَوْمُهُ بِنْتَهُ : لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ خَلِيفَةً ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ إمَامِ الدِّينِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ قَاضِيَةً ؛ وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ ؛ وَلَعَلَّهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا [ إنَّمَا ] تَقْضِي فِيمَا تَشْهَدُ فِيهِ ، وَلَيْسَ بِأَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَلَا بِأَنْ يُكْتَبَ لَهَا مَنْشُورٌ بِأَنَّ فُلَانَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحُكْمِ ، إلَّا فِي الدِّمَاءِ وَالنِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَسَبِيلِ التَّحْكِيمِ أَوْ الِاسْتِبَانَةِ فِي الْقَضِيَّةِ الْوَاحِدَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً } .
وَهَذَا هُوَ الظَّنُّ بِأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَدَّمَ امْرَأَةً عَلَى حِسْبَةِ السُّوقِ ، وَلَمْ يَصِحَّ ؛ فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ؛ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ دَسَائِسِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْأَحَادِيثِ .
وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ الْمَالِكِيُّ الْأَشْعَرِي مَعَ أَبِي الْفَرَجِ بْنِ طَرَارٍ شَيْخِ الشَّافِعِيَّةِ بِبَغْدَادَ فِي مَجْلِسِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ، فَمَاحَلَ وَنَصَرَ ابْنُ طَرَارٍ لِمَا يُنْسَبُ إلَى ابْنِ جَرِيرٍ ، عَلَى عَادَةِ الْقَوْمِ التَّجَادُلُ عَلَى الْمَذَاهِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا بِهَا اسْتِخْرَاجًا لِلْأَدِلَّةِ وَتَمَرُّنًا فِي الِاسْتِنْبَاطِ لِلْمَعَانِي ؛ فَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طَرَارٍ : الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَحْكُمَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْأَحْكَامِ تَنْفِيذُ الْقَاضِي لَهَا ، وَسَمَاعُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْخُصُومِ فِيهَا ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، كَإِمْكَانِهِ مِنْ الرَّجُلِ .
فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
، وَنَقَضَ كَلَامَهُ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا حِفْظُ الثُّغُورِ ، وَتَدْبِيرُ الْأُمُورِ ، وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ ، وَقَبْضُ الْخَرَاجِ ، وَرَدُّهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ ، وَذَلِكَ يَتَأَتَّى مِنْ الْمَرْأَةِ كَتَأَتِّيه مِنْ الرَّجُلِ .
فَقَالَ لَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ طَرَارٍ : هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِهِ .
فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَصْلُ الشَّرْعِ .
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : هَذَا تَعْلِيلٌ لِلنَّقْضِ ، يُرِيدُ : وَالنَّقْضُ لَا يُعَلَّلُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
قَالَ الْفَقِيهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَيْسَ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا أَنْ تَبْرُزَ إلَى الْمَجَالِسِ ، وَلَا تُخَالِطَ الرِّجَالَ ، وَلَا تُفَاوِضَهُمْ مُفَاوَضَةَ النَّظِيرِ لِلنَّظِيرِ ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَتَاةً حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا وَكَلَامُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً بَرْزَةً لَمْ يَجْمَعْهَا وَالرِّجَالَ مَجْلِسٌ تَزْدَحِمُ فِيهِ مَعَهُمْ ، وَتَكُونُ مَنْظَرَةً لَهُمْ ، وَلَمْ يُفْلِحْ قَطُّ مَنْ تَصَوَّرَ هَذَا ، وَلَا مَنْ اعْتَقَدَهُ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ { سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ } لَمْ يُعَاقِبْهُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَذَرَ لَهُ ، وَلَا أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ ، وَلِذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ .
وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْوَالِي أَنْ يَقْبَلَ عُذْرَ رَعِيَّتِهِ ، وَيَدْرَأَ الْعُقُوبَةَ عَنْهُمْ فِي ظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ بِبَاطِنِ أَعْذَارِهِمْ ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَمْتَحِنَ ذَلِكَ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ، كَمَا فَعَلَ سُلَيْمَانُ ؟ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ [ الْهُدْهُدُ ] : { إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } لَمْ يَسْتَفِزَّهُ الطَّمَعُ ، وَلَا اسْتَجَرَّهُ حُبُّ الزِّيَادَةِ فِي الْمِلْكِ إلَى أَنْ يَعْرِضَ لَهُ ، حَتَّى قَالَ : { وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ، حِينَئِذٍ غَاظَهُ مَا سَمِعَ ، وَطَلَبَ الِانْتِهَاءَ إلَى مَا أَخْبَرَ ، وَتَحْصِيلَ عِلْمِ مَا غَابَ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يُغَيِّرَهُ بِالْحَقِّ ، وَيَرُدَّهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى .
وَنَحْوٌ مِنْهُ مَا يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ عَنْ إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ ، وَهِيَ الَّتِي يُضْرَبُ بَطْنُهَا فَتُلْقِي جَنِينَهَا ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَيْئًا ؟ قُلْت : أَنَا يَعْنِي الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فَقَالَ : مَا هُوَ ؟ قُلْت : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { فِيهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ } .
فَقَالَ : " لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَجِيءَ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ " فَخَرَجْت ، فَوَجَدْت مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، فَجِئْت بِهِ ، فَشَهِدَ .
وَكَانَ هَذَا تَثَبُّتًا مِنْ عُمَرَ احْتَجَّ بِهِ لِنَفْسِهِ .
وَأَمَّا الْمُغِيرَةُ فَتَوَقَّفَ فِيمَا قَالَ لِأَجْلِ قِصَّةِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَوْ قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ : سَنَنْظُرُ فِي أَمْرِك
لَاجْتَزَأَ بِهِ ، وَلَكِنَّ الْهُدْهُدَ لَمَّا صَرَّحَ لَهُ بِفَخْرِ الْعِلْمِ ، { فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } صَرَّحَ لَهُ سُلَيْمَانُ بِأَنَّهُ سَيَنْظُرُ ، أَصَدَقَ أَمْ كَذَبَ فَكَانَ ذَلِكَ كُفُؤًا لِمَا قَالَهُ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { كِتَابٌ كَرِيمٌ } فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لِخَتْمِهِ ، وَكَرَامَةُ الْكِتَابِ خَتْمُهُ .
الثَّانِي : لِحُسْنِ مَا فِيهِ مِنْ بَلَاغَةٍ وَإِصَابَةِ مَعْنًى .
الثَّالِثُ : كَرَامَةُ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكٌ .
الرَّابِعُ : كَرَامَةُ رَسُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ طَائِرٌ ؛ وَمَا عُهِدَتْ الرُّسُلُ مِنْهَا .
الْخَامِسُ : لِأَنَّهُ بَدَأَ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ .
السَّادِسُ : لِأَنَّهُ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا الْجُلَّةُ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ : لِعَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؛ إنِّي أَقِرُّ لَك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ مَا اسْتَطَعْت ، وَإِنَّ بَنِيَّ قَدْ أَقَرُّوا لَك بِذَلِكَ .
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَحَدٌ قَبْلَ سُلَيْمَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْوَصْفُ الْكَرِيمُ فِي الْكِتَابِ غَايَةُ الْوَصْفِ ؛ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } .
وَأَهْلُ الزَّمَانِ يَصِفُونَ الْكِتَابَ بِالْخَطِيرِ ، وَبِالْأَثِيرِ ، وَبِالْمَبْرُورِ ؛ فَإِنْ كَانَ لِمَلِكٍ قَالُوا : الْعَزِيزَ ؛ وَأَسْقَطُوا الْكَرِيمَ غَفْلَةً ، وَهُوَ أَفْضَلُهَا خَصْلَةً .
فَأَمَّا الْوَصْفُ بِالْعَزِيزِ فَقَدْ اتَّصَفَ بِهِ الْقُرْآنُ أَيْضًا ؛ فَقَالَ : { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } .
فَهَذِهِ عِزَّتُهُ ، وَلَيْسَتْ لِأَحَدٍ إلَّا لَهُ ؛ فَاجْتَنِبُوهَا فِي كُتُبِكُمْ ، وَاجْعَلُوا بَدَلَهَا الْعَالِيَ ، تَوْقِيَةً لِحَقِّ الْوِلَايَةِ ، وَحِيَاطَةً لِلدِّيَانَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِإِجْمَاعٍ ؛ وَلِذَلِكَ إنَّ مَنْ قَالَ : إنَّ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } لَيْسَتْ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ كُفْرٌ ، وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لَمْ يَكْفُرْ ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا .
وَلَا يَكْفُرُ إلَّا بِالنَّصِّ أَوْ مَا يُجْمِعُ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونَ } .
فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُشَاوَرَةِ إمَّا اسْتِعَانَةً بِالْآرَاءِ ، وَإِمَّا مُدَارَاةً لِلْأَوْلِيَاءِ .
وَيُقَالُ : إنَّهَا أَوَّلُ مَنْ جَاءَ أَنَّهُ شَاوَرَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَشُورَةَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْفُضَلَاءَ بِقَوْلِهِ : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : يُرْوَى أَنَّهَا قَالَتْ : إنْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَقْبَلْ الْهَدِيَّةَ ، وَإِنْ كَانَ مَلِكًا قَبِلَهَا .
وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ، وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ .
وَكَذَلِكَ كَانَ سُلَيْمَانُ ، وَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ .
وَإِنَّمَا جَعَلَتْ بِلْقِيسُ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ أَوْ رَدَّهَا عَلَامَةً عَلَى مَا فِي نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَهَا فِي كِتَابِهِ : { أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
وَهَذَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ فِدْيَةٌ ، وَلَا تُؤْخَذُ عَنْهُ هَدِيَّةٌ .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْبَابِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ بِسَبِيلٍ ؛ وَإِنَّمَا هِيَ رِشْوَةٌ ، وَبَيْعُ الْحَقِّ بِالْمَالِ هُوَ الرِّشْوَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ .
وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلتَّحَبُّبِ وَالتَّوَاصُلِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ مُشْرِكٍ ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُشْرِكٍ ، فَفِي الْحَدِيثِ : { نُهِيت عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ } .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : { لَقَدْ هَمَمْت أَلَّا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إلَّا مِنْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ } .
وَالصَّحِيحُ مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا } .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : { لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت ، وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْت } .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي الصَّيْدِ : هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
فَنَاوَلْته الْعَضُدَ } .
{ وَقَدْ اسْتَسْقَى فِي دَارِ أَنَسٍ فَحُلِبَتْ لَهُ شَاةٌ وَشِيبٌ وَشَرِبَهُ } .
{ وَأَهْدَى أَبُو طَلْحَةَ لَهُ وَرِكَ أَرْنَبٍ وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ } .
{ وَأَهْدَتْ أُمُّ حَفِيدٍ إلَيْهِ أَقِطًا وَسَمْنًا وَضَبًّا ، فَأَكَلَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَقِطِ وَالسَّمْنِ ، وَتَرَكَ الضَّبَّ } .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ : { هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ } .
وَكَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْك طَرْفُكَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : مَا الْفَائِدَةُ فِي طَلَبِ عَرْشِهَا ؟ : قِيلَ : فِيهِ أَرْبَعُ فَوَائِدَ : الْفَائِدَةُ الْأُولَى : أَحَبَّ أَنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الْهُدْهُدِ .
الثَّانِيَةُ : أَرَادَ أَخْذَهُ قَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ، فَيَحْرُمَ عَلَيْهِ مَالُهَا .
الثَّالِثَةُ : أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَهَا فِي مَعْرِفَتِهَا بِهِ .
الرَّابِعَةُ : أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ ؛ لِأَخْذِهِ مِنْ ثِقَاتِهَا دُونَ جَيْشٍ وَلَا حَرْبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ وَهِيَ أَمْوَالُ الْكُفَّارِ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِالْإِرْسَالِ إلَيْهَا إظْهَارَ نُبُوَّتِهِ ، وَيَرْجِعُ إلَيْهَا مُلْكُهَا بَعْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى النُّبُوَّةِ بِهِ عِنْدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْك طَرْفُك } فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ لَا تُسَاوِي سَمَاعَهَا ، وَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ مَنْ يَعْلَمُهُ .
وَلَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُك } قَالَ : كَانَتْ بِالْيَمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالشَّامِ ، أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّ هَذِهِ مُعْجِزَةٌ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ بِالْعَرْشِ فِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : إمَّا أَنْ تُعْدَمَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الشَّامِ وَالْيَمَنِ .
وَإِمَّا أَنْ يُعْدَمَ الْعَرْشُ بِالْيَمَنِ ، وَيُوجَدُ بِالشَّامِ ، وَالْكُلُّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ هَيِّنٌ ، وَهُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : لَمَّا صَانَ اللَّهُ بِالْقِصَاصِ فِي أُهُبِهَا الدِّمَاءَ ، وَعَلَيْهَا تَسَلَّطَ عَلَمُ الْأَعْدَاءِ ، شَرَعَ الْقَسَامَةَ بِالتُّهْمَةِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَاعْتَبَرَ فِيهَا التُّهْمَةَ ، وَقَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فِي الدِّمَاءِ وَالِاعْتِدَاءِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْمُعَامَلَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اعْتَبَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَتِيلَ الْمَحَلَّةِ فِي الْقَسَامَةِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَجْلِ طَلَبِ الْيَهُودِ ، وَلِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ أَتَوْا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فِيهَا فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا ، فَقَالُوا لِلَّذِي وُجِدَ فِيهِمْ : قَدْ قَتَلْتُمْ صَاحِبَنَا .
قَالُوا : مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ .
وَقَالَ عُمَرُ حِينَ قَدَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْيَهُودَ : أَنْتُمْ عَدُوُّنَا وَتُهْمَتُنَا .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ وَبَدَأَ بِهِمْ : أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا .
فَأَبَوْا ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ قَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَهُودَ } ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
سُورَةُ الْقَصَصِ فِيهَا ثَمَانِ آيَاتٍ : الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَارِغًا } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : فَارِغًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الثَّانِي : فَارِغًا مِنْ وَحْيِنَا يَعْنِي بِسَبَبِهِ .
الثَّالِثُ : فَارِغًا مِنْ الْعَقْلِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ؛ يُرِيدُ امْتَلَأَ وَلَهًا ، يُرْوَى أَنَّهَا لَمَّا رَمَتْهُ فِي الْبَحْرِ جَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهَا : لَوْ حَبَسْتِهِ فَذُبِحَ فَتَوَلَّيْت دَفْنَهُ ، وَعَرَفْت مَوْضِعَهُ ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَتَلْتِهِ أَنْتِ .
وَسَمِعَتْ ذَلِكَ ، فَفَرَغَ فُؤَادُهَا مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْوَحْيِ ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا بِالصَّبْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ آيِ الْقُرْآنِ فَصَاحَةً ؛ إذْ فِيهَا أَمْرَانِ وَنَهْيَانِ وَخَبَرَانِ وَبِشَارَتَانِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي اللَّقِيطِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَذِهِ اللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { فَاسْتَغَاثَهُ } طَلَبَ غَوْثَهُ وَنُصْرَتَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا : { فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } وَإِنَّمَا أَغَاثَهُ ؛ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ دَيْنٌ فِي الْمِلَلِ كُلِّهَا ، وَفَرْضٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ نَصْرُ الْمَظْلُومِ } .
وَفِيهِ أَيْضًا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا } .
فَنَصْرُهُ ظَالِمًا كَفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ ؛ وَإِنَّمَا دَفْعَهُ فَكَانَتْ فِيهِ نَفْسُهُ ، وَذَلِكَ قَتْلُ خَطَأٍ ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ لَا يُؤْمَرُ فِيهِ بِقَتْلٍ وَلَا قِتَالٍ ، فَلِذَلِكَ عَدَّهُ ذَنْبًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلِينَ فِي بَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { مَا خَطْبُكُمَا } إنَّمَا سَأَلَهُمَا شَفَقَةً مِنْهُ عَلَيْهِمَا وَرِقَّةً ؛ وَلَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْ فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ حَجَبَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } يَعْنِي لِضَعْفِنَا لَا نَسْقِي إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الرِّعَاءِ مِنْ الْمَاءِ فِي الْحَوْضِ .
وَقِيلَ : كَانَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْ الْبِئْرِ ، فَإِذَا كَمُلَ سَقْيُ الرِّعَاءِ رَدُّوا عَلَى الْبِئْرِ حَجَرَهَا ، فَإِنْ وُجِدَ فِي الْحَوْضِ بَقِيَّةٌ كَانَ ذَلِكَ سَقْيَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَقِيَّةٌ عَطِشَتْ غَنَمُهُمَا ؛ فَرَقَّ لَهُمَا مُوسَى ، وَرَفَعَ الْحَجَرَ ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ عَشَرَةٌ ، وَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمَا لِأَبِيهِمَا : { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } وَهِيَ :
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ : يَا بُنَيَّةُ ، هَذِهِ قُوَّتُهُ ، فَمَا أَمَانَتُهُ ؟ قَالَتْ : إنَّكَ لَمَّا أَرْسَلْتنِي إلَيْهِ قَالَ لِي : كُونِي وَرَائِي لِئَلَّا يَصِفَك الثَّوْبُ مِنْ الرِّيحِ ، وَأَنَا عِبْرَانِيٌّ ، لَا أَنْظُرُ إلَى أَدْبَارِ النِّسَاءِ ، وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ يَمِينًا وَيَسَارًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { اسْتَأْجِرْهُ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْنَهُمْ وَعِنْدَهُمْ مَشْرُوعَةٌ مَعْلُومَةٌ ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ ، وَهِيَ مِنْ ضَرُورَةِ الْخَلِيقَةِ ، وَمَصْلَحَةِ الْخُلْطَةِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا لِلْأَصَمِّ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ حَيْثُ وَرَدَ فِي مَوَاضِعِهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } .
اعْلَمُوا ، عَلَّمَكُمْ اللَّهُ الِاجْتِهَادَ ، وَحِفْظَ سَبِيلَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا قَدْ ذَكَرَهَا ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ لَا تَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَآثَارٌ مِنْ جِنْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا ، وَنَحْنُ نَحْلُبُ دَرَّهَا ، وَنَنْظِمُ دُرَرَهَا ، وَنَشُدُّ مِئْزَرَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَفِيهَا ثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك } فِيهِ عَرْضُ الْمَوْلَى وَلِيَّتَهُ عَلَى الزَّوْجِ ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ : عَرَضَ صَالِحُ مَدْيَنَ ابْنَتَهُ عَلَى صَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَعَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَعَرَضَتْ الْمَوْهُوبَةُ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ { تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ : فَلَقِيت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَفْصَةَ ، فَقُلْت : إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ .
فَقَالَ : سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي ، فَلَبِثْت لَيَالِيَ ، ثُمَّ لَقِيَنِي ، فَقَالَ : قَدْ بَدَا لِي أَلَّا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا .
قَالَ عُمَرُ : فَلَقِيت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَقُلْت : إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ .
فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا ، فَكُنْت عَلَيْهِ أَوْجَدُ
مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ ، فَلَبِثْت لَيَالِيَ ، ثُمَّ خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتهَا إيَّاهُ ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : لَعَلَّك وَجَدْت عَلِيَّ حِينَ عَرَضْت عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أُرْجِعْ إلَيْك شَيْئًا ، فَقُلْت : نَعَمْ .
فَقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُرْجِعَ إلَيْك فِيمَا عَرَضْت عَلَيَّ إلَّا أَنِّي كُنْت عَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا ، فَلَمْ أَكُنْ لَأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَبِلْتهَا } .
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ فَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ { : إنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي ، فَرَأْيَك .
فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا .
فَقَالَ : هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ : اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ لَعَلَّك تَجِدُ شَيْئًا .
فَذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ .
فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ .
وَلَكِنَّ هَذَا إزَارِي قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك ؟ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسْته لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا ، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا ، لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا .
قَالَ : تَقْرَأُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : " زَوَّجْتُكهَا " .
وَفِي أُخْرَى : " أَنْكَحْتُكهَا " .
وَفِي رِوَايَةٍ : " أَمْكَنَّاكَهَا " .
وَفِي رِوَايَةٍ : " وَلَكِنْ اُشْقُقْ بُرْدَتِي هَذِهِ ، أَعْطِهَا النِّصْفَ وَخُذْ النِّصْفَ " .
فَمِنْ الْحُسْنِ عَرْضُ الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ وَالْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ اقْتِدَاءً بِهَذَا السَّلَفِ الصَّالِحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ } عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ عَلَى لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ .
وَلَا حُجَّةَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً فِي شَيْءٍ ، وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَرَاهُ حُجَّةً فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا أَنَّ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَقَعَ ، وَامْتِنَاعُهُ بِغَيْرِ لَفْظِ النِّكَاحِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَا يَقْتَضِيهِ بِظَاهِرِهَا ، وَلَا يُنْظَرُ مِنْهَا ؛ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : { قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } .
وَرُوِيَ { أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ .
وَهَذَا نَصٌّ .
وَقَدْ رَامَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يَجْعَلُوا انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِهِ تَعَبُّدًا ، كَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَيَأْبَوْنَ مَا بَيْنَ الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْأَمْرَ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ابْتِدَاؤُهُ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِهِ : { أُنْكِحُك } وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي الْعَقْدِ ، الْمُلْتَزِمُ لِلصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ ، الْقَيِّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَصَاحِبُ الدَّرَجَةِ عَلَيْهَا فِي حَقِّ النِّكَاحِ .
وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } .
فَبَدَأَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ زَيْنَبَ ؛ وَهُوَ شَرْعُنَا الَّذِي لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرْضٌ لَا عَقْدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدًا لَعَيَّنَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ إذَا قَالَ لَهُ : بِعْتُك أَحَدَ عَبْدِي هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْخِيَارِ يَلْصَقُ بِالنِّكَاحِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : أَيَّتَهُمَا تُرِيدُ ؟ قَالَ : الصُّغْرَى .
ثُمَّ قَالَ مُوسَى : لَا ، حَتَّى تُبْرِئَهَا مِمَّا فِي نَفْسِك ، يُرِيدُ حِينَ قَالَتْ : { إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } ، فَامْتَلَأَتْ نَفْسُ صَالِحَ مَدْيَنَ غَيْرَةً ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاجَعَةٌ فِي الْقَوْلِ وَمُؤَانَسَةٌ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الْحَجَرَ مِنْ فَمِ الْبِئْرِ وَحْدَهُ ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا عَشْرَةُ رِجَالٍ ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ فَحِينَ مَشَيْت قَالَ لِي : كُونِي وَرَائِي ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَحِينَئِذٍ سَكَنَتْ نَفْسُهُ ، وَتَمَكَّنَ أُنْسُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك } هَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ إيجَابًا أَمْ لَا ؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدْعَاءِ ، هَلْ يَكُونُ قَبُولًا ؟ كَمَا إذَا قَالَ : بِعْنِي ثَوْبَك هَذَا .
فَقَالَ : بِعْتُك ، هَلْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَمْ لَا ؟ حَتَّى يَقُولَ الْآخَرُ قَبِلْت ، عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَنْعَقِدُ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الِاسْتِدْعَاءِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ مِنْ الرِّضَا بِهِ ، عَلَى أَصْلِنَا ؛ فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَلْبِ هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ كَمَا وَقَعَ اللَّفْظُ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : أُرِيدُ أَنْ تُنْكِحَنِي ، أَوْ أُنْكِحَك ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إيجَابًا حَاصِلًا ؛ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : نَعَمْ ، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ .
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك } فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَك } وَهَذَا انْعِقَادُ عَزْمٍ ، وَتَمَامُ قَوْلٍ ، وَحُصُولُ مَطْلُوبٍ ، وَنُفُوذُ عَقْدٍ .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَنِي النَّجَّارِ ؛ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ فَقَالُوا : لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ ، إلَّا إلَى اللَّهِ } .
فَانْعَقَدَ الْعَقْدُ ، وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمِلْكِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُمْ : إنَّهُ زَوَّجَ الصُّغْرَى .
يُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : { قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ سُئِلْت أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى فَقُلْ : خَيْرَهُمَا وَأَوْفَاهُمَا .
وَإِنْ سُئِلْت أَيُّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ فَقُلْ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي جَاءَتْ خَلْفَهُ ، وَهِيَ الَّتِي قَالَتْ : { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : عَادَةُ النَّاسِ تَزْوِيجُ الْكُبْرَى قَبْلَ الصُّغْرَى ؛ لِأَنَّهَا سَبَقَتْهَا إلَى الْحَاجَةِ إلَى الرِّجَالِ ، وَمِنْ الْبِرِّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا .
وَاَلَّذِي أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الصُّغْرَى فِي قِصَّةِ صَالِحِ مَدْيَنَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَعَلَّهُ آنَسَ مِنْ الْكُبْرَى رِفْقًا بِهِ ، وَلِينَ عَرِيكَةٍ فِي خِدْمَتِهِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا سَبَقَتْ الصُّغْرَى إلَى خِدْمَتِهِ ، فَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَحَنَّ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ تَوَقَّعَ أَنْ يَمِيلَ إلَيْهَا ، لِأَنَّهُ رَآهَا فِي رِسَالَتِهِ ، وَمَاشَاهَا فِي إقْبَالِهِ إلَى أَبِيهَا مَعَهَا ، فَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْكُبْرَى رُبَّمَا أَظْهَرَ لَهُ الِاخْتِيَارَ ، وَهُوَ يُضْمِرُ غَيْرَهُ ، لَكِنْ عَرَضَ عَلَيْهِ شَرْطَهُ لِيُبْرِئَهَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ الْوَهْمُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .
فَذَكَرَ لَهُ لَفْظَ الْإِجَارَةِ وَمَعْنَاهَا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي جَعْلِ الْمَنَافِعِ صَدَاقًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُمَا .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ .
وَقَالَ أَصْبَغُ : إنْ نُقِدَ مَعَهُ شَيْءٌ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَدْ فَهُوَ أَشَدُّ ، فَإِنْ تَرَكَ مَضَى عَلَى كُلِّ حَالٍ ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْن الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ ، وَعَوَّلَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : صَالِحُ مَدْيَنَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ صَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَتَهُ فِي غَنَمِهِ ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقُ فُلَانَةَ خِدْمَةَ فُلَانٍ ، وَلَكِنَّ الْخِدْمَةَ لَهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّةِ صَالِحِ مَدْيَنَ لِصَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَجَعَلَهُ صَدَاقًا لِابْنَتِهِ .
وَهَذَا ظَاهِرٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ بِجُعْلٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى : لَا يَجُوزُ ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ ، وَلَا أُجْرَةَ مِثْلِهِ ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَالْإِسْلَامُ بِخِلَافِهِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جُعْلٌ ، إنَّمَا فِيهِ إجَارَةٌ ، وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ خِلَافُهُ ؛ بَلْ فِيهِ جَوَازُهُ فِي قِصَّةِ الْمَوْهُوبَةِ ، وَهُوَ يُجَوِّزُ النِّكَاحَ بِعَدَدٍ مُطْلَقٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ؛ فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ عَلَى تَعْلِيمِ عِشْرِينَ سُورَةٍ .
وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى التَّحْصِيلِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ الْمَوْهُوبَةِ : { عَلِّمْهَا عِشْرِينَ سُورَةً ، وَهِيَ امْرَأَتُك } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْحُرِّ صَدَاقًا .
وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي مَنَافِعِ الْعَبْدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ .
وَنَزَعَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ لَيْسَتْ بِمَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ مَالٌ كُلُّهُ .
وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ مَنَافِعَ الْحُرِّ مَالٌ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهَا بِالْمَالِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَالًا مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ مَالًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ فِي أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .
وَالصَّدَاقُ بِالْمَنَافِعِ إنَّمَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ ؛ فَمَنَافِعُ الْأَحْرَارِ وَمَنَافِعُ الْعَبِيدِ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ الْأَصْلُ ، وَيُحْمَلُ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلٍ سَاقِطٍ ؟ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
جَوَازُ الصَّدَاقِ إجَارَةً الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا ثَبَتَ جَوَازُ الصَّدَاقِ إجَارَةً فَفِي قَوْلِهِ : { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي } ذِكْرٌ لِلْخِدْمَةِ مُطْلَقًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ جَائِزٌ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْمَعْرُوفِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ لِمَنَافِعِهِ فِيمَا يُصْرَفُ فِيهِ مِثْلُهُ ، وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، وَيَقْضِي بِهِ ؛ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ .
وَيُعْضَدُ هَذَا بِظَاهِرِ قِصَّةِ مُوسَى فَإِنَّهُ ذِكْرُ إجَارَةٍ مُطْلَقَةٍ ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ ذَكَرُوا أَنَّهُ عَيَّنَ لَهُ رَعِيَّةَ الْغَنَمِ ، وَلَمْ يَرْوُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَكِنْ قَالُوا : إنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ إلَّا رَعِيَّةَ الْغَنَمِ ، فَكَانَ مَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ قَائِمًا مَقَامَ تَعْيِينِ الْخِدْمَةِ فِيهِ .
وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَنَا ؛ فَإِنَّ الْمُخَالِفَ يَرَى أَنَّ مَا عُلِمَ مِنْ الْحَالِ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يُسَمَّى .
وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَكْفِي مَا عُلِمَ مِنْ الْحَالِ ، وَمَا قَامَ مِنْ دَلِيلِ الْعُرْفِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّسْمِيَةِ فِي الْخِدْمَةِ ، وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْمِلَّةِ وَدَلِيلٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ قَبْلُ ، وَفِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ كَانَ آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ الْغَنَمِ فَالْإِجَارَةُ عَلَى رِعَايَةِ الْغَنَمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : إمَّا أَنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً ، أَوْ مُسَمَّاةً بِعِدَّةٍ ، أَوْ مُعَيَّنَةً .
فَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً جَازَتْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّهَا لَا تَجُوزُ لِجَهَالَتِهَا .
وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْعُرْفِ ، وَأَنَّهُ يُعْطِي عَلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُ قُوَّتُهُ .
وَزَادَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُسْتَأْجِرُ قَدْرَ قُوَّتِهِ .
وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ قَدْ عَلِمَ
قَدْرَ قُوَّةِ مُوسَى بِرَفْعِ الْحَجَرِ .
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ اتِّفَاقًا .
وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً مُعَيَّنَةً فَفِيهَا تَفْصِيلٌ لِعُلَمَائِنَا .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْخَلْفَ إنْ مَاتَتْ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ، قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
وَقَدْ اسْتَأْجَرَ صَالِحُ مَدْيَنَ مُوسَى عَلَى غَنَمِهِ ، وَقَدْ رَآهَا وَلَمْ يَشْرِطْ خَلْفًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا الَّذِي [ كَانَ ] جَرَى مِنْ صَالِحِ مَدْيَنَ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا لِصَدَاقِ الْمَرْأَةِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ اشْتِرَاطًا لِنَفْسِهِ عَلَى مَا تَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ فَإِنَّهَا تَشْتَرِطُ صَدَاقَ بَنَاتِهَا ، وَتَقُولُ : لِي كَذَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِي قُلْنَا : هَذَا الَّذِي تَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ هُوَ حُلْوَانُ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْمَهْرِ ، وَهُوَ حَرَامٌ لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ .
فَأَمَّا إذَا شَرَطَ الْوَلِيُّ شَيْئًا لِنَفْسِهِ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا يُخْرِجُهُ الزَّوْجُ مِنْ يَدِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَائِزٌ .
وَالْآخَرُ : لَا يَجُوزُ .
وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِيهِ التَّقْسِيمُ ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بِيَدِهَا ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْوَلِيِّ مُبَاشَرَةُ الْعَقْدِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْعِوَضُ عَنْهُ ، كَمَا يَأْخُذُهُ الْوَكِيلُ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ .
وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ الْعَقْدُ بِيَدِهِ ، فَكَأَنَّهُ عِوَضٌ فِي النِّكَاحِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ ؛ فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ قَبْلَ الْبِنَاءِ ، وَثَبَتَ بَعْدَهُ عَلَى مَشْهُورِ الرِّوَايَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : لَمْ يَكُنْ اشْتِرَاطُ صَالِحِ مَدْيَنَ عَلَى مُوسَى مَهْرًا ، وَإِنَّمَا كَانَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ ، وَتَرَكَ الْمَهْرَ مُفَوَّضًا .
وَنِكَاحُ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ .
قُلْنَا : كَانَتْ بِكْرًا ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَا يُظَنُّ بِالْفُضَلَاءِ ، فَكَيْفَ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَمْ يُنْقَلْ مَا كَانَتْ أُجْرَةُ مُوسَى ، وَلَكِنْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ أَنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ جَعَلَ لِمُوسَى كُلَّ سَخْلَةٍ تُوضَعُ خِلَافَ لَوْنِ أُمِّهَا ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى : أَلْقِ عَصَاك بَيْنَهُنَّ يَلِدْنَ خِلَافَ شَبَهِهِنَّ كُلِّهِنَّ .
وَاَلَّذِي رَوَى عُتْبَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ السُّلَمِيُّ وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَجَلَيْنِ أَوْفَى مُوسَى ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفَاهُمَا وَأَبَرُّهُمَا } .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ فِرَاقَ شُعَيْبٍ أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَسْأَلَ أَبَاهَا عَنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ .
" .
فَأَعْطَاهَا مَا وَلَدَتْ غَنَمُهُ مِنْ قَالِبِ لَوْنِ ذَلِكَ الْعَامِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا وَرَدَتْ الْحَوْضَ وَقَفَ مُوسَى بِإِزَاءِ الْحَوْضِ فَلَمْ تَمُرَّ بِهِ شَاةٌ إلَّا ضَرَبَ جَنْبَهَا بِعَصَا ، فَوَضَعَتْ قَوَالِبَ أَلْوَانٍ كُلِّهَا اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ ، كُلُّ شَاةٍ لَيْسَ مِنْهُنَّ فَشُوشٌ وَلَا ضَبُوبٌ وَلَا كَمِيشَةٌ وَلَا ثَعُولٌ " .
الْفَشُوشُ : الَّتِي إذَا مَشَتْ سَالَ لَبَنُهَا .
وَالضَّبُوبُ الَّتِي ضَرْعُهَا مِثْلُ الْمَوْزَتَيْنِ .
وَالْكَمِيشَةُ : الصَّغِيرَةُ الضَّرْعِ الَّتِي لَا يَضْبِطُهَا الْحَالِبُ .
وَالْقَالِبُ لَوْنُ صِنْفٍ وَاحِدٌ كُلُّهُ .
وَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَكَانَ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : وَهِيَ الْوَحْيُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ ، وَذَلِكَ بِالْإِلْهَامِ ، أَوْ بِأَنْ يُكَلِّمَهُ الْمَلَكُ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ هَدَاهُ فِي طَرِيقِهِ لِمَدْيَنَ حِينَ ضَلَّ وَخَافَ ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ بِذَلِكَ نَبِيًّا ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُكَلِّمُهُ الْمَلَكُ وَيُخْبِرُهُ بِأَمْرٍ مُشْكِلٍ يَكُونُ نَبِيًّا وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَخْبَارٌ
كَثِيرَةٌ .
الثَّانِيَةُ : وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : الْإِجَارَة بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ ، فَإِنَّ وِلَادَةَ الْغَنَمِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، وَإِنَّ مِنْ الْبِلَادِ الْخِصْبَةِ مَا يُعْلَمُ وِلَادَةُ الْغَنَمِ فِيهَا قَطْعًا ، وَعِدَّتُهَا ، وَسَلَامَةُ سِخَالِهَا ؛ مِنْهَا دِيَارُ مِصْرَ وَغَيْرُهَا ، بَيْدَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي شَرْعِنَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْغَرَرِ } ، وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا فِي بِلَادِ الْخِصْبِ لَيْسَ بِغَرَرٍ ، لِاطِّرَادِ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ ، فَيُقَالُ لَهُ : لَيْسَ كَمَا ظَنَنْت ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا نَهَى عَنْ الْغَرَرِ نَهَى عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ .
وَالْمَضَامِينُ : مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ وَالْمَلَاقِيحُ : مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ ، أَوْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : مَلْقُوحَةٌ فِي بَطْنِ نَابٍ حَامِلٍ عَلَى أَنَّ مَعْمَرَ بْنَ الْأَشَدِّ أَجَازَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْغَنَمِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : يَنْسِجُ الثَّوْبَ بِنَصِيبٍ مِنْهُ .
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَقَرَأْت بِبَابِ جَيْرُونَ عَلَى الشَّيْخِ الْأَجَلِّ الرَّئِيسِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ فُضَيْلٍ الدِّمَشْقِيِّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ الْمَالِكِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْصَارِيُّ ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ .
فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ : لَك مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبُ لَوْنٍ وَاحِدٌ غَيْرُ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ ، لَيْسَ فِيهَا عَزُورٌ ، وَلَا فَشُوشٌ ، وَلَا كَمُوشٌ ،
وَلَا ضَبُوبٌ ، وَلَا ثَعُولٌ } .
الْعَزَوَّرُ : الَّتِي يَعْسُرُ حَلْبُهَا .
وَالثَّعُولُ : الَّتِي لَهَا زِيَادَةُ حَلَمَةٍ ، وَهُوَ عَيْبٌ فِيهَا .
وَقَدْ كَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ غُلَامٌ يَخْدِمُهُ ، بِشِبَعِ بَطْنِهِ .
وَجَوَّزَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَأَبَاهُ غَيْرُهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ قَالَ لِبِنْتِ صَالِحِ مَدْيَنَ فِي الْغَنَمِ حِصَّةٌ ، فَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ ، صَدَاقًا لَهَا بِمَا كَانَ لَهَا مِنْ الْحِصَّةِ فِيهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا احْتِرَازٌ مِنْ مَعْنَى بِوُقُوعٍ فِي آخَرَ ؛ فَإِنَّ الْغَنَمَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ صَالِحِ مَدْيَنَ وَبَيْنَ ابْنَتِهِ ، وَأَخَذَهَا مُوسَى مُسْتَأْجِرًا عَلَيْهَا ، فَفِي ذَلِكَ جَمَعَ سِلْعَتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ عَاقِدٍ وَاحِدٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ ، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ مَنْعُهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهْلِ بِالثَّمَنِ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى جَمْعِ السِّلْعَتَيْنِ ، لَا سِيَّمَا وَيُمْكِنُ التَّوَقِّي مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَذْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ سِلْعَتِهِ ، وَيَقَعَ الثَّمَنُ مَقْسُومًا عَلَى الْقِيمَةِ ، فَيَكُونَ مَعْرُوفًا لَا غَرَرَ فِيهِ ، فَلَا يُمْنَعُ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فِي هَذَا اجْتِمَاعُ إجَارَةٍ وَنِكَاحٍ : وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ : يُكْرَهُ ابْتِدَاءً ؛ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى .
الثَّانِي : قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَشْهُورِ : لَا يَجُوزُ ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَبَعْدَهُ .
الثَّالِثُ : أَجَازَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ .
الرَّابِعُ : قَالَ مُحَمَّدٌ : قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : إنْ بَقِيَ بَعْدَ الْمَبِيعِ ، يَعْنِي مِنْ الْقِيمَةِ ، رُبْعُ دِينَارٍ يُقَابِلُ الْبُضْعَ جَازَ النِّكَاحُ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَاتِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآيَةُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : النِّكَاحُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبُيُوعِ ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ ، أَوْ بَيْنَ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ ، وَهُوَ شَبَهُهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلَيْنِ يَجْمَعَانِ سِلْعَتَهُمَا ، وَإِذَا كَانَتَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ جَازَ ، وَالْعَاقِدُ هُنَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْوَلِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ إلَى الْوَلِيِّ ، لَا حَظَّ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ ، لِأَنَّ صَالِحَ مَدْيَنَ تَوَلَّاهُ .
وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَفْتَقِرُ النِّكَاحُ إلَى وَلِيٍّ ، وَعَجَبًا لَهُ ، مَتَى رَأَى امْرَأَةً قَطُّ عَقَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا ، وَمِنْ الْمَشْهُورِ فِي الْآثَارِ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْمَارٍ ؛ قَالَ مَالِكٌ .
وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ .
وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ فَلَا يُزَوِّجُهَا أَحَدٌ إلَّا بِرِضَاهَا ؛ لِأَنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّكْلِيفِ ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهَا ، وَلَا رِضَاءَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا } وَفِي رِوَايَةٍ : { الْأَيِّمُ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا } .
فَقَوْلُهُ : " الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا " دَلِيلٌ قَوِيٌّ فِي الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا كَوْنَهَا أَيِّمًا ؛ وَذَلِكَ لِاخْتِيَارِهَا مَقَاصِدَ فِي النِّكَاحِ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِكُلِّ فَائِدَةٍ وَلَطِيفَةٍ .
وَاحْتِجَاجُ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَوِّلُ عَلَى الإسرائليات ، وَفِيهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا بِكْرَيْنِ ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَنَاتِ تَرْكُ النِّكَاحِ ، حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُنَّ مُتَزَوِّجَاتٌ .
وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ النِّسَاءِ النِّكَاحُ ، وَمَتَى اجْتَمَعَ أَصْلٌ وَظَاهِرٌ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
وَكَذَلِكَ يُقَالُ : إنَّ أَبَاهَا لَمَّا قَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ، فَأَشَارَ إلَيْهِمَا ، كَانَ هَذَا أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِئْمَارِ أَوْ مِثْلَهُ ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَعَ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا بِضَمِيرِ الْحَاضِرِ إسْمَاعٌ لَهَا .
وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْآيَةِ مَسْأَلَةٌ ، وَهِيَ الِاكْتِفَاءُ
بِصَمْتِ الْبِكْرِ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرٌ ، وَفِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي شَرْعِ مُوسَى ، وَبِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَتَبَيَّنُ لَك وَجْهُ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ ، وَمَا يَعْرِضُ عَلَى الْأَدِلَّةِ مِنْ الشَّبَهِ ، فَيُقَابَلُ كُلُّ فَنٍّ بِمَا يَصْلُحُ لَهُ ، وَيُرَجَّحُ الْأَظْهَرُ وَيُقْضَى بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَدْ بَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهَا ؛ هَلْ هِيَ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ ، أَوْ فِي بَعْضِهَا ؟ وَحَقَّقْنَا جَوَازَ نِكَاحِ الْمَوَالِي لِلْعَرَبِيَّاتِ وَلِلْقُرَشِيَّاتِ ، وَأَنَّ الْمُعَوِّلَ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .
وَقَدْ جَاءَ مُوسَى إلَى صَالِحِ مَدْيَنَ غَرِيبًا طَرِيدًا ، وَحِيدًا جَائِعًا عُرْيَانًا ، فَأَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ لَمَّا تَحَقَّقَ مِنْ دِينِهِ ، وَرَأَى مِنْ حَالِهِ ، وَأَعْرَضَ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ .
وَلَا خِلَافَ فِي إنْكَاحِ الْأَبِ ؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي إنْكَاحِ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، إلَّا أَنْ يَطْرَحَهَا الْأَبُ فِي عَارٍ يَلْحَقُ الْقَبِيلَ ، فَفِيهِ خِلَافٌ ، وَتَفْصِيلٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْفُرُوعِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ ؛ هَلْ دَخَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ عَقَدَ ؟ أَمْ حِينَ سَافَرَ ؟ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ حِينَ عَقَدَ فَمَاذَا نَقَدَ ؟ وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ الدُّخُولِ حَتَّى يَنْقُدَ وَلَوْ رُبْعَ دِينَارٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ مَضَى ، لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا : تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ ، عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ رَعْيَهُ الْغَنَمَ فَقَدْ نَقَدَ الشُّرُوعَ فِي الْخِدْمَةِ .
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ حِينَ سَافَرَ أَوْ أَكْمَلَ الْمُدَّةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَطُولُ الِانْتِظَارِ فِي النِّكَاحِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ مَدَى الْعُمْرِ ، بِغَيْرِ شَرْطٍ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، مِثْلِ التَّأَهُّبِ لِلْبِنَاءِ ، أَوْ انْتِظَارِ صَلَاحِيَّةِ الزَّوْجَةِ لِلدُّخُولِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً .
نَصَّ عَلَيْهَا عُلَمَاؤُنَا .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْحَالِ .
وَمَا كَانَ صَالِحُ مَدْيَنَ يَحْبِسُهُ عَنْ الدُّخُولِ يَوْمًا ، وَقَدْ عَقَدَهُ عَلَيْهَا حَالًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { ثَمَانِيَ حِجَجٍ } فَنَصَّ عَلَى عَقْدِ الْإِجَارَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوسَى مُدَّةً مِنْ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ عَلَى رَعْيِهِ الْغَنَمَ وَالْحَيَوَانَ ، فَتَغَيَّرَ فِي الْآمَادِ الطَّوِيلَةِ ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْعِشْرِينَ سَنَةً فِي الْعَقْدِ طُولًا ، وَلَا رَأَى فِي الْمُدَوَّنَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ طُولًا .
وَمَنَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي الْعَشْرِ سِنِينَ ، وَهُوَ أَصَحُّ لِسُرْعَةِ التَّغَيُّرِ فِي الْغَالِبِ إلَى الْأَبَدَانِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ تَقْتَضِي ثَمَانِيَ سِنِينَ ، وَبَلَغَهَا بِالطَّوْعِ الَّذِي لَا يُلْزَمُ عَشْرًا ، وَهُوَ الْعَدْلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : لَمَّا ذَكَرَ الشَّرْطَ ، وَأَعْقَبَهُ بِالتَّطَوُّعِ فِي الْعَشْرِ ؛ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِهِ ، وَلَمْ يَلْحَقْ الْآخَرُ بِالْأَوَّلِ ، وَلَا اشْتَرَكَ الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ ؛ وَلِذَلِكَ يُكْتَبُ فِي الْعُقُودِ الشُّرُوطُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يُقَالُ : وَتَطَوَّعَ بِكَذَا ، فَيَجْرِي الشَّرْطُ عَلَى سَبِيلِهِ ، وَالتَّطَوُّعُ عَلَى حُكْمِهِ .
وَقَدْ أَفْرَطَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ قَالَ : يُقَالُ فِي الْعَقْدِ : وَتَطَوَّعَ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ .
وَهَذَا إفْرَاطٌ يَخْرُجُ بِقَائِلِهِ إلَى التَّفْرِيطِ فَإِنَّهُ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِيهِ ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا قَالَ : عَقَدَ مَعَهُ كَذَا ، وَشَرَطَ كَذَا ، وَتَطَوَّعَ بِكَذَا ، فَقَدْ انْفَصَلَ الْوَاجِبُ مِنْ التَّطَوُّعِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّطَوُّعَ أَخْرَجَهُ عَنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَلِكَ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ حَشْوٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَتَكْرَارٌ لَا مَعْنَى لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ } الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إنْ وَفَّيْت أَحَدَ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ .
فَلَوْ قَصَّرَ فِي الْعَامَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي الثَّمَانِي لَكَانَ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ ، وَهُوَ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ .
وَكَيْفِيَّةُ الْعُدْوَانِ نُبَيِّنُهُ بِأَنْ نَقُولَ : اخْتَلَفَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا يُتِمُّهُ فَلَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُقَاطَعَةً ، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ بِالنَّقْدِ فَيَنْقُدَهُ ، وَيَلْزَمَهُ تَمَامُهُ .
وَأَكْثَرُ بِنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ ، إذَا سَمَّى لَهُ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْجَرْتُك عَلَى بُنْيَانِ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا ، أَوْ نِصْفًا ، أَوْ شَهْرَيْنِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَقَالَ : تَبْنِي هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ ، فَكُلَّمَا بَنَى أَخَذَ ، أَوْ تَبْنِي هَذَا الْبَابَ ، أَوْ هَذَا الْحَائِطَ ، فَهُوَ مِثْلُهُ .
وَكَذَلِكَ كَانَتْ إجَارَةُ مُوسَى مُقَاطَعَةً ، فَلَهَا حُكْمُ الْمُقَاطَعَةِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَأْتِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
تَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ إمَّا يَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يَضْبِطُ ؛ فَإِنْ كَانَ بِالزَّمَانِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ ، لَازِمٌ فِي مُدَّتِهِ .
وَإِنْ كَانَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُضْبَطُ بِصِفَتِهِ ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ تَمَامُ الْمُدَّةِ ، أَوْ تَمَامُ الصِّفَةِ .
وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ إذَا كَانَ هَكَذَا إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } اكْتَفَى الصَّالِحَانِ بِاَللَّهِ فِي الْإِشْهَادِ ، وَلَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ يَنْعَقِدُ دُونَ شُهُودٍ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعْلَانُ وَالتَّصْرِيحُ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِعْلَانَ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ : { فَرْقُ مَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الدُّفُّ } .
وَرُبَّمَا نَزَعَ نَازِعٌ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ لَازِمٌ وَاجِبٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقَدْ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّفَّاءُ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا آدَم ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ .
قَالَ : أَتَيْتنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ، قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا .
قَالَ : أَتَيْتنِي بِالْكَفِيلِ ، قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا .
قَالَ : صَدَقْت .
فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ ، فَقَضَى حَاجَتَهُ ، وَالْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهُ ، لِئَلَّا يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا ، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا .
ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا ، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا فَسَأَلَنِي شَهِيدًا ، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا .
فَرَضِيَ بِذَلِكَ ، وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ بِاَلَّذِي لَهُ ، فَلَمْ أَقْدِرْ ؛ وَإِنِّي قَدْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا .
وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ .
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا
نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ ، وَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا زِلْت أَجْهَدُ فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَك بِمَالِك ، فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ .
قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ بِشَيْءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَخْبَرْتُك ، أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُك فِيهِ .
قَالَ : بَلَى ، وَاَللَّهِ ، قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْك الَّذِي بَعَثْت بِهِ ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } .
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ ، لِمَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ فَضْلِ الْقَوَامِيَّةِ ، وَزِيَادَةِ الدَّرَجَةِ ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهَا أَمْرًا فَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ ، وَحَنَّ إلَى وَطَنِهِ ، وَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْأَوْطَانِ تُقْتَحَمُ الْأَغْرَارُ ، وَتُرْكَبُ الْأَخْطَارُ ، وَتُعَلَّلُ الْخَوَاطِرُ ، وَيَقُولُ : لَمَّا طَالَتْ الْمُدَّةُ لَعَلَّهُ قَدْ نُسِيَتْ التُّهْمَةُ ، وَبَلِيَتْ الْقِصَّةُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ : أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا ، فَكَانَ الْيَهُودُ يَلْقَوْنَهُمْ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ ، فَيُعْرِضُونَ عَنْهُمْ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : قَوْمٌ مِنْ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا ، فَكَانُوا إذَا سَمِعُوا مَا غَيَّرَهُ الْيَهُودُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوهُ مِنْ نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ أَعْرَضُوا عَنْهُ ، وَذَكَرُوا الْحَقَّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ إذَا سَمِعُوا الْبَاطِلَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ ، وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَصَدُوهُ ، فَعُرِضَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ ، فَأَسْلَمُوا ؛ فَكَانَ الْكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ لَهُمْ : أُفٍّ لَكُمْ مِنْ قَوْمٍ اتَّبَعْتُمْ غُلَامًا كَرِهَهُ قَوْمُهُ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } يُرِيدُ لَنَا حَقُّنَا ، وَلَكُمْ بَاطِلُكُمْ ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَ هَذَا بِسَلَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ اذْهَبْ بِسَلَامٍ أَيْ تَارِكْنِي وَأُتَارِكُك .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تِبْيَانِ الْحَالِ لِلتَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَاخْتِصَاصِهَا بِالْمُسْلِمِينَ ، وَخُرُوجِ الْكُفَّارِ عَنْهَا ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى النَّصِيبِ : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا تَنْسَ حَظَّك مِنْ الدُّنْيَا أَيْ لَا تَغْفُلْ أَنْ تَعْمَلَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : " اُحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيشُ أَبَدًا ، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوتُ غَدًا " .
الثَّانِي : أَمْسِكْ مَا يَبْلُغُك ، فَذَلِكَ حَظُّ الدُّنْيَا .
وَأَنْفِقْ الْفَضْلَ ، فَذَلِكَ حَظُّ الْآخِرَةِ .
الثَّالِثُ : لَا تَغْفُلْ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْك .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك } ذُكِرَ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ ، جِمَاعُهَا اسْتَعْمِلْ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ وَقَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهَا تَعِيشُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْك فِي رَأْيٍ .
قَالَ الْقَاضِي : أَرَى مَالِكًا أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَرَى مِنْ الْغَالِينَ فِي الْعِبَادَةِ التَّقَشُّفَ وَالتَّقَصُّفَ وَالْبَأْسَاءَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْحَلْوَى ، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ ، وَيَسْتَعْمِلُ الشِّوَاءَ ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ : أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ عَيْشِهِ ، وَيُقَدِّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ لِآخِرَتِهِ .
وَأَبْدَعُ مَا فِيهِ عِنْدِي قَوْلُ قَتَادَةَ : وَلَا تَنْسَ الْحَلَالَ ، فَهُوَ نَصِيبُك مِنْ الدُّنْيَا ، وَيَا مَا أَحْسَنَ هَذَا ،
سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاك لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا ، وَيَحِقُّ أَنْ نُعِيدَهُ لِعِظَمِهِ ، وَقَدْ نَادَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ اقْتَحَمَ هَذَا ، وَلَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : { وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي أُمَّهُ عَلَانِيَةً ، كَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ } .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ { : اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ } .
وَلَقَدْ كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي ذَلِكَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ : عَلَيْهِ الرَّجْمُ .
وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إنَّ الْعَرَبَ تَأْنَفُ مِنْ الْعَارِ وَشُهْرَتِهِ أَنَفًا لَا تَأْنَفُهُ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي تَمْضِي فِي الْأَحْكَامِ ، فَأَرَى أَنْ تُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقَ أَبُو الْحَسَنِ .
فَكَتَبَ إلَى خَالِدٍ أَنْ أَحْرِقْهُ بِالنَّارِ ، فَفَعَلَ .
فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا أَرَى خَالِدًا أَحْرَقَهُ إلَّا بَعْدَ قَتْلِهِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ كَمَا زَعَمَ ابْنُ وَهْبٍ ، كَانَ عَلِيٌّ يَرَى الْحَرْقَ بِالنَّارِ عُقُوبَةً ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ الْبَرْقَانِيُّ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ قَالَ : رَأَيْت عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ ، وَأَيُّوبَ ، وَعَمَّارًا الرَّهِينِيُّ ، اجْتَمَعُوا فَتَنَاكَرُوا الَّذِينَ حَرَقَهُمْ عَلِيٌّ ، فَحَدَّثَ أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ
لَمَّا بَلَغَهُ قَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا مَا أَحْرَقْتُهُمْ ؟ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } ، وَلَقَتَلْتُهُمْ " ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .
فَقَالَ عَمَّارٌ : لَمْ يَكُنْ حَرَقَهُمْ ، وَلَكِنَّهُ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِرَ ، وَخَرَقَ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ دَخَنَ عَلَيْهِمْ حَتَّى مَاتُوا .
فَقَالَ عَمَّارٌ : قَالَ الشَّاعِرُ : لِتَرْمِ بِي الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ إذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ إذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ وَمِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ : عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي ضَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ كَانَ اسْمُهُ الْفُجَاءَةُ ، فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ فِيهِمْ قَوْلًا ، فَقَالَ عَلَيَّ : إنَّ هَذَا الذَّنْبَ لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ ، إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ، صَنَعَ اللَّهُ بِهَا مَا عَلِمْتُمْ ؛ أَرَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ .
فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدِ بْن الْوَلِيدِ أَنْ يَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ ، فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ ، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي زَمَانِهِ ، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ خَالِدُ الْقَسْرِيُّ بِالْعِرَاقِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أُتِيَ بِسَبْعَةٍ أُخِذُوا فِي لِوَاطٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ ، فَوُجِدُوا أَرْبَعَةً قَدْ أُحْصِنُوا ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخَرَجَ بِهِمْ مِنْ الْحَرَمِ ، ثُمَّ رُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ ، حَتَّى مَاتُوا ، وَجَلَدَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى مَاتُوا بِالْحَدِّ .
قَالَ : وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، فَلَمْ يُنْكِرَا عَلَيْهِ .
وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا ، وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَحَقُّ
، وَهُوَ أَصَحُّ سَنَدًا ، وَأَقْوَى مُعْتَمَدًا ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ هَذَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ اللِّوَاطِ ، فَقَالَ : يُصْعَدُ بِهِ فِي الْجَبَلِ ، ثُمَّ يُرْدَى مِنْهُ ، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { اُتْلُ مَا أُوحِيَ إلَيْك مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا دَامَ فِيهَا .
وَالثَّانِي : مَا دَامَ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا } .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ شُيُوخُ الصُّوفِيَّةِ : الْمَعْنَى فِيهَا أَيْضًا أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُصَلِّي أَنْ يَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ، كَمَا مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ، كَمَا قَالَ : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
وَكَمَا لَا يَخْرُجُ الْمُؤْمِنُ بِتَرْكِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ عَنْ الْإِيمَانِ كَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ الْمُصَلِّي عَنْ الصَّلَاةِ بِأَنَّ صَلَاتَهُ قَصَرَتْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ .
وَقَالَ مَشْيَخَةُ الصُّوفِيَّةِ : الصَّلَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَا كَانَتْ نَاهِيَةً ، فَإِنْ لَمْ تَنْهَهُ فَهِيَ صُورَةُ صَلَاةٍ لَا مَعْنَاهَا ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ وُقُوفَهُ بَيْنَ يَدِي مَوْلَاهُ وَمُنَاجَاتَهُ لَهُ إنْ لَمْ تَدُمْ عَلَيْهِ بَرَكَتُهَا ، وَتَظْهَرْ عَلَى جَوَارِحِهِ رَهْبَتُهَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أُخْرَى ، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ رَبِّهِ مُعْرِضٌ ، وَفِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ غَافِلٌ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْفَحْشَاءُ : الدُّنْيَا ، فَتَنْهَاهُ الصَّلَاةُ عَنْهَا ، حَتَّى لَا يَكُونَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ حَظٌّ فِي قَلْبِهِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
وَقِيلَ : الْفَحْشَاءُ الْمَعَاصِي ، وَهُوَ أَقَلُّ الدَّرَجَاتِ ، فَمَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنْ الْمَعَاصِي وَلَمْ تَتَمَرَّنْ جَوَارِحُهُ
بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، حَتَّى يَأْنَسَ بِالصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا أُنْسًا يَبْعُدُ بِهِ عَنْ اقْتِرَافِ الْخَطَايَا ، وَإِلَّا فَهِيَ قَاصِرَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمُنْكَرُ : وَهُوَ كُلُّ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ وَغَيْرُهُ ، وَنَهَى عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : ذِكْرُ اللَّهِ لَكُمْ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِكُمْ لَهُ ، أَضَافَ الْمَصْدَرَ إلَى الْفَاعِلِ .
الثَّانِي : ذِكْرُ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
الثَّالِثُ : ذِكْرُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي غَيْرِهَا ، يَعْنِي لِأَنَّهَا عِبَادَتَانِ .
الرَّابِعُ : ذِكْرُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ أَكْبَرُ مِنْ الصَّلَاةِ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ .
وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بَرَكَةٌ عَظِيمَةٌ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنَا وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ قَتَادَةُ : وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ ، فَإِنَّهُ رَفَعَ الْجِدَالَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ مَخْصُوصَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بُعِثَ بِاللِّسَانِ يُقَاتِلُ بِهِ فِي اللَّهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ وَاللِّسَانِ ، حَتَّى قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ لِلَّهِ ، وَتَبَيَّنَ الْعِنَادُ ، وَبَلَغَتْ الْقُدْرَةُ غَايَتَهَا عَشْرَةَ أَعْوَامٍ مُتَّصِلَةٍ ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَتَلَ ، وَمَنْ امْتَنَعَ بَقِيَ الْجِدَالُ فِي حَقِّهِ ؛ وَلَكِنْ بِمَا يَحْسُنُ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَيَجْمُلُ مِنْ الْكَلَامِ ، بِأَنْ يَكُونَ مِنْك لِلْخَصْمِ تَمْكِينٌ ، وَفِي خِطَابِك لَهُ لِينٌ ، وَأَنْ تَسْتَعْمِلَ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَظْهَرَهَا ، وَأَنْوَرَهَا ، وَإِذَا لَمْ يَفْهَمْ الْمُجَادِلُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ وَكَرَّرَهَا ، كَمَا فَعَلَ الْخَلِيلُ مَعَ الْكَافِرِ حِينَ قَالَ لَهُ إبْرَاهِيمُ : { رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } .
فَقَالَ لَهُ الْكَافِرُ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ، فَحَسُنَ الْجِدَالُ ، وَنَقَلَ إلَى أَبَيْنَ مِنْهُ بِالِاسْتِدْلَالِ .
وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ .
وَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَقٍّ إلَى حَقٍّ أَظْهَرَ مِنْهُ ، وَمِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ أَبْيَنَ مِنْهُ وَأَنْوَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَهْلُ الْحَرْبِ .
الثَّانِي : مَانِعُو الْجِزْيَةِ .
الثَّالِثُ : مَنْ بَقِيَ عَلَى الْمُعَانَدَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ .
الرَّابِعُ : الَّذِينَ ظَلَمُوا فِي جِدَالِهِمْ ، بِأَنْ خَلَطُوا فِي إبْطَالِهِمْ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا
صَحِيحَةٌ مُرَدَّدَةٌ ، وَقَدْ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَادَلَاتٌ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَمَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، وَهِيَ أَثْبَتُ فِي الْمَعْنَى .
وَقَدْ قَالَ لِلْيَهُودِ : { إنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } .
فَمَا أَجَابُوا جَوَابًا .
وَقَالَ لَهُمْ : { إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } .
أَيْ : إنْ كُنْتُمْ أَبْعَدْتُمْ وَلَدًا بِغَيْرِ أَبٍ فَخُذُوا وَلَدًا دُونَ أَبٍ وَلَا أُمٍّ .
وَقَالَ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا } .
وَقَالَ : { وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } .
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي حُصَيْنٍ : { يَا حُصَيْنُ ؛ كَمْ إلَهًا تَعْبُدُ الْيَوْمَ ، قَالَ : إنِّي أَعْبُدُ سَبْعَةً ، وَاحِدًا فِي السَّمَاءِ ، وَسِتًّا فِي الْأَرْضِ : قَالَ : فَأَيُّهُمْ تُعِدُّ لِرَغْبَتِك وَرَهْبَتِك ، قَالَ : الَّذِي فِي السَّمَاءِ .
قَالَ : يَا حُصَيْنُ ، أَمَا إنَّك إنْ أَسْلَمْت عَلَّمْتُك } .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
سُورَةُ الرُّومِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ ظَهَرَتْ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَنَزَلَتْ : { الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ } إلَى قَوْلِهِ : { يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ } .
قَالَ : فَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ .
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : غُلِبَتْ الرُّومُ وَغَلَبَتْ ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَذَكَرُوهُ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { أَمَا إنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ } .
فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ ، فَقَالُوا : اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَك أَجَلًا ؛ فَإِنْ ظَهَرْنَا كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا ، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا .
فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ ، فَلَمْ يَظْهَرُوا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : { أَلَا أَخْفَضْت } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { أَلَا أَحْبَطْت } .
وَفِي رِوَايَةٍ : " { أَلَا جَعَلْته إلَى دُونٍ ، أَرَاهُ الْعَشَرَةَ } .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : وَالْبِضْعُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ ؛ ثُمَّ ظَهَرَتْ الرُّومُ ؛ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { الم غُلِبَتْ الرُّومُ } إلَى قَوْلِهِ : { يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ } قَالَ سُفْيَانُ : سَمِعْت أَنَّهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ نِيَارِ بْنِ مَكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ
غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } وَكَانَتْ فَارِسُ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
قَاهِرِينَ لِلرُّومِ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُحِبُّ ظُهُورَ فَارِسَ ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِيَّاهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ، وَلَا إيمَانٍ بِبَعْثٍ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَصِيحُ فِي نَوَاحِي مَكَّةَ : { الم غُلِبَتْ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } .
قَالَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَبِي بَكْرٍ : فَذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ، زَعَمَ صَاحِبُك أَنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ فَارِسَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ؛ أَفَلَا نُرَاهِنُك عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ : بَلَى .
وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّهَانِ .
فَارْتَهَنَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَتَوَاضَعُوا الرِّهَانَ ، وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ : كَمْ تَجْعَلُ ؟ الْبِضْعُ ثَلَاثُ سِنِينَ إلَى تِسْعِ سِنِينَ .
فَسَمِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَسَطًا قَالَ : فَسَمَّوْا بَيْنَهُمْ سِتَّ سِنِينَ قَالَ : فَمَضَتْ السِّتُّ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرُوا ؛ فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ رَهْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ السَّنَةُ السَّابِعَةُ ظَهَرَتْ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ، فَعَابَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْمِيَةَ سِتِّ سِنِينَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فِي بِضْعِ سِنِينَ .
قَالَ : وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ ؛ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ حِسَانٌ غُرَابٌ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُرَاهَنَةِ : وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الْغَرَرِ وَالْقِمَارِ ؛ وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْهُ ، وَلَمْ يَبْقَ لِلرِّهَانِ جَوَازٌ إلَّا فِي الْخَيْلِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { فِي بِضْعِ سِنِينَ } الْبِضْعُ فِيهِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَا بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَى عَشْرَةٍ ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ إلَى عِشْرِينَ ، فَيُقَالُ : بِضْعَ عَشْرَةَ فِي جَمْعِ الْمُذَكَّرِ ، وَبِضْعَةَ عَشَرَ فِي جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ .
الثَّانِي : الْبِضْعُ سَبْعَةٌ ؛ قَالَهُ الْخَلِيلُ .
الثَّالِثُ : الْبِضْعُ مِنْ الثَّلَاثِ إلَى التِّسْعِ .
الرَّابِعُ : قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ مَا بَيْنَ نِصْفِ الْعِقْدَيْنِ ، يُرِيدُ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إلَى الْأَرْبَعَةِ .
الْخَامِسُ : هُوَ مَا بَيْنَ خَمْسٍ إلَى سَبْعٍ ؛ قَالَهُ يَعْقُوبُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ .
وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ : وَلَا يُقَالُ بِضْعٌ وَمِائَةٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى التِّسْعِينَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى الْعَشْرِ ، وَبِذَلِكَ يَقْضِي فِي الْإِقْرَارِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا مَعَ نُظَرَائِهَا مِنْ آيَاتِ الصَّلَاةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : بَيَّنَّا الرِّبَا وَمَعْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَشَرَحْنَا حَقِيقَتَهُ وَحُكْمَهُ ، وَهُوَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَهُنَا مُحَلَّلٌ ، وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ قِسْمَانِ ؛ مِنْهُ حَلَالٌ وَمِنْهُ حَرَامٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْآيَةِ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الرَّجُلُ يَهَبُ هِبَةً يَطْلُبُ أَفْضَلَ مِنْهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الرَّجُلُ فِي السَّفَرِ يَصْحَبُهُ رَجُلٌ يَخْدُمُهُ وَيُعِينُهُ ، فَيَجْعَلُ الْمَخْدُومُ لَهُ بَعْضَ الرِّبْحِ جَزَاءَ خِدْمَتِهِ ، لَا لِوَجْهِ اللَّهِ ؛ قَالَ الشَّعْبِيُّ .
الثَّالِثُ : الرَّجُلُ يَصِلُ قَرَابَتَهُ ، يَطْلُبُ بِذَلِكَ كَوْنَهُ غَنِيًّا ، لَا صِلَةً لِوَجْهِ اللَّهِ ؛ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَّا مَنْ يَصِلُ قَرَابَتَهُ لِيَكُونَ غَنِيًّا فَالنِّيَّةُ فِي ذَلِكَ مُتَنَوِّعَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لِيَتَظَاهَرَ بِهِ دُنْيَا فَلَيْسَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَا لَهُ مِنْ حَقِّ الْقَرَابَةِ وَبَيْنَهُمَا مِنْ وَشِيجَةِ الرَّحِمِ ، فَإِنَّهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَأَمَّا مَنْ يُعِينُ الرَّجُلَ بِخِدْمَتِهِ فِي سَفَرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ لِلدُّنْيَا لَا لِوَجْهِ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمُرْبِي لَيْسَ لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِيَرْبُوَ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، وَصَرِيحُ الْآيَةِ فِيمَنْ يَهَبُ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الْمُكَافَأَةِ ، وَذَلِكَ لَهُ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : " أَيُّمَا رَجُلٍ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ حَتَّى يَرْضَى مِنْهَا " .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْهِبَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلَّهِ أَوْ لِجَلْبِ الْمَوَدَّةِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ : { تَهَادَوْا تَحَابُّوا } .
وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ الْهِبَةَ لَا يَطْلُبُ إلَّا الْمُكَافَأَةَ عَلَيْهَا ، وَتَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْمَوَدَّةُ تَبَعًا لِلْهِبَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَابَ عَلَى لَقْحَةٍ } ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى صَاحِبِهَا حِينَ طَلَبَ الثَّوَابَ ، إنَّمَا أَنْكَرَ سَخَطَهُ لِلثَّوَابِ ، وَكَانَ زَائِدًا عَلَى الْقِيمَةِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا إذَا طَلَبَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ زَائِدًا عَلَى مُكَافَأَتِهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ ، فَيَأْخُذُ مَا شَاءَ ، أَوْ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ .
وَقِيلَ : تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ ، كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ فَوَاتِ الْهِبَةِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِيمَةُ اتِّفَاقًا .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ } أَيْ لَا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
سُورَةُ لُقْمَانَ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { لَهْوَ الْحَدِيثِ } هُوَ الْغِنَاءُ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ : فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ ، وَلَا شِرَاؤُهُنَّ ، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ ، وَلَا أَثْمَانُهُنَّ ؛ وَفِيهِنَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } } الْآيَةَ .
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جَلَسَ إلَى قَيْنَةٍ يَسْمَعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ ؟ أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَاضِ الْمِسْكِ .
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ : أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَشُكْرِي ، وَثَنَائِي عَلَيْهِمْ ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .
وَمِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْبَاطِلُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الطَّبْلُ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، كَانَ يَجْلِسُ بِمَكَّةَ ، فَإِذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ : إنَّ مُحَمَّدًا قَالَ كَذَا وَكَذَا ضَحِكَ مِنْهُ ،
============================================ج18.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
وَحَدَّثَهُمْ بِأَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ ، وَيَقُولُ : حَدِيثِي هَذَا أَحْسَنُ مِنْ قُرْآنِ مُحَمَّدٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مُغَنِّيَةً ، فَشُغِلَ النَّاسُ بِلَهْوِهَا عَنْ اسْتِمَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ بِحَالٍ ، لِعَدَمِ ثِقَةِ نَاقِلِيهَا إلَى مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَعْيَانِ فِيهَا .
وَأَصَحُّ مَا فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْبَاطِلُ .
فَأَمَّا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ : إنَّهُ الطَّبْلُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : طَبْلُ حَرْبٍ ، وَطَبْلُ لَهْوٍ ، فَأَمَّا طَبْلُ الْحَرْبِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِيمُ النُّفُوسَ ، وَيُرْهِبُ عَلَى الْعَدُوِّ .
وَأَمَّا طَبْلُ اللَّهْوِ فَهُوَ كَالدُّفِّ .
وَكَذَلِكَ آلَاتُ اللَّهْوِ الْمُشْهِرَةُ لِلنِّكَاحِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ ، لِمَا يَحْسُنُ مِنْ الْكَلَامِ ، وَيَسْلَمُ مِنْ الرَّفَثِ .
وَأَمَّا سَمَاعُ الْقَيْنَاتِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْمَعَ غِنَاءَ جَارِيَتِهِ ، إذْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَيْهِ حَرَامًا ، لَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَلَا مِنْ بَاطِنِهَا ، فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْ التَّلَذُّذِ بِصَوْتِهَا .
وَلَمْ يَجُزْ الدُّفُّ فِي الْعُرْسِ لِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يُشْهِرُهُ ، فَكُلُّ مَا أَشْهَرَهُ جَازَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ الزَّمْرِ فِي الْعُرْسِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : { أَمِزْمَارُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ } ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ انْكِشَافُ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ وَلَا هَتْكُ الْأَسْتَارِ ، وَلَا سَمَاعُ الرَّفَثِ ، فَإِذَا خَرَجَ ذَلِكَ إلَى مَا لَا يَجُوزُ مُنِعَ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَاجْتُنِبَ مِنْ أَصْلِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اُشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي ذِكْرِ لُقْمَانَ : وَفِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : كَانَ لُقْمَانُ أَسْوَدَ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ ، حَكِيمًا ، ذَا مَشَافِرَ ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا .
الثَّانِي : قَالَ قَتَادَةُ : خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ ، فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَقَذَفَ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ ، فَأَصْبَحَ يَنْطِقُ بِهَا ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ إلَيَّ النُّبُوَّةَ عَزْمَةً لَرَجَوْت الْفَوْزَ بِهَا ، وَلَكِنَّهُ خَيَّرَنِي ؛ فَخِفْت أَنْ أَضْعُفَ عَنْ النُّبُوَّةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ مِنْ النُّوبَةِ قَصِيرًا أَفْطَسَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ كَانَ خَيَّاطًا .
السَّادِسُ : أَنَّهُ كَانَ رَاعِيًا ، فَرَآهُ رَجُلٌ كَانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ : أَلَسْت عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ الَّذِي كُنْت تَرْعَى بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ : بَلَى .
قَالَ : فَمَا بَلَغَ بِك مَا أَرَى ؟ قَالَ : قَدَرُ اللَّهِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي .
السَّابِعُ : أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا نَجَّارًا قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ : اذْبَحْ شَاةً ، وَأْتِنِي بِأَطْيَبِهَا بِضْعَتَيْنِ فَأَتَاهُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ .
ثُمَّ أَمَرَهُ بِذَبْحِ شَاةٍ ، وَقَالَ لَهُ : أَلْقِ أَخْبَثَهَا بِضْعَتَيْنِ ، فَأَلْقَى اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ ، فَقَالَ : أَمَرْتُك أَنْ تَأْتِيَنِي بِأَطْيَبِهَا بِضْعَتَيْنِ فَأَتَيْتنِي بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ ، وَأَمَرْتُك أَنْ تُلْقِي أَخْبَثَهَا بِضْعَتَيْنِ ، فَأَلْقَيْت اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ ، فَقَالَ : لَيْسَ شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إذَا طَابَا ، وَلَا شَيْءَ أَخْبَثُ مِنْهَا إذَا خَبُثَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى عُلَمَاؤُنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ ؛ إنَّ النَّاسَ قَدْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ مَا يُوعَدُونَ ، وَهُمْ إلَى الْآخِرَةِ سِرَاعًا يَذْهَبُونَ ، وَإِنَّك قَدْ اسْتَدْبَرْت الدُّنْيَا مُنْذُ كُنْت ، وَاسْتَقْبَلْت الْآخِرَةَ ، وَإِنَّ دَارًا تَسِيرُ إلَيْهَا أَقْرَبُ إلَيْك مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ عَنْهَا .
وَقَالَ لُقْمَانُ ، يَا بُنَيَّ ؛ لَيْسَ غِنًى كَصِحَّةٍ ، وَلَا نِعْمَةٌ كَطِيبِ نَفْسٍ .
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ لَا تُجَالِسْ الْفُجَّارَ ، وَلَا تُمَاشِهِمْ ، اتَّقِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ عَذَابٌ مِنْ السَّمَاءِ ، فَيُصِيبَك مَعَهُمْ .
وَقَالَ : يَا بُنَيَّ ؛ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَمَاشِهِمْ ، عَسَى أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ فَتُصِيبَك مَعَهُمْ .
وَقَالَ : يَا بُنَيَّ ؛ جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْك ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ الْمَيِّتَةَ بِالْعِلْمِ ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ بِوَابِلِ الْمَطَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهُ كَانَ لُقْمَانُ بْنَ عَادٍ الْأَكْبَرَ ، وَكَانَ لُقْمَانُ الْأَصْغَرَ ، وَلَيْسَ بِلُقْمَانَ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ .
وَكَانَ لُقْمَانُ هَذَا الَّذِي تَذْكُرُهُ الْعَرَبُ حَكِيمًا .
وَفِي أَخْبَارِهَا أَنَّ أُخْتَ لُقْمَانَ كَانَتْ امْرَأَةً مُحَمَّقَةً ، وَكَانَ لُقْمَانُ حَكِيمًا نَجِيًّا ، فَقَالَتْ أُخْتُهُ لِامْرَأَتِهِ : هَذِهِ لَيْلَةُ طُهْرِي فَهَبِي لِي لَيْلَتَك ، طَمَعًا فِي أَنْ تَعْلَقَ مِنْ أَخِيهَا بِنَجِيبٍ ، فَفَعَلَتْ ، فَحَمَلَتْ مِنْ أَخِيهَا ، فَوَلَدَتْ لُقَيْمَ بْنَ لُقْمَانَ ، وَفِيهِ يَقُولُ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ : لُقَيْمُ بْنُ لُقْمَانَ مِنْ أُخْتِهِ فَكَانَ ابْنَ أُخْتٍ لَهَا وَابْنَا لَيَالِي حُمْقٌ فَاسْتَحْصَنَتْ عَلَيْهِ فَغُرَّ بِهَا مُظْلِمًا فَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ مُحْكِمٌ فَجَاءَتْ بِهِ رَجُلًا مُحْكَمًا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : ذَكَرَ مَالِكٌ كَلَامًا كَثِيرًا مِنْ الْحِكْمَةِ عَنْ لُقْمَانَ ، وَأَدْخَلَ مِنْ حِكْمَتِهِ فَصْلًا فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ مُوَطَّئِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ ، وَذَكَرَ مِنْ حِكْمَتِهِ فَصْلًا يَعْضُدُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، لِيُنَبِّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَيْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ ، وَهِيَ الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّك لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّك } يَعْنِي لَا تُمِلْهُ عَنْهُمْ تَكَبُّرًا ، يُرِيدُ أَقْبِلْ عَلَيْهِمْ مُتَوَاضِعًا ، مُؤْنِسًا مُسْتَأْنِسًا ، وَإِذَا حَدَّثَك أَحَدُهُمْ فَأَصْغِ إلَيْهِ ، حَتَّى يُكْمِلَ حَدِيثَهُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : وَكُنَّا إذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَ يُرِيدُ : فَتَقَوَّمْ أَنْتَ ، أَمْرٌ ، ثُمَّ كُسِرَتْ لِلْقَافِيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا } قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ : { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْهِ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ ، وَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .
وَعَنْهُ ، صَحِيحًا : { الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَعَنْهُ مِثْلُهُ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا } .
وَعَنْهُ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْإِزَارِ ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِعِلْمٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ } .
قَالَ الْقَاضِي : رُوِيَ أَنَّ الْمُخْتَالَ هُوَ قَارُونُ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعْصُومَةٌ مِنْ الْخَسْفِ .
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ ، وَفِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ { أَنَّهُ سَيُخْسَفُ بِجَيْشٍ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْصِدُ الْبَيْتَ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، أَمَا إنَّهُ يَتَبَخْتَرُ فَلَمْ تُخْسَفْ بِهِ الْأَرْضُ حَقِيقَةً خُسِفَ بِهِ فِي الْعَمَلِ مَجَازًا ، فَلَمْ يَرْقَ لَهُ عَمَلٌ إلَى السَّمَاءِ ، وَهُوَ أَشَدُّ الْخَسْفِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْقَصْدُ فِي الْمَشْيِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ السُّرْعَةَ ، وَيَحْتَمِلُ التُّؤَدَةَ ؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي مَوْضِعِهِ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَشْيَ بِقَصْدٍ ، لَا يَكُونُ عَادَةً ، بَلْ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ النِّيَّةِ ، وَلَا يَسْتَرْسِلُ اسْتِرْسَالَ الْبَهِيمَةِ ؛ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ مُرَادٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِك } يَعْنِي لَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَ الصَّوْتِ ، وَخُذْ مِنْهُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْجَهْرَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَةِ تَكَلُّفٌ يُؤْذِي .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِمُؤَذِّنٍ تَكَلَّفَ رَفْعَ الْأَذَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ : لَقَدْ خَشِيت أَنْ تَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُك .
وَالْمُؤَذِّنُ هُوَ أَبُو مَحْذُورَةَ سَمُرَةَ بْنُ مِعْيَرٍ .
وَالْمُرَيْطَاءُ : مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إلَى الْعَانَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْمَصِيرُ } .
يَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
سُورَةُ السَّجْدَةِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمَضَاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ ، وَهِيَ مَوَاضِعُ النَّوْمِ .
وَيُحْتَمَلُ وَقْتُ الِاضْطِجَاعِ ، وَلَكِنَّهُ مَجَازٌ .
وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى ، وَذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ السَّهَرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إلَى أَيِّ طَاعَةِ اللَّهِ تَتَجَافَى ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : ذِكْرُ اللَّهِ .
وَالْآخَرُ الصَّلَاةُ .
وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا عَامٌّ ، وَالْآخَرَ خَاصٌّ .
فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَيُّ صَلَاةٍ هِيَ ؟ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا النَّفَلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ؛ قَالَ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْعَتَمَةُ ؛ قَالَهُ أَنَسٌ وَعَطَاءٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ ؛ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قِيَامُ اللَّيْلِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : هُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ ، وَذَلِكَ أَثْقَلُهُ عَلَى النَّاسِ ، وَمَتَى كَانَ النَّوْمُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ فَالصَّلَاةُ حِينَئِذٍ أَحَبُّ وَأَوْلَى .
وَالْقَوْلُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ مَضَى ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الزُّمَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْآيَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا مَنْ طَالَعْت كَلَامَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ ، وَذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ خَاصَّةً مُنْتَزِعًا بِهَا لِجَوَازِ الْوَكَالَةِ مِنْ قَوْلِهِ : { الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } وَهَذَا أَخْذٌ مِنْ لَفْظِهِ ، لَا مِنْ مَعْنَاهُ ؛ فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ غَيْرِ اللَّهِ إنَّمَا يَفْعَلُ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ ، لَا بِمَا جَعَلَ إلَيْهِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ .
وَلَوْ اطَّرَدَ ذَلِكَ لَقُلْنَا فِي قَوْلِهِ : { قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا } أَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَكَالَةٌ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ ، وَلَقُلْنَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } إنَّهُ وَكَالَةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ الرِّزْقَ لِكُلِّ دَابَّةٍ ، وَخَصَّ الْأَغْنِيَاءَ بِالْأَغْذِيَةِ ، وَأَوْعَزَ إلَيْهِمْ بِأَنَّ رِزْقَ الْفُقَرَاءِ عِنْدَهُمْ ، وَأَمَرَهُمْ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِمْ ، مُقَدَّرًا مَعْلُومًا فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، وَدَبَّرَهُ بِعِلْمِهِ ، وَأَنْفَذَهُ مِنْ حُكْمِهِ ، وَقَدَّرَهُ بِحِكْمَتِهِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَلَا تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ بِالْأَلْفَاظِ ، إلَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى مَوْضُوعَاتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فِي مَقَاصِدِهَا الْمَطْلُوبَةِ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَيْرِ مَقْصِدِهَا لَمْ تُعَلَّقْ عَلَيْهَا مَقَاصِدُهَا .
أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مَعْلُومُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ } .
وَلَا يُقَالُ : هَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُبَايَعَةِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَيْنِ مُخْتَلِفَانِ .
وَهَذَا غَرَضٌ شَبَّ طَوْقُ أَصْحَابِنَا عَنْهُ ، فَإِذَا أَرَادُوا لُبْسَهُ لَمْ يَسْتَطِيعُوا جَوْبَهُ ، وَلَا وُجِدَ امْرُؤٌ مِنْهُمْ جَيْبَهُ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ
الْآيَةِ فِي الْمُشْكَلَيْنِ ، وَأَحْسَنُ مَا قَيَّدْنَا فِيهَا عَنْ الْإسْفَرايِينِيّ ، مِنْ طَرِيقِ الشَّهِيدِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْدِسِيِّ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، الْفَاعِلُ حَقِيقَةً لِكُلِّ فِعْلٍ ، فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ ، وَمَتَى تَرَتَّبَ الْمُحَالُ ، وَتَنَاسَقَتْ الْأَفْعَالُ فَالْكُلُّ إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَعَلَى قُدْرَتِهِ مُحَالُونَ ، وَمَنْ فَعَلَهُ مَحْسُوبٌ ، وَفِي كِتَابِهِ مَكْتُوبٌ ؛ وَقَدْ خَلَقَ مَلَكَ الْمَوْتِ ، وَخَلَقَ عَلَى يَدَيْهِ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ ، وَاسْتِلَالَهَا مِنْ الْأَجْسَامِ ، وَإِخْرَاجَهَا مِنْهَا عَلَى كَيْفِيَّةٍ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَخَلَقَ جُنْدًا يَكُونُونَ مَعَهُ ، يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ بِأَمْرِهِ مَثْنَى وَفُرَادَى .
وَالْبَارِي تَعَالَى خَالِقُ الْكُلِّ ، فَأَخْبَرَ عَنْ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثِ عِبَارَاتٍ ، فَقَالَ : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } ، إخْبَارًا عَنْ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ .
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } خَبَرًا عَنْ الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ الَّذِي نِيطَ بِهِ ، وَخَلَقَ فِعْلَهُ فِيهِ .
وَقَالَ : { وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ } ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ خَبَرًا عَنْ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تُبَاشِرُ فِيهَا ذَلِكَ .
فَالْأُولَى حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ إلَهِيَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِحُكْمِ الْمُبَاشَرَةِ .
وَقَالَ : مَلَكُ الْمَوْتِ إنْ بَاشَرَ مِثْلَهَا وَإِنْ أُمِرَ فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ : حَدَّ الْأَمِيرُ الزَّانِيَ وَعَاقَبَ الْجَانِيَ .
وَهَذِهِ نِهَايَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّسَوُّرِ عَلَى الْمَعَانِي ، وَدَفْعِ الْجَهْلِ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمَقَاصِدِ فِي ذَلِكَ ، فَيُقَالُ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَأْخُذُ الْحَقَّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ قَسْرًا دُونَ
أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي ذَلِكَ فِعْلٌ أَوْ يَرْتَبِطَ بِهِ رِضًا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ .
وَهُوَ التَّحْقِيقُ الْحَاضِرُ الْآنَ ، وَتَمَامُهُ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ .
.
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِيمَنْ نَزَلَتْ ؟ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمُؤْمِنِ ، وَفِي عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ الْكَافِرِ ، فَاخَرَ عُقْبَةُ عَلِيًّا ، فَقَالَ : أَنَا أَبْسَطُ مِنْك لِسَانًا ، وَأَحَدُّ سِنَانًا ، وَأَمْلَأُ فِي الْكَتِيبَةِ مِنْك حَشْوًا .
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَيْسَ كَمَا قُلْت يَا فَاسِقُ .
قَالَ قَتَادَةُ : وَاَللَّهِ مَا اسْتَوَيَا فِي الدُّنْيَا ، وَلَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا الْقَوْلِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ، وَبِهَذَا مُنِعَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا ؛ إذْ مِنْ شُرُوطِ وُجُودِ الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ ، وَبِذَلِكَ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ بِالذِّمِّيِّ .
وَقَالَ : أَرَادَ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ هَاهُنَا فِي الْآخِرَةِ فِي الثَّوَابِ ، وَفِي الدُّنْيَا فِي الْعَدَالَةِ ، وَنَحْنُ حَمَلْنَاهُ عَلَى عُمُومِهِ ؛ وَهُوَ أَصَحُّ ؛ إذْ لَا دَلِيلَ يَخُصُّهُ حَسْبَمَا قَرَرْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
سُورَةُ الْأَحْزَابِ فِيهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَك .
الثَّانِي : قَالَ قَتَادَةُ : كَانَ رَجُلٌ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إلَّا وَعَاهُ ، فَقَالَ النَّاسُ : مَا يَعِي هَذَا إلَّا لِأَنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَلْبَيْنِ ؛ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } [ فَكَانَ مَا قَالَ ] .
الثَّالِثُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : إنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ قَالَ : إنَّ فِي جَوْفِي قَلْبَيْنِ ، أَعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِ مُحَمَّدٍ .
الرَّابِعُ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } مَا عَنَى بِذَلِكَ ؟ قَالَ : قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَرَ خَطْرَةً ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ : أَلَا تَرَوْنَ لَهُ قَلْبَيْنِ : قَلْبًا مَعَكُمْ ، وَقَلْبًا مَعَهُمْ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ قَلْبَيْنِ } الْقَلْبُ : بِضْعَةٌ صَغِيرَةُ الْجُرْمِ عَلَى هَيْئَةِ الصَّنَوْبَرَةِ ، خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآدَمِيِّ وَجَعَلَهَا مَحَلًّا لِلْعِلْمِ ، وَالرُّوحِ أَيْضًا ، فِي قَوْلٍ ، يُحْصِي بِهِ الْعَبْدُ مِنْ الْعُلُومِ مَا لَا يَسَعُ فِي أَسْفَارٍ ، يَكْتُبُهُ اللَّهُ لَهُ فِيهِ بِالْخَطِّ الْإِلَهِيِّ ، وَيَضْبُطُهُ فِيهِ بِالْحِفْظِ الرَّبَّانِيِّ حَتَّى يُحْصِيَهُ وَلَا يَنْسَى مِنْهُ شَيْئًا .
وَهُوَ بَيْنَ لَمَّتَيْنِ : لَمَّةٌ مِنْ الْمَلَكِ ، وَلَمَّةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ .
وَهُوَ مَحَلُّ الْخَطِرَاتِ وَالْوَسَاوِسِ ، وَمَكَانُ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، وَمَوْضِعُ الْإِصْرَارِ وَالْإِنَابَةِ ، وَمَجْرَى الِانْزِعَاجِ وَالطُّمَأْنِينَةِ .
وَالْمَعْنَى فِي الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي الْقَلْبِ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالُ ، وَالْإِنَابَةُ وَالْإِصْرَارُ ، وَهَذَا نَفْيٌ لِكُلِّ مَا تَوَهَّمَهُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِيقَةٍ أَوْ مَجَازٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ أُمًّا بِقَوْلِ الرَّجُلِ : هِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَلَكِنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ ، وَجَعَلَ تَحْرِيمَ الْقَوْلِ يَمْتَدُّ إلَى غَايَةٍ ، وَهِيَ الْكَفَّارَةُ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ } كَانَ الرَّجُلُ يَدْعُو الرَّجُلَ ابْنًا إذَا رَبَّيْهِ ، كَأَنَّهُ تَبَنَّاهُ أَيْ يُقِيمُهُ مَقَامَ الِابْنِ ؛ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَدَّوْا بِهِ إلَى أَنْ قَالُوا : الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ : وَإِلَى أَنْ يَقُولُوا : زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فَمَسَخَ اللَّهُ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ ، وَبَتَّ حَبْلَهَا ، وَقَطَعَ وَصْلَهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إبْطَالِ ذَلِكَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : مَا كُنَّا نَدْعُو زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، حَتَّى نَزَلَتْ : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } .
وَكَانَ مِنْ قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ جَبَلَةُ فِي الْحَيِّ ، فَقَالُوا : أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ زَيْدٌ ؟ فَقَالَ : زَيْدٌ أَكْبَرُ مِنِّي ، وَأَنَا وُلِدْت قَبْلَهُ ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ : كَانَتْ أُمُّنَا امْرَأَةً مِنْ طَيِّئٍ ، فَمَاتَ أَبُونَا ، وَبَقِينَا فِي حِجْرِ جَدِّي ، فَجَاءَ عَمَّايَ ، فَقَالَا لِجَدِّي : نَحْنُ أَحَقُّ بِابْنِ أَخِينَا مِنْك .
فَقَالَ : مَا عِنْدَنَا خَيْرٌ لَهُمَا ، فَأَبَيَا .
فَقَالَ : خُذَا جَبَلَةَ وَدَعَا زَيْدًا .
فَانْطَلَقَا بِي ، فَجَاءَتْ خَيْلٌ مِنْ تِهَامَةَ ، فَأَصَابَتْ زَيْدًا ، فَتَرَاقَى بِهِ الْأَمْرُ إلَى خَدِيجَةَ ، فَوَهَبَتْهُ خَدِيجَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا لَمْ يَغْزُ وَغَزَا زَيْدٌ أَعْطَاهُ سِلَاحَهُ .
وَأُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مِرْجَلَانِ ، فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا ، وَأَعْطَى عَلِيًّا الْآخَرَ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ ابْتَاعَهُ ، وَكَانَ مَسْبِيًّا مِنْ الشَّامِ ، فَوَهَبَهُ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ ، فَوَهَبَتْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَنَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُوهُ يَدُورُ بِالشَّامِ وَيَقُولُ : بَكَيْت عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلٌ أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ أَغَالَك بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَك الْجَبَلْ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي
هَلْ لَك الدَّهْرُ أَوْبَةً فَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا رُجُوعُك لِي أَمَلْ تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتُعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذَا غَرْبُهَا أَفَلْ فَإِنْ هَبَّتْ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ فَيَا طُولُ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَيَا وَجَلْ سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا وَلَا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلْ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ بِمَكَّةَ ، فَجَاءَ إلَيْهِ ، فَهَلَكَ عِنْدَهُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ إلَيْهِ ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَارَ الْمَقَامَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعَادَتِهِ ، وَتَبَنَّاهُ وَرَبَّاهُ ، وَدُعِيَ لَهُ عَلَى رَسْمِ الْعَرَبِ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } .
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَارِثَةَ ، وَعَرَفَتْ كَلْبٌ نَسَبَهُ ، فَأَقَرُّوا بِهِ ، وَأَثْبَتُوا نِسْبَتَهُ .
وَهُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ؛ أَيْ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ قَوْلًا وَحُكْمًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا أَبَ لَهُ مِنْ وَلَدٍ دُعِيَ أَوْ لِعَانٍ لَا يَنْتَسِبُ إلَى أُمِّهِ ، وَلَكِنَّهُ يُقَالُ أَخُو مُعْتِقِهِ وَوَلَدُهُ إنْ كَانَ حُرًّا ، أَوْ عَبْدُهُ إنْ كَانَ رِقًّا .
فَأَمَّا وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ إنْ كَانَ حُرًّا فَإِنَّهُ يُدْعَى إلَى أُمِّهِ ، فَيُقَالُ : فُلَانٌ ابْنُ فُلَانَةَ ، لِأَنَّ أَسْبَابَهُ فِي انْتِسَابِهِ مُنْقَطِعَةٌ ، فَرَجَعَتْ إلَى أُمِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِيهِ إطْلَاقُ اسْمِ الْأُخُوَّةِ دُونَ إطْلَاقِ اسْمِ الْأُبُوَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَدِدْت أَنِّي رَأَيْت إخْوَانَنَا .
قَالُوا : أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَوَالِيكُمْ } يَجُوزُ إطْلَاقُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ ، وَعَلَى الْمُعْتِقِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ ، وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى الْوِلَايَةِ ، وَهِيَ الْقُرْبُ ، كَمَا تَرْجِعُ الْأُخُوَّةُ إلَى أَصْلٍ هُوَ مَقَامُ الْأُبُوَّةِ مِنْ الدِّينِ وَالصَّدَاقَةِ .
وَلِلْمَوْلَى ثَمَانِيَةُ مَعَانٍ ، مِنْهَا مَا يَجْتَمِعُ أَكْثَرُهَا فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ مُعَايَنَةِ اثْنَيْنِ بِحَسَبِ مَا يُعَضِّدُهُ الِاشْتِقَاقُ ، وَيَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَتَوْجِيهُ الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : هَذَا نَاسِخٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ التَّبَنِّي وَالتَّوَارُثِ ، وَيَكُونُ نَسْخًا لِلسُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ نَسْخًا ؛ لِعَدَمِ شُرُوطِ النَّسْخِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ مَا جَاءَ مِنْ الشَّرِيعَةِ لَا يُقَالُ إنَّهُ نَسْخٌ لِبَاطِلِ الْخَلْقِ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمُحَالِ وَالضَّلَالِ ، وَقَبِيحِ الْأَفْعَالِ ، وَمُسْتَرْسَلِ الْأَعْمَالِ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ نَسْخَ الِاشْتِقَاقِ ، بِمَعْنَى الرَّفْعِ الْمُطْلَقِ ، وَالْإِزَالَةِ الْمُبْهَمَةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : نَسْتَأْذِنُ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } } .
وَفِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ : وَهُوَ أَبُوهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ .
وَالْحَدِيثُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ مَوْضُوعٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا ، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي ، فَأَنَا مَوْلَاهُ } .
فَانْقَلَبَتْ الْآنَ الْحَالُ بِالذُّنُوبِ ، فَإِنْ تَرَكُوا مَالًا ضُويِقَ الْعَصَبَةُ فِيهِ ، وَإِنْ تَرَكُوا ضِيَاعًا أَسْلَمُوا إلَيْهِ ، فَهَذَا تَفْسِيرُ الْوِلَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِتَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْيِينِهِ ، وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وَلَسْنَ لَهُمْ بِأُمَّهَاتٍ ، وَلَكِنْ أُنْزِلْنَ مَنْزِلَتَهُنَّ فِي الْحُرْمَةِ ، كَمَا يُقَالُ : زَيْدُ الشَّمْسِ ، أَيْ أُنْزِلَ فِي حُسْنِهِ مَنْزِلَةَ الشَّمْسِ ، وَحَاتِمُ الْبَحْرِ أَيْ أُنْزِلَ فِي عُمُومِ جُودِهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَحْرِ ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَكْرِمَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِفْظًا لِقَلْبِهِ مِنْ التَّأَذِّي بِالْغَيْرَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ : { تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي } .
وَلِهَذَا قَالَ : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } .
وَلَمْ يُنَزَّلْ فِي هَذِهِ الْحُرْمَةِ أَحَدٌ مَنْزِلَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رُوعِيَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصِّيصَةُ ، وَإِنْ غَارَ وَتَأَذَّى ؛ وَلَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ مَعَ حَظِّ الْمَنْزِلَةِ مِنْ خَفِيفِ الْأَذَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : حَرَّمَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ : { وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } فَكُلُّ مَنْ طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخَلَّى عَنْهَا فِي حَيَاتِهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ ، فَقِيلَ : هِيَ لِمَنْ دَخَلَ بِهَا دُونَ مَنْ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَقَدْ هَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِ امْرَأَةٍ فَارَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَحَتْ بَعْدَهُ ، فَقَالَتْ لَهُ : وَلِمَ ؟ وَمَا ضَرَبَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجَابًا وَلَا دُعِيت أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ .
فَكَفَّ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } اخْتَلَفَ النَّاسُ ، هَلْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، أَمْ هُنَّ أُمَّهَاتُ الرِّجَالِ خَاصَّةً ، عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ : ذَلِكَ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
وَقِيلَ : هُوَ خَاصٌّ لِلرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ إنْزَالُهُنَّ مَنْزِلَةَ أُمَّهَاتِهِمْ فِي الْحُرْمَةِ ، حَيْثُ يُتَوَقَّعُ الْحِلُّ ، وَالْحِلُّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ بَيْنَ النِّسَاءِ ، فَلَا يُحْجَبُ بَيْنَهُنَّ بِحُرْمَةٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّاهُ .
فَقَالَتْ : لَسْت لَك بِأُمٍّ ، إنَّمَا أَنَا أُمُّ رِجَالِكُمْ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
وَثَبَتَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، فَارْتَثَّ كَعْبٌ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَاءَ بِهِ الزُّبَيْرُ يَقُودُهُ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ ، فَلَوْ مَاتَ يَوْمَئِذٍ كَعْبٌ عَنْ الضِّحِّ وَالرِّيحِ لَوَرِثَهُ الزُّبَيْرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْقَرَابَةَ أَوْلَى مِنْ الْحَلِفِ ، فَتُرِكَتْ الْمُوَارَثَةُ بِالْحَلِفِ ، وَوَرِثُوا بِالْقَرَابَةِ ، وَقَوْلُهُ : { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ } يَتَعَلَّقُ حَرْفُ الْجَرِّ بِأَوْلَى ، وَمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ ، لَا بِقَوْلِهِ : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ } بِإِجْمَاعٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُوجِبُ تَخْصِيصَهَا بِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهَا ، وَهَذَا حَلُّ إشْكَالِهَا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } .
فِيهَا أَحْكَامٌ وَسِيَرٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهَا مَالِكٌ ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ ، وَالْأَحْزَابِ ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ ، وَكَانَتْ حَالَ شِدَّةٍ ، مُعَقَّبَةٌ بِنِعْمَةٍ ، وَرَخَاءٍ وَغِبْطَةٍ ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً ، وَيَقْتَضِي مَسَائِلَ ثَلَاثًا : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِتَالِ مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } قَالَ : ذَلِكَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ } ، جَاءَتْ قُرَيْشٌ مِنْ هَاهُنَا ، وَالْيَهُودُ مِنْ هَاهُنَا ، وَالنَّجْدِيَّةُ مِنْ هَاهُنَا ، يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ : كَانَتْ وَقْعَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَهِيَ وَبَنُو قُرَيْظَةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ أَرْبَعُ سِنِينَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ سَنَةَ خَمْسٍ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ ، وَجَاءَ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ ، وَهُوَ عَلَى أَتَانٍ ، فَمَرَّ بِهِ حَتَّى لَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ قَالَ : أَنْشَدْتُك اللَّهَ يَا سَعْدُ فِي إخْوَانِي وَأَنْصَارِي ، ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتُّمِائَةِ رَاجِلٍ ، فَإِنَّهُمْ جَنَاحِي ، وَهُمْ مَوَالِيك وَحُلَفَاؤُك .
فَقَالَ سَعْدٌ : قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلَّا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ ،
وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ بِحُكْمِ الْمَلِكِ } .
زَادَ غَيْرُهُ : مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ .
{ فَأَتَى ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إلَى ابْنِ بَاطَا ، وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ يَدٌ ، وَقَالَ : قَدْ اسْتَوْهَبْتُك مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدِك الَّتِي لَك عِنْدِي .
قَالَ : كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْكَرِيمُ بِالْكَرِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : وَكَيْفَ يَعِيشُ رَجُلٌ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا أَهْلَ ؟ قَالَ : فَأَتَى ثَابِتٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَأَعْطَاهُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ .
فَأَتَاهُ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ يَعِيشُ رَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ ، فَأَتَى ثَابِتٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَبَهُ ، فَأَعْطَاهُ مَالَهُ .
فَرَجَعَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : مَا فَعَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الَّذِي كَأَنَّ وَجْهَهُ مِرْآةٌ صِينِيَّةٌ ؟ قَالَ : قُتِلَ .
فَمَا فَعَلَ الْمَجْلِسَانِ يَعْنِي بَنِي كَعْبِ بْنِ قُرَيْظَةَ ، وَبَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ ؟ قَالَ : قُتِلُوا .
قَالَ : فَمَا فَعَلَتْ الْقَيْنَتَانِ ؟ قَالَ : قُتِلَتَا .
قَالَ : بَرِئَتْ ذِمَّتُك ، وَلَنْ أَصُبَّ فِيهَا دَلْوًا أَبَدًا يَعْنِي النَّخْلَ فَأَلْحِقْنِي بِهِمْ ، فَأَبَى أَنْ يَقْتُلَهُ وَقَتَلَهُ غَيْرُهُ } .
وَالْيَدُ الَّتِي كَانَتْ لِابْنِ بَاطَا عِنْدَ ثَابِتٍ أَنَّهُ أَسَرَهُ يَوْمَ بُعَاثٍ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ .
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ تُوُفِّيَ سَعْدٌ : نَخْشَى أَنْ نُغْلَبَ عَلَيْك ، كَمَا غُلِبْنَا عَلَى حَنْظَلَةَ .
قَالَ : وَكَانَ قَدْ أُصِيبَ فِي أَكْحَلِهِ ، فَانْتَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ .
} { وَكَانَتْ عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَاهَدُ ثَغْرَةً مِنْ الْجَبَلِ يُحَافِظُ عَلَيْهَا
، ثُمَّ يُزْلِفُهُ الْبَرْدُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَيَأْتِي فَيَضْطَجِعُ فِي حِجْرِي ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَسَمِعْت حِسَّ رَجُلٍ عَلَيْهِ حَدِيدٌ وَقَدْ أَسْنَدَ فِي الْجَبَلِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ : سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، جِئْتُك لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِك .
فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ فِي تِلْكَ الثَّغْرَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِي حَتَّى سَمِعْت غَطِيطَهُ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَنْسَاهَا لِسَعْدٍ قَالَ مَالِكٌ : وَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ ، فَاغْتَسَلَ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : أَوَضَعْت اللَّأْمَةَ أَوْ لَمْ تَضَعْهَا ؟ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تَخْرُجَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : وَقَسَمَ قُرَيْظَةَ سُهْمَانًا ، فَأَمَّا النَّضِيرُ فَقَسَمَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَلِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ؛ وَهُمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَأَبُو دُجَانَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ قَالَ مَالِكٌ : وَكَانَتْ النَّضِيرُ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : وَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ : اللَّهُمَّ إلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الْآخِرَةِ ، فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرَةِ وَالْأَنْصَارِ .
} قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } .
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يُسْتَشْهَدْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اسْتَشْهَدَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِتَّةُ نَفَرٍ : سَعْدُ بْنُ
مُعَاذٍ ، وَأَنَسُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ .
وَمِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ ثُمَّ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ : الطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمَةَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، وَكَعْبُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ .
وَقُتِلَ مِنْ الْكُفَّارِ ثَلَاثَةٌ : مُنَبِّهَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ ، وَنَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ وَكَانَ اقْتَحَمَ الْخَنْدَقَ فَتَوَرَّطَ فِيهِ ، فَقُتِلَ .
فَغَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَسَدِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ أَعْطَوْا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَسَدِهِ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : لَا حَاجَةَ لَنَا بِجَسَدِهِ وَلَا بِثَمَنِهِ .
فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ .
وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَتَلَهُ عَلِيٌّ فِي الْمُبَارَزَةِ ، اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ ، وَضَرَبَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَتَنَازَلَا ، فَغَلَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ : نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ وَنَصَرْت رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابِ فَصَدَدْت حِينَ تَرَكْته مُتَجَدِّلًا كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَرَوَابِي وَعَفَفْت عَنْ أَثْوَابِهِ وَلَوْ أَنَّنِي كُنْت الْمُقَطِّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ وَنَبِيَّهُ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ ، وَعَبَّادَ بْنَ بَشِيرٍ ، وَأَبَا عَبَّاسٍ الْحَارِثِيَّ ، وَرَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ إلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ لِيَقْتُلُوهُ ، فَبَلَغَنِي أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَتَأْذَنُ لَنَا أَنْ نَنَالَ مِنْك إذَا جِئْنَاهُ .
فَأَذِنَ لَهُمْ فَخَرَجُوا نَحْوَهُ لَيْلًا ، فَلَمَّا جَاءُوا وَنَادَوْهُ لِيَطْلُعَ إلَيْهِمْ ، وَكَانَ بَيْنَ عَبَّادِ بْنِ بَشِيرٍ وَبَيْنَ ابْنِ الْأَشْرَفِ رَضَاعٌ ، فَقَالَتْ لَهُ
امْرَأَتُهُ : لَا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْك .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْ كُنْت نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ فَقَالُوا : جِئْنَا لِتُسْلِفَنَا شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَوَقَعُوا فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّا لَنَجِدُ مِنْك رِيحَ عَبِيرٍ قَالَ : فَأَدْنَى إلَيْهِمْ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : شُمُّوا ، فَذَلِكَ حِينَ ابْتَدَرُوهُ فَقَتَلُوهُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ : إنِّي لَأَجِدُ رِيحَ دَمِ كَافِرٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ : سَمَّيْت بِهِ ، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غِبْت عَنْهُ ، أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ أَرَانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَعْدَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ .
قَالَ وَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا .
فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَيْنَ ؟ قَالَ : وَاهَا لِرِيحِ الْجَنَّةِ ، إنِّي أَجِدُهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ .
قَالَتْ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ : فَمَا عَرَفْت أَخِي إلَّا بِبَنَانِهِ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
{ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } .
وَكَذَلِكَ رَوَى طَلْحَةُ أَنَّ { أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ : سَلْهُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ مِنْهُمْ ، وَكَانُوا لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ ؛ يُوَقِّرُونَهُ وَيَهَابُونَهُ فَسَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْت مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ ، فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ ؟ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ : هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ } النَّحْبُ : النَّذْرُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : سَمِعْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ انْتَقَلَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ أَصَابَتْهُ
الْجِرَاحُ فِي خُصٍّ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ فِيهِ ، وَكَانَ جُرْحُهُ يَنْفَجِرُ ، ثُمَّ يُفِيقُ مِنْهُ ، فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى سَالَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَاتَ مِنْهُ .
وَبَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَرَّ بِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَنِسَاءٌ مَعَهَا فِي الْأُطُمِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فَارِعٌ ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ مُقَلَّصَةٌ ، مُشَمِّرَ الْكُمَّيْنِ ، وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ وَهُوَ يَرْتَجِزُ : لَبِّثْ قَلِيلًا يَشْهَدُ الْهَيْجَا حَمَلْ لَا بَأْسَ بِالْمَوْتِ إذَا حَانَ الْأَجَلْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنِّي لَسْت أَخَافُ أَنْ يُصَابَ سَعْدٌ الْيَوْمَ إلَّا مِنْ أَطْرَافِهِ ، فَأُصِيبَ فِي أَكْحَلِهِ .
قَالَ الْقَاضِي : فَرُوِيَ أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ عَاصِمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْعَرْقَةِ ، فَلَمَّا أَصَابَهُ قَالَ : خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ الْعَرْقَةِ .
فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَك فِي النَّارِ ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَبْقَيْت مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا ، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا رَسُولَك وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت وَضَعْت الْحَرْبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ شَهَادَةً لِي ، وَلَا تُمِيتنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ أَبُو أُسَامَةَ يَعْنِي الْجُشَمِيَّ ؛ قَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ : أَعَكْرِمُ هَلَّا لُمْتنِي إذْ تَقُولُ لِي فِدَاك بِآطَامِ الْمَدِينَةِ خَالِدُ أَلَسْت الَّذِي أَلْزَمْت سَعْدًا مَنِيَّةً لَهَا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْمَرَافِقِ عَاقِدُ قَضَى نَحْبَهُ مِنْهَا سَعِيدٌ فَأَعْوَلَتْ عَلَيْهِ مَعَ الشَّمَطِ الْعَذَارَى النَّوَاهِدُ وَأَنْتَ الَّذِي دَافَعْت عَنْهُ وَقَدْ دَعَا عُبَيْدَةَ جَمْعًا مِنْهُمْ إذْ يُكَايِدُ عَلَى حِينِ مَا هُوَ جَائِرٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَآخَرُ مَدْعُوٌّ عَلَى الْقَصْدِ قَاصِدُ وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا رَأَيْت رَجُلًا أَجْمَلَ مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، حَاشَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَأُصِيبَ فِي أَكْحَلِهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ حَرْبُ قُرَيْظَةَ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ فَاقْبِضْنِي إلَيْك ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ فَأَبْقِنِي حَتَّى أُجَاهِدَ مَعَ رَسُولِك أَعْدَاءَهُ .
فَلَمَّا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ تُوُفِّيَ ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ ، وَقَالُوا : نَرْجُو أَنْ تَكُونَ قَدْ اُسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : وَقَالَ سَعْدٌ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي كُنْت أُحِبُّ أَنْ يَقْتُلَنِي قَوْمٌ بَعَثْت فِيهِمْ نَبِيَّك فَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ ، فَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ بَقِيَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَأَبْقِنِي ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ فَاقْبِضْنِي إلَيْك .
فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَعْدٌ تَبَاشَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : لَقَدْ نَزَلَ بِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ مَا نَزَلُوا الْأَرْضَ قَبْلَهَا .
وَقَالَ مَالِكٌ : قَوْلُهُ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } يَعْنِي فِي رُجُوعِهِ مِنْ الْخَنْدَقِ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : { كَانَتْ وَقْعَةُ الْخَنْدَقِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ ، وَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَى حِينِ غَابَتْ الشَّمْسُ } .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلَاحَ وَلَا أَدْرِي اغْتَسَلَ أَمْ لَا ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ أَتَضَعُونَ اللَّأْمَةَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجُوا إلَى قُرَيْظَةَ ؛ لَا تَضَعُوا السِّلَاحَ حَتَّى تَخْرُجُوا إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ .
فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ } .
فَصَلَّى بَعْضُ النَّاسِ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْضٌ ، حَتَّى لَحِقُوا بَنِي قُرَيْظَةَ ؛ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَهَذِهِ الْآيَاتُ التِّسْعَ عَشْرَةَ
نَزَلْنَ فِي شَأْنِ الْأَحْزَابِ بِمَا انْدَرَجَ فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ مِمَّا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَشَرَحْنَاهُ عِنْدَ وُرُودِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِتَكْرَارِهِ مَعْنًى ، وَمَا خَرَجَ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مِنْ الْحَدِيثِ يُشْرَحُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَقَدْ بَقِيَتْ آيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ تَتِمَّةُ عِشْرِينَ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْأَحْزَابِ وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهَا هُنَالِكَ .
وَاَلَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِالِاسْتِئْذَانِ وَقَوْلُهُ : { إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } ، أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ .
وَاَلَّذِينَ { عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ } : هُمْ بَنُو حَارِثَةَ ، وَبَنُو سَلَمَةَ ، عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِمْ فِي أُحُدٍ ، وَنَدِمُوا ، ثُمَّ عَادُوا فِي الْخَنْدَقِ .
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ بِقَوْلِهِ : { إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا } .
قَالَ جَابِرٌ : وَمَا وَدِدْت أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِهِ : { وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } .
فِيهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ صَانَ خَلْوَةَ نَبِيِّهِ ، وَخَيَّرَهُنَّ أَلَّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ ، فَلَمَّا اخْتَرْنَهُ أَمْسَكَهُنَّ ؛ قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَ نَبِيَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ بِمَفَاتِحِهَا ، وَقَالَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ خَيَّرَك بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلَكًا ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا .
فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ ، فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ فَقُلْت : بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا ، أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ } .
فَلَمَّا اخْتَارَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ لِيَكُنَّ عَلَى مِثَالِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ أَزْوَاجَهُ طَالَبْنَهُ بِمَا لَا يَسْتَطِيعُ ، فَكَانَتْ أُولَاهُنَّ أُمُّ سَلَمَةَ ؛ سَأَلَتْهُ سَتْرًا مُعْلَمًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ .
وَسَأَلَتْهُ مَيْمُونَةُ حُلَّةً يَمَانِيَّةً .
وَسَأَلَتْهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ثَوْبًا مُخَطَّطًا .
وَسَأَلَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ ثَوْبًا سُحُولِيًّا .
وَسَأَلَتْهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ قَطِيفَةً خَيْبَرِيَّةً .
وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئًا ، إلَّا عَائِشَةَ ؛ فَأَمَرَ بِتَخْيِيرِهِنَّ حَكَاهُ النَّقَّاشُ ، وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ بَاطِلٌ .
وَالصَّحِيحُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا عِنْدَ بَابِهِ لَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ : فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ ، وَاجِمًا سَاكِتًا قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : أَرَأَيْت يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنْتُ خَارِجَةَ ، سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْت إلَيْهَا فَوَجَأْت عُنُقَهَا ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ .
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا ، وَقَامَ عُمَرُ إلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا ، كِلَاهُمَا يَقُولُ : تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ .
ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةُ التَّخْيِيرِ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } } .
فَقَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْهُ أَيْضًا .
فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ النَّقَّاشِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ أَزْوَاجَهُ اجْتَمَعْنَ يَوْمًا فَقُلْنَ : نُرِيدُ مَا تُرِيدُ النِّسَاءُ مِنْ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُنَّ : لَوْ كُنَّا عِنْدَ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَانَ لَنَا حُلِيٌّ وَثِيَابٌ وَشَأْنٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَخْيِيرَهُنَّ ؛ قَالَهُ النَّقَّاشُ .
الْخَامِسُ : أَنَّ أَزْوَاجَهُ اجْتَمَعْنَ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ ، فَحَلَفَ أَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا ، وَنَصُّهُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ
أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فَمَكَثْت سَنَةً مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ ، حَتَّى حَجَّ عُمَرُ ، وَحَجَجْت مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ عَدَلَ عُمَرُ إلَى الْأَرَاك ، فَقَالَ : أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ ، فَأَتَيْته بِهَا وَعَدَلْت مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ ، فَتَبَرَّزَ عُمَرُ ، ثُمَّ أَتَانِي ، فَسَكَبْت عَلَى يَدِهِ الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ ، فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَك .
فَقَالَ عُمَرُ : وَاعْجَبَا لَك يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، لَا تَفْعَلْ ، مَا ظَنَنْت أَنَّ عِنْدِي فِيهِ عِلْمًا ، فَسَلْنِي عَنْهُ ، فَإِنْ كُنْت أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُك .
قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَرِهَ وَاَللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ .
قَالَ : هُمَا وَاَللَّهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ .
قَالَ : { كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، فَوَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ .
قَالَ : وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي فَتَغَيَّظْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي ، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْت فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ قَالَتْ لِي : لَوْ صَنَعْت كَذَا .
فَقُلْت لَهَا : مَالَك أَنْتِ وَلِهَذَا وَتَكَلُّفُك فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَقَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَك ، فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْنَهُ ، وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ يَوْمَهَا إلَى اللَّيْلِ .
فَأَخَذْت رِدَائِي ، وَشَدَدْت عَلَيَّ ثِيَابِي ، فَانْطَلَقْت ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْت لَهَا : يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، قَدْ
بَلَغَ مِنْ شَأْنِك أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : مَالِي وَلَك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْك بِعَيْبَتِك .
فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ ، فَقُلْت : قَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِك أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : نَعَمْ .
فَقُلْت : أَتَهْجُرُهُ إحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إلَى اللَّيْلِ ، فَقَالَتْ : نَعَمْ .
قُلْت : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَتْ ، أَفَتَأْمَنُ إحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَك ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُك هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا وَحُبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهَا ؛ هِيَ أَوْسَمُ مِنْك ، وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك يُرِيدُ عَائِشَةَ .
لَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحِبُّك ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَك ؛ فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ .
وَدَخَلْت عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتهَا ، فَقَالَتْ لِي : وَاعْجَبَا لَك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، قَدْ دَخَلْت فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْغِي أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِ ؛ وَإِنَّهُ كَسَرَنِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مَا كُنْت أَجِدُ .
وَكَانَ لِي جَارٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ فِي النُّزُولِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا ، وَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ تَغْزُونَا ، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي عَشِيًّا ، فَضَرَبَ بَابِي ، وَنَادَانِي ، فَخَرَجْت إلَيْهِ ، فَقَالَ : حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ .
فَقُلْت : مَاذَا ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ ؟ فَقَالَ : بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ .
فَقُلْت : مَا تَقُولُ ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ؟ فَقُلْت : قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ ، وَخَسِرَتْ ، قَدْ كُنْت أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ ؛ حَتَّى إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ شَدَدْت عَلَيَّ ثِيَابِي ، ثُمَّ نَزَلْت ، فَدَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ ، وَهِيَ تَبْكِي .
فَقُلْت : طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : لَا أَدْرِي ، هُوَ هَذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ .
فَأَتَيْت غُلَامًا أَسْوَدَ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ مُدْلِيًا رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ وَهُوَ جَذَعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْحَدِرُ .
فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُك لَهُ فَصَمَتَ .
فَانْطَلَقْت ، حَتَّى أَتَيْت الْمِنْبَرَ ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ ، فَجَلَسْت قَلِيلًا ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْت الْغُلَامَ ، فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ .
فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ إلَيَّ فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُك لَهُ فَصَمَتَ ، فَخَرَجْت فَجَلَسْت إلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ ، فَأَتَيْت الْغُلَامَ ، فَقُلْت : اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنِّي جِئْت مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا .
قَالَ : وَرَفَعْت صَوْتِي ، فَدَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَالَ : قَدْ ذَكَرْتُك لَهُ فَصَمَتَ ، فَوَلَّيْت مُدْبِرًا ، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي قَالَ : اُدْخُلْ فَقَدْ أَذِنَ لَك .
فَدَخَلْت ، فَسَلَّمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ ، حَشْوُهَا لِيفٌ .
فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَطَلَّقْت نِسَاءَك ؟ مَا يَشُقُّ عَلَيْك مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَك وَمَلَائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ ، وَأَنَا وَأَبَا بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنِينَ .
قَالَ : وَقَلَّمَا تَكَلَّمْت وَأَحْمَدُ
اللَّهَ بِكَلَامٍ إلَّا رَجَوْت أَنَّ اللَّهَ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ : { عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ } .
فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ إلَيَّ فَقَالَ : لَا .
فَقُلْت : اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَوْ رَأَيْتنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَوَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا ، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي ، فَأَنْكَرْت أَنْ تُرَاجِعَنِي .
قَالَتْ : مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَك .
فَوَاَللَّهِ إنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إلَى اللَّيْلِ .
فَقُلْت : قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ ، أَفَتَأْمَنُ إحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ .
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ دَخَلْت عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْت : لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُك هِيَ أَوْسَمُ وَأَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك فَتَبَسَّمَ أُخْرَى ؛ وَإِنِّي لَمَّا قَصَصْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ ، وَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى انْحَسَرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ وَكَشَّرَ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا .
فَقُلْت : أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْك ، قَالَ : نَعَمْ .
فَجَلَسْت فَرَفَعْت بَصَرِي فِي الْبَيْتِ ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْت فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ ، إلَّا أُهُبًا ثَلَاثَةً ، وَإِلَّا قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَقَرَظٌ مَصْبُورٌ فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ ؛ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقُلْت : وَمَا لِي لَا أَبْكِي ،
وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِك ، وَهَذِهِ خَزَائِنُك لَا أَرَى فِيهَا شَيْئًا إلَّا مَا أَرَى ، وَذَلِكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فِي الْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ ؟ وَقُلْت : اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ لِأُمَّتِك ، فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ .
فَاسْتَوَى جَالِسًا ، وَقَالَ : أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .
فَقُلْت : اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَإِنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ نِسَاءَهُ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَقَامَ عُمَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يُنَادِي : لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فَكُنْت أَنَا الَّذِي اسْتَنْبَطْت ذَلِكَ الْأَمْرَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخْيِيرِ } .
وَكَانَ أَقْسَمَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا ، يَعْنِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ يَعْنِي قِصَّةَ شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ .
هَذَا نَصُّ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى سِوَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كِتَابُ الصَّحِيحِ يَجْمَعُ لَك جُمْلَةَ الْأَقْوَالِ ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضِبَ عَلَى أَزْوَاجِهِ مِنْ أَجْلِ سُؤَالِهِنَّ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِقَوْلِ عُمَرَ لِحَفْصَةَ ، لَا تَسْأَلِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَك .
وَسَبَبُ غَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ ،
لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُمَرَ : مَنْ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ ؟ وَقَوْلُهُ : { عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } .
وَذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي شُرْبِ الْعَسَلِ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ ؛ فَهَذَانِ قَوْلَانِ وَقَعَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَصًّا .
وَفِيهِ الْإِشَارَةُ لِمَا فِيهَا بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ عَدَمِ قُدْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّفَقَةِ ، حَتَّى تَجَمَّعْنَ حَوْلَهُ بِمَا ظَهَرَ لِعُمَرَ مِنْ ضِيقِ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا سِيَّمَا لَمَا اطَّلَعَ فِي مَشْرُبَتِهِ مِنْ عَدَمِ الْمِهَادِ ، وَقِلَّةِ الْوِسَادِ .
وَفِيهِ إبْطَالُ مَا ذَكَرَهُ النَّقَّاشُ مِنْ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَسْأَلْهُ شَيْئًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُنَّ حَوْلِي ، كَمَا تَرَى ، وَقِيَامِ أَبِي بَكْرٍ لِعَائِشَةَ يَجَأُ فِي عُنُقِهَا ، وَلَوْلَا سُؤَالُهَا مَا أَدَّبَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : ( قُلْ ) قَالَ الْجُوَيْنِيُّ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي سَرَدْنَاهُ آنِفًا ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ أَمَّا أَنَّ قَوْلَهُ : ( قُلْ ) يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالْإِبَاحَةَ ، فَإِنْ كَانَ الْمُوجِبُ لِنُزُولِ الْآيَةِ تَخْيِيرَ اللَّهِ لَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ ، فَأَمَرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِأَزْوَاجِهِ لِيَكُنَّ مَعَهُ فِي مَنْزِلَتِهِ ، وَلِيَتَخَلَّقْنَ بِأَخْلَاقِهِ الشَّرِيفَةِ ، وَلِيَصُنَّ خَلَوَاتِهِ الْكَرِيمَةَ مِنْ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ .
وَإِنْ كَانَ لِسُؤَالِهِنَّ الْإِنْفَاقَ فَهُوَ لَفْظُ إبَاحَةٍ ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنْ ضَاقَ صَدْرُك بِسُؤَالِهِنَّ لَك مَا لَا تُطِيقُ فَإِنْ شِئْت فَخَيِّرْهُنَّ ، وَإِنْ شِئْت فَاصْبِرْ مَعَهُنَّ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إطْنَابٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِأَزْوَاجِك } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَزْوَاجِ الْمَذْكُورَاتِ ؛ فَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : كَانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ سِوَى الْخَيْبَرِيَّةِ ؛ خَمْسٌ مِنْ قُرَيْشٍ : عَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، وَأَمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَأَمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ .
وَكَانَتْ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْخَيْبَرِيّةُ ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةُ ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، فَذَهَبَتْ ، وَكَانَتْ بَدَوِيَّةً .
قَالَ رَبِيعَةُ : فَكَانَتْ أَلْبَتَّةَ ، وَاسْمُهَا عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ الْكِلَابِيَّةُ ؛ اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ ، فَذَهَبَتْ ، فَابْتَلَاهَا اللَّهُ بِالْجُنُونِ .
وَيُقَالُ : إنَّ أَبَاهَا تَرَكَهَا تَرْعَى غَنَمًا لَهُ ، فَصَارَتْ فِي طَلَبِ إحْدَاهُنَّ ، فَلَمْ يُعْلَمْ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا إلَى الْيَوْمِ .
وَقِيلَ : إنَّهَا كِنْدِيَّةٌ .
وَقِيلَ : لَمْ يُخَيِّرْهَا ، وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَرَدَّهَا ، وَقَالَ : لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمَعَاذٍ .
هَذَا مُنْتَهَى قَوْلِهِمْ ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ بَيَانًا شَافِيًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَنَقُولُ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْوَاجٌ كَثِيرَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْحَاضِرُ الْآنَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ زَوْجَةً ، عَقَدَ عَلَى خَمْسٍ ، وَبَنَى بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمُخَيَّرُ مِنْهُنَّ أَرْبَعٌ : الْأُولَى : سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، تَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لُؤَيٍّ .
الثَّانِيَةُ : عَائِشَةُ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، تَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَبِ الثَّامِنِ .
الثَّالِثُ : حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ ، تَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَبِ التَّاسِعِ .
الرَّابِعَةُ : أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ ، تَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَبِ السَّابِعِ .
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ [ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ ] أَنَّ الْمُخَيَّرَاتِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعٌ ، وَذَكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ مِمَّنْ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّفَقَةَ ، وَنَزَلَ لِأَجْلِهِنَّ آيَةُ التَّخْيِيرِ .
وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ عَظِيمٌ ؛ فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : فَدَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ ؛ وَإِنَّمَا نَزَلَ الْحِجَابُ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ ، وَكَذَلِكَ إنَّمَا زَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيُّ بِالْيَمَنِ ، وَهُوَ أَصْدَقَ عَنْهُ ، فَأَرْسَلَ بِهَا إلَيْهِ مِنْ الْيَمَنِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ .
وَأَمَّا الْكِلَابِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فَلَمْ يَبْنِ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَيُقَالُ : إنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا مِنْهُ ، وَقَالَ لَهُ : إنَّهَا لَمْ تَمْرَضْ قَطُّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِهَذِهِ قَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ ، فَطَلَّقَهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا ، وَقَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ : إنَّهَا كَانَتْ بَدَوِيَّةً ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَصِحَّ .
وَقَوْلُ رَبِيعَةَ : إنَّهَا كَانَتْ أَلْبَتَّةَ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا بَنَاهُ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ رَبِيعَةَ فِي التَّخْيِيرِ بَتَاتٌ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } وَهُوَ شَرْطٌ جَوَابُهُ { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ } ، فَعَلَّقَ التَّخْيِيرَ عَلَى شَرْطٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ وَالطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَيْنِ عَلَى شَرْطٍ صَحِيحَانِ ، يَنْفُذَانِ وَيَمْضِيَانِ ، خِلَافًا لِلْجُهَّالِ الْمُبْتَدِعَةِ ، الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الْمُنْجَزُ لَا غَيْرَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } مَعْنَاهُ إنْ كُنْتُنَّ تَقْصِدْنَ الْحَالَةَ الْقَرِيبَةَ مِنْكُنَّ ؛ فَإِنَّ لِلْإِنْسَانِ حَالَتَيْنِ : حَالَةٌ هُوَ فِيهَا تُسَمَّى الدُّنْيَا ، وَحَالَةٌ لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ إلَيْهَا وَهِيَ الْأُخْرَى ، وَتَقْصِدْنَ التَّمَتُّعَ بِمَا فِيهَا ، وَالتَّزَيُّنَ بِمَحَاسِنِهَا ، سَرَحْتُكُنَّ لِطَلَبِ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } .
وَلَا بُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَتَيْنِ : إمَّا أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَيَجْمَعَ لَهَا ، وَيَنْظُرَ فِيهَا [ وَمِنْهَا ] .
وَإِمَّا أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى حَالَتِهِ الْأُخْرَى ، فَإِيَّاهَا يَقْصِدُ ، وَلَهَا يَسْعَى وَيَطْلُبُ ؛ وَلِذَلِكَ اخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ الْحَالَةَ الْأُخْرَى ، فَقَالَ لَهُ : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى } يَعْنِي رِزْقَهُ فِي الْآخِرَةِ ؛ إذْ الْمَرْءُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ رِزْقُهُ فِي الدُّنْيَا طَلَبَهُ أَوْ تَرَكَهُ فَإِنَّهُ طَالِبٌ لَهُ طَلَبَ الْأَجَلِ .
وَأَمَّا رِزْقُهُ فِي الْآخِرَةِ فَلَا يَأْتِيهِ إلَّا وَيَطْلُبُهُ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ فِي هَذَا لِيَكُونَ لَهُنَّ الْمَنْزِلَةُ الْعُلْيَا ، كَمَا كَانَتْ لِزَوْجِهِنَّ .
وَهَذَا مَعْنَى مَا رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : { لَمْ يُخَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ إلَّا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ : خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَبَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ لَوْ اخْتَارَتْ مِنْهُنَّ الدُّنْيَا مَثَلًا ، هَلْ كَانَتْ تَبِينُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا تَبِينُ ، لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ اخْتِيَارَ الدُّنْيَا سَبَبُ الِافْتِرَاقِ ؛ فَإِنَّ الْفِرَاقَ إذَا وَقَعَ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِ إمْضَاؤُهُ ؛ أَصْلُهُ يَمِينُ اللِّعَانِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ هَلْ تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِاللِّعَانِ بِنَفْسِ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْفِرَاقِ ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ ؟ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الثَّانِي : أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : اخْتَارِي نَفْسَك وَنَوَى الْفِرَاقَ وَاخْتَارَتْ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ .
وَالدُّنْيَا كِنَايَةٌ عَنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } : هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ ، وَهُوَ فِعْلُ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ، مِنْ قَوْلِك " تَعَالَى " وَهُوَ دُعَاءٌ إلَى الْإِقْبَالِ إلَيْهِ ، تَقُولُ : تَعَالَى بِمَعْنَى " أَقْبِلْ " وُضِعَ لِمَنْ لَهُ جَلَالَةٌ وَرِفْعَةٌ ، ثُمَّ صَارَ فِي الِاسْتِعْمَالِ مَوْضُوعًا لِكُلِّ دَاعٍ إلَى الْإِقْبَالِ .
وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْفَعِ رُتْبَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُمَتِّعْكُنَّ } وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أُسَرِّحْكُنَّ } : مَعْنَاهُ أُطَلِّقُكُنَّ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي السَّرَاحِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : وَهِيَ مَقْصُودُ الْبَابِ وَتَحْقِيقُهُ فِي بَيَانِ الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ أَزْوَاجَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ فِي الْبَقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ، أَوْ الطَّلَاقِ .
فَاخْتَرْنَ الْبَقَاءَ مَعَهُ ، قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا فَيُفَارِقُهُنَّ ، وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ ، وَلَمْ يُخَيِّرْهُنَّ فِي الطَّلَاقِ ، ذَكَرَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، وَمِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : مَعْنَى خَيَّرَهُنَّ قَرَأَ عَلَيْهِنَّ الْآيَةَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ؛ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ إذًا قَبْلَ ثَلَاثٍ ، وَاَللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقَ النِّسَاءَ لِعِدَّتِهِنَّ ، وَقَدْ قَالَ : { سَرَاحًا جَمِيلًا } وَالثَّلَاثُ لَيْسَ مِمَّا يَجْمُلُ ؛ وَإِنَّمَا السَّرَاحُ الْجَمِيلُ وَاحِدَةٌ لَيْسَ الثَّلَاثُ الَّتِي يُوجِبُهُنَّ قَبُولُ التَّخْيِيرِ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا عَائِشَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْهَا قَطُّ ، إنَّمَا الْمَرْوِيُّ عَنْهَا أَنَّ مَسْرُوقًا سَأَلَهَا عَنْ الرَّجُلِ يُخَيِّرُ زَوْجَتَهُ فَتَخْتَارُهُ ، أَيَكُونُ طَلَاقًا ؟ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ .
فَقَالَتْ عَائِشَةُ : خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَهُ ، أَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا ؟ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَرُوِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ، فَلَا وَجَدُوا لَفْظَ ( خَيَّرَ ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلُهَا : لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ } .
وَلَيْسَ فِي هَذَا تَخْيِيرٌ بِطَلَاقٍ كَمَا
زَعَمُوا ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الْأَوَّلُ إلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا ، فَيُوقَعُ الطَّلَاقُ ؛ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيَكُونُ الْإِمْسَاكُ ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ قَوْلُهُمْ إلَى آيَةِ التَّخْيِيرِ ، وَقَوْلُهَا ، خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، أَوْ أُمِرَ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ ، فَإِنَّمَا يَعُودُ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْ التَّخْيِيرِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ سَمَّى كَمَا تَقَدَّمَ آيَةَ التَّخْيِيرِ : { عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } .
وَلَيْسَ لِلتَّخْيِيرِ فِيهَا ذِكْرٌ لَفْظِيٌّ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهَا مَعْنَى التَّخْيِيرِ نَسَبَهَا إلَى الْمَعْنَى .
الثَّانِي : أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ قَالَ : إنَّ مَعْنَى خَيَّرَهُنَّ قَرَأَ عَلَيْهِنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ ؛ وَقَوْلُهُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ صَحِيحٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَصُّ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِيهَا إنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ الْآخِرَةِ ، فَيَكُونُ التَّمَسُّكُ ؛ وَبَيْنَ الدُّنْيَا ، فَيَكُونُ الْفِرَاقُ ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ نَصِّ الْآيَةِ ، وَلَيْسَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَ مِنْ أَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ ، وَاَللَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يُطَلِّقَ النِّسَاءَ لِعِدَّتِهِنَّ ؛ فَإِنَّ كَوْنَ قَبُولِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُهُ ، وَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى حُكْمٍ بِمَذْهَبٍ بِقَوْلٍ يُخَالِفُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ يَقُولَانِ : إنَّهَا وَاحِدَةٌ فِي تَفْصِيلٍ ، وَقَوْلُهُ : إنَّ اللَّهَ قَالَ : سَرَاحًا جَمِيلًا .
وَالثَّلَاثُ مِمَّا لَا يَجْمُلُ خَطَأً ؛ بَلْ هِيَ مِمَّا يَجْمُلُ وَيَحْسُنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } فَسَمَّى الثَّلَاثَ تَسْرِيحًا بِإِحْسَانٍ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تُوصَفُ بِالْإِحْسَانِ إذَا فُرِّقَتْ ؛ فَأَمَّا إذَا وَقَعَتْ جُمْلَةً فَلَا .
قُلْنَا : لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ؛ فَإِنَّ الثَّلَاثَ فُرْقَةُ انْقِطَاعٍ ، كَمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ عِنْدَك
فُرْقَةُ انْقِطَاعٍ .
وَإِنَّمَا الْمَعْنَى السَّرَاحُ الْجَمِيلُ ، وَالسَّرَاحُ الْحَسَنُ فُرْقَةٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ظَنَّهُ هَذَا الْعَالِمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : ابْعَثِي إلَى أَبَوَيْك .
فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لِمَ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُخَيِّرَكُنَّ .
فَقَالَتْ : إنِّي أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَسَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ لِي إلَيْك حَاجَةً ؛ لَا تُخَيِّرْ مِنْ نِسَائِك مَنْ تُحِبُّ أَنْ تُفَارِقَنِي ، فَخَيَّرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا ، فَكُلُّهُنَّ اخْتَرْنَهُ } .
{ قَالَتْ عَائِشَةُ : خَيَّرَنَا فَاخْتَرْنَاهُ ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا } .
وَفِي الصَّحِيحِ { عَنْ عَائِشَةَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } الْآيَةَ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدَأَ بِي ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ؛ إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا فَلَا عَلَيْك أَلَّا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك .
قَالَتْ : وَقَدْ عَلِمَ وَاَللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ ، فَقَرَأَ عَلَيَّ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } .
فَقُلْت : أَوَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } .
هَذِهِ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ .
قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ أَيُّوبُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا تُخْبِرْ أَزْوَاجَك أَنِّي اخْتَرْتُك ؛ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَمْ
يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا ، إنَّمَا بَعَثَنِي مُبَلِّغًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى أَزْوَاجِهِ الْآيَةَ وَيَقُولُ : قَدْ اخْتَارَتْنِي عَائِشَةُ ، فَاخْتَرْنَهُ كُلُّهُنَّ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا خَيَّرَهُنَّ اخْتَرْنَهُ ، فَقَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ ، وَنَزَلَتْ : { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } .
وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَدْ بَيَّنَّا كَيْفَ وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَمَسْأَلَةُ التَّخْيِيرِ طَوِيلَةٌ عَرِيضَةٌ ، لَا يَسْتَوْفِيهَا إلَّا الْإِطْنَابُ بِالتَّطْوِيلِ مَعَ اسْتِيفَاءِ التَّفْصِيلِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِي هَذِهِ الْعُجَالَةِ ، وَبَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، فَنُشِيرُ مِنْهُ الْآنَ إلَى طَرَفَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ .
الثَّانِي : إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا .
أَمَّا الطَّرَفُ الْأَوَّلُ إذَا اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْ زَيْدٍ ، وَعَلِيٍّ ، إلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ .
وَذَهَبَ إلَى أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَالْحَسَنُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّ قَوْلَهُ : " اخْتَارِي " كِنَايَةٌ عَنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ ؛ فَإِذَا أَضَافَهُ إلَيْهَا وَقَعَتْ طَلْقَةٌ ، كَقَوْلِهِ ، أَنْتِ بَائِنٌ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُ عَائِشَةَ : خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ .
أَفَكَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قُلْتُمْ : إنَّ تَخْيِيرَ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الزَّوْجِيَّةِ وَالْفِرَاقِ ، وَإِنَّمَا كَانَ بَيْنَ الْبَقَاءِ فَيُمْسِكُ ، وَبَيْنَ الْفِرَاقِ فَيَسْتَأْنِفُ إيقَاعَهُ ، وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا عِنْدَكُمْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَيْنَا مِنْكُمْ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ قُلْنَا ، وَكَذَلِكَ كَانَ .
وَقَوْلُكُمْ : لَا حُجَّةَ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ حُجَّتُهُ ظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّكُمْ قَدْ قُلْتُمْ : إنَّهَا كِنَايَةٌ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّكُمْ أَنْ تَقُولُوا : إنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذَا أَيْضًا .
فَإِذَا قُلْتُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ : إنَّهُ لَا يَقَعُ ، كَانَتْ الْأُخْرَى مِثْلَهَا ؛ لِأَنَّهُمَا كِنَايَتَانِ ، فَلَوْ لَزِمَ الطَّلَاقُ بِإِحْدَاهُمَا لَزِمَ بِالْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .
وَبِهَذَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِسِعَةِ عِلْمِهَا ، وَعَظِيمِ فِقْهِهَا .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا
إيقَاعٌ بَاطِلٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِرَاقِهِ ، وَهُمَا ضِدَّانِ ، لَيْسَ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا اخْتِيَارًا لِلثَّانِي بِحَالٍ .
وَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي : وَهُوَ إذَا اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا بَيْنُونَةٍ .
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهُ مَا نَوَى .
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ .
الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا مَبْتُوتَةٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا إذَا نَوَيَاهُ جَمِيعًا ، وَلَا يَقَعُ مِنْهُ إلَّا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، فَإِنْ اخْتَلَفَا وَقَعَ الْأَقَلُّ ، وَبَطَلَ الْأَكْثَرُ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَوْلِهِ : " اخْتَارِي " أَلَّا يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ ، وَلَا يَمْلِكَ مِنْهَا شَيْئًا ؛ إذْ قَدْ جَعَلَ إلَيْهَا أَنْ تُخْرِجَ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهَا عَنْهُ أَوْ تُقِيمَ مَعَهُ ، فَإِذَا أَخْرَجَتْ الْبَعْضَ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَاخْتَارَ غَيْرَهُمَا .
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِخَبَرٍ مِنْ جِهَتِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّتِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ .
الْجَوَابُ : إنَّا نَقُولُ : أَمَّا اعْتِبَارُ نِيَّتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ وَنِيَابَةٌ ، وَأَمَّا خِيَارُ الْمُعْتِقَةِ فَلَا نُسَلِّمُهُ ، بَلْ هُوَ ثَلَاثٌ .
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ لَفْظُ الثَّلَاثِ وَلَا نِيَّتُهَا .
الْجَوَابُ : إمَّا نَقُولُ : قَدْ اقْتَرَنَ بِهِ لَفْظُهَا كَمَا
بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } اعْلَمُوا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ عِلْمَهُ وَأَفَاضَ عَلَيْكُمْ حُكْمَهُ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ : قَدِيمٌ وَمُحْدَثٌ ، وَخَالِقٌ وَمَخْلُوقٌ ، وَالْمَخْلُوقُ وَالْمُحْدَثُ عَلَى قِسْمَيْنِ : حَيَوَانٌ وَجَمَادٌ .
وَالْحَيَوَانُ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُكَلَّفٌ ، وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ .
وَالْمُكَلَّفُ حَالَتَانِ : حَالَةٌ هُوَ فِيهَا ، وَحَالَةٌ هُوَ مَنْقُولٌ إلَيْهَا ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَالْحَالَةُ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهَا هِيَ الْحَبِيبَةُ إلَى اللَّهِ الْمَمْدُوحَةُ مِنْهُ ، وَالْحَالَةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا هِيَ الْمُبْغَضَةُ إلَى اللَّهِ الْمَذْمُومَةُ عِنْدَهُ ؛ فَإِنْ رَكَنَ إلَيْهَا ، وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا مِنْ الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ ، وَأَهْمَلَ الْحَالَةَ الَّتِي يَنْتَقِلُ إلَيْهَا ، وَهِيَ الْمَحْمُودَةُ ، هَلَكَ .
وَإِنْ كَانَ مَقْصِدُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْقَرِيبَةِ تِلْكَ الْآخِرَةَ ، وَكَانَ لَهَا يَعْمَلُ ، وَإِيَّاهَا يَطْلُبُ ، وَاعْتَقَدَ نَفْسَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَافِرِ إلَى مَقْصِدٍ ، فَهُوَ فِي طَرِيقِهِ يَعْبُرُ ، وَعَلَى مَسَافَتِهِ يَرْتَحِلُ ؛ وَقَلْبُ الْأَوَّلِ مَعْمُورٌ بِذِكْرِ الدُّنْيَا ، مَغْمُورٌ بِحُبِّهَا ، وَقَلْبُ الثَّانِي مَغْمُورٌ بِذِكْرِ اللَّهِ ، مَعْمُورٌ بِحُبِّهِ ، وَجَوَارِحُهُ مُسْتَعْمَلَةٌ بِطَاعَتِهِ ، فَقِيلَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَتَقْصِدْنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَثَوَابَهُ فِيهَا ، فَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ ثَوَابَكُنَّ وَثَوَابَ أَمْثَالِكُنَّ فِي أَصْلِ الْقَصْدِ لَا فِي مِقْدَارِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ مَحَبَّةً فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِذَاتَيْهِمَا ، وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَنْفَعَةِ الثَّوَابِ .
قَالَ قَوْمٌ : لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحَبَّ اللَّهُ لِذَاتِهِ وَلَا رَسُولُهُ لِذَاتِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَحْبُوبُ الثَّوَابُ مِنْهُمَا ، الْعَائِدُ عَلَيْهِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ
الْعَبْدَ يُحِبُّ نَفْسَهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَغَنِيَّانِ عَنْ الْعَالَمِينَ فِي ذَلِكَ الْغَرَضِ الْمَسْطُورِ فِيهَا .
.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ } الْإِحْسَانُ فِي الْفِعْلِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ .
وَالثَّانِي : التَّمَادِي عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : قُلْ لَهُنَّ مَنْ جَاءَ بِهَذَا الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ مِنْكُنَّ كَمَا أُمِرَ بِهِ ، وَتَمَادَى عَلَيْهِ إلَى حَالَةِ الِاحْتِرَامِ بِالْمُنْيَةِ ، فَعِنْدَنَا لَهُ أَفْضَلُ الْجَلَالَةِ وَالْإِكْرَامِ .
وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ : { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } إلَى آخِرِ الْمَعْنَى .
فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَجْرًا عَظِيمًا } الْمَعْنَى أَعْطَاهُنَّ اللَّهُ بِذَلِكَ ثَوَابًا مُتَكَاثِرَ الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ : { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } ، وَزِيَادَةُ رِزْقٍ كَرِيمٍ مُعَدٍّ لَهُنَّ .
أَمَّا ثَوَابُهُنَّ فِي الْآخِرَةِ فَكَوْنُهُنَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَا غَايَةَ بَعْدَهَا ، وَلَا مَزِيَّةَ فَوْقَهَا ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ النَّعِيمِ وَالثَّوَابِ عَلَى غَيْرِهِنَّ ؛ فَإِنَّ الثَّوَابَ وَالنَّعِيمَ عَلَى قَدْرِ الْمَنْزِلَةِ .
وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، تَعْظِيمًا لِحَقِّهِنَّ ، وَتَأْكِيدًا لِحُرْمَتِهِنَّ ، وَتَشْرِيفًا لِمَنْزِلَتِهِنَّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَظَرَ عَلَيْهِ طَلَاقَهُنَّ ، وَمَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِبْدَالِ بِهِنَّ ، فَقَالَ : { لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ } .
وَالْحِكْمَةُ أَنَّهُنَّ لَمَّا لَمْ يَخْتَرْنَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ أَمَرَ بِمُكَافَأَتِهِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِنِكَاحِهِنَّ .
فَأَمَّا مَنْعُ الِاسْتِبْدَالِ بِهِنَّ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ هَلْ بَقِيَ ذَلِكَ مُسْتَدَامًا أَمْ رَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا بِوُجُوهٍ مِنْ رَحْمَتِهِ وَخَيْرَاتِهِ ، وَلَا يَنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ ثَوَابِهِ فِي الْآخِرَةِ .
وَقَدْ يُثِيبُهُ فِي الدُّنْيَا ، وَيَنْقَصُهُ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَنْ قَذَفَهُنَّ حُدَّ حَدَّيْنِ ، كَمَا قَالَ مَسْرُوقٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَدٌّ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النُّورِ ، مِنْ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .
يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُحْصَنَةٍ ،
وَلَا يَقْتَضِي شَرَفُهُنَّ زِيَادَةً فِي الْحَدِّ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْمَنْزِلَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُدُودِ بِزِيَادَةٍ ، وَلَا نَقْصُهَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَدِّ بِنَقْصٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْفَاحِشَةِ وَتِبْيَانِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ ، وَأَنَّهَا تَنْطَبِقُ عَلَى الزِّنَا ، وَعَلَى سَائِرِ الْمَعَاصِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَاحِشَةٍ يُضَاعَفُ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ، لِشَرَفِ مَنْزِلَتِهِنَّ ، وَفَضْلِ دَرَجَتِهِنَّ ، وَتَقَدُّمِهِنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ أَجْمَعَ ؛ وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ كُلَّمَا تَضَاعَفَتْ الْحُرُمَاتُ فَهُتِكَتْ تَضَاعَفَتْ الْعُقُوبَاتُ ؛ وَلِذَلِكَ ضُوعِفَ حَدُّ الْحُرِّ عَلَى حَدِّ الْعَبْدِ ، وَالثَّيِّبِ عَلَى الْبِكْرِ ؛ لِزِيَادَةِ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ فِيهِمَا عَلَى قَرِينِهِمَا ؛ وَذَلِكَ مَشْرُوحٌ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَدْ قَالَ مَسْرُوقٌ : إنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْدَدْنَ حَدَّيْنِ .
وَيَا مَسْرُوقُ ، لَقَدْ كُنْت فِي غِنًى عَنْ هَذَا ؛ فَإِنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ لَا يَأْتِينَ أَبَدًا بِفَاحِشَةٍ تُوجِبُ حَدًّا ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ؛ وَإِنَّمَا خَانَتْ فِي الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ ، وَلَوْ أَمْسَكَ النَّاسُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي بَلْ عَمَّا لَا يَعْنِي لَكَثُرَ الصَّوَابُ ، وَظَهَرَ الْحَقُّ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا } .
بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا يُضَاعَفُ ، بِهَتْكِ الْحُرُمَاتِ ، الْعَذَابُ ، كَذَلِكَ يُضَاعَفُ بِصِيَانَتِهَا الثَّوَابُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } .
فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ } يَعْنِي فِي الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ كُنَّ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ فَلَسْنَ كَإِحْدَاهُنَّ ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَشَرِ جِبِلَّةً ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ فَضِيلَةً وَمَنْزِلَةً ، وَشَرَفُ الْمَنْزِلَةِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَثَرَاتِ ، فَإِنَّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ ، وَتُرْفَعُ مَنْزِلَتُهُ عَلَى الْمَنَازِلِ جَدِيرٌ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فِعْلُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ، وَيَرْبُوَ حَالُهُ عَلَى الْأَحْوَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } أَمَرَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ جَزْلًا ، وَكَلَامُهُنَّ فَصْلًا ، وَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ عَلَاقَةً بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّينِ الْمُطْمِعِ لِلسَّامِعِ ، وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُنَّ مَعْرُوفًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قِيلَ : الْمَعْرُوفُ هُوَ السِّرُّ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِخَفْضِ الْكَلَامِ .
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَعُودُ إلَى الشَّرْعِ بِمَا أُمِرْنَ فِيهِ بِالتَّبْلِيغِ ، أَوْ بِالْحَاجَةِ الَّتِي لَا بُدَّ لِلْبَشَرِ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } يَعْنِي اُسْكُنَّ فِيهَا وَلَا تَتَحَرَّكْنَ ، وَلَا تَبْرَحْنَ مِنْهَا ، حَتَّى إنَّهُ رُوِيَ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ لِأَزْوَاجِهِ هَذِهِ ؛ ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصْرِ ؛ إشَارَةً إلَى مَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ مِنْ لُزُومِ بَيْتِهَا ، وَالِانْكِفَافِ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ ، إلَّا لِضَرُورَةٍ .
وَلَقَدْ دَخَلْتَ نَيِّفًا عَلَى أَلْفِ قَرْيَةٍ مِنْ بَرِيَّةٍ ، فَمَا رَأَيْت [ نِسَاءً ] أَصْوَنَ عِيَالًا ، وَلَا أَعَفَّ نِسَاءً مِنْ نِسَاءِ نَابُلُسَ الَّتِي رُمِيَ فِيهَا الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّارِ ، فَإِنِّي أَقَمْت فِيهَا أَشْهُرًا ، فَمَا رَأَيْت امْرَأَةً فِي طَرِيقٍ ، نَهَارًا ، إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ إلَيْهَا حَتَّى يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ مِنْهُنَّ ، فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ ، وَانْقَلَبْنَ إلَى مَنَازِلِهِنَّ لَمْ تَقَعْ عَيْنِي عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى .
وَسَائِرُ الْقُرَى تُرَى نِسَاؤُهَا مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَعُطْلَةٍ ، مُتَفَرِّقَاتٍ فِي كُلِّ فِتْنَةٍ وَعُضْلَةٍ .
وَقَدْ رَأَيْت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَفَائِفَ مَا خَرَجْنَ مِنْ مُعْتَكَفِهِنَّ حَتَّى اسْتَشْهَدْنَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ تَعَلَّقَ الرَّافِضَةُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إذْ قَالُوا : إنَّهَا خَالَفَتْ أَمْرَ اللَّهِ وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَتْ تَقُودُ الْجُيُوشَ ، وَتُبَاشِرُ الْحُرُوبَ ، وَتَقْتَحِمُ مَآزِقَ الْحَرْبِ وَالضَّرْبِ ، فِيمَا لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا .
وَلَقَدْ حُصِرَ عُثْمَانُ ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَمَرَتْ بِرَوَاحِلِهَا فَقُرِّبَتْ ، لِتَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ لَهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَقِيمِي هَاهُنَا ، وَرُدِّي هَؤُلَاءِ الرَّعَاعَ عَنْ عُثْمَانَ ؛ فَإِنَّ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ خَيْرٌ مِنْ حَجِّك .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : إنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ نَذَرَتْ الْحَجَّ قَبْلَ الْفِتْنَةِ ، فَلَمْ تَرَ التَّخَلُّفَ عَنْ نَذْرِهَا ؛ وَلَوْ خَرَجَتْ عَنْ تِلْكَ الثَّائِرَةِ لَكَانَ ذَلِكَ صَوَابًا لَهَا .
وَأَمَّا خُرُوجُهَا إلَى حَرْبِ الْجَمَلِ فَمَا خَرَجَتْ لِحَرْبٍ ، وَلَكِنْ تَعَلَّقَ النَّاسُ بِهَا ، وَشَكَوْا إلَيْهَا مَا صَارُوا إلَيْهِ مِنْ عَظِيمِ الْفِتْنَةِ ، وَتَهَارَجَ النَّاسِ ، وَرَجَوْا بَرَكَتَهَا فِي الْإِصْلَاحِ ، وَطَمِعُوا فِي الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهَا إذَا وَقَفَتْ إلَى الْخَلْقِ وَظَنَّتْ هِيَ ذَلِكَ ، فَخَرَجَتْ مُقْتَدِيَةً بِاَللَّهِ فِي قَوْلِهِ : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } .
وَبِقَوْلِهِ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } .
وَالْأَمْرُ بِالْإِصْلَاحِ مُخَاطَبٌ بِهِ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، فَلَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِسَابِقِ قَضَائِهِ ، وَنَافِذِ حُكْمِهِ ، أَنْ يَقَعَ إصْلَاحٌ ، وَلَكِنْ جَرَتْ مُطَاعَنَاتٌ وَجِرَاحَاتٌ ، حَتَّى كَادَ يَفْنَى الْفَرِيقَانِ ، فَعَمَدَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَمَلِ فَعَرْقَبَهُ ، فَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ لِجَنْبِهِ أَدْرَكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَائِشَةَ ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى الْبَصْرَةِ ، وَخَرَجَتْ فِي
ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ قَرَنَهُنَّ عَلِيٌّ بِهَا ، حَتَّى أَوْصَلُوهَا إلَى الْمَدِينَةِ بَرَّةً تَقِيَّةً مُجْتَهِدَةً ، مُصِيبَةً ثَابِتَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ ، مَأْجُورَةً فِيمَا تَأَوَّلَتْ وَفَعَلَتْ ؛ إذْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ مُصِيبٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَصْوِيبَ الصَّحَابَةِ فِي الْحُرُوبِ ، وَحَمْلَ أَفْعَالِهِمْ عَلَى أَجْمَلِ تَأْوِيلٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّبَرُّجِ .
وَقَوْلُهُ : { الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَفَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى } ؟ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً غَيْرَ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ هَلْ سَمِعْت بِأُولَى إلَّا لَهَا آخِرَةٌ ، قَالَ : فَأْتِنَا بِمَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ اللَّهِ تَعَالَى .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } جَاهَدُوا كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ .
فَقَالَ عُمَرُ : فَمَنْ أَمَرَ بِأَنْ نُجَاهِدَ ؟ قَالَ : مَخْزُومٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهَا تَكُونُ جَاهِلِيَّةً أُخْرَى .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ الْأُولَى مَا بَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ الْقَاضِي : الَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ؛ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِالْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَعْتُ غَيْرِهَا ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { قَالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ } وَهَذِهِ حَقِيقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ إلَّا بِالْحَقِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْإِثْمُ .
الثَّانِي : الشِّرْكُ .
الثَّالِثُ : الشَّيْطَانُ .
الرَّابِعُ : الْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ ؛ فَالْأَفْعَالُ الْخَبِيثَةُ كَالْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ؛ وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ كَالشُّحِّ ، وَالْبُخْلِ ، وَالْحَسَدِ ، وَقَطْعِ الرَّحِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { أَهْلَ الْبَيْتِ } رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا ، وَجَعَلَ عَلِيًّا خَلْفَ ظَهْرِهِ ، وَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلَ بَيْتِي ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا .
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ .
قَالَ : أَنْتِ عَلَى مَكَانِك وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ } .
وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إذَا خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقُولُ : الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ ، إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } .
خَرَّجَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : آيَاتُ اللَّهِ الْقُرْآنُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : آيَاتُ اللَّهِ الْحِكْمَةُ : وَقَدْ بَيَّنَّا الْحِكْمَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَآيَاتُ اللَّهِ حِكْمَتُهُ ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ حِكْمَتُهُ ، وَالْحَلَالُ وَالْحَرَامُ حِكْمَتُهُ ، وَالشَّرْعُ كُلُّهُ حِكْمَتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَرَ اللَّهُ أَزْوَاجَ رَسُولِهِ بِأَنْ يُخْبِرْنَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ فِي بُيُوتِهِنَّ ، وَمَا يَرَيْنَ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقْوَالِهِ فِيهِنَّ ، حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ إلَى النَّاسِ ، فَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ ، وَيَقْتَدُوا بِهِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الدِّينِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَذَا مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ؛ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَتَعْلِيمِ مَا عَلِمَهُ مِنْ الدِّينِ ؛ فَكَانَ إذَا قَرَأَهُ عَلَى وَاحِدٍ ، أَوْ مَا اتَّفَقَ ، سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ ، وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُبَلِّغَهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَهُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلَا كَانَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ أَزْوَاجُهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى النَّاسِ فَيَقُولَ لَهُمْ : نَزَلَ كَذَا ، وَكَانَ كَذَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ ، وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ لَا يَعْتَدُّ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ ذَلِكَ أَزْوَاجُهُ مَا أُمِرْنَ بِالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ ، وَلَا فَرَضَ عَلَيْهِنَّ تَبْلِيغَهُ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا بِجَوَازِ قَبُولِ خَبَرِ بُسْرَةَ فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ؛ لِأَنَّهَا رَوَتْ مَا سَمِعَتْ ، وَبَلَّغَتْ مَا وَعَتْ .
وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ الرِّجَالَ ، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَحَقَّقْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَهَذَا كَانَ هَاهُنَا .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ مِنْ النِّسَاءِ ، وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَدْ قَبِلْت ، فَزَوَّجَهَا مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَسَخِطَتْهُ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَامْتَنَعَتْ ، وَامْتَنَعَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ لِنَسَبِهَا فِي قُرَيْشٍ ، وَأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمُّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَإِنَّ زَيْدًا كَانَ عَبْدًا بِالْأَمْسِ إلَى أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهَا : مُرْنِي بِمَا شِئْت ، فَزَوَّجَهَا مِنْ زَيْدٍ .
وَاَلَّذِي رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ ، زَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ سَاقَ إلَيْهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا ، وَمِلْحَفَةً ، وَدِرْعًا ، وَخَمْسِينَ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ ، وَعَشْرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ تَمْرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي الْأَحْسَابِ ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْأَدْيَانِ ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْمُغِيرَةِ وَسَحْنُونٍ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوَالِيَ تَزَوَّجَتْ فِي قُرَيْشٍ وَتَزَوَّجَ زَيْدٌ بِزَيْنَبِ ، وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ ، وَزَوَّجَ أَبُو حَنِيفَةَ سَالِمًا مِنْ هِنْدَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ .
وَفِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ ؛ لِمَالِهَا ، وَلِدِينِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَجَمَالِهَا ؛ فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك } .
وَفِيهِ قَالَ سَهْلٌ : { مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمَسَاكِينِ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَلَّا يُنْكَحَ ، وَإِنْ قَالَ لَا يُسْمَعَ ، وَإِنْ شَفَعَ لَا يُشَفَّعَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا } .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَأَبْصَرَ امْرَأَتَهُ قَائِمَةً ، فَأَعْجَبَتْهُ ؛ فَقَالَ : سُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ زَيْنَبُ ذَلِكَ جَلَسَتْ ، وَجَاءَ زَيْدٌ إلَى مَنْزِلِهِ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ زَيْنَبَ ؛ فَعَلِمَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ ؛ فَأَتَى زَيْدٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي طَلَاقِهَا ، فَإِنَّ بِهَا غَيْرَةً وَإِذَايَةً بِلِسَانِهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ أَهْلَك وَفِي قَلْبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَطَلَّقَهَا زَيْدٌ .
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ : اُذْكُرْنِي لَهَا فَانْطَلَقَ زَيْدٌ إلَى زَيْنَبَ ، فَقَالَ لَهَا : أَبْشِرِي ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُك .
فَقَالَتْ : مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا ، حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي ، وَقَامَتْ إلَى مُصَلَّاهَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ } أَيْ بِالْإِسْلَامِ .
{ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ } ، أَيْ بِالْعِتْقِ ، هُوَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ .
وَقِيلَ : أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَنْ سَاقَهُ إلَيْك ، وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ بِأَنْ تَبَنَّيْته ؛ وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ اللَّهِ إلَيْهِ أَوْ مِنْ مُحَمَّدٍ إلَيْهِ فَهُوَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ
الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَتُخْفِي فِي نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } يَعْنِي مِنْ نِكَاحِك لَهَا .
فَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهَا تَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ .
وَقِيلَ : تُخْفِي فِي نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ مِنْ مَيْلِك إلَيْهَا وَحُبِّك لَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَتَخْشَى النَّاسَ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : تَسْتَحِي مِنْهُمْ ، وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ، وَتَسْتَحِي مِنْهُ .
وَالْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ كَثِيرَةٌ فِي اللُّغَةِ .
الثَّانِي : تَخْشَى النَّاسَ أَنْ يُعَاتِبُوك ، وَعِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ .
الثَّالِثُ : وَتَخْشَى النَّاسَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِيك .
وَقِيلَ : أَنْ يُفْتَتَنُوا مِنْ أَجْلِك ، وَيَنْسُبُوك إلَى مَا لَا يَنْبَغِي .
وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَإِنَّهُ مَالِكُ الْقُلُوبِ ، وَبِيَدِهِ النَّوَاصِي وَالْأَلْسِنَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ وَتَصْحِيحِ الْحَالِ : قَدْ بَيَّنَّا فِي السَّالِفِ فِي كِتَابِنَا هَذَا وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عِصْمَةَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَحَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِيمَا نُسِبَ إلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَهِدْنَا إلَيْكُمْ عَهْدًا لَنْ تَجِدُوا لَهُ رَدًّا أَنَّ أَحَدًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نَبِيًّا إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَخْبَارَهُمْ مَرْوِيَّةٌ ، وَأَحَادِيثَهُمْ مَنْقُولَةٌ بِزِيَادَاتٍ تَوَلَّاهَا أَحَدُ رَجُلَيْنِ : إمَّا غَبِيٌّ عَنْ مِقْدَارِهِمْ ، وَإِمَّا بِدْعِيٌّ لَا رَأْيَ لَهُ فِي بِرِّهِمْ وَوَقَارِهِمْ ، فَيَدُسُّ تَحْتَ الْمَقَالِ الْمُطْلَقِ الدَّوَاهِي ، وَلَا يُرَاعِي الْأَدِلَّةَ وَلَا النَّوَاهِيَ ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَصِ } ، أَيْ أَصْدَقُهُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي أَمَالِي أَنْوَارِ الْفَجْرِ .
فَهَذَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَصَى قَطُّ رَبَّهُ ، لَا فِي حَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا بَعْدَهَا ، تَكْرِمَةً مِنْ اللَّهِ وَتَفَضُّلًا وَجَلَالًا ، أَحَلَّهُ بِهِ الْمَحَلَّ الْجَلِيلَ الرَّفِيعَ ، لِيَصْلُحَ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهُ عَلَى كُرْسِيِّهِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْقَضَاءِ يَوْمَ الْحَقِّ .
وَمَا زَالَتْ الْأَسْبَابُ الْكَرِيمَةُ ، وَالْوَسَائِلُ السَّلِيمَةُ تُحِيطُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ وَالطَّرَائِفُ النَّجِيبَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى جُمْلَةِ ضَرَائِبِهِ ، وَالْقُرَنَاءُ الْأَفْرَادُ يَحْيَوْنَ لَهُ ، وَالْأَصْحَابُ الْأَمْجَادُ يَنْتَقُونَ لَهُ مِنْ كُلِّ طَاهِرِ الْجَيْبِ ، سَالِمٍ عَنْ الْعَيْبِ ، بَرِيءٍ مِنْ الرَّيْبِ ، يَأْخُذُونَهُ عَنْ الْعُزْلَةِ ، وَيَنْقُلُونَهُ عَنْ الْوَحْدَةِ ، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا مِنْ كَرَامَةٍ إلَى كَرَامَةٍ ، وَلَا يَتَنَزَّلُ إلَّا مَنَازِلَ السَّلَامَةِ حَتَّى تَجِيءَ بِالْحَيِيِّ نِقَابًا ، أَكْرَمَ الْخَلْقِ سَلِيقَةً وَأَصْحَابًا ، وَكَانَتْ عِصْمَتُهُ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا لَا اسْتِحْقَاقًا ؛ إذْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا رَحْمَةً
لَا مَصْلَحَةً ، كَمَا تَقُولُهُ الْقَدَرِيَّةُ لِلْخَلْقِ ، بَلْ مُجَرَّدُ كَرَامَةٍ لَهُ وَرَحْمَةٍ بِهِ ، وَتَفَضُّلٍ عَلَيْهِ ، وَاصْطِفَاءٍ لَهُ ، فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ لَا فِي ذَنْبٍ صَغِيرٍ حَاشَا لِلَّهِ وَلَا كَبِيرٍ ، وَلَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِأَجْلِهِ نَقْصٌ ، وَلَا تَعْيِيرٌ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا سَاقِطَةُ الْأَسَانِيدِ ؛ إنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا مِنْ الْوَحْيِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ } يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ ، { وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ } يَعْنِي بِالْعِتْقِ ، فَأَعْتَقْته : { أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } إلَى قَوْلِهِ : { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا قَالُوا : تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } .
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّاهُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَلَبِثَ حَتَّى صَارَ رَجُلًا ، يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } .
فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانٍ ، وَفُلَانٌ أَخُو فُلَانٍ ، هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّهُ أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَمَا وَرَاءَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهَا فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَبَاطِلٌ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَوْضِعٍ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ حِجَابٌ ، فَكَيْفَ تَنْشَأُ مَعَهُ وَيَنْشَأُ مَعَهَا وَيَلْحَظُهَا فِي كُلِّ سَاعَةٍ ، وَلَا
تَقَعُ فِي قَلْبِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، وَقَدْ وَهَبَتْهُ نَفْسَهَا ، وَكَرِهَتْ غَيْرَهُ ، فَلَمْ تَخْطِرْ بِبَالِهِ ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ هَوًى لَمْ يَكُنْ ، حَاشَا لِذَلِكَ الْقَلْبِ الْمُطَهَّرِ مِنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْفَاسِدَةِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُ : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } .
وَالنِّسَاءُ أَفْتَنُ الزَّهَرَاتِ وَأَنْشَرُ الرَّيَاحِينِ ، فَيُخَالِفُ هَذَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ ، فَكَيْفَ فِي الْمَنْكُوحَاتِ الْمَحْبُوسَاتِ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَدِيثُ أَنَّهَا لَمَّا اسْتَقَرَّتْ عِنْدَ زَيْدٍ جَاءَهُ جِبْرِيلُ : إنَّ زَيْنَبَ زَوْجُك ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ أَنْ جَاءَهُ زَيْدٌ يَتَبَرَّأُ مِنْهَا ، فَقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَأَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك ، فَأَبَى زَيْدٌ إلَّا الْفِرَاقَ ، وَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَدَيْ مَوْلَاهُ زَوْجِهَا ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ الْمَذْكُورَ فِيهِ خَبَرُهُمَا ، هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا وَفَسَّرْنَاهَا ، فَقَالَ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ : أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي فِرَاقِهَا ، وَتُخْفِي فِي نَفْسِك مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ يَعْنِي مِنْ نِكَاحِك لَهَا ، وَهُوَ الَّذِي أَبْدَاهُ لَا سِوَاهُ .
وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذْ أَوْحَى إلَيْهِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ هَذَا الْخَبَرِ وَظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُخْبِرُ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَائِنٌ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِوُجُوبِ صِدْقِهِ فِي خَبَرِهِ ، هَذَا يَدُلُّك عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرَهُ مُتَسَوِّرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ ، مَقْصُورٌ عَلَى عُلُومِ الدِّينِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِأَيِّ مَعْنًى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ لَا زَوْجُ زَيْدٍ ؟ قُلْنَا : هَذَا لَا
يَلْزَمُ ؛ وَلَكِنْ لِطِيبِ نُفُوسِكُمْ نُفَسِّرُ مَا خَطَرَ مِنْ الْإِشْكَالِ فِيهِ : إنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلِمْهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَغْبَتِهِ فِيهَا أَوْ رَغْبَتِهِ عَنْهَا ، فَأَبْدَى لَهُ زَيْدٌ مِنْ النُّفْرَةِ عَنْهَا وَالْكَرَاهِيَةِ فِيهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ مِنْهُ فِي أَمْرِهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ بِالتَّمَسُّكِ بِهَا ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْفِرَاقَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ ؟ قُلْنَا : بَلْ هُوَ صَحِيحٌ لِلْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ ، وَمَعْرِفَةِ الْعَاقِبَةِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعَبْدَ بِالْإِيمَانِ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ ، فَلَيْسَ فِي مُخَالَفَةِ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ لِمُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ مَا يَمْنَعُ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ عَقْلًا وَحُكْمًا ، وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ الْعِلْمِ ؛ فَتَيَقَّنُوهُ وَتَقَبَّلُوهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْوَطَرُ : الْأَرَبُ ، وَهُوَ الْحَاجَةُ ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : { أَيُّكُمْ يَمْلِكُ أَرَبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ أَرَبَهُ } عَلَى أَحَدِ الضَّبْطَيْنِ يَعْنِي شَهْوَتَهُ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { زَوَّجْنَاكَهَا } فَذَكَرَ عَقْدَهُ عَلَيْهَا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ بِهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ فِيهِ ، وَعِنْدَنَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ وَغَيْرُهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا زَيْدًا فَقَالَ : ائْتِ زَيْنَبَ فَاذْكُرْنِي لَهَا } ، كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ يَحْيَى : { فَأَخْبِرْهَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَنِيهَا ، فَاسْتَفْتَحَ زَيْدٌ الْبَابَ ، فَقَالَتْ : مَنْ ؟ قَالَ : زَيْدٌ .
قَالَتْ : مَا حَاجَتُك ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَتْ : مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَتَحَتْ لَهُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَبْكِي ، فَقَالَ زَيْدٌ : لَا أَبْكَى اللَّهُ لَك عَيْنًا قَدْ كُنْت نِعْمَتْ الْمَرْأَةُ تَبَرِّينَ قَسَمِي ، وَتُطِيعِينَ أَمْرِي ، وَتَبْغِينَ مَسَرَّتِي ، وَقَدْ أَبْدَلَك اللَّهُ خَيْرًا مِنِّي .
قَالَتْ مَنْ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَخَرَّتْ سَاجِدَةً } .
وَفِي رِوَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ { قَالَتْ : حَتَّى أَوَامِرَ رَبِّي ، وَقَامَتْ إلَى مُصَلَّاهَا ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَكَانَتْ تَفْتَخِرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَقُولُ : أَمَّا أَنْتُنَّ فَزَوَّجَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ ، وَأَمَّا أَنَا
فَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { إنَّ زَيْدًا لَمَّا جَاءَهَا بِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَهَا تُخَمِّرُ عَجِينَهَا قَالَ : فَمَا اسْتَطَعْت أَنْ أَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ عِظَمِهَا فِي صَدْرِي ، فَوَلَّيْت لَهَا ظَهْرِي ، وَنَكَصْت عَلَى عَقِبِي ، وَقُلْت : يَا زَيْنَبُ ، أَبْشِرِي ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُك الْحَدِيثُ } .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : { قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي أُدِلُّ عَلَيْك بِثَلَاثٍ ، مَا مِنْ أَزْوَاجِك امْرَأَةٌ تُدِلُّ بِهِنَّ عَلَيْك : جَدِّي وَجَدُّك وَاحِدٌ ، وَإِنِّي أَنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنْ السَّمَوَاتِ ، وَإِنَّ السَّفِيرَ جِبْرِيلُ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } يَعْنِي دَخَلُوا بِهِنَّ ، وَإِنَّمَا الْحَرَجُ فِي أَزْوَاجِ الْأَبْنَاءِ مِنْ الْأَصْلَابِ ، أَوْ مَا يَكُونُ فِي حُكْمِ الْأَبْنَاءِ مِنْ الْأَصْلَابِ بِالْبَعْضِيَّةِ ، وَهُوَ فِي الرَّضَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ :
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } .
إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَطَّطَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُطَطِهِ ، وَعَدَّدَ لَهُ أَسْمَاءَهُ ، وَالشَّيْءُ إذَا عَظُمَ قَدْرُهُ عَظُمَتْ أَسْمَاؤُهُ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ : لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفُ اسْمٍ ، وَلِلنَّبِيِّ أَلْفُ اسْمٍ .
فَأَمَّا أَسْمَاءُ اللَّهِ فَهَذَا الْعَدَدُ حَقِيرٌ فِيهَا ، { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } .
وَأَمَّا أَسْمَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُحْصِهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْوُرُودِ الظَّاهِرِ لِصِيغَةِ الْأَسْمَاءِ الْبَيِّنَةِ ، فَوَعَيْتُ مِنْهَا جُمْلَةً ، الْحَاضِرُ الْآنَ مِنْهَا سَبْعَةٌ وَسِتُّونَ اسْمًا : أَوَّلُهَا الرَّسُولُ ، الْمُرْسَلُ ، النَّبِيُّ ، الْأُمِّيُّ ، الشَّهِيدُ ، الْمُصَدِّقُ ، النُّورُ ، الْمُسْلِمُ ، الْبَشِيرُ ، الْمُبَشِّرُ ، النَّذِيرُ ، الْمُنْذِرُ ، الْمُبَيِّنُ ، الْعَبْدُ ، الدَّاعِي ، السِّرَاجُ ، الْمُنِيرُ ، الْإِمَامُ ، الذِّكْرُ الْمُذَكِّرُ ، الْهَادِي ، الْمُهَاجِرُ ، الْعَامِلُ ، الْمُبَارَكُ ، الرَّحْمَةُ ، الْآمِرُ ، النَّاهِي ، الطَّيِّبُ ، الْكَرِيمُ ، الْمُحَلِّلُ ، الْمُحَرِّمُ ، الْوَاضِعُ ، الرَّافِعُ ، الْمُخْبِرُ ، خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ، ثَانِي اثْنَيْنِ ، مَنْصُورٌ ، أُذُنُ خَيْرٍ ، مُصْطَفًى ، أَمِينٌ ، مَأْمُونٌ ، قَاسِمٌ ، نَقِيبٌ ، مُزَّمِّلٌ ، مُدَّثِّرٌ ، الْعَلِيُّ ، الْحَكِيمُ ، الْمُؤْمِنُ ، الرَّءُوفُ ، الرَّحِيمُ ، الصَّاحِبُ ، الشَّفِيعُ ، الْمُشَفَّعُ ، الْمُتَوَكِّلُ ، مُحَمَّدٌ ، أَحْمَدُ ، الْمَاحِي ، الْحَاشِرُ ، الْمُقَفِّي ، الْعَاقِبُ ، نَبِيُّ التَّوْبَةِ ، نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ، نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ ، عَبْدُ اللَّهِ ، نَبِيُّ الْحَرَمَيْنِ ، فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ .
وَلَهُ وَرَاءَ هَذِهِ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَا لَا يُصِيبُهُ إلَّا صَمَيَانٌ .
فَأَمَّا الرَّسُولُ
: فَهُوَ الَّذِي تَتَابَعَ خَبَرُهُ عَنْ اللَّهِ ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ بِفَتْحِ السِّينِ ، وَلَا يَقْتَضِي التَّتَابُعَ .
وَهُوَ الْمُرْسِلُ : بِكَسْرِ السِّينِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُمُّ بِالتَّبْلِيغِ مُشَافَهَةً ، فَلَمْ يَكُ بُدٌّ مِنْ الرُّسُلِ يَنُوبُونَ عَنْهُ ، وَيَتَلَقَّوْنَ مِنْهُ ، كَمَا بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : { تَسْمَعُونَ ، وَيَسْمَعُ مِنْكُمْ ، وَيَسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ } .
وَأَمَّا النَّبِيءُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهُوَ مَهْمُوزٌ مِنْ النَّبَأِ ، وَغَيْرُ مَهْمُوزٍ مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، رَفِيعُ الْقَدْرِ عِنْدَهُ ، فَاجْتَمَعَ لَهُ الْوَصْفَانِ ، وَتَمَّ لَهُ الشَّرَفَانِ .
وَأَمَّا الْأُمِّيُّ : فَفِيهِ أَقْوَالٌ ؛ أَصَحُّهَا أَنَّهُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ ، كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ مَا شَاءَ .
وَأَمَّا الشَّهِيدُ : فَهُوَ لِشَهَادَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } .
وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَشْهَدُ لَهُ الْمُعْجِزَةُ بِالصِّدْقِ ، وَالْخَلْقُ بِظُهُورِ الْحَقِّ .
وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ : فَهُوَ بِمَا صَدَّقَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ } .
وَأَمَّا النُّورُ : فَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ بِمَا كَانَ فِيهِ الْخَلْقُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ ، فَنَوَّرَ اللَّهُ الْأَفْئِدَةَ بِالْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ .
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ : فَهُوَ خَيْرُهُمْ وَأَوَّلُهُمْ ، كَمَا قَالَ : { وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .
وَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ بِشَرَفِ انْقِيَادِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَبِكُلِّ حَالٍ إلَى اللَّهِ وَبِسَلَامَةٍ عَنْ الْجَهْلِ وَالْمَعَاصِي .
وَأَمَّا الْبَشِيرُ : فَإِنَّهُ أَخْبَرَ الْخَلْقَ بِثَوَابِهِمْ إنْ أَطَاعُوا ، وَبِعِقَابِهِمْ إنْ عَصَوْا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وَكَذَلِكَ الْمُبَشِّرُ .
وَأَمَّا النَّذِيرُ وَالْمُنْذِرُ : فَهُوَ الْمُخْبِرُ عَمَّا يُخَافُ وَيُحْذَرُ ، وَيَكُفُّ عَمَّا يَؤُولُ إلَيْهِ وَيُعْمَلُ بِمَا يُدْفَعُ فِيهِ .
وَأَمَّا الْمُبَيِّنُ : فَمَا أَبَانَ عَنْ رَبِّهِ مِنْ الْوَحْيِ وَالدِّينِ ، وَأَظْهَرَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ .
وَأَمَّا الْأَمِينُ : فَبِأَنَّهُ حَفِظَ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَمَا وُظِّفَ إلَيْهِ ، وَمَنْ أَجَابَهُ إلَى أَدَاءِ مَا دَعَاهُ .
وَأَمَّا الْعَبْدُ : فَإِنَّهُ ذَلَّ لِلَّهِ خُلُقًا وَعِبَادَةً ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ عِزًّا وَقَدْرًا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ، فَقَالَ : { أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ } .
وَأَمَّا الدَّاعِي : فَبِدُعَائِهِ الْخَلْقَ لِيَرْجِعُوا مِنْ الضَّلَالِ إلَى الْحَقِّ .
وَأَمَّا السِّرَاجُ : فَبِمَعْنَى النُّورِ ، إذْ أَبْصَرَ بِهِ الْخَلْقُ الرُّشْدَ .
وَأَمَّا الْمُنِيرُ : فَهُوَ مُفْعِلٌ مِنْ النُّورِ .
وَأَمَّا الْإِمَامُ : فَلِاقْتِدَاءِ الْخَلْقِ بِهِ وَرُجُوعِهِمْ إلَى قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ .
وَأَمَّا الذِّكْرُ : فَإِنَّهُ شَرِيفٌ فِي نَفْسِهِ ، مُشَرِّفٌ غَيْرَهُ ، مُخْبِرٌ عَنْ رَبِّهِ ، وَاجْتَمَعَتْ لَهُ وُجُوهُ الذِّكْرِ الثَّلَاثَةُ .
وَأَمَّا الْمُذَكِّرُ : فَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الذِّكْرَ ، وَهُوَ الْعِلْمُ الثَّانِي فِي الْحَقِيقَةِ ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا ، وَلَقَدْ اعْتَرَفَ الْخَلْقُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ الرَّبُّ ، ثُمَّ ذَهَلُوا ، فَذَكَّرَهُمْ اللَّهُ بِأَنْبِيَائِهِ ، وَخَتَمَ الذِّكْرَ بِأَفْضَلِ أَصْفِيَائِهِ ، وَقَالَ : { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } .
ثُمَّ مَكَّنَهُ مِنْ السَّيْطَرَةِ ، وَآتَاهُ السَّلْطَنَةَ ، وَمَكَّنَ لَهُ دِينَهُ فِي الْأَرْضِ .
وَأَمَّا الْهَادِي : فَإِنَّهُ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِهِ النَّجْدَيْنِ .
وَأَمَّا الْمُهَاجِرُ : فَهَذِهِ الصِّفَةُ لَهُ
حَقِيقَةً ؛ لِأَنَّهُ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَهَجَرَ أَهْلَهُ وَوَطَنَهُ ، وَهَجَرَ الْخَلْقَ ؛ أُنْسًا بِاَللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، فَخَلَا عَنْهُمْ ، وَاعْتَزَلَهُمْ ، وَاعْتَزَلَ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا الْعَامِلُ : فَلِأَنَّهُ قَامَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ ، وَوَافَقَ فِعْلُهُ وَاعْتِقَادُهُ .
وَأَمَّا الْمُبَارَكُ : فَبِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي حَالِهِ مِنْ نَمَاءِ الثَّوَابِ ، وَفِي حَالِ أَصْحَابِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ، وَفِي أُمَّتِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ .
وَأَمَّا الرَّحْمَةُ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } فَرَحِمَهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعَذَابِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِتَعْجِيلِ الْحِسَابِ ، وَتَضْعِيفِ الثَّوَابِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .
وَأَمَّا الْآمِرُ وَالنَّاهِي : فَذَلِكَ الْوَصْفُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَاسِطَةَ أُضِيفَ إلَيْهِ ؛ إذْ هُوَ الَّذِي يُشَاهَدُ آمِرًا نَاهِيًا ، وَيُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ أَنَّ ذَلِكَ وَاسِطَةٌ ، وَنَقْلٌ عَنْ الَّذِي لَهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ حَقِيقَةً .
وَأَمَّا الطَّيِّبُ فَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ سَلِمَ عَنْ خَبَثِ الْقَلْبِ حِينَ رُمِيَتْ مِنْهُ الْعَلَقَةُ السَّوْدَاءُ .
وَسَلِمَ عَنْ خَبَثِ الْقَوْلِ ، فَهُوَ الصَّادِقُ الْمُصَدِّقُ .
وَسَلِمَ عَنْ خَبَثِ الْفِعْلِ ، فَهُوَ كُلُّهُ طَاعَةٌ .
وَأَمَّا الْكَرِيمُ : فَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْكَرَمِ ، وَهُوَ لَهُ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ .
وَأَمَّا الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَرِّمُ : فَذَلِكَ مُبَيِّنُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ ، وَذَلِكَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالنَّبِيُّ مُتَوَلِّي ذَلِكَ بِالْوَسَاطَةِ وَالرِّسَالَةِ .
وَأَمَّا الْوَاضِعُ وَالرَّافِعُ : فَهُوَ الَّذِي وَضَعَ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا ، بِبَيَانِهِ ، وَرَفَعَ قَوْمًا ، وَوَضَعَ آخَرِينَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِالْعَطَاءِ غَيْرُهُ : أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ
الْعَبِيدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ وَمَا كُنْت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَضَعُ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ فَأَلْحَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَطَاءِ بِمَنْ فَضَّلَ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْمُخْبِرُ : فَهُوَ النَّبِيءُ مَهْمُوزًا .
وَأَمَّا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ : فَهُوَ آخِرُهُمْ : وَهِيَ عِبَارَةٌ مَلِيحَةٌ شَرِيفَةٌ ، تَشْرِيفًا فِي الْإِخْبَارِ بِالْمَجَازِ عَنْ الْآخِرِيَّةِ ؛ إذْ الْخَتْمُ آخِرُ الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ بِمَا فُضِّلَ بِهِ ، فَشَرِيعَتُهُ بَاقِيَةٌ وَفَضِيلَتُهُ دَائِمَةٌ إلَى يَوْمِ الدِّينِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ثَانِيَ اثْنَيْنِ فَاقْتِرَانُهُ فِي الْخَبَرِ بِاَللَّهِ .
وَأَمَّا مَنْصُورٌ : فَهُوَ الْمُعَانُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِالْعِزَّةِ وَالظُّهُورِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الرُّسُلِ ، وَلَهُ أَكْثَرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ } .
وَقَالَ لَهُ : اُغْزُهُمْ نَمُدَّك ، وَقَاتِلْهُمْ نَعُدُّك ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ .
وَأَمَّا أُذُنُ خَيْرٍ : فَهُوَ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْإِدْرَاكِ لِقِيلِ الْأَصْوَاتِ لَا يَعِي مِنْ ذَلِكَ إلَّا خَيْرًا ، وَلَا يَسْمَعُ إلَّا أَحْسَنَهُ .
وَأَمَّا الْمُصْطَفَى : فَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَفْوَةُ الْخَلْقِ ، كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ } .
وَأَمَّا الْأَمِينُ : فَهُوَ الَّذِي تُلْقَى إلَيْهِ مَقَالِيدُ الْمَعَانِي ثِقَةً بِقِيَامِهِ عَلَيْهَا وَحِفْظًا مِنْهُ .
وَأَمَّا الْمَأْمُونُ : فَهُوَ الَّذِي لَا يُخَافُ مِنْ جِهَتِهِ شَرٌّ .
وَأَمَّا قَاسِمٌ : فَبِمَا مَيَّزَهُ بِهِ مِنْ حُقُوقِ الْخَلْقِ فِي الزَّكَوَاتِ وَالْأَخْمَاسِ وَسَائِرِ
الْأَمْوَالِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُ يُعْطِي ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ } .
وَأَمَّا نَقِيبٌ : فَإِنَّهُ فَخَرَ بِالْأَنْصَارِ عَلَى سَائِرِ الْأَصْحَابِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، بِأَنْ قَالَ لَهَا : { أَنَا نَقِيبُكُمْ } .
إذْ كُلُّ طَائِفَةٍ لَهَا نَقِيبٌ يَتَوَلَّى أُمُورَهَا ، وَيَحْفَظُ أَخْبَارَهَا ، وَيَجْمَعُ نَشْرَهَا ، { وَالْتَزَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِلْأَنْصَارِ } ، تَشْرِيفًا لَهُمْ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ مُرْسَلًا فَبِبَعْثِهِ الرُّسُلَ بِالشَّرَائِعِ إلَى النَّاسِ فِي الْآفَاقِ مِمَّنْ نَأَى عَنْهُ .
وَأَمَّا الْعَلِيُّ : فَبِمَا رَفَعَ اللَّهُ مِنْ مَكَانِهِ وَشَرَّفَ مِنْ شَأْنِهِ ، وَأَوْضَحَ عَلَى الدَّعَاوَى مِنْ بُرْهَانِهِ .
وَأَمَّا الْحَكِيمُ : فَإِنَّهُ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ، وَأَدَّى عَنْ رَبِّهِ قَانُونَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَمَلِ .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ : فَهُوَ الْمُصَدِّقُ لِرَبِّهِ ، الْعَامِلُ اعْتِقَادًا وَفِعْلًا بِمَا أَوْجَبَ الْأَمْنَ لَهُ .
وَأَمَّا الْمُصَدِّقُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَإِنَّهُ صَدَّقَ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ، وَصَدَّقَ قَوْلَهُ بِفِعْلِهِ ، فَتَمَّ لَهُ الْوَصْفُ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ : فَبِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى النَّاسِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
وَقَالَ كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَهُ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " .
وَأَمَّا الصَّاحِبُ : فَبِمَا كَانَ مَعَ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَعَظِيمِ الْوَفَاءِ ، وَالْمُرُوءَةِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ .
وَأَمَّا الشَّفِيعُ الْمُشَفَّعُ : فَإِنَّهُ يَرْغَبُ إلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ الْخَلْقِ بِتَعْجِيلِ الْحِسَابِ ، وَإِسْقَاطِ الْعَذَابِ وَتَخْفِيفِهِ ، فَيَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَيُخَصُّ بِهِ دُونَ الْخَلْقِ ، وَيُكَرَّمُ بِسَبَبِهِ غَايَةَ الْكَرَامَةِ .
وَأَمَّا الْمُتَوَكِّلُ : فَهُوَ الْمُلْقِي مَقَالِيدَ الْأُمُورِ إلَى اللَّهِ عِلْمًا ، كَمَا قَالَ
: { لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك } ، وَعَمَلًا ، كَمَا قَالَ : { إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ، أَوْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْته أَمْرِي } ؟ وَأَمَّا الْمُقَفَّى : فِي التَّفْسِيرِ فَكَالْعَابِدِ .
وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ : لِأَنَّهُ تَابَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ دُونَ تَكْلِيفِ قَتْلٍ أَوْ إصْرٍ .
وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ : تَقَدَّمَ فِي اسْمِ الرَّحِيمِ .
وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ : لِأَنَّهُ الْمَبْعُوثُ بِحَرْبِ الْأَعْدَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى يَعُودُوا جَزْرًا عَلَى وَضَمٍ وَلَحْمًا عَلَى وَضَمٍ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَهُوَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِذَا دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } ، وَهِيَ الرَّجْعَةُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آيَتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ وَعَدَمُ الدُّخُولِ بِهَا إنَّمَا يُعْرَفُ مُشَاهَدَةً بِإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ عَلَى خَلْوَةٍ ، أَوْ بِإِقْرَارِ الزَّوْجَيْنِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دُخُولٌ وَقَالَتْ الزَّوْجَةُ : وَطِئَنِي ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ، حَلَفَ وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ الْمَهْرِ .
وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : وَطِئْتهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ كُلُّهُ ، وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ .
وَإِنْ كَانَ دُخُولٌ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : لَمْ يَطَأْنِي لَمْ تُصَدَّقْ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْمَهْرِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْخَلْوَةِ ، هَلْ تُقَرِّرُ الْمَهْرَ ؟ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
فَإِنْ قَالَ : وَطِئْتهَا ، وَأَنْكَرَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَأُخِذَ مِنْهُ الصَّدَاقُ ، وَوَقَفَ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يَطُولَ الْمَدَى ، فَيُرَدُّ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ بِخِلَافِهِ وَأَدِلَّتِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : { وَمَتِّعُوهُنَّ } تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِهِ وَأَدِلَّتِهِ ، وَفِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِفُرُوعِهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك وَبَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَيْك حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } فِيهَا ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ { قَالَتْ : خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَذَرْت إلَيْهِ ، فَعَذَرَنِي ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك وَبَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } [ قَالَتْ : فَلَمْ أَكُنْ أَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنِّي لَمْ أُهَاجِرْ ، كُنْت مِنْ الطُّلَقَاءِ } ] قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ [ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ السُّدِّيِّ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَلَمْ يَأْتِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ يُحْتَجُّ فِي مَوَاضِعِهِ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ } قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَحْلَلْنَا لَك } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِ الْإِحْلَالِ وَالتَّحْرِيمِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَزْوَاجَك } وَالنِّكَاحُ وَالزَّوْجِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الزَّوْجِيَّةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ هَلْ هُنَّ كَالسَّرَائِرِ عِنْدَنَا ، أَوْ حُكْمُهُنَّ حُكْمُ الْأَزْوَاجِ الْمُطَلَّقَةِ ؟ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ ؛ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي قَوْلِهِ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُنَّ حُكْمَ الْأَزْوَاجِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ كُلُّ زَوْجَةٍ أَمْ مَنْ تَحْتَهُ مِنْهُنَّ ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : قِيلَ : إنَّ الْمَعْنَى أَحْلَلْنَا أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ أَيْ كُلَّ زَوْجَةٍ آتَيْتهَا مَهْرَهَا ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ عُمُومًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ .
الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك الْكَائِنَاتِ عِنْدَك ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { آتَيْت } خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ ؛ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِظَاهِرِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ الْمَاضِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ إلَّا بِشُرُوطٍ لَيْسَتْ هَاهُنَا ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَلَيْسَتْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ .
{ وَقَدْ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عِدَّةٍ مِنْ النِّسَاءِ نِكَاحَهُ } ، فَذَكَرْنَا عِدَّتَهُنَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا هَاهُنَا وَفِي غَيْرِهِ ؛ وَهُنَّ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ، وَأَمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَهَؤُلَاءِ سِتُّ قُرَشِيَّاتٍ .
وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْعَامِرِيَّةُ ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةُ أَسَدُ خُزَيْمَةَ ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْهَارُونِيَّةُ ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ ، وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ ، وَسَائِرُهُنَّ فِي شَرْحِ
الْبُخَارِيِّ مَذْكُورَاتٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : أَحَلَّ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَزْوَاجَ اللَّاتِي كُنَّ مَعَهُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَمَّا إحْلَالُ غَيْرِهِنَّ فَلَا ؛ لِقَوْلِهِ : { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي إحْلَالِ غَيْرِهِنَّ مِنْ بَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالِ وَالْخَالَاتِ ، وَقَوْلُهُ : { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ } يَعْنِي اللَّوَاتِي تَزَوَّجْت بِصَدَاقٍ ، وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهُنَّ مَنْ ذَكَرَ لَهَا صَدَاقًا ، وَمِنْهُنَّ مَنْ كَانَ ذَكَرَ لَهَا الصَّدَاقَ بَعْدَ النِّكَاحِ ، كَزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْأَقْوَالِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ نِكَاحَهَا مِنْ السَّمَاءِ ، وَكَانَ فَرْضُ الصَّدَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ لَهَا ، وَمِنْهُنَّ مَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا وَحَلَّتْ لَهُ ؛ وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك } يَعْنِي السَّرَارِيَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ السَّرَارِي لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأُمَّتِهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ ، وَأَحَلَّ الْأَزْوَاجَ لِنَبِيِّهِ مُطْلَقًا ، وَأَحَلَّهُنَّ لِلْخَلْقِ بِعَدَدٍ ؛ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَمَّنْ كَانَ قَبْلَهُ فِي أَحَادِيثِهِمْ أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ لَهُ مِائَةُ امْرَأَةٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَلَثُمِائَةِ حُرَّةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ ، وَالْحَقُّ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ : لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً كُلُّ امْرَأَةٍ تَلِدُ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ } .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك } وَالْمُرَادُ بِهِ الْفَيْءُ الْمَأْخُوذُ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِهِ ، وَيَطَأُ مِنْ مَلْكِ يَمِينِهِ ، بِأَشْرَفِ وُجُوهِ الْكَسْبِ ، وَأَعْلَى أَنْوَاعِ الْمِلْكِ ، وَهُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ ، لَا مِنْ الصَّفْقِ بِالْأَسْوَاقِ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَبَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك } الْمَعْنَى أَحْلَلْنَا لَك ذَلِكَ زَائِدًا إلَى مَا عِنْدَك مِنْ الْأَزْوَاجِ اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ ؛ قَالَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
فَأَمَّا مَنْ عَدَاهُنَّ مِنْ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ فَلَا ذِكْرَ لِإِحْلَالِهِنَّ هَاهُنَا ؛ بَلْ هَذَا الْقَوْلُ بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ غَيْرُ هَذَا ؛ وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي عِنْدَك ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحْلَلْنَا لَك كُلَّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجْت وَآتَيْت أَجْرَهَا لِمَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَبَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا كَرَّرَهُ لِأَجْلِ شَرْطِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ : اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك .
قُلْنَا : وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَصِحُّ هَذَا مَعَ هَذَا الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْهِجْرَةِ لَوْ كَانَ كَمَا قُلْتُمْ لَكَانَ شَرْطًا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا .
فَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَ شَرْطًا فِي الْقَرَابَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ إلَّا مَنْ هَاجَرَ وَلَا يَكُونُ شَرْطًا فِي سَائِرِ النِّسَاءِ ، فَيَتَزَوَّجُ مِنْهُنَّ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فَهَذَا كَلَامٌ رَكِيكٌ مِنْ قَائِلِهِ بَيِّنٌ خَطَؤُهُ لِمُتَأَمِّلِهِ ، حَسْبَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، مِنْ أَنَّ الْهِجْرَةَ لَوْ كَانَتْ شَرْطًا فِي كُلِّ زَوْجَةٍ لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْقَرَابَةِ فَائِدَةٌ بِحَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك } وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَنْكِحَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك إلَّا مَنْ أَسْلَمَ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ } .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَك مِنْهُنَّ إلَّا مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } .
وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَكْمُلْ ، وَمَنْ لَمْ يَكْمُلْ لَمْ يَصْلُحْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَمُلَ وَشَرُفَ وَعَظُمَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَخْتَصُّ بِهِ .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أُمِّ هَانِئٍ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ ، فَمُنِعَ مِنْهَا لِنَقْصِهَا بِالْهِجْرَةِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { هَاجَرْنَ } خَرَجْنَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِيمَانِ ، وَالْأَسْمَاءُ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهَا ، وَالْهِجْرَةُ فِي الشَّرِيعَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى بَيَانٍ ، أَوْ تَخْتَصَّ بِدَلِيلٍ ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَنْ ادَّعَى غَيْرَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مَعَك } صُحْبَتِهِ إذْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ يُقَالُ : دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي ، أَيْ فِي صُحْبَتِي ، فَكُنَّا مَعًا ، وَتَقُولُ : دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي وَخَرَجَ مَعِي ، أَيْ كَانَ عَمَلُهُ كَعَمَلِي ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فِيهِ عَمَلُكُمَا وَلَوْ قُلْت : خَرَجْنَا مَعًا لَاقْتَضَى ذَلِكَ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا : الْمُشَارَكَةُ فِي الْفِعْلِ
، وَالِاقْتِرَانُ فِيهِ ؛ فَصَارَ قَوْلُك : " مَعِي " لِلْمُشَارَكَةِ ، وَقَوْلُك : " مَعًا " لِلْمُشَارَكَةِ وَالِاقْتِرَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَبَنَاتِ عَمِّك } فَذَكَرَهُ مُفْرَدًا .
وَقَالَ : { وَبَنَاتِ عَمَّاتِك } فَذَكَرَهُنَّ جَمِيعًا .
وَكَذَلِكَ قَالَ : وَبَنَاتِ خَالِك فَرْدًا وَبَنَاتِ خَالَاتِك جَمْعًا .
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَمَّ وَالْخَالَ فِي الْإِطْلَاقِ اسْمُ جِنْسٍ كَالشَّاعِرِ وَالرَّاجِزِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ .
وَهَذَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ ؛ فَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِغَايَةِ الْبَيَانِ لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ ؛ وَهَذَا دَقِيقٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي فَائِدَةِ الْآيَةِ وَلِأَجْلِ مَا سِيقَتْ لَهُ : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى : نَسْخُ الْحُكْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ قَدْ أَلْزَمَهُ بِقَوْلِهِ : { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ أَحَلَّ لَهُ أَزْوَاجَهُ اللَّوَاتِي عِنْدَهُ ، وَغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ سَمَّاهُ مَعَهُنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
الثَّانِيَةُ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً فِي جُمْلَةِ النِّسَاءِ ؛ وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْمُعَيَّنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ بَنَاتِ الْعَمِّ وَالْعَمَّاتِ ، وَبَنَاتِ الْخَالِ وَالْخَالَاتِ الْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُهَاجِرَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ .
الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ ؛ فَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الرَّابِعَةُ : أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ أَيْضًا صِيَانَةً لَهُ ، وَتَكْرِمَةً لِقَدْرِهِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } وَقَدْ بَيَّنَّا سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا : { أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ ، وَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي وَهَبْت لَك نَفْسِي .
الْحَدِيثُ إلَى آخِرِهِ } .
وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : نَزَلَتْ فِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، خَطَبَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ عَمِّهِ .
وَقِيلَ : وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُمِّ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةِ ، وَقِيلَ الْعَامِرِيَّةِ ، وَاسْمُهَا غَزِيَّةُ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَعُرْوَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ الْمَسَاكِينِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةُ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَارِدَةٌ بِطُرُقٍ مِنْ غَيْرِ خُطُمٍ وَلَا أَزِمَّةٍ ، بِيدَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَمْ يَكُنْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مَوْهُوبَةٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ فِي مَجِيءِ الْمَرْأَةِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُقُوفِهَا عَلَيْهِ ، وَهِبَتِهَا نَفْسَهَا لَهُ مِنْ طَرِيقٍ سَهْلٍ وَغَيْرِهِ فِي الصِّحَاحِ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ سَنَدُهُ ، وَصَحَّ نَقْلُهُ .
وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ أَنَّهَا لَمَّا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَبْت نَفْسِي لَك ؛ فَسَكَتَ عَنْهَا ، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَك
بِهَا حَاجَةٌ .
وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْهِبَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ لَمَا سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْبَاطِلِ إذَا سَمِعَهُ ، حَسْبَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ قَدْ كَانَتْ بِالْإِحْلَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ مُنْتَظِرًا بَيَانًا ؛ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّخْيِيرِ ؛ فَاخْتَارَ تَرْكَهَا وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ نَاظِرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى قَامَ الرَّجُلُ لَهَا طَالِبًا .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْت أَغَارُ مِنْ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَتْ : أَمَا تَسْتَحِي امْرَأَةٌ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ } فَقُلْت : مَا أَرَى رَبَّك إلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاك .
فَاقْتَضَى هَذَا اللَّفْظُ أَنَّ مَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ عِدَّةٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّهُ تَزَوَّجَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً أَمْ لَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَامْرَأَةً } الْمَعْنَى أَحْلَلْنَا لَك امْرَأَةً تَهَبُ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ فَإِنَّهُ أَحَلَّ لَهُ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا أَزْوَاجَهُ اللَّاتِي آتَى أُجُورَهُنَّ .
وَهَذَا مَعْنًى يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ؛ فَزَادَهُ فَضْلًا عَلَى أُمَّتِهِ أَنْ أَحَلَّ لَهُ الْمَوْهُوبَةَ ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { مُؤْمِنَةً } وَهَذَا تَقْيِيدٌ مِنْ طَرِيقِ التَّخْصِيصِ بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّشْرِيفِ ، لَا مِنْ طَرِيقِ دَلِيلِ الْخِطَابِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْكَافِرَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ .
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ الْحُرَّةِ الْكَافِرَةِ عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ ، وَبِهَذَا يَتَمَيَّزُ عَلَيْنَا فَإِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ جَانِبِ الْفَضَائِلِ وَالْكَرَامَةِ فَحَظُّهُ فِيهِ أَكْثَرُ ، وَمَا كَانَ مِنْ جَانِبِ النَّقَائِصِ فَجَانِبُهُ عَنْهَا أَظْهَرُ ، فَجَوَّزَ لَنَا نِكَاحَ الْحَرَائِرِ مِنْ الْكِتَابِيَّاتِ ، وَقُصِرَ هُوَ لِجَلَالَتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنَاتِ ، وَإِذَا كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لِنُقْصَانِ فَضْلِ الْهِجْرَةِ فَأَحْرَى أَلَّا تَحِلَّ لَهُ الْكِتَابِيَّةُ الْحُرَّةُ لِنُقْصَانِ الْكُفْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { إنْ وَهَبَتْ } : قُرِئَتْ بِالْفَتْحِ فِي الْأَلِفِ وَكَسْرِهَا ، وَقَرَأَتْ الْجَمَاعَةُ فِيهَا بِالْكَسْرِ ، عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ .
تَقْدِيرُهُ وَأَحْلَلْنَا لَك امْرَأَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَك ، لَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ سِوَى ذَلِكَ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ إنْ مَحْذُوفًا ، وَتَقْدِيرُهُ إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ حَلَّتْ لَهُ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَوْضِعِهِ .
وَيُعْزَى إلَى الْحَسَنِ أَنَّهُ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً وَاحِدَةً حَلَّتْ لَهُ ، لِأَجْلِ أَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ ، وَهِيَ لَا تَجُوزُ تِلَاوَةً ، وَلَا تُوجِبُ حُكْمًا .
الثَّانِي : أَنْ تُوجِبَ أَنْ يَكُونَ إحْلَالًا لِأَجْلِ هِبَتِهَا لِنَفْسِهَا ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّهَا حَلَالٌ لَهُ قَبْلَ الْهِبَةِ بِالصَّدَاقِ .
وَقَدْ نُسِبَ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُسْقِطُ فِي قِرَاءَتِهِ " أَنْ " فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَوْهُوبَةِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْهِبَةِ ، وَسُقُوطُ الصَّدَاقِ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ : { خَالِصَةً لَك } لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ هَذَا الشَّرْطِ وَأَمْثَالِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَهَبَتْ نَفْسَهَا } وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَاوَضَاتِ وَإِجَارَةٌ مُبَايِنَةٌ لِلْإِجَارَاتِ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّدَاقُ أُجْرَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، فَأَبَاحَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْلُهُ : { إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } مَعْنَاهُ أَنَّهَا إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَيَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ نَكَحَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا ؛ وَإِنَّمَا بَيَّنَ ذَلِكَ ، وَجَعَلَهُ قُرْآنًا يُتْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ نَبِيِّنَا أَنْ يَقْبَلَ مِنْ الْوَاهِبِ هِبَتَهُ ، وَيَرَى الْأَكَارِمُ أَنَّ رَدَّهَا هُجْنَةٌ فِي الْعَادَةِ ، وَوَصْمَةٌ عَلَى الْوَاهِبِ ، وَإِذَايَةٌ لِقَلْبِهِ ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ رَسُولِهِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ ، وَلِيُبْطِلَ ظَنَّ النَّاسِ فِي عَادَتِهِمْ وَقَوْلِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { خَالِصَةً لَك } وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : خَالِصَةً لَك : إذَا وَهَبَتْ لَك نَفْسَهَا أَنْ تَنْكِحَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَقَدْ أَنْفَذَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ نِكَاحَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي السَّمَاءِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ الْخَلْقِ ، وَلَا بَذْلِ صَدَاقٍ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ بِحُكْمِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَمَالِك الْعَالَمِينَ .
الثَّانِي : نِكَاحُهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ؛ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ عَقْدَ نِكَاحِهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ خَالِصًا لَك ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِك [ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ] ؛ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ .
قَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي رَاجِعَانِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الصَّدَاقِ مَذْكُورٌ فِي الْآيَةِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَتْ وَهُوَ قَوْلُهُ : { إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ } فَأَمَّا سُقُوطُ الْوَلِيِّ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا ذِكْرٌ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ النِّكَاحَ ؛ وَإِنَّمَا شُرِعَ لِقِلَّةِ الثِّقَةِ بِالْمَرْأَةِ فِي اخْتِيَارِ أَعْيَانِ الْأَزْوَاجِ ، وَخَوْفِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ فِي نِكَاحِ غَيْرِ الْكُفْءِ ، وَإِلْحَاقِ الْعَارِ بِالْأَوْلِيَاءِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ خَصَّصَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِمَعَانٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ فِي بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ ، مَزِيَّةً عَلَى الْأُمَّةِ ، وَهَيْبَةً لَهُ ، وَمَرْتَبَةً خُصَّ بِهَا ؛ فَفُرِضَتْ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ ، وَمَا فُرِضَتْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ وَأَفْعَالٌ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ ؛ وَحُلِّلَتْ لَهُ أَشْيَاءُ لَمْ تُحَلَّلْ لَهُمْ ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، أَفَادَنِيهَا الشَّهِيدُ الْأَكْبَرُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْدَ أَنَّا نُشِيرُ هَاهُنَا إلَى جُمْلَةِ الْأَمْرِ لِمَكَانِ الْفَائِدَةِ فِيهِ ، وَتَعَلُّقِ الْمَعْنَى فِيهِ إشَارَةً مُوجِزَةً ، تَبِينُ لِلَّبِيبِ وَتُبْصِرُ الْمُرِيبَ ، فَنَقُولُ : أَمَّا قِسْمُ الْفَرِيضَةِ فَجُمْلَتُهُ تِسْعَةٌ : الْأَوَّلُ : التَّهَجُّدُ بِاللَّيْلِ .
الثَّانِي : الضُّحَى .
الثَّالِثُ : الْأَضْحَى .
الرَّابِعُ : الْوِتْرُ ، وَهُوَ يَدْخُلُ فِي قِسْمِ التَّهَجُّدِ .
الْخَامِسُ : السِّوَاكُ .
السَّادِسُ : قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا .
السَّابِعُ : مُشَاوِرَةُ ذَوِي الْأَحْلَامِ فِي غَيْرِ الشَّرَائِعِ .
الثَّامِنُ : تَخْيِيرُ النِّسَاءِ .
التَّاسِعُ : كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ .
وَأَمَّا قِسْمُ التَّحْرِيمِ فَجُمْلَتُهُ عَشْرَةٌ : الْأَوَّلُ : تَحْرِيمُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ .
الثَّانِي : صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَيْهِ ، وَفِي آلِهِ تَفْصِيلٌ بِاخْتِلَافٍ .
الثَّالِثُ : خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ ، أَوْ يَنْخَدِعَ عَمَّا يُحِبُّ ، وَقَدْ ذَمَّ بَعْضَ الْكُفَّارِ عِنْدَ إذْنِهِ ؛ ثُمَّ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ عِنْدَ دُخُولِهِ .
الرَّابِعُ : حَرَّمَ عَلَيْهِ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا عَنْهُ ، أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَارِبِهِ ، وَيَدْخُلُ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْخَيْرِ .
الْخَامِسُ : الْأَكْلُ مُتَّكِئًا .
السَّادِسُ : أَكْلُ الْأَطْعِمَةِ الْكَرِيهَةِ الرَّائِحَةِ .
السَّابِعُ :
التَّبَدُّلُ بِأَزْوَاجِهِ .
الثَّامِنُ : نِكَاحُ امْرَأَةٍ تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ .
التَّاسِعُ : نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ .
الْعَاشِرُ : نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا قِسْمُ التَّحْلِيلِ فَصَفِيُّ الْمَغْنَمِ .
الثَّانِي : الِاسْتِبْدَادُ بِخُمْسِ الْخُمْسِ أَوْ الْخُمْسِ .
الثَّالِثُ : الْوِصَالُ .
الرَّابِعُ : الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ .
الْخَامِسُ : النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ .
السَّادِسُ : النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
السَّابِعُ : النِّكَاحُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نِكَاحِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي حَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي نِكَاحِهِ بِغَيْرِ مَهْرٍ ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الثَّامِنُ : نِكَاحُهُ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ ، فَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ } ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
التَّاسِعُ : سُقُوطُ الْقَسَمِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ عَنْهُ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ } .
الْعَاشِرُ : إذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَجَبَ عَلَى زَوْجِهَا طَلَاقُهَا ، وَحَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا .
قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَمْرَ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَيْفَ وَقَعَ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ؛ وَفِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِنِكَاحِهِ بِغَيْرِ مَهْرٍ أَيْضًا .
الثَّانِيَ عَشَرَ : دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، وَفِي حَقِّنَا فِيهِ اخْتِلَافٌ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقِتَالُ بِمَكَّةَ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
الرَّابِعَ عَشَرَ : أَنَّهُ لَا يُورَثُ .
قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا ذَكَرْته فِي قِسْمِ التَّحْلِيلِ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَارَبَ الْمَوْتَ بِالْمَرَضِ زَالَ عَنْهُ
أَكْثَرُ مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ خَالِصًا ، وَبَقِيَ مِلْكُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي آيَةِ الْمِيرَاثِ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : بَقَاءُ زَوْجِيَّتِهِ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ .
السَّادِسَ عَشَرَ : إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً ، هَلْ تَبْقَى حُرْمَتُهُ عَلَيْهَا فَلَا تُنْكَحُ ؟ .
وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ سَتَأْتِيَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى اخْتِلَافِهَا مَشْرُوحَةٌ فِي تَفَارِيقِهَا ، حَيْثُ وَقَعَتْ مَجْمُوعَةٌ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْمَوْسُومِ بِالنَّيِّرَيْنِ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي إعْرَابِ قَوْلِهِ : { خَالِصَةً لَك } ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ الْوَهْمُ فِيهِ ، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .
وَحَقِيقَتُهُ عِنْدِي أَنَّهُ حَالٌ مِنْ ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمُظْهَرُ ، تَقْدِيرُهُ أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك ، وَأَحْلَلْنَا لَك امْرَأَةً مُؤْمِنَةً ، أَحْلَلْنَاهَا خَالِصَةً بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَبِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَعَلَيْهِ انْبَنَى مَعْنَى الْخُلُوصِ هَاهُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : قِيلَ : هُوَ خُلُوصُ النِّكَاحِ لَهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَعَلَيْهِ انْبَنَى مَعْنَى الْخُلُوصِ هَاهُنَا .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا : إنَّ نِكَاحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْوَلِيِّ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ { قَوْلُهُ لِعَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِهِ ، حِينَ زَوَّجَ أُمَّهُ : قُمْ يَا غُلَامُ فَزَوِّجْ أُمَّك } .
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَوْهُوبَةِ : وَهَبْت نَفْسِي لَك لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ ، وَلَا بُدَّ بَعْدَهُ مِنْ عَقْدٍ مَعَ الْوَلِيِّ ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِهِ وَصِفَتِهِ أَمْ لَا ؟ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى لَا ذِكْرَ لِلْآيَةِ فِيهَا .
الثَّانِي : أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْآيَةِ خُلُوُّ النِّكَاحِ مِنْ الصَّدَاقِ ، وَلَهُ جَاءَ الْبَيَانُ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْخُلُوصُ الْمَخْصُوصُ بِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا ، فَذَكَرَهُ فِي جَنْبَتِهِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ الْمَخْصُوصِ بِهَذَا الْعَقْدِ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَإِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، فَيَكُونُ النِّكَاحُ حُكْمًا مُسْتَأْنَفًا ، لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ ، إلَّا فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْهِبَةِ ، وَهُوَ سُقُوطُ الْعِوَضِ وَهُوَ الصَّدَاقُ .
الرَّابِعُ : إنَّا لَا نَقُولُ : إنَّ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ جَائِزٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ ؛ فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك ، وَأَحْلَلْنَا لَك الْمَرْأَةَ الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا خَالِصَةً ، فَلَوْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ : { خَالِصَةً } حَالًا مِنْ الصِّفَةِ الَّتِي هِيَ ذِكْرُ الْهِبَةِ دُونَ الْمَوْصُوفِ الَّذِي هُوَ الْمَرْأَةُ وَسُقُوطُ الصَّدَاقِ ، لَكَانَ إخْلَالًا مِنْ الْقَوْلِ ، وَعُدُولًا عَنْ الْمَقْصُودِ فِي اللَّفْظِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَرَبِيَّةً ، وَلَا مَعْنًى .
أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ
قُلْت : أُحَدِّثُك بِالْحَدِيثِ الرُّبَاعِيِّ خَالِصًا لَك دُونَ أَصْحَابِك لَمَا كَانَ رُجُوعُ الْحَالِ إلَّا إلَى الْمَقْصُودِ الْمَوْصُوفِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ ؛ هَذَا عَلَى نِظَامِ التَّقْدِيرِ ، فَلَوْ قُلْت عَلَى لَفْظِ أُحَدِّثُك بِحَدِيثٍ إنْ وَجَدْته بِأَرْبَعِ رِوَايَاتٍ خَالِصًا ذَلِكَ دُونَ أَصْحَابِك لَرَجَعَتْ الْحَالُ إلَى الْمَقْصُودِ الْمَوْصُوفِ أَيْضًا ، دُونَ الصِّفَةِ ؛ وَهَذَا لَا يَفْهَمُهُ إلَّا الْمُتَحَقِّقُونَ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَمَا أَرَى مَنْ عَزَا إلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : { خَالِصَةً } يَرْجِعُ إلَى النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ إلَّا قَدْ وَهَمَ ، لِأَجْلِ مَكَانَتِهِ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ .
وَالنِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ جَائِزٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، مَعْرُوفٌ بِدَلِيلِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } فَائِدَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ وَإِنْ كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا فَلَيْسَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ دُخُولٌ ؛ لِأَنَّ تَصْرِيفَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِسْلَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ } قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي بَيَانِ عِلْمِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَكِتَابِ الْأُصُولِ .
وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَهِيَ قَوْلُهُ : ( مَا فَرَضْنَا ) وَبَيَّنَّا مَعْنَى الْفَرْضِ ، وَالْقَدْرُ الْمُخْتَصُّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ عِلْمَهُ سَابِقٌ بِكُلِّ مَا حَكَمَ بِهِ ، وَقَرَّرَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ فِي النِّكَاحِ وَأَعْدَادِهِ وَصِفَاتِهِ ، وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَشُرُوطِهِ ، بِخِلَافِهِ ، فَهُوَ حُكْمٌ سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ ، وَقَضَاءٌ حَقَّ بِهِ الْقَوْلُ لِلنَّبِيِّ فِي تَشْرِيعِهِ وَلِلْمُنْبَأِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ بِتَكْلِيفِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْك حَرَجٌ } أَيْ ضِيقٌ فِي أَمْرٍ أَنْتَ فِيهِ مُحْتَاجٌ إلَى السَّعَةِ ، كَمَا أَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ فِيهِ شَرْطَ السَّعَةِ عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ " الْأَمَدِ الْأَقْصَى " بَيَانًا شَافِيًا .
وَالْمِقْدَارُ الَّذِي يَنْتَظِمُ بِهِ الْكَلَامُ هَاهُنَا أَنَّهُ لَمْ يُؤَاخِذْ النَّاسَ بِذُنُوبِهِمْ ، بَلْ بِقَوْلِهِمْ ، وَرَحِمَهُمْ وَشَرَّفَ رُسُلَهُ الْكِرَامَ ، فَجَعَلَهُمْ فَوْقَهُمْ ، وَلَمْ يُعْطِ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَسْتَحِقُّونَ ، إذْ لَا يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا ؛ بَلْ زَادَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ، وَعَمَّهُمْ بِرِفْقِهِ وَلُطْفِهِ ، وَلَوْ أَخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَعْطَاهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فِيهِمْ ، لَمَا وَجَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ ، وَلَا غُفِرَ لِلْخَلْقِ ذَنْبٌ ؛ وَلَكِنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى الْكُلِّ ، وَقَدَّمَ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَعْطَى كُلًّا عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ وَحُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْت مِمَّنْ عَزَلْت فَلَا جُنَاحَ عَلَيْك ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ رَوَى أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ { أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَشْفَقْنَ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِك وَمَالِك مَا شِئْت ، فَكَانَتْ مِنْهُنَّ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، وَجُوَيْرِيَةُ ، وَصَفِيَّةُ ، وَمَيْمُونَةُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ ، غَيْرُ مَقْسُومٍ لَهُنَّ وَكَانَ مِمَّنْ آوَى عَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَزَيْنَبُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، يَضُمُّهُنَّ ، وَيَقْسِمُ لَهُنَّ } قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَرَادَ مَنْ شِئْت أَمْسَكْت ، وَمَنْ شِئْت طَلَّقْت .
الثَّالِثُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ لِرَجُلٍ أَنْ يَخْطِبَهَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ يَتْرُكَهَا .
وَالْمَعْنَى اُتْرُكْ نِكَاحَ مَنْ شِئْت ، وَانْكِحْ مَنْ شِئْت ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الرَّابِعُ : تَعْزِلُ مَنْ شِئْت ، وَتَضُمُّ مَنْ شِئْت ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَبُو رَزِينٍ : تَعْزِلُ مَنْ شِئْت عَنْ الْقَسْمِ ، وَتَضُمُّ مَنْ شِئْت إلَى الْقَسْمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَصْحِيحِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي رَزِينٍ فَلَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ ؛ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ { سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اجْعَلْ يَوْمِي مِنْك لِعَائِشَةَ ، فَكَانَ
يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ : يَوْمَهَا ، وَيَوْمَ سَوْدَةَ } .
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ امْتِنَاعَ خِطْبَةِ مَنْ يَخْطُبُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ وَلَا دَلِيلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعَانِي الْآيَةِ وَلَا أَلْفَاظِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ } يَعْنِي تُؤَخِّرُ وَتَضُمُّ ، وَيُقَالُ : أَرْجَأْته إذَا أَخَّرْته ، وَآوَيْت فُلَانًا إذَا ضَمَمْته وَجَعَلْته فِي ذُرَاك وَفِي جُمْلَتِك ، فَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ سِتَّةٌ : الْأَوَّلُ : تُطَلِّقُ مَنْ شِئْت ، وَتُمْسِكُ مَنْ شِئْت ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : تَتْرُكُ مَنْ شِئْت ، وَتَنْكِحُ مَنْ شِئْت ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّالِثُ : مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ .
الرَّابِعُ : تَقْسِمُ لِمَنْ شِئْت ، وَتَتْرُكُ قَسْمَ مَنْ شِئْت .
الْخَامِسُ : مَا فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْت أَغَارُ مِنْ اللَّائِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقُولُ : أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ } .
قُلْت : مَا أَرَى رَبَّك إلَّا يُسَارِعُ فِي هَوَاك .
السَّادِسُ : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْت مِمَّنْ عَزَلْت فَلَا جُنَاحَ عَلَيْك } ، فَقِيلَ لَهَا : مَا كُنْت تَقُولِينَ ؟ قَالَتْ : كُنْت أَقُولُ : إنْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْك أَحَدًا } .
وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَتَدَاخَلُ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَهَذَا الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ .
وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُخَيَّرًا فِي أَزْوَاجِهِ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْسِمَ قَسَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ الْقَسْمَ تَرَكَ ، لَكِنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ دُونَ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ قِيلَ لَهُ : انْكِحْ مَنْ شِئْت ، وَاتْرُكْ مَنْ شِئْت ، فَقَدْ أَفَادَهُ قَوْلُهُ : {
إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْك وَبَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك وَبَنَاتِ خَالِك وَبَنَاتِ خَالَاتِك اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } .
حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فِي ذَلِكَ وَالِانْتِهَاءِ إلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَهَذَا الْقَوْلُ يُحْمَلُ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَرَّدَةٍ ، فَأَمَّا وُجُوبُ الْقَسْمِ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَقْتَضِيهِ ، وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ ؛ فَخُصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ جُعِلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يُقَالُ : إنَّ الْقَسْمَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي الْقَسْمِ ، وَيَقُولُ : { هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ يَعْنِي قَلْبَهُ } " لِإِيثَارِ عَائِشَةَ دُونَ أَنْ يَكُونَ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ .
قُلْنَا : ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَضْلِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَاهُ سُقُوطَهُ ؛ وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَزِمُهُ تَطَيُّبًا لِنُفُوسِهِنَّ ، وَصَوْنًا لَهُنَّ عَنْ أَقْوَالِ الْغَيْرَةِ الَّتِي رُبَّمَا تَرَقَّتْ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَمَنْ ابْتَغَيْت مِمَّنْ عَزَلْت } يَعْنِي طَلَبْت ، وَالِابْتِغَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الطَّلَبُ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِرَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { مِمَّنْ عَزَلْت } يَعْنِي أَزَلْت ، وَالْعُزْلَةُ الْإِزَالَةُ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي اللَّفْظَيْنِ مَفْهُومٌ .
وَالْمَعْنَى : وَمَنْ أَرَدْت أَنْ تَضُمَّهُ وَتُؤْوِيَهُ بَعْدَ أَنْ أَزَلْته فَقَدْ نِلْت ذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَوَجَدْته تَحْقِيقًا لِقَوْلِ عَائِشَةَ :
لَا أَرَى رَبُّك إلَّا وَهُوَ يُسَارِعُ فِي هَوَاك ؛ فَإِنْ شَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَخِّرَ أَخَّرَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُقَدِّمَ اسْتَقْدَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَقْلِبَ الْمُؤَخَّرَ مُقَدَّمًا وَالْمُقَدَّمَ مُؤَخَّرًا فَعَلَ ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا حَرَجَ فِيهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : وَقَدْ بَيَّنَّا الْجُنَاحَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَأَوْضَحْنَا حَقِيقَتَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } : الْمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ الْإِدْنَاءُ وَالْإِقْصَاءُ لَهُنَّ ، وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّبْعِيدُ إلَيْك ، تَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شِئْت ، كَانَ أَقْرَبَ إلَى قُرَّةِ أَعْيُنِهِنَّ ، وَرَاحَةِ قُلُوبِهِنَّ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي شَيْءٍ كَانَ رَاضِيًا بِمَا أُوتِيَ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ حَقًّا لَمْ يُقْنِعْهُ مَا أُوتِيَ مِنْهُ ، وَاشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ عَلَيْهِ ، وَعَظُمَ حِرْصُهُ فِيهِ ، فَكَانَ مَا فَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مِنْ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي أَحْوَالِ أَزْوَاجِهِ أَقْرَبَ إلَى رِضَاهُنَّ مَعَهُ ، وَاسْتِقْرَارِ أَعْيُنِهِنَّ عَلَى مَا يُسْمَحُ بِهِ مِنْهُ لَهُنَّ ، دُونَ أَنْ تَتَعَلَّقَ قُلُوبُهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي : الْمَسْأَلَةِ الثَّامِنَةِ : { وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } الْمَعْنَى : وَتَرْضَى كُلُّ وَاحِدَةٍ بِمَا أُوتِيَتْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ ، لِعِلْمِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَقٍّ لَهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهَا ، وَقَلِيلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ ، وَاسْمُ زَوْجَتِهِ ، وَالْكَوْنُ فِي عِصْمَتِهِ ، وَمَعَهُ فِي الْآخِرَةِ فِي دَرَجَتِهِ ، فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ كَبِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهُوَ بَيِّنٌ عِنْدَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْبَارِئَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ .
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ، وَيَطَّلِعُ عَلَى الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ .
وَوَجْهُ تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ هَاهُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ مَيْلٍ إلَى بَعْضِ مَا عِنْدَنَا مِنْ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهُوَ يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ ؛ إذْ لَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ أَنْ يَصْرِفَ قَلْبَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمِيلِ إنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصْرِفَ فَعَلَهُ ، وَلَا يُؤَاخِذُ الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُؤَاخِذُ بِمَا يَكُونُ مِنْ فِعْلٍ فِيهِ ، وَإِلَى ذَلِكَ يَعُودُ قَوْلُهُ : { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ :
الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، لَمَّا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْجَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُسْنُهَا ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ كَلِمَةَ " بَعْدُ " ظَرْفٌ بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ هَاهُنَا ، لِمَا اُقْتُرِنَ بِهِ مِنْ الْحَذْفِ ، فَصَارَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ كَأَنَّهُ بَعْضُ كَلِمَةٍ ، فَرُبِطَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لِيَتَبَيَّنَ ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الْمَحْذُوفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدِ مَنْ عِنْدَك ، مِنْهُنَّ اللَّوَاتِي اخْتَرْنَك عَلَى الدُّنْيَا فَقُصِرَ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَجْلِ اخْتِيَارِهِنَّ لَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : مِنْ بَعْدِ مَا أَحْلَلْنَا لَك ، وَهِيَ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ؛ قَالَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
الثَّالِثُ : لَا يَحِلُّ لَك نِكَاحُ غَيْرِ الْمُسْلِمَاتِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَك نِكَاحُ غَيْرِ الْمُسْلِمَاتِ فَدَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالثَّانِي قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ أُبَيٍّ ، وَحَكَمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدِ مَا أَحْلَلْنَا لَك مِنْ أَزْوَاجِك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ قَرَابَتَك الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ ، وَالْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا بَقِيَ عَلَى التَّحْرِيمِ مَنْ عَدَاهُنَّ .
وَالْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُبَيٍّ ، وَيَقْوَى فِي النَّفْسِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ : لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَكَأَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَحَلَّ لَهُ النِّسَاءَ حَتَّى الْمَوْتِ قُصِرَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قُصِرْنَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ
، وَجَمَاعَةٌ وَجَعَلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ سُنَّةً نَاسِخَةً ، وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهٍ ، وَمُتَعَلَّقٌ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ؛ فَتَمَّ تَمَامُ الْقَوْلِ وَبَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تُطَلِّقَ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِك ، وَتَنْكِحَ غَيْرَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَبَدَّلَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي عِنْدَك بِمُشْرِكَةٍ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : لَا تُعْطِي زَوْجَك فِي زَوْجَةٍ أُخْرَى ، كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَهُ يَشْهَدُ النَّصُّ ، وَعَلَيْهِ يَقُومُ الدَّلِيلُ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَا يُبْطِلُ فَائِدَتَهُ وَيُسْقِطُ عُمُومَهُ ، وَيُبْطِلُ حُكْمَهُ ، وَيَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ ذَلِكَ حُكْمٌ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ؛ إذْ التَّعَاوُضُ فِي الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ : { بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } ، وَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَجُوزُ لَا بِهِنَّ وَلَا بِغَيْرِهِنَّ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ اسْتِبْدَالَ الْجَاهِلِيَّةِ لَقَالَ : أَزْوَاجَك بِأَزْوَاجٍ ، وَمَتَى جَاءَ اللَّفْظُ خَاصًّا فِي حُكْمٍ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ لِضَرُورَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك } الْمَعْنَى فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَك عَلَى الْإِطْلَاقِ الْمَعْلُومِ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إحْلَالِ الْكَافِرَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ وَوَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك } وَهَذَا عُمُومٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ خَوْفِ الْعَنَتِ ؛ وَهَذَا الشَّرْطُ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ ؛ فَأَمَّا وَطْؤُهَا بِمَلْكِ الْيَمِينِ فَيَتَرَدَّدُ فِيهِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْكَافِرَةِ ، وَلَا وَطْؤُهَا بِمَلْكِ الْيَمِينِ ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْكَافِرَةِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } ، فَكَيْفَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : { اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك } ، فَشَرَطَ فِي الْإِحْلَالِ لَهُ الْهِجْرَةَ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ الْكَافِرَةَ تَحِلُّ لَهُ ،
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الرَّقِيبِ فِي أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمَعْنَى الْمُخْتَصُّ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا ، وَيَحْكُمُ فِيهَا حُكْمًا مُسْتَقِرًّا ، وَيَرْبِطُ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ رَبْطًا يَنْتَظِمُ بِهِ الْوُجُودُ ، وَيَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ وَلَكِنْ إذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاَللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } .
فِيهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ : كِتَابِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : { تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ ، فَصَنَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أُمِّي حَيْسًا ، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ ، وَقَالَتْ لِي : يَا أَنَسُ اذْهَبْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْ : بَعَثَتْ بِهِ إلَيْك أُمِّي ، وَهِيَ تُقْرِئُك السَّلَامَ ، وَتَقُولُ لَك : إنَّ هَذَا لَك مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَذَهَبْت بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْت : إنَّ أُمِّي تُقْرِئُك السَّلَامَ وَتَقُولُ لَك : إنَّ هَذَا لَك مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : ضَعْهُ ثُمَّ قَالَ : اذْهَبْ فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا ، وَمَنْ لَقِيت وَسَمَّى رِجَالًا فَدَعَوْت مَنْ سَمَّى ، وَمَنْ لَقِيت .
قَالَ : قُلْت لِأَنَسٍ : عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا ؟ قَالَ : زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ .
فَقَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنَسُ هَاتِ التَّوْرَ قَالَ : فَدَخَلُوا حَتَّى امْتَلَأَتْ الصُّفَّةُ وَالْحُجْرَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَتَحَلَّقْ عَشْرَةٌ عَشْرَةٌ ،
وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ : فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا قَالَ : فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ قَالَ : قَالَ لِي : يَا أَنَسُ ، ارْفَعْ قَالَ : فَرَفَعْت ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْت كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْت قَالَ : وَجَلَسَ مِنْهُمْ طَوَائِفُ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إلَى الْحَائِطِ ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ ، فَابْتَدَرُوا الْبَابَ ، وَخَرَجُوا كُلُّهُمْ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ ، وَدَخَلَ ، وَأَنَا جَالِسٌ فِي الْحُجْرَةِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
قَالَ أَنَسٌ : أَنَا أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَحُجِبَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
الثَّانِي : رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ { عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْت آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْسًا ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعَاهُ ، فَأَكَلَ ، فَأَصَابَ أُصْبُعُهُ أُصْبُعِي ، فَقَالَ حِينَئِذٍ : لَوْ أُطَاعُ فِيكُنَّ مَا رَأَتْكُنَّ عَيْنٌ ؛ فَنَزَلَ الْحِجَابُ } .
الثَّالِثُ : مَا رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ ، يَتَبَرَّزْنَ فِيهِ ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : اُحْجُبْ نِسَاءَك ، فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً ، فَنَادَاهَا عُمَرُ : قَدْ عَرَفْنَاك يَا سَوْدَةُ ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأُنْزِلَ الْحِجَابُ .
الرَّابِعُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : أُمِرَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحِجَابِ ، فَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؛ إنَّك تَغَارُ عَلَيْنَا وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } .
الْخَامِسُ : رَوَى قَتَادَةُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَكَلُوا وَأَطَالُوا الْحَدِيثَ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ ، وَيَسْتَحْيِي مِنْهُمْ ، وَاَللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ .
السَّادِسُ : رَوَى أَنَسٌ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ نِسَاءَك يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ ؛ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الرِّوَايَاتُ ضَعِيفَةٌ إلَّا الْأُولَى وَالسَّادِسَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَبَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحِجَابَ نَزَلَ يَوْمَ الْبِنَاءِ بِزَيْنَبِ ، وَلَا يَصِحُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { بُيُوتَ النَّبِيِّ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْتَ بَيْتُ الرَّجُلِ إذْ جَعَلَهُ مُضَافًا إلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } .
قُلْنَا : إضَافَةُ الْبُيُوتِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إضَافَةُ مِلْكٍ ، وَإِضَافَةُ الْبُيُوتِ إلَى الْأَزْوَاجِ إضَافَةُ مَحَلٍّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا الْإِذْنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْإِذْنُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَالِكِ ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ يُؤْذِي أَزْوَاجَهُ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْبَيْتُ بَيْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَقُّ حَقَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَهُ إلَيْهِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بُيُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ كُنَّ يَسْكُنَّ فِيهَا ، هَلْ هُنَّ مِلْكٌ لَهُنَّ أَمْ لَا ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : كَانَتْ مِلْكًا لَهُنَّ بِدَلِيلِ أَنَّهُنَّ سَكَنَّ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَفَاتِهِنَّ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَبَ لَهُنَّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ هِبَةً ، وَإِنَّمَا كَانَ إسْكَانًا ، كَمَا يُسْكِنُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ ، وَتَمَادَى سُكْنَاهُنَّ بِهَا إلَى الْمَوْتِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا لِأَنَّ عِدَّتَهُنَّ لَمْ تَنْقَضِ إلَّا بِمَوْتِهِنَّ ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَى ذَلِكَ لَهُنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ ، كَمَا اسْتَثْنَى نَفَقَاتِهِنَّ بِقَوْلِهِ : { مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ } .
فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةً بَعْدَ نَفَقَةِ الْعِيَالِ ؛ وَالسُّكْنَى مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَاتِ ، فَإِذَا مُتْنَ رَجَعَتْ مَسَاكِنُهُنَّ إلَى أَصْلِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ،
كَرُجُوعِ نَفَقَاتِهِنَّ .
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لِذَلِكَ أَنَّ وَرَثَتَهُنَّ لَمْ يَرِثُوا عَنْهُنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسَاكِنُ مِلْكًا لَهُنَّ لَوَرِثَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُنَّ عَنْهُنَّ ، فَلَمَّا رُدَّتْ مَنَازِلُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تَعُمُّ مَنْفَعَتُهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سُكْنَاهُنَّ إنَّمَا كَانَتْ مَتَاعًا لَهُنَّ إلَى الْمَمَاتِ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى أَصْلِهَا فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْإِذْنِ وَأَحْكَامِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : { إلَى طَعَامٍ } يَعْنِي بِهِ هَاهُنَا طَعَامَ الْوَلِيمَةِ ، وَالْأَطْعِمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَشْرَةٌ : الْمَأْدُبَةُ ، وَهِيَ طَعَامُ الدَّعْوَةِ كَيْفَمَا وَقَعَتْ .
طَعَامُ الزَّائِرِ التُّحْفَةُ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ النُّزُلُ .
وَطَعَامُ الْإِمْلَاكِ الشَّدْخِيَّةُ ، وَمَا رَأَيْته فِي أَثَرٍ ، إلَّا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّجَاشِيَّ لَمَّا عُقِدَ نِكَاحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَهُ قَالَ لَهُمْ : لَا تُفَرِّقُوا الْأَطْعِمَةَ .
وَكَذَلِكَ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ تَفْعَلُ ، وَبَعَثَ بِهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ .
طَعَامُ الْعُرْسِ : الْوَلِيمَةُ .
طَعَامُ الْبِنَاءِ : الْوَكِيرَةُ .
طَعَامُ الْوِلَادَةِ : الْخُرْسُ .
طَعَامُ سَابِعِهَا : الْعَقِيقَةُ .
طَعَامُ الْخِتَانِ : الْإِعْذَارُ : وَيُقَالُ : الْعَذِيرَةُ .
طَعَامُ الْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ : النَّقِيعَةُ .
طَعَامُ الْجِنَازَةِ : الْوَضِيمَةُ .
وَهُنَاكَ أَسْمَاءٌ تُعَدُّ هَذِهِ أُصُولُهَا الْمَعْلُومَةُ .
وَالْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ : إلَى طَعَامٍ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَرِيمَ إذَا دَعَا إلَى مَنْزِلِهِ أَحَدًا لِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُقَدِّمَ إلَيْهِ مَا حَضَرَ مِنْ طَعَامٍ وَلَوْ تَمْرَةً أَوْ كِسْرَةً ، فَإِذَا تَنَاوَلَ مَعَهُ مَا حَضَرَ كَلَّمَهُ فِيمَا عَرَضَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ } مَعْنَاهُ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ وَقْتَهُ ، وَالنَّاظِرُ هُوَ الْمُسْتَنْظِرُ ، وَالْإِنَى هُوَ الْوَقْتُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَعْنَى لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ فِي الدُّخُولِ ، أَوْ يُطْعِمَكُمْ طَعَامًا حَاضِرًا ، لَا تَنْتَظِرُونَ نُضْجَهُ ، وَلَا تَرْتَقِبُونَ حُضُورَهُ ، فَيَطُولُ لِذَلِكَ مُقَامُكُمْ ، وَتَحْصُلُونَ فِيمَا كَرِهَ مِنْكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَكِنْ إذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا } الْمَعْنَى اُدْخُلُوا عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ ، وَحِفْظِ الْحَضْرَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ الْمُبَاسَطَةِ الْمَكْرُوهَةِ .
وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : إذَا دُعِيتُمْ فَأُذِنَ لَكُمْ فَادْخُلُوا ، وَإِلَّا فَنَفْسُ الدَّعْوَةِ لَا تَكُونُ إذْنًا كَافِيًا فِي الدُّخُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِذَا طَعِمْتُمْ } هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضَّيْفَ يَأْكُلُ عَلَى مِلْكِ الْمُضِيفِ ، لَا عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : { فَإِذَا طَعِمْتُمْ } فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ الْأَكْلِ ، وَلَا أَضَافَ لَهُ سِوَاهُ ، وَبَقِيَ الْمِلْكُ عَلَى أَصْلِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَانْتَشِرُوا } : الْمُرَادُ : تَفَرَّقُوا .
مِنْ النَّشْرِ ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمُفْتَرَقُ .
وَالْمُرَادُ إلْزَامُ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْأَكْلِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الدُّخُولَ حَرَامٌ ، وَإِنَّمَا جَازَ لِأَجْلِ الْأَكْلِ ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَكْلُ زَالَ السَّبَبُ الْمُبِيحُ ، وَعَادَ التَّحْرِيمُ إلَى أَصْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } : الْمَعْنَى : لَا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ بِالْحَدِيثِ ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ ، وَلَكِنَّ الْفَائِدَةَ فِي عَطْفِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ دُخُولٌ فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ } : وَالْإِذَايَةُ كُلُّ مَا تَكْرَهُهُ النَّفْسُ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ ، لَا سِيَّمَا إذَايَةٌ يَكْرَهُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ بَلْ أَلْزَمَ الْخَلْقَ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَكْرَهُونَ ، إرْضَاءً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَالْمَعْنَى : مَنَعْنَاكُمْ مِنْهُ لِإذَايَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ الْمَنْعَ مِنْ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَالْمُقَامَ بَعْدَ كَمَالِ الْمَقْصُودِ مُحَرَّمًا فِعْلُهُ ، لِإذَايَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَالْمُحَرَّمَاتُ فِي الشَّرْعِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهَا مُعَلَّلٌ ، وَمِنْهَا غَيْرُ مُعَلَّلٍ ؛ فَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ بِالْعِلَّةِ ، وَهِيَ إذَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاَللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ } : وَقَدْ بَيَّنَّا الْحَيَاءَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَمَعْنَاهُ هَاهُنَا فَيُمْسِكُ عَنْ كَشْفِ مُرَادِهِ لَكُمْ ، فَيَتَأَذَّى بِإِقَامَتِكُمْ ، عَلَى مَعْنَى التَّعْبِيرِ عَنْ الشَّيْءِ
بِمُقَدِّمَتِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ وُجُوهِ الْمَجَازِ ، أَوْ بِفَائِدَتِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي ، أَوْ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَهُوَ الثَّالِثُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } وَفِي الْمَتَاعِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : عَارِيَّةٌ .
الثَّانِي : حَاجَةٌ .
الثَّالِثُ : فَتْوَى .
الرَّابِعُ : صُحُفُ الْقُرْآنِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَذِنَ فِي مُسَاءَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتَى فِيهَا ؛ وَالْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ ؛ بَدَنُهَا وَصَوْتُهَا ، فَلَا يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ لِحَاجَةٍ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا ، أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا ، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعِنُّ وَيَعْرِضُ عِنْدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } الْمَعْنَى : أَنَّ ذَلِكَ أَنْفَى لِلرِّيبَةِ ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ ، وَأَقْوَى فِي الْحِمَايَةِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَثِقَ بِنَفْسِهِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ؛ فَإِنَّ مُجَانَبَةَ ذَلِكَ أَحْسَنُ لِحَالِهِ ، وَأَحْصَنُ لِنَفْسِهِ ، وَأَتَمُّ لِعِصْمَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } وَهَذَا تَكْرَارٌ لِلْعِلَّةِ ، وَتَأْكِيدٌ لِحُكْمِهَا ؛ وَتَأْكِيدُ الْعِلَلِ أَقْوَى فِي الْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا } : وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ ؛ فَقَدْ خُصَّ بِأَحْكَامٍ ، وَشَرُفَ بِمَعَالِمَ وَمَعَانٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ ، تَمْيِيزًا لِشَرَفِهِ ، وَتَنْبِيهًا عَلَى مَرْتَبَتِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنَّ آيَةَ الْحِجَابِ لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا : يَمْنَعُنَا مِنْ بَنَاتِ عَمِّنَا ؛ لَئِنْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِسَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ .
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : لَئِنْ مَاتَ لَأَتَزَوَّجَنَّ عَائِشَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَصَانَ خَلْوَةَ نَبِيِّهِ ، وَحَقَّقَ غَيْرَتَهُ ، فَقَصَرَهُنَّ عَلَيْهِ ، وَحَرَّمَهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَالِهِنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : هَلْ بَقِينَ أَزْوَاجًا أَوْ زَالَ النِّكَاحُ بِالْمَوْتِ ؛ وَإِذَا قُلْنَا : إنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ زَالَ بِالْمَوْتِ ، فَهَلْ عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : عَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ زَوْجُهُنَّ ، وَهِيَ عِبَادَةٌ .
وَقِيلَ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةُ تَرَبُّصٍ لَا يُنْتَظَرُ بِهَا الْإِبَاحَةُ .
وَبِبَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ أَقُولُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي صَدَقَةٌ } .
وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ : { مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ أَهْلِي } وَهَذَا اسْمٌ خَاصٌّ بِالزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ النَّفَقَةَ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ ، لِكَوْنِهِنَّ نِسَاءَهُ .
وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ : { كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ يَنْقَطِعُ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي } .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ .
وَمَعْنَى إبْقَاءِ النِّكَاحِ بَقَاءُ أَحْكَامِهِ مِنْ تَحْرِيمِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى ؛ إذْ جُعِلَ الْمَوْتُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَنْزِلَةِ الْمَغِيبِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، لِكَوْنِهِنَّ أَزْوَاجًا لَهُ
قَطْعًا ، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَعَ أَهْلِهِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، فَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَالْآخَرُ فِي النَّارِ ، فَبِهَذَا الْوَجْهِ انْقَطَعَ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْخَلْقِ ، وَبَقِيَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { إنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } يَعْنِي إذَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نِكَاحَ أَزْوَاجِهِ ، فَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ ، وَلَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنْهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَحْوَالَ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمُشْكِلَيْنِ فِي أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } : الْبَارِئُ تَعَالَى عَالِمٌ مَا بَدَا وَمَا خَفِيَ وَمَا ظَهَرَ ، وَمَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَاضٍ يَمْضِي ، وَلَا مُسْتَقْبَلٌ يَأْتِي ، وَهَذَا عَلَى الْعُمُومِ تَمَدَّحَ اللَّهُ بِهِ ، وَهُوَ أَصْلُ الْحَمْدِ وَالْمَدْحِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ مَا أَكَنُّوهُ مِنْ نِكَاحِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حِينَ أَضْمَرُوهُ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَأَكَنُّوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ؛ فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمَّا قَبْلَهَا مُبَيِّنَةً لَهَا .
الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّ نُزُولَ الْحِجَابِ لَمَّا نَزَلَ ، وَسِتْرَهُ لَمَّا انْسَدَلَ قَالَ الْآبَاءُ : كَيْفَ بِنَا مَعَ بَنَاتِنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَنْفِيِّ عَنْهُ الْجُنَاحَ : فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ ؛ قَالَ قَتَادَةُ .
وَقِيلَ : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي سَدْلِ الْحِجَابِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُنَّ بِالسَّتْرِ عَنْ الْخَلْقِ ، وَضَرَبَ الْحِجَابَ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ أَسْقَطَ ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ ذَكَرَ هَاهُنَا مِنْ الْقَرَابَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ الْعَمَّ فِيهَا وَلَا الْخَالَ ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ لِأَبْنَائِهِمَا .
وَقِيلَ : لَمْ يَذْكُرْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا قَائِمَانِ مَقَامَ الْأَبَوَيْنِ ، بِدَلِيلِ نُزُولِهِمَا مَنْزِلَتَهُمَا فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ : إنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ مَعَ النِّسَاءِ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مَنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا .
وَالثَّانِي : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ، لِابْنِهِ ، كَالْأَخِ وَالْجَدِّ وَالْحَفِيدِ .
وَالثَّالِثُ : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ، وَيَجُوزُ لِوَلَدِهِ ، كَالْعَمِّ وَالْخَالِ ، بِحَسْبِ مَنْزِلَتِهِمْ مِنْهَا فِي الْحُرْمَةِ .
فَمَنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنْهَا .
وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا وَيَجُوزُ لِوَلَدِهِ جَازَ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا خَاصَّةً ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ رُؤْيَةُ زِينَتِهَا .
وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِوَلَدِهِ جَازَ الْوَضْعُ لِجِلْبَابِهَا وَرُؤْيَةُ زِينَتِهَا .
وَهَذَا التَّقْسِيمُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رَفْعَ الْجُنَاحِ فِي الْآيَةِ هُوَ فِي وَضْعِ الْجِلْبَابِ .
فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ فِي رَفْعِ الْحِجَابِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ وَضْعِ الْجِلْبَابِ فِي سُورَةِ النُّورِ ، وَحُكْمَ الْعَمِّ مِنْ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بِمَا يُغْنِي بَيَانُهُ عَنْ إعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقِينَ اللَّهَ } فَخَصَّ بِهِ النِّسَاءَ ، وَعَيَّنَهُنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى ، لِقِلَّةِ تَحَفُّظِهِنَّ وَكَثْرَةِ اسْتِرْسَالِهِنَّ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي ذِكْرِ صَلَاةِ اللَّهِ : قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِنَا ، وَالْأَمْرُ خُصَّ بِهِ مَعْنَى صَلَاةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى دُعَائِهِمْ لَهُ ، وَذِكْرِهِ الْجَمِيلِ ؛ وَتَكُونُ حَقِيقَةً وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى رَحْمَتِهِ لَهُ ؛ إذْ هُوَ فَائِدَةُ ذَلِكَ مَجَازًا عَلَى مَعْنَى التَّعْبِيرِ عَنْ الشَّيْءِ بِفَائِدَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي ذِكْرِ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هُوَ دُعَاؤُهُمْ ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ ، وَتَبْرِيكُهُمْ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ } ، وَكَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ : وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْرَدْنَاهَا فِي كِتَابِ مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ ؛ فَمِنْ ذَلِكَ ثَمَانِ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى : رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ { أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .
الثَّانِيَةُ : رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ : { أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ، ثُمَّ قَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ } .
الثَّالِثَةُ : رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ طَلْحَةَ مِثْلَهُ بِإِسْقَاطِ قَوْلِهِ : فِي الْعَالَمِينَ ، وَقَوْلِهِ : وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ .
الرَّابِعَةُ : عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : تَلَقَّانِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، فَقَالَ : أَلَا أُهْدِي لَك هَدِيَّةً ؟ قُلْت : بَلَى .
قَالَ : { خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْك قَدْ عَلِمْنَاهُ ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْك ؟ قَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا
صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .
الْخَامِسَةُ : عَنْ بُرَيْدَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : { قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قَدْ عِلْمنَا كَيْفَ السَّلَامُ عَلَيْك ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْك ؟ قَالَ قُولُوا : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِك وَرَحْمَتَك عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا جَعَلْتهَا عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .
السَّادِسَةُ : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَلِمْنَا هَذَا السَّلَامَ عَلَيْك ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْك ؟ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَرَسُولِك ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ } .
السَّابِعَةُ : رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .
الثَّامِنَةُ : مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ تَرَحَّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ وَتَحَنَّنْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَحَنَّنْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا سَلَّمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ؛ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ }
.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحٌ ، وَمِنْهَا سَقِيمٌ ، وَأَصَحُّهَا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فَاعْتَمِدُوهُ .
وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى غَيْرَ مَالِكٍ مِنْ زِيَادَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لَا يَقْوَى ؛ وَإِنَّمَا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَنْظُرُوا فِي أَدْيَانِهِمْ نَظَرَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ فِي الْبَيْعِ دِينَارًا مَعِيبًا ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُونَ السَّالِمَ الطَّيِّبَ ؛ كَذَلِكَ فِي الدِّينِ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا صَحَّ سَنَدُهُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي خَبَرِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَطْلُبُ الْفَضْلَ إذَا بِهِ قَدْ أَصَابَ النَّقْصَ ، بَلْ رُبَّمَا أَصَابَ الْخُسْرَانَ الْمُبِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً بِلَا خِلَافٍ ؛ فَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّهَا فَرْضٌ ، فَمَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : هِيَ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ .
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : إنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْك ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك ؟ فَعَلَّمَ الصَّلَاةَ وَوَقْتَهَا ، فَتَعَيَّنَا كَيْفِيَّةً وَوَقْتًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : مَنْ آلِ مُحَمَّدٍ ؟ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَجُمْلَتُهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ أَتْبَاعُهُ الْمُتَّقُونَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ هُمْ أَهْلُهُ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ : { صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ } .
وَقَالَ فِي آخَرَ : { وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ } .
فَتَارَةً فَسَّرَهُ بِالذُّرِّيَّةِ وَالْأَزْوَاجِ ، وَتَارَةً أَطْلَقَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ : وَهِيَ مُشْكِلَةٌ جِدًّا ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَلُ مِنْ إبْرَاهِيمَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ يَطْلُبُ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ رُتْبَتَهُ ؟ وَفِي ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٌ كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا عَشْرَةٌ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ بِمَرْتَبَتِهِ ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَأَزْوَاجِهِ ، لِتَتِمَّ عَلَيْهِمْ النِّعْمَةُ ، كَمَا تَمَّتْ عَلَيْهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ كُلُّ مَنْ اتَّبَعَهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ مُضَاعَفًا لَهُ ، حَتَّى يَكُونَ لِإِبْرَاهِيمَ بِالْأَصْلِ ، وَلَهُ بِالْمُضَاعَفَةِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ لِتَدُومَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ ذَلِكَ لَهُ بِدُعَاءِ أُمَّتِهِ ، تَكْرِمَةً لَهُمْ وَنِعْمَةً عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُكَرَّمَ رَسُولُهُمْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ .
السَّابِعُ : أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ لَهُمْ لِيُثَابُوا عَلَيْهِ .
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا } .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى لَهُ ذَلِكَ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخَرِينَ .
التَّاسِعُ : أَنَّ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ رَحْمَةً فِي الْعَالَمِينَ يَبْقَى بِهَا دِينُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
الْعَاشِرُ : أَنَّ مَعْنَاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ صَلَاةً تَتَّخِذُهُ بِهَا خَلِيلًا ، كَمَا اتَّخَذْت إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا .
قَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِصَلَاتِهِ وَصَلَاةِ أُمَّتِهِ كَمَا غُفِرَ لَهُمْ بِشَرْطِ اسْتِغْفَارِهِ ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ ، ثُمَّ كَانَ يُدِيمُ الِاسْتِغْفَارَ ، لِيَأْتِيَ بِالشَّرْطِ الَّذِي غُفِرَ لَهُ .
وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَقْوَالِ ، وَتَحْقِيقٌ فِيهَا لِمَا يَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتِك وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ { أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مُخْتَرِمَةٍ بَيْنَ أَعْلَاجٍ قَائِمَةٍ بِسُوقِ بَعْضِ السِّلَعِ ، فَجَلَدَهَا ، فَانْطَلَقَتْ حَتَّى أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَلَدَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ رَآهُ مِنِّي ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى جَلْدِ ابْنَةِ عَمِّك ؟ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهَا ، فَقَالَ : وَابْنَةُ عَمِّي هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْكَرْتهَا إذْ لَمْ أَرَ عَلَيْهَا جِلْبَابًا فَظَنَنْتهَا وَلِيدَةً فَقَالَ النَّاسُ : الْآنَ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا .
قَالَ عُمَرُ : وَمَا نَجِدُ لِنِسَائِنَا جَلَابِيبَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتِك وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ } } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِلْبَابِ عَلَى أَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ ، عِمَادُهَا أَنَّهُ الثَّوْبُ الَّذِي يُسْتَرُ بِهِ الْبَدَنُ ، لَكِنَّهُمْ نَوَّعُوهُ هَاهُنَا ، فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ الرِّدَاءُ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الْقِنَاعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ } قِيلَ : مَعْنَاهُ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا فَوْقَ خِمَارِهَا .
وَقِيلَ : تُغَطِّي بِهِ وَجْهَهَا حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهَا إلَّا عَيْنُهَا الْيُسْرَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي تَنْوِيعِهِ أَنَّهُمْ رَأَوْا السِّتْرَ وَالْحِجَابَ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ ، وَجَاءَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، وَاقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرِينَةُ
=================================ج19.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الَّتِي بَعْدَهُ ، وَهِيَ مِمَّا تُبَيِّنُهُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ } .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِتَارِ ، فَدَلَّ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَمْيِيزَهُنَّ عَلَى الْإِمَاءِ اللَّاتِي يَمْشِينَ حَاسِرَاتٍ ، أَوْ بِقِنَاعٍ مُفْرَدٍ ، يَعْتَرِضُهُنَّ الرِّجَالُ فَيَتَكَشَّفْنَ ، وَيُكَلِّمْنَهُنَّ ؛ فَإِذَا تَجَلْبَبَتْ وَتَسَتَّرَتْ كَانَ ذَلِكَ حِجَابًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَعَرِّضِ بِالْكَلَامِ ، وَالِاعْتِمَادُ بِالْإِذَايَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ .
قَالَ قَتَادَةُ : كَانَتْ الْأَمَةُ إذَا مَرَّتْ تَنَاوَلَهَا الْمُنَافِقُونَ بِالْإِذَايَةِ ، فَنَهَى اللَّهُ الْحَرَائِرَ أَنْ يَتَشَبَّهْنَ بِالْإِمَاءِ ؛ لِئَلَّا يَلْحَقَهُنَّ مِثْلُ تِلْكَ الْإِذَايَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَضْرِبُ الْإِمَاءَ عَلَى التَّسَتُّرِ وَكَثْرَةِ التَّحَجُّبِ ، وَيَقُولُ : أَتَتَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ ؟ وَذَلِكَ مِنْ تَرْتِيبِ أَوْضَاعِ الشَّرِيعَةِ بَيِّنٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ الثَّابِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا سَتِيرًا حَيِيًّا مَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَقَالُوا : مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ ، إمَّا بَرَصٌ ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ ، وَإِمَّا آفَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا ، وَإِنَّ مُوسَى خَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ ، وَوَضَعَهَا عَلَى حَجَرٍ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ .
فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا ، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ ، فَطَلَبَ الْحَجَرَ ؛ فَجَعَلَ يَقُولُ : ثَوْبِي ، حَجَرٌ ؛ ثَوْبِي ، حَجَرٌ ، حَتَّى انْتَهَى إلَى مَلَإٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا ، وَأَبْرَأَهُمْ مِمَّا كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ .
قَالَ : وَقَامَ إلَى الْحَجَرِ ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ ، وَطَفِقَ مُوسَى بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ ، فَوَاَللَّهِ إنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ عَصَاهُ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى } .
فَهَذِهِ إذَايَةٌ فِي بَدَنِهِ } .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَنْثُورِ : أَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ صَعِدَا الْجَبَلَ فَمَاتَ هَارُونُ ، فَقَالَ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : أَنْتَ قَتَلْته ، وَكَانَ أَلْيَنَ لَنَا مِنْك ، وَأَشَدَّ حُبًّا ؛ فَآذَوْهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلْته ، فَمَرُّوا بِهِ عَلَى مَجَالِسِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَتَكَلَّمَتْ الْمَلَائِكَةُ بِمَوْتِهِ ، فَمَا عَرَفَ مَوْضِعَ قَبْرِهِ إلَّا الرَّخَمُ ، وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ أَصَمَّ أَبْكَمَ ، وَهَذِهِ
إذَايَةٌ فِي الْعِرْضِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا النَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ فِي إذَايَةِ نَبِيِّهِمْ مُوسَى : وَفِيهِ تَحْقِيقُ الْوَعْدِ بِقَوْلِهِ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ } .
وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَوَقَعَ النَّهْيُ ، تَكْلِيفًا لِلْخَلْقِ ، وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَعَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ تَحْقِيقًا لِلْمُعْجِزَةِ ، وَتَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَنْفِيذًا لِحُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، وَرَدًّا عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيَ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ الْعَرْضِ : وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي ذِكْرِ الْأَمَانَةِ : وَفِيهَا اخْتِلَاطُ كَثِيرٍ مِنْ الْقَوْلِ ، لُبَابُهُ فِي عَشْرَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ ؛ قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْفَرَائِضُ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا أَمَانَةُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمَرْأَةِ ؛ قَالَهُ أُبَيٌّ .
الرَّابِعُ : أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الرَّحِمَ عِنْدَ آدَمَ أَمَانَةً .
الْخَامِسُ : أَنَّهَا الْخِلَافَةُ .
السَّادِسُ : أَنَّهَا الْجَنَابَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
السَّابِعُ : أَنَّهَا أَمَانَةُ آدَمَ قَابِيلَ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ، فَقَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ .
الثَّامِنُ : أَنَّهَا وَدَائِعُ النَّاسِ .
التَّاسِعُ : أَنَّهَا الطَّاعَةُ .
الْعَاشِرُ : أَنَّهَا التَّوْحِيدُ .
فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ ، تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : التَّوْحِيدُ : فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْعَبْدِ ، وَخَفِيَ فِي الْقَلْبِ ، لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ } .
ثَانِيهِمَا : قِسْمُ الْعَمَلِ : وَهُوَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِيعَةِ ، وَكُلُّهَا أَمَانَةٌ تَخْتَصُّ بِتَأْكِيدِ الِاسْمِ فِيهَا .
وَالْمَعْنَى مَا كَانَ خَفِيًّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ ، فَأَخْفَاهُ أَحَقُّهُ بِالْحِفْظِ ، وَأَخْفَاهُ أَلْزَمُهُ بِالرِّعَايَةِ وَأَوْلَاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : تَخْتَصُّ بِالْأَحْكَامِ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ : ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : الْوَدَائِعُ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا ، وَأَوْضَحْنَا وَجْهَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا ، وَهَلْ تُقَابَلُ بِخِيَانَةٍ أَمْ لَا ؟ الثَّانِي : أَمَانَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى حَيْضِهَا وَحَمْلِهَا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الثَّالِثُ : الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ ، وَهُمَا أَمَانَتَانِ عَظِيمَتَانِ لَا يَعْلَمُهُمَا إلَّا اللَّهُ ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ ؛ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَهُوَ يَجْزِي بِهِ حَسْبَمَا وَرَدَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الطَّهَارَةَ لَمَّا كَانَتْ خَفِيَّةً لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا إذَا صَلَّى إمَامٌ بِقَوْمٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ مُحْدِثٌ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَحْدَهُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ أَوْ طَهَارَتَهُ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا تُعْلَمُ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ ، وَاجْتِهَادٍ فِي النَّظَرِ ؛ لَيْسَ بِنَصٍّ وَلَا يَقِينٍ ، وَقَدْ أُدِّيَتْ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ بِاجْتِهَادٍ ؛ وَلَا يَنْقُضُ بِاجْتِهَادٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِلْحَدِيثِ غَيْرَ صَحِيحٍ ، وَهُوَ أَيْضًا نَاسٍ فِيهِ ؛ إذْ هُوَ غَيْرُ مُحَقِّقٍ لَهُ حَتَّى بَالَغُوا فِي ذَلِكَ النَّظَرِ ، وَاسْتَوْفَوْا فِيهِ الْحَقَّ ، فَقَالُوا : إنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ : صَلَّيْت بِكُمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً مُتَعَمِّدًا لِتَرْكِ الطَّهَارَةِ مَا اسْتَقْبَلْت فِيهَا قِبْلَةً بِوُضُوءٍ ، وَلَا اغْتَسَلْت عَنْ جَنَابَةٍ ، ذَنْبًا ارْتَكَبْته ؛ وَسَيِّئَةً اجْتَرَمَتْهَا ، وَأَنَا مِنْهَا تَائِبٌ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِمَّنْ صَلَّى وَرَاءَهُ إعَادَةٌ ؛ وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ ، وَهَذَا كَذِبٌ لِعِلَّةٍ أَوْ حِيلَةٍ أَوْ لِتَهَوُّرٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
سُورَةُ سَبَأٍ [ مَكِّيَّةٌ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } .
[ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { فَضْلًا } : فِيهِ ] أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ : النُّبُوَّةُ .
الثَّانِي : الزَّبُورُ .
الثَّالِثُ : حُسْنُ الصَّوْتِ .
الرَّابِعُ : تَسْخِيرُ الْجِبَالِ وَالنَّاسِ .
الْخَامِسُ : التَّوْبَةُ .
السَّادِسُ : الزِّيَادَةُ فِي الْعُمْرِ .
السَّابِعُ : الطَّيْرُ .
الثَّامِنُ : الْوَفَاءُ بِمَا وُعِدَ .
التَّاسِعُ : حُسْنُ الْخُلُقِ .
الْعَاشِرُ : الْحُكْمُ بِالْعَدْلِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : تَيْسِيرُ الْعِبَادَةِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ : الْعِلْمُ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا } .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقُوَّةُ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُد ذَا الْأَيْدِ إنَّهُ أَوَّابٌ } .
الرَّابِعَ عَشَرَ : قَوْلُهُ : { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } .
وَالْمُرَادُ هَاهُنَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَقْوَالِ حُسْنُ الصَّوْتِ ؛ فَإِنَّ سَائِرَهَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ فِي كِتَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْمُشْكِلَيْنِ .
وَكَانَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَا صَوْتٍ حَسَنٍ وَوَجْهٍ حَسَنٍ ، وَلَهُ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : لَقَدْ أُوتِيت مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } ، وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَفِيهِ دَلِيلُ الْإِعْجَابِ بِحُسْنِ الصَّوْتِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ أَوْ جَمَلِهِ وَهِيَ تَسِيرُ بِهِ ، وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ أَوْ مِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ قِرَاءَةً لَيِّنَةً وَهُوَ يُرَجِّعُ ، وَيَقُولُ آهٍ } ، وَاسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ وَالتَّرْجِيعِ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ .
وَهُوَ جَائِزٌ { لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَسْمَعُ لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا } ؛ يُرِيدُ لَجَعَلْته لَك أَنْوَاعًا حِسَانًا ، وَهُوَ التَّلْحِينُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّوْبِ الْمُحَبَّرِ ، وَهُوَ الْمُخَطَّطُ بِالْأَلْوَانِ .
وَقَدْ سَمِعْت تَاجَ الْقُرَّاءِ ابْنَ لُفْتَةَ بِجَامِعِ عَمْرٍو يَقْرَأُ : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك } .
فَكَأَنِّي مَا سَمِعْت الْآيَةَ قَطُّ .
وَسَمِعْت ابْنَ الرَّفَّاءِ وَكَانَ مِنْ الْقُرَّاءِ الْعِظَامِ يَقْرَأُ ، وَأَنَا حَاضِرٌ بِالْقَرَافَةِ : فَكَأَنِّي مَا سَمِعْتهَا قَطُّ .
وَسَمِعْت بِمَدِينَةِ السَّلَامِ شَيْخَ الْقُرَّاءِ الْبَصْرِيِّينَ يَقْرَأُ فِي دَارٍ بِهَا الْمَلِكُ : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } فَكَأَنِّي مَا سَمِعْتهَا قَطُّ حَتَّى بَلَغَ إلَى قَوْله تَعَالَى : { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } فَكَأَنَّ الْإِيوَانَ قَدْ سَقَطَ عَلَيْنَا .
وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ كَمَا تَخْضَعُ لِلْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَمَا تَتَأَثَّرُ بِهِ الْقُلُوبُ فِي التَّقْوَى فَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ وَأَقْرَبُ إلَى لِينِ الْقُلُوبِ وَذَهَابِ الْقَسْوَةِ مِنْهَا .
وَكَانَ ابْنُ الْكَازَرُونِيِّ يَأْوِي إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، ثُمَّ تَمَتَّعْنَا بِهِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ ، وَلَقَدْ كَانَ يَقْرَأُ فِي مَهْدِ عِيسَى فَيُسْمَعُ مِنْ الطُّورِ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا طُولَ قِرَاءَتِهِ إلَّا الِاسْتِمَاعَ إلَيْهِ .
وَكَانَ صَاحِبُ مِصْرَ الْمُلَقَّبُ بِالْأَفْضَلِ قَدْ دَخَلَهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَحَوَّلَهَا عَنْ
أَيْدِي الْعَبَّاسِيَّةِ ، وَهُوَ حَنَقَ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا بِحِصَارِهِ لَهُمْ وَقِتَالِهِمْ لَهُ ، فَلَمَّا صَارَ فِيهَا ، وَتَدَانَى بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مِنْهَا ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَصَدَّى لَهُ ابْنُ الْكَازَرُونِيِّ ، وَقَرَأَ : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِك الْخَيْرُ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فَمَا مَلَكَ نَفْسَهُ حِينَ سَمِعَهُ أَنْ قَالَ لِلنَّاسِ عَلَى عِظَمِ ذَنْبِهِمْ عِنْدَهُ ، وَكَثْرَةِ حِقْدِهِ عَلَيْهِمْ : { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
وَالْأَصْوَاتُ الْحَسَنَةُ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَزِيَادَةٌ فِي الْخَلْقِ وَمِنَّةٌ .
وَأَحَقُّ مَا لُبِّسَتْ هَذِهِ الْحُلَّةُ النَّفِيسَةُ وَالْمَوْهِبَةُ الْكَرِيمَةُ كِتَابُ اللَّهِ ؛ فَنِعَمُ اللَّهِ إذَا صُرِفَتْ فِي الطَّاعَةِ فَقَدْ قُضِيَ بِهَا حَقُّ النِّعْمَةِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْمِحْرَابُ : هُوَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ الْمُمْتَنِعُ ، وَمِنْهُ يُسَمَّى الْمِحْرَابُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُهُ ، أَنْشَدَ فَقِيهُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَطَاءٌ الصُّوفِيُّ : جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالْخُضُوعَ لِرَبِّهِ مَا أَحْسَنَ الْمِحْرَابَ فِي الْمِحْرَابِ وَالْجِفَانُ أَكْبَرُ الصِّحَافِ قَالَ الشَّاعِرُ : يَا جَفْنَةً بِإِزَاءِ الْحَوْضِ قَدْ كُفِئَتْ وَمَنْطِقًا مِثْلَ وَشْيِ الْبُرْدَةِ الْخَضِرِ وَالْجَوَابِي جَمْعُ جَابِيَةٍ ، وَهِيَ الْحَوْضُ الْعَظِيمُ الْمَصْنُوعُ قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ جَفْنَةً : كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ الْعِرَاقِيِّ تَفْهَقُ { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } يَعْنِي ثَابِتَاتٍ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ شَاهَدْت مِحْرَابَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِنَاءً عَظِيمًا مِنْ حِجَارَةٍ صَلْدَةٍ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، طُولُ الْحَجَرِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَعَرْضُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا ، وَكُلَّمَا قَامَ بِنَاؤُهُ صَغُرَتْ حِجَارَتُهُ ، وَيُرَى لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْوَارٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي السَّحَابِ أَيَّامَ الشِّتَاءِ كُلَّهَا لَا يَظْهَرُ لِارْتِفَاعِ مَوْضِعِهِ وَارْتِفَاعُهُ فِي نَفْسِهِ ، لَهُ بَابٌ صَغِيرٌ وَمَدْرَجَةٌ عَرِيضَةٌ ، وَفِيهِ الدُّورُ وَالْمَسَاكِنُ ، وَفِي أَعْلَاهُ الْمَسْجِدُ ، وَفِيهِ كُوَّةٌ شَرْقِيَّةٌ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي قَدْرِ الْبَابِ ، وَيَقُولُ النَّاسُ : إنَّهُ تَطَلَّعَ مِنْهَا عَلَى الْمَرْأَةِ حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْحَمَامَةُ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي هَدْمِهِ حِيلَةٌ ، وَفِيهِ نَجَا مَنْ نَجَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حِينَ دَخَلَهَا الرُّومُ حَتَّى صَالَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ أَسْلَمُوهُ إلَيْهِمْ ، عَلَى أَنْ يَسْلَمُوا فِي رِقَابِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ ، وَتَخَلَّوْا لَهُمْ عَنْهُ .
وَرَأَيْت فِيهِ غَرِيبَةَ
الدَّهْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ثَائِرًا ثَارَ بِهِ عَلَى وَالِيهِ ، وَامْتَنَعَ فِيهِ بِالْقُوتِ ، فَحَصَرَهُ ، وَحَاوَلَ قِتَالَهُ بِالنُّشَّابِ مُدَّةً ، وَالْبَلَدُ عَلَى صِغَرِهِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى حَالِهِ ، مَا أُغْلِقَتْ لِهَذِهِ الْفِتْنَةِ سُوقٌ ، وَلَا سَارَ إلَيْهَا مِنْ الْعَامَّةِ بَشَرٌ ، وَلَا بَرَزَ لِلْحَالِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مُعْتَكِفٌ ، وَلَا انْقَطَعَتْ مُنَاظَرَةٌ ، وَلَا بَطَلَ التَّدْرِيسُ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَسْكَرِيَّةُ قَدْ تَفَرَّقَتْ فِرْقَتَيْنِ يَقْتَتِلُونَ ، وَلَيْسَ عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ لِذَلِكَ حَرَكَةٌ ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُ هَذَا فِي بِلَادِنَا لَاضْطَرَمَتْ نَارُ الْحَرْبِ فِي الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ ، وَلَانْقَطَعَتْ الْمَعَايِشُ .
وَغُلِّقَتْ الدَّكَاكِينُ ، وَبَطَلَ التَّعَامُلُ لِكَثْرَةِ فُضُولِنَا وَقِلَّةِ فُضُولِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَمَاثِيلَ } ، وَاحِدَتُهَا تِمْثَالٌ ، وَهُوَ بِنَاءٌ غَرِيبٌ ؛ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى " تِفْعَالٍ " قَلِيلَةٌ مُنْحَصِرَةٌ ؛ جِمَاعُهَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ ، أَخْبَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ رَزِيَّةَ ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ قَالَ : رَجُلٌ تِكْلَامٌ : كَثِيرُ الْكَلَامِ وَتِلْقَامٌ : كَثِيرُ اللُّقَمِ ، وَرَجُلٌ تِمْسَاحٌ : كَذَّابٌ ، وَنَاقَةٌ تِضْرَابٌ : قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِالضِّرَابِ ، وَالتِّمْرَادُ : بَيْتٌ صَغِيرٌ لِلْحَمَامِ .
وَتِلْفَاقٌ .
ثَوْبَانِ يُخَاطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ .
وَالتِّجْفَافُ : مَعْرُوفٌ .
وَتِمْثَالٌ : مَعْرُوفٌ .
وَتِبْيَانٌ : مِنْ الْبَيَانِ وَتِلْقَاءَ : قُبَالَتَك وَتِهْوَاءَ مِنْ اللَّيْلِ : قِطْعَةٌ .
وَتِعْشَارٌ : مَوْضِعٌ .
وَرَجُلٌ تِنْبَالٌ : قَصِيرٌ .
وَتِلْعَابٌ : كَثِيرُ اللَّعِبِ .
وَتِقْصَارٌ : قِلَادَةٌ .
فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ مِثَالًا .
فَلَمَّا قَرَأْت إصْلَاحَ الْمَنْطِقِ بِبَغْدَادَ عَلَى الشَّيْخِ الْأَجَلِّ الْخَطِيبِ رَئِيسِ اللُّغَةِ وَخَازِنِ دَارِ الْعِلْمِ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ التَّبْرِيزِيِّ قَالَ لِي : كُنْت أَقْرَأُ خُطَبَ ابْنِ نَبَاتَةَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْعَرَبِيِّ اللُّغَوِيِّ الْفَرَائِضِيِّ فَوَصَلْت إلَى قَوْلِهِ : وَتِذْكَارُهُمْ تُوَاصِلُ مَسِيلَ الْعَبَرَاتِ ، وَقَرَأْته بِخَفْضِ التَّاءِ فَرَدَّ عَلَيَّ ، وَقَالَ وَتَذْكَارُهُمْ بِفَتْحِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تِفْعَالٌ إلَّا التِّلْقَاءَ وَإِلَّا التِّبْيَانَ ، وَتِعْشَارٌ وَتِنْزَالٌ مَوْضِعَانِ ، وَتِقْصَارٌ : قِلَادَةٌ .
قَالَ لِي التَّبْرِيزِيُّ : ثُمَّ قَرَأْت خُطَبَ ابْنِ نَبَاتَةَ عَلَى بَعْضِ أَشْيَاخِي ، فَلَمَّا وَصَلْت إلَى اللَّفْظِ وَذَكَرْت لَهُ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ لِي : اُكْتُبْ مَا أَمَلِي عَلَيْك .
فَأَمْلَى عَلَيَّ : الْأَشْيَاءُ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى تِفْعَالٍ ضَرْبَانِ : مَصَادِرُ وَأَسْمَاءٌ ؛ فَأَمَّا الْمَصَادِرُ فَالتِّلْقَاءُ وَالتِّبْيَانُ ؛ وَهُمَا فِي الْقُرْآنِ .
وَالْأَسْمَاءُ : رَجُلٌ
تِنْبَالٌ : أَيْ قَصِيرٌ .
وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ التَّاءَ فِي تِنْبَالٍ أَصْلِيَّةٌ فَيَكُونُ وَزْنُهُ فِعْلَالًا .
وَذَكَرَ مَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَزَادَ التِّنْضَالُ مِنْ الْمُنَاضَلَةِ والتِّيغَارُ حَبٌّ مَقْطُوعٌ يَزِيدُ فِي الْخَابِيَةِ ، وَتِرْيَاعٌ : مَوْضِعٌ ، وَالتِّرْبَانُ وَتِرْغَامٌ اسْمُ شَاعِرٍ ، وَيُقَالُ جَاءَ لِتِنْفَاقِ الْهِلَالِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ، وَالتِّمْتَانُ وَاحِدُ التِّمْتَانَيْنِ ، وَهِيَ خُيُوطٌ تُضْرَبُ بِهَا الْفُسْطَاطُ .
وَرَجُلٌ تِمْزَاحٌ كَثِيرُ الْمُزَاحِ ، وَالتِّمْسَاحُ الدَّابَّةُ الْمَعْرُوفَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ التِّمْثَالُ عَلَى قِسْمَيْنِ حَيَوَانٌ وَمَوَاتٌ ، وَالْمَوَاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ : جَمَادٌ وَنَامٍ ، وَقَدْ كَانَتْ الْجِنُّ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ جَمِيعَهُ ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا عُمُومُ قَوْلِهِ : { تَمَاثِيلَ } .
وَالثَّانِي مَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ ، أَصْلُهَا الإسرائليات ؛ لِأَنَّ التَّمَاثِيلَ مِنْ الطَّيْرِ كَانَتْ عَلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا عُمُومَ لِقَوْلِهِ : { تَمَاثِيلَ } فَإِنَّهُ إثْبَاتٌ فِي نَكِرَةٍ ، وَالْإِثْبَاتُ فِي النَّكِرَةِ لَا عُمُومَ لَهُ ؛ إنَّمَا الْعُمُومُ فِي النَّفْيِ فِي النَّكِرَةِ حَسْبَمَا قَرَرْتُمُوهُ فِي الْأُصُولِ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ نَقُولُ ، بَيْدَ أَنَّهُ قَدْ اُقْتُرِنَ بِهَذَا الْإِثْبَاتِ فِي النَّكِرَةِ مَا يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { مَا يَشَاءُ } فَاقْتِرَانُ الْمَشِيئَةِ بِهِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ لَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ شَاءَ عَمَلَ الصُّوَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؟ قُلْنَا : لَمْ يَرِدْ أَنَّهُ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهَا فِي شَرْعِهِ ، بَلْ وَرَدَ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَأْذُونًا فِيهِ ، وَاَلَّذِي أُوجِبَ النَّهْيَ عَنْهُ فِي شَرْعِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ، فَكَانُوا يُصَوِّرُونَ وَيَعْبُدُونَ ، فَقَطَعَ اللَّهُ الذَّرِيعَةَ وَحَمَى الْبَابَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ حِينَ ذَمَّ الصُّوَرَ وَعَمَلَهَا مِنْ الصَّحِيحِ قَوْلَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللَّهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ } ؛ فَعَلَّلَ بِغَيْرِ مَا زَعَمْتُمْ .
قُلْنَا : نُهِيَ عَنْ الصُّورَةِ ، وَذَكَرَ عِلَّةَ التَّشْبِيهِ بِخَلْقِ اللَّهِ ، وَفِيهَا زِيَادَةُ عِلَّةِ عِبَادَتِهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ نَفْسَ عَمَلِهَا مَعْصِيَةٌ ، فَمَا ظَنُّك بِعِبَادَتِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ شَأْنُ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أُنَاسًا ، ثُمَّ
صُوِّرُوا بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَعُبِدُوا .
وَقَدْ شَاهَدْت بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة إذَا مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ صَوَّرُوهُ مِنْ خَشَبٍ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، وَأَجْلَسُوهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ بَيْتِهِ وَكَسَوْهُ بِزَّتَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا وَحِلْيَتَهَا إنْ كَانَتْ امْرَأَةً ، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِ الْبَابَ .
فَإِذَا أَصَابَ أَحَدًا مِنْهُمْ كَرْبٌ أَوْ تَجَدَّدَ لَهُ مَكْرُوهٌ فَتَحَ الْبَابَ [ عَلَيْهِ ] وَجَلَسَ عِنْدَهُ يَبْكِي وَيُنَاجِيهِ بِكَانَ وَكَانَ حَتَّى يَكْسِرَ سَوْرَةَ حُزْنِهِ بِإِهْرَاقِ دُمُوعِهِ ، ثُمَّ يُغْلِقُ الْبَابَ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفُ عَنْهُ ، وَإِنْ تَمَادَى بِهِمْ الزَّمَانُ يَعْبُدُوهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إنْ قُلْنَا : إنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا لَا تَلْزَمُنَا فَلَيْسَ يُنْقَلُ عَنْ ذَلِكَ حُكْمٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فَيَكُونُ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصُّوَرِ نَسْخًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي قِسْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قَبْلَ هَذَا .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الَّذِي كَانَ يُصْنَعُ لَهُ الصُّوَرُ الْمُبَاحَةُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ وَصُورَتِهِ فَشَرْعُنَا وَشَرْعُهُ وَاحِدٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِ مَا كَانَ شَخْصًا لَا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، لُبَابُهُ أَنَّ أُمَّهَاتِ الْأَحَادِيثِ خَمْسُ أُمَّهَاتٍ : الْأُمُّ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ ، أَوْ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا .
وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ صُورَةٍ .
الْأُمُّ الثَّانِيَةُ رُوِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ } زَادَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ : { إلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ } وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ نَحْوُهُ ، فَقُلْت لِعَائِشَةَ : هَلْ سَمِعْت هَذَا ؟ فَقَالَتْ : لَا ؛
وَسَأُحَدِّثُكُمْ ؛ { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ فَأَخَذْت نَمَطًا فَنَشَرْته عَلَى الْبَابِ ، فَلَمَّا قَدِمَ وَرَأَى النَّمَطَ عَرَفْت الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ ، وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ .
قَالَتْ : فَقَطَعْت مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ وَحَشَوْتهمَا لِيفًا فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيَّ } .
الْأُمُّ الثَّالِثَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالٌ طَائِرٌ ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوِّلِي هَذَا فَإِنِّي كُلَّمَا رَأَيْته ذَكَرْت الدُّنْيَا } .
الْأُمُّ الرَّابِعَةُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَةٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ خَلْقَ اللَّهِ .
قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَطَّعْته ، فَجَعَلْت مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ } .
الْأُمُّ الْخَامِسَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ لَنَا ثَوْبٌ مَمْدُودٌ عَلَى سَهْوَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي إلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَخِّرِيهِ عَنِّي ، فَجَعَلْت مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ ؛ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا } .
وَفِي رِوَايَةٍ فِي حَدِيثِ النُّمْرُقَةِ قَالَتْ : { اشْتَرَيْتهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا ؛ فَقَالَ : إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ } .
قَالَ الْقَاضِي : فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الصُّوَرَ مَمْنُوعَةٌ عَلَى الْعُمُومِ ، ثُمَّ جَاءَ : إلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ، فَخُصَّ مِنْ جُمْلَةِ الصُّوَرِ ، ثُمَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ فِي الثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ : أَخِّرِيهِ عَنِّي ؛ فَإِنِّي كُلَّمَا رَأَيْته ذَكَرْت
الدُّنْيَا فَثَبَتَتْ الْكَرَاهَةُ فِيهِ .
ثُمَّ بِهَتْكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّوْبَ الْمُصَوَّرَ عَلَى عَائِشَةَ مَنَعَ مِنْهُ ، ثُمَّ بِقَطْعِهَا لَهَا وِسَادَتَيْنِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ الصُّورَةُ وَخَرَجَتْ عَنْ هَيْئَتِهَا بِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ الصُّورَةُ فِيهِ مُتَّصِلَةَ الْهَيْئَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةَ الْهَيْئَةِ لَمْ يَجُزْ لِقَوْلِهَا فِي النُّمْرُقَةِ الْمُصَوَّرَةِ : اشْتَرَيْتهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا ، فَمَنَعَ مِنْهُ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ ، وَتَبَيَّنَ بِحَدِيثِ الصَّلَاةِ إلَى الصُّورَةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا [ فِي الرَّقْمِ ] فِي الثَّوْبِ ، ثُمَّ نَسَخَهُ الْمَنْعُ ، فَهَكَذَا اسْتَقَرَّ فِيهِ الْأَمْرُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : كَالْجَوْبَةِ مِنْ الْأَرْضِ .
{ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } يَعْنِي لَا تُحْمَلُ وَلَا تُحَرَّكُ لِعِظَمِهَا ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قُدُورُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ يُصْعَدُ إلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِسُلَّمٍ ، وَرَأَيْت بِرِبَاطِ أَبِي سَعِيدٍ قُدُورَ الصُّوفِيَّةِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ يَطْبُخُونَ جَمِيعًا ، وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْثَارِ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَنْ أَحَدٍ ، وَعَنْهَا عَبَّرَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ : كَالْجَوَابِي لَا تَنِي مُتْرَعَةً لِقِرَى الْأَضْيَافِ أَوْ لَلْمُحْتَضَرِ وَقَالَ أَيْضًا : يُجْبَرُ الْمَحْرُوبُ فِيهَا مَالَهُ بِجِفَانٍ وَقِبَابٍ وَخَدَمٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : { اعْمَلُوا آلَ دَاوُد شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ } .
ثُمَّ قَالَ : ثَلَاثٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ آلُ دَاوُد .
قَالَ : فَقُلْنَا : مَا هُنَّ ؟ قَالَ : الْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا ، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ } .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
الثَّالِثُ : الصَّلَاةُ شُكْرٌ ، وَالصِّيَامُ شُكْرٌ ، وَكُلُّ خَيْرٍ يُفْعَلُ لِلَّهِ شُكْرٌ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَقِيقَةُ الشُّكْرِ اسْتِعْمَالُ النِّعْمَةِ فِي الطَّاعَةِ ، وَالْكُفْرَانُ : اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ .
وَقَلِيلٌ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ أَقَلُّ مِنْ الشَّرِّ ، وَالطَّاعَةَ أَقَلُّ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِحَسْبِ سَابِقِ التَّقْدِيرِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { يُخْلِفُهُ } يَعْنِي يَأْتِي بِثَانٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ ، وَمِنْهُ الْخِلْفَةُ فِي النَّبَاتِ .
وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ .
فَقَالَ : لَا .
بَلْ أَنَا الْخَالِفَةُ بَعْدَهُ .
[ قَالَ ثَعْلَبٌ : يُرِيدُ بِالْقَاعِدِ بَعْدَهُ ] ، وَالْخَالِفَةُ الَّذِي يَسْتَخْلِفُهُ الرَّئِيسُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَعْنَى الْخَلَفِ هَاهُنَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : يُخْلِفُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا ، كَمَا يُجِيبُ الدُّعَاءَ إذَا شَاءَ .
الثَّانِي يُخْلِفُهُ بِالثَّوَابِ .
الثَّالِثُ : مَعْنَى يُخْلِفُهُ ، فَهُوَ أَخْلَفَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا عِنْدَ الْعَبْدِ مِنْ خَلَفِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ .
رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك } .
وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَلَفَ فِي الدُّنْيَا بِمِثْلِ الْمُنْفِقِ بِهَا إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَهُوَ كَالدُّعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ ؛ إمَّا أَنْ تُقْضَى حَاجَتُهُ ، وَكَذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ يُعَوَّضُ مِثْلَهُ وَأَزْيَدَ ، وَإِمَّا أَنْ يُعَوَّضَ ، وَالتَّعْوِيضُ هَاهُنَا بِالثَّوَابِ ، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ ، وَالِادِّخَارُ هَاهُنَا مِثْلُهُ فِي الْآخِرَةِ .
سُورَةُ فَاطِرٍ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَاَلَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي قَوْلِهِ : { يَصْعَدُ } ؛ وَالصُّعُودُ هُوَ الْحَرَكَةُ إلَى فَوْقَ ، وَهُوَ الْعُرُوجُ أَيْضًا .
وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّهُ عَرْضٌ ، وَلَكِنْ ضَرَبَ صُعُودَهُ مَثَلًا لِقَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الثَّوَابِ فَوْقَ ، وَمَوْضِعَ الْعَذَابِ أَسْفَلَ .
وَالصُّعُودُ رِفْعَةٌ وَالنُّزُولُ هَوَانٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ التَّوْحِيدُ الصَّادِرُ عَنْ عَقِيدَةٍ طَيِّبَةٍ .
الثَّانِي : مَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ .
الثَّالِثُ : مَا لَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ فِيهِ حَظٌّ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ } : هُوَ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { يَرْفَعُهُ } : قِيلَ الْفَاعِلُ فِي يَرْفَعُهُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ أَيْ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ ، كَمَا أَنَّهُ إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ .
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي يُصْعِدُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ، وَقَدْ قَالَ السَّلَفُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَهُمَا صَحِيحَانِ .
فَالْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّافِعُ الْخَافِضُ .
وَالثَّانِي مَجَازٌ ؛ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ سَائِغٌ .
وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمَرْءِ بِذِكْرِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ لَمْ يَنْفَعْ ؛ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَهُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِ .
وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ إذَا وَقَعَ شَرْطًا فِي الْقَوْلِ أَوْ مُرْتَبِطًا بِهِ فَإِنَّهُ لَا قَبُولَ لَهُ إلَّا بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ وَلَا مُرْتَبِطًا بِهِ فَإِنَّ كَلِمَهُ الطَّيِّبَ يُكْتَبُ لَهُ ، وَعَمَلُهُ الصَّالِحُ يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، وَتَقَعُ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يُحْكَمُ لَهُ بِالْفَوْزِ وَالرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : { إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِعُمُومٍ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ .
وَقَدْ دَخَلَ هَذَا فِي الصَّلَاةِ بِشُرُوطِهَا ، فَلَا يَقْطَعُهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا بِثُبُوتِ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ مَا انْعَقَدَتْ بِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ .
وَقَدْ تَعَلَّقَ مَنْ رَأَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ مُتَعَارِضَةٌ فَتَبْقَى الصَّلَاةُ عَلَى صِحَّتِهَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي طَعَامِ الْبَحْرِ وَحِلْيَتِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَالنَّحْلِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .
سُورَةُ يس [ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يس } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَكَذَا كُتِبَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي سَطَّرْنَاهَا الْآنَ ، وَهِيَ فِي الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ قَوْلُهُ : { ق } وَثَبَتَ قَوْلُهُ : { ن وَالْقَلَمِ } ؛ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى التَّهَجِّي ، فَيُقَالُ فِيهِ يَاسِين ، وَلَا قِيلَ قَافْ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، وَلَا نُونْ وَالْقَلَمِ ، وَلَوْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لَقُلْت فِيهَا قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : إنَّ قَافَ جَبَلٌ ، وَإِنَّ نُونَ الْحُوتُ أَوْ الدَّوَاةُ ؛ فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ وَالصَّحَابَةَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كَتْبَ الْقُرْآنِ كَتَبُوهَا مُطْلَقَةً لِتَبْقَى تَحْتَ حِجَابِ الْإِخْفَاءِ ، وَلَا يُقْطَعُ عَلَيْهَا بِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي الْمُحْتَمَلَةِ ؛ فَإِنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهَا إنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلِ خَبَرٍ ؛ إذْ لَيْسَ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا هَلْ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ يس ؟ قَالَ : مَا أَرَاهُ يَنْبَغِي ، لِقَوْلِ اللَّهِ : { يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } يَقُولُ : هَذَا اسْمِي يس .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يس يَا إنْسَانُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ، وَقَوْلُك يَا طَهَ : يَا رَجُلُ .
وَعَنْهُ رِوَايَةُ أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كُنِيَ بِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ يَا يس أَيْ يَا سَيِّدُ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمَّانِي اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةَ أَسْمَاءٍ : مُحَمَّدًا ، وَأَحْمَدَ ، وَطَه ، وَيس ، وَالْمُزَّمِّلَ وَالْمُدَّثِّرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ ، وَقَدْ جَمَعْنَا أَسْمَاءَهُ مِنْ الْقُرْآنِ
وَالسُّنَّةِ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ : لَا يُسَمَّى أَحَدٌ يس ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ كَلَامٌ بَدِيعٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَمَّى بِاسْمِ اللَّهِ إذَا كَانَ فِيهِ مَعْنًى مِنْهُ ، كَقَوْلِهِ : عَالِمٌ ، وَقَادِرٌ ، وَمُرِيدٌ ، وَمُتَكَلِّمٌ ؛ وَإِنَّمَا مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِهَذَا ، لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ ، فَرُبَّمَا كَانَ مَعْنَاهُ يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّبُّ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إذَا كَانَ لَا يَعْرِفُ هَلْ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْبَارِي فَيُقَدَّمُ عَلَى خَطَرٍ مِنْهُ ، فَاقْتَضَى النَّظَرُ رَفْعَهُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { سَلَامٌ عَلَى إلْ يَاسِينَ } .
قُلْنَا : ذَلِكَ مَكْتُوبٌ بِهِجَاءٍ فَيَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَالِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُبِينٍ } .
فِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ مَنَازِلُ الْأَنْصَارِ بَعِيدَةً مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إلَى الْمَسْجِدِ ، فَنَزَلَتْ : { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ } فَقَالُوا : نَثْبُتُ مَكَانَنَا .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا بَنِي سَلِمَةَ ، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَنِي سَلِمَةَ ؛ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ ؛ يَعْنِي الْزَمُوا دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ لَكُمْ آثَارُكُمْ } ، أَيْ خُطَاكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً ، وَحَطَّ بِهَا عَنْهُ خَطِيئَةً ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ، وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَلَامُ الْعَرَبِ عَلَى أَوْضَاعٍ : مِنْهَا الْخُطَبُ ، وَالسَّجْعُ ، وَالْأَرَاجِيزُ ، وَالْأَمْثَالُ ، وَالْأَشْعَارُ { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْصَحَ بَنِي آدَمَ } ، وَلَكِنَّهُ حُجِبَ عَنْهُ الشِّعْرُ ؛ لَمَّا كَانَ اللَّهُ قَدْ ادَّخَرَ مَنْ جَعَلَ فَصَاحَةَ الْقُرْآنِ مُعْجِزَةً لَهُ ، وَدَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ ، لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ وَعَجِيبِ الْفَصَاحَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ أَنْوَاعِ كَلَامِ الْعَرَبِ اللُّسْنِ الْبُلَغَاءِ الْفُصْحِ الْمُتَشَدِّقِينَ اللُّدِّ ، كَمَا سَلَبَ عَنْهُ الْكِتَابَةَ وَأَبْقَاهُ عَلَى حُكْمِ الْأُمِّيَّةِ ، تَحْقِيقًا لِهَذِهِ الْحَالَةِ ، وَتَأْكِيدًا ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } ؛ لِأَجْلِ مُعْجِزَتِهِ الَّتِي بَيَّنَّا أَنَّ صِفَتَهَا مِنْ صِفَتِهِ ، ثُمَّ هِيَ زِيَادَةٌ عُظْمَى عَلَى رُتْبَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ مِنْ أَوْضَاعِنَا فِي الْأُصُولِ وَجْهَ إعْجَازِ الْقُرْآنِ وَخُرُوجِهِ عَنْ أَنْوَاعِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَخُصُوصًا عَنْ وَزْنِ الشِّعْرِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَخُو أَبِي ذَرٍّ لِأَبِي ذَرٍّ : لَقَدْ وَضَعْت قَوْلَهُ عَلَى أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا ، وَلَا دَخَلَ فِي بُحُورِ الْعَرُوضِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ ، وَلَا فِي زِيَادَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبُحُورَ تَخْرُجُ مِنْ خَمْسِ دَوَائِرَ : إحْدَاهَا دَائِرَةُ الْمُخْتَلَفِ يَنْفَكُّ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَبْحُرٍ : وَهِيَ الطَّوِيلُ ، وَالْمَدِيدُ ، وَالْبَسِيطُ ؛ ثُمَّ تَتَشَعَّبُ عَلَيْهَا زِيَادَاتٌ كُلُّهَا مُنْفَكَّةٌ .
الدَّائِرَةُ الثَّانِيَةُ دَائِرَةُ الْمُؤْتَلَفِ يَنْفَكُّ مِنْهَا بَحْرُ الْوَافِرِ ، وَالْكَامِلِ ، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهَا زِيَادَاتٌ لَا تَخْرُجُ عَنْهَا .
الدَّائِرَةُ الثَّالِثَةُ دَائِرَةُ الْمُتَّفَقِ ، وَيَنْفَكُّ مِنْهَا فِي الْأَصْلِ الْهَزَجُ ، وَالرَّجَزُ ، وَالرَّمَلُ ، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهَا مَا يَرْجِعُ إلَيْهَا .
الدَّائِرَةُ الرَّابِعَةُ دَائِرَةُ الْمُجْتَثِّ يَجْرِي عَلَيْهَا سِتَّةُ أَبْحُرٍ : وَهِيَ السَّرِيعُ ، وَالْمُنْسَرِحُ ، وَالْخَفِيفُ ، وَالْمُضَارَعُ ، وَالْمُقْتَضَبُ ، وَالْمُجْتَثُّ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا مَا يَجْرِي مَعَهَا فِي أَفَاعِيلِهَا .
الدَّائِرَةُ الْخَامِسَةُ دَائِرَةُ الْمُنْفَرِدِ ، وَيَنْفَكُّ مِنْهَا عِنْدَ الْخَلِيلِ وَالْأَخْفَشِ بَحْرٌ وَاحِدٌ : وَهُوَ الْمُتَقَارَبُ ، وَعِنْدَ الزَّجَّاجِ بَحْرٌ آخَرُ سَمَّوْهُ الْمُجْتَثُّ وَالْمُتَدَارَكُ وَرَكْضُ الْخَيْلِ .
وَلَقَدْ اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي أَنْ يُجْرُوا الْقُرْآنَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ عَلَى وَزْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْزَانِ فَلَمْ يَقْدِرُوا ، فَظَهَرَ عِنْدَ الْوَلِيِّ وَالْعَدُوِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } .
وَقَالَ : { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } تَحْقِيقٌ فِي نَفْيِ ذَلِكَ عَنْهُ .
وَقَدْ اعْتَرَضَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُصَحَاءِ الْمُلْحِدَةِ عَلَيْنَا فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِأَشْيَاءَ أَرَادُوا بِهَا التَّلْبِيسَ عَلَى الضَّعَفَةِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْت أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } وَقَالُوا : إنَّ هَذَا مِنْ بَحْرِ الْمُتَقَارَبِ ، عَلَى مِيزَانِ قَوْلِهِ : فَأَمَّا تَمِيمٌ تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ فَأَلْفَاهُمْ الْقَوْمُ رُءُوسًا نِيَامًا وَهَذَا إنَّمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْجَاهِلُونَ بِالصِّنَاعَةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُلَائِمُ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ الْآيَةِ قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا ) إلَى قَوْلِهِ ( كُلِّ ) وَإِذَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ .
وَإِذَا أَتْمَمْنَاهُ بِقَوْلِهِ : { شَيْءٍ شَهِيدٌ } خَرَجَ عَنْ وَزْنِ الشِّعْرِ ، وَزَادَ فِيهِ مَا يَصِيرُ بِهِ عَشْرَةَ أَجْزَاءٍ كُلَّهَا عَلَى وَزْنِ فَعُولُنْ ، وَلَيْسَ فِي بُحُورِ الشِّعْرِ مَا يَخْرُجُ الْبَيْتُ مِنْهُ مِنْ عَشْرَةِ أَجْزَاءٍ ، وَإِنَّمَا أَكْثَرُهُ ثَمَانِيَةٌ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ } ادَّعَوْا أَنَّهُ مِنْ بَحْرِ الْوَافِرِ ، وَقَطَّعُوهُ : مَفَاعِيلٌ مَفَاعِيلٌ فَعُولُنْ مَفَاعِيلٌ مَفَاعِيلٌ فَعُولُنْ ؛ وَهُوَ عَلَى وَزْنِ قَوْلِ الْأَوَّلِ : لَنَا غَنَمٌ نَسُوقُهَا غِزَارٌ كَأَنَّ قُرُونَ جَلَّتِهَا الْعِصِيُّ وَعَلَى وَزْنِ قَوْلِ الْآخَرِ : طَوَالُ قَنَا يُطَاعِنُهَا قِصَارُ وَقَطْرُك فِي نَدًى وَوَغًى بِحَارُ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَوْ زِدْت فِيهَا أَلِفًا بِتَمْكِينِ حَرَكَةِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ مُؤْمِنِينَ فَتَقُولُ مُؤْمِنِينَا .
الثَّانِي : أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الرَّوِيِّ بِإِشْبَاعِ حَرَكَةِ الْمِيمِ فِي قَوْلِهِ : { وَيُخْزِهِمْ } وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَى وَجْهِهِ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ } ؛
زَعَمُوا أَنَّهُ مُوَافِقٌ بَحْرَ الرَّجَزِ فِي الْوَزْنِ ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ ، فَإِنْ ضَمَمْت إلَيْهِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْكَلَامُ خَرَجَ عَنْ وَزْنِ الشِّعْرِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } ؛ زَعَمُوا أَنَّهُ مِنْ بَحْرِ الرَّجَزِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ امْرِئِ الْقَيْسِ : رَهِينٌ مُعْجَبٌ بِالْقَيْنَاتِ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا إنَّمَا يَجْرِي عَلَى هَذَا الرَّوِيِّ إذَا زِدْت يَاءً بَعْدَ الْبَاءِ فِي قَوْلِك : كَالْجَوَابِي ، فَإِذَا حَذَفْت الْيَاءَ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَزْنِ شَيْءٍ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ } ؛ فَقَالُوا : هَذِهِ آيَةٌ تَامَّةٌ ، وَهِيَ عَلَى وَزْنِ بَيْتٍ مِنْ الرَّمَلِ ؛ وَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِأَنْ تُحْذَفَ مِنْ قَوْلِك لَا تَسْتَأْخِرُونَ قَوْلُهُ : " لَا تَسْ " وَتُوصِلُ قَوْلَك يَوْمٍ بِقَوْلِك تَأْخِرُونَ ، وَتَقِفُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى النُّونِ مِنْ قَوْلِك تَأْخِرُونَ ، فَتَقُولُ تَأْخِرُونَا بِالْأَلِفِ ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِصْرَاعًا ثَانِيًا ، وَيُتِمُّ الْمِصْرَاعَانِ بَيْتًا مِنْ الرَّمَلِ حِينَئِذٍ ، وَلَوْ قُرِئَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، وَمَتَى قُرِئَتْ الْآيَةُ عَلَى مَا جَاءَتْ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا } .
وَهَذَا مَوْضُوعٌ عَلَى وَزْنِ الْكَامِلِ مِنْ وَجْهٍ ، وَعَلَى رَوِيِّ الرَّجَزِ مِنْ وَزْنٍ آخَرَ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ عَلَيْهِمْ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ يَكُونُ عَلَى وَزْنِ فَعُولٌ ، وَلَيْسَ فِي بَحْرِ الْكَامِلِ وَلَا فِي بَحْرِ الرَّجَزِ فَعُولُنْ بِحَالٍ ، وَمَنْ أَشْبَعَ حَرَكَةَ الْمِيمِ فَلَا يَكُونُ بَيْتًا إلَّا بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ مِنْ دَانِيَةً ، وَإِذَا حُذِفَتْ الْوَاوُ بَطَلَ نَظْمُ الْقُرْآنِ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَك الَّذِي أَنَقَضَ ظَهْرَك وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرَك } زَعَمُوا
أَرْغَمَهُمْ اللَّهُ أَنَّهَا مِنْ بَحْرِ الرَّمَلِ ، وَأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَبْيَاتٍ كُلُّ بَيْتٍ مِنْهَا عَلَى مِصْرَاعٍ ، وَهُوَ مِنْ مَجْزُوِّهِ عَلَى فَاعِلَاتٍ فَاعِلَاتٍ ، وَيَقُومُ فِيهَا فَعِلَاتٌ مَقَامَهُ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا جَاءَ فِي دِيوَانِ الْعَرَبِ بَيْتٌ مِنْ الرَّمَلِ عَلَى جُزْأَيْنِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ تَامَّةٍ كُلُّهَا فَاعِلَاتٌ أَوْ فِعْلَاتٌ ، أَوْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فَاعِلَاتٌ أَوْ فِعْلَاتٌ ؛ فَأَمَّا عَلَى جُزْأَيْنِ كِلَاهُمَا فَاعِلَاتٌ فَاعِلَاتٌ فَلَمْ يَرِدْ قَطُّ فِيهَا ؛ وَكَلَامُهُمْ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى وَزْنِ بَعْضِ بَيْتٍ ، وَهَذَا مِمَّا لَا نُنْكِرُهُ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ آيَةٌ تَامَّةٌ ، أَوْ كَلَامٌ تَامٌّ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى وَزْنِ بَيْتٍ تَامٍّ مِنْ الشِّعْرِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ يَكُونُ الْمَجْزُوءُ وَالْمُرَبَّعُ مِنْ الرَّمَلِ تَارَةً مُصَرَّعًا وَتَارَةً غَيْرَ مُصَرَّعٍ ، فَمَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ مِنْ الْمَجْزُوءِ وَالْمُرَبَّعِ الْمُصَرَّعِ مِنْ الرَّمَلِ .
قُلْنَا : إنَّ الْبَيْتَ مِنْ الْقَصِيدَةِ إنَّمَا يَكُونُ مُصَرَّعًا إذَا كَانَ فِيهِ أَبْيَاتٌ أَوْ بَيْتٌ غَيْرُ مُصَرَّعٍ ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَنْصَافُ أَبْيَاتِهِ كُلُّهَا عَلَى سَجْعٍ وَاحِدٍ وَكُلُّ نِصْفٍ مِنْهَا بَيْتٌ بِرَأْسِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الرَّمَلِ مَا يَكُونُ عَلَى جُزْأَيْنِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ جُزْآنِ ، فَلَمْ يَرِدْ عَلَى شَرْطِ الرَّمَلِ .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { أَرَأَيْت الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَقَعُ فِي أَقْوَالِ الشُّعَرَاءِ إلَّا بِحَذْفِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ : { فَذَلِكَ } وَبِتَمْكِينِ حَرَكَةِ الْمِيمِ مِنْ الْيَتِيمِ ، فَيَكُونُ الْيَتِيمَا .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { إنِّي وَجَدْت امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } .
فَقَوْلُهُ : { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا } بَيْتٌ تَامٌّ ، فَقَدْ بَيَّنَّا
فَسَادَ هَذَا ، وَأَنَّ بَعْضَ آيَةٍ وَجُزْءًا مِنْ كَلَامٍ لَا يَكُونُ شِعْرًا .
فَإِنْ قِيلَ : يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } إتْمَامًا لِلْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى النَّظْمَيْنِ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ قَالَ النَّابِغَةُ : وَهُمْ وَرَدُوا الْجِفَارَ عَلَى تَمِيمٍ وَهُمْ أَصْحَابُ يَوْمِ عُكَاظٍ إنِّي شَهِدْت لَهُمْ مَوَاطِنَ صَالِحَاتٍ أَنَرْتُهُمُ بِنُصْحِ الْقَوْلِ مِنِّي قُلْنَا : التَّضْمِينُ عَلَى عَيْبِهِ إنَّمَا يَكُونُ فِي بَيْتٍ عَلَى تَأْسِيسِ بَيْتٍ قَبْلَهُ ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ التَّأْسِيسُ بَيْتًا وَالتَّضْمِينُ أَقَلَّ مِنْ بَيْتٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشِعْرٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ ، وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ آيَةٍ عَلَى مِثَالِ قَوْلِ الشِّعْرِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } فَهَذَا عَلَى نِصْفِ بَيْتٍ مِنْ الرَّجَزِ .
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى } عَلَى نِصْفِ بَيْتٍ مِنْ الْمُتَقَارَبِ الْمُسْتَمِرِّ ، وَهَذَا كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَقَدْ ادَّعَوْهُ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : إنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ فِي كَلَامِ الَّذِي نُفِيَتْ عَنْهُ مَعْرِفَةُ الشِّعْرِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ .
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ } .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ الْأَخْفَشُ : إنَّ هَذَا لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُظَفَّرِ عَنْ الْخَلِيلِ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ : إنَّ مَا جَاءَ مِنْ السَّجْعِ عَلَى جُزْأَيْنِ لَا يَكُونُ شِعْرًا .
وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ مَنْهُوكِ الرَّجَزِ .
فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَكُونُ شِعْرًا ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ لَا يَكُونُ مَنْهُوكَ رَجَزٍ إلَّا بِالْوَقْفِ عَلَى الْبَاءِ مِنْ قَوْلِك : لَا كَذِبْ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : " عَبْدُ الْمُطَّلِبِ " وَلَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ قَالَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَظْهَرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا كَذِبٌ بِتَنْوِينِ الْبَاءِ مَرْفُوعَةً وَبِخَفْضِ
الْبَاءِ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْإِضَافَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ طَرَفَةَ : سَتُبْدِي لَك الْأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلًا وَيَأْتِيك مَنْ لَمْ تَزَوَّدْ بِالْأَخْبَارِ وَقَالَ : أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْ دِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ وَقَالَ : كَفَى الْإِسْلَامُ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي ذَلِكَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ قَالَ اللَّهُ : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } .
قَالُوا : وَمِنْهَا قَوْلُهُ : هَلْ أَنْتَ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت وَأَلْزَمُونَا أَنَّ هَذَا شِعْرٌ مَوْزُونٌ مِنْ بَحْرِ السَّرِيعِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ هَذَا شِعْرًا مَوْزُونًا إذَا كُسِرَتْ التَّاءُ مِنْ دَمِيَتْ وَلَقِيت ، فَإِنْ سُكِّنَتْ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ تَكُونُ فَعُولٌ ، وَلَا مَدْخَلَ لِفَعُولٍ فِي بَحْرِ السَّرِيعِ .
وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا سَاكِنَةَ التَّاءِ أَوْ مُتَحَرِّكَةَ التَّاءِ مِنْ غَيْرِ إشْبَاعٍ .
قَالُوا : وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ } ؛ فَادَّعَوْا أَنَّهُ عَلَى وَزْنِ مَشْطُورِ الرَّجَزِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ شِعْرًا إذَا تَكَلَّمَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ مَوْصُولًا ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ : اللَّهُ مَوْلَانَا ، أَوْ وَصَلَ وَحَرَّكَ الْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ لَكُمْ لَمْ يَكُنْ شِعْرًا .
وَقَدْ نَقَلَهُ وَوَصَلَهُ بِكَلَامٍ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لَا يَكُونُ شِعْرًا إلَّا بَعْدَ تَفْسِيرِ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتُسَكَّنُ اللَّامُ مِنْ قَوْلِك الْوَلَدُ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ .
وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ مَوْزُونِ الْكَلَامِ لَا يُعَدُّ شِعْرًا ، وَإِنَّمَا يُعَدُّ مِنْهُ مَا يَجْرِي عَلَى وَزْنِ الشِّعْرِ وَمَعَ الْقَصْدِ إلَيْهِ .
فَقَدْ
يَقُولُ قَائِلٌ : حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا ، وَيُنَادَى يَا صَاحِبَ الْكِسَاءِ ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا شِعْرًا .
وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ يُنَادِي فِي مَرَضِهِ وَهُوَ مِنْ عُرْضِ الْعَامَّةِ الْعُقَلَاءِ : اذْهَبُوا بِي إلَى الطَّبِيبِ ، وَقُولُوا قَدْ اكْتَوَى ، وَبِهَذَا وَسِوَاهُ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الْآيَةِ مَعْنًى ، وَبُطْلَانُ مَا مَوَّهُوا بِهِ قَطْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ قَالَ : لَا تُكْثِرْ مِنْهُ ، فَمِنْ عَيْبِهِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } .
قَالَ : وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ اجْمَعْ الشُّعَرَاءَ قِبَلَك وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الشِّعْرِ ، وَهَلْ بَقِيَ مَعَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِهِ ، وَأَحْضَرَ لَبِيدًا ذَلِكَ .
قَالَ : فَجَمَعَهُمْ وَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا : إنَّا لَنَعْرِفُهُ وَنَقُولُهُ .
وَسَأَلَ لَبِيدًا فَقَالَ : مَا قُلْت شِعْرًا مُنْذُ سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ : { الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ } .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَتْ مِنْ عَيْبِ الشِّعْرِ ، كَمَا لَمْ يَكُنْ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِك } مِنْ عَيْبِ الْخَطِّ .
فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ الْأُمِّيَّةُ مِنْ عَيْبِ الْخَطِّ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ نَفْيُ النَّظْمِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَيْبِ الشِّعْرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَالَ الشِّعْرِ فِي سُورَةِ الظُّلَّةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : يُرْوَى أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أَوْ الْعَاصِيَ بْنَ وَائِلٍ مَرَّ بِرِمَّةٍ بَالِيَةٍ فَأَخَذَهَا ، وَقَالَ : الْيَوْمَ أَغْلِبُ مُحَمَّدًا ، وَجَاءَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُ هَذَا كَمَا بَدَأَهُ ، وَفَتَّتَهُ بِيَدِهِ ، حَتَّى عَادَ رَمِيمًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } إلَى آخِرِ السُّورَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي الْعِظَامِ حَيَاةً ، وَأَنَّهُ يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَحَلٍّ تَحِلُّ الْحَيَاةُ بِهِ فَيَخْلُفُهَا الْمَوْتُ يُنَجَّسُ وَيُحَرَّمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَسَاعَدَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَيَاةَ فِيهِ وَلَا يُنَجَّسُ بِالْمَوْتِ .
وَقَدْ اضْطَرَبَ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ } يَعْنِي أَصْحَابَ الْعِظَامِ ، وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ مَقَامَ الْمُضَافِ إلَيْهِ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ مَوْجُودٌ فِي الشَّرِيعَةِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِضَرُورَةٍ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا ضَرُورَةٌ تَدْعُو إلَى هَذَا الْإِضْمَارِ ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْكَلَامُ عَلَى الظَّاهِرِ ؛ إذْ الْبَارِي سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، وَالْحَقِيقَةُ تَشْهَدُ لَهُ ؛ فَإِنَّ الْإِحْسَاسَ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
سُورَةُ الصَّافَّاتِ [ مَكِّيَّةٌ ، فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اُخْتُلِفَ فِي الذَّبِيحِ ، هَلْ هُوَ إِسْحَاقُ أَوْ إسْمَاعِيلُ ؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِينِ الصَّحِيحِ فِي تَعْيِينِ الذَّبِيحِ ، وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ؛ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَتَوَابِعِهَا وَمُتَمِّمَاتِهَا لَا أُمَّهَاتِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك } وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ فِي التَّخْيِيلِ سَبِيلٌ ، وَلَا لِلِاخْتِلَاطِ عَلَيْهِمْ دَلِيلٌ ؛ وَإِنَّمَا قُلُوبُهُمْ صَافِيَةٌ ، وَأَفْكَارُهُمْ صَقِيلَةٌ ، فَمَا أُلْقِيَ إلَيْهِمْ ، وَنَفَثَ بِهِ الْمَلِكُ فِي رَوْعِهِمْ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَهُوَ حَقٌّ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَمَا كُنْت أَظُنُّ أَنَّهُ يَنْزِلُ فِي قُرْآنٍ يُتْلَى ، وَلَكِنْ رَجَوْت أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَالْحَدِيثِ حَقِيقَةَ الرُّؤْيَا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ نُبْذَةً مِنْهَا ، وَأَنَّ الْبَارِيَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ وَكُنَى ، فَمِنْهَا رُؤْيَا تَخْرُجُ بِصِفَتِهَا ، وَمِنْهَا رُؤْيَا تَخْرُجُ بِتَأْوِيلِهَا وَهُوَ كُنْيَتُهَا .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : أُرِيتُك فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ .
فَقَالَ الْمَلَكُ : هَذِهِ زَوْجُك ، فَاكْشِفْ عَنْهَا ، فَإِذَا هِيَ أَنْتِ .
فَقُلْت : إنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ } .
وَلَمْ يَشُكَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ لِقَوْلِهِ : فَقَالَ لِي الْمَلَكُ ، وَلَا يَقُولُ الْمَلَكُ إلَّا حَقًّا ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ احْتَمَلَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا بِاسْمِهَا أَوْ تَكُونَ بِكُنْيَتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ بِاسْمِهَا فَتَكُونُ هِيَ الزَّوْجَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَا مُكَنَّاةً فَتَكُونُ فِي أُخْتِهَا أَوْ قَرَابَتِهَا أَوْ جَارَتِهَا ، أَوْ مَنْ يُسَمَّى بِاسْمِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّشْبِيهَاتِ فِيهَا ؛ وَهَذَا أَصْلٌ تَقَرَّرَ فِي الْبَابِ فَلْيُحْفَظْ وَلْيُحَصَّلْ ، فَإِنَّهُ أَصْلُهُ .
.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَدْ جَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبَةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا حَيْثُ وَقَعَتْ مِنْ كَلَامِنَا ، ذَكَرَهَا جَمِيعُ عُلَمَائِنَا مَعَ أَحْزَابِ الطَّوَائِفِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الذَّبْحُ ، وَلَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ رَفْعُهُ .
وَقَالَ الْمُخَالِفُونَ : إنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ ، وَلَكِنَّهُ نُفِّذَ الذَّبْحُ ، وَكَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا الْتَأَمَ ، فَاجْتَمَعَ الذَّبْحُ وَالْإِعَادَةُ لِمَوْضِعِهَا حَسْبَمَا كَانَتْ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : وَجَدَ حَلْقَهُ نُحَاسًا أَوْ مُغَشًّى بِنُحَاسٍ ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَطْعًا وَجَدَ مَنْعًا ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ فِي الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ ؛ وَلَكِنْ يَفْتَقِرُ إلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ ؛ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ ، وَكَانَ الذَّبْحُ وَالْتِئَامُ الْأَجْزَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْقَعَ فِي مَطْلُوبِهِمْ مِنْ وَضْعِ النُّحَاسِ مَوْضِعَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ ، وَكُلُّهُ أَمْرٌ بَعِيدٌ مِنْ الْعِلْمِ ؛ وَبَابُ التَّحْقِيقِ فِيهَا وَمَسْلَكُهُ مَا بَيَّنَّاهُ وَاخْتَرْنَاهُ ، فَأَوْضَحْنَا لِبَابِهِ الَّذِي لَمْ نُسْبَقْ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى : قَالَ مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ : إنَّهُ قَالَ لِوَلَدِهِ : { يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا } وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ غَلَبَةِ الْأَخْلَاطِ كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ وَتِلْكَ أَخْلَاطٌ ، وَأَيُّهَا فَلَيْسَ لَهَا بِالْأَنْبِيَاءِ أَخْلَاطٌ ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَلَمْ يُحَدِّثْ إبْرَاهِيمُ قَطُّ نَفْسَهُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ ، فَلَيْسَ لِلشَّيْطَانِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ سَبِيلٌ فِي تَخْيِيلٍ وَلَا تَلَاعُبٍ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ وَقَرَّرْنَاهُ
وَمَهَّدْنَاهُ وَبَسَّطْنَاهُ .
فَقَالَ إبْرَاهِيمُ لِابْنِهِ : رَأَيْت أَنِّي أَذْبَحُك فِي الْمَنَامِ ، فَأَخَذَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ الرُّؤْيَا بِظَاهِرِهَا وَاسْمِهَا ، وَقَالَ لَهُ : { افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } ؛ إذْ هُوَ أَمْرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهُمَا عَلِمَا أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيُ اللَّهِ ، وَاسْتَسْلَمَا لِقَضَاءِ اللَّهِ ؛ هَذَا فِي قُرَّةِ عَيْنِهِ ، وَهَذَا فِي نَفْسِهِ أُعْطِيَ ذِبْحًا فِدَاءً وَقِيلَ لَهُ : هَذَا فِدَاؤُك ، فَامْتَثِلْ فِيهِ مَا رَأَيْت فَإِنَّهُ حَقِيقَةُ مَا خَاطَبْنَاك فِيهِ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ لَا اسْمٌ ، وَجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لِلرُّؤْيَا بِمُبَادَرَتِهِ الِامْتِثَالَ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلْعَمَلِ .
فَلَمَّا اعْتَقَدَا الْوُجُوبَ ، وَتَهَيَّآ لِلْعَمَلِ ، هَذَا بِصُورَةِ الذَّابِحِ ، وَهَذَا بِصُورَةِ الْمَذْبُوحِ ، أُعْطِيَ مَحَلًّا لِلذَّبْحِ فِدَاءً عَنْ ذَلِكَ الْمَرْئِيِّ فِي الْمَنَامِ ، يَقَعُ مَوْضِعَهُ بِرَسْمِ الْكِنَايَةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ الْمَوْعُودِ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ قَالَ لَهُ الْوَلَدُ : { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } فَأَيْنَ الْأَمْرُ ؟ قُلْنَا : هُمَا كَلِمَتَانِ إحْدَاهُمَا مِنْ الْوَالِدِ إبْرَاهِيمَ ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْوَلَدِ إسْمَاعِيلَ .
فَأَمَّا كَلِمَةُ إبْرَاهِيمَ فَهِيَ قَوْلُهُ أَذْبَحُك ، وَهُوَ خَبَرٌ لَا أَمْرٌ ، وَأَمَّا كَلِمَةُ إسْمَاعِيلَ : { افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } وَهُوَ أَمْرٌ ، وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ : { إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك } وَإِنْ كَانَتْ [ صِيغَتُهُ ] صِيغَةَ الْخَبَرِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا الْأَمْرُ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّ لَوْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ خَبَرٍ وَاقِعٍ لَمَا كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ يُنْتَظَرُ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ضَرُورَةً .
فَقَالَ إسْمَاعِيلُ لِأَبِيهِ إبْرَاهِيمَ : { افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } ؛ فَعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالِانْقِيَادِ إلَى مَعْنَى خَبَرِ أَبِيهِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا } حِينَ تَيَسَّرَا لِلْعَمَلِ ، وَأَقْبَلَا عَلَى الْفِعْلِ ؛ فَكَانَ صَدَقَهَا
ذِبْحُهَا مَكَانَهَا ، وَهُوَ الْفِدَاءُ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا فِي الْمَعْنَى ضَرُورَةً ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ إبْرَاهِيمَ امْتِثَالًا ، وَمِنْ إسْمَاعِيلَ انْقِيَادًا ، وَوُضِّحَتْ الْمَعَانِي بِحَقِيقَتِهَا ، وَجَرَتْ الْأَلْفَاظُ عَلَى نِصَابِهَا لِصَوَابِهَا ، وَلَمْ يُحْتَجْ إلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ يَقْلِبُ الْجِلْدَ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَمَّا قَرَّرْنَا حَظَّ التَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَرَكَّبَتْ عَلَيْهَا مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَهُوَ إذَا نَذَرَ الرَّجُلُ ذَبْحَ وَلَدِهِ .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ مَعْصِيَةٌ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ كَلِمَةٌ يَلْزَمُهُ بِهَا ذَبْحُ شَاةٍ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ : يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ فِي تَفْصِيلٍ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي نَنْظُرُهُ الْآنَ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ذَبْحَ الْوَلَدِ عِبَارَةً عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ شَرْعًا ، فَأَلْزَمَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ ذَبْحَ الْوَلَدِ ، وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ بِذَبْحِ الشَّاةِ ، وَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ الْعَبْدُ ذَبْحَ وَلَدِهِ يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَبْحُ شَاةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } .
وَالْإِيمَانُ إلْزَامٌ أَصْلِيٌّ .
وَالنَّذْرُ إلْزَامٌ فَرْعِيٌّ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَحْمُولًا .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يُؤْمَرُ إبْرَاهِيمُ بِذَبْحِ الْوَلَدِ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ ؟ قُلْنَا : هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ الْإِسْلَامَ ، فَكَيْفَ مِمَّنْ يُفْتِي فِي الْحَلَالِ مِنْهُ وَالْحَرَامِ ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } .
وَاَلَّذِي يَجْلُو الِالْتِبَاسَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ وَالطَّاعَاتِ لَيْسَتْ بِأَوْصَافٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْأَعْيَانِ ؛ وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ مِنْ الْأَفْعَالِ ، وَالْمَعْصِيَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ النَّهْيُ مِنْ الْأَفْعَالِ ، فَلَمَّا تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِذَبْحِ الْوَلَدِ إسْمَاعِيلَ مِنْ إبْرَاهِيمَ صَارَ طَاعَةً وَابْتِلَاءً ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ } ؛ أَيْ الصَّبْرُ عَلَى ذَبْحِ الْوَلَدِ وَالنَّفْسِ .
وَلَمَّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِنَا فِي ذَبْحِ أَبْنَائِنَا صَارَ مَعْصِيَةً .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَصِيرُ نَذْرًا
وَهُوَ مَعْصِيَةٌ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا يَصِيرُ مَعْصِيَةً لَوْ كَانَ هُوَ يَقْصِدُ ذَبْحَ وَلَدِهِ بِنَذْرِهِ وَلَا يَنْوِي الْفِدَاءَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَقَصَدَ الْمَعْصِيَةَ وَلَمْ يَنْوِ الْفِدَاءَ ؟ قُلْنَا : لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ فِي قَصْدِهِ ، وَلَا أَثَرَ فِي نَذْرِهِ ، لِأَنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ صَارَ عِبَارَةً عَنْ ذَبْحِ الشَّاةِ شَرْعًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْهُ وَكِنَايَةً فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ كِنَايَةً عَنْ الشَّيْءِ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ ؛ إمَّا بِاشْتِبَاهِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْخَاصِّ ، وَإِمَّا بِنِسْبَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُمَا ، وَهَا هُنَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَهُوَ النَّذْرُ ، وَلَا بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ وَهِيَ ذَبْحُ الْوَلَدِ ، وَلَا تَشَابُهَ أَيْضًا بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ ذَبْحَ الْوَلَدِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِذَبْحِ الشَّاةِ .
قُلْنَا : هُوَ سَبَبٌ لَهُ شَرْعًا لِأَنَّهُ جُعِلَ كِنَايَةً عَنْهُ فِي الشَّرْعِ .
وَالْأَسْبَابُ إنَّمَا تُعْرَفُ عَادَةً أَوْ شَرْعًا ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا بَاقِيَ الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى } .
وَنَسَبُهُ إلَى أَبِيهِ ، أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ : هَلْ الْبَارِي تَعَالَى فِي جِهَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، هُوَ يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ .
قِيلَ لَهُ : مَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى } .
فَقِيلَ لَهُ : مَا وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُهُ حَتَّى يَأْخُذَ ضَيْفِي هَذَا أَلْفَ دِينَارٍ يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ .
فَقَامَ رَجُلَانِ فَقَالَا : هِيَ عَلَيْنَا .
فَقَالَ : لَا يَتْبَعُ بِهَا اثْنَيْنِ ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ .
فَقَالَ وَاحِدٌ : هِيَ عَلَيَّ .
فَقَالَ : إنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ، وَصَارَ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ، وَنَادَى : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَقْرَبَ مِنْ اللَّهِ مِنْ يُونُسَ حِينَ جَلَسَ عَلَى الرَّفْرَفِ الْأَخْضَرِ ، وَارْتَقَى بِهِ ، وَصَعِدَ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَسْمَعُ مِنْهُ صَرِيرُ الْأَقْلَامِ ، وَنَاجَاهُ رَبُّهُ بِمَا نَاجَاهُ ، وَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى بِأَقْرَبَ مِنْ اللَّهِ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَظُلْمَةِ الْبَحْرِ .
قَصَدْت قَبْرَهُ مِرَارًا لَا أُحْصِيهَا بِقَرْيَةِ جُلْجُونَ فِي مَسِيرِي مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى قَبْرِ الْخَلِيلِ ، وَبِتُّ بِهِ ، وَتَقَرَّبْت إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَحَبَّتِهِ ، وَدَرَسْنَا كَثِيرًا مِنْ الْعِلْمِ عِنْدَهُ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنَا بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ نِينَوَى مِنْ قُرَى الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ وَمَنْ دَانَاهُمْ ، فَكَذَّبُوهُ عَلَى عَادَةِ الْأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى يُونُسَ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ الْعَذَابَ يَأْتِي قَوْمَك يَوْمَ كَذَا وَكَذَا .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمَئِذٍ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّهُمْ قَدْ حَضَرَهُمْ الْعَذَابُ .
قَالَ لَهُ يُونُسُ : أَلْتَمِسُ دَابَّةً .
قَالَ : الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ : فَأَلْتَمِسُ حِذَاءً .
قَالَ : الْأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ .
قَالَ : فَغَضِبَ يُونُسُ وَخَرَجَ ، وَكَانَتْ الْعَلَامَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي نُزُولِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ خُرُوجَهُ عَنْهُمْ .
فَلَمَّا فَقَدُوهُ خَرَجُوا بِالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالشَّاةِ وَالسَّخْلَةِ ، وَالنَّاقَةِ وَالْهُبَعِ وَالْفَحْلِ ، وَكُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُمْ ، وَعَزَلُوا الْوَالِدَةَ عَنْ وَلَدِهَا وَالْمَرْأَةَ عَنْ خَلِيلِهَا ، وَتَابُوا إلَى اللَّهِ ، وَصَاحُوا حَتَّى سُمِعَ لَهُمْ عَجِيجٌ ، فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ حَتَّى نَظَرُوا إلَيْهِ ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَغَضِبَ يُونُسُ ، وَرَكِبَ الْبَحْرَ فِي سَفِينَةٍ ، حَتَّى إذَا كَانُوا حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ رَكَدَتْ السَّفِينَةُ ، وَقِيلَ : هَاجَ الْبَحْرُ بِأَمْوَاجِهِ ، وَقِيلَ : عَرَضَ لَهُمْ حُوتٌ حَبَسَ جَرْيَتَهَا ، فَقَالُوا : إنَّ فِينَا مَشْئُومًا أَوْ مُذْنِبًا ، فَلْنَقْتَرِعْ عَلَيْهِ ؛ فَاقْتَرَعُوا فَطَارَ السَّهْمُ عَلَى يُونُسَ ، فَقَالُوا : عَلَى مِثْلِ هَذَا يَقَعُ السَّهْمُ ، قَدْ أَخْطَأْنَا فَأَعِيدُوهَا ، فَأَعَادُوا الْقُرْعَةَ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالُوا مِثْلُهُ ، وَأَعَادُوهَا ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يُونُسُ رَمَى بِنَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ : إنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ لَك رِزْقًا ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا بَطْنَك لَهُ سِجْنًا ، فَنَادَى { أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ، وَأَمَرَ الْحُوتَ فَرَمَاهُ عَلَى السَّاحِلِ قَدْ ذَهَبَ شَعْرُهُ ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ
شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ تَحَاتَّ وَرَقُهَا ، فَبَكَى ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَتَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ أَنْبَتُّهَا فِي يَوْمٍ وَأَهْلَكْتهَا فِي يَوْمٍ ، وَلَا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ آمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِينٍ .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ } نَصٌّ عَلَى الْقُرْعَةِ .
وَكَانَتْ فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا جَائِزَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَوَارِدُ أَخْبَارِهَا فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات ، وَجَاءَتْ الْقُرْعَةُ فِي شَرْعِنَا عَلَى الْخُصُوصِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ اقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا ، وَجَرَتْ سِهَامُهُمْ عَلَيْهَا وَالْقَوْلُ فِي جَرْيَةِ الْمَاءِ بِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَرْعِنَا ، وَإِنَّمَا تَجْرِي الْكَفَالَةُ عَلَى مَرَاتِبِ الْقَرَابَةِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ الْقُرْعَةُ فِي الشَّرْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ : الْأَوَّلُ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ } .
الثَّانِي : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً } .
الثَّالِثُ : { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ ، فَقَالَ : اذْهَبَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ وَاسْتَهِمَا ، وَلْيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ } فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَوَاطِنَ ، وَهِيَ الْقَسَمُ فِي النِّكَاحِ ، وَالْعِتْقُ ، وَالْقِسْمَةُ ، وَجَرَيَانُ الْقُرْعَةِ فِيهَا لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ وَحَسْمِ دَاءِ التَّشَهِّي .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْقُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الْغَزْوِ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الِاقْتِرَاعُ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّفَرَ بِجَمِيعِهِنَّ لَا يُمْكِنُ ، وَاخْتِيَارُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إيثَارٌ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقُرْعَةُ .
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ فَإِنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثٌ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، وَتَعْيِينُهُمَا بِالتَّشَهِّي لَا يَجُوزُ شَرْعًا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا
الْقُرْعَةُ .
وَكَذَلِكَ التَّشَاجُرُ إذَا وَقَعَ فِي أَعْيَانِ الْمَوَارِيثِ لَمْ يُمَيِّزْ الْحَقَّ إلَّا الْقُرْعَةُ ، فَصَارَتْ أَصْلًا فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَحَقِّ إذَا أَشْكَلَ .
وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنْ تَجْرِيَ فِي كُلِّ مُشْكِلٍ ، فَذَلِكَ أَبْيَنُ لَهَا ، وَأَقْوَى لِفَصْلِ الْحُكْمِ فِيهَا ، وَأَجْلَى لِرَفْعِ الْإِشْكَالِ عَنْهَا ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الطَّلَاقِ كَالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ ؛ وَتَفْصِيلُ الِاقْتِرَاعِ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الِاقْتِرَاعُ عَلَى إلْقَاءِ الْآدَمِيِّ فِي الْبَحْرِ لَا يَجُوزُ ، فَكَيْفَ الْمُسْلِمُ ؟ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي يُونُسَ وَفِي زَمَانِهِ مُقَدِّمَةً لِتَحْقِيقِ بُرْهَانِهِ وَزِيَادَةٍ فِي إيمَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ عَاصِيًا أَنْ يُقْتَلَ وَلَا يُرْمَى بِهِ فِي النَّارِ وَالْبَحْرِ ؛ وَإِنَّمَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالتَّعْزِيرُ عَلَى مِقْدَارِ جِنَايَتِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا رُمِيَ فِي الْبَحْرِ ، لِأَنَّ السَّفِينَةَ وَقَفَتْ وَأَشْرَفَتْ عَلَى الْهَلَاكِ ، فَقَالُوا : هَذَا مِنْ حَادِثٍ فِينَا فَانْظُرُوا مَنْ بَيْنَكُمْ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ ، فَسَلَّطُوا عَلَيْهِ مِسْبَارَ الْإِشْكَالِ وَهِيَ الْقُرْعَةُ ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِالْقُرْعَةِ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَمْيِهِمْ لَهُ ، فَرَمَى هُوَ بِنَفْسِهِ ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّهِ وَرَجَا حُسْنَ الْعَاقِبَةِ ، وَلِهَذَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْبَحْرَ إذَا هَالَ عَلَى الْقَوْمِ فَاضْطُرُّوا إلَى تَخْفِيفِ السَّفِينَةِ أَنَّ الْقُرْعَةَ تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ ، فَيُطْرَحُ بَعْضُهُمْ تَخْفِيفًا .
وَهَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّهَا لَا تَخِفُّ بِرَمْيِ بَعْضِ الرِّجَالِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ ، وَإِنَّمَا يَصْبِرُونَ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الْفَرْعِيَّةِ .
سُورَةُ ص [ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ آيَةً ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ : { يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ } ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ لِلْجِبَالِ ، وَخَلَقَ فِيهَا ، وَيَسَّرَ لَهَا أَنْ تُسَبِّحَ مَعَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا سَبَّحَ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ ؛ وَكَانَ تَسْبِيحُ دَاوُد إثْرَ صَلَاتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَهِيَ صَلَاةُ الْأُمَمِ قَبْلَنَا فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ { كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ } أَيْ رَاجِعٌ إلَيْهِ ، تَرْجِعُ مَعَهُ ، وَتُسَبِّحُ بِتَسْبِيحِهِ ، وَتَحِنُّ إلَى صَوْتِهِ لِحُسْنِهِ ، وَتُمَثِّلُ مِثْلَ عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ لِلطَّيْرِ عِبَادَةٌ أَوْ تَكْلِيفٌ ؟ قُلْنَا : كُلٌّ لَهُ عِبَادَةٌ ، وَكُلٌّ لَهُ تَسْبِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْكُلُّ مُكَلَّفٌ بِتَكْلِيفِ التَّسْخِيرِ ، وَلَيْسَ بِتَكْلِيفِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ؛ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ آيَةً لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَرَامَةً مِنْ تَسْخِيرِ الْكُلِّ لَهُ تَسْخِيرَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، وَآمَنَ الْجِنُّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيمَانَ الِاخْتِيَارِ وَالطَّاعَةِ ، فَقَالُوا : { إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ } { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ } .
.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا كُنْت أَعْلَمُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي الْقُرْآنِ حَتَّى سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ { يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ ، { يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ } وَالْأَصَحُّ هَاهُنَا أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى وَالْعَصْرِ ، فَأَمَّا صَلَاةُ الضُّحَى فَهِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَافِلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَهِيَ فِي الْغَدَاةِ بِإِزَاءِ الْعَصْرِ فِي الْعَشِيِّ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَلَّى حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ طَالِعَةً ، وَيَرْتَفِعَ كَدَرُهَا ، وَتُشْرِقَ بِنُورِهَا ، كَمَا لَا تُصَلَّى الْعَصْرُ إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتِعْجَالًا لِأَجْلِ شُغْلِهِ ، فَيَخْسَرُ عَمَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَيَأْتِي بِعَمَلٍ هُوَ عَلَيْهِ لَا لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لَيْسَ لِصَلَاةِ الضُّحَى تَقْدِيرٌ مُعَيَّنٌ إلَّا أَنَّهَا صَلَاةُ تَطَوُّعٍ ، وَأَقَلُّ التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا رَكْعَتَانِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَكْعَةٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَفِي صَلَاةِ الضُّحَى أَحَادِيثُ أُصُولُهَا ثَلَاثَةٌ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ : تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيُهُ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَهْلِهِ صَدَقَةٌ ، وَيَكْفِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ رَكْعَتَانِ مِنْ الضُّحَى } .
الثَّانِي : حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ صَلَاةَ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَتْ خَطَايَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } .
الثَّالِثُ : حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ضَحَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ } ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ ، وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهَا } .
وَعَنْهَا أَيْضًا أَنَّهَا قَالَتْ : { لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ } .
وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } : قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّدَّ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْقَدْرِ ؛ وَفِي تَعْيِينِ ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا الْهَيْبَةُ .
وَالثَّانِي : بِكَثْرَةِ الْجُنُودِ .
وَعِنْدِي أَنَّ مَعْنَاهُ شَدَدْنَاهُ بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ ، وَلَا يَنْفَعُ الْجَيْشُ الْكَثِيرُ الْتِفَافُهُ عَلَى غَيْرِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِ مُعَانٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { مُلْكَهُ } : قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ وَغَيْرِهِ الْمُلْكَ وَالْمَعْنَى فِيهِ ، وَفِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } .
وَحَقِيقَةُ الْمُلْكِ كَثْرَةُ الْمُلْكِ ، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ مَلِكًا وَلَكِنْ لَا يَكُونُ مَلِكًا ذَا مُلْكٍ حَتَّى يَكْثُرَ ذَلِكَ ، فَلَوْ مَلَكَ الرَّجُلُ دَارًا وَقُوتًا لَمْ يَكُنْ مُلْكًا حَتَّى يَكُونَ لَهُ خَادِمٌ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَنَافِعِ الَّتِي يَفْتَقِرُ إلَيْهَا لِضَرُورَةِ الْآدَمِيَّةِ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَالَ النَّبِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مُلْكًا ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْعَبَّاسَ أَنْ يَحْبِسَ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ ، حَتَّى يَمُرَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ؛ فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ ، فَقَالَ : يَا عَبَّاسُ ؛ مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ لَهُ : غَفَّارٌ .
قَالَ : مَا لِي وَلِغَفَّارٍ ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ ، فَقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَرَّتْ سُلَيْمٌ فَقَالَ مِثْلُ ذَلِكَ ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ ، عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ : لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْيَوْمَ عَظِيمًا .
فَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ بِمُلْكٍ ، وَلَكِنَّهَا النُّبُوَّةُ } .
وَلَمْ يُرِدْ الْعَبَّاسُ نَفْيَ الْمُلْكِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فِي نِسْبَةِ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مُجَرَّدِ الْمُلْكِ ، وَتَرْكِ الْأَصْلِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ النُّبُوَّةُ الَّتِي تَتَرَكَّبُ عَلَى الْمُلْكِ وَالْعُبُودِيَّةِ .
عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ { جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : إنَّ اللَّهَ خَيَّرَك بَيْنَ أَنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا عَبْدًا ، فَنَظَرَ إلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ ، فَأَشَارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ : أَنْ تَوَاضَعْ ، فَقَالَ : بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ } .
قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَفَصْلَ الْخِطَابِ } قِيلَ : هُوَ عِلْمُ الْقَضَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ الْإِيجَازُ بِجَعْلِ الْمَعْنَى الْكَثِيرِ فِي اللَّفْظِ الْقَلِيلِ .
وَقِيلَ : هُوَ قَوْلُهُ : أَمَّا بَعْدُ .
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا ، فَأَمَّا عِلْمُ الْقَضَاءِ فَلَعَمْرُ إلَهِك إنَّهُ لَنَوْعٌ مِنْ الْعِلْمِ مُجَرَّدٌ ، وَفَضْلٌ مِنْهُ مُؤَكَّدٌ غَيْرُ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ وَالْبَصَرِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَفِي الْحَدِيثِ : { أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ } .
وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ بَصِيرًا بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ عَارِفًا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَلَا يَقُومُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ فِيهَا ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ يَأْتِي الْقَضَاءَ مِنْ وَجْهِهِ بِاخْتِصَارٍ مِنْ لَفْظِهِ وَإِيجَازٍ فِي طَرِيقِهِ بِحَذْفِ التَّطْوِيلِ ، وَرَفْعِ التَّشْتِيتِ ، وَإِصَابَةِ الْمَقْصُودِ .
وَلِذَلِكَ يُرْوَى { أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ حَفَرَ قَوْمٌ زُبْيَةً لِلْأَسَدِ ، فَوَقَعَ فِيهَا الْأَسَدُ ، وَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى الزُّبْيَةِ ، فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ ، وَتَعَلَّقَ بِآخَرَ ، وَتَعَلَّقَ الْآخَرُ بِآخَرَ ، حَتَّى صَارُوا أَرْبَعَةً ، فَحَرَجَهُمْ الْأَسَدُ فِيهَا ، فَهَلَكُوا ، وَحَمَلَ الْقَوْمُ السِّلَاحَ ، وَكَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ ، فَأَتَيْتهمْ فَقُلْت لَهُمْ : أَتَقْتُلُونَ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَجْلِ أَرْبَعَةِ أَنَاسِيَّ ، تَعَالَوْا أَقْضِ بَيْنَكُمْ بِقَضَاءٍ ، فَإِنْ رَضِيتُمْ فَهُوَ قَضَاءٌ بَيْنَكُمْ ، وَإِنْ أَبَيْتُمُوهُ رَفَعْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ؛ فَجَعَلَ لِلْأَوَّلِ رُبُعَ الدِّيَةِ ، وَلِلثَّانِي ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَلِلثَّالِثِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَجَعَلَ لِلرَّابِعِ الدِّيَةَ ، وَجَعَلَ الدِّيَاتِ عَلَى مَنْ حَفَرَ الزُّبْيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الْأَرْبَعِ .
فَسَخَطَ بَعْضُهُمْ ، وَرَضِيَ بَعْضُهُمْ ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصُّوا
عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ : أَنَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ .
فَقَالَ قَائِلٌ : إنَّ عَلِيًّا قَدْ قَضَى بَيْنَنَا ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَضَى بِهِ عَلِيٌّ .
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْقَضَاءُ كَمَا قَضَاهُ عَلِيٌّ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { فَأَمْضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَاءَ عَلِيٍّ } .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى فِي الْمَعْرِفَةِ بِالْقَضَاءِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَكَانَ قَاضِيًا بِالْكُوفَةِ جَلَدَ امْرَأَةً مَجْنُونَةً قَالَتْ لِرَجُلٍ : يَا بْنَ الزَّانِيَيْنِ .
فَحَدَّهَا حَدَّيْنِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَهِيَ قَائِمَةٌ .
فَقَالَ : أَخْطَأَ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْبَدِيهَةِ لَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ بِالرَّوِيَّةِ إلَّا الْعُلَمَاءُ .
فَأَمَّا قِصَّةُ عَلِيٍّ فَلَا يُدْرِكُهَا الشَّادِي وَلَا يَلْحَقُهَا بَعْدَ التَّمَرُّنِ فِي الْأَحْكَامِ إلَّا الْعَاكِفُ الْمُتَمَادِي .
وَتَحْقِيقُهَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ مَقْتُولُونَ خَطَأً بِالتَّدَافُعِ عَلَى الْحُفْرَةِ مِنْ الْحَاضِرِينَ عَلَيْهَا فَلَهُمْ الدِّيَاتُ عَلَى مَنْ حَفَرَ عَلَى وَجْهِ الْخَطَأِ ، بَيْدَ أَنَّ الْأَوَّلَ مَقْتُولٌ بِالْمُدَافَعَةِ قَاتِلٌ ثَلَاثَةً بِالْمُجَاذَبَةِ ، فَلَهُ الدِّيَةُ بِمَا قَتَلَ ، وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَلَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَعَلَيْهِ الثُّلُثَانِ لِلِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا بِالْمُجَاذَبَةِ .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَعَلَيْهِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَاحِدًا بِالْمُجَاذَبَةِ ، فَوَقَعَتْ الْمُحَاصَّةُ ، وَغَرِمَتْ الْعَوَاقِلُ هَذَا التَّقْدِيرَ بَعْدَ الْقِصَاصِ الْجَارِي فِيهِ .
وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِنْبَاطِ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ نَظَرَ إلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ فَرَآهَا سِتَّةً : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَجْنُونَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ ، هَذَا إذَا كَانَ الْقَذْفُ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يُجَنُّ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُحَدُّ
بِالْقَذْفِ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ .
الثَّانِي : قَوْلُهَا يَا بْنَ الزَّانِيَيْنِ ؛ فَجَلَدَهَا حَدَّيْنِ لِكُلِّ أَبٍ حَدٌّ ، فَإِنَّمَا خَطَّأَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَتَدَاخَلُ ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الْخَمْرِ وَالزِّنَى .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ الْحَدَّ بِالْقَذْفِ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ ، فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَقْذُوفِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ حَدٌّ بِغَيْرِ مُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ ، وَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ حَدِّ الْقَذْفِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِإِقَامَتِهِ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ ، وَمَنْ يَقُولُ إنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ .
وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ الِاحْتِجَاجُ لِمَنْ يَرَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ ؛ إذْ يَقُولُ : لَوْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ لَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ كَحَدِّ الزِّنَا .
الرَّابِعُ أَنَّهُ وَالَى بَيْنَ الْحَدَّيْنِ ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدَّانِ لَمْ يُوَالِ بَيْنَهُمَا ، بَلْ يُحَدُّ لِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَنْدَمِلَ الضَّرْبُ أَوْ يَسْتَبِلَّ الْمَضْرُوبُ ، ثُمَّ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الْآخَرُ .
الْخَامِسُ أَنَّهُ حَدَّهَا قَائِمَةً ، وَلَا تُحَدُّ الْمَرْأَةُ إلَّا جَالِسَةً مَسْتُورَةً .
قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : فِي زِنْبِيلٍ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
السَّادِسُ أَنَّهُ أَقَامَ الْحَدَّ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ فِيهِ إجْمَاعًا .
وَفِي الْقِصَاصِ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّعْزِيرِ فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ وَالْخِلَافِ ؛ فَهَذَا هُوَ فَصْلُ الْخِطَابِ وَعِلْمُ الْقَضَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ : { أَقَضَاكُمْ عَلِيٌّ } ، حَسْبَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْإِيجَازُ فَذَلِكَ لِلْعَرَبِ دُونَ الْعَجَمِ ، وَلِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ الْعَرَبِ ، وَقَدْ بَيَّنَ
هَذَا بِقَوْلِهِ : { أُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ } ، وَكَانَ أَفْصَحَ النَّاسِ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي آيَاتِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ وَفِي سُورَةِ النُّورِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ قَوْلُهُ : " أَمَّا بَعْدُ { فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ : أَمَّا بَعْدُ } .
وَيُرْوَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ سَحْبَانُ وَائِلٌ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالْبَعْثِ ، وَأَوَّلُ مَنْ اتَّكَأَ عَلَى عَصًا ، وَعَمَّرَ مِائَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً .
وَلَوْ صَحَّ أَنَّ دَاوُد قَالَهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ ، وَإِنَّمَا كَانَ بِلِسَانِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْمَعْرِفَةُ بِالدِّينِ ، وَالْفِقْهُ فِيهِ ، وَالِاتِّبَاعُ لَهُ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ هُوَ الْفَهْمُ وَإِصَابَةُ الْقَضَاءِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي وَصْفِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ : { إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } لِمَا فِيهِ مِنْ إيجَازِ اللَّفْظِ ، وَإِصَابَةِ الْمَعْنَى ، وَنُفُوذِ الْقَضَاءِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهَلْ أَتَاك نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُد فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ } .
الْآيَةُ فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْخَصْمُ كَلِمَةٌ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وُقُوعَ الْمَصَادِرِ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا كَانَا اثْنَيْنِ ، فَيَنْتَظِمُ الْكَلَامُ بِهِمَا ، وَيَصِحُّ الْمُرَادُ فِيهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } يَعْنِي جَاءُوا مِنْ أَعْلَاهُ .
وَالسُّورَةُ الْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ كَانَتْ بُقْعَةً مَحْسُوسَةً أَوْ مَنْزِلَةً مَعْقُولَةً ؛ قَالَ الشَّاعِرُ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاك سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ فَهَذَا هُوَ الْمَنْزِلَةُ .
وَسُورُ الْمَدِينَةِ الْمَوْضِعُ الْعَالِي مِنْهَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ .
وَالسُّؤْرُ مَهْمُوزٌ : بَقِيَّةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْإِنَاءِ .
وَالسُّؤْرُ : الْوَلِيمَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : يَأْهَلَ الْخَنْدَقِ ؛ إنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُؤْرًا فَحَيَّ هَلَّا بِكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْمِحْرَابِ ، قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ سَبَأٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُد } : قِيلَ : إنَّهُمَا كَانَا إنْسِيَّيْنِ ؛ قَالَهُ النَّقَّاشُ .
وَقِيلَ : مَلَكَيْنِ ؛ قَالَهُ جَمَاعَةٌ .
وَعَيَّنَهُمَا جَمَاعَةٌ ، فَقَالُوا : إنَّهُمَا كَانَا جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ ، بَيْدَ أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ قَوْلًا تَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْغَرَضِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مِحْرَابَ دَاوُد كَانَ مِنْ الِامْتِنَاعِ بِالِارْتِفَاعِ بِحَيْثُ لَا يَرْقَى إلَيْهِ آدَمِيٌّ بِحِيلَةٍ إلَّا أَنْ يُقِيمَ إلَيْهِ أَيَّامًا أَوْ أَشْهُرًا بِحَسْبِ طَاقَتِهِ ، مَعَ أَعْوَانٍ يَكْثُرُ عَدَدُهُمْ ، وَآلَاتٍ جَمَّةٍ مُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ .
وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ يُوصَلُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ الْمِحْرَابِ لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ : { تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ؛ إذْ لَا يُقَالُ تَسَوَّرَ الْمِحْرَابَ وَالْغُرْفَةَ لِمَنْ طَلَعَ إلَيْهَا مِنْ دَرَجِهَا ، وَجَاءَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَجَازًا .
وَإِذَا شَاهَدْت الْكُوَّةَ الَّتِي يُقَالُ إنَّهُ دَخَلَ مِنْهَا الْخَصْمَانِ عَلِمْت قَطْعًا أَنَّهُمَا مَلَكَانِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْعُلُوِّ بِحَيْثُ لَا يَنَالُهَا إلَّا عُلْوِيٌّ ، وَلَا نُبَالِي مَنْ كَانَا فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُك بَيَانًا ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ وَرَاءَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { فَفَزِعَ مِنْهُمْ } : فَإِنْ قِيلَ : لِمَ فَزِعَ وَهُوَ نَبِيٌّ وَقَدْ قَوِيَتْ نَفْسُهُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَاطْمَأَنَّتْ بِالْوَحْيِ ، وَوَثِقَتْ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ الْمَنْزِلَةِ ، وَأَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ الْعِصْمَةَ ، وَلَا أَمِنَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْإِذَايَةِ ، وَمِنْهُمَا .
كَانَ يَخَافُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَخَفْ .
وَقَبْلَهُ قِيلَ ذَلِكَ لِلُوطٍ ؛ فَهُمْ فَزِعُونَ مِنْ خَوْفٍ مَا لَمْ يَكُنْ قِيلَ لَهُمْ [ فِيهِ ] : إنَّكُمْ مِنْهُ مَعْصُومُونَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } : أَيْ نَحْنُ خَصْمَانِ .
وَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ لَمْ يَأْمُرْ بِإِخْرَاجِهِمْ إذْ عَلِمَ مَطْلَبَهُمْ ، وَقَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَهَلَّا أَدَّبَهُمْ عَلَى تَعَدِّيهِمْ ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ شَرْعِهِ فِي الْحِجَابِ وَالْإِذْنِ ، فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَلَى حَسْبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ .
وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ شَرْعِنَا مُهْمَلًا عَنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ ، حَتَّى أَوْضَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْبَيَانِ .
الثَّانِي : إنَّا لَوْ نَزَّلْنَا الْجَوَابَ عَلَى أَحْكَامِ الْحِجَابِ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْفَزَعُ الطَّارِئُ عَلَيْهِ أَذْهَلَهُ عَمَّا كَانَ يَجِبُ فِي ذَلِكَ لَهُ .
الثَّالِثُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ كَلَامَهُمَا الَّذِي دَخَلَا لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ آخِرَ الْأَمْرِ مِنْهُ ، وَيَرَى هَلْ يَحْتَمِلُ التَّقَحُّمُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنٍ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ عُذْرٌ لَهُمَا ، أَمْ لَا يَكُونُ لَهُمَا عُذْرٌ عَنْهُ .
وَكَانَ مِنْ آخِرِ الْحَالِ مَا انْكَشَفَ مِنْ أَنَّهُ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ وَمَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ فِي الْقِصَّةِ ، وَأَدَبٌ وَقَعَ عَلَى دَعْوَى الْعِصْمَةِ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا إذْنَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَحَدٍ ، وَلَا حَجْرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } .
فِيهَا وَفِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَنَّى بِالنَّعْجَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ ، لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ السُّكُونِ وَالْمُعْجِزَةِ وَضَعْفِ الْجَانِبِ .
وَقَدْ يُكْنَى عَنْهَا بِالْبَقَرَةِ وَالْحَجَرَ وَالنَّاقَةَ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَرْكُوبٌ .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : إنَّهُ يُكَنَّى عَنْ الْمَرْأَةِ بِأَلْفِ مِثْلٍ فِي الْمَقَامِ يُعَبِّرُ بِهِ الْمَلِكُ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُرِيدُهُ ، وَقَدْ قَيَّدْنَاهَا كُلَّهَا عَنْهُ فِي سِفْرٍ وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ { تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } إنْ كَانَ جَمِيعُهُنَّ أَحْرَارًا فَذَلِكَ شَرْعُهُ ، وَإِنْ كُنَّ إمَاءً فَذَلِكَ شَرْعُنَا .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا بِعَدَدٍ ، وَإِنَّمَا الْحَصْرُ فِي شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضَعْفِ الْأَبَدَانِ وَقِلَّةِ الْأَعْمَارِ .
وَهْمٌ وَتَنْبِيهٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : لَمْ يَكُنْ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ مَثَلًا .
الْمَعْنَى هَذَا غَنِيٌّ عَنْ الزَّوْجَةِ وَأَنَا مُفْتَقِرٌ إلَيْهَا ، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا كَانَ مَقْصُورًا مِنْ النِّسَاءِ عَلَى مَا فِي شَرْعِنَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ : لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَنَسِيَ أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا نَصٌّ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَهُ قَبْلُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَكْفِلْنِيهَا } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : مِنْ كَفْلِهَا أَيْ ضَمِّهَا أَيْ اجْعَلْهَا تَحْتَ كَفَالَتِي .
الثَّانِي : أَعْطِنِيهَا .
وَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْهُ مَعْنًى .
الثَّالِثُ : تُحَوَّلُ لِي عَنْهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَيَرْجِعُ إلَى الْعَطَاءِ وَالْكَفَالَةِ إلَّا أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْكَفَالَةِ وَأَخَصُّ مِنْ الْعَطَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } .
يَعْنِي غَلَبَنِي ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَنْ عَزَّ بَزَّ .
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ الْغَلَبَةِ ؛ فَقِيلَ مَعْنَاهُ : غَلَبَنِي بِبَيَانِهِ .
وَقِيلَ : غَلَبَنِي بِسُلْطَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ خِلَافَهُ .
كَانَ بِبَلَدِنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ سَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَلَّمْته فِي أَنْ يَسْأَلَ لِي رَجُلًا حَاجَةً ، فَقَالَ لِي : أَمَا عَلِمْت أَنَّ طَلَبَ السُّلْطَانِ الْحَاجَةَ غَصْبٌ لَهَا .
فَقُلْت : أَمَّا إذَا كَانَ عَدْلًا فَلَا .
فَعَجِبْت مِنْ عُجْمَتِهِ وَحِفْظِهِ لِمَا تَمَثَّلَ بِهِ ، وَفِطْنَتِهِ ، كَمَا عَجِبَ مِنْ جَوَابِي لَهُ وَاسْتَغْرَبَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ ظَلَمَك بِسُؤَالِ نَعْجَتِك إلَى نِعَاجِهِ } .
الظُّلْمُ : وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا شَرْعًا ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا عَادَةً ، فَإِنْ كَانَ غَلَبَهُ عَادَةً عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ ظُلْمٌ مُحَرَّمٌ ، وَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ إيَّاهَا فَهُوَ ظُلْمٌ مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَعَادَةً ، وَلَكِنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فِي تَقْيِيدِ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُمْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَحْوَالٍ مُتَفَاوِتَةٍ ؛ أَمْثَلُهَا أَنَّ دَاوُد حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ إذْ اُبْتُلِيَ أَنْ يَعْتَصِمَ ، فَقِيلَ لَهُ .
إنَّك سَتُبْتَلَى وَتَعْلَمُ الَّذِي تُبْتَلَى فِيهِ ، فَخُذْ حِذْرَك ؛ فَأَخَذَ الزَّبُورَ وَدَخَلَ الْمِحْرَابَ ، وَمَنَعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جَاءَ طَائِرٌ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ، وَجَعَلَ يُدْرِجُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَهَمَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ بِيَدِهِ ، فَاسْتُدْرِجَ حَتَّى وَقَعَ فِي كُوَّةِ الْمِحْرَابِ ، فَدَنَا مِنْهُ لِيَأْخُذَهُ ، فَطَارَ فَاطَّلَعَ لِيُبْصِرَهُ فَأَشْرَفَ عَلَى امْرَأَةٍ تَغْتَسِلُ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ غَطَّتْ جَسَدَهَا بِشَعْرِهَا ، فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ ، وَكَانَ زَوْجُهَا غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَكَتَبَ دَاوُد إلَى أَمِيرِ الْغَزَاةِ أَنْ يَجْعَلَ زَوْجَهَا فِي حَمْلَةِ التَّابُوتِ ، إمَّا أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلُوا .
فَقَدَّمَهُ فِيهِمْ ، فَقُتِلَ .
فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا دَاوُد ، فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ وَلَدَتْ غُلَامًا أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَكَتَبَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا ، وَأَشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ نَفْسُهُ حَتَّى وَلَدَتْ سُلَيْمَانَ ، وَشَبَّ وَتَسَوَّرَ الْمَلَكَانِ وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهَا مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ .
{ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : قَدْ قَدَّمْنَا لَكُمْ فِيمَا سَلَفَ ، وَأَوْضَحْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ إجْمَاعًا ، وَفِي الصَّغَائِرِ اخْتِلَافٌ ؛ وَأَنَا أَقُولُ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ ، لِوُجُوهٍ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ النُّبُوَّاتِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ : لَا صَغِيرَةَ فِي الذُّنُوبِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، كَمَا قَالَتْ طَائِفَةٌ : إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ لَيْسَ فَوْقَهَا مَعْصِيَةٌ ، كَمَا أَنَّ النَّظْرَةَ مَعْصِيَةٌ لَيْسَ دُونَهَا مَعْصِيَةٌ ، وَبَيْنَهُمَا ذُنُوبٌ إنْ قَرَنْتهَا بِالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْقَذْفِ وَالْغَصْبِ كَانَتْ صَغَائِرَ ، وَإِنْ أَضَفْتهَا إلَى مَا يَلِيهَا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ كَانَتْ كَبَائِرَ وَاَلَّذِي أَوْقَعَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ التَّقْصِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَصَائِبَ لَا قَدْرَ عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ اعْتَقَدَهَا رِوَايَاتٍ وَمَذَاهِبَ ، وَلَقَدْ كَانَ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَلَّا تُبَثُّ عَثَرَاتُهُمْ لَوْ عَثَرُوا ، وَلَا تُبَثُّ فَلَتَاتُهُمْ لَوْ اسْتَفْلَتُوا ؛ فَإِنَّ إسْبَالَ السِّتْرِ عَلَى الْجَارِ وَالْوَلَدِ وَالْأَخِ وَالْفَضِيلَةُ أَكْرَمُ فَضِيلَةٍ ، فَكَيْفَ سَتَرْت عَلَى جَارِك حَتَّى لَمْ تَقُصَّ نَبَأَهُ فِي أَخْبَارِك ؛ وَعَكَفْت عَلَى أَنْبِيَائِك وَأَحْبَارِك تَقُولُ عَنْهُمْ مَا لَمْ يَفْعَلُوا ، وَتَنْسُبُ إلَيْهِمْ مَا لَمْ يَتَلَبَّسُوا بِهِ ، وَلَا تُلَوَّثُوا بِهِ ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ هَذَا التَّعَدِّي وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الدِّينِ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَخْبَارَهُمْ .
قُلْنَا : عَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا لِلْمَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ مَا شَاءَ مِنْ أَخْبَارِ عَبِيدِهِ ، وَيَسْتُرَ وَيَفْضَحَ ، وَيَعْفُوَ وَيَأْخُذَ ،
وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُنَبِّزَ فِي مَوْلَاهُ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ اللَّوْمَ ، فَكَيْفَ بِمَا عَلَيْهِ فِيهِ الْأَدَبُ وَالْحَدُّ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي كِتَابِهِ لِعِبَادِهِ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } فَكَيْفَ بِمَا زَادَ عَلَيْهِ ؟ فَمَا ظَنُّك بِالْأَنْبِيَاءِ ، وَحَقُّهُمْ أَعْظَمُ ، وَحُرْمَتُهُمْ آكَدُ ، وَأَنْتُمْ تَغْمِسُونَ أَلْسِنَتَكُمْ فِي أَعْرَاضِهِمْ ، وَلَوْ قَرَّرْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ حُرْمَتَهُمْ لَمَا ذَكَرْتُمْ قِصَّتَهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ قَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ عِلْمَهُ بِأَنَّ الْعِبَادَ سَيَخُوضُونَ فِيهَا بِقَدْرٍ ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِيهَا بِحِكْمَةٍ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ ، فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ كَمَا وَقَعَ ، وَوَصَفَ حَالَهُمْ بِالصِّدْقِ كَمَا جَرَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَصِ } يَعْنِي أَصْدَقَهُ .
وَقَالَ : { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْك مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَك } .
وَقَدْ وَصَّيْنَاكُمْ إذَا كُنْتُمْ لَا بُدَّ آخِذِينَ فِي شَأْنِهِمْ ذَاكِرِينَ قَصَصَهُمْ أَلَّا تَعْدُوا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتَقُولُوا ذَلِكَ بِصِفَةِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَالتَّنْزِيهِ عَنْ غَيْرِ مَا نَسَبَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : قَدْ عَصَى الْأَنْبِيَاءُ فَكَيْفَ نَحْنُ ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ كَفَرَ .
.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ فِي ذِكْرِ قِصَّةِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْخُصُوصِ بِالْجَائِزِ مِنْهَا دُونَ الْمُمْتَنَعِ : أَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ دَاوُد حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنْ يَعْتَصِمَ إذَا اُبْتُلِيَ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ لَا حَرَجَ فِيهِ فِي شَرْعِنَا آخِرًا ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ ذَلِكَ قِيلَ لَنَا إنَّا نُؤَاخَذُ بِهِ ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنَّا بِفَضْلِهِ ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُؤَاخَذًا بِهِ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَلَيْسَ فِي وُقُوعِهِ مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ نَقْصٌ ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ دَفْعُهُ هُوَ الْإِصْرَارُ بِالتَّمَادِي عَلَى حَدِيثِ النَّفْسِ وَعَقْدِ الْعَزْمِ عَلَيْهِ .
الثَّانِي أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ نَظَرَ مِنْ حَالِهِ وَفِي عِبَادَتِهِ وَخُشُوعِهِ وَإِنَابَتِهِ وَإِخْبَاتِهِ ، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُعْطِيهِ عَادَةَ التَّجَافِي عَنْ أَسْبَابِ الذُّنُوبِ ، فَضْلًا عَنْ التَّوَغُّلِ فِيهَا ، فَوَثِقَ بِالْعِبَادَةِ ، فَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرِيَهُ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ وَاطِّرَادِهَا .
الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا النَّقْلُ لَمْ يَثْبُتْ ؛ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الطَّائِرَ دَرَجَ عِنْدَهُ فَهَمَّ بِأَخْذِهِ ، فَدَرَجَ فَاتَّبَعَهُ ، فَهَذَا لَا يُنَاقِضُ الْعِبَادَةَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مُبَاحٌ فِعْلُهُ لَا سِيَّمَا وَهُوَ حَلَالٌ ، وَطَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ ، وَإِنَّمَا اتَّبَعَ الطَّائِرَ لِذَاتِهِ لَا لِجَمَالِهِ فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ ؛ وَإِنَّمَا ذِكْرُهُمْ لِحُسْنِ الطَّائِرِ حِذْقٌ فِي الْجَهَالَةِ ، أَمَّا إنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ طَائِرًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّبَعَهُ لِيَأْخُذَهُ لِأَنَّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، كَمَا رُوِيَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا ، فَخَرَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَعَلَ يَحْثِي مِنْهُ ، وَيَجْعَلُ فِي ثَوْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ اللَّهُ : يَا أَيُّوبُ ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُك عَمَّا تَرَى ، قَالَ : بَلَى يَا
رَبِّ ، وَلَكِنْ لَا غِنًى لِي عَنْ بَرَكَتِك " .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَغْتَسِلُ عُرْيَانَةً فَلَمَّا رَأَتْهُ أَرْسَلَتْ شَعْرَهَا فَسَتَرَتْ جَسَدَهَا ، فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى لِكَشْفِ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ ، وَلَا يَأْثَمُ النَّاظِرُ بِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَنَّهَا لَمَّا أَعْجَبَتْهُ أَمَرَ بِتَقْدِيمِ زَوْجِهَا لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ لِيُرِيقَ دَمَهُ فِي غَرَضِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ الْأَمْرِ أَنَّ دَاوُد قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ : انْزِلْ لِي عَنْ أَهْلِك ، وَعَزَمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا يَطْلُبُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ الْحَاجَةَ بِرَغْبَةٍ صَادِقَةٍ كَانَتْ فِي الْأَهْلِ أَوْ الْمَالِ ، وَقَدْ قَالَ سَعِيدٌ بْنُ الرَّبِيعِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حِينَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا : وَلِي زَوْجَتَانِ ، أَنْزِلُ لَك عَنْ إحْدَاهُمَا ، فَقَالَ لَهُ : بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي أَهْلِك وَمَالِك .
وَمَا يَجُوزُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً يَجُوزُ طَلَبُهُ ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ، وَلَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوَالِ عِصْمَةِ الرَّجُلِ عَنْهَا ، وَلَا وِلَادَتُهَا لِسُلَيْمَانَ ، فَعَنْ مَنْ يَرْوِي هَذَا وَيُسْنَدُ ؟ وَعَلَى مَنْ فِي نَقْلِهِ يَعْتَمِدُ ، وَلَيْسَ يُؤْثِرُهُ عَنْ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ أَحَدٌ ؟ أَمَا إنَّ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ نُكْتَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَاوُد قَدْ صَارَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ زَوْجَةً ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } يَعْنِي فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ [ كَانَ ] تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَظَرَ إلَيْهَا ، " كَمَا زُوِّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ بِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ " إلَّا أَنَّ تَزْوِيجَ زَيْنَبَ كَانَ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ لِلزَّوْجِ فِي فِرَاقٍ ، بَلْ أَمَرَهُ بِالتَّمَسُّكِ بِزَوْجِيَّتِهَا ، وَكَانَ
تَزْوِيجُ دَاوُد الْمَرْأَةَ بِسُؤَالِ زَوْجِهَا فِرَاقَهَا ، فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَنْقَبَةُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَاوُد مُضَافَةً إلَى مَنَاقِبِهِ الْعَلِيَّةِ ، وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } تَزْوِيجُ الْأَنْبِيَاءِ بِغَيْرِ صَدَاقِ مَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا مِنْ النِّسَاءِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فُرِضَ لَهُمْ مَا يَمْتَثِلُونَهُ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ .
وَقَدْ رَوَى الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ دَاوُد نَكَحَ مِائَةَ امْرَأَةٍ ، وَهَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ امْرَأَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ سَرِيَّةٍ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ ، وَبَعْدَ هَذَا قِفُوا حَيْثُ وَقَفَ بِكُمْ الْبَيَانُ بِالْبُرْهَانِ دُونَ مَا تَتَنَاقَلُهُ الْأَلْسِنَةُ مِنْ غَيْرِ تَثْقِيفٍ لِلنَّقْلِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ ظَلَمَك بِسُؤَالِ نَعْجَتِك إلَى نِعَاجِهِ } : فِيهِ الْفَتْوَى فِي النَّازِلَةِ بَعْدَ السَّمَاعِ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخِرِ بِظَاهِرِ الْقَوْلِ ؛ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ وَلَا فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْبَشَرِ ؛ وَإِنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ ادَّعَى ، وَالْآخَرُ سَلَّمَ فِي الدَّعْوَى ، فَوَقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتْوَى .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إذَا جَلَسَ إلَيْك الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ } .
وَقِيلَ : إنَّ دَاوُد لَمْ يَقْضِ لِلْآخَرِ حَتَّى اعْتَرَفَ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ .
وَقِيلَ : تَقْدِيرُهُ لَقَدْ ظَلَمَك إنْ كَانَ كَذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِتَعْيِينِ مَا يُمْكِنُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، لَمَا قَرَّرَهُمْ دَاوُد عَلَى ذَلِكَ ، وَلَقَالَ : انْصَرِفَا إلَى مَوْضِعِ الْقَضَاءِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْقَضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ يَعْنِي فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي رَحْبَتِهِ لِيَصِلَ إلَيْهِ الضَّعِيفُ وَالْمُشْرِكُ وَالْحَائِضُ .
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ : يَقْضِي فِي مَنْزِلِهِ وَأَيْنَ أَحَبَّ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُقَسِّمُ أَوْقَاتَهُ وَأَحْوَالَهُ لِيَبْلُغَ كُلُّ أَحَدٍ إلَيْهِ وَيَسْتَرِيحَ هُوَ مِمَّا يَرِدُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَظَنَّ دَاوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } : يَعْنِي أَيْقَنَ .
وَالظَّنُّ يَنْطَلِقُ عَلَى الْعِلْمِ وَالظَّنِّ ؛ لِأَنَّهُ جَارُهُ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ } : اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الذَّنْبِ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ عَلَى أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قِيلَ : إنَّهُ نَظَرَ إلَى الْمَرْأَةِ حَتَّى شَبِعَ مِنْهَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَغْزَى زَوْجَهَا فِي حَمْلَةِ التَّابُوتِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ نَوَى إنْ مَاتَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا .
الرَّابِعُ أَنَّهُ حَكَمَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمَحْدُودَةِ عَلَى وَجْهٍ بَيِّنٍ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ حَكَمَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَذَلِكَ تَعْرِيضُ زَوْجِهَا لِلْقَتْلِ كَمَا قَدَّمْنَا تَصْوِيرٌ لِلْحَقِّ عَلَى رُوحِ الْبَاطِلِ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ نَظَرَ إلَيْهَا حَتَّى شَبِعَ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدِي بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ طُمُوحَ الْبَصَرِ لَا يَلِيقُ بِالْأَوْلِيَاءِ الْمُتَجَرِّدِينَ لِلْعِبَادَةِ ، فَكَيْفَ بِالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ الْوَسَائِطُ الْمُكَاشَفُونَ بِالْغَيْبِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ الْحَمَامَةَ أَتَتْ فَوَقَفَتْ قَرِيبًا مِنْ دَاوُد ، وَهِيَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَلَمَّا رَآهَا أَعْجَبَتْهُ ، فَقَامَ لِيَأْخُذَهَا ، فَفَرَّتْ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ صَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ طَارَتْ فَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ ، فَوَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَغْتَسِلُ ، وَلَهَا شَعْرٌ طَوِيلٌ ، فَبَلَغَنِي أَنَّهُ أَقَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاجِدًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ ، فَأَمَّا النَّظْرَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا أَصْلَ لَهَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ يَقُولُ : إنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ارْتَكَبَ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ مُحَرَّمًا إلَّا جَلَدْته مِائَةً وَسِتِّينَ سَوْطًا ، فَإِنَّهُ يُضَاعَفُ لَهُ الْحَدُّ
حُرْمَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ عَنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا حُكْمُهُ عِنْدَكُمْ ؟ قُلْنَا : أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ نَبِيًّا زَنَى فَإِنَّهُ يُقْتَلُ .
وَأَمَّا مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ مِنْ النَّظْرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ نَقْلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ صَمَّمَ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فِيهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَاقِضُ التَّعْزِيرَ الْمَأْمُورَ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ نَوَى إنْ مَاتَ زَوْجُهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَا شَيْءَ فِيهِ ؛ إذَا لَمْ يُعَرِّضْهُ لِلْمَوْتِ ، وَبَعْدَ هَذَا فَإِنَّ الذَّنْبَ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ سُؤَالُهُ زَوْجَةً وَعَدَمُ الْقَنَاعَةِ بِمَا كَانَ مِنْ عَدَدِ النِّسَاءِ عِنْدَهُ ؛ وَالشَّهْوَةُ لَا آخِرَ لَهَا ، وَالْأَمَلُ لَا غَايَةَ لَهُ ؛ فَإِنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا لَا يَكْفِي الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ فِي ظَنِّهِ ، وَيَكْفِيهِ الْأَقَلُّ مِنْهُ ؛ وَاَلَّذِي عَتَبَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى دَاوُد تَعَلُّقُ بَالُهُ إلَى زَوْجِ غَيْرِهِ ، وَمَدُّ عَيْنِهِ إلَى مَتَاعِ سِوَاهُ حَسْبَمَا نَصَّ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أُورِيَا فَمَالَ إلَيْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ عَارِفًا ، وَهَذَا بَاطِلٌ يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ وَالْآثَارُ التَّفْسِيرِيَّةُ كُلُّهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرُّكُوعَ هَاهُنَا السُّجُودُ ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ ؛ إذْ كُلُّ رُكُوعٍ سُجُودٌ ، وَكُلُّ سُجُودٍ رُكُوعٌ ؛ فَإِنَّ السُّجُودَ هُوَ الْمِيلُ ، وَالرُّكُوعُ هُوَ الِانْحِنَاءُ ، وَأَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَيْئَةٍ ، ثُمَّ جَاءَ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، فَسُمِّيَ السُّجُودُ رُكُوعًا .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ أَمْ لَا ؟ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ .
وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ : { ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ ، وَلَكِنَّنِي رَأَيْتُكُمْ تَيَسَّرْتُمْ لِلسُّجُودِ ، وَنَزَلَ فَسَجَدَ } .
وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد .
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّهُ قَالَ : { ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ الْقُرْآنِ .
وَقَدْ رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِيهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ ، لَا يُسْجَدُ فِيهَا .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ ؛ وَنَبِيُّكُمْ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضِعَ سُجُودٍ ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا فَسَجَدْنَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ .
وَمَعْنَى السُّجُودِ أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ سَجَدَ خَاضِعًا لِرَبِّهِ ، مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ ، تَائِبًا مِنْ خَطِيئَتِهِ ؛ فَإِذَا سَجَدَ أَحَدٌ فِيهَا فَلْيَسْجُدْ بِهَذِهِ النِّيَّةِ ؛ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ بِحُرْمَةِ دَاوُد الَّذِي اتَّبَعَهُ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا
فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لِلْغَيْرِ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ يَسْتَتِرُ بِشَجَرَةٍ ، وَهُوَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ ؛ فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ سَجَدَ وَسَجَدَتْ الشَّجَرَةُ مَعَهُ ، فَسَمِعَهَا وَهِيَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعْظِمْ لِي بِهَذِهِ السَّجْدَةِ أَجْرًا وَارْزُقْنِي بِهَا شُكْرًا } .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَذَا كَلَامٌ مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَهُ وَصَّى اللَّهُ فِيهِ دَاوُد ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ طَلَبُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَدْلٍ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطْلُبْ امْرَأَةَ زَيْدٍ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي أَمْرِهَا بَعْدَ فِرَاقِ زَوْجِهَا وَإِتْمَامِ عِدَّتِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَيَبْعُدُ مِنْ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ ؛ فَلِهَذَا ذُكِّرَ وَعَلَيْهِ عُوتِبَ وَبِهِ وُعِظَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { خَلِيفَةً } : قَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَةَ وَمَعْنَاهَا لُغَةً ، وَهُوَ قِيَامُ الشَّيْءِ مَقَامَ الشَّيْءِ ؛ وَالْحُكْمُ لِلَّهِ ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } وَعَلَى الْخُصُوصِ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } وقَوْله تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْضِ } وَالْخُلَفَاءُ عَلَى أَقْسَامٍ : أَوَّلُهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ ، وَآخِرُهُمْ الْعَبْدُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ، " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } .
بَيْدَ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ لَا يُمْكِنُهُ تُوَلِّي كُلِّ الْأُمُورِ بِنَفْسِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ ، وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ : أَوَّلُهَا الِاسْتِخْلَافُ عَلَى الْبِلَادِ ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، أَوْ يُقَدِّمَهُ عَلَى الْخُصُوصِ ؛ فَإِنْ قَدَّمَهُ وَعَيَّنَهُ فِي مَنْشُورِهِ وَقَفَ نَظَرُهُ حَيْثُ خُصَّ بِهِ ، وَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْعُمُومِ فَكُلُّ مَا فِي الْمِصْرِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ : الْأَوَّلُ الْقَضَاءُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ ، وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ يَقْضِي ، فَإِذَا قَدَّمَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْحُكْمِ بَيْنِ الْخَلْقِ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِيمَا فِيهِ التَّنَازُعُ بَيْنَ الْخَلْقِ ، وَذَلِكَ حَيْثُ تَزْدَحِمُ أَهْوَاؤُهُمْ ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : النَّفْسِ ، وَالْعِرْضِ ، وَالْمَالِ ، يَفْصِلُ فِيمَا تَنَازَعَهُمْ ، وَيَذُبُّ عَنْهُمْ مَنْ يُؤْذِيهِمْ ، وَيَحْفَظُ مِنْ الضَّيَاعِ أَمْوَالَهُمْ بِالْجِبَايَةِ إنْ كَانَتْ مُفَرَّقَةً ، وَبِتَفْرِيقِهَا عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا إذَا اجْتَمَعَتْ ، وَيَكُفُّ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ .
وَيَدْخُلُ فِيهِ قَوَدُ الْجُيُوشِ ، وَتَدْبِيرُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ هُوَ
الثَّالِثُ .
وَقَدْ رَامَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَحْصُرَ وِلَايَاتِ الشَّرْعِ فَجَمَعَهَا فِي عِشْرِينَ وِلَايَةً ، وَهِيَ : الْخِلَافَةُ الْعَامَّةُ ، وَالْوَزَارَةُ ، وَالْإِمَارَةُ فِي الْجِهَادِ ، وَوِلَايَةُ حُدُودِ الْمَصَالِحِ ، وَوِلَايَةُ الْقَضَاءِ ، وَوِلَايَةُ الْمَظَالِمِ ، وَوِلَايَةُ النِّقَابَةِ عَلَى أَهْلِ الشَّرَفِ ، وَالصَّلَاةُ ، وَالْحَجُّ ، وَالصَّدَقَاتُ ، وَقَسَمُ الْفَيْءِ ، وَالْغَنِيمَةِ ، وَفَرْضُ الْجِزْيَةِ ، وَالْخَرَاجِ ، وَالْمَوَاتُ وَأَحْكَامُهُ ، وَالْحِمَى ، وَالْإِقْطَاعُ ، وَالدِّيوَانُ ، وَالْحِسْبَةُ .
فَأَمَّا وِلَايَةُ الْخِلَافَةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَأَمَّا الْوَزَارَةُ فَهِيَ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ رَجُلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ يُشَاوِرُهُ الْخَلِيفَةُ فِيمَا يَعِنُّ لَهُ مِنْ الْأُمُورِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى : { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } فَلَوْ سَكَتَ هَاهُنَا كَانَتْ وَزَارَةَ مَشُورَةٍ ، وَلَكِنَّهُ تَأَدَّبَ مَعَ أَخِيهِ لِسِنِّهِ وَفَضْلِهِ وَحِلْمِهِ وَصَبْرِهِ فَقَالَ : { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } فَسَأَلَ وَزَارَةَ مُشَارَكَةٍ فِي أَصْلِ النُّبُوَّةِ .
وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : { وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ ، وَوَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ } .
وَأَمَّا الْوِلَايَةُ عَلَى الْجِهَادِ فَقَدْ { أَمَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ لَمْ يَشْهَدْهَا ، وَقَسَّمُوا الْغَنِيمَةَ فِيهَا } ، فَدَخَلَتْ إحْدَى الْوِلَايَتَيْنِ فِي الْأُخْرَى ، وَلِلْوَالِي أَنْ يُفْرِدَهُمَا .
وَأَمَّا حُدُودُ الْمَصَالِحِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ : الرِّدَّةُ ، وَقَطْعُ السَّبِيلِ ، وَالْبَغْيُ ؛ فَأَمَّا الرِّدَّةُ وَالْقَطْعُ لِلسَّبِيلِ فَكَانَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِنَّ نَفَرًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَجَعَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِبِلِ حَتَّى صَحُّوا ، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ ، وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ مُرْتَدِّينَ ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ ، فَجِيءَ بِهِمْ فَقَتَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ كَمَا فَعَلُوا } ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَشَرْحُ الْحَدِيثِ .
وَاسْتَوْفَى اللَّهُ بَيَانَ حَرْبِ الرِّدَّةِ بِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ .
وَأَمَّا قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَدْ نَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ يَقُولُ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } ؛ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْقَضَاءِ { فَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فِي حَيَاتِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ .
وَقَالَ : لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ } .
وَشُرُوطُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْفِقْهِ .
{ وَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ مِنْ وُلَاتِهِ } .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْمَظَالِمِ فَهِيَ وِلَايَةٌ غَرِيبَةٌ أَحْدَثَهَا مَنْ تَأَخَّرَ مِنْ الْوُلَاةِ ، لِفَسَادِ الْوِلَايَةِ وَفَسَادِ النَّاسِ ؛ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ حُكْمٍ يَعْجَزُ عَنْهُ الْقَاضِي فَيَنْظُرُ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ يَدًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّ التَّنَازُعَ إذَا كَانَ بَيْنَ ضَعِيفَيْنِ قَوَّى أَحَدَهُمَا الْقَاضِي ، وَإِذَا كَانَ بَيْنَ قَوِيٍّ وَضَعِيفٍ أَوْ قَوِيَّيْنِ وَالْقُوَّةُ فِي أَحَدِهِمَا بِالْوِلَايَةِ كَظُلْمِ الْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ فَهَذَا مِمَّا نُصِّبَ لَهُ الْخُلَفَاءُ أَنْفُسُهُمْ ، وَأَوَّلُ مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَرَدَّهُ إلَى قَاضِيهِ ابْنِ إدْرِيسَ ، ثُمَّ جَلَسَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَدَّ مَظَالِمَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ ؛ إذْ كَانَتْ فِي أَيْدِي الْوُلَاةِ وَالْعُتَاةِ الَّذِينَ تَعْجَزُ عَنْهُمْ الْقُضَاةُ ، ثُمَّ صَارَتْ سُنَّةً ، فَصَارَ بَنُو الْعَبَّاسِ يَجْلِسُونَ لَهَا ، وَفِي قِصَّةٍ دَارِسَةٍ عَلَى أَنَّهَا فِي أَصْلِ وَضْعِهَا دَاخِلَةٌ فِي الْقَضَاءِ ، وَلَكِنَّ الْوُلَاةَ أَضْعَفُوا الْخُطَّةَ الْقَضَوِيَّةِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ ضَعْفِ الرَّعِيَّةِ ، لِيَحْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِمْ ، فَيَقْعُدُوا عَنْهُمْ ، فَتَبْقَى الْمَظَالِمُ بِحَالِهَا .
وَأَمَّا وِلَايَةُ النِّقَابَةِ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَتْ الدَّعَاوَى فِي الْأَنْسَابِ الْهَاشِمِيَّةِ ، لِاسْتِيلَائِهَا عَلَى الدَّوْلَةِ ، نَصَّبَ الْوُلَاةُ قَوْمًا يَحْفَظُونَ الْأَنْسَابَ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهَا مَنْ لَيْسَ مِنْهَا ، ثُمَّ زَادَتْ الْحَالُ فَسَادًا ، فَجَعَلُوا إلَيْهِمْ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ، فَرَدُّوهُمْ لِقَاضٍ مِنْهُمْ لِئَلَّا تَمْتَهِنَهُمْ الْقُضَاةُ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ ، وَهُمْ أَشْرَفُ مِنْهُمْ ، وَهِيَ بِدْعِيَّةٌ تُنَافِي الشَّرْعِيَّةَ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الصَّلَاةِ فَهِيَ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا وَفَرْعٌ لِلْإِمَارَةِ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا كَانَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهِ } ، وَلَمَّا فَسَدَ الْأَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ تُرْضَى حَالُهُ لِلْإِمَامَةِ بَقِيَتْ الْوِلَايَةُ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ الْغَلَبَةِ ، وَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ مَنْ يَرْضَى ؛ سِيَاسَةً مِنْهُمْ لِلنَّاسِ ، وَإِبْقَاءً عَلَى أَنْفُسِهِمْ ؛ فَقَدْ كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ ، حِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ ، يَتَحَرَّجُ أَهْلُ الْفَضْلِ مِنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى الْأَبْوَابِ ؛ فَيَأْخُذُونَهُمْ بِسِيَاطِ الْحَرَسِ ، فَيَضْرِبُونَ لَهَا حَتَّى يَفِرُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ الْمَسْجِدِ .
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ، بَلْ يُصَلِّي مَعَهُمْ ، وَفِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحَجِّ فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِبِلَادِ الْحَجِّ .
{ وَأَوَّلُ أَمِيرٍ بَعَثَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، بَعَثَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَأَرْسَلَهُ بِسُورَةِ بَرَاءَةٍ ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ عَلِيًّا } ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الصَّدَقَةِ { فَقَدْ اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَاتِ كَثِيرًا } .
أَمَّا وَضْعُ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ فَقَدْ صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ وَأَهْلَ الْبَحْرَيْنِ ، فَأَمَرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ " وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ التَّقْرِيرُ لِخَلِيفَةٍ لَجَازَ أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يُقَرِّرُهُ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ حِينَ بَعَثَ إلَى الْعِرَاقِ عُمَّالَهُ ، وَأَمَرَهُمْ بِمِسَاحَةِ الْأَرْضِ ، وَوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا .
وَأَمَّا مَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَلَيْسَ بِوِلَايَةٍ فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْوِلَايَاتِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ النَّظَرُ فِي مَكَّةَ وَحَرَمِهَا وَدُورِهَا ، وَفِي الْمَدِينَةِ وَحَرَمِهَا ، وَفِيمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فِيهَا ، وَأَحْوَالِ الْبِلَادِ فِيمَا فُتِحَ مِنْهَا عَنْوَةً وَصُلْحًا وَهَذِهِ الشَّرِيعَةُ فِيمَا اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ فِي تَمَلُّكِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَلَيْسَ بِوِلَايَةٍ مَخْصُوصَةٍ حَتَّى يُذْكَرَ فِي جُمْلَةِ الْوِلَايَاتِ ؛ وَكَذَلِكَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْوِلَايَاتِ ، وَبَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِمَى وَالْإِقْطَاعِ فَهِيَ مَشْهُورَةٌ .
وَأَوَّلُ مَنْ وَلَّى فِيهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَوْلَاهُ أَبَا أُسَامَةَ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ ، وَوَلَّى عُمَرُ عَلَى حِمَى السَّرِفِ مَوْلَاهُ يَرْفَأُ ، وَقَالَ : اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ ، وَإِيَّايَ وَغَنَمَ ابْنُ عَوْفٍ وَابْنُ عَفَّانَ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكُ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ يَأْتِينِي بِعِيَالِهِ فَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا ؟ لَا أَبَا لَك ، فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا .
وَأَمَّا الْإِقْطَاعُ فَهُوَ بَابٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ، { فَقَدْ أَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمَزْنِيِّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفَرْعِ } ، وَبَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الدِّيوَانِ فَهِيَ الْكِتَابَةُ ، وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُتَّابٌ وَلِلْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ ، وَهِيَ ضَبْطُ الْجُيُوشِ بِمَعْرِفَةِ أَرْزَاقِهِمْ وَالْأَمْوَالُ لِتَحْصِيلِ فَوَائِدِهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحُدُودِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ : تَنَاوُلُ إيجَابِهَا ، وَذَلِكَ لِلْقُضَاةِ ؛ وَتَنَاوُلُ اسْتِيفَائِهَا ، { وَقَدْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمٍ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ } ، وَهِيَ أَشْرَفُ الْوِلَايَاتِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَشْرَفِ الْأَشْيَاءِ ، وَهِيَ الْأَبْدَانُ ؛ فَلِنَقِيصَةِ النَّاسِ وَدَحْضِهِمْ بِالذُّنُوبِ أَلْزَمَهُمْ اللَّهُ بِالذِّلَّةِ بِأَنْ جَعَلَهَا فِي أَيْدِي الْأَدْنِيَاءِ وَالْأَوْضَاعِ بَيْنَ الْخَلْقِ .
وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ ؛ وَأَصْلُهَا أَكْبَرُ الْوِلَايَاتِ ، وَهِيَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَلِكَثْرَةِ ذَلِكَ رَأَى الْأُمَرَاءُ أَنْ يَجْعَلُوهَا إلَى رَجُلٍ يَتَفَقَّدُهَا فِي الْأَحْيَانِ مِنْ السَّاعَاتِ ؛ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى التَّوْفِيقَ لِلْجَمِيعِ ، وَيُرْشِدُ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ ، وَيَمُنُّ بِتَوْبَةٍ تُعِيدُ الْأَمْرَ إلَى أَهْلِهِ ، وَتُوسِعُنَا مَا نُؤَمِّلُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : نَزَلَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ : عَلِيٌّ ، وَحَمْزَةُ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنَيْ الْمُطَّلِبِ ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَأُمُّ أَيْمَنَ وَغَيْرُهُمْ ، وَيَقُولُ : أَمْ نَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ؛ كَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَحَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَالْعَاصِي بْنُ أُمَيَّةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } يَعْنِي الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الْآخِرَةِ كَالْفُجَّارِ يَعْنِي مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَذِهِ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ ، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّتِهَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ نَفَى الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَبَيْنَ الْمُتَّقِينَ وَالْفُجَّارِ ، رُءُوسًا بِرُءُوسٍ وَأَذْنَابًا بِأَذْنَابٍ ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ فِي الْجَنَّةِ وَالْمُفْسِدِينَ الْفُجَّارَ فِي النَّارِ ؛ وَلَا مُسَاوَاةَ أَيْضًا بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ مَعْصُومُونَ دَمًا وَعِرْضًا ، وَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ وَالْفُجَّارَ فِي النَّارِ مُبَاحُو الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ الْمُفْسِدِينَ بِذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَوَقَعَتْ فِي الْفِقْهِ نَوَازِلُ مِنْهَا قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، وَمِنْهَا إذَا بَنَى رَجُلٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ ، ثُمَّ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إخْرَاجَهُ عَنْ الْبُنْيَانِ ، وَهَلْ يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا أَوْ مَنْقُوضًا ؟ وَمِنْهَا إذَا بَنَى الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ الَّذِي اشْتَرَى فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ يَزِنُ الثَّمَنَ ، وَهَلْ يُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا أَوْ مَنْقُوضًا ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إذَا بَنَى فِي الْأَرْضِ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ ثُمَّ وَجَبَ لَهُ إخْرَاجُهُ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْطِي الشَّفِيعُ لِلْمُشْتَرِي قِيمَةَ بِنَائِهِ فِي الشِّقْصِ مَنْقُوضًا مُسَاوِيًا لَهُ بِالْغَاصِبِ .
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَائِرُ عُلَمَائِنَا وَالشَّافِعِيَّةُ إلَّا الْقَلِيلَ .
يُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا ، لِأَنَّهُ بَنَاهُ بِحَقٍّ وَتَقْوَى وَصَلَاحٍ ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ ، وَإِنْ كَانَ يُقْتَلُ بِمُسْلِمٍ مِثْلِهِ ، وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } .
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ ، وَهُوَ قَوْلٌ عَامٌّ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ ، أَمَّا أَنَّهُ يَبْقَى النَّظَرُ فِي أَعْيَانِ هَذِهِ الْفُرُوعِ فَتَفْصِيلٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ ، لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ هَاهُنَا فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : بِالْعَشِيِّ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَأَنَّهُ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى الْغُرُوبِ ، كَمَا أَنَّ الْغَدَاةَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } يَعْنِي الَّتِي وَقَفَتْ مِنْ الدَّوَابِّ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ ، وَذَلِكَ لِعِتْقِهَا ، فَإِذَا ثَنَى الْفَرَسُ إحْدَى رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى كَرَمِهِ ، كَمَا أَنَّهُ إذَا شَرِبَ وَلَمْ يَثْنِ سُنْبُكُهُ دَلَّ أَيْضًا عَلَى كَرَمِهِ ، وَمِنْ الْغَرِيبِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ : { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجَالُ صُفُونًا يَعْنِي يُدِيمُونَ لَهُ الْقِيَامَ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ .
وَمِنْ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : { مَنْ سَرَّهُ أَنْ تَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ ، وَقَدْ يُقَالُ صَفَنَ لِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ ، وَالْمَصْدَرُ صُفُونًا قَالَ الشَّاعِرُ : أَلِفَ الصُّفُونَ فَمَا يُزَالُ كَأَنَّهُ مِمَّا يَقُومُ عَلَى الثَّلَاثِ كَسِيرًا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْجِيَادُ هِيَ الْخَيْلُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ بِرَدِيءٍ يُقَالُ لَهُ جَيِّدٌ ، وَدَابَّةٌ جَيِّدَةٌ وَجِيَادٌ مِثْلُ سَوْطٍ وَسِيَاطٍ ؛ عُرِضَتْ الْخَيْلُ عَلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَشَغَلَتْهُ عَنْ صَلَاةِ الْعَشِيِّ بِظَاهِرِ الْقَوْلَيْنِ ؛ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : هِيَ الْعَصْرُ .
وَقَدْ رَوَى الْمُفَسِّرُونَ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَهِيَ الَّتِي فَاتَتْ سُلَيْمَانَ } ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ .
وَقِيلَ : كَانَتْ أَلْفَ فَرَسٍ وَرِثَهَا مِنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَصَابَهَا مِنْ الْعَمَالِقَةِ ، وَكَانَ لَهُ مَيْدَانٌ مُسْتَدِيرٌ يُسَابِقُ بَيْنَهَا فِيهِ ، فَنَظَرَ فِيهَا حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ خَلْفَ الْحِجَابِ ، وَهُوَ مَا كَانَ يَحْجُبُ بَيْنَهُ
وَبَيْنَهَا لَا غَيْرُ مِمَّا يَدَّعِيهِ الْمُفَسِّرُونَ ، وَقِيلَ أَرَادَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ، وَغَابَتْ عَنْ عَيْنَيْهِ فِي الْمُسَابَقَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( بِالْعَشِيِّ ) ، كَمَا تَقُولُ : سِرْت بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَابَتْ يَعْنِي الشَّمْسَ ، وَتَرَكَهَا لِدَلَالَةِ السَّامِعِ لَهَا عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرَ مِمَّا يَرْتَبِطُ بِهَا ، وَتَعَلَّقَ بِذِكْرِهَا ؛ وَالْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ أَمْرٌ مُرْتَبِطٌ بِمَسِيرِ الشَّمْسِ ، فَذِكْرُهُ ذِكْرٌ لَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّ ذَلِكَ لَبِيدٌ بِقَوْلِهِ : حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فَلَمَّا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ قَالَ : { إنِّي أَحْبَبْت حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } يَعْنِي الْخَيْلَ ، وَسَمَّاهَا خَيْرًا لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ بِتَسْمِيَةِ الشَّارِعِ لَهُ بِذَلِكَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَلِذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ : { إنِّي أَحْبَبْت حُبَّ الْخَيْلِ } بِالتَّصْرِيحِ بِالتَّفْسِيرِ ؛ قَالَ : { رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا } بِسُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا ، فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا مَسْحُهَا بِيَدِهِ إكْرَامًا لَهَا ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ وَهُوَ يَمْسَحُ عَنْ فَرَسِهِ عَرَقَهُ بِرِدَائِهِ ، وَقَالَ : إنِّي عُوتِبْت اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ } .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَسَحَ أَعْنَاقَهَا وَسُوقَهَا بِالسُّيُوفِ عَرْقَبَةً ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا بِهَا حِينَ كَانَ سَبَبًا لِاشْتِغَالِهِ بِهَا عَنْ الصَّلَاةِ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَتَلَهَا ، وَهِيَ خَيْلُ الْجِهَادِ ؟ قُلْنَا : رَأَى أَنْ يَذْبَحَهَا لِلْأَكْلِ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : { أَكَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا } .
فَكَانَ ذَلِكَ لِئَلَّا تُشْغِلَهُ مَرَّةً أُخْرَى .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ أَمْثَالَهُ ؛ أَلَا تَرَى إلَى سُلَيْمَانَ كَيْفَ أَتْلَفَ الْخَيْلَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْهَا الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ .
وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ وَهِمَ فَقَالَ : وَسَمَهَا بِالْكَيِّ ، وَسَبَّلَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَيْسَتْ السُّوقُ مَحَلًّا لِلْوَسْمِ بِحَالٍ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَيْفَ سَأَلَ سُلَيْمَانُ الْمُلْكَ ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الدُّنْيَا ؟ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا سَأَلَهُ لِيُقِيمَ فِيهِ الْحَقَّ ، وَيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } .
كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : كَيْفَ مَنَعَ مِنْ أَنْ يَنَالَهُ غَيْرُهُ ؟ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِيهِ أَجْوِبَةٌ سَبْعَةٌ : الْأَوَّلُ إنَّمَا سَأَلَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لَهُ فِي قَوْمِهِ وَآيَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَسْلُبْهُ عَنِّي .
الثَّالِثُ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُلْكَ ، بَلْ يَكِلُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ .
الرَّابِعُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي مِنْ الْمُلُوكِ ، وَلَمْ يُرِدْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ .
الْخَامِسُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَنَاعَةَ .
السَّادِسُ أَنَّهُ أَرَادَ مُلْكَهُ لِنَفْسِهِ .
السَّابِعُ عَلِمَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ إيَّاهُ لِيَفْضُلَ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ لِمَنَاطِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَأَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بِفَائِدَةٍ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُعْجِزَةِ أَنْ تَكُونَ هَكَذَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ لَا تَسْلُبْهُ عَنِّي ، فَإِنَّمَا أَرَادَ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَدَّعِيَهُ بَاطِلًا ؛ إذْ كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ أَخَذَ خَاتَمَهُ وَجَلَسَ مَجْلِسَهُ ، وَحَكَمَ فِي الْخَلْقِ عَلَى لِسَانِهِ ، حَسْبَمَا رُوِيَ فِي كُتُبِ الْمُفَسِّرِينَ .
وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ قَطْعًا ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يَحْكُمُونَ فِي الْخَلْقِ بِصُورَةِ الْحَقِّ ، مَكْشُوفًا إلَى النَّاسِ : بِمَرْأًى مِنْهُمْ ؛ حَتَّى يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهُمْ مَعَ نَبِيِّهِمْ فِي حَقٍّ ، وَهُمْ مَعَ
الشَّيْطَانِ فِي بَاطِلٍ ؛ وَلَوْ شَاءَ رَبُّك لَوَهَبَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالدِّينِ لِمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلُ مَا يَزَعُهُ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يُخَلِّدَهُ فِي دِيوَانٍ مِنْ بَعْدَهُ ، حَتَّى يُضِلَّ بِهِ غَيْرَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُلْكَ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ يَصِحُّ لَوْ جَاءَ بِقَوْلِهِ : { لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } فِي سَعَةِ الِاسْتِئْنَافِ لِلْقَوْلِ وَالِابْتِدَاءِ بِالْكَلَامِ .
أَمَّا وَقَدْ جَاءَ مَجِيءَ الْجُمْلَةِ الْحَالَّةِ مَحَلَّ الصِّفَةِ لِمَا سَبَقَ قَبْلَهَا مِنْ الْقَوْلِ فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِهَذَا لِتَنَاقُضِ الْمَعْنَى فِيهِ وَخُرُوجِ ذَلِكَ عَنْ الْقَانُونِ الْعَرَبِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي مِنْ الْمُلُوكِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ فَهَذَا قَوْلٌ قَلِيلٌ الْفَائِدَةِ جِدًّا ؛ إذْ قَدْ عَلِمَ قَطْعًا وَيَقِينًا هُوَ وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ مَعَهُ أَنَّ الْمُلُوكَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى ذَلِكَ ، لَا بِالسُّؤَالِ ، وَلَا مَعَ ابْتِدَاءِ الْعَطَاءِ ، وَهُوَ مَعَ مَا بَعْدَهُ أَمْثَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى دَرَجَةٍ مِنْ الزُّهْدِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ لَا مَلِكٌ ، فَأَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلِمَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ لَا يُؤْتَى ذَلِكَ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ فَضْلِهِ لَا يَسْأَلُهُ ، لِأَنَّهُ نَبِيٌّ عَبْدٌ ، وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ مَلِكٍ ، فَحِينَئِذٍ أَقْدَمَ عَلَى السُّؤَالِ ، وَهُوَ قَوْلٌ مُتَمَاثِلٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يُعْطِيهِ بِسُؤَالِهِ ، كَمَا غَفَرَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرْطِ اسْتِغْفَارِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ عِفْرِيتًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ، وَأَرَدْت أَنْ أَرْبِطَهُ إلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ
سِوَارِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ ذَكَرْت قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } .
فَأَرْسَلْته ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَصْبَحَ يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ الْمَدِينَةِ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدُعَائِهِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِهِ ، وَذَلِكَ بِإِذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ ؛ إذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُهُ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ حَلِفِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اتَّخَذَ إبْلِيسُ تَابُوتًا ، فَوَقَفَ عَلَى الطَّرِيقِ يُدَاوِي النَّاسَ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةَ أَيُّوبَ ، فَقَالَتْ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ؛ إنَّ هَاهُنَا إنْسَانًا مُبْتَلًى فِي أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا ، فَهَلْ لَك أَنْ تُدَاوِيَهُ ؟ قَالَ لَهَا : نَعَمْ ، عَلَى أَنِّي إنْ شَفَيْته يَقُولُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ : أَنْتَ شَفَيْتنِي ، لَا أُرِيدُ مِنْهُ غَيْرَهَا .
فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ أَيُّوبَ ، فَقَالَ : وَيْحُك ، ذَلِكَ الشَّيْطَانُ ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفَانِي اللَّهُ لَأَجْلِدَنَّك مِائَةَ جَلْدَةٍ .
فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَهَا بِهِ ، فَأَخَذَ شَمَارِيخَ قَدْرَ مِائَةٍ ، فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : إنَّمَا كَانَ حِينَ بَاعَتْ ذَوَائِبَهَا فِي طَعَامِهِ ، وَقَدْ كَانَتْ عَدِمَتْ الطَّعَامَ ، وَكَرِهَتْ أَنْ تَتْرُكَهُ جَائِعًا ، فَبَاعَتْ ذَوَائِبَهَا وَجَاءَتْهُ بِطَعَامٍ طَيِّبٍ مِرَارًا ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَعَرَّفَتْهُ بِهِ ، فَقَالَ مَا قَالَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي عُمُومِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَخُصُوصِهَا : رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا لِلنَّاسِ عَامَّةً .
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا بِالنَّكَرَةِ خَاصَّةً ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةً ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ .
قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : يُرِيدُ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } .
قَالَ الْقَاضِي : شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَإِنَّمَا انْفَرَدَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ هَذِهِ لَا عَنْ شَرِيعَتِهِ لِتَأْوِيلٍ بَدِيعٍ ، وَهُوَ أَنَّ مَجْرَى الْإِيمَانِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي سَبِيلِ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ أَوْلَى لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .
وَالنِّيَّةُ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ ، وَعِمَادُ الْأَعْمَالِ ، وَعِيَارُ التَّكْلِيفِ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ .
وَقِصَّةُ أَيُّوبَ هَذِهِ لَمْ يَصِحَّ كَيْفِيَّةُ يَمِينِ أَيُّوبَ فِيهَا فَإِنَّهُ رَوَى أَنَّهُ قَالَ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ جَلَدْتُك .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَجْلِدَنَّك وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَنْ كُتُبِ التِّرْمِذِيِّ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي النَّصْبِ فِيهَا وَلَا فِي إشْكَالِهَا بِسَبِيلِ التَّأْوِيلِ ، وَلَا طُلِبَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا بِجَمْعِ الدَّلِيلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ : إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِ كَفَّارَةٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْبِرُّ أَوْ الْحِنْثُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَا صَدَرَ مِنْهُ نَذْرًا لَا يَمِينًا ، وَإِذَا كَانَ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي كُلِّ نَذْرٍ كَفَّارَةٌ ، وَهَلْ مَخْرَجُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ أَوْ
الْإِجْمَالِ ؟
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إذْ يَخْتَصِمُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَذَلِكَ أَنَّ { قُرَيْشًا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قَالَ : سَأَلَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْت : فِي الْكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ .
قَالَ : وَمَا الْكَفَّارَاتُ ؟ قُلْت : الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَالتَّعْقِيبُ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ : وَمَا الدَّرَجَاتُ ؟ قُلْت : إفْشَاءُ السَّلَامِ ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ وَقِيلَ : خُصُومَتُهُمْ قَوْلُهُمْ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِك وَنُقَدِّسُ لَك قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } } هَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ ؛ وَهُوَ حَسَنٌ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { رَأَيْت رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَوَجَدْت بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَعَلِمْت مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : { وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } .
فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، فَقُلْت : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْت : أَيْ رَبِّ فِي الْكَفَّارَاتِ .
قَالَ : وَمَا الْكَفَّارَاتُ ؟ قُلْت : الْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ ، وَكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ صَحِيحًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : {
احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثَوَّبَ بِالصَّلَاةِ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لَنَا : عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَيْنَا ثُمَّ قَالَ : أَمَا إنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمْ الْغَدَاةَ : إنِّي قُمْت فِي اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْت وَصَلَّيْت مَا قُدِّرَ لِي ، فَنَعَسْت فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْت ، فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ .
قُلْت : لَبَّيْكَ .
قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْت : مَا أَدْرِي ثَلَاثًا .
قَالَ : فَرَأَيْته وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَوَجَدْت بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ ، وَعَرَفْت .
ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ .
قُلْت : لَبَّيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْت : فِي الْكَفَّارَاتِ .
قَالَ : مَا هُنَّ ؟ قُلْت مَشْيُ الْأَقْدَامِ إلَى الْحَسَنَاتِ ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْكَرِيهَاتِ .
قَالَ : وَمَا الْحَسَنَاتُ ؟ قُلْت : إطْعَامُ الطَّعَامِ ، وَلِينُ الْكَلَامِ ، وَالصَّلَاةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ .
قَالَ : سَلْ .
قُلْت : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ .
وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ، وَإِذَا أَرَدْت فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ ، أَسْأَلُك حُبَّك وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّك ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إلَى حُبِّك .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَا خِلَافَ أَنَّ الْمَشْيَ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الطَّاعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ ، فَأَمَّا كُلُّ مَا يُبْعِدُ فَيَكُونُ الْمَرْءُ بِكَلَالَهِ أَقَلَّ اجْتِهَادًا فِي الطَّاعَةِ فَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ فِيهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّاكِبَ فِي الْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ الرَّاجِلِ لِأَجْلِ غَنَائِهِ ؛ وَهَذَا فَرْعُ هَذَا الْأَصْلِ ، إذْ الْعَمَلُ مَا كَانَ أَخْلَصَ وَأَبَرَّ كَانَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِالرَّاحَةِ أَفْضَلَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَلَأُ الْأَعْلَى فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَكَمِّيَّتِهَا فَيَجْتَهِدُونَ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ أَفْضَلُ ، كَمَا لَمْ يَخْتَلِفُوا وَلَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ قَوْمٌ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ؛ وَإِنَّمَا طَلَبُوا وَجْهَ الْحِكْمَةِ فَغُيِّبَتْ عَنْهُمْ حِكْمَتُهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : بِنَاءُ ( ك ل ف ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ ، وَقَدْ غَلِطَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنَّهُ فِعْلُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ ، وَكُلُّ إلْزَامٍ مَشَقَّةٌ ، فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْمَشَقَّةِ ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَشَقَّةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْمَعْنَى مَا أُلْزِمُ نَفْسِي مَا لَا يَلْزَمُنِي ، وَلَا أُلْزِمُكُمْ مَا لَا يَلْزَمُكُمْ ، وَمَا جِئْتُكُمْ بِاخْتِيَارِي دُونَ أَنْ أُرْسِلْت إلَيْكُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُبَارَكِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ صَالِحٍ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ هَارُونَ الْبَلَدِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَسَارَ لَيْلًا ، فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ جَالِسٍ عِنْدَ مَقْرَاةٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ ، وَلَغَتْ السِّبَاعُ اللَّيْلَةَ فِي مَقْرَاتِكَ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا صَاحِبَ الْمَقْرَاةِ ، لَا تُخْبِرْهُ ، هَذَا مُتَكَلِّفٌ لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا بَقِيَ شَرَابٌ وَطَهُورٌ } .
وَهَذَا بَيَانُ سُؤَالٍ عَنْ وُرُودِ الْحَوْضِ السِّبَاعُ ، فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا غَالِبًا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُعَوَّلُ عَلَى حَالِ الْمَاءِ فِي لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ مَا يَكْسِبُهُ فِي دِينِهِ شَكًّا أَوْ إشْكَالًا فِي عَمَلِهِ ، وَلِهَذَا قُلْنَا لَكُمْ : إذَا جَاءَ السَّائِلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَوَجَدْتُمْ لَهُ مَخْلَصًا فِيهَا فَلَا تَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ مَخْلَصًا فَحِينَئِذٍ فَاسْأَلُوهُ عَنْ تَصَرُّفِ أَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَنِيَّتِهِ ، عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْلَصٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الزُّمَرِ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ عَمَلٍ ؛ وَأَعْظَمُهُ الْوُضُوءُ الَّذِي هُوَ شَطْرُ الْإِيمَانِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ اللَّذَيْنِ يَقُولَانِ : إنَّ الْوُضُوءَ يَكْفِي مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَا كَانَ لِيَكُونَ مِنْ الْإِيمَانِ شَطْرُهُ ، وَلَا لِيُخْرِجَ الْخَطَايَا مِنْ بَيْنِ الْأَظَافِرِ وَالشَّعْرِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، فِي قَوْلِهِ : { إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قَالَ : هُوَ الصَّبْرُ عَلَى فَجَائِعِ الدُّنْيَا وَأَحْزَانِهَا ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الصَّبْرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ .
قَالَ الْقَاضِي : الصَّبْرُ مَقَامٌ عَظِيمٌ مِنْ مَقَامَاتِ الدِّينِ ، وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَمَّا تَكْرَهُهُ مِنْ تَسْرِيحِ الْخَوَاطِرِ ، وَإِرْسَالِ اللِّسَانِ ، وَانْبِسَاطِ الْجَوَارِحِ عَلَى مَا يُخَالِفُ حَالَ الصَّبْرِ ، وَمَنْ الَّذِي يَسْتَطِيعُهُ ، فَمَا رُوِيَ أَنَّ أَحَدًا انْتَهَى إلَى مَنْزِلَةِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى صَبَرَ عَلَى عَظِيمِ الْبَلَاءِ عَنْ سُؤَالٍ كَشَفَهُ بِالدُّعَاءِ ، وَإِنَّمَا عَرَضَ حِينَ خَشِيَ عَلَى دِينِهِ لِضَعْفِ قَلْبِهِ عَنْ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَعَلُوهُ فِي الْآثَارِ نِصْفَ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مَأْمُورٌ وَمَزْجُورٌ ، فَالْمَأْمُورُ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ ، وَالْمَزْجُورُ امْتِثَالُهُ بِالْكَفِّ وَالدَّعَةِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ إلَيْهِ ، وَهُوَ الصَّبْرُ ، فَأَعْلَمَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مُقَدَّرٌ مِنْ حَسَنَةٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَخَبَّأَ قَدْرَ الصَّبْرِ مِنْهَا تَحْتَ عِلْمِهِ ، فَقَالَ : { إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
وَلَمَّا كَانَ الصَّوْمُ نَوْعًا مِنْ الصَّبْرِ حِينَ كَانَ كَفًّا عَنْ الشَّهَوَاتِ قَالَ تَعَالَى : { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } .
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : كُلُّ أَجْرٍ يُوزَنُ وَزْنًا ، وَيُكَالُ كَيْلًا إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ يُحْثَى
حَثْيًا ، وَيُغْرَفُ غَرْفًا ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : هُوَ الصَّبْرُ عَلَى فَجَائِعِ الدُّنْيَا وَأَحْزَانِهَا ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَلَّمَ فِيمَا أَصَابَهُ ، وَتَرَكَ مَا نَهَى عَنْهُ فَلَا مِقْدَارَ لِأَجْرِهِ ، وَأَشَارَ بِالصَّوْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَمِيعَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : نَزَلَتْ مَعَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ : زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ كَانُوا مِمَّنْ لَمْ يَأْتِهِمْ كِتَابٌ وَلَا بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ ، وَلَكِنْ وَقَرَ فِي نُفُوسِهِمْ كَرَاهِيَةُ مَا النَّاسُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعُوا مِنْ أَحْسَنِ مَا كَانَ فِي أَقْوَالِ النَّاسِ ، فَلَا جَرَمَ قَادَهُمْ ذَلِكَ إلَى الْجَنَّةِ .
أَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَمَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي أَيَّامِ الْفَتْرَةِ فَلَهُ مَا نَوَى مِنْ الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا أَبُو ذَرٍّ وَسَلْمَانُ فَتَدَارَكَتْهُمْ الْعِنَايَةُ ، وَنَالُوا الْهِدَايَةَ ، وَأَسْلَمُوا ، وَصَارُوا فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ : الطَّاغُوتُ الشَّيْطَانُ ، وَقِيلَ : الْأَصْنَامُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : هُوَ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَهُوَ فَلَعُوتٌ مَنْ طَغَى ؛ إذَا تَجَاوَزَ الْحَدَّ ، وَدَخَلَ فِي قِسْمِ الْمَذْمُومِ فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ فِي الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ ، وَهِيَ سِتُّونَ ، كَانَتْ تُعَظِّمُهَا بِتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ ، وَتُهْدَى إلَيْهَا كَمَا تُهْدَى إلَى الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ ، وَكَانَتْ تَطُوفُ بِهَا ، وَتَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا .
وَقِيلَ : كَانَ الشَّيْطَانُ يَتَصَوَّرُ فِي صُورَةِ إنْسَانٍ فَيَتَحَاكَمُونَ إلَيْهِ وَهِيَ صُورَةُ إبْرَاهِيمَ وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّهُ يَأْتِي شَيْطَانٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَيَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ النَّاسَ } ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ الْمُضِلَّةِ ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَقْصِدَ مَسْجِدًا ، وَلَا يُعَظِّمَ بُقْعَةً إلَّا الْبِقَاعَ الثَّلَاثَ الَّتِي قَالَ فِيهَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَكَّةَ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .
وَقَدْ سَوَّلَ الشَّيْطَانُ لِأَهْلِ زَمَانِنَا أَنْ يَقْصِدُوا الرُّبُطَ ، وَيَمْشُوا إلَى الْمَسَاجِدِ تَعْظِيمًا لَهَا ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مَا جَاءَ النَّبِيُّ بِهَا إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، لَا لِأَجْلِ الْمَسْجِدِيَّةِ ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا فِي مَسْجِدِهِ كَانَتْ أَكْثَرَ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِافْتِقَادِ لِأَهْلِهِ ، وَالتَّطْيِيبِ لِقُلُوبِهِمْ ، وَالْإِحْسَانِ بِالْأُلْفَةِ إلَيْهِمْ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِك لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .
تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ بَيَانُ حَالِ الْإِحْبَاطِ بِالرِّدَّةِ ، وَسَنَزِيدُهُ هَاهُنَا بَيَانًا ، فَنَقُولُ : هَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أُمَّتُهُ ، وَكَيْفَمَا تَرَدَّدَ الْأَمْرُ فَإِنَّهُ بَيَانُ أَنَّ الْكُفْرَ يُحْبِطُ الْعَمَلَ كَيْفَ كَانَ ، وَلَا يَعْنِي بِهِ الْكُفْرَ الْأَصْلِيَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَمَلٌ يُحْبَطُ ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ أَنَّ الْكُفْرَ يُحْبِطُ الْعَمَلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْإِيمَانِ ؛ إذْ لَا عَمَلَ إلَّا بَعْدَ أَصْلِ الْإِيمَانِ ، فَالْإِيمَانُ مَعْنًى يَكُونُ بِهِ الْمَحَلُّ أَصْلًا لِلْعَمَلِ لَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَمَلِ ، كَمَا تَخَيَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِلْفَرْعِ ؛ إذْ الشُّرُوطُ أَتْبَاعٌ فَلَا تَصِيرُ مَقْصُودَةً ؛ إذْ فِيهِ قَلْبُ الْحَالِ وَعَكْسُ الشَّيْءِ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } فَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ حَبِطَ عَمَلُهُ ، وَاسْتَأْنَفَ الْعَمَلَ إذَا أَسْلَمَ ، وَكَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَكْفُرْ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } وَالْإِسْلَامُ وَالْهِجْرَةُ يَهْدِمَانِ مَا قَبْلَهُمَا مِنْ بَاطِلٍ ، وَلَا يَكُونُ إيمَانًا إلَّا بِاعْتِقَادٍ عَامٍّ عَلَى الْأَزْمَانِ ، مُتَّصِلٍ بِتَأْبِيدِ الْأَبَدِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ وَإِنْ أُفْسِدَ فَسَدَ جَمِيعُهُ ، وَهُوَ حُكْمٌ لَا يَتَجَزَّأُ شَرْعًا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } .
ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا كَتَمَ إيمَانَهُ ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ لِسَانُهُ [ أَنَّهُ ] لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِاعْتِقَادِهِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ إذَا نَوَى بِقَلْبِهِ طَلَاقَ زَوْجِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ، كَمَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا بِقَلْبِهِ ، فَجَعَلَ مَدَارَ الْإِيمَانِ عَلَى الْقَلْبِ ، وَإِنَّهُ كَذَلِكَ ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِمَا لُبَابُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا نَوَى الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ .
وَأَمَّا إذَا نَوَى الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ ، وَأَمَّا إذَا نَوَى الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ تَمْنَعُهُ التَّقِيَّةُ وَالْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ [ فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا ] فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا تَمْنَعُهُ التَّقِيَّةُ مِنْ أَنْ يَسْمَعَهُ غَيْرُهُ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْإِيمَانِ أَنْ يَسْمَعَهُ الْغَيْرُ فِي صِحَّتِهِ مِنْ التَّكْلِيفِ ؛ إنَّمَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الْغَيْرِ لَهُ لِيَكُفَّ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ .
الْآيَتَانِ الثَّانِيَةُ ، وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } .
قَالَ الْقَاضِي : كُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْأَنْعَامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ ؛ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَلْحَظْهُ فِي مَوْضِعِهِ .
سُورَةُ فُصِّلَتْ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : يَعْنِي شَدَائِدَ لَا خَيْرَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ " وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ : إنَّ النَّحْسَ الْغُبَارُ ، وَلَوْ كَانَ الْغُبَارُ نَحْسًا لَكَانَ أَقَلَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ نَحْسٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إنَّهَا مُتَتَابِعَاتٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ لَفْظِ قَوْله تَعَالَى : { نَحِسَاتٍ } .
وَإِنَّمَا عُرِفَ التَّتَابُعُ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قِيلَ : إنَّهَا كَانَتْ آخِرَ شَوَّالٍ مِنْ الْأَرْبِعَاءِ إلَى الْأَرْبِعَاءِ ، وَالنَّاسُ يَكْرَهُونَ السَّفَرَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَجْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لَقِيت يَوْمًا مَعَ خَالِي الْحُسَيْنِ بْنِ حَفْصٍ رَجُلًا مِنْ الْكتاب فَوَدَّعْنَاهُ بِنِيَّةِ السَّفَرِ ، فَلَمَّا فَارَقَنَا قَالَ لِي خَالِي : إنَّك لَا تَرَاهُ أَبَدًا لِأَنَّهُ سَافَرَ يَوْمَ أَرْبِعَاءٍ لَا يَتَكَرَّرُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ : مَاتَ فِي سَفَرِهِ ، وَهَذَا مَا لَا أَرَاهُ ، فَإِنَّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمٌ عَجِيبٌ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْخَلْقِ فِيهِ ، وَالتَّرْتِيبِ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ { بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ السَّبْتِ التُّرْبَةَ ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ الْجِبَالَ ، وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ الشَّجَرَ ، وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الْمَكْرُوهَ ، وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ النُّورَ } ، وَرُوِيَ : النُّونُ وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّهُ خَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ غُرَّةَ التِّقْنِ } ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ أُتْقِنَ بِهِ الْأَشْيَاءُ يَعْنِي الْمَعَادِنَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ فَالْيَوْمُ الَّذِي خَلَقَ فِيهِ الْمَكْرُوهَ لَا يَعَافُهُ النَّاسُ ، وَالْيَوْمُ
الَّذِي خَلَقَ فِيهِ النُّورَ أَوْ التِّقْنَ يَعَافُونَهُ ، إنَّ هَذَا لَهُوَ الْجَهْلُ الْمُبِينُ .
وَفِي الْمَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَعَا عَلَى الْأَحْزَابِ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ إلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ } ، وَهِيَ سَاعَةٌ فَاضِلَةٌ ؛ فَالْآثَارُ الصِّحَاحُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ هَذَا الْيَوْمِ ، وَكَيْفَ يُدَّعَى فِيهِ تَغْرِيرُ النَّحْسِ بِأَحَادِيثَ لَا أَصْلَ لَهَا ، وَقَدْ صَوَّرَ قَوْمٌ أَيَّامًا مِنْ الْأَشْهُرِ الشَّمْسِيَّةِ ادَّعَوْا فِيهَا الْكَرَامَةَ ؛ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا ، وَلَا يَشْتَغِلَ بِآلَاتِهَا ، وَاَللَّهُ حَسِيبُهُمْ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ } يَعْنِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ؛ إذْ لَا يَتِمُّ أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ إلَّا بِالْآخَرِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاسْتَقَرَّ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } اسْتِفْعَالٌ ، مِنْ قَامَ يَعْنِي دَامَ وَاسْتَمَرَّ وَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : اسْتَقَامُوا عَلَى قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ حَتَّى مَاتُوا عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُبَدِّلُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا .
الثَّانِي : اسْتَقَامُوا عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ .
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، مُرَادٌ بِالْقَوْلِ .
وَالْمَعْنَى : فَإِنَّ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مِفْتَاحٌ لَهُ أَسْنَانٌ ، فَمَنْ جَاءَ بِالْمِفْتَاحِ وَأَسْنَانِهِ فُتِحَ لَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ } قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يَعْنِي عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَأَنَا أَقُولُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَآكَدُ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْمَوْتِ ، وَحِينَ الْقَبْرِ ، وَيَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ ، وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ بَيَّنَّاهَا فِي مَوَاضِعِهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْحَسَنُ إذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا حَبِيبُ اللَّهِ ، هَذَا صَفْوَةُ اللَّهِ ، هَذَا خِيرَةُ اللَّهِ ، هَذَا وَاَللَّهِ أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إلَى اللَّهِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُؤَذِّنِينَ ، وَهَذَا ذِكْرٌ ثَانٍ لَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَسَيَأْتِي الثَّالِثُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَالْأَذَانَ مَدَنِيٌّ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهَا بِالْمَعْنَى ، لَا أَنَّهُ كَانَ الْمَقْصُودَ ، وَيَدْخُلُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ قَالَ فِي النَّبِيِّ وَقَدْ خَنَقَهُ الْمَلْعُونُ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ، وَيَتَضَمَّنُ كُلَّ كَلَامٍ حَسَنٍ فِيهِ ذِكْرُ التَّوْحِيدِ وَبَيَانُ الْإِيمَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَمِلَ صَالِحًا } .
قَالُوا : هِيَ الصَّلَاةُ ، وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ ، وَلَكِنَّ الصَّلَاةَ أَجَلُّهُ ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَتْبَعَ الْقَوْلَ الْعَمَلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَقَالَ إنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } ، وَمَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْإِسْلَامِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ بِالْقَوْلِ ، وَالسَّيْفُ يَكُونُ لِلِاعْتِقَادِ ، وَيَكُونُ لِلْحُجَّةِ ، وَكَانَ الْعَمَلُ يَكُونُ لِلرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالِاعْتِقَادِ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَنَّ الْعَمَلَ لِوَجْهِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ إنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَلَمْ يَقُلْ [ لَهُ ] إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : أَنَا مُسْلِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأُصُولِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ ؛ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُمِرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ .
وَقِيلَ لَهُ : { فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اُخْتُلِفَ مَا الْمُرَادُ بِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قِيلَ الْمُرَادُ بِهَا مَا رُوِيَ فِي الْآيَةِ أَنْ نَقُولَ : إنْ كُنْت كَاذِبًا يَغْفِرُ اللَّهُ لَك ، وَإِنْ كُنْت صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَهُ لِرَجُلٍ نَالَ مِنْهُ .
الثَّانِي الْمُصَافَحَةُ ، وَفِي الْأَثَرِ : { تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ } ، وَإِنْ لَمْ يَرَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَ سُفْيَانَ فَتَكَلَّمَا فِيهَا ، فَقَالَ سُفْيَانُ : قَدْ صَافَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : ذَلِكَ خَاصٌّ لَهُ ؛ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ : مَا خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصُّنَا ، وَمَا عَمَّهُ يَعُمُّنَا ، وَالْمُصَافَحَةُ ثَابِتَةٌ ، فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهَا .
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ قَالَ : قُلْت لِأَنَسٍ : هَلْ كَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا } .
وَفِي الْأَثَرِ : { مِنْ تَمَامِ الْمَحَبَّةِ الْأَخْذُ بِالْيَدِ } .
وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَهُوَ إمَامٌ مُقَدَّمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ ، فَقَرَعَ
الْبَابَ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ ، وَاَللَّهِ مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ } .
الثَّالِثُ : السَّلَامُ ، لَا يُقْطَعُ عَنْهُ سَلَامُهُ إذَا لَقِيَهُ ، وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَاَلَّذِينَ عِنْدَ رَبِّك يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } .
وَهَذِهِ آيَةُ سُجُودٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : مَوْضِعُهُ : { كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْأَمْرِ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيُّ : مَوْضِعُهُ { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَغَايَةُ الْعِبَادَةِ وَالِامْتِثَالِ .
وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَسْجُدَانِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ عِنْدَ قَوْلِهِ : { يَسْأَمُونَ } .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : اُسْجُدُوا بِالْآخِرَةِ مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ؛ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي صَالِحٍ ؛ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَطَلْحَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ .
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَسْجُدُونَ عِنْدَ قَوْلِهِ : { يَسْأَمُونَ } ، وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشًا قَالُوا : إنَّ الَّذِي يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا يَسَارُ أَبُو فَكِيهَةَ مَوْلًى مِنْ قُرَيْشٍ ، وَسَلْمَانُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَهَذَا يَصِحُّ فِي يَسَارٍ ، لِأَنَّهُ مَكِّيٌّ ، وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ ؛ وَأَمَّا سَلْمَانُ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِالْمَدِينَةِ ، وَقَدْ كَانَتْ الْآيَةُ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ بِإِجْمَاعٍ مِنْ النَّاسِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَعْنَى الْآيَةِ : وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لَوْ نَزَلَ بِاللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ لَقَالَتْ قُرَيْشٌ لِمُحَمَّدٍ : يَا مُحَمَّدُ ؛ إذَا أُرْسِلْت إلَيْنَا بِهِ فَهَلَّا فَصَّلْت آيَاتِهِ ، أَيْ بَيَّنْت وَأَحْكَمْت .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ، التَّقْدِيرُ : أَنَّى يَجْتَمِعُ مَا يَقُولُونَ أَوْ يَنْتَظِمُ مَا يَأْفِكُونَ ؟ يَسَارٌ أَعْجَمِيٌّ ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ ، فَأَنَّى يَجْتَمِعَانِ ،
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنَّ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ بِإِبْدَالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ فِيهِ بِالْفَارِسِيَّةِ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا } : كَذَا لِنَفْيِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُجْمَةِ إلَيْهِ طَرِيقٌ ، فَكَيْفَ يُصْرَفُ إلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ التِّبْيَانَ وَالْإِعْجَازَ إنَّمَا يَكُونُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، فَلَوْ قُلِبَ إلَى غَيْرِ هَذَا لَمَا كَانَ قُرْآنًا وَلَا بَيَانًا ، وَلَا اقْتَضَى إعْجَازًا ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ عَلَى التَّمَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ، وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُهُ .
سُورَةُ الشُّورَى فِيهَا ثَمَانِ آيَاتٍ الْآيَة الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } .
ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْمَشْهُورِ [ الْكَبِيرِ ] : { وَلَكِنْ ائْتُوا نُوحًا ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ .
فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ : أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ ؛ لِأَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا بَنُوهُ ، وَلَمْ تُفْرَضْ لَهُ الْفَرَائِضُ ، وَلَا شُرِعَتْ لَهُ الْمَحَارِمُ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَاقْتِصَارًا عَلَى ضَرُورَاتِ الْمَعَاشِ ، وَأَخَذًا بِوَظَائِفِ الْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ ، وَاسْتَقَرَّ الْمَدَى إلَى نُوحٍ ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَوَظَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ ، وَأَوْضَحَ لَهُ الْآدَابَ فِي الدِّيَانَاتِ ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ بِالرُّسُلِ ، وَيَتَنَاصَرُ بِالْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، شَرِيعَةً بَعْدَ شَرِيعَةٍ ، حَتَّى خَتَمَهَا اللَّهُ بِخَيْرِ الْمِلَلِ مِلَّتِنَا ، عَلَى لِسَانِ أَكْرَمِ الرُّسُلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى : وَوَصَّيْنَاك يَا مُحَمَّدُ وَنُوحًا دِينًا وَاحِدًا يَعْنِي فِي الْأُصُولِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الشَّرِيعَةُ ، وَهِيَ : التَّوْحِيدُ ، وَالصَّلَاةُ ، وَالزَّكَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ ، وَالتَّزَلُّفُ إلَيْهِ بِمَا يَرُدُّ الْقَلْبَ وَالْجَارِحَةَ إلَيْهِ ، وَالصِّدْقُ ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ ،
وَصِلَةُ الرَّحِمِ ، وَتَحْرِيمُ الْكُفْرِ ، وَالْقَتْلِ ، وَالزِّنَا ، وَالْإِذَايَةِ لِلْخَلْقِ ، كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ ، وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَيْفَمَا كَانَ ، وَاقْتِحَامِ الدَّنَاءَاتِ ، وَمَا يَعُودُ بِخَرْمِ الْمُرُوءَاتِ .
فَهَذَا كُلُّهُ شُرِعَ دِينًا وَاحِدًا وَمِلَّةً مُتَّحِدَةً لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَعْدَادُهُمْ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } أَيْ اجْعَلُوهُ قَائِمًا ، يُرِيدُ دَائِمًا مُسْتَمِرًّا ، مَحْفُوظًا مُسْتَقِرًّا ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ ، وَلَا اضْطِرَابٍ عَلَيْهِ .
فَمِنْ الْخَلْقِ مَنْ وَفَى بِذَلِكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَكَثَ بِهِ ، وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ .
وَاخْتَلَفَتْ الشَّرَائِعُ وَرَاءَ هَذَا فِي مَعَانٍ حَسْبَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ ، مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ ، وَأَوْجَبَتْ الْحِكْمَةُ وَضْعَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ عَلَى الْأُمَمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةٍ سُبْحَانَ وَغَيْرِهَا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَقَوْلُهُ هَاهُنَا : { وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } يُبْطِلُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ مَنْ تَوَضَّأَ تَبَرُّدًا إنَّهُ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرِيضَةِ الْوُضُوءِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْوُضُوءِ الْمُوَظَّفَةَ عَلَيْهِ مِنْ حَرْثِ الْآخِرَةِ ، وَالتَّبَرُّدَ مِنْ حَرْثِ الدُّنْيَا ؛ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَلَا تُجْزِئُ نِيَّتُهُ عَنْهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ رُكُوبِ الْبَحْرِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ { وَأَمْرُهُمْ } يَعْنِي بِهِ الْأَنْصَارَ ، كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا كَانَ يَهُمُّهُمْ أَمْرٌ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا بَيْنَهُمْ وَأَخَذُوا بِهِ ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْرًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الشُّورَى فَعَلَى ، مِنْ شَارَ يَشُورُ شَوْرًا إذَا عَرَضَ الْأَمْرَ عَلَى الْخِيرَةِ ، حَتَّى يَعْلَمَ الْمُرَادَ مِنْهُ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ رَكِبَ فَرَسًا يَشُورُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الشُّورَى أُلْفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ ، وَمِسْبَارٌ لِلْعُقُولِ ، وَسَبَبٌ إلَى الصَّوَابِ ، وَمَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إلَّا هُدُوا .
وَقَدْ قَالَ حَكِيمٌ : إذَا بَلَغَ الرَّأْيُ الْمَشُورَةَ فَاسْتَعِنْ بِرَأْيِ لَبِيبٍ أَوْ مَشُورَةِ حَازِمٍ وَلَا تَجْعَلْ الشُّورَى عَلَيْك غَضَاضَةً فَإِنَّ الْخَوَافِيَ نَافِعٌ لِلْقَوَادِمِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مَدَحَ اللَّهُ الْمُشَاوِرَ فِي الْأُمُورِ ، وَمَدَحَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَصَالِحِ الْحُرُوبِ ، وَذَلِكَ فِي الْآثَارِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يُشَاوِرْهُمْ فِي الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْسَامِ : مِنْ الْفَرْضِ ، وَالنَّدْبِ ، وَالْمَكْرُوهِ ، وَالْمُبَاحِ ، وَالْحَرَامِ .
فَأَمَّا الصَّحَابَةُ بَعْدَ اسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِهِ عَلَيْنَا فَكَانُوا يَتَشَاوَرُونَ فِي الْأَحْكَامِ ، وَيَسْتَنْبِطُونَهُ ا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَإِنَّ أَوَّلَ مَا تَشَاوَرَ فِيهِ الصَّحَابَةُ الْخِلَافَةَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا حَتَّى كَانَ فِيهَا بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَنْصَارِ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
وَقَالَ عُمَرُ : نَرْضَى لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا .
وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِ الرِّدَّةِ ، فَاسْتَقَرَّ رَأْيُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْقِتَالِ .
وَتَشَاوَرُوا فِي الْجَدِّ وَمِيرَاثِهِ ، وَفِي حَدِّ الْخَمْرِ وَعَدَدِهِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
وَتَشَاوَرُوا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُرُوبِ ، حَتَّى شَاوَرَ عُمَرَ الْهُرْمُزَانَ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا فِي الْمَغَازِي ، فَقَالَ لَهُ .
الْهُرْمُزَانُ : إنَّ مَثَلَهَا وَمَثَلَ مَنْ فِيهَا مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَرِجْلَانِ ، فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسِ ، وَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ ، وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ ، وَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ الْوَاحِدُ قَيْصَرُ ، وَالْآخَرُ فَارِسُ .
فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إلَى كِسْرَى وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ : مَا أَخْطَأْت قَطُّ ؛ إذَا حَزَبَنِي أَمْرٌ شَاوَرْت قَوْمِي ، فَفَعَلْت الَّذِي يَرَوْنَ ، فَإِنْ أَصَبْت فَهُمْ الْمُصِيبُونَ ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَهُمْ الْمُخْطِئُونَ ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنْ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ ؛ فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى حَالَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، فَيَكُونَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ .
وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يُكْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ ، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ الْفُسَّاقُ .
الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ الْفَلْتَةَ ، أَوْ يَقَعَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْتَرِفُ بِالزَّلَّةِ ، وَيَسْأَلُ الْمَغْفِرَةَ ، فَالْعَفْوُ هَاهُنَا أَفْضَلُ ، وَفِي مِثْلِهِ نَزَلَتْ : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وقَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } .
وَقَوْلُهُ : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ السُّدِّيُّ : إنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ مَنْ انْتَصَرَ مِمَّنْ بَغَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِقْدَارِ مَا فَعَلَ بِهِ يَعْنِي كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ ؛ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } فَبَيَّنَ فِي آخِرِ الْآيَةِ الْمُرَادَ مِنْهَا ، وَهُوَ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهِيَ الْآيَةُ السَّادِسَةُ .
[ الْآيَةُ السَّابِعَةُ ] قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي ( بَرَاءَةٌ ) ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } فَكَمَا نَفَى اللَّهُ السَّبِيلَ عَمَّنْ أَحْسَنَ فَكَذَلِكَ أَثْبَتَهَا عَلَى مَنْ ظَلَمَ ، وَاسْتَوْفَى بَيَانَ الْقِسْمَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : لَا أُحَلِّلُ أَحَدًا .
فَقَالَ : ذَلِكَ يَخْتَلِفُ .
فَقُلْت : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلِكُ ، وَلَا فَاءَ لَهُ .
قَالَ : أَرَى أَنْ يُحَلِّلَهُ ، وَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وَلَيْسَ كُلَّمَا قَالَ أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ يُتْبَعُ .
فَقِيلَ لَهُ : الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ ، فَقَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ عِنْدِي لِلْأَوَّلِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ } ، وَيَقُولُ تَعَالَى : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } فَلَا أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فِي حِلٍّ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا لَا يُحَلِّلُهُ بِحَالٍ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
وَالثَّانِي : يُحَلِّلُهُ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ .
الثَّالِثُ إنْ كَانَ مَالًا حَلَّلَهُ ، وَإِنْ كَانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَلَّا يُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيَكُونَ كَالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ .
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ حَقُّهُ ؛ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ [ كَمَا يُسْقِطُ دَمَهُ وَعَرْضَهُ ] .
وَوَجْهُ الثَّالِثِ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا غُلِبَ عَلَى حَقِّك فَمِنْ الرِّفْقِ بِهِ أَنْ تُحَلِّلَهُ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَمِنْ
الْحَقِّ أَلَّا تَتْرُكَهُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ ، وَيَسْتَرْسِلُوا فِي أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ الصَّامِتِ قَالَ : خَرَجْت أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيَنَا أَبُو الْيُسْرِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ وَعَلَى أَبِي الْيُسْرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيٌّ ، فَقَالَ لَهُ أَبِي : أَيْ عَمُّ ؛ أَرَى فِي وَجْهِك سُفْعَةً مِنْ غَضَبٍ .
فَقَالَ : أَجَلْ ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ دَيْنٌ ، فَأَتَيْت أَهْلَهُ فَسَلَّمْت ، وَقُلْت : أَثَمَّ هُوَ ؟ قَالُوا : لَا ، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ ، قُلْت لَهُ : أَيْنَ أَبُوك ، فَقَالَ : سَمِعَ صَوْتَك فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي ، فَقُلْت : اُخْرُجْ إلَيَّ ، فَقَدْ عَلِمْت أَيْنَ أَنْتَ ، فَخَرَجَ ، فَقُلْت لَهُ : مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ اخْتَبَأْت مِنِّي ؟ قَالَ : أَنَا وَاَللَّهِ أُحَدِّثُك ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُك ، خَشِيت وَاَللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَك فَأَكْذِبَك ، وَأَعِدُك فَأُخْلِفُك ، وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْت وَاَللَّهِ مُعْسِرًا .
قَالَ : فَقُلْت : آللَّهُ ، قَالَ : آللَّهُ .
قُلْت : آللَّهُ ، قَالَ : آللَّهُ ، قَالَ : فَقُلْت : آللَّهُ ، قَالَ : آللَّهُ .
قَالَ : فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ .
قَالَ : إنْ وَجَدْت قَضَاءً فَاقْضِ ، وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ .
.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَهَذَا فِي الْحَيِّ الَّذِي يُرْجَى لَهُ الْأَدَاءُ لِسَلَامَةِ الذِّمَّةِ ، وَرَجَاءِ التَّحَلُّلِ ، فَكَيْفَ بِالْمَيِّتِ الَّذِي لَا مَحَالَةَ مَعَهُ ، وَلَا ذِمَّةَ مَعَهُ ،
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْلُهُ { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثًا } يَعْنِي لُوطًا كَانَ لَهُ بَنَاتٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ إبْرَاهِيمُ كَانَ لَهُ بَنُونَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بِنْتٌ .
وَقَوْلُهُ : { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } يَعْنِي آدَمَ ، كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لَهُ فِي كُلِّ بَطْنٍ وَلَدَيْنِ تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى ؛ فَيُزَوِّجُ الذَّكَرَ مِنْ هَذَا الْبَطْنِ مِنْ الْأُنْثَى مِنْ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ ، حَتَّى أَحْكَمَ اللَّهُ التَّحْرِيمَ فِي شَرْعِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ، مِنْ الْأَوْلَادِ : الْقَاسِمُ ، وَالطَّيِّبِ ، وَالطَّاهِرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ؛ وَزَيْنَبَ ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ ، وَرُقَيَّةُ ، وَفَاطِمَةَ ؛ وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَإِبْرَاهِيمَ وَهُوَ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ .
وَكَذَلِكَ قَسَّمَ اللَّهُ الْخَلْقَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى زَمَانِنَا إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْمَحْدُودِ بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَةِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ ، لِيَبْقَى النَّسْلُ ، وَيَتَمَادَى الْخَلْقُ ، وَيَنْفُذُ الْوَعْدُ ، وَيَحِقُّ الْأَمْرُ ، وَتَعْمُرُ الدُّنْيَا ، وَتَأْخُذُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَا يَمْلَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيَبْقَى ؛ فَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ النَّارَ لَنْ تَمْتَلِئَ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ ، فَتَقُولَ قَطُّ قَطُّ وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَتَبْقَى فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّ اللَّهَ لِعُمُومِ قُدْرَتِهِ وَشَدِيدِ قُوَّتِهِ يَخْلُقُ الْخَلْقَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، وَبِعَظِيمِ لُطْفِهِ وَبَالِغِ حِكْمَتِهِ يَخْلُقُ
شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ لَا عَنْ حَاجَةٍ ، فَإِنَّهُ قُدُّوسٌ عَنْ الْحَاجَاتِ ، سَلَامٌ عَنْ الْآفَاتِ ، كَمَا قَالَ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ، فَخَلَقَ آدَمَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ ، وَخَلَقَ النَّشْأَةِ مِنْ بَيْنَهُمَا مِنْهُمَا ، مُرَتَّبًا عَنْ الْوَطْءِ كَائِنًا عَنْ الْحَمْلِ ، مَوْجُودًا فِي الْجَنِينِ بِالْوَضْعِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنَّثَا } .
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا { إذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَعْمَامَهُ ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ بِمَا لُبَابُهُ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ : ذَكَرٌ يُشْبِهُ أَعْمَامَهُ .
أُنْثَى تُشْبِهُ أَخْوَالَهَا .
ذَكَرٌ يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ .
أُنْثَى تُشْبِهُ أَعْمَامَهَا .
وَذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ بَيِّنٌ ظَاهِرُ التَّعَالُجِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَبَقَ : خَرَجَ مِنْ قَبْلُ ، وَمَعْنَى عَلَا كَثُرَ ، فَإِذَا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ قَبْلُ وَخَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ وَكَانَ أَقَلَّ مِنْهُ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الرَّجُلِ ، وَيُشْبِهُ أَعْمَامَهُ بِحُكْمِ كَثْرَةِ مَائِهِ أَيْضًا وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مِنْ قَبْلُ وَخَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ بَعْدَهُ وَكَانَ أَقَلَّ مِنْ مَائِهَا كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الْمَرْأَةِ ، وَيُشْبِهُ أَحْوَالَهَا لِأَنَّ مَاءَهَا عَلَا مَاءَ الرَّجُلِ وَكَاثَرَهُ .
وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ قَبْلُ لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ كَانَ أَكْثَرَ جَاءَ الْوَلَدُ ذَكَرًا بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الرَّجُلِ وَأَشْبَهَ أُمَّهُ وَأَخْوَالَهُ بِحُكْمِ عُلُوِّ مَاءِ الْمَرْأَةِ وَكَثْرَتِهِ .
وَإِنْ خَرَجَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مِنْ قَبْلُ لَكِنْ لَمَّا خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ وَأَعْلَى كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِحُكْمِ سَبْقِ مَاءِ الْمَرْأَةِ ،
وَيُشْبِهُ أَبَاهُ وَأَعْمَامَهُ بِحُكْمِ غَلَبَةِ مَاءِ الذَّكَرِ وَعُلُوِّهِ وَكَثْرَتِهِ عَلَى مَاءِ الْمَرْأَةِ .
فَسُبْحَانَ الْخَلَّاقِ الْعَظِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَدْ كَانَتْ الْخِلْقَةُ مُسْتَمِرَّةً ذَكَرًا وَأُنْثَى إلَى أَنْ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى الْخُنْثَى ، فَأَتَى بِهِ فَرِيضُ الْعَرَبِ وَمُعَمِّرُهَا عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهِ ، وَأَرْجَأَهُمْ عَنْهُ ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَنَكَّرَ مَوْضِعَهُ ، وَأَقَضَّ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ ، وَجَعَلَ يَتَقَلَّى وَيَتَقَلَّبُ .
وَتَجِيءُ بِهِ الْأَفْكَارُ وَتَذْهَبُ إلَى أَنْ أَنْكَرَتْ الْأَمَةُ حَالَتَهُ ، فَقَالَتْ : مَا بِك ؟ قَالَ لَهَا : سَهِرْت لِأَمْرٍ قُصِدْت فِيهِ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهِ .
فَقَالَتْ لَهُ : مَا هُوَ ؟ قَالَ لَهَا : رَجُلٌ لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجٌ ، كَيْفَ تَكُونُ حَالَتُهُ فِي الْمِيرَاثِ ؟ قَالَتْ لَهُ الْأَمَةُ : وَرِّثْهُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ ، فَعَقَلَهَا ، وَأَصْبَحَ ، فَعَرَضَهَا لَهُمْ وَأَمْضَاهَا عَلَيْهِمْ ، فَانْقَلَبُوا بِهَا رَاضِينَ .
وَجَاءَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ تَنْزِلْ إلَّا فِي عَهْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَضَى فِيهَا بِمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَقَدْ رَوَى الْفَرْضِيُّونَ عَنْ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ مِنْ أَيْنَ يُوَرَّثُ ؟ قَالَ : مِنْ حَيْثُ يَبُولُ } .
وَرُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بِخُنْثَى مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : { وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبُولُ } .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّقَّاقُ فَرَضِيُّ الْإِسْلَامِ : إنْ بَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَرِثَ بِاَلَّذِي يَسْبِقُ مِنْهُ الْبَوْلُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَنَحْوَهُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَحَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ قَوْمٌ : لَا دَلَالَةَ فِي الْبَوْلِ ، فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُحْكَمُ بِالْأَكْثَرِ .
وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ : أَيَكِيلُهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْ أَصْحَابُ
الشَّافِعِيِّ لِلْكَثْرَةِ حُكْمًا .
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ : تُعَدُّ أَضْلَاعُهُ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ عَلَى الرَّجُلِ بِضِلْعٍ وَاحِدٍ ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَمَا أَشْكَلَ حَالُهُ .
انْتَهَى كَلَامُ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .
وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي : لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْخُنْثَى شَيْئًا .
وَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ ذَكَرًا ، وَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّقَّاقُ : وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى حَالِهِ : الْحَيْضُ ، وَالْحَبَلُ ، وَإِنْزَالُ الْمَنِيِّ مِنْ الذَّكَرِ ، وَاللِّحْيَةُ ، وَالثَّدْيَانِ ؛ وَلَا يُقْطَعُ بِذَلِكَ .
وَقَدْ قِيلَ : إذَا بَلَغَ زَالَ الْإِشْكَالُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَرُوِيَ عَنْ عُلَمَائِنَا فِيهِ قَالَ مُطَرِّفٌ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَأَصْبَغُ : يُعْتَبَرُ مَبَالُهُ .
فَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا فَالْأَسْبَقُ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُمَا فَالْأَكْثَرُ ، وَلَوْلَا مَا قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا لَقُلْت : إنَّهُ إنْ بَالَ مِنْ ثُقْبٍ إنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ هُوَ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُخْرِجُ مِنْ الْمَبَالِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا ثُقْبُ الْبَوْلِ غَيْرُ مَخْرَجِ الْوَلَدِ .
وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْأُنْثَى ، وَقَالُوا عَلَى مَخْرَجِ الْبَوْلِ يَنْبَنِي نِكَاحُهُ وَمِيرَاثُهُ وَشَهَادَتُهُ وَإِحْرَامُهُ فِي حَجِّهِ ، وَجَمِيعِ أَمْرِهِ .
وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ وَلِحْيَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَرِثَ نِصْفَ مِيرَاثِ رَجُلٍ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ نِكَاحٌ ، وَيَكُونُ أَمْرُهُ فِي شَهَادَتِهِ وَصَلَاتِهِ وَإِحْرَامِهِ عَلَى أَحْوَطِ الْأَمْرَيْنِ .
وَاَلَّذِي نَقُولُ : إنَّهُ يُسْتَدَلُّ فِيهِ بِالْحَبَلِ وَالْحَيْضِ .
حَالَةٌ ثَالِثَةٌ كَحَالَةٍ أُولَى لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَهِيَ أَنَّهُ إذَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ فَطَلَب النِّكَاحَ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَطَلَبَ النِّكَاحَ مِنْ فَرْجِهِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَهُوَ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ دَعْهُ حَتَّى
يَقَعَ ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ فِي الْأَحْكَامِ وَالتَّعَارُضِ فِي الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ أَنْكَرَهُ قَوْمٌ مِنْ رُءُوسِ الْعَوَامّ ، فَقَالُوا : إنَّهُ لَا خُنْثَى ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَ الْخَلْقَ إلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ بِاللُّغَةِ وَغَبَاوَةٌ عَنْ مَقْطَعِ الْفَصَاحَةِ ، وَقُصُورٌ عَنْ مَعْرِفَةِ سَعَةِ الْقُدْرَةِ ؛ أَمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
وَأَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَلَا يَنْفِي وُجُودَ الْخُنْثَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } ، فَهَذَا عُمُومٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ تَقْتَضِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } فَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ الْغَالِبِ فِي الْمَوْجُودَاتِ ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ النَّادِرِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ؛ وَالْوُجُودُ يَشْهَدُ لَهُ ، وَالْعِيَانُ يُكَذِّبُ مُنْكِرَهُ .
وَقَدْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَنَا بِرِبَاطِ أَبِي سَعِيدٍ عَلِيٍّ الْإِمَامِ الشَّهِيدِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ خُنْثَى [ لَيْسَ ] لَهُ لِحْيَةٌ ، وَلَهُ ثَدْيَانِ ، وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ ، فَرَبُّك أَعْلَمُ بِهِ ، وَمَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ عَقَلَنِي الْحَيَاءُ عَنْ سُؤَالِهِ ، وَبِوُدِّيِّ الْيَوْمَ لَوْ كَاشَفْته عَنْ حَالِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَوْرِيثِهِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ عَلَى التَّمَامِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
سُورَة الزُّخْرُف فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ الْإِبِلَ دُونَ الْبَقَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَ لَمْ تُخْلَقْ لِتُرْكَبَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ بَقَرَةً إذْ قَالَتْ لَهُ : إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : آمَنْت بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَمَا هُمَا فِي الْقَوْمِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } يَعْنِي الْإِبِلَ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْفُلْكَ إنَّمَا تُرْكَبُ بُطُونُهَا ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَعَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى آخِرِهِمَا .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ ظَاهِرُهَا بَاطِنَهَا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَمَرَهُ وَسَتَرَهُ ، وَبَاطِنُهَا ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ انْكَشَفَ لِلرَّاكِبِينَ وَظَهَرَ لِلْمُبْصِرِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } أَيْ مُطِيقِينَ ، تَقُولُ : قَرَنْت كَذَا وَكَذَا إذَا رَبَطْته بِهِ ، وَجَعَلْته قَرِينَهُ ، وَأَقْرَنْت كَذَا بِكَذَا إذَا أَطَقْته وَحَكَمْته ، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي قَرَنٍ وَهُوَ الْحَبْلُ ، فَأَوْثَقَهُ بِهِ ، وَشَدَّهُ فِيهِ ؛ فَعَلَّمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَا نَقُولُ إذَا رَكِبْنَا الدَّوَابَّ ، وَعَلَّمَنَا اللَّهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى عَلَى لِسَانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا نَقُولُ إذَا رَكِبْنَا السُّفُنَ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا رَكِبَ قَعُودًا لَهُ وَقَالَ : إنِّي لَمُقْرِنٌ لَهُ ، فَرَكَضَتْ بِهِ الْقَعُودُ حَتَّى صَرَعَتْهُ ، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهُ .
وَمَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَدَعَ قَوْلَ هَذَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ذِكْرُهُ بِاللِّسَانِ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ بِالْقَلْبِ ، أَمَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذِكْرُهُ بِاللِّسَانِ فَيَقُولُ مَتَى رَكِبَ وَخَاصَّةً بِاللِّسَانِ إذَا تَذَكَّرَ فِي السَّفَرِ : { سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ } { اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ } يَعْنِي بِالْحَوْرِ وَالْكَوْرِ تَشَتُّتَ أَمْرِ الرَّجُلِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : رَكِبْت مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ إلَى أَرْضٍ لَهُ نَحْوُ حَائِطٍ يُقَالُ لَهَا مَدْرَكَةٌ ، فَرَكِبَ عَلَى جَمَلٍ صَعْبٍ ، فَقُلْت لَهُ : أَبَا جَعْفَرٍ ، أَمَا تَخَافُ أَنْ يَصْرَعَك .
فَقَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَى سَنَامِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ ، فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ كَمَا أَمَرَكُمْ ، ثُمَّ امْتَهِنُوهَا لِأَنْفُسِكُمْ ، فَإِنَّمَا يَحْمِلُ
اللَّهُ } .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ : { شَهِدْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَكِبَ دَابَّةً يَوْمًا ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
ثُمَّ قَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ .
وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ .
ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا ، اللَّهُمَّ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، ثُمَّ ضَحِكَ فَقُلْت لَهُ : مَا أَضْحَكَك ؟ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ كَمَا صَنَعْت ، وَقَالَ كَمَا قُلْت ، ثُمَّ ضَحِكَ ، فَقُلْت لَهُ : مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِعَبْدٍ أَوْ قَالَ : عَجَبًا لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُهُ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي شَرْحِ الْكَلِمَةِ ؛ وَهِيَ النُّبُوَّةُ فِي قَوْلٍ ، وَالتَّوْحِيدُ فِي قَوْلٍ آخَرَ ؛ وَلَا جَرَمَ لَمْ تَزَلْ النُّبُوَّةُ بَاقِيَةً فِي ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَالتَّوْحِيدُ هُمْ أَصْلُهُ ، وَغَيْرُهُمْ فِيهِ تَبَعٌ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { فِي عَقِبِهِ } : بِنَاءُ ع ق ب لِمَا يَخْلُفُ الشَّيْءَ ، وَيَأْتِي بَعْدَهُ ، يُقَالُ : عَقَبَ يَعْقُبُ عُقُوبًا وَعَقِبًا إذَا جَاءَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَلِهَذَا قِيلَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنْ بَعْدِهِ عَقِبُهُ .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ سَافَرَ فِي عَقِبِ رَمَضَانَ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَوَارِدِ كَثِيرَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إنَّمَا كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي الْأَعْقَابِ مَوْصُولَةً بِالْأَحْقَابِ بِدَعْوَتَيْهِ الْمُجَابَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ : { إنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } فَقَدْ قَالَ لَهُ : نَعَمْ ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ ، فَلَا عَهْدَ لَهُ .
ثَانِيهِمَا قَوْلُهُ : { وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } .
وَقِيلَ بَدَلُ الْأُولَى : { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ } فَكُلُّ أُمَّةٍ تُعَظِّمُهُ ؛ بَنُوهُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي سَامٍ أَوْ فِي نُوحٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ جَرَى ذِكْرُ الْعَقِبِ هَاهُنَا مَوْصُولًا فِي الْمَعْنَى بِالْحُقْبِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عُقُودُ الْعُمْرَى أَوْ التَّحْبِيسِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيهَا لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا } ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ .
وَهِيَ تَرِدُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ لَفْظًا قَوْلُهُ : اللَّفْظُ الْأَوَّلُ الْوَلَدُ ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عِبَارَةٌ عَمَّنْ وُجِدَ عَنْ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، وَعَنْ وَلَدِ الذُّكُورِ دُونَ وَلَدِ الْإِنَاثِ لُغَةً وَشَرْعًا ؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْمِيرَاثُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُعَيَّنِ وَأَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْ الْمُعَيَّنِ دُونَ وَلَدِ الْبَنَاتِ ، لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْحَبْسِ بِهَذَا اللَّفْظِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا .
اللَّفْظُ الثَّانِي الْبَنُونَ فَإِنْ قَالَ : هَذَا حَبْسٌ عَلَى ابْنِي فَلَا يَتَعَدَّى الْوَلَدَ الْمُعَيَّنَ وَلَا يَتَعَدَّدُ .
وَلَوْ قَالَ : وَلَدِي لَتَعَدَّى وَتَعَدَّدَ فِي كُلِّ مَنْ وُلِدَ .
وَإِنْ قَالَ : عَلَى بَنِيَّ دَخَلَ فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ .
قَالَ مَالِكٌ : مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى بَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ فَإِنَّ بَنَاتَه وَبَنَاتَ بَنَاتِهِ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ .
وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى بَنَاتِهِ فَإِنَّ بِنْتَ بِنْتِهِ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَنَاتِ صُلْبِهِ .
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ أَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْبَنِينَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَسَنِ بْنِ بِنْتِهِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
قُلْنَا : هَذَا مَجَازٌ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ إلَى تَشْرِيفِهِ وَتَقْدِيمِهِ .
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ فِي وَلَدِ بِنْتِهِ :
لَيْسَ بِابْنِي ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً مَا جَازَ نَفْيُهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا تُنْفَى عَنْ مُسَمَّيَاتِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : إنَّهُ هَاشِمِيٌّ ؛ وَلَيْسَ بِهِلَالِيٍّ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ هِلَالِيَّةً .
اللَّفْظُ الثَّالِثُ الذُّرِّيَّةُ ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، فِي الْأَشْهَرِ ، فَكَأَنَّهُمْ وُجِدُوا عَنْهُ وَنُسِبُوا إلَيْهِ .
وَيَدْخُلُ فِيهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَلَدُ الْبَنَاتِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ } .
إلَى أَنْ قَالَ : { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى } فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ .
اللَّفْظُ الرَّابِعُ الْعَقِبُ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ جَاءَ بَعْدَ شَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ ، يُقَالُ أَعْقَبَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، أَيْ جَاءَ بَعْدَ الشِّدَّةِ بِالرَّخَاءِ .
وَأَعْقَبَ الشِّيبُ السَّوَادَ .
وَالْمِعْقَابُ مِنْ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِدُ ذَكَرًا بَعْدَ أُنْثَى هَكَذَا أَبَدًا .
وَعَقِبُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ الْبَاقُونَ بَعْدَهُ .
وَالْعَاقِبَةُ : الْوَلَدُ قَالَ يَعْقُوبُ : وَفِي الْقُرْآنِ : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } .
وَقِيلَ : بَلْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ عَقِبُ .
وَالْعَاقِبَةُ : الْوَلَدُ ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ هَاهُنَا .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ هَاهُنَا : هُمْ الذُّرِّيَّةُ .
وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : هُمْ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ .
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ : الْعَقِبُ الْوَلَدُ ذَكَرًا كَانَ أَمْ أُنْثَى .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَلَيْسَ وَلَدُ الْبَنَاتِ عَقِبًا بِحَالٍ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى عَقِبِهِ وَلِعَقِبِهِ وَلَدٌ فَإِنَّهُ يُسَاوِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ آبَائِهِمْ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ ، وَيُفَضَّلُ ذُو الْعِيَالِ ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ إنَّهُ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ ، وَلَيْسَ
وَلَدُ الِابْنَةِ عَقِبًا وَلَا ابْنَةُ الِابْنَةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ التَّوْحِيدَ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِمَامَةَ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا الذَّكَرُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى لَيْسَتْ بِإِمَامٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ وَأَوْضَحْنَاهُ ؛ وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ وَلَدُ الْبَنَاتِ عَقِبًا وَلَا وَلَدًا إذَا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : عَلَى وَلَدِي أَوْ عَقِبِي مُفْرَدًا ، وَأَمَّا إذَا تَكَرَّرَ فَقَالَ : عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي ، وَعَلَى عَقِبِي وَعَقِبِ عَقِبِي ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِيهِ حَسْبَمَا يَذْكُرُ فِيهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيمَا بَعْدَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ : أَبَدًا ، وَمِثْلَ قَوْلِهِ مَا تَنَاسَلُوا .
اللَّفْظُ الْخَامِسُ نَسْلِي ، وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا كَقَوْلِهِ : وَلَدُ وَلَدِي فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَيَجِبُ أَنْ يَدْخُلُوا ؛ لِأَنَّ " نَسْلَ " بِمَعْنَى خَرَجَ ، وَوَلَدُ الْبَنَاتِ قَدْ خَرَجُوا مِنْهُ بِوَجْهٍ ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ مَا يَخُصُّهُ ، كَمَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِ : عَقِبِي مَا تَنَاسَلُوا ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
اللَّفْظُ السَّادِسُ الْآلُ ، وَهُمْ الْأَهْلُ .
وَهُوَ اللَّفْظُ السَّابِعُ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هُمَا سَوَاءٌ ، وَهُمْ الْعَصَبَةُ وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ، وَالْبَنَاتُ وَالْعَمَّاتُ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخَالَاتُ ، وَأَصْلُ الْأَهْلِ الِاجْتِمَاعُ ، يُقَالُ مَكَانٌ آهِلٌ إذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، وَذَلِكَ بِالْعَصَبَةِ ، وَمَنْ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ ؛ وَالْعَصَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ ، وَهِيَ أَخَصُّ بِهِ .
وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْلُك وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا يَعْنِي عَائِشَةَ ؛ وَلَكِنْ لَا تَدْخُلُ الزَّوْجَةُ فِيهِ بِإِجْمَاعٍ ، وَإِنْ كَانَتْ أَصْلَ التَّأَهُّلِ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا لَيْسَ بِيَقِينٍ ، وَقَدْ يَتَبَدَّلُ رَبْطُهَا وَيَنْحَلُّ بِالطَّلَاقِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ ، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنْ الْقَرَابَةِ ،
وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ وَقُصِدَ بِالرَّحْمَةِ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ : يَدْخُلُ فِي الْأَهْلِ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ فَوَفَّى الِاشْتِقَاقَ حَقَّهُ ، وَغَفَلَ عَنْ الْعُرْفِ وَمُطْلَقِ الِاسْتِعْمَالِ .
وَهَذِهِ الْمَعَانِي إنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ الْعُرْفِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، فَهَذَانِ لَفْظَانِ .
اللَّفْظُ الثَّامِنُ الْقَرَابَةُ ، وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَابْنِ عَبْدُوسٍ : إنَّهُمْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ بِالِاجْتِهَادِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَلَا وَلَدُ الْخَالَاتِ .
الثَّانِي يَدْخُلُ فِيهِ أَقَارِبُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ أَشْهَبُ : يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
الرَّابِعُ قَالَ ابْنُ كِنَانَةٍ : يَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } قَالَ : إلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا كَانَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَابَةٌ ، فَهَذَا يَضْبِطُهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
اللَّفْظُ التَّاسِعُ : الْعَشِيرَةُ ، وَيَضْبِطُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُطُونَ قُرَيْشٍ وَسَمَّاهُمْ } كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهُمْ الْعَشِيرَةُ الْأَقْرَبُونَ ؛ وَسِوَاهُمْ عَشِيرَةٌ فِي الْإِطْلَاقِ ، وَاللَّفْظُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَخَصِّ الْأَقْرَبِ بِالِاجْتِهَادِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عُلَمَائِنَا .
اللَّفْظُ الْعَاشِرُ الْقَوْمُ [ قَالَ الْقَرَوِيُّونَ ] : يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً مِنْ الْعَصَبَةِ دُونَ النِّسَاءِ .
وَالْقَوْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرِّجَالِ
وَالنِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ الشَّاعِرُ قَدْ قَالَ : وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ أَخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَعَا قَوْمَهُ لِلنُّصْرَةِ عَنَى الرِّجَالَ ، وَإِذَا دَعَاهُمْ لِلْحُرْمَةِ دَخَلَ فِيهِمْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، فَتَعُمُّهُ الصِّفَةُ وَتَخُصُّهُ الْقَرِينَةُ .
اللَّفْظُ الْحَادِيَ عَشَرَ الْمَوَالِي : قَالَ مَالِكٌ : يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِي أَبِيهِ وَابْنِهِ مَعَ مَوَالِيهِ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ مَوَالِيهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ فِيهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ ؛ وَهَذِهِ فُصُولُ الْكَلَامِ وَأُصُولُهُ مُرْتَبِطَةٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؛ وَالسُّنَّةُ الْمُبَيِّنَةُ لَهُ وَالتَّفْرِيعُ وَالتَّتْمِيمُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أَمَةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْهَوَانِ بِحَيْثُ كَانَ يَجْعَلُ بُيُوتَ الْكُفَّارِ وَدُرَجِهَا وَأَبْوَابِهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً ، لَوْلَا غَلَبَةُ حُبِّ الدُّنْيَا عَلَى الْقُلُوبِ ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْكُفْرِ .
وَالْقَدَرُ الَّذِي [ جُعِلَ ] عِنْدَ الْكُفَّارِ مِنْ الدُّنْيَا وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَغْنِيَاءِ إنَّمَا هُوَ فِتْنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّك بَصِيرًا } .
===========================================ج20..
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّقْفَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ عِبَارَةٌ عَنْ قَاعَةٍ وَجِدَارٍ وَسَقْفٍ وَبَابٍ ، فَمَنْ لَهُ الْبَيْتُ فَلَهُ أَرْكَانُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعُلُوَّ لَهُ إلَى السَّمَاءِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي السُّفْلِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ لَهُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لَهُ فِي بَطْنِ الْأَرْضِ شَيْءٌ .
وَفِي مَذْهَبِنَا الْقَوْلَانِ .
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ الْإِسْرَائِيلِيِّ الصَّحِيحُ فِيمَا تَقَدَّمَ : أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ دَارًا فَبَنَاهَا فَوَجَدَ فِيهَا جَرَّةً مِنْ ذَهَبٍ ، فَجَاءَ بِهَا إلَى الْبَائِعِ ، فَقَالَ : إنَّمَا اشْتَرَيْت الدَّارَ دُونَ الْجَرَّةِ .
وَقَالَ الْبَائِعُ : إنَّمَا بِعْت الدَّارَ بِمَا فِيهَا .
وَكِلَاهُمَا تَدَافَعَا فَقَضَى بَيْنَهُمْ أَنْ يُزَوِّجَ أَحَدُهُمَا وَلَدَهُ مِنْ بِنْتِ الْآخَرِ ، وَيَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعُلُوَّ وَالسُّفْلَ لَهُ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ بِالْبَيْعِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ الْمَوْضِعَيْنِ فَلَهُ مِنْهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، وَبَاقِيهِ لِلْمُبْتَاعِ مِنْهُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَك وَلِقَوْمِك وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الذِّكْرِ ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهُمَا : الشَّرَفُ .
الثَّانِي : الذِّكْرَى بِالْعَهْدِ الْمَأْخُوذِ فِي الدِّينِ .
الثَّالِثُ : قَالَ مَالِكٌ : هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ .
وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ الشَّرَفُ وَالْفَضْلُ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ بِالدِّينِ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا شَرَفَ فِيهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَفَاخُرَهَا بِالْأَحْسَابِ ، وَالنَّاسُ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ كَافِرٌ شَقِيٌّ ، كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، وَإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .
وَقِيلَ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَك وَلِقَوْمِك يَعْنِي الْخِلَافَةَ فَإِنَّهَا فِي قُرَيْشٍ لَا تَكُونُ فِي غَيْرِهِمْ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ } .
وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ أَجِدْ فِي الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ إلَّا بِبَغْدَادَ ، فَإِنَّ بَنِي التَّمِيمِيِّ بِهَا يَقُولُونَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِذَلِكَ شَرُفَتْ أَقْدَارُهُمْ ، وَعَظَّمَ النَّاسُ شَأْنَهُمْ وَتَهَمَّمَتْ الْخِلَافَةُ بِهِمْ .
وَرَأَيْت بِمَدِينَةِ السَّلَامِ ابْنَيْ أَبِي مُحَمَّدٍ رِزْقَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنَ أَبِي الْفَرَحِ بْنَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْجَرْدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَكَيْنَة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ وَكَانَا يَقُولَانِ : سَمِعْنَا أَبَانَا رِزْقَ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْحَنَّانِ الْمَنَّانِ ، الْحَنَّانُ الَّذِي
يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ .
وَالْمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ ، وَالْقَائِلُ سَمِعْت عَلِيًّا أَكْيَنَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ جَدُّهُمْ الْأَعْلَى .
وَالْأَقْوَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِك } يَعْنِي الْقُرْآنَ ، فَعَلَيْهِ يَنْبَنِي الْكَلَامُ ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .
وَفِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْجَنَّةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْحَرِيرِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لُبْسًا وَأَكْلًا وَشُرْبًا وَانْتِفَاعًا ، وَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا عَنْ الْخَلْقِ إجْمَاعًا عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْأَحْكَامِ ، وَتَفْصِيلٍ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، فَأَمَّا الْحَرِيرُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ } .
قَالَ الرَّاوِي : وَإِنْ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ لَمْ يَلْبَسْهُ هُوَ ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَأْوِيلِ الرَّاوِي .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَأَمْثَلُهَا تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَتُبْ ، كَمَا قَالَ : { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ } ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي الْحَرِيرِ أَيْضًا بِنَصِّهِ .
الثَّانِي : وَهُوَ الَّذِي يُقْضَى [ بِنَصِّهِ ] عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَاهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَآخِرُ الْأَمْرِ إلَى حُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَجَمِيلِ الْمَآلِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ عَلَى تِسْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الْحَرْبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي السَّفَرِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الْمَرَضِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الْغَزْوِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ مُبَاحٌ بِكُلِّ حَالٍ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا الْعَلَمَ .
الثَّامِنُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
التَّاسِعُ : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لُبْسُهُ دُونَ فَرْشِهِ ؛
قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ .
فَأَمَّا كَوْنُهُ مُحَرَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُلَّةِ السِّيَرَاءِ : { إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ } ، وَشَبَهُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الْحَرْبِ فَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْغَزْوِ بِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ ؛ وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ فِيهِمَا .
وَوَجْهُهُ أَنَّ لِبَاسَ الْحَرِيرِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا فِي الْحَرْبِ ، فَرُخِّصَ فِيهِ مِنْ الْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوِّ .
وَهَذَا تَعْلِيلُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ الشَّرِيعَةَ ، فَظَنَّ أَنَّ النَّصْرَ بِالدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ عَلَى قَوْمٍ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمْ إلَّا الْعَلَابِيَّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي السَّفَرِ فَلَمَّا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَحْرُمُ إلَّا فِي الْمَرَضِ فَلِأَجْلِ إبَاحَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا اسْتِعْمَالَهُ عِنْدَ الْحَكَّةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَّا فِي الْغَزْوِ فَلِأَجْلِ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ أَنَسٍ { إنَّهُ رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا } ، فَذِكْرُ لَفْظِ الْغَزْوِ فِي الْعِلَّةِ ، وَذِكْرُ الصِّفَةِ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ وَهَا هُنَا كَمَا سَبَقَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُبَاحٌ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنَّهُ رَأَى الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ يُبِيحُهُ لِلْحَكَّةِ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الصَّحِيحِ { لِأَجْلِ الْقَمْلِ } ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَبَاحَهُ لِلْحَكَّةِ وَلَا لِلْقَمْلِ ، كَالْخَمْرِ وَالْبَوْلِ ، فَإِنَّ التَّدَاوِي بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ لَا
يَجُوزُ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ ثَبَتَ يَقِينًا ، وَالرُّخْصَةَ قَدْ وَرَدَتْ حَقًّا ، وَلِلْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَضَعَ وَظَائِفَ التَّحْرِيمِ كَيْفَ شَاءَ مِنْ إطْلَاقٍ وَاسْتِثْنَاءٍ ؛ وَإِنَّمَا أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لَهُمَا لِأَجْلِ الْقَمْلِ وَالْحَكَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ خَمَائِصُ غَلِيظَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا الْبَدَنُ ، فَنَقَلَهُمْ إلَى الْحَرِيرِ ، لِعَدَمِ دَقِيقِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ ، وَإِذَا وَجَدَ صَاحِبُ الْجَرَبِ وَالْقَمْلِ دَقِيقَ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ لِينَ الْحَرِيرِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا الْعَلَمَ ، فَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ إبَاحَةِ الْعَلَمِ ، وَتَقْدِيرُهُ بِأُصْبُعَيْنِ .
وَفِي رِوَايَةٍ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ ؛ وَالْيَقِينُ ثَلَاثُ أَصَابِعَ ، وَهُوَ الَّذِي رَآهُ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِ ، وَالْأَرْبَعُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُكَفُّ الثَّوْبُ بِالْحَرِيرِ كَمَا يَجُوزُ إدْخَالُ الْعَلَمِ فِيهِ ، لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ فَرْوَةٌ مَكْفُوفَةٌ بِالدِّيبَاجِ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ قَالَ : { أَخْرَجَتْ إلَيَّ أَسْمَاءَ طَيَالِسَةً كِسْرَوَانِيَّةً ، لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ ، وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ ، فَقَالَتْ : هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ تَلْبَسُهَا حَتَّى قُبِضَتْ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا ، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى لِيُسْتَشْفَى بِهَا } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَأَصْلٌ صَرِيحٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ خَطَبَ فَقَالَ : أَلَا لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ ؛ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهِ يَقُولُ : { لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ، فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا
لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ } .
وَهَذَا ظَنٌّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ يَدْفَعُهُ يَقِينُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : { أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ ، فَبَعَثَ بِهَا إلَيَّ فَلَبِسْتهَا ، فَعَرَفْت الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ، وَقَالَ : إنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا ، إنَّمَا بَعَثْتهَا إلَيْك لِتَشُقَّهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ { شَقَّقَهُ خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ } ، إحْدَاهُنَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ عَلِيَّ ، وَالثَّانِيَةُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنُ هَاشِمٍ زَوْجُ أَبِي طَالِبٍ أُمُّ عَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٌ وَطَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَتْ أَسْلَمَتْ ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وُلِدَتْ لِهَاشِمِيٍّ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِغَيْرِهِمَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّمَا حُرِّمَ لُبْسُهُ لَا فَرْشُهُ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ فَهِيَ نَزْغَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ لَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ اللِّبَاسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ ، وَالْفَرْشُ وَالْبَسْطُ لَيْسَ لُغَةً ، وَهُوَ كَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي الشَّرِيعَةِ ؛ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فِيهِ : { فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَة الْحَرِيرُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ ، وَحَلَالٌ لِلنِّسَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا } ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّخِذَ ثِيَابَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ ، وَلِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِيهَا ، فَإِذَا انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ تَزَوَّجَ : اتَّخَذْت أَنْمَاطًا ؟ قُلْت : وَأَنَّى لَنَا الْأَنْمَاطُ ؟ قَالَ : أَمَا إنَّهَا سَتَكُونُ } .
وَلَيْسَ يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يَخْلَعَهَا عَنْ ثِيَابِهَا ، وَلَا أَنْ يُعَرِّيَ بَيْتَهَا وَفِرَاشَهَا ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَمْتِعُ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لُبْسُ الْخَزِّ جَائِزٌ ، وَهُوَ مَا سَدَاه حَرِيرٌ وَلَيْسَ لُحْمَتُهُ مِنْهُ ؛ وَقَدْ لَبِسَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يَرَى الْحَرِيرَ حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ ، وَلِهَذَا أَدْخَلَهُ مَالِكٌ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَقَدْ لَبِسَهُ عُثْمَانُ ، وَكَفَى بِهِ حُجَّةً ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .
فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمِ } .
وَرَوَى حُذَيْفَةُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا ، وَلَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ } .
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ اسْتِعْمَالُهَا فِي شَيْءٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ : { هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا } ؛ وَالنَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهَا ، وَسَائِرُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمَتَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، أَصْلُهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ اسْتِعْجَالُ أَجْرِ الْآخِرَةِ ؛ وَذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الِانْتِفَاعِ ؛ وَلِأَنَّهُ { عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الْآخِرَةِ } ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِيهَا حَظًّا فِي الدُّنْيَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إذَا كَانَ الْإِنَاءُ مُضَبَّبًا بِهِمَا أَوْ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْهُمَا ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُشْرَبَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْمِرْآةُ تَكُونُ فِيهَا الْحَلْقَةُ مِنْ الْفِضَّةِ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا وَجْهَهُ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَ أَنَسٍ إنَاءٌ مُضَبَّبٌ بِالْفِضَّةِ .
وَقَالَ : { لَقَدْ سَقَيْت فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَانَتْ فِيهِ حَلْقَةُ حَدِيدٍ ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ حَلْقَةَ فِضَّةً ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَتَرَكَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إذَا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا لَمْ يَجُزْ اقْتِنَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ كَالصَّنَمِ وَالطُّنْبُورِ .
وَفِي كُتُبِ عُلَمَائِنَا إنَّهُ يَلْزَمُ الْغُرْمُ فِي قِيمَتِهَا لِمَنْ كَسَرَهَا ؛ وَهُوَ مَعْنَى فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ كَسْرَهَا وَاجِبٌ ؛ فَلَا ثَمَنَ لِقِيمَتِهَا ؛ وَلَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا فِي الزَّكَاةِ بِحَالٍ ، وَغَيْرُ هَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمَسَائِلِ بِأَبْلَغَ مِنْ هَذَا .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الشَّهَادَةَ مَنْصِبٌ عَظِيمٌ ، وَوِلَايَةٌ كَرِيمَةٌ ، فِيهَا تَنْفِيذُ قَوْلِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِمَا قَدْ عَلِمَهُ الشَّاهِدُ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْعِلْمِ بِمَا يَكُونُ قَطْعًا عِنْدَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ ظَاهِرًا ، وَذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الدُّخَانِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَة الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِاللَّيْلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مِنْهُ لَيْلِيًّا وَمِنْهُ نَهَارِيًّا وَمِنْهُ سَفَرِيٌّ وَحَضَرِيٌّ ، وَمِنْهُ مَكِّيٌّ وَمَدَنِيٌّ ، وَمِنْهُ سَمَائِي وَأَرْضِيٌّ ، وَمِنْهُ هَوَائِيٌّ ؛ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً فِي اللَّيْلِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ مَا فِي عِشْرِينَ عَامًا وَنَحْوِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { مُبَارَكَةٍ } الْبَرَكَةُ : هِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ ، وَسَمَّاهَا مُبَارَكَةً لِمَا يُعْطِي اللَّهُ فِيهَا مِنْ الْمَنَازِلِ ، وَيَغْفِرُ مِنْ الْخَطَايَا ، وَيُقَسِّمُ مِنْ الْحُظُوظِ ، وَيَبُثُّ مِنْ الرَّحْمَةِ ، وَيُنِيلُ مِنْ الْخَيْرِ ، وَهِيَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَعْيِينُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ : وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ؛ وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِ الْقَاطِعِ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } فَنَصَّ عَلَى أَنَّ مِيقَاتَ نُزُولِهِ رَمَضَانُ ، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْ زَمَانِيَّةِ اللَّيْلِ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ : { فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ ، وَلَيْسَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، لَا فِي فَضْلِهَا ، وَلَا فِي نَسْخِ الْآجَالِ فِيهَا ، فَلَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى السُّرَى : سَيْرُ اللَّيْلِ .
وَالْإِدْلَاجُ : سَيْرُ السَّحَرِ ، وَالْإِسْآدُ : سَيْرُهُ كُلِّهِ .
وَالتَّأْوِيبُ : سَيْرُ النَّهَارِ .
وَيُقَالُ : سَرَى وَأَسْرَى ، وَقَدْ يُضَافُ إلَى اللَّيْلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ } وَهُوَ يُسْرَى فِيهِ ، كَمَا قِيلَ : لَيْلٌ نَائِمٌ ، وَهُوَ يُنَامُ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ مِنْ اتِّسَاعَاتِ الْعَرَبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا } أَمْرٌ بِالْخُرُوجِ بِاللَّيْلِ ، وَسَيْرُ اللَّيْلِ يَكُونُ مِنْ الْخَوْفِ ؛ وَالْخَوْفُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : إمَّا مِنْ الْعَدُوِّ فَيُتَّخَذُ اللَّيْلُ سِتْرًا مُسْدَلًا ، فَهُوَ مِنْ أَسْتَارِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَإِمَّا مِنْ خَوْفِ الْمَشَقَّةِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأَبَدَانِ بِحَرٍّ أَوْ جَدْبٍ ، فَيُتَّخَذُ السُّرَى مَصْلَحَةً مِنْ ذَلِكَ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْرَى وَيُدْلَجُ وَيَتَرَفَّقُ وَيَسْتَعْجِلُ قَدْرَ الْحَاجَةِ وَحَسْبَ الْعَجَلَةِ ، وَمَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ .
وَفِي جَامِعِ الْمُوَطَّإِ : { إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيَرْضَى بِهِ ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ ، فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعَجَمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنِقْيِهَا ، وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَطْوِي بِاللَّيْلِ مَا لَا تَطْوِي بِالنَّهَارِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الزَّقُّومُ : كُلُّ طَعَامٍ مَكْرُوهٍ ، يُقَالُ : تَزَقَّمَ الرَّجُلُ إذَا تَنَاوَلَ مَا يَكْرَهُ .
وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الزَّقُّومَ هُوَ التَّمْرُ وَالزُّبْدُ بِلِسَانِ الْبَرْبَرِ ، وَيَا لِلَّهِ وَلِهَذَا الْقَائِلِ وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْكِتَابِ بِالْبَاطِلِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقْرَأَ رَجُلًا طَعَامَ الْأَثِيمَ فَلَمْ يَفْهَمْهَا ؛ فَقَالَ لَهُ : طَعَامُ الْفَاجِرِ ، فَجَعَلَهَا النَّاسُ قِرَاءَةً ، حَتَّى رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : أَقْرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلًا إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ فَجَعَلَ الرَّجُلَ يَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : طَعَامُ الْفَاجِرِ .
فَقُلْت لِمَالِكٍ : أَتَرَى أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
وَرَوَى الْبَصْرِيُّونَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ بِمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ لَا يُصَلَّى بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى بِهَا أَعَادَ صَلَاتَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِالتَّفْسِيرِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي حَالِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، وَلَوْ صَحَّتْ قِرَاءَتُهُ لَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ بِهَا سُنَّةً ، وَلَكِنَّ النَّاسَ أَضَافُوا إلَيْهِ مَا لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْرَأُ بِمَا يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
وَاَلَّذِي صَحَّ عَنْهُ مَا فِي الْمُصْحَفِ الْأَصْلِيِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَفِي الْمُصْحَفِ الْأَصْلِيِّ قِرَاءَاتٌ وَاخْتِلَافَاتٌ فَبِأَيٍّ يُقْرَأُ ؟ قُلْنَا : وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ بِجَمِيعِهَا بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، فَمَا وُضِعَتْ إلَّا لِحِفْظِ الْقُرْآنِ ، وَلَا كُتِبَتْ إلَّا لِلْقِرَاءَةِ بِهَا ، وَلَكِنْ لَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يُعَيَّنَ الْمَقْرُوءُ بِهِ مِنْهَا ، فَيُقْرَأَ بِحَرْفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الشَّامِّ
، وَأَهْلِ مَكَّةَ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَلَّا يَخْرُجَ عَنْهَا ، فَإِذَا قَرَأَ آيَةً بِحَرْفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَقَرَأَ الَّتِي بَعْدَهَا بِحَرْفِ أَهْلِ الشَّامِ كَانَ جَائِزًا ، وَإِنَّمَا ضَبَطَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ قِرَاءَتَهُمْ بِنَاءً عَلَى مُصْحَفِهِمْ ، وَعَلَى مَا نَقَلُوهُ عَنْ سَلَفِهِمْ ، وَالْكُلُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ } .
سُورَةُ الْجَاثِيَةِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي إعْرَابِهَا : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابَ هَذَا الْأَمْرِ ، وَجَاءَ ظَاهِرُهُ هَاهُنَا جَوَابًا مَجْزُومًا ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ اغْفِرُوا ] يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ } يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الرَّجَاءِ الْمُطْلَقِ ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَيَّامُ عِبَارَةً عَنْ النِّعَمِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْخَوْفِ ، وَيُعَبَّرُ بِالْأَيَّامِ عَنْ النِّقَمِ ، وَبِالْكُلِّ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ هَذَا مِنْ الْمَغْفِرَةِ وَشَبَهُهُ مِنْ الصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ مَنْسُوخٌ بِآيَاتِ الْقِتَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الشَّرِيعَةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّرِيقِ إلَى الْمَاءِ ، ضُرِبَتْ مَثَلًا لِلطَّرِيقِ إلَى الْحَقِّ لِمَا فِيهَا مِنْ عُذُوبَةِ الْمَوْرِدِ ، وَسَلَامَةِ الْمَصْدَرِ ، وَحُسْنِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمُرَادِ بِهَا مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ .
وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَمْرَ الدِّينُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ السُّنَّةُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْفَرَائِضُ .
الرَّابِعُ : النِّيَّةُ .
وَهَذِهِ كَلِمَةٌ أَرْسَلَهَا مَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِلْحَقَائِقِ ، وَالْأَمْرُ يَرِدُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى الشَّأْنِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } .
وَالثَّانِي أَنَّهُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ الَّذِي يُقَابِلُهُ النَّهْيُ ، وَكِلَاهُمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هَاهُنَا ، وَتَقْدِيرُهُ ثُمَّ جَعَلْنَاك عَلَى طَرِيقَةٍ مِنْ الدِّينِ ، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .
وَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَ الشَّرَائِعِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَكَارِمِ وَالْمَصَالِحِ ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَهَا فِي الْفُرُوعِ بِحَسْبِ مَا عَلِمَهُ سُبْحَانَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ظَنَّ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مِنْ قَبْلِنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْرَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَرِيعَةٍ ؛ وَلَا نُنْكِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ مُنْفَرِدَانِ بِشَرِيعَةٍ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَالْعِظَةِ ، هَلْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا ؟ وَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِ ذَلِكَ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَدَّمْنَاهَا هُنَا وَفِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْبَيَانِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { اجْتَرَحُوا } مَعْنَاهُ افْتَعَلُوا مِنْ الْجُرْحِ ؛ وَضَرَبَ تَأْثِيرَ الْجُرْحِ فِي الْبَدَنِ كَتَأْثِيرِ السَّيِّئَاتِ فِي الدِّينِ مَثَلًا ، وَهُوَ مِنْ بَدِيعِ الْأَمْثَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } فَإِنَّهَا عَلَى مَسَاقِهَا ؛ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهَا .
سُورَةُ الْأَحْقَافِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَسَاقِ الْآيَةِ ، وَهِيَ أَشْرَفُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا اسْتَوْفَتْ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ عَقْلِيَّهَا وَسَمْعِيَّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ } فَهَذِهِ بَيَانٌ لِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ ، وَانْفِرَادِ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْوُجُودِ وَالْخَلْقِ ، ثُمَّ قَالَ : { ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا } عَلَى مَا تَقُولُونَ ، وَهَذِهِ بَيَانٌ لِأَدِلَّةِ السَّمْعِ فَإِنَّ مُدْرِكَ الْحَقِّ إنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ بِدَلِيلِ الشَّرْعِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، ثُمَّ قَالَ : { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } يَعْنِي أَوْ عِلْمٍ يُؤْثَرُ ، أَوْ يُرْوَى وَيُنْقَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا ؛ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْحِفْظِ مِثْلُ الْمَنْقُولِ عَنْ الْكُتُبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ قَوْمٌ : إنَّ قَوْلَهُ : { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } يَعْنِي بِذَلِكَ عِلْمَ الْخَطِّ ، وَهُوَ الضَّرْبُ فِي التُّرَابِ لِمَعْرِفَةِ الْكَوَائِنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ فِيمَا مَضَى مِمَّا غَابَ عَنْ الضَّارِبِ ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ .
وَفِي مَشْهُورِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَلِكَ } وَلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ جَاءَ لِإِبَاحَةِ الضَّرْبِ بِهِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ يَفْعَلُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : جَاءَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَلِكَ } .
وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ طَرِيقِ النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ فَإِذًا لَا سَبِيلَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ : لَعَمْرُك مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطَّيْرِ مَا اللَّهُ صَانِعٌ وَحَقِيقَتُهُ عِنْدَ أَرْبَابِهِ تَرْجِعُ إلَى صُوَرِ الْكَوَاكِبِ ، فَيَدُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ مِنْ سَعْدٍ أَوْ نَحْسٍ يَحِلُّ بِهِمْ ، فَصَارَ ظَنًّا مَبْنِيًّا عَلَى ظَنٍّ ، وَتَعَلَّقَا بِأَمْرٍ غَائِبٍ قَدْ دَرَسَتْ طَرِيقُهُ ، وَفَاتَ تَحْقِيقُهُ ، وَقَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ ، وَأَخْبَرَتْ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ ، وَقَطَعَهُ عَنْ الْخَلْقِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ أَسْبَابٌ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فِي دَرْكِ الْغَيْبِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ ، وَطَمَسَ تِلْكَ الْأَبْوَابَ ، وَأَفْرَدَ نَفْسَهُ بِعِلْمِ الْغَيْبِ ؛ فَلَا يَجُوزُ مُزَاحَمَتُهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ دَعْوَاهُ ، وَطَلَبُهُ عَنَاءً لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَهْيٌ ، فَإِذْ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ فَطَلَبُهُ مَعْصِيَةٌ أَوْ كُفْرٌ بِحَسَبِ قَصْدِ الطَّالِبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبْقِ مِنْ الْأَسْبَابِ الدَّالَّةِ عَلَى الْغَيْبِ الَّتِي أَذِنَ فِي التَّعَلُّقِ بِهَا وَالِاسْتِدْلَالِ مِنْهَا إلَّا الرُّؤْيَا ، فَإِنَّهُ أَذِنَ فِيهَا وَأَخْبَرَ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَكَذَلِكَ الْفَأْلُ .
فَأَمَّا الطِّيَرَةُ وَالزَّجْرُ فَإِنَّهُ نَهَى عَنْهُمَا .
وَالْفَأْلُ هُوَ الِاسْتِدْلَال بِمَا يَسْتَمِعُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ الْأَمْرِ إذَا كَانَ حَسَنًا ، فَإِنْ سَمِعَ مَكْرُوهًا فَهُوَ تَطَيُّرٌ ، وَأَمَرَ الشَّرْعُ بِأَنْ يَفْرَحَ بِالْفَأْلِ ، وَيَمْضِيَ عَلَى أَمْرِهِ مَسْرُورًا بِهِ .
فَإِذَا سَمِعَ الْمَكْرُوهَ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ لِأَجْلِهِ ، وَقَالَ كَمَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إلَّا طَيْرُك ، وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُك ، وَلَا إلَهَ غَيْرُك } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأُدَبَاءِ : الْفَأْلُ وَالزَّجْرُ وَالْكُهَّانُ كُلُّهُمْ مُضَلِّلُونَ وَدُونَ الْغَيْبِ أَقْفَالٌ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ إلَّا فِي الْفَأْلِ ، فَإِنَّ الشَّرْعَ اسْتِثْنَاءٌ ، وَأَمَرَ بِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ هَذَا الشَّاعِرِ مَا نَظَمَهُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِجَهْلٍ ؛ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .
رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً تَزَوَّجَتْ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ زُوِّجَتْ ، فَأَتَى بِهَا عُثْمَانَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ : إنَّهَا إنْ تُخَاصِمْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَخْصِمْكُمْ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .
وَقَالَ : " وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ " فَالْحَمْلُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَالْفِصَالُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا ؛ فَخَلَّى سَبِيلَهَا .
فِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَهُ ذَلِكَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ بَدِيعٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الْكُفَّارِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِهَا : { وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ } ، أَيْ فَيُقَالُ لَهُمْ : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا ، يُرِيدُ أَفْنَيْتُمُوهَا فِي الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْحَلَالِ وَاللَّذَّاتِ ، وَأَمَرَ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الطَّاعَاتِ ، فَصَرَفَهَا الْكُفَّارُ إلَى الْكُفْرِ فَأَوْعَدَهُمْ اللَّهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْمَعَاصِي ، يَدْخُلُ فِي وَعِيدٍ آخَرَ وَتَنَالُهُ آيَةٌ أُخْرَى بِرَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ ، وَيَرْجِعُ أَمْرُهُ إلَى الْمَشِيئَةِ ، فَيُنَفِّذُ اللَّهُ فِيهِ مَا عَلِمَهُ مِنْهُ وَكَتَبَهُ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَقَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ ابْتَاعَ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا سَمِعْت اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } وَهَذَا عِتَابٌ مِنْهُ لَهُ عَلَى التَّوَسُّعِ بِابْتِيَاعِ اللَّحْمِ وَالْخُرُوجِ عَنْ جِلْفِ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ ؛ فَإِنَّ تَعَاطِي الطَّيِّبَاتِ مِنْ الْحَلَالِ تَسْتَشْرِي لَهَا الطِّبَاعُ ، وَتَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا الْعَادَةُ ، فَإِذَا فَقَدْتهَا اسْتَسْهَلْت فِي تَحْصِيلِهَا بِالشُّبُهَاتِ ، وَحَتَّى تَقَعَ فِي الْحَرَامِ الْمَحْضِ بِغَلَبَةِ الْعَادَةِ ، وَاسْتَشْرَاهِ الْهَوَى عَلَى النَّفْسِ الْأَمَارَةِ بِالسُّوءِ ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَحَمَاهُ مِنْ ابْتِدَائِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ .
وَاَلَّذِي يَضْبِطُ هَذَا الْبَابَ وَيَحْفَظُ قَانُونَهُ : عَلَى الْمَرْءِ أَنْ
يَأْكُلَ مَا وَجَدَ طَيِّبًا كَانَ أَوْ قَفَارًا ، وَلَا يَتَكَلَّفُ الطَّيِّبَ ، وَيَتَّخِذَهُ عَادَةً ؛ وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْبَعُ إذَا وَجَدَ ، وَيَصْبِرُ إذَا عَدِمَ ، وَيَأْكُلُ الْحَلْوَى إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا ، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ إذَا اتَّفَقَ لَهُ ، وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ إذَا تَيَسَّرَ ، وَلَا يَعْتَمِدُهُ أَصْلًا ، وَلَا يَجْعَلُهُ دَيْدَنًا ، وَمَعِيشَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُومَةٌ ، وَطَرِيقَةُ أَصْحَابِهِ بَعْدُ مَنْقُولَةٌ ؛ فَأَمَّا الْيَوْمَ عِنْدَ اسْتِيلَاءِ الْحَرَامِ ، وَفَسَادِ الْحُطَامِ ، فَالْخَلَاصُ عَسِيرٌ ، وَاَللَّهُ يَهَبُ الْإِخْلَاصَ ، وَيُعِينُ عَلَى الْخَلَاصِ بِرَحْمَتِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدِمَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ الْعِرَاقِ فَرَأَى الْقَوْمُ كَأَنَّهُمْ يَتَقَزَّزُونَ فِي الْأَكْلِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ؟ وَلَوْ شِئْت أَنْ يُدَهْمَقُ لِي كَمَا يُدَهْمَقُ لَكُمْ ، وَلَكِنَّا نَسْتَبْقِي مِنْ دُنْيَانَا مَا نَجِدُهُ فِي آخِرَتِنَا .
أَلَمِ تَسْمَعُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ قَوْمًا فَقَالَ : { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } .
سُورَةُ مُحَمَّدٍ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَاَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي إعْرَابِهَا : قَالَ الْمُعْرِبُونَ : هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ ، تَقْدِيرُهُ فَاضْرِبُوا الرِّقَابَ ضَرْبًا .
وَعِنْدِي أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِقَوْلِك : اقْصِدُوا ضَرْبَ الرِّقَابِ ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } مَعْنَاهُ افْعَلُوا ذَلِكَ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي رِسَالَةٍ الْإِلْجَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { الَّذِينَ كَفَرُوا } : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِيَةُ كُلُّ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا ذِمَّةَ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { ضَرْبَ الرِّقَابِ } قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْقِتَالُ ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَتْلُ الْأَسِيرِ صَبْرًا .
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فِي الْقِتَالِ ، وَهُوَ اللِّقَاءُ ، وَإِنَّمَا نَسْتَفِيدُ قَتْلَ الْأَسِيرِ صَبْرًا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَأَمْرِهِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى .
{ حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
الْمَعْنَى اُقْتُلُوهُمْ حَتَّى إذَا كَثُرَ ذَلِكَ ، وَأَخَذْتُمْ مَنْ بَقِيَ فَأَوْثِقُوهُمْ شَدًّا ؛ فَإِمَّا أَنْ تَمُنُّوا عَلَيْهِمْ فَتُطْلِقُوهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوهُمْ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي عِزَّةَ وَبِثُمَامَةَ .
وَقَالَ مُقَاتِلٌ : هُوَ الْعِتْقُ ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الْإِسْقَاطَ وَالتَّرْكَ مَعْنًى ، وَالْعِتْقَ مَعْنًى ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعِتْقِ مَعْنَى التَّرْكِ فَلَيْسَ حُكْمُهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } ، وَيَعْنِي ثَقَلَهَا ، وَعَبَّرَ عَنْ السِّلَاحِ بِهِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا ، وَفِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا حَتَّى يُؤْمِنُوا وَيَذْهَبَ الْكُفْرُ ؛ قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
الثَّانِي حَتَّى يُسْلِمَ الْخَلْقُ ؛ قَالَهُ الْكَلْبِيُّ .
الثَّالِثُ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ مُحَكَّمَةٌ ؟ فَقِيلَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُمْ لَا يُعَاهَدُونَ .
وَقِيلَ : إنَّهَا مُحَكَّمَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
الثَّالِثُ أَنَّهَا مُحَكَّمَةٌ بَعْدَ الْإِثْخَانِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، لِقَوْلِهِ : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } .
وَالتَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا مُحَكَّمَةٌ فِي الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي التَّنْقِيحِ : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْآيَاتِ وَمُحْكَمَاتِهَا ؛ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا بِالْقِتَالِ ، وَبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ كَمَا بَيَّنَهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْأَنْفَالِ ؛ فَإِذَا تَمَكَّنَ الْمُسْلِمُ مِنْ عُنُقِ الْكَافِرِ أَجْهَزَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ضَرْبِ يَدِهِ الَّتِي يَدْفَعُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَيَتَنَاوَلُ بِهَا قِتَالَ غَيْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ إلَّا ضَرَبَ فَرَسَهُ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مُرَادِهِ فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ رَاجِلًا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ قَصْدَ مُسَاوَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ قَصْدَ حَطِّهِ ، وَالْمَطْلُوبُ نَفْسُهُ ، وَالْمَآلُ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَمَرَ بِالْقِتَالِ أَوَّلًا ، وَعَلِمَ أَنْ سَتَبْلُغُ إلَى الْإِثْخَانِ وَالْغَلَبَةِ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ حُكْمَ الْغَلَبَةِ بِشَدِّ الْوَثَاقِ ، فَيَتَخَيَّرُ حِينَئِذٍ الْمُسْلِمُونَ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّمَا لَهُمْ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَهُ مَنْسُوخَةٌ .
وَالصَّحِيحُ إحْكَامُهَا ؛ فَإِنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا مِنْ الْمُعَارَضَةِ ، وَتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ ، وَقَوْلُهُ : { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيدَ قَدْ يَكُونُ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالْقَتْلِ ، فَإِنَّ طَوْقَ الْمَنِّ يُثْقِلُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ ، وَيَذْهَبُ بِنَفَاسَةِ نُفُوسِهِمْ ، وَالْفِدَاءُ يُجْحِفُ بِأَمْوَالِهِمْ ؛ { وَلَمْ يَزَلْ الْعَبَّاسُ تَحْتَ ثِقَلِ فِدَاءِ بَدْرٍ حَتَّى أَدَّى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } فَقَدْ قَالَ : وَاحْصُرُوهُمْ
؛ فَأَمَرَ بِالْأَخْذِ كَمَا أَمَرَ بِالْقَتْلِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَمَرَ بِالْأَخْذِ لِلْقَتْلِ .
قُلْنَا : أَوْ لِلْمَنِّ وَالْفِدَاءِ .
وَقَدْ عَضَّدَتْ السُّنَّةُ ذَلِكَ كُلَّهُ ؛ فَرَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَارِيَةً فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ هَبَطَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَوْمٌ ، فَأَخَذَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ } ، وَقَدْ مَنَّ عَلَى سِبِّي هَوَازِنَ ، وَقَتَلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ صَبْرًا فَقَالَتْ أُخْتُهُ قُتَيْلَةُ تَرِثِيهِ : يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغْ بِهَا مَيِّتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ فَلْيَسْمَعْنِ النَّضْرُ إنْ نَادَيْته إنْ كَانَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ أَوْ يَنْطِقُ أَمُحَمَّدٌ وَلَأَنْتَ ضِنْءُ كَرِيمَةٍ فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْت وَرُبَّمَا مِنْ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ لَوْ كُنْت قَابِلَ فِدْيَةٍ لَفَدَيْتُهُ بِأَعَزِّ مَا يُغْلَى بِهِ مَنْ يُنْفِقُ وَالنَّصْرُ أَقْرَبُ مِنْ أَسَرْت قَرَابَةً وَأَحَقُّهُمْ لَوْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتِقُ ظَلَّتْ رِمَاحُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تُشَقَّقُ صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مَتْعَبًا رَسْفَ الْمُقَيِّدِ وَهُوَ عَانٍ مُوثَقُ فَالنَّظَرُ إلَى الْإِمَامِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } فَمَعْنَاهُ عِنْدَ قَوْمٍ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ آثَامَهَا يُرِيدُونَ بِأَنْ يُسْلِمَ الْكُلُّ ، فَلَا يَبْقَى كَافِرٌ ؛ وَيُؤَوَّلُ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْجِهَادُ ؛ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ الْأَجْرُ
وَالْمَغْنَمُ } .
وَمَنْ ذَكَرَ نُزُولَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ لَا يَبْقَى كَافِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا جِزْيَةٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ فِي تَتْمِيمِ الْقَوْلِ : قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ : فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ : الْمَعْنَى فَضَرْبُ الرِّقَابِ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ، فَإِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ .
وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ الْأَسِيرَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ دَفَعَ أَسِيرًا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِيَقْتُلَهُ ، فَأَبَى وَقَالَ : لَيْسَ بِهَذَا أَمَرَنَا اللَّهُ ، وَقَرَأَ : { حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } .
قُلْنَا : قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ ، وَلَيْسَ فِي تَفْسِيرِ اللَّهِ لِلْمَنِّ وَالْفِدَاءِ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ ؛ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي الزِّنَا حُكْمَ ، الْجَلْدِ ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَ الرَّجْمِ ؛ وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْحَجَّاجِ فَاعْتَذَرَ بِمَا قَالَ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ افْتَتَحَ نَافِلَةً مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ ، ثُمَّ أَرَادَ تَرْكَهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي انْعَقَدَ لَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ تَطَوُّعٌ فَإِلْزَامُهُ إيَّاهُ يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّوَاعِيَةِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، فَإِذَا شُرِّعَ لَزِمَهُ كَالشُّرُوعِ فِي الْمُعَامَلَاتِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَا تَكُونُ عِبَادَةٌ بِبَعْضِ رَكْعَةٍ وَلَا بَعْضِ يَوْمٍ فِي صَوْمٍ ؛ فَإِذَا قَطَعَ فِي بَعْضِ الرَّكْعَةِ أَوْ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ إنْ قَالَ : إنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ نَاقَضَ الْإِجْمَاعَ ، وَإِنْ قَالَ : إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَدْ نَقَضَ الْإِلْزَامَ ، وَذَلِكَ مُسْتَقْصَى فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوَا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاَللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } .
قَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الصُّلْحِ مَعَ الْأَعْدَاءِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى [ هَاهُنَا ] عَنْهُ مَعَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِلْكُفَّارِ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَيْهِ ، وَيُفِيدُ فَائِدَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ، وَلَا خَيْرَ إلَّا خَيْرُهُ .
سُورَةُ الْفَتْحِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ } قِيلَ : هُمْ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهُمْ خَمْسُ قَبَائِلَ : جُهَيْنَةَ ، وَمُزَيْنَةَ ، وَأَشْجَعَ ، وَغَفَّارَ ، وَأَسْلَمَ : { سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَعْيِينِهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ .
الثَّانِي أَنَّهُمْ بَنُو حَنِيفَةَ مَعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؛ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْيَمَامَةِ لَا بِفَارِسَ وَلَا بِالرُّومِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لِأَنَّ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَالُ حَتَّى يُسْلِمَ مِنْ غَيْرِ قَبُولِ جِزْيَةٍ هُمْ الْعَرَبُ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ وَالْمُرْتَدُّونَ .
فَأَمَّا فَارِسُ وَالرُّومُ فَلَا يُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا ؛ بَلْ إنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ مِنْهُمْ ، وَجَاءَتْ الْآيَةُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِخْبَارًا بِالْغَيْبِ الْآتِي ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَدَلَّتْ عَلَى إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لِأَنَّ الدَّاعِي لَهُمْ كَانَ أَبَا بَكْرٍ فِي قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ ، وَعُمَرُ كَانَ الدَّاعِي لَهُمْ إلَى قِتَالِ فَارِسَ وَالرُّومِ ، وَخَرَجَ عَلِيُّ تَحْتِ لِوَائِهِ [ وَأَخَذَ سَهْمَهُ مِنْ غَنِيمَتِهِ وَاسْتَوْلَدَ حَنِيفَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا ] ، وَلَوْ كَانَتْ إمَامَةٌ بَاطِلَةً وَغَنِيمَةٌ حَرَامًا لَمَا جَازَ عِنْدَهُمْ وَطْءٌ عَلِيٍّ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَعْصُومٌ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعْذِبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النُّورِ بَيَانُهَا ، وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا الْجِهَادُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَعْنِي قُرَيْشًا بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ، وَالْقِصَّةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ ؛ فَلَا يَدْخُلُ غَيْرُهُمْ مَعَهُمْ ؛ مَنَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَمَنَعُوا الْهَدْيَ وَحَبَسُوهُ عَنْ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ؛ وَهَذَا كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَهُ ، وَلَكِنَّهُمْ حَمَلَتْهُمْ الْأَنَفَةُ ، وَدَعَتْهُمْ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى أَنْ يَفْعَلُوا مَا لَا يَعْتَقِدُونَ دِينًا ، فَوَبَّخَهُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَدْخَلَ الْأُنْسَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِهِ وَوَعْدِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا مَنْحَرُهُ .
الثَّانِي : الْحَرَمُ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَكَانَ الْهَدْيُ سَبْعِينَ بَدَنَةً ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَحِلًّا لِلْعُذْرِ ، وَنَحَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِيهِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَبُولِهِ وَإِبْقَائِهِ سُنَّةً بَعْدَهُ لِمَنْ حُبِسَ عَنْ الْبَيْتِ وَصُدَّ كَمَا صُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ } بِمَكَّةَ ، فَخِيفَ وَطْؤُكُمْ لَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَأَدْخَلْنَاكُمْ عَلَيْهِمْ عَنْوَةً ، وَمَلَكْنَاكُمْ الْبَلَدَ قَسْرًا ، وَلَكِنَّا صُنَّا مَنْ كَانَ [ فِيهَا ] يَكْتُمُ إيمَانَهُ خَوْفًا ، وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَجْزٍ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ حِكْمَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { بِغَيْرِ عِلْمٍ } تَفْصِيلٌ لِلصَّحَابَةِ ، وَإِخْبَارٌ عَنْ صِفَتِهِمْ الْكَرِيمَةِ مِنْ الْعِفَّةِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَالْعِصْمَةِ عَنْ التَّعَدِّي ، حَتَّى إنَّهُمْ لَوْ أَصَابُوا مِنْ أُولَئِكَ أَحَدًا لَكَانَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَهَذَا كَمَا وُصِفَتْ النَّمْلَةُ عَنْ جُنْدِ سُلَيْمَانَ فِي قَوْلِهَا : { لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ النَّمْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَوْ تَزَيَّلُوا } يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا .
تَنْبِيهٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْكَافِرِ فِي حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ إذَا لَمْ تُمْكِنْ إذَايَةُ الْكَافِرِ إلَّا بِإِذَايَةِ الْمُؤْمِنِ .
وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا فِي الْمُشْرِكِينَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ حَصَرَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ ، وَفِيهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى فِي أَيْدِيهِمْ ؛ أَيُحْرَقُ هَذَا الْحِصْنُ أَمْ لَا يُحْرَقُ ؟ قَالَ : سَمِعْت مَالِكًا وَسَأَلَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [ يَرْمُونَ ] فِي مَرَاكِبِهِمْ أَخَذُوا أُسَارَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ [ وَأَدْرَكَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَأَرَادُوا أَنْ يُحَرِّقُوهُمْ وَمَرَاكِبَهُمْ بِالنَّارِ ] وَمَعَهُمْ الْأُسَارَى فِي مَرَاكِبِهِمْ ، وَقَالَ : فَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى ذَلِكَ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِأَهْلِ مَكَّةَ : { لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّ مَعْنَاهُ لَوْ تَزَيَّلُوا عَنْ بُطُونِ النِّسَاءِ وَأَصْلَابِ الرِّجَالِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وَهُوَ فِي صُلْبِ الرَّجُلِ لَا يُوطَأُ وَلَا تُصِيبُ مِنْهُ مَعَرَّةٌ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ صَرَّحَ فَقَالَ : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ } وَذَلِكَ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَصُلْبِ الرَّجُلِ ؛ وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى مِثْلِ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ ، وَعَيَّاشٍ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَأَبِي جُنْدُلِ بْنِ سُهَيْلٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ .
وَقَدْ حَاصَرْنَا مَدِينَةً لِلرُّومِ ، فَحَبَسَ عَنْهُمْ الْمَاءَ ، فَكَانُوا يُنْزِلُونَ الْأُسَارَى يَسْتَقُونَ لَهُمْ الْمَاءَ ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَمْيِهِمْ بِالنَّبْلِ ، فَيَحْصُلُ لَهُمْ الْمَاءُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِنَا .
وَقَدْ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ
الرَّمْيَ فِي حُصُونِ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالُهُمْ ، وَلَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِوَلَدِ مُسْلِمٍ رُمِيَ الْمُشْرِكُ وَإِنْ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا دِيَةَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ لَهُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِنَا .
وَهَذَا ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ التَّوَصُّلَ إلَى الْمُبَاحِ بِالْمَحْظُورِ لَا يَجُوزُ ، وَلَا سِيَّمَا بِرُوحِ الْمُسْلِمِ ، فَلَا قَوْلَ إلَّا مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَة الرَّابِعَة قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمَنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ ، فَأَنْذَرَ أَصَحَابَةَ بِالْعُمْرَةِ ، وَخَرَجَ فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَمِائَتَيْ قُرَشِيٍّ ، حَتَّى أَتَى أَصْحَابُهُ ، وَبَلَغَ الْحُدَيْبِيَةَ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ وَصَالَحُوهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ بِالسَّيْفِ وَالْفَرَسِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ وَهُوَ السَّيْفُ فِي قِرَابِهِ ، فَسُمِّيَتْ عُمْرَةٌ الْقَضِيَّةِ ، لِمَا كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقَضِيَّةِ ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَاهَا مِنْ قَابِلٍ .
وَسُمِّيَتْ مَرَّةً عُمْرَةَ الْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } أَيْ اقْتَصَصْتُمْ مِنْهُمْ كَمَا صَدُّوكُمْ : فَارْتَابَ الْمُنَافِقُونَ ، وَدَخَلَ الْهَمُّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الرُّفَعَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ لَهُ : أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُ دَاخِلٌ الْبَيْتَ فَمُطَّوِّفٌ بِهِ ، قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ الْعَامَ ، وَإِنَّهُ آتِيه فَمَطُوفٌ بِهِ .
وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَرَاجَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاجَعَةِ أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : فَعَمِلْت لِذَلِكَ أَعْمَالًا يَعْنِي مِنْ الْخَيْرِ
كَفَّارَةً لِذَلِكَ التَّوَقُّفِ الَّذِي دَاخَلَهُ حِينَ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ ، وَلَمْ تَخْرُجْ رُؤْيَاهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ آمَنِينَ فَحَلَّقُوا وَقَصَّرُوا .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ { أَخَذَ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ } وَهَذَا كَانَ فِي الْعُمْرَةِ لَا فِي الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ فِي حَجَّتِهِ ، وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ الثَّلَاثُ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِمَيْمُونَةَ بِمَكَّةَ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَنَى بِهَا بِسَرِفَ ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذِكْرِ مَيْمُونَةَ خَاصَّةً مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى يَعْنِي عَلَامَتَهُمْ ، وَهِيَ سِيمَا وَسِيمَيَا ، وَفِي الْحَدِيثِ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ مِنْ الْأُمَمِ ؛ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ .
} رَوَيْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَأْوِيلِهَا : وَقَدْ تُؤُوِّلَتْ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ .
الثَّانِي : ثَرَى الْأَرْضِ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
الثَّالِثُ تَبْدُو صَلَاتُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ السَّمْتُ الْحَسَنُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ .
الْخَامِسُ أَنَّهُ الْخُشُوعُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
السَّادِسُ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ أَصْبَحَ وَجْهُهُ مُصْفَرًّا ؛ قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ .
وَدَسَّهُ قَوْمٌ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْغَلَطِ ، وَلَيْسَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ذِكْرٌ بِحَرْفٍ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِجِبَاهِهِمْ مِنْ الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ ؛ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ
صَبِيحَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَقَدْ وَكَفَ الْمَسْجِدُ ، وَكَانَ عَلَى عَرِيشٍ ، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْمُرُ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ أَثَرِ السُّجُودِ وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ آثَارَ السُّجُودِ } .
وَقَدْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ الْخُشُوعُ .
قُلْت : هُوَ أَثَرُ السُّجُودِ ، فَقَالَ : إنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِثْلَ رُكْبَةِ الْعَنْزِ ، وَهُوَ كَمَا شَاءَ اللَّهُ .
وَقَالَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ إلَّا كَانَ عَلَى وَجْهِهِ نَضْرَةٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا } الْحَدِيثَ .
سُورَةُ الْحُجُرَاتِ [ فِيهَا سَبْعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَقُولُونَ لَوْ أَنْزَلَ فِي كَذَا وَكَذَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : نُهُوا أَنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلَامِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ لَا تَفْتَاتُوا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَشَاءُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى : مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ ؛ فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ ، وَإِنِّي ذَبَحْت قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ ، وَعِنْدِي عَنَاقُ جَذَعَةٍ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ .
فَقَالَ : تُجْزِئُك ، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } .
الْخَامِسُ لَا تُقَدِّمُوا أَعْمَالَ الطَّاعَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحٌ تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَانَ السَّبَبُ الْمُثِيرُ لِلْآيَةِ مِنْهَا ، وَلَعَلَّهَا نَزَلَتْ دُونَ سَبَبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا قُلْنَا : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَقْدِيمِ النَّحْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَذَبْحِ الْإِمَامِ سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْكَوْثَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قُلْنَا إنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَقْدِيمِ الطَّاعَاتِ عَلَى أَوْقَاتِهَا فَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ مُؤَقَّتَةٍ بِمِيقَاتٍ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ ، إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الزَّكَاةِ لَمَّا كَانَتْ عِبَادَةً مَالِيَّةً ، وَكَانَتْ مَطْلُوبَةً لِمَعْنًى مَفْهُومٍ ؛ وَهُوَ سَدُّ خُلَّةِ الْفَقِيرِ ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْجَلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ } ، وَلِمَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ حَتَّى تُعْطَى لِمُسْتَحِقِّهَا يَوْمَ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ يَوْمُ الْفِطْرِ ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ جَوَازَ تَقْدِيمِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا لِعَامٍ وَلِاثْنَيْنِ .
فَإِنْ جَاءَ رَأْسُ الْعَامِ وَالنِّصَابُ بِحَالِهِ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ، وَإِنْ جَاءَ رَأْسُ الْحَوْلِ وَقَدْ تَغَيَّرَ النِّصَابُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ لَحْظَةً ، كَالصَّلَاةِ ، وَكَأَنَّهُ طَرَدَ الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ ، فَرَأَى أَنَّهَا إحْدَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ ، فَوَفَّاهَا حَقَّهَا فِي النِّظَامِ وَحُسْنِ التَّرْتِيبِ .
وَرَأَى سَائِرُ عُلَمَائِنَا أَنَّ التَّقْدِيمَ فِيهَا جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ .
وَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَصَحُّ ، فَإِنَّ مُفَارَقَةَ الْيَسِيرِ الْكَثِيرَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ لِمَعَانٍ تَخْتَصُّ بِالْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَالْيَوْمُ فِيهِ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالسَّنَةِ ، فَإِمَّا تَقْدِيمٌ كُلِّيٌّ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِمَّا حِفْظُ الْعِبَادَةِ وَقَصْرُهَا عَلَى مِيقَاتِهَا كَمَا قَالَ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ ، وَذَلِكَ يَقْوَى فِي النَّظَرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى { لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أَصْلٌ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِأَقْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِيجَابِ اتِّبَاعِهِ ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ ؛ وَلِذَلِكَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ ، وَأَنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَك لَا يُسْمِعُ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عَلِيًّا فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } .
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : صَوَاحِبُ يُوسُفَ الْفِتْنَةَ بِالرَّدِّ عَنْ الْجَائِزِ إلَى غَيْرِ الْجَائِزِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ بَيَانًا شَافِيًا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلَكَا : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ ، فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ ، وَأَشَارَ الْآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ نَافِعٌ عَنْهُ : لَا أَحْفَظُ اسْمَهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ : مَا أَرَدْت إلَّا خِلَافِي .
قَالَ : مَا أَرَدْت ذَلِكَ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } } الْآيَةَ .
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : فَمَا كَانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ] حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ حُرْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا ، وَكَلَامُهُ الْمَأْثُورُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الرِّفْعَةِ مِثْلُ كَلَامِهِ الْمَسْمُوعِ مِنْ لَفْظِهِ ؛ فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُهُ وَجَبَ عَلَى كُلِّ حَاضِرٍ أَلَّا يَرْفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْرِضَ عَنْهُ ، كَمَا كَانَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِهِ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دَوَامِ الْحُرْمَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى مُرُورِ الْأَزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } .
وَكَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ وَلَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ مِثْلُ مَا لِلْقُرْآنِ إلَّا مَعَانِي مُسْتَثْنَاةٌ ، بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ مُصَدِّقًا إلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ أَقْبَلُوا نَحْوَهُ فَهَابَهُمْ وَرَجَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ .
فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَثَبَّت وَلَا يَعْجَلَ ، فَانْطَلَقَ خَالِدٌ حَتَّى أَتَاهُمْ لَيْلًا ، فَبَعَثَ عُيُونَهُ ، فَلَمَّا جَاءُوا أَخْبَرُوا خَالِدًا أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ ، وَسَمِعُوا آذَانَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ خَالِدٌ ، وَرَأَى صِحَّةَ مَا ذَكَرُوهُ عَادَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ } .
فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ { : الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالتَّأَنِّي مِنْ اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ بَطَلَ قَوْلُهُ فِي الْأَخْبَارِ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ أَمَانَةٌ ، وَالْفِسْقَ قَرِينَةٌ تُبْطِلُهَا ، فَأَمَّا فِي الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَبْطُلُ إجْمَاعًا .
وَأَمَّا فِي الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : لَا يَكُونُ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : يَكُونُ وَلِيًّا ؛ لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهَا فَيَلِي بُضْعَهَا ، كَالْعَدْلِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فِي دِينِهِ إلَّا أَنَّ غِيرَتَهُ مُوَفَّرَةٌ ، وَبِهَا يَحْمِي الْحَرِيمَ ، وَقَدْ يَبْذُلُ الْمَالَ وَيَصُونُ الْحُرْمَةَ ، فَإِذَا وُلِّيَ الْمَالَ فَالْبُضْعُ أَوْلَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يُجَوِّزَ الشَّافِعِيُّ وَنُظَرَاؤُهُ إمَامَةَ الْفَاسِقِ وَمَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى حَبَّةِ مَالٍ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى قِنْطَارِ دِينٍ ؛ وَهَذَا إنَّمَا كَانَ أَصْلُهُ أَنَّ الْوُلَاةَ [ الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِالنَّاسِ ] لَمَّا فَسَدَتْ أَدْيَانُهُمْ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَرَاءَهُمْ ، وَلَا اُسْتُطِيعَتْ إزَالَتُهُمْ صَلَّى مَعَهُمْ وَوَرَاءَهُمْ ، كَمَا قَالَ عُثْمَانُ : الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ ؛ ثُمَّ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ إذَا صَلَّى مَعَهُمْ تَقِيَّةٌ أَعَادُوا الصَّلَاةَ لِلَّهِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَجْعَلُهَا صَلَاتَهُ .
وَبِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ أَقُولُ ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ لَا يَرْضَى مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَلَكِنْ يُعِيدُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُؤْثَرُ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَأَمَّا أَحْكَامُهُ إنْ كَانَ [ حَاكِمًا ] وَالِيًا فَيُنَفِّذُ مِنْهَا مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَيَرُدُّ مَا خَالَفَهُ ، وَلَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ الَّذِي أَمْضَاهُ بِحَالٍ ، وَلَا تَلْتَفِتُوا إلَى غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ رِوَايَةٍ ثُؤْثَرُ ، أَوْ قَوْلٍ يُحْكَى ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ كَثِيرٌ ، وَالْحَقَّ ظَاهِرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا عَنْ غَيْرِهِ فِي قَوْلٍ يُبَلِّغُهُ ، أَوْ شَيْءٍ يُوَصِّلُهُ أَوْ إذْنٍ يُعَلِّمُهُ ، إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِّ الْمُرْسِلِ وَالْمُبَلِّغِ ؛ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .
فَهَذَا جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ بَيْنَ الْخَلْقِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا الْعُدُولُ .
يَحْصُلُ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِعَدَمِهِمْ فِي ذَلِكَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ رَوَى عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَالٌ بِالسَّعَفِ وَالنِّعَالِ وَنَحْوِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ .
الثَّانِي : مَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُلَاحَاةٌ فِي حَقٍّ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : لَآخُذَنَّهُ عَنْوَةً لِكَثْرَةِ عَشِيرَتِهِ ، وَإِنَّ الْآخَرَ دَعَاهُ إلَى الْمُحَاكِمَةِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى أَنْ يَتْبَعَهُ ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ الْأَمْرُ حَتَّى تَدَافَعُوا ، وَتَنَاوَلَ بَعْضُهُمْ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ .
الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ أَسْبَاطُ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ تُدْعَى أُمَّ زَيْدٍ ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ أَهْلَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا ، وَجَعَلَهَا فِي عِلِّيَّةٍ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إلَى أَهْلِهَا ، فَجَاءَ قَوْمُهَا فَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَاسْتَغَاثَ بِأَهْلِهِ ؛ فَجَاءَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَهْلِهَا ؛ فَتَدَافَعُوا وَاجْتَلَدُوا بِالنِّعَالِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ .
الرَّابِعُ مَا حَكَى قَوْمٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مِنْ الْخَزْرَجِ وَرَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ مِنْ الْأَوْسِ ، وَسَبَبُهُ { أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِ قَوْمِهِ ، فَرَاثَ حِمَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ سَطَعَ غُبَارُهُ ، فَأَمْسَكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ ، وَقَالَ : لَقَدْ آذَانَا نَتِنُ حِمَارِك .
فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَقَالَ : إنَّ حِمَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْك وَمِنْ أَبِيك ؛ فَغَضِبَ قَوْمُهُ وَاقْتَتَلُوا بِالنِّعَالِ وَالْأَيْدِي ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ : الْأَخِيرَةُ ، وَالْآيَةُ تَقْتَضِي جَمِيعَ مَا رُوِيَ لِعُمُومِهَا وَمَا لَمْ يُرْوَ ، فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهَا بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الطَّائِفَةُ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْعَدَدِ ، وَعَلَى مَا لَا يَحْصُرُهُ عَدَدٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعُمْدَةُ فِي حَرْبِ الْمُتَأَوِّلِينَ ، وَعَلَيْهَا عَوَّلَ الصَّحَابَةُ ، وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْأَعْيَانُ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ ، وَإِيَّاهَا عَنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ } وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ الْخَوَارِجِ : { يَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ } أَوْ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ لِقَتْلِهِمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ] فَتَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَثَبَتَ بِدَلِيلِ الدِّينِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إمَامًا ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ بَاغٍ ، وَأَنَّ قِتَالَهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَفِيءَ إلَى الْحَقِّ ، وَيَنْقَادَ إلَى الصُّلْحِ ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُتِلَ ، وَالصَّحَابَةُ بُرَآءُ مِنْ دَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ قِتَالِ مَنْ ثَارَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ بِالْقَتْلِ ؛ فَصَبَرَ عَلَى الْبَلَاءِ ، وَاسْتَسْلَمَ لِلْمِحْنَةِ ، وَفَدَى بِنَفْسِهِ الْأُمَّةَ ، ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُ النَّاسِ سُدًى ، فَعُرِضَتْ الْإِمَامَةُ عَلَى بَاقِي الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ عُمَرُ فِي الشُّورَى ، وَتَدَافَعُوهَا ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ، فَقَبِلَهَا حَوْطَةً عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تُسْفَكَ دِمَاؤُهَا بِالتَّهَارُجِ وَالْبَاطِلِ ، وَيُتَخَرَّقُ أَمْرُهَا إلَى مَا لَا يَتَحَصَّلُ ، وَرُبَّمَا تَغَيَّرَ الدِّينُ ، وَانْقَضَّ عَمُودُ الْإِسْلَامِ ؛ فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ طَلَبَ أَهْلِ الشَّامِ فِي شَرْطِ الْبَيْعَةِ التَّمْكِينَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَخْذَ الْقَوَدِ مِنْهُمْ ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ : اُدْخُلُوا فِي الْبَيْعَةِ ، وَاطْلُبُوا الْحَقَّ تَصِلُوا إلَيْهِ فَقَالُوا : لَا تَسْتَحِقُّ بَيْعَةً وَقَتَلَةُ عُثْمَانَ مَعَك نَرَاهُمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً ، فَكَانَ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ أَسَدَّ
رَأْيًا ، وَأَصْوَبَ قَوْلًا ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَوْ تَعَاطَى الْقَوَدَ مِنْهُمْ لَتَعَصَّبَتْ لَهُمْ قَبَائِلُ ، وَصَارَتْ حَرْبًا ثَالِثَةً فَانْتَظَرَ بِهِمْ أَنْ يَسْتَوْثِقَ الْأَمْرُ ، وَتَنْعَقِدَ الْبَيْعَةُ الْعَامَّةُ ، وَيَقَعَ الطَّلَبُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، فَيَجْرِي الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَأْخِيرُ الْقِصَاصِ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى إثَارَةِ الْفِتْنَةِ أَوْ تَشْتِيتِ الْكَلِمَةِ ، وَكَذَلِكَ جَرَى لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ؛ فَإِنَّهُمَا مَا خَلَعَا عَلِيًّا عَنْ وِلَايَةٍ ، وَلَا اعْتَرَضَا عَلَيْهِ فِي دَيَّانَةٍ ، وَإِنَّمَا رَأَيَا أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِقَتْلِ أَصْحَابِ عُثْمَانَ أَوْلَى ، فَبَقِيَ هُوَ عَلَى رَأْيِهِ لَمْ يُزَعْزِعْهُ عَمَّا رَأَى وَهُوَ كَانَ الصَّوَابُ كَلَامُهُمَا ، وَلَا أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ قَوْلُهُمَا .
وَكَذَلِكَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُثْنِي عَلَى صَاحِبِهِ [ وَيَذْكُرُ مَا فِيهِ ] وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَيَذْكُرُ مَنَاقِبَهُ ؛ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ هَذَا لَتَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ [ مِنْهُمَا ] مِنْ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ تَقَاتُلُ الْقَوْمِ عَلَى دُنْيَا ، وَلَا بَغْيًا بَيْنَهُمْ فِي الْعَقَائِدِ ، وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَافًا فِي اجْتِهَادٍ ؛ فَلِذَلِكَ كَانَ جَمِيعُهُمْ فِي الْجَنَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } أَمَرَ اللَّهُ بِالْقِتَالِ ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَعْضِ الْبَاقِينَ ؛ وَلِذَلِكَ تَخَلَّفَ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ ، كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ .
وَصَوَّبَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَهُمْ ، وَاعْتَذَرَ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُذْرٍ قَبِلَهُ مِنْهُ .
وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَفْضَى إلَيْهِ الْأَمْرُ عَاتَبَ سَعْدًا عَلَى مَا فَعَلَ ، وَقَالَ لَهُ : لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ أَصْلَحَ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ حِينَ اقْتَتَلَا ، وَلَا مِمَّنْ قَاتَلَ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ ؛ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : نَدِمْت عَلَى تَرْكِي قِتَالَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْكُلِّ دَرَكٌ فِيمَا فَعَلَ ، وَإِنَّمَا كَانَ تَصَرُّفًا بِحُكْمِ الِاجْتِهَادِ وَإِعْمَالًا بِمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْعُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقْسِطِ كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ وَمُتَعَلِّقَهُ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالصُّلْحِ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَعَيَّنَ الْقِتَالَ عِنْدَ الْبَغْيِ ؛ فَعَلَ عَلِيٌّ بِمُقْتَضَى حَالِهِ فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْبَاغِيَةَ الَّتِي أَرَادَتْ الِاسْتِبْدَادَ عَلَى الْإِمَامِ ، وَنَقْضَ مَا رَأَى مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّحَيُّزِ عَنْ دَارِ النُّبُوَّةِ وَمَقَرِّ الْخِلَافَةِ بِفِئَةٍ تَطْلُبُ مَا لَيْسَ لَهَا طَلَبُهُ إلَّا بِشَرْطِهِ ، مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَالْقِيَامِ بِالْحُجَّةِ عَلَى الْخَصْمِ ؛ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَقُدْ عَلَيَّ مِنْهُمْ مَا احْتَاجُوا إلَى مُجَاذَبَةٍ ؛ فَإِنَّ الْكَافَّةَ كَانَتْ تَخْلَعُهُ ، وَاَللَّهُ قَدْ حَفِظَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَصَانَهُ .
وَعَمِلَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمُقْتَضَى حَالِهِ ، فَإِنَّهُ صَالَحَ حِينَ اسْتَشْرَى الْأَمْرُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ سَمَاوِيَّةٍ ، وَمَقَادِيرَ أَزَلِيَّةٍ ، وَمَوَاعِيدَ مِنْ الصَّادِقِ
صَادِقَةٍ ، وَمِنْهَا مَا رَأَى مِنْ تَشَتُّتِ آرَاءِ مَنْ مَعَهُ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ طُعِنَ حِينَ خَرَجَ إلَى مُعَاوِيَةَ فَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ وَدَاوَى جُرْحَهُ حَتَّى بَرِئَ ؛ فَعَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَنْ يُنَافِقُ عَلَيْهِ وَلَا يَأْمَنُهُ عَلَى نَفْسِهِ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ رَأَى الْخَوَارِجَ أَحَاطُوا بِأَطْرَافِهِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِحَرْبِ مُعَاوِيَةَ اسْتَوْلَى الْخَوَارِجُ عَلَى الْبِلَادِ ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالْخَوَارِجِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مُعَاوِيَةُ .
وَمِنْهَا أَنَّهُ تَذَكَّرَ وَعْدَ جَدِّهِ الصَّادِقِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } ، وَإِنَّهُ لَمَا سَارَ الْحَسَنُ إلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكِتَابِ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، وَقَدِمَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ بِعَشَرَةِ آلَافٍ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ : إنِّي أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي أُولَاهَا حَتَّى تُدْبِرَ أُخْرَاهَا .
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو : مَنْ لِي بِذَرَارِيّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : أَنَا .
فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ : تَلْقَاهُ فَتَقُولُ لَهُ : الصُّلْحَ ؛ فَصَالَحَهُ ، فَنَفَذَ الْوَعْدُ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .
وَبِقَوْلِهِ : { الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ، ثُمَّ تَعُودُ مُلْكًا } ، فَكَانَتْ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٌّ ، وَلِلْحَسَنِ [ مِنْهَا ] ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ لَا تَزِيدُ [ يَوْمًا ] وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا ، فَسُبْحَانَ الْمُحِيطِ لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ؛ { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ ؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا } .
وَمِنْ الْعَدْلِ فِي صُلْحِهِمْ أَلَّا يُطَالِبُوا بِمَا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ فَإِنَّهُ تَلَفٌ عَلَى تَأْوِيلٍ .
وَفِي طَلَبِهِمْ لَهُ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنْ الصُّلْحِ وَاسْتِشْرَاءٌ فِي الْبَغْيِ .
وَهَذَا أَصْلٌ فِي الْمَصْلَحَةِ ؛ وَقَدْ قَالَ لِسَانُ الْأُمَّةِ : إنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي قِتَالِ الصَّحَابَةِ التَّعَرُّفُ مِنْهُمْ لِأَحْكَامِ قِتَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ؛ إذْ كَانَتْ أَحْكَامُ قِتَالِ التَّنْزِيلِ قَدْ عُرِفَتْ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ : { فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } بِنَاءُ ( ب غ ي ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الطَّلَبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } ؛ وَوَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ هَاهُنَا عَمَّنْ يَبْغِي مَا لَا يَنْبَغِي عَلَى عَادَةِ اللُّغَةِ فِي تَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَهُوَ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغِي خَلْعَهُ أَوْ يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَةٍ لَهُ ، أَوْ يَمْنَعُ حَقًّا يُوجِبُهُ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ ؛ فَإِنْ جَحَدَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ .
وَقَدْ قَاتَلَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْبُغَاةَ وَالْمُرْتَدِّينَ ؛ فَأَمَّا الْبُغَاةُ فَهُمْ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ بِتَأْوِيلٍ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا سَقَطَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ فَهُمْ الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُوبَهَا ، وَخَرَجُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى نُبُوَّةِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَاَلَّذِي قَاتَلَ عَلِيٌّ طَائِفَةٌ أَبَوْا الدُّخُولَ فِي بَيْعَتِهِ ، وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ ؛ وَطَائِفَةٌ خَلَعَتْهُ ، وَهُمْ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ .
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْجَمَلِ فَإِنَّمَا خَرَجُوا يَطْلُبُونَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ .
وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْجَمِيعِ أَنْ يَصِلُوا إلَيْهِ وَيَجْلِسُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيُطَالِبُوهُ بِمَا رَأَوْا أَنَّهُ عَلَيْهِ ؛ فَلَمَّا تَرَكُوا ذَلِكَ بِأَجْمَعِهِمْ صَارُوا بُغَاةً بِجُمْلَتِهِمْ ، فَتَنَاوَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ جَمِيعَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ : إنَّمَا يُقَاتِلُ مَعَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الْخَارِجَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فَأَمْسِكْ عَنْهُمَا إلَّا أَنْ تُرَادَ بِنَفْسِك أَوْ مَالِكَ أَوْ ظُلْمَ الْمُسْلِمِينَ فَادْفَعْ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَا تُقَاتِلُ إلَّا مَعَ إمَامٍ [ عَادِلٍ ] يُقَدِّمُهُ أَهْلُ الْحَقِّ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا قُرَشِيًّا ، وَغَيْرُهُ لَا حُكْمَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَدْعُو إلَى الْإِمَامِ الْقُرَشِيِّ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ؛
لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِقُرَشِيٍّ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ ، مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِمِثْلِهِ ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا } .
قَالَ مَالِكٌ : إذَا بُويِعَ لِلْإِمَامِ فَقَامَ عَلَيْهِ إخْوَانُهُ قُوتِلُوا إذَا كَانَ الْأُوَلُ عَدْلًا ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا بَيْعَةَ لَهُمْ إذَا كَانَ بُويِعَ لَهُمْ عَلَى الْخَوْفِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَلَا بُدَّ مِنْ إمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيه مُعَاوِيَةُ { : إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَتَانِ فَاقْتُلُوا أَحَدَهُمَا ؛ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ فَإِنَّهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ ، وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ لَا قَتْلُهُمْ .
وَأَمَّا الَّذِي يُتْلِفُونَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُونَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إتْلَافٌ بِعِدْوَانٍ ، فَلْيَلْزَمْ الضَّمَانَ .
وَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَنَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي خُرُوجِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيحٍ ، وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا ، وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا ؛ وَهُمْ الْقُدْوَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ الْحِكْمَةِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ قِتَالِ الْبُغَاةِ بِخِلَافِ الْكَفَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إنْ وَلَّوْا قَاضِيًا ، وَأَخَذُوا زَكَاةً ، وَأَقَامُوا حَقًّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ جَازَ ؛ قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ .
وَقَالَ ابْنُ
الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ بِحَالٍ .
وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ جَائِزٌ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانُوا بُغَاةً .
الْعُمْدَةُ لَنَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ فِي خُرُوجِهِمْ ] لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرًا ، وَلَا ذَفَّفُوا عَلَى جَرِيحٍ ، وَلَا قَتَلُوا أَسِيرًا ، وَلَا ضَمِنُوا نَفْسًا وَلَا مَالًا ، وَهُمْ الْقُدْوَةُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا انْجَلَتْ الْفِتْنَةُ ، وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بِالْهُدْنَةِ وَالصُّلْحِ لَمْ يَعْرِضُوا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي حُكْمٍ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الَّذِي عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَمَّا انْجَلَتْ كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْبَاغِي ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَعْتَرِضُهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَهْلُ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إمَامٌ ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمْ حُكْمٌ ، قُلْنَا : وَلَا سَمِعْنَا أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ ؛ وَإِنَّمَا كَانُوا فِتْنَةً مُجَرَّدَةً ، حَتَّى انْجَلَتْ مَعَ الْبَاغِي لَسَكَتَ عَنْهُمْ لِئَلَّا يُعَضِّدَ بِاعْتِرَاضِهِ مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى النَّبْزُ هُوَ اللَّقَبُ فَقَوْلُهُ : لَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ، أَيْ لَا تَدَاعَوْا بِالْأَلْقَابِ .
وَاللَّقَبُ هُنَا اسْمٌ مَكْرُوهٌ عِنْدَ السَّامِعِ .
وَكَذَلِكَ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَلِكُلِّ رَجُلٍ اسْمَانِ وَثَلَاثَةٌ ؛ فَكَانَ يُدْعَى بِاسْمٍ مِنْهَا فَيَغْضَبُ ؛ فَنَزَلَتْ : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ } يَعْنِي أَنَّك إذَا ذَكَرْت صَاحِبَك بِمَا يَكْرَهُ فَقَدْ آذَيْته ؛ وَإِذَايَةُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَازَعَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ : يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى مِنْ هَاهُنَا مِنْ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ ، مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ مِنْهُ } يَعْنِي إلَّا بِالتَّقْوَى ، وَنَزَلَتْ : { وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَثْنَى مِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ ، كَالْأَعْرَجِ وَالْأَحْدَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ كَسْبٌ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ عَلَيْهِ ، فَجَوَّزَتْهُ الْأُمَّةُ ، فَاتَّفَقَ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلُ الْمِلَّةِ .
وَقَدْ وَرَدَ لَعَمْرُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ مَا لَا أَرْضَاهُ ، كَقَوْلِهِمْ فِي صَالِحٍ جَزَرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ صَحَّفَ زَجَرَهُ فَنُقِّبَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي مُحَمَّدِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيِّ مُطَيَّنٌ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي طِينٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا غَلَبَ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ .
وَلَا أَرَاهُ سَائِغًا فِي الدِّينِ ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنُ رَبَاحٍ الْمِصْرِيُّ يَقُولُ : لَا أَجْعَلُ أَحَدًا صَغَّرَ اسْمَ أَبِي فِي حِلٍّ .
وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى اسْمِ أَبِيهِ التَّصْغِيرَ بِضَمِّ الْعَيْنِ .
وَاَلَّذِي يَضْبِطُ هَذَا كُلَّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ لِأَجْلِ الْإِذَايَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي حَقِيقَةِ الظَّنِّ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ حَقِيقَةَ الظَّنِّ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ فِي النَّفْسِ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ عَلَى الْآخَرِ .
وَالشَّكُّ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِوَائِهِمَا .
وَالْعِلْمُ هُوَ حَذْفُ أَحَدِهِمَا وَتَعْيِينُ الْآخَرِ .
وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْكَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ تَعَبُّدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالظَّنِّ ، وَجَوَازُ الْعَمَلِ بِهِ تَحَكُّمٌ فِي الدِّينِ ، وَدَعْوَى فِي الْعُقُولِ ؛ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَصْلٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْبَارِي تَعَالَى لَمْ يَذُمَّ جَمِيعَهُ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الذَّمُّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فِي بَعْضِهِ .
وَمُتَعَلِّقُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا ، وَلَا تَقَاطَعُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا } .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي الشَّرِيعَةِ قِسْمَانِ : مَحْمُودٌ ، وَمَذْمُومٌ ؛ فَالْمَحْمُودُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : { إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } ، وَقَوْلُهُ : { لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُهُ كَذَا ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا } .
وَعِبَادَاتُ الشَّرْعِ وَأَحْكَامُهُ ظَنِّيَّةٌ فِي الْأَكْثَرِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْغَبِيِّ وَالْفَطِنِ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا ، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ : بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ؛ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } } .
وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ، وَلَوْ شَاءَ لَخَلَقَهُ دُونَهُمَا كَخَلْقِهِ لِآدَمَ ، أَوْ دُونَ ذَكَرٍ كَخَلْقِهِ لِعِيسَى ، أَوْ دُونَ أُنْثَى كَخَلْقِهِ لِحَوَّاءَ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ .
وَهَذَا الْجَائِزُ فِي الْقُدْرَةِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْوُجُودُ .
وَقَدْ جَاءَ أَنَّ آدَمَ خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ انْتَزَعَهَا مِنْ أَضْلَاعِهِ ، فَلَعَلَّهُ هَذَا الْقِسْمُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةَ الْخَلْقِ مِنْ مَاءِ الذَّكَرِ وَمَاءِ الْأُنْثَى بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَنْسَابًا وَأَصْهَارًا وَقَبَائِلَ وَشُعُوبًا ، وَخَلَقَ لَهُمْ مِنْهَا التَّعَارُفَ ، وَجَعَلَ لَهُمْ بِهَا التَّوَاصُلَ ، لِلْحِكْمَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا ؛ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يَجُوزُ نِسْبَةً ، فَإِذَا نَفَاهُ عَنْهُ [ أَحَدٌ ] اسْتَوْجَبَ الْحَدَّ يَقْذِفُهُ لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ رَهْطِهِ وَجِنْسِهِ ، كَقَوْلِهِ لِلْعَرَبِيِّ : يَا عَجَمِيِّ : يَا عَرَبِيِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ بِهِ النَّفْيُ حَقِيقَةً ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } : قَدْ بَيَّنَّا الْكَرَمَ ، وَأَوْضَحْنَا حَقِيقَتَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ .
وَفِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَسَبُ الْمَالُ ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى } .
ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنُ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .
وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْرَمَ الْبَشَرِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي لَحَظَ مَالِكٌ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ .
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَالِكٍ يُزَوَّجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ .
وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : يُرَاعَى الْحَسَبُ وَالْمَالُ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّى سَالِمًا ، وَأَنْكَحَهُ هِنْدَ بِنْتَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ كَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ .
وَإِنَّمَا تُرَاعَى الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَنْ يَنْكِحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ .
قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ .
فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَلَّا يَنْكِحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَلَّا يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ
أَلَّا يُسْمَعَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلِ هَذَا } .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا وَفِي رِوَايَةٍ : وَحَسَبِهَا ، فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك } .
وَقَدْ خَطَبَ سَلْمَانُ إلَى أَبِي بَكْرٍ ابْنَتَهُ فَأَجَابَهُ وَخَطَبَ إلَى عُمَرَ ابْنَتَهُ فَالْتَوَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ سَلْمَانُ ، { وَخَطَبَ بِلَالٌ بِنْتَ الْبُكَيْرِ فَأَبَى إخْوَتُهَا ، فَقَالَ بِلَالٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَاذَا لَقِيت مِنْ بَنِي الْبُكَيْرِ ، خَطَبْت إلَيْهِمْ أُخْتَهمْ فَمَنَعُونِي وَآذُونِي .
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ بِلَالٍ ؛ فَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ ، فَأَتَوْا أُخْتَهُمْ ، فَقَالُوا : مَاذَا لَقِينَا مِنْ سَبَبِك ، غَضِبَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ بِلَالٍ .
فَقَالَتْ أُخْتُهُمْ أَمْرِي بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَزَوَّجَهَا بِلَالًا } ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي هِنْدٍ حِينَ حَجَمَهُ : { أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ وَهُوَ مَوْلَى بَنِي بَيَاضَةَ } .
سُورَةُ ق [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] وَهِيَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، فَقَالَ : إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ ؛ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ؛ ثُمَّ قَرَأَ : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ هُوَ تَسْبِيحُ اللَّهِ فِي اللَّيْلِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُ [ مَنْ قَالَ ] إنَّهُ التَّسْبِيحُ ، يُعَضِّدُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كُفِّرَ عَنْهُ وَغُفِرَ لَهُ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا صَلَاةُ اللَّيْلِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُسَمَّى تَسْبِيحًا لِمَا فِيهَا مِنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ ، وَمِنْهُ سُبْحَةُ الضُّحَى وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهَا صَلَاةُ الْفَجْرِ و الْعِشَاءِ فَلِأَنَّهُمَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَالْعِشَاءُ أَوْضَحُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ النَّوَافِلُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ؛ وَهُوَ الْأَقْوَى فِي النَّظَرِ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ الْمَكْتُوبَةِ : { لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ق ، فَلَمَّا انْتَهَى إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ } رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ } .
وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ؟ فَقَالَ : { كَانَ يَقْرَأُ بِ قَ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ } .
سُورَةُ الذَّارِيَاتِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْهُجُوعُ : النَّوْمُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ الْإِقْبَالُ [ عَلَى الْأُنْسِ بِالْحَدِيثِ ، وَكَانَتْ عَادَتَهُمْ ، أَوْ ] عَلَى الْوَطْءِ .
الثَّانِي الْإِقْبَالُ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَالْأَوَّلُ [ ضَعِيفٌ وَالثَّانِي ] بَاطِلٌ .
وَلَوْلَا مَخَافَتُنَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ يَوْمًا مَا ذَكَرْنَاهُ لِبُطْلَانِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَكَلَّمَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ : { كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } لِأَجْلِ أَنَّ ظَاهِرَهُ يُعْطِي أَنَّ نَوْمَهُمْ بِاللَّيْلِ كَانَ قَلِيلًا ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .
وَإِنَّمَا مَدَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يُصَلِّي قَلِيلًا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ فِي الْإِمْكَانِ ؛ وَإِنَّمَا [ مَعْنَاهُ ] كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ ، أَيْ يَسْهَرُونَ قَلِيلًا .
وَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى السَّهَرَ بِالْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادِ كُلَّهُ قَلِيلٌ .
وَفِي قَوْلِهِ ( مَا ) اخْتِلَافٌ بَيْنَ النُّحَاةِ : قَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ صِلَةٌ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ مَعَ الْفِعْلِ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ ؛ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَمْدُوحَةٌ شَرْعًا إجْمَاعًا ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ ، لِأَجْلِ فَرَاغِ الْقَلْبِ وَضَمَانِ الْإِجَابَةِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَمُدُّ الصَّلَاةَ إلَى السَّحَرِ .
قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : يُرِيدُ مَالِكٌ بِالرَّجُلِ الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ .
وَقِيلَ : هِيَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَهْلِ قُبَاءَ .
وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ هَذَا لُبَابُهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَانُوا قَلَّ لَيْلَةٌ تَمُرُّ بِهِمْ إلَّا أَصَابُوا مِنْهَا خَيْرًا .
قَالَ الْقَاضِي : وَخَصَّ السَّحَرَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { جَوْفُ اللَّيْلِ أَسْمَعُ } .
وَرُوِيَ فِي الصِّحَاحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا ذَهَبَ الثُّلُثُ الْأَوَّلُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ ، وَأَصَحُّهُ إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ يَنْزِلُ اللَّهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ هَلْ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ أَمْ لَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَالْأَقْوَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ الزَّكَاةُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ : سَأَلَ سَائِلٌ : { وَاَلَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } وَالْحَقُّ الْمَعْلُومُ هُوَ الزَّكَاةُ الَّتِي بَيَّنَ الشَّرْعُ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَوَقْتَهَا ، فَأَمَّا غَيْرُهَا لِمَنْ يَقُولُ بِهِ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَلَا مُجَنَّسٍ وَلَا مُؤَقَّتٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { لِلسَّائِلِ } ، وَهُوَ الْمُتَكَفِّفُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَالْمَحْرُومِ } ، وَهُوَ الْمُتَعَفِّفُ ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ لِلسَّائِلِ حَقَّ الْمَسْأَلَةِ وَلِلْمَحْرُومِ حَقَّ الْحَاجَةِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الَّذِي يُحَرَّمُ الرِّزْقُ .
وَقِيلَ : الَّذِي أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الْمُحْتَرِقَةِ : { قَالُوا إنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } وَفِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ لَمْ نُطَوِّلْ بِذِكْرِهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا أَصَحُّهَا ؛ إذْ يَقْتَضِي هَذَا التَّقْسِيمُ أَنَّ الْمُحْتَاجَ إذَا كَانَ مِنْهُ مَنْ يَسْأَلُ فَالْقِسْمُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ ، وَيَتَنَوَّعُ أَحْوَالُ الْمُتَعَفِّفِ ، وَالِاسْمُ يَعُمُّهُ كُلَّهُ ، فَإِذَا رَأَيْته فَسَمِّهِ بِهِ ، وَاحْكُمْ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الطُّورِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } .
وَقُرِئَ : وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ .
فِيهَا ( مَسْأَلَةٌ ) : الْقِرَاءَتَانِ لِمَعْنَيَيْنِ : أَمَّا إذَا كَانَ اتَّبَعَتْهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لِلذُّرِّيَّةِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الذُّرِّيَّةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا تَعْقِلُ الْإِيمَانَ وَتَتَلَفَّظُ بِهِ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْفِعْلُ وَاقِعًا بِهِمْ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ نِسْبَةً إلَيْهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ مِنْ الصِّغَرِ فِي حَدٍّ لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ ، وَلَكِنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حُكْمَ أَبِيهِ لِفَضْلِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعِصْمَةِ وَالْحُرْمَةِ .
فَأَمَّا إتْبَاعُ الصَّغِيرِ لِأَبِيهِ فِي أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَأَمَّا تَبَعِيَّتُهُ لِأُمِّهِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَاضْطَرَبَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ .
وَالصَّحِيحُ فِي الدِّينِ أَنَّهُ يَتْبَعُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُنْت أَنَا وَأُمِّي مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ الْعَبَّاسُ فَاتَّبَعَ أُمَّهُ فِي الدِّينِ ، وَكَانَ لِأَجْلِهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .
فَأَمَّا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ فَعَقَلَ الْإِسْلَامَ صَغِيرًا وَتَلَفَّظَ بِهِ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا .
وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا .
وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ ، وَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا بِطُرُقِهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَمِنْ عُمُدِهَا هَذِهِ الْآيَةُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ } ، فَنَسَبَ الْفِعْلَ إلَيْهِمْ ؛ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَقَلُوهُ وَتَكَلَّمُوا بِهِ ؛ فَاعْتُبِرَهُ اللَّهُ ، وَجَعَلَ لَهُمْ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ .
وَمِنْ الْعُمُدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَرَى صِحَّةَ
رِدَّتِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اعْتِبَارُ رِدَّتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ ، وَقَدْ احْتَجَّ جَمَاعَةٌ بِإِسْلَامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ صَغِيرًا وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى .
{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك فَإِنَّك بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك حِينَ تَقُومُ وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { حِينَ تَقُومُ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمَعْنَى فِيهِ حِينَ تَقُومُ مِنْ الْمَجْلِسِ لِيُكَفِّرَهُ .
الثَّانِي : حِينَ تَقُومُ مِنْ النَّوْمِ ، لِيَكُونَ مُفْتَتِحًا بِهِ كَلَامَهُ .
الثَّالِثُ : حِينَ تَقُومُ مِنْ نَوْمِ الْقَائِلَةِ ، وَهِيَ الظُّهْرُ .
الرَّابِعُ : التَّسْبِيحُ فِي الصَّلَاةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ حِينَ تَقُومُ مِنْ الْمَجْلِسِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَكْثُرُ فِيهِ لَغَطُهُ ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، وَأَسْتَغْفِرُك ، وَأَتُوبُ إلَيْك إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ } .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْلُولٌ .
جَاءَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ : دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْك يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذَيْنِ وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ ، حَدَّثَك مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ فَمَا عِلَّتُهُ ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ : هَذَا حَدِيثٌ مَلِيحٌ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي الدُّنْيَا فِي هَذَا الْبَابِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ، إلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، أَنْبَأَنَا وُهَيْبٌ ، أَنْبَأَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ قَالَ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ هَذَا أَوْلَى ، فَإِنَّهُ لَا يُذْكَرُ لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ سَمَاعٌ مِنْ
سُهَيْلٍ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ حَدِيثَ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ حَمَلَهُ سُهَيْلٌ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِآخِرَةٍ ؛ فَهَذِهِ مَعَانٍ لَا يُحْسِنُهَا إلَّا الْعُلَمَاءُ بِالْحَدِيثِ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْفِقْهِ فَهُمْ عَنْهَا بِمَعْزِلٍ .
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ { : كُنَّا نَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِائَةَ مَرَّةٍ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ } .
وَأَمَّا قَوْلُهُ حِينَ يَقُومُ يَعْنِي مِنْ اللَّيْلِ فَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ : فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ } وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ سُقُوطِ التَّهْلِيلِ .
الثَّانِي وَرُوِيَ عَنْهُ { أَنَّهُ قَرَأَ الْعَشْرَ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ } .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : { اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ ، فَإِنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .
وَأَمَّا نَوْمُ الْقَائِلَةِ فَلَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ ، وَهُوَ يَلْحَقُ بِنَوْمِ اللَّيْلِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصُّبْحُ لِنَوْمِ اللَّيْلِ ، وَالظُّهْرُ لِنَوْمِ الْقَائِلِ ، وَهُوَ أَصْلُ التَّسْبِيحِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ تَسْبِيحُ الصَّلَاةِ فَهُوَ أَفْضَلُهُ ، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ، أَعْظَمُهَا مَا ثَبَتَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ
مَنْكِبَيْهِ ، وَيَصْنَعُ ذَلِكَ إذَا قَضَى قِرَاءَتَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَيَضَعُهَا إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَإِذَا قَامَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ كَذَلِكَ وَكَبَّرَ وَيَقُولُ حِينَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ : وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك أَنْتَ رَبِّي ، وَأَنَا عَبْدُك ظَلَمْت نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْت بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا ، وَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك ، وَإِنَّا بِك وَإِلَيْك لَا مَنْجَى مِنْك ، وَلَا مَلْجَأَ إلَّا إلَيْك ، أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ { قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي .
فَقَالَ : قُلْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مِنْ عِنْدِك ، وَارْحَمْنِي ، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : { شَكَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ .
قَالَتْ : فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } .
وَفِيهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ { : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَرَدَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أُسَارَى بَدْرٍ وَهُوَ لَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ ، فَحَضَرَ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ { : فَسَمِعْته يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ } كَادَ يَنْخَلِعُ فُؤَادِي ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ بَعْدُ بِالْإِسْلَامِ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ : لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّ سَجْدَةَ النَّجْمِ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ الْقُرْآنِ ، وَرَآهَا ابْنُ وَهْبٍ مِنْ عَزَائِمِهِ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَسْجُدُهَا فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ .
وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ بِالنَّجْمِ إذَا هَوَى ، فَسَجَدَ فِيهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ سُورَةً أُخْرَى .
وَرَوَى غَيْرُهُ أَنَّ السُّورَةَ الَّتِي وَصَلَهَا بِهَا " إذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا .
" وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ النَّجْمَ ، فَسَجَدَ فِيهَا ، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ إلَّا شَيْخًا كَبِيرًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ مِنْ تُرَابٍ ، فَرَفَعَهُ إلَى جَبْهَتِهِ ، وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا } .
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَلَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا يَعْنِي فِي النَّجْمِ ، وَسَجَدَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ } .
الشَّيْخُ الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ إذَا قَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ سَجَدَ ، فَإِذَا قَرَأَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ رَكَعَ وَسَجَدَ .
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا قَرَأَ " وَالنَّجْمُ " وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَهَا قِرَاءَةٌ قَرَأَهَا وَسَجَدَ .
وَإِذَا انْتَهَى إلَيْهَا رَكَعَ وَسَجَدَ ، وَلَمْ يَرَهَا [ عَلِيٌّ ] مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
سُورَةُ الرَّحْمَنِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْلُهُ تَعَالَى : { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ } .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ جِبْرِيلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِحْسَانِ ، فَقَالَ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك } .
فَهَذَا إحْسَانُ الْعَبْدِ .
وَأَمَّا إحْسَانُ اللَّهِ فَهُوَ دُخُولُ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ ، وَلِلْحُسْنَى دَرَجَاتٌ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ؛ وَهَذَا مِنْ أَجَلِّهَا قَدْرًا ، وَأَكْرَمِهَا أَمْرًا ، وَأَحْسَنِهَا ثَوَابًا ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } فَهَذَا تَفْسِيرُهُ .
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْله تَعَالَى : { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى [ هَلْ ] هَذِهِ الْآيَةُ مُبَيِّنَةٌ حَالَ الْقُرْآنِ فِي كُتُبِ اللَّهِ أَمْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ فِي كُتُبِنَا ؟ فَقِيلَ : هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ .
وَقِيلَ : هُوَ مَا بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ ؛ فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ .
وَقِيلَ : هِيَ مَصَاحِفُنَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { لَا يَمَسُّهُ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْمَسُّ بِالْجَارِحَةِ حَقِيقَةً .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَجِدُ طَعْمَ نَفْعِهِ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ بِالْقُرْآنِ ؛ قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ الْمَلَائِكَةُ طُهِّرُوا مِنْ الشِّرْكِ وَالذُّنُوبِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ الْمُطَهَّرِينَ مِنْ الْحَدَثِ ، وَهُمْ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ هَلْ قَوْلُهُ : { لَا يَمَسُّهُ } نَهْيٌ أَوْ نَفْيٌ ؟ فَقِيلَ : لَفْظُهُ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ .
وَقِيلَ : هُوَ نَفْيٌ .
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا : مَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، لِتَحْقِيقِ النَّفْيِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنَالُهُ فِي وَقْتٍ ، وَلَا تَصِلُ إلَيْهِ بِحَالٍ ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ مَحَلٌّ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَنَّهُ الَّذِي بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ مِنْ الصُّحُفِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ ؛ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ قَالَ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي قَوْلِهِ : { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَةِ الَّتِي فِي { عَبَسَ وَتَوَلَّى } : { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفْرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } يُرِيدُ أَنَّ الْمُطَهَّرِينَ هُمْ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ وُصِفُوا بِالطَّهَارَةِ فِي سُورَةِ "
عَبَسَ "
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَمْرٌ بِالتَّوَضُّؤِ [ بِالْقُرْآنِ ] إذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَمَسَّ صُحُفَهُ ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الشَّرْعِ ، أَيْ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ شَرْعًا ، فَإِنْ وُجِدَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ الشَّرْعِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ لَا يَجِدُ طَعْمَهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ مِنْ الذُّنُوبِ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ فَهُوَ صَحِيحٌ ، اخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ذَاقَ طَعْمَ الْإِسْلَامِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا } ؛ لَكِنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ لِغَيْرِ ضَرُورَةِ عَقْلٍ وَلَا دَلِيلِ سَمْعٍ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُسْخَتُهُ { : مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ إلَى شُرَحْبِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، وَنُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ ، قِيلَ ذِي رُعَيْنٍ وَمَعَافِرَ وَهَمْدَانَ : أَمَّا بَعْدُ وَكَانَ فِي كِتَابِهِ أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهِ وَزَوْجِهَا سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَهُمَا يَقْرَآنِ طَهَ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ : هَاتُوا الصَّحِيفَةَ .
فَقَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ : إنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَأَسْلَمَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَرْثِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَدْنَا الْوَحْيَ إذْ وَلَّيْت عَنَّا وَوَدَّعَنَا مِنْ اللَّهِ الْكَلَامُ سِوَى مَا قَدْ تَرَكْت لَنَا قَدِيمًا تَوَارَثَهُ الْقَرَاطِيسُ الْكِرَامُ وَأَرَادَ صُحُفَ الْقُرْآنِ الَّتِي كَانَتْ
بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْلِيهَا عَلَى كَتَبَتِهِ .
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ .
وَلَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ .
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَمَسُّهُ الْمُحْدِثُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَمَسُّ ظَاهِرَهُ وَحَوَاشِيَهُ وَمَا لَا مَكْتُوبَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْكِتَابُ فَلَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ .
وَهَذَا إنْ سُلِّمَ مِمَّا يُقَوِّي الْحُجَّةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ حَرِيمَ الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعٌ ، وَفِيمَا كَتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْحَدِيدِ [ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْآخِرُ بِعَيْنِهِ [ يَعْنِي ] لِأَنَّهُ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْبَاطِنُ ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْبَاطِنُ ، وَأَنَّ الْآخِرَ هُوَ الظَّاهِرُ ؛ إذْ هُوَ تَعَالَى وَاحِدٌ تَخْتَلِفُ أَوْصَافُهُ ، وَتَتَعَدَّدُ أَسْمَاؤُهُ ، وَهُوَ تَعَالَى وَاحِدٌ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يُحَدُّ وَلَا يُشَبَّهُ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : مَنْ قَرَأَ " يَدُ اللَّهِ " وَأَشَارَ إلَى يَدِهِ ، وَقَرَأَ عَيْنُ اللَّهِ ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ مِنْهُ يُقْطَعُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي تَقْدِيسِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا أَشْبَهَ إلَيْهِ ، وَشَبَّهَهُ بِنَفْسِهِ ، فَتُعْدَمُ [ نَفْسُهُ وَ ] جَارِحَتُهُ الَّتِي شَبَّهَهَا بِاَللَّهِ ، وَهَذِهِ غَايَةٌ فِي التَّوْحِيدِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهَا مَالِكًا مُوَحِّدٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { : ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ .
وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى عَيْنِهِ ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ } .
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ ، لَا يُوجِبُ عِلْمًا .
الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْإِشَارَةَ فِي النَّفْيِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ ، وَفِي التَّقْدِيسِ لَا فِي التَّشْبِيهِ ، وَهَذَا نَفِيسٌ فَاعْرِفْهُ .
.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ فَتْحِ مَكَّةَ وَبَيْنَ مَنْ أَنْفَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ أَكْثَرُ ، لِضَعْفِ الْإِسْلَامِ ، وَفِعْلُ ذَلِكَ كَانَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَشَقُّ ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعَزْمِ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } وَقَدْ بَيَّنَّا نَحْنُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَرْتِيبَ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَمَرَاتِبِ التَّابِعِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ثَبَتَ انْتِفَاءُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَقَعَ التَّفْضِيلُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ يَكُونُ [ فِي الدِّينِ وَيَكُونُ ] فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ، وَأَعْظَمُ الْمَنَازِلِ مَرْتَبَةً الصَّلَاةُ } .
{ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقِيلَ لَهُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إذَا قَامَ مَقَامَك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } .
الْحَدِيثَ .
فَقَدَّمَ الْمُقَدَّمَ ، وَرَاعَى الْأَفْضَلَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا ، وَلَا يَؤُمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَخِيهِ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } .
فَفَهِمَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ أَرَادَ كِبَرَ الْمَنْزِلَةِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ } .
وَلَمْ يَعْنِ كِبَرَ السِّنِّ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ كِبَرَ الْمَنْزِلَةِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : وَإِنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا .
وَرَاعَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْمُرَاعَاةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْعِلْمُ وَالسِّنُّ فِي خَيِّرَيْنِ قُدِّمَ الْعِلْمُ وَأَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا فَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى أَحْكَامِ الدِّينِ ، فَمَنْ قُدِّمَ فِي الدِّينِ قُدِّمَ فِي الدُّنْيَا .
وَفِي الْآثَارِ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْتَرِفْ لِعَالِمِنَا } .
وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الْأَفْرَادِ : { مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ } .
وَأَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ قَاسِمٍ الْعُثْمَانِيُّ الشَّهِيدُ نَزِيلُ الْقُدْسِ لِابْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ السَّرَقُسْطِيِّ : يَا عَائِبًا لِلشُّيُوخِ مِنْ أَشَرٍ دَاخَلَهُ لِلصِّبَا وَمِنْ بَذَخِ اُذْكُرْ إذَا شِئْت أَنْ تَعِيبَهُمْ جَدَّك وَاذْكُرْ أَبَاك يَا بْنَ أَخِي وَاعْلَمْ بِأَنَّ الشَّبَابَ مُنْسَلِخٌ عَنْك وَمَا وِزْرُهُ بِمُنْسَلِخِ مَنْ لَا يُعِزُّ الشُّيُوخَ لَا بَلَغَتْ يَوْمًا بِهِ سِنُّهُ إلَى الشَّيْخِ
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالشُّهَدَاءُ } وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ النَّبِيُّونَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُؤْمِنُونَ .
الثَّالِثُ أَنَّهُمْ الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِيدٌ ، أَمَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ [ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } ] .
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَى الْكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ شَاهِدٍ .
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَيْرُ الشُّهَدَاء الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، وَلَهُ الْأَجْرُ إذَا أَدَّى وَالْإِثْمُ إذَا كَتَمَ } .
وَنُورُهُمْ [ قِيلَ ] وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هُوَ ظُهُورُ الْحَقِّ بِهِ ، وَقِيلَ نُورُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَالْكُلُّ صَالِحٌ لِلْقَوْلِ حَاصِلٌ لِلشَّاهِدِ بِالْحَقِّ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشُّهَدَاءَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا .
وَهُمْ أَوْفَى دَرَجَةً وَأَعْلَى .
وَالشُّهَدَاءُ قَدْ بَيَّنَّا عَدَدَهُمْ ، وَهُمْ الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
الْمَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ [ الْمَقْتُولُ دُونَ أَهْلِهِ ] .
الْمَطْعُونُ .
الْغَرِقُ .
الْحَرِقُ .
الْمَجْنُونُ .
الْهَدِيمُ .
ذَاتُ الْجَمْعِ .
الْمَقْتُولُ ظُلْمًا .
أَكِيلُ السَّبْعِ .
الْمَيِّتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
مَنْ مَاتَ مِنْ بَطْنٍ فَهُوَ شَهِيدٌ .
الْمَرِيضُ شَهِيدٌ .
الْغَرِيبُ شَهِيدٌ .
صَاحِبُ النَّظْرَةِ شَهِيدٌ .
فَهَؤُلَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهِيدًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُمْ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ جَمَاعَةٌ : إنَّ قَوْلَهُ { وَالشُّهَدَاءُ } مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْله تَعَالَى : { الصِّدِّيقُونَ } عَطْفُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ يَعْنِ ي أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الشَّهِيدُ ، وَالْكُلُّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ .
وَقِيلَ : هُوَ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ ، وَالشُّهَدَاءُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ وَالْكُلُّ مُحْتَمَلٌ ، وَأَظْهَرُهُ عَطْفُ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُفْرَدِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الرَّهْبَانِيَّةُ : فَعْلَانِيَّةٌ مِنْ الرَّهَبِ كَالرَّحْمَانِيَّةِ ؛ وَقَدْ قُرِئَتْ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهِيَ مِنْ الرُّهْبَانِ كالرَّضْوانِيَّةِ مِنْ الرُّضْوَانِ .
[ وَالرَّهَبُ هُوَ الْخَوْفُ ، كَفَى بِهِ عَنْ فِعْلٍ الْتَزَمَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَرَهْبًا مِنْ سَخَطِهِ ] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَفْسِيرِهَا : وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا رَفْضُ النِّسَاءِ ، وَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ فِي دِينِنَا ، كَمَا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ لِلْعُزْلَةِ ؛ وَذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ .
الثَّالِثُ : سِيَاحَتُهُمْ ، وَهِيَ نَحْوٌ مِنْهُ .
الرَّابِعُ رَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ قَالَ : قُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَقِّ إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي الْعَمَلِ ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ } .
وَافْتَرَقَ مَنْ [ كَانَ ] قَبْلَنَا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، نَجَا مِنْهَا ثَلَاثٌ ، وَهَلَكَ سَائِرُهَا : فِرْقَةٌ آزَتْ الْمُلُوكَ ، وَقَاتَلَتْهُمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى حَتَّى قُتِلُوا ، وَفِرْقَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَاقَةٌ بِمُوَازَاةِ الْمُلُوكِ أَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِمْ يَدْعُونَهُمْ إلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَأَخَذَتْهُمْ الْمُلُوكُ وَقَتَلَهُمْ وَقَطَّعَتْهُمْ بِالْمَنَاشِيرِ ، وَفِرْقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ طَاقَة بِمُوَازَاةِ الْمُلُوك ، وَلَا بِأَنْ
يُقِيمُوا بَيْنَ ظَهْرَانِي قَوْمِهِمْ ، فَيَدْعُوهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ [ وَدِينِهِ ] وَدِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، فَسَاحُوا فِي الْجِبَالِ ، وَتَرَهَّبُوا فِيهَا ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، وَاسْمُهُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ ، وَأَنَّهُ قَالَ : أَحْدَثْتُمْ قِيَامَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ، إنَّمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ؛ فَدُومُوا عَلَى الْقِيَامِ إذَا فَعَلْتُمُوهُ ، وَلَا تَتْرُكُوهُ ؛ فَإِنَّ نَاسًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ابْتَدَعُوا بِدَعًا لَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَعَاتَبَهُمْ اللَّهُ بِتَرْكِهَا ، فَقَالَ : { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } يَعْنِي تَرَكُوا ذَلِكَ فَعُوقِبُوا عَلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } مِنْ وَصْفِ الرَّهْبَانِيَّةِ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ } مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ابْتَدَعُوهَا } .
وَقَدْ زَاغَ قَوْمٌ عَنْ مَنْهَجِ الصَّوَابِ فَظَنُّوا أَنَّهَا رَهْبَانِيَّةٌ كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ الْتَزَمُوهَا ، وَلَيْسَ يَخْرُجُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ مَضْمُونِ الْكَلَامِ ، وَلَا يُعْطِيه أُسْلُوبُهُ وَلَا مَعْنَاهُ ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ إلَّا بِشَرْعٍ أَوْ نَذْرٍ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ [ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ وَاَللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فِيهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي سَمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا قَوْلًا أَوْ غَيْرَهُ ، لَا يَخْتَصُّ بِسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ ، بَلْ كُلُّ مَوْجُودٍ يَسْمَعُهُ وَيَرَاهُ وَيَعْلَمُهُ ، وَيَعْلَمُ الْمَعْدُومَ بِأَبْدَعِ بَيَانٍ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَالْأُصُولِ ، وَكَذَلِكَ أَوْضَحْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَلُّقُ سَمِعْنَا بِكُلِّ مَوْجُودٍ ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَتُنَا ، وَلَكِنَّ الْبَارِي تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِتَعَلُّقِ رُؤْيَتِنَا بِالْأَلْوَانِ ، وَسَمْعِنَا بِالْأَصْوَاتِ ؛ وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ فِيمَا خَصَّ وَالْقُدْرَةُ فِيمَا عَمَّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا } : وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُجَادِلَةِ وَحَقِيقَتُهَا وَجَوَازُهَا فِي طَلَبِ قَصْدِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِهِ ، وَأَمْرِ اللَّهِ بِهَا ، وَنَسْخِهِ وَتَخْصِيصِهِ لَهَا وَتَعْمِيمِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَعْيِينِ هَذِهِ الْمُجَادِلَةِ : وَفِيهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ : قِيلَ هِيَ خَوْلَةُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ .
وَقِيلَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ دُلَيْجٍ .
وَقِيلَ : بِنْتُ الصَّامِتِ .
وَأُمُّهَا مُعَاذَةُ ؛ كَانَتْ أَمَةً لِابْنِ أُبَيٍّ .
وَفِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ } الْآيَةَ .
وَقِيلَ : خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، وَهِيَ أَشْبَهُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ جَاءَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهِيَ عَجُوزَةٌ كَبِيرَةٌ ، وَالنَّاسُ مَعَهُ ، وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ قَالَ : فَجَنَحَ إلَيْهَا ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِهَا ، وَتَنَحَّى النَّاسُ عَنْهَا ، فَنَاجَاهَا طَوِيلًا ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَبَسْت رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ .
قَالَ : أَتَدْرُونَ مَنْ هِيَ ؟ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ ، سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ ؛ فَوَاَللَّهِ لَوْ قَامَتْ هَكَذَا إلَى اللَّيْلِ لَقُمْت مَعَهَا إلَى أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةٌ ، وَأَنْطَلِقَ لِأُصَلِّيَ ثُمَّ أَرْجِعَ إلَيْهَا .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، إنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ .
وَفِي تَرَاجِمِ الْبُخَارِيِّ ، وَعَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ؛ { قُلْت : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك } } .
وَنَصُّهُ عَلَى الِاخْتِصَارِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ { لَمَّا ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ لَهُ :
وَاَللَّهِ مَا أَرَاك إلَّا قَدْ أَثِمْت فِي شَأْنِي ، لَبِسْت جِدَّتِي ، وَأَفْنَيْت شَبَابِي ، وَأَكَلْت مَالِي ، حَتَّى إذَا كَبِرَتْ سِنِّي ، وَرَقَّ عَظْمِي ، وَاحْتَجْت إلَيْك فَارَقْتنِي .
قَالَ : مَا أَكْرَهَنِي لِذَلِكَ ، اذْهَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْظُرِي هَلْ تَجِدِينَ عِنْدَهُ شَيْئًا فِي أَمْرِك ؟ فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَلَمْ تَبْرَحْ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُك فِي زَوْجِهَا } فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْ رَقَبَةً .
قَالَ : لَا أَجِدُ ذَلِكَ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ؛ أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .
قَالَ : أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قَالَ : لَا أَجِدُ .
فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعِيرًا ، وَقَالَ : خُذْ هَذَا فَأَطْعِمْهُ } .
وَرُوِيَ أَيْضًا { أَنَّ سَعِيدًا أَتَى أَبَا سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ أَحَدَ بَنِي بَيَاضَةَ ، كَانَ رَجُلًا ميطا فَلَمَّا جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَأُمِّهِ ، فَرَآهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بِرِيقِ الْقَمَرِ ، وَرَأَى بَرِيقَ خَلْخَالِهَا وَسَاقِهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا ، وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ لَهُ : أَتَيْت بِهَذَا يَا أَبَا سَلَمَةَ ثَلَاثًا ؟ فَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً .
قَالَ : مَا أَمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي هَذِهِ .
فَأَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ .
قَالَ : إنَّمَا هِيَ وَجْبَةٌ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : مَا مِنْ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ .
قَالَ : فَأَتَى النَّاسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِنَاعٍ فِيهِ تَمْرٌ .
فَقَالَ لَهُ : خُذْ هَذَا ، فَتَصَدَّقْ بِهِ وَأَطْعِمْهُ عِيَالَك } .
[ وَقِيلَ هَذَا صَخْرُ بْنُ ] سَلَمَةَ بْنُ صَخْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ الَّذِي أَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِجَنَّ يَوْمَ أُحُدٍ .
وَقَالَ : وَجْهِي أَحَقُّ بِالْكَلْمِ مِنْ وَجْهِك ،
وَارْتُثَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْقَتْلَى ، وَبِهِ رَمَقٌ ، وَقَدْ كُلِمَ كُلُومًا كَثِيرَةً ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُومَهُ ، وَاسْتَشْفَى لَهُ فَبَرِئَ ، وَفِيهِ نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَشْتَكِي إلَى اللَّهِ } : رُوِيَ { أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ دُلَيْجٍ ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ كَذَلِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ حَرُمْت عَلَيْهِ ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ : إلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إلَيْهِ .
ثُمَّ عَادَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَرُمْت عَلَيْهِ .
فَقَالَتْ : إلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إلَيْهِ ، وَعَائِشَةُ تَغْسِلُ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ، وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، فَذَهَبَتْ أَنْ تُعِيدَ ، فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، اُسْكُتِي ، فَإِنَّهُ نَزَلَ الْوَحْيُ .
فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوْجِهَا : أَعْتِقْ رَقَبَةً .
قَالَ : لَا أَجِدُ .
قَالَ : صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .
قَالَ : إنْ لَمْ آكُلْ فِي الْيَوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ خِفْت أَنْ يَعْشُوَ بَصَرِي .
قَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قَالَ : فَأَعِنِّي ، فَأَعَانَهُ بِشَيْءٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ } حَقِيقَتُهُ تَشْبِيهُ ظَهْرٍ [ بِظَهْرٍ ، وَالْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ مِنْهُ تَشْبِيهُ ظَهْرِ ] مُحَلَّلٍ بِظَهْرِ مُحَرَّمٍ ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ، أُصُولُهَا سَبْعَةٌ : الْفَرْعُ الْأَوَّلُ : إذَا شَبَّهَ جُمْلَةَ أَهْلِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
الْفَرْعُ الثَّانِي : إذَا شَبَّهَ جُمْلَةَ أَهْلِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ أُمِّهِ كَانَ ظِهَارًا ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ : إنْ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يَحِلُّ لَهُ ، وَفِيهِ رَفْعُ التَّشْبِيهِ ، وَإِيَّاهُ قَصَدَ الْمُظَاهِرُ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ لَا يَكُونُ ظِهَارًا إلَّا فِي الظَّهْرِ وَحْدَهُ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا مُحَرَّمٌ ، فَكَانَ التَّشْبِيهُ بِهِ ظِهَارًا كَالظَّهْرِ ، وَلِأَنَّ الْمُظَاهِرَ إنَّمَا يَقْصِدُ تَشْبِيهَ الْمُحَلَّلِ بِالْمُحَرَّمِ ؛ فَلَزِمَ عَلَى الْمَعْنَى .
الْفَرْعُ الثَّالِثُ إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ؛ فَصَحَّ إضَافَةُ الظِّهَارِ إلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْفَرْعُ الرَّابِعُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي ، أَوْ مِثْلُ أُمِّي ، فَإِنْ نَوَى ظِهَارًا كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ ظِهَارًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ أَطْلَقَ تَشْبِيهَ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ ، فَكَانَ ظِهَارًا ؛ أَصْلُهُ إذَا ذَكَرَ الظَّهْرَ ، وَهَذَا قَوِيٌّ ؛ إذْ مَعْنَى اللَّفْظِ فِيهِ مَوْجُودٌ ، وَاللَّفْظُ بِمَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ حُكْمُ الظَّهْرِ لِلَفْظِهِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَ لِمَعْنَاهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ .
الْفَرْعُ الْخَامِسُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي كَانَ ظِهَارًا ؛ وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ حَرَامٌ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ بِالطَّلَاقِ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ بِالظِّهَارِ ، فَلَمَّا صَرَّحَ بِهِ كَانَ تَفْسِيرًا لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَقَضَى بِهِ فِيهِ .
الْفَرْعُ السَّادِسُ إنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَإِنْ ذَكَرَ الظَّهْرَ كَانَ ظِهَارًا حَمْلًا عَلَى الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الظَّهْرَ فَاخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُونُ ظِهَارًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَكُونُ طَلَاقًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ شَيْئًا ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ مُحَلَّلًا مِنْ الْمَرْأَةِ بِمُحَرَّمٍ ، فَكَانَ مُقَيَّدًا بِحُكْمِهِ كَالظَّهْرِ .
وَالْأَسْمَاءُ بِمَعَانِيهَا عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُمْ بِأَلْفَاظِهَا ، وَهَذَا نَقْضٌ لِلْأَصْلِ مِنْهُمْ .
الْفَرْعُ السَّابِعُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُخْتِي كَانَ مُظَاهِرًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ ، وَهَذِهِ أَشْكَلُ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا .
وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ مُؤَبَّدٍ كَالْأُمِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { مِنْكُمْ } .
يَعْنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي خُرُوجَ الذِّمِّيِّ مِنْ الْخِطَابِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ .
قُلْنَا : هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالِاشْتِقَاقِ .
وَالْمَعْنَى فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ مُسْتَحِقَّةُ الْفَسْخِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ طَلَاقٍ وَلَا ظِهَارٍ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عُظْمَى .
وَقَدْ مَدَدْنَا إطْنَابَ الْقَوْلِ فِيهَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ .
وَلُبَابُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ وَإِذَا خُوطِبُوا فَإِنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ لِإِخْلَالِهِمْ بِشُرُوطِهَا مِنْ وَلِيٍّ وَأَهْلٍ وَصَدَاقٍ وَوَصْفِ صَدَاقٍ ، فَقَدْ يَعْقِدُونَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَيَعْقِدُونَ [ بِغَيْرِ مَالٍ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَيَعْقِدُونَ فِي الْعِدَّةِ وَيَعْقِدُونَ ] نِكَاحَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَإِذَا خَلَتْ الْأَنْكِحَةُ عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ ، وَلَا ظِهَارَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِحَالٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَقْتَضِي صِحَّةَ ظِهَارِ الْعَبْدِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَأَحْكَامُ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِ ثَابِتَةٌ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ تَظَاهُرٌ ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَلَمْ يَقُلْ : وَاَللَّاتِي يُظَاهِرْنَ مِنْكُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَإِنَّمَا الظِّهَارُ عَلَى الرِّجَالِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ؛ وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ وَالتَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ فِي النِّكَاحِ بِيَدِ الرِّجَالِ ، لَيْسَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ مِنْهُ شَيْءٌ .
وَهَذَا إجْمَاعٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ يَلْزَمُ الظِّهَارُ فِي كُلِّ أَمَةٍ يَصِحُّ وَطْؤُهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَسِيرَةٌ جِدًّا عَلَيْنَا ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ لَمْ يَلْزَمْ ، فَكَيْفَ يُبْطَلُ صَرِيحُ التَّحْرِيمِ ، وَيُصَحَّحُ كِنَايَتُهُ ، وَلَكِنْ تَدْخُلُ الْأَمَةُ فِي عُمُومِ : { مِنْ نِسَائِهِمْ } ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مِنْ مُحَلَّلَاتِكُمْ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبُضْعِ دُونَ رَفْعِ الْعَقْدِ فَيَصِحُّ فِي الْأَمَةِ ، أَصْلُهُ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ مَنْ بِهِ لَمَمٌ ، وَانْتَظَمَتْ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الْكَلِمُ إذَا ظَاهَرَ لَزِمَ ظِهَارُهُ ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ { أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ ثَعْلَبَةَ وَكَانَ زَوْجُهَا أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ وَكَانَ بِهِ لَمَمٌ فَدَاخَلَهُ بَعْضُ لَمَمِهِ ، فَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مَنْ غَضِبَ فَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ طَلَّقَ لَمْ يُسْقِطْ غَضَبُهُ حُكْمَهُ .
وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : حَدَّثَتْنِي خَوْلَةُ امْرَأَةُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ قَالَتْ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
ثُمَّ خَرَجَ إلَى نَادِي قَوْمِهِ .
فَقَوْلُهَا : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ دَلِيلٌ عَلَى مُنَازَعَةٍ أَحْرَجَتْهُ ، فَظَاهَرَ مِنْهَا .
وَالْغَضَبُ لَغْوٌ لَا يَرْفَعُ حُكْمًا ، وَلَا يُغَيِّرُ شَرْعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ فِي حَالِ سُكْرِهِ إذَا عَقَلَ قَوْلَهُ ، وَنَظَمَ كَلَامَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي الظِّهَارِ بِالْفِرَاقِ ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ ، حَتَّى نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ .
وَهَذَا نَسْخٌ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ ، فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، فِي زَمَانَيْنِ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَقْلًا ، وَاقِعٌ شَرْعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ النَّسْخِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الظِّهَارُ يُحَرِّمُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي " يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ اسْتِمْتَاعٍ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْوَطْءُ بِالتَّشْبِيهِ بِالْمُحَرَّمَةِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ الِاسْتِمْتَاعِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا ظَاهَرَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَرْطِ الزَّوَاجِ لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، وَعِنْدَنَا يَكُونُ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ لَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ [ إذَا زُوِّجَهَا ] لِأَنَّهَا مِنْ نِسَائِهِ حِينَ شَرَطَ نِكَاحَهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ إذَا ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ ؛ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ إنَّمَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا الْمُعَوِّلُ عَلَى الْمَعْنَى ، وَهُوَ أَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْجِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِوَجْهٍ ، فَكَانَتْ وَاحِدَةً .
وَإِنْ عَلَّقَهُ بِعَدَدٍ ، أَصْلُهُ الْإِيلَاءُ ، وَمَا أَقْرَبُ مَا بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْإِنْصَافِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُوجَبَ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } [ فَسَمَّاهُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا ] ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَهُ [ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَالتَّحْرِيمِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ فِي حَالِ الْحَيْضِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ ] إذَا وَقَعَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } : وَهُوَ حَرْفٌ مُشْكِلٌ ؛ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ .
وَمَحْصُولُ الْأَقْوَالِ سَبْعَةٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ ؛ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْإِمْسَاكِ .
الثَّالِثُ : الْعَزْمُ عَلَيْهِمَا ؛ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْوَطْءُ نَفْسُهُ .
الْخَامِسُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَوْجَةً بَعْدَ الظِّهَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّلَاقِ .
السَّادِسُ : أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ وَطْأَهَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ .
السَّابِعُ : هُوَ تَكْرِيرُ الظِّهَارِ بِلَفْظِهِ ، وَيُسْنَدُ إلَى بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ .
فَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْعَوْدُ إلَى لَفْظِ الظِّهَارِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ بُكَيْر ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَهَالَةِ دَاوُد وَأَشْيَاعِهِ .
وَقَدْ رَوَيْت قِصَصَ الْمُتَظَاهِرِينَ ، وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ ذِكْرٌ لِعَوْدِ الْقَوْلِ مِنْهُمْ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى يَنْقُضُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَهُ إذَا أَعَدْت الْقَوْلَ الْمُحَرَّمَ وَالسَّبَبَ الْمَحْظُورَ وَجَبَتْ عَلَيْك الْكَفَّارَةُ ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعَادَةُ مِنْ قَتْلٍ وَوَطْءٍ فِي صَوْمٍ وَنَحْوِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ تَرْكُ الطَّلَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَيَنْقُضُهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أُمَّهَاتٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ قَالَ { ثُمَّ } وَهَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ .
الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ { ثُمَّ يَعُودُونَ } يَقْتَضِي وُجُودَ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ ، وَمُرُورُ الزَّمَانِ لَيْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُنَافِي الْبَقَاءَ عَلَى الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ الظِّهَارِ
كَالْإِيلَاءِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا رَآهَا كَالْأُمِّ لَمْ يُمْسِكْهَا ؛ إذْ لَا يَصِحُّ إمْسَاكُ الْأُمِّ بِالنِّكَاحِ .
وَهَذَا عُمْدَةُ أَهْلِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ .
قُلْنَا : إذَا عَزَمَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ ، وَرَآهَا خِلَافَ الْأُمِّ كَفَّرَ ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ .
وَتَحْقِيقُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْعَزْمَ قَوْلٌ نَفْسِيٌّ ، وَهَذَا رَجُلٌ قَالَ قَوْلًا يَقْتَضِي التَّحْلِيلَ ، وَهُوَ النِّكَاحُ ، وَقَالَ قَوْلًا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَهُوَ الظِّهَارُ ، ثُمَّ عَادَ لِمَا قَالَ ، وَهُوَ قَوْلُ التَّحْلِيلِ ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ قَوْلُ عَزْمٍ يُخَالِفُ مَا اعْتَقَدَهُ ، وَقَالَهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الظِّهَارِ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَفَّرَ ، وَعَادَ إلَى أَهْلِهِ لِقَوْلِهِ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بَالِغٌ فِي فَنِّهِ .
فَإِنْ قِيلَ : الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ مُحَرَّمٌ ، فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي مُوَافَقَةِ الْمُحَرَّمِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْزِمُ عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ بِمُحَلَّلٍ ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ حَتَّى يُكَفِّرَ ، فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ لَمْ تَتَعَدَّدْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ .
قُلْنَا : أَمَّا الْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ فَقُرْآنِيَّةٌ سُنِّيَّةٌ .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَقَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْا مِنْهُمْ النَّسَائِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي قَدْ ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي ، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ .
قَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُك اللَّهُ ، قَالَ : رَأَيْت خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ .
فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَك اللَّهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ الظِّهَارِ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ لَمْ يَطَأْ حَتَّى يُكَفِّرَ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَبَنَاهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَوْدِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ ، فَلَا مَعْنًى لِإِعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ إذَا ظَاهَرَ مُوَقِّتًا بِزَمَانٍ .
قَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ مُؤَبَّدًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْغُو ؛ وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الظِّهَارِ عُمُومٌ فِي الْمُؤَقَّتِ وَالْمُؤَبَّدِ .
وَإِذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ بِالظِّهَارِ لَمْ يَرْفَعْهُ مُرُورُ الزَّمَانِ ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ رَافِعَةً لَهُ .
وَقَدْ وَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَمَانًا مُؤَقَّتًا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ عَامًّا ، وَلَا انْفِصَالَ لَهُ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذِكْرِ الرَّقَبَةِ ، وَأَنَّهَا السَّلِيمَةُ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَفِي أَنَّهَا الْمُؤْمِنَةُ لَيْسَتْ الْكَافِرَةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهَا مَنْ لَا شَائِبَةَ لِلْحُرِّيَّةِ فِيهَا ، كَالْمُكَاتَبَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْجَمِيعِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تُجْزِي ، فَالْمُكَاتَبَةُ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّ [ عَقْدَ ] الْحُرِّيَّةِ قَدْ ثَبَتَ لَهَا ، وَهِيَ مِنْ السَّيِّدِ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَرَجَّحْنَا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ أَشْبَهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ مِنْهَا بِالْأَمَةِ ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا هَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ أَوْ حَالُ الْأَدَاءِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ حَالُ الْأَدَاءِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ .
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ أَيْضًا .
وَالثَّانِي الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ .
وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَظَاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } [ فِيهِ ] يَرْتَبِطُ الْوُجُوبُ بِالْعَوْدِ ، وَفِيهِ يَرْتَبِطُ كَيْفَمَا كَانَتْ حَالَةُ الِارْتِبَاطِ ، بَيْدَ أَنَّهُ لِلْمَسْأَلَةِ حَرْفٌ جَرَى فِي أَلْسِنَةِ عُلَمَائِنَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْمَسْأَلَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْكَفَّارَةِ صِفَةُ الْعِبَادَةِ أَوْ صِفَةُ الْعُقُوبَةِ .
وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ صِفَةَ الْعُقُوبَةِ ؛ وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا صِفَةَ الْقُرْبَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ صِفَةَ الْقُرْبَةِ فَالْقُرْبُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي حَالِ الْإِجْزَاءِ خَاصَّةً بِحَالِ الْأَدَاءِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، وَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَةُ الْوُجُوبِ هِيَ الْحُدُودُ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَائِمًا ، ثُمَّ عَجَزَ فَقَعَدَ فِيهَا فَهَذَا مِنْ الْمُغَايِرِ لِلْقُرْبَةِ فِي الْهَيْئَاتِ ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ أَبُو الْمَعَالِي .
قُلْنَا : إنْ كَانَ الْعِتْقُ وَالصَّوْمُ جِنْسَيْنِ فَإِنَّ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ ضِدَّانِ ، فَالْخُرُوجُ مِنْ جِنْسٍ إلَى جِنْسٍ أَقْرَبُ مِنْ الْعُدُولِ مِنْ ضِدٍّ إلَى ضِدٍّ .
فَإِنْ قِيلَ : الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِلصَّلَاةِ ؛ فَاعْتُبِرَ حَالُ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِيهَا .
قُلْنَا : وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تُرَادُ لِحِلِّ الْمَسِيسِ ؛ فَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى الْمَسِيسِ اُعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَدْ بَيَّنَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْوَسَطُ مِنْ الْإِطْعَامِ ، وَهُوَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ ، وَهُوَ الشِّبَعُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَسَطَ .
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ : مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قِيلَ لَهُ : أَلَمْ تَكُنْ قُلْت : مُدُّ هِشَامٍ ، قَالَ : بَلَى ، وَمُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إلَيَّ .
وَكَذَلِكَ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا .
وَمُدُّ هِشَامٍ هُوَ مُدَّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أَشْهَبُ : قُلْت لَهُ : أَيَخْتَلِفُ الشِّبَعُ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
الشِّبَعُ عِنْدَنَا مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ دُونَكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَكْثَرَ مِمَّا نَأْكُلُ نَحْنُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ جِدًّا .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَقَعَ الْكَلَامُ هَاهُنَا كَمَا تَرَوْنَ فِي مُدِّ هِشَامٍ ، وَدِدْت أَنْ يُهَشِّمَ الزَّمَانُ ذِكْرَهُ ، وَيَمْحُوَ مِنْ الْكُتُبِ رَسْمَهُ ؛ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ الَّتِي نَزَلَ الْوَحْيُ بِهَا ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا الرَّسُولُ ، وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ الظِّهَارُ وَقِيلَ لَهُمْ فِيهِ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } فَهِمُوهُ وَعَرَفُوا الْمُرَادَ بِهِ ، وَأَنَّهُ الشِّبَعُ ، وَقَدْرُهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ مُتَقَدِّرٌ لَدَيْهِمْ ، فَقَدْ كَانُوا يَجُوعُونَ لِحَاجَةٍ وَيَشْبَعُونَ بِسُنَّةٍ لَا بِشَهْوَةٍ [ وَمَجَاعَةٍ ] ، وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الشِّبَعِ فِي الْأَخْبَارِ كَثِيرًا ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ فِي الْأَنْوَارِ ، وَاسْتَمَرَّتْ الْحَالُ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، حَتَّى نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِ هِشَامٍ ، فَرَأَى مُدَّ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُشْبِعُهُ ، وَلَا مِثْلَهُ مِنْ حَاشِيهِ وَنُظَرَائِهِ ، فَسَوَّلَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مُدًّا يَكُونُ فِيهِ شِبَعُهُ ، فَجَعَلَهُ رَطْلَيْنِ ، وَحَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا ابْتَلَّ عَادَ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ ، فَغَيَّرَ السُّنَّةَ ، وَأَذْهَبَ مَحَلَّ الْبَرَكَةِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَعَا رَبَّهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْبَرَكَةِ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ : مِثْلَ مَا بَارَكَ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَكَّةَ .
فَكَانَتْ الْبَرَكَةُ تَجْرِي بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدِّهِ ، فَسَعَى الشَّيْطَانُ فِي تَغْيِيرِ هَذِهِ السُّنَّةِ وَإِذْهَابِ الْبَرَكَةِ ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا هِشَامٌ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُلْغُوا ذِكْرَهُ ، وَيَمْحُوا رَسْمَهُ ، وَإِذَا لَمْ يُغَيِّرُوا أَمْرَهُ ، وَأَمَّا أَنْ يُحِيلُوا عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَيَجْعَلُوهُ تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُفَسِّرًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ فَخَطْبٌ جَسِيمٌ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ رِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي ذِكْرِ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهَا بِمُدِّ هِشَامٍ .
أَلَا تَرَى كَيْفَ نَبَّهَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ [ لِأَشْهَبَ ] : الشِّبَعُ عِنْدَنَا بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالشِّبَعُ عِنْدَكُمْ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَنَا بِالْبَرَكَةِ ، وَبِهَذَا أَقُولُ ؛ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إذَا أُدِّيَتْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَدَنِ كَانَ أَسْرَعَ لِلْقَبُولِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَالِ كَانَ قَلِيلُهَا أَثْقَلَ فِي الْمِيزَانِ ، وَأَبْرَكَ فِي يَدِ الْآخِذِ ، وَأَطْيَبَ فِي شِدْقِهِ ، وَأَقَلَّ آفَةً فِي بَطْنِهِ ، وَأَكْثَرَ إقَامَةً لِصُلْبِهِ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْلُهُ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } يَقْتَضِي أَنَّ الْوَطْءَ لِلزَّوْجَةِ فِي لَيْلِ صَوْمِ الظِّهَارِ يُبْطِلُ الْكَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَطَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِعْلَهَا قَبْلِ التَّمَاسِّ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّمَا يَكُونُ شَرْطُ الْمَسِيسِ فِي الْوَطْءِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ .
قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّوْمَ قَبْلَ التَّمَاسِّ ، فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ فَقَدْ [ تَعَذَّرَ كَوْنُهُ قَبْلَهُ ، فَإِذَا أَتَمَّهَا كَانَ بَعْضُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَهُ ، وَإِذَا اسْتَأْنَفَهَا ] كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ جَمِيعِهَا ، وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ فِي بَعْضِهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فِي جَمِيعِهَا .
قُلْنَا : هَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُذَقْ طَعْمَ الْفِقْهِ ؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ الْوَاقِعَ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ لَيْسَ بِالْمُحَلِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءُ تَعَدٍّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الِامْتِثَالِ لِلْأَمْرِ بِصَوْمٍ لَا يَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ وَطْءٌ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ غَرِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : الْحَجْرُ عَلَى الْحُرِّ بَاطِلٌ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ السَّفِيهِ وَالرَّشِيدِ .
وَهَذَا فِقْهٌ ضَعِيفٌ لَا يُنَاسِبُ قَدْرَهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، وَقَدْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْحَجْرِ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشِيًا ، وَالنَّظَرُ يَقْتَضِيهِ .
وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجْرٌ لِصِغَرٍ أَوْ لِوِلَايَةٍ ، وَبَلَغَ سَفِيهًا قَدْ نُهِيَ عَنْ دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ فَكَيْفَ يَنْفُذُ فِعْلُهُ فِيهِ ؟ وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْك بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّقَلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْيَهُودُ ، كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُونَ : السَّامُ عَلَيْك ؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ السَّلَامَ ظَاهِرًا ، وَهُمْ يَعْنُونَ الْمَوْتَ بَاطِنًا ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ [ فِي رِوَايَةٍ ] ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ مُشْكِلَةٌ .
وَكَانُوا يَقُولُونَ : لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مَا أَمْهَلَنَا اللَّهُ بِسِبِّهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ ؛ وَجَهِلُوا أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى حَلِيمٌ لَا يُعَاجِلُ مَنْ سَبَّهُ ، فَكَيْفَ مَنْ سَبَّ نَبِيَّهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا أَحَدَ أَصَبْرُ عَلَى الْأَذَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ ، وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا كَشْفًا لِسَرَائِرِهِمْ ، وَفَضْحًا لِبَوَاطِنِهِمْ ، وَمُعْجِزَةً لِرَسُولِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا شَرْحَ هَذَا فِي مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَدْرُونَ مَا قَالَ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .
قَالَ : قَالَ كَذَا ؛ رُدُّوهُ عَلَيَّ ، فَرَدُّوهُ .
قَالَ : قُلْت : السَّامُ عَلَيْكُمْ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : عَلَيْك مَا قُلْت } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى
: { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَفْسِيرِ الْمَجْلِسِ : فِيهِ أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ .
وَكَانَ قَوْمٌ إذَا أَخَذُوا فِيهِ مَقَاعِدَهُمْ شَحُّوا عَلَى الدَّاخِلِ أَنْ يَفْسَحُوا لَهُ .
وَلَقَدْ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْكَرَامِيُّ بِهَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْر الْغَلَّابِيُّ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ الضَّبِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ [ عَنْ أَنَسٍ ] قَالَ : { بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ أَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ إذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَقَفَ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَظَرَ مَجْلِسًا يُشْبِهُهُ ؛ فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ أَيِّهِمْ يُوَسِّعُ لَهُ ؛ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ جَالِسًا عَلَى يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَحْزَحَ لَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ ، وَقَالَ : هَا هُنَا يَا أَبَا الْحَسَنِ ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ : فَرَأَيْنَا السُّرُورَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ؛ إنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ ذَوُو الْفَضْلِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْمَسْجِدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَجْلِسُ الذِّكْرِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مَوْقِفُ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْقِتَالِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَمِيعَ مُرَادٌ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، وَالتَّفَسُّحُ وَاجِبٌ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا جَلَسُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ أَطَالُوا ، يَرْغَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ أَنْ يَرْتَفِعُوا .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْأَمْرُ بِالِارْتِفَاعِ إلَى الْقِتَالِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ ؛ قَالَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْخَيْرُ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْفُسْحَةُ كُلُّ فَرَاغٍ بَيْنَ مَلَأَيْنِ .
وَالنَّشْزُ : مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ .
ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِلَفْظِهِ وَحَقِيقَتِهِ ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ لِلثَّانِي فِي الِارْتِفَاعِ ؛ فَصَارَ مَجَازًا فِي اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ كَيْفِيَّةُ التَّفَسُّحِ فِي الْمَجَالِسِ مُشْكِلَةٌ ، وَتَفَاصِيلُهَا كَثِيرَةٌ : الْأَوَّلُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْسَحُ فِيهِ بِالْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسِّنِّ .
الثَّانِي مَجْلِسُ الْجُمُعَاتِ يُتَقَدَّمُ فِيهِ بِالْبُكُورِ إلَّا مَا يَلِي الْإِمَامَ ، فَإِنَّهُ لِذَوِي الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى .
الثَّالِثُ : مَجْلِسُ الذِّكْرِ يَجْلِسُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ .
الرَّابِعُ مَجْلِسُ الْحَرْبِ يَتَقَدَّمُ فِيهِ ذَوُو النَّجْدَةِ وَالْمِرَاسِ مِنْ النَّاسِ .
الْخَامِسُ مَجْلِسُ الرَّأْيِ وَالْمُشَاوَرَةِ يَتَقَدَّمُ فِيهِ مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِالشُّورَى ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ : { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } فَيَرْتَفِعُ الْمَرْءُ بِإِيمَانِهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ بِعِلْمِهِ ثَانِيًا .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُقَدِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الصَّحَابَةِ ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَدَعَاهُمْ وَدَعَاهُ ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَفْسِيرِ { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فَسَكَتُوا ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ إيَّاهُ .
فَقَالَ عُمَرُ : مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْآيَةَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَجَالِسِنَا هَذِهِ ، وَإِنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْهُ : إنَّ قَوْلَهُ : { يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } الصَّحَابَةَ { وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَالِمَ وَالطَّالِبَ لِلْحَقِّ .
وَالْعُمُومُ أَوْقَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَأَوْلَى بِمَعْنَى الْآيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلْقَمَةَ الْأَنْمَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دِينَارٌ ؛ قُلْت : لَا يُطِيقُونَهُ .
قَالَ : نِصْفُ دِينَارٍ .
قُلْت : لَا يُطِيقُونَهُ .
قَالَ : فَكَمْ ؟ قُلْت : شَعِيرَةٌ .
قَالَ إنَّك لَزَهِيدٌ .
فَنَزَلَتْ : { أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَاتٍ } قَالَ : فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ أُصُولِيَّتَيْنِ : الْأُولَى نَسْخُ الْعِبَادَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا .
الثَّانِيَةُ النَّظَرُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ بِالْقِيَاسِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : شَعِيرَةٌ .
يُرِيدُ وَزْنَ شَعِيرَةٍ [ مِنْ ذَهَبٍ ] .
وَقَدْ رُوِيَ [ عَنْ ] مُجَاهِدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَصَدَّقَ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ ، وَنَاجَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ [ أَنَّهُ تَصَدَّقَ ] بِخَاتَمٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ .
وَقَدْ سَرَدَ الْمَسْأَلَةَ كَمَا يَجِبُ أَسْلَمُ فِي رِوَايَةِ زَيْدٍ ابْنِهِ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مُنَاجَاتَهُ .
يُرِيدُ لَا يَسْأَلُهُ حَاجَةً إلَّا نَاجَاهُ بِهَا مِنْ شَرِيفٍ أَوْ دَنِيءٍ ؛ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَأْتِيهِ فَيُنَاجِيهِ ، كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ حَوْلَهُ .
فَيَقُولُ لَهُ : أَتَدْرُونَ لِمَ نَاجَى فُلَانٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ إنَّمَا نَاجَاهُ ؛ لِأَنَّ جُمُوعًا [ كَثِيرَةً ] مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ قَدْ خَرَجُوا لِيُقَاتِلُوكُمْ .
قَالَ : فَيُحْزِنُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : إنَّمَا مُحَمَّدٌ أُذُنٌ سَمَّاعَةٌ يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ يُنَاجِيهِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } .
وَقَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ إنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ الْمُنَاجَاةِ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } لِيَنْتَهِيَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَنْ مُنَاجَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَعَرَفَ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ لَا يُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيْ نَجَوَاهُمْ صَدَقَةً ؛ فَانْتَهَى أَهْلُ الْبَاطِلِ عَنْ النَّجْوَى ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَوَائِجِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : لَا نُطِيقُهُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَنَسَخَتْهَا آيَةُ : {
فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } .
وَهَذَا الْخَبَرُ مِنْ زَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } [ ثُمَّ نَسَخَهُ مَعَ كَوْنِهِ خَيْرًا وَأَطْهَرَ ] .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ عَظِيمٌ فِي الْتِزَامِ الْمَصَالِحِ ؛ لَكِنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدٍ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْعُلَمَاءُ .
وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : { ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ } نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ؛ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أَبُوهُ الْجَرَّاحُ يَتَصَدَّى لِأَبِي عُبَيْدَةَ ، فَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيدُ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَصَدَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَتَلَ أَبَاهُ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : لَا تُجَالِسْ الْقَدَرِيَّةَ وَعَادَهُمْ فِي اللَّهِ لِقَوْلِ الْآيَةِ : { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ كَلَامِنَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ بَدَائِعَ اسْتِنْبَاطِ مَالِكٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ كَانَ حَفِيًّا بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ غَرِيًّا بِالْمُبْتَدِعَةِ يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ جَانِبَ الْحُجَّةِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَمِنْ أَجْلِهِ أَخَذَهُ لَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَدَّعِي أَنَّهَا تَخْلُقُ كَمَا يَخْلُقُ اللَّهُ ، وَأَنَّهَا تَأْتِي بِمَا يَكْرَهُ اللَّهُ وَلَا يُرِيدُهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَجُوسِيًّا نَاظَرَ قَدَرِيًّا ، فَقَالَ الْقَدَرِيُّ لِلْمَجُوسِيِّ : مَالَك لَا تُؤْمِنُ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَآمَنْت .
قَالَ لَهُ الْقَدَرِيُّ : قَدْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَصُدُّك .
قَالَ لَهُ الْمَجُوسِيُّ : فَدَعْنِي مَعَ أَقْوَاهُمَا .
سُورَةُ الْحَشْرِ [ فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ آيَةً ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : سُورَةُ الْحَشْرِ ؟ قَالَ : قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ ، وَهُمْ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلُوا الْمَدِينَةَ فِي فَنَنِ بَنِي إسْرَائِيلَ انْتِظَارًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : جَلَاءُ الْيَهُودِ .
الثَّانِي : إلَى الشَّامِ ؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ الْمَحْشَرِ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ ، وَالْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : قَالَ قَتَادَةُ : أَوَّلُ الْحَشْرِ نَارٌ تَسُوقُ النَّاسَ إلَى الْمَغَارِبِ ، وَتَأْكُلُ مَنْ خُلِّفَ [ فِي الدُّنْيَا ] .
وَنَحْوُهُ رَوَى وَهْبٌ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكٍ : هُوَ جَلَاؤُهُمْ عَنْ دَارِهِمْ ؟ فَقَالَ لِي : الْحَشْرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَشْرُ الْيَهُودِ ؛ قَالَ : وَإِجْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إلَى خَيْبَرَ حِينَ سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَكَتَمُوهُ فَاسْتَحَلَّهُمْ بِذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لِلْحَشْرِ أَوَّلٌ وَوَسَطٌ وَآخِرٌ ؛ فَالْأَوَّلُ إجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ ، وَالْأَوْسَطُ إجْلَاءُ خَيْبَرَ ، وَالْآخِرُ حَشْرُ الْقِيَامَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي وَقْتِهَا : قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ : كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ : كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ ، وَبَعْدَ بِئْرِ مَعُونَةَ ، وَكَانَتْ عَلَى يَدَيْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ ، وَاخْتَارَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا قَبْلَ أُحُدٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } : وَثِقُوا بِحُصُونِهِمْ ، وَلَمْ يَثِقُوا بِاَللَّهِ لِكُفْرِهِمْ ، فَيَسَّرَ اللَّهُ مَنَعَتَهُمْ ، وَأَبَاحَ حَوْزَتَهُمْ .
وَالْحِصْنُ هُوَ الْعُدَّةُ وَالْعِصْمَةُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَرَبِ : وَلَقَدْ عَلِمْت عَلَى تَوَقِّي الرَّدَى أَنَّ الْحُصُونَ الْخَيْلُ لَا مُدُنُ الْقُرَى يَخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الْقَتَامِ عَوَابِسَا كَأَنَامِلِ الْمَقْرُورِ أَقْعَى فَاصْطَلَى وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي إصَابَةِ الْمَعْنَى ، فَقَالَ : وَإِنْ بَاشَرَ الْأَصْحَابُ فَالْبِيضُ وَالْقَنَا قِرَاهُ وَأَحْوَاضُ الْمَنَايَا مَنَاهِلُهُ وَإِنْ يَبْنِ حِيطَانًا عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أُولَئِكَ عِقَالَاتُهُ لَا مَعَاقِلُهُ وَإِلَّا فَأَعْلِمْهُ بِأَنَّك سَاخِطٌ وَدَعْهُ فَإِنَّ الْخَوْفَ لَا شَكَّ قَاتِلُهُ
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ } : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، فَكَيْفَ لَا يُنْصَرُ بِهِ مَسِيرَةَ مَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَحَلَّةِ بَنِي النَّضِيرِ .
وَهَذِهِ خِصِّيصَةٌ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } : فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يُخْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ بِنَقْضِ الْمُوَادَعَةِ ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُقَاتَلَةِ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الثَّانِي : بِأَيْدِيهِمْ فِي تَرْكِهِمْ لَهَا ، وَبِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فِي إجْلَائِهِمْ عَنْهَا ؛ قَالَهُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .
الثَّالِثُ بِأَيْدِيهِمْ دَاخِلَهَا ، وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ خَارِجَهَا ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ .
الرَّابِعُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا هَدَمُوا بَيْتًا مِنْ خَارِجِ الْحِصْنِ هَدَمُوا بُيُوتَهُمْ يَرْمُونَهُمْ مِنْهَا .
الْخَامِسُ كَانُوا يَحْمِلُونَ مَا يُعْجِبُهُمْ فَذَلِكَ خَرَابُ أَيْدِيهِمْ .
وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : أَنَّ التَّنَاوُلَ لِلْإِفْسَادِ إذَا كَانَ بِالْيَدِ كَانَ حَقِيقَةً ، وَإِنْ كَانَ بِنَقْضِ الْعَهْدِ كَانَ مَجَازًا ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ فِي الْمَجَازِ أَمْثَلُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا بِالتَّشْدِيدِ أَرَادَ هَدْمَهَا ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ جَلَاءَهُمْ عَنْهَا ؛ وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يُعَضِّدُهَا لُغَةٌ وَلَا حَقِيقَةٌ ، وَالتَّضْعِيفُ بَدِيلُ الْهَمْزَةِ فِي الْأَفْعَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } : وَهِيَ كَلِمَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَوْضِعِهَا ، وَمِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ اعْتَصَمُوا بِالْحُصُونِ دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَنْزَلَهُمْ اللَّهُ مِنْهَا ، وَمِنْ وُجُوهِهِ أَنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ يَرْجُوهُمْ ، وَمِنْ وُجُوهِهِ أَنَّهُمْ هَدَمُوا أَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ .
وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِغَيْرِهِ اعْتَبَرَ بِنَفْسِهِ ، وَمِنْ الْأَمْثَالِ الصَّحِيحَةِ : السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ .
يَعْنِي نَقَضُوا الْعَهْدَ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُمْ صَارُوا فِي شِقٍّ ، أَيْ جِهَةٍ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَى ، وَذِكْرُ اللَّهِ مَعَ رَسُولِهِ تَشْرِيفٌ لَهُ ، وَكَانَ نَقْضُهُمْ الْعَهْدَ لِخَبَرٍ ؛ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةٍ ، فَقَعَدَ فِي ظِلِّ جِدَارٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يُلْقُوا عَلَيْهِ رَحًى ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ ، فَقَامَ وَانْصَرَفَ ؛ وَبِذَلِكَ اسْتَحَلَّهُمْ وَأَجَلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ ، وَصَفِيَّةُ مِنْهُمْ سَبَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ .
قَالَ : فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجَلَاهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَالصَّفْرَاءِ ، وَالْبَيْضَاءِ ، وَالْحَلْقَةِ ، وَالدِّنَانِ ، وَمِسْكِ الْجَمَلِ } .
فَالصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ .
وَالْحَلْقَةُ : السِّلَاحُ .
وَالدِّنَانُ : الْفَخَّارُ .
وَمِسْكُ الْجَمَلِ : جُلُودٌ يُسْتَقَى فِيهَا الْمَاءُ بِشَعْرِهَا .
{ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِمْ : يَا أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ ، يَا إخْوَةَ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : فَقَالُوا : مَهْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَمَا كُنْت فَحَّاشًا .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إضْمَارَ الْخِيَانَةِ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَ قَوْلًا [ فَيَنْتَقِضُ قَوْلًا ] ، وَالْعَقْدُ إذَا ارْتَبَطَ بِالْقَوْلِ انْتَقَضَ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ ، وَإِذَا ارْتَبَطَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَنْتَقِضْ إلَّا بِالْفِعْلِ ، كَالنِّكَاحِ يَرْتَبِطُ بِالْقَوْلِ وَيَنْحَلُّ بِالْقَوْلِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ ، وَبِالْفِعْلِ ، وَهُوَ الرَّضَاعُ .
وَعِتْقُ الْمِدْيَانِ يَنْعَقِدُ
بِالْقَوْلِ ، وَيُنْقِضُهُ الْحَاكِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يُنْقِضُهُ الْقَوْلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ كَيْفِيَّةَ نَقْضِ الْعَهْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا تَحَقَّقَ نَقْضُ الْعَهْدِ فَلِمَ بَعَثَ إلَيْهِمْ اُخْرُجُوا مِنْ بِلَادِي ؟ وَلِمَ لَمْ يَأْخُذْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : قَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } .
فَإِنَّ قِيلَ : هَذَا مَا خَانَهُ ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ بِخَبَرِ اللَّهِ عَنْهُ .
قُلْنَا : الْخَوْفُ هَاهُنَا الْوُقُوعُ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْخَوْفِ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ عَاقِدٍ .
وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وَحْدَهُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا مَشْهُورًا ، وَسَاقَهُ اللَّهُ إلَى مَا كَتَبَ مِنْ الْجَلَاءِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَقَطَعَ ؛ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ } ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : لَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَتْ النَّاسُ فِي تَخْرِيبِ دَارِ الْعَدُوِّ وَحَرْقِهَا وَقَطْعِ ثِمَارِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
الثَّانِي : إنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ، وَإِنْ يَيْأَسُوا فَعَلُوا ؛ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ ، وَعَلَيْهِ تَنَاظُرُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ لَهُ ، وَلَكِنَّهُ قَطَعَ وَحَرَقَ لِيَكُونَ ذَلِكَ نِكَايَةً لَهُمْ وَوَهْنًا فِيهِمْ ، حَتَّى يَخْرُجُوا عَنْهَا ، فَإِتْلَافُ بَعْضِ الْمَالِ لِصَلَاحِ بَاقِيهِ مَصْلَحَةٌ جَائِزَةٌ شَرْعًا مَقْصُودَةٌ عَقْلًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي النَّوْعِ الَّذِي قُطِعَ ، وَهُوَ اللِّينَةُ ، عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ النَّخْلُ كُلُّهُ ، وَإِلَّا الْعَجْوَةَ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْخَلِيلُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ النَّخْلُ كُلُّهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كَرَائِمُ النَّخْلِ ؛ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ الْعَجْوَةُ خَاصَّةً ؛ قَالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ .
الْخَامِسُ أَنَّهَا النَّخْلُ الصِّغَارُ ، وَهِيَ أَفْضَلُهَا .
السَّادِسُ أَنَّهَا الْأَشْجَارُ كُلُّهَا .
السَّابِعُ أَنَّهَا الدَّقَلُ ؛ قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ .
قَالَ : وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : لَا نُنَحِّي الْمَوَائِدَ حَتَّى نَجِدَ الْأَلْوَانَ يَعْنُونَ الدَّقَلَ .
وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا أَعْرَفُ بِبَلَدِهِمَا وَثِمَارِهَا وَأَشْجَارِهَا .
الثَّانِي أَنَّ الِاشْتِقَاقَ يُعَضِّدُهُ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يُصَحِّحُونَهُ ، قَالُوا : اللِّينَةُ وَزْنُهَا لِوْنَةٌ ، وَاعْتُلَّتْ عَلَى أَصْلِهِمْ .
[ فَآلَتْ إلَى لَيْنَةٍ ] ، فَهُوَ لَوْنٌ ، فَإِذَا دَخَلَتْ الْهَاءُ كُسِرَ أَوَّلُهَا ؛ كَبَرْكِ الصَّدْرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ ، وَبِرْكِهِ بِكَسْرِهَا لِأَجْلِ الْهَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَتَى كَانَ الْقَطْعُ ؛ فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الْإِذْنَ وَالْجَوَازَ فِي بَنِي النَّضِيرِ [ تَضَمَّنَ بَنِي قُرَيْظَةَ ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ ] قَبْلَ قُرَيْظَةَ بِمُدَّةٍ كَبِيرَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ تَأَسَّفَتْ الْيَهُودُ عَلَى النَّخْلِ الْمَقْطُوعَةِ ، وَقَالُوا : يَنْهَى مُحَمَّدٌ عَنْ الْفَسَادِ وَيَفْعَلُهُ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَقْطَعُ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْطَعُ ، فَصَوَّبَ اللَّهُ الْفَرِيقَيْنِ ، وَخَلَّصَ الطَّائِفَتَيْنِ فَظَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يُخَرَّجُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَهُمْ ، وَلَا اجْتِهَادَ مَعَ حُضُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اجْتِهَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ أَخْذًا بِعُمُومِ الْإِذَايَةِ لِلْكُفَّارِ ، وَدُخُولًا فِي الْإِذْنِ لِلْكُلِّ بِمَا يَقْضِي عَلَيْهِمْ بِالِاجْتِيَاحِ وَالْبَوَارِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { مَا أَفَاءَ اللَّهُ } : يُرِيدُ مَا رَدَّ اللَّهُ .
وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْوَالَ فِي الْأَرْضِ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْكُفَّارُ مِنْ اللَّهِ بِالذُّنُوبِ عَدْلًا ، فَإِذَا رَحِمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَرَدَّهَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ رَجَعَتْ فِي طَرِيقِهَا ذَلِكَ ، فَكَانَ ذَلِكَ فَيْئًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } : الْإِيجَافُ : ضَرْبٌ مِنْ السَّيْرِ .
وَالرِّكَابُ : اسْمٌ لِلْإِبِلِ خَاصَّةً عُرْفًا لُغَوِيًّا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُشْتَقًّا مِنْ الرُّكُوبِ ، وَيَشْتَرِكُ غَيْرُهَا مَعَهَا فِيهَا ، وَلَكِنْ لِلْعُرْفِ احْتِكَامٌ فِي اخْتِصَاصِ بَعْضِ الْمُشْرَكَاتِ بِالِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } : الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَإِنْ كَانَتْ فَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهَا لِرَسُولِهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا كَانَ بِرُعْبٍ أُلْقِيَ فِي قُلُوبِهِمْ ، دُونَ عَمَلٍ مِنْ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّفُوا سَفَرًا ، وَلَا تَجَشَّمُوا رِحْلَةً ، وَلَا صَارُوا عَنْ حَالَةٍ إلَى غَيْرِهَا ، وَلَا أَنْفَقُوا مَالًا ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِاخْتِصَاصِ رَسُولِهِ بِذَلِكَ الْفَيْءِ ، وَأَفَادَ الْبَيَانُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ مِنْ النَّاسِ فِي مُحَاصَرَتِهِمْ لَغْوٌ لَا يَقَعُ الِاعْتِدَادُ بِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِهَا .
رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ { أَنَّ عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ لَمَّا طَلَبَا عُمَرَ بِمَا كَانَ فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَالِ ، وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدٍ ، قَالَ لَهُمْ عُمَرُ : أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ بِسَهْمٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ، وَقَرَأَ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَهَا ، وَاَللَّهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ .
وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ؛ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبُثُّهَا ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ خَصَّهُ بِهَا } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَاهَا الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً ، وَمِنْ الْأَنْصَارِ لِأَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ [ وَالْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ] لِحَاجَةٍ كَانَتْ بِهِمْ ، وَفِي آثَارٍ
كَثِيرَةٍ بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَمَامُ الْكَلَامِ : فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَحُذِفَتْ اخْتِصَارًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، وَهَذِهِ الْآيَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي قُوتِلَتْ ، فَأَفَاءَ اللَّهُ بِمَالِهَا ؛ فَهِيَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ .
الثَّانِي هُوَ مَا غَنِمْتُمْ بِصُلْحٍ مِنْ غَيْرِ إيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَيَكُونُ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ فِيهِ ، وَالْأُولَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، إذَا أَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ كَانَ الْبَاقِي فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ .
الثَّالِثُ : قَالَ مَعْمَرٌ : الْأُولَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّانِيَةُ فِي الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ لِلْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَالثَّالِثَةُ الْغَنِيمَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِلْغَانِمِينَ .
الرَّابِعُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } هِيَ النَّضِيرُ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا خُمُسٌ ، وَلَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، كَانَتْ صَافِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ .
وقَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } هِيَ قُرَيْظَةُ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالْخَنْدَقُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
هَذَا لُبَابُ الْأَقْوَالِ الْوَارِدَةِ ؛ وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ السُّورَةَ سُورَةُ النَّضِيرِ ، وَأَنَّ الْآيَاتِ الْوَارِدَةَ فِيهَا آيَاتُ بَنِي النَّضِيرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ فِيهَا بِالْعُمُومِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ وَفَعَلَ فِعْلَهُمْ ، وَفِيهَا آيَتَانِ : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } .
وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } .
وَفِي الْأَنْفَالِ آيَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهِيَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ } .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ هِيَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ أَوْ مَعْنَيَانِ ؟ وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ : أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَهِيَ قَوْلُهُ : { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } يُرِيدُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ : إنَّهَا كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا ، فَهَذِهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَعْنًى مُتَّحِدٌ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } .
وَهَذَا كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ الْأَوَّلِ لِمُسْتَحِقٍّ غَيْرِ الْأَوَّلِ ، وَسَمَّى الْآيَةَ الثَّالِثَةَ آيَةَ الْغَنِيمَةِ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَعْنًى آخَرُ بِاسْتِحْقَاقٍ ثَانٍ لِمُسْتَحِقٍّ آخَرَ ، بَيْدَ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ اشْتَرَكَتَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَضَمَّنَتْ شَيْئًا أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَاقْتَضَتْ الْآيَةُ الْأُولَى أَنَّهُ حَاصِلٌ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، وَاقْتَضَتْ آيَةُ الْأَنْفَالِ أَنَّهُ حَاصِلٌ بِقِتَالِ ، وَعُرِّيَتْ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } عَنْ ذِكْرِ حُصُولِهِ لِقِتَالٍ أَوْ لِغَيْرِ قِتَالٍ ؛ فَنَشَأَ الْخِلَافُ مِنْ هَاهُنَا ، فَمِنْ طَائِفَةٍ قَالَتْ : هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْأُولَى ، وَهُوَ مَالُ الصُّلْحِ كُلُّهُ وَنَحْوُهُ .
وَمِنْ طَائِفَةٍ قَالَتْ : هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالثَّانِيَةِ ؛ وَهِيَ آيَةُ الْأَنْفَالِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ اخْتَلَفُوا : هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ مُحْكَمَةٌ ؟ وَإِلْحَاقُهَا بِشَهَادَةِ اللَّهِ بِالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَجْدِيدَ فَائِدَةٍ وَمَعْنًى .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَمْلَ الْحَرْبِ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى فَائِدَةٍ مُعَادَةٍ .
وَهَذَا الْقَوْلُ يُنَظِّمُ لَك شَتَاتَ الرَّأْيِ ، وَيُحْكِمُ الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ؛ وَإِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إلَى هَذَا الْقَدْرِ فَيَقُولُ مَالِكٌ : إنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَعْنَاهَا يَعُودُ إلَى آيَةِ الْأَنْفَالِ وَيَلْحَقُهَا النَّسْخُ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِالْإِحْكَامِ ، وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُ إلَّا مَا قَسَّمْنَا وَبَيَّنَّا أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَهَا مَعْنًى مُجَدَّدٌ حَسْبَمَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمَعْنَى ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهَا مَا أَعْطَاكُمْ مِنْ الْفَيْءِ ، وَمَا مَنَعَكُمْ مِنْهُ فَلَا تَطْلُبُوهُ .
الثَّانِي : مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ الْغُلُولِ فَلَا تَأْتُوهُ .
الثَّالِثُ : مَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِي فَافْعَلُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِي فَاجْتَنِبُوهُ .
وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ لِعُمُومِهِ تَنَاوَلَ الْكُلَّ ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِيهِ مُرَادٌ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَقَعَ الْقَوْلُ هَاهُنَا مُطْلَقًا بِذَلِكَ ، وَقَيَّدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا أَمَرَ النَّبِيُّ بِأَمْرٍ كَانَ شَرْعًا ، وَإِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا وَلِذَلِكَ قَالَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ الَّذِي افْتَدَى مِنْ الْجَلْدِ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ : { أَمَّا غَنَمُك فَرَدٌّ عَلَيْك وَجَلْدُ ابْنِك مِائَةً وَتَغْرِيبُهُ عَامًا } .
وَتَرَدَّدَتْ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ عُظْمَى بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ وَهِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَ فِي عَقْدٍ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَازْدَحَمَ عَلَيْهِ صَحِيحٌ وَفَاسِدٌ ؛ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : لَا يَجُوزُ ، وَيُفْسَخُ بِكُلِّ حَالٍ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ؛ أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا ، وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَأَمَّا فِي الْأَحْبَاسِ وَالْهِبَاتِ فَيَحْتَمِلُ كَثِيرًا مِنْ الْجَهَالَةِ وَالْأَخْطَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِيهَا ، حَتَّى قَالَ أَصْبَغُ : إنَّ مَا لَا يَجُوزُ إذَا دَخَلَ فِي الصُّلْحِ مَعَ مَا يَجُوزُ مَضَى الْكُلُّ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَمْضِي إنْ طَالَ .
وَقَالَ سَائِرُ عُلَمَائِنَا : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَهُوَ كَالْبَيْعِ .
وَأَمَّا إنْ وَقَعَ النَّهْيُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : يُفْسَخُ أَبَدًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ ، فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ تَأْصِيلًا ، وَفِي فُرُوعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ تَفْصِيلًا بَنَيْنَاهُ عَلَى تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَالْمَعْنَى وَالرَّدِّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا فَسْخُ الْفَاسِدِ أَبَدًا حَيْثُمَا وَقَعَ ، وَكَيْفَمَا وُجِدَ ، فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا
لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ } وَإِنْ جَاءَ بِلَفْظِ الْإِيتَاءِ وَهِيَ الْمُنَاوَلَةُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } فَقَابَلَهُ بِالنَّهْيِ ، وَلَا يُقَابِلُ النَّهْيَ إلَّا الْأَمْرُ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى فَهْمِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ ، وَالْمُسْتَوْشِمَات ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ } .
فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ : إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ ؟ فَقَالَ : وَمَالِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَالَتْ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْت فِيهِ مَا تَقُولُ .
قَالَ : لَئِنْ كُنْت قَرَأْته لَقَدْ وَجَدْته ؛ أَمَا قَرَأْت : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } .
قَالَتْ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ الْخَلْقُ بِأَجْمَعِهِمْ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارَ الَّذِينَ آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ طُرِدَ ، وَنَصَرُوهُ حِينَ خُذِلَ ، فَلَا مِثْلَ لَهُمْ وَلَا لِأَجْرِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا وَهُوَ يَذْكُرُ فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْآفَاقِ فَقَالَ : إنَّ الْمَدِينَةَ تُبُوِّئَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ ، وَإِنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرَى اُفْتُتِحَتْ بِالسَّيْفِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ } الْآيَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى كُلِّ بُقْعَةٍ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ ، وَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ ، بَيْدَ أَنَّ الْقَارِئَ رُبَّمَا تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِنُكْتَةٍ كَافِيَةٍ فِي ذَلِكَ مُغْنِيَةٍ عَنْ التَّطْوِيلِ ، فَيُقَالُ لَهُ : إنْ أَرَدْت الْوُقُوفَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ فَاتْلُ مَنَاقِبَ مَكَّةَ إلَى آخِرِهَا ، فَإِذَا اسْتَوْفَيْتهَا قُلْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الصَّحِيحِ : { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَأَنَا أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ } ؛ فَقَدْ جَعَلَ حُرْمَةَ الْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ حُرْمَةِ مَكَّةَ .
وَقَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ : أُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْمُهَاجِرِينَ وَبِالْأَنْصَارِ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ .
وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } يَعْنِي لَا يَحْسُدُونَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى مَا خُصُّوا بِهِ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ كَذَا قَالَ النَّاسُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ : وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا إذَا كَانَ قَلِيلًا ؛ بَلْ يَقْنَعُونَ بِهِ ، وَيَرْضَوْنَ عَنْهُ .
وَقَدْ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ حِينَ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُنْيَا ، ثُمَّ كَانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَقَدْ أَنْذَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] وَقَالَ : { سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } : فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : نَوِّمِي الصِّبْيَةَ ، وَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَك ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } .
مُخْتَصَرٌ ، وَتَمَامُهُ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَصَابَنِي الْجَهْدُ ؛ فَأَرْسَلَ إلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا رَجُلٌ يُضَيِّفُهُ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَهَبَ إلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لَا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا .
فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا عِنْدِي سِوَى قُوتِ الصِّبْيَةِ .
قَالَ : فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ ، فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ أَوْ ضَحِكَ اللَّهُ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ ، وَأَنْزَلَ : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } } .
وَرُوِيَ { أَنَّ النَّضِيرَ لَمَّا اُفْتُتِحَتْ أَرْسَلَ إلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَ : جِئْنِي بِقَوْمِك .
قَالَ : الْخَزْرَجُ .
قَالَ : الْأَنْصَارُ ، فَدَعَاهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَاسَوْا الْمُهَاجِرِينَ بِدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : إنْ شِئْتُمْ أَشْرَكْتُكُمْ فِيهَا مَعَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَإِنْ شِئْتُمْ خَصَصْتُهُمْ بِهَا ، وَكَانَتْ لَكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَدِيَارُكُمْ ؛ فَقَالَ لَهُ السَّعْدَانِ : بَلْ نَخُصُّهُمْ بِهَا وَيَبْقَوْنَ عَلَى مُوَاسَاتِنَا
لَهُمْ ؛ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ } .
الْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ : { كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخَلَاتِ حَتَّى افْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْإِيثَارُ بِالنَّفْسِ فَوْقَ الْإِيثَارِ بِالْمَالِ ، وَإِنْ عَادَ إلَى النَّفْسِ وَمِنْ الْأَمْثَالِ السَّائِرَةِ : وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ وَمِنْ عِبَارَاتِ الصُّوفِيَّة فِي حَدِّ الْمَحَبَّةِ : إنَّهَا الْإِيثَارُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ لَمَا تَنَاهَتْ فِي حُبِّهَا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ آثَرَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا بِالتَّبْرِئَةِ ، فَقَالَتْ : { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ } .
وَأَفْضَلُ الْجُودُ بِالنَّفْسِ الْجُودُ عَلَى حِمَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ تَرَّسَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَلَّعُ فَيَرَى الْقَوْمَ ، فَيَقُولُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ : لَا تُشْرِفْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا يُصِيبُونَك ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِك .
وَوَقَى بِيَدِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُلَّتْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْإِيثَارُ هُوَ تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَى النَّفْسِ فِي حُظُوظِهَا الدُّنْيَوِيَّةِ رَغْبَةً فِي الْحُظُوظِ الدِّينِيَّةِ ، وَذَلِكَ يَنْشَأُ عَنْ قُوَّةِ النَّفْسِ ، وَوَكِيدِ الْمَحَبَّةِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَشَقَّةِ ؛ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُؤْثَرِينَ ؛ كَمَا رُوِيَ فِي الْآثَارِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَالَهُ وَمِنْ عُمَرَ نِصْفَ مَالِهِ ، وَرَدَّ أَبَا لُبَابَةَ وَكَعْبًا إلَى الثُّلُثِ ، لِقُصُورِهِمَا عَنْ دَرَجَتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؛ إذْ لَا خَيْرَ لَهُ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ ثُمَّ يَنْدَمَ ، فَيُحْبِطُ أَجْرَهُ نَدَمُهُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الشُّحِّ وَالْبُخْلِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُمَا مَعْنَيَانِ : فَالْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقُ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ، فَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا فَيُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ } .
وَالشُّحُّ : مَنْعُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ ؛ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ؛ فَذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ذَهَابِ الشُّحِّ ؛ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُفَسَّرُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَوْ مَعْنًى يُعَبَّرُ عَنْهُ بِحَرْفَيْنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ يُوضَعُ مَوْضِعَ صَاحِبِهِ جَمْعًا أَوْ فَرْقًا ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَمْ يَقُمْ هَاهُنَا دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّك رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَعْيِينِ هَؤُلَاءِ .
وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ غَيْرُ ذَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْقَبَائِلِ وَالْأُمَمِ وَمِنْ الصَّحَابَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ التَّابِعُونَ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَوَاهُ عَنْهُ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَشْهَبُ وَغَيْرُهُمَا ؛ قَالُوا : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ سَبَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْفَيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } .
=========================================21.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ : هَذِهِ نَازِلَةٌ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِيهَا قَدِيمًا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا افْتَتَحَ الْفُتُوحَ عَلَى عُمَرَ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَاسْتَحَقَّ بِكِتَابِ اللَّهِ الْغَنِيمَةَ ، فَسَأَلُوهُ الْقِسْمَةَ ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْهَا ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ ، حَتَّى دَعَا عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ .
فَمَا حَالَ الْحَوْلُ إلَّا وَقَدْ مَاتُوا .
وَقَالَ عُمَرُ : لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانَا مَا تَرَكْت قَرْيَةً اُفْتُتِحَتْ إلَّا قَسَمَتْهَا بَيْنَ أَهْلِهَا .
وَرَأَى الشَّافِعِيُّ الْقِسْمَةَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَرَأَى مَالِكٌ أَقْوَالًا أَمْثَلُهَا أَنْ يَجْتَهِدَ الْوَالِي فِيهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ قِسْمَةُ الْمَنْقُولِ وَإِبْقَاءُ الْعَقَارِ وَالْأَرْضِ سَهْلًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ ، إلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ الْوَالِي فَيُنْفِذَ أَمْرًا ، فَيَمْضِي عَمَلُهُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ عَلَيْهِ .
وَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَاضِيَةٌ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ الْفَيْءِ ، وَجَعَلَهُ لِثَلَاثِ طَوَائِفَ : الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ مَعْلُومُونَ ، { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } فَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ التَّابِعِينَ وَالْآتِينَ بَعْدَهُمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهَا بِبَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهَا .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْت أَنِّي رَأَيْت إخْوَانَنَا .
فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِك ، فَقَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ } .
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ
إخْوَانَهُمْ كُلُّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ .
وَهَذَا تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ فِي الْمُرَادِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .
الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الْمُرَادِ بِهَا ، فَقِيلَ : إنَّهُمْ الْيَهُودُ ، وَقِيلَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآيَاتِ مُبْتَدَأَةٌ بِذِكْرِهِمْ قَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } إلَى قَوْلِهِ : { الظَّالِمِينَ } .
وَعَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْيَهُودَ بِالنَّصْرِ ، وَضَمِنَ لَهُمْ أَنَّ بَقَاءَهُ بِبَقَائِهِمْ وَخُرُوجَهُ بِخُرُوجِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَلَا وَفَّى بِهِ ، بَلْ أَسْلَمَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ، فَكَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اُكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْك إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } فَغَرَّ أَوَّلًا ، وَكَذَبَ آخِرًا .
الثَّانِي : أَنَّ الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ وَاحِدَةً عَلَى مُعَادَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا فِئَةٌ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ .
وَالشَّتَّى : هِيَ الْمُتَفَرِّقَةُ قَالَ الشَّاعِرُ : إلَى اللَّهِ أَشْكُو نِيَّةً شَقَّتْ الْعَصَا هِيَ الْيَوْمُ شَتَّى وَهِيَ بِالْأَمْسِ جُمَّعُ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَعَلَّقَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَنْعِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى صُورَةِ التَّكْبِيرِ وَالْأَفْعَالِ ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي النِّيَّةِ .
وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ [ ذَلِكَ ] فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَيَشْمَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ ، وَيَنَالُهُ هَذَا الظَّاهِرُ .
وَهَذَا كَانَ يَكُونُ حَسَنًا ، بَيْدَ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِهِ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ ، وَالصُّورَةُ فِي اخْتِلَافِ النِّيَّةِ وَاتِّفَاقِ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، فَإِذَا خَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ عُمُومِ الْآيَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فِي الطَّاعَاتِ ، وَأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُنَافِقِينَ فِي الْإِذَايَةِ لِلدِّينِ وَمُعَادَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ } .
تَعَلَّقَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الْقِصَاصِ لِأَجْلِ عُمُومِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ ، وَحَقَّقْنَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي التَّعَلُّقِ بِمِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ التَّعْمِيمِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا عَقَبَ الْآيَةَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ } يَعْنِي وَأَصْحَابُ النَّارِ هُمْ الْهَالِكُونَ ؛ فَفِي هَذَا الْقَدْرِ انْتَفَتْ التَّسْوِيَةُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : خُصُوصُ آخِرِهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ عُمُومِ أَوَّلِهَا ، وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ هُنَالِكَ .
سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ فِيهَا سَبْع آيَات الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } .
فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ فِي الْبُخَارِيِّ { أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَكَانَ عُثْمَانِيًّا قَالَ لِابْنِ عَطِيَّةَ وَكَانَ عَلَوِيًّا : قَدْ عَلِمْت مَا جَرَّأَ صَاحِبَك عَلَى الدِّمَاءِ ، سَمِعْته يَقُولُ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالزُّبَيْرَ فَقَالَ : ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ وَتَجِدُونَ بِهَا امْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِبٌ كِتَابًا ، فَأَتَيْنَا الرَّوْضَةَ ، فَقُلْنَا : الْكِتَابَ ؟ فَقَالَتْ : لَمْ يُعْطِنِي شَيْئًا ، فَقُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ .
فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ حُجْزَتِهَا ، أَوْ قَالَ : مِنْ عِقَاصِهَا .
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلَى حَاطِبٍ فَقَالَ : لَا تَعْجَلْ ، فَوَاَللَّهِ مَا كَفَرْت وَمَا ازْدَدْت لِلْإِسْلَامِ إلَّا حُبًّا ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِك إلَّا وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ ، فَأَحْبَبْت أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا ، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ .
فَقَالَ لَهُ : مَا يُدْرِيك ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ } .
فَهَذَا الَّذِي جَرَّأَهُ وَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ } الْآيَةَ ، إلَى : { غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ } : قَدْ بَيَّنَّا الْعَدَاوَةَ وَالْوِلَايَةَ وَأَنَّ مَآلَهُمَا إلَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } يَعْنِي فِي الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ قَلْبَ حَاطِبٍ كَانَ سَلِيمًا بِالتَّوْحِيدِ ، بِدَلِيلِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ صَدَقَ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي سَلَامَةِ فُؤَادِهِ وَخُلُوصِ اعْتِقَادِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَنْ كَثُرَ تَطَلُّعُهُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِمْ ، وَيُعَرِّفُ عَدُوَّهُمْ بِأَخْبَارِهِمْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كَافِرًا إذَا كَانَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ ، وَاعْتِقَادُهُ عَلَى ذَلِكَ سَلِيمٌ ، كَمَا فَعَلَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ قَصَدَ بِذَلِكَ اتِّخَاذَ الْيَدِ وَلَمْ يَنْوِ الرِّدَّةَ عَنْ الدِّينِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إذَا قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَكُونُ بِهِ كَافِرًا [ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ ] فَهَلْ يُقْتَلُ بِهِ حَدًّا أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ : يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ .
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إذَا كَانَتْ تِلْكَ عَادَتَهُ قُتِلَ لِأَنَّهُ جَاسُوسٌ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ الْجَاسُوسُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ هَلْ يُقْتَلُ كَمَا قَالَ عُمَرُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَحْدَهُ ، وَيَبْقَى قَتْلُ غَيْرِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا ، فَهَمَّ عُمَرُ بِهِ بِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا بِالْعِلَّةِ الَّتِي خَصَّصَهَا بِحَاطِبٍ .
قُلْنَا : إنَّمَا قَالَ عُمَرُ : إنَّهُ يُقْتَلُ لِعِلَّةِ أَنَّهُ مُنَافِقٌ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ فَإِنَّمَا يُوجِبُ عُمَرُ قَتْلَ مَنْ نَافَقَ ، وَنَحْنُ لَا نَتَحَقَّقُ نِفَاقَ فَاعِلِ مِثْلِ هَذَا ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَافَقَ ، وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ إيمَانِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : يَا حَاطِبُ ؛ أَنْتَ كَتَبْت الْكِتَابَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ ، وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فَلَمْ يَكْذِبْ } ، وَصَارَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ ابْتِدَاءً ، وَقَالَ : أَرَدْت بِهِ كَذَا وَكَذَا لِلنِّيَّةِ الْبَعِيدَةِ الصِّدْقِ ، وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَادَّعَى فِيهِ النِّيَّةَ الْبَعِيدَةَ لَمْ يُقْبَلْ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْجَارُودِ سَيِّدَ رَبِيعَةَ أَخَذَ دِرْبَاسًا وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ الْمُشْرِكِينَ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمْ ، فَصَلَبَهُ فَصَاحَ يَا
عُمَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَرْسَلَ عُمَرُ إلَيْهِ ، فَلَمَّا جَاءَ أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَعَلَا بِهَا لِحْيَتَهُ ، وَقَالَ : لَبَّيْكَ يَا دِرْبَاسُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ : لَا تَعْجَلْ ؛ إنَّهُ كَاتَبَ الْعَدُوَّ ، وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : قَتَلْته عَلَى الْهَمِّ ، وَأَيُّنَا لَا يَهُمُّ .
فَلَمْ يَرَهُ عُمَرُ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ ، وَلَكِنَّهُ أَنْفَذَ اجْتِهَادَ ابْنِ الْجَارُودِ فِيهِ ، لِمَا رَأَى مِنْ خُرُوجِ حَاطِبٍ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ كُلِّهِ .
وَلَعَلَّ ابْنَ الْجَارُودِ إنَّمَا أَخَذَ بِالتَّكْرَارِ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ حَاطِبًا أُخِذَ فِي أَوَّلِ فِعْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ كَافِرًا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ .
وَقَالَ أَصْبَغُ : الْجَاسُوسُ الْحَرْبِيُّ يُقْتَلُ ، وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُعَاقَبَانِ إلَّا أَنْ يَتَعَاهَدَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيُقْتَلَانِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { أَتَى بِعَيْنٍ لِلْمُشْرِكِينَ اسْمُهُ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ ، فَصَاحَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؛ أُقْتَلُ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ مِنْكُمْ مَنْ أَكِلُهُ إلَى إيمَانِهِ ، وَمِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ تَوَدَّدَ حَاطِبٌ إلَى الْكُفَّارِ لِيَجْلُبَ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَعْقِدْ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ .
وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ يَشْكُو حَاطِبًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك ، لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَذَبْت ؛ لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فِعْلِهِ ، وَهَذَا يُصَحِّحُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ عَنْهُمْ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } يَعْنِي فِي بَرَاءَتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ ، وَمُبَاعَدَتِهِمْ لَهُمْ ، وَمُنَابَذَتِهِمْ عَنْهُمْ ، وَأَنْتُمْ بِمُحَمَّدٍ أَحَقُّ بِهَذَا الْفِعْلِ مِنْ قَوْمِ إبْرَاهِيمَ بِإِبْرَاهِيمَ { إلَّا قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَك } فَلَيْسَ فِيهِ أُسْوَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ حُكْمَهُ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٍ " .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَقَاءِ حُكْمِهَا أَوْ نَسْخِهِ : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ؛ ثُمَّ نُسِخَ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بَاقٍ ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ خُزَاعَةُ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ .
الثَّانِي : مَا رَوَاهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قُتَيْلَةَ أُمَّ أَسْمَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَادَنَ فِيهَا كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، وَأَهْدَتْ إلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قُرْطًا ، فَكَرِهَتْ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهَا ، حَتَّى أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ } .
وَاَلَّذِي صَحَّ فِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ رِوَايَةِ الصَّحِيحِ فِيهِ مِنْ قَبْلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ } أَيْ تُعْطُوهُمْ قِسْطًا مِنْ أَمْوَالِكُمْ [ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ ] ، وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ مِنْ الْعَدْلِ ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ فِيمَنْ قَاتَلَ وَفِيمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَبِيهِ الْكَافِرِ ، وَهَذِهِ وَهْلَةٌ عَظِيمَةٌ ؛ فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الشَّيْءِ أَوْ تَرْكِ النَّهْيِ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ ، إنَّمَا يُعْطِيك الْإِبَاحَةَ خَاصَّةً .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ دَخَلَ عَلَيْهِ ذِمِّيٌّ فَأَكْرَمَهُ ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَيْهِمْ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَالَحَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَ فِيهِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى الْمُسْلِمِينَ رُدَّ إلَيْهِمْ ، وَمَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُرَدَّ ؛ وَتَمَّ الْعَهْدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عُتْبَةَ بْنَ أُسَيْدِ بْنَ حَارِثَةَ الثَّقَفِيَّ حِينَ قَدِمَ ، وَقَدِمَ أَيْضًا نِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ مِنْهُنَّ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَسُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ ، وَغَيْرُهُمَا ، فَجَاءَ الْأَوْلِيَاءُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ رَدَّهُنَّ عَلَى الشَّرْطِ ، وَاسْتَدْعَوْا مِنْهُ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا الشَّرْطُ فِي الرِّجَالِ لَا فِي النِّسَاءِ } ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبَضَ أَلْسِنَتَهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا : غَدَرَ مُحَمَّدٌ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ ، وَذَلِكَ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { فَامْتَحِنُوهُنَّ } : اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الِامْتِحَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْيَمِينُ رَوَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْأَسَدِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُبَيْعَةَ وَكَانَ زَوْجُهَا صَيْفِيَّ بْنَ السَّائِبِ : بِاَللَّهِ مَا أَخْرَجَك مِنْ قَوْمِك ضَرْبٌ وَلَا كَرَاهِيَةٌ لِزَوْجِك ، وَلَا أَخْرَجَك إلَّا حِرْصٌ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَرَغْبَةٌ فِيهِ ، لَا تُرِيدِينَ غَيْرَهُ } .
الثَّانِي : وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْتَحِنُ النِّسَاءَ بِهَذِهِ الْآيَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ تُرِدْ النِّسَاءُ وَإِنْ دَخَلْنَ فِي عُمُومِ الشَّرْطِ ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لِرِقَّتِهِنَّ وَضَعْفِهِنَّ .
الثَّانِي : لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } وَالْمَعْنَيَانِ صَحِيحَانِ .
وَيَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ الْحُكْمُ بِعِلَّتَيْنِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ خُرُوجُ النِّسَاءِ مِنْ عَهْدِ الرَّدِّ كَانَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ لَا نَاسِخًا لِلْعَهْدِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْغَافِلِينَ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الَّذِي أَوْجَبَ فُرْقَةَ الْمُسْلِمَةِ مِنْ زَوْجِهَا [ هُوَ إسْلَامُهَا لَا ] هِجْرَتُهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهُوَ التَّلْخِيصُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هُوَ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ ، وَإِلَيْهِ إشَارَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ، بَلْ عِبَارَةٌ قَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ .
وَالْعُمْدَةُ فِيهِ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَالَ : { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } فَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ عَدَمُ الْحِلِّ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَيْسَ اخْتِلَافَ الدَّارَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إذَا أُمْسِكَتْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ أَنْ تَرُدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَ ، وَذَلِكَ مِنْ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَهْلِهِ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ الْمَالُ ، حَتَّى لَا يَقَعَ عَلَيْهِمْ خُسْرَانٌ مِنْ الْوَجْهَيْنِ : الزَّوْجَةِ ، وَالْمَالِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِرَدِّ مَا أَنْفَقُوا إلَى الْأَزْوَاجِ وَكَانَ الْمُخَاطَبُ بِهَذَا الْإِمَامَ يُنَفِّذُ ذَلِكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مَصْرِفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ رَفَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ فِي نِكَاحِهَا بِشَرْطِ الصَّدَاقِ ، وَسَمَّى ذَلِكَ أَجْرًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ مَاءِ الْكَافِرِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ ؛ وَالِاسْتِبْرَاءُ هَا هُنَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَهِيَ الْعِدَّةُ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
ثُمَّ قَالَ وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } يَعْنِي إذْ أَسْلَمْنَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ ؛ فَعَادَ جَوَازُ النِّكَاحِ إلَى حَالَةِ الْإِيمَانِ ضَرُورَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } : هَذَا بَيَانٌ لِامْتِنَاعِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْكَوَافِرِ .
وَهُوَ تَفْسِيرُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ .
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ مُشْرِكَةٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا .
وَقَدْ كَانَ الْكُفَّارُ يَتَزَوَّجُونَ الْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُسْلِمُونَ يَتَزَوَّجُونَ الْمُشْرِكَاتِ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا .
وَكَانَ ذَلِكَ نَسْخَ الْإِقْرَارِ عَلَى الْأَفْعَالِ بِالْأَقْوَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَئِذٍ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أُمَيَّةَ ، وَابْنَةَ جَرْوَلٍ الْخُزَيْمِيِّ ؛ فَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ جَرْوَلٍ أَبُو جَهْمٍ .
فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِمُعَاوِيَةَ : طَلِّقْ قُرَيْبَةَ لِئَلَّا يَرَى عُمَرُ سَلَبَهُ فِي بَيْتِك ، فَأَبَى مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا } : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كُلُّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ مُرْتَدَّاتٍ [ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ ] إلَى الْكُفَّارِ يُقَالُ لِلْكُفَّارِ : هَاتُوا مَهْرَهَا وَيُقَالُ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا جَاءَ أَحَدٌ مِنْ الْكَافِرَاتِ مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً : رُدُّوا إلَى الْكُفَّارِ مَهْرَهَا وَكَانَ ذَلِكَ نَصْفًا وَعَدْلًا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ ، وَكَانَ هَذَا حُكْمَ اللَّهِ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ الزَّمَانِ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ خَاصَّةً بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ أَمَّا عَقْدُ الْهُدْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَجَائِزٌ عَلَى مَا مَضَى مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِمُدَّةٍ وَمُطْلَقًا إلَيْهِمْ لِغَيْرِ مُدَّةٍ .
فَأَمَّا عَقْدُهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ أَسْلَمَ إلَيْهِمْ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا جَوَّزَهُ اللَّهُ لَهُ لِمَا عَلِمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ ، وَقَضَى فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَأَظْهَرَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَحَمِيدِ الْأَثَرِ فِي الْإِسْلَامِ مَا حَمَلَ الْكُفَّارَ عَلَى الرِّضَا بِإِسْقَاطِهِ ، وَالشَّفَاعَةِ فِي حَطِّهِ ؛ فَفِي الصَّحِيحِ : { لَمَّا كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى قَصْرِ الْمُدَّةِ ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ ، فَدَفَعَهُ إلَى الرَّجُلَيْنِ ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ ، فَقَتَلَ أَبُو بَصِيرٍ أَحَدَهُمَا ، وَفَرَّ الْآخَرُ ، حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَك ، ثُمَّ أَنْجَانِي مِنْهُمْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ : وَتَفَلَّتَ مِنْهُمْ أَبُو جُنْدُبِ بْنُ سُهَيْلٍ ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، وَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ ، فَوَاَللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلَى الشَّامِ إلَّا اعْتَرَضُوهُمْ فَقَتَلُوهُمْ ، وَأَخَذُوا بِأَمْوَالِهِمْ .
فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْشُدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ إلَّا أَرْسَلَ
إلَيْهِمْ ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ .
فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } الْآيَةَ إلَى { حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } } ؛ فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِانْقِيَادِ إلَيْهِمْ عَنْ هَوَانٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَنْ حِكْمَةٍ حَسُنَ مَآلُهَا ، كَمَا سُقْنَاهُ آنِفًا مِنْ الرِّوَايَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْمَعْنَى إنْ ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَرُدَّ الْكُفَّارُ صَدَاقَهَا إلَى زَوْجِهَا كَمَا أُمِرُوا فَرُدُّوا أَنْتُمْ إلَى زَوْجِهَا مِثْلَ مَا أَنْفَقَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَعَاقَبْتُمْ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْمُعَاقَبَةُ الْمُنَاقَلَةُ عَلَى تَصْيِيرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّيْئَيْنِ مَكَانَ الْآخَرِ عَقِيبَ ذَهَابِ عَيْنِهِ ، فَأَرَادَ : فَعَوَّضْتُمْ مَكَانَ الذَّاهِبِ لَهُمْ عِوَضًا ، أَوْ عَوَّضُوكُمْ مَكَانَ الذَّاهِبِ لَكُمْ عِوَضًا ، فَلْيَكُنْ مِنْ مِثْلِ الَّذِي خَرَجَ عَنْكُمْ أَوْ عَنْهُمْ عِوَضًا مِنْ الْفَائِتِ لَكُمْ أَوْ لَهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي مَحَلِّ الْعَاقِبَةِ : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا مِنْ الْفَيْءِ ؛ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الثَّانِي : مِنْ مَهْرٍ إنْ وَجَبَ لِلْكُفَّارِ فِي زَوْجِ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَذْهَبِ اقْتِصَاصِ الرَّجُلِ مِنْ مَالِ خَصْمِهِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ دُونَ أَذِيَّةٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُرَدُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ .
وَفِي كَيْفِيَّةِ رَدِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُخْرَجُ الْمَهْرُ وَالْخُمُسُ ثُمَّ تَقَعُ الْقِسْمَةُ ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ إنْ صَحَّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ الْخُمُسِ ، وَهُوَ أَيْضًا مَنْسُوخٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَلَّا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَلَّا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا } الْآيَةَ .
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْتَحِنُ إلَّا بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ : { إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك } الْآيَةَ } .
قَالَ مَعْمَرٌ : فَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ إلَّا امْرَأَةٍ يَمْلِكُهَا .
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ : { مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ وَقَالَ : إنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ، إنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَافَحَهُنَّ عَلَى ثَوْبِهِ .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صَافَحَهُنَّ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ كَلَّفَ امْرَأَةً وَقَفَتْ عَلَى الصَّفَا فَبَايَعَتْهُنَّ .
وَذَلِكَ ضَعِيفٌ ؛ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ : { كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تُبَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا أَيُّهَا النِّسَاءُ ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُنَّ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ } ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَةَ الرَّجُلِ فِي الدِّينِ كَبَيْعَةِ
النِّسَاءِ إلَّا فِي الْمَسِيسِ بِالْيَدِ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { شَهِدْت الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ ، فَقَرَأَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك عَلَى أَلَّا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا } الْآيَةَ كُلَّهَا ، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ : أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
لَا يَدْرِي الْحَسَنُ مَنْ هِيَ .
قَالَ : فَتَصَدَّقْنَ وَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ } يَعْنِي بِالْوَأْدِ وَالِاسْتِتَارِ عَنْ الْعَمْدِ إذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ رِشْدَةٍ ؛ فَإِنَّ رَمْيَهُ كَقَتْلِهِ ، وَلَكِنَّهُ إنْ عَاشَ كَانَ إثْمُهَا أَخَفَّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } : قِيلَ فِي أَيْدِيهِنَّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا الْمَسْأَلَةُ .
الثَّانِي : أَكْلُ الْحَرَامِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { وَأَرْجُلِهِنَّ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ الْكَذِبُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الثَّانِي : هُوَ إلْحَاقُ وَلَدٍ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ { وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ } : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ النِّيَاحَةُ .
الثَّانِي : أَلَّا يُحَدِّثْنَ الرِّجَالَ .
الثَّالِثُ : أَلَّا يَخْمُشْنَ وَجْهًا ، وَلَا يَشْقُقْنَ جَيْبًا ، وَلَا يَرْفَعْنَ صَوْتًا ، وَلَا يَرْمِينَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ نَقْعًا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي تَنْخِيلِ هَذِهِ الْمَعَانِي : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ { بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ } يَعْنِي الْمَسْأَلَةَ فَهُوَ تَجَاوُزٌ كَبِيرٌ ؛ فَإِنَّ أَصْلَهَا اللِّسَانُ وَآخِرَهَا أَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا فِي الْيَدِ .
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَكْلُ الْحَرَامِ أَقْرَبُ ، وَكَأَنَّهُ عَكْسُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ يَتَنَاوَلُهُ بِيَدِهِ فَيَحْمِلُهُ إلَى لِسَانِهِ ، وَالْمَسْأَلَةُ يَبْدَؤُهَا بِلِسَانِهِ وَيَحْمِلُهَا إلَى يَدِهِ ، وَيَرُدُّهَا إلَى لِسَانِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ كِنَايَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ، فَهُوَ أَصْلٌ فِي الْمَجَازِ حَسَنٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ } فَهُوَ نَصٌّ فِي إيجَابِ الطَّاعَةِ ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ ، إمَّا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى عَلَى اخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّينَ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا [ مَعْنَى ] تَخْصِيصِ قَوْلِهِ : { فِي مَعْرُوفٍ } وَقُوَّةُ قَوْلِهِ : { لَا يَعْصِينَك } يُعْطِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ فِي وَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمَعْنَى عَلَى التَّأْكِيدِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قَالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ } لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ " اُحْكُمْ " لَكَفَى .
الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا شَرَطَ الْمَعْرُوفَ فِي بَيْعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَأَلْزَمُ لَهُ ، وَأَنْفَى لِلْإِشْكَالِ فِيهِ .
وَفِي الْآثَارِ { : لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا بَايَعَ النِّسَاءَ عَلَى هَذَا قَالَ لَهُنَّ : فِيمَا أَطَقْتُنَّ فَيَقُلْنَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا } .
وَهَذَا بَيَانٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَقِيقَةِ الْحَالِ ؛ فَإِنَّ الطَّاقَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، مَرْفُوعٌ عَنْ الْمُكَلَّفِينَ مَا نَافَ عَلَيْهَا ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ فِي الصَّحِيحِ قَالَتْ : { بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْنَا : أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ ، فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ عَلَى يَدِهَا وَقَالَتْ : أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا .
فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَانْطَلَقَتْ فَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا } ، فَيَكُونُ هَذَا تَفْسِيرَ قَوْلِهِ : { بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } ؛ وَذَلِكَ تَخْمِيشُ وُجُوهٍ ، وَشَقُّ جُيُوبٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَمَشَ الْوُجُوهَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ } .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَازَ أَنْ تُسْتَثْنَى مَعْصِيَةٌ ، وَتَبْقَى عَلَى الْوَفَاءِ بِهَا ، وَيُقِرُّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْكَافِي ، مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْهَلَهَا حَتَّى تَسِيرَ إلَى صَاحِبَتِهَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تَرْجِعُ سَرِيعًا عَنْهُ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ شَرَطَ أَلَّا يَخِرَّ إلَّا قَائِمًا ، فَقِيلَ فِي أَحَدِ تَأْوِيلَيْهِ : إنَّهُ لَا يَرْكَعُ ، فَأَمْهَلَهُ حَتَّى آمَنَ ، فَرَضِيَ بِالرُّكُوعِ .
وَقِيلَ : أَرَادَتْ أَنْ تَبْكِيَ مَعَهَا بِالْمُقَابَلَةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ النَّوْحِ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ فِي صِفَةِ أَرْكَانِ الْبَيْعَةِ عَلَى أَلَّا يُشْرِكْنَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَى آخِرِ الْخِصَالِ السِّتِّ .
صَرَّحَ فِيهِنَّ بِأَرْكَانِ النَّهْيِ فِي الدِّينِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَرْكَانَ الْأَمْرِ ؛ وَهِيَ الشَّهَادَةُ ، وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ ، وَالِاغْتِسَالُ مِنْ الْجَنَابَةِ ؛ وَهِيَ سِتَّةٌ فِي الْأَمْرِ فِي الدِّينِ وَكِيدَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي قِصَّةِ جِبْرِيلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي اعْتِمَادِهِ الْإِعْلَامَ بِالْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ حُكْمَانِ اثْنَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ دَائِمٌ ، وَالْأَمْرُ يَأْتِي فِي الْفَتَرَاتِ ؛ فَكَانَ التَّنْبِيهُ عَلَى اشْتِرَاطِ الدَّائِمِ أَوْكَدَ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْمَنَاهِيَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ كَثِيرٌ مَنْ يَرْتَكِبُهَا ، وَلَا يَحْجِزُهُنَّ عَنْهَا شَرَفُ الْحَسَبِ ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ { أَنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ ، فَأَهَمَّ قُرَيْشًا أَمْرُهَا ، وَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أُسَامَةُ ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
فَخَصَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ لِهَذَا ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ : { آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ؛ آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالنَّقِيرِ ، وَالْمُزَفَّتِ } ، فَنَبَّهَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَادَتَهُمْ .
وَإِذَا تَرَكَ الْمَرْءُ شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَعَاصِي هَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ سِوَاهَا مِمَّا لَا شَهْوَةَ لَهُ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُنَّ فِي الْبَيْعَةِ : أَلَّا يَسْرِقْنَ قَالَتْ هِنْدُ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي ؟ فَقَالَ : لَا ، إلَّا بِالْمَعْرُوفِ } ؛ فَخَشِيَتْ هِنْدُ أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى مَا يُعْطِيهَا أَبُو سُفْيَانَ فَتَضِيعَ أَوْ تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَتَكُونَ سَارِقَةً نَاكِثَةً لِلْبَيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْك فِيمَا أَخَذْت بِالْمَعْرُوفِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ اسْتِطَالَةٍ إلَى أَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَةِ .
وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يَخْزُنُهُ عَنْهَا فِي حِجَابٍ ، وَلَا يَضْبِطُ عَلَيْهَا بِقُفْلٍ ، فَإِنَّهَا إذَا هَتَكَتْهُ الزَّوْجَةُ ، وَأَخَذَتْ مِنْهُ كَانَتْ سَارِقَةً ، تَعْصِي بِهَا ، وَتُقْطَعُ عَلَيْهِ يَدُهَا حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ فِي صِفَةِ الْبَيْعَةِ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مَنْقُولَةً وَهِيَ الْيَوْمَ مَكْتُوبَةٌ ؛ إذْ كَانَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُكْتَبُ إلَّا الْقُرْآنُ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السُّنَّةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُكَتِّبُ أَصْحَابَهُ وَلَا يَجْمَعُهُمْ لَهُ دِيوَانٌ حَافِظٌ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا : { اُكْتُبُوا لِي مَنْ يَلْفِظُ بِالْإِسْلَامِ لِأَمْرٍ عَرَضَ لَهُ } .
فَأَمَّا الْيَوْمَ فَيُكْتَبُ إسْلَامُ الْكَفَرَةِ ، كَمَا يُكْتَبُ سَائِرُ مَعَالِمِ الدِّينِ الْمُهِمَّةِ وَالتَّوَابِعِ مِنْهَا لِضَرُورَةِ حِفْظِهَا حِينَ فَسَدَ النَّاسُ وَخَفَّتْ أَمَانَتُهُمْ ، وَمَرَجَ أَمْرُهُمْ ، وَنُسْخَةُ مَا يُكْتَبُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : لِلَّهِ أَسْلَمَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ أَرْضِ كَذَا ، وَآمَنَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ لَهُ بِشَهَادَةِ الصِّدْقِ ، وَأَقَرَّ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ .
وَالْتَزَمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِأَرْكَانِهَا وَأَوْصَافِهَا ، وَأَدَّى الزَّكَاةَ بِشُرُوطِهَا ، وَصَوْمَ رَمَضَانَ ، وَالْحَجَّ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، إذَا اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ، وَيَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَيَتَوَضَّأُ مِنْ الْحَدَثِ ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا قُلْت : وَإِنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا قُلْت : وَإِنَّ الْعُزَيْرَ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ صَابِئًا قُلْت : وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ عَبِيدُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ الْكِرَامُ وَكُتَّابُهُ الْبَرَرَةُ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ .
وَإِنْ كَانَ هِنْدِيًّا قُلْت : [ وَإِنَّ ] مَانِي بَاطِلٌ مَحْضٌ ، وَبُهْتَانٌ صِرْفٌ
، وَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ مُزَوَّرٌ .
وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبٍ مِنْ الْكُفْرِ اعْتَمَدْته بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ بِالذِّكْرِ .
وَتَقُولُ بَعْدَهُ : سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ، { إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } .
تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبَّرَهُ تَكْبِيرًا .
وَالْتَزَمَ أَلَّا يَقْتُلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا يَسْرِقُ ، وَلَا يَزْنِي ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالزُّورِ ، وَيَكُونُ مَعَ إخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ كَأَحَدِهِمْ ، وَلَا يُسْلِمُهُمْ وَلَا يُسْلِمُونَهُ ، وَلَا يَظْلِمُهُمْ وَلَا يَظْلِمُونَهُ ، وَعَلِمَ أَنَّ لِلدِّينِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَنًا ، فَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى أَنْ يَلْتَزِمَ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهَا عَلَى نَعْتِهَا بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَسَنَنٍ قَوِيمٍ وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى مَا شَاءَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَشَهِدَ أَنَّهُ { مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } شَهِدَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ صَحِيحُ الْعَقْلِ فِي شَهْرِ كَذَا .
وَقَدْ أَدْرَكَ التَّقْصِيرَ جُمْلَةٌ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ ، وَكَتَبُوا مَعَالِمَ الْأَمْرِ دُونَ وَظَائِفِ النَّهْيِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَذْكُرُ فِي بَيْعَتِهِ الْوَجْهَيْنِ ، أَوْ يُغَلِّبُ ذِكْرَ وَظَائِفِ النَّهْيِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ .
وَكَتَبُوا أَنَّهُ أَسْلَمَ طَوْعًا ، وَكَتَبُوا : وَكَانَ إسْلَامُهُ عَلَى يَدَيْ فُلَانٍ ، وَكَتَبُوا أَنَّهُ اغْتَسَلَ وَصَلَّى .
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ : وَكَانَ إسْلَامُهُ طَوْعًا فَبَاطِلٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ مُكْرَهًا لَصَحَّ إسْلَامُهُ وَلَزِمَهُ ، وَقُتِلَ بِالرِّدَّةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ
: { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ؛ وَالْكُفَّارُ إنَّمَا يُقَاتَلُونَ قَسْرًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُسْتَخْرَجُ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ .
وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِ الْأَسْرَى أَوْ مُفَادَاتِهِمْ بِالْخَمْسَةِ الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهِمْ ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ حُكْمُ السَّيْفِ عَنْهُ .
وَفِي الصَّحِيحِ : { عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ بِالسَّلَاسِلِ } .
وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ لَوْ جَنَى جِنَايَةً فَخَافَ مِنْ مُوجَبِهَا الْقَتْلَ وَالضَّرْبَ فَأَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الضَّرْبُ وَالْقَتْلُ ، وَكَانَ إسْلَامُهُ كُرْهًا ، وَحُكِمَ بِصِحَّتِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ الْمُسْقِطُ لِلْإِسْلَامِ إذَا كَانَ ظُلْمًا وَبَاطِلًا ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لِلذِّمِّيِّ [ ابْتِدَاءً ] مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ وَلَا سَبَبٍ : أَسْلِمْ ، وَإِلَّا قَتَلْتُك ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ ؛ فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ عِنْدَ أَمْنِهِ مِمَّا خَافَ مِنْهُ .
وَإِذَا ادَّعَى الذِّمِّيُّ أَنَّهُ أُكْرِهَ بِالْبَاطِلِ لَزِمَهُ إثْبَاتُ ذَلِكَ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الطَّوَاعِيَةِ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ فِي كُلِّ كَافِرٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : كَانَ إسْلَامُهُ عَلَى يَدِ فُلَانٍ فَأَنَّى عَلَّقُوهَا ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فِي كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي شُرُوطِهِمْ لِعِلَّةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الرَّجُلَ إذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَنَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : اغْتَسَلَ وَصَلَّى ، فَلَيْسَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ الْمَكْتُوبِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ صَلَاةٍ ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَلَا وُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ .
وَأَمَّا إذَا كَانَ وَقْتَ صَلَاةٍ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَيَفْعَلُهُمَا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الصَّفِّ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى أَبُو مُوسَى فِي الصَّحِيحِ أَنَّ سُورَةً كَانَتْ عَلَى قَدْرِهَا ، أَوَّلُهَا : سَبَّحَ لِلَّهِ ، كَانَ فِيهَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } سَتُكْتَبُ شَهَادَةٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ ثَابِتٌ فِي الدِّينِ .
أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ } فَثَابِتٌ فِي الدِّينِ لَفْظًا وَمَعْنًى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا تَلَوْنَاهُ آنِفًا فِيهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : [ فَتُكْتَبُ ] شَهَادَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَعْنًى ثَابِتٌ فِي الدِّينِ [ لَفْظًا وَمَعْنًى ] ؛ فَإِنَّ مَنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَزِمَهُ شَرْعًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْمُلْتَزَمُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا النَّذْرُ ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ : نَذْرِ تَقَرُّبٍ مُبْتَدَأً ؛ كَقَوْلِهِ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ وَصَلَاةٌ وَصَدَقَةٌ ، وَنَحْوُهُ مِنْ الْقُرَبِ ؛ فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا .
وَنَذْرِ مُبَاحٍ ؛ وَهُوَ مَا عُلِّقَ بِشَرْطِ رَغْبَةٍ [ كَقَوْلِهِ : إنْ قَدِمَ غَائِبِي فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ ، أَوْ عُلِّقَ بِشَرْطِ رَهْبَةٍ ] ، كَقَوْلِهِ : إنْ كَفَانِي اللَّهُ شَرَّ كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ : إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ .
وَعُمُومُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّهَا بِمُطْلَقِهَا تَتَضَمَّنُ ذَمَّ مَنْ قَالَ مَا لَا يَفْعَلُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، مِنْ مُطْلَقٍ ، أَوْ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ .
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُهُ : إنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا الْقَصْدُ مِنْهُ الْقُرْبَةُ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبَةِ .
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْقُرْبَةِ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْبَةَ ،
وَإِنَّمَا قَصَدَ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنْ فِعْلٍ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلٍ .
قُلْنَا : الْقُرَبُ الشَّرْعِيَّةُ مُقْتَضَيَاتٌ وَكُلَفٌ وَإِنْ كَانَتْ قُرُبَاتٍ .
وَهَذَا تَكَلَّفَ فِي الْتِزَامِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ مَشَقَّةً لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ سُنَنِ التَّكْلِيفِ ، وَلَا زَالَ عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ مِنْهُ وَعْدًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَنُوطًا بِسَبَبٍ ؛ كَقَوْلِهِ : إنْ تَزَوَّجْتَ أَعَنْتُك بِدِينَارٍ ، أَوْ ابْتَعْت حَاجَةَ كَذَا أَعْطَيْتُك كَذَا ؛ فَهَذَا لَازِمٌ إجْمَاعًا مِنْ الْفُقَهَاءِ .
وَإِنْ كَانَ وَعْدًا مُجَرَّدًا فَقِيلَ : يَلْزَمُ بِمُطْلَقِهِ ؛ وَتَعَلَّقُوا بِسَبَبِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلَ أَوْ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ .
وَهُوَ حَدِيثٌ لَا بَأْسَ بِهِ .
وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : لَا أَزَالُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْوَعْدَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا لِعُذْرٍ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : ( مَرْصُوصٌ ) ، أَيْ مُحْكَمٌ ثَابِتٌ ، كَأَنَّهُ عُقِدَ بِالرَّصَاصِ ، وَكَثِيرًا مَا تُعْقَدُ بِهِ الْأَبْنِيَةُ الْقَدِيمَةُ ، عَايَنَتْ مِنْهَا بِمِحْرَابِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ .
وَيُقَالُ : حَدِيثٌ مَرْسُوسٌ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ سِيقَ سِيَاقَةً مُحْكَمَةً مُرَتَّبَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ إرَادَةُ الثَّوَابِ لِلْعَبْدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي إحْكَامِ الصُّفُوفِ جَمَالٌ لِلصَّلَاةِ ، وَحِكَايَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ ، وَهَيْئَةٌ لِلْقِتَالِ ، وَمَنْفَعَةٌ فِي أَنْ تُحْمَلَ الصُّفُوفُ عَلَى الْعَدُوِّ كَذَلِكَ .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ الصَّفِّ فَلَا يَكُونُ إلَّا لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ ، أَوْ فِي رِسَالَةٍ يُرْسِلُهَا الْإِمَامُ ، وَمَنْفَعَةٍ تَظْهَرُ فِي الْمَقَامِ ، كَفُرْصَةٍ تُنْتَهَزُ وَلَا خِلَافَ فِيهَا ، أَوْ بِتَظَاهُرٍ عَلَى التَّبَرُّزِ لِلْمُبَارَزَةِ .
وَفِي الْخُرُوجِ عَنْ الصَّفِّ لِلْمُبَارَزَةِ خِلَافٌ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ ، وَطَلَبًا لِلشَّهَادَةِ ، وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ .
وَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَبْرُزُ أَحَدٌ طَالِبًا لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ رِيَاءً وَخُرُوجًا إلَى مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمُبَارَزَةُ إذَا طَلَبَهَا الْكَافِرُ ، كَمَا كَانَتْ فِي حُرُوبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَفِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ السَّلَفُ .
سُورَةُ الْجُمُعَةِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالْجُمُعَةِ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْكُفَّارِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا وَهَا هُنَا أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْجُمُعَةُ .
وَإِنَّمَا خُصَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ الْكُفَّارِ ؛ تَشْرِيفًا [ لَهُمْ ] بِالْجُمُعَةِ ، وَتَخْصِيصًا دُونَ غَيْرِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّحِيحِ { : نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ؛ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَلِلنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْجُمُعَةُ خَاصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَيَوْمُ الْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَفْضَلُ الْأَيَّامِ .
رُوِيَ أَنَّ { جِبْرِيلَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِيَدِهِ مِرْآةٌ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَ : يَا جِبْرِيلُ ؛ مَا هَذِهِ الْمِرْآةُ ؟ قَالَ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ .
قَالَ : مَا هَذِهِ النُّكْتَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي فِيهَا ؟ قَالَ : السَّاعَةُ وَفِيهَا تَقُومُ } .
كَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ } كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْجُمُعَةُ فَرْضٌ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا قُرْآنِيَّةٌ سُنِّيَّةٌ ، وَهِيَ ظُهْرُ الْيَوْمِ ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُحْكَى فِي ذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا مَا يُؤْثَرُ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْعَرُوسُ عَنْهَا ؛ فَإِنَّ الْعَرُوسَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ الْعُرْسِ ، فَكَيْفَ عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ .
وَلَهَا شُرُوطٌ وَأَرْكَانٌ فِي الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ ، فَشُرُوطُ الْوُجُوبِ سَبْعَةٌ : الْعَقْلُ ، وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْقُدْرَةُ ، وَالْإِقَامَةُ ، وَالْقَرْيَةُ .
وَأَمَّا شُرُوطُ الْأَدَاءِ فَهِيَ : الْإِسْلَامُ ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ .
وَالْخُطْبَةُ ، وَالْإِمَامُ الْقَيِّمُ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ الْأَمِيرُ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ كَلِمَةً بَدِيعَةً : إنَّ لِلَّهِ فَرَائِضَ فِي أَرْضِهِ لَا يُضَيِّعُهَا [ إنْ ] وَلِيَهَا وَالٍ أَوْ لَمْ يَلِهَا .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : مِنْ شُرُوطِ أَدَائِهَا الْمَسْجِدُ الْمُسْقَفُ .
وَلَا أَعْلَمُ وَجْهَهُ .
وَمِنْهَا الْعَدَدُ ، وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ .
وَإِنَّمَا حَدُّهُ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ بُقْعَةٌ ، وَمِنْ أَدَائِهَا الِاغْتِسَالُ ، وَتَحْسِينُ الشَّارَةِ ، وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ } : النِّدَاءُ هُوَ الْأَذَانُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا جُمْلَةً مِنْهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَقَدْ { كَانَ الْأَذَانُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُمُعَةِ كَسَائِرِ الْأَذَانِ فِي الصَّلَوَاتِ ؛ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ إذَا جَلَسَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ ، ثُمَّ زَادَ عُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَانًا ثَالِثًا عَلَى الزَّوْرَاءِ ، حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ ، فَإِذَا سَمِعُوا أَقْبَلُوا ، حَتَّى إذَا جَلَسَ عُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْطُبُ عُثْمَانُ .
} وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ الْآذَانَ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ } ، وَسَمَّاهُ فِي الْحَدِيثِ ثَالِثًا ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى الْإِقَامَةِ فَجَعَلَهُ ثَالِثَ الْإِقَامَةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ } يَعْنِي الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ ؛ فَتَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّهُ أَذَانٌ أَصْلِيٌّ ، فَجَعَلُوا الْمُؤَذِّنَيْنِ ثَلَاثَةً ، فَكَانَ وَهْمًا ، ثُمَّ جَمَعُوهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ ، وَرَأَيْتهمْ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ يُؤَذِّنُونَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَنَارِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ تَحْتَ الْمِنْبَرِ فِي جَمَاعَةٍ ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَنَا فِي الدُّوَلِ الْمَاضِيَةِ ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { لِلصَّلَاةِ } ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ الْجُمُعَةَ دُونَ غَيْرِهَا ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : كَوْنُ الصَّلَاةِ الْجُمُعَةَ هَاهُنَا مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ لَا مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ .
وَعِنْدِي أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ بِنُكْتَةٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } ، وَذَلِكَ يُفِيدُهُ ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ الَّذِي يَخْتَصُّ
بِذَلِكَ الْيَوْمِ هُوَ نِدَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ ؛ فَأَمَّا غَيْرُهَا فَهُوَ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ بِهِ نِدَاءُ الْجُمُعَةِ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِهِ بِهَا وَإِضَافَتِهِ إلَيْهَا مَعْنًى وَلَا فَائِدَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : كَانَ اسْمُ الْجُمُعَةِ فِي الْعَرَبِ الْأَوَّلِ عُرُوبَةً ، فَسَمَّاهَا الْجُمُعَةَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا إلَى كَعْبٍ قَالَ الشَّاعِرُ : لَا يُبْعِدُ اللَّهُ أَقْوَامًا هُمْ خَلَطُوا يَوْمَ الْعُرُوبَةِ أَصْرَامًا بِأَصْرَامٍ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُهُ { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النِّيَّةُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّانِي أَنَّهُ الْعَمَلُ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وقَوْله تَعَالَى : { إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } .
وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّعْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ .
وَيُحْتَمَلُ ظَاهِرُهُ رَابِعًا : وَهُوَ الْجَرْيُ وَالِاشْتِدَادُ ، وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الصَّحَابَةُ الْأَعْلَمُونَ ، وَالْفُقَهَاءُ الْأَقْدَمُونَ ، وَقَرَأَهَا عُمَرُ : " فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ " فِرَارًا عَنْ ظَنِّ الْجَرْيِ وَالِاشْتِدَادِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ .
وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ذَلِكَ .
وَقَالَ : لَوْ قَرَأْت فَاسْعَوْا لَسَعَيْت حَتَّى سَقَطَ رِدَائِي .
وَقَرَأَ ابْنُ شِهَابٍ : فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ سَالِكًا تِلْكَ السُّبُلَ ، وَهُوَ كُلُّهُ تَفْسِيرٌ مِنْهُمْ ، لَا قِرَاءَةٌ قُرْآنٍ مُنَزَّلٍ ، وَجَائِزٌ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّفْسِيرِ فِي مَعْرِضِ التَّفْسِيرِ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ النِّيَّةُ ؛ فَهُوَ أَوَّلُ السَّعْيِ وَمَقْصُودُهُ الْأَكْبَرُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ السَّعْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ .
فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا عِيسَى بْنَ جُبَيْرٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ يَمْشِي إلَى الْجُمُعَةِ رَاجِلًا .
وَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ .
فَذَلِكَ فَضْلٌ وَأَجْرٌ لَا شَرْطٌ .
} وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْعَمَلُ فَأَعْمَالُ الْجُمُعَةِ هِيَ : الِاغْتِسَالُ ، وَالتَّمَشُّطُ ، وَالِادِّهَانُ ، وَالتَّطَيُّبُ ، وَالتَّزَيُّنُ بِاللِّبَاسِ ، وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَادِيثُ بَيَانُهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ؛ وَظَاهِرُ الْآيَةِ وُجُوبُ الْجَمِيعِ ، لَكِنَّ أَدِلَّةَ الِاسْتِحْبَابِ
ظَهَرَتْ عَلَى أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ ، فَقَضَى بِهَا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْخُطْبَةُ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ الصَّلَاةُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ [ وَاجِبٌ ] الْجَمِيعُ أَوَّلُهُ الْخُطْبَةُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَقِبَ النِّدَاءِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ ، وَبِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ، إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ رَآهَا سُنَّةً .
وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا أَنَّهَا تُحَرِّمُ الْبَيْعَ ، وَلَوْلَا وُجُوبُهَا مَا حَرَّمَتْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَا يُحَرِّمُ الْمُبَاحَ .
وَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ الصَّلَاةُ فَالْخُطْبَةُ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَالْعَبْدُ يَكُونُ ذَاكِرًا لِلَّهِ [ بِفِعْلِهِ ] كَمَا يَكُونُ مُسَبِّحًا لِلَّهِ بِفِعْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا الْبَيْعَ } : وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الْبَيْعِ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا وَقَعَ ؛ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُفْسَخُ .
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ : يُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ .
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ ، وَأَشْهَبُ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ : الْبَيْعُ مَاضٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُفْسَخُ بِكُلِّ حَالٍ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالْفَسْخِ فِي تَفْصِيلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي الْفِقْهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فَسْخُهُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ { : مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ .
} الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ فَإِنْ كَانَ نِكَاحًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : لَا يُفْسَخُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّهُ نَادِرٌ ، وَيَقْرُبُ هَذَا مِنْ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ : يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْبَيْعِ .
وَقَالُوا : إنَّ الشَّرِكَةَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ نَادِرٌ لَا يُفْسَخُ .
وَالصَّحِيحُ فَسْخُ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا مُنِعَ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ ، فَكُلُّ أَمْرٍ يَشْغَلُ عَنْ الْجُمُعَةِ مِنْ الْعُقُودِ كُلِّهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَرْعًا مَفْسُوخٌ رَدْعًا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لَا تُفْتَقَرُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ إلَى السُّلْطَانِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنَّمَا تُفْتَقَرُ إلَى الْإِمَامِ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآيَةُ لَا عَلَى السُّلْطَانِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ } يَخْتَصُّ بِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْقَرِيبِ الَّذِي يَسْمَعُ النِّدَاءَ ؛ فَأَمَّا الْبَعِيدُ الدَّارِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ يَأْتِي الْجُمُعَةَ مِنْ الدَّانِي وَالْقَاصِي اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا : إنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُ مَنْ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْعَوَالِي كَانُوا يَأْتُونَهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الصَّوْتَ إذَا كَانَ رَفِيعًا وَالنَّاسُ فِي هُدُوءٍ وَسُكُونٍ فَأَقْصَى سَمَاعِ الصَّوْتِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ؛ وَهَذَا نَظَرٌ وَمُلَاحَظَةٌ إلَى قَوْله تَعَالَى : { نُودِيَ } ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ يَسْمَعَانِ النِّدَاءَ ، وَقَدْ قُلْتُمْ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمَا .
قُلْنَا : أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَلْزَمُهَا خِطَابُ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ ؛ وَلِهَذَا لَا تَدْخُلُ فِي خِطَابِهَا .
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَفِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ أَثَّرَ بِصِفَتِهِ حَتَّى لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَاسِقُ ؛ لِأَنَّ نَقْصَهُ فِي فِعْلِهِ ، وَهَذَا نَقْصُهُ فِي ذَاتِهِ ؛ فَأَشْبَهَ نَقْصَ الْمَرْأَةِ وَمِنْ النُّكَتِ الْبَدِيعَةِ فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْعَبْدِ قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا الْبَيْعَ } ؛ فَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ بِالْجُمُعَةِ مَنْ يَبِيعُ ، وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ لَا يَبِيعَانِ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ تَحْتَ حَجْرِ السَّيِّدِ ، وَالصَّبِيَّ تَحْتَ حَجْرِ الصِّغَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ إلَّا بِالنِّدَاءِ ، وَالنِّدَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهَا تُصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ ؛ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ { : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَنْصَرِفُ ، وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ .
} وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ .
} وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ حَتَّى يَغْشَى ظِلُّ الْجِدَارِ الْغَرْبِيِّ طَنْفَسَةَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّتِي كَانَتْ تُطْرَحُ لَهُ عِنْدَ الْجِدَارِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ .
وَحَدِيثُ سَلَمَةَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْكِيرِ بِالْجُمُعَةِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَكِّرُونَ إلَى الْجُمُعَةِ تَبْكِيرًا كَثِيرًا عِنْدَ الْغَدَاةِ وَقَبْلَهَا فَلَا يَتَنَاوَلُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ .
وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ أَنَّ التَّبْكِيرَ إلَى الْجُمُعَةِ إنَّمَا يَكُونُ وَقْتَ الزَّوَالِ بِيَسِيرٍ .
وَتَأَوَّلَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ } الْحَدِيثُ أَنَّهُ كُلَّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَحَمَلَهُ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سَاعَاتِ النَّهَارِ الزَّمَانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً الْمُسْتَوِيَةِ أَوْ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ زِيَادَاتِ النَّهَارِ وَنُقْصَانِهِ .
وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { مَا كَانُوا يُقِيلُونَ وَلَا يَتَغَدَّوْنَ إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ } يُرِيدُ لِكَثْرَةِ الْبُكُورِ إلَيْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ : إنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الرَّوَاحُ إلَى الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .
} وَفِي الْحَدِيثِ { : مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ بِالنِّفَاقِ .
} الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ أَوْجَبَ اللَّهُ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَثَبَتَ شَرْطُ الْوُضُوءِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } الْآيَةُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ .
} وَأَغْرَبَتْ طَائِفَةٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ .
} فَقَالَتْ : إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِمَا رَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ .
} وَهَذَا نَصٌّ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَأَنْصَتَ وَلَمْ يَلْغُ غُفِرَ لَهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ آخَرُ .
وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ عُمَرُ يَخْطُبُ الْحَدِيثُ إلَى أَنْ قَالَ : مَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت .
فَقَالَ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا ، وَقَدْ عَلِمْت { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ } .
فَأَمَرَ عُمَرُ بِالْغُسْلِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى
الِاسْتِحْبَابِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ ، وَقَدْ تَلَبَّسَ بِالْفَرْضِ وَهُوَ الْحُضُورُ وَالْإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ إلَى السُّنَّةِ ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرِ فُحُولِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ الْمُهَاجِرِينَ حَوَالَيْ عُمَرَ ، وَفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ لَا يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ كَوْنُهَا فِي يَوْمِ عِيدٍ ، خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ حِينَ قَالَ : إذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ سَقَطَ فَرْضُ الْجُمُعَةِ ؛ لِتَقَدُّمِ الْعِيدِ عَلَيْهَا ، وَاشْتِغَالِ النَّاسِ بِهِ عَنْهَا .
وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أَذِنَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ لِأَهْلِ الْعَوَالِي أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ الْجُمُعَةِ ، وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذَا خُولِفَ فِيهِ وَلَمْ يُجْمَعْ مَعَهُ عَلَيْهِ .
وَالْأَمْرُ بِالسَّعْيِ مُتَوَجِّهٌ يَوْمَ الْعِيدِ كَتَوَجُّهِهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاَللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : الْأُولَى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَدَخَلَتْ عِيرٌ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَالْتَفَتُوا ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا } الْآيَةُ كُلُّهَا } .
الثَّانِيَةُ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ : { كَانَ النَّاسُ قَرِيبًا مِنْ السُّوقِ ، فَرَأَوْا التِّجَارَةَ ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا ، وَتَرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ إذَا كَانَتْ لَهُمْ عُرْسٌ يَمُرُّونَ بِالْكِيرِ يَضْرِبُونَ بِهِ ، فَخَرَجَ إلَيْهِ نَاسٌ ، فَغَضِبَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ } .
الثَّالِثُ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ { : نَزَلَتْ مَعَ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ تِجَارَةٌ بِأَحْجَارِ الزَّيْتِ فَضَرَبُوا طَبْلَهُمْ ، يُعَرِّفُونَ بِإِقْبَالِهِمْ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَعَاتَبَهُمْ اللَّهُ وَنَزَلَتْ الْآيَةُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ لَسَالَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَارًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَخْطُبُ قَائِمًا ، كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .
وَخَطَبَ عُثْمَانُ قَائِمًا حَتَّى رَقَّ فَخَطَبَ قَاعِدًا .
وَيُرْوَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ قَاعِدًا مُعَاوِيَةُ ، وَدَخَلَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ الْمَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا ، فَقَالَ : اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثَ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } إشَارَةً إلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرُبَاتِ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَلَكِنْ فِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَفِي الْإِطْلَاقِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مُعَاوِيَةَ إنَّمَا خَطَبَ قَاعِدًا لِسِنِّهِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي قَعْدَتِهِ رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا : إنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُوجِبُ الْخُطْبَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى تَرْكِهَا ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : إنَّهَا سُنَّةٌ .
وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّك لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الشَّهَادَةُ تَكُونُ بِالْقَلْبِ ؛ وَتَكُونُ بِاللِّسَانِ ، وَتَكُونُ بِالْجَوَارِحِ ؛ فَأَمَّا شَهَادَةُ الْقَلْبِ فَهُوَ الِاعْتِقَادُ [ أَوْ الْعِلْمُ ] عَلَى رَأْيِ قَوْمٍ ، وَالْعِلْمُ عَلَى رَأْيِ آخَرِينَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ [ وَالْعِلْمُ ] كَمَا بَيَّنَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ .
وَأَمَّا شَهَادَةُ اللِّسَانِ فَبِالْكَلَامِ ، وَهُوَ الرُّكْنُ الظَّاهِرُ مِنْ أَرْكَانِهَا ، وَعَلَيْهِ تُبْنَى الْأَحْكَامُ ، وَتَتَرَتَّبُ الْأَعْذَارُ وَالِاعْتِصَامُ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ؛ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّك لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } .
إنَّ الْبَارِئَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلِمَ وَشَهِدَ ؛ فَهَذَا عِلْمُهُ .
وَشَهَادَتُهُ قَوْله تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } وَأَمْثَالُهُ .
وَقَدْ يُقَالُ : شَهَادَةُ اللَّهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الشَّهَادَاتِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، يُقَالُ : وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي قُلُوبِهِمْ ، فَخَدَعُوا وَغَرُّوا ، وَاَللَّهُ خَادِعُهُمْ وَمَاكِرٌ بِهِمْ ، وَهُوَ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ فِي يَمِينِهِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا بِنِيَّةِ الْيَمِينِ .
وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ أَنَّهُ دُونَ النِّيَّةِ [ يَمِينٌ ] ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ ، وَلَا أَرَى الْمَسْأَلَةَ إلَّا هَكَذَا فِي أَصْلِهَا ، وَإِنَّمَا غَلِطَ هَذَا الْعَالِمُ أَوْ غَلِطَ فِي النَّقْلِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إذَا قَالَ [ الرَّجُلُ ] أَشْهَدُ : إنَّهُ يَمِينٌ إذَا أَرَادَ بِاَللَّهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } لَيْسَ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ : { نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ } وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى سَبَبِ الْآيَةِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْهَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ { : كُنْت فِي غُزَاةٍ فَسَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ ، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمِّي ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَجِئْته ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ .
فَحَلَفُوا مَا قَالُوا ؛ فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ فَجَلَسْت فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ عَمِّي : مَا أَرَدْت إلَّا إلَى أَنْ كَذَّبَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّك لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } فَبَعَثَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَك } .
فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ابْنَ أُبَيٍّ حَلَفَ أَنَّهُ مَا قَالَ .
وَقَدْ قَالَ .
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِرَاجِعٍ إلَى قَوْله تَعَالَى : { نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ } فَاعْلَمُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ الْيَمِينُ كَانَتْ غَمُوسًا كَاذِبَةً مِنْ عَدِيمِ الْإِيمَانِ ؛ فَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلنَّارِ ، أَمَّا عَدَمُ إيمَانِهِ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : {
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ } .
وَأَمَّا عَدَمُ الثَّوَابِ فِيهِمْ وَوُجُوبُ الْعِقَابِ لَهُمْ فَبِآيَاتِ الْوَعِيدِ الْوَارِدَةِ فِي الْكُفَّارِ .
وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُبَلِّغُهُ حَجَّ بَيْتِ رَبِّهِ ، أَوْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؛ اتَّقِ اللَّهَ ؛ إنَّمَا سَأَلَ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ .
قَالَ : سَأَتْلُو عَلَيْك بِذَلِكَ قُرْآنًا : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتنِي إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قَالَ : فَمَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ ؟ قَالَ : إذَا بَلَغَ الْمَالُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا .
قَالَ : فَمَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالْبَعِيرُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِعُمُومِ الْآيَةِ فِي الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ خَاصَّةً دُونَ النَّفْلِ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْوَعِيدَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ دُونَ النَّفْلِ .
وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِالزَّكَاةِ فَصَحِيحٌ كُلُّهُ عُمُومًا وَتَقْدِيرًا بِالْمِائَتَيْنِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحَجِّ فَفِيهِ إشْكَالٌ ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا : إنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي فَفِي الْمَعْصِيَةِ فِي الْمَوْتِ قَبْلَ أَدَائِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، فَلَا تُخَرَّجُ الْآيَةُ عَلَيْهِ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ فَالْآيَةُ عَلَى الْعُمُومِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَمْ يُؤَدِّهِ لَقِيَ مِنْ اللَّهِ مَا يَوَدُّ أَنَّهُ رَجَعَ لِيَأْتِيَ بِمَا تَرَكَ مِنْ
الْعِبَادَاتِ .
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْأَمْرِ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَيْسَ لِكَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مَدْخَلٌ ، لِأَجْلِ أَنَّ الرَّجْعَةَ وَالْوَعِيدَ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا وَالْمُخْتَلَفِ عَلَيْهَا ؛ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .
وَالصَّحِيحُ تَنَاوُلُهُ لِلْوَاجِبِ مِنْ الْإِنْفَاقِ كَيْفَ تَصَرَّفَ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، لِأَجْلِ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَحْقِيقُ الْوَعِيدِ .
سُورَةُ التَّغَابُنِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمِنْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَبْنُ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
الْمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَخَذُوا الْجَنَّةَ ، وَأَخَذَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَادَلَةِ ، فَوَقَعَ الْغَبْنُ ، لِأَجْلِ مُبَادَلَتِهِمْ الْخَيْرَ بِالشَّرِّ ، وَالْجَيِّدَ بِالرَّدِيءِ ، وَالنَّعِيمَ بِالْعَذَابِ ، عَلَى مَنْ أَخَذَ الْأَشَدَّ وَحَصَلَ عَلَى الْأَدْنَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَأَيُّ مُعَامَلَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَقَعَ الْغَبْنُ فِيهَا ؟ قُلْنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ مُنْقَسِمِينَ عَلَى دَارَيْنِ : دُنْيَا ، وَآخِرَةٍ ، وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ عَمَلٍ ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ ؛ وَهِيَ الدَّارُ الْمَطْلُوبَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ عَبَثًا ، وَعِنْدَهُ وَقَعَ الْبَيَانُ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } يَعْنِي عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ أَمْثَالِهِ مِمَّا هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ ، مُقَدَّسٌ مِنْهُ ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ النَّجِدَيْنِ ، وَخَلَقَ لِلْقَلْبِ الْمَعْرِفَةَ وَالْحَوَاسَّ سُبُلًا لَهَا ، وَالْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ يَتَنَازَعَانِ لِلْعَلَائِقِ ، وَالْمَلَكُ يُعَضِّدُ الْعَقْلَ ، وَالشَّيْطَانُ يَحْمِلُ الشَّهْوَةَ ، وَالتَّوْفِيقُ قَرِينُ الْمَلَكِ ، وَالْخِذْلَانُ قَرِينُ الشَّيْطَانِ ، وَالْقَدَرُ مِنْ فَوْقِ [ ذَلِكَ ] يَحْمِلُ الْعَبْدَ إلَى مَا كُتِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ فَرَّقَ الْخَلْقَ فَرِيقَيْنِ فِي أَصْلِ الْمِقْدَارِ
وَكَتَبَهُمْ بِالْقَلَمِ الْأَوَّلِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَرِيقَيْنِ : فَرِيقٌ لِلْجَنَّةِ ، وَفَرِيقٌ لِلنَّارِ ، وَمَنَازِلُ الْكُلِّ مَوْضُوعَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ؛ فَإِنْ سَبَقَ التَّوْفِيقُ حَصَلَ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَكَانَ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ سَبَقَ الْخِذْلَانُ عَلَى الْعَبْدِ الْآخَرِ فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَيَحْصُلُ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَنْزِلِ الْمَخْذُولِ ، وَيَحْصُلُ لِلْمَخْذُولِ مَنْزِلُ الْمُوَفَّقِ فِي النَّارِ ، فَكَأَنَّهُ وَقَعَ التَّبَادُلُ ، فَحَصَلَ التَّغَابُنُ .
وَالْأَمْثَالُ مَوْضُوعَةٌ لِلْبَيَانِ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ وَاللُّغَةِ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَجْمُوعٌ مِنْ نَشْرِ الْآثَارِ .
وَقَدْ جَاءَتْ مُتَفَرِّقَةً فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْغَبْنُ فِي مُعَامَلَةِ الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّصَ التَّغَابُنَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَقَالَ : { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } ؛ وَهَذَا الِاخْتِصَاصُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا غَبْنَ فِي الدُّنْيَا ، فَكُلُّ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى غَبْنٍ فِي مَبِيعٍ فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَاخْتَارَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ ؛ مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ { : إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ ، وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا } .
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
نُكْتَتُهُ أَنَّ الْغَبْنَ فِي الدُّنْيَا مَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعٍ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا ؛ إذْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخِدَاعِ الْمُحَرَّمِ شَرْعًا فِي كُلِّ مِلَّةٍ ، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لِأَحَدٍ فَمَضَى فِي الْبُيُوعِ ؛ إذْ لَوْ حَكَمْنَا بِرَدِّهِ مَا نَفَذَ بَيْعٌ أَبَدًا ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْهُ ، حَتَّى إذَا كَانَ كَثِيرًا أَمْكَنَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَوَجَبَ الرَّدُّ بِهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْلُومٌ ، فَقَدَّرَ عُلَمَاؤُنَا الثُّلُثَ لِهَذَا الْحَدِّ ؛ إذْ رَأَوْهُ حَدًّا فِي الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا .
وَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا : ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ الْجَائِزُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، أَوْ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ الَّذِي لَا يُسْتَدْرَكُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ تَغَابُنَ الدُّنْيَا يُسْتَدْرَكُ بِوَجْهَيْنِ : إمَّا بِرَدٍّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِمَّا بِرِبْحٍ فِي بَيْعٍ آخَرَ وَسِلْعَةٍ أُخْرَى .
فَأَمَّا مَنْ خَسِرَ الْجَنَّةَ فَلَا دَرْكَ لَهُ أَبَدًا .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْغَبْنَ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَلَا يَلْقَى أَحَدٌ رَبَّهُ إلَّا مَغْبُونًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِيفَاءُ لِلْعَمَلِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ اسْتِيفَاءُ
الثَّوَابِ .
وَفِي الْأَثَرِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَلْقَى اللَّهَ أَحَدٌ إلَّا نَادِمًا إنْ كَانَ مُسِيئًا إذْ لَمْ يُحْسِنْ .
وَإِنْ كَانَ مُحْسِنًا إذْ لَمْ يَزْدَدْ } .
وَالْقَوْلُ مُتَشَعِّبٌ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْأَحْكَامِ هَذَا فَاعْلَمُوهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاَللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
قَالَ الْقَاضِي : أَدْخَلَ عُلَمَاؤُنَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي فُنُونِ الْأَحْكَامِ ، وَقَالُوا : إنَّ ذَلِكَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمَ لِمَا يَنْفُذُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَالْمِقْدَارُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ لِعِلْمِ الْعَبْدِ بِالْمَقَادِيرِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ ؛ وَهَذَا خَارِجٌ عَنْ سُبُلِ الْأَحْكَامِ ، لَكِنْ لِلْجَوَارِحِ فِي ذَلِكَ أَعْمَالٌ [ مِنْ دَمْعِ الْعَيْنِ ، وَالْقَوْلِ بِاللِّسَانِ ، وَالْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ ] ، فَإِذَا هَدَأَ الْقَلْبُ جَرَى اللِّسَانُ بِالْحَقِّ .
وَرَكَدَتْ الْجَوَارِحُ عَنْ الْخَرْقِ ، وَلَوْ اسْتَرْسَلَ الدَّمْعُ لَمْ يَضُرَّ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا لِذَلِكَ { : تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا ، وَإِنَّا بِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ .
} وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ النِّيَاحَةِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الْمَكْرُوهَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهَا .
.
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
الْآيَةُ فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ بَيَّنَّا الْعَدَاوَةَ وَمُقَابِلَتَهَا الْوِلَايَةَ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْوِلَايَةَ هِيَ الْقُرْبُ ، وَأَنَّ الْعَدَاوَةَ هِيَ الْبُعْدُ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ يَكُونَانِ حَقِيقَةً بِالْمَسَافَةِ ؛ وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي حَقِّ الْإِلَهِ ، وَيَكُونَانِ بِالْمَوَدَّةِ وَالْمَنْزِلَةِ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْإِلَهِ ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ يَجُوزُ عَلَى الْخَلْقِ .
وَالْمُرَادُ بِالْعَدَاوَةِ هَاهُنَا بُعْدُ الْمَوَدَّةِ وَالْمَنْزِلَةِ ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ قَرِيبٌ ، وَالْوَلَدَ قَرِيبٌ ، بِحُكْمِ الْمُخَالَطَةِ ، وَالصُّحْبَةِ ، وَلَكِنَّهُمَا قَدْ يَقْرُبَانِ بِالْأُلْفَةِ الْحَسَنَةِ وَالْعِشْرَةِ الْجَمِيلَةِ ، فَيَكُونَانِ وَلِيَّيْنِ ، وَقَدْ يَبْعُدَانِ بِالنَّفْرَةِ وَالْفِعْلِ الْقَبِيحِ ، فَيَكُونَانِ عَدُوَّيْنِ ، وَعَنْ هَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَمِنْهُ حَذَّرَ ، وَبِهِ أَنْذَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ رِجَالٌ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَى أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ أَنْ يَدْعُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَوْا النَّاسَ فَقِهُوا فِي الدِّينِ هَمُّوا أَنْ يُعَاقِبُوهُمْ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَذَا يُبَيِّنُ وَجْهَ
الْعَدَاوَةِ ؛ فَإِنَّ الْعَدُوَّ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا لِذَاتِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ عَدُوًّا لِفِعْلِهِ ، فَإِذَا فَعَلَ الزَّوْجُ وَالْوَلَدُ فِعْلَ الْعَدُوِّ كَانَ عَدُوًّا ، وَلَا فِعْلَ أَقْبَحَ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الطَّاعَةِ .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ فِي طَرِيقِ الْإِيمَانِ .
فَقَالَ لَهُ : أَتُؤْمِنُ وَتَذَرُ دِينَك وَدِينَ آبَائِك ، فَخَالَفَهُ فَآمَنَ .
ثُمَّ قَعَدَ لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ لَهُ : أَتُهَاجِرُ وَتَتْرُكُ أَهْلَك وَمَالَك ؛ فَخَالَفَهُ فَهَاجَرَ ؛ فَقَعَدَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْجِهَادِ ، فَقَالَ : أَتُجَاهِدُ فَتَقْتُلُ نَفْسَك وَتُنْكَحُ نِسَاؤُك ، وَيُقْسَمُ مَالُك ، فَخَالَفَهُ فَجَاهَدَ فَقُتِلَ ، فَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ } .
وَقُعُودُ الشَّيْطَانِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَكُونُ بِالْوَسْوَسَةِ .
وَالثَّانِي : بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَى مَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ الزَّوْجَ وَالْوَلَدَ وَالصَّاحِبَ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } .
فِي حِكْمَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ اتَّخَذَ أَهْلًا وَمَالًا وَوَلَدًا كَانَ لِلدُّنْيَا عَبْدًا .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ بَيَانُ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ حَالُ الْعَبْدِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ ، تَعِسَ فَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَفَشَ } ، وَلَا دَنَاءَةَ أَعْظَمَ مِنْ عِبَادَةِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَلَا هِمَّةَ أَخَسَّ مِنْ هِمَّةٍ تَرْتَفِعُ بِثَوْبٍ جَدِيدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ وَلَدُهُ وَزَوْجُهُ عَدُوًّا كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَكُونُ لَهَا وَلَدُهَا وَزَوْجُهَا عَدُوًّا بِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ .
وَعُمُومُ قَوْلِهِ : { مِنْ أَزْوَاجِكُمْ } يُدْخِلُ فِيهِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى كَدُخُولِهِمَا فِي كُلِّ آيَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { فَاحْذَرُوهُمْ } ؛ مَعْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ .
وَالْحَذَرُ عَلَى النَّفْسِ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : إمَّا لِضَرَرٍ فِي الْبَدَنِ ، وَإِمَّا لِضَرَرٍ فِي الدِّينِ .
وَضَرَرُ الْبَدَنِ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا ، وَضَرَرُ الدِّينِ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ .
فَحَذَّرَ اللَّهُ الْعَبْدَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْذَرَهُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } : قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا وَمَنَعَهُمْ أَزْوَاجُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ مِنْ الْهِجْرَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَئِنْ رَجَعْت لَأَقْتُلَنَّهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَئِنْ رَجَعْت لَا يَنَالُونَ مِنِّي خَيْرًا أَبَدًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ : { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا إذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : صَدَقَ اللَّهُ ، إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ، نَظَرْت إلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْت حَدِيثِي وَرَفَعْتهمَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْفِتْنَةُ مَا بَيَّنَّاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَهِيَ الِابْتِلَاءُ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ ابْتَلَى الْعَبْدَ بِالْمَالِ وَالْأَهْلِ لِيَنْظُرَ أَيُطِيعُهُ أَمْ يَعْصِيهِ ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي عِلْمِهِ وَتَقَدَّمَ فِي حُكْمِهِ ؛ فَإِنْ مَالَ الْعَبْدُ إلَيْهِمَا خَسِرَ ، وَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْعُزُوفِ عَنْهُمَا ، وَأَنَابَ إلَى إيثَارِ جَانِبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهِمَا فَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، وَهِيَ الْجَنَّةُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَدْ فُتِنَ النَّاسُ فِي دِينِهِمْ وَخَلَّى ابْنُ عَفَّانَ شَرًّا طَوِيلًا
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يَعْنِي الْجَنَّةَ ؛ فَهِيَ الْغَايَةُ ، وَلَا أَجْرَ أَعْظَمَ مِنْهَا فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ .
وَعِنْدِي مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا ، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ ، فَيَقُولُ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى ؟ وَقَدْ أَعْطَيْتنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِك ؟ فَيَقُولُ : أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : يَا رَبَّنَا ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا .
} وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الرِّضَا غَايَةُ الْآمَالِ ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ : امْتَحَنَ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ فَالنَّارُ وَالْجَنَّةُ فِي قَبْضَتِهِ فَهَجْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ نَارِهِ وَوَصْلُهُ أَطْيَبُ مِنْ جَنَّتِهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي التَّقْوَى : قَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ التَّقْوَى فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } : يَقُولُ مُطِيعِينَ قَالَ : فَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَا حَقُّ تُقَاتِهِ مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
وَلَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَبْلُغُوا حَقَّ تُقَاتِهِ مَا بَلَغُوا .
قَالَ : فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَعْلَمَ خَلْقُهُ قُدْرَتَهُ .
ثُمَّ نَسَخَهَا وَهَوَّنَ عَلَى خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمْ مَقَالًا .
فَلَوْ قُلْت لِرَجُلٍ : اتَّقِ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ رَأَى أَنَّك كَلَّفْتَهُ شَطَطًا مِنْ أَمْرِهِ .
فَإِذَا قُلْت : اتَّقِ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْت رَأَى أَنَّك لَمْ تُكَلِّفْهُ شَطَطًا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } .
نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِي النَّحْلِ : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَهَا هُنَا ، فِيمَا تَقَدَّمَ وَبَيَّنَّا حِكْمَةَ رَبْطِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِطَاعَةِ ، وَإِطْلَاقِ النَّهْيِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَهَا هُنَا قَدْ قَرَنَ النَّهْيَ بِالِاسْتِطَاعَةِ أَيْضًا ، فَقَالَ : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } .
وَعُمُومُ التَّقْوَى يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ
وَالنَّهْيِ ، وَمِنْ النَّهْيِ مَا يَقِفُ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ ، وَهُوَ إذًا تَعَلَّقَ بِأَمْرٍ مَفْعُولٍ .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُفَسِّرِينَ رَوَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } لَمَّا نَزَلَتْ قَامَ قَوْمٌ حَتَّى تَوَرَّمَتْ أَقْدَامُهُمْ ، وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فَنُسِخَ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ قِسْمُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا اصْغَوْا إلَى مَا يَنْزِلُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي السَّمَاعِ .
الثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ اقْبَلُوا مَا تَسْمَعُونَ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ فَائِدَتُهُ عَلَى أَحَدِ قِسْمَيْ الْمَجَازِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { أَطِيعُوا } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الطَّاعَةِ ، وَأَنَّهَا الِانْقِيَادُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ { وَأَنْفِقُوا } : قِيلَ : هُوَ الزَّكَاةُ .
وَقِيلَ : هُوَ النَّفَقَةُ فِي النَّفْلِ ، وَقِيلَ : نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ .
وَإِنَّمَا أَوْقَعَ قَائِلُ ذَلِكَ فِيهِ قَوْلَهُ : { لِأَنْفُسِكُمْ } وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَةَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ هِيَ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } ؛ وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ مِنْ خَيْرٍ فَلِنَفْسِهِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ ؛ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَ لَهُ رَجُلٌ : عِنْدِي دِينَارٌ .
قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك .
قَالَ : عِنْدِي آخَرُ .
قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى عِيَالِك .
قَالَ : عِنْدِي آخَرُ .
قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك .
قَالَ : عِنْدِي آخَرُ .
قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ } .
فَبَدَأَ بِالنَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ ، وَجَعَلَ الصَّدَقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } : تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ
سُورَةُ الطَّلَاقِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، فَلَمَّا أَتَتْ أَهْلَهَا أَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ .
وَقِيلَ لَهُ : رَاجِعْهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ ، وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِك فِي الْجَنَّةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ عَمْرٍو ، وَطُفَيْلِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ .
وَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَمْثَلُ .
وَالْأَصَحُّ فِيهِ أَنَّهَا بَيَانٌ لِشَرْعٍ مُبْتَدَإٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَهُ ، وَقَوْلُهُ : { طَلَّقْتُمْ } خَبَرٌ عَنْهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ أُمَّتُهُ ، وَغَايَرَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مِنْ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ [ وَذَلِكَ ] لُغَةٌ فَصِيحَةٌ .
كَمَا قَالَ : { حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } : تَقْدِيرُهُ يَأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لَهُمْ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .
وَهَذَا هُوَ قَوْلُهُمْ : إنَّ الْخِطَابَ لَهُ وَحْدَهُ لَفْظًا ، وَالْمَعْنَى لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ .
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ لَاطَفَهُ بِقَوْلِهِ : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ .
وَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا لَهُ قَالَ : يَأَيُّهَا الرَّسُولُ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ نِدَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْظِيمًا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ : { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } كَقَوْلِهِ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ } ؛ فَذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْنَى تَقْدِمَتِهِمْ وَتَكْرِمَتِهِمْ ، ثُمَّ افْتَتَحَ فَقَالَ : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ } الْآيَةُ .
قَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهَا : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْت أَنْتَ وَالْمُخْبَرُونَ الَّذِينَ أَخْبَرْتُهُمْ بِذَلِكَ النِّسَاءَ فَلْيَكُنْ طَلَاقُهُنَّ كَذَا ؛ وَسَاغَ هَذَا لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ يَقْضِي مُنَبَّأً .
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ صَحِيحٌ فِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِعِدَّتِهِنَّ } يَقْتَضِي أَنَّهُنَّ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ مِنْ الْأَزْوَاجِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ خَرَجْنَ بِقَوْلِهِ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { لِعِدَّتِهِنَّ } .
قِيلَ : الْمَعْنَى فِي عِدَّتِهِنَّ ، وَاللَّامُ تَأْتِي بِمَعْنَى فِي ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْت لِحَيَاتِي } أَيْ فِي حَيَاتِي .
وَهَذَا فَاسِدٌ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِيهِ : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ الَّتِي تُعْتَبَرُ .
وَاللَّامُ عَلَى أَصْلِهَا ، كَمَا تَقُولُ : افْعَلْ كَذَا لِكَذَا ، وَيَكُونُ مَقْصُودُ الطَّلَاقِ وَالِاعْتِدَادِ مَآلَهُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْت لِحَيَاتِي } يَعْنِي حَيَاةَ الْقِيَامَةِ الَّتِي هِيَ الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ الدَّائِمَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ مَا هَذِهِ الْعِدَّةُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ زَمَانُ الطُّهْرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهَا الطُّهْرُ قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ تَفْسِيرًا لَا قُرْآنًا ، رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ { : أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ؛ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } .
وَهَذَا بَالِغٌ قَاطِعٌ ، لِأَجْلِ هَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ ، فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : طَلَاقُ السُّنَّةِ مَا جَمَعَ سَبْعَةَ شُرُوطٍ ؛ وَهِيَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ ، طَاهِرًا لَمْ يَمَسَّهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، وَلَا تَقَدَّمَهُ طَلَاقٌ فِي حَيْضٍ ، وَلَا تَبِعَهُ طَلَاقٌ فِي طُهْرٍ يَتْلُوهُ ، وَخَلَا عَنْ الْعِوَضِ ؛ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ السَّبْعَةُ مُسْتَقْرَآتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يَكُنْ بِدْعَةً .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً .
يُقَالُ ذَلِكَ لِفِقْهٍ يَتَحَصَّلُ ؛ وَهُوَ : أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَنَا فِي الطَّلَاقِ تُعْتَبَرُ بِالزَّمَانِ وَالْعَدَدِ .
وَفَارَقَ مَالِكٌ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : يُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، وَلَا يَتْبَعُهُ طَلَاقٌ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَا يَكُونُ الطُّهْرُ تَالِيًا لِحَيْضٍ وَقَعَ فِي الطَّلَاقِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ؛ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ .
وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ طَلَاقٍ ، كَانَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ .
وَإِنَّمَا رَاعَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الزَّمَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْعَدَدَ ، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، وَهَذَا يَدْفَعُ الثَّلَاثَ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ { : أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ؟ قَالَ لَهُ : حَرُمَتْ عَلَيْك ، وَبَانَتْ مِنْك بِمَعْصِيَةٍ } .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَالْوَاحِدَةَ سَوَاءٌ .
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : وَلَوْلَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .
وَهَذَا يُبْطِلُ دُخُولَ الثَّلَاثِ تَحْتَ الْآيَةِ .
وَكَذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ نَمَطٌ بَدِيعٌ لَهُمْ .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْآيَةِ كَمَا قَالُوا ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ فَسَّرَهَا كَمَا قُلْنَا وَبَيَانُهُ التَّامُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَكُتُبِ الْمَسَائِلِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ : إنَّهُ يَجُوزُ طَلَاقٌ فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ فَيَرُدُّهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِنَصِّهِ وَمَعْنَاهُ ، أَمَّا نَصُّهُ فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ .
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَلِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ طَلَاقِ الْحَائِضِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهِ فَالطُّهْرُ الْمُجَامَعُ فِيهِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ الِاعْتِدَادُ بِهِ وَبِالْحَيْضِ التَّالِي لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ } : مَعْنَاهُ احْفَظُوهَا ؛ تَقْدِيرُهُ احْفَظُوا الْوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ ، حَتَّى إذَا انْفَصَلَ الْمَشْرُوطُ مِنْهُ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ قُرُوءٍ فِي قَوْلِهِ : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ هِيَ بِالْأَطْهَارِ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضِ .
وَيُؤَكِّدُهُ وَيُفَسِّرُهُ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ .
وَقُبُلُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ لُغَةً وَحَقِيقَةً ، بِخِلَافِ اسْتِقْبَالِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ غَيْرَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَنْ الْمُخَاطَبُ بِأَمْرِ الْإِحْصَاءِ ؛ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ الْأَزْوَاجُ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الزَّوْجَاتُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْأَزْوَاجُ ؛ لِأَنَّ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا مِنْ { طَلَّقْتُمْ } { وَأَحْصُوا } وَ { لَا تُخْرِجُوهُنَّ } عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ يَرْجِعُ إلَى الْأَزْوَاجِ ، وَلَكِنَّ الزَّوْجَاتِ دَاخِلَةٌ فِيهِ بِالْإِلْحَاقِ بِالزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يُحْصِي لِيُرَاجِعَ ، وَيُنْفِقَ أَوْ يَقْطَعَ ، وَلِيُسْكِنَ أَوْ يُخْرِجَ ، وَلِيُلْحِقَ نَسَبَهُ أَوْ يَقْطَعَ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، وَتَنْفَرِدُ الْمَرْأَةُ دُونَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِحْصَاءِ لِلْعِدَّةِ لِلْفَتْوَى عَلَيْهَا وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ فِيهَا ؛ وَهَذِهِ فَوَائِدُ الْإِحْصَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ فِيمَا لَا يَتِمُّ الْإِحْصَاءُ إلَّا بِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ الْعِدَّةِ ، وَمَحِلِّهَا ، وَأَنْوَاعِهَا : فَأَمَّا أَسْبَابُهَا فَأَرْبَعَةٌ : وَهِيَ الطَّلَاقُ ، وَالْفَسْخُ ، وَالْوَفَاةُ ، وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ .
[ وَالْمِلْكُ ] وَالْوَفَاةُ مَذْكُورَانِ فِي الْقُرْآنِ ، وَالْفَسْخُ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، أَوْ هُوَ هُوَ .
وَالِاسْتِبْرَاءُ مَذْكُورٌ فِي
السُّنَّةِ ، وَلَيْسَ بِعِدَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَسُمِّيَتْ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ عِدَّةً لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ذَاتُ عَدَدٍ تُعْتَبَرُ بِحِلٍّ وَتَحْرِيمٍ .
وَأَمَّا مَحِلُّهَا فَهِيَ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ .
وَأَمَّا أَنْوَاعُهَا فَهِيَ أَرْبَعَةٌ : ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .
وَوَضْعُ الْحَمْلِ ، كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .
وَسَنَةٌ كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ ، فَهَذِهِ جُمْلَتُهَا ، وَفِيهَا تَفَاصِيلُ عَظِيمَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ وَتَعَارُضِهَا ، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِ النِّسَاءِ ، وَالتَّدَخُّلُ الطَّارِئُ عَلَيْهَا ، وَالْعَوَارِضُ اللَّاحِقَةُ لَهَا ، بَيَانُهَا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَمَحْصُولُهَا اللَّائِقُ بِهَذَا الْفَنِّ الَّذِي تَصَدَّيْنَا لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ : الْمُعْتَادَةُ .
الْقِسْمُ الثَّانِي مُتَأَخِّرٌ حَيْضُهَا لِعُذْرٍ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : الصَّغِيرَةُ .
الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْآيِسَةُ .
فَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ؛ وَتَحِلُّ إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَطْهَارَ هِيَ الْأَقْرَاءُ ، وَقَدْ كَمُلَتْ ثَلَاثَةً .
وَأَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِمَرَضٍ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَأَصْبَغُ : تَعْتَدُّ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ ثَلَاثَةً .
وَقَالَ أَشْهَبُ : هِيَ كَالْمُرْضِعِ بَعْدَ الْفِطَامِ بِالْحَيْضِ أَوْ بِالسَّنَةِ ، وَقَدْ طَلَّقَ حِبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ فَمَكَثَتْ سَنَةً لَا تَحِيضُ لِأَجْلِ الرَّضَاعِ ، ثُمَّ مَرِضَ حِبَّانُ ، فَخَافَ أَنْ تَرِثَهُ إنْ مَاتَ فَخَاصَمَهَا إلَى عُثْمَانَ ، وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ ، فَقَالَا : نَرَى أَنْ تَرِثَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ ، وَلَا مِنْ الصِّغَارِ ؛ فَمَاتَ حِبَّانُ ، فَوَرِثَتْهُ ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ .
وَلَوْ تَأَخَّرَ الْحَيْضُ لِغَيْرِ مَرَضٍ وَلَا رَضَاعٍ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ سَنَةً لَا حَيْضَ فِيهَا : تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ ثَلَاثَةً ؛ فَتَحِلُّ مَا لَمْ تَرْتَبْ بِحَمْلٍ ، فَإِنْ ارْتَابَتْ
بِحَمْلٍ أَقَامَتْ أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ أَوْ خَمْسَةً أَوَسَبْعَةً عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عُلَمَائِنَا .
وَمَشْهُورُهَا خَمْسَةُ أَعْوَامٍ ؛ فَإِنْ تَجَاوَزَتْهَا حَلَّتْ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا تَحِلُّ أَبَدًا حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهَا الرِّيبَةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَبْقَى الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا خَمْسَةَ أَعْوَامٍ جَازَ أَنْ يَبْقَى عَشْرَةً وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ .
وَأَمَّا الَّتِي جُهِلَ حَيْضُهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : تَعْتَدُّ سَنَةً ؛ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ تِسْعَةٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ : عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي .
وَأَمَّا الْمُرْتَابَةُ فَقَاسَهَا قَوْمٌ عَلَيْهَا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَبْقَى أَبَدًا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ .
وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَيْفَمَا كَانَتْ حُرَّةً ، أَوْ أَمَةً ؛ مُسْلِمَةً ، أَوْ كِتَابِيَّةً فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : إنْ كَانَتْ أَمَةً فَعِدَّتُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : شَهْرَانِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ تَدُلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَالثَّانِيَةَ تَعَبُّدٌ ؛ فَلِذَلِكَ جُعِلَتْ قُرْأَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَانْظُرْهُ هُنَالِكَ مُجَرَّدًا .
وَأَمَّا الْأَشْهُرُ فَإِنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِأَجْلِ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَخْلُقُ اللَّهُ فِيهَا الْوَلَدَ ، وَهَذَا تَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ .
وَيُعَارِضُهُ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ عِنْدَهُمْ شَهْرَانِ ، وَخَمْسُ لَيَالٍ ، وَأَجَلُ الْإِيلَاءِ شَهْرَانِ ، وَأَجَلُ الْعُنَّةِ نِصْفُ عَامٍ .
وَالْأَحْكَامُ مُتَعَارِضَةٌ .
وَأَمَّا الْآيِسَةُ فَهِيَ مِثْلُهَا ، وَإِذَا أَشْكَلَ حَالُ الْيَائِسَةِ كَالصَّغِيرَةِ
لِقُرْبِ السِّنِينَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَإِنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِالدَّمِ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ مَعَ الْأَشْهُرِ فَتَذْهَبَ بِنَفْسِهَا إلَى زَوَالِ الرِّيبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُهُ { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى فَرْضًا وَاجِبًا وَحَقًّا لَازِمًا هُوَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُمْسِكَهُ عَنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسْقِطَهُ عَنْ الزَّوْجِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَسِيرَةٌ عَلَى أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ .
قَالَ مَالِكٌ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ السُّكْنَى ، كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا سُكْنَى إلَّا لِلرَّجْعِيَّةِ .
[ وَقَالَ الضَّحَّاكُ : لَهَا أَنْ تَتْرُكَ السُّكْنَى ، فَجَعَلَهُ حَقًّا لَهَا ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ ] لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .
وَإِنَّمَا عَرَفْنَا وُجُوبَهُ لِغَيْرِهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرْنَا التَّحْقِيقَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الضَّحَّاكِ فَيَرُدُّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } وَهَذَا نَصٌّ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { مِنْ بُيُوتِهِنَّ } إضَافَةُ إسْكَانٍ ، وَلَيْسَتْ إضَافَةَ تَمْلِيكٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ .
وَقَوْلُهُ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ } يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَقًّا عَلَى الْأَزْوَاجِ ، وَيَقْتَضِي قَوْلُهُ : { وَلَا يَخْرُجْنَ } أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الزَّوْجَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ذَكَرَ اللَّهُ الْإِخْرَاجَ وَالْخُرُوجَ عَامًّا مُطْلَقًا ، وَلَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِخَالَتِهِ فِي الْخُرُوجِ فِي جِذَاذِ نَخْلِهَا } .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَعًا ، { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَكَانَ زَوْجُهَا طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ : لَا نَفَقَةَ لَك وَلَا سُكْنَى } .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا خَيْرَ لَهَا فِي ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَفِي مُسْلِمٍ : { قَالَتْ فَاطِمَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ قَالَ : اُخْرُجِي } .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : كَانَ فِي مَكَان وَحِشٍ ، فَخِيفَ عَلَيْهَا .
وَقَالَ مَرْوَانُ : حَيْثُ عِيبَ عَلَيْهِ نَقْلُ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ طَلَّقَهَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنُ الْعَاصِ .
وَذَكَرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ إنْ كَانَ بِك الشَّرُّ فَحَسْبُك مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنْ الشَّرِّ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : لَا نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا تَدْرِي أَحَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ .
فَأَنْكَرَ عُمَرُ وَعَائِشَةُ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؛ لَكِنَّ عُمَرُ رَدَّهُ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ ، وَرَدَّتْهُ عَائِشَةُ بِعِلَّةِ تَوَحُّشِ مَكَانِهَا ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ عُمُومَ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ قَالَتْ : بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } ؛ فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآيَةَ فِي تَحْرِيمِ الْإِخْرَاجِ وَالْخُرُوجُ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّجْعِيَّةِ ، وَصَدَقَتْ .
وَهَكَذَا هُوَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ فِي الْمَبْتُوتَةِ ثَبَتَ مِنْ الْآيَةِ الْأُخْرَى ؛ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَجَاءَ مِنْ هَذَا أَنَّ لُزُومَ الْبَيْتِ لِلْمُعْتَدَّةِ شَرْعٌ لَازِمٌ ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ لِلْحَدَثِ وَالْبَذَاءِ وَالْحَاجَةِ إلَى الْمَعَاشِ وَخَوْفِ الْعَوْرَةِ مِنْ السَّكَنِ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ فِي صِفَةِ الْخُرُوجِ : أَمَّا الْخُرُوجُ لِخَوْفِ الْبَذَاءِ وَالتَّوَحُّشِ وَالْحَاجَةِ إلَى الْمَعَاشِ ؛ فَيَكُونُ
انْتِقَالًا مَحْضًا .
وَأَمَّا الْخُرُوجُ لِلتَّصَرُّفِ لِلْحَاجَاتِ فَيَكُونُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ ؛ إذْ لَا سَبِيلَ لَهَا إلَى الْبَيْتِ عَنْ مَنْزِلِهَا ، وَإِنَّمَا تَخْرُجُ بِالْإِسْفَارِ وَتَرْجِعُ قَبْلَ الْإِغْطَاشِ وَتُمَكَّنُ فَحْمَةُ اللَّيْلِ ؛ قَالَ مَالِكٌ : وَلَا تَفْعَلُ ذَلِكَ دَائِمًا .
وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهِ ، إنَّمَا يَكُونُ خُرُوجُهَا ، فِي الْعِدَّةِ كَخُرُوجِهَا فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فَرْعُ النِّكَاحِ ، لَكِنَّ النِّكَاحَ يَقِفُ الْخُرُوجُ فِيهِ عَلَى إذْنِ الزَّوْجِ ، وَيَقِفُ فِي الْعِدَّةِ عَلَى إذْنِ اللَّهِ ؛ وَإِذْنُ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ الْعُذْرِ الْمُوجِبِ لَهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ } وَكَانَ هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ كَمَا بَيَّنَّا كَانَتْ السُّكْنَى حَقًّا عَلَيْهِنَّ لِلَّهِ ، وَكَانَتْ النَّفَقَةُ حَقًّا عَلَى الْأَزْوَاجِ ، فَسَقَطَتْ بِتَرْكِهِنَّ وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ أَحْكَامِ الرَّجْعَةِ ، وَالسُّكْنَى مِنْ حُقُوقِ الْعِدَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الزِّنَا .
الثَّانِي : أَنَّهُ الْبَذَاءُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ .
وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْبَيْتِ ؛ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عُمَرَ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْخُرُوجُ لِلزِّنَا فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخُرُوجَ هُوَ خُرُوجُ الْقَتْلِ وَالْإِعْدَامِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَثْنًى فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْبَذَاءُ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فَوَهْمٌ ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ الْمَعَاصِي لَا تُبِيحُ الْإِخْرَاجَ وَلَا الْخُرُوجَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ صَحِيحٌ .
وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ شَرْعًا إلَّا أَنْ يَخْرُجْنَ تَعَدِّيًا .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ السُّكْنَى ، وَحَرَّمَ الْخُرُوجَ وَالْإِخْرَاجَ تَحْرِيمًا عَامًّا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا بَيَّنَّاهُ ، وَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ إيضَاحَ الْخُرُوجِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الْجَائِزِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } : قَالَ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ : أَرَادَ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا الرَّغْبَةَ فِي الرَّجْعَةِ ، وَمَعْنَى الْقَوْلِ : التَّحْرِيضُ عَلَى طَلَاقِ الْوَاحِدَةِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الثَّلَاث ؛ فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا أَضَرَّ بِنَفْسِهِ عِنْدَ النَّدَمِ عَلَى الْفِرَاقِ ، وَالرَّغْبَةِ فِي الِارْتِجَاعِ ، وَلَا يَجِدُ عِنْدَ إرَادَةِ الرَّجْعَةِ سَبِيلًا .
وَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فِيهِ الْأَمْرُ بِالطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْ [ فِيهِ لِئَلَّا يَضُرَّ بِالْمَرْأَةِ فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } فِيهِ ] النَّهْيُ عَنْ طَلَاقِ الثَّلَاثِ ، لِئَلَّا تَفُوتَ الرَّجْعَةُ عِنْدَمَا يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الرَّغْبَةِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } : فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } يَعْنِي قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ يَعْنِي الْأَجَلَ الْمُقَدَّرَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .
وَالْعِبَارَةُ عَنْ مُقَارَبَةِ الْبُلُوغِ [ بِالْبُلُوغِ ] سَائِغٌ لُغَةً وَمَعْلُومٌ شَرْعًا .
وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت يَعْنِي قَارَبْت الصُّبْحَ ، وَلَوْ كَانَ لَا يُنَادِي حَتَّى يَرَى [ وَكِيلُهُ ] الصُّبْحَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُعْلِمُهُ هُوَ ، فَيَرْقَى عَلَى السَّطْحِ بَعْدَ ذَلِكَ يُؤَذِّنُ لَكَانَ النَّاسُ يَأْكُلُونَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُقَالُ لَهُ : أَصْبَحْت أَيْ قَارَبْت ، فَيُنَادِي فَيُمْسِكُ النَّاسُ عَنْ الْأَكْلِ فِي وَقْتٍ يَنْعَقِدُ لَهُمْ فِيهِ الصَّوْمُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، أَوْ مَعَهُ .
وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ : وَتَشْكُو بِعَيْنٍ مَا أَكَلَّ رِكَابُهَا وَقِيلَ الْمُنَادِي أَصْبَحَ الْقَوْمُ أَدْلِجْ يَعْنِي قَارَبَ الْقَوْمُ الصَّبَاحَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ } يَعْنِي بِالرَّجْعَةِ ، أَوْ فَارِقُوهُنَّ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَعْنَاهُ أَوْ اُتْرُكُوهُنَّ عَلَى حُكْمِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ ؛ فَيَقَعُ الْفِرَاقُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالطَّلَاقِ الْمَاضِي لِتَرْكِ الْإِمْسَاكِ بِالرَّجْعَةِ ؛ إذْ قَدْ وَقَعَ الْفِرَاقُ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا لَهُ الِاسْتِدْرَاكُ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّصْرِيحِ بِالرَّجْعَةِ الْمُنَاقِضِ لِلتَّصْرِيحِ بِالطَّلَاقِ ، وَسُمِّيَ التَّمَادِي عَلَى حُكْمِ الْفِرَاقِ وَتَرْكِ التَّمَسُّكِ بِالتَّصْرِيحِ بِالرَّجْعَةِ فِرَاقًا مَجَازًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { بِمَعْرُوفٍ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا بِمَعْلُومٍ مِنْ الْإِشْهَادِ .
الثَّانِي : الْقَصْدُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ
النِّكَاحِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَصْلَةِ مَعَ عَدَمِ الْأُلْفَةِ لَا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ ، حَسْبَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ كَانُوا يُطَلِّقُونَ الْمَرْأَةَ حَتَّى إذَا أَشْرَفْت عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا حَتَّى إذَا مَرَّ لِذَلِكَ مُدَّةٌ طَلَّقَهَا هَكَذَا ، كُلَّمَا رَدَّهَا طَلَّقَهَا ، فَإِذَا أَشْرَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ رَاجَعَهَا ، لَا رَغْبَةً ؛ لَكِنْ إضْرَارًا وَإِذَايَةً ، فَنُهُوا أَنْ يُمْسِكُوا أَوْ يُفَارِقُوا إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } .
وَقَوْلِهِ : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { فَإِذَا بَلَغْنَ } : يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، تَمَامُهُ أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَالرَّجْعَةُ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ التَّابِعُونَ قَدِيمًا ، بَيْدَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ بِالْفِعْلِ ، حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهِ النِّيَّةُ ، فَيَقْصِدَ بِالْوَطْءِ أَوْ الْقُبْلَةِ الرَّجْعَةَ وَبِالْمُبَاشَرَةِ كُلَّهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ : الْوَطْءُ مُجَرَّدًا رَجْعَةٌ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، هُوَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هَلْ الرَّجْعِيَّةُ مُحَرِّمَةُ الْوَطْءِ أَمْ لَا ؟ فَعِنْدَنَا أَنَّهَا مُحَرِّمَةُ الْوَطْءِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ :
وَطْؤُهَا مُبَاحٌ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ ؛ فَلَمْ يُحَرِّمْ الْوَطْءَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَقَعْ ، هَذَا طَلَاقٌ وَاقِعٌ فَيَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ ، لَا سِيَّمَا وَهِيَ جَارِيَةٌ [ بِهِ ] إلَى بَيْنُونَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْعِصْمَةِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُحَرِّمَةُ الْوَطْءِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدِ الرَّدِّ ، وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ مَعَهُ الرَّدُّ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَلَا مُعْتَمَدَ لَهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَنَا كُلُّ ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ؛ إذْ الْإِمْسَاكُ يَكُونُ بِهِمَا عَادَةً ، وَيَكُونُ شَرْعًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ يَكُونُ إمْسَاكُهَا بِالْقَوْلِ بِأَنْ تَقُولَ : اخْتَرْت ، وَبِالْفِعْلِ بِأَنْ تُمَكِّنَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } وَالرَّدُّ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَوْلِ ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ .
وَمِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ أَمْسَكْتهَا ، هَلْ يَكُونُ رَجْعَةً أَمْ لَا ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُظَفَّرٍ الطَّبَرِيُّ : لَا يَكُونُ رَجْعَةً ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْوَطْءِ لَا تَكُونُ إلَّا بِلَفْظَيْنِ ، وَهُمَا قَوْلُهُ : رَاجَعْت ، أَوْ رَدَدْت ، كَمَا يَكُونُ النِّكَاحُ بِلَفْظَيْنِ وَهُمَا قَوْلُهُ : زَوَّجْت ، أَوْ نَكَحْت ، وَهَذَا مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَحَكُّمٌ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنْ يَقِفَ عَلَى [ لَفْظَيْنِ لَكَانَ وُقُوفُهُ عَلَى ] لَفْظَيْ الْقُرْآنِ ، وَهُمَا رَدَدْت وَأَمْسَكْت اللَّذَانِ جَاءَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَهَا هُنَا أَوْلَى مِنْ
لَفْظِ رَاجَعْت الَّذِي لَمْ يَأْتِ فِي الْقُرْآنِ ، بَيْدَ أَنَّهُ جَاءَ فِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، كَمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ لَفْظٌ ثَالِثٌ فِي النِّكَاحِ ، وَهُوَ فِي شَأْنِ الْمَوْهُوبَةِ ؛ إذْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَقَدْ مَلَكْتهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ؛ فَذَكَرَ النِّكَاحَ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَائِنَا كَمَا تَقَدَّمَ : إنَّ الرَّجْعَةَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ ، فَلَوْ خَلَا ذَلِكَ فِي نِيَّةٍ ، أَوْ كَانَتْ نِيَّةٌ دُونَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَا حُكْمُهُ ؟ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : إذَا عَرَى الْقَوْلُ أَوْ الْفِعْلُ عَنْ النِّيَّةِ فَلَيْسَا بِرَجْعَةٍ .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْوَطْءَ الْعَارِيَ مِنْ نِيَّةٍ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ ، وَالْقَوْلَ الْعَارِيَ عَنْ النِّيَّةِ جَعَلَهُ رَجْعَةً ؛ إذَا قَالَ : رَاجَعْتُك وَكُنْت هَازِلًا ، فَعَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ بِأَنَّ النِّكَاحَ بِالْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ فَلَا يَكُونُ رَجْعَةً ؛ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعَةً بِالنِّيَّةِ دُونَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَحَمَلَهُ الْقَرَوِيُّونَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ إنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ دُونَ قَوْلٍ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ أَسْرَعُ فِي الثُّبُوتِ مِنْ النِّكَاحِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } : وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ : إنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْإِشْهَادِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَخُصُوصًا حِلُّ الظِّهَارِ بِالْكَفَّارَةِ .
وَرَكَّبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ : كُنْت رَاجَعْت أَمْسِ ، وَأَنَا أُشْهِدُ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّهُ إشْهَادٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالرَّجْعَةِ ؛ وَمِنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا ، فَلَا تَصِحُّ دُونَهُ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الرَّجْعَةِ تَعَبُّدٌ ، وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ فِيهَا وَلَا فِي النِّكَاحِ .
بَلْ نَقُولُ : إنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّوَثُّقِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْإِقْرَارِ ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْإِنْشَاءِ ، وَبَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ وَهِيَ فَرْعٌ غَرِيبٌ : إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ أَنْ ارْتَدَّتْ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : تَصِحُّ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ زَوْجَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ مُرْتَدَّةٍ ؛ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَصِحُّ فِي حَالِ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً بِالْإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ ، كَذَلِكَ الرِّدَّةُ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مُحَرَّمٍ ، فَلَمْ تَجُزْ مَعَ الرِّدَّةِ ، كَالنِّكَاحِ ؛ وَالْمُحَرَّمَةُ وَالْحَائِضُ لَيْسَتَا بِمُحَرَّمَتَيْنِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْخَلْوَةُ بِهِمَا لِزَوْجِهِمَا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْعِدَّةِ ، كُنْت رَاجَعْتهَا وَصَدَّقَتْهُ جَازَ ، وَلَوْ أَنْكَرَتْ حَلَفَتْ ، وَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ الْخِلَافِ مَشْرُوحٌ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِإِعْمَالِ الْإِقْرَارِ فِي الرَّجْعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } : وَهَذَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ بِالذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { ذَوَيْ } مُذَكَّرٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا مَدْخَلَ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } : يَعْنِي لَا تُضَيِّعُوهَا وَلَا تُغَيِّرُوهَا ، وَأْتُوا بِهَا عَلَى وَجْهِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ } : وَهَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا ارْتَبْتُمْ .
وَحُرُوفُ الْمَعَانِي يُبْدَلُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا هَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَجْهِ الَّذِي رَجَعَتْ فِيهِ إنْ بِمَعْنَى إذَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى مَا رُوِيَ أَنَّ { أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنَا عِدَّةَ الْحَائِضِ بِالْأَقْرَاءِ فَمَا حُكْمُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ } .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَهُوَ الثَّانِي : إنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِدَّةَ الْحَائِضِ بِالْأَقْرَاءِ ، فَمَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا ، وَهِيَ تَقْرُبُ مِنْ حَدِّ الِاحْتِمَالِ [ فَوَاجِبٌ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِالْأَشْهُرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَمِنْ ارْتَفَعَتْ عَنْ حَدِّ الِاحْتِمَالِ ] وَجَبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ بِالْإِجْمَاعِ ، لَا بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا رِيبَةَ فِيهَا .
الثَّالِثُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : الْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي دَمَ حَيْضٍ هُوَ أَوْ دَمَ عِلَّةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَحْقِيقِ الْمَقْصُودِ : أَمَّا وَضْعُ حُرُوفِ الْمَعَانِي إبْدَالًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ .
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي حُرُوفِ الْخَفْضِ ؛ وَإِنَّمَا الْآيَةُ وَارِدَةٌ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْعِدَّةِ مَوْضُوعٌ لِأَجْلِ الرِّيبَةِ ؛ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ، وَتَرْتَابُ لِشُغْلِهِ بِالْمَاءِ ؛ فَوُضِعَتْ الْعِدَّةُ لِأَجْلِ هَذِهِ الرِّيبَةِ ،
وَلَحِقَهَا ضَرْبٌ مِنْ التَّعَبُّدِ .
وَيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَرْفَ " إنْ " يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ الْوَاجِبِ ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ الْمُمْكِنِ ، وَعَلَى هَذَا خُرِّجَ قَوْلُهُ : " وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ " .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَلْجَئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ وَاللُّغَوِيِّينَ .
وَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيٍّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } يَقُولُ فِي شَأْنِ الْعِدَّةِ : إنَّ تَفْسِيرَهَا : إنْ لَمْ تَدْرُوا مَا تَصْنَعُونَ فِي أَمْرِهَا فَهَذِهِ سَبِيلُهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } يَعْنِي الصَّغِيرَةَ ، وَعِدَّتُهَا أَيْضًا بِالْأَشْهُرِ ؛ لِتَعَذُّرِ الْأَقْرَاءِ فِيهَا عَادَةً ؛ وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا أَجْرَاهَا اللَّهُ عَلَى الْعَادَاتِ ، فَهِيَ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي زَمَنِ احْتِمَالِهِ عِنْدَ النِّسَاءِ انْتَقَلَتْ إلَى الدَّمِ ، لِوُجُودِ الْأَصْلِ .
فَإِذَا وُجِدَ الْأَصْلُ لَمْ يَبْقَ لِلْبَدَلِ حُكْمٌ ، كَمَا أَنَّ الْمُسِنَّةَ إذَا اعْتَدَّتْ بِالدَّمِ ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَادَتْ إلَى الْأَشْهُرِ .
رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ اعْتَدَّتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ حَلَّتْ ، وَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالتَّرَبُّصِ سَنَةً .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : تَبْقَى إلَى سِنِّ الْيَأْسِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَعْتَدُّ سَنَةً ؛ وَإِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً وَانْقَطَعَ حَيْضُهَا وَقَالَ النِّسَاءُ : إنَّ مِثْلَهَا لَا تَحِيضُ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ إنَّهَا تَبْقَى إلَى سِنِّ الْيَأْسِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ إذَا كَانَتْ مُرْتَابَةً بِحَمْلٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ لَا تَحِلُّ أَبَدًا حَتَّى تَيْأَسَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُنْكِحَ وَلَدَهُ الصِّغَارَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِدَّةَ مَنْ لَمْ يَحِضْ مِنْ النِّسَاءِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَلَا تَكُونُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا نِكَاحٌ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ ، وَهُوَ بَدِيعٌ فِي فَنِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } : هَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهَا ، وَإِلَيْهَا رَجَعَ عَقِبَ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَذَلِكَ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَحَدِيثِ سُبَيْعَةَ فِي السُّنَّةِ ؛ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ قَدْ حَصَلَتْ يَقِينًا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إذَا وَضَعَتْ الْحَامِلُ مَا وَضَعَتْ مِنْ عَلَقَةٍ أَوْ مُضْغَةٍ حَلَّتْ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَحِلُّ إلَّا بِمَا يَكُونُ وَلَدًا .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِ اللَّهِ الْعِدَّةَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ أَنَّهَا الْمُدَّةُ الَّتِي فِيهَا يُخْلَقُ الْوَلَدُ فَوُضِعَتْ اخْتِبَارًا لِشَغْلِ الرَّحِمِ مِنْ فَرَاغِهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَائْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } : قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : يَخْرُجُ عَنْهَا إذَا طَلَّقَهَا ، وَيَتْرُكُهَا فِي الْمَنْزِلِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } فَلَوْ كَانَ مَعَهَا مَا قَالَ : أَسْكِنُوهُنَّ .
وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } يَعْنِي الْمُطَلَّقَاتِ اللَّاتِي قَدْ بِنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ ، فَلَا رَجْعَةَ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ ، وَلَيْسَتْ حَامِلًا ؛ فَلَهَا السُّكْنَى وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ ، لَا يَتَوَارَثَانِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا .
وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالْمَسْكَنُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبِنْ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُنَّ نِسَاؤُهُمْ يَتَوَارَثْنَ ، وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مَا كُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّكْنَى لَهُنَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ مَعَ نَفَقَتِهِنَّ وَكِسْوَتِهِنَّ ، كُنَّ حَوَامِلَ أَوْ غَيْرَ حَوَامِلَ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِالسُّكْنَى لِلَّاتِي بِنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } ؛ فَجَعَلَ عَزَّ وَجَلَّ لِلْحَوَامِلِ اللَّائِي قَدْ بِنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي بَسْطِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقِهِ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ السُّكْنَى أَطْلَقَهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ ، فَلَمَّا ذَكَرَ النَّفَقَةَ قَيَّدَهَا
بِالْحَمْلِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ مَهَّدْنَا سُبُلَهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً وَمَعْنًى فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَهَذَا مَأْخَذُهَا مِنْ الْقُرْآنِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا حُجَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ } رَاجِعٌ إلَى مَا قَبْلَهُ ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ .
قُلْنَا : لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَمَا قَالَ : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ } ؛ فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ يُنْفَقُ عَلَيْهَا حَامِلًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ ، فَلَمَّا خَصَّهَا بِذِكْرِ النَّفَقَةِ حَامِلًا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْبَائِنُ الَّتِي لَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ وَأَحْكَامَهَا حَتَّى بَلَغَ إلَى قَوْله تَعَالَى : { ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمًا يَعُمُّ الْمُطَلَّقَاتِ كُلَّهُنَّ مِنْ تَعْدِيدِ الْأَشْهُرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [ مِنْ الْأَحْكَامِ ] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُطَلَّقَةٍ ؛ فَرَجَعَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } : قَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِ الرَّضَاعِ ، وَوَضَّحْنَا أَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً عَلَى الْأُمِّ ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهَا تَارَةً .
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَضَاعُ الْوَلَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : رَضَاعُ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجَةِ مَا دَامَتْ الزَّوْجِيَّةُ ، إلَّا لِشَرَفِهَا أَوْ مَرَضِهَا فَعَلَى الْأَبِ حِينَئِذٍ رَضَاعُهُ فِي مَالِهِ .
الثَّانِي : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ [ وَالشَّافِعِيُّ ] : لَا يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ بِحَالٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجِبُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ حَالٍ .
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا عَلَيْهَا أَوْ لَهَا ، لَكِنَّ الْعُرْفَ يَقْضِي بِأَنَّهُ عَلَيْهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيفَةً ، وَمَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ فَهُوَ كَالشَّرْطِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ يُقْضَى بِهِ فِي الْأَحْكَامِ [ وَالْعَادَةُ ] إذَا كَانَتْ شَرِيفَةً أَلَّا تُرْضِعَ فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ .
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا يَلْزَمُهَا إرْضَاعُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَابِلٍ ثَدْيَ غَيْرِهَا ، فَيَلْزَمُهَا حِينَئِذٍ الْإِرْضَاعُ ؛ أَوْ تَكُونَ مُخْتَارَةً لِذَلِكَ فَتُرْضِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ بِالْأُجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .
وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَائْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فَالْمَعْرُوفُ أَنْ تُرْضِعَ مَا دَامَتْ زَوْجَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيفَةً ، وَأَلَّا تُرْضِعَ بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ إلَّا بِأَجْرٍ .
فَإِنْ قَبِلَ غَيْرَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ إرْضَاعَهُ فَهِيَ أَوْلَى بِمَا يَأْخُذُهُ غَيْرُهَا .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ } : الْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَغَيْرُهَا تُرْضِعُ يَعْنِي إنْ قَبِلَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ كَمَا تَقَدَّمَ لَزِمَهَا وَلَمْ يَنْفَعْهَا تَعَاسُرُهَا مَعَ الْأَبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } : هَذَا يُفِيدُ أَنَّ النَّفَقَةَ لَيْسَتْ مُقَدَّرَةً شَرْعًا ، وَإِنَّمَا تَتَقَدَّرُ عَادَةً بِحَسَبِ الْحَالَةِ مِنْ الْمُنْفِقِ وَالْحَالَةُ مِنْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ ، فَتُقَدَّرُ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ .
وَقَدْ فَرَضَ عُمَرُ لِلْمَنْفُوسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي الْعَامِ بِالْحِجَازِ ، وَالْقُوتُ بِهَا مَحْبُوبٌ ، وَالْمِيرَةُ عَنْهُ بَعِيدَةٌ ، وَيَنْظُرُ الْمُفْتِي إلَى قَدْرِ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى حَالَةِ الْمُنْفِقِ ؛ فَإِنْ احْتَمَلَتْ الْحَالَةُ الْحَاجَةَ أَمْضَاهَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَصُرَتْ حَالَتُهُ عَنْ حَالَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ رَدَّهَا إلَى قَدْرِ احْتِمَالِ حَالِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا } ؛ فَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ مَا يَكْفِيهِ ، وَيَفْضُلُ عَنْهُ فَضْلٌ أَخَذَهُ وَلَدُهُ ، وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ ؛ وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوَّلًا ، لَكِنْ لَا يَرْتَفِعُ لَهُ ؛ بَلْ يُقَدَّرُ لَهُ الْوَسَطُ ، حَتَّى إذَا اسْتَوْفَاهُ عَادَ الْفَضْلُ إلَى سِوَاهُ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدَ { : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } ؛ فَأَحَالَهَا عَلَى الْكِفَايَةِ حِينَ عَلِمَ السَّعَةَ مِنْ حَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِطَلَبِهَا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي تَقْدِيرِ الْإِنْفَاقِ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَقْدِيرٌ شَرْعِيٌّ ، وَإِنَّمَا أَحَالَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْعَادَةِ ، وَهِيَ دَلِيلٌ أُصُولِيٌّ بَنَى اللَّهُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ ، وَرَبَطَ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ ؛ وَقَدْ أَحَالَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَادَةِ فِيهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَقَالَ : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .
وَقَالَ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَقَدَّرْنَا
لِلْكَبِيرِ نَفَقَةً لِشِبَعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمُلَاءَتِهِ .
وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ فَلِأُمِّهِ أَجْرُهَا بِالْمِثْلِ إذَا شَطَّتْ عَلَى الْأَبِ ، وَالْمُفْتُونَ مِنَّا يُقَدِّرُونَهَا بِالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ ، وَلَيْسَ لَهَا تَقْدِيرٌ إلَّا بِالْمِثْلِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا مِنْ الطَّعَامِ .
وَأَمَّا إذَا أَكَلَ فَيُفْرَضُ لَهُ قَدْرُ مَأْكَلِهِ وَمَلْبَسِهِ عَلَى قَدْرِ الْحَالِ .
كَمَا قَدَّمْنَا .
وَفَرَضَ عُمَرُ لِلْمَنْفُوسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، وَفَرَضَ لَهُ عُثْمَانُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا .
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ حَالِ السِّنِينَ ، أَوْ بِحَسَبِ حَالِ الْقَدْرَ فِي التَّسْعِيرِ لِثَمَنِ الْقُوتِ وَالْمَلْبَسِ .
وَقَدْ رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتَّى يُطْعَمَ ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى : لَا تُعَجِّلُوا أَوْلَادَكُمْ عَنْ الْفِطَامِ ، فَإِنَّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ .
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي وَجَدَّتِي أَنَّهَا كَانَتْ تَرِدُ عَلَى عُثْمَانَ فَفَقَدَهَا ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ : مَالِي لَا أَرَى فُلَانَةَ ؟ فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَدَتْ اللَّيْلَةَ ، فَبَعَثَ إلَيْهَا بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَشُقَيْقَةً أَنْبِجَانِيَّةً ثُمَّ قَالَ : هَذَا عَطَاءُ ابْنِك ، وَهَذِهِ كِسْوَتُهُ ، فَإِذَا مَرَّتْ لَهُ سَنَةٌ رَفَعْنَاهُ إلَى مِائَةٍ .
وَقَدْ أَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِمَنْبُوذٍ ، فَفَرَضَ لَهُ مِائَةً .
وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا الْفَرْضُ قَبْلَ الْفِطَامِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ مُسْتَحَبًّا ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ وَاجِبًا لِمَا تَجَدَّدَ مِنْ حَاجَتِهِ وَعَرَضَ مِنْ مُؤْنَتِهِ ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِحَالِهِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، وَبِحَالِهِ عِنْدَ الْفِطَامِ .
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ الْمُدَّ بِيَدٍ وَالْقِسْطَ بِيَدٍ ، وَقَالَ : إنِّي فَرَضْت لِكُلِّ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مُدَّيْ حِنْطَةٍ
وَقِسْطَيْ خَلٍّ ، وَقِسْطَيْ زَيْتٍ .
زَادَ غَيْرُهُ ، وَقَالَ : إنَّا قَدْ أَجَزْنَا لَكُمْ أَعْطِيَاتِكُمْ وَأَرْزَاقَكُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ .
فَمَنْ انْتَقَصَهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا وَكَذَا ، وَدَعَا عَلَيْهِ .
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كَمْ سُنَّةٍ رَاشِدَةٍ مَهْدِيَّةٍ قَدْ سَنَّهَا عُمَرُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ وَالْمُدُّ ] وَالْقِسْطُ كَيْلَانِ شَامِيَّانِ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ ، وَقَدْ دُرِسَا بِعُرْفٍ آخَرَ ؛ فَأَمَّا الْمُدُّ فَدُرِسَ إلَى الْكِيلَجَةِ ، وَأَمَّا الْقِسْطُ فَدُرِسَ إلَى الْكَيْلِ ، وَلَكِنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ عِنْدَنَا رُبْعَانِ فِي الطَّعَامِ ، وَثُمُنَانِ فِي الْإِدَامِ ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَبِقَدْرِ الْعَادَةِ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ ، وَجُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ وَكِسَاءٌ وَإِزَارٌ وَحَصِيرٌ .
وَهَذَا الْأَصْلُ ، وَيَتَزَيَّدُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَالْعَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ دُونَ الْأُمِّ ، خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ ؛ إذْ يَقُولُ : إنَّهَا عَلَى الْأَبَوَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ ، وَبَيَانُهَا فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالْخِلَافِيَّاتِ ، وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا أَرَادَ أَنَّهَا عَلَى الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَقُولُ لَك الْمَرْأَةُ أَنْفِقْ عَلَيَّ وَإِلَّا طَلِّقْنِي ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ : أَنْفِقْ عَلَيَّ وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَيَقُولُ لَك ابْنُك : أَنْفِقْ عَلَيَّ إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ فَقَدْ تَعَاضَدَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَتَوَارَدَا فِي مَشْرَعَةٍ وَاحِدَةٍ } .
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
سُورَة التَّحْرِيمِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِك وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا { الْمَوْهُوبَةُ الَّتِي جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنِّي وَهَبْت لَك نَفْسِي .
فَلَمْ يَقْبَلْهَا } رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَارِيَةَ أُمِّ إبْرَاهِيمَ ، خَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، وَقَدْ خَرَجَتْ لِزِيَارَةِ أَبِيهَا ، فَلَمَّا عَادَتْ وَعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلَيْهِ ، فَحَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسِهِ إرْضَاءً لِحَفْصَةَ ، وَأَمَرَهَا أَلَّا تُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ ، فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ لِمُصَافَاةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ؛ فَطَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ ، وَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ شَهْرًا ، وَكَانَ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَرَاجَعَ حَفْصَةُ ، وَاسْتَحَلَّ مَارِيَةَ ، وَعَادَ إلَى نِسَائِهِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَارِيَةَ بِيَمِينٍ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ : حَرَّمَهَا بِيَمِينٍ .
وَقَالَ غَيْرُهُمْ : إنَّهُ حَرَّمَهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ لِلْجُعْفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا فَتَوَاصَيْت أَنَا وَحَفْصَةُ عَلَى أَيَّتِنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ : أَكَلْت مَغَافِيرَ ، إنِّي أَجِدُ مِنْك رِيحَ
مَغَافِيرَ .
قَالَ : لَا .
وَلَكِنِّي شَرِبْت عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ .
وَقَدْ حَلَفْت لَا تُخْبِرِي أَحَدًا يَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ، وَذَكَرَ نَحْوًا مِنْ الْقِصَّةِ ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ .
وَالْأَكْثَرُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عِنْدَ زَيْنَبَ ، وَأَنَّ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ .
وَرَوَى أَسْبَاطٌ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَكُلُّهُ جَهْلٌ وَتَسَوُّرٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا مَنْ رَوَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمَوْهُوبَةِ فَهُوَ ضَعِيفٌ فِي السَّنَدِ ، وَضَعِيفٌ فِي الْمَعْنَى ؛ أَمَّا ضَعْفُهُ فِي السَّنَدِ فَلِعَدَمِ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ ، وَأَمَّا ضَعْفُهُ فِي مَعْنَاهُ فَلِأَنَّ رَدَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَوْهُوبَةِ لَيْسَ تَحْرِيمًا لَهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ رَدَّ مَا وُهِبَ لَهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ التَّحْلِيلِ .
وَأَمَّا مَنْ رَوَى أَنَّهُ حَرَّمَ مَارِيَةَ فَهُوَ أَمْثَلُ فِي السَّنَدِ ، وَأَقْرَبُ إلَى الْمَعْنَى ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُدَوَّنْ فِي صَحِيحٍ ، وَلَا عُدِّلَ نَاقِلُهُ ، كَمَا أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؛ قَالَ { : حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ؛ وَاَللَّهِ لَا أَتَيْتُك .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِك } } .
وَرَوَى مِثْلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ : رَاجَعَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ ، فَاقْشَعَرَّ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ : مَا كَانَ النِّسَاءُ هَكَذَا .
قَالَتْ : بَلَى ، وَقَدْ كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعْنَهُ .
فَاحْتَزَمَ ثَوْبَهُ ، فَخَرَجَ إلَى حَفْصَةَ ، فَقَالَ لَهَا : أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَكْرَهُ مَا فَعَلْت .
فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ نِسَاءَهُ قَالَ : رَغْمَ أَنْفِ حَفْصَةَ .
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْعَسَلِ ، وَأَنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ زَيْنَبَ ، وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ فِيهِ ، وَجَرَى مَا جَرَى ، فَحَلَفَ أَلَّا يَشْرَبَهُ ، وَأَسَرَّ ذَلِكَ ، وَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الْجَمِيعِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { لِمَ تُحَرِّمُ } إنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ وَلَمْ يَحْلِفْ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ عِنْدَنَا فِي الْمَعْنَى ، وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا قَوْلُ الرَّجُلِ : هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ ، حَاشَا الزَّوْجَةَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ دُونَ الْمَلْبُوسِ ، وَكَانَتْ يَمِينًا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ .
[ وَقَالَ زُفَرُ : هُوَ يَمِينٌ فِي الْكُلِّ ، حَتَّى فِي الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ .
وَعَوَّلَ الْمُخَالِفُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ الْعَسَلَ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ] .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } فَسَمَّاهُ يَمِينًا ؛ وَعَوَّلَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ التَّحْرِيمُ ، فَإِذَا وُجِدَ مَلْفُوظًا بِهِ تَضَمَّنَ مَعْنَاهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
وَقَوْلُهُ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } فَذَمَّ اللَّهُ الْمُحَرِّمَ لِلْحَلَالِ ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَاتِ ، وَهَذَا يَنْقُضُ مَذْهَبَ الْمُخَالِفِينَ : زُفَرَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَيَنْقُضُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ إخْرَاجُهُ اللِّبَاسَ مِنْهُ ، وَلَا جَوَابَ لَهُ عَنْهُ ، وَخَفِيَ عَنْ الْقَوْمِ سَبَبُ الْآيَةِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ أَلَّا يَشْرَبَ عَسَلًا .
وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ ؛ وَقِيلَ لَهُ : لِمَ تُحَرِّمُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ مَعْنَى النَّهْيِ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ فَكَانَ كَالْمَالِ فِي الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ ؛ بَلْ التَّحْرِيمُ مَعْنًى يُرَكَّبُ عَلَى لَفْظِ الْيَمِينِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ اللَّفْظُ لَمْ يُوجَدْ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمِلْكِ
فَإِنَّهُ لَمْ يُرَكَّبْ عَلَى لَفْظِ الْبَيْعِ ، بَلْ هُوَ فِي مَعْنَى لَفْظِهِ ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِي كِتَابِ تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ ، وَالْإِنْصَافِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا حَرَّمَ الزَّوْجَةَ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا ، وَجَمَعْنَاهَا فِي كِتَابِ الْمَسَائِلِ ، وَأَوْضَحْنَاهَا بِمَا مَقْصُودُهُ أَنْ نَقُولَ : يَجْمَعُهَا ثَلَاثَةُ مَقَامَاتٍ : الْمَقَامُ الْأَوَّلُ : فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا يَمِينٌ تُكَفَّرُ ؛ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعَائِشَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .
الثَّانِي قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ؛ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا ظِهَارٌ ؛ قَالَهُ عُثْمَانُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
الْخَامِسُ أَنَّهَا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ ؛ قَالَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ .
السَّادِسُ أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ [ وَمَالِكٌ ] .
السَّابِعُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ الظِّهَارَ كَانَ مَا نَوَى ، وَإِلَّا كَانَتْ يَمِينًا وَكَانَ الرَّجُلُ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ .
الثَّامِنُ أَنَّهُ لَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهَارِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ طَلَاقًا ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
التَّاسِعُ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : يَكُونُ طَلَاقًا ، فَإِنْ ارْتَجَعَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ .
الْعَاشِرُ هِيَ ثَلَاثٌ قَبْلُ وَبَعْدُ ، لَكِنَّهُ يَنْوِي فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي الْوَاحِدَةِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ .
الْحَادِيَ عَشَرَ ثَلَاثٌ ، وَلَا يَنْوِي بِحَالٍّ ، وَلَا فِي مَحِلٍّ ؛ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ .
الثَّانِيَ عَشَرَ هِيَ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاحِدَةٌ ، وَفِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا ثَلَاثٌ ؛ قَالَهُ أَبُو مُصْعَبٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّهُ إنْ نَوَى الظِّهَارَ ، وَهُوَ أَنْ
يَنْوِيَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَتَحْرِيمِ أُمِّهِ كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيمَ عَيْنِهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ تَحْرِيمًا مُطْلَقًا وَجَبَتْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الرَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ .
الْخَامِسَ عَشَرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ قَالَهُ مَسْرُوقُ بْنُ رَبِيعَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
وَرَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهَا ظِهَارًا .
وَلَسْت أَعْلَمُ لَهُ وَجْهًا ، وَلَا يَتَعَدَّدُ فِي الْمَقَالَاتِ عِنْدِي .
الْمَقَامُ الثَّانِي فِي التَّوْجِيهِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا يَمِينٌ فَقَالَ : سَمَّاهَا اللَّهُ يَمِينًا فِي قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } ؛ فَسَمَّاهَا اللَّهُ يَمِينًا ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ عَلَى شُرْبِ الْعَسَلِ ، وَهَذِهِ يَمِينٌ كَمَا قَدَّمْنَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : تَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ فَبَنَاهُ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِيهَا وَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى الْيَمِين عِنْدَهُ التَّحْرِيمُ ، فَوَقَعَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَعْنَى ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، فَبَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِهِ ، وَالرَّجْعِيَّةُ مُحَرِّمَةُ الْوَطْءِ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، وَهَذَا يَلْزَمُ مَالِكًا لِقَوْلِهِ : إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرِّمَةُ الْوَطْءِ .
وَكَذَلِكَ وَجْهُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ ثَلَاثٌ ، فَحَمَلَهُ عَلَى أَكْبَرِ مَعْنَاهُ ؛ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ ظِهَارٌ فَبَنَاهُ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَلُّ دَرَجَاتِ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ فَعَوَّلَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُحَرِّمُ الْمُطَلَّقَةَ ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ يُحَرِّمُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك نَفَذَ وَسَقَطَتْ الرَّجْعَةُ ، وَحُرِّمَتْ ؛ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ حَرَامٌ [ عَلَيَّ ] فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا بَائِنًا مَعْنَوِيًّا ، وَكَأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ إنْفَاذِ الطَّلَاقِ وَإِسْقَاطِ الرَّجْعَةِ .
وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَنْفُذُ قَوْلُهُ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك ؛ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ حُكْمُ اللَّهِ ، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ إلَّا بِمَا أَسْقَطَهُ اللَّهُ مِنْ الْعِوَضِ الْمُقْتَرِنِ بِهِ ، أَوْ الثَّلَاثِ الْقَاضِيَةِ عَلَيْهِ وَالْغَايَةِ لَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا تَكُونُ عَارِيَّةً عَنْ النِّيَّةِ يَمِينًا فَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُهُ .
وَأَمَّا نَفْيُ الظِّهَارِ فِيهِ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَخْتَصُّ بِمَعْنًى ، فَاخْتَصَّ بِلَفْظٍ ، وَهَذَا إنَّمَا يَلْزَمُ لِمَنْ يَرَى مُرَاعَاةَ الْأَلْفَاظِ ؛ وَنَحْنُ إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْمَعَانِيَ خَاصَّةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ تَعَبُّدًا .
وَأَمَّا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ احْتَاطَ بِأَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا ؛ فَلَمَّا ارْتَجَعَهَا احْتَاطَ بِأَنْ أَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةَ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ ظِهَارٌ وَطَلَاقٌ فِي مَعْنَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَلَا وَجْهَ لِلِاحْتِيَاطِ فِيمَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُ فِي الدَّلِيلِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَنْوِي فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلِأَنَّ الْوَاحِدَةَ تُبِينُهَا وَتُحَرِّمُهَا شَرْعًا إجْمَاعًا .
وَكَذَلِكَ قَالَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ : إنَّ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي قَبْلَ الدُّخُولِ
فِي التَّحْرِيمِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَيَكْفِي أَخْذًا بِالْأَقَلِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ مُخْتَلَفٌ فِي اقْتِضَائِهِ التَّحْرِيمَ فِي الْعِدَّةِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا ثَلَاثٌ فِيهِمَا فَلِأَنَّهُ أَخَذَ بِالْحُكْمِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالثَّلَاثِ لَنَفَذَتْ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا نُفُوذَهَا فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا .
وَمِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مِثْلَهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ فَيَرْجِعُ إلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا شَيْءَ فِيهَا فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ كَذِبٌ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَاقْتَحَمَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ فِي الشَّرْعِ مُرَتَّبًا عَلَى أَسْبَابِهِ ؛ فَأَمَّا إرْسَالُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الطَّلَاقَ لَكَانَ أَقَلَّهُ وَهُوَ الْوَاحِدَةُ ، إلَّا أَنْ يُعَدِّدَهُ ، كَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ التَّحْرِيمَ يَكُونُ أَقَلَّهُ ، إلَّا أَنْ يُقَيِّدَهُ بِالْأَكْثَرِ ؛ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْمُرَادِ .
وَقَدْ أَحْكَمْنَا الْأَسْئِلَةَ وَالْأَجْوِبَةَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالتَّفْرِيعِ .
الْمَقَامُ الثَّالِثُ فِي تَصْوِيرِهَا ، وَأَخَّرْنَاهُ فِي الْأَحْكَامِ الْقُرْآنِيَّةِ لِمَا يَجِبُ مِنْ تَقْدِيمِ مَعْنَى الْآيَةِ ، وَاسْتَقْدَمْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالتَّفْرِيعِ ؛ لِيَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ مِنْهَا .
وَعَدَدُ صُوَرِهَا عَشْرَةٌ : الْأُولَى : قَوْلُهُ : حَرَامٌ .
الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : عَلَيَّ حَرَامٌ .
الثَّالِثَةُ : أَنْتِ حَرَامٌ .
الرَّابِعَةُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .
الْخَامِسَةُ : الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ .
السَّادِسَةُ : مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ حَرَامٌ .
السَّابِعَةُ : مَا أَعِيشُ فِيهِ حَرَامٌ .
الثَّامِنَةُ : مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ عَلَيَّ .
التَّاسِعَةُ :
الْحَلَالُ حَرَامٌ .
الْعَاشِرَةُ أَنْ يُضِيفَ التَّحْرِيمَ إلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا .
فَأَمَّا الْأُولَى ، وَالثَّانِيَةُ ، وَالتَّاسِعَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُطْلَقٌ لَا ذِكْرَ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ ، وَلَوْ قَالَ : مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ حَرَامٌ فَهُوَ مَا يَلْزَمُهُ فِي قَوْلِهِ : الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَةُ ، إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهَا .
وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي وَجْهِ الْمُحَاشَاةِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : إنْ حَاشَاهَا بِقَلْبِهِ خَرَجَتْ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُحَاشِيهَا إلَّا بِلَفْظِهِ ، كَمَا دَخَلَتْ فِي لَفْظِهِ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْمُحَاشَاةِ بِالْقَلْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ يَخْتَصُّ بِالنِّيَّةِ .
وَأَمَّا إضَافَةُ التَّحْرِيمِ إلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا فَشَأْنُهُ شَأْنُهُ فِيمَا إذَا أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٌ .
قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُطَلِّقُ فِي جَمِيعِهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي ذِكْرِ [ الرَّأْسِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي ذِكْرِ ] الْيَدِ وَنَحْوِهَا ؛ وَذَلِكَ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ وَالتَّفْرِيعِيَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إذَا حَرَّمَ الْأَمَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيمٌ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، وَسَاعَدَهُ سِوَاهُ ، فَإِنْ تَعَلَّقُوا بِالْآيَةِ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ الظِّهَارَ عِنْدَنَا يَصِحُّ فِيهَا فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الظِّهَارَ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ لَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ .
وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا صَحَّ ظِهَارُهُ فِي الْأَمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ ، وَأَوْضَحْنَا أَيْضًا أَنَّ الْأَمَةَ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ ، فَلَا يَلْحَقُهَا التَّحْرِيمُ كَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ ، وَمَا لَهُمْ مِنْ شُبْهَةٍ قَدْ تَقَصَّيْنَا عَنْهَا فِي مَسَائِلِ الْإِنْصَافِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قُوا } : قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ : مَعْنَاهُ اصْرِفُوا ، وَتَحْقِيقُهَا اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً .
وَمِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَأْوِيلِهَا .
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَاهُ قُوا أَنْفُسَكُمْ ، وَأَهْلِيكُمْ فَلْيَقُوا أَنْفُسَهُمْ .
الثَّانِي : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَمُرُوا أَهْلِيكُمْ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ .
الثَّالِثُ : قُوا أَنْفُسَكُمْ بِفِعَالِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِوَصِيَّتِكُمْ إيَّاهُمْ ؛ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَالْفِقْهُ الَّذِي يُعْطِيهِ الْعَطْفُ الَّذِي يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ ، كَقَوْلِهِ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا وَكَقَوْلِهِ : وَرَأَيْت زَوْجَك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا فَعَلَى الرَّجُلُ أَنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ بِالطَّاعَةِ ، وَيُصْلِحَ أَهْلَهُ إصْلَاحَ الرَّاعِي لِلرَّعِيَّةِ ؛ فَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ } .
وَعَنْ هَذَا عَبَّرَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ : يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ .
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } ؛ خَرَّجَهُ
جَمَاعَةٌ .
وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد ، وَخُرِّجَ أَيْضًا عَنْ سَمُرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا } .
وَكَذَلِكَ يُخْبِرُ أَهْلَهُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَوُجُوبِ الصِّيَامِ ، وَوُجُوبِ الْفِطْرِ إذَا وَجَبَ ، مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَوْتَرَ يَقُولُ : قُومِي فَأَوْتِرِي يَا عَائِشَةُ } .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي فَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ، فَإِنْ لَمْ تَقُمْ رَشَّ وَجْهَهَا بِالْمَاءِ .
رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ رَشَّتْ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ الْمَاءِ } .
وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : أَيْقِظُوا صَوَاحِبَ الْحُجَرِ } .
وَيَدْخُلُ هَذَا فِي عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَكَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ فِي مَصْلَحَتِهِمْ فَكَذَلِكَ يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ فِيمَا يُصْلِحُهُ وَيُصْلِحُهُمْ أَدَبًا خَفِيفًا عَلَى طَرِيقِ التَّعْزِيرِ .
وَلَيْسَ يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي شَرْطِهَا الْمُحْدَثِ الَّذِي يَكْتُبُهُ الْمُتَصَدِّرُونَ وَيَقُولُونَ : وَلَا يَضْرِبُهَا فِي نَفْسِهَا ، فَإِنْ فَعَلَ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا ؛ فَيَظُنُّ الْمُتَصَدِّرُونَ مِنْ الْمُفْتِينَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَدَبَهَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إنَّمَا يَجِبُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ ضَرْبُهَا ابْتِدَاءً ، أَوْ عَلَى غَيْرِ سَبَبٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ ، وَهُوَ الضَّرَرُ .
فَأَمَّا مَا يُصْلِحُ الزَّوْجَ وَيُصْلِحُ الْمَرْأَةَ فَلَيْسَ ضَرَرًا ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى حَدِّ الضَّرَرِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَبَيَّنَّا حَدَّهُ الَّذِي يُخْرِجُ عَنْ الْحُدُودِ وَالْآدَابِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
وَالتَّقْرِيبُ فِيهِ الْآنَ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ الْأَلَمُ الَّذِي لَا نَفْعَ مَعَهُ يُوَازِيهِ أَوْ يَرْبَى عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ وِقَايَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ إقَامَةُ الرَّجُلِ حَدَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهَا .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ .
سُورَة الْمُلْكِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ السَّفَرِ وَأَقْسَامُ الْمَشْيِ فِي الْأَرْضِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا قَوْله تَعَالَى : { وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ .
سُورَةُ الْقَلَمِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَمِيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ ، وَهِيَ الدَّوَاةُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { ن وَالْقَلَمِ } ؛ ثُمَّ قَالَ : اُكْتُبْ .
قَالَ : وَمَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ : مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ ، أَوْ أَجَلٍ ، أَوْ رِزْقٍ ، أَوْ أَثَرٍ ؛ فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَى الْقَلَمِ فَلَمْ يَنْطِقْ ، وَلَا يَنْطِقُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ فَقَالَ الْجَبَّارُ : مَا خَلَقْت خَلْقًا أَعْجَبَ إلَيَّ مِنْك ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُكَمِّلَنَّكَ فِيمَنْ أَحْبَبْت ، وَلَأُنْقِصَنَّكَ فِيمَنْ أَبْغَضْت ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَطْوَعُهُمْ لِلَّهِ وَأَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ الْأَوَّلَ ، فَكَتَبَ مَا يَكُونُ فِي الذِّكْرِ ، وَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ، ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ الثَّانِيَ لِيُعَلِّمَ بِهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ } إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا نَحْوَ عَشْرَةِ أَقْوَالٍ ، كُلُّهَا دَعَاوَى عَلَى اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى ، أَمْثَلُهَا قَوْلُهُمْ : وَدُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ .
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ .
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْإِدْهَانُ هُوَ التَّلْبِيسُ ، مَعْنَاهُ : وَدُّوا لَوْ تَلْبِسُ إلَيْهِمْ فِي عَمَلِهِمْ وَعَقْدِهِمْ فَيَمِيلُونَ إلَيْك .
وَحَقِيقَةُ الْإِدْهَانِ إظْهَارُ الْمُقَارَبَةِ مَعَ الِاعْتِقَادِ لِلْعَدَاوَةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمُقَارَبَةُ بِاللِّينِ فَهِيَ مُدَاهَنَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ فَهِيَ مُدَارَاةٌ أَيْ مُدَافَعَةٌ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ { اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : ائْذَنُوا لَهُ ، بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ هُوَ ، أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ ؛ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ ، فَقُلْت لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ قُلْت مَا قُلْت ، ثُمَّ أَلَنْت لَهُ فِي الْقَوْلِ ، فَقَالَ لِي : يَا عَائِشَةُ ؛ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ تَرَكَهُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ } .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَثَلُ الْمُدَاهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْقَائِمِ عَلَيْهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا فِي سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا ، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَأَرَادَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا أَنْ يَسْتَقُوا الْمَاءَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَمَنَعُوهُمْ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَقُوا الْمَاءَ فِي أَسْفَلِ السَّفِينَةِ ، فَإِنْ مَنَعُوهُمْ نَجَوْا ، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ هَلَكُوا جَمِيعًا } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ } .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يَعْنِي مُكَذِّبُونَ ، وَحَقِيقَتُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَيْ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُقَارِبُونَ فِي الظَّاهِرِ مَعَ إضْمَارِ الْخِلَافِ فِي الْبَاطِنِ ، يَقُولُونَ : اللَّهُ ، اللَّهُ .
ثُمَّ يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا ،
وَنَوْءِ كَذَا ، وَلَا يُنَزِّلُ الْمَطَرَ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِنَجْمٍ وَلَا مُقْتَرِنٍ بِنَوْءٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } فَسَاقَهُ عَلَى الْعَطْفِ ، وَلَوْ جَاءَ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لَقَالَ فَيُدْهِنُوا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْا لَوْ فَعَلْت فَيَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِك عَطْفًا ، لَا جَزَاءً عَلَيْهِ ، وَلَا مُكَافَأَةً لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيلٌ وَتَنْظِيرٌ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : { سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } : ذَكَرَ فِيهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا سِمَةٌ سَوْدَاءُ تَكُونُ عَلَى أَنْفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ : { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } .
وَقِيلَ : يُضْرَبُ بِالنَّارِ عَلَى أَنْفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي وَسْمًا يَكُونُ عَلَامَةً [ عَلَيْهِ ] .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } ؛ فَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ .
وَقَالَ : { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إنْ لَبِثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } وَهَذِهِ عَلَامَةٌ أُخْرَى ظَاهِرَةٌ ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَامَةً ثَالِثَةً وَهِيَ الْوَسْمُ عَلَى الْخُرْطُومِ مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { سَنَسِمُهُ } : كَانَ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ لِذَوِي الْمَعْصِيَةِ قَدِيمًا عِنْدَ النَّاسِ حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَهْمَلُوا رَجْمَ الزَّانِي وَاعْتَاضُوا عَنْهُ بِالضَّرْبِ وَتَحْمِيمِ الْوَجْهِ ، وَهَذَا وَضْعٌ بَاطِلٌ .
وَمِنْ الْوَسْمِ الصَّحِيحِ فِي الْوَجْهِ مَا رَأَى الْعُلَمَاءُ مِنْ تَسْوِيدِ وَجْهِ شَاهِدِ الزُّورِ عَلَامَةً عَلَى قُبْحِ الْمَعْصِيَةِ ، وَتَشْدِيدًا لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُرْجَى تَجَنُّبُهُ بِمَا يُرْجَى مِنْ عُقُوبَةِ شَاهِدِ الزُّورِ وَشُهْرَتِهِ .
وَقَدْ كَانَ عَزِيزًا بِقَوْلِ الْحَقِّ ، وَقَدْ صَارَ مَهِينًا بِالْمَعْصِيَةِ ؛ وَأَعْظَمُ الْإِهَانَةِ إهَانَةُ الْوَجْهِ ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِهَانَةُ بِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سَبَبًا لِحَيَاةِ الْأَبَدِ ، وَالتَّحْرِيمِ لَهُ عَلَى النَّارِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ .
سُورَة الْمَعَارِجِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْفَصِيلَةُ فِي اللُّغَةِ عِنْدَهُمْ أَقْرَبُ مِنْ الْقَبِيلَةِ ، وَأَصْلُ الْفَصِيلَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْفَصِيلَةَ مِنْ فَصَلَ ، أَيْ قَطَعَ ، أَيْ مَفْصُولَةٌ كَالْأَكِيلَةِ مِنْ أَكَلَ ، وَالْأَخِيذَةِ مِنْ أَخَذَ ؛ وَكُلُّ شَيْءٍ فَصَلْتَهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ فَصِيلَةٌ ؛ فَهَذَا حَقِيقَةٌ فِيهِ يَشْهَدُ لَهُ الِاشْتِقَاقُ .
وَأَدْنَى الْفَصِيلَةِ الْأَبَوَانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } .
وَقَالَ : { وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } ؛ فَهَذَا هُوَ أَدْنَى الْأَدْنَى ، وَلِهَذَا التَّحْقِيقِ تَفَطَّنَ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ وَحَبْرُ الْمِلَّةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ } قَالَ : هِيَ أُمُّهُ ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، ثُمَّ صَرَّحَ بِالْأَصْلِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : هِيَ عَشِيرَتُهُ ، وَالْعَشِيرَةُ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا فَصِيلَةً فَإِنَّ الْفَصِيلَةَ الدَّانِيَةَ هِيَ الْأُمُّ ، وَهِيَ أَيْضًا الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : { يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ } فَذَكَرَ لِلْقَرَابَةِ مَعْنَيَيْنِ ، وَخَتَمَهَا بِالْفَصِيلَةِ الْمُخْتَصَّةِ مِنْهُمْ ، وَهِيَ الْأُمُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا حَبَسَ عَلَى فَصِيلَتِهِ أَوْ أَوْصَى لَهَا فَمَنْ رَاعَى الْعُمُومَ حَمَلَهُ عَلَى الْعَشِيرَةِ ، وَمَنْ ادَّعَى الْخُصُوصَ حَمَلَهُ عَلَى الْأُمِّ ، وَالْأُولَى أَكْثَرُ فِي النُّطْقِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَاللَّيْثُ : هِيَ الْمَوَاقِيتُ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هِيَ النَّوَافِلُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .
فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ إنَّهُ النَّفَلُ فَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ فَإِنَّهُ لَا فَرْضَ لِمَنْ لَا نَفْلَ لَهُ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ تُكْمَلُ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ لِلْعَبْدِ مِنْ تَطَوُّعِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ صَلَّى كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : فِي قَوْلِهِ : { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ دَائِمُونَ } قَالَ : هُمْ الَّذِينَ إذَا صَلُّوا لَا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا خَلْفَ ، وَيَنْظُرُ إلَى قَوْلِهِ : { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } ؛ فَإِنَّ الْمُلْتَفِتَ سَاهٍ عَنْ صَلَاتِهِ .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهَا دَائِمًا وَلَهَا مُرَاعِيًا ؛ وَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَعَلَى مَوَاقِيتِهَا ، عَلَى فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَاَلَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ } وَهِيَ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ .
سُورَة نُوحٍ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } يَعْنِي لَا تَخْشَوْنَ لِلَّهِ عِقَابًا .
وَعَبَّرَ عَنْ الْعِقَابِ بِالْوَقَارِ ؛ لِأَنَّ مَنْ عَظَّمَهُ فَقَدْ عَرَفَهُ ، وَعَنْ الْخَشْيَةِ بِالرَّجَاءِ ؛ لِأَنَّهَا نَظِيرَتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } يَعْنِي فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ ، وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ ، وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَكُلِّ صِفَةٍ وَنَعْتٍ تَكُونُ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ تَدْبِيرُهُ فِي النَّشْأَةِ مِنْ تُرَابٍ إلَى نُطْفَةٍ إلَى عَلَقَةٍ ، إلَى مُضْغَةٍ ، إلَى لَحْمٍ وَدَمٍ ، وَخَلْقٍ سَوِيٍّ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ : مَا لَكُمْ لَا تُؤَمِّلُونَ تَوْقِيرَكُمْ لِأَمْرِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ وَنِعْمَتِهِ .
أَدْخَلَهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْأَحْكَامِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَمَّا قَالَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ } حِينَ اسْتَنْفَدَ مَا فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَمَا فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، دَعَا عَلَيْهِمْ نُوحٌ بِقَوْلِهِ : { رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } فَأَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ ، وَأَغْرَقَ أُمَّتَهُ .
وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ ، سَرِيعَ الْحِسَابِ ، هَازِمَ الْأَحْزَابِ ، اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ دَعَا نُوحٌ عَلَى الْكَافِرِينَ أَجْمَعِينَ ، وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ تَحَزَّبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّبَ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ هَذَا أَصْلًا فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَأَمَّا كَافِرٌ مُعَيَّنٌ لَمْ تُعْلَمْ خَاتِمَتُهُ فَلَا يُدْعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ عِنْدَنَا مَجْهُولٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومَ الْخَاتِمَةِ لِلسَّعَادَةِ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَأَصْحَابِهِ لِعِلْمِهِ بِمَآلِهِمْ ، وَمَا كُشِفَ لَهُ مِنْ الْغِطَاء عَنْ حَالِهِمْ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إنْ قِيلَ : لِمَ جَعَلَ نُوحٌ دَعْوَتَهُ عَلَى قَوْمِهِ سَبَبًا لِتَوَقُّفِهِ عَنْ طَلَبِ الشَّفَاعَةِ لِلْخَلْقِ مِنْ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ .
قُلْنَا : قَالَ النَّاسُ : فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ نَشَأَتْ عَنْ غَضَبٍ وَقَسْوَةٍ ؛ وَالشَّفَاعَةُ تَكُونُ عَنْ رِضًا وَرِقَّةٍ ، فَخَافَ أَنْ يُعَاتَبَ بِهَا ، فَيُقَالُ : دَعَوْت عَلَى الْكُفَّارِ بِالْأَمْسِ وَتَشْفَعُ لَهُمْ الْيَوْمَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ دَعَا غَضَبًا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إذْنٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ ؛ فَخَافَ الدَّرْكَ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ مُوسَى : إنِّي قَتَلْت نَفْسًا لَمْ
أُومَرْ بِقَتْلِهَا .
وَبِهَذَا أَقُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَتَمَامُهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إلَّا تَبَارًا } .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : مَعْنَاهُ مَسْجِدِي ؛ فَجَعَلَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ سَبَبًا لِلدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الرِّوَايَةِ .
وَفَضْلُ الْمَسَاجِدِ كَثِيرٌ ، قَدْ أَثْبَتْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ وَشَرْحِهِ .
سُورَةُ الْجِنِّ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } إلَى : { هَرَبًا } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي حَقِيقَةِ الْجِنِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّهُمْ أَحَدُ خَلْقِ الْأَرْضِ ، أُنْزِلَ أَبُوهُمْ إبْلِيسُ إلَيْهَا ، كَمَا أُنْزِلَ أَبُونَا آدَم ، هَذَا مَرْضِيٌّ عَنْهُ ، وَهَذَا مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ .
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجَانَّ مَسْخُ الْجِنِّ ، كَمَا مُسِخَتْ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ .
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْمُخْتَزِنِ : إنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْجِنِّ .
وَلَسْت أَرْضَاهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنِّ وَلَا رَآهُمْ انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عِكَاظٍ ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ ، فَقَالُوا : مَا حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا حَدَثٌ ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، تَتْبَعُونَ مَا هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ؛ فَضَرَبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدًا إلَى سُوقِ عِكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ ، فَقَالُوا : هَذَا وَاَللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ .
قَالَ : فَهُنَاكَ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ ، وَقَالُوا : يَا قَوْمَنَا ؛ { إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ : { قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ } وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ .
} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُ الْجِنِّ لِقَوْمِهِمْ : { لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } ؛ قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ وَأَصْحَابَهُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ قَالَ : فَتَعَجَّبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ ، قَالُوا لِقَوْمِهِمْ : { لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } .
صَحَّ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ
عَامِدِينَ إلَى سُوقِ عِكَاظٍ ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ ، فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِينُ ، فَقَالُوا : مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا : حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ .
قَالُوا : مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا حَدَثٌ ، فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا يَنْظُرُونَ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ .
قَالَ : فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَخْلَةَ ، وَهُوَ عَامِدٌ إلَى سُوقِ عِكَاظٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ .
فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ سَمِعُوا لَهُ ، فَقَالُوا : هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ ، فَهُنَالِكَ رَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ ، فَقَالُوا : يَا قَوْمَنَا { إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } .
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ : { قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ } .
وَإِنَّمَا أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ } .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : { قُلْت لِابْنِ مَسْعُودٍ : هَلْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ ؟ قَالَ : مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ ؛ وَلَكِنْ افْتَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فَقُلْنَا : اُغْتِيلَ ، اُسْتُطِيرَ ، مَا فُعِلَ بِهِ ؟ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ ، حَتَّى إذَا أَصْبَحْنَا أَوْ كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ إذَا نَحْنُ بِهِ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ .
قَالَ : فَذَكَرُوا لَهُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَالَ : فَقَالَ : أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ ، فَأَتَيْتهمْ فَقَرَأْت عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَانْطَلَقَ فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ .
} وَابْنُ مَسْعُودٍ أَعْرَفُ بِالْأَمْرِ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ شَاهَدَهُ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَهُ ؛ وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : { وَسَأَلُوهُ الزَّادَ ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ ، فَقَالَ : كُلُّ عَظْمٍ يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا ، وَكُلُّ بَعْرَةٍ أَوْ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِ فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ .
} وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ كَفَرَةِ الْأَطِبَّاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْجِنَّ وَقَالُوا إنَّهُمْ بَسَائِطُ وَلَا يَصِحُّ طَعَامُهُمْ ؛ اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَاءً [ عَلَيْهِ ] .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَبَيَّنَّا جَوَازَ وُجُودِهِمْ عَقْلًا لِعُمُومِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَأَوْضَحْنَا وُجُوبَ وُجُودِهِمْ شَرْعًا بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهُمْ مِنْ تَيَسُّرِ التَّصَوُّرِ فِي الْهَيْئَاتِ مَا خَلَقَ لَنَا مِنْ تَيَسُّرِ التَّصَوُّرِ فِي الْحَرَكَاتِ ؛ فَنَحْنُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شِئْنَا ذَهَبْنَا ، وَهُمْ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءُوا تَيَسَّرَتْ لَهُمْ ، وَوُجِدُوا عَلَيْهَا ، وَلَا نَرَاهُمْ فِي هَيْئَاتِهِمْ ، إنَّمَا يَتَصَوَّرُونَ فِي خَلْقِ الْحَيَوَانَاتِ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ بَسَائِطُ ، فَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ بَسِيطٌ ، بَلْ الْكُلُّ مُرَكَّبٌ مُزْدَوِجٌ ، إنَّمَا الْوَاحِدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ؛ وَغَيْرُهُ مُرَكَّبٌ لَيْسَ بِوَاحِدٍ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ حَالُهُ ؛ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُوَرِهِمْ ، كَمَا يَرَى الْمَلَائِكَةَ ؛ وَأَكْثَرُ مَا يَتَصَوَّرُونَ لَنَا فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ { أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي بَيْتِهِ ؛ قَالَ : فَوَجَدْته يُصَلِّي ، فَجَلَسْت أَنْتَظِرُهُ حَتَّى تُقْضَى صَلَاتُهُ ، فَسَمِعْت تَحْرِيكًا فِي عَرَاجِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ، فَالْتَفَتّ فَإِذَا حَيَّةٌ ، فَوَثَبْت لِأَقْتُلَهَا ، فَأَشَارَ إلَيَّ أَنْ
أَجْلِسَ ، فَجَلَسْت ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ ، فَقَالَ : أَتَرَى هَذَا الْبَيْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .
فَقَالَ : كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ .
قَالَ : فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْخَنْدَقِ ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ ، فَيَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ ، فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْ عَلَيْك سِلَاحَك ؛ فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْك قُرَيْظَةَ .
فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةً ، فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ ، فَقَالَتْ لَهُ : كُفَّ عَلَيْك رُمْحَك ، وَادْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي ، فَدَخَلَ ، فَإِذَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْفِرَاشِ ، فَأَهْوَى إلَيْهَا بِالرُّمْحِ ، فَانْتَظَمَهَا ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فَمَا نَدْرِي أَيَّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا : الْحَيَّةُ أَمْ الْفَتَى .
قَالَ : فَجِئْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ، قُلْنَا : اُدْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا .
فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا ، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ } .
أَوْ قَالَ : { اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ } .
وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ أَسْلَمُوا ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا
مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ ، فَقَالَ : إذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ فَقُولُوا : نَشَدْتُكُمْ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ نُوحٌ نَشَدْتُكُمْ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُمْ سُلَيْمَانُ أَلَّا تُؤْذُونَا ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُنَّ .
} الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ فِي التَّقْدِيمِ إلَى الْحَيَّاتِ يَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؛ إنْ كُنْت تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكُنْت مُسْلِمًا فَلَا تُؤْذِنَا وَلَا تَشْعَفْنَا ، وَلَا تُرَوِّعْنَا ، وَلَا تَبْدُوَنَّ لَنَا ، فَإِنَّك إنْ تَبْدُ بَعْدَ ثَلَاثٍ قَتَلْتُك .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : يُحَرِّجُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَلَّا يَبْدُوَ لَنَا ، وَلَا يَخْرُجُ .
وَقَالَ أَيْضًا عَنْهُ : أُحَرِّجُ عَلَيْك بِأَسْمَاءِ اللَّهِ أَلَّا تَبْدُوَ لَنَا .
قَالَ الْقَاضِي : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي غَارٍ ، وَهُوَ يَقْرَأُ : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا ، حَتَّى خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ غَارٍ ، فَبَادَرْنَاهَا ، فَدَخَلَتْ جُحْرًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ ، وَوُقِيتُمْ شَرَّهَا ؛ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنْذَارٍ وَلَا تَحْرِيجٍ } لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ .
وَأَمَرَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ وَلَا تَحْرِيجٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْإِنْذَارِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ فِي الْحَضَرِ ، لَا لِمَنْ يَكُونُ فِي الْقَفْرِ ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمَدِينَةِ ، لِقَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ : إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا أَسْلَمُوا .
وَهَذَا لَفْظٌ مُخْتَصٌّ بِهَا ،
فَتَخْتَصُّ بِحُكْمِهَا .
قُلْنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الْبُيُوتِ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّلْ بِحُرْمَةِ الْمَدِينَةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ مَخْصُوصًا بِهَا ، وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِالْإِسْلَامِ ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي غَيْرِهَا ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ مُخْبِرًا عَنْ الْجِنِّ الَّذِينَ لَقِيَ ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ ، وَهَذَا بَيِّنٌ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ : وَنَهَى عَنْ عَوَامِرِ الْبُيُوتِ ، وَهَذَا عَامٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي إنْذَارِهِمْ وَالتَّحْرِيجِ [ عَلَيْهِمْ ] : هَلْ يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ، أَمْ يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ وَالْقَوْلُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِمُفْرَدٍ فِي نَكِرَةٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعُمُومُ فِي الْمُفْرَدَاتِ إذَا اتَّصَلَتْ بِالنَّفْيِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِيمَا سَبَقَ هَاهُنَا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ لَكَانَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجًا لَهُنَّ وَتَعْرِيضًا لِمَضَرَّتِهِنَّ ، وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ تُنْذَرُ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ فَرَّتْ وَإِلَّا أُعِيدَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَإِنْ فَرَّتْ وَإِلَّا أُعِيدَ عَلَيْهَا الْإِنْذَارُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ فَرَّتْ وَإِلَّا أُعِيدَ لَهَا الْإِنْذَارُ ، فَإِنْ فَرَّتْ وَغَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ أَوْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ : كَيْفَ يُنْذَرُ بِالْقَوْلِ وَيُحَرَّجُ بِالْعَهْدِ عَلَى الْبَهَائِمِ وَالْحَشَرَاتِ ، وَهِيَ لَا تَعْقِلُ الْأَقْوَالَ ، وَلَا تَفْهَمُ الْمَقَاصِدَ وَالْأَغْرَاضَ ؟ قُلْنَا : الْحَيَّاتُ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ حَيَّةٌ عَلَى أَصْلِهَا ، فَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا الْعَدَاوَةُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مُعَاضَدَةِ إبْلِيسَ عَلَى آدَمَ ، وَإِلَى هَذَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ .
فَهَذَا الْقِسْمُ
يُقْتَلُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ وَلَا إمْهَالٍ وَعَلَامَتُهُ الْبَتْرُ وَالطُّفَى لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُقْتُلُوا الْأَبْتَرَ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ } ؛ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ حَيَّةً أَصْلِيَّةً ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ جِنِّيًّا [ تَصَوَّرَ ] بِصُورَتِهَا ، فَلَا يَصِحُّ الْإِقْدَامُ بِالْقَتْلِ عَلَى الْمُحْتَمِلِ ، لِئَلَّا يُصَادِفَ مَنْهِيًّا عَنْهُ حَسْبَمَا يُرْوَى لِلْعَرُوسِ بِالْمَدِينَةِ حِينَ قَتَلَ الْحَيَّةَ ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا هُوَ أَمْ الْحَيَّةُ .
وَيَكْشِفُ هَذَا الْخَفَاءَ الْإِنْذَارُ ، فَإِنْ صَرُمَ كَانَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَّاتِ الْأَصْلِيَّاتِ ، إذْ لَمْ يُؤْذَنْ لِلْجِنِّ فِي التَّصَوُّرِ عَلَى الْبَتْرِ وَالطُّفَى ، وَلَوْ تَصَوَّرَتْ فِي هَذَا كَتَصَوُّرِهَا فِي غَيْرِهِ لَمَا كَانَ لِتَخْصِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِطْلَاقِ بِالْقَتْلِ فِي ذَيْنِ وَالْإِنْذَارِ فِي سِوَاهُمَا مَعْنًى .
وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْبَلِيدُ وَالْمُرْتَابُ بِعَدَمِ فَهْمِهِنَّ ، فَيُقَالُ : إيهٍ اُنْظُرْ إلَى التَّقْسِيمِ ، إنْ كُنْت تُرِيدُ التَّسْلِيمَ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ حَيَّةً جِنِّيَّةً أَوْ أَصْلِيَّةً ، فَإِنْ كَانَتْ جِنِّيَّةً فَهِيَ أَفْهَمُ مِنْك ، وَإِنْ كَانَتْ أَصْلِيَّةً فَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَذِنَ فِي الْخِطَابِ ، وَلَوْ كَانَ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ لَكَانَ أَمْرًا بِالتَّلَاعُبِ .
وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ .
فَإِنْ شَكَّ فِي النُّبُوَّةِ ، أَوْ فِي خَلْقِ الْجِنِّ ، أَوْ فِي صِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَلْيَنْظُرْ فِي الْمُقْسِطِ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْمُشْكِلَيْنِ يُعَايِنُ الشِّفَاءَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يَحْتَاجُ الْإِنْذَارُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَانِّ وَالْحَيَوَانِ ، فَإِنْ كَفَّ فَهُوَ جِنٌّ مُؤْمِنٌ ، وَإِلَّا كَانَ كَافِرًا أَوْ حَيَوَانًا .
قُلْنَا : أَمَّا الْحَيَوَانُ فَقَدْ جُعِلَتْ لَهُ عَلَامَةٌ .
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ خُصَّ بِالْإِنْذَارِ ؛
وَالْحَيَوَانُ يَفْهَمُ بِالْإِنْذَارِ كَمَا يَفْهَمُ بِالزَّجْرِ ؛ وَلِهَذَا تُؤَدَّبُ الْبَهِيمَةُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْأَرْضُ كُلُّهَا لِلَّهِ مُلْكًا وَخَلْقًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } .
وَالْمَسَاجِدُ لِلَّهِ رِفْعَةً وَتَشْرِيفًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وَالْكَعْبَةُ بَيْتُ اللَّهِ تَخْصِيصًا وَتَعْظِيمًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : " وَالْقَائِمِينَ " فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدًا [ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا ] وَطَهُورًا } وَاصْطَفَى مِنْهَا مَوَاضِعَ ثَلَاثًا بِصِفَةِ الْمَسْجِدِيَّةِ ، وَهِيَ : الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَهُوَ مَسْجِدُ إيلِيَاءَ ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .
وَاصْطَفَى مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي قَوْلٍ ، وَمَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَيُّهَا أَفْضَلُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ ؛ هَلْ هُوَ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُفَضَّلِ أَوْ احْتِمَالِهِ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ مُفَضَّلٌ بِتَفْضِيلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَأْوِيلٍ تَضَمَّنَ فِيهِ مِقْدَارًا يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ عَلَى خِلَافِهِ ؛ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ لَا بَأْسَ بِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ؛ فَإِنَّ صَلَاةً
فِيهِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي } ، وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ نَصًّا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمَسَاجِدُ وَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ مُلْكًا وَتَشْرِيفًا فَإِنَّهَا قَدْ نُسِبَتْ إلَى غَيْرِهِ تَعْرِيفًا ، فَيُقَالُ : مَسْجِدُ فُلَانٍ .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَيْفَاءِ وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ } وَتَكُونُ هَذِهِ الْإِضَافَةُ بِحُكْمِ الْمَحَلِّيَّةِ ، كَأَنَّهَا فِي قِبْلَتِهِمْ ، وَقَدْ تَكُونُ بِتَحْبِيسِهِمْ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ مُلْكًا ، ثُمَّ يَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ، فَيَرُدَّهَا إلَيْهِ ، وَيُعَيِّنُهَا لِعِبَادَتِهِ ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَحْبِيسِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا تَعَيَّنَتْ لِلَّهِ أَصْلًا ، وَعُيِّنَتْ لَهُ عَقْدًا ، فَصَارَتْ عَتِيقَةً عَنْ التَّمَلُّكِ ، مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْخَلِيقَةِ فِي الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْأَبْوَابِ لَهَا ، وَوَضْعُ الْإِغْلَاقِ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ الصِّيَانَةِ لَهَا ؛ فَهَذِهِ الْكَعْبَةُ بِأَبْوَابِهَا ، وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا الْمَسَاجِدَ الْكَرِيمَةَ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ مُدْرَجًا ، وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد مُسْنَدًا : { كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ ، وَتَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَا يَرُشُّونَ ذَلِكَ } ؛ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ بَابٌ ، ثُمَّ اُتُّخِذَ لَهُ الْبَابُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْبَابِ لَهُ شَرْعًا ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ تَقْصِيرِ النَّفَقَةِ وَاخْتِصَارِ الْحَالَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ لَا يُذْكَرُ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ لِلْأَمْوَالِ فِيهَا ، وَيَجُوزُ وَضْعُ الصَّدَقَاتِ فِيهَا عَلَى رَسْمِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ أَكَلَ ، وَيَجُوزُ حَبْسُ الْغَرِيمِ فِيهَا ، وَرَبْطُ الْأَسِيرِ ، وَالنَّوْمُ فِيهَا ، وَسُكْنَى الْمَرِيضِ فِيهَا ، وَفَتْحُ الْبَابِ لِلْجَارِ ، وَإِنْشَاءُ الشِّعْرِ فِيهَا إذَا عَرِيَ عَنْ الْبَاطِلِ ، وَلَا نُبَالِي أَنْ يَكُونَ غَزَلًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } هَذَا تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ فِي دَعْوَاهُمْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهُوَ لِلَّهِ اصْطَفَاهُ لَهُمْ ، وَاخْتَصَّهُمْ بِهِ ، وَوَضَعَهُ مَسْكَنًا لَهُمْ .
وَأَحْيَاهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ عَلَى يَدِ أَبِيهِمْ ، وَعَمَرَهُ مِنْ الْخَرَابِ بِسَلَفِهِمْ ، وَحِينَ بَلَغَتْ الْحَالَةُ إلَيْهِمْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ ، وَأَشْرَكُوا بِاَللَّهِ غَيْرَهُ ، فَنَبَّهَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَوْعَزَ عَلَى لِسَانِهِ إلَيْهِمْ بِهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِإِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِ ، وَإِخْلَاصِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ بِمَعَالِمِهِ .
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ [ فِيهَا تِسْعِ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا } فِيهَا مَعَ الَّتِي تَلِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } هُوَ الْمُلْتَفُّ ، بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ لُفِّفَ فِي شَيْءٍ فَقَدْ زُمِّلَ بِهِ ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلِفَافَةِ الرَّاوِيَةُ وَالْقِرْبَةِ زِمَالٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ : { زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ وَدِمَائِهِمْ } أَيْ لَفِّفُوهُمْ ، يُقَالُ تَزَمَّلَ يَتَزَمَّلُ ؛ فَإِذَا أُدْغِمَتْ التَّاءُ قُلْت : ازَّمَّلَ بِتَشْدِيدَيْنِ .
وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، قِيلَ لَهُ : يَا مَنْ تَلَفَّفَ فِي ثِيَابِهِ أَوْ فِي قَطِيفَتِهِ قُمْ ؛ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : يَا مَنْ تَزَمَّلَ بِالنُّبُوَّةِ .
رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ يَا مَنْ تَزَمَّلَ ، أَيْ زَمَلْت هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ .
[ فَأَمَّا الْعُدُولُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَفِيهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ ؛ وَإِذَا تَعَاضَدَتْ الْحَقِيقَةُ وَالظَّاهِرُ لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ : إنَّك زَمَلْت هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ ] ؛ وَإِنَّمَا يَسُوغُ هَذَا التَّفْسِيرُ لَوْ كَانَتْ الْمِيمُ مَفْتُوحَةً مُشَدَّدَةً بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَأَمَّا وَهُوَ بِلَفْظِ الْفَاعِلِ فَهُوَ بَاطِلٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ زُمِّلَ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَجَازِ ، لَكِنَّهُ كَمَا قَدَّمْنَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَيَشْهَدُ لِمَعْنَاهُ حَدِيثٌ يُؤْثَرُ لَمْ يَصِحَّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ هَذِهِ وَهِيَ الْوِتْرُ ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ .
}
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي الْقَوْلِ قَوْلُهُ : { قُمْ } هُوَ فِعْلٌ لَا يَتَعَدَّى وَلَكِنَّهُ عَلَى أَصْلِ الْأَفْعَالِ الْقَاصِرَةِ فِي تَعَدِّيهِ إلَى الظُّرُوفِ ، فَأَمَّا ظَرْفُ الزَّمَانِ فَسَائِغٌ فِيهِ ، وَارِدٌ كَثِيرًا بِهِ يُقَالُ : قَامَ اللَّيْلَ ، وَصَامَ النَّهَارَ ، فَيَصِحُّ وَيُفِيدُ .
وَأَمَّا ظَرْفُ الْمَكَانِ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِوَاسِطَةٍ ، لَا تَقُولُ : قُمْت الدَّارَ حَتَّى تَقُولَ وَسَطَ الدَّارِ وَخَارِجَ الدَّارِ .
وَقَدْ قِيلَ قُمْ هَاهُنَا بِمَعْنَى صَلِّ ؛ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ ، وَاسْتُعِيرَ لَهُ عُرْفًا فِيهِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ { اللَّيْلَ } فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ .
وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ تَخْصِيصِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَشَقُّ .
وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَقِيلَ : خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ كَانَ فَرْضًا .
فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ : { قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ : فَانْطَلَقْت إلَى عَائِشَةَ .
فَقُلْت : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَتْ أَلَسْت تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْت : بَلَى .
قَالَتْ : فَإِنَّ خُلُقَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ .
قَالَ : فَهَمَمْت أَنْ أَقُومَ وَلَا أَسْأَلُ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ .
ثُمَّ قُلْت : أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَتْ : أَلَسْت تَقْرَأُ : { يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } ، قُلْت : بَلَى .
قَالَتْ : فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَتِهِ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْمَكَانَ وَالزَّمَانَ سَعَةً لِلْإِنْسَانِ وَمَجَالًا لِلْعَمَلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } ، وَكَمَا أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْآدَمِيِّ أَصْلٌ خِلْقِيٌّ ، فَكَذَلِكَ الزَّمَانُ لِلسِّيَاحَةِ وَجْهٌ خِلْقِيٌّ أَيْضًا ، لَكِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ أَنْ يَقْدُمَ لِلدَّارِ الْأُخْرَى ، وَيَعْتَمِدَ فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ مَا هُوَ بِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى ، وَلَوْ عُمْرُهُ كُلُّهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ وَرُزِقَ عَلَى ذَلِكَ قُدْرَةَ مَا كَانَ قَضَاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ ، فَوَضَعَهُ اللَّهُ أَوْقَاتًا لِلْعِبَادَةِ ، وَأَوْقَاتًا لِلْعَادَةِ .
فَالنَّهَارُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : مِنْ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، مَحِلٌّ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهُوَ فُسْحَةٌ لِلْفَرِيضَةِ ، فَإِنْ أُدِّيَتْ كَانَتْ فِيهِ مَحِلًّا لِلذِّكْرِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ [ حِسًّا ] ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ إلَى وَظِيفَتِهِ الْآدَمِيَّةِ حَتَّى تَبْيَضَّ الشَّمْسُ ، فَيَكُونَ هُنَالِكَ عِبَادَةً نَفْلِيَّةً يَمْتَدُّ وَقْتُهَا إلَى أَنْ تَجِدَ الْفِصَالُ حَرَّ الشَّمْسِ فِي الْأَرْضِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ } .
وَهُوَ أَيْضًا خِلْفَةٌ لِمَنْ نَامَ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّاهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ وَهُوَ مَغْمُورٌ بِحَالِ الْمَعَاشِ .
} [ قَالَ الْإِمَامُ ] : كُنَّا بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة مُرَابِطِينَ أَيَّامًا ، وَكَانَ فِي أَصْحَابِنَا رَجُلٌ حَدَّادٌ ، وَكَانَ يُصَلِّي مَعَنَا الصُّبْحَ ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، ثُمَّ يَحْضُرَ حَلْقَةَ الذِّكْرِ ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى حِرْفَتِهِ ، حَتَّى إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالظُّهْرِ رَمَى بِالْمِرْزَبَّةِ فِي
أَثْنَاءِ الْعَمَلِ وَتَرَكَهُ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَجَاءَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَأَقَامَ فِي صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ إلَى مَنْزِلِهِ فِي مَعَاشِهِ ، حَتَّى إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ جَاءَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ عَادَ إلَى فِطْرِهِ ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيَرْكَعُ أَوْ يَسْمَعُ مَا يُقَالُ مِنْ الْعِلْمِ ، حَتَّى إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ .
وَهُوَ مَحَلٌّ لِلْقَائِلَةِ ، وَهِيَ نَوْمُ النَّهَارِ الْمُعَيَّنِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الْعِلْمِ .
فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ حَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ حَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ زَالَ النَّهَارُ بِوَظَائِفِهِ وَنَوَافِلِهِ .
ثُمَّ يَدْخُلُ اللَّيْلُ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ، وَكَانَ مَا بَعْدَهَا وَقْتًا لِلتَّطَوُّعِ ، يُقَالُ إنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ } وَإِنَّهُ الْمُرَادُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ : { إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا } ثُمَّ يَغِيبُ الشَّفَقُ فَتَدْخُلُ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثِهِ ، وَهُوَ مَحَلُّ النَّوْمِ إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ [ الْآخِرَةَ ] إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ فَإِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ فَهُوَ وَقْتٌ لِقِيَامِ اللَّيْلِ .
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { يَنْزِلُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا إذَا ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ .
فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ، حَتَّى إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَهُوَ أَيْضًا وَقْتٌ لِلْقِيَامِ } ، لِقَوْلِهِ : { إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا } الْحَدِيثَ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ { إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي
فَأَغْفِرَ لَهُ } ؟ وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ جَاءَ قَوْله تَعَالَى : { قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا } هُوَ إذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } : هُوَ إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ ، وَبِهَذَا التَّرْتِيبِ انْتَظَمَ الْحَدِيثُ وَالْقُرْآنُ فَإِنَّهُمَا يَنْظُرَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ، حَتَّى إذَا بَقِيَ سُدُسُ اللَّيْلِ كَانَ مَحَلًّا لِلنَّوْمِ ، فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّ عَلَى سُنَنِ دَاوُد فِي صَوْمِهِ وَقِيَامِهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إنَّ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ ، ثُمَّ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فَتَعُودُ الْحَالَةُ الْأُولَى هَكَذَا أَبَدًا ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وَتَدْبِيرُ الْعَلِيِّ الْحَكِيمِ .
}
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { إلَّا قَلِيلًا } : اسْتَثْنَى مِنْ اللَّيْلِ كُلِّهِ " قَلِيلًا " وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ عَلَى وَجْهِ كَلَامِهِ فِيهِ ، وَهُوَ إحَالَةُ التَّكْلِيفِ عَلَى مَجْهُولٍ يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالِاجْتِهَادِ ؛ إذْ لَوْ قَالَ : إلَّا ثُلُثَهُ ، أَوْ رُبْعَهُ ، أَوْ سُدُسَهُ ، لَكَانَ بَيَانًا نَصًّا ، فَلَمَّا قَالَ : { إلَّا قَلِيلًا } وَكَانَ مُجْمَلًا لَا يُدْرَكُ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ أَدِلَّةِ التَّكْلِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَهِيَ مِنْ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ : { نِصْفَهُ } .
ذَكَرَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ أَنَّ قَوْلَهُ : { نِصْفَهُ } دَلِيلٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ مِنْ الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ اسْتِثْنَاءَ شَيْءٍ فَبَقِيَ مِثْلُهُ ، وَالْمَطْلُوبُ اسْتِثْنَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْجُمْلَةِ فَبَقِيَ أَقَلُّ مِنْهَا تَحْتَ اللَّفْظِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْجَمِيعِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : { نِصْفَهُ } بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : { اللَّيْلَ } ؛ كَأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ قُمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ يَسِيرًا ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ : بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ حَتَّى إذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ، { اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا } ذَكَرَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ وَآخِرَهُ .
وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ : { نِصْفَهُ } بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ : { قَلِيلًا } كَانَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : قُمْ اللَّيْلَ إلَّا نِصْفَهُ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ ، وَيَكُونُ أَيْضًا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنْ مُتَنَاوِلِ الْجُمْلَةِ ، وَإِذَا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، لَا سِيَّمَا وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَفِي الصَّحِيحِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِحَبْلٍ مُعَلَّقٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : فُلَانَةُ
========================================ج22.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
تُصَلِّي لَا تَنَامُ اللَّيْلَ ، فَإِذَا أُضْعِفَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا .
} وَقَدْ انْدَرَجَتْ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : مَعْنَاهُ بَيِّنٌ قِرَاءَتُهُ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : ثَغْرٌ رَتِلٌ وَرَتَلٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا إذَا كَانَ مُفَلَّجًا لَا فَضَضَ فِيهِ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : مَعْنَاهُ بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَعْنَاهُ فَسَّرَهُ تَفْسِيرًا ، يُرِيدُ تَفْسِيرَ الْقِرَاءَةِ ، حَتَّى لَا يُسْرَعُ فِيهِ فَيَمْتَزِجَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ .
وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ آيَةً وَيَبْكِي ، فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } ؛ هَذَا التَّرْتِيلُ } وَسَمِعَ رَجُلٌ عَلْقَمَةَ يَقْرَأُ قِرَاءَةً حَسَنَةً ، فَقَالَ : رَتِّلْ الْقُرْآنَ ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي .
وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُدُّ صَوْتَهُ مَدًّا } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَمَامُ هَذَا .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْك قَوْلًا ثَقِيلًا } فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ثِقَلُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ إلَيْهِ ، وَقَدْ { سُئِلَ كَيْفَ يَأْتِيك الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ : أَحْيَانًا يَأْتِينِي الْمَلَكُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ ، فَيُفْصِمُ عَنِّي ، وَقَدْ وَعَيْت مَا قَالَ } .
وَقَدْ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَتَفَصَّدُ جَبِينُهُ عَرَقًا .
الثَّانِي : ثِقَلُ الْعَمَلِ بِهِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } وَجَاءَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ } .
وَقَدْ قِيلَ : أَرَادَ ثِقَلَهُ فِي الْمِيزَانِ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ ، فَتُلْقِي بِجِرَانِهَا عَلَى الْأَرْضِ ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُسَرِّيَ عَنْهُ } وَهَذَا يُعَضِّدُ ثِقَلَ الْحَقِيقَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } ، فَاعِلَةٌ مِنْ قَوْلِك : نَشَأَ يَنْشَأُ ، فَهُوَ نَاشِئٌ ، وَنَشَأَتْ تَنْشَأُ فَهِيَ نَاشِئَةٌ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } وَقَالَ الْعُلَمَاءُ بِالْأَثَرِ : إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنُ غُدَيْقَةَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَقْوَالٍ ، جُمْلَتُهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، إشَارَةً إلَى أَنَّ لَفْظَ نَشَأَ يُعْطِي الِابْتِدَاءَ ، فَهُوَ بِالْأَوَّلِيَّةِ أَحَقُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ صَبَا نُصَيْبٌ لَقُلْت بِنَفْسِي النَّشَأُ الصِّغَارُ الثَّانِي : أَنَّهُ اللَّيْلُ كُلُّهُ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّفْظُ ، وَتَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ { أَشَدُّ وَطْئًا } : قُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ فَمِمَّنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ نَافِعٌ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَالْكُوفِيُّونَ وَقُرِئَ بِكَسْرِ الطَّاءِ مَمْدُودًا ، وَمِمَّنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَبُو عَمْرٍو فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ فَإِنَّهُ أَشَارَ إلَى ثِقَلِهِ عَلَى النَّفْسِ لِسُكُونِهَا إلَى الرَّاحَةِ فِي اللَّيْلِ وَغَلَبَةِ النَّوْمِ فِيهِ عَلَى الْمَرْءِ .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَهُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُوَاطَأَةِ وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَوَافَقُ فِيهِ السَّمْعُ لِعَدَمِ الْأَصْوَاتِ ، وَالْبَصَرُ لِعَدَمِ الْمَرْئِيَّاتِ ، وَالْقَلْبُ لِفَقْدِ الْخَطَرَاتِ .
قَالَ مَالِكٌ : أَقْوَمُ قِيلًا : هُدُوًّا مِنْ الْقَلْبِ وَفَرَاغًا لَهُ .
وَالْمَعْنَيَانِ فِيهِ صَحِيحَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَى الْعَبْدِ وَأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِلْقَصْدِ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ لَك فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا } فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : مَعْنَاهُ اضْطِرَابًا وَمَعَاشًا وَتَصَرُّفًا ، سَبَّحَ يُسَبِّحُ : إذَا تَصَرَّفَ وَاضْطَرَبَ ، وَمِنْهُ سِبَاحَةُ الْمَاءِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يُعْنَى يَجْرُونَ .
وَقَالَ : { وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا } ؛ قِيلَ : الْمَلَائِكَةُ تُسَبِّحُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَيْ تَجْرِي وَقِيلَ : هِيَ السُّفُنُ : أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَخْرُجُ بِسُهُولَةٍ .
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : مَعْنَاهُ فَرَاغًا طَوِيلًا ؛ وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
فَأَمَّا حَقِيقَةُ ( س ب ح ) فَالتَّصَرُّفُ وَالِاضْطِرَابُ ؛ فَأَمَّا الْفَرَاغُ فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ تَفَرُّغَهُ لِأَشْغَالِهِ وَحَوَائِجِهِ عَنْ وَظَائِفَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ؛ فَأَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ لَفْظِيٌّ وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قُرِئَ سَبْخًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَمَعْنَاهُ رَاحَةً وَقِيلَ نَوْمًا .
وَالتَّسْبِيخُ : النَّوْمُ الشَّدِيدُ ، يُقَالُ سَبَّخَ ، أَيْ نَامَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَسَبَّحَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ : أَيْ تَصَرَّفَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ { سَمِعَ عَائِشَةَ تَدْعُو عَلَى سَارِقٍ ، فَقَالَ : لَا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعَائِك } ، أَيْ لَا تُخَفِّفِي عَنْهُ ، فَإِنَّ السَّارِقَ أَخَذَ مَالَهَا ، وَهِيَ أَخَذَتْ مِنْ عِرْضِهِ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ كَانَ تَخْفِيفًا مِمَّا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ السَّرِقَةِ .
وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى فِي الْأَثَرِ { : مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدْ انْتَصَرَ } وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّيْلَ عِوَضُ النَّهَارِ ، وَكَذَلِكَ النَّهَارُ عِوَضُ اللَّيْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا }
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى نَوْمِ الْقَائِلَةِ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْعِلْمِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ : فَقَدْ كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَرُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهَا .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعًا مِنْهَا الْوِتْرُ ، وَكَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَيُحْيِي آخِرَهُ ، وَمَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ إلَّا عِنْدَ أَهْلِهِ قَائِمًا وَكَانَ يُوتِرُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى انْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ ، وَمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ قَطُّ فِي لَيْلَةٍ ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إلَى الصُّبْحِ ، وَكَانَ إذَا فَاتَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنْ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَكَانَ يَقُولُ : { الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } وَيَقُولُ : { أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا } وَقَالَ { صَلَاةُ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ } وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْجَمْعَ بَيْنَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي عَدَدِ صَلَاتِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَهِيَ كَانَتْ وَظِيفَتَهُ الدَّائِمَةَ ، وَكَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، فَهَذِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
وَكَانَ يُصَلِّي إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهَا الْوِتْرُ } وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ ضَعُفَ وَأَسَنَّ وَحَطَّمَهُ الْبَأْسُ ، أَوْ كَانَ لِأَلَمٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّك وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى التَّبَتُّلِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ التَّفَرُّدُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ " وَقَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ الْأَقْوَى : هُوَ الْقَطْعُ ، يُقَالُ : بَتَلَ إذَا قَطَعَ ، وَتَبَتَّلَ إذَا كَانَ الْقَطْعُ فِي نَفْسِهِ ، فَلِذَلِكَ قَالُوا : إنَّ مَعْنَى الْآيَةِ انْفَرِدْ لِلَّهِ ، وَصَدَقَةٌ بَتْلَةٌ ، أَيْ مُنْقَطِعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ .
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ : { رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ لَاخْتَصَيْنَا } يَعْنِي الِانْقِطَاعَ عَنْ النِّسَاءِ ، وَفِي الْأَثَرِ : لَا رَهْبَانِيَّةَ وَلَا تَبَتُّلَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ ، أَيْ الَّتِي انْقَطَعَتْ عَنْ الرِّجَالِ ، وَتُسَمَّى فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَتُولَ ، لِانْقِطَاعِهَا عَنْ نِسَاءِ زَمَانِهَا فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْحَسَبِ .
وَهَذَا قَوْلٌ أَحْدَثَتْهُ الشِّيعَةُ ، وَإِلَّا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَائِشَةَ ، وَلَيْسَتْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ ، وَكِلْتَاهُمَا مِنْ الدِّينِ وَالْجَلَالِ فِي الْغَايَةِ الْقُصْوَى ، وَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى .
وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَشَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [ تَفْسِيرُ ] قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } حَالُ الدِّينِ فِي الْكَرَاهِيَةِ لِمَنْ تَبَتَّلَ فِيهِ ، وَانْقَطَعَ ، وَسَلَكَ سَبِيلَ الرَّهْبَانِيَّةِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ ، وَأَمَّا الْيَوْمُ وَقَدْ مَرِجَتْ عُهُودُ النَّاسِ ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ ، وَاسْتَوْلَى الْحَرَامُ عَلَى الْحُطَامِ ، فَالْعُزْلَةُ خَيْرٌ مِنْ الْخُلْطَةِ ، وَالْعُزْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ التَّأَهُّلِ ، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : انْقَطَعَ عَنْ
الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ ، وَعَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ : مَعْنَاهُ أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ ، وَلَمْ يُرِدْ [ انْقَطِعْ عَنْ النَّاسِ وَالنِّسَاءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ لِأَجْلِ مَا رُوِيَ مِنْ { نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ] التَّبَتُّلِ } فَصَارَ التَّبَتُّلُ مَأْمُورًا بِهِ فِي الْقُرْآنِ ، مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي السُّنَّةِ ؛ وَمُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ ؛ إذْ لَا يَتَنَاقَضَانِ ، وَإِنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ، فَالتَّبَتُّلُ الْمَأْمُورُ بِهِ الِانْقِطَاعُ إلَى اللَّهِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ ، كَمَا قَالَ : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وَالتَّبَتُّلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ سُلُوكُ مَسْلَكِ النَّصَارَى فِي تَرْكِ النِّكَاحِ وَالتَّرَهُّبُ فِي الصَّوَامِعِ ، لَكِنْ عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ يَكُونُ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ .
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ لَا فَائِدَةَ لِمَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ [ إلَّا ] عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَرْءَ إذَا غُلِبَ بِالْبَاطِلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ غَلَبُوهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَلَى مَا يَقُولُونَ فَمَعْلُومٌ .
وَأَمَّا الْهَجْرُ الْجَمِيلُ فَهُوَ الَّذِي لَا فُحْشَ فِيهِ .
وَقِيلَ : هُوَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُجَرَّدُ الْإِعْرَاضِ .
الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ رَبَّك يَعْلَمُ أَنَّك تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَك وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { إنَّ رَبَّك يَعْلَمُ أَنَّك تَقُومُ أَدْنَى } الْآيَةَ .
هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : { قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوْ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } كَمَا قَدَّمْنَا .
{ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَك } : رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ : { يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا } قَامُوا حَتَّى تَوَرَّمَتْ أَقْدَامُهُمْ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِآخِرِ السُّورَةِ ، وَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } ؛ يَعْنِي يُقَدِّرُهُ لِلْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْخِلْقَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ ، وَإِنَّمَا يَرْبِطُ اللَّهُ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ وَظَائِفِ التَّكْلِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } يَعْنِي تُطِيقُوهُ .
اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ ، وَيُكَلِّفَهُمْ فَوْقَ الطَّوْقِ ، فَقَدْ تَفَضَّلَ بِأَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ .
وَمَا لَا يُطَاقُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَلَّا يُطَاقَ جِنْسُهُ أَيْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَةٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْقُدْرَةَ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ جِنْسُهُ مَقْدُورًا ؛ كَتَكْلِيفِ الْقَائِمِ الْقُعُودَ أَوْ الْقَاعِدِ الْقِيَامَ ؛ وَهَذَا الضَّرْبُ قَدْ يُغَلَّبُ إذَا تَكَرَّرَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ ، فَإِنَّهُ يُغَلَّبُ بِالتَّكْرَارِ وَالْمَشَقَّةِ ، كَغَلَبَةِ خَمْسِينَ صَلَاةٍ لَوْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً ، كَمَا أَنَّ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ رَكْعَةً الْمُوَظَّفَةَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ تَغْلِبُ الْخَلْقَ ، فَلَا يَفْعَلُونَهَا ، وَإِنَّمَا يَقُومُ بِهَا الْفُحُولُ فِي الشَّرِيعَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } ؛ أَيْ رَجَعَ عَلَيْكُمْ بِالْفَرَاغِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ تَكْلِيفِهَا لَكُمْ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ هِيَ الَّتِي نَسَخَتْهَا ، كَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ ، كَمَا نَقَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ عَنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلُهُ : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْسُ الْقِرَاءَةِ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ ، عَبَّرَ عَنْهَا بِالْقِرَاءَةِ ؛ لِأَنَّهَا فِيهَا ، كَمَا قَالَ : { وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَخْبَرَ ، وَإِلَيْهَا رَجَعَ الْقَوْلُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } : بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِلَّةَ التَّخْفِيفِ بِأَنَّ الْخَلْقَ مِنْهُمْ الْمَرِيضُ ، وَمِنْهُمْ الْمُسَافِرُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ ، وَمِنْهُمْ الْغَازِي ، وَهَؤُلَاءِ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ ؛ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ الْكُلِّ لِأَجْلِ هَؤُلَاءِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا حِكْمَةَ الشَّرِيعَةِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْمَقْصِدِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } : مَعْنَاهُ صَلُّوا مَا أَمْكَنَ ؛ وَلَمْ يُفَسِّرْهُ .
وَلِهَذَا قَالَ قَوْمٌ : إنَّ فَرْضَ قِيَامِ اللَّيْلِ بَقِيَ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ؛ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَعَقَدَ بَابَ { : يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ } وَذَكَرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : { يَعْقِدُ قَافِيَةَ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ .
فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ؛ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ؛ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ } .
وَذَكَرَ حَدِيثَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّؤْيَا : قَالَ : أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ } ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ اللَّيْلَ إلَى الصَّبَاحِ ؛ فَقَالَ : ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ .
} وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحَادِيثُ مُقْتَضِيَةٌ حَمْلَ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، لِاحْتِمَالِهِ لَهُ ، وَتَسْقُطُ الدَّعْوَى مِمَّنْ عَيَّنَهُ لِقِيَامِ اللَّيْلِ .
وَفِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ : { قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ } .
وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُ ، بَلْ كَانَ يَذُمُّهُ غَايَةَ الذَّمِّ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا
رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَنَّيْت أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْت غُلَامًا عَزَبًا شَابًّا ، وَكُنْت أَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْت فِي النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي ، فَذَهَبَا بِي إلَى النَّارِ ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتهمْ ، فَجَعَلْت أَقُولُ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ .
قَالَ : وَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ ، فَقَالَ لِي : لَمْ تُرَعْ ؛ فَقَصَصْتهَا عَلَى حَفْصَةَ ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ .
فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنْ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا } ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ الْقِيَامِ مَعْصِيَةً لَمَا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ : لَمْ تُرَعْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ تَعَلَّقَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ آيَةٌ .
وَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ ثَلَاثُ آيَاتٍ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ سُورَةٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاءَةِ هَاهُنَا الصَّلَاةُ ؛ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا التَّقْدِيرُ ، وَيُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِي { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ فَصَلِّ ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ .
وَقَالَ لَهُ : اقْرَأْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، وَمَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ لِبَابِهِ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقِرَاءَةُ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَيَّنَ هَذَا الْمُبْهَمَ بِقَوْلِهِ : { لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَقَدْ اعْتَضَدَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ .
جَوَابٌ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَصَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّخْفِيفَ عَنْ الرَّجُلِ ، فَقَالَ لَهُ : { اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } أَيْ مَا حَفِظْت .
وَقَدْ ظَنَّ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فَحْلُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَهْدَرُ وَمُنَاضِلُهَا الْأَقْدَرُ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } مَعَ زِيَادَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَمَهَّدَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَأَجَابَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ لَا تَكُونُ نَسْخًا ، وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ
الدَّبُوسِيُّ : الصَّلَاةُ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ ، فَأَرْكَانُهَا يَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ بِمِثْلِهِ ، فَنَأْمُرُهُ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، لِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهَا ، لِئَلَّا تَثْبُتَ الْأَرْكَانُ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْأَصْلُ .
قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ دَعْوَى .
وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى ثُبُوتِ أَرْكَانِ الْبَيْعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَبِالْقِيَاسِ ؛ وَأَصْلُ الْبَيْعِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ ، وَهَذَا بَعْضُ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ مَا بَقِيَ مِنْ الْقَوْلِ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قَوْلُهُ : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْلُهُ : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا [ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُهُ : { وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ]
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ [ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى الْعَدْلُ فِي الصَّحِيحِ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : سَأَلْت أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } .
قُلْت : إنَّهُمْ يَقُولُونَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبَّك الَّذِي خَلَقَ } .
فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ، وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ ، فَقَالَ جَابِرٌ : لَا أُحَدِّثُك إلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { جَاوَرْت بِحِرَاءٍ ، فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي هَبَطْت فَنُودِيتُ ، فَنَظَرْت عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، فَرَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت شَيْئًا ، فَأَتَيْت خَدِيجَةَ ، فَقُلْت : دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا .
قَالَ : فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا ، فَنَزَلَتْ : { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّك فَكَبِّرْ وَثِيَابَك فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ وَلِرَبِّك فَاصْبِرْ } } وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : إنَّهُ جَرَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَمْرٌ ، فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ مَغْمُومًا ، فَتَلَفَّفَ وَاضْطَجَعَ ، فَنَزَلَتْ : { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } .
وَهَذَا بَاطِلٌ .
وَقِيلَ : أَرَادَ يَا مَنْ تَدَثَّرَ بِالنُّبُوَّةِ .
وَهَذَا مَجَازٌ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إلَّا بَعْدُ ، عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَكُنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ثَانِي مَا نَزَلَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ مُلَاطَفَةٌ مِنْ الْكَرِيمِ إلَى الْحَبِيبِ ؛ نَادَاهُ بِحَالِهِ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِفَتِهِ .
وَمِثْلُهُ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قُمْ أَبَا تُرَابٍ } ، إذْ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِفَاطِمَةَ ، وَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَقَطَ رِدَاؤُهُ وَأَصَابَهُ تُرَابُهُ .
{ وَقَوْلُهُ لِحُذَيْفَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : قُمْ يَا نَوْمَانُ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَرَبَّك فَكَبِّرْ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى التَّكْبِيرُ هُوَ التَّعْظِيمُ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى ، وَمَعْنَاهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِأَعْظَمَ صِفَاتِهِ بِالْقَلْبِ ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِاللِّسَانِ ، بِأَقْصَى غَايَاتِ الْمَدْحِ وَالْبَيَانِ ، وَالْخُضُوعُ [ لَهُ ] بِغَايَةِ الْعِبَادَةِ كَالسُّجُودِ لَهُ ذِلَّةً وَخُضُوعًا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ تَكْبِيرَ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّقْدِيسُ ، وَالتَّنْزِيهِ بِخَلْعِ الْأَنْدَادِ وَالْأَصْنَامِ دُونَهُ ، وَلَا تَتَّخِذْ وَلِيًّا غَيْرَهُ ، وَلَا تَعْبُدْ وَلَا تَرَى لِغَيْرِهِ فِعْلًا إلَّا لَهُ ، وَلَا نِعْمَةً إلَّا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ صَلَاةً عِنْدَ نُزُولِهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ابْتِدَاءَ التَّوْحِيدِ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : اُعْلُ هُبَلُ ، اُعْلُ هُبَلُ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا لَهُ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ } وَقَدْ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي تَكْبِيرِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا أَذَانًا وَصَلَاةً وَذِكْرًا ، بِقَوْلِهِ : " اللَّهُ أَكْبَرُ " وَحُمِلَ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَارِدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي مَوَارِدِهَا ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي بِعُرْفِهِ مَا يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ .
وَمِنْ مَوَارِدِهِ أَوْقَاتُ الْإِهْلَالِ بِالذَّبَائِحِ لِلَّهِ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ الشِّرْكِ ، وَإِعْلَانًا بِاسْمِهِ فِي النُّسُكِ ، وَإِفْرَادًا لِمَا شُرِعَ لِأَمْرِهِ بِالسَّفْكِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَثِيَابَك فَطَهِّرْ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَك فَطَهِّرْ ، وَالنَّفْسُ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالثِّيَابِ [ كَمَا ] قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَإِنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنَى خَلِيقَةٌ فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِك تَنْسُلِي الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الثِّيَابُ الْمَلْبُوسَةُ ، فَتَكُونُ حَقِيقَةً ، وَيَكُونُ [ التَّأْوِيلُ ] الْأَوَّلُ مَجَازًا .
وَاَلَّذِي يَقُولُ : إنَّهَا الثِّيَابُ الْمَجَازِيَّةُ أَكْثَرُ .
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ إلَّا فِي الصَّلَاةِ وَالْمَسَاجِدِ ، لَا فِي الطَّرِيقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَثِيَابَك فَطَهِّرْ } يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ كَنَّى بِالثِّيَابِ عَنْ الدِّينِ .
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَثِيَابَك فَطَهِّرْ } أَيْ لَا تَلْبَسْهَا عَلَى غَدْرَةٍ .
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُسْنَدًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَثِيرًا مَا تَسْتَعْمِلُهُ الْعَرَبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ أَبُو كَبْشَةَ : ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ وَأَوْجُهُهُمْ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ غُرَّانُ يَعْنِي بِطَهَارَةِ ثِيَابِهِمْ سَلَامَتَهُمْ مِنْ الدَّنَاءَاتِ ، وَيَعْنِي بِغُرَّةِ وُجُوهِهِمْ تَنْزِيهَهُمْ عَنْ الْحُرُمَاتِ ، أَوْ جَمَالَهُمْ فِي الْخِلْقَةِ ، أَوْ كِلَيْهِمَا .
وَقَدْ قَالَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ : فَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثَوْبَ غَادِرٍ لَبِسْت وَلَا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى عُمُومِ الْمُرَادِ فِيهَا بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَإِذَا حَمَلْنَاهَا عَلَى الثِّيَابِ الْمَعْلُومَةِ [ الظَّاهِرَةِ ] فَهِيَ تَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا تَقْصِيرُ الْأَذْيَالِ ، فَإِنَّهَا إذَا أُرْسِلَتْ تَدَنَّسَتْ ؛
وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِغُلَامٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَدْ رَأَى ذَيْلَهُ مُسْتَرْخِيًا : يَا غُلَامُ ، ارْفَعْ إزَارَك ، فَإِنَّهُ أَتْقَى وَأَنْقَى وَأَبْقَى .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ ، وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ } ؛ فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَايَةَ فِي لِبَاسِ الْإِزَارِ الْكَعْبَ ، وَتَوَعَّدَ مَا تَحْتَهُ بِالنَّارِ ؛ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يُرْسِلُونَ أَذْيَالَهُمْ ، وَيُطِيلُونَ ثِيَابَهُمْ ، ثُمَّ يَتَكَلَّفُونَ رَفْعَهَا بِأَيْدِيهِمْ .
وَهَذِهِ حَالَةُ الْكِبْرِ وَقَائِدَةُ الْعُجْبِ ، وَأَشَدُّ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّهُمْ يَعْصِمُونَ وَيَحْتَجُّونَ ، وَيُلْحِقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ مَعَهُ غَيْرَهُ ، وَلَا أَلْحَقَ بِهِ سِوَاهُ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ لِمَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ } .
وَلَفْظُ الصَّحِيحِ : { مَنْ جَرَّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إزَارِي يَسْتَرْخِي ، إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَسْت مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ } .
فَعَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ بِالنَّهْيِ ] ، وَاسْتَثْنَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، فَأَرَادَ الْأَدْنِيَاءُ إلْحَاقَ أَنْفُسِهِمْ بالأَقْصِياءِ ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ .
وَالْمَعْنَى الثَّانِي : غَسْلُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْهَا صَحِيحٌ فِيهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِصَحِيحِ الدَّلَائِلِ ، وَلَا نُطَوِّلُ بِإِعَادَتِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ وَأَهْلَك فَطَهِّرْ ؛ وَهَذَا جَائِزٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ الْأَهْلِ بِالثِّيَابِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ }
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا سِتَّةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً فَتَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْهَا ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي : لَا تُعْطِ الْأَغْنِيَاءَ عَطِيَّةً لِتُصِيبَ مِنْهُمْ أَضْعَافَهَا .
الثَّالِثُ : لَا تُعْطِ عَطِيَّةً تَنْتَظِرُ ثَوَابَهَا .
الرَّابِعُ : وَلَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ تَأْخُذُ أَجْرًا مِنْهُمْ عَلَيْهَا .
الْخَامِسُ : لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِك [ تَسْتَكْثِرُهُ ] عَلَى رَبِّك ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ السَّادِسُ لَا تَضْعُفْ عَنْ الْخَيْرِ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ الْأَقْوَالُ يَتَقَارَبُ بَعْضُهَا ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ ؛ فَأَمَّا قَوْلُهُ : " لَا تُعْطِ عَطِيَّةً فَتَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْهَا " فَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَلَا يُنَاسِبُ مَرْتَبَتَهُ .
وَقَدْ قَالَ : { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ } عَلَى مَا بَيَّنَّا مَعْنَاهُ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا } .
وَفِي الصَّحِيحِ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت ، وَلَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْت } .
وَلَفْظُهُ مُخْتَلِفٌ فَكَانَ يَقْبَلُهَا سُنَّةً ، وَلَا يَسْتَكْثِرُهَا شِرْعَةً ؛ وَإِذَا كَانَ لَا يُعْطِي عَطِيَّةً يَسْتَكْثِرُ بِهَا فَالْأَغْنِيَاءُ أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ ، لِأَنَّهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْمَذَلَّةِ ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَاهُ لَا تُعْطِ عَطِيَّةً تَنْتَظِرُ ثَوَابَهَا ؛ فَإِنَّ الِانْتِظَارَ تَعَلَّقَ بِالْإِطْمَاعِ ؛ وَذَلِكَ فِي حَيِّزِهِ بِحُكْمِ الِامْتِنَاعِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
وَرِزْقُ رَبِّك خَيْرٌ وَأَبْقَى } .
وَذَلِكَ جَائِزٌ لِسَائِرِ الْخَلْقِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَطَلَبِ الْكَسْبِ فِيهَا وَالتَّكَاثُرِ مِنْهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِهِ الْعَمَلَ ، أَيْ لَا تَسْتَكْثِرْ بِهِ عَلَى رَبِّك فَهُوَ صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ لَوْ أَطَاعَ اللَّهَ عُمْرَهُ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ لَمَا بَلَغَ لِنِعَمِ اللَّهِ بَعْضَ الشُّكْرِ .
وَهَذَا كُلُّهُ بُنِيَ عَلَى أَصْلٍ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { تَسْتَكْثِرْ } قَدْ وَرَدَتْ الْقِرَاءَاتُ بِالرِّوَايَاتِ فِيهِ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ .
وَرُوِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ ، فَإِذَا أَسْكَنْت الرَّاءَ كَانَتْ جَوَابًا لِلْأَمْرِ بِالتَّقَلُّلِ ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ .
وَإِنْ ضَمَمْت الرَّاءَ كَانَ الْفِعْلُ بِتَقْدِيرِ الِاسْمِ ، وَكَانَ بِمَعْنَى الْحَالِ .
وَالتَّقْدِيرُ : وَلَا تَمْنُنْ مُسْتَكْثِرًا ، وَكَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَهُوَ الْقَوْلُ فِي تَحْقِيقِ الْمَنِّ ؛ وَهُوَ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْعَطَاءُ .
وَالثَّانِي التَّعْدَادُ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالنِّعَمِ ، فَيَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .
وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى : { لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى } وَقَوْلُهُ : { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } وَيُعَضِّدُ الثَّانِيَ قَوْلُهُ : { فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وَقَوْلُهُ : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَحَدٌ أَمَنُّ عَلَيْنَا مِنْ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ } .
وَالْآيَةُ تَتَنَاوَلُ الْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْقِيَامَةِ فِيهَا أَرْبَع آيَات الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { بَلْ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } : فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ إقْرَارِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْهُ عَلَيْهَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَلَى وَجْهٍ تَنْتَفِي التُّهْمَةُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } .
وَهُوَ فِي الْآثَارِ كَثِيرٌ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ؛ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا يَصِحُّ إقْرَارٌ إلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ يُسْقِطُ قَوْلَهُ إذَا كَانَ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِحَقِّ غَيْرِهِ كَالْمَرِيضِ كَانَ مِنْهُ سَاقِطٌ وَمِنْهُ جَائِزٌ ، وَبَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
وَلِلْعَبْدِ حَالَتَانِ فِي الْإِقْرَارِ إحْدَاهُمَا فِي ابْتِدَائِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ .
وَالثَّانِيَةُ فِي انْتِهَائِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ إبْهَامِ الْإِقْرَارِ وَلَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ .
وَأُمَّهَاتُهَا سِتٌّ : الصُّورَةُ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ لَهُ : عِنْدِي شَيْءٌ ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ فَسَّرَهُ بِتَمْرَةٍ أَوْ كِسْرَةٍ قُبِلَ مِنْهُ .
وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ أُصُولُنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا فِيمَا لَهُ قَدْرٌ ، فَإِذَا فَسَّرَهُ
بِهِ قُبِلَ مِنْهُ ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُفَسِّرَهَا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَمَا لَا يَكُونُ مَالًا فِي الشَّرِيعَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ بِاتِّفَاقٍ ، وَلَوْ سَاعَدَهُ عَلَيْهِ الْمُقَرُّ لَهُ .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ ، مِثْلُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ ، أَوْ سِرْجِينٍ ، أَوْ كَلْبٍ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ رَدٍّ وَإِمْضَاءٍ ، فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ حَاكِمٌ آخَرُ غَيْرُهُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ بِإِبْطَالِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَلْزَمُ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ ، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ لَهُ : عَلَيَّ شَيْءٌ لَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ إلَّا بِمَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ إلَّا هُمَا .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ غَيْرَهُمَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ؛ إذْ وَجَبَ ذَلِكَ إجْمَاعًا .
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قَالَ لَهُ : " عِنْدِي مَالٌ " قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا يَكُونُ مَالًا فِي الْعَادَةِ ، كَالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، مَا لَمْ يَجِئْ مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .
الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ أَنْ يَقُولَ لَهُ : عِنْدِي مَالٌ كَثِيرٌ أَوْ عَظِيمٌ .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْبَلُ فِي الْحَبَّةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْبَلُ إلَّا فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً ، مِنْهَا نِصَابُ السَّرِقَةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالدِّيَةِ .
وَأَقَلُّهُ عِنْدِي نِصَابُ السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَانُ عُضْوُ الْمُسْلِمِ إلَّا فِي عَظِيمٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ .
وَمَنْ تَعَجَّبَ فَيَتَعَجَّبُ لِقَوْلِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ : إنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا ، وَقِيلَ لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ تَقُولُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } .
وَغَزَوَاتُهُ وَسَرَايَاهُ كَانَتْ ثِنْتَيْنِ
وَسَبْعِينَ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ حُنَيْنًا مِنْهَا ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : يُقْبَلُ فِي وَاحِدٍ وَسَبْعِينَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } وَقَالَ : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ } وَقَالَ : { وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } .
الصُّورَةُ السَّادِسَةُ إذَا قَالَ لَهُ : عَلَى عَشْرَةٍ أَوْ مِائَةٍ أَوْ أَلْفٍ ، فَإِنَّهُ يُفَسِّرُهَا بِمَا شَاءَ وَيُقْبَلُ مِنْهُ ، فَإِنْ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ ، أَوْ مِائَةُ عَبْدٍ ، أَوْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ تَفْسِيرُ مُبْهَمٍ ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ عَطَفَ عَلَى الْعَدَدِ الْمُبْهَمِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا كَانَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْخَمْسِينَ ، وَالْخَمْسِينَ تَفْسِيرٌ لِلْمِائَةِ .
وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنَّ الدِّرْهَمَ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا فِي الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ إلَّا لِلْخَمْسِينَ خَاصَّةً ، وَيُفَسِّرُ هُوَ الْمِائَةَ بِمَا شَاءَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ تَحْقِيقَ ذَلِكَ ، وَيَتَرَكَّبُ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَهَذِهِ أُصُولُهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } : مَعْنَاهُ لَوْ اعْتَذَرَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ رَجَعَ بَعْدَ مَا أَقَرَّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ ؛ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ .
وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ : لَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِرُجُوعِهِ وَجْهًا صَحِيحًا وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا ؛ لِمَا رَوَى الْأَئِمَّةُ ، مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْمُقِرَّ بِالزِّنَا مِرَارًا أَرْبَعًا ، كُلَّ مَرَّةٍ يُعْرِضُ عَنْهُ .
وَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أَبِك جُنُونٌ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : أَحْصَنْت ؟ قَالَ : نَعَمْ } .
وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ : { لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت } .
وَفِي النَّسَائِيّ ، وَأَبِي دَاوُد : { حَتَّى قَالَ لَهُ فِي الْخَامِسَةِ : أَنِكْتَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْك فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا ؟ قَالَ ، أَتَيْت مِنْهَا حَرَامًا مِثْلَ مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا .
قَالَ : فَمَا تُرِيدُ مِنِّي بِهَذَا الْقَوْلِ ؟ قَالَ : أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي ؟ قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ .
} قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد : { فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ } قَالَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ : تَثَبَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا لِتَرْكِ حَدٍّ فَلَا ، وَهَذَا كُلُّهُ طَرِيقٌ لِلرُّجُوعِ ، وَتَصْرِيحٌ بِقَبُولِهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : لَعَلَّك غَمَزْت
، إشَارَةٌ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ : إنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إذَا ذَكَرَ فِيهَا وَجْهًا .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : إنَّ مَعْنَى : { وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } أَيْ سُتُورَهُ ، بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَاحِدُهَا مِعْذَارٌ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : وَاحِدُهَا مَعْذِرَةٌ .
الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اعْتَذَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنْكَرَ الشِّرْكَ ، لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ، وَيُخْتَمُ عَلَى فَمِهِ ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ ، وَيُقَالُ لَهُ : كَفَى بِنَفْسِك الْيَوْمَ عَلَيْك حَسِيبًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَهَذَا فِي الْحُرِّ الْمَالِكِ لِأَمْرِ نَفْسِهِ .
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ قِسْمَيْنِ : إمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى بَدَنِهِ ، أَوْ عَلَى مَا فِي يَدِهِ وَذِمَّتِهِ ؛ فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى بَدَنِهِ فِيمَا فِيهِ عُقُوبَةٌ مِنْ الْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ نَفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ ، لِأَنَّ بَدَنَهُ مُسْتَرَقٌّ بِحَقِّ السَّيِّدِ .
وَفِي إقْرَارِهِ إتْلَافُ حُقُوقِ السَّيِّدِ فِي بَدَنِهِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ } .
الْمَعْنَى أَنَّ مَحِلَّ الْعُقُوبَةِ أَصْلُ الْخِلْقَةِ وَهِيَ الدُّمْيَةُ فِي الْآدَمِيَّةِ ، وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْوَصْفِ وَالتَّبَعِ ، وَهِيَ الْمَالِيَّةُ الطَّارِئَةُ عَلَيْهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّهُ لَوْ قَالَ : سَرَقْت هَذِهِ السِّلْعَةَ إنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَيَأْخُذُهَا الْمُقَرُّ لَهُ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : السِّلْعَةُ لِلسَّيِّدِ ، وَيُتْبَعُ الْعَبْدُ بِقِيمَتِهَا إذَا عَتَقَ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ إجْمَاعًا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَلَا إقْرَارُهُ عَلَيْهِ ، لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : إنَّ الْعَبْدَ لَا مِلْكَ لَهُ وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ ، وَلَكِنَّ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ بِإِجْمَاعٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : { بَلْ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } ؛ أَيْ عَلَيْهِ مَنْ يُبْصِرُ أَعْمَالَهُ ، وَيُحْصِيهَا ، وَهُمْ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ ؛ وَهَذِهِ كُلُّهَا مَقَاصِدُ مُحْتَمِلَةٌ لِلَّفْظِ ، أَقْوَاهَا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ } قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنْ التَّنْزِيلِ شِدَّةً ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ شَفَتَيْهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا .
وَقَالَ سَعِيدٌ : أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا ، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } قَالَ : جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِك وَتَقْرَؤُهُ .
{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } .
قَالَ : فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ .
{ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } : ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَقْرَأَهُ .
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَقْرَأَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذَا يُعَضِّدُ مَا تَقَدَّمَ : فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ مِنْ قَوْلِهِ { وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَلَقِّنَ مِنْ حُكْمِهِ الْأَوْكَدِ أَنْ يُصْغِيَ إلَى الْمُلَقِّنِ بِقَلْبِهِ ، وَلَا يَسْتَعِينُ بِلِسَانِهِ ، فَيَشْتَرِك الْفَهْمُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ ، فَيَذْهَبُ رُوحُ التَّحْصِيلِ بَيْنَهُمَا ، وَيَخْزِلُ اللِّسَانَ بِتَجَرُّدِ الْقَلْبِ لِلْفَهْمِ ؛ فَيَتَيَسَّرُ التَّحْصِيلُ ؛ وَتَحْرِيكُ اللِّسَانِ يُجَرِّدُ الْقَلْبَ عَنْ الْفَهْمِ ، فَيَتَعَسَّرُ التَّحْصِيلُ بِعَادَةِ اللَّهِ الَّتِي يَسَّرَهَا ؛ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عَادَةً فَيَتَحَقَّقُ لِذِي مُشَاهَدَةٍ .
قَالَ الْإِمَامُ : كُنْت أَحْضُرُ عِنْدَ الْحَاسِبِ بِتِلْكَ
الدِّيَارِ الْمُكَرَّمَةِ ، وَهُوَ يَجْعَلُ الْأَعْدَادَ عَلَى الْمُتَعَلِّمِينَ الْحَاسِبِينَ ، وَأَفْوَاهُهُمْ مَمْلُوءَةٌ مِنْ الْمَاءِ ، حَتَّى إذَا انْتَهَى إلْقَاؤُهُ ، وَقَالَ : مَا مَعَكُمْ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا فِي فَمِهِ ، وَقَالَ مَا مَعَهُ لِيُعَوِّدَهُمْ خَزْلَ اللِّسَانِ عَنْ تَحْصِيلِ الْمَفْهُومِ عَنْ الْمَسْمُوعِ .
وَلِلْقَوْلِ فِي التَّعَلُّمِ سِيرَةٌ بَدِيعَةٌ ؛ وَهِيَ أَنَّ الصَّغِيرَ مِنْهُمْ إذَا عَقَلَ بَعَثُوهُ إلَى الْمَكْتَبِ ، فَإِذَا عَبَرَ الْمَكْتَبَ أَخَذَهُ بِتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، فَإِذَا حَذَقَهُ كُلَّهُ أَوْ حَذَقَ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ خَرَجَ إلَى الْمُقْرِئِ فَلَقَّنَهُ كِتَابَ اللَّهِ ، فَحَفِظَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ حِزْبٍ ، أَوْ نِصْفَهُ ، أَوْ حِزْبًا ، حَتَّى إذَا حَفِظَ الْقُرْآنَ خَرَجَ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ أَوْ تَرْكِهِ .
وَمِنْهُمْ وَهُمْ الْأَكْثَرُ مَنْ يُؤَخِّرُ حِفْظَ الْقُرْآنِ ، وَيَتَعَلَّمُ الْفِقْهَ وَالْحَدِيثَ ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ فَرُبَّمَا كَانَ إمَامًا ، وَهُوَ لَا يَحْفَظُهُ ، وَمَا رَأَيْت بِعَيْنِي إمَامًا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ ، وَلَا رَأَيْت فَقِيهًا يَحْفَظُهُ إلَّا اثْنَيْنِ ، ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الْمَقْصُودَ حُدُودُهُ لَا حُرُوفُهُ ؛ وَعُلِّقَتْ الْقُلُوبُ الْيَوْمَ بِالْحُرُوفِ ، وَضَيَّعُوا الْحُدُودَ ، خِلَافًا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنَّهُ إنْفَاذٌ لِقَدَرِ اللَّهِ ، وَتَحْقِيقٌ لِوَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبْيِينٌ لِنُبُوَّتِهِ ، وَعَضُدٌ لِمُعْجِزَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ الْقُرْآنَ فِي قَلْبِ الرَّسُولِ تَيْسِيرًا لِلتَّبْلِيغِ ، وَيَجْمَعُهُ فِي قَلْبِ غَيْرِهِ ؛ تَيْسِيرًا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ شِفَاءً لِمَا يَعْرِضُ فِي الصُّدُورِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَمًى فِي الْأَبْصَارِ وَالْبَصَائِرِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ بِهِ رَيْنٌ ، فَيَبْقَى تَالِيًا ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ ثَانِيًا ، وَهُوَ أَخَفُّهُ حَالًا وَأَسْلَمُهُ مَآلًا ، وَقَدْ
حَقَّقَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ وَعْدَهُ بِقَوْلِهِ : { سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى } ؛ وَهُوَ خَبَرٌ ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لِثُبُوتِ الْيَاءِ فِي الْخَطِّ إجْمَاعًا ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي بَعْدَ هَذَا تَأْوِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَارِضُهُ جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ ، حَتَّى كَانَ الْعَامُ الَّذِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ عَارَضَهُ مَرَّتَيْنِ ؛ فَفَطِنَ لِتَأْكِيدِ الْحِفْظِ وَالْجَمْعِ عِنْدَهُ ، وَقَالَ : مَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي } إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثِهِ إلَى الْخَلْقِ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ وَتَمْهِيدُ الشَّرْعِ ، ثُمَّ يَسْتَأْثِرُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْخَلْقِ ، وَيَظْهَرُهُ بِرَفْعِهِ إلَيْهِ عَنْهُمْ ، وَيَنْفُذُ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِيهِمْ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ انْتَهَى النَّظَرُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْمٍ مِنْ الرُّفَعَاءِ مِنْهُمْ قَتَادَةُ إلَى أَنْ يَقُولُوا فِي قَوْلِهِ { ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أَيْ تَفْصِيلَ أَحْكَامِهِ ، وَتَمْيِيزَ حَلَالِهِ مِنْ حَرَامِهِ ، حَتَّى قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ : إنَّ مِنْهُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ مَسَاقُ الْآيَةِ فَلَا يَنْفِيهِ عُمُومُهَا ، وَنَحْنُ لَا نَرَى تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِالسَّبَبِ وَلَا بِالْأَوْلَى مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ، وَلَا بِالْمَسَاقِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } : فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ : وَهِيَ مَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَكُونُ الْوَلَدُ مِنْ أَحْوَالِ التَّخْلِيقِ وَلَدًا : مِنْ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ بِظَاهِرِهَا تَقْتَضِي أَنَّ الْمَرْتَبَةَ الثَّالِثَةَ بَعْدَ الْعَلَقَةِ [ وَتَكُونُ ] خَلْقًا مُسَوًّى ، فَتَكُونُ بِهِ الْمَرْأَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَيَكُونُ الْمَوْضُوعُ سِقْطًا ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ وَاخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ كَمَا سَبَقَ ، وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ أَوَّلُهَا ابْتِدَاءُ الْخِلْقَةِ ، وَآخِرُهَا اسْتِكْمَالُ الْقُوَّةِ ، وَالْكُلُّ مُرَادٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } : وَقَدْ احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ رَأَى إسْقَاطَ الْخُنْثَى ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الشُّورَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَرِينَتَهَا إنَّمَا خَرَجَتَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ هُنَا لَك ، فَلْيَجْتَزِئْ بِهِ اللَّبِيبُ فَإِنَّهُ وَفَّى بِالْمَقْصُودِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
سُورَةُ الدَّهْرِ [ فِيهَا سِتُّ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْحِينِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ ، فَلْيُنْظَرْ فِي سُورَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } .
بِمَعْنَى أَخْلَاطٍ .
مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، فَيَجْمَعُهُمَا الْمَلَكُ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَتَنْقُلُهُمَا الْقُدْرَةُ مِنْ تَطْوِيرٍ إلَى تَطْوِيرٍ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى مَا دَبَّرَهُ مِنْ التَّقْدِيرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } : فِيهِ أَقْوَالٌ ، لُبَابُهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا يُوفُونَ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ .
الثَّانِي : يُوفُونَ [ بِمَا اعْتَقَدُوهُ وَ ] بِمَا عَقَدُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا ثَنَاءَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا فِعْلَ أَفْضَلُ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْزَمَ عَبْدَهُ وَظَائِفَ ، وَرُبَّمَا جَهِلَ الْعَبْدُ عَجْزَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَيَنْذُرُ عَلَى نَفْسِهِ نَذْرًا ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ أَيْضًا ، فَإِذَا قَامَ بِحَقِّ الْأَمْرَيْنِ ؛ وَخَرَجَ عَنْ وَاجِبِ النَّذْرَيْنِ كَانَ لَهُ مِنْ الْجَزَاءِ مَا وَصَفَ اللَّهُ فِي آخِرِ السُّورَةِ .
وَعَلَى عُمُومِ الْأَمْرَيْنِ كُلُّ ذَلِكَ حَمَلَهُ مَالِكٌ ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ قَالَ : " يُوفُونَ بِالنَّذْرِ " هُوَ نَذْرُ الْعِتْقِ ، وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ .
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قَالَ : النَّذْرُ هُوَ الْيَمِينُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ النَّذْرُ مَكْرُوهٌ بِالْجُمْلَةِ ؛ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَا يَأْتِي النَّذْرُ عَلَى ابْنِ آدَمَ بِشَيْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَّرْته لَهُ ؛ إنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ } وَذَلِكَ لِفِقْهٍ صَحِيحٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَعَدَ بِالرِّزْقِ عَلَى الْعَمَلِ ؛ وَمِنْهُ مَفْرُوضٌ ، وَمِنْهُ مَنْدُوبٌ ، فَإِذَا عَيَّنَ الْعَبْدُ لِيَسْتَدِرَّ بِهِ الرِّزْقَ ، أَوْ يَسْتَجْلِبَ بِهِ الْخَيْرَ ، أَوْ يَسْتَدْفِعَ بِهِ الشَّرَّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِهِ ، فَإِنْ وَصَلَ فَهُوَ لِبُخْلِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } : فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ } تَنْبِيهٌ عَلَى الْمُوَاسَاةِ ؛ وَمِنْ أَفْضَلِ الْمُوَاسَاةِ وَضْعُهَا فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتُقْرِئُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ } وَهَذَا فِي الْفَضْلِ لَا فِي الْفَرْضِ مِنْ الزَّكَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { عَلَى حُبِّهِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { مِسْكِينًا } .
الْمِسْكِينُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَهَذَا مِثَالُهُ مَا رُوِيَ فِي شَأْنِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا قِصَّتَهُ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ ، عِنْدَ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فَهَذَا هُوَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَيَتِيمًا } .
وَإِنَّمَا أَكَّدَ بِالْيَتِيمِ ؛ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مَضْعُوفٌ بِالْوَحْدَةِ وَعَدَمِ الْكَافِلِ مَعَ عَجْزِ الصِّغَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَسِيرًا } .
وَفِي إطْعَامِهِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ .
وَقَدْ تَعَيَّنَ بِالْعَهْدِ إطْعَامُهُ ، وَلَكِنْ مِنْ الْفَضْلِ فِي الصَّدَقَةِ ، لَا مِنْ الْأَصْلِ فِي الزَّكَاةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَسْجُونُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدْ حَبَسَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ وَأَسَرَهُ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَقَدْ صَارَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُطْلَقِ حَقٌّ زَائِدٌ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنْعِ [ عَنْ التَّمَحُّلِ فِي ] الْمَعَاشِ أَوْ التَّصَرُّفِ فِي الطَّلَبِ ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا خَلَصَتْ فِيهِ النِّيَّةُ لِلَّهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ دُونَ تَوَقُّعِ مُكَافَأَةٍ ، أَوْ شُكْرٍ مِنْ الْمُعْطِي ، فَإِذَا لَمْ يُشْكَرْ فَسَخِطَ الْمُعْطِي
يَحْبَطُ ثَوَابُهُ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّك بُكْرَةً وَأَصِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ الْبُكْرَةُ وَقْتٌ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهَارِ ، وَهُوَ أَوَّلُهُ ، وَمِنْهُ بَاكُورَةُ الْفَاكِهَةِ .
وَالْأَصِيلُ : هُوَ الْعَشِيُّ .
وَهَذِهِ الْإِشَارَةُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ؛ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَنْ صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا وَقَرَأَ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } } .
وَقَدْ قَسَّمَ أَرْبَابُ اللُّغَةِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَسَاعَاتِ النَّهَارِ عَلَى تَفَاصِيلَ وَأَسْمَاءٍ عُرْفِيَّةٍ فِي اللُّغَةِ ، وَمُؤَلِّفُوهَا مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ؛ لَكِنَّ الْغُدُوَّ وَالْعَشِيَّ وَالظَّهِيرَةَ مِنْ أُمَّهَاتِ ذَلِكَ الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ .
وَالضُّحَى يَلْحَقُ بِهِ وَالْإِشْرَاقُ مِثْلُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ وَكَبِّرْ ، فَكَانَ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا بَعْدَ الصُّبْحِ وَثَلَاثًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَلَا يَصِحُّ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا } هَذِهِ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْفَرْضِ ؛ وَهُوَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، فَإِنَّهُمَا وَقْتَانِ مِنْ أَوْقَاتِ الْمُصَلَّى ، وَصَلَاتُهُمَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا } فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ بِهِ عَلَيْهِ مُفْرَدًا ، وَالْوُجُوبُ يَلْزَمُ لَهُ خَاصَّةً .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمِيعُ ، ثُمَّ نُسِخَ عَنَّا ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك } كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
سُورَة الْمُرْسَلَاتِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] وَهِيَ مِنْ غَرَائِبِ الْقُرْآنِ عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ؛ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الْأَرْضِ .
وَرَوَى الصَّحِيحَانِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ ، فَنَزَلَتْ : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً إذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا ، فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا ، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا .
} الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْكِفَاتُ : الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، يُقَالُ : كَفَتَهُ يَكْفِتُهُ كَفْتًا وَكِفَاتًا مِثْلُ كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابًا ، أَيْ يَجْمَعُهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمَمْته فَقَدْ كَفَتَّهُ ، فَإِذَا حَلَّ الْعَبْدُ فِي مَوْضِعِهِ فَهُوَ كِفَاتُهُ ، وَهُوَ مَنْزِلُهُ ، وَهُوَ دَارُهُ ، وَهُوَ حِرْزُهُ ، وَهُوَ حَرِيمُهُ ، وَهُوَ حِمَاهُ ، كَانَ يَقْظَانَ أَوْ نَائِمًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ { صَفْوَانَ قَالَ : كُنْت نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى خَمِيصَةٍ لِي بِثَمَنِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ؛ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاخْتَلَسَهَا مِنِّي ، فَأَخَذَ الرَّجُلَ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ لِيُقْطَعَ قَالَ : فَقُلْت لَهُ : أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، أَنَا أَبِيعُهُ إيَّاهَا ، وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا .
قَالَ : هَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، فَكَانَتْ نَفْسُهُ حِيَازَةَ مَوْضِعِهِ وَحِرْزِهِ وَحَرِيمِهِ وَمَنَعَتِهِ وَحِصْنِهِ .
}
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } يَقْتَضِي أَنْ يُدْفَنَ فِيهَا الْمَيِّتُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ كُلِّهَا مِنْ شَعْرٍ ، وَظُفْرٍ ، وَثِيَابٍ ، وَمَا يُوَارِيهِ عَلَى التَّمَامِ ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِ وَمَا بَانَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ الْمَسَائِلِ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ احْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ مَكْفُوتٍ ، وَحِمًى مَضْمُومٍ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَرَّرْنَا أَنْ يُنْظَرَ فِي دُخُولِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنْ نَقُولَ : هَذَا حِرْزٌ كِفَاتٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } فَجَعَلَ حَالَ الْمَرْءِ فِيهَا بَعْدَ الْمَمَاتِ فِي كَفْتِهَا لَهُ وَضَمِّهَا لِحَالِهِ كَحَالَةِ الْحَيَاةِ وَمَا تَحْفَظُهُ وَتَحْرُزُ حَيًّا ، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا فَهَذَا أَصْلٌ ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } وَذَلِكَ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ اللُّغَةِ ، فَإِنَّ السَّارِقَ فِيهَا هُوَ آخِذُ الْمَالِ عَلَى طَرِيقِ الْخِفْيَةِ وَمُسَارَقَةِ الْأَعْيُنِ ، وَهَذَا فِعْلُهُ فِي الْقَبْرِ كَفِعْلِهِ فِي الدَّارِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَنَّ الَّذِي سُرِقَ مَالٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ : إنَّ الْكَفَنَ لَيْسَ بِمَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْإِتْلَافِ ، وَقُلْنَا نَحْنُ : هُوَ مُعَرَّضٌ لِلْإِتْلَافِ فِي مَنْفَعَةِ الْمَالِكِ ، كَالْمَلْبُوسِ فِي الْحَيَاةِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَالِكٍ ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ مَالِكٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ ، تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ ، وَتَنْفُذُ فِيهِ وَصَايَاهُ .
وَحَقِيقَةُ الْمِلْكِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَفَنِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ وَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ ، فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَرْكَانُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمَعْنَى ثَبَتَ
الْقَطْعُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : فِيهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أُصُولُ الشَّجَرَةِ الثَّانِي الْجَبَلُ الثَّالِثُ الْقَصْرُ مِنْ الْبِنَاءِ الرَّابِعُ خَشَبٌ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ الْخَامِسُ أَعْنَاقُ الدَّوَابِّ السَّادِسُ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا الْقَصَرُ ، وَفَسَّرَهَا بِأَعْنَاقِ الْإِبِلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا ( ق ص ر ) فَهُوَ بِنَاءٌ يَنْطَلِقُ عَلَى مُخْتَلِفَاتٍ كَثِيرَةٍ ، يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا انْطِلَاقًا وَاحِدًا .
وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ فِي ذَلِكَ .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ } قَالَ : كُنَّا نَرْفَعُ الْخَشَبَ بِقَصَرٍ ثَلَاثَ أَذْرُعٍ أَوْ أَقَلَّ ، فَنَرْفَعُهُ لِلشِّتَاءِ ، فَنُسَمِّيهَا الْقَصَرَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَمَّا ادِّخَارُ الْقُوتِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ أَمَّا ادِّخَارُ الْحَطَبِ وَالْفَحْمِ فَمُسْتَفَادٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقُوتِ فَإِنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمَرْءِ ، وَمَغَانِي مَفَاقِرِهِ ؛ وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي النَّظَرَ أَنْ يَكْتَسِبَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَاجَتِهِ ، لِيَكُونَ أَرْخَصَ ، وَحَالَةُ وُجُودِهِ أَمْكَنَ ، كَمَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَّخِرُ الْقُوتَ فِي وَقْتِ عُمُومِ وُجُودِهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِهِ } ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اكْتَسَبَهُ فِي وَقْتِ رُخْصِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا يَبْتَاعُ لَهُ فَحْمًا فَابْتَاعَهُ لَهُ فِي الصَّيْفِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ .
وَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَبْتَاعُ فِيهِ لِيَدَّخِرَهُ الْعَبْدُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِحَالٍ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ الْمُقْتَضَى بِالِاسْتِدْلَالِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ } فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الرُّكُوعُ مَعْلُومٌ لُغَةً ، مَعْلُومٌ شَرْعًا حَسْبَمَا قَرَّرْنَاهُ ؛ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ كَرَاهِيَةَ التَّطْوِيلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الرُّكُوعِ وَإِنْزَالِهِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ ، وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ ، فَيَتَوَجَّهُ فِيهَا أَمْرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ وَيْلٌ وَعِقَابٌ ، وَإِنَّمَا يُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ كَشْفًا لِحَالِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، فَمَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ ، وَمَنْ كَانَ يَسْجُدُ رِئَاءً لِغَيْرِهِ صَارَ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ : { بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } } الْحَدِيثَ إلَخْ فَمِنْ الْفَوَائِدِ الْعَارِضَةِ هَاهُنَا أَنَّ الْقُرْآنَ فِي مَحَلِّ نُزُولِهِ وَوَقْفِهِ عَشْرَةُ أَقْسَامٍ : سَمَاوِيٌّ ، وَأَرْضِيٌّ ، وَمَا تَحْتَ الْأَرْضِ ، وَحَضَرِيٌّ ، وَسَفَرِيٌّ ، وَمَكِّيٌّ ، وَمَدَنِيٌّ ، وَلَيْلِيٌّ ، وَنَهَارِيٌّ ، وَمَا نَزَلَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّ ، لَقَدْ أَذْكَرْتنِي بِقِرَاءَتِك هَذِهِ السُّورَةَ ، إنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَرَأَ بِالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ ، فِي طَرِيقٍ أُخْرَى .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ .
سُورَة النَّبَأِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْخَلْقِ بِأَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ غَيْبًا يُغَطِّي بِسَوَادِهِ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ لَابِسَهُ ، وَيَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا يَسْتُرُهُ الْحِجَابُ .
قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ ؛ فَظَنَّ بَعْضُ الْغَافِلِينَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا لَيْلًا فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ الظَّلَامَ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ؛ فَإِنَّ النَّاسَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ لَا يَخْتَصُّ وُجُوبُهُ بِالصَّلَاةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ، وَكِلَاهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لِلصَّلَاةِ فِي الظُّلْمَةِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ ، إثْبَاتًا بِإِثْبَاتٍ ، وَنَفْيًا بِنَفْيٍ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يَجِبُ فِي النُّورِ وَيَسْقُطُ فِي الظُّلْمَةِ اجْتِزَاءً بِسَتْرِهَا عَنْ سَتْرِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ الْمُصَلِّي فَلَا وَجْهَ لِهَذَا بِحَالٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } : امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ بِإِنْزَالِهِ الْمَاءَ الْمُبَارَكَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَبِإِخْرَاجِهِ الْحَبَّ وَالنَّبَاتَ وَلَفِيفَ الْجَنَّاتِ وَكُلُّ مَا امْتَنَّ اللَّهُ بِهِ مِنْ النِّعَمِ ؛ فَفِيهِ حَقُّ الصَّدَقَةِ بِالشُّكْرِ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الصَّدَقَةَ شُكْرَ نِعْمَةِ الْمَالِ ، كَمَا جَعَلَ الصَّلَاةَ شُكْرَ نِعْمَةِ الْبَدَنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا ، وَحَقَّقْنَا تَفْصِيلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَمَحِلَّهَا وَمِقْدَارَهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ لِظُهُورِهِ وَشُمُولِهِ فِي الْبَيَانِ بِمَوْضِعَيْنِ
سُورَة عَبَسَ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ : { نَزَلَتْ { عَبَسَ وَتَوَلَّى } فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ؛ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك اللَّهُ ، وَعِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الْآخَرِ ، وَيَقُولُ : يَا فُلَانُ ، هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًا ، فَيَقُولُ : لَا ، مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْسًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { عَبَسَ وَتَوَلَّى } } .
قَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ عُلَمَائِنَا : اسْمُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عَمْرٌو ، وَيُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَالرَّجُلُ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُسْنَدًا قَالَ : أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : هَذَا مَا عَرَضْنَا عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَلَتْ { عَبَسَ وَتَوَلَّى } فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } .
وَمَعْنَاهُ نَحْوُهُ حَيْثُمَا وَقَعَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَصَدَ تَأَلُّفَ الرَّجُلِ الطَّارِئِ ثِقَةً بِمَا كَانَ فِي قَلْبِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مِنْ الْإِيمَانِ ، كَمَا قَالَ : { إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ } .
وَأَمَّا قَوْلُ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ، فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَجَهْلٌ مِنْ
الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَحَقَّقُوا الدِّينَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أُمَيَّةَ وَالْوَلِيدَ كَانَا بِمَكَّةَ ، وَابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، مَا حَضَرَ مَعَهُمَا وَلَا حَضَرَا مَعَهُ ، وَكَانَ مَوْتُهُمَا كَافِرَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَالْآخَرُ فِي بَدْرٍ وَلَمْ يَقْصِدْ قَطُّ أُمَيَّةُ الْمَدِينَةَ ، وَلَا حَضَرَ عِنْدَهُ مُفْرَدًا وَلَا مَعَ أَحَدٍ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ عِنْدَ ذِكْرِنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } فَلْيَنْظُرْ هُنَالِكَ فِيهِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ هَاهُنَا .
وَقَدْ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : إنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي : لَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ كِرَامًا بَرَرَةً ، وَلَكِنْ لَيْسُوا بِمُرَادِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَا قَارَبُوا الْمُرَادِينَ بِهَا ؛ بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَلَائِكَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ ، وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ فِي مُتَنَاوَلِهَا غَيْرُهُمْ .
رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ } .
وَقَوْلُهُ : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ وَأَمْثَالُهَا فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ ، وَتَحَقَّقَ الْقَوْلُ فِيهَا .
سُورَة الْمُطَفِّفِينَ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَفْسِيرِ اللَّفْظِ : قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ : الْمُطَفِّفُونَ هُمْ الَّذِينَ يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ .
وَقِيلَ لَهُ الْمُطَفِّفُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْرِقُ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إلَّا الشَّيْءَ الطَّفِيفَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ طَفِّ الشَّيْءِ وَهُوَ جَانِبُهُ .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : { كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ طَفُّ الصَّاعِ } يَعْنِي بَعْضُكُمْ قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إلَّا بِالتَّقْوَى .
وَفِي الْمُوَطَّأِ : قَالَ مَالِكٌ : [ يُقَالُ ] : لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وَتَطْفِيفٌ ، وَالتَّطْفِيفُ ضِدُّ التَّوْفِيَةِ .
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَقَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خَيْبَرَ ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عَرْفَطَةَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَوَجَدْنَاهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى " كهيعص " وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَأَقُولُ فِي صَلَاتِي : " وَيْلٌ لِأَبِي فُلَانٍ ، لَهُ مِكْيَالَانِ ، إذَا اكْتَالَ اكْتَالَ بِالْوَافِي ، وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنَّاقِصِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا كَالُوهُمْ } يَعْنِي كَالُوا لَهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَفْعَالِ يَأْتِي كَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : شَكَرْت فُلَانًا وَشَكَرْت لَهُ ، وَنَصَحْت فُلَانًا وَنَصَحْت لَهُ ، وَاخْتَرْت أَهْلِي فُلَانًا وَاخْتَرْت مِنْ أَهْلِي فُلَانًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ فِي التَّعَدِّي مُقْتَصِرًا أَوْ مُتَعَدِّيًا أَيْضًا ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } ؛ فَبَدَأَ بِالْكَيْلِ قَبْلَ الْوَزْنِ ؛ وَالْوَزْنُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَالْكَيْلُ مُرَكَّبٌ عَلَيْهِ ، وَكِلَاهُمَا لِلتَّقْدِيرِ ، لَكِنَّ الْبَارِئَ سُبْحَانَهُ وَضَعَ الْمِيزَانَ لِمَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ بِمَقَادِيرِهَا ؛ إذْ يَعْلَمُهَا سُبْحَانَهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَلَا مُقَدِّرٍ .
ثُمَّ قَدْ يَأْتِي الْكَيْلُ عَلَى الْمِيزَانِ بِالْعُرْفِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ } فَالْأَقْوَاتُ وَالْأَدْهَانُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْكَيْلُ [ دُونَ الْوَزْنِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ وَهِيَ تُكْتَالُ بِالْمَدِينَةِ فَجَرَى فِيهَا الْكَيْلُ ] ، وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ الرِّبَوِيَّةُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ بِالْكَيْلِ دُونَ الْوَزْنِ ، حَاشَا النَّقْدَيْنِ ، حَتَّى أَنَّ الدَّقِيقَ وَالْحِنْطَةَ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْكَيْلُ ، وَلَيْسَ لِلْوَزْنِ فِيهِمَا طَرِيقٌ ، وَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا زَيْغٌ فَهُوَ كَظُهُورِهِ بَيْنَ الْبُرَّيْنِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَرَأَ : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } [ مَرَّتَيْنِ قَالَ : مَسَحَ الْمَدِينَةَ مِنْ التَّطْفِيفِ وَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً .
وَرَوَى أَشْهَبُ قَالَ : قَرَأَ مَالِكٌ : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } ] ، فَقَالَ : لَا تُطَفِّفْ وَلَا تَجْلِبْ وَلَكِنْ أَرْسِلْ وَصُبَّ عَلَيْهِ صَبًّا ، حَتَّى إذَا اسْتَوَى أَرْسِلْ يَدَك وَلَا تُمْسِكْ .
وَقَالَ
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّطْفِيفِ } وَقَالَ : إنَّ الْبَرَكَةَ فِي رَأْسِهِ .
قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ كَيْلَ فِرْعَوْنَ كَانَ طِفَافًا مَسْحًا بِالْحَدِيدَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ عُلَمَاءُ الدِّينِ : التَّطْفِيفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : كَمَا أَنَّ السَّرِقَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ مَنْ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ ؛ فَلَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَيَغِيبُ فِي رَشْحِهِ إلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ } .
وَعَنْهُ أَيْضًا ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُومُ مِائَةَ سَنَةٍ } الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْقِيَامُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سُبْحَانَهُ حَقِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى عَظَمَتِهِ وَحَقِّهِ ؛ فَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ إلَى جَعْفَرٍ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَاعْتَنَقَهُ } وَقَامَ طَلْحَةُ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ تِيبَ عَلَيْهِ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ حِينَ طَلَعَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى حَالِ الرَّجُلِ وَنِيَّتِهِ ، فَإِنْ انْتَظَرَ لِذَلِكَ وَاعْتَقَدَهُ لِنَفْسِهِ حَقًّا فَهُوَ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْبَشَاشَةِ وَالْوَصْلَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَخَاصَّةً عِنْدَ الْأَسْبَابِ ، كَالْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ وَنَحْوِهِ .
سُورَةُ الِانْشِقَاقِ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ } فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي الشَّفَقِ : قَالَ أَشْهَبُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَكَثِيرٌ عَدَدُهُمْ ، عَنْ مَالِكٍ : الشَّفَقُ : الْحُمْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمَغْرِبِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ، وَوَجَبَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : الشَّفَقُ : الْحُمْرَةُ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَلَا أَدْرَى حَقِيقَةَ ذَلِكَ ، وَلَكِنِّي أَرَى الشَّفَقَ الْحُمْرَةَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّهُ لَيَقَعُ فِي قَلْبِي .
وَمَا هُوَ إلَّا شَيْءٌ فَكَّرْت فِيهِ مُنْذُ قَرِيبٍ : أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ حُمْرَةِ الشَّفَقِ أَنَّهُ مِثْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَكَمَا لَا يُمْنَعُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا مَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ ، فَلَا أَدْرِي هَذَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَتَادَةُ ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاذٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْبَيَاضُ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَاعْتَضَدَ بَعْضُهُمْ بِالِاشْتِقَاقِ وَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الرِّقَّةِ ، وَاَلَّذِي يُعَضِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ { وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ } ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى حَالَيْنِ : كَثِيرٍ وَقَلِيلٍ ، وَهُوَ الَّذِي تَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ مِنْ جِهَةِ اشْتِقَاقِهِ ، وَاخْتِلَافِ إطْلَاقِهِ ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيهِ مُنْذُ قَرِيبٍ ، وَذَكَرَ كَلَامًا مُجْمَلًا ، تَحْقِيقُهُ أَنَّ الطَّوَالِعَ أَرْبَعَةٌ : الْفَجْرُ الْأَوَّلُ ، وَالثَّانِي ، وَالْحُمْرَةُ ، وَالشَّمْسُ .
وَكَذَلِكَ الْغَوَارِبُ أَرْبَعَةٌ :
الْبَيَاضُ الْآخَرُ ، وَالْبَيَاضُ الَّذِي يَلِيهِ ، الْحُمْرَةُ ، الشَّفَقُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : كَمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِالطَّالِعِ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فِي الطَّوَالِعِ ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْغَارِبِ مِنْ الْآخَرِ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ الْمُحَقِّقُونَ : وَكَمَا قَالَ { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } فَكَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْفَجْرِ الثَّانِي ، كَذَلِكَ إذَا قَالَ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ بِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالشَّفَقِ الثَّانِي ؛ وَهَذِهِ تَحْقِيقَاتٌ قَوِيَّةٌ عَلَيْنَا .
وَاعْتَمَدَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ } وَالْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الِاسْمِ ، وَكَذَلِكَ كُنَّا نَقُولُ فِي الْفَجْرِ ، إلَّا أَنَّ النَّصَّ قَطَعَ بِنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَرَفَعَ يَدَهُ إلَى فَوْقٍ ، وَلَكِنَّهُ أَنْ يَكُونَ هَكَذَا وَبَسَطَهَا وَقَالَ : لَيْسَ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَكِنَّهُ الْمُسْتَطِيرُ يَعْنِي الْمُنْتَشِرَ ، وَلِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ : { أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِوَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثُلُثَيْهِ } وَقَالَ الْخَلِيلُ : رَقَبْت مَغِيبَ الْبَيَاضِ فَوَجَدْته يَتَمَادَى إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : رَأَيْته يَتَمَادَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَمَّا لَمْ يَتَحَدَّدْ وَقْتُهُ مِنْهُ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ : { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فَسَجَدَ فِيهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا } وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْهُ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ .
وَقَدْ اعْتَضَدَ فِيهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَمَّا أَمَمْت بِالنَّاسِ تَرَكْت قِرَاءَتَهَا ؛ لِأَنِّي إنْ سَجَدْت أَنْكَرُوهُ ، وَإِنْ تَرَكْتهَا كَانَ تَقْصِيرًا مِنِّي ، فَاجْتَنَبْتهَا إلَّا إذَا صَلَّيْت وَحْدِي .
وَهَذَا تَحْقِيقُ وَعْدِ الصَّادِقِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِك بِالْكُفْرِ لَهَدَمْت الْبَيْتَ وَرَدَدْته عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ .
} وَقَالَ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَعِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَتَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ ، فَحَضَرَ عِنْدِي يَوْمًا بِمُحْرِسٍ ابْنُ الشَّوَّاءِ بِالثَّغْرِ مَوْضِعُ تَدْرِيسِي عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ الْمُحْرِسِ الْمَذْكُورِ ، فَتَقَدَّمَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَأَنَا فِي مُؤَخَّرِهِ قَاعِدٌ عَلَى طَاقَاتِ الْبَحْرِ ، أَتَنَسَّمُ الرِّيحَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَمَعَهُ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ أَبُو ثَمْنَةَ رَئِيسُ الْبَحْرِ وَقَائِدُهُ ، مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ ، وَيَتَطَلَّعُ عَلَى مَرَاكِبَ تَحْتَ الْمِينَاءِ ، فَلَمَّا رَفَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَفِي رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ قَالَ أَبُو ثَمْنَةَ وَأَصْحَابُهُ : أَلَا تَرَوْنَ إلَى هَذَا الْمَشْرِقِيِّ كَيْفَ دَخَلَ مَسْجِدَنَا ؟ فَقُومُوا إلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَارْمُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ ، فَلَا يَرَاكُمْ أَحَدٌ .
فَطَارَ قَلْبِي مِنْ بَيْنِ جَوَانِحِي ، وَقُلْت : سُبْحَانَ اللَّهِ ،
هَذَا الطُّرْطُوشِيُّ فَقِيهُ الْوَقْتِ .
فَقَالُوا لِي : وَلِمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ؟ فَقُلْت : كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْهُ .
وَجَعَلْت أُسَكِّنُهُمْ وَأُسْكِتُهُمْ ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَقُمْت مَعَهُ إلَى الْمَسْكَنِ مِنْ الْمُحْرِسِ ، وَرَأَى تَغَيُّرَ وَجْهِي ، فَأَنْكَرَهُ ، وَسَأَلَنِي فَأَعْلَمْته فَضَحِكَ ، وَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لِي أَنْ أُقْتَلَ عَلَى سُنَّةٍ ، فَقُلْت لَهُ : وَلَا يَحِلُّ لَك هَذَا فَإِنَّك بَيْنَ قَوْمٍ إنْ قُمْت بِهَا قَامُوا عَلَيْك ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُك .
فَقَالَ : دَعْ هَذَا الْكَلَامَ وَخُذْ فِي غَيْرِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : { صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ يَعْنِي الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فَسَجَدَ فِيهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ مَا كُنَّا نَسْجُدُهَا .
قَالَ : سَجَدَهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا خَلْفَهُ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ } .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْجُدُ فِيهَا مَرَّةً ، وَمَرَّةً لَا يَسْجُدُ ، كَأَنَّهُ لَا يَرَاهَا مِنْ الْعَزَائِمِ عَزَائِمِ الْقُرْآنِ وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّحِيحَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [ بِغَيْبِهِ وَأَحْكُمُ ] .
سُورَةُ الْبُرُوجِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الشَّاهِدُ فَاعِلٌ مِنْ شَهِدَ ، وَالْمَشْهُودُ مَفْعُولٌ مِنْهُ ، وَلَمْ يَأْتِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِعَيْنِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ .
وَقَدْ رَوَى عَبَّادُ بْنُ مَطَرٍ الرَّهَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيَّادٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قَالَ : الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الشَّاهِدُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اللَّهَ وَرُسُلَهُ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْحَجَرَ الْأَسْوَدَ .
وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ ، وَالْمَشْهُودُ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ ، وَيَوْمَ النَّحْرِ ، وَأَيَّامَ الْمَنَاسِكِ كُلَّهَا ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ إلَى التَّخْصِيصِ سَبِيلٌ بِغَيْرِ أَثَرٍ صَحِيحٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ اللَّهَ فَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ وَمُتَعَلَّقَهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى ، وَإِذَا كَانَ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } وَهَذَا إذَا تَتَبَّعْته بِالْأَخْبَارِ وَجَدْته كَثِيرًا فِي جَمَاعَةٍ .
وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَعَلَّقَهُ بِكُلِّ مَشْهُودٍ فِيهِ ، وَمَشْهُودٍ عَلَيْهِ ، وَمَشْهُودٍ بِهِ ، حَسْبَ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ بِأَقْسَامِ الْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَحِيحٌ سَائِغٌ لُغَةً وَمَعْنًى ، فَاحْمِلْهُ عَلَيْهِ وَعَمِّمْهُ فِيهِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ثَبَتَ عَنْ صُهَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ : قَدْ كَبِرْت ، فَابْعَثْ لِي غُلَامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إذَا سَلَكَ رَاهِبٌ قَعَدَ إلَيْهِ ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ ، وَأَعْجَبَهُ ، فَكَانَ إذَا أَتَى السَّاحِرُ مَرَّ بِالرَّاهِبِ ، فَقَعَدَ إلَيْهِ ، وَإِذَا أَتَى السَّاحِرُ ضَرَبَهُ ، فَشَكَا ذَلِكَ إلَى الرَّاهِبِ ، فَقَالَ : إذَا خَشِيت السَّاحِرَ فَقُلْ : حَبَسَنِي أَهْلِي ، وَإِذَا خَشِيت أَهْلَك فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتْ النَّاسَ ، فَقَالَ : الْيَوْمَ أَعْلَمُ السَّاحِرُ أَفْضَلُ أَمْ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا ، وَمَضَى النَّاسُ ؛ فَأَتَى إلَى الرَّاهِبِ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : أَيْ بُنَيَّ ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي ، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِك مَا أَرَى ، وَإِنَّك سَتُبْتَلَى ، فَإِنْ اُبْتُلِيت فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ ؛ فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ ، فَسَمِعَ بِهِ جَلِيسُ الْمَلِكِ وَكَانَ قَدْ عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ ، فَقَالَ : لَك مَا هُنَالِكَ أَجْمَعُ إنْ شَفَيْتنِي قَالَ : إنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا ، إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاَللَّهِ دَعَوْت لَك فَشَفَاك .
فَآمَنَ بِاَللَّهِ ؛ فَشَفَاهُ اللَّهُ .
فَأَتَى الْمَلِكُ فَجَلَسَ إلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَنْ رَدَّ عَلَيْك بَصَرَك ؟ قَالَ : رَبِّي .
قَالَ : وَلَك رَبٌّ غَيْرِي ، قَالَ : رَبِّي وَرَبُّك اللَّهُ .
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ
حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ .
فَجِيءَ بِالْغُلَامِ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : أَيْ بُنَيَّ ، قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِك مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ، فَقَالَ : إنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا إنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ .
فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ ، فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك ، فَأَبَى ، فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ ، حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ ، فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك ، فَأَبَى ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ ؛ ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك فَأَبَى ، فَدَفَعَهُ إلَى نَفَرٍ ، مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إلَى جَبَلِ كَذَا كَذَا ، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ ، فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْت ، فَرَجَفَ بِهِمْ الْجَبَلُ ، فَسَقَطُوا ، وَجَاءَ يَمْشِي إلَى الْمَلِكِ ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُك ؟ فَقَالَ : كَفَانِيهِمْ اللَّهُ .
فَدَفَعَهُ إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ .
فَذَهَبُوا بِهِ .
فَقَالَ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْت ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ ، فَغَرِقُوا ، وَجَاءَ يَمْشِي إلَى الْمَلِكِ ؛ فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَ أَصْحَابُك ؟ فَقَالَ : كَفَانِيهِمْ اللَّهُ .
فَقَالَ لِلْمَلِكِ : إنَّك لَسْت بِقَاتِلِي ، حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُك بِهِ .
قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي ، ثُمَّ ضَعْ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ، ثُمَّ قُلْ : بِسْمِ اللَّهِ ، رَبِّ الْغُلَامِ ، ثُمَّ ارْمِنِي ؛ فَإِنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ قَتَلْتنِي .
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ،
ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ .
فَقَالَ النَّاسُ : آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ ، فَأَتَى الْمَلِكُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَرَأَيْت مَا كُنْت تَحْذَرُ ؟ قَدْ وَاَللَّهِ نَزَلَ بِك حَذَرُك ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ بِرَبِّ الْغُلَامِ ؛ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ ؛ فَخُدَّتْ ، وَأَضْرَمَ النَّارَ ، وَقَالَ : مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ فِيهَا ، أَوْ قِيلَ لَهُ : اقْتَحِمْ فَفَعَلُوا ، حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا ، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا ، فَقَالَ الْغُلَامُ : يَا أُمَّهُ ، اصْبِرِي ، فَإِنَّك عَلَى الْحَقِّ ، فَاقْتَحَمَتْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ هُمْ الَّذِينَ حَفَرُوهُ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَهُمْ الَّذِينَ رَمَوْا فِيهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَكَانَ لَفْظُ الصُّحْبَةِ مُحْتَمَلًا ، إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَهُ وَخَصَّصَهُ آخِرَ الْقَوْلِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ لَهَا وَالرَّابِعَةِ مِنْهَا ، وَهُمَا قَوْلُهُ : { إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَذَا الْحَدِيثُ سَتَرَوْنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَفْسِيرَهُ فِي مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ هَهُنَا أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْغُلَامَ صَبَرَا عَلَى الْعَذَابِ مِنْ الْقَتْلِ ، وَالصَّلْبِ ، وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي النَّارِ ، دُونَ الْإِيمَانِ .
وَهَذَا مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ .
سُورَةُ الطَّارِقِ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مَحَلَّ الْمَاءِ الَّذِي يُنْتَزَعُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، تُزْعِجُهُ الْقُدْرَةُ ، وَتُمَيِّزُهُ الْحِكْمَةُ ، وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ : إنَّهُ الدَّمُ الَّذِي تَطْبُخُهُ الطَّبِيعَةُ بِوَاسِطَةِ الشَّهْوَةِ ، وَهَذَا مَا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ أَبَدًا إلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ ، وَالنَّظَرُ الْعَقْلِيُّ لَا يُنْتَهَى إلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا يَصِفُونَ فِيهِ دَعْوَى يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَقًّا ، بَيْدَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَعْيِينِهَا كَمَا قَدَّمْنَا ؛ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَخْصِيصِهَا حَسْبَمَا أَوْضَحْنَا .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً } وَهِيَ الدَّمُ ؛ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الدَّمَ هُوَ الطَّوْرُ الثَّالِثُ ، وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ الطَّوْرُ الْأَوَّلُ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ مِمَّنْ يَجْهَلُ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّهُ نَجِسٌ ؟ قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ ، وَأَخَذْنَا مَعَهُمْ فِيهِ كُلَّ طَرِيقٍ ، وَمَلْكنَا عَلَيْهِمْ بِثَبْتِ الْأَدِلَّةِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ لِلنَّظَرِ .
فَلَمْ يَجِدُوا لِلسُّلُوكِ إلَى مَرَامِهِمْ مِنْ أَنَّهُ طَاهِرٌ سَبِيلًا ، وَأَقْرَبُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى ثَقْبِ الْبَوْلِ عِنْدَ طَرَفِ الْكَمَرَةِ فَيَتَنَجَّسُ بِمُرُورِهِ عَلَى مَحَلٍّ نَجِسٍ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } يَعْنِي تُخْتَبَرُ الضَّمَائِرُ ، وَتَكْشِفُ مَا كَانَ فِيهَا .
وَالسَّرَائِرُ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ التَّكْلِيفِ وَالْأَفْعَالِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا السَّرَائِرُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْهُ وَسَأَلَهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى : { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } أَبَلَغَك أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ السَّرَائِرِ ؟ قَالَ : قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ فِيمَا يَقُولُ النَّاسُ ، فَأَمَّا حَدِيثٌ أَخَذْته فَلَا .
وَالصَّلَاةُ مِنْ السَّرَائِرِ ، وَالصِّيَامُ مِنْ السَّرَائِرِ ، إنْ شَاءَ قَالَ : صَلَّيْت وَلَمْ يُصَلِّ .
وَمِنْ السَّرَائِرِ مَا فِي الْقُلُوبِ يَجْزِي اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ .
قَالَ الْقَاضِي : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ إلَّا الْأَمَانَةَ ، وَالْوُضُوءُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، الْوَدِيعَةُ مِنْ الْأَمَانَةِ ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ ، تُمَثَّلُ لَهُ عَلَى هَيْئَتِهَا يَوْمَ أَخَذَهَا ، فَيُرْمَى بِهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْهَا فَيَتْبَعُهَا فَيَجْعَلُهَا فِي عُنُقِهِ ، فَإِذَا رَجَا أَنْ يَخْرُجَ بِهَا زَلَّتْ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَعُهَا ، فَهُوَ كَذَلِكَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ .
وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
مِنْ الْأَمَانَةِ أَنْ ائْتُمِنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا .
قَالَ أَشْهَبُ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : فِي الْحَيْضَةِ وَالْحَمْلِ إذَا قَالَتْ : لَمْ أَحِضْ ، وَأَنَا حَامِلٌ ، صَدَقَتْ مَا لَمْ تَأْتِ بِمَا يُعْرَفُ فِيهِ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ الْأَمَانَةِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ كُلُّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ هَزْلٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ جَدٌّ كُلُّهَا ؛ فَلَا يَهْزِلُ أَحَدٌ بِعَقْدٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ إلَّا وَيُنَفَّذُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ فِي قَوْلِهِ هَزْلًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَزْلَ مَحَلٌّ لِلْكَذِبِ ، وَلِلْبَاطِلِ يُفْعَلُ ، وَلِلَّعِبِ يُمْتَثَلُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْغَرَضَ فِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَفِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
سُورَةُ الْأَعْلَى [ فِيهَا أَرْبَعُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { سَنُقْرِئُك } أَيْ سَنَجْعَلُك قَارِئًا ، فَلَا تَنْسَى مَا نُقْرِئُك .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } قَالَ : فَتَحْفَظُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِتَرْكِ النِّسْيَانِ ؛ إذْ كَانَ لَيْسَ مِنْ اسْتِطَاعَتِهِ ، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ لَهُ تَرْكَهُ ، وَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ النَّاسِي فِي حَالِ نِسْيَانِهِ أَنْ يَصْرِفَ نِسْيَانَهُ لَا يُعْقَلُ قَوْلًا ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُكَلَّفًا بِهِ فِعْلًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
{ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْ الدُّنْيَا } .
قُلْنَا .
مَعْنَاهُ لَا تَتْرُكْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ التَّرْكُ لُغَةً .
وَالتَّرْكُ عَلَى قِسْمَيْنِ : تَرْكٌ بِقَصْدٍ ، وَتَرْكٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ .
وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَرْتَبِطُ بِالْقَصْدِ مِنْ التَّرْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ ب { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } وَ { هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } } مِنْ طَرِيقِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ .
خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ ، وَغَيْرُهُ زَادَ النُّعْمَانُ : فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي طَوَّلَ صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ : اقْرَأْ ب { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } وَنَحْوِ ذَلِكَ } .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ يُزَكِّي ثُمَّ يُصَلِّي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي سَرْدِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ : قَالَ عِكْرِمَةُ : كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ أُقَدِّمُ زَكَاتِي بَيْنَ يَدِي صَلَاتِي .
فَقَالَ سُفْيَانُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .
وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، قَالَ : كَتَبَ إلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ هَذَا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعَاقِبُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ ، وَقَدْ كَتَبْت إلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَنْ يَخْرُجُوا فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَلْيَفْعَلْ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : قَدِّمُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهَا وَيُخْرِجُهَا .
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ هَذَا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعَاقِبُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعْنِي الزَّلَازِلَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الذِّكْرَ حَقِيقَتُهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهُ ، وَالضِّدَّانِ إنَّمَا يَتَضَادَّانِ فِي الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ ؛ فَأَوْجَبَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ خُصُوصًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اقْتَضَاهَا عُمُومًا قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .
وَالصَّلَاةُ أُمُّ الْأَعْمَالِ ، وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ؛ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي كُلِّ نِيَّةٍ بِفِعْلٍ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ ؛ وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي تَقْدِيمِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِأَجْلِ تَعَذُّرِ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ فِيهِ بِأَوَّلِ الْفِعْلِ عِنْدَ الْفَجْرِ ، لِوُجُودِهِ وَالنَّاسُ فِي غَفْلَةٍ ، وَبَقِيَتْ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْأَصْلِ وَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ أَنَّ تَقْدِيمَ النِّيَّةِ عَلَى الصَّلَاةِ جَائِزٌ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ تَجْوِيزِ تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي الَّذِي يَمْشِي إلَى النَّهْرِ فِي الْغُسْلِ ؛ فَإِذَا وَصَلَ وَاغْتَسَلَ نَسِيَ أَنْ يُجْزِئَهُ قَالَ : فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .
وَهَذَا الْقَائِلُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَرَى فِيهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ ، وَالْوُضُوءَ فَرْعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَيُحْمَلُ الْأَصْلُ عَلَى الْفَرْعِ ؟
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .
[ إذَا قُلْنَا : إنَّهُ ] الذِّكْرُ الثَّانِي بِاللِّسَانِ الْمُخْبِرُ عَنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ مُفْتَتَحٌ بِهِ فِي أَوَّلِهَا بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ ؛ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ كُلُّ ذِكْرٍ حَتَّى لَوْ قَالَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ " بَدَلَ التَّكْبِيرِ أَجْزَأَهُ ، بَلْ لَوْ قَالَ بَدَلَ ( اللَّهُ أَكْبَرُ ) : بِزْرك خداي لَأَجْزَأَهُ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُجْزِئُهُ " اللَّهُ الْكَبِيرُ " وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ الْأَكْبَرُ .
[ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا قَوْلُهُ : ] اللَّهُ أَكْبَرُ .
فَأَمَّا تَعَلُّقُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الذِّكْرِ بِالْعَجَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } فَيَأْتِي ذِكْرُ وَجْهِ التَّقَصِّي عَنْهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهُ الذِّكْرُ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ الْعَامِّ : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } فَهَذَا الْعَامُّ قَدْ عَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ ؛ أَمَّا قَوْلُهُ فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } .
وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا : اللَّهُ أَكْبَرُ .
وَأَمَّا التَّعَلُّقُ لِلشَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ : إنَّ زِيَادَةَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ لَا تُغَيِّرُ بِنَاءَهُ وَلَا مَعْنَاهُ .
فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّعَبُّدَ إذَا وَقَعَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَبَّرَ عَمَّا شُرِعَ فِيهِ بِمَا لَا يُغَيِّرُ ؛ لِأَنَّهَا شِرْعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، وَاعْتِبَارٌ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ .
وَجَوَابٌ ثَانٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَدْخُلُ لِلْجِنْسِ وَلِلْعَهْدِ ، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ هَاهُنَا ، أَمَّا الْجِنْسُ فَإِنَّ
الْبَارِئَ تَعَالَى لَا جِنْسَ لَهُ .
وَأَمَّا الْعَهْدُ فَلِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْكُبْرِيَّةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَصْفٌ ، فَلَا مَعْنَى لِلزِّيَادَةِ فِيهِ حَيْثُ لَا تُتَصَوَّرُ الزِّيَادَةُ .
وَإِذَا بَطَلَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَمَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ أَبْطَل .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } عُمُومٌ فِي كُلِّ ذِكْرٍ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُ أَكْبَرُ فِي الصَّلَاةِ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ ذَلِكَ الْعُمُومِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ لَوْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ وَاحِدٍ .
وَهَذَا سُؤَالٌ قَوِيٌّ لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ تَقَصَّيْنَا عَنْهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَنُعَوِّلُ الْآنَ هُنَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .
وَهُوَ إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِكُلِّ ذِكْرٍ ، فَتَعَيَّنَ التَّكْبِيرُ بِأَمْرِهِ بِاتِّبَاعِهِ فِي صَلَاتِهِ ، فَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِذَلِكَ كُلِّهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَاهُ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ الْقُرْآنُ .
الثَّانِي أَنَّهُ مَا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا يَعْنِي أَحْكَامَ الْقُرْآنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَحْقِيقُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى } يَعْنِي الْقُرْآنَ مُطْلَقًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِيهِ أَحْكَامُهُ فَإِنْ أَرَادَ مُعْظَمَ الْأَحْكَامِ فَقَدْ بَيَّنَّا تَحْقِيقَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك } .
وَأَمَّا إنْ أَرَادَ بِهِ مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ فَهُوَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْوَالِ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْهَا .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْعَجَمِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } .
قَالُوا : فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كِتَابَهُ وَقُرْآنَهُ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ ؛ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِخْبَارِ بِهَا عَنْهُ وَبِأَمْثَالِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَلْسُنِ الَّتِي تُخَالِفُهُ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّا نَقُولُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُبَ ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ ، وَمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ إلَّا بِلُغَتِهِمْ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ } ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَيْسِيرٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَتَقْرِيبٌ لِلتَّفْهِيمِ إلَيْهِمْ ، وَكُلٌّ مُفْهِمٌ بِلُغَتِهِ ، مُتَعَبِّدٌ بِشَرِيعَتِهِ ، وَلِكُلِّ كِتَابٍ بِلُغَتِهِمْ اسْمٌ ؛ فَاسْمُهُ بِلُغَةِ مُوسَى التَّوْرَاةُ ، وَاسْمُهُ بِلُغَةِ عِيسَى الْإِنْجِيلُ ، وَاسْمُهُ بِلُغَةِ مُحَمَّدٍ الْقُرْآنُ ، فَقِيلَ لَنَا : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ بِمَا يُسَمَّى قُرْآنًا .
الثَّانِي : هَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي صُحُفِ مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَمَا الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّهُ تَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : بِالْقِيَاسِ .
قُلْت : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ لَا سِيَّمَا عِنْدَكُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ عَلَى التَّمَامِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْت عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْمُسَيْطِرُ هُوَ الْمُسَلَّطُ الَّذِي يَقْهَرُ وَيَغْلِبُ عَلَى مَا يَقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُعَرِّفًا بِرِسَالَتِهِ ، مُذَكِّرًا بِنُبُوَّتِهِ ، يَدْعُو الْخَلْقَ إلَى اللَّهِ ، وَيُذَكِّرُهُمْ عَهْدَهُ ، وَيُبَشِّرُهُمْ وَعْدَهُ ، وَيُحَذِّرُهُمْ وَعِيدَهُ ، وَيُعَرِّفُهُمْ دِينَهُ ، حَتَّى وَضَحَتْ الْمَحَجَّةُ ، وَقَامَتْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ الْحُجَّةُ ؛ فَلَمَّا اسْتَمَرَّ الْخَلْقُ عَلَى فَسَادِ رَأْيِهِمْ ، وَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ وَغُلَوَائِهِمْ ، أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْقِتَالِ ، وَسَوْقِ الْخَلْقِ إلَى الْإِيمَانِ قَسْرًا ، وَنَسَخَ هَذِهِ الْآيَةَ وَأَمْثَالَهَا حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا .
وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ } } : بِمُسَلَّطٍ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، مُفَسِّرًا مَعْنَى الْآيَةِ ، وَكَاشِفًا خَفِيَّ الْخَفَاءِ عَنْهَا .
الْمَعْنَى إذَا قَالَ النَّاسُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَسْت بِمُسَلَّطٍ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، وَإِنَّمَا عَلَيْك بِالظَّاهِرِ ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُطَالَبُ لَا بِالظَّاهِرِ وَلَا بِالْبَاطِنِ ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَتَكْلِيفِهِ الْقِتَالَ عَلَى الظَّاهِرِ ، وَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَيْهِ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ [ صَحِيحُ السَّنَدِ ] ، صَحِيحُ الْمَعْنَى .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْفَجْرِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالْفَجْرِ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْفَجْرُ : هُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الزَّمَانِ ؛ وَهُوَ كَمَا قَدَّمْنَا فَجْرَانِ : أَحَدُهُمَا الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو أَوَّلًا ثُمَّ يَخْفَى ؛ وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبِ ذَنَبَ السِّرْحَانِ لِطُرْآنِهِ ثُمَّ إقْلَاعِهِ .
وَالثَّانِي : هُوَ الْبَادِي مُتَمَادِيًا ؛ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الْمُسْتَطِيلَ ؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو كَالْحَبْلِ الْمُعَلَّقِ مِنْ الْأُفُقِ أَوْ الرُّمْحِ الْقَائِمِ فِيهِ ؛ وَيُسَمَّى الثَّانِي الْمُسْتَطِيرَ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَشِرُ عَرْضًا فِي الْأُفُقِ ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ الْكَاذِبَ ؛ وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .
وَيُسَمَّى الثَّانِي الصَّادِقَ لِثُبُوتِهِ ؛ وَبِهِ تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ السُّحُورِ أَذَانُ بِلَالٍ ، وَلَا الصُّبْحُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَكِنْ الْمُسْتَطِيرُ بِالْأُفُقِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامٍ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَلِأَجْلِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ عَنْهُ : الْفَجْرُ أَمْرُهُ بَيِّنٌ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَعْيِينِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ جَابِرٌ ، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحَّ .
الثَّانِي : عَشْرُ الْمُحَرَّمِ ؛ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا الْعَشْرُ الَّتِي أَتَمَّهَا اللَّهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مِيقَاتِهِ مَعَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا كُلُّ مَكْرُمَةٍ فَدَاخِلَةٌ مَعَهُ فِي هَذَا اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى لَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي إثْبَاتٍ ، وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَلَا تُوجِبُ الشُّمُولَ ؛ وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ مَعَ النَّفْيِ ؛ فَهَذَا الْقَوْلُ يُوجِبُ دُخُولَ لَيَالٍ عَشْرٍ فِيهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ، فَرَبُّك أَعْلَمُ بِمَا هِيَ ؛ لَكِنْ تَبْقَى هَاهُنَا نُكْتَةٌ ؛ وَهِيَ أَنْ تَقُولَ : فَهَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى تَعْيِينِهَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قُلْنَا : نَحْنُ نُعَيِّنُهَا بِضَرْبٍ مِنْ النَّظَرِ ، وَهِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَرَ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُعْتَبَرَاتِ أَفْضَلَ مِنْهَا ، لَا سِيَّمَا وَفِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ؛ فَلَا يُعَادِلُهَا وَقْتٌ مِنْ الزَّمَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } ؛ قَالَ : الْأَيَّامُ مَعَ اللَّيَالِي ، وَاللَّيْلُ قَبْلَ النَّهَارِ ، وَهُوَ حِسَابُ الْقَمَرِ الَّذِي وَقَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعِبَادَاتِ كَمَا رَتَّبَ عَلَى حِسَابِ الشَّمْسِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ النَّهَارُ عَلَى اللَّيْلِ بِالْعَادَاتِ فِي الْمَعَاشِ وَالْأَوْقَاتِ .
وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ اللُّغَةِ وَحَبْرُهَا أَبُو عَمْرٍو الزَّاهِدُ أَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَحْسِبُ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَيَجْعَلُ اللَّيْلَةَ لِلْيَوْمِ الْمَاضِي ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ { قَوْلُ
عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ إيلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ عَدًّا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَمْ تَكُنْ آلَيْت شَهْرًا فَقَالَ : إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } ، وَلَوْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ لِلْيَوْمِ الْآتِي لَكَانَ قَدْ غَابَ عَنْهُنَّ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ بَالِغٌ طَالَمَا سُقْتُهُ سُؤَالًا لِلْعُلَمَاءِ بِاللِّسَانِ وَتَقْلِيبًا لِلدَّفَاتِرِ بِالْبَيَانِ حَتَّى وَجَدْت أَبَا عَمْرٍو وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا ؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ لُغَةً نَقَلَهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نُكْتَةً أَخَذَهَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَنْبَطَهَا .
وَالْغَالِبُ فِي أَلْسِنَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ غَلَبَةُ اللَّيَالِي لِلْأَيَّامِ ، حَتَّى إنَّ مِنْ كَلَامِهِمْ : " صُمْنَا خَمْسًا " يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ اللَّيَالِي ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لِلْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِهَا ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الصَّلَاةَ شَفْعٌ كُلُّهَا ، وَالْمَغْرِبَ وَتْرٌ ؛ قَالَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ] .
الثَّانِي : أَنَّ الشَّفْعَ أَيَّامُ النَّحْرِ ، وَالْوَتْرَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، رَوَاهُ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الشَّفْعَ يَوْمُ مِنًى ، وَالْوَتْرَ : الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ مِنًى ، وَهُوَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .
الرَّابِعُ أَنَّ الشَّفْعَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَالْوَتْرَ أَيَّامُ مِنًى لِأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ .
الْخَامِسُ الشَّفْعُ : الْخَلْقُ ، وَالْوَتْرُ اللَّهُ تَعَالَى ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
السَّادِسُ أَنَّهُ الْخَلْقُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ مِنْهُ شَفْعًا وَمِنْهُ وَتْرًا .
السَّابِعُ أَنَّهُ آدَم ؛ وَتْرٌ شَفَعَتْهُ زَوْجَتُهُ ، فَكَانَتْ شَفْعًا لَهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّامِنُ أَنَّ الْعَدَدَ مِنْهُ شَفْعٌ ، وَمِنْهُ وَتْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَذِهِ الْآيَةُ خِلَافُ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّفْعِ كَانَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْعَهْدِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عَهْدٌ ؛ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كُلَّ شَفْعٍ وَوَتْرٍ مِمَّا ذُكِرَ وَمِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ يَسْتَغْرِقُ مَا تُرِكَ فِي الظَّاهِرِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لَكِنْ إنْ قُلْنَا : إنَّ اللَّيَالِيَ الْعَشْرَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ يَوْمَ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الْخَامِسُ فَوَجْهُ الْقَسَمِ فِيهِ وَحَقِّ الْخَلْقِ وَالْخَالِقِ لَهُمْ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ السَّادِسُ فَمَعْنَاهُ وَحَقِّ الْخَلْقِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ السَّابِعِ
وَحَقِّ آدَمَ وَزَوْجَتِهِ .
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّامِنِ أَنَّهُ قَالَ : وَحَقِّ الْعَدَدِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوَامَ الْخَلْقِ وَتَمَامًا لَهُمْ ، حَتَّى لَقَدْ غَلَا فِيهِ الْغَالُونَ حَتَّى جَعَلُوهُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَالتَّكْلِيفِ ، وَسِرَّ الْعَالَمِ وَتَفَاصِيلَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ هَوَسٌ كُلُّهُ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ فَمِنْهَا شَفْعٌ ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ ، وَمِنْهَا وَتْرٌ وَهِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهَا لَا تُعَادُ فِي جَمَاعَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا لَوْ طُلِبَ بِهَا فَضْلُ الْجَمَاعَةِ لَانْقَلَبَتْ شَفْعًا ، حَتَّى تَنَاهَى عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : لَوْ أَعَادَهَا رَجُلٌ [ فِي جَمَاعَةٍ ] غَفْلَةً لَقِيلَ لَهُ : أَعِدْهَا ثَالِثَةً ؛ حَتَّى تَكُونَ وَتْرًا تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ فَإِنَّ الْمَغْرِبَ لَوْ صَارَتْ بِالْإِعَادَةِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفْعًا لَصَارَتْ الظُّهْرُ بِإِعَادَتِهَا ثَمَانِيًا ، وَيَعُودُ ذَلِكَ فِي حَالِ التَّخْلِيطِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فَيُقَالُ فِيهِ : فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي إذَا مَا ذَكَرْتهَا أَثِنْتَيْنِ صَلَّيْت الضُّحَى أَمْ ثَمَانِيًا فَكَمَا لَا تَتَضَاعَفُ الظُّهْرُ بِالْإِعَادَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا تَتَضَاعَفُ الْمَغْرِبُ ، وَأَشَدُّهُ الصَّلَاةُ الثَّالِثَةُ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَمَّا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ أَقَلَّ النَّفْلِ رَكْعَتَانِ .
قُلْنَا : إنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالشَّفْعِ } يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا .
وقَوْله تَعَالَى : { وَالْوَتْرِ } يَنْطَلِقُ عَلَى الْوَتْرِ وَحْدَهُ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ .
وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ : { الِاسْتِجْمَارُ وَتْرٌ ، وَالطَّوَافُ وَتْرٌ ، وَالْفَرْدُ كَثِيرٌ } ، وَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ يَكْفِي فِيهِ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاللَّيْلِ إذَا يَسْرِ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَقْسَمَ اللَّهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، كَمَا أَقْسَمَ بِسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ عُمُومًا وَخُصُوصًا ، وَجُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَخَصَّهُ هَاهُنَا بِالسُّرَى لِنُكْتَةٍ هِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } .
وَقَالَ : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } وَأَشَارَ هَاهُنَا إلَى أَنَّ اللَّيْلَ قَدْ يُتَصَرَّفُ فِيهِ لِلْمَعَاشِ ، كَمَا يَتَصَرَّفُ فِي النَّهَارِ ، وَيَتَقَلَّبُ فِي الْحَالِ فِيهِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيْلٍ ، فَقَالَ لَهُ : السُّرَى يَا جَابِرُ } .
وَخَاصَّةً الْمُسَافِرُ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ كُنْت قَدْ قَيَّدْت فِي فَوَائِدِي بِالْمَنَارِ أَنَّ الْأَخْفَشَ قَالَ لِمُؤَرِّجٍ : مَا وَجْهُ مَنْ حَذَفَ مِنْ عَدَا ابْنَ كَثِيرٍ الْيَاءَ مِنْ قَوْلِهِ : يَسْرِي ؟ فَسَكَتَ عَنْهَا سَنَةً ، ثُمَّ قُلْنَا لَهُ : نَخْتَلِفُ إلَيْك نَسْأَلُك مُنْذُ عَامٍ عَنْ هَذِهِ .
الْمَسْأَلَةِ فَلَا تُجِيبُنَا ؟ فَقَالَ : إنَّمَا حَذَفَهَا لِأَنَّ اللَّيْلَ يُسْرَى فِيهِ وَلَا يَسْرِي .
فَعَجِبْت مِنْ هَذَا الْجَوَابِ الْمُقَصِّرِ مِنْ غَيْرِ مُبْصِرٍ ؛ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَشْيَاخِي : تَمَامُهُ فِي بَيَانِهِ أَنَّ ذَلِكَ لِفِقْهٍ ، هُوَ أَنَّ الْحَذْفَ يَدُلُّ عَلَى الْحَذْفِ ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ .
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّك بِعَادٍ إرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ } : فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَمَّا " عَادٌ " فَمَعْلُومَةٌ قَدْ جَرَى ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، وَعَظُمَ أَمْرُهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : إرَمَ فِيهِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ اسْمُ جَدِّ عَادٍ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
الثَّانِي : إرَمُ : أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ مِنْ عَادٍ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَقِيلَ وَهُوَ : الرَّابِعُ هُوَ إرَمُ بْنُ عَوْصِ بْنُ سَامِ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الْخَامِسُ أَنَّ إرَمَ الْهَلَاكُ : يُقَالُ : أَرَمَ بَنُو فُلَانٍ أَيْ هَلَكُوا .
السَّادِسُ أَنَّهُ اسْمُ الْقَرْيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ الْقَاضِي : لَوْ أَنَّ قَوْلَهُ : إرَمَ يَكُونُ مُضَافًا إلَى عَادٍ لَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى جَدِّهِ أَوْ إلَى إرَمَ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ عَادٌ مُنَوَّنٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ جَدِّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا زَائِدًا لِعَادٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أُمَّةٌ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَبِيلَةً مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ اسْمَ الْقَرْيَةِ .
وَيُحْتَمَلُ إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْهَلَاكِ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ، لَوْلَا أَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهَا إرْمٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ .
فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَحْتَ ذَلِكَ مِنْ الْخَفَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { ذَاتِ الْعِمَادِ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَمُودٍ يَنْتَجِعُونَ الْقَطْرَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الطُّولُ ، كَانُوا أَطْوَلَ أَجْسَامًا وَأَشَدَّ قُوَّةً .
وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّ طُولَ الرَّجُلِ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَبْعُونَ ذِرَاعًا ، وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي الْهَوَاءِ ، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ إلَى الْآنَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْعِمَادَ الْقُوَّةُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ .
الرَّابِعُ أَنَّهُ ذَاتُ الْبِنَاءِ
الْمُحْكَمِ ، يُقَالُ : إنَّ فِيهَا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ عَمُودٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي تَعْيِينِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَ عَنْ مَالِكٍ : هِيَ دِمَشْقُ ؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ : هِيَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة .
وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهَا دِمَشْقُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِي الْبِلَادِ مِثْلُهَا وَقَدْ ذَكَرْت صِفَتَهَا وَخَبَرَهَا فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْمِلَّةِ ، وَإِلَيْهَا أَوَتْ مَرْيَمُ ، وَبِهَا كَانَ آدَم ، وَعَلَى الْغُرَابِ جَبَلِهَا دَمُ هَابِيلَ فِي الْحَجَرِ جَارٍ لَمْ تُغَيِّرْهُ اللَّيَالِي ، وَلَا أَثَّرَتْ فِيهِ الْأَيَّامُ ، وَلَا ابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ ، بَاطِنُهَا كَظَاهِرِهَا ، مَدِينَةٌ بِأَعْلَاهَا ، وَمَدِينَةٌ بِأَسْفَلِهَا ، تَشُقُّهَا تِسْعَةُ أَنْهَارٍ ؛ لِلْقَصَبَةِ نَهْرٌ ، وَلِلْجَامِعِ نَهْرٌ ، وَبَاقِيهَا لِلْبَلَدِ ، وَتَجْرِي الْأَنْهَارُ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا تَجْرِي مِنْ فَوْقِهَا ، لَيْسَ فِيهَا كِظَامَةٌ وَلَا كَنِيفٌ ، وَلَا فِيهَا دَارٌ ، وَلَا سُوقٌ ، وَلَا حَمَّامٌ ، إلَّا وَيَشُقُّهُ الْمَاءُ لَيْلًا وَنَهَارًا دَائِمًا أَبَدًا ، وَفِيهَا أَرْبَابُ دُورٍ قَدْ مَكَّنُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ سَعَةِ الْأَحْوَالِ بِالْمَاءِ ، حَتَّى إنَّ مُسْتَوْقَدَهُمْ عَلَيْهِ سَاقِيَةٌ ، فَإِذَا طُبِخَ الطَّعَامُ وُضِعَ فِي الْقَصْعَةِ ، وَأُرْسِلَ فِي السَّاقِيَةِ ؛ فَيُجْرَفُ إلَى الْمَجْلِسِ فَيُوضَعُ فِي الْمَائِدَةِ ، ثُمَّ تُرَدُّ الْقَصْعَةُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى إلَى الْمُسْتَوْقَدِ فَارِغَةً ، فَتُرْسَلُ أُخْرَى مَلْأَى ، وَهَكَذَا حَتَّى يَتِمَّ الطَّعَامُ .
وَإِذَا كَثُرَ الْغُبَارُ فِي الطُّرُقَاتِ أَمَرَ صَاحِبُ الْمَاءِ أَنْ يُطْلَقَ النَّهْرُ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَالْأَرْبَاضِ فَيَجْرِي الْمَاءُ عَلَيْهَا ، حَتَّى يَلْجَأَ النَّاسُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ إلَى الدَّكَاكِينِ ، فَإِذَا كُسِحَ غُبَارُهَا سَكَّرَ السَّاقِيَانِيُّ أَنْهَارَهَا ، فَمَشَيْت فِي الطُّرُقِ عَلَى بَرْدِ الْهَوَاءِ وَنَقَاءِ الْأَرْضِ ، وَلَهَا بَابُ جَيْرُونِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ؛ وَعِنْدَهُ الْقُبَّةُ الْعَظِيمَةُ والمِيقَاتَاتُ لِمَعْرِفَةِ
السَّاعَاتِ ، عَلَيْهَا بَابُ الْفَرَادِيسِ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِثْلُهُ ، عِنْدَهُ كَانَ مَقَرِّي ، وَإِلَيْهِ مِنْ الْوَحْشَةِ كَانَ مَفَرِّي ، وَإِلَيْهِ كَانَ انْفِرَادِي لِلدَّرْسِ وَالتَّقَرِّي .
وَفِيهَا الْغُوطَةُ مَجْمَعُ الْفَاكِهَاتِ ، وَمَنَاطُ الشَّهَوَاتِ ، عَلَيْهَا تَجْرِي الْمِيَاهُ ، وَمِنْهَا تُجْنَى الثَّمَرَاتُ ؛ وَإِنَّ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة لَعَجَائِبَ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْمَنَارُ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ عَلَى الْعُمُدِ ، وَلَكِنْ لَهَا أَمْثَالٌ ، فَأَمَّا دِمَشْقُ فَلَا مِثَالَ لَهَا .
وَقَدْ رَوَى مَعْنٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ كِتَابًا وُجِدَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَلَمْ يُدْرَ مَا هُوَ ، فَإِذَا فِيهِ : أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ الَّذِي رَفَعَ الْعِمَادَ ، بَنَيْتهَا حِينَ لَا شَيْبَ وَلَا مَوْتَ قَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ لَتَمُرُّ بِهِمْ مِائَةُ سَنَةٍ لَا يَرَوْنَ بِهَا جِنَازَةً .
وَذُكِرَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا شَدَّادُ بْنُ عَادٍ ، أَنَا الَّذِي رَفَعْت الْعِمَادَ ، أَنَا الَّذِي كَنَزْت كَنْزًا عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِيهَا مِنْ طَرِيقِ الْأَحْكَامِ التَّحْذِيرُ مِنْ التَّطَاوُلِ فِي الْبُنْيَانِ ، وَالتَّعَاظُمِ بِتَشْيِيدِ الْحِجَارَةِ ، وَالنَّدْبُ إلَى تَحْصِيلِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوصِلُ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَمِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ التَّطَاوُلُ فِي الْبُنْيَانِ ، { وَقَدْ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُنْيَانُ مَسْجِدِهِ ، فَقَالَ : عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى } .
وَالْبُنْيَانُ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَقَدْ تُوُفِّيَ وَمَا وَضَعَ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ ، ثُمَّ تَطَاوَلْنَا فِي بُنْيَانِنَا ، وَزَخْرَفْنَا مَسَاجِدَنَا ، وَعَطَّلْنَا قُلُوبَنَا وَأَبْدَانَنَا .
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
سُورَةُ الْبَلَدِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قِرَاءَتِهَا : قَرَأَ الْحَسَنُ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَابْنُ كَثِيرٍ : لَأُقْسِمُ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ زَائِدَةٍ عَلَى اللَّامِ إثْبَاتًا .
وَقَرَأَهَا النَّاسُ بِالْأَلِفِ نَفْيًا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ النَّاسُ إذَا كَانَ حَرْفُ " لَا " مَخْطُوطًا بِأَلِفٍ عَلَى صُورَةِ النَّفْيِ ، هَلْ يَكُونُ الْمَعْنَى نَفْيًا كَالصُّورَةِ أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَكُونُ صِلَةً فِي اللَّفْظِ ، كَمَا تَكُونُ " مَا " صِلَةً فِيهِ ؛ وَذَلِكَ فِي حَرْفِ " مَا " كَثِيرٌ ؛ فَأَمَّا حَرْفُ لَا فَقَدْ جَاءَتْ [ كَذَلِكَ ] فِي قَوْلِ الشَّاعِر : تَذَكَّرْت لَيْلَى فَاعْتَرَتْنِي صَبَابَةٌ وَكَادَ ضَمِيرُ الْقَلْبِ لَا يَتَقَطَّعُ أَيْ يَتَقَطَّعُ ، وَدَخَلَ حَرْفُ " لَا " صِلَةً .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : [ يَكُونُ ] تَوْكِيدًا ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَكَقَوْلِ أَبِي كَبْشَةَ [ امْرِئِ الْقَيْسِ ] : فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا رَدٌّ لِكَلَامِ مَنْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْقَسَمَ ؛ فَقَالَ : أُقْسِمُ ، لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَ الْيَمِينِ الْمُبْتَدَأَةِ وَبَيْنَ الْيَمِينِ الَّتِي تَكُونُ رَدًّا ؛ قَالَهُ الْفَرَّاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَمَّا كَوْنُهَا صِلَةً فَقَدْ ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُك } فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُ صِلَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي ص : { مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْت } وَالنَّازِلَةُ وَاحِدَةٌ ، وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ ، وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ ؛ فَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا يَعُودُ إلَى اللَّفْظِ خَاصَّةً .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ تَوْكِيدٌ فَلَا مَعْنَى لَهُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا ظَهَرَ الْمُؤَكِّدُ ؛ كَقَوْلِهِ : لَا وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَكِّدٌ فَلَا وَجْهَ لِلتَّأْكِيدِ ، أَلَا
تَرَى إلَى قَوْلِهِ : فَلَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ الْعَامِرِيِّ لَا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِرُّ [ كَيْفَ ] أَكَّدَ النَّفْيَ وَهُوَ لَا يَدِّعِي بِمِثْلِهِ .
وَمِنْ أَغْرَبِ هَذَا أَنَّهُ قَدْ تُضْمَرُ وَيُنْفَى مَعْنَاهَا ، كَمَا قَالَ أَبُو كَبْشَةَ : فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْك وَأَوْصَالِي فِي قَوْلٍ .
وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ الْإِلْجَاءِ لِلْفُقَهَاءِ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ الْأُدَبَاء .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا رَدٌّ فَهُوَ قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ رَدٌّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى ، وَيَتَمَكَّنُ اللَّفْظُ وَالْمُرَادُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا : لَأُقْسِمُ فَاخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَهَا فِي الْخَطِّ كَمَا حَذَفَهَا فِي اللَّفْظِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ؛ فَإِنَّ خَطَّ الْمُصْحَفِ أَصْلٌ ثَبَتَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : أَكْتُبُهَا وَلَا أَلْفِظُ بِهَا ، كَمَا كَتَبُوا " لَا إلَى الْجَحِيمِ " .
و " لَا إلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ " بِأَلِفٍ ، وَلَمْ يَلْفِظُوا بِهَا ، وَهَذَا يَلْزَمُهُمْ فِي قَوْلِهِ : { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } وَشِبْهِهِ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَكُونُ صِلَةً فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ، كَقَوْلِهِ : { لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } وَقَوْلِهِ : { أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُك } وَنَحْوِهِ ؛ فَأَمَّا فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فَلَا يُوصَلُ بِهَا إلَّا مَقْرُونَةً بِأَلِفٍ ، كَقَوْلِهِ : { أَلَا إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } .
فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنْ قَالُوا : إنَّ الْقُرْآنَ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُصِلَ بِهَا مَا قَبْلَهَا لَكَانَتْ : أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، حَتَّى إنَّ قَوْمًا كَرِهُوا فِي الْقِرَاءَةِ أَنْ يَصِلُوهَا بِهَا ، وَوَقَفُوا حَتَّى يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، لِيَقْطَعُوا الْوَصْلَ الْمُتَوَهَّمَ .
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ نَقُولَ : إنَّ الصِّلَةَ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ كَصِلَةِ آخِرِهِ
بِهَا ، كَذِكْرِهَا فِي أَثْنَائِهِ ؛ بَلْ ذِكْرُهَا فِي أَثْنَائِهِ أَبْلَغُ فِي الْإِشْكَالِ ، كَقَوْلِهِ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ } وَلَوْ كَانَ هَذَا كُلُّهُ خَارِجًا عَنْ أُسْلُوبِ الْبَلَاغَةِ ، قَادِحًا فِي زَيْنِ الْفَصَاحَةِ ، مُثَبِّجًا قَوَانِينَ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي طَالَ الْقُرْآنُ بِهَا أَنْوَاعَ الْكَلَامِ ، وَلَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِهِ الْفُصَحَاءُ الْبُلَّغُ ، وَالْعَرَبُ الْعُرْبُ ، وَالْخُصَمَاءُ اللُّدُّ ، فَلَمَّا سَلَّمُوا فِيهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى أُسْلُوبِهِمْ جَارٍ ، وَفِي رَأْسِ فَصَاحَتِهِمْ مَنْظُومٌ ، وَعَلَى قُطْبِ عَرَبِيَّتِهِمْ دَائِرٌ ، وَقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُفَسِّرِينَ ، فَقَالُوا : قَوْلُهُ : { لَا أُقْسِمُ } قَسَمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِغَيْرِهِ .
قُلْنَا : هَذَا قَدْ بَيَّنَّا الْجَوَابَ عَنْهُ عَلَى الْبَلَاغِ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ ، وَقُلْنَا : لِلْبَارِي تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَعْظِيمًا لَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ ؟ قُلْنَا : لَا تُعَلَّلُ الْعِبَادَاتُ .
وَلِلَّهِ أَنْ يُشَرِّعَ مَا شَاءَ ، وَيَمْنَعَ مَا شَاءَ [ وَيُبِيحَ مَا شَاءَ ] ، وَيُنَوِّعَ الْمُبَاحَ وَالْمُبَاحَ لَهُ ، وَيُغَايِرَ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِينَ ، وَيُمَاثِلَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِيمَا كَلَّفَ مِنْ ذَلِكَ ، وَحَمَّلَ فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
فَإِنْ قِيلَ .
فَلِمَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ دَعَائِمَ الْإِسْلَامِ وَفَرَائِضَ الْإِيمَانِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ .
[ قُلْت : قَدْ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ مَشْرِقِيَّةٍ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة : أَفْلَحَ وَاَللَّه إنْ صَدَقَ ، وَيُمْكِنُ ] أَنْ يَتَصَحَّفَ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ بِقَوْلِهِ : وَأَبِيهِ .
جَوَابٌ آخَرُ بِأَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ
بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } .
جَوَابٌ آخَرُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ عِبَادَةً ، فَإِذَا جَرَى ذَلِكَ عَلَى الْأَلْسُنِ عَادَةً فَلَا يُمْنَعُ ، فَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ تُقْسِمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْ تَكْرَهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ تُعَظِّمُ ؛ قَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ : أَظَنَّتْ سِفَاهًا مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهَا لَأَهْجُوهَا لَمَا هَجَتْنِي مُحَارِبُ فَلَا وَأَبِيهَا إنَّنِي بِعَشِيرَتِي وَنَفْسِي عَنْ هَذَا الْمُقَامِ لَرَاغِبُ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ : لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ أَيَّانَ نَلْتَقِي لَمَا لَا تُلَاقِيهَا مِنْ الدَّهْرِ أَكْثَرُ يَعُدُّونَ يَوْمًا وَاحِدًا إنْ لَقِيتهَا وَيَنْسَوْنَ أَيَّامًا عَلَى النَّأْيِ تَهْجُرُ وَقَالَ آخَرُ : لَعَمْرُ أَبِي الْوَاشِينَ لَا عَمْرَ غَيْرُهُمْ لَقَدْ كَلَّفَتْنِي خُطَّةً لَا أُرِيدُهَا وَقَالَ آخَرُ : فَلَا وَأَبِي أَعْدَائِهَا لَا أَزُورُهَا وَإِذَا كَانَ هَذَا شَائِعًا كَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ سَائِغًا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } : فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا وَأَنْتَ سَاكِنٌ ، تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ الَّذِي أَنْتَ [ فِيهِ لِكَرَامَتِك عَلَيَّ ، وَحُبِّي لَك ؛ وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى نَحْوِ الْحَالِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ ] فِيهِ .
الثَّانِي : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ يَحِلُّ لَك فِيهِ الْقَتْلُ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تُحَلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا حُلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ } .
الثَّالِثُ : وَيَرْجِعُ إلَى الثَّانِي أَنَّهُ يَحِلُّ لَك دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ؛ { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا } .
الرَّابِعُ قَالَ مُجَاهِدٌ : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ لَيْسَ عَلَيْك مَا عَلَى النَّاسِ فِيهِ مِنْ الْإِثْمِ : يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ عَصَمَك .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا قَوْلُهُ : { وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ } أَيْ سَاكِنٌ فِيهِ ؛ فَيُحْتَمَلُ اللَّفْظُ ، وَتَقْتَضِيهِ الْكَرَامَةُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ عِظَمُ الْمَنْزِلَةِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ الْقَتْلِ بِمَكَّةَ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ؛ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ .
وَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا دُخُولُ النَّاسِ مَكَّةَ فَعَلَى قِسْمَيْنِ : إمَّا لِتَرَدُّدِ الْمَعَاشِ ، وَإِمَّا لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ لِتَرَدُّدِ الْمَعَاشِ فَيَدْخُلُهَا حَلَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ الْإِحْرَامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَمْ يُطِقْهُ ، وَقَدْ رُفِعَ تَكْلِيفُ هَذَا عَنَّا .
وَأَمَّا إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ تَكُونَ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً أَوْ غَيْرَهُمَا ؛ فَإِنْ كَانَ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ ؛ فَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَامِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ تَرْكُهُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِثْلَ هَذَا الِاخْتِلَافِ .
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الْإِحْرَامِ ، لِقَوْلِهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تُحَلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } .
وَهَذَا عَامٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { بِهَذَا الْبَلَدِ } مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأُمَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَقَدْ أَشَارَ لَهُ رَبُّهُ بِهَذَا ، وَذَكَرَ لَهُ الْبَلَدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ؛ فَاقْتَضَى ذَلِكَ [ ضَرُورَةً ] التَّعْرِيفَ الْمَعْهُودَ .
وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَكَّةُ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ الْحَرَمُ كُلُّهُ .
وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْبَلَدَ بِحَرِيمِهِ ، كَمَا أَنَّ الدَّارَ بِحَرِيمِهَا ، فَحَرِيمُ الدَّارِ مَا أَحَاطَ بِجُدْرَانِهَا ، وَاتَّصَلَ بِحُدُودِهَا ، وَحَرِيمُ بَابِهَا مَا كَانَ لِلْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فِي الْحَدِيثِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَعِنْدَ عُلَمَائِنَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَرَاضِي فِي الصَّلَابَةِ وَالرَّخَاوَةِ ، وَلَهَا حَرِيمُ السَّقْيِ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ الْمَاشِيَةُ بِالْمَاشِيَةِ مِنْ الْبِئْرِ الْأُخْرَى فِي الْمَسْقَى وَالْمَبْرَكِ ، وَمَنْ حَازَ حَرِيمًا أَوْ مُنَاخًا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَهُوَ لَهُ .
وَحَرِيمُ الشَّجَرَةِ مَا عَمُرَتْ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { اخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ ، فَأَمَرَ بِهَا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : { فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ ، فَوُجِدَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا : { خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ } .
وَاَلَّذِي يَقْضِي بِهِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْخُذُ حَقَّهُ فِي الْعِمَارَةِ التَّامَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَرْضِ ، وَيَأْخُذُ دَوْحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ ، إلَّا أَنْ تَسْتَرْسِلَ أَغْصَانُهَا عَلَى أَرْضِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ مِنْهَا مَا أَضَرَّ بِهِ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } : فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْعَقَبَةُ : فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا طَرِيقُ النَّجَاةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّانِي جَبَلٌ فِي جَهَنَّمَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ .
الثَّالِثُ : عَقَبَةٌ فِي جَهَنَّمَ هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً ، قَالَهُ كَعْبٌ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا نَارٌ دُونَ الْحَشْرِ .
الْخَامِسُ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَعَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ : عَقَبَةٌ وَاَللَّهِ شَدِيدَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْعَقَبَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الْأَمْرُ الشَّاقُّ ، وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَالطَّاعَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْمُقَاسَاةِ لِلْأَهْوَالِ وَتَعْيِينُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِخَبَرِ الصَّادِقِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ " اقْتَحَمَ " مَعْنَاهُ قَطَعَ الْوَادِيَ بِسُلُوكِهِ فِيهِ .
وَقَالَ اللَّيْثُ : هُوَ رَمْيُهُ فِي وَهْدَةٍ بِنَفْسِهِ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْتَحِمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلِيَقْضِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ .
وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهُ بَعْدَ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ عَلَى الصِّفَةِ بِحُكْمِ النَّظَرِ الْحَقِيقِيِّ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ قَوْلَ مُجَاهِدٍ : إنَّهُ لَمْ يَقْتَحِمْ الْعَقَبَةَ فِي الدُّنْيَا ؛ وَإِنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ : { وَمَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ الرَّابِعَةِ : { فَكُّ رَقَبَةٍ } .
وَفِي الْآيَةِ الْخَامِسَةِ : { أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ السَّادِسَةِ : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } .
ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَةِ السَّابِعَةِ : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } ، فَهَذِهِ الْأَعْمَالُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا .
الْمَعْنَى فَلَمْ يَأْتِ فِي الدُّنْيَا بِمَا يُسَهِّلُ لَهُ سُلُوكَ الْعَقَبَةِ فِي الْآخِرَةِ .
تَحْقِيقُهُ : وَمَا أَدْرَاك مَا الْعَقَبَةُ ؛ أَيُّ شَيْءٍ يَقْتَحِمُ بِهِ الْعَقَبَةَ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِحَامَ يَدُلُّ عَلَى مُقْتَحَمٍ بِهِ ، وَهُوَ مَا فَسَّرَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ : أَوَّلُهَا فَكُّ رَقَبَةٍ .
وَالْفَكُّ هُوَ حَلُّ الْقَيْدِ ، وَالرِّقُّ قَيْدٌ ، وَسُمِّيَ الْمَرْقُوقُ رَقَبَةً لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ الَّذِي يُرْبَطُ بِالْقَيْدِ فِي عُنُقِهِ قَالَ حَسَّانُ : كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ وَجَزِّ نَاصِيَةٍ كُنَّا مَوَالِيهَا وَفَكُّ الْأَسِيرِ مِنْ الْعَدُوِّ مِثْلُهُ ؛ بَلْ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ { مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَظِيمٌ فِي تَكْفِيرِ الزِّنَا بِالْعِتْقِ .
وَفِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ { أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ سَأَلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ لَا وَهْمَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ ، فَغَضِبَ وَاثِلَةُ ، وَقَالَ : الْمَصَاحِفُ تُجَدِّدُونَ فِيهَا النَّظَرَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً وَأَنْتُمْ تَهُمُّونَ تَزِيدُونَ وَتُنْقِصُونَ ، ثُمَّ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَاحِبُنَا
هَذَا قَدْ أَوْجَبَ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً ؛ فَإِنَّ لَهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْ الْمُعْتَقِ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ } .
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عُلَيَّةَ ، حَدَّثَهُمْ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّيلِيُّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ بِنَحْوِ مِثْلِهِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ أَصْبَغُ : الرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ ذَاتُ الثَّمَنِ أَفْضَلُ فِي الْعِتْقِ مِنْ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ الْقَلِيلَةِ الثَّمَنِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : { أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا } .
وَالْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا } ، { وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً } ، وَمَا ذَكَرَهُ أَصْبَغُ وَهْلَةً .
وَإِنَّمَا نُظِرَ إلَى تَنْقِيصِ الْمَالِ ، وَالنَّظَرُ إلَى تَجْرِيدِ الْمُعْتَقِ لِلْعِبَادَةِ ؛ وَتَفْرِيغِهِ لِلتَّوْحِيدِ أَوْلَى .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّرِيحِ مِنْ مُخْتَصَرِ النَّيِّرَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إطْعَامُ الطَّعَامِ قَدْ بَيَّنَّا فَضْلَهُ ، وَهُوَ مَعَ السَّغَبِ الَّذِي هُوَ الْجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ إطْعَامِهِ لِمُجَرَّدِ الْحَاجَةِ ، أَوْ عَلَى مُقْتَضَى الشَّهْوَةِ .
وَإِطْعَامُ الْيَتِيمِ الَّذِي لَا كَافِلَ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ إطْعَامِ ذِي الْأَبَوَيْنِ لِوُجُودِ الْكَافِلِ وَقِيَامِ النَّاصِرِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ .
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { ذَا مَقْرَبَةٍ } يُفِيدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الْبَعِيدِ ؛ وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ قَبْلَ الْمِسْكِينِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي النَّفَلِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مَعَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } وَالْمَتْرَبَةُ : الْفَقْرُ الْبَالِغُ الَّذِي لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ طَعَامًا إلَّا التُّرَابَ وَلَا فِرَاشًا سِوَاهُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الشَّمْسِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا } : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَا : أَخْرَجَ إلَيْنَا مَالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ زَعَمَ أَنَّهُ كَتَبَهُ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، حِينَ كَتَبَ الْمَصَاحِفَ ، مِمَّا فِيهِ : وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا بِالْوَاوِ ، وَهَكَذَا قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو مِنْ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَغَيْرُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَقْرَأْ بِهِ نَافِعٌ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ قِرَاءَةُ نَافِعٍ .
قُلْنَا : لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَلَا كُلُّ سَامِعٍ يَفْهَمُ عَنْهُ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ الْهَمْزَ وَحَذْفَهُ ، وَالْمَدَّ وَتَرْكَهُ ، وَالتَّفْخِيمَ وَالتَّرْقِيقَ ، وَالْإِدْغَامَ وَالْإِظْهَارَ ، فِي نَظَائِرَ لَهُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْقِرَاءَاتِ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّنَّةَ فِي تَوَسُّعِ الْخَلْقِ فِي الْقِرَاءَةِ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ إلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ مِنْهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : { أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ } ، وَقَدْ ثَبَتَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ : لَا تَكُنْ فَتَّانًا ، اقْرَأْ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } وَنَحْوَهُمَا } ، فَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ .
سُورَةُ اللَّيْلِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مَعْنَى الْقَسَمِ فِيهَا : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنَّ مَعْنَاهُ وَرَبِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
وَهَذَا الْمَحْذُوفُ مُقَدَّرٌ فِي كُلِّ قَسَمٍ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَسَمِ بِهَا .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كَمَا تَقَدَّمَ يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ ، وَآدَمُ خُلِقَ وَحْدَهُ قَبْلَ خَلْقِ حَوَّاءَ حَسْبَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَصُورَةُ الْمُصْحَفِ { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ وَابْنَ مَسْعُودٍ ، كَانَا يَقْرَآنِ : وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
قَالَ إبْرَاهِيمُ : قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالُوا : كُلُّنَا .
قَالَ تَقْرَءُونَ : { وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى } ؟ قَالَ عَلْقَمَةُ : وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .
قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأَ : وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، وَاَللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِمَّا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَشَرٌ ، إنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصُّحُفِ ؛ فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِأَحَدٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّظَرُ فِيمَا يُوَافِقُ خَطَّهُ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ ضَبْطُهُ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ ، وَيَنْقَطِعُ مَعَهُ الْعُذْرُ وَتَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْخَلْقِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } فِيهَا ثَمَانِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ : الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ شَمْسُهُ إلَّا وَبِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ ، يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهُمْ إلَّا الثَّقَلَيْنِ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ يُعْتِقُ نِسَاءً وَعَجَائِزَ ؛ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَيْ بُنَيَّ ، أَرَاك تُعْتِقُ أُنَاسًا ضُعَفَاءَ ، فَلَوْ أَنَّك أَعْتَقْت رِجَالًا جَلْدًا يَقُومُونَ مَعَك ، وَيَدْفَعُونَ عَنْك ، وَيَمْنَعُونَك ، فَقَالَ : أَيْ أَبَتِ ؛ إنَّمَا أُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ .
قَالَ : فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { مَنْ أَعْطَى } : حَقِيقَةُ الْعَطَاءِ هِيَ الْمُنَاوَلَةُ ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ يَصِلُ مِنْ الْغَيْرِ إلَى الْغَيْرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقَى } : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حَقِيقَةِ التَّقْوَى ، وَأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ حِجَابٍ مَعْنَوِيٍّ يَتَّخِذُهُ الْعَبْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِقَابِ ، كَمَا أَنَّ الْحِجَابَ الْمَحْسُوسَ يَتَّخِذُهُ الْعَبْدُ مَانِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَكْرَهُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } : فِيهَا
ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا الْخَلَفُ مِنْ الْمُعْطِي ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْجَنَّةُ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي الْمُخْتَارِ : كُلُّ مَعْنًى مَمْدُوحٍ فَهُوَ حُسْنَى ، وَكُلُّ عَمَلٍ مَذْمُومٍ فَهُوَ سُوأَى وَعُسْرَى ، وَأَوَّلُ الْحُسْنَى التَّوْحِيدُ ، وَآخِرُهُ الْجَنَّةُ ؛ وَكُلُّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حُسْنَى ، وَأَوَّلُ السُّوأَى كَلِمَةُ الْكُفْرِ ، وَآخِرُهُ النَّارُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فَهُوَ مِنْهُمَا وَمُرَادٌ بِاللَّفْظِ الْمُعَبِّرِ عَنْهُمَا .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْحُسْنَى الْخَلَفُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ : { فَسَنُيَسِّرُهُ } يَعْنِي نُهَيِّئُهُ بِخَلْقِ أَسْبَابِهِ ، وَإِيجَادِ مُقَدِّمَاتِهِ ، ثُمَّ نَخْلُقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَ حَسَنًا سُمِّيَ يُسْرَى ، وَإِنْ مَذْمُومًا سُمِّيَ عُسْرَى ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْكُلِّ ، فَإِنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ هَيَّأَ أَسْبَابَهَا لِلْعَبْدِ وَخَلَقَهَا فِيهِ ، وَإِنْ أَرَادَ الشَّقَاءَ هَيَّأَ أَسْبَابَهُ لِلْعَبْدِ ، وَخَلَقَهَا فِيهِ ؛ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ صَحِيحَةٍ ، يُعَضِّدُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْقَوْلِ ، وَيَعْتَضِدُ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ ، مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : { كُنَّا فِي جِنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ ، وَجَلَسْنَا ، وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَدْخَلُهَا .
فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا ؟ فَقَالَ : بَلْ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ
الشَّقَاءِ .
ثُمَّ قَرَأَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } إلَى قَوْلِهِ : { لِلْعُسْرَى } } .
{ وَسَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : الْعَمَلُ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِي شَيْءٍ يُسْتَأْنَفُ ؟ فَقَالَ : بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ .
فَقَالَا : فَفِيمَ الْعَمَلُ إذَنْ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ .
قَالَا : فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { بَخِلَ } : قَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ الْبُخْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَأَنَّهُ مَنْعُ الْوَاجِبِ ؛ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ .
} الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ : { وَاسْتَغْنَى } : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اسْتَغْنَى عَنْ اللَّهِ ، وَهُوَ كُفْرٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ، وَهُمْ فُقَرَاءُ إلَيْهِ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ اسْتَغْنَى بِالدُّنْيَا عَنْ الْآخِرَةِ ، فَرَكَنَ إلَى الْمَحْسُوسِ ، وَآمَنَ بِهِ ، وَضَلَّ عَنْ الْمَعْقُولِ ، وَكَذَّبَ بِهِ ، وَرَأَى أَنَّ رَاحَةَ النَّقْدِ خَيْرٌ مِنْ رَاحَةِ النَّسِيئَةِ ، وَضَلَّ عَنْ وَجْهِ النَّجَاةِ ، وَرِبْحِ التِّجَارَةِ الَّتِي اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى طَلَبِهَا بِإِسْلَامِ دِرْهَمٍ إلَى غَنِيٍّ وَفِيٍّ لِيَأْخُذَ عَشْرَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَهُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، وَالْخَلْقُ مِلْكُهُ ، أَمَرَ بِالْعَمَلِ وَنَدَبَ إلَى النَّصَبِ ، وَوَعَدَ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ ؛ فَالْحَرَامُ مَعْقُولًا ، وَالْوَاجِبُ مَنْقُولًا امْتِثَالَ أَمْرِهِ ، وَارْتِقَابَ وَعْدِهِ ، وَهَذَا مُنْتَهَى الْحُكْمِ فِي الْآيَةِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْبَيَانِ
مَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَقْصُودِ فَأَرْجَأْته إلَى مَكَانِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ .
سُورَةُ الضُّحَى [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالضُّحَى } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { الضُّحَى } : هُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، يُقَالُ : ارْتَفَعَتْ الضُّحَى ، وَمَعْنَاهَا هُوَ الضَّوْءُ مُذَكَّرٌ ، وَتَصْغِيرُهُ ضُحَيَّا ، فَإِذَا فَتَحْت مَدَدْت ، قَالَ الشَّاعِرُ : أُعَجِّلُهَا أَقْدُحِي الضَّحَاءَ ضُحًى وَهِيَ تُنَاصِي ذَوَائِبَ السِّلْمِ يَصِفُ أَنَّهُ نَامَ عَنْ إبِلٍ ، فَأَخَذَهَا ضُحًى قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الضَّحَاءُ .
وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الضَّحَاءَ بَعْدَ الضُّحَى ، حَقٌّ إنَّهُ لِيَتَمَادَى إلَى نِصْفِ النَّهَارِ ، فَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حِينَ هَاجَرَ ، وَقَدْ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ ، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَزُولُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَ بِالْحَجَرِ فِي إصْبَعِهِ فَدَمِيَتْ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ .
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت .
قَالَ : فَمَكَثَ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا لَا يَقُومُ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ؛ مَا أَرَى شَيْطَانَك إلَّا قَدْ تَرَكَك ؛ فَنَزَلَتْ السُّورَةُ } .
الثَّانِي : رَوَى جُنْدُبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ : { اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : يَا مُحَمَّدُ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُك قَدْ تَرَكَك } .
وَفِي رِوَايَةٍ : مَا أَرَى صَاحِبَك إلَّا أَبْطَأَك ، فَنَزَلَتْ .
وَهَذَا أَصَحُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ " تَرْكُ الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ " وَأَدْخَلَ الْحَدِيثَ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ وُجُوبُ قِيَامِ اللَّيْلِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ فِيهِ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْحَدِيثُ { بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَكَى ، فَتَرَكَ الْقِيَامَ } صَحِيحٌ وَذِكْرُهُ فِيهِ : { هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ .
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ } .
غَيْرُ صَحِيحٍ [ وَقَوْلُهُ : { فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ } أَسْقَطَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا ، وَهُوَ صَحِيحٌ ، خَرَّجَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي صَرِيحِ الصَّحِيحِ ] .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِيهَا قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ : وَأَمَّا السَّائِلَ [ لِلْبِرِّ ] فَلَا تَنْهَرْ أَيْ رُدَّهُ بِلِينٍ وَرَحْمَةٍ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
الثَّانِي : سَائِلُ الدِّينِ لِلْبَيَانِ لَا تَنْهَرْهُ بِالْجَفْوَةِ وَالْغِلْظَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَائِلُ الْبِرِّ فَقَدْ قَدَّمْنَا وُجُوهَ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَكَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ فِيهِ ، وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ، فَكَيْفَ بِالْأَذَى دُونَ الصَّدَقَةِ .
وَأَمَّا السَّائِلُ عَنْ الدِّينِ فَجَوَابُهُ فَرْضٌ عَلَى الْعَالِمِ عَلَى الْكِفَايَةِ كَإِعْطَاءِ سَائِلِ الْبِرِّ سَوَاءً ، وَقَدْ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَنْظُرُ إلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَيَبْسُطُ رِدَاءَهُ لَهُمْ ، وَيَقُولُ : مَرْحَبًا بِأَحِبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كُنَّا إذَا أَتَيْنَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ : مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { يَأْتِيكُمْ رِجَالٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ } فَذَكَرَهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ : [ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّك فَحَدِّثْ ] ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهَا النُّبُوَّةُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْقُرْآنُ .
الثَّالِثُ : إذَا أَصَبْت خَيْرًا أَوْ عَمِلْت خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِنْ إخْوَانِك ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنُ الْهَادِ ، قَالَ : { جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اقْرَأْ .
قَالَ : وَمَا أَقْرَأُ ؟ قَالَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ } حَتَّى بَلَغَ { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فَقَالَ لِخَدِيجَةَ : يَا خَدِيجَةُ ؛ مَا أَرَانِي إلَّا قَدْ عُرِضَ لِي .
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : كَلًّا وَاَللَّهِ ، مَا كَانَ رَبُّك لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِك ، وَمَا أَتَيْتَ فَاحِشَةً قَطُّ .
قَالَ : فَأَتَتْ خَدِيجَةُ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ؛ فَقَالَ وَرَقَةُ : إنْ تَكُونِي صَادِقَةً فَزَوْجُك نَبِيٌّ ، وَلَيَلْقِيَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ شِدَّةً ، فَاحْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : يَا مُحَمَّدُ ، مَا أَرَى رَبَّك إلَّا قَدْ قَلَاك ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالضُّحَى } } يَعْنِي السُّورَةَ .
فَهَذَا حَدِيثُهُ بِالنُّبُوَّةِ .
وَأَمَّا حَدِيثُهُ بِالْقُرْآنِ فَتَبْلِيغُهُ إيَّاهُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا مِنْ الْوَحْيِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ : { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَكَ } .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْيِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ ، وَاَللَّهُ يَقُولُ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغْت رِسَالَتَهُ } .
وَأَمَّا
تَحَدُّثُهُ بِعَمَلٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِإِخْلَاصٍ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الثِّقَةِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ إلَى الرِّيَاءِ ، وَأَسَاءَ الظَّنَّ بِسَامِعِهِ .
وَقَدْ رَوَى أَيُّوبُ ؛ قَالَ : دَخَلْت عَلَى أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ ، فَقَالَ : لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْبَارِحَةَ خَيْرًا ، صَلَّيْت كَذَا وَسَبَّحْت كَذَا .
قَالَ : قَالَ : أَيُّوبُ : فَاحْتَمَلْت ذَلِكَ لِأَبِي رَجَاءَ .
وَمِنْ الْحَدِيثِ بِالنِّعْمَةِ إظْهَارُهَا بِالْمَلْبَسِ وَالْمَرْكَبِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ } ؛ وَإِظْهَارُهَا بِالْمَلْبَسِ وَالْمَرْكَبِ .
وَإِظْهَارُهَا بِالْجَدِيدِ وَالْقَوِيِّ مِنْ الثِّيَابِ النَّقِيِّ ، وَلَيْسَ بِالْخَلِقِ الْوَسِخِ ، وَفِي الْمَرْكَبِ اقْتِنَاؤُهُ لِلْجِهَادِ أَوْ لِسَبِيلِ الْحَلَالِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
سُورَةُ الِانْشِرَاحِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَك صَدْرَك } : شَرْحُهُ حَقِيقَةٌ حِسِّيَّةٌ ، وَذَلِكَ حِينَ كَانَ عِنْدَ ظِئْرِهِ ، وَحِينَ أُسْرِيَ بِهِ ، وَشَرَحَهُ مَعْنًى حِينَ جَمَعَ لَهُ التَّوْحِيدَ فِي صَدْرِهِ وَالْقُرْآنَ ، وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ، وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَظِيمًا ، وَشَرَحَهُ حِينَ خَلَقَ لَهُ الْقَبُولَ لِكُلِّ مَا أَلْقَى إلَيْهِ وَالْعَمَلَ بِهِ ، وَذَلِكَ هُوَ تَمَامُ الشَّرْحِ وَزَوَالُ التَّرَحِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرَك } : يَعْنِي قَرَنَّاهُ بِذِكْرِنَا فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَذَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتَّفَقَ الْمُوَحِّدُونَ وَالْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : إذَا فَرَغْت مِنْ الصَّلَاةِ فَانْصَبْ لِلْأُخْرَى بِلَا فُتُورٍ وَلَا كَسَلٍ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ إذَا فَرَغْت مِنْ الْفَرَائِضِ فَتَأَهَّبْ لِقِيَامِ اللَّيْلِ .
الثَّانِي : إذَا فَرَغْت مِنْ الصَّلَاةِ فَانْصَبْ لِلدُّعَاءِ .
الثَّالِثُ : إذَا فَرَغْت مِنْ الْجِهَادِ فَاعْبُدْ رَبَّك .
الرَّابِعُ إذَا فَرَغْت مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك فَانْصَبْ لِأَمْرِ آخِرَتِك .
وَمِنْ الْمُبْتَدِعَةِ مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَنْصِبْ بِكَسْرِ الصَّادِ وَالْهَمْزِ فِي أَوَّلِهِ ، وَقَالُوا : مَعْنَاهُ أَنْصِبْ الْإِمَامَ الَّذِي يُسْتَخْلَفُ ؛ وَهَذَا بَاطِلٌ فِي الْقِرَاءَةِ ، بَاطِلٌ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا .
وَقَرَأَهَا بَعْضُ الْجُهَّالِ فَانْصَبَّ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ مَعْنَاهُ إذَا فَرَغْت مِنْ الْغَزْوِ فَجُدَّ إلَى بَلَدِك .
وَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا قِرَاءَةً لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ } .
وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا وَأَسْوَأَهُمْ مَآبًا وَمَبَاءً مَنْ أَخَذَ مَعْنًى صَحِيحًا ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ قِرَاءَةً أَوْ حَدِيثًا ، فَيَكُونُ كَاذِبًا عَلَى اللَّهِ ، كَاذِبًا عَلَى رَسُولِهِ ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا .
أَمَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ عِيدٍ ، فَقَالَ : مَا بِهَذَا أَمَرَ الشَّارِعُ .
وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ { الْحَبَشَ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ } .
{ وَدَخَلَ
أَبُو بَكْرٍ بَيْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنَّيَانِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ } .
وَلَيْسَ يَلْزَمُ الدَّءُوبَ عَلَى الْعَمَلِ ، بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ لِلْخَلْقِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
سُورَةُ التِّينِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } : قِيلَ : هُوَ حَقِيقَةٌ .
وَقِيلَ : عَبَّرَ بِهِ عَنْ دِمَشْقَ أَوْ جَبَلِهَا ، أَوْ مَسْجِدِهَا ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِدَلِيلٍ .
وَإِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالتِّينِ لِيُبَيِّنَ فِيهِ [ وَجْهَ ] الْمِنَّةِ الْعُظْمَى ، فَإِنَّهُ جَمِيلُ الْمَنْظَرِ ، طَيِّبُ الْمَخْبَرِ ، نَشِرُ الرَّائِحَةِ ، سَهْل الْجَنْيِ ، عَلَى قَدْرِ الْمُضْغَةِ ، وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ فِيهِ : اُنْظُرْ إلَى التِّينِ فِي الْغُصُونِ ضُحًى مُمَزَّقَ الْجِلْدِ مَائِلَ الْعُنُقِ كَأَنَّهُ رَبُّ نِعْمَةٍ سُلِبَتْ فَعَادَ بَعْدَ الْجَدِيدِ فِي الْخَلَقِ أَصْغَرُ مَا فِي النُّهُودِ أَكْبَرُهُ لَكِنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الطُّرُقِ وَلِامْتِنَانِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ ، وَتَعْظِيمِ النِّعْمَةِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مُقْتَاتٌ مُدَّخَرٌ ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ .
وَإِنَّمَا فَرَّ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ تَقِيَّةَ جَوْرِ الْوُلَاةِ فَإِنَّهُمْ يَتَحَامَلُونَ فِي الْأَمْوَالِ الزَّكَائِيَّةِ ، فَيَأْخُذُونَهَا مَغْرَمًا ، حَسْبَمَا أَنْذَرَ بِهِ الصَّادِقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ سَبِيلًا إلَى مَالٍ آخَرَ يَتَشَطَّطُونَ فِيهِ .
وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نِعْمَةِ رَبِّهِ بِأَدَاءِ حَقِّهِ .
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَوْ غَيْرِهَا : لَا زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ .
وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ } : [ يَعْنِي مَكَّةَ لِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْأَمْنِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ وَالْعَنْكَبُوتِ وَغَيْرِهِمَا ] ، وَبِهَذَا احْتَجَّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَرَادَ بِالتِّينِ دِمَشْقَ ، وَبِالزَّيْتُونِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِجَبَلِ دِمَشْقَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْوَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِجَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؛ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ ، وَبِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ إبْرَاهِيمَ وَدَارُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقٌ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْإِنْسَانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ حَيًّا عَالِمًا ، قَادِرًا ، مُرِيدًا ، مُتَكَلِّمًا ، سَمِيعًا ، بَصِيرًا ، مُدَبِّرًا ، حَكِيمًا ، وَهَذِهِ صِفَاتُ الرَّبِّ ، وَعَنْهَا عَبَّرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَوَقَعَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } ، يَعْنِي عَلَى صِفَاتِهِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا .
وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ .
وَمِنْ أَيْنَ تَكُونُ لِلرَّجُلِ صِفَةٌ مُشَخَّصَةٌ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَعَانِيَ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعِهِ بِمَا فِيهِ بَيَانُهُ .
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْأَزْدِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْقَاضِي الْمُحْسِنُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ يُحِبُّ زَوْجَهُ حُبًّا شَدِيدًا قَالَ لَهَا يَوْمًا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ تَكُونِي أَحْسَنَ مِنْ الْقَمَرِ ، فَنَهَضَتْ وَاحْتَجَبَتْ عَنْهُ ، وَقَالَتْ : طَلَّقَنِي .
وَبَاتَ بِلَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ .
وَلَمَّا أَصْبَحَ غَدًا إلَى دَارِ الْمَنْصُورِ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ [ وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ تَمَّ عَلَيَّ طَلَاقُهَا تَصَلَّفَتْ نَفْسِي غَمًّا ، وَكَانَ الْمَوْتُ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الْحَيَاةِ ] ؛ وَأَظْهَرَ لِلْمَنْصُورِ جَزَعًا عَظِيمًا ، فَاسْتَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ ، وَاسْتَفْتَاهُمْ ، فَقَالَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ : قَدْ طَلُقَتْ ، إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ كَانَ سَاكِتًا ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ : مَالَك لَا تَتَكَلَّمُ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
{ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، الْإِنْسَانُ أَحْسَنُ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْهُ [ فَقَالَ
الْمَنْصُورُ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى : الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ؛ فَأَقْبِلْ عَلَى زَوْجِك ] ، فَأَرْسَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ إلَى زَوْجِهِ أَنْ أَطِيعِي زَوْجَك ، وَلَا تَعْصِيهِ ، فَمَا طَلَّقَك .
فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ بَاطِنًا وَ [ هُوَ أَحْسَنُ خَلْقِ اللَّهِ ] ظَاهِرًا جَمَالَ هَيْئَةٍ ، وَبَدِيعَ تَرْكِيبٍ : الرَّأْسُ بِمَا فِيهِ ، وَالصَّدْرُ بِمَا جَمَعَهُ ، وَالْبَطْنُ بِمَا حَوَاهُ ، وَالْفَرْجُ وَمَا طَوَاهُ ، وَالْيَدَانِ وَمَا بَطَشَتَاهُ ، وَالرِّجْلَانِ وَمَا احْتَمَلَتَاهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ : إنَّهُ الْعَالَمُ الْأَصْغَرُ ؛ إذْ كُلُّ مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ أُجْمِعَ فِيهِ هَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ وَكَيْفَ عَلَى التَّفْصِيلِ ، بِتَنَاسُبِ الْمَحَاسِنِ ، فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِالْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَبِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي رُكِّبَ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ اسْتَوْلَى عَلَى جَمَاعَةٍ الْكُفْرَانُ ، وَغَلَبَ عَلَى طَائِفَةٍ الطُّغْيَانُ ، حَتَّى قَالَ : أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى ، وَحِينَ عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنْ عَبْدِهِ ، وَقَضَاؤُهُ صَادِرٌ مِنْ عِنْدِهِ ، رَدَّهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ وَهِيَ : الْآيَةُ الرَّابِعَةُ بِأَنْ جَعَلَهُ مَمْلُوءًا قَذِرًا ، مَشْحُونًا نَجَاسَةً ، وَأَخْرَجَهَا عَلَى ظَاهِرِهِ إخْرَاجًا مُنْكَرًا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ تَارَةً ، وَعَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ أُخْرَى ، حَتَّى إذَا شَاهَدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ رَجَعَ إلَى قَدْرِهِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } : قَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } فَلْيَقُلْ : بَلَى ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ } .
وَمِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ : { إذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ أَوْ سَمِعَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى فَلْيَقُلْ : بَلَى } .
وَهَذِهِ أَخْبَارٌ ضَعِيفَةٌ ، أَمَا إنَّ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي الِاعْتِقَادِ لِأَجْلِ مَا يَلْزَمُ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ مِنْ الِانْتِقَادِ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : { صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَتَمَةَ ، فَصَلَّى فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } ، وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ : سَمِعْت الْبَرَاءَ يَقُولُ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } ، فَفَسَّرَ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ قِرَاءَتَهَا مَعَ قَصْرِهَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَهُوَ السَّفَرُ .
سُورَةُ الْعَلَقِ [ فِيهَا خَمْسُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ } : فِيهَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ .
الْقَوْلُ : فِي أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : هَذِهِ السُّورَةُ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَغَيْرُهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهُ نَزَلَ { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } ؛ قَالَهُ جَابِرٌ .
الثَّالِثُ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } .
الرَّابِعُ قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الْهَمْدَانِيُّ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ؛ قَالَتْ : { كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ .
وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، حَتَّى فَجِئَهُ الْوَحْيُ ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } إلَى قَوْلِهِ : { عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } .
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفُؤَادُهُ يَرْجُفُ ؛ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ : أَيْ خَدِيجَةُ ، مَا لِي ؟ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي .
فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : كَلًّا ، أَبْشِرْ .
فَوَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا ، فَوَاَللَّهِ إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ ، وَيَكْتُبُ الْإِنْجِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ : يَا بْنَ عَمِّ ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك .
قَالَ وَرَقَةُ : يَا ابْنَ أَخِي ، مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى .
فَقَالَ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إذْ يُخْرِجُك قَوْمُك .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ، قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلَّا أُوذِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك حَيًّا أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا .
ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً ، حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ : فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : بَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْت صَوْتًا ، فَرَفَعْت رَأْسِي ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي قَدْ جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَفَزِعْت مِنْهُ ، فَرَجَعْت فَقُلْت : زَمِّلُونِي ، دَثِّرُونِي ، فَدَثَّرُوهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّك فَكَبِّرْ وَثِيَابَك فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } } .
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : وَهِيَ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْبُدُهَا
، ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ } : فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْ الْعَلَقِ ، وَأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَقَةً لَيْسَ بِإِنْسَانٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْأَقْلَامُ فِي الْأَصْلِ ثَلَاثَةٌ : الْقَلَمُ الْأَوَّلُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ : { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إلَى يَوْمِ السَّاعَةِ ، فَهُوَ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ فَوْقَ عَرْشِهِ } .
الْقَلَمُ الثَّانِي : مَا جَعَلَ اللَّهُ بِأَيْدِي الْمَلَائِكَةِ يَكْتُبُونَ بِهِ الْمَقَادِيرَ وَالْكَوَائِنَ وَالْأَعْمَالَ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } خَلَقَ اللَّهُ لَهُمْ الْأَقْلَامَ ، وَعَلَّمَهُمْ الْكِتَابَ بِهَا .
الْقَلَمُ الثَّالِثُ أَقْلَامُ النَّاسِ ، جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَيْدِيهِمْ يَكْتُبُونَ بِهَا كَلَامَهُمْ ، وَيَصِلُونَ بِهَا إلَى مَآرِبِهِمْ ، وَاَللَّهُ أَخْرَجَ الْخَلْقَ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ، وَخَلَقَ لَهُمْ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالنُّطْقَ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ قَانُونِ التَّأْوِيلِ ، ثُمَّ رَزَقَهُمْ مَعْرِفَةَ الْعِبَادَةِ بِاللِّسَانِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ [ وَجْهًا ، وَقِيلَ ] حَرْفًا يَضْطَرِبُ بِهَا اللِّسَانُ بَيْنَ الْحَنَكِ وَالْأَسْنَانِ فَيَتَقَطَّعُ الصَّوْتُ تَقْطِيعًا يَثْبُتُ عَنْهُ مُقَطَّعَاتُهُ عَلَى نِظَامٍ مُتَّسِقٍ قُرِنَتْ بِهِ مَعَارِفُ فِي أَفْرَادِهَا وَفِي تَأْلِيفِهَا ، وَأَلْقَى إلَى الْعَبْدِ مَعْرِفَةَ أَدَائِهَا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَعَلَّمَك مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } .
ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ الْيَدَ وَالْقُدْرَةَ ، وَرَزَقَهُ الْعِلْمَ [ وَالرُّتْبَةَ ] ، وَصَوَّرَ لَهُ حُرُوفًا تُعَادِلُ لَهُ الصُّوَرَ الْمَحْسُوسَةَ فِي إظْهَارِ الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ فِي النُّطْقِ ، فَيُقَابِلُ هَذَا مَكْتُوبًا ذَلِكَ الْمَلْفُوظَ ، وَيُقَابِلُ الْمَلْفُوظُ مَا تَرَتَّبَ فِي الْقَلْبِ ، وَيَكُونُ الْكُلُّ سَوَاءً ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ ، { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَعَلَ اللَّهُ هَذَا كُلَّهُ مُرَتَّبًا لِلْخَلْقِ ، وَنِظَامًا لِلْآدَمِيِّينَ ،
وَيَسَّرَهُ فِيهِمْ ؛ فَكَانَ أَقَلَّ الْخَلْقِ بِهِ مَعْرِفَةً الْعَرَبُ ، وَأَقَلَّ الْعَرَبِ بِهِ مَعْرِفَةً [ الْحِجَازِيُّونَ ، وَأَعْدَمُ الْحِجَازِيِّينَ بِهِ مَعْرِفَةً ] الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ صَرَفَهُ ] عَنْ عِلْمِهِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَثْبَتَ لِمُعْجِزَتِهِ ، وَأَقْوَى فِي حُجَّتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ تَقْطِيعٌ فِي الْأَصْوَاتِ عَلَى نِظَامٍ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي النَّفْسِ ، وَلَهُمْ صُورَةٌ فِي الْخَطِّ تُعَبِّرُ عَمَّا يَجْرِي بِهِ اللِّسَانُ ، وَفِي اخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى رَبِّكُمْ الْقَادِرِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ الْحَاكِمِ ؛ وَأُمُّ اللُّغَاتِ وَأَشْرَفُهَا الْعَرَبِيَّةُ ، لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ إيجَازِ اللَّفْظِ ، وَبُلُوغِ الْمَعْنَى ، وَتَصْرِيفِ الْأَفْعَالِ وَفَاعِلِيهَا وَمَفْعُولِيّهَا ، كُلُّهَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ، الْحُرُوفُ وَاحِدَةٌ ، وَالْأَبْنِيَةُ فِي التَّرْتِيبِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَهَذِهِ قُدْرَةٌ وَسِيعَةٌ وَآيَةٌ بَدِيعَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لِكُلِّ أُمَّةٍ حُرُوفٌ مُصَوَّرَةٌ بِالْقَلَمِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْكَلِمِ ، عَلَى حَسْبِ مَرَاتِبِ لُغَاتِهِمْ ، مِنْ عِبْرَانِيٍّ ، وَيُونَانِيٍّ ، وَفَارِسِيٍّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ اللُّغَاتِ أَوْ عَرَبِيٍّ ؛ وَهُوَ أَشْرَفُهَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا عَلَّمَ اللَّهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَسْبَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } ؛ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إلَّا وَعَلَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ آدَمَ اسْمَهُ بِكُلِّ لُغَةٍ ، وَذَكَرَهُ آدَم لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا عُلِّمَهُ ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ فَضْلُهُ ، وَعَظُمَ قَدْرُهُ ، وَتَبَيَّنَ عِلْمُهُ ، وَثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ، وَقَامَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَحُجَّتُهُ ، وَامْتَثَلَتْ الْمَلَائِكَةُ لَمَّا رَأَتْ مِنْ شَرَفِ الْحَالِ ، وَرَأَتْ مِنْ جَلَالِ الْقُدْرَةِ ، وَسَمِعَتْ مِنْ عَظِيمِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ تَوَارَثَتْ ذَلِكَ ذُرِّيَّتُهُ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ ، وَتَنَاقَلُوهُ قَوْمًا عَنْ قَوْمٍ ، تَحْفَظُهُ أُمَّةٌ
وَتُضَيِّعُهُ أُخْرَى ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ يَضْبِطُ عَلَى الْخَلْقِ بِالْوَحْيِ مِنْهُ مَا شَاءَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ الْأُمَمِ عَلَى مَقَادِيرِهَا وَمَجْرَى حُكْمِهِ فِيهَا ، حَتَّى جَاءَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ جِيرَتِهِ جُرْهُمًا ، وَزَوَّجُوهُ فِيهِمْ ، وَاسْتَقَرَّ بِالْحَرَمِ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ الْعَرَبِيَّةَ غَضَّةً طَرِيَّةً ، وَأَلْقَاهَا إلَيْهِ صَحِيحَةً فَصَيْحَةً سَوِيَّةً ، وَاسْتَطْرَبَ عَلَى الْأَعْقَابِ فِي الْأَحْقَابِ إلَى أَنْ وَصَلَنَا إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرُفَ وَشَرُفَتْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلَامِ ، وَظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ وَحُكْمُهُ ، وَأَشْرَقَ عَلَى الْآفَاقِ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ أَبُو الْمُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ : أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْخَطَّ نَفَرٌ مِنْ طَيِّئٍ ، وَهُمْ صُوَارُ بْنُ مُرَّةَ ؛ وَيُقَالُ مِرَارُ بْنُ مُرَّةَ ، وَأَسْلَمُ بْنُ سُدْرَةَ ، وَعَامِرُ بْنُ خُدْرَةَ فَسَارُوا إلَى مَكَّةَ ، فَتَعَلَّمَهُ مِنْهُمْ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ، وَهِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، ثُمَّ أَتَوْا الْأَنْبَارَ فَتَعَلَّمَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ ، ثُمَّ أَتَوْا الْحِيرَةَ ، فَعَلَّمُوهُ جَمَاعَةً ، مِنْهُمْ : سُفْيَانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ ، وَوَلَدُهُ ، يُسَمَّوْنَ بِالْكُوفَةِ بَنِي الْكَاتِبِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْكَلْبِيُّ مُتَّهَمٌ لَا يُؤَثِّرُ نَقْلُهُ ، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا أَنَّ اللَّهَ عَلَّمَ الْخَطَّ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَنَقَلَهُ الْكَافَّةُ فَالْكَافَّةُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْعَرَبِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ أَوَّلَ مَنْ نَقَلَ الْخَطَّ إلَى بِلَادِ الْعَرَبِ فُلَانٌ .
وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ : أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْخَطَّ فُلَانٌ ، فَالْخَطُّ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْقُولٌ ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ طَيِّئٍ بِمَا لَا يُحْصَى مِنْ السِّنِينَ عَدَدًا ، فَأَمَّا وَضْعُهُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَالسُّرْيَانِيَّ وَالْمُسْنَدَ ، وَهُوَ كِتَابُ حِمْيَرَ ، كَتَبَهُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَضَعَهَا فِي الطِّينِ وَطَبَخَهَا فَلَمَّا أَصَابَ الْأَرْضَ الْغَرَقُ ، وَانْجَلَى ، وَخَلَقَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقٍ وَجَدَتْ كُلُّ أُمَّةٍ كِتَابَهَا ، فَأَصَابَ إسْمَاعِيلُ كِتَابَ الْعَرَبِ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ إسْمَاعِيلُ عَلَى لَفْظِهِ وَمَنْطِقِهِ كِتَابًا وَاحِدًا ، مِثْلَ الْأُصُولِ فَتَعَرَّفَهُ وَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ : أَوَّلُ مَا وَضَعَ أَبْجَدِ هَوَّزْ حُطِّي كَلَمُنْ سعفص قَرَشَتْ ، وَأُسْنِدَ إلَى
عَمْرٍو .
وَهَذِهِ كُلُّهَا رِوَايَاتٌ ضَعِيفَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ خَوْضٌ فِيمَا لَا يُعْتَمَدُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ لِيَعْلَمَ الطَّالِبُ مَا جَرَى ، وَيَفْهَمَ مِنْ ذَلِكَ الْأَوْلَى بِالدِّينِ وَالْأَحْرَى .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إسْمَاعِيلَ إنَّمَا تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ جُرْهُمٍ ، حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ لِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَذَكَرَهُ إلَى قَوْلِهِ : { فَكَانَتْ كَذَلِكَ هَاجَرُ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طُرُقِ كَدَاءٍ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ ، نَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَلَيْهِمَا فَقَالُوا : إنَّ هَذَا الطَّائِرَ يَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا .
قَالَ وَأُمُّ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْمَاءِ ، فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، و لَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ .
قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَتْ ذَلِكَ أُمُّ إسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ ، فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إلَى أَهْلِيهِمْ ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ ، وَشَبَّ الْغُلَامُ ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ } وَسَاقَ الْحَدِيثَ .
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { أَرَأَيْت الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِهِ .
فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عِيَانًا } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ : أَلَمْ أَنْهَك عَنْ هَذَا ؟ أَلَمْ أَنْهَك عَنْ هَذَا ؟ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَبَرَهُ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : إنَّك لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرَ مِنِّي ، فَنَزَلَتْ : { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَاَللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لَأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَعَلَّقَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا : لَوْ رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ [ مُتَيَمِّمًا ] ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ : يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَادَى عَلَيْهَا .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهُ يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ فِي قَوْلِهِ : { أَرَأَيْت الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى } .
وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ هَلْ يَكُونُ فِي صَلَاةٍ إذَا رَأَى الْمَاءَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الذَّمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بَاقِيَةً ، وَنَحْنُ قُلْنَا لَهُمْ : إذَا أَمَرْتُمُوهُ بِقَطْعِهَا بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ فَقَدْ دَخَلْتُمْ فِي الْعُمُومِ الْمَذْمُومِ .
قَالُوا : لَا نَدْخُلُ ؛ لِأَنَّا نَرْفَعُ الطَّهَارَةَ بِالتُّرَابِ بِمُعَارِضِهَا وَهُوَ رُؤْيَةُ الْمَاءِ .
قُلْنَا : لَا تَكُونُ رُؤْيَةُ الْمَاءِ مُعَارِضَةً لِلطَّهَارَةِ بِالتُّرَابِ ، إلَّا إذَا كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مُقَارِنَةً لِلرُّؤْيَةِ ، وَلَا قُدْرَةَ مَعَ الصَّلَاةِ ، وَلَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ إلَّا بِرُؤْيَةٍ مَعَ قُدْرَةٍ ، فَمَانِعٍ فَبَقِيَتْ الصَّلَاةُ بِحَالِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ .
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { كَلًّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ : { وَاسْجُدْ } فِيهَا طَرِيقَةُ الْقُرْبَةِ ، فَهُوَ يَتَأَكَّدُ عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، لَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُجُودَ الصَّلَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سُجُودُ الصَّلَاةِ ، لِقَوْلِهِ : { أَرَأَيْت الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إذَا صَلَّى } إلَى قَوْلِهِ : ( كَلًّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ) ، لَوْلَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : سَجَدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي : { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } وَفِي : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ } سَجْدَتَيْنِ } ، فَكَانَ هَذَا نَصًّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : عَزَائِمُ السُّجُودِ أَرْبَعٌ : { الم تَنْزِيلُ } و { حم تَنْزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } و { وَالنَّجْمِ } و { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } .
وَهَذَا إنْ صَحَّ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ السُّجُودُ الثَّانِي مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِالرُّكُوعِ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْنَاهُ ارْكَعُوا [ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ ] ، وَاسْجُدُوا فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { وَاقْتَرِبْ } : الْمَعْنَى اكْتَسِبْ الْقُرْبَ مِنْ رَبِّك فِي السُّجُودِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ فِي سُجُودِهِ ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالذِّلَّةِ لِلَّهِ ، وَلِلَّهِ غَايَةُ الْعِزَّةِ ، وَلَهُ الْعِزَّةُ الَّتِي لَا مِقْدَارَ لَهَا ، فَلَمَّا بَعُدْت مِنْ صِفَتِهِ قَرُبْت مِنْ جَنَّتِهِ ، وَدَنَوْت مِنْ جِوَارِهِ فِي دَارِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا
السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ فِي الدُّعَاءِ ؛ فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ ، وَمُطَرِّفٌ : وَكَانَ مَالِكٌ يَسْجُدُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِخَاتِمَةِ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَابْنُ وَهْبٍ يَرَاهَا مِنْ الْعَزَائِمِ .
سُورَةُ الْقَدْرِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَقِسْمِ الْأَفْعَالِ مِنْ الْأَمَدِ الْأَقْصَى مَعْنَى النُّزُولِ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَنَّ الْمَلِكَ عَلِمَهُ فِي الْعُلُوِّ وَأَنْهَاهُ فِي السُّفْلِ ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنُّزُولِ مَجَازًا فِي الْمَعْنَى عَنْ الْحِسِّ إلَى الْعَقْلِ ؛ إذْ الْمَحْسُوسُ هُوَ الْأَوَّلُ ، وَالْمَعْقُولُ هُوَ الرُّتَبُ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي تَمْيِيزِ الْمُنَزَّلِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهِ الْعِلْمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } وَمِنْهُ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِ : { حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ { فِي لَيْلَةِ } قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ لَيْلًا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي رَمَضَانَ ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } ، وَأَنْزَلَهُ مِنْ الشَّهْرِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلُهُ : { لَيْلَةِ الْقَدْرِ } قِيلَ : لَيْلَةُ الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ .
وَقِيلَ : لَيْلَةُ التَّدْبِيرِ وَالتَّقْدِيرِ .
وَهُوَ أَقْرَبُ لِقَوْلِهِ : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّرَفُ وَالرِّفْعَةُ .
وَمِنْ شَرَفِهَا نُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً ، وَمِنْ شَرَفِهَا بَرَكَتُهَا وَسَلَامَتُهَا الَّتِي يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُهَا .
وَمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالتَّدْبِيرِ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَبَّرَ الْحَوَادِثَ وَالْكَوَائِنَ قَبْلَ خَلْقِهَا بِغَيْرِ مُدَّةٍ ، وَقَدَّرَ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَعَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ حُدُوثِهَا بِغَيْرِ أَمَدٍ ؛ وَمِنْ جَهَالَةِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ السَّفَرَةَ أَلْقَتْهُ إلَى جِبْرِيلَ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَلْقَاهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي عِشْرِينَ سَنَةً .
وَهَذَا بَاطِلٌ لَيْسَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَبَيْنَ [ اللَّهِ وَاسِطَةٌ .
وَلَا بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَاسِطَةٌ ] .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَيُحْدِثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ الْأَرْزَاقِ وَالْمَصَائِبِ ، وَمَا يُقَسَّمُ مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ ، وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ ، وَالْمَطَرِ وَالرِّزْقِ ، حَتَّى يَكْتُبَ فُلَانٌ يَحُجُّ فِي الْعَامِ ، وَيَكْتُبَ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ ، وَالْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ، فَقَدْ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ ، وَنَسَخَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إلَى مِثْلِهَا ، فَتَجِدُ الرَّجُلَ يَنْكِحُ النِّسَاءَ ، وَيَغْرِسُ الْغُرُوسَ ، وَاسْمُهُ فِي الْأَمْوَاتِ مَكْتُوبٌ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ هِبَتِهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ فَضْلٌ مِنْ رَبِّك .
الثَّانِي أَنَّهُ { ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَقَالَ : عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ عَامًا لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَذَكَرَ أَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا ، وَحِزْقِيلَ بْنَ الْعَجُوزِ ، وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ ، فَعَجِبَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، عَجِبَتْ أُمَّتُك مِنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثَمَانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْك خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَرَأَ : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } وَهَذَا أَفْضَلُ مِمَّا عَجِبْت أَنْتَ وَأُمَّتُك مِنْهُ .
قَالَ : فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
الثَّالِثُ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ عَنْهُ : سَمِعْت مَنْ أَثِقُ بِهِ يَقُولُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ الْأُمَمِ قَبْلَهُ ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَجَعَلَهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ ، وَلَقَدْ أُعْطِيت أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مِنْ الْفَضْلِ مَا لَمْ تُعْطَهُ أُمَّةٌ فِي طُولِ عُمُرِهَا ، فَأَوَّلُهَا أَنْ كُتِبَ لَهَا خَمْسُونَ صَلَاةً بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ ، وَكُتِبَ لَهَا صَوْمُ سَنَةٍ بِشَهْرِ رَمَضَانَ ، بَلْ صَوْمُ سَنَةٍ بِثَلَاثِينَ سَنَةً فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَطُهِّرَ مَالُهَا بِرُبْعِ الْعُشْرِ ، وَأُعْطِيَتْ خَوَاتِيمَ سُورَةِ
الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ يَعْنِي عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَكُتِبَ لَهَا أَنَّ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً ، وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ .
فَهَذِهِ لَيْلَةٌ وَنِصْفٌ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ .
وَمِنْ أَفْضَلِ مَا أُعْطُوا لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ؛ وَهَذَا فَضْلٌ [ لَا يُوَازِيهِ فَضْلٌ ] ، وَمِنَّةٌ لَا يُقَابِلُهَا شُكْرٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رُوِيَ فِيهَا قَوْلٌ رَابِعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ غَيْلَانَ حَدَّثَهُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : { قَامَ رَجُلٌ إلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَمَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : سَوَّدْت وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : لَا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَك اللَّهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ : { إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ ، وَنَزَلَتْ : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يَمْلِكُهَا بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ ، قَالَ الْقَاسِمُ : فَعَدَدْنَاهَا فَإِذَا هِيَ أَلْفٌ لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ يَوْمًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ ؛ لِأَنَّهَا [ لَا يَصِحُّ أَنْ ] تَكُونَ خَيْرًا مِنْ نَفْسِهَا ، وَتَرَكَّبَ عَلَى هَذَا قَوْلُ النُّحَاةِ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ : زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِخْوَةِ ، يُرِيدُونَ وَلَا [ يَجُوزُ أَنْ ] يَكُونَ الشَّيْءُ أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِهِ .
وَهَذَا تَدْقِيقٌ لَا يَئُولُ إلَى تَحْقِيقٍ .
أَمَّا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ هِيَ مِنْ جُمْلَتِهَا ، فَإِذَا عَمَّرَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَامًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَلْفَ شَهْرٍ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَلَا يَكْتُبُ لَهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَأَلْفَ شَهْرٍ زَائِدًا عَلَيْهَا ، وَرُكِّبَ عَلَى هَذَا بَقِيَّةُ الْأَعْوَامِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ فَهَذَا تَجَوُّزٌ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ سَحَبَتْ عَلَى هَذَا الْغَرَضِ ذَيْلَ الْغَلَطِ ، وَأَجْرَتْهُ عَلَى مَسَاقِ الْجَوَازِ فِي النُّطْقِ ، فَإِنَّهَا تَقُولُ الِاثْنَانِ نِصْفُ الْأَرْبَعَةِ ؛ تَتَجَوَّزُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي نِسْبَتِهَا لِشَيْءٍ تَرَكَّبَ مِثْلُهُ ، وَفِي قَوْلِهِمْ : الْوَاحِدُ ثُلُثُ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ تَرَكَّبَ مِثْلَيْهِ ، وَهَكَذَا إلَى آخِرِ النَّسَبِ ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَتَحَاشَ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَنْظُومٌ ، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ ؛ وَوَجْهُ الْمَجَازِ فِيهِ ظَاهِرٌ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } : فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { سَلَامٌ هِيَ } ، فَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ، وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلَ إنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ سَلَامَةٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، لَا يَحْدُثُ فِيهَا حَدَثٌ ، وَلَا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ .
الثَّانِي إنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ كُلُّهَا خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ .
الثَّالِثَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُسَلِّمُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
وَذَلِكَ كُلُّهُ صَحِيحٌ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ الْعُمُومِ فِي الْإِثْبَاتِ إذَا كَانَ مَصْدَرًا أَوْ مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ؛ بِخِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَعْلَامِ ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْعُمُومَ بِالْإِثْبَاتِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : " هِيَ " نَزَعَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ عَدُّوا حُرُوفَ السُّورَةِ ، فَلَمَّا بَلَغُوا إلَى قَوْلِهِمْ : ( هِيَ ) وَجَدُوهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفًا ، فَحَكَمُوا عَلَيْهِ بِهَا ، وَهُوَ أَمْرٌ بَيِّنٌ ، وَعَلَى النَّظَرِ بَعْدَ التَّفَطُّنِ لَهُ هَيِّنٌ ، وَلَا يَهْتَدِي لَهُ إلَّا مَنْ كَانَ صَادِقَ الْفِكْرِ ، شَدِيدَ الْعِبْرَةِ ، وَقَدْ أَشْبَعْت الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ .
وَلُبَابُهُ اللَّائِقُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيرِهَا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ أَنَّهَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ .
سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ؛ فَقَالَ : مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ .
الثَّانِي أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ دُونَ سَائِرِ شُهُورِ الْعَامِ ؛ قَالَهُ سَائِرُ الْأَئِمَّةِ عَدَا مَا سَمَّيْنَاهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ الشَّهْرِ ؛ قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ .
الرَّابِعُ أَنَّهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ .
الْخَامِسُ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ .
السَّادِسُ أَنَّهَا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ .
السَّابِعُ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ .
الثَّامِنُ أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ .
التَّاسِعُ أَنَّهَا فِي الْأَشْفَاعِ لِلْأَفْرَادِ الْخَمْسَةِ ؛ فَإِذَا أَضَفْتهَا إلَى الثَّمَانِيَةِ الْأَقْوَالِ اجْتَمَعَ فِيهَا ثَلَاثَةَ عَشْرَ قَوْلًا ، أُصُولُهَا هَذِهِ التِّسْعَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا .
تَوْجِيهُ الْأَقْوَالِ وَأَدِلَّتُهَا : أَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّهَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ ، فَنَزَعَ إلَى أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ شَرْعًا ، مُخْبَرٌ عَنْهَا قَطْعًا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِتَوْقِيتِهَا دَلِيلٌ ، فَبَقِيَتْ مُتَرَقَّبَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ ، وَقَدْ رَآهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مَعَ فِقْهِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ بِهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ
يَطْلُبُهَا ، وَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } ، وَلَوْ كَانَتْ مُخَصَّصَةً بِجُزْءٍ مِنْهُ مَا تَقَلَّبَ فِي جَمِيعِهِ يَطْلُبُهَا فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ نَزَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهَا إحْدَى وَعِشْرِينَ فَمُعَوَّلُهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِزُ الْعَشْرَ الَّتِي فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاسِطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي أُوتِيت ، وَقِيلَ لِي : إنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَإِنِّي رَأَيْتهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ ، وَكَأَنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ .
فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ صَلَّى الصُّبْحَ ، فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ ، وَوَكَفَ الْمَسْجِدُ ؛ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَجَبِينُهُ وَأَرْنَبَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا أَثَرُ الطِّينِ وَالْمَاءِ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ فَلِوَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُ فِيهَا إلَيْك .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنِّي رَأَيْت أَنِّي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ : فَرَأَيْته فِي صَبِيحَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَجَدَ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ، كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ
الْأَوَاخِرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى ، وَفِي خَامِسَةٍ تَبْقَى } ، زَادَ النَّسَائِيّ عَلَى مُسْلِمٍ { أَوْ ثُلُثِ آخِرِ لَيْلَةٍ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، { قَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ : سَأَلْت أُبَيِّ بْنَ كَعْبٍ ، فَقُلْت : إنَّ أَخَاك ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ .
فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَرَادَ أَلَّا يَتَّكِلَ النَّاسُ ، أَمَّا إنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ .
فَقُلْت : بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ؟ فَقَالَ : بِالْعَلَامَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الشَّمْسِ مِنْ صَبِيحَتِهَا أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَنَزَعَ بِحَدِيثِ النَّسَائِيّ الْمُتَقَدِّمِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي الْأَشْفَاعِ فَنَزَعَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْأَوَاسِطَ مِنْ رَمَضَانَ ، يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ ، فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ، ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إنَّهُ كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، وَإِنِّي خَرَجْت لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا ، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ ، فَنَسِيتهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ } .
قَالَ أَبُو نَضْرَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ : قُلْت لِأَبِي سَعِيدٍ : إنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا .
قَالَ : أَجَلْ ، نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ .
قَالَ : فَقُلْت : فَمَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ : إذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ ، وَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا وَهِيَ الْخَامِسَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الصَّحِيحِ فِيهَا وَتَرْجِيحِ سُبُلِ النَّظَرِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْحَقِّ مِنْهَا : وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } فَأَفَادَ هَذَا بِمُطْلَقِهِ ، لَوْ لَمْ يَكُنْ كَلَامٌ سِوَاهُ أَنَّهَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } فَأَنْبَأَنَا أَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ الْعَامِ .
فَقُلْنَا : مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، ثُمَّ نَظَرْنَا إلَى قَوْله تَعَالَى { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } فَأَفَادَنَا ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِإِخْبَارِ اللَّهِ أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ فِيهَا ، فَقُلْنَا : مَنْ يَقُمْ شَهْرَ رَمَضَانَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، وَقَدْ طَلَبَهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِهِ وَفِي أَوْسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ رَجَاءَ الْحُصُولِ .
وَقَالَ : { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ؛ وَلَمْ يَعُمَّهُ بِالطَّلَبِ لِمَا كَانَ يَظُنُّهُ مِنْ التَّخْصِيصِ ، وَرَجَاءَ أَلَّا يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِهِ ، ثُمَّ أَنْبَأَهُ اللَّهُ بِهَا ، فَخَرَجَ لِيُخْبِرَ بِهَا فَأُنْسِيَهَا لِشُغْلِهِ مَعَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، لَكِنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ أُخْبِرَ بِهِ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ .
[ وَتَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ] ، كَمَا قَالَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقْتَضَتْ رُؤْيَاهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي
لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ .
[ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ] ؛ ثُمَّ أَنْبَأَ عَنْهَا بِعَلَامَةٍ ، وَهِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا يَعْنِي مِنْ كَثْرَةِ الْأَنْوَارِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَمْ نَصْلُحْ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ النُّورِ لِكَثْرَةِ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ ، فَإِنْ رَآهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُذْنِبِينَ فَحُجَّةٌ عَلَيْهِ إنْ مَاتَ وَنِقْمَةٌ مِنْهُ إنْ بَقِيَ كَمَا كَانَ ، ثُمَّ خَصَّ السَّبْعَ الْأَوَاخِرَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّهْرِ ، فَحَثَّ عَلَى الْتِمَاسِهَا فِيهَا ، ثُمَّ وَجَدْنَاهَا بِالرُّؤْيَا الْحَقِّ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ فِي عَامٍ ، ثُمَّ وَجَدْنَاهَا بِالرُّؤْيَا الصِّدْقِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي عَامٍ ، ثُمَّ وَجَدْنَاهَا بِالْعَلَامَةِ الْحَقِّ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ؛ فَعَلِمْنَا أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْأَعْوَامِ ، لِتَعُمَّ بَرَكَتُهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ جَمِيعَ الْأَيَّامِ ، وَخَبَّأَهَا عَنْ التَّعْيِينِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْرَكَ عَلَى الْأُمَّةِ فِي الْقِيَامِ فِي طَلَبِهَا شَهْرًا أَوْ أَيَّامًا ، فَيَحْصُلُ مَعَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثَوَابُ غَيْرِهَا ، كَمَا خَبَّأَ الْكَبَائِرَ فِي الذُّنُوبِ وَسَاعَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ .
فَهَذِهِ سُبُلُ النَّظَرِ الْمُجْتَمِعَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ أَجْمَعُ ، فَتَبَصَّرُوهَا لَمَمًا ، وَاسْلُكُوهَا أُمَمًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَتِمَّ الْعَامُ مِنْ أَوَّلِ يَمِينِهِ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَامِ ، فَلَا يَبْطُلُ [ يَقِينُ ] النِّكَاحِ بِالشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ إجْمَاعًا مِنْ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ .
الثَّانِي إذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا ثَبَتَ فِي الْآثَارِ ؛ وَلَا يَتَعَيَّنُ تَعْيِينُهَا إلَّا بِدُخُولِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَلَا يَقَعُ يَقِينُ الْفِرَاقِ الَّذِي يَرْتَفِعُ بِهِ يَقِينُ النِّكَاحِ إلَّا حِينَئِذٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي حِينِ قَوْلِهِ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ ؛ فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يُطَلِّقْ قَطُّ بِشَكٍّ ، وَلَا يَرْفَعُ الشَّكُّ عِنْدَهُ الْيَقِينَ بِحَالٍ .
وَقَدْ جَهِلَ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا تَطْلُقُ عِنْدَ مَالِكٍ بِأَنَّ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى أَجَلٍ آتٍ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ الْآنَ ؛ لِأَنَّ الْفُرُوجَ لَا تَقْبَلُ تَأْقِيتًا ؛ وَلِذَلِكَ أَبْطَلَ الْعُلَمَاءُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ .
وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرٍ قَبْلَ مَا بَعْدَ قَبْلِهِ رَمَضَانَ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُزْءٍ مُنْفَرِدٍ ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي هَاهُنَا .
سُورَةُ الْبَيِّنَةِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ } .
الْآيَةُ فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي قِرَاءَتِهَا : قَرَأَهَا أُبَيٌّ : { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ؛ وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَمْ يَكُنِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ مُنْفَكِّينَ .
وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ ؛ وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ ، لَا فِي مَعْرِضِ التِّلَاوَةِ ؛ فَقَدْ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ } ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ ؛ فَإِنَّ التِّلَاوَةَ مَا كَانَ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ الْكَاهِلِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا } لَعَطَّلُوا الْأَهْلَ وَالْمَالَ ، وَلَتَعَلَّمُوهَا } .
وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ ؛ وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَقَالَ : وَسَمَّانِي لَك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَبَكَى } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَوْلُهُ : { مُنْفَكِّينَ } يَعْنِي زَائِلِينَ عَنْ دِينِهِمْ ، حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ بِبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَتِلْكَ الْبَيِّنَةُ هِيَ : { رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالُوا : { مُطَهَّرَةً } مِنْ الشِّرْكِ ، وَقَالُوا : مُطَهَّرَةً بِحُسْنِ الذِّكْرِ ، وَقَلْبٌ مُطَهَّرٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْآيَةِ الَّتِي فِي { عَبَسَ وَتَوَلَّى } : { مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } إنَّهَا الْقُرْآنُ وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا
الْمُطَهَّرُونَ ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوَافِقُ [ ذَلِكَ وَتُؤَكِّدُهُ فَلَا يَمَسُّهَا إلَّا طَاهِرٌ شَرْعًا وَدِينًا ، فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُ ذَلِكَ فَبَاطِلٌ لَا يُنْفَى ] ذَلِكَ فِي كَرَامَتِهَا ، وَلَا يُبْطِلُ حُرْمَتَهَا ، كَمَا لَوْ قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ نُبُوَّتُهُ ، وَلَا أَسْقَطَ ذَلِكَ حُرْمَتَهُ ، وَلَا اقْتَضَى ذَلِكَ تَكْذِيبَهُ ؛ بَلْ يَكُونُ زِيَادَةً فِي مَرْتَبَتِهِ فِي الدَّارَيْنِ .
==========================================ج23.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِعِبَادَتِهِ ، وَهِيَ أَدَاءُ الطَّاعَةِ لَهُ بِصِفَةِ الْقُرْبَةِ ، وَذَلِكَ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ بِتَجْرِيدِ الْعَمَلِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا لِوَجْهِهِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْإِخْلَاصُ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَالنِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي التَّوْحِيدِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ؛ فَدَخَلَتْ تَحْتَ هَذَا الْعُمُومِ دُخُولَ الصَّلَاةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ خَرَجَتْ عَنْهُ طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ ، وَذَلِكَ يَعْتَرِضُ عَلَيْكُمْ فِي الْوُضُوءِ ؟ قُلْنَا : إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا إزَالَةُ الْعَيْنِ ، لَكِنْ بِمُزِيلٍ مَخْصُوصٍ ، فَقَدْ جَمَعَتْ عَقْلَ الْمَعْنَى وَضَرْبًا مِنْ التَّعَبُّدِ ، كَالْعِدَّةِ جَمَعَتْ بَيْنَ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَالتَّعَبُّدِ ، حَتَّى صَارَتْ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالْيَائِسَةِ الَّتِي تُحَقِّقُ بَرَاءَةَ رَحِمِهِمَا قَطْعًا ، لَا سِيَّمَا وَمَا غَرَضٌ نَاجِزٌ ؛ وَهُوَ النَّظَافَةُ ؛ فَيَسْتَقِلُّ بِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْوُضُوءِ [ غَرَضٌ نَاجِزٌ ] إلَّا مُجَرَّدُ التَّعَبُّدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ وَأَعْضَاؤُهُ تَجْرِي بِالْمَاءِ وَخَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ بَطَلَ وُضُوءُهُ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي كِتَابِ تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ .
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : [ إنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ] : إنَّهَا مَدَنِيَّةٌ : وَفَضْلُهَا كَثِيرٌ ، وَتَحْتَوِي عَلَى عَظِيمٍ ؛ قَالَ إبْرَاهِيمُ التَّمِيمِيُّ : لَقَدْ أَدْرَكْت سَبْعِينَ شَيْخًا فِي مَسْجِدِنَا هَذَا ، أَصْغَرُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد ، وَسَمِعْته يَقْرَأُ : { إذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ } ، حَتَّى إذَا بَلَغَ إلَى قَوْلِهِ : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } بَكَى ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذِهِ لَإِحْكَامٌ شَدِيدٌ .
وَلَقَدْ رَوَى الْعُلَمَاءُ الْأَثْبَاتُ أَنَّ { هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ ؛ فَأَمْسَكَ ؛ فَقَالَ ؛ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَوَإِنَّا لَنَرَى مَا عَمِلْنَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ؟ قَالَ : أَرَأَيْت مَا تَكْرَهُ فَهُوَ مَثَاقِيلُ ذَرِّ الشَّرِّ ، وَيَدَّخِرُ لَكُمْ مَثَاقِيلَ ذَرِّ الْخَيْرِ حَتَّى تُعْطَوْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .
قَالَ أَبُو إدْرِيسَ : إنَّ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبْتِ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } .
وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ رَجُلًا إلَى رَجُلٍ يُعَلِّمُهُ حَتَّى إذَا بَلَغَ : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } قَالَ : حَسْبِي .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ فَقِهَ } .
وَرَوَى كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ : لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَتَيْنِ أَحْصَتَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَلَا تَجِدُونَ : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } قَالَ جُلَسَاؤُهُ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّهُمَا قَدْ أَحْصَتَا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَيْلُ
ثَلَاثَةٌ : لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ : { فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ ، فَقَالَ : مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } } .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ مَا فَسَّرْنَا بِهِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِالْبَلَاءِ كَمَا تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ بِالْجَزَاءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ سَرَدْنَا مِنْ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مَا سَرَدْنَا ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ تَمَامِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْحُمُرِ ، وَسَكَتَ عَنْ الْبِغَالِ ، وَالْجَوَابُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْبَغْلَ وَالْحِمَارَ لَا كَرَّ فِيهِمَا وَلَا فَرَّ .
فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي الْخَيْلِ مِنْ الْأَجْرِ الدَّائِمِ وَالثَّوَابِ الْمُسْتَمِرِّ سَأَلَ السَّائِلُ عَنْ الْحُمُرِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ يَوْمَئِذٍ بَغْلٌ ، وَلَا دَخَلَ الْحِجَازَ مِنْهَا [ شَيْءٌ ] إلَّا بَغْلَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ الدُّلْدُلُ ] الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقَسُ ، فَأَفْتَاهُ فِي الْحَمِيرِ بِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَإِنَّ فِي الْحِمَارِ مَثَاقِيلَ ذَرٍّ كَثِيرَةً .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَجْهَ هَذَا الدَّلِيلِ وَنَوْعَهُ ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَوْ غَيْرِهِ وَتَحْقِيقُهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
سُورَةُ الْعَادِيَاتِ أَقْسَمَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } .
وَأَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ ، فَقَالَ : { لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } .
وَأَقْسَمَ بِخَيْلِهِ وَصَهِيلِهَا وَغُبَارِهَا وَقَدْحِ حَوَافِرِهَا الدَّارِّ مِنْ الْحَجَرِ ، فَقَالَ : { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } الْآيَاتُ الْخَمْسُ .
وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ : { إنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } .
{ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } وَهُوَ الْمَالُ .
وَقَدْ تَبَيَّنَ فِيمَا تَقَدَّمَ [ حَالُ الْمَالِ ] فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ ، وَالْفَائِدَةِ وَالْخَيْبَةِ .
سُورَةُ التَّكَاثُرِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ } : فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إلَّا التُّرَابُ .
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ } .
فَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أُبَيٍّ قَالَ : كُنَّا نَرَى هَذَا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ } .
وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ مَلِيحٌ غَابَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ ، فَجَهِلُوا وَجَهَّلُوا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ كُنَّا أَمْلَيْنَا فِيهَا مِائَةً وَثَمَانِينَ مَجْلِسًا ، وَذَكَرْنَا أُنْمُوذَجَهَا فِي قَانُونِ التَّأْوِيلِ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ ، فَهُوَ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي النَّعِيمِ أَقْوَالًا كَثِيرَةً ، لُبَابُهَا خَمْسَةٌ : الْأُولَى : الْأَمْنُ وَالصِّحَّةُ .
الثَّانِي : السَّلَامَةُ .
الثَّالِثُ : لَذَّةُ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ ؛ قَالَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ .
الرَّابِعُ : الْغَدَاءُ وَالْعَشَاءُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الْخَامِسُ : شِبَعُ الْبَطْنِ ، وَشُرْبُ الْمَاءِ الْبَارِدِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَحْقِيقُ النَّعِيمِ مِنْ النِّعَمِ ، وَبِنَاءُ ( نَ عَ مَ ) لِلْمُوَافَقَةِ ، وَأَعْظَمُهَا مُوَافَقَةً مَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ كَادِحِ بْنِ رَحْمَةَ أَنَّهُ صِحَّةُ الْبَدَن وَطِيبُ النَّفْسِ ، وَقَدْ أَخَذَهُ الشَّاعِرُ ، فَقَالَ : إذَا الْقُوتُ يَأْتِي لَك وَالصِّحَّةُ وَالْأَمْنُ وَأَصْبَحْت أَخَا حُزْنٍ فَلَا فَارَقَك الْحُزْنُ وَقَدْ كَانَ هَذَا يَتَأَتَّى قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَأَمَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُ عَسِيرُ التَّكْوِينِ ، وَقَلِيلُ الْوُجُودِ .
وَيَرَى [ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ] أَنَّ مَالِكًا أَخَذَهُ مِنْ حِكَمِ لُقْمَانَ ؛ فَفِيهَا أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ قَالَ لِابْنِهِ : لَيْسَ غِنًى كَصِحَّةٍ ، وَلَا نَعِيمٌ كَطِيبِ نَفْسٍ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ } قَالَ الزُّبَيْرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ ، وَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ ؟ قَالَ : أَمَا إنَّهُ سَيَكُونُ } .
وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ } قَالَ النَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ عَنْ أَيِّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ ؟ فَإِنَّمَا هُمَا الْأَسْوَدَانِ ؛ وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ ، وَسُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا ؟ قَالَ : أَمَا إنَّهُ سَيَكُونُ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ ، نَزَلَتْ بَعْدَ شَرْعِ الْقِتَالِ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ؛ فَذَهَبُوا إلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِلَ ، وَقَامَ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ، وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَأَكَلُوا مِنْهُ ، وَشَرِبُوا
مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ } .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ مَشْهُورٌ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا ، وَهَذَا نَعِيمُ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ ، وَأَصْلُهُ الَّذِي لَا تَنَعُّمَ فِيهِ جِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ ، { وَحَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ } ، هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ يَكُونُ النَّعِيمُ فِي الْخَادِمِ كَمَا حَدَّثَ الْهُجَيْعُ بْنُ قَيْسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : مَا يَكْفِي ابْنَ آدَمَ مِنْ الدُّنْيَا ؟ قَالَ : مَا أَشْبَعَ جَوْعَتَك ، وَسَتَرَ عَوْرَتَك ؛ فَمَنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ فَهُنَاكَ النَّعِيمُ ، فَهُنَاكَ النَّعِيمُ } .
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ : أَلَمْ أَصِحَّ جِسْمَك ؟ أَلَمْ أَرْوِك مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ : إنَّ { أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيْهَانِ قَالَ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ ، فَعَمَدَ نَحْوَهُ ، فَوَقَفَ فَسَلَّمَ فَرَدَّ عُمَرُ عَلَيْهِ السَّلَامَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : مَا أَخْرَجَك هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : وَأَنْتَ مَا أَخْرَجَك هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا سَأَلْت قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي .
قَالَ : أَخْرَجَنِي الْجُوعُ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَك .
فَجَلَسَا يَتَحَدَّثَانِ ، فَطَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَدَ نَحْوَهُمَا حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمَا ، فَسَلَّمَ فَرَدَّا عَلَيْهِ السَّلَامَ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ فَنَظَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ لَيْسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ إلَّا يَكْرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ .
فَقَالَ
أَبُو بَكْرٍ : خَرَجَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَخَرَجْت بَعْدَهُ ، فَسَأَلْته مَا أَخْرَجَك هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتَ مَا أَخْرَجَك هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ فَقُلْت : أَنَا سَأَلْتُك قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَنِي .
قَالَ : أَخْرَجَنِي الْجُوعُ .
قَالَ : فَقُلْت لَهُ : أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا .
قَالَ : ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعْلَمَانِ مِنْ أَحَدٍ نُضِيفُهُ الْيَوْمَ ؟ قَالَا : نَعَمْ ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ حَرِيٌّ إنْ جِئْنَاهُ أَنْ نَجِدَ عِنْدَهُ فَضْلًا مِنْ تَمْرٍ يُعَالِجُ جِنَانَهُ هُوَ وَامْرَأَتُهُ لَا يَبِيعَانِ مِنْهُ شَيْئًا .
قَالَ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَاهُ حَتَّى دَخَلُوا الْحَائِطَ ، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعَتْ أُمُّ الْهَيْثَمِ تَسْلِيمَهُ فَفَدَتْهُ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَأَخْرَجَتْ حِلْسًا لَهَا مِنْ شَعْرٍ ، فَطَرَحَتْهُ ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْنَ أَبُو الْهَيْثَمِ ؟ قَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنْ الْمَاءِ .
قَالَ : فَطَلَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِالْقِرْبَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ النَّخْلِ أَسْنَدَهَا إلَى جِذْعٍ ، وَأَقْبَلَ يَفْدِي بِالْأَبِ وَالْأُمِّ ، فَلَمَّا رَأَى وُجُوهَهُمْ عَرَفَ الَّذِي بِهِمْ .
فَقَالَ لِأُمِّ الْهَيْثَمِ : هَلْ أَطْعَمْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ شَيْئًا ؟ فَقَالَتْ : إنَّمَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعَةَ .
قَالَ : فَمَا عِنْدَك ؟ قَالَتْ : عِنْدِي حَبَّاتٌ مِنْ شَعِيرٍ .
قَالَ : كَرْكِرِيهَا وَاعْجِنِي ، وَاخْبِزِي ، إذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الْخَمِيرَ .
وَأَخَذَ شَفْرَةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إيَّاكَ وَذَوَاتِ الدَّرِّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا أُرِيدُ عَنَاقًا فِي الْغَنَمِ .
قَالَ : فَذَبَحَ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَاهُ قَالَ : فَشَبِعُوا شِبْعَةً لَا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِهَا ، فَمَا مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا يَسِيرًا ، حَتَّى أُتِيَ بِأَسِيرٍ مِنْ الْيَمَنِ ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو إلَيْهِ الْعَمَلَ وَتُرْبَةَ يَدِهَا ، وَتَسْأَلُهُ إيَّاهُ .
قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أَعْطِيهِ أَبَا الْهَيْثَمِ ، فَقَدْ رَأَيْت مَا لَقِيَهُ هُوَ وَمِرْيَتُهُ يَوْمَ ضِفْنَاهُمْ .
قَالَ : فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ ، فَقَالَ : خُذْ هَذَا الْغُلَامَ يُعِينُك عَلَى حَائِطِك ، وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا .
قَالَ : فَمَكَثَ الْغُلَامُ عِنْدَ أَبِي الْهَيْثَمِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا غُلَامُ ، لَقَدْ كُنْت مُسْتَقِلًّا وَأَنَا وَصَاحِبَتِي بِحَائِطِنَا ، اذْهَبْ ، فَلَا رَبَّ لَك إلَّا اللَّهُ .
قَالَ : فَخَرَجَ الْغُلَامُ إلَى الشَّامِ } .
وَرَوَى { عِكْرَاشُ بْنُ ذُؤَيْبٍ : قَالَ بَعَثَنِي بَنُو مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِصَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدِمْت عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ ، فَوَجَدْته جَالِسًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقَ بِي إلَى بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ : هَلْ مِنْ طَعَامٍ ؟ فَأَتَيْنَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ ، وَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ مِنْهَا ، فَخَبَطْت بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا ، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى ، ثُمَّ قَالَ : يَا عِكْرَاشُ ؛ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ .
ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ الرُّطَبِ ؛ أَوْ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ شَكٌّ قَالَ : فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّبَقِ وَقَالَ : يَا عِكْرَاشُ ؛ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت ،
فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ لَوْنٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ بِبَلَلِ يَدَيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ ، وَقَالَ : يَا عِكْرَاشُ ؛ هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ } .
وَقَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِي الطَّعَامِ وَيَتَلَذَّذَ ، وَيُسَمِّيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَحْمَدَهُ ، وَلَا يَصْرِفَ قُوَّتَهُ الْمُسْتَفَادَةَ بِذَلِكَ فِي مَعْصِيَتِهِ ، فَإِنْ سُئِلَ وَجَذَبَتْهُ سَعَادَتُهُ فَسَيُوَفَّقُ لِلْجَوَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
سُورَةُ الْعَصْرِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَصْرِ } : قَالَ مَالِكٌ : مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ رَجُلًا عَصْرًا لَمْ يُكَلِّمْهُ سَنَةً ، وَلَوْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَهُ الْعَصْرَ لَمْ يُكَلِّمْهُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ الْعَصْرَ هُوَ الدَّهْرُ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : بِنَاءُ ( ع ص ر ) يَنْطَلِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي ، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْعَصْرُ الدَّهْرُ .
الثَّانِي : اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ .
[ قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَنْ يَلْبَثَ الْعَصْرَانِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ إذَا طَلَبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّمَا الثَّالِثُ الْعَصْرُ : الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ .
قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَمْطُلُهُ الْعَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِي وَيَرْضَى بِنِصْفِ الدَّيْنِ وَالْأَنْفُ رَاغِمٌ وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْعَصْرَ مِثْلُ الدَّهْرِ ] ؛ قَالَ الشَّاعِرُ : سَبِيلُ الْهَوَى وَعْرٌ وَبَحْرُ الْهَوَى غَمْرٌ وَيَوْمُ الْهَوَى شَهْرٌ وَشَهْرُ الْهَوَى دَهْرٌ يُرِيدُ عَامًا .
الرَّابِعُ أَنَّ الْعَصْرَ [ سَاعَةٌ مِنْ ] سَاعَاتِ النَّهَارِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ ، وَقَتَادَةُ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا حَمَلَ مَالِكٌ يَمِينَ الْحَالِفِ أَلَّا يُكَلِّمَ امْرَأً عَصْرًا عَلَى السَّنَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِيهِ ، وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَغْلِيظِ الْمَعْنَى فِي الْأَيْمَانِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُبَرُّ بِسَاعَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ ؛ وَبِهِ أَقُولُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ عَرَبِيًّا ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا أَرَدْت ؟ فَإِذَا فَسَّرَهُ بِمَا يُحْتَمَلُ قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ ، وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يُفَسِّرُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْفِيلِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ .
[ وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مَخْرَمَةَ : وُلِدْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ ] .
وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ أَنْ يُخْبِرَ بِسِنِّهِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا اسْتَحْقَرُوهُ ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا اسْتَهْرَمُوهُ .
وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يُخْبِرُ بِسِنِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكْتُمُ سِنَّهُ ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعُلَمَاءِ قُدْوَةً بِهِ ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْبِرَ الْإِنْسَانُ بِسِنِّهِ ، كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا .
قِيلَ لِبَعْضِ الْقُضَاةِ : كَمْ سِنُّك ؟ قَالَ : سِنُّ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ حِينَ وَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَكَانَتْ سِنُّهُ يَوْمَئِذٍ دُونَ الْعِشْرِينَ .
سُورَةُ قُرَيْشٍ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { إيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } : فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ { إيلَافِ } وَهُوَ مَصْدَرُ أَلِفَ يَأْلَفُ عَلَى غَيْرِ الْمَصْدَرِ ، وَقِيلَ : آلَفَ يُؤَالِفُ ؛ قَالَهُ الْخَلِيلُ ، وَإِيلَافِهِمْ هَذَا يَدُلُّ مِنْ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَى الْبَيَانِ .
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ } ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالسُّورَةِ الْأُخْرَى ، وَقَدْ قُطِعَ عَنْهُ بِكَلَامٍ مُبْتَدَإٍ وَاسْتِئْنَافِ بَيَانٍ ، وَسَطْرٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ فَقَدْ تَبَيَّنَ ] وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَوَازُ الْوَقْفِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ ، وَلَيْسَتْ الْمَوَاقِفُ الَّتِي تَنْزِعُ بِهَا الْقُرَّاءُ شَرْعًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْوِيًّا ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِهِ تَعْلِيمَ الطَّلَبَةِ الْمَعَانِيَ ، فَإِذَا عَلِمُوهَا وَقَفُوا حَيْثُ شَاءُوا ؛ فَأَمَّا الْوَقْفُ عِنْدَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَلَا تَعُدَّ مَا قَبْلَهُ إذَا اعْتَرَاك ذَلِكَ ، وَلَكِنْ ابْدَأْ مِنْ حَيْثُ وَقَفَ بِك نَفَسُك ، [ هَذَا رَأْيِي فِيهِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا قَالُوهُ بِحَالٍ ، وَلَكِنِّي أَعْتَمِدُ الْوَقْفَ عَلَى ] التَّمَامِ ، كَرَاهِيَةَ الْخُرُوجِ عَنْهُمْ ، وَأَطْرُقُ الْقَوْلَ مِنْ عِيٍّ .
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَةُ قَالَ مَالِكٌ : الشِّتَاءُ نِصْفُ السَّنَةِ ، وَالصَّيْفُ نِصْفُهَا .
وَلَمْ أَزَلْ أَرَى رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَخْلَعُونَ عَمَائِمَهُمْ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا ، وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ ، وَهُوَ يَوْمُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ عَدَدِ الرُّومِ أَوْ الْفُرْسِ ، وَأَرَادَ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا أَنْ يَخْرُجَ السُّعَاةُ وَتَسِيرَ النَّاسُ بِمَوَاشِيهِمْ إلَى مِيَاهِهِمْ .
وَأَنَّ طُلُوعَ الثُّرَيَّا قُبُلُ الصَّيْفِ وَدُبُرُ الشِّتَاءِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ عَنْهُ .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْهُ وَحْدَهُ : إذَا سَقَطَتْ الْهَقْعَةُ نَقَصَ اللَّيْلُ ، فَلَمَّا جَعَلَ طُلُوعَ الثُّرَيَّا أَوَّلَ الصَّيْفِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَطْرُ السَّنَةِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الشِّتَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَهَابِ الصَّيْفِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ .
وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَمَّنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ امْرَأً حَتَّى يَدْخُلَ الشِّتَاءُ .
فَقَالَ : لَا يُكَلِّمُهُ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ هَاتُورَ .
وَلَوْ قَالَ : حَتَّى يَدْخُلَ الصَّيْفُ لَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ ؛ فَهُوَ سَهْوٌ ؛ إنَّمَا هُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ ؛ لِأَنَّك إذَا حَسَبْت الْمَنَازِلَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَ لَيْلَةً كُلَّ مَنْزِلَةٍ ، عَلِمْت أَنَّ مَا بَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ هَاتُورَ لَا تَنْقَضِي مَنَازِلُهُ إلَّا بِتِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ بَشَنْسَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ قَوْمٌ : الزَّمَانُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : شِتَاءٌ [ وَرَبِيعٌ ، وَصَيْفٌ ، وَخَرِيفٌ .
وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ شِتَاءٌ ] وَصَيْفٌ ، وَقَيْظٌ ، وَخَرِيفٌ .
وَاَلَّذِي قَالَ مَالِكٌ أَصَحُّ لِأَجْلِ قِسْمَةِ اللَّهِ الزَّمَانَ قِسْمَيْنِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَمَّا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ بِرِحْلَتَيْنِ : [ رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ؛ رِحْلَةُ الشِّتَاءِ ] إلَى الْيَمَنِ ؛ لِأَنَّهَا بِلَادٌ حَامِيَةٌ ، وَرِحْلَةُ الصَّيْفِ إلَى الشَّامِ ؛ لِأَنَّهَا بِلَادٌ بَارِدَةٌ ، وَقِيلَ بِتَنَقُّلِهَا بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ إلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الرَّجُلِ فِي الزَّمَانَيْنِ بَيْنَ مَحَلَّيْنِ يَكُونُ حَالُهُمَا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَنْعَمَ مِنْ الْآخَرِ ، كَالْجُلُوسِ فِي الْمَجْلِسِ الْبَحْرِيِّ فِي الصَّيْفِ ، وَفِي الْقِبْلِيِّ فِي الشِّتَاءِ ، وَفِي اتِّخَاذِ البادهنجات وَالْخَيْشِ لِلتَّبْرِيدِ ، وَاللِّبَدِ وَالْيَانُوسَةِ لِلدِّفْءِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
سُورَةُ الْمَاعُونِ [ فِيهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّسْيَانَ هُوَ التَّرْكُ ، وَقَدْ يَكُونَ بِقَصْدٍ ، وَقَدْ يَكُونَ بِغَيْرِ قَصْدٍ ؛ فَإِنْ كَانَ بِقَصْدٍ فَاسْمُهُ الْعَمْدُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَاسْمُهُ السَّهْوُ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ تَكْلِيفَ السَّاهِي مُحَالٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ الْخِطَابَ كَيْفَ يُخَاطَبُ ؟ فَإِنْ قَالَ : فَكَيْفَ ذَمَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ الذَّمَّ ؛ أَوْ كَلَّفَ مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّكْلِيفُ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنْ يَعْقِدَ نِيَّتَهُ عَلَى تَرْكِهَا ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الذَّمُّ إذَا جَاءَ الْوَقْتُ .
وَإِنْ كَانَ حِينَئِذٍ غَافِلًا أَوْ لِمَنْ يَكُونُ التَّرْكُ لَهَا عَادَتَهُ ، فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الذَّمُّ دَائِمًا ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لِأَنَّ السَّلَامَةَ عَنْ السَّهْوِ مُحَالٌ فَلَا تَكْلِيفَ .
وَقَدْ سَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ وَالصَّحَابَةُ ، وَكُلُّ مَنْ لَا يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ فَذَلِكَ رَجُلٌ لَا يَتَدَبَّرُهَا وَلَا يَعْقِلُ قِرَاءَتَهَا ، وَإِنَّمَا هَمُّهُ فِي إعْدَادِهَا وَهَذَا رَجُلٌ يَأْكُلُ الْقُشُورَ وَيَرْمِي اللُّبَّ ، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ إلَّا لِفِكْرَتِهِ فِي أَعْظَمَ مِنْهَا ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَسْهُو فِي صَلَاتِهِ مَنْ يُقْبِلُ عَلَى وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ إذَا قَالَ لَهُ : اُذْكُرْ كَذَا [ لَمَّا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ ] حَتَّى يُضِلَّ الرَّجُلَ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يُرَاءُونَ بِصَلَاتِهِمْ ؛ يُرِي الْمُنَافِقُ النَّاسَ أَنَّهُ يُصَلِّي طَاعَةً وَهُوَ يُصَلِّي تَقِيَّةً ، وَالْفَاسِقُ أَنَّهُ يُصَلِّي عِبَادَةً وَهُوَ يُصَلِّي لِيُقَالَ إنَّهُ يُصَلِّي .
وَحَقِيقَةُ الرِّيَاءِ طَلَبُ مَا فِي الدُّنْيَا بِالْعِبَادَاتِ ، وَأَصْلُهُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ ؛ فَأَوَّلُهَا تَحْسِينُ السَّمْتِ ؛ وَهُوَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْجَاهَ وَالثَّنَاءَ .
ثَانِيهِمَا الرِّيَاءُ بِالثِّيَابِ الْقِصَارِ وَالْخَشِنَةِ ، لِيَأْخُذَ بِذَلِكَ هَيْئَةَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا .
ثَالِثُهُمَا الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ بِإِظْهَارِ التَّسَخُّطِ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَإِظْهَارِ الْوَعْظِ وَالتَّأَسُّفِ عَلَى مَا يَفُوتُ مِنْ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ .
رَابِعُهُمَا الرِّيَاءُ بِإِظْهَارِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ، أَوْ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ النَّاسِ ، وَذَلِكَ يَطُولُ ؛ وَهَذَا دَلِيلُهُ .
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } : فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي تَحْقِيقِ الْكَلِمَةِ : الْمَاعُونَ : مَفْعُولٌ مِنْ أَعَانَ يُعِينُ ، وَالْعَوْنُ هُوَ الْإِمْدَادُ بِالْقُوَّةِ وَالْآلَةِ وَالْأَسْبَابِ الْمُيَسِّرَةِ لِلْأَمْرِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ مَالِكٌ : هِيَ الزَّكَاةُ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُنَافِقُ يَمْنَعُهَا .
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } قَالَ : إنَّ الْمُنَافِقَ إذَا صَلَّى صَلَّى لَا لِلَّهِ ، بَلْ رِيَاءً ، وَإِنْ فَاتَتْهُ لَمْ يَنْدَمْ عَلَيْهَا ؛ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ : الزَّكَاةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : لَوْ خُفِّفَتْ لَهُمْ الصَّلَاةُ كَمَا خُفِّفَتْ لَهُمْ الزَّكَاةُ مَا صَلَّوْهَا .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : الْمَاعُونُ الْمَالُ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ مَا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ .
الرَّابِعُ هُوَ الْقِدْرُ وَالدَّلْوُ وَالْفَأْسُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ الْخَامِسُ هُوَ الْمَاءُ وَالْكَلَأُ .
السَّادِسُ هُوَ الْمَاءُ وَحْدَهُ ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ : يَمُجُّ صَبِيرُهُ الْمَاعُونَ صَبًّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَاعُونَ مِنْ الْعَوْنِ كَانَ كُلُّ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِهِ عَوْنًا ، وَأَعْظَمُهُ الزَّكَاةُ إلَى الْمِحْلَابِ ، وَعَلَى قَدْرِ الْمَاعُونِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ يَكُونُ الذَّمُّ فِي مَنْعِهِ ، إلَّا أَنَّ الذَّمَّ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْعِ الْوَاجِبِ ، وَالْعَارِيَّةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى التَّفْصِيلِ ؛ بَلْ إنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ الْوَيْلَ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ مَنَعَ الْوَاجِبَ ، فَاعْلَمُوهُ وَتَحَقَّقُوهُ .
سُورَةُ الْكَوْثَرِ [ فِيهَا آيَتَانِ ] الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } } .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَيْسَتْ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ وَلَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النَّمْلِ قَوْلُهُ : { إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَائْتُونِي مُسْلِمِينَ } بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَاسْتَوْفَيْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مِنْ التَّلْخِيصِ وَالْإِنْصَافِ .
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { فَصَلِّ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ اُعْبُدْ .
الثَّانِي : صَلِّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ .
الثَّالِثِ : صَلِّ يَوْمَ الْعِيدِ .
الرَّابِعِ : صَلِّ الصُّبْحَ بِجَمْعٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { وَانْحَرْ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا اجْعَلْ يَدَك عَلَى نَحْرِك إذَا صَلَّيْت .
الثَّانِي : انْحَرْ الْبُدْنَ وَالضَّحَايَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي تَحْقِيقِ الْمُرَادِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِهَذِهِ الْآيَةِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الْعِبَادَةُ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا أَصْلُ الصَّلَاةِ لُغَةً وَحَقِيقَةً عَلَى كُلِّ مَعْنَى ، وَبِكُلِّ اشْتِقَاقٍ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاعْبُدْ رَبَّك وَلَا تَعْبُدْ غَيْرَهُ ، وَانْحَرْ لَهُ وَلَا تَنْحَرْ لِسِوَاهُ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالْأَنْصَابِ حَسْبَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ وَقُرَيْشٌ فِي جَاهِلِيَّتِهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَلِأَنَّهَا رُكْنُ الْعِبَادَاتِ ، وَقَاعِدَةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَعْظَمُ دَعَائِمِ الدِّينِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلِأَنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِالنَّحْرِ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَا صَلَاةَ فِيهِ قَبْلَ النَّحْرِ غَيْرَهَا ، فَخَصَّصَهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَوَاتِ لِاقْتِرَانِهَا بِالنَّحْرِ ، فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ : مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا .
وَاَلَّذِي يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالنَّحْرُ بَعْدَهَا .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ سَمِعْنَا فِيهِ أَشْيَاءَ ، وَرَوَيْنَا مَحَاسِنَ : قَالَ عَلِيٌّ : قَوْلُهُ : فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ .
قَالَ : ضَعْ يَدَك الْيُمْنَى عَلَى سَاعِدِك [ الْيُسْرَى ] ثُمَّ ضَعْهُمَا عَلَى نَحْرِك قَالَهُ [ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ ] أَبُو الْجَوْزَاءِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قَوْلُهُ : { وَانْحَرْ } يَوْمَ النَّحْرِ .
وَقَالَ الْحَكَمُ : قَوْلُهُ : { لِرَبِّك وَانْحَرْ }
صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالنَّحْرِ .
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ ، النَّحْرُ النَّحْرُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ثُمَّ اذْبَحْ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : مَوْقِفُهُمْ بِجَمْعِ صَلَاتِهِمْ ، وَالنَّحْرُ النَّحْرُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : النَّحْرُ لَنَا وَالذَّبْحُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : إنْ شَاءَ ذَبَحَ ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ .
وَقَالَ عَطَاءٌ أَيْضًا : فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ : إذَا صَلَّيْت الصُّبْحَ فَانْحَرْ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ : إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ فَلَا تَكُنْ صَلَاتُك وَلَا نَحْرُك إلَّا لِلَّهِ .
وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ الْبَجَلِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْآيَةِ { يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ ؛ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : انْحَرْ وَارْجِعْ .
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ خُطْبَةَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا ؛ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : { فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ } } .
قَالَ قَتَادَةُ : صَلَاةُ الْأَضْحَى وَالنَّحْرُ نَحْرُ الْبُدْنِ .
فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَقْرَانِ مَالِكٍ وَمُتَقَدِّمِيهِ فِيهَا كَثِيرٌ .
وَقَدْ تَرَكْنَا أَمْثَالَهَا .
وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْأَقْرَانِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالنَّحْرِ ، وَلَا يَقْرُنَانِ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْقُرْآنِ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ مَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِدَلِيلٍ مِنْ غَيْرِهِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ : اُعْبُدْ رَبَّك وَانْحَرْ لَهُ ، وَلَا يَكُنْ عَمَلُك إلَّا لِمَنْ خَصَّك بِالْكَوْثَرِ ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ يُوَازِي هَذِهِ الْخَصِيصَةَ مِنْ الْكَوْثَرِ ، وَهُوَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ إيَّاهُ ، أَوْ النَّهْرُ الَّذِي طِينَتُهُ مِسْكٌ ، وَعَدَدُ آنِيَتِهِ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ ، أَمَّا أَنْ يُوَازِيَ هَذَا صَلَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ وَذَبْحَ كَبْشٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَذَلِكَ بَعِيدٌ فِي التَّقْدِيرِ
وَالتَّدْبِيرِ وَمُوَازَنَةِ الثَّوَابِ لِلْعِبَادِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ نَفْرُغَ عَلَى قَالَبِ الْقَوْلَيْنِ وَنَنْسِجَ عَلَى مِنْوَالِ الْفَرِيقَيْنِ ، فَنَقُولَ : أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّحْرُ يَوْمَ الضُّحَى فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَبَبُهُ فِي سُورَةِ " وَالصَّافَّاتِ " وَغَيْرِهَا .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ فِي وَلَدِهِ إسْمَاعِيلَ ، وَمَا بَيَّنَّهُ اللَّهُ فِيهِ لِلْأُمَّةِ ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ قُدْوَةً ، وَشَرَعَ تِلْكَ الْمِلَّةَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ حَبِيبٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ اشْتَرَاهَا وَجَبَتْ .
وَهُوَ الثَّانِي .
الثَّالِثِ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ .
الرَّابِعِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ ، وَهُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا .
وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : الْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةٌ هِيَ ؟ فَقَالَ : ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَحَّى الْمُسْلِمُونَ ، كَمَا قَالَ : أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ أَوْجَبَهَا بِقَوْلِهِ : { فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ } ، وَبِقَوْلِهِ : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } .
وَقَدْ تَقَرَّبَ بِدَمٍ وَاجِبٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، فَلْيَتَقَرَّبْ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّتِهِ بِدَمٍ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ أُلْزِمَ الْمِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ .
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ : { عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ } .
وَالْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ حِينَ ذَبَحَ الْجَذَعَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ : تَجْزِيَك ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } .
وَلَا يُقَالُ تَجْزِي إلَّا فِي الْوَاجِبِ .
قُلْنَا : أَمَّا قَوْلُهُ : { فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ } فَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ ، وَمَا اخْتَرْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ فَلِاحْتِمَالِهِ تَسْقُطُ الْحُجَّةُ مِنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ } فَمِلَّةُ
أَبِينَا إبْرَاهِيمَ تَشْتَمِلُ عَلَى فَرَائِضَ وَفَضَائِلَ وَسُنَنٍ ، وَلَا بُدَّ فِي تَعْيِينِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا مِنْ دَلِيلٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { تَجْزِيك وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } ، فَكَذَلِكَ يُقَالُ تَجْزِيَك فِي السُّنَّةِ كَمَا يُقَالُ فِي الْفَرْضِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ شَرْعُهُ ، وَفِيهِ شَرْطُهُ ، وَمِنْهُ إجْزَاؤُهُ أَوْ رَدُّهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ } فَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَحْلِقَنَّ شَعْرًا ، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفْرًا حَتَّى يَنْحَرَ ضَحِيَّتَهُ } .
فَعَلَّقَ الْأُضْحِيَّةَ بِالْإِرَادَةِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا ؛ بَلْ هُوَ فَرْضٌ أَرَادَ الْمُكَلَّفُ أَوْ لَمْ يُرِدْ .
وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْت بِيَوْمِ الْأَضْحَى ، عِيدٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ .
قَالَ رَجُلٌ : أَرَأَيْت إنْ لَمْ أَجِدْ إلَّا مَنِيحَةَ أَهْلِي أُضَحِّي بِهَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِك وَأَظَافِرِك ، وَتَقُصُّ شَارِبَك ، وَتَحْلِقُ عَانَتَك ؛ فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِك } .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَرَبِيُّ : أَنْبَأَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُمَا يُضَحِّيَانِ عَنْ أَهْلِهِمَا خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا .
قَالَ : فَلَمَّا جِئْت بِلَادَكُمْ هَذِهِ حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَ مَا عَلِمْت السُّنَّةَ ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَهَذَا مُحَقَّقٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهَذَا
الْقَدْرُ يَكْفِي مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إنَّ مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : { فَصَلِّ لِرَبِّك وَانْحَرْ } فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ النَّحْرِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : { أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ ؛ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَصَابَ نُسُكَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ } .
وَأَصْحَابُهُ يُنْكِرُونَهُ ، وَحَبَّذَا الْمُوَافَقَةُ ؛ وَبَقِيَّةُ مَسَائِلِ الْأَضَاحِيّ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَشَرْحِ الْحَدِيثِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَأَمَّا [ إنْ قُلْنَا ] إنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَانْحَرْ } ضَعْ يَدَك عَلَى نَحْرِك ، فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ لَا تُوضَعُ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاعْتِمَادِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْفَرْضِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي النَّفْلِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا فِي الْفَرِيضَةِ ، وَيَفْعَلُهَا فِي النَّافِلَةِ ، اسْتِعَانَةً ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَرَخُّصٍ .
الثَّالِثِ يَفْعَلُهَا فِي الْفَرِيضَةِ وَفِي النَّافِلَةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ وَائِلِ بْنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ { رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ حِيَالَ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى } الْحَدِيثَ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، { عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ } .
قَالَ أَبُو حَازِمٍ : لَا أَعْلَمُهُ يَنْمِي ذَلِكَ إلَّا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
سُورَةُ النَّصْرِ [ فِيهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ ] قَوْله تَعَالَى : { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ : لِمَ يَدْخُلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : إنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ .
فَدَعَانِي ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ ، فَمَا رَأَيْت أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي قَوْله تَعَالَى : { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ ، وَنَسْتَغْفِرَهُ إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ، وَفَتَحَ عَلَيْنَا .
وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
فَقَالَ لِي : كَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قُلْت : لَا .
قَالَ : فَمَا تَقُولُ ؟ قُلْت : هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِهِ ؛ قَالَ لَهُ : { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } فِي ذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِك ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .
فَقَالَ : لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَقُولُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ : { مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً بَعْدَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ : { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } إلَّا يُكْثِرَ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي } .
وَعَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ } .
{ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي .
قَالَ : قُلْ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، رَبِّي إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي
ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك ، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَاذَا يُغْفَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : { رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي كُلِّهِ ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَئِي وَعَمْدِي وَجَهْلِي وَهَزْلِي ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت ، وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
قَالَ الْقَاضِي : وَأَنَا أَقُولُ : كُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي مُضَاعَفٌ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ بَرِيءٌ .
وَلَكِنْ كَانَ يَسْتَقْصِرُ نَفْسَهُ لِعَظِيمِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَيَرَى قُصُورَهُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّ ذَلِكَ ذُنُوبًا ؛ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا ذُنُوبِي بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ ، وَالتَّرْكِ التَّامِّ ، وَالْمُخَالَفَةِ الْبَيِّنَةِ ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ بِالتَّوْبَةِ وَيَمُنُّ بِالْعِصْمَةِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ، لَا رَبَّ سِوَاهُ .
سُورَةُ تَبَّتْ [ وَفِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ ] .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ [ عَنْهُ ] قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ } وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا وَهَتَفَ : يَا صَبَاحَاهُ فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ، أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ ، وَأَنَّ الْعَدُوَّ مُصْبِحُكُمْ أَوْ مُمْسِيكُمْ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْك كَذِبًا .
قَالَ : فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ .
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : أَلِهَذَا جَمَعْتنَا ؟ تَبًّا لَك ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } .
إلَى آخِرِهَا } .
هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ عَلَيْنَا يَوْمَئِذٍ ، زَادَ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ : { فَلَمَّا سَمِعَتْ امْرَأَتُهُ مَا نَزَلَ فِي زَوْجِهَا وَفِيهَا مِنْ الْقُرْآنِ ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَرَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ .
فَقَالَتْ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَيْنَ صَاحِبُك ؟ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي ، فَوَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْته لَضَرَبْت بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ ، وَاَللَّهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ : مُذَمَّمًا عَصَيْنَا وَأَمْرُهُ أَبَيْنَا وَدِينُهُ قَلَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفَتْ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَا تَرَاهَا رَأَتْك ؟ قَالَ : مَا رَأَتْنِي ، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي } .
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُذَمَّمًا ، ثُمَّ
يَسُبُّونَهُ ، فَكَانَ يَقُولُ : أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ يَسُبُّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ : { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } : اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ ، أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَكْنِيَةِ الْمُشْرِكِ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ طَه فِي قَوْلِهِ : { فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا } " يَعْنِي كَنِّيَاهُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ إنَّمَا كَنَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ : الْأَوَّلِ أَنَّهُ [ لَمَّا ] كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى ، فَلَمْ يُضِفْ اللَّهُ الْعُبُودِيَّةَ إلَى صَنَمٍ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ تَكْنِيَتُهُ أَشْهُرُ مِنْهُ بِاسْمِهِ ؛ فَصَرَّحَ بِهِ .
الثَّالِثِ أَنَّ الِاسْمَ أَشْرَفُ مِنْ الْكُنْيَةِ ، فَحَطَّهُ اللَّهُ عَنْ الْأَشْرَفِ إلَى الْأَنْقَصِ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْخِيَارِ عَنْهُ ، وَلِذَلِكَ دَعَا اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ .
وَيَدُلُّك عَلَى شَرَفِ الِاسْمِ [ عَلَى الْكُنْيَةِ ] أَنَّ اللَّهَ يُسَمِّي وَلَا يُكَنِّي وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ وَبَيَانِهِ وَاسْتِحَالَةِ نِسْبَةِ الْكُنْيَةِ إلَيْهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْهَا .
الرَّابِعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُحَقِّقَ نَسَبَهُ بِأَنْ يُدْخِلَهُ النَّارَ ، فَيَكُونَ أَبًا لَهَا ، تَحْقِيقًا لِلنَّسَبِ ، وَإِمْضَاءً لِلْفَأْلِ وَالطِّيَرَةِ الَّتِي اخْتَارَ لِنَفْسِهِ [ لِذَلِكَ ] .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ أَهْلَهُ إنَّمَا كَانُوا سَمَّوْهُ أَبَا لَهَبٍ لِتَلَهُّبِ وَجْهِهِ وَحُسْنِهِ ؛ فَصَرَفَهُمْ اللَّهُ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ : أَبُو نُورٍ ، وَأَبُو الضِّيَاءِ ، الَّذِي هُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَأَجْرَى عَلَى أَلْسِنَتهمْ أَنْ يُضِيفُوهُ إلَى اللَّهَبِ الَّذِي هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكْرُوهِ وَالْمَذْمُومِ ، وَهُوَ النَّارُ ، ثُمَّ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيهِ بِأَنْ جَعَلَهَا مَقَرَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَرَّتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ قِرَاءَتَانِ : إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ : " وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَك الْأَقْرَبِينَ .
وَرَهْطَك مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ " .
وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ .
وَهُمَا شَاذَّتَانِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ رَوَاهُمَا عَنْ الْعَدْلِ ، وَلَكِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا لَا يُقْرَأُ إلَّا بِمَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ .
سُورَةُ الْإِخْلَاصِ [ وَقِيلَ ] التَّوْحِيدُ .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَقْطُوعًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَنَّهُ قَالَ : { أَتَى رَهْطٌ مِنْ يَهُودَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ .
فَمَنْ خَلَقَهُ ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَقَعَ لَوْنُهُ ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَكَّنَهُ ، فَقَالَ : خَفِّضْ عَلَيْك يَا مُحَمَّدُ ، وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } السُّورَةَ } .
وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ بَاطِلَةٌ هَذَا أَمْثَلُهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي فَضْلِهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ { أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } يُرَدِّدُهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَقَالُّهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ } ، فَهَذَا فَضْلُهَا ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ أَنَّ { رَجُلًا كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَقَالَ : إنِّي أُحِبُّهَا ، فَقَالَ لَهُ : حُبُّك إيَّاهَا أَدْخَلَك الْجَنَّةَ } .
فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .
وَقَدْ رَأَيْت عَلَى بَابِ الْأَسْبَاطِ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ إمَامًا مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ إمَامًا كَانَ فِيهِ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ بِالْأَتْرَاكِ ، فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، حَتَّى يُتِمَّ التَّرَاوِيحَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ وَرَغْبَةً فِي فَضْلِهَا .
وَلَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ ، حَسْبَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ .
سُورَةُ الْفَلَقِ وَالنَّاسِ [ فِيهِمَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ ] : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي سَبَبِ نُزُولِهِمَا : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلَ إلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، أَشْعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْته فِيهِ ؟ أَتَانِي مَلَكَانِ ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِيَّ قَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي : مَا شَأْنُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ .
قَالَ : وَمَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ .
فَقَالَ : فَبِمَاذَا ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ ، تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ .
فَجَاءَ الْبِئْرَ وَاسْتَخْرَجَهُ } .
انْتَهَى الصَّحِيحُ زَادَ غَيْرُهُ : { فَوَجَدَ فِيهَا إحْدَى عَشْرَ عُقْدَةً ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ إحْدَى عَشْرَ آيَةً ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، حَتَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ ، وَقَامَ كَأَنَّمَا أَنْشَطُ مِنْ عِقَالٍ } .
أَفَادَنِيهَا شَيْخُنَا الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ عَلِيِّ بْنُ بَدْرَانَ الصُّوفِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ } : رُوِيَ أَنَّهُ الذَّكَرُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ اللَّيْلُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ الْقَمَرُ ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَوَجْهُ أَنَّهُ الذَّكَرُ أَوْ اللَّيْلُ لَا يَخْفَى .
وَوَجْهُ أَنَّهُ الْقَمَرُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ وَعِبَادَتِهِ وَاعْتِقَادِ الطَّبَائِعِيِّينَ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْفَاكِهَةَ أَوْ تَنْفَعِلُ عَنْهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ إذَا طَلَعَ بِاللَّيْلِ انْتَشَرَتْ عَنْهُ الْحَشَرَاتُ بِالْإذَايَاتِ ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَجْلِ انْتِشَارِهَا بِاللَّيْلِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِشَارِهَا بِالْقَمَرِ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يُغْنِي عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {
أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُنَّ ، فَذَكَرَ السُّورَتَيْنِ : الْفَلَقَ ، وَالنَّاسَ } صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَفِي الصَّحِيحِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْت أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا } .
قُلْت لِلزُّهْرِيِّ : كَيْفَ يَنْفُثُ ؟ قَالَ : يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : هُمَا مِنْ الْقُرْآنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ أَتَيْنَا عَلَى مَا شَرَطْنَا فِي عُلُومِ الْقُرْآنِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ عَلَى حَالِ الزَّمَانِ ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى عَوَارِضَ لَا تُعَارِضُ مَا بَيْنَ مَعَاشٍ [ يُرَاشُ ] ، وَمُسَاوَرَةِ عَدُوٍّ أَوْ هَرَاشٍ ، وَسَمَاعٍ لِلْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ دِفَاعٌ ، وَطَالِبٍ لَا بُدَّ مِنْ مُسَاعَدَتِهِ فِي الْمَطَالِبِ ، إلَى هِمَمٍ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَقْطَارِ قَاصِرَةٍ ، وَأَفْهَامٍ مُتَقَاصِرَةٍ ، وَتَقَاعُدٍ عَنْ الِاطِّلَاعِ إلَى بَقَاءِ الِاسْتِبْصَارِ ، وَاقْتِنَاعٍ بِالْقِشْرِ عَنْ اللُّبَابِ ، وَإِقْصَارٍ وَاجْتِزَاءٍ بِالنُّفَايَةِ عَنْ النُّقَاوَةِ ، وَزُهْدٍ فِي طَرِيقِ الْحَقَائِقِ ، بِيَدِ أَنَّهُ لَمْ يَسَعْنَا وَالْحَالَةَ هَذِهِ إلَّا نَشْرُ مَا جَمَعْنَاهُ ، وَنَثْرُ مَا وَعَيْنَاهُ ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَلَا تَبْلُغُهُ إحَاطَتُهُمْ .
وَكَمُلَ الْقَوْلُ الْمُوجَزُ فِي التَّوْحِيدِ وَالْأَحْكَامِ ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، مِنْ عَرِيضِ بَيَانِهِ ، وَطَوِيلِ تِبْيَانِهِ ، وَكَثِيرِ بُرْهَانِهِ ، وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِي عِلْمِ التَّذْكِيرِ وَهُوَ بَحْرٌ لَيْسَ لِمَدِّهِ حَدٌّ ، وَمَجْمُوعٍ لَا يَحْصُرُهُ الْعَدُّ ، وَقَدْ كُنَّا أَمْلَيْنَا عَلَيْكُمْ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً مَا لَوْ قُيِّضَ لَهُ تَحْصِيلٌ لَكَانَتْ لَهُ جُمْلَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّفْصِيلِ ، وَلَمَّا ذَهَبَ [ بِهِ ] الْمِقْدَارُ ، فَسَيَعْلَمُ
الْغَافِلُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارُ .
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنْ الْحَمَدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
[ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : انْتَهَى الْقَوْلُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ ] . ==

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق